اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 28 مايو 2022

مجلد 5. من كتاب فتح القدبر للشوكاني

 

مجلد 5. من كتاب فتح القدبر للشوكاني

====صفحة رقم 3 "====
ع45 تفسير سورة الجاثية
هي سبع وثلاثون آية وقبل ست وثلاثون
حول السورة
وهي مكية كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة وأخرج ابن مردويه عن بن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا إلا آية منها وهي قوله ( للذين آمنوا ) إلى ( أيام الله ) فإنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب كما سيأتي
سورة الجاثية من ( 1 15 )


"""""" صفحة رقم 4 """"""
الجاثية : ( 1 ) حم
قوله ( حم ) قد تقدم الكلام في هذه الفاتحة وفي إعرابها في فاتحة سورة غافر وما بعدها فإن جعل اسما للسورة فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وإن جعل حروفا مسرودة على نمط التعديد فلا محل له
الجاثية : ( 2 ) تنزيل الكتاب من . . . . .
وقوله ( تنزيل الكتاب ) على الوجه الأول خبر ثان وعلى الوجه الثاني خبر المبتدأ وعلى الوجه الثالث خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره ( من الله العزيز الحكيم
الجاثية : ( 3 ) إن في السماوات . . . . .
ثم أخبر سبحانه بما يدل على قدرتة الباهرة فقال ( إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين ) أي فيها نفسها فإنها من فنون الآيات أو في خلقها
الجاثية : ( 4 ) وفي خلقكم وما . . . . .
قال الزجاج ويدل على أن المعنى في خلق السموات والأرض قوله ( وفي خلقكم ) أي في خلقكم أنفسكم على أطوار مختلفة قال مقاتل من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا ( وما يبث من دابة آيات ) أي وفي خلق ما يبث من دابة وارتفاع آيات على إنها مبتدأ مؤخر وخبره الظرف قبله وبالرفع قرأ الجمهور وقرأ حمزة والكسائي آيات بالنصب عطفا على اسم إن والخبر قوله ( وفي خلقكم ) كأنه قبل وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات أو على أنها تأكيد لآيات الأولى وقرأ الجمهور أيضا ( آيات لقوم يعقلون ) بالرفع وقرأ حمزة والكسائى بنصبها مع اتفاقها على الجر في اختلاف
الجاثية : ( 5 ) واختلاف الليل والنهار . . . . .
أما جر اختلاف فهو على تقدير حرف الجر أي ( و ) في ( اختلاف الليل والنهار ) آيات فمن رفع آيات فعلى أنها مبتدأ وخبرها في اختلاف وأما النصب فهو من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين قال الفراء الرفع على الأستئناف بعد إن تقول العرب إن لى عليك مالا وعلى أخيك مال ينصبون الثاني ويرفعونه وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين وحجج المجوزين له وجوابات المانعين له مقرر في علم النحو مبسوط في مطولاته ومعنى ( ما يبث من دابة ) ما يفرقه وينشره ( واختلاف الليل والنهار ) تعاقبهما أو تفاوتهما في الطول والقصر وقوله ( وما أنزل الله من السماء من رزق ) معطوف على اختلاف والرزق المطر لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به وإحياء الأرض وإخراج نباتها و ( موتها ) خلوها عن النبات ( و ) معنى ( تصريف الرياح ) أنها تهب تارة من جهة وتارة من أخرى وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة وتارة نافعة وتارة ضارة
الجاثية : ( 6 ) تلك آيات الله . . . . .
( تلك آيات الله نتلوها عليك ) أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه ومحل نتلوها عليك النصب على الحال ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر اسم الإشارة وآيات الله بيان له أو بدل منه وقوله ( بالحق ) حال من فاعل نتلو أو من مفعوله أي محقين أو ملتبسة


"""""" صفحة رقم 5 """"""
بالحق ويجوز أن تكون الباء للسببية فتتعلق بنفس الفعل ( فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) اي بعد حديث الله وبعد آياته وقيل إن المقصود فبأي حديث بعد آيات الله وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات فيكون من باب أعجبني زيد وكرمه وقيل المراد بعد حديث الله وهو القرآن كما في قوله الله نزل أحسن الحديث وهو المراد بالآيات والعطف لمجرد التغاير العنواني قرأ الجمهور ( تؤمنون ) بالفوقية وقرأ حمزة والكسائى بالتحية والمعنى يؤمنون بأي حديث وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام
الجاثية : ( 7 ) ويل لكل أفاك . . . . .
( ويل لكل أفاك أثيم ) أي لكل كذاب كثير الأثم مرتكب لما يوجبه والويل واد في جهنم
الجاثية : ( 8 ) يسمع آيات الله . . . . .
ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى فقال ( يسمع آيات الله تتلى عليه ) وقيل إن يسمع في محل نصب على الحال وقيل استئناف والأول أولى وقوله ( تتلى عليه ) في محل نصب على الحال ( ثم يصر ) على كفره ويقيم على ما كان عليه حال كونه ( مستكبرا ) أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد للحق والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه قال مقاتل إذا سمع من آيات القرآن شيئا أتخذها هزوا وجملة ( كأن لم يسمعها ) في محل نصب على الحال أو مستأنفة وإن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف ( فبشره بعذاب أليم ) هذا من باب التهكم أي فبشره على إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم
الجاثية : ( 9 ) وإذا علم من . . . . .
( وإذا علم من آياتنا شيئا ) قرأ الجمهور علم بفتح العين وكسر اللام منخفة على البناء للفاعل وقرأ قتادة ومطر الوراق على البناء للمفعول والمعنى أنه إذا وصل إليه علم شئ من آيات الله ( أتخذها ) أي الآيات ( هزوا ) وقيل الضمير في اتخذها عائد إلى شيئا لأنه عبارة عن الآيات والأول أولى والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى كل أفاك متصف بتلك الصفات ( لهم عذاب مهين ) بسبب ما فعلوا من الإصرار والاستكبار عن سماع آيات الله واتخاذها هزوا والعذاب المهين هو المشتمل على الإذلال والفضيحة
الجاثية : ( 10 ) من ورائهم جهنم . . . . .
( من ورائهم جهنم ) أي من وراء ماهم فيه من التعزز بالدنيا والتكبر عن الحق جهنم فإنها من قدامهم لأنهم متوجهون إليها وعبر بالوراء عن القدام كقوله ( من ورائه جهنم ) وقول الشاعر أليس ورائي إن تراخت منيتي
وقيل باعتبار إعراضهم عنها كأنها خلفهم ( ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ) أي لا يدفع عنهم ما كسبوا من أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب الله ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع ( ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) معطوف على ما كسبوا أي ولا يغني عنهم ما أنخذوا من دون الله أولياء من الأصنام و ( ما ) في الموضعين إما مصدرية أو موصولة وزيادة لا في الجملة الثانية للتأكيد ( ولهم عذاب عظيم ) في جهنم التي هي من ورائهم
الجاثية : ( 11 ) هذا هدى والذين . . . . .
( هذا هدى ) جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر يعني هذا القرآن هدى للمهتدين به ( والذين كفروا بآيات ربهم ) القرآنية ( لهم عذاب من رجز أليم ) الرجز أشد العذاب قرأ الجمهور ( أليم ) بالجر صفة للرجز وقرأ ابن كثير وضعف وابن محيصن بالرفع صفة لعذاب
الجاثية : ( 12 ) الله الذي سخر . . . . .
( الله الذي سخر لكم البحر ) أي جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه ( لتجري الفلك بأمره ) أي بأذنه وإقداره لكم ( ولتبتغوا من فضله ) بالتجارة تارة والغوص للدر والمعالجة للصيد وغير ذلك ( ولعلكم تشكرون ) أي لكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر
الجاثية : ( 13 ) وسخر لكم ما . . . . .
( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) أي سخر لعباده جميع ما خلقه في سماواته وأرضه مما تتعلق به مصالحهم وتقوم به معايشهم ومما سخره لهم من مخلوقات السموات الشمس والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح وانتصاب جميعا على الحال من ما في السموات وما في الأرض أو تأكيد له وقوله منه يجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لجميعا أي كائنة منه ويجوز أن يتعلق بسخر ويجوز ان يكون حالا من ما في السموات أو خبرأ لمبتدأ محذوف والمعنى أن كل ذلك رحمة منه


"""""" صفحة رقم 6 """"""
لعبادة ( أن في ذلك ) المذكور من التسخير ( لآيات لقوم يتفكرون ) وخص المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها فإنه ينتقل من التفكير إلى الاستدلال بها على التوحيد
الجاثية : ( 14 ) قل للذين آمنوا . . . . .
( قل للذين آمنوا يغفروا ) أي قل لهم أغفروا يغفروا ( للذين لا يرجون آيام الله ) وقيل هو على حذف اللام والتقدير قل لهم ليغفروا والمعنى قل لهم يتجاوزوا عن الذين لايرجون وقائع الله بأعدائه أي لا يتوقعانها ومعنى الرجاء هنا الخوف وقبل هو على معناه الحقيقي والمعنى لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين والأول أولى والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير قوله وذكرهم بأيام الله قال مقاتل لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يخافون عقابه وقيل المعنى لا بأملون نصر الله لأوليائه ايقاعه لاعدائه وقيل لا يخافون البعث وقيل والاية منسوخة بآية السيف ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائى ( لنجزي ) بالنون أي لنجزي نحن وقرأ باقي السبعة بالتحتية مبنيا للفاعل أي ليجزي الله وقرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم بالتحتية مبنيا للمفعول مع نصب قوما فقيل النائب عن الفاعل مصدر الفعل أي ليجزي الجزاء قوما وقيل إن النائب الجار والمجرور كما في قوله الشاعر ولو ولدت فقيرة جرو كلب
لسب بذلك الجرو الكلابا
4 وقد أجاز ذلك الأخفش والكوفيون ومنعه البصريون والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة والمراد بالقوم المؤمنون أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه وقيل المعنى ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن والأول أولى
الجاثية : ( 15 ) من عمل صالحا . . . . .
ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) والمعنى أن عمل كل طائفة من إحسان أو إساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره وفيه ترغيب وتهديد ( ثم إلى ربكم ترجعون ) فيجازي كلا بعمله إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد الرزاق والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ( جميعا منه ) قال منه النور والشمس والقمر وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال كل شيء هو من الله وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقى في الأسماء والصفات عن طاووس قال جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق الخالق قال من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب قال فمم الخلق هؤلاء قال لا أدري ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق فقال من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال فمم خلق هؤلاء فقرأ ابن عباس ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) فقال الرجل ما كان ليأتى بهذا إلا رجل من اهل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( قل للذين آمنوا يغفروا ) الآية قال كان نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعرض عن المشركين إذا آذوه وكانوا يستهزئون به ويكذبونه فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة فكان هذا من المنسوخ


"""""" صفحة رقم 7 """"""
سورة الجاثية ( 16 26 )
الجاثية : ( 16 ) ولقد آتينا بني . . . . .
قوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب والحكم والنبوة المراد بالكتاب التوارة وبالحكم الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس وفصل خصوماتهم وبالنبوة من بعثه الله لهم من الأنبياء فيهم ( ورزقناهم من الطيبات ) أي المستلذات التي أحلها الله ومن ذلك المن والسلوى ( وفضلناهم على العالمين ) من اهل زمانهم حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من فلق البحر ونحوه وقد تقدم بيان هذا في سورة الدخان
الجاثية : ( 17 ) وآتيناهم بينات من . . . . .
( وآتيناهم بينات من الأمر ) اي شرائع واضحات في الحلال والحرام أو معجزات ظاهرات وقيل العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وشواهد نبوته وتعيين مهاجره ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) أي فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم بيانه وايضاح معناه فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا لثبوته وقيل المراد بالعلم يوشع بن نون فإنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم وقيل نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فاختلفوا فيها حسدا وبغيا وقيل بغيا من بعضهم على بعض بطلب الرئاسة ( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) من أمر الدين فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
الجاثية : ( 18 ) ثم جعلناك على . . . . .
( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) الشريعة في اللغة المذهب والملة والمنهاج ويقال لمشرعه الماء وهي مورد شاربيه شريعة ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعبادة من الدين والجمع شرائع أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق ( فأتبعها ) فأعمل بأحكامها في أمتك ( ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) توحيد الله وشرائعه


"""""" صفحة رقم 8 """"""
لعباده وهم كفار قريش ومن وافقهم
الجاثية : ( 19 ) إنهم لن يغنوا . . . . .
( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) أي لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله بك أن اتبعت أهوائهم ( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ) أي أنصار ينصر بعضهم بعض قال ابن زيد إن المنافقين أولياء اليهود ( والله ولي المتقين ) أي ناصرهم والمراد بالمتقين الذين أتقوا الشرك والمعاصي
الجاثية : ( 20 ) هذا بصائر للناس . . . . .
والاشارة بقوله ( هذا ) إلى القرآن أو إلى اتباع الشريعة وهو مبتدأ وخبره ( بصائر للناس ) أي براهين ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب وقرئ ( هذه بصائر ) أي هذ الآيات لأن القرآن بمعناها كما قال الشاعر سائل بني أسد ما هذه الصوت
لأن الصوت بمعنى الصيحة ( وهدى ) أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن عمل به ( ورحمه ) من الله في الآخرة ( لقوم يوقنون ) أي من شأنهم الإيقان وعدم الشك والتزلزل بالشبه
الجاثية : ( 21 ) أم حسب الذين . . . . .
( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة وما فيها من معنى بل للأنتقال من البيان الأول إلى والثاني والهمزة لإنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح وقد تقدم في المائدة والجملة مستأنفة لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين وهو معنى قوله ( أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي نسوى بينهم مع اجتراحهم السيئات وبين أهل الحسنات ( سواء محياهم ومماتهم ) في دار الدنيا والآخرة كلا لا يستوون فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة وقيل المراد إنكار أن يستودا في الممات كما استودا في الحياة قرأ الجمهور ( سواء ) بالرفع على أنه خبر مقدم والمبتدأ محياهم ومماته والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء وقرأ حمزة والكسائى وحفص ( سواء ) بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله ( كالذين أمنوا ) أو على أنه مفعول ثان لحسب واختار قراءة النصب أبو عبيد وقال معناه نجعلهم سواء وقرا الأعمش وعيسى بن عمر ( مماتهم ) بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم فلما سقط الخافض انتصب أو على البدل من مفعول نجعلهم بدل اشتمال ( ساء ما يحكمون ) أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به
الجاثية : ( 22 ) وخلق الله السماوات . . . . .
( وخلق الله السموات والأرض بالحق ) أي بالحق المقتضى للعدل بين العباد ومحل بالحق النصب على الحال من الفاعل أو من المفعول أو الباء للسببية وقوله ( ولتجزى كل نفس بما كسبت ) يجوز أن يكون على الحق لأن كلا منهما سبب فعطف السبب على السبب ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف والتقدير خلق الله السموات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى ويجوز أن تكون اللام للصيرورة ( وهم لا يظلمون ) أي النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب
الجاثية : ( 23 ) أفرأيت من اتخذ . . . . .
ثم عجب سبحانه من حال الكفار فقال ( أفرأيت من أتخذ إلهة هواه ) قال الحسن وقتادة ذلك الكافر أتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه وقال عكرمة يعبد ما يهواه أو يستحسنه فإذا استحسن شيئا وهواه أتخذه إلاها قال سعيد بن جبير كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر ( وأضله الله على علم ) أي على علم قد علمه وقيل المعنى أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه وقال مقاتل على علم منه أنه ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر قال الزجاج على سوء في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه ومحل على علم النصب على الحال من الفاعل أو المفعول ( وختم على سمعه وقلبه ) أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى ( وجعل على بصره غشاوة ) أي غطاء حتى لا يبصر الرشد قرأ الجمهور ( غشاوة ) بالألف مع كسر الغين وقرأ حمزة والكسائى ( غشوة ) بغير ألف مع فتح الغين ومنه قول الشاعر
لئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصغيتك الود حينا


"""""" صفحة رقم 9 """"""
وقرأ ابن مسعود والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة وقرأ الحسن وعكرمة بضمها وهي لغة عكل ( فمن يهديه من بعد الله ) أي من بعد إضللال الله له ( افلا تذكرون ) تذكر أعتبار حتى تعلموا حقيقة الحال
الجاثية : ( 24 ) وقالوا ما هي . . . . .
ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ) أي ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها ( نموت ونحيا ) أي يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة وقيل نموت نحن وبحيا فيها أولادنا وقبل نكون نطفا ميتة ثم نصير إحياء وقيل في الآية تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وكذا قرأ بن مسعود وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث وتكذيب الآخرة ( وما يهلكنا إلا الدهر ) أي إلا مرور الإيام والليالي قال مجاهد يعني السنين والأيام وقال قتادة إلا العمر والمعنى واحد وقال قطرب المعنى وما يهلكنا إلا الموت وقال عكرمة وما يهلكنا إلا الله ( وما لهم بذلك من علم ) أي ما قالوا هذه المقالة إلا شاكين غير عالمين بالحقيقة ثم بين كون ذلك صادرا منهم لا عن علم فقال ( إن هم إلا يظنون ) أي ما هم إلا قوم غاية ما عندهم الظن فما يتكلمون إلا به ولا يستندون الا إليه
الجاثية : ( 25 ) وإذا تتلى عليهم . . . . .
( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) أي إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها بينات واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث ( ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) أنا نبعث بعد الموت أي ما كان لهم حجة ولا متمسك إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شئ وإنما سماه حجة تهكما بهم قرأ الجمهور بنصب حجتهم على أنه خبر كان واسمها ( إلا أن قالوا ) وقرأ زيد بن علي وعمرو بن عبيد وعبيد بن عمرو برفع حجتهم على أنها اسم كان
الجاثية : ( 26 ) قل الله يحييكم . . . . .
ثم أمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يرد عليهم فقال ( قل الله يحيكم ) أي في الدنيا ( ثم يميتكم ) عند انقضاء آجالكم ( ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ) بالبعث والنشور ( لا ريب فيه ) أي في جمعكم لأن من قدر على أبتداء الخلق قدر على إعادته ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) بذلك فلهذا حصل معهم الشك في البعث وجاءوا في دفعة بما هو أوهن من بيت العنكبوت ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم اليقين واندفع عنهم الريب وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) يقول على هدى من أمر دينه وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ( سواء محياهم ومماتهم ) قال المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن والكافر في الدنيا والآخرة كافر وأخرج ابن جرير وبن المنذر بن وأبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ( أفرأيت من أتخذ إلهة هواه ) قال ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان ( وأضله الله على علم ) يقول اضله في سابق علمه وأخرج النسائي وابن جرير وبن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عنه قال كان الرجل من العرب يعبد الحجر فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر فأنزل الله ( أفرأيت من أتخذ إلهه هواه ) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وبن مردويه عن أبي هريرة قال كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار فقال الله في كتابه ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) قال الله يؤذيني ابن آدم بسبب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ( قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر اقلب الليل والنهار سورة الجاثية ( 27 37 )


"""""" صفحة رقم 10 """"""
الجاثية : ( 27 ) ولله ملك السماوات . . . . .
لما ذكر سبحانه ما احتج به المشركون وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه بالملك فقال ( ولله ملك السموات والأرض ) أي هو المتصرف فيهما وحده لا يشاركه أحد من عباده ثم توعد أهل الباطل فقال ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) أي المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل يظهر في ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار والعامل في يوم هو يخسر ويومئذ بدل منه والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه فيكون التقدير ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة فيكون بدلا توكيديا والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك أي ولله ملك يوم تقوم الساعة ويكون يومئذ معمولا ليخسر
الجاثية : ( 28 ) وترى كل أمة . . . . .
( وترى كل أمة جاثية ) الخطاب لكل من يصلح له أو للنبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) والأمة الملة ومعنى جاثية مستوفزة والمستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله وذلك عند الحساب وقيل معنى جاثية مجتمعة قال الفراء المعنى وترى أهل كل ذي دين مجتمعين وقال عكرمة متميزة عن غيرها وقال مؤرخ معناه بلغة قريش خاضعة وقال الحسن باركه على الركب والجثو والجلوس على الركب تقول جثا يجثو ويجثى جثيا وجيثا إذا جلس على ركبتيه والأول أولى ولا ينافيه ورود اللفظ لمعنى آخر في لسان العرب وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من كل شئ في لغة العرب ومنه قوله طرفة يصف قبرين ترى جثوتين من تراب عليهما
صفائح صم من صفائح منضد
وظاهر الآية أن هذه الصفة مكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان المتبعين للرسل وغيرهم من أهل الشرك وقال يحيى بن سلام هو خاص بالكفار والأول أولى ويؤيده قوله ( كل أمة تدعى إلى كتابها ) ولقوله فيما سيأتي فأما الذين أمنوا ومعنى إلى كتابها إلى الكتاب المنزل عليها وقيل إلى صحيفة أعمالها وقيل


"""""" صفحة رقم 11 """"""
إلى حسابها وقيل اللوح المحفوظ والأول أولى قرأ الجمهور ( كل أمة ) بالرفع على الإبتداء وخبره تدعى وقرأ يعقوب الحضرمي بالنصب على البدل من كل أمة ( اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) أي يقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون من خير وشر
الجاثية : ( 29 ) هذا كتابنا ينطق . . . . .
( هذا كتابا ينطق عليكم بالحق ) هذا من تمام ما يقال لهم والقائل بهذا هم الملائكة وقيل هو من قول الله سبحانه أي يشهد عليكم وهو استعارة يقال نطق الكتاب بكذا أي بين وقيل أنهم يقرؤونه فيذكرون ما عملوا فكأنه ينطق عليهم بالحق الذي لا زيادة فيه ولا نقصان ومحل ينطق النصب على الحال أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة وجملة ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) تعليل للنطق بالحق أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وتثبيتها عليكم قال الواحدي وأكثر المفسرين على آن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه قالوا لأن الاستنساخ لا يكون إلا من أصل وقيل المعنى نأمر الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون وقيل أن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات وتركوا المباحات وقيل إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه امر عز وجل أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب ويسقط منها مالا ثواب فيه ولا عقاب
الجاثية : ( 30 ) فأما الذين آمنوا . . . . .
( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ) أي الجنة وهذا تفصيل لحال الفريقين فالمؤمنون يدخلهم الله برحمته الجنة ( ذلك ) أي الإدخال في رحمته ( هو الفوز المبين ) أي الظاهر الواضح
الجاثية : ( 31 ) وأما الذين كفروا . . . . .
( وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلي عليكم ) أي فيقال لهم ذلك وهو استفهام توبيخ لأن الرسل قد أتتهم وتلت عليهم آيات الله فكذبوها ولم يعملوا بها ( فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين ) أي تكبرتم عن قبولها وعن الإيمان بها وكنتم من أهل الإجرام وهي الآثام والاجترام الاكتساب يقال فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم فلمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي
الجاثية : ( 32 ) وإذا قيل إن . . . . .
( وإذا قيل إن وعد الله حق ) أي وعده بالبعث والحساب أو بجميع ما وعد به من الأمور المستقبلة واقع لا محالة ( والساعة ) أي القيامة ( لا ريب فيها ) أي في وقوعها قرأ الجمهور ( والساعة ) بالرفع على الابتداء أو العطف على موضع اسم إن وقرأ حمزة بالنصب عطفا على اسم إن ( قلتم ما ندري ما الساعة ) أي أي شئ هي ( أن نظن إلا ظنا ) أي نحدس حدسا ونتوهم توهما قال المبرد تقديره إن نحن إلا نظن ظنا وقيل التقدير إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا وقيل إن نظن مضمن معنى نعتقد أي ما نعتقد إلا ظنا لا علما وقيل إن ظنا له صفة مقدرة أي إلا ظنا بينا وقيل إن الظن يكون بمعنى العلم والشك فكأنهم قالوا ما لنا اعتقاد إلا الشك ( وما نحن بمستيقنين ) أي لم يكن لنا يقين بذلك ولم يكن معنا إلا مجرد الظن أن الساعة آتية
الجاثية : ( 33 ) وبدا لهم سيئات . . . . .
( وبدا لهم سيئات ما عملوا ) أي ظهر لهم سيئات أعمالهم على الصورة التي هي عليها ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي أحاط بهم ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار
الجاثية : ( 34 ) وقيل اليوم ننساكم . . . . .
( وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) اي نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم وأضاف اللقاء إلى اليوم توسعا لأنه أضاف إلى الشيء ما هو واقع فيه ( ومأواكم النار ) أي مسكنكم ومستقركم الذين تأوون إليه ( وما لكم من ناصرين ) ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب
الجاثية : ( 35 ) ذلكم بأنكم اتخذتم . . . . .
( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ) أي ذلكم العذاب بسبب أنكم لااتخذتم القرآن هزوا ولعبا ( وغرتكم الحياة الدنيا ) أي خدعتكم بأرافها وأباطيلها فظننتم أنه لا دار غيرها ولا بعث ولا نشور ( فاليوم لا يخرجون اي من النار ) قرأ الجمهور ( يخرجون ) بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول وقرأ حمزة والكسائى بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم ( ولا هم يستعتبون ) أي لا يسترضون ويطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله لأنه يوم لا تقبل فيه توبة ولا تنفع فيه معذرة


"""""" صفحة رقم 12 """"""
الجاثية : ( 36 ) فلله الحمد رب . . . . .
فلله الحمد رب السموات ورب الأرض ورب العالمين لا ويستحق الحمد سواه قرأ الجمهور ( رب ) في المواضع الثلاثة بالجر على الصفة للاسم الشريف وقرأ مجاهد وحميد وابن محيصن بالرفع في الثلاثة على تقدير مبتدأ أي هو رب السموات الخ
الجاثية : ( 37 ) وله الكبرياء في . . . . .
( وله الكبرياء في السموات والأرض ) أي الجلال والعظمة والسلطان وخص السموات والآرض لظهور ذلك فيهما ( وهو العزيز الحكيم ) أي العزيز في سلطانه فلا يغالب مغالبه الحكيم في كل أفعاله وأقواله وجميع أقضيته
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد اخرج سعيد بن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عبد الله ابن باباه قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين ثم قرأ سفيان ( ويري كل أمة جاثية ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله ( وترى كل أمة جاثية ) قال كل أمة مع نبيها حتى يجئ قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على كوم قد علا الخلائق فذلك المقام المحمود وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) قال هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه بمعناه مطولا فقام رجل فقال يا ابن عباس ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة فقال ابن عباس إنكم لستم قوما عربا ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب وأخرج ابن جرير عنه نحوه أيضا وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب قال إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر نحو ما روى عن ابن عباس وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال يستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل الإنسان ما استنسخ الملك من أم الكتاب وأخرج نحوه الحاكم عنه وصححه وأخرج الطبراني عنه أيضا في الآية قال إن الله وكل ملائكتة ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما رفع الحفظة موافقا لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) قال نترككم وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله وآله وسلم ( يقول الله تبارك وتعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار )
ع46
تفسير
سورة الأحقاف
هي أربع وثلاثون آية وقيل خمس وثلاثون
حول السورة
وهي مكية قال القرطبي في قول جميعهم وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا نزلت سورة حم الأحقاف بمكة وأخرج ابن الضريس والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال ( أقرأنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سورة الأحقاف وأقراها آخر فخالف قراءته فقلت من أقرأكها قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت والله لقد أقرأنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غير ذا فأتينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت يا رسول الله ألم تقرئني كذا وكذا قال بلى وقال الآخر ألم تقرئني كذا وكذا قال


"""""" صفحة رقم 13 """"""
بلى فتمعر وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف سورة الأحقاف ( 0 9
الأحقاف : ( 1 - 2 ) حم
قوله ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) قد تقدم الكلام على هذا في سورة غافر وما بعدها مستوفي وذكرنا وجه الأعراب وبيان ما هو الحق من أن فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن يوكل علمه إلى من أنزله
الأحقاف : ( 3 ) ما خلقنا السماوات . . . . .
( ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ) من المخلوقات بأسرها ( إلا بالحق ) هو استثناء مفرغ من اعم الأحوال أي إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية وقوله ( واجل مسمى ) معطوف على الحق أي إلا بالحق وبأجل مسمى على تقدير مضاف محذوف أي وبتقدير أجل مسمى وهذا الأجل هو يوم القيامة فإنها تنتهى فيه السموات والأرض وما بينهما وتبدل الأرض غير الأرض والسموات وقيل المراد بالأجل المسمى هو انتهاء أجل كل فرد من أفراد المخلوقات والأول أولى وهذا إشارة إلى قيام الساعة وانقضاء مدة الدنيا وأن الله لم يخلق خلقه باطلا وعبثا لغير شيء بل خلقه للثواب والعقاب ( والذين كفروا عما أنذروا معرضون 9 أي عما أنذروا وخوفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء معرضون مولون غير مستعدين له والجملة في محل نصب على الحال أي والحال أنهم معرضون عنه غير مؤمنين به ( و ( ما ) في قوله ( ما أنذروا ) يجوز أن تكون الموصولة ويجوز أن تكون المصدرية
الأحقاف : ( 4 ) قل أرأيتم ما . . . . .
( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ) أي أخبروني ما تعبدون من دون الله من الأصنام ( أروني ماذا خلقوا من الأرض ) أي أي شيء خلقوا منها وقوله ( أروني ) يحتمل أن يكون


"""""" صفحة رقم 14 """"""
تأكيدا لقوله أرأيتم أي أخبروني أروني والمفعول الثاني لأرأيتم ماذا خلقوا ويحتمل أن لا يكون تأكيدا بل يكون هذا من باب التنازع لأن أرأيتم يطلب مفعولا ثانيا وأروني كذلك ( أم لهم شرك في السموات ) أم هذه هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة والمعنى بل ألهم شركة مع الله فيها والاستفهام للتوبيخ والتقريع ( أئتوني بكتاب من قبل هذا ) هذا تبكيت لهم وإظهار لعجزهم وقصورهم عن الإتيان بذلك والإشارة بقوله هذا إلى القرآن فإنه قد صرح ببطلان الشرك وإن الله واحد لا شريك له وإن الساعة حق لا ريب فيها فهل للمشركين من كتاب يخالف هذا الكتاب أو حجة تنافي هذه الحجة ( أو أثارة من علم ) قال في الصحاح أو أثارة من علم بقينه منه وكذا الأثرة بالتحريك قال ابن قتيبة أي جقين من علم الأولين وقال الفراء والمبرد يعني ما يؤثر عن كتب الأولين قال الواحدى وهو معنى قول المفسرين قال عطاء أو شئ تأثرونه عن نبي كان قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قال مقاتل أو رواية من علم عن الأنبياء وقال الزجاج أو أثارة أي علامة والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية يقال أثرت الحديث آثره أثرة وأثارة وأثرا إذا ذكرته عن غيرك قرأ الجمهور ( إثارة ) على المصدر كالسماحة والغواية وقرأ ابن عباس وزيد ابن علي وعكرمة والسلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير الف وقرأ الكسائى ( أثره ) بضم الهمزة وسكون الثاء ( إن كنتم صادقين ) في دعواكم التي تدعونها وهي قولكم إن لله شريكا ولم تأتوا بشيء من ذلك فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي والنقلي على خلافه
الأحقاف : ( 5 ) ومن أضل ممن . . . . .
( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ) أي لا أحد أضل منه ولا أجهل فإنه دعا من لا يسمع فكيف يطمع في الإجابة فضلا عن جلب نفع أو دفع ضر فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين وأضل الضالين والاستفهام للتقريع والتوبيخ وقوله ( إلى يوم القيامة ) غاية لعدم الاستجابة ( وهم عن دعائهم غافلون ) الضمير الأول للأصنام والثاني لعابديها والمعنى والأصنام التي يدعونها عن دعائهم إياها غافلون عن ذلك لا يسمعون ولا يعقلون لكونهم جمادات والجمع في الضميرين باعتبار معنى من وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء لاعتقاد المشركين فيها انها تعقل
الأحقاف : ( 6 ) وإذا حشر الناس . . . . .
( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) أي إذا حشر الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا وقد قيل أن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم وقيل المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة كما في قوله تعالى تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ( وكانوا بعبادتهم كافرين ) أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين أي جاحدين مكذبين وقيل الضمير في كانوا للعابدين كما في قوله والله ربنا ما كنا مشركين والأول أولى
الأحقاف : ( 7 ) وإذا تتلى عليهم . . . . .
( وإذا تتلى عليهم آياتنا ) أي آيات القرآن حال كونها ( بينات ) واضحات المعاني ظاهرات الدلالات ( قال الذين كفروا للحق ) أي لأجله وفي شأنه وهو عبارة عن الآيات ( لما جاءهم ) أي وقت أن جاءهم ( هذا سحر مبين ) أي ظاهر السحرية
الأحقاف : ( 8 ) أم يقولون افتراه . . . . .
( أم يقولون افتراه ) أم هي المنقطعة أي بل أيقولون افتراه والاستفهام للإنكار والتعجب من صنمهم وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحرا إلى قولهم إن رسول الله افترى ما جاء به وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفي ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال ( قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ) أي قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير كما تدعون فلا تقدرون على أن تردوا عني عقاب الله فكيف افترى على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني ( هو أعلم بما تفيضون فيه ) أي تخوضون فيه من التكذيب والإفاضة في الشيء الخوض فيه والإندفاع فيه يقال أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه وأفاض البعير إذا دفع جرته من كرشه


"""""" صفحة رقم 15 """"""
والمعنى الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب له والقول بأنه سحر وكهانة ( كفى به شهيدا بيني وبينكم ) فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده وأني قد بلغتكم ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود وفي هذا وعيد شديد ( وهو الغفور الرحيم ) لمن تاب وآمن وصدق بالقرآن وعمل بما فيه أي كثير المغفرة والرحمة بليغهما
الأحقاف : ( 9 ) قل ما كنت . . . . .
( قل ما كنت بدعا من الرسل ) البدع من كل شيء المبدأ أي ما أنا بأول رسول قد بعث الله قبلي كثيرا من الرسل قيل البدع بمعنى البديع كالخف والخفيف والبديع ما لم ير له مثل من الابتداع وهو الاختراع وشئ بدع بالكسر أي مبتدع وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع كذا قال الأخفش وأنشد قطرب فما أنا بدع من حوادث تعتري
رجالا غدت من بعد موسى وأسعد
وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبي عبلة ( بدعا ) بفتح الدال على تقدير حذف المضاف أي ما كنت ذا بدع وقرأ مجاهد بفتح الباء وكسر الدال على الوصف ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) أي ما يفعل بي فيما يستقبل من الزمان هل أبقى في مكة أو أخرج منها وهل أموت أو أقتل وهل تعجل لكم العقوبة أم تمهلون وهذا إنما هو في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة وأن الكافرين في النار وقيل إن المعنى ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة وإنها لما نزلت فرح المشركون وقالوا كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا فنزل قوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر والأول أولى ( إن اتبع إلا ما يوحي إلي ) قرأ الجمهور ( يوحي ) مبنيا للمفعول أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا والمعنى قصر أفعاله ( صلى الله عليه وسلم ) على الوحي لاقصر اتباعه على الوحي ( وما أنا إلا نذير مبين ) أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الايضاح
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج أحمد وابن المنذر وبن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس ( وإثارة من علم ) قال الخط قال سفيان لا اعلم إلا عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يعني أن الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم ومعنى هذا ثابت في الصحيح ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط واين السند الصحيح إلى ذلك النبي أو إلى نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) أن هذا الخط هو على صورة كذا فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( أو أثارة من علم ) قال حسن الخط وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم من طريق الشعبي عن ابن عباس ( أو أثارة من علم ) قال خط كان يخطه العرب في الأرض وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( أو أثارة من علم ) يقول بينة من الأمر وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله 0 قل ما كنت بدعا من الرسل ) يقول لست بأول الرسل ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) فأنزل الله بعد هذا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقوله ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات الآية فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعا وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضا أن هذه الآية منسوخة بقوله ليغفر لك الله وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت ( لما مات عثمان بن معطون قلت رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما يدريك أن الله أكرمه أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم قالت أم العلاء فوالله لاأزكي بعده أحد )


"""""" صفحة رقم 16 """"""
سورة الأحقاف ( 10 16
الأحقاف : ( 10 ) قل أرأيتم إن . . . . .
قوله ( قل أرأيتم ) أي أخبروني ( إن كان من عند الله ) يعني ما يوحى إليه من القرآن وقيل المراد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والمعنى إن كان مرسلا من عند غير الله وقوله ( وكفرتم به ) في محل نصب على الحال بتقدير قد وكذلك قوله ( وشهد شاهد من بني أسرائيل على مثله ) والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله والحال أنكم قد كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل العالمين بما انزل الله في التوراة على مثله أي القرآن من المعاني الموجودة في التوراة المطابقة له من إثبات التوحيد والبعث المنشور وغير ذلك وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني وإن اختلفت الألفاظ وقال الجرجاني مثل صلة والمعنى وشهد شاهد عليه إنه من عند الله وكذا قال الواحدى 0 فآمن ) الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله ومن جنس ما ينزله على رسله وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة وغيرهم وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع وعبدالله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة فيكون المراد بالشاهد رجلا من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة وصدقه واختار هذا ابن جرير وسيأتي في آخر البحث ما يترجح به أنه عبد الله بن سلام وإن هذه الآية مدنية لا مكية وروى عن مسروق أن المراد بالرجل موسى عليه السلام وقوله ( واستكبرتم ) معطوف على شهد آي آمن الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) فحرمهم الله سبحانه الهداية لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان ومن فقد هداية الله له ضل وقد اختلف في جواب الشرط ماذا هو فقال الزجاج محذوف تقديره أتؤمنون وقيل قوله ( فآمن واستكبرتم ) وقيل محذوف تقديره فقد ظلمتم لدلالة ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) عليه وقيل تقديره فمن


"""""" صفحة رقم 17 """"""
أضل منكم كما في قوله أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل الآية وقال أبو على الفارسي تقديرهأ أتأمنون عقوبة الله وقيل التقدير ألستم ظالمين
الأحقاف : ( 11 ) وقال الذين كفروا . . . . .
ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أقاويلهم الباطلة فقال ( وقال الذين كفروا للذين أمنوا ) أي لأجلهم ويجوز أن تكون هذه اللام هي لام التبليغ ( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) أي لو كان ما جاء به محمد من القرآن والنبوة خيرا ما سبقونا إليه لأنهم عند أنفسهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة ولم يعلموا أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويصطفى لدينه من يشاء ( وإذا لم يهتدوا به ) اي بالقرآن وقيل بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل بالإيمان ( فسيقولون هذا إفك قديم ) فنجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم كما قالوا أساطير الأولين والعامل في إذ مقدر أي ظهر عنادهم ولا يجوز أن يعمل فيه فسيقولون لتضاد الزمانين أعنى المضي والاستقبال ولأجل الفاء أيضا وقيل إن العامل فيه فعل مقدر من جنس المذكور أي لم يهتدوا به وإذ لم يهتدوا به فسيقولون
الأحقاف : ( 12 ) ومن قبله كتاب . . . . .
( ومن قبله كتاب موسى ) قرأ الجمهور بكسر الميم من ( من ) على أنها حرف جر وهي مع مجرورها خبرا مقدم وكتاب موسى مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب على الحال أو هى مستأنفة والكلام مسوق لرد قولهم ( هذا أفك قديم ) فإن كونه قد تقدم القرآن كتاب موسى وهو التوارة وتوافقا في أصول الشرائع يدل على أنه حق وأنه من عند الله ويقتضى بطلان قولهم وقرئ بفتح ميم من على أنها موصولة ونصب كتاب أي وآتينا من قبله كتاب موسى ورويت هذه القراءة عن الكلبي ( إماما ورحمة ) أي يفتدي به في الدين ورحمة من الله لمن آمن به وهما منتصبان على الحال قاله الزجاج وغيره وقال الأخفش على القطع وقال أبو عبيدة أي جعلناه إماما ورحمة ( وهذا كتاب مصدق ) يعني القرآن فإنه مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة ولغيره من كتب الله وقيل مصدق للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وانتصاب ( لسانا عربيا ) على الحال الموطئة وصاحبها الضمير في مصدق العائد إلى كتاب وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا المصدق والأول أولى وقيل هو على حذف مضاف أي ذا لسان عربي وهو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( لينذر الذين ظلموا ) قرأ الجمهور لينذر ) بالتحتية على أن فاعله ضمير يرجع إلى الكتاب أي لينذر الكتاب الذين ظلموا وقيل الضمير راجع إلى الله وقيل إلى الرسول والأول أولى وقرأ نافع وابن عامر والبزى بالفوقية على أن فاعله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد وقوله ( وبشرى للمحسنين ) في محل نصب عطفا على محل لينذر وقال الزجاج الأجود أن يكون في محل رفع أي وهو بشرى وقيل على المصدرية لفعل محذوف أي وتبشر بشرى وقوله ( للمحسنين ) متعلق ببشرى
الأحقاف : ( 13 ) إن الذين قالوا . . . . .
( إن الذين قالوا ربنا الله ثم أستقاموا ) أي جمعوا بين التوحيد والاستقامة على الشريعة وقد تقدم تفسير هذا في سورة السجدة ( فلا خوف عليهم ) الفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط ( ولا هم يحزنون ) المعنى أنهم لا يخافون من وقوع مكروه بهم ولا يحزنون من فوات محبوب وأن ذلك مستمر دائم
الأحقاف : ( 14 ) أولئك أصحاب الجنة . . . . .
( أولئك أصحاب الجنة ) أبي ألئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة التي هي دار المؤمنين حال كونهم ( خالدين فيها ) وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم فإن نفي الخوف والحزن على الدوام والاستقرار في الجنة على الأبد مما لا تطلب الأنفس سواه ولا تتشوف إلى ما عداه ( جزاء بما كانوا يعملون ) أي يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله وترك معاصية
الأحقاف : ( 15 ) ووصينا الإنسان بوالديه . . . . .
( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) قرأ الجمهور ( حسنا ) بضم الحاء وسكون السين وقرأ على والسلمي بفتحهما وقرأ ابن عباس والكوفيون ( إحسانا ) وقد تقدم في سورة العنكبوت ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) من غير اختلاف بين القراء وتقدم في سورة الأنعام سورة


"""""" صفحة رقم 18 """"""
بني إسرائيل وبالوالدين إحسانا فلعل هذه هو وجه اختلاف القراء في هذه الاية وعلى جميع هذه القراءات فانتصابه على المصدرية أي وصيناه أن يحسن إليهما حسنا أو إحسانا وقيل على أنه مفعول به بتضمين وصينا معنى ألزمنا وقيل على أنه مفعول له ( حملته أمه كرها ووضعته كرها ) قرأ الجمهور ( كرها ) في الموضعين بضم الكاف وقرأ أبو عمرو وأهل الحجاز بفتحهما قال الكسائى وهما لغتان بمعنى واحد قال أبو حاتم الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلا التي في سورة البقرة كتب عليكم القتال وهو كره لكم وقيل أن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه وبالفتح ما حمل على غيره وإنما ذكر سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيدا لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به والمعنى أنها حملته ذات كره ووضعته ذات كره ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) أي مدتها هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع أي يفطم عنه وقد استدل بهذ الآية على أن أقل الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع سنتان أي مدة الرضاع الكامل كما قوله حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك قرأ الجمهور وفصاله بالألف وقرأ الحسن ويعقوب وقتادة والجحدرى ( وفصله ) بفتح الفاء وسكون الصاد بغير ألف والفصل والفصال بمعنى كالفطم والفطام والقطف والقطاف ( حتى إذا بلغ أشده ) أي بلغ استحكام قوته وعقله وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى ولا بد من تقدير جملة تكون حتى غاية لها أي عاش واستمرت حياته حتى بلغ أشده قيل بلغ عمرة ثماني عشرة سنة وقيل الأشد الحلم قاله الشعبي وابن زيد وقال الحسن هو بلوغ الأربعين والأول أولى لقوله ( وبلغ أربعين سنة ) فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد قال المفسرون لم يبعث الله نبيا قط إلا بعد أربعين سنة ( قال رب أوزعني ) أي ألهمني قال الجوهري استوزعت الله فأوزعني أي أستلهمته فألهمني ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) أي الهمني شكر ما أنعمت به على من الهداية وعلى والدى من التحنن على منهما حين وبياني صغيرا وقيل أنعمت على بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة والأولى عدم تقييد النعمة عليه وعلى أبويه بنعمه مخصوصة ( وإن أعمل صالحا ترضاه ) أي والهمني أن أعمل عملا صالحا ترضاه منى ( وأصلح لى في ذريتي ) أي اجعل ذريتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات وقد روى أنها نزلت في أبي بكر كما سيأتي في آخر البحث ( أني تبت إليك ) من ذنوبي ( وإني من المسلمين ) أي المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك
الأحقاف : ( 16 ) أولئك الذين نتقبل . . . . .
والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الإنسان المذكور والجمع لأنه يراد به الجنس وهو مبتدأ وخبره ( الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) من أعمال الخير في الدنيا والمراد بالأحسن الحسن كقوله واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم وقيل إن اسم التفضيل على معناه ويراد به ما يثاب العبد عليه من الأعمال لا ما لا يثاب عليه كالمباح فإنه حسن وليس بأحسن ( ونتجاوز عن سيئاتهم ) فلا نعاقبهم عليها قرأ الجمهور يتقبل ويتجاوز ) على بناء الفعلين للمفعول وقرأ حمزة والكسائي بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه والتجاوز الغفران وأصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه ومعنى ( في أصحاب الجنة ) أنهم كائنون في عدادهم منتظمون في سلكهم فالجار والمجرور في محل النصب على الحال كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي كائنا في جملتهم وقيل إن في بمعنى مع أي مع أصحاب الجنة وقيل إنهما خبر مبتدا محذوف أي هم في أصحاب الجنة ( وعد الصدق الذي كانوا


"""""" صفحة رقم 19 """"""
يوعدون ) وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله ( أولئك الذين نتقبل عنهم ) الخ في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز ويجوز أن يكون مصدرا لفعل محذوف أي وعدهم الله وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسن الرسل في الدنيا
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج أبو يعلي وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه عن عوف بن مالك الأشجعي قال أنطلق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يحط الله تعالى عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثلاثا فقال أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفي آمنتم أو كذبتم ثم أنصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه فقال كما أنت يا محمد فأقبل فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود فقالوا والله ما نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدك قال فإنى أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل قالوا كذبت ثم ردوا عليه وقالوا شرا فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذبتم لن يقبل منكم قولكم فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا وابن سلام فأنزل الله قل أرأيتم إن كان من عند الله إلى قوله لا يهدي القوم الظالمين وصححه السيوطي وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال ما سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال نزل في آيات من كتاب الله نزلت في وشهد شاهد من بني إسرائيل ونزل في قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ( وشهد شاهد من بني إسرائيل ) قال عبد الله بن سلام وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير عن قتادة قال قال ناس من المشركين نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان فنزل ( وقال الذين كفروا للذين امنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) وأخرج ابن المنذر عن عون عن أبي شداد قال كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة وكان عمر يضربها على الإسلام وكان كفار قريش يقولون لو كان خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة فأنزل الله في شأنها ( وقال الذين كفروا ) الآية وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة يقولون لو كان خيرا ما جعلهم الله أول الناس فيه ) وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال نزل قوله ووصينا الإنسان بوالديه الآية إلى قوله ( وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) في أبي بكر الصديق وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك فقلت لعمر لم تظلم قال كيف قلت أقرأ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين كم الحول قال سنة قلت كم السنة قال اثنا عشر شهرا قلت فأربعة وعشرون شهرا حولان كاملان ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم ما شاء فاستراح عمر إلى قولي وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع


"""""" صفحة رقم 20 """"""
أحد وعشرون شهرا وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا وإذا وضعت لستة أشهر فحولان كافلان لأن الله يقول ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ) الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعا وإخوته وولده كلهم ونزلت فيه إيضا فأما من أعطى واتقى إلى آخر السورة سورة الأحقاف ( 17 20
الأحقاف : ( 17 ) والذي قال لوالديه . . . . .
لما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله سبحانه عليه وعلى والديه ذكر من قال لهما قولا ويدل على التضجر منهما عند دعوتهما له إلى الإيمان فقال ( والذي قال لوالديه أف لكما ) الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول ولهذا أخبر عنه بالجمع وأف كلمة تصدر عن قائلها عند التضجر من شئ يرد عليه قرأ نافع الباقون وحفص أف ) بكسر الفاء مع التنوين وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن بفتحها من غير تنوين وقرأ الباقون بكسر من غير تنوين وهي لغات وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة بني إسرائيل واللآم في قوله ( لكما ) لبيان التأفيف أي التأفيف لكما كما في قوله هيت لك قرأ الجمهور ( أتعدانني ) بنونين مخففتين وفتح ياءه أهل المدينة ومكة وأسكنها الباقون وقرأ أبو حيوة والمغيرة وهشام بإدغام إحدى النونين في الآخرى ورويت هذه القراءة عن نافع وقرأ الحسن وتشبيه وأبو جعفر وعبد الوارث عن أبي عمرو وبفتح النون الأولى كأنهم فروا من توالي مثلين مكسورين وقرأ الجمهور ( أن أخرج ) بضم الهمزة وفتح الراء مبنيا للمفعول وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح الهمزة وضم الراء مبنيا للفاعل والمعنى أتعدانني أن ابعث بعث بعد الموت وجملة ( وقد خلت القرون من قبلي ) في محل نصب على الحال اي والحال أن قد مضت القرون من قبلي فماتوا ولم يبعث منهم أحد وهكذا جملة ( وهما يستغيثان الله ) في محل نصب على الحال أي والحال أنهما يستغيثان الله له ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان واستغاث يتعدى بنفسه وبالباء يقال استغاث الله سبحانه به وقال الرازي معناه يستغيثان بالله من كفره فلما حذف الجار وصل الفعل وقيل الاستغاثة الدعاء فلا حاجة إلى الباء قال الفراء يقال أجاب الله دعاءه وغواثه وقوله ( ويلك ) هو بتقدير القول أي لا يقولان له ويلك وليس المراد به الدعاء عليه بل الحث له على الإيمان ولهذا قالا له ( آمن إن وعد الله حق ) أي آمن بالبعث إن وعد الله حق لا خلف فيه فيقول عند ذلك مكذبا لما قالاه ( ما هذا إلا أساطير الأولين ) أي ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا


"""""" صفحة رقم 21 """"""
أحاديث الأولين وأباطيلهم التي سطرونها في الكتب قرأ الجمهور إن وعد الله بكسر إن على الاستئناف أو التعليل وقرأ عمر بن فايد والأعرج بفتحها على أنها معمولة لآمن بتقدير الباء أي آمن بأن وعد الله بالبعث حق
الأحقاف : ( 18 ) أولئك الذين حق . . . . .
( اولئك الذين حق عليهم القول ) أي أولئك القائلون هذه المقالات هم الذين حق عليهم القول أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين كما يفيده قوله ( في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) وجملة ( إنهم كانوا خاسرين ) تعليل لما قبله وهذا يدفع كون سبب نزول الآية عبد الرحمن ابن أبي بكر وأنه الذي قال لوالديه ما قال فإنه من أفاضل المؤمنين وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب وسيأتي بيان سبب النزول في آخر اليبحث ان شاء الله
الأحقاف : ( 19 ) ولكل درجات مما . . . . .
(ولكل درجات مما عملوا ) أي لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم قال ابن زيد درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفلا ودرجات أهل الجنة تذهب علوا ( وليوفيهم أعمالهم ) أي جزاء أعمالهم قرأ الجمهور لنوفيهم بالنون وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء التحتية واختار أبو عبيد القراءة الأولى واختار الثانية أبو حاتم ( وهم لا يظلمون ) أي لا يزاد مسئ ولا ينقص محسن بل يوفى كل فريق ما يستحقه من خير وشر والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة مقررة لما قبلها
الأحقاف : ( 20 ) ويوم يعرض الذين . . . . .
( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) الظرف متعلق بمحذوف أي أذكر لهم يا محمد يوم ينكشف الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها وقيل معنى يعرضون يعذبون من قولهم عرضه على السيف وقيل في الكلام قلب والمعنى تعرض النار عليهم ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) أي يقال لهم ذلك قيل وهذا القدر هو الناصب للظرف والآول أولى قرأ الجمهور ( أذهبتم ) بهمزة واحدة وقرأ الحسن ونصر وابو العالية ويعقوب وابن كثير بهمزتين مخففتين ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ قال الفراء والزجاج العرب توبخ بالاستفهام وبغيره فالتوبيخ كائن على القراءتين قال الكلبي المراد بالطيبات اللذات وما كانوا فيه من المعايش ( واستمتعتم بها ) أي بالطيبات والمعنى أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه ولم يبالوا بالذنب تكذيبا منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب ( فاليوم تجزون عذاب الهون ) أي العذاب الذي فيه ذل لكم وخزي عليكم قال مجاهد وقتادة الهون الهوان بلغة قريش ( بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ) أي بسبب تكبركم عن عبادة الله والإيمان به وتوحيده ( وبما كنتم تفسقون ) أي تخرجون عن طاعة الله وتعملون بمعاصيه فجعل السبب في عذابهم أمرين التكبر عن اتباع الحق والعمل بمعاصي الله سبحانه وتعالى وهذا شأن الكفرة فإنهم قد جمعوا بينهما
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وسبب النزول
وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان فنخطف فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدوا عليه فقال مروان إن هذا أنزل فيه ( والذي قال لوالديه أف لكما ) فقالت عائشة ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وا بن مردويه عن محمد بن زياد قال لما بايع معاوية لابنه قال مروان سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن سنة هرقل وقيصر فقال مروان هذا الذي قال الله فيه ( والذي قال لوالديه أف لكما ) الاية فبلغ ذلك عائشة فقالت كذب مروان والله ما هو به ولو شئت أن أسمى الذي نزلت فيه لسميته ولكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعن أبا مروان في صلبه مروان من لعنه الله وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال هذا ابن لأبي بكر وأخرج نحوه أبو حاتم عن السدى ولا يصح هذا كما قدمنا


"""""" صفحة رقم 22 """"""
سورة الاحقاف ( 21 28
الأحقاف : ( 21 ) واذكر أخا عاد . . . . .
قوله واذكر أخا عاد أي واذكر يا محمد لقومك أخا عاد وهو هود بن عبد الله بن رباح كان أخاهم في النسب لافي الدين وقوله إذ أنذر قومه بدل اشمتال منه أي وقت إنذاره إياهم بالأحقاف وهي ديار عاد جمع حقف وهو الرمل العظيم المستطيل المعوج قاله الخليل وغيره وكانوا قهروا أهل الأرض بقوتهم والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يذكر لقومه قصتهم ليتعظوا ويخافوا وقيل أمره بأن يتذكر في نفسه قصتهم مع هود ليقتدي به ويهون عليه تكذيب قومه قال عطاء الأحقاف رمال بلاد الشجر وقال مقاتل هي باليمن في حضرموت وقال ابن زيد هي رمال مبسوطة مستطيله كهيئة الجبال ولم تبلغ أن تكون جبالا ( وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ) أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده كذا قال الفراء وغيره وفي قراءة ابن مسعود من بين يديه ومن بعده والجملة في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون معترضة بين إنذار هود وبين قوله لقومه ( إني أخاف عليكم ) والآول أولى والمعنى أعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره ثم رجع إلى كلام هود لقومه فقال حاكيا عنه ( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) وقيل إن جعل تلك الجملة اعتراضية أولى بالمقام وأوفق بالمعنى
الأحقاف : ( 22 ) قالوا أجئتنا لتأفكنا . . . . .
( قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ) أي لتصرفنا عن عبادتها وقيل لتزيلنا وقيل لتمنعنا والمعنى متقارب ومنه قول عروة بن أذينة إن تك عن حسن الصنيعة مأفو
كا ففي آخرين قد أفكو
يقول إن لم توفق للأحسان فأنت في القوم قد صرفوا عن ذلك ( فأتنا بما تعدنا ) من العذاب العظيم ( إن كنت


"""""" صفحة رقم 23 """"""
من الصادقين ) في وعدك لنا به
الأحقاف : ( 23 ) قال إنما العلم . . . . .
( قال إنما العلم عند الله ) أي إنما العلم بوقت مجيئه عند الله لا عندي ( وأبلغكم ما أرسلت به إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار فأما العلم بوقت مجئ العذاب فما أوحاه إلى ( ولكني أراكم قوما تجهلون ) حيث بقيتم مصرين على كفركم ولم تهتدوا بما جئتكم به بل أقترحتم على ما ليس من وظائف الرسل
الأحقاف : ( 24 ) فلما رأوه عارضا . . . . .
( فلما رأوه عارضا ) الضمير يرجع إلى ( ما ) في قوله 0 بما تعدنا ) وقال المبرد والزجاج الضمير في ( رأوه ) يعود إلى غير مذكور وبينه قوله ( عارضا ) فالضمير يعود إلى السحاب أي فلما رأوا السحاب عارضا فعارضا نصب على التكرير يعني التفسير وسمى السحاب عارضا لأنه يبدو في عرض السماء قال الجوهري العارض السحاب يعترض في الأفق ومنه قوله هذا عارض ممطرنا وانتصاب عارضا على الحال أو التمييز ( مستقبل أوديتهم ) أي متوجها نحو أوديتهم قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المعتب فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا و ( قالوا هذا عارض ممطرنا ) أي غيم فيه مطر وقوله 0 مستقبل اوديتهم ) صفة لعارض لأن إضافية لفظية لا معنوية فصح وصف النكرة به وهكذا ممطرنا فلما قالوا ذلك أجاب عليهم هود فقال ( بل هو ما استعجلتم به ) يعني من العذاب حيث قالوا فأمتنا بما تعدنا وقوله ( ريح ) بدل من ما أو خبر مبتدأ محذوف وجملة ( فيها عذاب أليم ) صفة لريح والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي روأوه
الأحقاف : ( 25 ) تدمر كل شيء . . . . .
( تدمر كل شئ بأمر ربها ) هذه الجملة صفة ثانية لريح أي تهلك كل شئ مرت به من نفوس عاد وأموالها والتدمير الإهلاك وكذا الدمار وقرئ ( يدمر ) بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم ورفع كل على الفاعلية من دمر دمارا ومعنى ( بأمر ربها ) أن ذلك بقضائه وقدره ( فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ) أي لا ترى أنت يا محمد أو كل من يصلح للرؤية إلا مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم قرأ الجمهور ( لا ترى ) بالفوقية على الخطاب ونصب مساكنهم وقرأ حمزة وعاصم بالتحتية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع مساكنهم قال سيبويه معناه لا يرى أشخاصهم إلا مساكنهم واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الثانية قال الكسائى والزجاج معناها لا يري شئ إلا مساكنهم فهي محمولة على المعنى كما تقول ما قام إلا هند والمعنى ما قام أحد إلا هند وفي الكلام حذف والتقدير فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ( كذلك نجزي القوم المجرمين ) أي مثل ذلك الجزاء نجزي هؤلاء وقد مر بيان هذه القصية في سورة الأعراف
الأحقاف : ( 26 ) ولقد مكناهم فيما . . . . .
( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) قال المبرد ما في قوله فيما ء بمنزلة الذي وأن بمنزلة بمنزلة ما يعني النافية وتقديره ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من المال وطول العمر وقوة الأبدان وقيل ( إن ) زائدة وتقديره ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه وبه قال قال القتيبى ومثله قول الشاعر فما إن طبن جبن ولكن
منايانا ودولة آخرينا
والأول أولى لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش وأمثالهم ( وجعلنا لهم سمعا وابصارا وأفئدة ) أي أنهم أعرضوا عن قبول الحجة والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواس التي بها تدرك الأدلة ولهذا قال ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ ) أي فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد وصحة الوعد والوعيد وقد قدمنا من الكلام على وجه الأفراد السمع وجمع البصر ما يغنى عن الإعادة و من في ( من شيء ) زائدة والتقدير فما أغنى عنهم شئ من الأغناء ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع ( إذ كانوا يجحدون بآيات الله ) الظرف متعلق بأغنى وفيها معنى التعليل أي لأنهم كانوا يجحدون ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء حيث قالوا ( فأتنا بما تعدنا
الأحقاف : ( 27 ) ولقد أهلكنا ما . . . . .
( ولقد أهلكنا ما حولكم


"""""" صفحة رقم 24 """"""
من القرى ) الخطاب لأهل مكة والمراد بما حولهم من القرى قرى ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان مجاورا لبلاد الحجاز وكانت أخبارهم متواترة عندهم ( وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) أي بينا الحجج ونوعناها لكى يرجعوا عن كفرهم فلم يرجعوا
الأحقاف : ( 28 ) فلولا نصرهم الذين . . . . .
ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر فقال ( فلولا نصرهم الذين أتخذوا من دون الله قربانا آلهة ) أي فهلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم قال الكسائي القربان كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة ونسيكة والجمع قرابين كالرهبان والرهابين وأحد مفعولى أتخذوا ضمير راجع إلى الموصول والثاني آلهة وقربانا حال ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا وآلهة بدلا منه لفساد المعنى وقيل يصح ذلك ولا يفسد المعنى ورجحه ابن عطيه وأبو البقاء وأبو حيان وأنكر أن يكون في المعنى فساد على هذا الوجه ( بل ضلوا عنهم ) أي غابوا عن نصرهم ولم يحضروا عند الحاجة إليهم وقيل بل أهلكوا وقيل الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار أي تركوا الأصنام وتبرءوا منها والأول أولى والإشارة بقوله ( وذلك ) إلى ضلال آلهتهم والمعنى ذلك الضلال والضياع أثر ( أفكهم ) الذي هو أتخاذهم إياها آلهة وزعمهم أنها تقربهم إلى الله قرأ كذبهم الجمهور إفكهم بكسر الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكا أي كلبهم وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد بفتح الهمزة والفاء والكاف على إنه فعل أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد وقرأ عكرمة بفتح الهمزة وتشديد الفاء أي صيرهم آفكين قال أبو حاتم يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم وروى عن ابن عباس أنه قرأ بالمد وكسر الفاء بمعنى صارفهم ( وما كانوا يفترون ) معطوف على إفكهم أي وأثر أفترائهم أو أثر الذي كانوا يفترونه والمعنى وذلك إفكهم أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم ( وما كانوا يفترون ) أي يكذبون أنها ألهة
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الأحقاف جبل بالشام وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه في قوله ( هذا عارض ممطرنا ) قال هو السحاب وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه قلت يا رسول الله الناس إذا رأو الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية قال يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عنها قالت كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا عصفت الريح قال اللهم أني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشرح أرسلت به فإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا مطرت سرى عنه فسألته فقال لا أدري لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ) قالو غيم فيه مطر فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من رجالهم ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوما مالهم أنين ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر فقه قوله ( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم


"""""" صفحة رقم 25 """"""
عنه في قوله ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) يقول لم نمكنكم واخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال عاد مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت فيه هذه الأمة وكانوا أشد قوة اكثر أموالا وأطول أعمارا سورة الأحقاف 29 35
الأحقاف : ( 29 ) وإذ صرفنا إليك . . . . .
لما بين سبحانه أن في الإنس من آمن وفيهم من كفر بين أيضا أن في الجن كذلك فقال ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) العامل في الظرف مقدر أي وادكر إذ صرفنا أي وجهنا إليك نفرا من الجن وبعثناهم إليك وقوله ( يستمعون القرآن ) في محل نصب صفة ثانية لنفرا أو حال لأن النكرة قد تخصصت بالصفة الأولى ( فلما حضروه ) أي حضروا القرآن عند تلاوته وقيل حضروا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة والأول أولى ( قالوا أنصتوا ) أي قال بعضهم لبعض اسكتوا أمروا بعضهم بعضا بذلك لأجل أن يسمعوا ( فلما قضى ) قرأ الجمهور قضى مبنينا للمفعول أي فرغ من تلاوته وقرأ حبيب بن عبيد الله بن الزبير ولاحق بن حميد وأبو مجلز على البناء للفاعل أي فرع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من تلاوته والقراءة الأولى تؤيد أن الضمير في حضروه للقرآن والقراءة الثانية تؤيد أنه للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( ولوا إلى قومهم منذرين ) أي انصرفوا قاصدين إلى من وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن فيحذرون لهم وانتصاب منذرين على الحال المقدره أي مقدرين الإنذار وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسيأتى في آخر البحث بيان ذلك
الأحقاف : ( 30 ) قالوا يا قومنا . . . . .
( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ) يعنون القرآن وفي الكلام حذف والتقدير فوصلوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا قال عطاء كانوا يهودا فأسلموا ( مصدقا لما بين يديه ) أي لما قبله من الكتب المنزلة ( يهدى إلى الحق ) أي إلى الدين الحق ( وإلى طريق مستقيم ) أي إلى طريق الله القويم قال مقاتل لم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه


"""""" صفحة رقم 26 """"""
وآله وسلم ( يا قومنا أجيبوا داعي الله وأمنوا به ) يعنون محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) أو القرآن ( يغفر لكم من ذنوبكم
الأحقاف : ( 31 ) يا قومنا أجيبوا . . . . .
أي بعضها وهو ما عدا حق العباد وقيل إن من هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى وقيل هي زائدة ( ويجركم من عذاب أليم ) وهو عذاب النار وفي هذه الآية دليل على إن حكم الجن حكم الإنس في الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي وقال الحسن ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار وبه قال أبو حنيفة والأول أولى وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وعلى القول الأول فقال القائلون به أنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم كونوا ترابا كما يقال للبهائم والثاني أرجح وقد قال الله سبحانه في مخاطبة الجن والأنس ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فأمتن سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة ولا ينافي هذا الاقتصار ها هنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة وهو مقام فضل ومما يؤيد هذا أيضا ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة وجزاء من عمل الصالحات الجنة وجزاء من قال لاإله إلا الله الجنة وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم أم لا وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس فقط كما في قوله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى وقال وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وقال سبحانه في إبراهيم الخليل وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريته وأما قوله تعالى في سورة الأنعام يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم فقيل المراد من مجموع الجنسين وصدق على إحدهما وهو الإنس كقوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي من أحدهما
الأحقاف : ( 32 ) ومن لا يجب . . . . .
( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ) أي لا يفوت الله ولا يسبقه ولا يقدر على الهرب منه لأنه وإن هرب كل مهرب فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها وفي هذا ترهيب وللتشديد ( وليس له من دونه أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب الله بين سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة نجاته بواسطة غيره والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى من لا يجب داعي الله وأخبر أنهم ( في ضلال مبين ) أي ظاهر واضح
الأحقاف : ( 33 ) أو لم يروا . . . . .
ثم ذكر سبحانه دليلا على البعث فقال ( أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ) الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السموات والأرض ابتداء ( ولم يعي بخلقهن ) أي لم يعجزه عن ذلك ولا ضعف عنه يقال عى بالأمر وعي إذا لم يهتد لوجهه ومنه قول الشاعر عيوا بأمرهم كما
عيت ببيضتها الحمامة
قرأ الجمهور ولم يعي بسكون العين وفتح الياء مضارع عى وقرأ الحسن بكسر العين وسكون الياء ( بقادر على أن يحيى الموتى ) قال أبو عبيدة والأخفش الباء زائدة للتوكيد كما في قوله وكفى بالله شهيدا قال الكسائى والفراء والزجاج العرب تدخل الباء مع الجحد والاستفهام فنقول ما اظنك بقائم والجار والمجرور في محل رفع على أنهما خبر لأن وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر والأعرج والجحدري بن أبي إسحاق ويعقوب وزيد بن علي ( يقدر ) على صيغة المضارع واختار أبو عبيد القراءة الأولى واختار أبو حاتم القراءة الثانية قال لأن دخول الباء في خبر أن قبيح ( بلى إنه على كل شئ قدير ) لا يعجزه شئ
الأحقاف : ( 34 ) ويوم يعرض الذين . . . . .
( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) الظرف متعلق بقول مقدر أي يقال ذلك اليوم للذين كفروا ( أليس هذا بالحق ) وهذه الجملة هي المحكة


"""""" صفحة رقم 27 """"""
بالقول أو الأشارة بهذا إلى ما هو مشاهد لهم يوم عرضهم على النار وفي الأكتفاء بمجرد الأشارة من التهويل للمشار إليه والتفخيم لشأنه ما لا يخفي كأنه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدل عليه ( قالوا بلى وربنا ) اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف وأكدوا هذا الاعتراف بالقسم لأن المشاهدة هي حق اليقين الذي لا يمكن جحده ولا إنكاره ( قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) أي بسبب كفركم بهذا في الدنيا وإنكاركم له وفي هذه الأمر لهم والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال بذوق العذاب بتوبيخ بالغ وتهكم عظيم
الأحقاف : ( 35 ) فاصبر كما صبر . . . . .
لما قرر سبحانه الأدلة على النبوة والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال الرسل ) وإلفاء جواب شرط محذوف أي إذا عرفت ذلك وقامت عليه البراهين ولم ينجع في الكافرين فأصبر كما صبر أولو العزم أي أرباب الثباب والحزم فإنك منهم قال مجاهد أولوا العزم من الرسل خمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهم أصحاب الشرائع وقال أبو العالية هم نوح وهود وإبراهيم فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم وقال السدى هم ستة إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى وقال ابن جريح إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم يونس وقال الشعبي والكلبي هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة وقيل هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر إبرهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط واختار هذا الحسين بن الفضل لقوله بعد ذكرهم أولئك الذين هداهم الله فبهداهم افتد وقيل إن الرسل كلهم أولو عزم وقيل هم أثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل وقال الحسن هم أربعة إبراهيم وموسى وداود وعيسى ( ولا تستعجل لهم ) أي لا تستعجل العذاب يا محمد للكفار لما امره سبحانه بالصبر ونهاه عن استعجال العذاب لقومه رجاء أن يؤمنوا قال ( كأنهم يوم يرون ما يوعدون ) من العذاب ( لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) أي كأنهم يوم يشاهدونه في الأخرة لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من ساعات الأيام لما يشاهدونه من الهول العظيم والبلاء المقيم قرأ الجمهور ( بلاغ ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا الذي وعظتهم به بلاغ أو تلك الساعة بلاغ أو هذا القرآن بلاغ أو هو مبتدا والخبر لهم الواقع بعد قوله ولا تستعجل أي لهم بلاغ وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وزيد بن علي بلاغا بالنصب على المصدر أي بلغ بلاغا وقرأ أبو مجلز ( بلغ ) بصيغة الأمر وقرئ ( بلغ ) بصيغة الماضي ( فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) قرأ الجمهور ( فهل يهلك ) على البناء للمفعول وقرأ ابن محيصن على البناء للفاعل والمعنى أنه لا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة الواقعون في معاصي الله قال قتادة لا يهلك على الله إلا هالك مشرك قيل هذه الآية أقوى آية في الرجاء قال الزجاج تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه ابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود قال هبطوا يعنى الجن على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يقرا القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا أنصتوا قالوا صه وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) إلى قوله ( ضلال مبين ) واخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه عن الزبير ( إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) قال بنخلة ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبدا وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) الآية قال كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رسلا إلى قومهم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم عنه


"""""" صفحة رقم 28 """"""
نحوه وقال أتوه ببطن نخلة وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عنه أيضا قال صرفت الجن إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مرتين وكانوا أشراف الجن بنصيبين وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال سألت ابن مسعود من آذن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالجن ليلة استمعوا القرآن قال آذنته بهم شجرة وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منكم أحدا ليلة الجن قال ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجئ من قبل حراء فأخبرناه فقال إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا أثارهم وآثار نيرانهم وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال كنت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة الجن وقد روى نحو هذا من طرق والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه ( صلى الله عليه وسلم ) مع الجن حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر في الأخرى وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجن بعد هذا وفدت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مرة بعد مرة وأخذوا عنه الشرائع وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال ( أولو العزم من الرسل ) النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأخرج ابن مردويه عنه قال هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال بلغني أن أولى العزم من الرسل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة قالت ظل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صائما حتى طوى ثم ظل صائما ثم طوى ثم ظل صائما قال يا عائشة إن الدين لا ينبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من أولى العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ثم لو لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال ( أصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدى ولا قوة إلا بالله
ع4
تفسير
سورة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وتسمى سورة القتال وسورة الذين كفروا وهي تسع وثلاثون آية وقيل ثمان وثلاثون
حول السورة
وهي مدنية قال الماوردي في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما قالا إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنا عليه فنزل قوله تعالى ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ) وقال الثعلبي إنها مكية وحكاه ابن هبة الله عن الضحاك وسعيد بن جبير وهو غلط من القول فالسورة مدنية كما لا يخفى وقد أخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال نزلت سورة القتال بالمدينة وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه قال نزلت سورة محمد بالمدينة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال نزلت بالمدينة سورة الذين كفروا وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقرا بهم في المغرب الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله


"""""" صفحة رقم 29 """"""
سورة محمد ( 1 12
محمد : ( 1 ) الذين كفروا وصدوا . . . . .
قوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) هم كفار قريش كفروا بالله وصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله وهو دين الإسلام ينهم عن الدخول فيه كذا قال مجاهد والسدي وقال الضحاك معنى عن سبيل الله عن بيت الله بمنع قاصديه وقيل هم أهل الكتاب والموصول مبتدأ وخبره ( أضل أعمالهم ) أي أبطلها وجعلها ضائعة قال الضحاك معنى أضل أعمالهم أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وجعل الدائرة عليهم في كفرهم وقيل أبطل ما عملوه في الكفر مما كانوا يسمونه مكارم أخلاق من صلة الأرحام وفك الأرسارى وقري الأضياف وهذه وإن كانت باطلة من أصلها لكن المعنى أنه سبحانه حكم ببطلانها
محمد : ( 2 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . .
ولما ذكر فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين فقال ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) ظاهر هذا العموم فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات ولا يمنع من ذلك خصوص سببها فقد قيل إنها نزلت في الأنصار وقيل في ناس من قريش وقيل في مؤمني أهل الكتاب ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وخص سبحانه الإيمان بما أنزل على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بالذكر مع إندراجه


"""""" صفحة رقم 30 """"""
تحت مطلق الإيمان المذكور قبله تنبيها على شرفه وعلو مكانه وجملة ( وهو الحق من ربهم ) معترضة بين المبتدأ وهو قوله ( والذين آمنوا ) وبين خبره وهو قوله ( كفر عنهم سيئاتهم ) ومعنى كونه الحق أنه الناسخ لما قبله وقوله من ربهم في محل نصب على الحال ومعنى كفر عنهم سيئاتهم أي السيآت التي عملوها فيما مضى فإنه غفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح ( وأصلح بالهم ) أي شأنهم وحالهم قال مجاهد شأنهم وقال قتادة حالهم وقيل أمرهم والمعاني متقاربة قال المبرد البال الحال ها هنا قيل والمعنى أنه عصمهم عن المعاصي في حياتهم وأرشدهم إلى أعمال الخير وليس المراد إصلاح حال دنياهم من إعطائهم المال ونحو ذلك وقال النقاش إن المعنى أصلح نياتهم ومنه قول الشاعر فإن تقبلى بالود أقبل بمثله
وإن تدبري أذهب إلى حال باليا
محمد : ( 3 ) ذلك بأن الذين . . . . .
والإشارة بقوله ذلك إشارة إلى ما مر مما أوعد به الكفار ووعد به المؤمنين وهو مبتدأ خبره ما بعده وقيل إنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك بسبب ( إن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ) فالباطل الشرك والحق التوحيد والإيمان والمعنى أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين بسبب اتباعهم الباطل من الشرك بالله والعمل بمعاصية وذلك التكفير لسيئات المؤمنين وإصلاح بالهم بسبب اتباعهم للحق الذي أمر الله إتباعه من التوحيد والإيمان وعمل الطاعات ( كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) أي مثل ذلك الضرب يبين للناس أمثالهم أي أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة قال الزجاج كذلك يضرب يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال الكافرين يعني أن من كان كافرا أضل الله عمله ومن كان مؤمنا كفر الله سيئاته
محمد : ( 4 ) فإذا لقيتم الذين . . . . .
( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) لما بين سبحانه حال الفريقين أمر بجهاد الكفار والمراد بالذين كفرو المشركين ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتاب وانتصاب ضرب على أنه مصدر لفعل محذوف وقال الزجاج أي فأضربوا الرقاب ضربا وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بقطعها وقيل هو منصوب على الإغراء قال أبو عبيدة هو كقولهم يا نفس صبرا وقيل التقدير أقصدوا ضرب الرقاب وقيل إنما خص ضرب الرقاب لأن في التعبير عنه من الغلظة والشدة ما ليس في نفس القتل وهي حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأحسن أعضائه ( حتى إذا أثخنتموهم ) أي بالغتم في قتلهم وأكثرتم القتل فيهم وهذه غاية للأمر بضرب الرقاب لا لبيان غاية القتل وهو ماخوذ من الشيء الثمين اسم أي الغليظ وقد مضى تحقيق معناه في سورة الأنفال ( فشدوا الوثاق ) الوثاق بالفتح ويجئ بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط قال الجوهري وأوثقه في الوثاق أي شده قال والوثاق بكسر الواو لغة فيه قرأ الجمهور فشدوا بضم الشين وقرأ السلمى بكسرها وإنما أمر سبحانه بشد الوثاق لئلا ينفلتوا والمعنى إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم وأحيطوهم بالوثاق ( فإما منا بعد وأما فداء ) أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا أو تفدوا فداء والمن الإطلاق بغير عوض والفداء ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر ولم يذكر القتل هنا أكتفاء بما تقدم قرأ الجمهور فداء بالمد وقرأ ابن كثير فدى بالقصر وإنما قدم المن على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق ولهذا كانت العرب تفتخر به كما قال شاعرهم ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم
إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك فقال ( حتى تضع الحرب أوزارها ) أوزار الحرب التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع أسند الوضع إليها وهو لأهلها على طريق المجاز والمعنى أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور


"""""" صفحة رقم 31 """"""
إلى غاية صي أن لا يكون حرب مع الكفار قال مجاهد المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام وبه قال الحسن والكلبي قال الكسائى حتى يسلم الخلق قال الفراء حتى يؤمنوا ويذهب الكفر وقيل المعنى حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة وروى عن الحسن وعطاء أنهما قالا في الآية تقديم وتأخير والمعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشد الوثاق وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فقيل إنها منسوخة في أهل الأوثان وأنه لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم والناسخ لها قوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم وقوله قاتلوا المشركين كافة وبهذا قال قتادة والضحاك والسدى وابن جريح وكثير من الكوفيين قالوا والمائدة آخر ما نزل فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن تؤخذ منه الجزية وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة وقيل إن هذه الآية ناسخة لقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وروى ذلك عطاء وغيره وقال كثير من العلماء إن الآية محكمة والإمام مخير بين القتل والأسر وبعد الأسر مخير بين المن والفداء وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وغيرهم وهذا هو الراجح لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك وقال سعيد بن جبير لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الأثخان والقتل بالسيف لقوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ) محل ذلك الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وقيل في محل نصب على المفعولية بتقدير فعل أي أفعلو ذلك ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه ما تقدم أي ذلك حكم الكفار ومعنى لو يشاء الله لانتصر منهم أي قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم وتعذيبهم شاء من أنواع العذاب ( ولكن ) أمركم بحربهم ( ليبلوا بعضكم ببعض ) أي ليختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين في سبيله والصابرين على إبتلائه ويجزل ثوابهم ويعذب الكفار بأيديهم ( والذين قتلوا في سبيل الله ) قرأ الجمهور قاتلوا مبنيا للفاعل وقرأ أبو عمرو وحفص قتلوا مبنيا للمفعول وقرأ الحسن بالتشديد مبنيا للمفعول أيضا وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة قتلوا على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف والمعنى على القراءة الأولى والرابعة أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع وعلى القراءة الثانية والثالثة أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم قال قتادة ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد
محمد : ( 5 ) سيهديهم ويصلح بالهم
ثم ذكر سبحانه ما لهم عنده من جزيل الثواب فقال ( سيهديهم ) اأي سيهديهم الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا ويعطيهم الثواب في الأخرة ( ويصلح بالهم ) أي حالهم وشأنهم وأمرهم قال أبو العالية قد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطريق المفضية إليها وقال ابن زياد يهديهم إلى محاجة منكر ونكير
محمد : ( 6 ) ويدخلهم الجنة عرفها . . . . .
( ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم قال الواحدي هذا قول عامة المفسرين وقال الحسن وصف الله لهم الجنة في الدنيا فلما دخلوها عرفوها بصفتها وقيل فيه حذف أي عرفوا طرقها ومساكنها بيوتها وقيل هذا التعريف بدليل عليهم يدلهم عليها وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه حتى يدخله منزله كذا قال مقاتل وقيل معنى عرفها لهم طيبها بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف وهو الرائحة
محمد : ( 7 ) يا أيها الذين . . . . .
ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ) أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار ويفتح لكم ومثله قوله ولينصرن الله من ينصره قال قطرب إن تنصروا نبي الله ينصركم ( ويثبت أقدامكم ) أي عند القتال وتثبت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب وقيل على الإسلام وقيل على الصراط
محمد : ( 8 ) والذين كفروا فتعسا . . . . .
( والذين كفروا فتعسا لهم ) الموصول في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف


"""""" صفحة رقم 32 """"""
تقديره فتعسا بدليل ما بعده ودخلت الفاء تشبيها للمبتدأ بالشرط وانتصاب تعسا على المصدر للفعل المقدر خبرا قال الفراء مثل سقيا لهم ورعيا وأصل التعس الانحطاط والعثار قال ابن السكيت التعس أن يجر على وجهه والنكس أن يجر على رأسه قال والتعس أيضا الهلاك قال الجوهري وأصله الكب وهو ضد الانتعاش ومنه قول مجمع بن هلال تقول وقد أفردتها من حليلها
تعست كما أتعستني يا مجمع
قال المبرد أي فمكروها لهم وقال ابن جريج بعدا لهم وقال السدي خزيا لهم وقال ابن زيد شقاء لهم وقال الحسن شتما لهم وقال ثعلب هلاكا لهم وقال الضحاك خيبة لهم وقيل قبحا لهم حكاه النقاش وقال الضحاك رغما لهم وقال ثعلب أيضا شرا لهم وقال أبو العالية شقوة لهم واللام في لهم للبيان كما في قوله هيت لك وقوله ( وأضل أعمالهم ) معطوف على ما قبله داخل معه في خبرية الموصول
محمد : ( 9 ) ذلك بأنهم كرهوا . . . . .
والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم مما ذكره الله من التعس والأضلال أي الأمر ذلك أو ذلك الأمر ( بأنهم كرهوا ما أنزل الله ) على رسوله من القرآن أوما أنزل على رسله من كتبه لاشتمالها على ما في القرآن من التوحيد والبعث ( فأحبط ) الله ( أعمالهم ) بذلك السبب والمراد بالأعمال ما كانوا عملوا من أعمال الخير في الصورة وإن كانت باطلة من الأصل لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه
محمد : ( 10 ) أفلم يسيروا في . . . . .
ثم خوف سبحانه الكفار وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم فقال ( أفلم يسيروا في الأرض ) أي ألم يسيروا في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا ( فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) أي آخر أمر الكافرين قبلهم فإن آثار العذاب في ديارهم باقية ثم بين سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال ( دمر الله عليهم ) والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر والتدمير والإهلاك أي أهلكهم وأستأصلهم يقال دمره ودمر عليه بمعنى ثم توعد مشركي مكة فقال ( وللكافرين أمثالها ) أي لهؤلاء الكافرين أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم الكافرة قال الزجاج وابن جرير الضمير في أمثالها يرجع إلى عاقبة الذين من قبلهم وإنما جمع لأن العواقب متعددة بحسب تعدد الأمم المعذبة وقيل أمثال العقوبة وقيل الهلكة وقيل التدميرة والأول أولى لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله
محمد : ( 11 ) ذلك بأن الله . . . . .
والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما ذكر من أن للكافرين أمثالها ( بأن الله مولى الذين آمنوا ) أي بسبب أن الله ناصرهم ( وأن الكافرين لا مولى لهم ) أي لا ناصر لهم يدفع عنهم وقرأ ابن مسعود ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا قال قتادة نزلت يوم أحد
محمد : ( 12 ) إن الله يدخل . . . . .
( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) قد تقدم تفسير الآية في غير موضع وتقدم كيفية جرى الأنهار من تحت الجنات والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ) أي يتمتعون بمتاع الدنيا وينتفعون به كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ساهون عن العاقبة لاهون بما هم فيه ( والنار مثوى لهم ) أي مقام يقيمون به ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) قال هم أهل مكة قريش نزلت فيهم ( الذين آمنوا وعملو الصالحات ) قال هم أهل المدينة الأنصار ( وأصلح بالهم ) قال أمرهم واخرج ابن المنذر عنه في قوله ( أضل أعمالهم ) قال كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملا وأخرج النحاس عنه أيضا في قوله ( فأما منا بعد وإما فداء ) قال فجعل الله النبي والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استعبدوهم


"""""" صفحة رقم 33 """"""
وإن شاءوا فادوهم وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال هذا منسوخ نسختها فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال أتى الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله فقال ابن عمر ليس بهذا أمرنا إنما قال الله ( حتى إذا أثخنتوهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ) وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث قال قلت لمجاهد بلغني أن أبن عباس قال لا يحل قتل الأسارى لأن الله قال 0 فإما منا بعد وإما فداء ) فقال مجاهد لا تعبأ بهذا شيئا أدركت أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكلهم ينكر هذا ويقول هذه منسوخة إنما كانت في الهدنه التي كانت بين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وبين المشركين فإما اليوم فلا يقول الله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ويقول فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب فإن كان من مشركي العرب لم يقبل شيء منهم إلا الإسلام فإن لم يسلموا فالقتل وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استحيوهم وإن شاءوا فادوهم إذا لم يتحملوا عن دينهم فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا ونهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا وحكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتوضع الجزية وتضع الحرب أوزارها وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني وابن مردويه عن سلمة بن نفيل عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من حديث قال لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ( وللكافرين أمثالها ) قال لكفار قومك يا محمد مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف


"""""" صفحة رقم 34 """"""
سورة محمد ( 13 19
محمد : ( 13 ) وكأين من قرية . . . . .
خوف سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال ( وكأين من قرية هي اشد قوة من أهل قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ) قد قدمن أن كأين مركبة من الكاف وأي وأنها بمهنى كم الخبرية أي وكم من قرية وأنشد الأخفش قول الوليد وكأين رأينا من ملوك وسوقه
ومفتاح قيد للأسير المكبل
ومعنى الآية وكم من أهل قرية هم أشد قوة ؤمن قريبتك قريتك التي أخرجوك منها أهلكناهم ( فلا ناصر لهم ) فبالأولى من هو أضعف منهم وهم قريش الذين هم أهل قرية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهي مكة فالكلام على حذف المضاف كما في قوله وأسأل القرية قال مقاتل أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسولهم
محمد : ( 14 ) أفمن كان على . . . . .
ثم ذكر سبحانه الفرق بين حال المؤمن والحال الكافر فقال ) أفمن كان على بينة من ربه ( والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر كنظائره ومن مبتدأ والخبر ( كمن زين له سوء عمله ) وأفرد في هذا باعتبار لفظ من وجمع في قوله ( واتبعوا أهواءهم ) باعتبار معناها والمعنى أنه لا يستوى من كان على يقين من ربه ولا يكون كمن زين له سوء عمله وهو عبادة الأوثان والإشراك بالله والعمل بمعاصي الله واتبعوا أهواءهم في عبادتها وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك فضلا عن حجة نيرة
محمد : ( 15 ) مثل الجنة التي . . . . .
ثم لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الأهتداء الضلال بين الفرق في مرجعهما ومآ لهما فقال ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) والجملة مستأنفة لشرح محاسن الجنة وبيان ما فيها ومعنى مثل الجنة وصفها العجيب الشأن وهو مبتدأ وخبره محذوف قال النضر بن شميل تقديره ما يسمعون وقدره سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة قال والمثل هو الوصف ومعناه وصف الجنة وجملة ( فيها إنهار من ماء غير آسن ) الخ مفسرة للمثل وقيل إن مثل زائدة وقيل إن مثل الجنة مبتدأ والخبر فيها إنهار وقيل خبره كمن هو خالد والآسن المتغير يقال أسن الماء يأسن أسونا إذا تغيرت رائحته ومثله الآجن ومنه قول زهير قد أترك القرن مصفرا أنامله
يميد في الرمح ميد المالح الأسن
وقرأ الجمهور آسن بالمد وقرأ حميد وابن كثير بالقصر وهما لغتان كحاذر وحذر وقال الأخفش إن الممدود يراد به الاستقبال والمقصود يراد به الحال ( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) أي لم يحمض كما تغير ألبان الدنيا لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر ( وإنهار من خمر لذة للشاربين ) أي لذيذة لهم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون يقال شراب لذ ولذيذ وفيه لذه بمعنى ومثل هذه الآية قوله بيضاء لذة للشاربين قرأ الجمهور لذة بالجر صفة لخمر وقرئ بالنصب على إنه مصدر أو مفعول له وقرئ بالرفع صفة لأنهار ( وأنهار من عسل مصفى ) أي مصفى مما يخالطه من الشمع والقذى والعكر والكدر ( ولهم فيها من كل الثمرات ) أي لأهل الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من كل الثمرات أي من كل صنف من أصنافها و ( من ) زائدة للتوكيد ( ومغفرة من ربهم ) لذنوبهم وتنكير مغفرة للتعظيم أي ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم ( كمن هو خالد في النار ) هو خبر لمبتدأ محذوف والتقدير أم من هو في نعيم الجنة على هذه الصفة خالدا فيها كمن هو خالد في النار أو خبر لقوله مثل الجنة كما تقدم ورجح الأول الفراء فقال أراد أمن كان في هذا النعيم كم هو خالد في النار وقال الزجاج أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطى هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فقوله كمن بدل من قوله أفمن زين له سوء عمله وقال ابن كيسان ليس مثل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم وليس مثل أهل الجنة في النعيم كمثل أهل النار في العذاب الأليم


"""""" صفحة رقم 35 """"""
قوله ( وسقوا ماء حميما ) عطف على الصلة عطف جملة فعلية على أسمية لكنه راعى في الأولى لفظ من وفي الثانية معناها والحميم الماء الحار الشديد الغليان فإذا شربوه قطع أمعاءهم وهو معنى قوله ( فقطع أمعاءهم ) لفرط حرارته والأمعاء جمع معى وهي ما في البطون من الحوايا
محمد : ( 16 ) ومنهم من يستمع . . . . .
( ومنهم من يستمع إليك ) أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون وياكلون كما تأكل الأنعام من يستمع إليك وهم المنافقون أفرد الضمير باعتبار لفظ من وجمع في قوله ( حتى إذا خرجوا من عندك ) باعتبار معناها والمعنى أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومواطن خطبة التي يمليها على المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده ( قالوا للذين أوتوا العلم ) وهم علماء الصحابة وقيل عبد الله بن عباس وقيل عبد الله بن مسعود وقيل أبو الدرداء والأول أولى أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم ( ماذا قال آنفا ) أي ماذا قال النبي الساعة على طريقة الاستهزاء والمعنى أنا لم نلتفت إلى قوله وآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات ومنه أمر آنف أي مستأنف ورضة أنف أي لم يرعها أحد وانتصابه على الظرفية أي وقتا مؤتنفا أو حال من الضمير في قال قال الزجاج هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته وأصله ماخوذ من انف الشئ لما تقدم منه مستعار من الجارحة ومنه قول الشاعر ويحرم سر جارتهم عليهم
وياكل جارهم أنف القصاع
والإشارة بقوله 0 أولئك ) إلى المذكورين من المنافقين ( الذين طبع الله على قلوبهم ) فلم يؤمنوا ولا توجهت قلوبهم إلى شئ من الخبر ( واتبعوا أهواءهم ) في الكفر والعناد
محمد : ( 17 ) والذين اهتدوا زادهم . . . . .
ثم ذكر حال أضدادهم فقال ( والذين أهتدوا زادهم هدى ) أي والذين اهتدوا إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به زادهم هدى بالتوفيق وقيل زادهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل زادهم القرآن وقال الفراء زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى وقيل زادهم نزول الناسخ هدى وعلى كل تقدير فالمراد أنه زادهم إيمانا وعلما وبصيرة في الدين ( وآتاهم تقواهم ) أي ألهمهم إياها وأعانهم عليها والتقوى قال الربيع هي الخشية وقال السدى هي ثواب الآخرة وقال مقاتل هي التوفيق للعمل الذي يرضاه وقيل العمل بالناسخ وترك المنسوخ وقيل ترك الرخص والأخذ بالعزائم
محمد : ( 18 ) فهل ينظرون إلا . . . . .
( فهل ينظرون إلا الساعة ) أي القيامة ( أن تأتيهم بغتة ) أي فجأة وفي هذا وعيد للكفار شديد وقوله ( ان تأتيهم بغتة ) بدل من الساعة بدل اشتمال وقرا أبو جعفر الرواسي إن تأتيهم بان الشرطية ( فقد جاء أشراطها ) أي أماراتها وعلاماتها وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) آخر الأنبياء فبعثته من أشراطها قاله الحسن والضحاك والاشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها وقيل المراد بأشراطها هنا أسبابها التي هي دون معظمها وقيل أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر والدخان كذا قال الحسن وقال الكلبي كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام ومنه قوله وخبره أبي زيد الأسود فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا
فقد جعلت أشراط أوله تبدو
( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) ذكراهم مبتدا فأنى لهم أي أنى لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة كقوله يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى وإذا جاءتهم اعتراض بين الميتدأ والخبر
محمد : ( 19 ) فاعلم أنه لا . . . . .
(فأعلم أنه لا إله إلا الله ) أي إذا علمت أن مدار الخير هو التوحيد والطاعة ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله فأعلم أنه لا إله غيره ولا رب سواه والمعنى اثبت على ذلك واستمر عليه لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) قد كان عالما بأنه لا إله إلا الله قبل هذا وقيل ما علمته استدلالا فاعلمه خبرا يقينا وقيل المعنى فاذكر أنه لا إله إلا الله فعبر عن الذكر


"""""" صفحة رقم 36 """"""
بالعلم ( واستغعر لذنبك ) أي استغفر الله أن يقع منك ذنب أو استغفر الله ليعصمك أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى وقيل الخطاب له والمراد الأمة ويأتى هذا قوله ( وللمؤمنين والمؤمنات ) فإن المراد به استغفاره لذنوب أمته بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم ( والله يعلم متقلبكم ) في أعمالكم ( ومثواكم ) في الدار الآخرة وقيل متقلبكم في أعمالكم نهارا ومثواكم في ليلكم نياما وقيل متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم في الأرض أي مقامكم فيها قال ابن كيسان متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا ومثواكم في القبور
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عليه وآله وسلم لما خرج من مكه إلى الغار التفت إلى مكة وقال أنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن أهلك أخرجوني منك لما أخرج فأعتنى الأعداء من عتا على الله في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بدخول الجاهلية فأنزل الله ( وكأين من قرية ) الآية وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( أنهار من ماء غير آسن ) قال غير متغير وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب قال لنه النيل نهر العسل في الجنة ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة ونهر سيحان نهر الماء في الجنة وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ( حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ) قال كنت فيمن يسأل وأخرج عبد بن حميد من وجه آخر عنه في الآية قال أنا منهم وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبيا غير بالغ فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مات وهو في سن البلوغ فسؤال الناس له عن معاني القرآن في حياة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ووصف الله سبحانه للمسئولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه ومزيد فقهه في كتاب الله وسنة رسوله مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون مع الصبيان وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال كانوا يدخلون على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا خرجوا من عنده قالو لابن عباس ماذا قال آنفا فيقول كذا وكذا وكان ابن عباس أصغر القوم فأنزل الله الآية فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن ابن بريدة في الآية قال هو عبد الله بن مسعود وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال هو عبد الله بن مسعود وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) قال لما أنزل القرآن آمنوا به فكان هدى فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى وأخرج ابن المنذر عنه ( فقد جاء أشراطها ) قال أول الساعات وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالوسطى والسبابه ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة وبيان ما قد وقع منها ولك يكن قد وقع وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها وأخرج الطبراني وابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار ثم قرأ ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي


"""""" صفحة رقم 37 """"""
في الشعب عن أبي هريرة في قوله ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) قال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن سرجس قال أتيت النبي صلى الله عليه وأله وسلم فأكلت معه من طعام فقلت غفر الله لك يا رسول الله قال ولك فقيل أتستغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال نعم ولكم وقرأ ( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) وقد ورد أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وأله وسلم لنفسه ولأمته وترغيبه في الأستغفار وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( والله يعلم متقلبكم في الدنيا ( ومثواكم ) في الآخرة
سورة محمد ( 20 31
محمد : ( 20 ) ويقول الذين آمنوا . . . . .
سأل المؤمنون ربهم عز وجل أن ينزل على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) سورة يأمرهم فيها بقتال الكفار حرصا منهم على الاجتهاد ونيل ما أعد الله للمجاهدين من جزيل الثواب فحكى الله عنهم ذلك بقوله ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ) أي هلا نزلت ( فإذا أنزلت سورة محكمة ) أي غير منسوخة ( وذكر فيها القتال ) أي فرض الجهاد قال قتادة كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين وفي قراءة بن مسعود فإذا أنزلت سورة محدثة أي محدثة النزول قرأالجمهور فإذا أنزلت وذكر على بناء الفعلين للمفعول وقرأ زيد على وابن عمير للمفعول وقرأ زيد وعلى وابن عمير ( نزلت ) وذكر على بناء الفعلين للفاعل ونصب القتال رأيت الذين


"""""" صفحة رقم 38 """"""
في قلوبهم مرض ) أي شك وهم المنافقون ( ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ) أي ينظرون إليك من شخص بصره عند الموت لجبنهم عن القتال وميلهم إلى الكفار قال ابن قتيبة والزجاج يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون إليك نظرا شديدا كما ينظر الشاخص بصره عند الموت ( فأولى لهم ) قال الجوهري وقولهم أولى لك تهديد ووعيد وكذا قال مقاتل والكلبي وقتادة قال الاصمعي معنى قولهم في التهديد أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره وانشد قول الشاعر فعادى بين هاذيتين منها
وأولى أن يزيد على الثلاث
أي قارب أن يزيد قال ثعلب ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعى وقال المبرد يقال لمن هم بالغضب ثم أفلت أولى لك أي قاربت الغضب وقال الجرجاني هو مأخوذ من الويل أي فويل لهم وكذا قال في الكشاف قال قتادة أيضا كانه قال العقاب اولى لهم
محمد : ( 21 ) طاعة وقول معروف . . . . .
وقوله ( طاعة وقول معروف ) كلام مستأنف أي أمرهم طاعة أو طاعة وقول معروف خير لكم قال الخليل وسيبويه أن التقدير طاعة وقول معروف أحسن وأمثل لكم من غيرهما وقيل إن طاعة خبر أولى وقيل أن طاعة صفة لسورة وقيل إن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر والأول أولى ( فإذا عزم الأمر ) عزم الأمر جد الأمر أي جد القتال ووجب وفرض وأسند العزم إلى الأمر وهو لأصحابه مجازا وجواب إذا قيل هو فلو صدقوا الله وقيل محذوف تقديره كرهوه قال المفسرون معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا فلو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة ( لكان خيرا لهم ) من المعصية والمخالفة
محمد : ( 22 ) فهل عسيتم إن . . . . .
( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) هذا خطاب للذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتقريع قال الكلبي أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم وقال كعب ( إن تفسدوا في الأرض ) أي بقتل بعضكم بعضا وقال قتادة إن توليتم عن طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء وتقطعوا أرحامكم وقال ابن جريج إن توليتم عن الطاعة وقيل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه قرأ الجمهور توليتم مبنيا للفاعل وقرأ على بن أبي طالب بضم التاء والواو وكسر اللام مبنيا للمفعول وبها قرأ ابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب ومعناها فهل عسيتم أن ولى عليكم ولاة جائرين أن تخرجوا عليهم في الفتنة وتحاربوهم وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل وقرأ الجمهور ( وتقطعوا ) بالتشديد على التكثير وقرأ أبو عمرو في رواية عنه وسلام وعيسى ويعقوب بالتخفيف من القطع يقال عسيت أن إفعل كذا وعسيت بالفتح والكسر لغتان ذكره الجوهري وغيره وخبر عسيتم هو أن تفسدوا والجملة الشرطية بينهما اعتراض
محمد : ( 23 ) أولئك الذين لعنهم . . . . .
والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المخاطبين بما تقدم وهو مبتدأ وخبره ( الذين لعنهم الله ) أي أبعدهم من رحمته وطردهم عنها ( فأصمهم ) عن استماع الحق ( وأعمى أبصارهم ) عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
محمد : ( 24 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . .
والاستفهام في قوله ( أفلا يتدبرون القرآن ) للإنكار والمعنى أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة والحجج الظاهرة االبراهين لقاطعة التي تكفي من له فهم وعقل وتزجره عن الكفر بالله والإشراك به والعمل بمعاصيه أم على قلوب أقفالها أم هي المنقطعة أى بل أعلى قلوب أقفالها فهم لايفهمون ولا يعقلون قال المقاتل يعني الطبع على القلوب والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على إن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب ومعنى الاية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر والشرك لأن الله سبحانه قد طبع عليها والمراد بهذه القلوب قلوب هؤلاء المخاطبين قرأ الجمهور أقفالها بالجمع وقرئ إقفالها بكسر الهمزة على إنه مصدر كالأقبال
محمد : ( 25 ) إن الذين ارتدوا . . . . .
( إن الذين ارتدوا


"""""" صفحة رقم 39 """"""
على أدبارهم ) أي رجعوا كفارا كما كانوا قال قتادة هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ما عرفوا نعته عندهم وبه قال ابن جرير وقال الضحاك والسدى هم المنافقون قعدوا عن القتال وهذا أولى لأن السياق في المنافقين ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) بما جاءهم به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة ( الشيطان سول لهم ) أي زين لهم خطاياهم وسهل لهم الوقوع فيها وهذه الجملة خبر إن ومعنى ( وأملى لهم ) أن الشيطان مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر وقيل إن الذي أملى لهم هو الله عز وجل على معنى أنه لم يعاجلهم بالعقوبة قرأ الجمهور ( أملى ) مبنيا للفاعل وقرأ أبو عمرو وأبن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة على البناء للمفعول قيل وعلى هذه القراءة يكون الفاعل هو الله أو الشيطان كالقراءة الأولى وقد اختار القول بأن الفاعل الله الفراء والمفضل والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريبا والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من ارتدادهم وهو مبتدأ وخبره
محمد : ( 26 ) ذلك بأنهم قالوا . . . . .
( بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ) أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله وهم المشركون ( سنطيعكم في بعض الأمر ) وهذا البعض هو عداوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومخالفة ما جاء به وقيل المعنى إن المنافقين قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر وقيل ان القائلين اليهود الذين كرهوا ما أنزل الله المنافقون وقيل أن الأشارة بقوله ذلك إلى الإملاء وقيل إلى التسويل والأول أولى ويؤيد كون القائلين المنافقين والكارهين اليهود قوله تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السر بينهم قال الله سبحانه ( والله يعلم أسرارهم ) قرأ الجمهور بفتح الهمزة جمع سر واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الكوفيون وحمزة والكسائى وحفص عن عاصم وابن وثاب والأعمش بكسر الهمزة على المصدر إي إخفاءهم
محمد : ( 27 ) فكيف إذا توفتهم . . . . .
( فكيف إذا توفتهم الملائكة ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف في محل رفع على إنها خبر مقدم والتقدير فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة أو في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يصنعون أو خبر لكان مقدره أي فكيف يكونون والظرف معمول للمقدر قرأ الجمهور توفتهم وقرأ الأعمش توفاهم وجملة ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) في محل نصب على الحال من فاعل توفتهم أو من مفعوله أي ضاربين وجوههم وضاربين أدبارهم وفي الكلام تخويف وتشديد والمعنى أنه إذا تاخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه وقيل ذلك عند القتال نصره من الملائكة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل ذلك يوم القيامة والأول أولى
محمد : ( 28 ) ذلك بأنهم اتبعوا . . . . .
والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى لتوفى المذكور على الصفة المذكورة وهو مبتدأ وخبره ( بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ) أي بسبب اتباعهم ما يسخط الله من الكفر والمعاصي وقيل كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) والأول أولى لما في الصيغة من العموم ( و كرهوا رضوانه ) أي كرهوا ما يرضاه الله من الإيمان والتوحيد والطاعة ( فأحبط ) الله ( أعمالهم ) بهذا السبب والمراد بأعمالهم الأعمال التي صورتها صورة الطاعة وإلا فلا عمل لكافر أو ما كانوا قد عملوا من الخير قبل الردة
محمد : ( 29 ) أم حسب الذين . . . . .
( أم حسب الذين في قلوبهم مرض ) يعني المنافقين المذكورين سابقا وأم هي المنقطعة أي بل أحسب المنافقون ( أن لن يخرج الله أضغانهم ) الإخراج بمعنى الإظهار والأضغان جمع ضغن وهو ما يضمر من المكروه واختلف في معناه فقيل هو الغش وقيل الحسد وقيل الحقد قال الجوهرى الضغن والضغينة الحقد وقال قطرب هو في الآية العداوة وأن هي المنخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر
محمد : ( 30 ) ولو نشاء لأريناكهم . . . . .
( ولو نشاء لأريناكهم ) أي لأعلمناكم وعرفناكهم بأعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية تقول العرب سأريك ما أصنع أي سأعلمك


"""""" صفحة رقم 40 """"""
( فلعرفتهم بسيماهم ) أي بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها قال الزجاج المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة والفاء لترتيب المعرفة على الإراءة وما بعدها معطوف على جواب لو وكررت في المعطوف للتأكيد وأما اللام في قوله ( ولتعرفنهم في لحن القول ) فهي جواب قسم محذوف قال المفسرون لحن القول فحواه ومقصده ومغزاه وما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين وكان بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه قال أبو زيد لحنت له اللحن إذا قلت له قولا يفقهه عنك ويخفي على غيره ومنه قول الشاعر منطق صائب وتلحن أحيانا
وخير الكلام ما كان لحنا
أي أحسنه ما كان تعريضا يفهمه المخاطب ولا يفهمه غيره لفطنته وذكائه وأصل اللحن إمالة الكلام إلى نحو من الإنحاء لغرض من الأغراض ( والله يعلم أعمالكم ) لا تخفي عليه منها خافية فيجازيكم بها وفيه وعيد شديد
محمد : ( 31 ) ولنبلونكم حتى نعلم . . . . .
( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) أي لنعاملنكم معاملة المختبر وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم من امتثل الأمر بالجهاد وصبر على دينه ومشاق ما كلف به قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة بالنون وقرأ أبو بكر عن عاصم بالتحتية فيها كلها ومعنى ( ونبلوا أخباركم ) نظهرها ونكشفها امتحانا لكم ليظهر للناس من أطاع ما أمره الله به ومن عصى ومن لم يمتثل وقرأ الجمهور ونبلو بنصب الواو عطفا على قوله حتى نعلم وروى ورش عن يعقوب إسكانها على القطع عما قبله وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم بحقو الرحمن فقال مه قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أترضى أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اقرءوا إن شئتم ( فهل عسيتم ) الآية إلى قوله ( أم على قلوب أقفالها ) والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جدا وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم ) قال هم أهل النفاق وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) قال أعمالهم خبثهم والحسد الذي في قلوبهم ثم دل الله تعالى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد على المنافقين فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله 0 ولتعرفنهم في لحن القول ) قال ببغضهم علي بن أبي طالب


"""""" صفحة رقم 41 """"""
سورة محمد ( 32 38
محمد : ( 32 ) إن الذين كفروا . . . . .
قوله ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) المراد بهؤلاء هم المنافقون وقيل أهل الكتاب وقيل هم المطعمون يوم بدر من المشركين ومعنى صدهم عن سبيل الله منعهم للناس عن الإسلام وإتباع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ( و ) معنى ( شاقوا الرسول ) عادوه وخالفوه ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) أي علموا أنه ( صلى الله عليه وسلم ) نبي من عند الله بما شاهدوا من المعجزات الواضحة والحجج القاطعة ( لن يضروا الله شيئا ) بتركهم الإيمان وإصرارهم على الكفر وما ضروا إلا أنفسهم ( وسيحبط أعمالهم ) أي يبطلها والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير كإطعام الطعام وصلة الأرحام وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير وإن كانت باطلة من الأصل لأن الكفر مانع وقيل المراد بالأعمال المكائد التي نصبوها لإبطال دين الله والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
محمد : ( 33 ) يا أيها الذين . . . . .
ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسول فقال ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا وأطيعوا الله الرسول ) فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة ورسوله ثم نهاهم عن أن يبطلوا اعمالكم كما أبطلت الكفار أعمالها بالإصرار على الكفر فقال ( ولا تبطلوا أعمالكم ) قال الحسن أي لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي وقال الزهري بالكبائر وقال الكلبي وابن جريج بالرياء والسمعة وقال مقاتل بالمن والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال كائنا ما كان من غير تخصيص بنوع معين
محمد : ( 34 ) إن الذين كفروا . . . . .
ثم بين سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر والصد عن سبيل الله فقال ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) فقيد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حيا وظاهر الآية العموم وإن كان السبب خاصا
محمد : ( 35 ) فلا تهنوا وتدعوا . . . . .
ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف فقال ( فلا تهنوا ) أي تضعفوا عن القتال والوهن الضعف ( وتدعوا إلى السلم ) أن أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم فإن ذلك لا يكون إلا عند الضغف قال الزجاج منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى ( وتدعوا ) بتشديد الدال من ادعى القوم وتداعوا قال قتادة معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فقيل إنها محكمة وإنها ناسخة لقوله وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وقيل منسوخه بهذه الآية ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداء ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون فالآيتان محكمتان ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص وجملة ( وأنتم الأعلون ) في محل نصب على الحال أو مستأنفه مقررة لما قبلها من النهى أي وأنتم الغالبون بالسيف والحجة قال الكلبي أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات وكذا جملة قوله ( والله معكم ) في محل نصب على الحال أي معكم بالنصر


"""""" صفحة رقم 42 """"""
والمعونة عليهم ( ولن يتركم أعمالكم ) أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم يقال وتيرة وتيرة وترا إذا نقصه حقه وأصله من وترت الرجل إذا قتلت له قريبا أو نهبت له مالا ويقال فلان مأتور إذا قتل له قتيل ولم يؤخذ بدمه قال الجوهرى أي لن ينقصكم في أعمالكم كما تقول دخلت البيت وأنت تريد في البيت قال الفراء هو مشتق من الوتر وهو الدخل وقيل مشتق من الوتر وهو الفرد فكأن المعنى ولن يفردكم بغير ثواب
محمد : ( 36 ) إنما الحياة الدنيا . . . . .
( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) أي باطل وغرور لا أصل لشيء منها ولا ثبات له ولا اعتداد به ( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ) أي أن تؤمنوا بالله وتتقوا الكفر والمعاصي يؤتكم جزاء ذلك في الاخرة والأجر الثواب على الطاعة ( ولا يسألكم أموالكم ) أي لا يأمركم بأخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات بل أمركم بأخراج القليل منها وهو الزكاة وقيل المعنى لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها وهو المنعم عليكم بإعطائها وقيل لا يسألكم أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة كما في قوله ما أسألكم عليه من أجر والأول أولى
محمد : ( 37 ) إن يسألكموها فيحفكم . . . . .
( إن يسألكموها ) أي أموالكم كلها ( فيحفكم ) قال المفسرون يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها يقال أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد والمعنى المستقصى في السؤال والإحفاء الاستقصاء في الكلام ومنه إحفاء الشارب أي استئصاله وجواب الشرط قوله ( تبخلوا ) أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها وتمتنعوا من الامتثال ( ويخرج أضغانكم ) معطوف على جواب الشرط ولهذا قرأ الجمهور يخرج بالجزم وروى عن أبي عمرو أنه قرأ بالرفع على الاستئناف وروى عنه أنه قرأ بفتح الياء وضم الراء ورفع أضغانكم وروى عن يعقوب الحضرمي أنه قرا بالنون وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد بالفوقية المفتوحة مع ضم الراء وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه أو إلى البخل المدلول عليه بتبخلوا والأضغان الأحقاد والمعنى أنها تظهر عند ذلك قال قتادة قد علم الله أن في سؤال المال خروج
محمد : ( 38 ) ها أنتم هؤلاء . . . . .
( ها أنتم هؤلاء تعون لتنفقوا في سبيل الله ) أي ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير ( فمنكم من يبخل ) بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) أي يمنعها الأجر والثواب ببخله وبخل يتعدى بعلى تارة وبعن أخرى وقيل إن أصله أن يتعدى بعلى ولا يتعدى بعن إلا إذا ضمن معنى الأمساك ( والله الغنى ) المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم ( وأنتم الفقراء ) إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة وجملة ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) معطوفة على الشرطية المتقدمة وهي وإن تؤمنوا والمعنى وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) في التولى عن الإيمان والتقوى قال عكرمة هم فارس والروم وقال الحسن هم العجم وقال شريح ابن عبيد هم أهل اليمن وقيل الأنصار وقيل الملائكة وقيل التابعون وقال مجاهد هم من شاء الله من سائر الناس قال ابن جرير والمعنى ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) في البخل بالإنفاق في سبيل الله
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال كان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) فخافوا أن يبطل الذنب العمل ولفظ عبد بن حميد فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال كنا معشر أصحاب النبي


"""""" صفحة رقم 43 """"""
( صلى الله عليه وسلم ) نرى أنه ليس شئ من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك حتى نزلت هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك وكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجوناه وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( يتركم ) قال يظلمكم وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه قال لما نزلت ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) قالوا من هؤلاء وسلمان إلى جانب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال هم الفرس هذا وقومه وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي وقد تفرد به وفيه مقال معروف وأخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال تلا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآية ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) فقالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين أن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا فضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على منكب سلمان ثم قال هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس وفي إسناده أيضا مسلم بن خالد الزنجي وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه
ع48
تفسير
سورة الفتح
هي تسع وعشرون آية وهي مدنية
حول السورة
قال القرطبي بالإجماع وقد أخرج ابن الضريس والنحاس بن مردوة والبيهقي عن ابن عباس قال نزلت سورة الفتح بالمدينة وأخرج بن مردويه عن الزبير مثله وأخرج بن إسحاق والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة ومروان قالا نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبيه من أولها إلى آخرها وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية لأن المراد بالسور المدنية النازلة بعد الهجرة من مكة وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مغفل قال قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عام الفتح في مسيرة سورة الفتح على راحلته فرجع فيها وفي الصحيحين عن زيد بن اسلم عن أبيه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر عن شئ فلم يجبه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب هلكت أم عمر نزرت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك فقال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون قد نزل في قرآن فجئت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسلمت عليه فقال لقد أنزلت على سورة لهى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال لما نزلت ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) الآية إلى قوله ( فوزا عظيما ) مرجعه من الحديبية وهم مخالطهم الحزن والكآبة وقد نحروا الهدى بالحديبية فقال لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا جميعها )


"""""" صفحة رقم 44 """"""
سورة الفتح ( 1 7
الفتح : ( 1 ) إنا فتحنا لك . . . . .
قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) اختلف في تعيين هذا الفتح فقال الأكثر هو صلح الحديبية والصلح قد يسمى فتحا قال الغراء والفتح قد يكون صلحا ومعنى الفتح في اللغة فتح المنغلق والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله قال الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام قال الشعبي لقد أصاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الحديبية ما لم يصب في غزوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبويع بيعة الرضوان وأطعموا نخل خيبر وبلغ الهدى محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس وقال قوم إنه فتح مكة وقال آخرون إنه فتح خيبر والأول أرجح ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة أنزلت في شأن الحديبية وقيل هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح وقيل هو ما فتح له من النبوة والدعوة إلى الإسلام وقيل فتح الروم وقيل المراد بالفتح في هذه الآية الحكم والقضاء كما في قوله افتح بيننا وبين قومنا بالحق فكأنه قال إنا قضينا لك قضاء مبينا أي ظاهرا واضحا مكشوفا
الفتح : ( 2 ) ليغفر لك الله . . . . .
( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) اللام متعلقة بفتحنا وهي لام العلة قال ابن الأنباري سألت أبا العباس يعنى المبرد عن اللام في قوله ( ليغفر لك الله ) فقال هي لام كي معناها إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة وقال صاحب الكشاف إن اللام لم تكن علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأعراض العاجل والآجل وهذا كلام غير جيد فإن اللام داخلة على المغفرة فهي علة للفتح فكيف يصح أن تكون معللة وقال الرازي في توجيه التعليل إن المراد بقوله ( ليغفر لك الله ) التعريف بالمغفرة


"""""" صفحة رقم 45 """"""
تقديره إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم وقال ابن عطية المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك فكأنها لام الصيرورة وقال أبو حاتم هي لام القسم وهو خطأ فإن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها واختلف في معنى قوله ( ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) فقيل ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدى وغيرهم وقال عطاء ما تقدم من ذنبك يعني ذنب أبويك آدم وحواء وما تأخر من ذنوب أمتك وما أبعد هذا عن معنى القرآن وقيل ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده وهذا كالذي قبله وقيل ما تقدم من ذنب يوم بدر ما تأخر من ذنب يوم حنين وهذا كالقولين الأولين في البعد وقيل لو كان ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك وقيل غير ذلك مما لاوجه له والأول أولى ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى وسمى ذنبا في حقه لجلالة قدره وإن لم يكن ذنبا في حق غيره ( ويتم نعمته عليك ) بإظهار دينك على الدين كله وقيل بالجنة وقيل بالنبوة والحكمة وقيل بفتح مكة والطائف وخيبر والأولى أن يكون المعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام ومعنى يهديك يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه
الفتح : ( 3 ) وينصرك الله نصرا . . . . .
( وينصرك الله نصرا عزيزا ) أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل
الفتح : ( 4 ) هو الذي أنزل . . . . .
( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) أي السكون والطمأنينة بما يسره لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) أي ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيمانا منضما إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل قال الكلبي كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم وقال الربيع بن أنس خشية مع خشيتهم وقال الضحاك يقينا مع يقينهم ( ولله جنود السموات والأرض ) يعنى الملائكة والإنس والجن والشياطين يدبر أمرهم كيف يشاء ويسلط بعضهم على بعض ويحوط بعضهم ببعض ( وكان الله عليما ) كثير العلم بليغه ( حكيما ) في أفعاله وأقواله
الفتح : ( 5 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات . . . . .
( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ) هذه اللام متعلقة بمحذوف يدل عليه ما قبله تقديره يبتلى بتلك الجنود من يشاء فيقبل الخير من أهله والشر ممن قضى له به ليدخل ويعذب وقيل متعلقة بقوله ( إنا فتحنا ) كأنه قال إنا فتحنا لك فتحنا ليدخل ويعذب وقيل متعلقة بينصرك أي نصرك الله بالمؤمنين ليدخل ويعذب وقيل متعلقة بيزدادوا أي يزدادوا ليدخل ويعذب والأول أولى ( ويكفر عنهم سيئاتهم ) أي يسترها ولا يظهرها ولا يعذبهم بها وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى ( وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ) أي وكان ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله وفي حكمه فوزا عظيما أي ظفرا بكل مطلوب ونجاة من كل غم وجلبا لكل نفع ودفعا لكل ضر وقوله ( عند الله ) متعلق بمحذوف على أنه حال من فوزا لأنه صفة في الأصل فلما قدم صار حالا أي كائنا عند الله والجملة معترضة بين جزاء المؤمنين وجزاء المنافقين والمشركين
الفتح : ( 6 ) ويعذب المنافقين والمنافقات . . . . .
ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم فقال ( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) وهو معطوف على يدخل أي يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب مايشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام وقهر المخالفين له وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر وفي الآخرة بعذاب جهنم وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا وأحق منهم بما وعدهم الله به ثم وصف الفريقين فقال ( الظانين بالله ظن السوء ) وهو ظنهم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يغلب وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام


"""""" صفحة رقم 46 """"""
ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول المؤمنون إلى أهليهم أبدا ( عليهم دائرة السوء ) أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم والمعنى أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم قال الخليل وسيبويه السوء هنا الفساد قرأ الجمهور السوء بفتح السين وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمها ( وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ) لما بين سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم
الفتح : ( 7 ) ولله جنود السماوات . . . . .
( ولله جنود السموات والأرض ) من الملائكة والإنس والجن والشياطين ( وكان الله عليما حكيما ) كرر هذه الآية لقصد التأكيد وقيل المراد بالجنود هنا جنود العذاب كما يفيده التعبير بالعزة هنا مكان العلم هنالك
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس فقالوا أوحى إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على راحلته عند كراع الغميم فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) فقال رجل إي رسول الله أو فتح هو قال إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية فقسمها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال أقبلنا من الحديبية مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنه أنزل عليه ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وأخرج البخاري وغيره عن أنس في قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) قال الحديبية وأخرج البخاري وغيره عن البراء قال تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) قال فتح مكة وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي حتى ترم قدماه فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا وفي الباب أحاديث وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) قال السكينة هي الرحمة وفي قوله ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) قال إن الله بعث نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة فلما صدقوا بها زادهم الصيام فلما صدقوا به زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الحج فلما صدقوا به زادهم الجهاد ثم أكمل لهم دينهم فقال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا قال ابن عباس فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) قال تصديقا مع تصديقهم وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال لما أنزل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) مرجعه من الحديبية قال لقد أنزلت على آية هي أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم فقالوا هنيئا مريئا يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ) حتى بلغ ( فوزا عظيما )


"""""" صفحة رقم 47 """"""
سورة الفتح 8 15
الفتح : ( 8 ) إنا أرسلناك شاهدا . . . . .
قوله ( إنا أرسلناك شاهدا ) أي على أمتك بتبليغ الرسالة إليهم ( ومبشرا ) بالجنة للمطيعين ( ونذيرا ) لأهل المعصية
الفتح : ( 9 ) لتؤمنوا بالله ورسوله . . . . .
( لتؤمنوا بالله ورسوله ) قرأ الجمهور لتؤمنوا بالفوقية وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتحتية فعلى القراءة الأولى الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولأمته وعلى القراءة الثانية المراد المبشرين والمنذرين وانتصاب شاهدا ومبشرا ونذيرا على الحال المقدرة ( وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ) الخلاف بين القراء في هذه الثلاثة الأفعال كالخلاف في لتؤمنوا كما سلف ومعنى تعزروه تعظموه وتفخموه قال الحسن والكلبي والتعزير التعظيم والتوقير وقال قتادة تنصروه وتمنعوا منه وقال عكرمة تقاتلون معه بالسيف ومعنى توقروه تعظموه وقال السدى تسودوه قيل والضميران في الفعلين للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهنا وقف تام ثم يبتدىء وتسبحوه أي تسبحوا الله عز وجل ( بكرة وأصيلا ) أي غدوة وعشية وقيل الضمائر كلها في الأفعال الثلاثة لله عز وجل فيكون معنى تعزروه وتوقروه تثبتون له التوحيد وتنفون عنه الشركاء وقيل تنصروا دينه وتجاهدوا مع رسوله وفي التسبيح وجهان أحدهما التنزيه له سبحانه من كل قبيح والثاني الصلاة
الفتح : ( 10 ) إن الذين يبايعونك . . . . .
( إن الذين يبايعونك ) يعنى بيعة الرضوان بالحديبية فإنهم بايعوا تحت الشجرة على قتال قريش ( إنما يبايعون الله ) أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) هي بيعة له كما قال ومن يطع الرسول فقد أطاع الله وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة وجملة ( يد الله فوق أيديهم ) مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل


"""""" صفحة رقم 48 """"""
في محل نصب على الحال والمعنى أن عقد الميثاق مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت وقال الكلبي المعنى إن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة وقيل يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء وقال بن كيسان قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه أي فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره ومن أوفى بما عاهد عليه الله أي ثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله قرأ الجمهور عليه بكسر الهاء وقرأ حفص والزهري بضمها ( فسيؤتيه أجرا عظيما ) وهو الجنة قرأ الجمهور فسيؤتيه بالتحتية وقرأ نافع وقرأ كثير وابن عامر بالنون واختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم واختار القراءة الثانية الفراء
الفتح : ( 11 ) سيقول لك المخلفون . . . . .
( سيقول لك المخلفون من الأعراب ) هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية قال مجاهد وغيره يعنى أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة وقيل تخلفوا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين سافر إلى مكة عام الفتح بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه والمخلف المتروك ( شغلتنا أموالنا وأهلونا ) أي منعنا عن الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم ويخلفنا عليهم ( فاستغفر لنا ) ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا السبب ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم فضحهم الله سبحانه بقوله ) يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ( وهذا هو صنيع المنافقين والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم ويجوز أن تكون بدلا من الجملة الأولى ثم أمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يجيب عنهم فقال ) قل فمن يملك لكم من الله شيئا ( أي فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشر ثم بين ذلك فقال ) إن أراد بكم ضرا ( أي إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل قرأ الجمهور ضرا بفتح الضاد وهو مصدر ضررته ضرا وقرأ حمزة والكسائي بضمها وهو اسم ما يضر وقيل هما لغتان ( أو أراد بكم نفعا ) أي نصرا وغنيمة وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم يدفع عنه الضر ويجلب لهم النفع ثم أضرب سبحانه عن ذلك وقال ( بل كان الله بما تعملون خبيرا ) أي إن تخلفكم ليس لما زعمتم بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها تخلفكم وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك بل للشك والنفاق وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله
الفتح : ( 12 ) بل ظننتم أن . . . . .
ولهذا قال ) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ( وهذه الجملة مفسرة لقوله ) بل كان الله بما تعملون خبيرا ( لما فيها من الإبهام أي بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة فلا يرجع منهم أحد إلى أهله فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة ) وزين ذلك في قلوبكم ( أي وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم فقبلتموه قرأ الجمهور وزين مبنيا للمفعول وقرىء مبنيا للفاعل ) وظننتم ظن السوء ( أن الله سبحانه لا ينصر رسوله وهذا الظن إما هو الظن الأول والتكرير للتأكيد والتوبيخ والمراد به ما هو أعم من الأول فيدخل الظن الأول تحته دخولا أوليا ) وكنتم قوما بورا ( أي هلكى قال الزجاج هالكين عند الله وكذا قال مجاهد قال الجوهري البور الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه قال أبو عبيد ( قوما بورا ) هلكى وهو جمع بائر مثل حائل وحول وقد بار فلان أي هلك وأباره الله أهلكه
الفتح : ( 13 ) ومن لم يؤمن . . . . .
( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ) هذا الكلام مستأنف من جهة الله سبحانه غير داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله أي ومن لم يؤمن بهما كما صنع هؤلاء المخلفون فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير
الفتح : ( 14 ) ولله ملك السماوات . . . . .
( ولله ملك السموات والأرض ) يتصرف فيه كيف يشاء لا يحتاج إلى أحد من خلقه وإنما


"""""" صفحة رقم 49 """"""
نعبدهم بما تعبدهم ليثيب من أحسن ويعاقب من أساء ولهذا قال ( يغفر لمن يشاء ) أن يغفر له ( ويعذب من يشاء ) أن يعذبه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ( وكان الله غفورا رحيما ) أي كثير المغفرة والرحمة بليغها يخص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده
الفتح : ( 15 ) سيقول المخلفون إذا . . . . .
( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ) المخلفون هؤلاء المذكورون سابقا والظرف متعلق بقوله سيقول والمعنى سيقولون عند انطلاقكم أيها المسلمون ( إلى مغانم ) يعنى مغانم خيبر ( لتأخذوها ) لتحوزوها ( ذرونا نتبعكم ) أي اتركونا نتبعكم ونشهد معكم غزوة خيبر وأصل القصة أنه لما انصرف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه من المسلمين من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وخص بغنائمها من شهد الحديبية فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون ذرونا نتبعكم فقال الله سبحانه ) يريدون أن يبدلوا كلام الله ( أي يغيروا كلام الله والمراد بهذا الكلام الذي أرادوا أن يبدلوه هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر وقال مقاتل يعنى أمر الله لرسوله أن لا يسير معه أحد منهم وقال ابن زيد هو قوله تعالى فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا واعترض هذا ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة والأول أولى وبه قال مجاهد وقتادة ورجحه ابن جرير وغيره قرأ الجمهور كلام الله وقرأ حمزة والكسائي كلم الله قال الجوهري الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة مثل نبقة ونبق ثم أمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يمنعهم من الخروج معه فقال ( قل لن تتبعونا ) هذا النفي هو في معنى النهي والمعنى لا تتبعونا ( كذلكم قال الله من قبل ) أي من قبل رجوعنا من الحديبية أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة ليس لغيرهم فيها نصيب ( فسيقولون ) يعنى المنافقين عند سماع هذا القول وهو قوله لن تتبعونا ( بل تحسدوننا ) أي بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا نشارككم في الغنيمة وليس ذلك بقول الله كما تزعمون ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله ( بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) أي لا يعلمون إلا علما قليلا وهو علمهم بأمر الدنيا وقيل لا يفقهون من أمر الدين إلا فقها قليلا وهو ما يصنعونه نفاقا بظواهر هم دون بواطنهم
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وتعزروه ) يعنى الإجلال ( وتوقروه ) يعنى التعظيم يعنى محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عنه في قوله ( وتعزروه ) قال تضربوا بين يديه بالسيف وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال لما أنزلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآية ( وتعزروه ) قال لأصحابه ما ذاك قالوا الله ورسوله أعلم قال لتنصروه وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فمن وفى وفى الله له ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وفي الصحيحين من حديث جابر أنهم كانوا في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة وفيهما عنه أنهم كانوا أربع عشرة مائة وفي البخاري من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب أنه سأله كم كانوا في بيعة الرضوان قال خمس عشرة مائة فقال له إن جابرا قال كانوا أربع عشرة مائة قال رحمه الله وهم هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة


"""""" صفحة رقم 50 """"""
سورة الفتح 16 24
الفتح : ( 16 ) قل للمخلفين من . . . . .
قوله ) قل للمخلفين من الأعراب ( هم المذكورون سابقا ) ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ( قال عطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني هم فارس وقال كعب والحسن هم الروم وروى عن الحسن أيضا أنه قال هم فارس والروم وقال سعيد بن جبير هم هوازن وثقيف وقال عكرمة هوازن وقال قتادة هوازن وغطفان يوم حنين وقال الزهري ومقاتل هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة وحكى هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين ( تقاتلونهم أو يسلمون ) أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية قال الزجاج التقدير أو هم يسلمون وفي قراءة أبي أو يسلموا أي حتى يسلموا ( فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ) وهو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة ( وإن تتولوا ) أي تعرضوا ( كما توليتم من قبل ) وذلك عام الحديبية ( يعذبكم عذابا أليما ) بالقتل والأسر والقهر في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة لتضاعف جرمكم
الفتح : ( 17 ) ليس على الأعمى . . . . .
( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو لعدم استطاعتهم قال مقاتل عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية والحرج الإثم ) ومن يطع الله ورسوله ( فيما أمرا به ونهياه عنه ) يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ( قرأ الجمهور يدخله بالتحتية واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد وقرأ نافع وابن عامر بالنون ( ومن يتول يعذبه عذابا أليما ) أي ومن يعرض عن الطاعة يعذبه الله


"""""" صفحة رقم 51 """"""
عذابا شديد الألم
الفتح : ( 18 ) لقد رضي الله . . . . .
ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا نياتهم وشهدوا بيعة الرضوان فقال ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) أي رضي الله عنهم وقت تلك البيعة وهي بيعة الرضوان وكانت الحديبية والعامل في تحت إما يبايعونك أو محذوف على إنه حال من المفعول وهذه الشجرة المذكورة هي شجرة كانت بالحديبية وقيل سدرة وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا وروى أنه بايعهم على الموت وقد تقدم ذكر عدد أهل هذه البيعة قريبا والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير ( فعلم ما في قلوبهم ) معطوف على يبايعوك قال الفراء أي علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء وقال قتادة وابن جريح من الرضى بأمر البيعة على أن لا يفروا وقال مقاتل من كراهة البيعة على الموت ( فأنزل السكينة عليهم ) معطوف على رضى والسكينة الطمأنينة وسكون النفس كما تقدم وقيل الصبر ( وأثابهم فتحا قريبا ) هو فتح خيبر عند انصرافهم من الحديبية قاله قتادة وابن أبي ليلى وغيرهما وقيل فتح مكة والأول أولى
الفتح : ( 19 ) ومغانم كثيرة يأخذونها . . . . .
( ومغانم كثيرة يأخذونها ) أي وأثابكم مغانم كثيرة أو وآتاكم وهي غنائم خيبر والالتفات لتشريفهم بالخطاب ( وكان الله عزيزا حكيما ) أي غالبا مصدرا أفعاله وأقواله على أسلوب الحكمة
الفتح : ( 20 ) وعدكم الله مغانم . . . . .
( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ) في هذا وعد منه سبحانه لعبادة المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة يأخذونها في أوقاتها التي قدر وقوعها فيها ( فعجعل لكم هذه ) أي غنائم خيبر قاله مجاهد وغيره وقيل صلح الحديبية ( وكف أيدي الناس عنكم ) أي وكف أيدي قريش عنكم يوم الحدييبة بالصلح وقيل كف أيدي أهل خيبر وأنصارهم عن قتالكم وقذف في قلوبهم الرعب وقال قتادة كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الحديبية وخيبر ورجح هذا ابن جرير قال لأن كف أيدي الناس بالحديبية مذكور في قوله وهو الذي كف أيديهم عنكم قيل وكف أيدي الناس عنكم يعني عيينة بن حصن الفزاري وعوف بن مالك النضري ومن كان معهما إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر عند حصار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لهم ( ولتكون آية للمؤمنين ) اللام يجوز أن تتعلق بفعل محذوف يقدر بعده أي فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون آية أو على علة محذوفه تقديرها وعد فعجل وكف لتنتفعوا بذلك ولتكون آية وقيل أن الواو مزيدة واللام لتعليل ما قبله أي وكف لتكون والمعنى ذلك الكف آية يعلم بها صدق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في جميع ما يعدكم به ( ويهديكم صراطا مستقيما ) أي يزيدكم بتلك الآية هدى أو يثبتكم على الهداية لى طريق الحق
الفتح : ( 21 ) وأخرى لم تقدروا . . . . .
( وأخرى لم تقدروا عليها ) معطوف على هذه أي فجعل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى لم تقدروا عليها وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد كفارس والروم ونحوهما وكذا قال الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى وقال الضحاك وابن زيد وابن أبي إسحاق هي خيبر وعدها الله نبية قبل أن يفتحها ولم يكونوا يرجونها وقال قتادة فتح مكة وقال عكرمة حنين والأول أولى ( قد أحاط الله بها ) صفة ثانية لأخرى قال الفراء أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها والمعنى أنه أعدها لهم وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه فهو محصور لا يفوت منه شيء فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال فهي محبوسة لهم لا تفوتهم وقيل معنى أحاط علم أنها ستكون لهم ( وكان الله على كل شئ قديرا ) لا يعجزه شئ ولا تختص قدرته ببعض المقدورات دون بعض
الفتح : ( 22 ) ولو قاتلكم الذين . . . . .
( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ) قال قتادة يعني كفار قريش بالحديبية وقيل أسد وغطفان الذين أرادوا نصر أهل خيبر والأول أولى ( ثم لا يجدون وليا ) يواليهم على قتالكم ( ولا نصيرا ) ينصرهم عليكم
الفتح : ( 23 ) سنة الله التي . . . . .
( سنة الله التي قد خلت من قبل ) أي طريقته وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على أعدائه وانتصاب سنة على المصدرية بفعل محذوف أي بين الله سنة الله


"""""" صفحة رقم 52 """"""
أو هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) أي لن تجد لها تغييرا بل هي مستمرة ثابتة
الفتح : ( 24 ) وهو الذي كف . . . . .
( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) أي كف أيدي المشركين عن المسلمين وأيدي المسلمين عن المشركين لما جاءوا يصدون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه عن البيت عام الحديبية وهي المراد ببطن مكة وقيل إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من قبل جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخذهم المسلمون ثم تركوهم وفي رواية اختلاف سيأتي بيانه آخر البحث إن شاء الله ( وكان الله بما تعملون بصيرا ) لا يخفي عليه من ذلك شئ
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن لأبي حاتم والبيهقى في الدلائل عن أبن عباس في قوله ( أولى بأس شديد ) يقول فارس وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنهم الأكراد وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال فارس والروم وأخرج الفريابي وابن مردويه عنه قال هوازن وبني حنيفة وأخرج الطبراني قال السيوطي بسند حسن عن زيد بن ثابت قال كنت أكتب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإني لواضع القلم على أذني إذأمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال كيف لي وأنا ذاهب البصر فنزلت ( ليس على الأعمى حرج ) الآية قال هذا في الجهاد وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال بينا نحن قائلون إذ نادى منادى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) فبايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى فقال الناس هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ها هنا فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف وأخرج أبن أبي شيبة في المصنف عن نافع قال بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال بايعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تحت الشجرة قيل على أي شئ كنتم تبايعون يومئذ قال على الموت وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال تبايعونه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة وأخرج مسلم من حديثه مثله وأخرج ابن أبي حاتم عن أبن عباس ( فأنزل السكينة عليهم ) قال إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء وأخرج أبن جرير وابن مردويه عنه ( فجعل لكم هذه ) يعني الفتح وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ( فعجل لكم هذه ) يعني خيبر ( وكف أيدي الناس عنكم ) يعني أهل مكة أن يستحلوا حرم الله ويستحل بكم وأنتم حرم ( ولتكون آية للؤمنين ) قال سنة لمن بعدكم وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أيضا في قوله ( وأخري لم تقدروا عليها ) قال هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا ( وأخرى لم تقدروا عليها ) قال هي خيبر وأخرج أبن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح من قبل جبال التنعيم يريدون غرة رسول الله فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم فنزلت هذه الآية ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنها ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) وفي صحيح مسلم وغيره أنها نزلت في نفر أسرهم سلمة أبن الأكوع يوم الحديبية وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل في سبب نزول الآية


"""""" صفحة رقم 53 """"""
أن ثلاثين شابا من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح فثاروا في وجوههم فدعا عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخذ الله بأسماعهم ولفظ الحاكم بأبصارهم فقام إليهم المسلمون فأخذوهم فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا فقالوا لا فخلى سبيلهم فنزلت هذه الآية
سورة الفتح ( 25 29
الفتح : ( 25 ) هم الذين كفروا . . . . .
قوله ) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ( يعني كفار مكة ومعنى صدهم عن المسجد الحرام أنهم منعوهم أن يطوفوا به ويحلوا عن عمرتهم ( والهدى معكوفا ) قرأ الجمهور بنصب الهدى عطفا على الضمير المنصوب في صدوكم وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجر عطفا على المسجد ولا بد من تقدير مضاف أي عن نحر الهدى وقرئ بالرفع على تقدير وصد الهدى وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدى وسكون الدال وروى عن أبي عمرو وعاصم بكسر الدال وتشديد الياء وانتصاب معكوفا على الحال من الهدى أي محبوسا قال الجوهري عكفه أي حبسه ووقفه ومنه ( ) والهدي معكوفا ( ) ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس وقال أبو عمرو بن العلاء معكوفا مجموعا وقوله ) أن يبلغ محله ( أي عن أن يبلغ محله أو هو مفعول لأجله


"""""" صفحة رقم 54 """"""
والمعنى صدوا الهدى كراهة أن يبلغ محله أو هو بدل من الهدى بدل اشتمال ومحله منحره وهو حيث يحل نحره من الحرم وكان الهدى سبعين بدنه ورخص الله سبحانه لهم يجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية محلا للنحر وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ) يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة ومعنى لم تعلموهم لم تعرفوهم وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنين لأن تطئوهم ) يجوز أن يكون بدلا من رجال ونساء ولكنه غلب الذكور وأن يكون بدلا من مفعول تعلموهم والمعنى أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم يقال وطئت القوم أي أوقعت بهم وذلك أنهم لو كسبوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سة وهو معنى قوله ( فتصيبكم منهم ) أي من جهتهم ( معرة ) أي مشقة بما يلزمهم في قتلهم من كفارة وعيب وأصل المعرة العيب مأخوذة من العر وهو الحرب وذلك أن المشركين سيقولون إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم قال الزجاج لولا ان تقتلوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات فتصيبكم منهم معرة أي أثم وكذا قال الجوهري به قال ابن زيد وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما المعرة كفارة قتل الخطأ كما في قوله فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وقال ابن إسحاق المعرة غرم الدية وقال قطرب المعرة الشدة وقيل الغم و ( بغير علم ) متعلق بأن تطئوهم أي غير عالمين وجواب لولا محذوف والتقدير لأذن الله لكم أو لما كف أيديكم عنهم واللام في ( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) متعلقة بما يدل عليه الجواب المقدر أي ولكن لم يأذن لكم أو كف أيديكم ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة فيتمم لهم أجورهم بأخراجهم من بين ظهراني الكفار ويفك أسرهم ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب وقيل اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر وتقديره أو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته والأول أولى وقيل إن من يشاء عباده ممن رغب في الإسلام من المشركين ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) التنزيل التميز أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا منهم لعذبنا الذين كفروا وقيل التنزيل التفرق أي لو تفرق هؤلاء من هؤلاء وقيل لو زال المؤمنون من بين أظهرهم والمعاني متقاربة والعذاب الأليم هو القتل والأسر والقهر
الفتح : ( 26 ) إذ جعل الذين . . . . .
والظرف في قوله ( إذ جعل الذين كفروا ) منصوب بفعل مقدر أي أذكر وقت جعل الذين كفروا ( في قلبوهم الحمية حمية الجاهلية ) وقيل متعلق بعذبنا والحمية الأنفة يقال فلان ذو حمية أي ذوأنفة وغضب أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم والجعل بمعنى الإلقاء وحمية الجاهلية بدل من الحمية قال مقاتل ابن سليمان ومقاتل بن حيان قال أهل مكة قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا فتتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفنا واللات والعزى لا يدخلونها علينا فهذه الحمية هي حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم وقال الزهري حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالرسالة قرأ الجمهور ( لو تزيلوا ) وقرأ أبن أبي عبلة وأبو حيوة وابن عون لو تزايلوا والتزايل التباين فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) أي أنزل الطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية وقيل ثبتهم على الرضى والتسليم ( وألزمهم كلمة التقوى ) وهي لا إله إلا الله كذا قال الجمهور وزاد بعضهم محمد رسول الله وزاد بعضهم وحده لا شريك له وقال الزهري هي بسم الله الرحمن الرحيم وذلك أن الكفار لم يقروا بها وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها والأول أولى لأن كلمة التوحيد


"""""" صفحة رقم 55 """"""
هي التي يتقى بها الشرك بالله وقيل كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد والثبات عليه ( وكانوا أحق بها وأهلها ) أي وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار والمستأهلين لها دونهم لأن الله سبحانه أهلهم لدينه وصحبة رسوله ( صلى الله عليه وسلم )
الفتح : ( 27 ) لقد صدق الله . . . . .
( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) قال الواحدي قال المفسرون إن الله سبحانه أرى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك فلما رجعوا من الحديبية ولم يدخلوا مكة قال المنافقون والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام فأنزل الله هذه الآية وقيل إن الرؤيا كانت الحديبة وقوله بالحق صفة لمصدر محذوف أي صدقنا ملتبسا بالحق وجواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام الموطئة هو قوله ( لتدخلن المسجد الحرام ) أي في العام القابل وقوله ( إن شاء الله ) تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه كما في قوله ولا تقولن لشئ أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله قال ثعلب إن الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون وقيل كان الله سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية فوقع الاستثناء لهذا المعنى قاله الحسن بن الفضل وقيل معنى أن شاء الله كما شاء الله وقال أبو عبيدة إن بمعنى إذ يعني إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك وانتصاب ( آمنين ) على الحال من فاعل لتدخلن وكذا ( محلقين رءوسكم ومقصرين ) أي آمنين من العدو ومحلقا بعضكم ومقصرا بعضكم والحلق والتقصير خاص بالرجال والحلق أفضل من التقصير كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره ( صلى الله عليه وسلم ) للمحلقين في المرة الأولى والثانية والقائل يقول له وللمقصرين فقال في الثالثة وللمقصرين وقوله ( لا تخافون ) في محل نصب على الحال أو مستأنف وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله ( آمنين ) ( فعلم ما لم تعلموا ) أي ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين وهو معطوف على صدق أي صدق رسوله الرؤيا فعلم ما لم تعلموا به ( فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) أي فجعل من دون دخولكم مكة كما أرى رسوله فتحا قريبا قال أكثر المفسرين هو صلح الحديبية وقال ابن زيد والضحاك فتح خيبر وقال الزهري لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ولقد دخل في تلك السنتين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك بل أكثر فإن المسلمين كانوا في سنة ست وهي سنة الحديبية ألفا وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلالف
الفتح : ( 28 ) هو الذي أرسل . . . . .
( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ) أي إرسالا ملتبسا بالهدى ( ودين الحق ) وهو الإسلام ( ليظهره على الدين كله ) أي يعليه على كل الأديان كما يفيده تأكيد الجنس وقيل ليظهر رسوله والأول أولى وقد كان ذلك بحمد الله فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان وانقهر له كل أهل الملل ( وكفى بالله شهيدا ) الباء زائدة كما تقدم في غيرموضع أي كفى الله شهيدا على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به وعلى صحة نبوة نبيه ( صلى الله عليه وسلم )
الفتح : ( 29 ) محمد رسول الله . . . . .
( محمد رسول الله ) محمد مبتدأ ورسول الله خبره أو هو خبر مبتدأ محذوف ورسول الله بدل منه وقيل محمد مبتدأ ورسوله الله نعت له ( والذين معهم ) معطوف على المبتدأ وما بعده الخبر والأول أولى والجملة مبينة لما هو من جملة المشهود به والذين معه قيل هم أصحاب الحديبية والأولى الحمل على العموم ( أشداء على الكفار ) أي غلاظ عليهم كما يغلظ الأسد على فريسته وهو جمع شديد ( رحماء بينهم ) أي متوادون متعاطفون وهو جمع رحيم والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ولمن وافقه الرحمة والرأفة قرأ الجمهور برفع أشداء و رحماء على أنه خبر للموصول أو خبر لمحمد وما عطف عليه كما تقدم وقرأ الحسن بنصبهما على الحال أو المدح ويكون الخبر على هذه القراءة ( تراهم ركعا سجدا ) أي


"""""" صفحة رقم 56 """"""
تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين وعلى قراءة الجمهور هو خبر آخر أواستئناف أعنى قوله تراهم ( ويبتغون فضلا من الله ورضوانا ) أي يطلبون ثواب الله لهم ورضاه عنهم وهذه الجملة خبر ثالث على قراءة الجمهور أو في محل نصب على الحال من ضمير تراهم وهكذا ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) السيما العلامة وفيها لغتان المد والقصر أي تظهر علامتهم في حباههم من أثر السجود في الصلاة وكثرة التعبد بالليل والنهار وقال الضحاك إذا سهر الرجل أصبح مصفرا فجعل هذا هو السيما وقال الزهري مواضع السجود أشد وجوههم بياضا يوم القيامة وقال مجاهد هو الخشوع والتواضع وبالأول أعنى كونه ما يظهر في الجباه من كثرة السجود قال سعيد بن جبير ومالك وقال ابن جرير هو الوقار وقال الحسن إذا رأيتهم مرضى وما هم بمرضى وقيل هو البهاء في الوجه وظهور الأنوار عليه وبه قال سفيان الثوري والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من هذه الصفات الجليلة وهو مبتدأ وخبره قوله ( مثلهم في التوراة ) أي وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفهم الذي وصفوا به ( في الإنجيل ) وتكرير ذكر المثل لزيادة تقريره وللتنبيه على غرابته وأنه جار مجرى الأمثال في الغرابة ( كزرع أخرج شطأه ) الخ كلام مستأنف أي هم كزرع الخ وقيل هو تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدم من الأوصاف وقيل هو خبر لقوله ( ومثلهم في الإنجيل ) أي ومثلهم في الإنجيل كزرع قال الفراء فيه وجهان إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل يعني كمثلهم في القرآن فيكون الوقف على الإنجيل وإن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ثم نبتدئ ومثلهم في الإنجيل كزرع قرأ الجمهور شطأه بسكون الطاء وقرأ ابن كثير وابن ذكوان بفتحها وقرأ أنس ونصر بن عاصم ويحيى بن وثاب شطأه كعصاه وقرأه الجحدرى وأبن أبي إسحاق شطه بغير همزة وكلها لغات قال الأخفش والكسائي شطأه أي طرفه قال الفراء شطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج قال الزجاج ( أخرج شطأه ) أي نبأته وقال قطرب الشطأ سوى السنبل وروى عن الفراء أيضا أنه قال هو السنبل وقال الجوهري شطأ الزرع والنبات والجمع أشطاء وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه ( فآزره ) أي قواه وأعانه وشده قيل المعنى إن الشطأ قوى الزرع وقيل أن الزرع قوى الشطأ ومما يدل على أن الشطأ خروج النبات قول الشاعر أخرج الشطأ على وجه الثرى
ومن الأشجار أفنان الثمر
قرأ الجمهور فآزره بالمد وقرأ أبن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس بالقصر وعلى قراءة الجمهور قول امرئ القيس بمحنية قد آزر النضال نبتها
بجر جيوش غانمين وخيب
قال الفراء آزرت فلانا آزره إذا قويته ( فاستغلظ ) أي صار ذلك الزرع غليظا بعد أن كان دقيقا ( فاستوى على سوقه ) اي فاستقام على أعواده والسوق جمع ساق وقرأ قنبل سؤقه بالهمزة الساكنة ( يعجب الزراع ) لأي يعجب هذا الزرع وزراعة لقوته وحسن منظره وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنهم يكونون في الابتداء قليلا ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع فإنه يكون في الابتداء ضعيفا ثم يقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه قال قتادة مثل أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في الإنجيل أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وتقويته لهم فقال ( ليغيظ بهم الكفار ) أي كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين


"""""" صفحة رقم 57 """"""
واللام متعلقة بمحذوف أي فعل ذلك ليغيظ ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) أي وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أن يغفر ذنوبهم ويجزل أجرهم بإدخالهم الجنة التي هي اكبر نعمة وأعظم منة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد اخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها وأخرج الحسن بن سفيان وأبو يعلي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبن قانع والباوردي والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند جيد عن أبي جمعة حنيذ بن سبع قال قابلت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أول النهار كافرا وقابلت معه آخر النهار مسلما وفيما نزلت ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ) وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتان وفي رواية عند أبن أبي حاتم كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة وأخرج أبن أبي حاتم وابن مردويه عن أبن عباس ( لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ) قال حين ردوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( ان تطئوهم ) بقتلكم إياهم ( لو تزيلوا ) يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذابا أليما بقتلكم إياهم وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين اتهموأنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وبين المشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال ففيم نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم قال يا ابن الخطاب إني رسول الله ولم يضيعني الله أبدا فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل قال بلى قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال ففيم نعطي الدنية في ديننا قال يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولم يضيعه الله أبدا فنزلت سورة الفتح فأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى عمر فأقرأه إياها قال يا رسول الله افتح هو قال نعم وأخرج الترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والدارقطنى في الإفراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( وألزمهم كلمة التقوى ) قال لا إله إلا الله وفي إسناده الحسن بن قزعة قال الترمذي بعد إخراجه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه وكذا قال أبو زرعة وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع مرفوعا مثله وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد بن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه البيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب مثله من قوله وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم من قول عمر بن الخطاب نحوه وأخرج ابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس نحوه وأخرج أبن أبي حاتم والدارقطني في الإفراد عن المسور بن مخرمة ومروان نحوه وروى عن جماعة من التابعين نحو ذلك وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) قال هو دخول محمد البيت والمؤمنين محلقين ومقصرين وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في الصحيحين وغيرهما أحاديث منها ما قدمنا الإشارة إليه وهو في الصحيحين من حديث أبن عمر وفيهما من حديث أبي هريرة أيضا وأخرج أبن جرير عن أبن عباس في قوله ( سيماهم في وجوههم ) قال أما إنه ليس الذي يرونه ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن أبن عباس في الآية قال هو


"""""" صفحة رقم 58 """"""
السمت الحسن وأخرج الطبرانى في الأوسط والصغير وابن مردويه قال السيوطي بسند حسن عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) قال النور يوم القيامة وأخرج البخاري في تاريخه وابن نصر عن أبن عباس في الآية قال بياض يغشى وجوههم يوم القيامة وأخرج ابن جرير وأبن المنذر وأبن مردويه عن أبن عباس ( ذلك مثلهم في التوراة ) يعني نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السموات والأرض وأخرج عبد الله بن حميد بن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عن أنس ( كزرع أخرج شطأه ) قال نباته فروخه
ع49
تفسير
سورة الحجرات هي وأني عشرة آية وهي مدنية قال القرطبي بالإجماع وأخرج ابن الضريس والنحاس وأبن مردويه والبيهقي عن بن عباس وبن الزبير أنها نزلت بالمدينة
سورة الحجرات ( 1 8
الحجرات : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله يا ( أيها الذين أمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) قرأ الجمهور تقدموا بضم المثناة الفوقية وتشديد الدال مكسورة وفيه وجهان أحدهما أنه متعد وحذف مفعوله لقصد التعميم أو ترك المفعول للقصد إلى نفس


"""""" صفحة رقم 59 """"""
الفعل كقولهم هو يعطي ويمنع والثاني أنه لازم نحو وجه وتوجه ويعضده قراءة أبن عباس والضحاك ويعقوب تقدموا بفتح التاء والقاف والدال قال الواحدي قدم ها هنا بمعنى تقدم وهو لازم قال أبو عبيدة العرب تقول لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب أي لا تعجل بالأمر دونه والنهي لأن المعنى لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما وبين يدي الإمام عبارة عن الإمام لاما بين يدي الإنسان ومعنى الآية لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله ولا تعجلوا به وقيل المراد معنى بين يدي فلان بحضرته لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه ( واتقوا الله ) في كل أموركم ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولا أوليا ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله ( إن الله سميع ) لكل مسموع ( عليم ) بكل معلوم
الحجرات : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . .
) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ( يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوفير ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ومزيد اللفظ والأول أولى والمعنى لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال المفسرون المراد من الآية تعظيم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وتوقيره وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا ( ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ) أي لا تجهروا بالقول إذا كلمتموه كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضا قال الزجاج أمرهم الله بتجليل نبيه وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار وقيل المراد بقوله ( ولا تجهروا له بالقول ) لا تقولوا يا محمد ويا أحمد ولكن يا نبي الله ويا رسول الله توقيرا له والكاف في محل نصب على إنها نعت مصدر محذوف أي جهرا مثل جهر بعضكم لبعض وليس المراد برفع الصوت وبالجهر في القول هو ما يقع على طريقة الاستخفاف فإن ذلك كفر وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور الأول عن التقدم بين يديه بما لا يأذن به من الكلام والثاني عن رفع الصوت البالغ إلى حد يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو في خطاب غيره والثالث ترك الحفاء في مخاطبته ولزوم الأدب في مجاورته لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله ( ان تحبط أعمالكم ) قال الزجاج أن تحبط أعمالكم التقدير لأن تحبط أعمالكم أي فتحبط فاللام المقدرة لأم الصيرورة كذا قال وهذه العلة يصح أن تكون للنهي أي نهاكم الله عن الجهر خشية أن تحبط أو كراهة أن تحبط أو علة للمنهي أي لا تفعلوا الجهر فإنه يؤدي إلى الحبوط فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الوجه الأول وجملة ( وأنتم لا تشعرون ) في محل نصب على الحال وفيه تحذير شديد ووعيد عظيم قال الزجاج وليس المراد وأنتم لا تشعرون يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم
الحجرات : ( 3 ) إن الذين يغضون . . . . .
ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به فقال ( أن الذين يغضون اصواتهم عند رسول الله ) أصل الغض النقص من كل شيء ومنه نقص الصوت ( أولئك الذين أمتحن الله قلوبهم للتقوى ) قال الفراء أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبيثه وبه قال مقاتل ومجاهد وقتادة وقال الأخفش أختصها للتقوى وقيل طهرها من كل قبيح وقيل وسعها وسرحها من محنت الأديم إذا وسعته وقال أبو عمرو كل شيء جهدته فقد محنته واللام في التقوى متعلقة بمحذوف أي صالحة للتقوى كقولك انت صالح لكذا أو للتعليل الجاري مجرى بيان السبب كقولك جئتك لأداء الواجب أي ليكون مجيئي سببا لأداء الواجب ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) أي أولئك لهم فهو خبر آخر الأسم الإشارة ويجوز أن يكون


"""""" صفحة رقم 60 """"""
مستأنفا لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة
الحجرات : ( 4 ) إن الذين ينادونك . . . . .
) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ( هم جفاة بني تميم كما سيأتي بيانه ووراء الحجرات خارجها وخلفها والحجرات جمع حجرة كالغرفات جمع غرفة والظلمات جمع ظلمة وقيل الحجرات جمع حجرة والحجر جمع حجرة فهو جمع الجمع والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط عليها وهي فعيلة بمعنى مفعوله قرأ الجمهور الحجرات بضم الجيم وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بفتحها تخفيفا وقرأ أبن أبي عليه بإسكانها وهي لغات و من في من وراء لابتداء الغاية ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى ( أكثرهم لا يعقلون ) لغلبة الجهل عليهم وكثرة الجفاء في طباعهم
الحجرات : ( 5 ) ولو أنهم صبروا . . . . .
( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) أي لو انتظروا خروجك ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل وقيل إنهم جاءوا شفعاء في اسارى فأعتق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نصفهم وفادى نصفهم ولو صبروا لأعتق الجميع ذكر معناه مقاتل ) والله غفور رحيم ( كثير المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب
الحجرات : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . .
) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( قرأ الجمهور فتبينوا من التبين وقرأ حمزة والكسائى فتثبتوا من التثبيت والمراد من التبين التعرف والتفحص ومن التثبيت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر قال المفسرون إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه إن شاء الله وقوله ( أن تصيبوا قوما بجهالة ) مفعول له أي كراهة أن تصيبوا أو لئلا تصيبوا لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة لأنه لم يصدر عن علم والمعنى ملتبسين بجهالة بحالهم ( فتصبحوا على ما فعلتم ) بهم من إصابتهم بالخطأ ( نادمين ) على ذلك مغتمين له مهتمين به
الحجرات : ( 7 ) واعلموا أن فيكم . . . . .
ثم وعظهم الله سبحانه فقال ( واعلموا أن فيكم رسول الله ) فلا تقولوا قولا باطلا ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين وأن وما في حيزها سادة مسد مفعولي أعلموا وجملة ( لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ) في محل نصب على الحال من ضمير فيكم أو مستانفه والمعنى لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب لوقعتم في العنت وهو التعب والجهد والإثم والهلاك ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان ) أي جعله أحب الأشياء إليكم أو محبوبا لديكم فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة وترك التسرع في الأخبار وعدم التثبيت فيها قيل والمراد بهؤلاء من عدا الأولين لبيان براءتهم عن أوصاف الأولين والظاهر أنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان وتوجيه محبته التي جعلها الله في قلوبهم ( وزينه في قلوبكم ) أي حسنه بتوفيقه حتى جروا على ما يقتضيه في الأقوال والأفعال ( وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) أي جعل كل ما هو من جنس الفسوق ومن جنس العصيان مكروها عندكم وأصل الفسق الخروج عن الطاعة والعصيان جنس ما يعصى الله به وقيل أراد بذلك الكذب خاصة والأول أولى ( أولئك هم الراشدون ) أي الموصوفون بما ذكرهم الراشدون والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب من الرشادة وهي الصخرة
الحجرات : ( 8 ) فضلا من الله . . . . .
( فضلا من الله ونعمة ) أي لأجل فضله وإنعامه والمعنى أنه حبب إليكم ما حبب وكره ما كره لأجل فضله وإنعامه أو جعلكم راشدين لأجل ذلك وقيل النصب بتقدير فعل أي تبتغون فضلا ونعمة ( والله عليم ) بكل معلوم ( حكيم ) في كل ما يقضي به بين عباده ويقدره لهم


"""""" صفحة رقم 61 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن الزبير قال قدم ركب من بني تميم على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ( حتى انقضت الآية وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عن ابن عباس في قوله ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) قال نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه وأخرج ابن مردويه عن عائشة في الآية قالت لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوما أو يومين فأنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ( وأخرج الطبراني وأبن مردويه عنها أيضا أن ناسا كانوا يقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا ( الآية وأخرج البزار وأبن عدي والحاكم وأبن مردويه عن أبي بكر الصديق قال أنزلت هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ( قلت يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار وفي إسناده حصين بن عمر وهو ضعيف ولكنه يؤيده ما أخرجه عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال لما نزلت ) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ( قال أبو بكر والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال لما نزلت ) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ( إلى قوله ( وأنتم لا تشعرون ) وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حبط عملي أنا من أهل النار وجلس في بيته حزينا ففقده رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فانطلق بعض القوم إليه فقالوا فقدك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مالك قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار فأتوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبروه بذلك فقال لا بل هو من أهل الجنة فلما كان يوم اليمامة قتل وفي الباب أحاديث بمعناه وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ) لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ( الآية قال نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة في قوله ) أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ( قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منهم ثابت بن قيس بن شماس واخرج أحمد وأبن جرير وابو القاسم البغوي والطبراني وأبن مردويه قال السيوطي بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال يا محمد أخرج إلينا فلم يجبه فقال يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال ذاك الله فأنزل الله ) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ( قال إبن منيع لا أعلم روى الأقرع مسندا غير هذا وأخرج الترمذي وحسنه أبن جرير وإبن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عن البراء بن عازب في قوله ) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ( قال جاء رجل فقال يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ذاك الله وأخرج أبن راهويه ومسدد وأبو يعلي وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والطبراني وأبن مردويه قال السيوطي بإسناد حسن عن زيد بن أرقم قال اجتمع ناس من العرب فقالوا انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به وإن يك ملكا نعش بجناحه فأتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبرته بما قالوا فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه يا محمد يا محمد أنزل الله ) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ( فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )


"""""" صفحة رقم 62 """"""
بأذنى وجعل يقول لقد صدق الله قولك يا زيد لقد صدق الله قولك يا زيد وفي الباب أحاديث وأخرج أحمد وأبن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبن مردويه قال السيوطي بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال قدمت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت يا رسول الله أرجع إلى قومي فادعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلى يا رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحارث أن قد حدث فيه سخطه من الله ورسوله فدعا سروات قومه فقال لهم إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله وبعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم فقال إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم إلى من بعثتم قالوا إليك قال ولم قالوا إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته أبته ولا أتاني فلما دخل الحارث على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال منعت الزكاة وأردت قتل رسول قال لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزل ) يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ( إلى قوله ( حكيم ) قال ابن كثير هذا من أحسن ما روى في سبب نزول الآية وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص


"""""" صفحة رقم 63 """"""
سورة الحجرات ( 9 12
الحجرات : ( 9 ) وإن طائفتان من . . . . .
قوله ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ( قرأ الجمهور اقتتلوا باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله هذان خصمان اختصموا من الضمير في قوله بينهما عائد إلى الطائفتين باعتبار اللفظ وقرأ أبن أبي عبلة اقتتلتا اعتبار بلفظ طائفتان وقرأ أبن زيد بن علي وعبيد بن عمير اقتتلا وتذكير الفعل في هذه القراءة باعتبار الفريقين أو الرهطين والبغي التعدي بغير حق والامتناع من الصلح الموافق الصواب والفئ الرجوع والمعنى أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم الله فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه كان على المسلمين يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله وياخذوا على يد الطائفة الظلمة حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها للأخرى ثم أمر سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال ) وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( أي أعدلوا إن الله يحب العادلين ومحبتة لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء قال الحسن وقتادة والسدي ( فأصلحوا بينهما ) بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضى بما فيه لهما وعليهما ( فإن بغت إحداهما ) وطلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصلح ( فقاتلوا التي تبغي ) حتى ترجع إلى طاعة الله والصلح الذي أمر الله به
الحجرات : ( 10 ) إنما المؤمنون إخوة . . . . .
وجملة ( إنما المؤمنون أخوة ) مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإصلاح والمعنى أنهم راجعون إلى أصل واحد وهو الإيمان قال الزجاج الدين يجمعهم فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب لأنهم لآدم وحواء ( فأصلحوا بين أخويكم ) يعني كل مسلمين تخاصما وتقاتلا وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوقهما بطريق الأولى قرأ الجمهور بين أخويكم على التثنية وقرأ زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود والحسن وحماد بن سلمة وابن سيرين إخوانكم بالجمع وروى عن أبي عمرو ونصيرين عاصم وأبي العالية والجحدري ويعقوب أنهم قرءوا بين إخوتكم بالفوقية على الجمع أيضا قال أبو علي الفارسي في توجيه قراءة الجمهور أردا بالأخوين الطائفتين لأن اللفظ التثنية قد يرد ويراد به الكثرة وقال أبو عبيدة أي أصلحوا بين كل أخوين ( واتقوا الله ) في كل أموركم ( لعلكم ترحمون ) بسبب التقوى والترجي باعتبار المخاطبين أي راجين أن ترحموا وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز مستدلا بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) قتال المسلم كفر فإن المراد بهذا الحديث وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ قال ابن جرير لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل لما أقيم حق ولا أبطل باطل ولوجد أهل النفاق والفجور سببا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم ولكف المسلمين أيديهم عنهم وذلك مخالف لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) خذوا على أيدي سفهائكم قال أبن العربي هذه الآية أصل في قتال المسلمين وعمدة في حرب المتأولين وعليها عول


"""""" صفحة رقم 64 """"""
الصحابة وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة وإياها عنى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله تقتل عمارا الفئة الباغية وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) في شأن الخوارج يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق
الحجرات : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . .
( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ) السخرية الاستهزاء وحكى أبو زيد سخرت به وضحكت به وهزأت به وقال الأخفش سخرت منه وسخرت به وضحلت منه وضحكت به وهزأت منه وهزأت به كل ذلك يقال والاسم السخرية والسخرى وقرئ بهما في ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ومعنى الآية النهي للمؤمنين عن أن يستهزئ بعضهم ببعض وعلل هذا النهي بقوله ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) أي أن يكون المسخور بهم عند الله خيرا من الساخرين بهم ولما كان لفظ قوم مختصا بالرجال لأنهم القوم على النساء أفرد النساء بالذكر فقال ( ولا نساء من نساء ) أي ولا يسخر نساء من نساء ( عسى أن يكن ) المسخور بهن ( خيرا منهن ) يعني خيرا من الساخرات منهن وقيل أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر ( ولا تلمزوا أنفسكم ) اللمز العيب وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات قال ابن جرير اللمز باليد والعين واللسان والإشارة والهمز لا يكون إلا باللسان ومعنى ( لا تلمزوا أنفسكم ) لا يلمز بعضكم بعضا كما في قوله ولا تقتلوا أنفسكم وقوله فسلموا على أنفسكم قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير لا يطعن بعضكم على بعض وقال الضحاك لا يلعن بعضكم بعضا ( ولا تنابزوا بالألقاب ) التنابز التفاعل من النبز بالتسكين وهو المصدر والنبز بالتحريك اللقب والجمع أنباز والالقاب جمع لقب وهو أسم غير الذي سمي به الإنسان والمراد هنا لقب السوء والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضا قال الواحدي قال المفسرون هو أن يقول لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق أو يقول لمن أسلم يا يهودي يا نصراني قال عطاء هو كل شئ أخرجت به أخاك من الإسلام كقولك يا كلب يا حمار يا خنزير قال الحسن ومجاهد كان الرجل يعير بكفره فيقال له يا يهودي يا نصراني فنزلت وبه قال قتادة وأبو العالية وعكرمة ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) أي بئس الاسم الذي يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان والاسم هنا بمعنى الذكر قال ابن زيد أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته وقيل المعنى أن من فعل ما نهى عنه من السخرية واللمز والنبذ فهو فاسق قال القرطبي إنه يستثني من هذا من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه فجوزته الأئمة واتفق على قوله أهل اللغة ( ومن لم يتب ) عما نهى الله عنه ( فأولئك هم الظالمون ) لارتكابهم ما نهى الله عنه وامتناعهم من التوبة فظلموا من لقبوه وظلمهم أنفسهم بما لزمها من الإثم
الحجرات : ( 12 ) يا أيها الذين . . . . .
) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ( الظن هنا هو مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشيء من الفواحش ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك وأمر سبحانه باجتناب الكثير ليفحص المؤمن عن كل ظن يظنه حتى يعلم وجهه لأن من الظن الذي ما يجب اتباعه فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن كالقياس وخبر الواحد ودلالة العموم ولكن هذا الظن الذي يجب العمل به قد قوى بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به فارتفع عن الشك والتهمة قال الزجاج هو أن يظن بأهل الخير سوءا فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا ولا بأس به مالم يتكلم به فإن تكلم بذلك الظن وابداه أثم وحكى القرطبي عن أكثر العلماء أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لاحرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح وجملة ( إن بعض الظن إثم ) تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن وهذا البعض هو ظن السوء بأهل


"""""" صفحة رقم 65 """"""
الخير والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة ومما يدل على تقييد هذا الظن المأمور باجتنابه بظن السوء قوله تعالى وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شئ من الظن المأمور باتباعه في مسائل الدين فإن الدين قد تعبد عباده باتباعه واوجب العمل به جمهور أهل العلم ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة كيادا للدين وشذوذا عن جمهور المسلمين وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة بل في أكثرها ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال ( ولا تجسسوا ) التجسس البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معايب الناس ومثاليهم قرأ الجمهور تجسسوا بالجيم ومعناه ما ذكرنا وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين بالحاء قال الاخفش ليس يبعد أحدهما من الآخر لأن التجسس بالجيم البحث عما يكتم عنك والتجسس بالحاء طلب الأخبار والبحث عنها وقيل إن التجسس بالجيم هو البحث ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور وبالحاء ما ادركه الإنسان ببعض حواسه وقيل إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه وبالجيم أن يكون رسولا لغيره قاله ثعلب ( ولا يغتب بعضكم بعض ) أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه والغيبة أن تذكر الرجل بما يكرهه كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره فقيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول فقال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من أغتابه ذكر معناه الزجاج وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتوبيخ لها والتووبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفي فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية وتستكرهه الجبلة البشرية فضلا عن كونه محرما شرعا ( فكرهتموه ) قال الفراء تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا والمعنى فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا قال الرازي الفاء في تقدير جواب كلام كأنه قال لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه فكرهتموه إذن وقال أبو البقاء هو معطوف على محذوف تقديره عرض عليكم ذلك فكرهتموه ( واتقوا الله ) بترك ما أمركم بإجتنابه ( إن الله تواب رحيم ) لمن اتقاه وتاب عما فرط منه من الذنب ومخالفة الأمر
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال قيل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لو أتيت عبد الله ابن أبي فانطلق إليه وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فلما انطلق إليه قال إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك فقال رجل من الأنصار والله لحمار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجال من قومه فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فنزلت فيهم ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) الآية وقد روى نحو هذا من وجوه أخر وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر قال ما وجدت في نفسي من شئ ما وجدت من هذه الآية إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله وأخرج ابن جرير وأبن المنذر وابن مردويه عن أبن عباس في الآية قال إن الله أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض فإذ أجابوا حكم فيهم يحكم كتاب الله حتى ينصف المظلوم فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ وحق على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله وأخرج أبن


"""""" صفحة رقم 66 """"""
جرير وابن مردويه عن أبن عباس ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) الآية قال كان قتال بالنعال والعصي فأمرهم أن يصلحوا بينهما وأخرج أبن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الأمة في هذه الآية ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما ) وأخرج أبن أبي حاتم عن مقاتل في
الحجرات : ( 13 ) يا أيها الناس . . . . .
قوله ) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ( قال نزلت في قوم بني تميم استهزؤوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب وأبن أبي الدنيا في ذم الغيبة وأبن جرير وأبن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ( ولا تلمزوا أنفسكم ) قال لا يطعن بعضكم على بعض وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وأهل السنن الأربع وأبو يعلي وابن جرير وأبن المنذر وأبن حبان والشيرازي في الالقاب والطبراني وابن السني في عمل يوم وليلة والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي جبيرة بن الضحاك قال فينا نزلت في بني سلمة ( ولا تنابزوا بالألقاب ) قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة وليس فينا رجل إلا وله أسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا واحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت ( ولا تنابزوا بالألقاب ) وأخرج ابن مردوية عن ابن عباس نحوه وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله وأخرج عبد أبن حميد وأبن أبي حاتم عن أبن مسعود في الآية قال إذا كان الرجل يهوديا فأسلم فقال يا يهودي يا نصراني يا مجوسي ويقول للرجل المسلم يا فاسق وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبن عباس في قوله ) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ( ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عبد الله إخوانا ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه وأخرج بن مردوية عن بن عباس نحوه وأخرج بن جرير عن بن عباس قال التنابز بالألقاب قال نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءا وأخرج البخاري حتى ينكح أو يترك وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ( ولا تجسسوا ) قال نهى الله المؤمن أن يتبع عورات المؤمن وأخرج عبد الرزاق وأبن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وأبن المنذر وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن زيد أبن وهب قال أتي أبن مسعود فقيل هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال أبن مسعود إنا قد نهينا عن التجسس ولكن أن يظهر لنا شي نأخذه وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين والتجسس عن عيوبهم وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبن عباس في قوله ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) الآية قال حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جدا معروفة في كتب الحديث
سورة الحجرات ( 13 18 )


"""""" صفحة رقم 67 """"""
الحجرات : ( 13 ) يا أيها الناس . . . . .
قوله ( ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى ) هما آدم وحواء والمقصود أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد وكونه يجمعهم أب واحد وام واحدة وانه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب وقيل المعنى ان كل واحد منكم من اب وام فالكل سواء ( وجعلناكم شعوبا وقبائل ) الشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة وبني تميم من مضر قال الواحدي هذا قول جماعه من المفسرين سموا شعبا لتشعبهم واجتماعهم كشعب اغصان الشجره والشعب من اسماء الأضداد يقال شعبته اذا جمعته وشعبته اذا فرقته ومنه سميت المنيه شعوبا لأنها مفرقه فأما الشعب بالكسر فهو الطريق في الجبل قال الجواهري الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم والجمع الشعوب وقال مجاهد الشعوب البعيد من النسب والقبائل دون ذلك وقال قتادة الشعوب النسب الأقرب وقيل ان الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان وقيل الشعوب بطون والقبائل بطون العرب وحكى أبو عبيد ان الشعب اكثر من القبيله ثم القبيله ثم العمارة ثم البطن ثم الفخد ثم الفصيلة ثم العشيرة ومما يؤيد ما قاله الجمهور من ان الشعب اكثر من القبيلة قول الشاعر قبائل من شعوب ليس فيهم
كريم قد يعد ولا نجيب
قرأ الجمهور ( لتتعارفوا ) بتخفيف التاء وأصله لتعارفوا فحذفت إحدى التاءين وقرأ البزي بتشديدها على الإدغام وقرأ الأعمش بتاءين واللام متعلقة بخلقناكم أي خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا وقرأ أبن عباس ( لتعرفوا ) مضارع عرف والفائدة في التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه ولا يعتري إلى غيره والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة وهذا البطن أشرف من هذا البطن ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر فقال ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) أي أن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى فمن تلبس بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب فإن ذلك لا يوجب كرما ولا يثبت شرفا ولا يقتضي فضلا قرأ الجمهور إن أكرمكم بكسر إن وقرأ أبن عباس بفتحها أي لأن أكرمكم ( إن الله عليم ) بكل معلوم ومن ذلك أعمالكم ( خبير ) بما تسرون وما تعلنون لا تخفى عليه من ذلك خافية
الحجرات : ( 14 ) قالت الأعراب آمنا . . . . .
ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند الله أتقاهم له وكان أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان ليثبت لهم الشرف والفضل فقال ( قالت الأعراب آمنا ) وهو بنو أسد أظهروا الإسلام في سنة مجدبه يريدون الصدقة فأمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يرد عليهم فقال ( قل لم تؤمنوا )


"""""" صفحة رقم 68 """"""
أي لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب وخلوص نية وطمأ نينة ( ولكن قولوا أسلمنا ) أي استسلمنا خوف القتل والسبي أو للطمع في الصدقة وهذه صفة المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر ولم تؤمن قلوبهم ولهذا قال سبحانه ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) أي لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح ولا نية خالصة والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها أو في محل نصب على الحال وفي لما معنى التوقع قال الزجاج الإسلام إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي وبذلك يحقن الدم فإن كان مع ذلك الأظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي لم تصدقوا وإنما أسلمتم تعوذا من القتل ( وإن تطيعوا الله ورسوله ) طاعة صحيحة صادرة عن نيات خالصة وقلوب مصدقة غير منافقة ( لا يلنكم من أعمالكم شيئا ) يقال لات يلت إذا نقص ولاته يليته ويلوته إذا نقصه والمعنى لا ينقصكم من أعمالكم شيئا قرأ الجمهور يلتكم من لاته يليته كباع يبيعه وقرأ أبو عمرو لا يألتكم بالهمز من ألته يألته بالفتح في الماضي والكسر في المضارع واختار قراءة أبي عمرو أبو حاتم لقوله وما ألتناهم من عملهم من شئ وعليها قول الشاعر أبلغ بني أسد عني مغلغلة
جهر الرسالة لا ألتا ولا كذبا
واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور وعليها قول رؤبة بن العجاج وليلة ذات ندى سريت
ولم يلتنى عن سراها ليت
وهما لغتان فصيحتان ( إن الله غفور ) أي بليغ المغفرة لمن فرط منه ذنب ( رحيم ) بليغ الرحمة لهم
الحجرات : ( 15 ) إنما المؤمنون الذين . . . . .
ثم لما ذكر سبحانه أن أولئك الذين قالوا آمنا لم يؤمنوا ولا دخل الإيمان في قلوبهم بين المؤمنين المستحقين لإطلاق الإيمان عليهم فقال ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ) يعني إيمانا صحيحا خالصا عن مواطأة القلب واللسان ( ثم لم يرتابوا ) أي لم يدخل قلوبهم شئ من الريب ولا خالطهم شك من الشكوك وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) أي في طاعته وابتغاء مرضاته ويدخل في الجهاد الأعمال الصالحة التي أمر الله بها فإنها من جميع ما يجاهد المرء به نفسه حتى يقوم به ويؤديه كما أمر الله سبحانه والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الجامعين بين الأمور المذكورة وهو مبتدأ وخبره قوله ( هم الصادقون ) أي الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان والدخول في عدا أهله لا من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه وادعى أنه مؤمن ولم يطمئن بالإيمان قلبه ولا وصل إليه معناه ولا عمل بأعمال أهله وهو الأعراب الذين تقدم ذكرهم وسائر أهل النفاق
الحجرات : ( 16 ) قل أتعلمون الله . . . . .
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لأولئك الأعراب وأمثالهم قولا آخر لما ادعوا أنهم مؤمنون فقال ( قل أتعلمون الله بدينكم ) التعليم ها هنا بمعنى الأعلام ولهذا دخلت الباء في بدينكم أي أتخبرونه بذلك حيث فلتم آمنا ( والله يعلم ما في السموات وما في الأرض ) فكيف يخفي عليه بطلان ما تدعونه من الإيمان والجملة في محل النصب على الحال من مفعول تعلمون ( والله بكل شيء عليم ) لا تخفى عليه من ذلك خافية وقد علم ما تبطنونه من الكفر وتظهرونه من الإسلام لخوف الضراء ورجاء النفع
الحجرات : ( 17 ) يمنون عليك أن . . . . .
ثم أخبر الله سبحانه رسوله بما يقوله لهم عند المن عليه منهم بما يدعونه من الإسا فقال ( يمنون عليك ان أسلموا ) أي يعدون إسلامهم منه عليك حيث قالوا جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتل كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ( قل لا تمنوا على إسلامكم ) أي لا تعدوه منه على فإن الإسلام هو المنة التي لايطاولها ثوابا لمن أنعم ولذا قال بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان أي أرشدكم إليه وأراكم طريق


"""""" صفحة رقم 69 """"""
سواء وصلتم إلى المطلوب أم لم تصلوا إليه وانتصاب إسلامكم إما على أنه مفعول به على تضمين يمنون معنى يعدون أو ينزع الخافض أي لأن أسلموا وهكذا قوله ( أن هداكم للإيمان ) فإنه يحتمل الوجهين ( إن كنتم صادقين ) فيما تدعونه والجواب محذوف يدل عليه ماقبله أي إن كنتم صادقين فلله المنة عليكم قرأ الجمهور ( أن هداكم بفتح أن وقرأ عاصم بكسرها
الحجرات : ( 18 ) إن الله يعلم . . . . .
( إن الله يعلم غيب السموات والأرض ) أي ما غاب فيهما ( والله بصير بما تعملون ) لا يخفى عليه من ذلك شيء فهو مجازكم بالخير خيرا وبالشر شرا قرأ الجمهور تعملون على الخطاب وقرأ ابن كثير على الغيبة
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبن أبي مليكة قال لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة فقال بعض الناس أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة وقال بعضهم إن يسخط الله هذا يغيره فنزلت ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ( وأخرج أبن المنذر عن أبن جريج نحوه وأخرج أبو داود في مراسيله وأبن مردويه والبيهقي في سننه عن الزهري قال أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا فنزلت هذه الآية وأخرج أبن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ( هي مكية وهي للعرب خاصة الموالي أي قبيلة لهم وأي شعاب وقوله ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فقال أتقاكم للشرك وأخرج البخاري وأبن جرير عن أبن عباس قال الشعوب القبائل العظام والقبائل البطون وأخرج الفريابي وأبن جرير وأبن أبي حاتم عنه قال الشعوب الجماع والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير عنه أيضا قال القبائل الأفخاذ والشعوب الجمهور مثل مصر وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أي الناس أكرم قال أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف نبي الله أبن نبي الله أبن نبي الله أبن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني قالوا نعم قال خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى هي التي يتفاضل بها العباد وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير وأبن المنذر عن مجاهد في قوله ( قالت الأعراب أمنا ) قال أعراب بني أسد وخزيمه وفي قوله ( ولكن قولوا أسلمنا ) مخافة القتل والسبي وأخرج أبن جرير عن قتادة أنها نزلت في بني اسد واخرج أبن المنذر والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى أن ناسا من العرب قالوا يا رسول الله أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأنزل الله ( يمنون عليك أن أسلموا ) وأخرج النسائي والبزار وأبن مردويه عن أبن عباس نحوه وذكر أنهم بنو أسد


"""""" صفحة رقم 70 """"""
ع50
تفسير
سورة ق
هي خمس وأربعون آية
حول السورة
وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وروى عن أبن عباس وقتادة أنها مكية إلا آية وهي قوله ( ) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ( ) وهي أول المفصل على الصحيح وقيل من الحجرات وأخرج أبن الضريس والنحاس وأبن مردويه والبيهقي عن أبن عباس قال نزلت سورة ق بمكة وأخرج أبن مردويه عن ابن الزبير مثله وقد أخرج مسلم وغيره عن قطبة بن مالك قال كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقرا في الفجر في الركعة الأولى ق والقرآن المجيد وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن أبي واقد الليثي قال كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقرأ في العيد بقاف وأقتربت وأخرج أبن أبي شيبة وأبو داود وأبن ماجه والبيهقي عن أم هشام أبنة حارثة قالت ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس وهو في صحيح مسلم
سورة ق ( 1 15 )


"""""" صفحة رقم 71 """"""
ق : ( 1 ) ق والقرآن المجيد
قوله ( ق والقرآن المجيد ) الكلام في إعراب هذا كالكلام الذي قدمنا في قوله ص والقرآن ذي الذكر وفي قوله حم والكتاب المبين واختلف في معنى ق فقال الواحدى قال المفسرون هو اسم جبل يحيط بالدنيا من زبر جد والسماء مقببة عليه وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة قال الفراء كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في ق لأنه اسم وليس بهجاء قال ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كقول القائل قلت لها قفي فقالت قاف أي أنا واقفة وحكى الفراء والزجاج أن قوما قالوا معنى ق قضي الأمر وقضى ما هو كائن كما قيل في حم حم الأمر وقيل هو اسم من أسماء الله أقسم به وقال قتادة هو اسم من أسماء القرآن وقال الشعبي فاتحة السورة وقال أبو بكر الوراق معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما وقيل غير ذلك مما هو أضعف منه والحق أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه كما حققنا ذلك في فاتحة سورة البقرة ومعني المجيد أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة وقال الحسن الكريم وقيل الرفيع القدر وقيل الكبير القدر
ق : ( 2 ) بل عجبوا أن . . . . .
وجواب القسم قال الكوفيون هو قوله ( بل عجبوا ) وقال الأخفش جوابه محذوف كأنه قال ق والقرآن المجيد لتبعثن
ق : ( 3 ) أئذا متنا وكنا . . . . .
يدل عليه ( أئذا متنا وكنا ترابا ) وقال ابن كيسان جوابه ما يلفظ من قول وقيل هو قد علمنا ما تنقص الأرض منهم بتقدير اللام أي لقد علمنا وقيل هو محذوف وتقديره أنزلناه إليك لتنذر كأنه قيل ق والقرآن المجيد أنزلناه إليك لتنذر به الناس قرأ الجمهور قاف بالسكون وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم بكسر الفاء وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء وقرأ هارون ومحمد بن السميفع بالضم ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) بل للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال وأن في موضع نصب على تقدير لأن جاءهم والمعنى بل عجب الكفار لأن جاءهم منذر منهم وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة وقيل هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيدا وقد تقدم تفسير هذا في سورة ص ثم فسر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله ( فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) وفيه زيادة تصريح وإيضاح قال قتادة عجبهم أن دعوا إلى إله واحد وقيل تعجبهم من البعث فيكون لفظ هذا إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده من قوله ( أئذا متنا ) الخ والأول أولى قال الرازي الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر ثم قالوا ( أئذا متنا ) وأيضا قد وجد ها هنا بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب وهو قولهم ( ذلك رجع بعيد ) فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب بقولهم ( هذا شيء عجيب ) عائدا إلى قولهم أئذا لكان كالتكرار فإن قيل التكرار الصريح يلزم من قولك هذا شيء عجيب أنه يعود إلى مجيء المنذر فإن تعجبهم منه علم من قولهم وعجبوا أن جاءهم فقوله ( هذا شيء عجيب ) يكون تكرارا فنقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير لأنه لما قال بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجبا كقوله أتعجبين من أمر الله ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لتعجبكم فقالوا ( هذا شيء عجيب ) فكيف لا نعجب منه ويدل على ذلك قوله هاهنا ( فقال الكافرون ) بالفاء فإنها تدل على أنه مترتب على ما تقدم قرأ الجمهور أئذا متنا بالاستفهام وقرأ بن عامر في رواية عنه وأبو جعفر والأعمش والأعرج بهمزة واحدة فيحتمل الاستفهام كقراءة الجمهور وهمزة الاستفهام مقدرة ويحتمل أن معناه الإخبار والعامل في الظرف مقدر أي أيبعثنا أو أنرجع إذا متنا لدلالة ما بعده عليه هذا على قراءة الجمهور وأما على القراءة الثانية فجواب إذا محذوف أي رجعنا وقيل ذلك رجع والمعنى استنكارهم للبعث بعد موتهم ومصيرهم ترابا ثم جزموا باستبعادهم للبعث فقالوا ( ذلك ) أي البعث ( رجع بعيد ) أي بعيد عن العقول أو الأفهام أو العادة أو الإمكان


"""""" صفحة رقم 72 """"""
يقال رجعته أرجعه رجعا ورجع هو يرجع رجوعا
ق : ( 4 ) قد علمنا ما . . . . .
ثم رد سبحانه ما قالوه فقال ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء من ذلك ومن أحاط علمه بكل شيء حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور لا يصعب عليه البعث ولا يستبعد منه وقال السدى النقص هنا الموت يقول قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الأموات وقيل المعنى من يدخل في الإسلام من المشركين والأول أولى ( وعندنا كتاب حفيظ ) أي حافظ لعدتهم وأسمائهم ولكل شيء من الأشياء وهو اللوح المحفوظ وقيل المراد بالكتاب هنا العلم والإحصاء والأول أولى وقيل حفيظ بمعنى محفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء
ق : ( 5 ) بل كذبوا بالحق . . . . .
ثم أضرب سبحانه عن كلامهم الأول وانتقل إلى ما هو أشنع منه فقال ( بل كذبوا بالحق ) فإنه تصريح منهم بالتكذيب بعدما تقدم عنهم من الاستبعاد والمراد بالحق هنا القرآن قال الماوردي في قول الجميع وقيل هو الإسلام وقيل محمد وقيل النبوة الثابتة بالمعجزات ( لما جاءهم ) أي وقت مجيئه إليهم من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر قرأ الجمهور بفتح اللام وتشديد الميم وقرأ الجحدري بكسر اللام وتخفيف الميم ( فهم في أمر مريج ) أي مختلط مضطرب يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن قاله الزجاج وغيره وقال قتادة مختلف وقال الحسن ملتبس والمعنى متقارب وقيل فاسد والمعاني متقاربة ومنه قولهم مرجت أمانات الناس أي فسدت ومرج الدين والأمر اختلط
ق : ( 6 ) أفلم ينظروا إلى . . . . .
( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف غفلوا عن النظر إلى السماء فوقهم ( كيف بنيناها ) وجعلناها على هذه الصفة مرفوعة بغير عماد تعتمد عليه ( وزيناها ) بما جعلنا فيها من المصابيح ( وما لها من فروج ) أي فتوق وشقوق وصدوع وهو جمع فرج ومنه قول امرىء القيس يسد به فرجا من دبر قال الكسائي ليس فيه تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق
ق : ( 7 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . .
( والأرض مددناها ) أي بسطناها ( وألقينا فيها رواسي ) أي جبالا ثوابت وقد تقدم تفسير هذا في سورة الرعد ( وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) أي من كل صنف حسن وقد تقدم تفسير هذا في سورة الحج
ق : ( 8 ) تبصرة وذكرى لكل . . . . .
( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) هما علتان لما تقدم منتصبان بالفعل الأخير منها أو بمقدر أي فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير قاله الزجاج وقال أبو حاتم انتصبا على المصدرية أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى والمنيب الراجع إلى الله بالتوبة المتدبر في بديع صنعه وعجائب مخلوقاته وفي سياق هذه الآيات تذكير لمنكري البعث وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة وبيان لإمكان ذلك وعدم امتناعه فإن القادر على مثل هذه الأمور يقدر عليه
ق : ( 9 ) ونزلنا من السماء . . . . .
وهكذا قوله ( ونزلنا من السماء ماء مباركا ) أي نزلنا من السحاب ماء كثير البركة لانتفاع الناس به في غالب أمورهم ( فأنبتنا به جنات ) أي أنبتنا بذلك الماء بساتين كثيرة ( وحب الحصيد ) أي ما يقتات ويحصد من الحبوب والمعنى وحب الزرع الحصيد وخص الحب لأنه المقصود كذا قال البصريون وقال الكوفيون هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع حكاه الفراء قال الضحاك حب الحصيد البر والشعير وقيل كل حب يحصد ويدخر ويقتات
ق : ( 10 ) والنخل باسقات لها . . . . .
( والنخل باسقات لها طلع نضيد ) هو معطوف على جنات أي وأنبتنا به النخل وتخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار وانتصاب باسقات على الحال وهي حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة قال مجاهد وعكرمة وقتادة الباسقات الطوال وقال سعيد بن جبير مستويات وقال الحسن وعكرمة والفراء موانير حوامل يقال للشاة إذا بسقت ولدت والأشهر في لغة العرب الأول يقال بسقت النخلة بسوقا إذا طالت ومنه قول الشاعر


"""""" صفحة رقم 73 """"""
لنا خمر وليست خمر كرم
ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا
وفات ثمارها أيدي الجنات
وجملة ( لها طلع نضيد ) في محل نصب على الحال من النخل الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل يقال طلع الطلع طلوعا والنضيد المتراكب الذي نضد بعضه على بعض وذلك قبل أن ينفتح فهو نضيد في أكمامه فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد
ق : ( 11 ) رزقا للعباد وأحيينا . . . . .
( رزقا للعباد ) انتصابه على المصدرية أي رزقناهم رزقا أو على العلة أي أنبتنا هذه الأشياء للرزق ( وأحيينا به بلدة ميتا ) أي أحيينا بذلك الماء بلدة مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع وجملة ( كذلك الخروج ) مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة قرأ الجمهور ميتا على التخفيف وقرأ أبو جعفر وخالد بالتثقيل
ق : ( 12 ) كذبت قبلهم قوم . . . . .
ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة فقال ( كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس ) هم قوم شعيب كما تقدم بيانه وقيل هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم من قوم عيسى وقيل هم أصحاب الأخدود والرس إما موضع نسبوا إليه أو فعل وهو حفر البئر يقال رس إذا حفر بئرا ( وثمود
ق : ( 13 ) وعاد وفرعون وإخوان . . . . .
(وعاد وفرعون ) أي فرعون وقومه ( وإخوان لوط ) جعلهم إخوانه لأنهم كانوا أصهاره وقيل هم من قوم إبراهيم وكانوا من معارف لوط
ق : ( 14 ) وأصحاب الأيكة وقوم . . . . .
( وأصحاب الأيكة ) تقدم الكلام على الأيكة واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء مستوفى ونبيهم الذي بعثه الله إليهم شعيب ( وقوم تبع ) هو تبع الحميري الذي تقدم ذكره في قوله أهم خير أم قوم تبع واسمه سعد أبو كرب وقيل أسعد قال قتادة ذم الله قوم تبع ولم يذمه ( كل كذب الرسل ) التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من هؤلاء كذب رسوله الذي أرسله الله إليه وكذب ما جاء به من الشرع واللام في الرسل تكون للعهد ويجوز أن تكون للجنس أي كل طائفة من هذه الطوائف كذبت جميع الرسل وإفراد الضمير في كذب باعتبار لفظ كل وفي هذا تسلية لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كأنه قيل له لا تحزن ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء فإن قومهم كذبوهم ولم يصدقهم إلا القليل منهم ( فحق وعيد ) أي وجب عليهم وعيدي وحقت عليهم كلمة العذاب وحل بهم ما قدره الله عليهم من الخسف والمسخ والإهلاك بالأنواع التي أنزلها الله بهم من عذابه
ق : ( 15 ) أفعيينا بالخلق الأول . . . . .
( أفعيينا بالخلق الأول ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والجملة مستأنفة لتقرير أمر المبعث الذي أنكرته الأمم أي أفعجزنا بالخلق حين خلقناهم أولا ولم يكونوا شيئا فكيف نعجز عن بعثهم يقال عييت بالأمر إذا عجزت عنه ولم أعرف وجهه قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ياء ساكنة وقرأ ابن أبي عبلة بتشديد الياء من غير إشباع ثم ذكر أنهم في شك من البعث فقال ( بل هم في لبس من خلق جديد ) أي في شك وحيرة واختلاط من خلق مستأنف وهو بعث الأموات ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين لقدرة الله على الخلق الأول ( بل هم في لبس من خلق جديد )
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( ق ) قال هو اسم من أسماء الله وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال خلق الله من وراء هذه الأرض بحرا محيطا ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له ق السماء الدنيا مرفرفة عليه ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات ثم خلق من وراء ذلك بحرا محيطا بها ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء الثانية مرفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات قال وذلك قوله والبحر يمده من بعده سبعة أبحر قال ابن كثير لا يصح سنده عن


"""""" صفحة رقم 74 """"""
ابن عباس وقال أيضا وفيه انقطاع وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عنه أيضا قال هو جبل وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك ذلك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم يحرك القرية دون القرية وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا ( والقرآن المجيد ) قال الكريم وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا وقال القرآن المجيد ليس شيء أحسن منه ولا أفضل وأخرج بن المنذر وبن أبي حاتم عنه أيضا ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ) قال أجسادهم وما يذهب منها وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال ما تأكل من لحومهم وعظامهم وأشعارهم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال المريج الشيء المتغير وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن قطبة قال سمعت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقرأ في الصبح ق فلما أتى على هذه الآية ( والنخل باسقات ) فجعلت أقول ما بسوقها قال طولها وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ( والنخل باسقات ) قال الطول وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله ( لها طلع نضيد ) قال متراكم بعضه على بعض وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( أفعيينا بالخلق الأول ) يقول لم يعيينا الخلق الأول وفي قوله ( بل هم في لبس من خلق جديد ) في شك من البعث
سورة ق الآية 16 35


"""""" صفحة رقم 75 """"""
ق : ( 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . .
قوله ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية والمراد بالإنسان الجنس وقيل آدم والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفي والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره أي نعلم ما يخفى ويكن في نفسه ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفي قول الأعشى تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت فاستعمل لما خفى من حديث النفس ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) هو حبل العاتق وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه وهما وريدان من عن يمين وشمال وقال الحسن الوريد الوتين وهو عرق معلق بالقلب وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان أي نحن أقرب إليه من حبل وريده والإضافة بيانية أي حبل هو الوريد وقيل الحبل هو نفس الوريد فهو من باب مسجد الجامع
ق : ( 17 ) إذ يتلقى المتلقيان . . . . .
ثم ذكر سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاما للحجة فقال ( إذ يتلقى المتلقيان ) الظرف منتصب بما في أقرب من معنى الفعل ويجوز أن يكون منصوبا بمقدر هو اذكر والمعنى أنه أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان وهما الملكان الموكلان به ما يلفظ به وما يعمل به أي يأخذان ذلك ويثبتانه والتلقي الأخذ أي نحن أعلم بأحواله غير محتاجين إلى الحفظة الموكلين به وإنما جعلنا ذلك إلزاما للحجة وتوكيدا للأمر قال الحسن وقتادة ومجاهد المتلقيان ملكان يتلقيان عملك أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك وقال مجاهد أيضا وكل الله بالإنسان ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) إنما قال قعيد ولم يقل قعيدان وهما اثنان لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كذا قال سيبويه كقول الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
وقول الفرزدق وأتى وكان وكنت غير عذور أي وكان غير عذور وكنت غير عذور وقال الأخفش والفراء إن لفظ قعيد يصلح للواحد والاثنين والجمع ولا يحتاج إلى تقدير في الأول قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة والنحو فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس
ق : ( 18 ) ما يلفظ من . . . . .
( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) أي ما يتكلم من كلام فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه أي أن ذلك اللافظ رقيب أي ملك يرقب قوله ويكتبه والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر فكاتب الخير هو ملك اليمين وكاتب الشر ملك الشمال والعتيد الحاضر المهيأ قال الجوهري العتيد الحاضر المهيأ يقال عتده تعتيدا وأعتده اعتدادا أي أعده ومنه وأعتدت لهن متكأ والمراد هنا أنه معد للكتابة مهيؤ لها
ق : ( 19 ) وجاءت سكرة الموت . . . . .
( وجاءت سكرة الموت بالحق ) لما بين سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ذكر بعده ما ينزل بهم من الموت والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله ومعنى بالحق أنه عند الموت يتضح له الحق ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد وقيل الحق هو الموت وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي وجاءت سكرة الحق بالموت وكذا قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود والسكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين وقيل الباء للملابسة كالتي في قوله تنبت بالدهن أي ملتبسة بالحق أي بحقيقة الحال والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى الموت والحيد الميل أي ذلك الموت الذي كنت تميل عنه وتفر منه يقال حاد عن الشيء يحيد حيودا وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل ومنه قول طرفة
أبو منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض


"""""" صفحة رقم 76 """"""
وقال الحسن تحيد تهرب
ق : ( 19 ) وجاءت سكرة الموت . . . . .
( ونفخ في الصور ) عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه وهذه هي النفخة الآخرة للبعث ( ذلك يوم الوعيد ) أي ذلك الوقت الذي يكون فيه النفخ في الصور يوم الوعيد الذي أوعد الله به الكفار قال مقاتل يعنى بالوعيد العذاب في الآخرة وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعا لتهويله
ق : ( 21 ) وجاءت كل نفس . . . . .
( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) أي جاءت كل نفس من النفوس معها من يسوقها ومن يشهد لها أو عليها واختلف في السائق والشهيد فقال الضحاك السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم يعنى الأيدي والأرجل وقال الحسن وقتادة سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها بعملها وقال ابن مسلم السائق قرينها من الشياطين سمى سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها وقال مجاهد السائق والشهيد ملكان وقيل السائق الملك والشهيد العمل وقيل السائق كاتب السيئات والشهيد كاتب الحسنات ومحل الجملة النصب على الحال
ق : ( 22 ) لقد كنت في . . . . .
( لقد كنت في غفلة من هذا ) أي يقال له لقد كنت في غفلة من هذا والجملة في محل نصب على الحال من نفس أو مستأنفة كأنه قيل ما يقال له قال الضحاك المراد بهذا المشركون لأنهم كانوا في غفلة من عواقب أمورهم وقال ابن زيد الخطاب للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة وقال أكثر المفسرين المراد به جميع الخلق برهم وفاجرهم واختار هذا ابن جرير قرأ الجمهور بفتح التاء من كنت وفتح الكاف في غطاءك وبصرك حملا على ما في لفظ كل من التذكير وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرف بالكسر في الجميع على أن المراد النفس ( فكشفنا عنك غطاءك ) الذي كان في الدنيا يعنى رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك ( فبصرك اليوم حديد ) أي نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا قال السدى المراد بالغطاء أنه كان في بطن أمه فولد وقيل إنه كان في القبر فنشر والأول أولى والبصر قيل هو بصر القلب وقيل بصر العين وقال مجاهد بصرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك وبه قال الضحاك
ق : ( 23 ) وقال قرينه هذا . . . . .
( وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ) أي قال الملك الموكل به هذا ما عندي من كتاب عملك عتيد حاضر قد هيأته كذا قال الحسن وقتادة والضحاك وقال مجاهد إن الملك يقول للرب سبحانه هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله وروى عنه أنه قال إن قرينه من الشياطين يقول ذلك أي هذا ما قد هيأته لك بإغوائي وإضلالي وقال ابن زيد إن المراد هنا قرينه من الإنس وعتيد مرفوع على أنه صفة لما إن كانت موصوفة وإن كانت موصولة فهو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف
ق : ( 24 ) ألقيا في جهنم . . . . .
( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ) هذا خطاب من الله عز وجل للشائق والشهيد قال الزجاج هذا أمر للملكين الموكلين به وهما السائق والشاهد كل كفار للنعم عنيد مجانب للإيمان
ق : ( 25 ) مناع للخير معتد . . . . .
( مناع للخير ) لا يبذل خيرا ( معتد ) ظالم لا يقر بتوحيد الله ( مريب ) شاك في الحق من قولهم أراب الرجل إذا صار ذا ريب وقيل هو خطاب للملكين من خزنة النار وقيل هو خطاب لواحد على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل وتكريره قال الخليل والأخفش هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين يقولون ارحلاها وازجراها وخذاه وأطلقاه للواحد قال الفراء العرب تقول للواحد قوما عنا وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان فجرى كلام الرجل للواحد على ذلك ومنه قولهم للواحد في الشعر خليلي كما قال امرؤ القيس خليلي مرا بي على أم جندب
نقض لبانات الفؤاد المعذب


"""""" صفحة رقم 77 """"""
وقوله قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقول الآخر
فإن تزجراني يابن عفان أنزجر وإن تدعواني أحم عرضا ممنعا
قال المازني قوله ( ألقيا ) يدل على ألق ألق قال المبرد هي تثنية على التوكيد فناب ألقيا مناب ألق ألق قال مجاهد وعكرمة العنيد المعاند للحق وقيل المعرض عن الحق يقال عند يعند بالكسر عنودا إذا خالف الحق
ق : ( 26 ) الذي جعل مع . . . . .
( الذي جعل مع الله إلها آخر ) يجوز أن يكون بدلا من كل أو منصوبا على الذم أو بدلا من كفار أو مرفوعا بالابتداء أو الخبر ( فألقياه في العذاب الشديد ) تأكيد للأمر الأول أو بدل منه
ق : ( 27 ) قال قرينه ربنا . . . . .
( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) هذه الجملة مستأنفة لبيان ما يقوله القرين والمراد بالقرين هنا الشيطان الذي قيض لهذا الكافر أنكر أن يكون أطغاه ثم قال ( ولكن كان في ضلال بعيد ) أي عن الحق فدعوته فاستجاب لي ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه وقيل إن قرينه الملك الذي كان يكتب سيئاته وإن الكافر يقول رب إنه أعجلني فيجيبه بهذا كذا قال مقاتل وسعيد بن جبير والأول أولى وبه قال الجمهور ( قال لا تختصموا لدي ) هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله فقيل
ق : ( 28 ) قال لا تختصموا . . . . .
( قال لا تختصموا لدي ) يعنى الكافرين وقرناءهم نهاهم سبحانه عن الاختصام في موقف الحساب وجملة ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ) في محل نصب على الحال أي والحال أن قد قدمت إليكم بالوعيد بإرسال الرسل وإنزال الكتب والباء في بالوعيد مزيدة للتأكيد أو على تضمين قدم معنى تقدم
ق : ( 29 ) ما يبدل القول . . . . .
( ما يبدل القول لدي ) أي لا خلف لوعدي بل هو كائن لا محالة وقد قضيت عليكم بالعذاب فلا تبديل له وقيل هذا القول هو قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وقيل هو قوله لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال الفراء وابن قتيبة معنى الآية أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول ولا بنقص منه لعلمي بالغيب وهو قول الكلبي واختاره الواحدي لأنه قال لدي ولم يقل وما يبدل قولي والأول أولى وقيل إن مفعول قدمت إليكم هو ما يبدل أي وقد قدمت إليكم هذا القول ملتبسا بالوعيد وهذا بعيد جدا ( وما أنا بظلام للعبيد ) أي لا أعذبهم ظلما بغير جرم اجترموه ولا ذنب أذنبوه ولما كان نفي الظلام لا يستلزم نفي مجرد الظلم قيل إنه هنا بمعنى الظالم كالثمار بمعنى التامر وقيل إن صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم وقيل صيغة المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده وقيل غير ذلك وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران وفي سورة الحج
ق : ( 30 ) يوم نقول لجهنم . . . . .
( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) قرأ الجمهور نقول بالنون وقرأ نافع وأبو بكر بالياء وقرأ الحسن أقول وقرأ الأعمش يقال والعامل في الظرف ما يبدل القول لدي أو محذوف أي اذكر أو أنذرهم وهذا الكلام على طريقة التمثيل والتخييل ولا سؤال ولا جواب كذا قيل والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع قال الواحدي قال المفسرون أراها الله تصديق قوله لأملأن جهنم فلما امتلأت قال لها ( هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) أي قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلىء وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة أي إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها وقيل إن المعنى أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها والمزيد إما مصدر كالمحيد أو اسم مفعول كالمنيع فالأول بمعنى هل من زيادة والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه
ق : ( 31 ) وأزلفت الجنة للمتقين . . . . .
ثم لما فرغ من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين فقال ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ) أي قربت للمتقين تقريبا غير بعيد أو مكان غير بعيد منهم بحيث يشاهدونها في الموقف وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن


"""""" صفحة رقم 78 """"""
سمعت ولا خطر على قلب بشر ويجوز أن يكون انتصاب غير بعيد على الحال وقيل المعنى أنها زينت قلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب فصارت قريبه من قلوبهم والأول أولى
ق : ( 32 ) هذا ما توعدون . . . . .
والإشارة بقوله ( هذا ما توعدون ) إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ما توعدون والجملة بتقدير القول أي ويقال لهم هذا ما توعدون قرأ الجمهور توعدون بالفوقية وقرأ أبن كثير بالتحتية ( لكل أواب حفيظ ) هو بدل من للمتقين بإعادة الخافض أو متعلق بقول محذوف هو حال أي مقولا لهم لكل أواب والأواب الرجاع إلى الله تعالى بالتوبة عن المعصية وقيل هو المسبح وقيل هو الذاكر لله في الخلوة قال الشعبي ومجاهد هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها وقال عبيد بن عمير هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله فيه والحفيظ هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها وقال قتادة هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته قاله مجاهد وقيل هو الحافظ الأمر لله وقال الضحاك هو الحافظ لوصية الله له بالقبول
ق : ( 33 ) من خشي الرحمن . . . . .
( من خشى الرحمن بالغيب ) الموصول في محل جر بدلا أو بيانا لكل أواب وقيل يجوز أن يكون بدلا بعد بدل من المتقين وفيه نظر لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد ويجوز أن يكون في محل رفع على الأستئناف والخبر أدخلوها بتقدير يقال لهم ادخلوها والخشية بالغيب أن يخاف الله ولم يكن رآه وقال الضحاك والسدي يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد قال الحسن إذا أرخى الستر وأغلق الباب وبالغيب متعلق بمحذوف هو حال أو صفة لمصدر خشى ( وجاء بقلب منيب ) أي راجع إلى الله مخلص لطاعته وقيل المنيب المقبل على الطاعة وقيل السليم
ق : ( 34 ) ادخلوها بسلام ذلك . . . . .
( ادخلوها ) هو بتقدير القول أي يقال لهم ادخلوها والجمع اعتبار معنى من اي ادخلوا الجنة بسلام أي بسلامة من العذاب وقيل بسلام من الله وملائكته وقيل بسلامة من زوال النعم وهو متعلق بمحذوف هو حال أي ملتبسين بسلام والإشارة بقوله ذلك إلى زمن ذلك اليوم كما قال أبو البقاء وخبره ( يوم الخلود ) وسماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له بل هو دائم أبدا
ق : ( 35 ) لهم ما يشاؤون . . . . .
( لهم ما يشاؤون فيها ) أي في الجنة ما تشتهى أنفسهم وتلذ أعينهم من فنون النعم وأنواع الخير ( ولدنيا مزيد ) من النعم التي لم تخطر على بال ولا مرت لهم في خيال
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن مردويه عن أبي سعيد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال نزل الله من أبن آدم أربع منازل هو أقرب إليه من حبل الوريد وهو يحول بين المرء وقلبه وهو آخذ بناصية كل دابة وهو معهم أينما كانوا وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( من حبل الوريد ) قال عروق العنق وأخرج أبن المنذر عنه قال هو نياط القلب وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) قال يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت وشربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى سائره فذلك قوله يمحو الله ما يشاء ويثبت وأخرج أبن أبي شيبة وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبن مردويه من طريق عكرمة عن أبن عباس في الآية قال إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام اسرج الفرس يا غلام أسقني الماء وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم وأخرج أبن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي وأبو نعيم والبيهقي في الشعب عن عمرو بن ذر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول وأخرج الحكيم والترمذي عن أبن عباس مرفوعا مثله وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم في الكنى وأبن مردويه والبيهقي في البعث


"""""" صفحة رقم 79 """"""
وأبن عساكر عن عثمان بن عفان أنه قرأ ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) قال سائق يسوقها إلى أمر الله وشهيد يشهد عليها بما عملت وأخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم في والكنى وأبن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة في الآية قال السائق الملك والشهيد العمل وأخرج أبن جرير عن أبن عباس في الآية قال السائق من الملائكة والشهيد شاهد عليه من نفسه وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه ( لقد كنت في غفلة من هذا ) قال هو الكافر وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه أيضا ( فكشفنا عنك غطاءك ) قال الحياة بعد الموت وأخرج أبن جرير عنه أيضا و ( قال قرينه ) قال شيطانه وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم في قوله ( لا تختصموا لدي ) قال إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم أخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( وما أنا بظلام للعبيد ) قال ما أنا بمعذب من لم يجترم وأخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( يوم نقول لجهنم هل أمتلأت ونقول هل من مزيد ) قال وهل في مكان يزاد في وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم في فضول الجنة ) وأخرجنا أيضا من حديث أبي هريرة نحوه وفي الباب أحاديث وأخرج أبن جرير والبيهقي في الشعب عن أبن عباس في قوله ( لكل أواب حفيظ ) قال حفظ ذنوبه حتى رجع عنها وأخرج البزار وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أنس في قوله ( ولدينا مزيد ) قال يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل جمعة وأخرج البيهقي في الرؤية والديلمي عن على في الآية قال يتجلى لهم الرب عز وجل في الباب أحاديث
سورة ق ( 36 45
ق : ( 36 ) وكم أهلكنا قبلهم . . . . .
خوف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية ( قبلهم ) أي قبل قريش ومن وافقهم ( من قرن ) أي من أمة ( هم أشد منهم بطشا ) أي قوة كعاد وثمود وغيرهما ( فنقبوا في البلاد ) أي ساروا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعها


"""""" صفحة رقم 80 """"""
وأصله من النقب وهو الطريق قال مجاهد ضربوا وطافوا وقال النضر بن شميل دوروا وقال المؤرخ تباعدوا والأول أولى ومنه قول امرؤ القيس وقد نقبت في الآفاق حتى
رضيت من الغنيمة بالإياب
ومثله قول الحارث بن حلزة نقبوا في البلاد من حذر المو
ت وجالوا في الأرض كل مجال
وقرأ أبن عباس والحسن وأبو العالية وأبو عمرو في رواية ( نقبوا ) بفتح القاف مخففة والنقب هو الخرق والطريق في الجبل وكذا المنقب والمنقبة كذا قال أبن السكيت وجمع النقب نقوب وقرأ السلمي ويحيى بن يعمر بكسر القاف مشددة على الأمر للتهديد أي طوفوا فيها وسيروا في جوانبها وقرأ الباقون بفتح القاف مشددة على الماضي ( هل من محيص ) أي هل من مهرب يهربون إليه أو مخلص يتخلصون به من العذاب قال الزجاج لم يروا محيصا من الموت والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا أي عدل وحاد والجملة مستأنفة لبيان أنه لا مهرب لهم وفي هذا أنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من الموت والعذاب مفر
ق : ( 37 ) إن في ذلك . . . . .
( إن في ذلك لذكرى ) أي فيما ذكر من قصتهم تذكرة وموعظة ( لمن كان له قلب ) أي عقل قال الفراء وهذا جائز في العربية تقول ما لك قلب وما قلبك معك أي مالك عقل وما عقلك معك وقيل المراد القلب نفسه لأنه إذا كان سليما أدرك الحقائق وتفكر كما ينبغي وقيل لمن كان له حياة ونفس مميزة فعبر عن ذلك بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها ومنه قول امرؤ القيس أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري النفس تفعل
( أو ألقى السمع ) أي استمع ما يقال له يقال ألق سمعك إلى أي استمع منى والمعنى إنه ألقى السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي لما جرى عن تلك الأمم قرأ الجمهور ألقى مبنيا للفاعل وقرأ السلمي وطلحة والسدي على البناء للمفعول ورفع السمع ( وهو شهيد ) أي حاضر الفهم أو حاضر القلب لأن من لا يفهم في حكم الغائب وإن حضر بجسمه فهو لم يحضر بفهمه قال الزجاج أي وقلبه حاضر فيما يسمع قال سفيان أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب قال مجاهد وقتادة هذه الآية في أهل الكتاب كذا قال الحسن وقال محمد بن كعب وأبو صالح إنها في أهل القرآن خاصة
ق : ( 38 ) ولقد خلقنا السماوات . . . . .
( ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف وغيرها ( وما مسنا من لغوب ) اللغوب التعب والإعياء تقول لغب يلغب بالضم لغوبا قال الواحدي قال جماعة المفسرين إن اليهود قالوا خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة واستراح السبت فأكذبهم الله تعالى بقوله ( وما مسنا من لغوب
ق : ( 39 ) فاصبر على ما . . . . .
(فاصبر على ما يقولون ) هذه تسلية للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأمر لهم بالصبر على ما يقوله المشركون أي هون عليك ولا تحزن لقولهم وتلق ما يرد عليك منه بالصبر ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ) أي نزه الله عما لا يليق بجنابة العالي ملتبسا بحمده وقت الفجر ووقت العصر وقيل المراد صلاة الفجر وصلاة العصر وقيل الصلوات الخمس وقيل صل ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها والأول أولى
ق : ( 40 ) ومن الليل فسبحه . . . . .
( ومن الليل فسبحه ) من للتبعيض أي سبحه بعض الليل وقيل هي صلاة الليل وقيل ركعتا الفجر وقيل صلاة العشاء والأول أولى ( وإدبار السجود ) أي وسبحه أعقاب الصلوات قرأ الجمهور أدبار بفتح الهمزة جمع دبر وقرأ


"""""" صفحة رقم 81 """"""
نافع وأبن كثير وهمزة بكسرها على المصدر من أدبر الشيء إدبارا إذا ولى وقال جماعة من الصحابة والتابعين إدبار السجود الركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وقد اتفق القراء السبعة في إدبار النجوم أنه بكسر الهمزة كما سيأتي
ق : ( 41 ) واستمع يوم يناد . . . . .
( واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ) أي استمع ما يوحي إليك من أحوال القيامة يوم ينادي المناد وهو إسرافيل أو جبريل وقيل استمع النداء أو الصوت أو الصيحة وهي صيحة القيامة أعنى النفخة الثانية في الصور من إسرافيل وقيل ينفخ وجبريل ينادي أهل المحشر ويقول هلموا للحساب فالنداء على هذا في المحشر قال مقاتل هو إسرافيل ينادي بالحشر فيقول يا أيها الناس هلموا للحساب ( من مكان قريب ) بحيث يصل النداء إلى كل فرد من أفراد أهل المحشر قال قتادة كنا نحدث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس قال الكلبي وهي أقرب الأرض إلى السماء بأثنى عشر ميلا وقال كعب بثمانية عشر ميلا
ق : ( 42 ) يوم يسمعون الصيحة . . . . .
( يوم يسمعون الصيحة بالحق ) هو بدل من يوم ينادي يعني صيحة البعث وبالحق متعلق بالصيحة ( ذلك يوم الخروج ) أي يوم الخروج من القبور قال الكلبي معنى بالحق بالبعث وقال مقاتل يعني أنها كائنة حقا
ق : ( 43 ) إنا نحن نحيي . . . . .
( إنا نحن نحيى ونميت ) أي نحيى في الآخرة ونميت في الدنيا لا يشاركنا في ذلك مشارك والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث ( وإلينا المصير ) فنجازى كل عامل بعمله
ق : ( 44 ) يوم تشقق الأرض . . . . .
( يوم تشقق الأرض عنهم ) قرأ الجمهور بإدغام التاء في الشين وقرأ الكوفيون بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين تخفيفا وقرأ زيد بن علي تتشقق بإثبات التاءين على الأصل وقرئ على البناء للمفعول وانتصاب ( سراعا ) على أنه حال من الضمير في عنهم والعامل في الحال تشقق وقيل العامل في الحال هو العامل في يوم أي مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم ( ذلك حشر ) أي بعث وجمع 0 علينا يسير ) هين
ق : ( 45 ) نحن أعلم بما . . . . .
ثم عزى الله سبحانه نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ( نحن أعلم بما يقولون ) يعني من تكذيبك فيما جئت به ومن إنكار البعث والتوحيد ( وما أنت عليهم بجبار ) أي بمسلط يجبرهم ويقهرهم على الإيمان والآية منسوخة بآية السيف فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) أي من يخاف وعيدي لعصاني بالعذاب وأما من عداهم فلا تشتغل بهم ثم أمره الله سبحانه بعد ذلك بالقتال
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن جرير عن أبن عباس ( وما مسنا من لغوب ) قال من نصب وأخرج الطبراني في الأوسط وأبن عساكر عن جرير بن عبد الله عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ) صلاة الصبح ( وقبل الغروب ) صلاة العصر وأخرج الترمذي وأبن جرير وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبن عباس قال بت عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر ثم خرج إلى الصلاة فقال يابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر ادبار النجوم وركعتان بعد المغرب إدبار السجود ) وأخرج مسدد في مسنده وأبن المنذر وأبن مردويه عن علي بن أبي طالب قال سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن إدبار النجوم وإدبار السجود فقال إدبار السجود ركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل الغداة واخرج محمد بن نصر في الصلاة وأبن المنذر عن عمر بن الخطاب إدبار السجود ركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر وأخرج سعيد بن منصور وأبن أبي شيبة وأبن نصر وأبن جرير وأبن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب مثله وأخرج أبن أبي شيبة وأبن نصر وأبن جرير وأبن المنذر وبن مزدوية عن أبي هريرة مثله وأخرج البخاري وغيره عن مجاهد قال قال ابن عباس أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها وأخرج أبن جرير عنه ( واستمع يوم يناد المناد ) قال هي الصيحة واخرج الواسطي عنه أيضا ( من مكان قريب ) قال من صخرة بيت المقدس وأخرج أبن أبي حاتم وأبن


"""""" صفحة رقم 82 """"""
المنذر عنه أيضا ( ذلك يوم الخروج ) قال يوم يخرجون إلى البعث من القبور واخرج أبن جرير عنه أيضا قال قالوا يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد )
ع51
تفسير
سورة الذاريات هي ستون آية وهي مكية قال القرطبي في قول الجميع وأخرج أبن الضريس والنحاس وأبن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبن عباس قال نزلت سورة الذاريات بمكة وأخرج أبن مردويه عن ابن الزبير مثله
سورة الذاريات ( 1 24
الذاريات : ( 1 ) والذاريات ذروا
قوله ( والذاريات ذروا ) يقال ذرت ذات الريح التراب تذروه ذروا وأذرته تذرية ذريا أقسم سبحانه بالرياح التي تذري التراب وانتصار ذروا على المصدرية والعامل فيها اسم الفاعل والمفعول محذوف قرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام تاء الذاريات في ذال ذروا وقرأ الباقون بدون إدغام وقيل المقسم به مقدر وهو رب الذاريات وما بعدها والأول أولى
الذاريات : ( 2 ) فالحاملات وقرا
( فالحاملات وقرا ) هي السحاب تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع الوقر وانتصاب وقرا على أنه مفعول به كما يقال حمل فلان عدلا ثقيلا وقرأ الجمهور بكسر الواو اسم ما يوقر أي يحمل وقرئ بفتحها على أنه مصدر والعامل فيه أسم الفاعل أو على تسمية المحمول بالمصدر مبالغة
الذاريات : ( 3 ) فالجاريات يسرا
( فالجاريات يسرا ) هي السفن الجارية في البحر بالرياح جريا سهلا وانتصاب يسرا على المصدرية أو صفة لمصدر محذوف أو على الحال أي جريا ذا يسر وقيل هي الرياح وقيل السحاب والأول أولى واليسر السهل في كل شئ


"""""" صفحة رقم 83 """"""
الذاريات : ( 4 ) فالمقسمات أمرا
( فالمقسمات أمرا ) هي الملائكة التي تقسم الأمور قال الفراء تأتي بأمر مختلف جبريل بالغلظة وميكائيل صاحب الرحمة وملك الموت يأتي بالموت وقيل تأتي بأمر مختلف من الجدب والخصب والمطر والموت والحوادث وقيل هي السحب التي يقسم الله بها أمر العباد وقيل إن المراد بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات الرياح فإنها توصف بجميع ذلك لأنها تذرو التراب وتحمل السحاب وتجري في الهواء وتقسم الأمطار وهو ضعيف جدا وانتصاب أمرا على المفعول به وقيل على الحال أي مأمورة والأول أولى
الذاريات : ( 5 - 6 ) إنما توعدون لصادق
( إنما توعدون لصادق ) هذا جواب القسم أي إنما توعدون من الثواب والعقاب لكائن لا محالة و ( ما ) يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف وأن تكون مصدرية ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها كونها أمورا بديعة مخالفة لمقتضى العادة فمن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود به
الذاريات : ( 7 ) والسماء ذات الحبك
( والسماء ذات الحبك ) قرأ الجمهور الحبك بضم الحاء والباء وقرئ بضم الحاء وسكون والباء وبكسر الحاء وفتح الباء وبكسر الحاء وضم الباء قال أبن عطية هي لغات والمراد بالسماء هنا هي المعروفة وقيل المراد بها السحاب والأول أولى واختلف المفسرون في تفسير الحبك فقال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم المعنى ذات الخلق المستوى الحسن قال أبن الأعرابي كل شئ أحكمته وأحسنت عمله فقد حبكته وامتبكة وقال الحسن وسعيد بن جبير ذات الزينة وروى عن الحسن أيضا أنه قال ذات النجوم وقال الضحاك ذات الطرائق وبه قال الفراء يقال لما تراه من الماء والرمل إذا أصابته الريح حبك قال الفراء الحبك بكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة والماء إذا مرت به الريح ويقال لدرع الحديد حبك ومنه قول الشاعر كأنما جللها الحواك
طنفسة في وشيها حباك
أي طرق وقيل الحبك الشدة والمعنى والسماء ذات الشدة والمحبوك الشديد الخلق من فرس أو غيره ومنه قول الشاعر قد غدا يحملني في أنفه
لاحق الأطلين محبوك ممر
وقول الآخر مرج الدين فأعددت له
مشرف الحارك محبوك الكتد
قال الواحدي بعد حكاية القول الأول هذا قول الأكثرين
الذاريات : ( 8 ) إنكم لفي قول . . . . .
( إنكم لفى قول مختلف ) هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك أي أنكم يا أهل مكة لفى قول مختلف متناقض في محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بعضكم يقول إنه شاعر وبعضكم يقول إنه ساحر وبعضكم يقول إنه مجنون ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة تشبيه أقوالهم في اختلافها بالختلاف طرائق السماء واستعمال الحبك في الطرائق هو الذي عليه أهل اللغة وإن كان الأكثر من المفسرين على خلافه على إنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا وذلك بأن يقال إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سببا لمزيد حسنها واستواء خلقها وحصول الزينة فيها ومزيد القوة لها وقيل إن المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ينفى الحشر وبعضهم يشك فيه وقيل كونهم يقرون أن الله خالقهم ويعبدون الأصنام
الذاريات : ( 9 ) يؤفك عنه من . . . . .
( يؤفك عنه من أفك ) أي يصرف عن الإيمان برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبما جاء به أو عن الحق وهو البعث والتوحيد من صرف وقيل يصرف عن ذلك الاختلاف من صرفه الله عنه بالعصمة والتوفيق يقال افكه يأفكه إفكا أي قلبه عن الشيء وصرفه عنه ومنه قوله تعالى قالوا أجئتنا لتأفكنا وقال مجاهد يؤمن عنه من أفن والأفن فساد العقل وقيل يحرمه من حرم وقال قطرب يجدع عنه من جدع وقال اليزيدي يدفع عنه من دفع
الذاريات : ( 10 ) قتل الخراصون
( قتل الخراصون ) هذا دعاء عليهم وحكى الواحدي عن


"""""" صفحة رقم 84 """"""
المفسرين جميعا أن المعنى لعن الكذابون قال ابن الأنباري والقتل إذا أخبر به عن الله كان بمعنى اللعن لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك قال الفراء معنى قتل لعن والخراصون الكذابون الذين يتخرصون فيما لا يعلمون فيقولون إن محمدا مجنون كذاب شاعر ساحر قال الزجاج الخراصون هم الكذابون والخرص حزر ما على النخل من الرطب تمرا والخراص الذي يخرصها وليس هو المراد هنا
الذاريات : ( 11 ) الذين هم في . . . . .
ثم قال ( الذين هم في غمرة ساهون ) أي في غفلة وعمى جهالة عن أمور الآخرة ومعنى ساهون لاهون غافلون والسهو الغفلة عن الشيء وذهابه عن القلب وأصل الغمرة ما ستر الشيء وغطاه ومنها غمرات الموت
الذاريات : ( 12 ) يسألون أيان يوم . . . . .
( يسألون أيان يوم الدين ) أي يقولون متى يوم الجزاء تكذيبا منهم واستهزاء
الذاريات : ( 13 ) يوم هم على . . . . .
ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال ( يوم هم على النار يفتنون ) أي يحرقون ويعذبون يقال فتنت الذهب إذا أحرقته لتختبره وأصل الفتنة الاختبار قال عكرمة ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن وانتصاب يوم بمضمر أي الجزاء يوم هم على النار ويجوز أن يكون بدلا من يوم الدين والفتح للبناء لكونه مضافا إلى الجملة وقيل هو منصوب بتقدير أعنى وقرأ ابن أبي عبلة برفع يوم على البدل من يوم الدين
الذاريات : ( 14 ) ذوقوا فتنتكم هذا . . . . .
وجملة ( ذوقوا فتنتكم ) هي بتقدير القول أي يقال لهم ذوقوا عذابكم قاله ابن زيد وقال مجاهد حريقكم ورجح الأول الفراء وجملة ( هذا الذي كنتم به تستعجلون ) من جملة ما هو محكي بالقول أي هذا ما كنتم تطلبون تعجيله استهزاء منكم وقيل هي بدل من فتنتكم
الذاريات : ( 15 ) إن المتقين في . . . . .
( إن المتقين في جنات وعيون ) لما ذكر سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة أي هم في بساتين فيها عيون جارية لا يبلغ وصفها الواصفون
الذاريات : ( 16 ) آخذين ما آتاهم . . . . .
( آخذين ما آتاهم ربهم ) أي قابلين ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة وجملة ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) تعليل لما قبلها أي لأنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم الصالحة من فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه
الذاريات : ( 17 ) كانوا قليلا من . . . . .
ثم بين إحسانهم الذي وصفهم به فقال ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) الهجوع النوم بالليل دون النهار والمعنى كانوا قليلا ما ينامون من الليل وما زائدة ويجوز أن تكون مصدرية أو موصولة أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت قد حصت البيضة رأسي
فما أطعم نوما غير تهجاع
والتهجاع القليل من النوم ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب
أمن ريحانة الداعي السميع يهيجني وأصحابي هجوع
وقيل ما نافية أي ما كانوا ينامون قليلا من الليل فكيف بالكثير منه وهذا ضعيف جدا وهذا قول من قال إن المعنى كان عددهم قليلا ثم ابتدأ فقال ( ما يهجعون ) وبه قال ابن الأنباري وهو أضعف مما قبله وقال قتادة في تفسير هذه الآية كانوا يصلون بين العشاءين وبه قال أبو العالية وابن وهب
الذاريات : ( 18 ) وبالأسحار هم يستغفرون
( وبالأسحار هم يستغفرون ) أي يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم قال الحسن مدوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار وقال الكلبي ومقاتل ومجاهد هم بالأسحار يصلون وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة وقال الضحاك هي صلاة الفجر
الذاريات : ( 19 ) وفي أموالهم حق . . . . .
ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) أي يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقا للسائل والمحروم تقربا إلى الله عز وجل وقال محمد بن سيرين وقتادة الحق هنا الزكاة المفروضة والأول أولى فيحمل على صدقة النفل وصلة الرحم وقرى الضيف لأن السورة مكية والزكاة لا تفرض إلا بالمدينة وسيأتي في سورة سأل سائل وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم بزيادة معلوم والسائل هو الذي يسأل الناس لفاقته


"""""" صفحة رقم 85 """"""
واختلف في تفسير المحروم فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنيا فلا يتصدقون عليه وبه قال قتادة والزهري وقال الحسن ومحمد أبن الحنفية هو الذي لا سهم له في الغنيمة ولا يجري عليه من الفيء شئ وقال زيد بن أسلم هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماشيته قال القرطبي هو الذي أصابته الجائحة وقيل الذي لا يكتسب وقيل هو الذي لا يجد غني يغنيه وقيل هو الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه وقيل هو المملوك وقيل الكلب وقيل غير ذلك قال الشعبي لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ والذي ينبغي التعويل عليه ما يدل عليه المعنى اللغوي والمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته ومن حرم العطاء ومن حرم الصدقة لتعففه
الذاريات : ( 20 ) وفي الأرض آيات . . . . .
ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده وصدق وعده ووعيده فقال ( وفي الأرض آيات للموقنين ) أي دلائل واضحة وعلامات ظاهرة من الجبال والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة المكذبة لما جاءت به رسل الله ودعتهم إليه وخص الموقنين بالله لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه فينتفعون به
الذاريات : ( 21 ) وفي أنفسكم أفلا . . . . .
( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) أي وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرسل فإنه خلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن ينفخ فيه الروح ثم تختلف بعد ذلك صورهم وألوانهم وطبائعهم وألسنتهم ثم نفس خلقهم على هذه الصفة العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجاري ومنافس ومعنى ( أفلا تبصرون ) أفلا تنظرون بعين البصيرة فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المتفرد بالألوهية وأنه لا شريك له ولا ضد ولا ند وأن وعده الحق وقوله الحق وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه وقيل المراد بالأنفس الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات
الذاريات : ( 22 ) وفي السماء رزقكم . . . . .
( وفي السماء رزقكم ) أي سبب رزقكم وهو المطر فإنه سبب الأرزاق قال سعيد أبن جبير والضحاك الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج وقيل المراد بالسماء السحاب أي وفي السحاب رزقكم وقيل المراد بالسماء المطر وسماه سماء لأنه ينزل من جهتها ومنه قول الشاعر إذا نزل السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا
وقال أبن كيسان يعني وعلى رب السماء رزقكم قال ونظيره وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وهو بعيد وقال سفيان الثوري أي عند الله في السماء رزقكم وقيل المعنى وفي السماء تقدير رزقكم قرا الجمهور رزقكم بالأفراد وقرأ يعقوب وأبن محيصن ومجاهد أرزاقكم بالجمع ( وما توعدون ) من الجنة والنار قاله مجاهد قال عطاء من الثواب العقاب وقال الكلبي من الخير والشر قال أبن سيرين ما توعدون من أمر الساعة وبه قال الربيع والأولى الحمل على ما هو أعم من هذه الأقوال فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء والقضاء والقدر ينزل منها والجنة والنار فيها
الذاريات : ( 23 ) فورب السماء والأرض . . . . .
ثم أقسم سبحانه بنفسه فقال ( فورب السماء والأرض إنه الحق ) أي ما أخبركم به في هذه الآيات قال الزجاج هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات قال الكلبي يعني ما قص في الكتاب وقال مقاتل يعني من أمر الساعة وقيل إن ما في قوله ( وما توعدون ) مبتدأ وخبره فورب السماء والأرض إنه لحق فيكون الضمير لما ثم قال سبحانه ( مثل ما أنكم تنطقون ) قرأ الجمهور بنصب مثل على تقدير كمثل نطقكم وما زائدة كذا قال بعض الكوفيون إنه منصوب بنزع الخافض وقال الزجاج والفراء يجوز أن ينتصب على التوكيد أي لحق حقا مثل نطقكم وقال المازنى إن


"""""" صفحة رقم 86 """"""
مثل مع ما بمنزلة شئ واحد فبني على الفتح وقال سيبويه هو مبني لإضافته إلى غير متمكن واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر والأعمش مثل بالرفع على إنه صفة لحق لأن مثل نكره وإن أضيفت فهي لا تتعرف بالإضافة كغير ورجح قول المازنى أبو على الفارسي قال ومثله قول حميد وويحا لمن لم يدر ما هن ويحما فبنى ويح مع ما ولم يلحقه التنوين ومعنى الآية تشبيه تحقيق ما أخبر الله عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوه وهذا كما تقول إنه لحق كما أنك ها هنا وإنه لحق كما أنك تتكلم والمعنى أنه في صدقة ووجوده كالذي تعرفه ضرورة
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وإبن الأنباري والدارقطني في الأفراد والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله ( والذاريات ذروا ) قال الرياح ( فالحاملات وقرا ) قال السحاب ( فالجاريات يسرا ) قال السفن ( فالمقسمات أمرا ) قال الملائكة واخرج البزار والدارقطني في الإفراد وأبن مردويه وأبن عساكر عن عمر بن الخطاب مثله ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم وفي إسناده أبو بكر بن سبرة وهو لين الحديث وسعيد بن سلام وليس من صحاب الحديث كذا قال البزار قال أبن كثير فهذا الحديث ضعيف رفعه وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر وأخرج الفريابي وأبن مردويه عن أبن عباس مثل قول على وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبن عباس ( والسماء ذات الحبك ) قال حسنها واستواؤها وأخرج أبن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه في الآية قال ذات البهاء والجمال وإن بنيانها كالبرد المسلسل وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه قال ذات الخلق الحسن وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبن عمر مثله واخرج أبن منيع عن علي قال هي السماء السابعة واخرج أبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( يؤفك عنه من أفك ) قال يضل عنه من ضل وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا ( قتل الخراصون ) قال لعن المرتابون وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه أيضا قال هم الكهنة ( الذين هم في غمرة ساهون ) قال في غفلة لاهون وأخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا قال الغمرة الكفر والشك وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه قال في ضلالتهم يتمادون وفي قوله ( يوم هم على النار يفتنون ) قال يعذبون وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله ( آخذين ما أتاهم ربهم ) قال الفرائض ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) قال قبل أن تنزل الفرائض يعملون وأخرج هؤلاء أيضا والحاكم وصححه أبن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) قال ما تأتي عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا إلا يصلون فيها واخرج أبن نصر وأبن جرير وابن المنذر عنه أيضا في الآية يقول قليلا ما كانوا ينامون وأخرج أبو داود وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس في الآية قال كانوا يصلون بين المغرب والعشاء واخرج عبد الرزاق وأبن أبي شيبة وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عن أبن عمر ( وبالأسحار هم يستغفرون ) قال يصلون وأخرج أبن أبي حاتم عن أبن عباس ( في أموالهم حق ) قال سوى الزكاة يصل بها رحما أو يقري بها ضيفا أو يعين بها محروما وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه قال السائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي ليس له سهم من فئ المسلمين واخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا قال المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه ولا يسأل الناس فامر الله المؤمنين برفده واخرج أبن أبي حاتم عن عائشة في الآية قالت المحارف الذي لا يكاد


"""""" صفحة رقم 87 """"""
يتيسر له مكسبه وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي صلى الله عليه وإله وسلم عن هذه الآية قال إن في المال حقا سوى الزكاة وتلا هذه الآية ليس البر أن تولوا وجوهكم إلى قوله وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة واخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن الزبير في قوله ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) قال سبيل الغائط والبول
سورة الذاريات ( 24 37
الذاريات : ( 24 ) هل أتاك حديث . . . . .
قوله ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) ذكر سبحانه قصة إبراهيم ليبين أنه أهلك بسبب التكذيب من أهلك وفي الأستفهام تنبيه على أن هذا الحديث ليس مما قد علم به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه إنما علمه بطريق الوحي وقيل إن هل بمعنى قد كما في قوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر والضيف مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة وقد تقدم الكلام على قصة ضيف إبراهيم في سورة هود وسورة الحجر والمراد بكونهم مكرمين إنهم مكرمون عند الله سبحانه لأنهم ملائكة جاؤوا إليه في صورة بني آدم كما قال تعالى في وصفهم في آية أخرى بل عباد مكرمون وقيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وقال مقاتل ومجاهد أكرمهم إبراهيم وأحسن إليهم وقام على رؤوسهم وكان لا يقوم على رؤوس الضيف وأمر أمرأته أن تخدمهم وقال الكلبي أكرمهم بالعجل
الذاريات : ( 25 ) إذ دخلوا عليه . . . . .
( إذ دخلوا عليه ) العامل في الظرف حديث أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه أو العامل فيه ضيف لأنه مصدر أو العامل فيه المكرمين أو العامل فيه فعل مضمر أي أذكر ( فقالوا سلاما ) أي نسلم عليك سلاما ( قال سلام 9 أي قال إبراهيم سلام قرأ الجمهور بنصب سلاما الأول ورفع الثاني فنصب الأول على المصدرية بتقدير الفعل كما ذكرنا والمراد به التحية ويحتمل أن يكون المعنى فقالوا كلاما حسنا لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو فيكون على هذا مفعولا به وأما الثاني فرفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي عليكم سلام وعدل به إلى الرفع لقصد إفادة الجملة الأسمية للدوام والثبات بخلاف الفعلية فإنها لمجرد التجدد والحدوث ولهذا قال أهل المعاني إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة وقرئ بالرفع في الموضعين وقرئ بالنصب فيهما وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بكسر السين وقرئ سلم فيها قوم


"""""" صفحة رقم 88 """"""
منكرون ) ارتفاع قوم على أنه خبر مبتدأ محذوف أي أنتم منكرون قيل إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به لأن ذلك يخالف الإكرام قيل إنه أنكرهم لكونهم ابتدؤوا بالسلام ولم يكن ذلك معهودا عند قومه وقيل لأنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية وقيل لأنه رآهم على غير صورة الملائكة الذين يعرفهم وقيل غير ذلك
الذاريات : ( 26 ) فراغ إلى أهله . . . . .
( فراغ إلى أهله ) قال الزجاج أي عدل إلى أهله وقيل ذهب إليهم في خفية من ضيوفه والمعنى متقارب وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات يقال راغ وارتاغ بمعنى طلب وماذا يريغ أي يريد ويطلب وأراغ إلى كذا مال إليه سرا وحاد ( فجاء بعجل سمين ) أي فجاء حنيفه بعجل قد شواه لهم كما في سورة هود بعجل حنيد وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة أي فذبح عجلا فحنذه فجاء به
الذاريات : ( 27 ) فقربه إليهم قال . . . . .
( فقربه إليهم ) أي قرب العجل إليهم ووضعه بين أيديهم فقال ( ألا تأكلون ) الاستفهام للإنكار وذلك أنه لما قربه إليهم لم يأكلوا منه قال في الصحاح العجل ولد البقر والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة وقيل العجل في بعض اللغات الشاة
الذاريات : ( 28 ) فأوجس منهم خيفة . . . . .
( فأوجس منهم خيفة ) أي أحس في نفسه خوفا منهم لما لم يأكلوا مما قربه إليهم وقيل معنى أوجس أضمر وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمنا منه فظن إبراهيم أنهم جاءوا للشر ولم يأتوا للخير وقيل إنه وقع في قلبه أنهم ملائكة فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف ( قالوا لا تخف ) وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه ( وبشروه بغلام عليم ) أي بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق وقال مجاهد وحده إنه إسماعيل وهو مردود بقوله وبشرناه بإسحاق وقد قدمنا تحقيق هذا المقام بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره
الذاريات : ( 29 ) فأقبلت امرأته في . . . . .
( فأقبلت امرأته في صرة ) لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان وإنما هو كقولك أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي كذا قال الفراء وغيره والصرة الصيحة والضجة وقبل الجماعة من الناس قال الجوهري الصرة الضجة والصيحة والصرة الجماعة والصرة الشدة من كرب أو غيره والمعنى أنها أقبلت في صيحة أو في ضجة أو في جماعة من الناس يستمعون كلام الملائكة ومن هذا قول امرؤ القيس فالحقه بالهاديات ودونه
جراجرها في صرة لم تزيل
وقوله ( في صرة ) في محل نصب على الحال ( فصكت وجهها ) أي ضربت بيدها على وجهها كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب قال مقاتل الكلبي جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا ومعنى الصك ضرب الشيء بالشيء العريض يقال صكه أي ضربه ( وقالت عجوز عقيم ) أي كيف الد وأنا عجوز عقيم استبعدت ذلك لكبر سنها ولكونها عقيما لا تلد
الذاريات : ( 30 ) قالوا كذلك قال . . . . .
( قالو كذلك قال ربك ) أي كما قلنا لك وأخبرناك قال ربك فلا تشكي في ذلك ولا تعجبي منه فإن ما إرادة الله كائن لا محالة ولم نقل ذلك من جهة أنفسنا وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة وإبراهيم أبن مائة سنة وقد سبق بيان هذا مستوفي وجملة ( إنه هو الحكيم العليم ) تعليل لما قبلها أي حكيم في أفعاله وأقواله عليم بكل شيء
الذاريات : ( 31 ) قال فما خطبكم . . . . .
وجملة ( قال فما خطبكم أيها المرسلون ) مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة والخطب الشأن والقصة والمعنى فما شأنكم وما قصتكم أيها المرسلون من جهة الله وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة
الذاريات : ( 32 ) قالوا إنا أرسلنا . . . . .
( قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) يريدون قوم لوط
الذاريات : ( 33 ) لنرسل عليهم حجارة . . . . .
( لنرسل عليهم حجارة من طين ) أي لنرجمهم بحجارة من طين متحجر
الذاريات : ( 34 ) مسومة عند ربك . . . . .
وانتصاب ( مسومة ) على الصفة لحجارة أو على الحال في الضمير والمسكنن في الجار والمجرور أو من الحجارة لكونها قد وصفت بالجار والمجرور ومعنى ( مسومة ) معلمة بعلامات تعرف بها قيل كانت


"""""" صفحة رقم 89 """"""
مخططة بسواد وبياض وقيل بسواد وحمرة وقيل معروفة بأنها حجارة العذاب وقيل مكتوب على كل حجر من يهلك بها وقوله ( عند ربك ) ظرف لمسومة أي معلمة عنده ( للمسرفين ) المتمادين في الضلالة المجاوزين الحد في الفجور وقال مقاتل للمشركين والشرك أسرف الذنوب وأعظمها
الذاريات : ( 35 ) فأخرجنا من كان . . . . .
( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) هذا كلام من جهة الله سبحانه أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به
الذاريات : ( 36 ) فما وجدنا فيها . . . . .
( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) أي غير اهل بيت يقال بيت شريف ويراد به أهله قيل وهم أهل بيت لوط والإسلام الانقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه فكل مؤمن مسلم ومن ذلك قوله قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا وقد أوضح الفرق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين الأسلام والإيمان في الحديث في الصحيحين وغيرهما الثابت من طرق أنه سئل عن الإسلام فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان وسئل عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة مختلة متناقضة وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية والحقيقة الشرعية هي هذه التي اخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأجاب سؤال السائل له عن ذلك بها
الذاريات : ( 37 ) وتركنا فيها آية . . . . .
( وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ) أي وتركنا في تلك القرى علامة ودلالة تدل على ما أصابهم من العذاب كل من يخاف عذاب الله ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم وهذه الآية هي آثار العذاب في تلك القرى فإنها ظاهرة بينة وقيل هي الحجارة التي رجموا بها وإنما خص الذين يخافون العذاب الأليم لأنهم الذين يتعظون بالمواعظ ويتفكرون في الآيات دون غيرهم ممن لا يخاف ذلك وهم المشركون المكذبون بالبعث والوعد والوعيد
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عن عباس في قوله ( في صرة ) قال في صيحة ( فصكت وجهها ) قال لطمت وأخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) قال لوط وابنتيه وأخرج أبن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال كانوا ثلاثة عشر


"""""" صفحة رقم 90 """"""
سورة الذاريات ( 38 60
الذاريات : ( 38 ) وفي موسى إذ . . . . .
قوله ( وفي موسى ) معطوف على قوله فيها بإعادة الخافض والتقدير وتركنا في قصة موسى آية أو معطوف على وفي الأرض والتقدير وفي الأرض وفي موسى آيات قاله الفراء وأبن عطية والزمخشري قال أبو حيان وهو بعيد جدا ينزه القرآن عن مثله ويجوز أن يكون متعلقا بجعلنا مقدرا لدلالة وتركنا عليه قيل ويجوز أن يعطف على تركنا على طريقة قول القائل علفتها تبنا وماء باردا والتقدير وتركنا فيها آية وجعلنا في موسى آية قال أبو حيان ولا حاجة إلى إضمار وجعلنا لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور وتركنا والوجه الأول هو الأولى وما عداه متكلف متعسف لم تلجئ إليه حاجة ولا دعت إليه ضرورة ( إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ) الظرف متعلق بمحذوف هو نعت لآية أي كائنة وقت أرسلناه أو بآية نفسها والأول أولى والسلطان المبين الحجة الظاهرة الواضحة وهي العصى وما معها من الآيات
الذاريات : ( 39 ) فتولى بركنه وقال . . . . .
( فتولى بركنه ) التولي الإعراض والركن الجانب قاله الأخفش والمعنى أعرض بجانبه كما في قوله أعرض ونأى بجانبه قال الجوهري ركن الشيء جانبه الأقوى وهو ياوى إلى ركن شديد أي عز ومنعه وقال أبن زيد ومجاهد وغيرهما الركن جمعة جنوده الذين كان يتقوى بهم ومنه قوله تعالى أو آوى إلى ركن شديد أي عشيرة ومنعة وقيل الركن نفس القوة وبه قال قتادة وغيره ومنه قول عنترة فما أوهى مراس الحرب ركني
ولكن ما تقادم من زماني
وقال ساحر أو مجنون ) أي قال فرعون في حق موسى هو ساحر أو مجنون فردد فيما رآه من أحوال موسى بين كونه ساحرا أو مجنونا وهذا من اللعين مغالطة وإيهام لقومه فإنه يعلم أن ما رآه من الخوارق لا يتيسر على يد ساحر ولا يفعله من به جنون وقيل بإن أو بمعنى الواو لأنه قد قال ذلك جميعا ولم يتردد قاله المؤرخ والفراء كقوله ولا تطع منهم آثما أو كفورا
الذاريات : ( 40 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم . . . . .
( فأخذناه وجنود فنبذناهم في اليم ) أي طرحناهم في البحر وجملة ( وهو مليم ) في محل نصب على الحال أي آت بما يلام عليه حين ادعى الربوبية وكفر بالله وطغى في عصيانه
الذاريات : ( 41 ) وفي عاد إذ . . . . .
( وفي عاد ) أي وتركنا في قصة عاد آية ( إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ) وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا


"""""" صفحة رقم 91 """"""
تحمل مطرا إنما هي ريح الإهلاك والعذاب
الذاريات : ( 42 ) ما تذر من . . . . .
ثم وصف سبحانه هذه الريح فقال ( ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ) أي ما تذر من شيء مرت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا جعلته كالشيء الهالك الهالك البالي قال الشاعر تركتني حين كف الدهر من بصري
وإذ بقيت كعظم الرمة البالي
وقال قتادة إنه الذي ديس من يابس النبات وقال السدي وأبو العالية إنه التراب المدقوق وقال قطرب إنه الرماد وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلى فهو رميم والرمة العظام البالية
الذاريات : ( 43 ) وفي ثمود إذ . . . . .
( وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين ) ( أي وتركنا في قصة ثمود آية وقت قلنا لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إلى حين وقت الهلاك وهو ثلاثة أيام كما في قوله تمتعوا في داركم ثلاثة أيام
الذاريات : ( 44 ) فعتوا عن أمر . . . . .
( فعتوا عن أمر ربهم ) أي تكبروا عن امتثال أمر الله ( فأخذتهم الصاعقة ) وهي كل عذاب مهلك قرأ الجمهور الصاعقة وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وأبن محيصن ومجاهد والكسائي الصعقة وقد مر الكلام على الصاعقة في البقرة وفي مواضع ( وهم ينظرون ) أي يرونها عيانا والجملة في محل نصب على الحال وقيل إن المعنى ينتظرون ما وعدوه من العذاب والأول أولى
الذاريات : ( 45 ) فما استطاعوا من . . . . .
( فما استطاعوا من قيام ) أي لم يقدروا على القيام قال قتادة من نهوض يعني لم ينهضوا من تلك الصرعة والمعنى أنهم عجزوا عن القيام فضلا عن الهرب ومثله قوله فأصبحوا في دارهم جاثمين ( وما كانوا منتصرين ) أي ممتنعين من عذاب الله بغيرهم
الذاريات : ( 46 ) وقوم نوح من . . . . .
( وقوم نوح من قبل ) أي من قبل هؤلاء المهلكين فإن زمانهم متقدم على زمن فرعون وعاد وثمود ( إنهم كانوا قوما فاسقين ) أي خارجين عن طاعة الله قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وبخفض قوم أي وفي قوم نوح آية وقرأ الباقون بالنصب أي وأهلكنا قوم نوح أو هو معطوف على مفعول أخذتهم الصاعقة أو على مفعول نبذناهم أي نبذناهم ونبذنا قوم نوح أو يكون العامل فيه اذكر
الذاريات : ( 47 ) والسماء بنيناها بأيد . . . . .
( والسماء بنيناها بأيد ) أي بقوة وقدرة قرأ الجمهور بنصب السماء على الأشتغال والتقدير وبنينا السماء بنيناها وقرأ أبو السماك وأبن مقسم برفعها على الإبتداء ( وإنا لموسعون ) الموسع ذو الوسع والسعة والمعنى إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك وقيل لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والقدرة وقيل إنا لموسعون الرزق بالمطر قال الجوهري وأوسع الرجل صار ذا سعة وغنى
الذاريات : ( 48 ) والأرض فرشناها فنعم . . . . .
( والأرض فرشناها ) قرأ الجمهور بنصب الأرض على الأشتغال وقرأ أبو السماك وأبن مقسم برفعها كما نقدم في قوله ( والسماء بنيناها ) ومعنى فرشناها بسطناها كالفراش ( فنعم الماهدون ) أي نحن يقال مهدت الفراش بسطته ووطأته وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها
الذاريات : ( 49 ) ومن كل شيء . . . . .
( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) أي صنفين ونوعين من ذكر وأنثى وبر وبحر وشمس وقمر وحلو ومر وسماء وأرض وليل ونهار ونور وظلمة وجن وإنس وخير وشر ( لعلكم تذكرون ) أي خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا فتعرفوا أنه خالق كل شيء وتستدلوا بذلك على توحيده وصدق وعده ووعيده
الذاريات : ( 50 ) ففروا إلى الله . . . . .
( ففروا إلى الله أني لكم منه نذير مبين ) أي قل لهم يا محمد ففروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي وجملة ( إني لكم منه نذير مبين ) تعليل للأمر بالفرار وقيل معنى ( ففروا إلى الله ) أخرجوا من مكة وقال الحسين بن الفضل احترزوا من كل شيء غير الله فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه وقيل فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن وقيل فروا من الجهل إلى العلم ومعنى ( إني لكم منه ) أي من جهته منذر بين الإنذار
الذاريات : ( 51 ) ولا تجعلوا مع . . . . .
( ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) نهاهم عن الشرك بالله بعد أمرهم بالفرار إلى الله وجملة ( إني لكم منه نذير مبين ) تعليل للنهي ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر أو مجنون ) في هذا تسلية لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة


"""""" صفحة رقم 92 """"""
وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله ووصفه بالسحر والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم
الذاريات : ( 52 ) كذلك ما أتى . . . . .
و ( كذلك في محل رفع على إنه خبر مبتدأ محذوف ) أي الأمر كذلك ثم فسر ما أجمله بقوله ( ما أتى ) الخ أو في محل نصب نعتا لمصدر محذوف أي أنذركم كإنذار من تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم والأول أولى
الذاريات : ( 53 ) أتواصوا به بل . . . . .
( أتواصوا به ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم أي هل أوصي أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطئوا عليه ( بل هم قوم طاغون ) إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان أي لم يتواصوا بذلك بل جمعهم الطغيان وهو مجاوزة الحد في الكفر
الذاريات : ( 54 ) فتول عنهم فما . . . . .
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وإله وسلم بالإعراض عنهم فقال ( فتولى عنهم ) أي أعرض عنهم وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته ( فما أنت بملوم ) عند الله بعد هذا لأنك قد أديت ما عليك وهذا منسوخ بآية السيف
الذاريات : ( 55 ) وذكر فإن الذكرى . . . . .
ثم لما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالتي هي أحسن فقال ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) قال الكلبي المعنى عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم وقال مقاتل عظ كفار مكة فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن وقيل ذكرهم بالعقوبة وأيام الله وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به
الذاريات : ( 56 ) وما خلقت الجن . . . . .
وجملة ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) مستأنفة مقررة لما قبلها لأن كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم للتذكير وينشطهم للإجابة قيل هذا خاص في من سبق في علم الله سبحانه أنه يعبده فهو عموم مراد به الخصوص قال الواحدي قال المفسرون هذا خاص لأهل طاعته يعني من أهل من الفريقين قال وهذا قول الكلبي والضحاك واختيار الفراء وابن قتيبة قال القشيري والآية دخلها التخصيص بالقطع لأن المجانين لم يؤمروا بالعبادة ولا أرادها منهم وقد قال ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة فالآية محموله على المؤمنين منهم ويدل عليه قراءة أبن مسعود وأبي بن كعب وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون وقال مجاهد إن المعنى إلا ليعرفوني قال الثعلبي وهذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده وروى عن مجاهد إنه قال المعنى إلا لآمرهم وأنهاهم ويدل عليه قوله وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون واختار هذا الزجاج وقال زيد بن أسلم هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة وخلق الأشقياء للمعصية وقال الكلبي المعنى إلا ليوحدون فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده في الشدة دون النعمة كما في قوله وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين وقال جماعة إلا ليخضعوا لي ويتذللوا ومعنى العبادة في اللغة الذل والخضوع والانقياد وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته منقاد لما قدره عليه خلقهم على ما أراد ورزقهم كما قضى لا يملك أحد منهم لنفسه نفعا ولا ضرا ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقديم وجودهم
الذاريات : ( 57 ) ما أريد منهم . . . . .
( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده وأنه لا يريد منهم منفعة كما تريده السادة من عبيدهم بل هو الغنى المطلق الرزاق المعطي وقيل المعنى ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقى ولا أن يرزقوا أنفسهم ولا يطعموا أحدا من خلقي ولا يطعموا أنفسهم وأنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله فمن أطعم عيال الله فهو كمن أطعمه وهذا كما ورد في قوله صلى الله عليه وإله وسلم يقول الله عبدي استطعمتك فلم تطعمني أي لم تطعم عبادي ومن في قوله ( من رزق ) زائد لتأكيد العموم ثم بين سبحانه أنه هو الرزاق لا غيره
الذاريات : ( 58 ) إن الله هو . . . . .
فقال ( إن الله هو الرزاق )


"""""" صفحة رقم 93 """"""
فلا يشتغلوا بغير ما خلقوا له من العبادة ( ذو القوة المتين ) ارتفاع المتين على إنه وصف للرزاق أو لذو أو خبر مبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر قرأ الجمهور الرزاق وقرأ أبن محيصن الرازق وقرأ الجمهور المتين بالرفع وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش بالجر صفة للقوة والتذكير لكون تأنيثها غير حقيقي قال الفراء كان حقه المتينه فذكرها لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل يقال حبل متين أي محكم الفتل ومعنى المتين الشديد القوة هنا
الذاريات : ( 59 ) فإن للذين ظلموا . . . . .
( فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ) أي ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فإن لهم ذنوبا أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السابقة قال أبن الأعرابي يقال يوم ذنوب أي طويل الشر لا ينقضي وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة ومن استعمال الذنوب في النصيب من الشيء قول الشاعر لعمرك والمنايا طارقات
لكل بني أب منها ذنوب
وما في الآية مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلو الكبير فهو تمثيل جعل الذنوب مكان الحظ والنصيب قاله أبن قتيبة ( فلا يستعجلون ) أي لا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب كما في قولهم أئتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين
الذاريات : ( 60 ) فويل للذين كفروا . . . . .
( فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون ) قيل هو يوم القيامة وقيل يوم بدر والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن جرير وأبن المنذر في قوله ( فتولى بركنه ) عن أبن عباس قال بقومه وأخرج الفريابي وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه في قوله ( الريح العقيم ) قال الشديدة التي لا تلقح شيئا وأخرج أبن جرير عنه أيضا قال لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب وفي قوله ( إلا جعلته كالرميم ) قال كالشيء الهالك وأخرج الفريابي وأبن المنذر عن علي بن أبي طالب قال الريح العقيم النكباء وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس في قوله ( والسماء بنيناها بأيد ) قال بقوة وأخرج أبو داود في ناسخه وأبن المنذر عنه في قوله ( فتول عنهم فما أنت بملوم ) قال أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمدا صلى الله عليه وإله وسلم ثم قال ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) فنسخها وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه في قوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) قال ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها واخرج أبن المنذر عنه في الآية قال على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي وشقوتي وسعادتي وأخرج أبن أبي جرير وأبن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا في قوله ( المتين ) يقول الشديد وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( ذنوبا ) قال دلوا
ع52
تفسير
سورة الطور
هي تسع وأربعون آية وقيل ثمان وأربعون
حول السورة
وهي مكية قال القرطبي في قول الجميع وأخرج أبن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن أبن عباس قال نزلت الطور بمكة واخرج أبن مردويه عن أبن الزبير مثله واخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جبير بن مطعم قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقرأ في المغرب بالطور وأخرج البخاري وغيره عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصلي إلى جنب البيت بالطور وكتاب مسطور


"""""" صفحة رقم 94 """"""
سورة الطور
( 1 20
الطور : ( 1 ) والطور
قوله والطور قال الجوهري هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى قال مجاهد والسدي الطور بالسريانية الجبل والمراد به طور سيناء قال مقاتل بن حيان هما طوران يقال لأحدهما طور سيناء وللآخر طور زيتا لأنهما ينبتان التين والزيتون وقيل هو جبل مدين وقيل إن الطور كل جبل ينبت وما لا ينبت فليس بطور أقسم الله سبحانه بهذا الجبل تشريفا له وتكريما
الطور : ( 2 ) وكتاب مسطور
( وكتاب مسطور ) المسطور المكتوب والمراد بالكتاب القرآن وقيل هو اللوح المحفوظ وقيل جميع الكتب المنزلة وقيل ألواح موسى وقيل ما تكتبه الحفظة قاله الفراء وغيره ومثله ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا وقوله وإذا الصحف نشرت
الطور : ( 3 ) في رق منشور
( في رق منشور ) متعلق بمسطور أي مكتوب في رق قرأ الجمهور في رق بفتح الراء وقرأ أبو السماك بكسرها قال الجوهري الرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق ومنه قوله تعالى ( في رق منشور ) قال المبرد الرق ما رق من الجلد ليكتب فيه والمنشور المبسوط قال أبو عبيدة وجمعه رقوق ومن هذه قول الملتمس فكأنما هي من تقادم عهدها
رق أتيح كتابها مسطور
وأما الرق بالكسر فهو المملوك يقال عبد رق وعبد مرقوق
الطور : ( 4 ) والبيت المعمور
( والبيت المعمور ) في السماء السابعة وقيل في سماء الدنيا وقيل هو الكعبة فعلى القولين الأولين يكون وصفه بالعمارة باعتبار من يدخل إليه من الملائكة ويعبد الله فيه وعلى القول الثالث يكون وصفه بالعمارة حقيقة أو مجازا باعتبار كثرة من يتعبد فيه من بني آدم
الطور : ( 5 ) والسقف المرفوع
( والسقف المرفوع ) يعني السماء سماها سقفا لكونها كالسقف للأرض ومنه قوله وجعلنا السماء سقفا محفوظا وقيل هو العرش
الطور : ( 6 ) والبحر المسجور
( والبحر المسجور ) أي الموقد من السجر وهو إيقاد النار في التنور ومنه قوله وإذا البحار سجرت وقد روى أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون نارا وقيل المسجور المملوء قيل إنه من أسماء الأضداد يقال بحر مسجور أي مملوء وبحر مسجور أي فارغ وقيل المسجور الممسوك ومنه ساجور الكلب لأنه


"""""" صفحة رقم 95 """"""
يمسكه وقال أبو العالية المسجور الذي ذهب ماؤه وقيل المسجور المفجور ومنه وإذا البحار فجرت وقال الربيع بن أنس هو الذي يختلط فيه العذب بالمالح والأول أولى وبه قال مجاهد والضحاك ومحمد بن كعب والأخفش وغيرهم
الطور : ( 7 ) إن عذاب ربك . . . . .
( إن عذاب ربك لواقع ) هذا جواب القسم أي كائن لا محالة لمن يستحقه
الطور : ( 8 ) ما له من . . . . .
( ماله من دافع ) يدفعه ويرده عن أهل النار وهذه الجملة خبر ثان لإن أو صفة لواقع ومن مزيده للتأكيد ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها أنها عظيمة دالة على كمال القدرة الربانية
الطور : ( 9 ) يوم تمور السماء . . . . .
( يوم تمور السماء مورا ) العامل في الظرف لواقع أي إنه لواقع في هذا اليوم ويجوز أن يكون العامل فيه دافع والمور الآضطراب والحركة قال أهل اللغة مار الشيء يمور مورا إذا تحرك وجاء وذهب قاله الأخفش وأبو عبيدة وأنشدا بيت الأعشى كأن مشيتها من بيت جارتها
مشى السحابة لا ريث ولا عجل
وليس في البيت ما يدل على ما قالاه إلا إذا كانت هذه المشيئة المذكورة في البيت يطلق المور عليها لغة وقال الضحاك يموج بعضها في بعض وقال مجاهد تدور دورا وقيل تجري جريا ومنه قول الشاعر وما زالت القتلى تمور دماؤها
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
ويطلق المور على الموج ومنه ناقة موارة اليد أي سريعة تموج في مشيها موجا ومعنى الآية أن العذاب يقع بالعصاة ولا يدفعه عنهم دافع في هذا اليوم الذي تكون فيه السماء هكذا وهو يوم القيامة وقيل إن السماء ها هنا الفلك وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره
الطور : ( 10 ) وتسير الجبال سيرا
( وتسير الجبال سيرا ) أي نزول عن أماكنها وتسير عن مواضعها كسير السحاب وتكون هباء منبثا قيل ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدالة على غرابتها وخروجهما عن المعهود وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الكهف
الطور : ( 11 ) فويل يومئذ للمكذبين
( فويل يومئذ للمكذبين ) ويل كلمة تقال للهالك واسم واد في جهنم وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة أي إذا وقع ما ذكر من مور السماء وسير الجبال فويل لهم
الطور : ( 12 ) الذين هم في . . . . .
ثم وصف المكذبين بقوله ( الذين هم في خوض يلعبون ) أي في تردد في الباطل واندفاع فيه يلهون لا يذكرون حسابا ولا يخافون عقابا والمعنى أنهم يخوضون في أمر محمد صلى الله عليه وإله وسلم بالتكذيب والاستهزاء وقيل يخوضون في أسباب الدنيا ويعرضون عن الآخرة
الطور : ( 13 ) يوم يدعون إلى . . . . .
( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) الدع الدفع بعنف وجفوة يقال دععته أدعه دعا أي دفعته والمعنى أنهم يدفعون إلى النار دفعا عنيفا شديدا قال مقاتل تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم قرأ الجمهور بفتح الدال وتشديد العين وقرأ على والسلمي وأبو رجاء وزيد بن علي وأبن السميفع بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة أي يدعون إلى النار من الدعاء ويوم إما بدل من يوم تمور أو متعلق بالقول المقدور في الجملة التي بعد هذه
الطور : ( 14 ) هذه النار التي . . . . .
وهي ( هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) أي يقال لهم ذلك يوم يدعون إلى نار جهنم دعا أي هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا والقائل لهم بهذه المقالة هم خزنة النار
الطور : ( 15 ) أفسحر هذا أم . . . . .
ثم وبخهم سبحانه أو أمر ملائكته بتوبيخهم فقال ( أفسحر هذا ) الذي ترون وتشاهدون كما كنتم تقولون لرسل الله المرسله ولكتبه المنزلة وقدم الخبر هنا على المبتدأ لأنه الذي وقع الاستفهام عنه وتوجه التوبيخ إليه ( أم أنتم لا تبصرون ) أي أم أنتم عمي عن هذا كما كنتم عميا عن الحق في الدنيا
الطور : ( 16 ) اصلوها فاصبروا أو . . . . .
( أصلوها فاصبروا أو لا تصبروا ) أي إذا لم يمكنكم إنكارها وتحققتم أن ذلك ليس بسحر ولم يكن في إبصاركم خلل فالآن ادخلوها وقاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا وافعلوا ما شئتم فالأمران ( سواء عليكم ) في عدم النفع فبل أيضا تقول لهم الملائكة هذا القول وسواء خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أي سواء عليكم


"""""" صفحة رقم 96 """"""
الصبر وعدمه وجملة ( إنما تجزون ماكنتم تعملون ) تعليل للاستواء فان الجزاء بالعمل اذا كان واقعا حتما كان الصبر وعدمه سواء
الطور : ( 17 ) إن المتقين في . . . . .
( إن المتقين في جنات ونعيم ) لما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفه ويجوز أن تكون من جملة ما يقال للكفار زيادة في غمهم وحسرتهم والتنوين ( في جنات ونعيم ) للتفخيم
الطور : ( 18 ) فاكهين بما آتاهم . . . . .
( فاكهين بما آتاهم ربهم ) يقال رجل فاكه اي ذو فاكهة كما قيل لابن وتامر والمعنى أنهم ذوو فاكهة من فواكه الجنة وقيل ذوو نعمة وتلذذ بما صاروا فيه مما اعطاهم الله عز وجل مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقد تقدم بيان معنى هذا قرأ الجمهور فاكهين بالألف والنصب على الحال وقرأ خالد فاكهون بالرفع على انه خبر بعد خبر وقرأ ابن عباس فكهين بغير ألف والفكه طيب النفس كما تقدم في الدخان ويقال للأشر والبطر ولا يناسب التفسير به هنا ( ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ) معطوف على آتاهم أو على خبر ان أو الجملة في محل نصب على الحال باضمار قد
الطور : ( 19 ) كلوا واشربوا هنيئا . . . . .
( كلوا واشربوا هنيئا ) أي يقال لهم ذلك والهنىء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر قال الزجاج أي ليهنئكم ما صرتم اليه هناء والمعنى كلوا طعاما هنيئا واشربوا شرابا هنيئا وقد تقدم تفسير هنيئا في سورة النساء وقيل معنى هنيئا أنكم لا تموتون
الطور : ( 20 ) متكئين على سرر . . . . .
( متكئين على سرر مصفوفه ) انتصابه على الحال من فاعل كلوا أو من مفعول وقاهم أو من الضمير المستكن في الظرف أو من الضمير في فاكهين قرأ الجمهور ( على سرر ) بضم الراء الأولى وقرأ أبو السماك بفتحها والسرر جمع سرير والمصفوفة المتصل بعضها ببعض حتى تصير صفا ( وزوجناهم بحور عين ) أي قرناهم بها قال يونس بن حبيب تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت بامرأة وليس من كلام العرب زوجته بامرأة قال وقول الله تعالى ( وزوجناهم بحور عين ) أي قرناهم بهن وقال الفراء زوجته بامرأة لغة أزد شنوءة وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الدخان قرأ الجمهور بحور عين من غير إضافة وقرأ عكرمة بإضافة الحور إلى العين
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس ( والطور ) قال جبل وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الطور جبل من جبال الجنة وكثير ضعيف جدا وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ( في رق منشور ) قال في الكتاب وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة وفي الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة ثم رفع إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا عن البيت المعمور فقال ذلك الضراح بيت فوق سبع سموات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا إلى يوم القيامة وأخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس وأخرج ابن مردويه عن عبد الله ابن عمرو رفعه قال إن البيت المعمور لبحيال الكعبة لو سقط منه شيء لسقط عليها يصلى فيه كل يوم سبعون ألفا ثم لا يعودون إليه وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحوه وضعف إسناده السيوطي


"""""" صفحة رقم 97 """"""
وأخرج ابن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله ( والسقف المرفوع ) قال السماء وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله ( والبحر المسجور ) قال بحر في السماء تحت العرش وأخرج ابن جرير عن ابن عمر مثله وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال المسجور المحبوس وأخرج ابن المنذر عنه قال المسجور المرسل وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ( يوم تمور السماء مورا ) قال تحرك وفي قوله ( يوم يدعون ) قال يدفعون وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا يوم يدعون ( إلى نار جهنم دعا ) قال يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( كلوا واشربوا هنيئا ) أي لا تموتون فيها فعندها قالوا أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين
سورة الطور 21 34
الطور : ( 21 ) والذين آمنوا واتبعتهم . . . . .
لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم ذكر حال طائفة منهم على الخصوص فقال ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم ) والموصول مبتدأ وخبره ألحقنا بهم ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر أي وأكرمنا الذين آمنوا ويكون ألحقنا مفسرا لهذا الفعل المقدر قرأ الجمهور واتبعتهم بإسناد الفعل إلى الذرية وقرأ أبو عمرو أتبعناهم بإسناد الفعل إلى المتكلم كقوله ألحقنا وقرأ الجمهور ذريتهم بالإفراد وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بالجمع إلا أن أبا عمرو قرأ بالنصب على المفعولية لكونه قرأ وأتبعناهم ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع والمشهور عنه كقراءة الجمهور وقرأ الجمهور ألحقنا بهم ذريتهم بالإفراد وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب على الجمع وجملة ( واتبعتهم ذريتهم ) معطوف على آمنوا أو معترضة وبإيمان متعلق بالاتباع ومعنى هذه الآية أن الله سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه وإن كانوا


"""""" صفحة رقم 98 """"""
دونه في العمل لتقر عينه وتطيب نفسه بشرط أن يكونوا مؤمنين فيختص ذلك بمن يتصف بالإيمان من الذرية وهم البالغون دون الصغار فإنهم وإن كانوا لاحقين بآبائهم فبدليل آخر غير هذه الآية وقيل إن الذرية تطلق على الكبار والصغار كما هو المعنى اللغوي فيلحق بالآباء المؤمنين صغار ذريتهم وكبارهم ويكون قوله بإيمان في محل نصب على الحال أي بإيمان من الآباء وقيل إن الضمير في بهم راجع إلى الذرية المذكورة أولا أي ألحقنا بالذرية المتبعة لآبائهم بإيمان ذريتهم وقيل المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط وظاهر الآية العموم ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ( وما ألتناهم من عملهم من شيء ) قرأ الجمهور بفتح اللام من ألتنا وقرأ ابن كثير بكسرها أي وما تقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئا فضمير المفعول عائد إلى الذين آمنوا وقيل المعنى وما نقصنا الذرية من اعمالهم شيئا لقصر أعمارهم والأول أولى وقد قدمنا تحقيق معنى لاته وألاته في سورة الحجرات وقرأ ابن هرمز آلتناهم بالمد وهو لغة قال في الصحاح يقال ما آلته من عمله شيئا أي ما نقصه ( كل امرىء بما كسب رهين ) رهين بمعنى مرهون والظاهر أنه عام وأن كل إنسان مرتهن بعمله فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه وإلا أهلكه وقيل هو بمعنى راهن والمعنى كل امرىء بما كسب دائم ثابت وقيل هذا خاص بالكفار لقوله كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين
الطور : ( 22 ) وأمددناهم بفاكهة ولحم . . . . .
ثم ذكر سبحانه ما أمدهم به من الخير فقال ( وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ) أي زدناهم على ما كان لهم من النعيم بفاكهة متنوعة ولحم من أنواع اللحمان مما تشتهيه أنفسهم ويستطيبونه
الطور : ( 23 ) يتنازعون فيها كأسا . . . . .
( يتنازعون فيها كأسا ) أي يتعاطون ويتناولون كأسا والكأس إناء الخمر ويطلق على كل إناء مملوء من خمر أو غيره فإذا فرغ لم يسم كأسا ( لا لغو فيها ولا تأثيم ) قال الزجاج لا يجرى بينهم ما يلغى ولا ما فيه إثم كما يجرى بين من يشرب الخمر في الدنيا والتأثيم تفعيل من الإثم والضمير في فيها راجع إلى الكأس وقيل لا لغو فيها أي في الجنة ولا يجري فيها ما فيه إثم والأول أولى قال ابن قتيبة لا تذهب بعقولهم فيلغوا كما يكون من خمر الدنيا ولا يكون منهم ما يؤثمهم وقال الضحاك لا تأثيم أي لا كذب قرأ الجمهور لا لغو فيها ولا تأثيم بالرفع والتنوين فيهما وقرأ ابن كثير وابن محيصن بفتحهما من غير تنوين قال قتادة اللغو الباطل وقال مقاتل بن حيان لا فضول فيها وقال سعيد بن المسيب لا رفث فيها وقال ابن زيد لا سباب ولا تخاصم فيها والجملة في محل نصب على الحال صفة لكأسا
الطور : ( 24 ) ويطوف عليهم غلمان . . . . .
( ويطوف عليهم غلمان لهم ) أي يطوف عليهم بالكأس والفواكه والطعام وغير ذلك مماليك لهم وقيل أولادهم ( كأنهم ) في الحسن والبهاء ( لؤلؤ مكنون ) أي مستور مصون في الصدف لم تمسه الأيدي قال الكسائي كننت الشيء سترته وصنته من الشمس وأكننته جعلته في الكن ومنه كننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة
الطور : ( 25 ) وأقبل بعضهم على . . . . .
( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) أي يسأل بعضهم بعضا في الجنة عن حاله وما كان فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهم وما كانوا فيه من الكد والنكد بطلب المعاش وتحصيل ما لا بد منه من الرزق وقيل يقول بعضهم لبعض بم صرتم في هذه المنزلة الرفيعة وقيل إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور والأول أولى لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة
الطور : ( 26 ) قالوا إنا كنا . . . . .
وجملة ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ماذا قال بعضهم لبعض عند التساؤل فقيل قالوا إنا كنا قبل أي قبل الآخرة وذلك في الدنيا في أهلنا خائفين وجلين من عذاب الله أو كنا خائفين من عصيان الله
الطور : ( 27 ) فمن الله علينا . . . . .
( فمن الله علينا ) بالمغفرة والرحمة أو بالتوفيق لطاعته ( ووقانا عذاب السموم ) يعنى عذاب جهنم والسموم من أسماء جهنم كذا قال الحسن ومقاتل وقال الكلبي وأبو عبيدة هو عذاب النار


"""""" صفحة رقم 99 """"""
وقال الزجاج سموم جهنم ما يوجد من حرها قال أبو عبيدة السموم بالنهار وقد يكون بالليل والحرور بالليل وقد يكون بالنهار وقد يستعمل السموم في لفح البرد وفي لفح الشمس والحر أكثر ومنه قول الشاعر اليوم يوم بارد سمومه
من جزع اليوم فلا ألومه
وقيل سميت الريح سموما لأنها تدخل المسام
الطور : ( 28 ) إنا كنا من . . . . .
( إنا كنا من قبل ندعوه ) أي نوحد الله ونعبده أو نسأله أن يمن علينا بالمغفرة والرحمة ( أنه هو البر الرحيم ) قرأ الجمهور بكسر الهمزة على الاستئناف وقرأ نافع والكسائي بفتحها أي لأنه والبر كثير الإحسان وقيل اللطيف والرحيم كثير الرحمة لعباده
الطور : ( 29 ) فذكر فما أنت . . . . .
( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ) أي أثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير والباء متعلقة بمحذوف هو حال أي ما أنت متلبسا بنعمة ربك التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوة بكاهن ولا مجنون وقيل متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام أي ما أنت في حال إذ كارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون وقيل الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك كما تقول ما أنا بمعسر بحمد الله وقيل الباء للقسم متوسطة بين اسم ما وخبرها والتقدير ما أنت ونعمة الله بكاهن ولا مجنون والكاهن هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي أي ليس ما تقوله كهانة فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه والمقصود من الآية رد ما كان يقوله المشركون إنه كاهن أو مجنون
الطور : ( 30 ) أم يقولون شاعر . . . . .
( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) أم هي المنقطعة وقد تقدم الخلاف هل هي مقدرة ببل والهمزة أو ببل وحدها قال الخليل هي هنا للاستفهام قال سيبويه خوطب العباد بما جرى في كلامهم قال النحاس يريد سيبويه أن أم في كلام العرب للخروج من حديث إلى حديث ونتربص في محل رفع صفة لشاعر وريب المنون صروف الدهر والمعنى ننتظر به حوادث الأيام فيموت كما مات غيره أو يهلك كما هلك من قبله والمنون يكون بمعنى الدهر ويكون بمعنى المنية قال الأخفش المعنى نتربص إلى ريب المنون فحذف حرف الجر كما تقول قصدت زيدا وقصدت إلى زيد ومن هذا قول الشاعر
تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوما أو يموت خليلها
وقول أبي ذؤيب الهذلي
أمن المنون وريبها تتوجع
والدهر ليس بمعتب من يجزع
قال الأصمعي المنون واحد لا جمع له قال الفراء يكون واحدا وجمعا وقال الأخفش هو جمع واحد له
الطور : ( 31 ) قل تربصوا فإني . . . . .
ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال ( قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ) أي انتظروا موتي أو هلاكي فإني معكم من المتربصين لموتكم أو هلالكم قرأ الجمهور نتربص بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين قرأ زيد بن علي على البناء للمفعول
الطور : ( 32 ) أم تأمرهم أحلامهم . . . . .
( أم تأمرهم أحلامهم بهذا ) أي بل أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض إن الكاهن هو المفرط في الفطنة والذكاء والمجنون هو ذاهب العقل فضلا عن أن يكون له فطنة وذكاء قال الواحدى قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرأ الله بحلومهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل ( أم هم قوم طاغون ) أي بل أطغوا وجاوزوا الحد في العناد فقالوا ما قالوا وهذه الإضرابات من شيء إلى شيء مع الاستفهام كما هو مدلول أم المنقطعة تدل على أن ما تعقبها أشنع مما تقدمها وأكثر جرأة وعنادا
الطور : ( 33 ) أم يقولون تقوله . . . . .
( أم يقولون تقوله ) أي اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله والتقول لا يستعمل إلا في الكذب في الغالب وإن كان أصله تكلف القول ومنه اقتال عليه ويقال اقتال عليه بمعنى تحكم عليه ومنه قول الشاعر


"""""" صفحة رقم 100 """"""
ومنزلة في دار صدق وغبطة
وما اقتال في حكم علي طبيب
ثم أضرب سبحانه عن قولهم ( تقوله ) وانتقل إلى ما هو أشد شناعة عليهم فقال ( بل لا يؤمنون ) أي سبب صدور هذه الأقوال المتناقضة عنهم كونهم كفارا لا يؤمنون بالله ولا يصدقون ما جاء به رسوله ( صلى الله عليه وسلم )
الطور : ( 34 ) فليأتوا بحديث مثله . . . . .
ثم تحداهم سبحانه وألزمهم الحجة فقال ( فليأتوا بحديث مثله ) أي مثل القرآن في نظمه وحسن بيانه وبديع أسلوبه ( إن كانوا صادقين ) فيما زعموا من قولهم إن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) تقوله وجاء به من جهة نفسه مع أنه كلام عربي وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم والممارسون لجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وسبب النزول
وقد أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر به عينه ثم قرأ ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) الآية وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعا وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضا أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك فيقول يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به وقرأ ابن عباس ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ) الآية وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( والذين آمنوا ) الآية وإسناده هكذا قال عبد الله بن أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي بن أبي طالب قال سألت خديجة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن ولدين ماتا لها في الجاهلية فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هما في النار فلما رأى الكراهة في وجهها قال لو رأيت مكانهما لأبغضتهما قالت يا رسول الله فولدي منك قال في الجنة قال ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ ( والذين آمنوا ) الآية وقال الإمام أحمد في المسند حدثنا يزيد حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول يا رب من أين لي هذا فيقول باستغفار ولدك لك وإسناده صحيح وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس ( وما ألتناهم ) قال ما نقصناهم وأخرج ابن أبي حاتم عنه ( لا لغو فيها ) يقول باطل ( ولا تأثيم ) يقول كذب وأخرج البزار عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان فيتكىء ذا ويتكىء ذا فيتحدثان بما كانوا في الدنيا فيقول أحدهما يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( إنه هو البر ) قال اللطيف وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عنه أن قريشا لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال قائل منهم احبسوه في وثاق وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم فأنزل الله في ذلك ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( ريب المنون ) قال الموت


"""""" صفحة رقم 101 """"""
سورة الطور 35 49
الطور : ( 35 ) أم خلقوا من . . . . .
قوله ( أم خلقوا من غير شيء ) أم هذه هي المنقطعة كما تقدم فيما قبلها وكما سيأتي فيما بعدها أي بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة والصنعة العجيبة من غير خالق لهم قال الزجاج أي أخلقوا باطلا لغير شيء لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون وجعل من بمعنى اللام قال ابن كيسان أم خلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون وقيل المعنى أم خلقوا من غير أب ولا أم فهم كالجماد لا يفهمون ولا تقوم عليهم حجة ( أم هم الخالقون ) أي بل أيقولون هم الخالقون لأنفسهم فلا يؤمرون ولا ينهون مع أنهم يقرون أن الله خالقهم وإذا أقروا لزمتهم الحجة
الطور : ( 36 ) أم خلقوا السماوات . . . . .
( أم خلقوا السموات والأرض ) وهم لا يدعون ذلك فلزمتهم الحجة ولهذا أضرب عن هذا وقال ( بل لا يوقنون ) أي ليسوا على يقين من الأمر بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده
الطور : ( 37 ) أم عندهم خزائن . . . . .
( أم عندهم خزائن ربك ) أي خزائن أرزاق العباد وقيل مفاتيح الرحمة قال مقاتل يقول أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا وكذا قال عكرمة وقال الكلبي خزائن المطر والرزق ( أم هم المصيطرون ) أي المسلطون الجبارون قال في الصحاح المسيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله وأصله من السطر لأن الكتاب يسطر وقال أبو عبيدة سطرت علي اتخذتني خولا لك قرأ الجمهور المصيطرون بالصاد الخالصة وقرأ ابن محيصن وحميد ومجاهد وقنبل وهشام بالسين الخالصة ورويت هذه القراءة عن حفص وقرأ خلاد بصاد مشمة زايا
الطور : ( 38 ) أم لهم سلم . . . . .
( أم لهم سلم يستمعون فيه ) أي بل أيقولون إن لهم سلما منصوبا إلى السماء يصعدون به ويستمعون فيه كلام الملائكة وما يوحى إليهم ويصلون به إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بطريق الوحي وقوله فيه صفة لسلم وهي للظرفية على بابها وقيل هي بمعنى على أي يستمعون عليه كقوله ولأصلبنكم في جذوع النخل قال الأخفش وقال أبو عبيدة يستمعون به وقال الزجاج المعنى أنهم كجبريل الذي يأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالوحي وقيل هي في محل نصب على الحال أي صاعدين فيه ( فليأت مستمعهم ) إن ادعى ذلك ( بسلطان مبين ) أي بحجة واضحة ظاهرة
الطور : ( 39 ) أم له البنات . . . . .
( أم له


"""""" صفحة رقم 102 """"""
البنات ولكم البنون ) أي بل أتقولون لله البنات ولكم البنون سفه سبحانه أحلامهم وضلل عقولهم ووبخهم أي أيضيفون إلى الله البنات وهي أضعف الصنفين ويجعلون لأنفسهم البنين وهم أعلاهما وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقل فلا يستبعد منه إنكار البعث وجحد التوحيد
الطور : ( 40 ) أم تسألهم أجرا . . . . .
ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ( أم تسألهم أجرا ) أي بل أتسألهم أجرا يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة ( فهم من مغرم مثقلون ) أي من التزام غرامة تطلبها منهم مثقلون أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل قال قتادة يقول هل سألت هؤلاء القوم أجرا فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام
الطور : ( 41 ) أم عندهم الغيب . . . . .
( أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) أي بل أيدعون أن عندهم علم الغيب وهو ما في اللوح المحفوظ فهم يكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب قال قتادة هذا جواب لقولهم نتربص به ريب المنون يقول الله أم عندهم الغيب حتى علموا أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون قال ابن قتيبة معنى يكتبون يحكمون بما يقولون
الطور : ( 42 ) أم يريدون كيدا . . . . .
( أم يريدون كيدا ) أي مكرا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيهلكونه بذلك المكر ( فالذين كفروا هم المكيدون ) أي الممكور بهم المجزيون بكيدهم فضرر كيدهم يعود عليهم ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وقد قتلهم الله في يوم بدر وأذلهم في غير موطن ومكر سبحانه بهم ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين
الطور : ( 43 ) أم لهم إله . . . . .
( أم لهم إله غير الله ) أي بل أيدعون أن لهم إلها غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم ثم نزه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنعاء فقال ( سبحان الله عما يشركون ) أي عن شركهم به أو عن الذين يجعلونهم شركاء له
الطور : ( 44 ) وإن يروا كسفا . . . . .
ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم فقال ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) الكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء وانتصاب ساقطا على الحال أو على انه المفعول الثاني والمركوم المجعول بعضه على بعض والمعنى أنهم إن يروا كسفا من السماء ساقطا عليهم لعذابهم لم ينتهوا عن كفرهم بل يقولون هو سحاب متراكم بعضه على بعض وقد تقدم اختلاف القراء في كسفا قال الأخفش من قرأ كسفا يعنى بكسر الكاف وسكون السين جعله واحدا ومن قرأ كسفا يعنى بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعا
الطور : ( 45 ) فذرهم حتى يلاقوا . . . . .
ثم أمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يتركهم فقال ( فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) أي أتركهم وخل عنهم حتى يلاقوا يوم موتهم أو يوم قتلهم ببدر أو يوم القيامة قرأ الجمهور يلاقوا وقرأ أبو حيوة يلقوا وقرأ الجمهور يصعقون على البناء للفاعل وقرأ ابن عامر وعاصم على البناء للمفعول والصعقة الهلاك على ما تقدم بيانه
الطور : ( 46 ) يوم لا يغني . . . . .
( يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ) هو بدل من يومهم أي لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الدنيا ( ولا هم ينصرون ) أي ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع بل هو واقع بهم لا محالة
الطور : ( 47 ) وإن للذين ظلموا . . . . .
( وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ) أي لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذابا في الدنيا دون عذاب يوم القيامة أي قبله وهو قتلهم يوم بدر وقال ابن زيد هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا وذهاب الأموال والأولاد وقال مجاهد هو الجوع والجهد سبع سنين وقيل عذاب القبر وقيل المراد بالعذاب هو القحط وبالعذاب الذي يأتي بعده هو قتلهم يوم بدر ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ما يصيرون إليه من عذاب الله وما أعده لهم في الدنيا والآخرة
الطور : ( 48 ) واصبر لحكم ربك . . . . .
( واصبر لحكم ربك ) إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به ( فإنك بأعيننا ) أي بمرأى ومنظر منا وفي حفظنا وحمايتنا فلا تبال بهم قال الزجاج إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك فلا يصلون إليك ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) أي نزه ربك عما لا يليق به متلبسا بحمد ربك على إنعامه عليك حين تقوم من مجلسك قال عطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول سبحان الله وبحمده


"""""" صفحة رقم 103 """"""
أو سبحانك اللهم وبحمدك عند قيامه من كل مجلس يجلسه وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع بن أنس حين تقوم إلى الصلاة قال الضحاك يقول الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وفيه نظر لأن التكبير يكون بعد القيام لا حال القيام ويكون التسبيح بعد التكبير وهذا غير معنى الآية فالأول أولى وقيل المعنى صل الله حين تقوم من منامك وبه قال أبو الجوزاء وحسان بن عطية وقال الكلبي واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة وهي صلاة الفجر
الطور : ( 49 ) ومن الليل فسبحه . . . . .
( ومن الليل فسبحه ) أمره الله سبحانه ان يسحبه في بعض الليل قال مقاتل أي صل المغرب والعشاء وقيل ركعتي الفجر ( وإدبار النجوم ) أي وقت إدبارها من آخر الليل وقيل صلاة الفجر واختار أبن جرير وقيل هو التسبيح في إدبار الصلوات قرأ الجمهور إدبار بكسر الهمزة على إنه مصدر وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميفع ويعقوب والمنهال بن عمر بفتحها على الجمع أي أعقاب النجوم وإدبارها إذا غربت ودبر الأمر آخره وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ق
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد اخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( أم هم المصيطرون ) قال المسلطون وأخرج أبن جرير وأبن المنذر عنه قال أم هم المنزلون وأخرجا عنه أيضا ( عذابا دون ذلك ) قال عذاب القبر قبل يوم القيامة وأخرج أبن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والحاكم وأبن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال كان رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم بآخره إذا قام من المجلس يقول سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن ى إله إلا انت أستغفرك وأتوب إليك فقال رجل يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى قال كفارة لما يكون في المجلس وأخرجه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع أبن خديج عن النبي صلى الله عليه وإله وسلم وأخرج الترمذي وأبن جرير عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال في مجلس فكثر فيه لفظه فقال قبل أن يقوم من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك قال الترمذي حسن صحيح وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة وأخرج أبن مردويه عن أبن عباس في قوله ( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) قال حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة وأخرج أبن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وإله وسلم في قوله ( ومن الليل فسبحه ) قال الركعتان قبل صلاة الصبح وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبن عباس ( وإدبار النجوم ) قال ركعتي الفجر
ع53
تفسير
سورة النجم
هي إحدى وستون آية وقيل ثنتان وستون آية
حول السورة
وهي مكية جميعها في قول الجمهور وروى عن أبن عباس وعكرمة أنها مكية إلا آية منها وهي قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) الآية وأخرج أبن مردويه عن أبن عباس قال نزلت سورة النجم بمكة أخرج ايضا عن أبن الزبير مثله واخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبن مسعود قال أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم فسجد رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم وسجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف واخرج أبن مردويه عن أبن مسعود قال


"""""" صفحة رقم 104 """"""
أول سورة استعلن بها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقرؤها والنجم وأخرج أبن مردويه والبيهقي في سننه عن أبن عمر قال صلى بنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقرأ النجم فسجد بنا فأطال السجود وأخرج أبن مردويه عن عائشة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ النجم فلما بلغ السجدة سجد فيها وأخرج الطيالسي وأبن أبي شيبه وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والطبراني والنسائي وأبن مردويه عن زيد بن ثابت قال قرأت النجم عند النبي صلى الله عليه وإله وسلم فلم يسجد فيها وأخرج أبن مردويه عن أبن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم يسجد في النجم بمكة فلما هاجر إلى المدينة تركها وأخرج أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة
سورة النجم ( 1 26
النجم : ( 1 ) والنجم إذا هوى
( قوله والنجم إذا هوى ) التعريف للجنس والمراد به جنس النجوم وبه قال جماعة من المفسرين ومنه قول عمر بن أبي ربيعة أحسن النجم في السماء الثريا
والثريا في الأرض زين النساء
وقيل المراد به الثريا وهو أسم غلب فيها تقول العرب النجم وتريد به الثريا وبه قال مجاهد وغيره وقال السدى النجم هنا هو الزهرة لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها وقيل النجم هنا النبت الذي لا ساق له


"""""" صفحة رقم 105 """"""
كما في قوله والنجم والشجر يسجدان قاله الأخفش وقيل النجم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل النجم القرآن وسمى نجما لكونه نزل منجما مفرقا والعرب تسمى التفريق تنجيما والمفرق المنجم وبه قال مجاهد والفراء وغيرهما والأول أولى قال الحسن المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة وقيل المراد بها النجوم التي ترجم بها الشياطين ومعنى هويه سقوطه من علو يقال هوى النجم يهوي هويا إذا سقط من علو إلى سفل وقيل غروبه وقيل طلوعه والأول أولى وبه قال الأصمعي وغيره ومنه قول زهير تسيح بها الأباعر وهي تهوي
هوى الدلو أسلمها الرشا
ويقال هوى في السير إذا مضى ومنه قول الشاعر بينما نحن بالبلاكث فالقا
ع سراعا والعيس تهوى هويا
خطرت خطرة على القلب من ذك راك وهنا فما استعطت مضيا
ومعنى الهوى على قول من فسر النجم بالقرآن أنه نزل من أعلا إلى أسفل وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له أو أنه محمد صلى الله عليه وإله وسلم فلا يظهر للهوي معنى صحيح والعامل في الظرف فعل القسم المقدر
النجم : ( 2 ) ما ضل صاحبكم . . . . .
وجواب القسم قوله ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) أي ما ضل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عن الحق والهدى ولا عدل عنه والغي ضد الرشد أي ما صار غاويا ولا تكلم بالباطل وفيل ما خاب فيما طلب والغي الخيبة ومنه قول الشاعر
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وفي قوله ( صاحبكم ) إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله والخطاب لقريش
النجم : ( 3 ) وما ينطق عن . . . . .
( وما ينطق عن الهوى ) أي ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره فعن على بابها وقال أبو عبيدة إن عن بمعنى الباء أي بالهوي قال قتادة أي ما ينطق بالقراءة عن هواه
النجم : ( 4 ) إن هو إلا . . . . .
( إن هو إلا وحي يوحى ) أي ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه وقوله ( يوحي ) صفة لوحي تفيد الاستمرار التجددي وتفيد نفي المجاز أي هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية
النجم : ( 5 ) علمه شديد القوى
( علمه شديد القوى ) القوى جمع قوة والمعنى أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه هكذا قال أكثر المفسرين إن المراد جبريل وقال الحسن هو الله عز وجل والأول أولى وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف
النجم : ( 6 ) ذو مرة فاستوى
( ذو مرة فاستوى ) المرة القوة والشدة في الخلق وقيل ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ومنه قول النبي صلى الله عليه وإله وسلم لاتحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ) وقيل ذو حصافة عقل ومتانة رأى قال قطرب العرب لكل من هو جزل الراي حصيف العقل ذو مرة ومنه قول الشاعر
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه
والتفسير للمرة بهذا أولى لأن القوة والشدة قد أفادها قوله ( شديد القوى ) قال الجوهري المرة إحدى الطبائع الأربع والمرة القوة وشدة العقل والفاء في قوله ( فاستوى ) للعطف على علمه يعني جبريل أي ارتفع وعاد إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمد صلى الله عليه وإله وسلم قاله سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقيل معنى استوى قام في صورته التي خلقه الله عليها لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وإله وسلم في صورة الآدميين وقيل المعنى فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وإله وسلم وقال الحسن فاستوى يعني الله عز وجل على العرش
النجم : ( 7 ) وهو بالأفق الأعلى
( وهو بالأفق الأعلى ) هذه الجملة في محل نصب على الحال أي فاستوى جبريل حال كونه


"""""" صفحة رقم 106 """"""
بالأفق الأعلى والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق وهو فوق جانب المغرب وقيل المعنى فاستوى عاليا والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق قال قتادة ومجاهد هو الموضع الذي تطلع منه الشمس وقيل هو يعني جبريل والنبي صلى الله عليه وإله وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة
النجم : ( 8 ) ثم دنا فتدلى
( ثم دنا فتدلي ) أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى أي قرب من الأرض فتدلي فنزل على النبي صلى الله عليه وإله وسلم بالوحي وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير ثم تدلى فدنى قاله ابن الأنباري وغيره قاله ابن الأنباري وغيره قال الزجاج معنى دنا فتدلى واحد أي قرب وزاد في القرب كما تقول فدنا منى فلان وقرب ولو قلت قرب منى ودنا جاز قال الفراء الفاء في فتدلى بمعنى الواو والتقدير ثم تدلى جبريل ودنا ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أن تقدم أيهما شئت قال الجمهور والذي دنا فتدلى هو جبريل وقيل هو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والمعنى دنا منه أمره وحكمه والأول اولى قيل ومن قال إن الذي استوى هو جبريل ومحمد فالمعنى عنده ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى أي هوى للسجود وبه قال الضحاك
النجم : ( 9 ) فكان قاب قوسين . . . . .
( فكان قاب قوسين أو أدنى ) أى فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أو ما بين محمد وربه قاب قوسين أي قدر قوسين عربيين والقاب والقيب والقاد والقيد المقدار ذكر معناه في الصحاح قال الزجاج أى فيما تقدرون أنتم والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا وقيل أو بمعنى الواو أي وأدنى وقيل بمعنى أي بل أدنى وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة ( فكان قاب قوسين ) قدر ذراعين والقوس الذراع يقاس بها كل شيء وهي لغة بعض الحجازيين وقيل هي لغة أزد شنوءة وقال الكسائي فكان قاب قوسين أراد قوسا واحد
النجم : ( 10 ) فأوحى إلى عبده . . . . .
( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) أي فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وإله وسلم ما أوحى وفيه تفخيم للوحي الذي أوحى إليه والوحي إلقاء الشيء بسرعة ومنه الوحا وهو السرعة والضمير في عبده يرجع إلى الله كما في قوله ما ترك على ظهرها من دابة وقيل المعنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى وبالأول قال الربيع والحسن وأبن زيد وقتادة وقيل فأوحى الله إلى عبده محمد قيل وقد إبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل إلى محمد أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل أو إلى محمد ولم يبينه لنا فليس لنا أن نعترض لتفسيره وقال سعيد بن جبير الذي أوحى إليه هو ألم نشرح لك صدرك الخ و ألم يجدك يتيما فآوى الخ وقيل أوحى الله إليه إن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك وقيل إن ما للعموم لا للإبهام والمراد كل ما أوحى به إليه والحمل على الإبهام أولى لما فيه من التعظيم
النجم : ( 11 ) ما كذب الفؤاد . . . . .
( ما كذب الفؤاد ما رأى ) أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وإله وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج يقال كذبه إذا قال له الكذب ولم يصدقه قال المبرد معنى الآية أنه رأى شيئا فصدق فيه قرأ الجمهور ما كذب مخففا وقرأ هشام وأبو جعفر بالتشديد وما في ما رأى موصولة أو مصدرية في محل نصب بكذب مخففا ومشددا
النجم : ( 12 ) أفتمارونه على ما . . . . .
( أفتمارونه على ما يرى ) قرأ الجمهور افتمارونه بالألف من المماراة وهي المجادلة والملاحاة وقرأ حمزة والكسائي أفتمرونه بفتح التاء وسكون الميم أي أفتجدونه واختار أبو عبيد القراءة الثانية قال لأنهم لم يماروه وإنما جحدوه يقال مراه حقه أي جحده ومريته أنا جحدته قال ومنه قول الشاعر لأن هجوت أخا صدق ومكرمة
لقد مريت أخا ما كان يمريكا


"""""" صفحة رقم 107 """"""
أي جحدته قال المبرد يقال أمرأة عن حقه وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه وقيل على بمعنى عن وقرأ ابن مسعود والشعبي ومجاهد والأعرج افتمرونه بضم التاء من أمريت أي أتريبونه وتشكون فيه قال جماعة من المفسرين المعنى على قراءة الجمهورأإفتجا دلونه وذلك أنهم جادلوه حين أسرى فقالوا صف لنا مسجد بيت المقدس أي افتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عما شاهده وعلمه
النجم : ( 13 ) ولقد رآه نزلة . . . . .
واللام في قوله ( ولقد رآه نزلة أخرى ) هي الموطئة للقسم أي والله لقد رآه نزلة أخرى والنزلة المرة من النزول فانتصابها على الظرفية أو منتصبة على المصدر الواقع موقع على الحال أي راى جبريل نازلا نزلة أخرى أو على أنه صفة مصدر مؤكد محذوف أي رآه رؤية أخرى قال جمهور المفسرين المعنى أنه رأى محمد جبريل مرة أخرى وقيل رأى محمد ربه مرة أخرى بفؤاده
النجم : ( 14 ) عند سدرة المنتهى
( عند سدرة المنتهى ) الظرف منتصب برأه والسدر هو شجر النبق وهذه السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح وروى أنها في السماء السابعة والمنتهى مكان الانتهاء أو هو مصدر ميمي والمراد به الانتهاء نفسه قيل إليها ينتهى علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها وقيل ينتهي إليها ما يعرج به من الأرض وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء وقيل غيره ذلك وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه
النجم : ( 15 ) عندها جنة المأوى
( عندها جنة المأوى ) أي عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها أدم وقيل أن أرواح المؤمنين تأوي إليها قرأ الجمهور جنة برفع جنة على إنها مبتدأ وخبرها الظرف المتقدم وقرأ على وأبو الدرداء وأبو هريرة وأبن الزبير وأنس وزر بن حيش ومحمد بن كعب ومجاهد وأبو سبرة الجهني جنة فعلا ماضيا من جن يجن أي ضمه المبيت أو سترة إيواء الله له قال الأخفش أدركه كما تقول جنة الليل أي سترة وأدركه والجملة في محل نصب على الحال
النجم : ( 16 ) إذ يغشى السدرة . . . . .
( إذ يغشي السدرة ما يغشى ) العامل في الظرف رآه أيضا وهو ظرف زمان والذي قبله ظرف مكان والغشيان بمعنى التغطية والستر وبمعنى الإتيان يقال فلان يغشاني كل حين أي يأتيني وفي الإبهام في قوله ( ما يغشى ) من التفخيم ما لا يخفى وقيل يغشاها جراد من ذهب وقيل طوائف من الملائكة وقال مجاهد رفرف أخضر وقيل رفرف من طيور خضر وقيل غشيها أمر الله والمجئ بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا للصورة البديعة أو للدلالة على الاستمرار التجددي
النجم : ( 17 ) ما زاغ البصر . . . . .
( ما زاغ البصر ) أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وإله وسلم عما رآه ( وما طغى ) أي ما جاوز ما رأى وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وأله وسلم في ذلك المقام حيث لم يلتفت ولم يمل بصره ولم يمده إلى غير ما رأى وقيل ما جاوز ما امر به
النجم : ( 18 ) لقد رأى من . . . . .
( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) أي والله لقد رأى تلك الليلة من أيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف قيل رأى رفرفا سد الأفق وقيل رأى جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح وكذا في صحيح مسلم وغيره وقال الضحاك رأى سدرة المنتهى وقيل هو كل ما رآه تلك الليلة في مسراه وعوده ومن للتبعيض ومفعول رأى الكبرى ويجوز أن يكون المفعول محذوفا أي رأى شيئا عظيما من أيات ربه ويجوز أن تكون من زائدة ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخا لهم ومقرعا
النجم : ( 19 - 20 ) أفرأيتم اللات والعزى
( أفرأيتم ) أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمد أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي أشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها وقال الواحدي وغيره وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة ومناة من منى الله الشيء إذا قدره قرأ الجمهور ( اللات ) بتخفيف التاء فقيل هو مأخوذ من أسم الله سبحانه كما تقدم


"""""" صفحة رقم 108 """"""
وقيل أصله لات يليت فالتاء أصلية وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها الكسائي بالهاء واختار الزجاج الفراء والوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء وقرأ أبن عباس وأبن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وحميد ( اللات ) بتشديد التاء ورويت هذه القراءة عن أبن كثير فقيل هو أسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه فهو أسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل قال مجاهد كان رجلا في رأس جبل وسمنها حيسا ويطعم الحاج وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم وقيل إنه عامر بن الظرب العدواني وكان هذا الصنم لثقيف وفيه يقول الشاعر لا تنصروا اللات إن الله مهلكها
وكيف ينصركم من ليس ينتصر
قال في الصحاح واللات أسم صنم لثقيف وكان بالظائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء ( والعزى ) صنم قريش وبني كنانة قال مجاهد هي شجرة كانت بغطفان وكانوا يعبدونها فبعث إليها النبي صلى الله عليه وإله وسلم خالد بن الوليد فقطعها وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة وقال نم سعيد بن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه وقال قتادة هي بيت كان ببطن نخلة ( ومناه ) صنم بني هلال وقال أبن هشام صنم هذيل وخزاعة وقال قتادة كانت للأنصار قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة وقرأ أبن كثير وأبن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمزة فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء وقيل هما لغتان للعرب ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير أزيد مناة توعد يا بن تيم
تأمل أين تاه بك الوعيد
ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي إلا هل أتى التيم بن عبد مناءة
على السر فيما بيننا أبن غيم
وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف ووقف أبن كثير وأبن محيصن عليها بالهاء قال في الصحاح ومناة أسم صنم كان بين مكة والمدينة والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة قوله ( الثالثة الأخرى ) هذا وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى والثالثة لا تكون إلا أخرى قال أبو البقاء فالوصف بالأخرى للتأكيد وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف به الثانية فقال الخليل إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله مآرب أخرى وقال الحسين بن الفضل فيه تقديم وتأخير والتقدير أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم لأنها كانت عند المشركين عظيمة وقيل إن ذلك للتحقير والذم وإن المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله قالت أخراهم لأولاهم أي وضعاؤهم لرؤسائهم
النجم : ( 21 ) ألكم الذكر وله . . . . .
ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال ( ألكم الذكر وله الأنثى ) أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله ومن شأنهم أن


"""""" صفحة رقم 109 """"""
يحتقروا الإناث
النجم : ( 22 ) تلك إذا قسمة . . . . .
ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائزة فقال ( تلك إذا قسمة ضيزى ) قرأ الجمهور ضيزى بياء ساكنة بغير همزة وقرأ أبن كثير بهمزة ساكنة والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب جائرة عن العدل ومائلة عن الحق قال الأخفش يقال ضاز في الحكم أي جار وضازه حقه يضيزه ضيزا أي نقصه وبخسه قال وقد يهمز وأنشد فإن تناء عنا تنتقصك وإن تغب
فحقك مضئوز وأنفك راغم
وقال الكسائى ضاز يضيز ضيزا وضاز يضوز ضوزا إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص ومنه قول الشاعر ضازت بنو أسد بحكمهم
إذ يجعلون الرأس كالذنب
قال الفراء وبعض العرب يقول ضيزى بالهمزة وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزى قال البغوي ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى قال المؤرخ كرهوا ضم الضاد في ضيزى وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو فكسروا الضاد لهذه العلة كما قالوا في جمع أبيض بيض وكذا قال الزجاج وقيل هي مصدر كذكرى فيكون المعنى قسمة ذات جور وظلم
النجم : ( 23 ) إن هي إلا . . . . .
ثم رد سبحانه عليهم بقوله ( إن هي إلا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ) أي ما الأوثان أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة إلا أسماء محضة ليس فيها شيء من معنى الآلوهية التي تدعونها لأنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ولا تفهم ولا تضر ولا تنفع فليست إلا مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم قلد الآخر فيها الأول وتبع في ذلك الأبناء الآباء وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى كما تقول في تحقير رجل ما هو إلا أسم إذا لم يكن مشتملا على صفة معتبرة ومثل هذه الآية قوله تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها يقال سميته زيدا وسميته بزيد فقوله سميتموها صفة الأصنام والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام أي جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء وقيل إن قوله هي راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة والأول أولى ( ما أنزل الله بها من سلطان ) أي ما أنزل بها من حجة ولا برهان قال مقاتل لم ينزل لنا كتابا لكم فيه حجة كما تقولون إنها آلهة ثم أخبر عنهم بقوله ( إن يتبعون إلا الظن ) أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم وتحقيرا لشأنهم فقال ( وما تهوى الأنفس ) أي تميل إليه وتشهيه من غير النفات إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له قرأ الجمهور يتبعون بالتحتية على الغيبة وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وابن السيفع بالفوقية على الخطاب ورويت هذه القراءة عن أبن مسعود وأبن عباس وطلحة وابن وثاب ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) أي البيان الواضح الظاهر بأنها ليست بآلهة والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يتبعون ويجوز أن يكون اعتراضا والأول أولى والمعنى كيف يتبعون ذلك والحال أن قد جاءهم ما فيه هدى لهم من عند الله على لسان رسوله الذي بعثه الله بين ظهرانيهم وجعله من أنفسهم
النجم : ( 24 ) أم للإنسان ما . . . . .
( أم للإنسان ما تمنى ) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة التي للإنكار فأضرب عن إتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم وعن إتباعهم هوى الأنفس وما تميل إليه وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم
النجم : ( 25 ) فلله الآخرة والأولى
ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله ( فلله الآخرة والأولى ) أي أن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل فليس لهم معه أمر من الأمور ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة وأطماعهم الفارغة
النجم : ( 26 ) وكم من ملك . . . . .
ثم أكد ذلك وزاد في إبطال ما يتمنونه فقال ( وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا ) وكم هنا هي الخبرية


"""""" صفحة رقم 110 """"""
المفيدة للتكبير ومحلها الرفع على الإبتداء والجملة بعدها خبرها ولما في كم من معنى التكثير جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك والمعنى التوبيخ لهم بما يتمنون ويطعمون فيه من شفاعة الأصنام مع كون الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم وهو معنى قوله ( إلا من بعد أن يأذن الله ) لهم بالشفاعة ( لمن يشاء ) أن يشفعوا له ( ويرضى ) بالشفاعة له لكونه من أهل التوحيد وليس للمشركين في ذلك حظ ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها لكونهم ليسوا من المستحقين لها
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن جرير عن أبن عباس ( والنجم إذا هوى ) قال إذا انصب وأخرج أبن المنذر عنه قال هو الثريا إذا تدلت وأخرج عنه أيضا قال أقسم الله أن ما ضل محمد ولا غوى وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( ذو مرة ) قال ذو خلق حسن وأخرج أحمد وأبن جرير وأبن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن أبن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله ( وهو بالأفق الأعلى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) قال خلق جبريل وأخرج ابن جرير وابو الشيخ عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح وأخرجه أحمد عنه أيضا وأخرج ابن المنذر عن بن عباس وهو بالأفق الأعلى قال مطلع الشمس وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن بن مسعود في قوله فكان قاب قوسين أو أدنى قال رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جبريل له ستمائة جناح وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وأبن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وأبن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عنه في قوله ( ما كذب الفؤاد وما رأى ) قال رأى رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم جبريل عليه حلقا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض وأخرج أبن أبي حاتم والطبراني وأبن مردويه عن أبن عباس في قوله ( ثم دنا فتدلى ) قال هو محمد صلى الله عليه وإله وسلم دنا فتدلى إلى ربه وأخرج أبن جرير وأبن مردويه عنه قال دنا ربه فتدلى وأخرج أبن جرير وأبن المنذر عن أبن مسعود في قوله ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) قال دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين وأخرج الطبراني وأبن مردويه والضياء في المختارة عن أبن عباس قال القاب القيد والقوسين الذراعين وأخرج أبن المنذر وأبن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال لما أسرى بالنبي صلى الله عليه وإله وسلم اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر وأخرج النسائي وأبن المنذر وأبن جرير وابن أبي حاتم وأبن مردويه عن أبن عباس ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) قال عبده محمد صلى الله عليه وإله وسلم وأخرج مسلم والطبراني وأبن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله ( ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى ) قال رأى محمد ربه بقلبه مرتين وأخرج نحوه عنه عبد حميد والترمذي وحسنه وأبن جرير وأبن المنذر والطبراني وأبن مردويه وأخرج أبن مردويه عن أنس قال راى محمد ربه وأخرج أبن مردويه عن أبن عباس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) رأى ربه بعينه وأخرج الطبراني وأبن مردويه عنه قال رأى محمد ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده وأخرج الترمذي وحسنه الطبراني وأبن مردويه والبيهقي عنه أيضا قال لقد رأى النبي صلى الله عليه وإله وسلم ربه عز وجل وأخرج النسائي والحاكم وصححه وأبن مردويه عنه أيضا قال أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد وقد روى نحو هذا عنه من طرق واخرج


"""""" صفحة رقم 111 """"""
مسلم والترمذي وأبن مردويه عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم هل رأيت ربك قال نوراني آراه وأخرج مسلم وأبن مردويه عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم هل رأيت ربك قال رأيت نورا وأخرج عبد بن حميد والنسائي وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا قال رأى رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره وأخرج مسلم عن أبي هريرة في قوله ( ولقد رآه نزلة أخرى ) قال جبريل وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وأبن المنذر وأبن مردويه والبيهقي عن أبن مسعود قال لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وإله وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) قال فراش من ذهب وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبن مسعود قال الجنة في السماء السابعة العليا والنار في الأرض السابعة السفلى وأخرج البخاري وغيره عن أبن عباس قال كان اللات رجلا يلت السويق للحاج وأخرج الطبراني وأبن مردويه عنه أن العزى كانت ببطن نخلة وأن اللات كانت بالطائف وأن مناة كانت بقديد وأخرج أبن جرير عن أبن عباس ( ضيزى ) قال جائرة لا حق لها
سورة النجم ( 27 42
النجم : ( 27 ) إن الذين لا . . . . .
قوله ) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ( أي أن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من الدار الآخرة وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء وجهالة جهلاء وهي أنهم يسمون الملائكة لنبرهن عن كل نقص تسمية الأنثى وذلك أنهم زعموا أنها بنات الله فجعلوهم إناثا وسموهم بنات
النجم : ( 28 ) وما لهم به . . . . .
( وما لهم به من


"""""" صفحة رقم 112 """"""
علم ) هذه الجملة في محل نصب على الحال أي يسمونهم هذه التسمية والحال أنهم غير عالمين بما يقولون فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم ولا بلغ إليهم ذلك من طريق من الطرق التي يخبر عنها المخبرون عنها بل قالوا ذلك جهلا وضلالة وجرأة وقرئ ما لهم بها أي بالملائكة أو التسمية ( إن يتبعون إلا الظن ) أي ما يتبعون في هذه المقالة إلا مجرد الظن والتوهم ثم أخبر سبحانه عن الظن وحكمه فقال ( وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) أي إن جنس الظن لا يغنى من الحق شيئا من الإغتناء والحق هنا العلم وفيه دليل على إن مجرد الظن لا يقوم مقام العلم وأن الظان غير عالم وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم وهي المسائل العلمية لا فيما يكتفي فيه بالظن وهي المسائل العملية وقد قدمنا تحقيق هذا ولا بد من هذا التخصيص فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنيه فالعمل بها عمل بالظن وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور فكانت أدلة وجوبه العمل به فيها مخصصة لهذا العموم وما ورد في معناه من الذم لمن عمل بالظن والنهي عن إتباعه
النجم : ( 29 ) فأعرض عن من . . . . .
( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ) أي أعرض عمن أعرض عن ذكرنا والمراد بالذكر هنا القرآن أو ذكر الآخرة أو ذكر الله على العموم وقيل المراد بالذكر هنا الإيمان والمعنى أترك مجادلتهم فقد بلغت إليهم ما أمرت به وليس عليك إلا البلاغ وهذا منسوخ بآية السيف ( ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) أي لم يرد سواها ولا طلب غيرها بل قصر نظره عليها فإنه غير متأهل للخير ولا مستحق للاعتناء بشأنه
النجم : ( 30 ) ذلك مبلغهم من . . . . .
ثم صغر سبحانه شأنهم وحقر أمرهم فقال ( ذلك مبلغهم من العلم ) أي إن ذلك التولى وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين قال الفراء أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الإخرة وقيل الإشارة بقوله ذلك إلى جعلهم للملائكة بنات الله وتسميتهم لهم تسمية الأنثى والأول أولى والمراد بالعلم هنا مطلق الأدراك الذي يندرج تحته الظن الفاسد والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم وإتباعهم مجرد الظن وقيل معترضة بين المعلل والعلة وهي قوله ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن أهتدى ) فإن هذا تعليل للأمر بالإعراض والمعنى أنه سبحانه أعلم بمن حاد عن الحق وأعرض عنه ولم يهتد إليه وأعلم بمن اهتدى فقبل الحق وأقبل إليه وعمل به فهو مجاز كل عامل بعمله وإن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وإله وسلم وإرشاده له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة وسبقت له الشقاوة فإن الله قد علم حال هذا الفريق الضال كما علم حال الفريق الراشد
النجم : ( 31 ) ولله ما في . . . . .
ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته وعظيم ملكه فقال ( ولله ما في السموات وما في الأرض ) أي هو المالك لذلك والمتصرف فيه ولا يشاركه فيه أحد واللام في ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ) متعلقة بما دل عليه الكلام كأنه قال هو مالك ذلك يضل من يشاء ويهدى من يشاء ليجزي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه وقيل إن قوله ولله ما في السموات وما في الأرض معترضة والمعنى إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن أهتدى ليجزي وقيل هي لام العاقبة أي وعاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي الله كلا منهما بعمله وقال مكي إن اللام متعلقة بقوله لا تغني شفاعتهم وهو بعيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى قرأ الجمهور ليجزي بالتحتية وقرأ زيد بن علي بالنون ومعنى ( بالحسنى ) أي بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى
النجم : ( 32 ) الذين يجتنبون كبائر . . . . .
ثم وصف هؤلاء المحسنين فقال ( الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش ) فهذا الموصول في محل نصب على إنه نعت للموصول الأول في قوله الذين أحسنوا وقيل بدل منه وقيل بيان له وقيل منصوب على المدح بإضمار أعني أو في محل رفع على إنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين يجتنبون كبائر الإثم قرأ الجمهور كبائر على الجمع وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب كبير على الإفراد والكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار أو ذم فاعله ذما شديدا ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام


"""""" صفحة رقم 113 """"""
طويل وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها والفواحش جمع فاحشة وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه وقال مقاتل كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد وقيل الكبائر الشرك والفواحش الزنا وقد قدمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا وأكثر فائدة والاستثناء بقوله ( إلا اللمم ) منقطع وأصل اللمم في اللغة ما قل وصغر ومنه ألم بالمكان قل لبثه فيه وألم بالطعام قل أكله منه قال المبرد أصل اللمم أن تلم بالشيء من غير أن تركبه يقال ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه قال الأزهري العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب ومنه قول جرير بنفسي من تجنبه عزيز
على ومن زيارته لمام وقول الآخر
متى تأتينا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزيلا نارا تأججا
قال الزجاج أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه يقال ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ويقال ما فعلته إلا لماما وإلماما أي الحين بعد الحين ومنه إلمام الحيال قال الأعشى
ألم خيال من قبيله بعد ما وهي حبلها من حبلنا فتصرما
قال في الصحاح ألم الرجل من ألمم وهو صغائر الذنوب ويقال هو مقاربة المعصية من غير مواقعة وأنشد غيره
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقل أن كملينا فما ملك القلب
وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية فالجمهور على أنه صغائر الذنوب وقيل هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة وقيل هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب وبه قال مجاهد والحسن والزهري وغيرهم ومنه
إن تغفر اللهم تغفر جما وأى عبد لك لا ألما
اختار هذا القول الزجاج والنحاس وقيل هو ذنوب الجاهلية فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام وقال نفطويه هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة قال والعرب تقول ما تأتينا إلا إلماما أي في الحين بعد الحين قال ولا يكون أن يلم ولا يفعل لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل لا إذا هم ولم يفعل والراجح الأول وجملة ( إن ربك واسع المغفرة ) تعليل لما تضمنه الاستثناء أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله ويحتاج إلر رحمته وقيل إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه باحوال عباده فقال ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) أي خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم وقيل المراد آدم فإنه خلقه من طين وإذا أنتم أجنة أي هو لم بأحوالكم وقت كونكم أجنة والأجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمى بذلك لاجتنانه أي استتاره ولهذا قال ( في بطون أمهاتكم ) فلا يسمى من خرج عن البطن جنينا والجملة مستأنفة لتعزير ما قبلها ( فلا تزكوا أنفسكم ) أي لا تمدحوها ولا تبرئوها عن الآثام ولا تثنوا عليها فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع وجملة ( هو أعلم بمن أتقى ) مستأنفة مقررة للنهي أي هو أعلم بمن أتقى عقوبة الله وأخلص العمل له قال الحسن وقد علم سبحانه من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة
النجم : ( 33 ) أفرأيت الذي تولى
ثم لما بين سبحانه جهالة المشركين على العموم خص بالذم بعضهم فقال ( أفرأيت الذي تولى ) أي تولى عن الخير وأعرض عن إتباع الحق
النجم : ( 34 ) وأعطى قليلا وأكدى
( وأعطى قليلا وأكدى ) أي أعطى عطاء


"""""" صفحة رقم 114 """"""
قليلا أو أعطى شيئا قليلا وقطع ذلك وأمسك عنه وأصل أكدى من الكدية وهي الصلابة يقال لمن حفر بئرا بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر قد أكدى ثم استعمله العرب لمن أعطى فلم يتم ولمن طلب شيئا فلم يبلغ آخره ومنه قول الحطيئة فأعطى قليلا ثم أكدى عطاؤه
ومن يبذل المعروف في الناس يحمد
قال الكسائي وأبو زيد يقال كديت أصابعه أذا أمحلت من الحفر وكدت يده إذا كلت فلم تعمل شيئا وكدت الأرض إذا قل نباتها وأكديت الرجل عن الشيء رددته وأكدى الرجل إذا قل خيره قال الفراء معنى الآية أمسك من العطية وقطع وقال المبرد منع منعا شديدا قال مجاهد وأبن زيد ومقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم على دينه فعيره بعض المشركين فترك ورجع إلى شركه قال مقاتل كان الوليد مدح القرآن ثم أمسك عنه فأعطى قليلا من لسانه من الخير ثم قطعه وقال الضحاك نزلت في النضر بن الحارث وقال محمد بن كعب القرظبي نزلت في أبي جهل
النجم : ( 35 ) أعنده علم الغيب . . . . .
( أعنده علم الغيب فهو يرى ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى أعند هذا المكدى علم ما غاب عنه من أمر العذاب فهو يعلم ذلك
النجم : ( 36 - 37 ) أم لم ينبأ . . . . .
( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ) أي ألم يخبرونهم يحدث بما في صحف موسى يعنى أسفاره وهي التوراة وبما في صحف إبراهيم الذي وفى أي تمم وأكمل ما أمر به قال المفسرون أي بلغ قومه ما أمر به وأداه إليهم وقيل بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه
النجم : ( 38 ) ألا تزر وازرة . . . . .
ثم بين سبحانه ما في صحفهما فقال ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى ومعناه لا تؤخذ نفس بذنب غيرها وأن هي المخففة من الثقيلة وأسمها ضمير شأن مقدر وخبرها الجملة بعدها ومحل الجملة الجر على إنها بدل من صحف موسى وصحف إبراهيم أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام
النجم : ( 39 ) وأن ليس للإنسان . . . . .
( وأن ليس الإنسان إلا ما سعى ) عطف على قوله ( ألا تزر ) وهذا أيضا مما في صحف موسى والمعنى ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحدا عمل أحد وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه ألحقنا بهم ذرياتهم وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء الأموات ونحو ذلك ولم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور فإن الخاص لا ينسخ العام بل يخصصه فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم
النجم : ( 40 ) وأن سعيه سوف . . . . .
( وأن سعيه سوف يرى ) أي يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة
النجم : ( 41 ) ثم يجزاه الجزاء . . . . .
( ثم يجزأه ) أي يجزى الإنسان سعيه يقال جزاه الله بعمله وجزاه على عمله فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان والمنصوب إلى سعيه وقيل إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله ( الجزاء الأوفى ) فيكون الضمير راجعا إلى متأخر عنه هو مفسرا له ويجوز أن يكون الضمير المنصوب راجعا إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه ويجعل الجزاء الأوفى تفسيرا للجزاء المدلول عليه بالفعل كما في قوله اعدلوا هو أقرب قال الأخفش يقال جزيته الجزاء وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما
النجم : ( 42 ) وأن إلى ربك . . . . .
( وأن إلى ربك المنتهى ) أي المرجع والمصير إليه سبحانه لا إلى غيره فيجازيهم بأعمالهم
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن مردويه عن أبن عباس في قوله ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) قال الكبائر ما سمى الله فيه النار والفواحش ما كان فيه حد الدنيا وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وإله وسلم قال إن الله كتب على أبن آدم حظه


"""""" صفحة رقم 115 """"""
من الزنا ادرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبن جرير وأبن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبن مسعود في قوله ( إلا اللمم ) قال زنا العينين النظر وزنا الشفتين التقبيل وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم وأخرج مسدد وأبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله ( إلا اللمم ) قال هي النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا وأخرج سعيد بن منصور والترمذي وصححه والبزار وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبن عباس قال في قوله إلا اللمم هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها قال قال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم إن تغفر اللهم تغفر جما
وأي عبد لك لا ألما
وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه في قوله ( إلا اللمم ) يقول إلا ما قد سلف وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله 0 إلا اللمم ) قال اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود فذلك الإلمام وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير عن أبن عباس قال اللمم كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الأخرة بكفره الصلاة وهو دون كل موجب فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة واخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم والطبراني وأبن مردويه وابو نعيم في المعرفة عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا هو صديق فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال كذبت يهود ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلا أنه شقى أو سعيد فأنزل الله عند ذلك ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) الآية كلها وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب وأخرج أبن مردويه عن أبن عباس في قوله أعطى قليلا وأكدى قال قطع نزلت في العاص بن وائل وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه قال أطاع قليلا ثم انقطع وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبن جرير وأبن أبي حاتم وأبن مردويه والشيرازي في الألقاب والديلمي قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وإله وسلم قال اتدرون ما قوله ( وإبراهيم الذي وفى ) قالوا الله ورسوله أعلم قال وفي عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهن وزعم أنها صلاة الضحى وفي إسناده جعفر بن الزبير وهو ضعيف وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال سهام الإسلام ثلاثون سهما لم يتممها أحد قبل إبراهيم عليه السلام قال الله وإبراهيم الذي وفى واخرج أبن جرير عنه في الآية قال يقول إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا والذي في صحف موسى ألا تزر وازرة وزر أخرى إلى آخر الآية وأخرج أبن أبي حاتم عن سهل بن معاذ بن انس عن أبيه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى آخر الآية وفي إسناده أبن لهيعة وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وأبن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت والنجم فبلغ وإبراهيم الذي وفى قال وفي إلا تزر وازرة وزر آخرى إلى قوله من النذر


"""""" صفحة رقم 116 """"""
الأولى واخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وأبن جرير وابن المنذر وأبن مردويه عنه قال ( وان ليس للإنسان إلا ما سعى ) فأنزل الله بعد ذلك والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم فأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا قرأ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) استرجع واستكان وأخرج الدارقطني في الأفراد والبغوي في تفسيره عن أبي كعب عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( وأن إلى ربك المنتهى ) قال لا فكرة في الرب
سورة النجم ( 43 62
النجم : ( 43 ) وأنه هو أضحك . . . . .
قوله ( وأنه هو أضحك وأبكى ) أي هو الخالق لذلك والقاضي بسببه قال الحسن والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار وقال الضحاك أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقيل أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه وقال سهل بن عبد الله أضحك المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط
النجم : ( 44 ) وأنه هو أمات . . . . .
(وأنه هو أمات وأحيا ) أي قضى أسباب الموت والحياة ولا يقدر على ذلك غيره وقيل خلق نفس الموت والحياة كما في قوله خلق الموت والحياة وقيل امات الآباء وأحيا الأبناء وقيل أمات في الدنيا وأحيا للبعث وقيل المراد بهما النوم واليقظة وقال عطاء أمات بعدله واحيا بفضله وقيل أمات الكافر في وأحيا المؤمن كما في قوله أو من كان ميتا فأحييناه
النجم : ( 45 - 46 ) وأنه خلق الزوجين . . . . .
( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ) المراد بالزوجين الذكر ولأنثى من كل حيوان ولا يدخل في ذلك آدم وحواء فإنهما لم يخلقا من النطفة والنطفة الماء القليل ومعنى إذ تمنى ) إذ تصب في الرحم وتدفق فيه كذا قال الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح وغيرهم يقال منى الرجل وأمنى أي صب المني وقال أبو عبيدة إذا تمنى إذا تقدر يقال منيت الشيء إذا قدرته ومنى له أي قدر له ومنه قول الشاعر حتى تلاقى ما يمنى لك الماني ط والمعنى أنه يقدر منها للولد
النجم : ( 47 ) وأن عليه النشأة . . . . .
( وأن عليه النشأة الأخرى ) أي إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث وفاء بوعده قرأ الجمهور النشأة بالقصر بوزن الضربة وقرأ أبن كثير وأبو عمرو بالمد بوزن الكفالة وهما على القراءتين مصدران
النجم : ( 48 ) وأنه هو أغنى . . . . .
( وأنه هو أغنى وأقنى ) أي أغنى من شاء وأفقر من شاء ومثله قوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وقوله يقبض ويبسط قاله أبن


"""""" صفحة رقم 117 """"""
زيد واختاره أبن جرير وقال مجاهد وقتادة والحسن أغنى مول وأقنى أخدم وقيل معنى أقنى أعطي القنية وهي ما يتأثل من الأموال وقيل معنى أقني أرضى بما أعطى أي أغناه ثم رضاه بما أعطاه قال الجوهري قني الرجل قنى مثل غنى غنى أي أعطاه ما يقتني وأقناه أرضاه والقني الرضى قال أبو زيد مائة من الإبل فقد أعطى المنى قال الأخفش وأبن كيسان أقني أفقر وهو يؤيد القول الأول
النجم : ( 49 ) وأنه هو رب . . . . .
( وأنه هو رب الشعري ) هي كوكب خلف الجوزاء كانت خزاعة تعبدها والمراد بها الشعري التي يقال لها العبور وهي أشد ضياء من الشعري التي يقال لها الغميصاء وإنما ذكر سبحانه أنه رب الشعري مع كونه ربا لكل الأشياء للرد على من كان يعبدها وأول من عبدها أبو كبشة وكان من أشراف العرب وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وإله وسلم أبن أبي كبشة تشبيها له به لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة ومن ذلك قول أبي سفيان يوم الفتح لقد أمر أمر أبن أبي كبشة
النجم : ( 50 ) وأنه أهلك عادا . . . . .
( وأنه أهلك عادا الأولى ) وصف عادا بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود قال أبن زيد قيل لها عادا الأولى لأنهم أول أمة أهلكت بعد نوح وقال أبن إسحاق هما عادان فالأولى أهلكت بالصرصر والأخرى أهلكت بالصيحة وقيل عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى إرم قرأ الجمهور عادا الأولى بالتنوين والهمز وقرأ نافع وأبن كثير وأبن محيصن بنقل حركة الهمزة على اللام وإدغام التنوين فيها
النجم : ( 51 ) وثمود فما أبقى
( وثمودا فما أبقى ) أي وأهلك ثمودا كما أهلك عادا فما أبقى أحدا من الفريقين وثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة وقد تقدم الكلام على عاد وثمود في غير موضع
النجم : ( 52 ) وقوم نوح من . . . . .
( وقوم نوح من قبل ) أي وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود ( إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ) اي أظلم من عاد وثمود وأطغى منهم أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية أو اظلم وأطغى من مشركي العرب وإنما كانوا كذلك لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم كما في قوله فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما
النجم : ( 53 ) والمؤتفكة أهوى
( والمؤتفكة أهوى ) لائتفاك الانقلاب والمؤتفكة مدائن قوم لوط وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار عليها سافلها تقول أفكته إذا قلبته ومعنى أهوى أسقط أي أهواها جبريل بعد أن رفعها قال المبرد جعلها تهوى
النجم : ( 54 ) فغشاها ما غشى
( فغشاها ما غشى ) أي ألبسها ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها كما في قوله فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به وتعظيم له وقيل إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة أي فغشاها من العذاب ما غشى على اختلاف أنواعه
النجم : ( 55 ) فبأي آلاء ربك . . . . .
( فبأى الآء ربك تتمارى ) هذا خطاب للإنسان المكذب أي فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك وتمتري وقيل الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تعريضا لغيره وقيل لكل من يصلح له وإسناد فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه وسمى هذه المور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما لأنها مشتملة على العبر والمواعظ ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين قرأ الجمهور تتمارى من غير إدغام وقرأ يعقوب وأبن محيصن بإدغام إحدى التاءين في الأخرى
النجم : ( 56 ) هذا نذير من . . . . .
( هذا نذير من النذر الأولى ) أي هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدمين قبله فإنه أنذركم كما أنذروا قومهم كذا قال ابن جريج ومحمد بن كعب وغيرهما وقال قتادة يريد القرآن وأنه أنذر بما أنذرت به الكتب الأولى وقيل هذا الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك كذا قال أبو مالك وقال أبو صالح إن الإشارة بقوله هذا إلى ما في صحف موسى وإبراهيم والأول أولى
النجم : ( 57 ) أزفت الآزفة
( أزفت الآزفة ) أي قربت الساعة ودنت سماها آزفه لقرب قيامها وقيل لدنوها من الناس


"""""" صفحة رقم 118 """"""
كما في قوله اقتربت الساعة أخبرهم بذلك ليستعدوا لها قال في الصحاح أزفت الآزفة يعني القيامة وأزفت الرجل عجل ومنه قول الشاعر أزف الترحل غير أن ركابنا
لما تزل برحالنا وكأن قد
النجم : ( 58 ) ليس لها من . . . . .
( ليس لها من دون الله كاشفة ) أي ليس لها نفس قادرة على كشفها عند وقوعها إلا الله سبحانه وقيل كاشفة بمعنى إنكشاف والهاء فيها كالهاء في العاقبة والداهية وقيل كاشفة بمعنى كاشف والهاء للمبالغة كرواية والأول أولى وكاشفة صفة الموصوف محذوف كما ذكرنا والمعنى أنه لا يقدر على كشفها إذا غشت الخلق بشدائدها وأهوالها أحد غير الله كذا قال عطاء والضحاك وقتادة وغيرهم
النجم : ( 59 ) أفمن هذا الحديث . . . . .
ثم وبخهم سبحانه فقال ( أفمن هذا الحديث تعجبون ) المراد بالحديث القرآن أي كيف تعجبون منه تكذيبا
النجم : ( 60 ) وتضحكون ولا تبكون
( وتضحكون ) منه استهزاء مع كونه غير محل للتكذيب ولا موضع للأستهزاء ( ولا تبكون ) خوفا وانزجارا لما فيه من الوعيد الشديد
النجم : ( 61 ) وأنتم سامدون
وجملة ( وأنتم سامدون ) في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون مستأنفة لتقرير ما فيها والسمود الغفلة والسهو عن الشيء وقال في الصحاح سمد سمودا رفع رأسه تكبرا فهو سامد قال الشاعر سوامد الليل خفاف الأزواد وقال أبن الأعرابي السمود اللهو والسامد اللاهي يقال للقينة أسمدينا أي ألهينا بالغناء وقال المبرد سامدون خامدون قال الشاعر
رمى الحدثان نسوة آل عمرو بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا
ورد وجوههن البيض سودا
النجم : ( 62 ) فاسجدوا لله واعبدوا
( فاسجدوا لله واعبدوه ) لما وبخ سبحانه المشركين على الأستهزاء بالقرآن والضحك منه والسخرية به وعدم الانتفاع بمواعظه وزواجره أمر عباده المؤمنين بالسجود لله والعبادة له والفاء جواب شرط محذوف أي إذا كان الأمر من الكفار كذلك فاسجدوا لله واعبدوا فإنه المستحق لذلك منكم وقد تقدم في فاتحة السورة أن النبي صلى الله عليه وإله وسلم سجد عند تلاوه هذه الآيه وسجد معه الكفار فيكون المراد بها سجود التلاوة وقيل سجود الفرض
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( وأنه هو أغنى وأقنى ) قال أعطى وأرضى وأخرج أبن جرير عنه ( وأنه هو رب الشعرى ) قال هو الكوكب الذي يدعي الشعرى وأخرج الفاكهي عنه أيضا قال نزلت هذه الآية في خزاعة وكانوا يعبدون الشعري وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء وأخرج أبن مردويه عنه أيضا في قوله ( هذا نذير من النذر الأولى ) قال محمد صلى الله عليه وإله وسلم ) وأخرج أبن جرير عنه أيضا قال الآزفة من أسماء القيامة وأخرج أبن أبي شيبة واحمد في الزهد وهناد وعبد بن حميد وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل قال لما نزلت هذه الآية ( أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون ) فما ضحك النبي صلى الله عليه وإله وسلم بعد ذلك إلا أن يتبسم ولفظ عبد بن حميد فما رؤى النبي صلى الله عليه وإله وسلم ضاحكا ولا متبسما حتى ذهب من الدنيا واخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وأبن جرير وبن المنذر وأبن أبي حاتم والطبراني وأبن مردويه عن أبن عباس في قوله


"""""" صفحة رقم 119 """"""
( سامدون ) قال لاهون معرضون عنه واخرج الفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وأبن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبزار وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه ( وأنتم سامدون ) قال الغناء باليمانية كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا واخرج الفريابي وأبو يعلي وأبن جرير وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عنه ايضا في قوله 119 ( سامدون ) قال كانوا يمرون على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شامخين ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبن جرير عن أبي خالد الوالبي قال خرج علي بن أبي طالب علينا وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام ننتظره ليتقدم فقال مالكم سامدون لا أنتم في صلاة ولا أنتم في جلوس تنتظرون
ع54
تفسير
سورة القمر
ويقال سورة اقتربت وهي خمس وخمسون آية
حول السورة
وهي مكية كلها في قول الجمهور وقال مقاتل هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله ( أم يقولون نحن جميع منتصر ) إلى قوله ( والساعة أدهى وأمر ) قال القرطبي ولا يصح وأخرج ابن الضريس وأبن مردويه والنحاس والبيهقي في الدلائل عن أبن عباس أنها نزلت بمكة وأخرج أبن مردويه عن أبن الزبير مثله واخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيض الوجوه قال البيهقي منكر وأخرج أبن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه من قرا اقتربت الساعة في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وأخرج أبن الضريس نحوه عن ليث بن معن عن شيخ من همدان رفعه وقد تقدم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر سورة القمر ( 1 17 )


"""""" صفحة رقم 120 """"""
القمر : ( 1 ) اقتربت الساعة وانشق . . . . .
قوله ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) أي قربت ولا شك أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة ويمكن أن يقال إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة فكل آت قريب ( وانشق القمر ) أي وقد انشق القمر وكذا قرأ حذيفة بزيادة قد والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوة معجزة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف قال الواحدى وجماعة المفسرين على هذا إلا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال المعنى سينشق القمر والعلماء كلهم على خلافة قال وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة قال ابن كيسان في الكلام تقديم وتأخير أي انشق القمر واقتربت الساعة وحكى القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة وقيل معنى وانشق القمر وضح الأمر وظهر والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح وقيل انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه قال ابن كثير قد كان الانشقاق في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة قال وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات قال الزجاج زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة والأمر بين في اللفظ وإجماع أهل العلم
القمر : ( 2 ) وإن يروا آية . . . . .
لأن قوله ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة انتهى ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد فقال لأنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلا ولا شرعا ولا عادة ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ويضرب به في وجه قائله والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ واستبعاد من استبعد وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) قال الواحدي قال المفسرون لما انشق القمر قال المشركون سحرنا محمد فقال الله ( وإن يروا آية ) يعني انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها ويقولوا سحر قوى شديد يعلو كل سحر من قولهم استمر الشيء إذا قوى واستحكم وقد قال بأن معنى مستمر قوي شديد جماعة من أهل العلم قال الأخفش هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله وبه قال أو العالية والضحاك واختاره النحاس ومنه قول لقيط حتى استمر على شر لا يزنه
صدق العزيمة لا رثا ولا ضرعا
وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة ( سحر مستمر ) أي ذاهب من قولهم مر الشيء واستمر ذا ذهب وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما واختاره النحاس وقيل معنى مستمر دائم مطرد ومنه قول الشاعر ألا إنما الدنيا ليال وأعصر وليس على شيء قديم بمستمر
أي بدائم باق وقيل مستمر باطل روى هذا عن أبي عبيدة أيضا وقيل يشبه بعضه بعضا وقيل قد مر من


"""""" صفحة رقم 121 """"""
الأرض إلى السماء وقيل هو من المرارة يقال مر الشيء صار مرا أي مستبشع عندهم وفي هذه الآية أعظم دليل على أن الانشقاق قد كان كما قررناه سابقا
القمر : ( 3 ) وكذبوا واتبعوا أهواءهم . . . . .
ثم ذكر سبحانه تكذيبهم فقال ( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي وكذبوا رسول الله وما عاينوا من قدرة الله واتبعوا أهواءهم وما زينه لهم الشيطان الرجيم وجملة ( وكل أمر مستقر ) مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب وإتباع الأهواء أي وكل أمر من الأمور منته إلى غاية فالخير يستقر بأهل الخيروالشر يستقر بأهل الشر قال الفراء يقول يستقر قرار تكذيبهم وقرار قول المصدقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب قال الكلبي المعنى لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف قرأ الجمهور مستقر بكسر القاف وهو مرتفع على إنه خبر المبتدأ وهو كل وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بجر مستقر على إنه صفة لأمر وقرا شيبة بفتح القاف ورويت هذه القراءة عن نافع قال أبو حاتم ولا وجه لها وقيل لها وجه بتقدير مضاف محذوف أي وكل أمر ذواستقرار أو زمان استقرار أو مكان استقرار على إنه مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان
القمر : ( 4 ) ولقد جاءهم من . . . . .
( ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ) أي ولقد جاء كفار مكة أو الكفار على العموم من الأنباء وهي أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن ما فيه مزدجر أي إزدجار على أنه مصدر ميمي يقال زجرته إذا نهيته عن السوء ووعظته ويجوز أن يكون أسم مكان والمعنى جاءهم ما فيه موضع ازدجار أي أنه في نفسه موضع لذلك وأصله مزتجر وتاء الافتعال تقلب دالا مع الزاي والدال والذال كما تقرر في موضعه وقرأ زيد بن علي مزجر بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاى في الزاى ومن في قوله من الأنباء للتبعيض وهي وما دخلت عليه في محل نصب على الحال
القمر : ( 5 ) حكمة بالغة فما . . . . .
وارتفاع ( حكة بالغة ) على أنها خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما بدل كل من كل أو بدل اشتمال والمعنى أن القرآن حكمة قد الغاية ليس فيها نقص ولا خلل وقرئ بالنصب على أنها حال من ما أي حال كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة ( فما تغن النذر ) ما يجوز أن تكون استفهامية وأن تكون نافية أبي أي شيء تعني النذر أو لم تغن النذر شيئا والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجئ الحكمة البالغة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر أو بمعنى الإنذار على إنه مصدر
القمر : ( 6 ) فتول عنهم يوم . . . . .
ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم فقال ( فتول عنهم ) أي أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار وهي منسوخة بآية السيف ( ويوم يدع الداع إلى شيء نكر ) انتصاب الظرف إما بفعل مقدر أي اذكر وإما بيخرجون المذكور بعده وإما بقوله ( فما تغن ) ويكون قوله ( فتول عنهم ) اعتراض أو بقوله يقول الكافرون أو بقوله خشعا وسقطت الواو من يدع إتباعا للفظ وقد وقعت في الرسم هكذا وحذفت الياء من الداع للتخفيف واكتفاء بالكسرة والداع هو إسرافيل والشيء النكر الأمر الفظيع الذي ينكرونه استبعاظا لعدم تقدم العهد لهم بمثله قرأ الجمهور بضم الكاف وقرأ أبن كثير بسكونها تخفيفا وقرأ مجاهد وقتادة بكسر الكاف وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول
القمر : ( 7 ) خشعا أبصارهم يخرجون . . . . .
( خشعا أبصارهم ) قرأ الجمهور خشعا جمع خاشع وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو خاشعا على الإفراد ومنه قول الشاعر وشباب حسن أو جههم من
إياد بن نزار بن معد
وقرأ أبن مسعود خاشعة قال الفراء الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث والجمع يعني جمع التكسير لا جمع السلامة لأنه يكون من الجمع بين فاعلين ومثل قراءة الجمهور امرئ القيس وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلد


"""""" صفحة رقم 122 """"""
وانتصاب خشعا على الحال من فاعل يخرجون أو من الضمير في عنهم والخشوع في البصر الخضوع والذلة وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين فيها ( يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ) أي يخرجون من القبور وواحد الأجداث جدث وهو القبر كأنهم لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر أي منبث في الأقطار مختلط بعضه ببعض
القمر : ( 8 ) مهطعين إلى الداع . . . . .
( مهطعين إلى الداع ) الإهطاع الإسراع أي قال كونهم مسرعين إلى الداعي وهو إسرافيل ومنه قول الشاعر بدجلة دارهم ولقد أراهم
بدجلة مهطعين إلى السماع
أي مسرعين إليه وقال الضحاك مقبلين وقال قتادة عامدين وقال عكرمة فاتحين آذانهم إلي الصوت والأول أولى وبه قال أبو عبيدة وغيره وجملة ( يقول الكافرون هذا يوم عسر ) في محل نصب على الحال من ضمير مهطعين والرابط مقدر أو مستأنفه جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا يكون حينئذ والعسر الصعب الشديد وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين
القمر : ( 9 ) كذبت قبلهم قوم . . . . .
ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدم من الأنباء المجملة فقال ( كذبت قبلهم قوم نوح ) أي كذبوا نبيهم وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وإله وسلم وقوله فكذبوا عبدنا تفسير لما قبله من التكذيب المبهم وفيه مزيد تقرير وتأكيد أي فكذبوا عبدنا نوحا وقيل المعنى كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا نوحا بتكذيبهم للرسل فإنه منهم ثم بين سبحانه أنهم لم يقتصروا على مجرد التكذيب فقال ( وقالوا مجنون ) أي نسبوا نوحا إلى الجنون وقوله ( وازدجر ) معطوف على قالوا أي وزجر عن دعوى النبوة وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر والدال بدل من تاء الافتعال كما تقدم قريبا وقيل إنه معطوف على مجنون أي وقالوا إنه ازدجر أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه والأول أولى قال مجاهد هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسب وأنواع الأذى قال الرازي وهذا أصح لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وإله وسلم بذكر من تقدمه
القمر : ( 10 ) فدعا ربه أني . . . . .
( فدعا ربه إني مغلوب فانتصر ) أي دعا نوح على قومه بأني مغلوب من جهة قومي لتمردهم عن الطاعة وزجرهم لي عن تبليغ الرسالة فانتصر لي أي انتقم لي منهم طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم لما أيس من إجابتهم وعلم تمردهم وعتوهم وإصرارهم على ضلالتهم قرأ الجمهور أني ط بفتح الهمزة أي بأني وقرأ ابن أبي إسحاق والأعمش بكسر الهمزة ورويت هذه القراءة عن عاصم على تقدير إضمار القول أي نقال
القمر : ( 11 ) ففتحنا أبواب السماء . . . . .
ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) أي منصب انصبابا شديدا والهمر الصب بكثرة يقال همر الماء والدمع يهمر وهمورا إذا كثر ومنه قول الشاعر أعيني جودا بالدموع الهوامر
على خير باد من معد وحاضر
ومنه قول امرئ القيس يصف عينا راح تمر به الصبا ثم انتحى
فيه بشؤبوب جنوب منهمر
قرأ الجمهور فتحا مخففا وقرأ أبن عامر ويعقوب بالتشديد
القمر : ( 12 ) وفجرنا الأرض عيونا . . . . .
( وفجرنا الأرض عيونا ) أي جعلنا الأرض كلها عيونا متفجرة والأصل فجرنا عيون الأرض قرأ الجمهور فجرنا بالتشديد وقرأ أبن مسعود وأبو حيوة وعاصم في رواية عنه بالتخفيف قال عبيد بن عمير أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون فالتقى الماء على أمر قد قدر أي التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضى عليهم أي كائنا على حال قدرها الله وقضى بها وحكى أبن قتيبة أن المعنى على مقدار لم يرد أحدهما على الآخر بل كان ماء السماء وماء


"""""" صفحة رقم 123 """"""
الأرض على سواء قال قتادة قدر لهم إذ كفروا أن يغرقوا وقرأ الجحدري فالتقى المان وقرأ فالتقى الماوان ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب ومحمد بن كعب
القمر : ( 13 ) وحملناه على ذات . . . . .
( وحملناه على ذات ألواح ودسر أي وحملنا نوحا على سفينة ذات ألواح وهي الأخشاب العريضة ودسر قال الزجاج هي المسامير التي تشد بها الألواح واحدها دسار وكل شيء أدخل في شيء يشده فهو الدسر وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب وأبن زيد وسعيد بن جبير وغيرهم وقال الحسن وشهر بن حوشب وعكرمة الدسر ظهر السفينة التي يضربها الموج سميت بذلك لأنها تدسر الماء أي تدفعه والدسر الدفع وقال الليث الدسار خيط تشد به ألواح السفينه قال في الصححاح الدسار واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح السفينه ويقال هي المسامير
القمر : ( 14 ) تجري بأعيننا جزاء . . . . .
( تجري بأعيننا ) أي بمنظر ومرأي منا وحفظ لها كما في قوله واصنع الفلك بأعيننا وقيل بأمرنا وقيل بوحينا وقيل بالأعين التابعة من الأرض وقيل بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها ( جزاء لمن كان كفر ) قال الفراء فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به وجحد أمره وهو نوح عليه السلام فإنه كان لهم نعمة كفروها فانتصاب جزاء على العلة وقيل على المصدرية بفعل مقدر أي جازيناهم جزاء قرا الجمهور كفر مبنيا للمفعول والمراد به نوح وقيل هو الله سبحانه فإنهم كفروا به وجحدوا نعمته وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد وعيسى كفر بفتح الكاف والفاء مبنيا للفاعل أي جزاء وعقابا لمن كفر بالله
القمر : ( 15 ) ولقد تركناها آية . . . . .
( ولقد تركناها آية ) أي السفينة تركها الله عبرة للمعتبرين وقيل المعنى ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وموعظة ( فهل من مذكر ) أصله مذتكر فأبدلت التاء دالا مهملة ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما وأدغمت الدال في الدال والمعنى هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها
القمر : ( 16 ) فكيف كان عذابي . . . . .
( فكيف كان عذابي ونذر ) أي إنذاري قال الفراء والإنذار والنذر مصدران والاستفهام للتهويل والتعجيب أي كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف وقيل نذر جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار
القمر : ( 17 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . .
( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه وقيل هيأناه للتذكر والاتعاظ ( فهل من مدكر ) أي متعظ بمواعظه ومعتبر بعبره وفي الآية الحث على درس القرآن والاستكثار من تلاوته والمسارعة في تعلمه ومدكر أصله مذتكر كما تقدم قريبا
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما ) وروى عنه من طريق أخرى عند مسلم والترمذي وغيرهم وقال ( فنزلت أقتربت الساعة وانشق القمر ) وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم أشهدوا وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه قال رأيت القمر منشقا شقتين مرتين مرة بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وإله وسلم شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء وذكر أن هذا سبب نزول الآية واخرج أحمد وعبد بن حميد وأبن جرير والحاكم وصححه وأبن مردويه وأبو نعيم عنه أيضا قال رأيت القمر وقد انشق وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر وله طرق عنه وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبن عباس قال انشق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وإله وسلم وله طرق عنه وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أبن عمر في قوله ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) قال كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم انشق فرقتين فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) اللهم اشهد واخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبن جرير والحاكم وصححه وأبن


"""""" صفحة رقم 124 """"""
مردويه وابو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم عن أبيه في قوله ( وانشق القمر ) قال انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل فقال الناس سحرنا محمد فقال رجل إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم وأخرج أبن أبي شيبة وعبدين حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبن جرير وأبن مردويه وأبو نعيم عن عبد الرحمن السلمي قال خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اقتربت الساعة وانشق القمر ألا وإن الساعة قد اقتربت ألا وأن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم ألا وأن الدنيا قد آذنت بفراق اليوم المضمار وغدا السياق وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( مهطعين ) قال ناظرين وأخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) قال كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالقى الماآن وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا ( على ذات ألواح ودسر ) قال الألواح ألواح السفينة والدسر معاريضها التي تشد بها السفينة وأخرج أبن جرير وابن المنذر عنه أيضا في قوله ( ودسر ) قال المسامير وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه قال الدسر كلكل السفينة وأخرج أبن أبي حاتم وأبن مردويه والبهيقي عنه أيضا في قوله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) قال لولا ان الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا مثله واخرج عبد بن حميد وأبن المنذر عن أبن عباس ( فهل من مدكر ) قال هل من متذكر
سورة القمر ( 18 40 )


"""""" صفحة رقم 125 """"""
القمر : ( 18 ) كذبت عاد فكيف . . . . .
قوله ( كذبت عاد ) هم قوم عاد ( فكيف كان عذابي ونذر ) أي فاسمعوا كيف كان عذابي لهم وإنذاري إياهم ونذر مصدر بمعنى إنذار كما تقدم تحقيقه والاستفهام للتهويل و التعظيم
القمر : ( 19 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . .
( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) هذه الجملة مبينة لما أجمله من العذاب والصرصر شدة البرد أي ريح شديدة البرد وقيل الصرصر شدة الصوت وقد تقدم بيانه في سورة حم السجدة ( في يوم نحس مستمر ) أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم قال الزجاج قيل في يوم الأربعاء في آخر الشهر قرأ الجمهور في يوم نحس بإضافة يوم إلى نحس مع سكون الحاء وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة أو على تقدير مضاف أي في يوم عذاب نحس وقرا الحسن بتنوين يوم على أن نحس صفة له وقرا هارون بكسر الحاء قال الضحاك كان ذلك اليوم مرا عليهم وكذا حكى الكسائى عن قوم أنهم قالوا هو من المرارة وقيل هو من المرة بمعنى القوة أي في يوم قوى الشؤم مستحكمة كالشيء المحكم القتل الذي لا يطاق نقضه والظاهر أنه من الاستمرار لا من المرارة ولا من المرة أي دام عليهم العذاب فيه حتى أهلكهم وشمل بهلاكه كبيرهم وصغيرهم
القمر : ( 20 ) تنزع الناس كأنهم . . . . .
وجملة ( ى تنزع الناس ) في محل نصب على أنها صفة لريحا أو حال منها ويجوز أن يكون استئنافا أي تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها قال مجاهد كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رءوسهم فتدق أعناقهم وتبين رءوسهم من أجسادهم وقيل تنزع الناس من البيوت وقيل من قبورهم لأنهم حفروا حفائر ودخلوها ( كأنهم أعجاز نخل منقعر ) الأعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشيء والمنقعر المنقطع من أصله يقال قعرت النخلة إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رءوس وذلك أن الريح قلعت رءوسهم أولا ثم كتبتهم على وجوههم وتذكير منقعر مع كونه صفة لأعجاز نخل وهي مؤنثه اعتبارا باللفظ ويجوز تأنيثه اعتبارا بالمعنى كما قال أعجاز نخل خاوية قال المبرد كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى اللفظ وتذكيرا أو إلى المعنى تأنيثا وقيل إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث
القمر : ( 21 ) فكيف كان عذابي . . . . .
( فكيف كان عذابي ونذر ) قد تقدم تفسيره قريبا
القمر : ( 22 - 23 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . .
وكذلك قوله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ثم لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه بتكذيب ثمود فقال ( كذبت ثمود بالنذر ) يجوز أن يكون جمع نذير أي كذبت بالرسل المرسلين إليهم ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإنذار أي كذبت بالإنذار الذي أنذروا به وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيبا للرسل لأن من كذب واحدا من الإنبياء فقد كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع
القمر : ( 24 ) فقالوا أبشرا منا . . . . .
( فقالوا أبشر منا واحدا نتبعه ) الاستفهام لإنكار أي كيف نتبع بشرا كائنا من جنسنا منفردا وحده لا متابع له على ما يدعوا إليه قرأ الجمهور بنصب بشرا على الاشتغال أي أنتبع بشرا واحدا وقرأ أبو السماك والداني وأبو الأشهب وأبن السميفع بالرفع على الإبتداء وواحدا صفته ونتبعه خبره وروى عن أبي السماك أنه قرأ برفع بشرا ونصب واحدا على الحال ( إنا إذا لفي ضلال ) أي إنا إذا اتبعناه لفي خطأ وذهاب عن الحق ( وسعر ) أي عذاب


"""""" صفحة رقم 126 """"""
وعناد وشدة كذا قال الفراء وغيره وقال أبو عبيدة هو جمع سعير وهو لهب النار والسعر الجنون يذهب كذا وكذا لما يلتهب به من الحدة وقال مجاهد وسعر وبعد عن الحق وقال السدي في احتراق وقيل المراد به هنا الجنون من قولهم ناقة مسعورة أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة ومنه قول الشاعر يصف ناقة تخال بها سعرا إذ السعر هزها
ذميل وإيقاع من السير متعب
القمر : ( 25 ) أؤلقي الذكر عليه . . . . .
ثم كرروا الإنكار والاستبعاد فقالوا ( ألقى الذكر عليه من بيننا ) أي كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة وفينا من هو أحق بذلك منه ثم أضربوا عن الاستنكار وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذابا أشرا فقالوا ( بل هو كذاب أشر ) والأشر المرح والنشاط أو البطر والتكبر وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام ومنه قول الشاعر أشرتم بلبس الخز لما لبستم ومن قبل لا تدرون من فتح القرى
قرأ الجمهور أشر كفرح وقرأ أبو قلابة وأبو جعفر بفتح الشين وتشديد الراء على أنه أفعل تفضيل ونقل الكسائي عن مجاهد أنه قرأ بضم الشين مع فتح الهمزة
القمر : ( 26 ) سيعلمون غدا من . . . . .
ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله ( سيعلمون عدا من الكذاب الأشر ) والمراد بقوله غدا وقت نزول العذاب بهم في الدنيا أو في يوم القيامة جريا على عادة الناس في التعبير بالغد عن المستقبل من الأمر وإن بعد كما في قولهم إن مع اليوم غدا وكما في قول الحطيئة
للموت فيها سهام غير مخطئة من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا
ومنه قول أبي الطماح
إلا علالاني قبل نوح النوائح وقبل اضطراب النفس بين الجوانح
وقبل غد يا لهف نفسي على غد
إذا راح أصحابي ولست برائح
قرأ الجمهور سيعلمون بالتحتية إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة وقرأ أبو عمرو وأبن عامر وحمزة بالفوقية على إنه خطاب من صالح لقومه
القمر : ( 27 ) إنا مرسلو الناقة . . . . .
وجملة ( إنا مرسلوا الناقة ) مستأنفة لبيان ما تقدم إجماله من الوعيد أي انا مخرجوها من الصخرة على حسب ما اقترحوه فتنة لهم أي ابتلاء وامتحانا وانتصاب فتنة على العلة ( فارتقبهم ) أي انتظر ما يصنعون ( واصطبر على ما يصيبك من الأذى منهم
القمر : ( 28 ) ونبئهم أن الماء . . . . .
( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ) أي بين ثمود وبين الناقة لها يوم ولهم يوم كما في قوله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم وقال نبئهم بضمير العقلاء تغليبا ( كل شرب محتضر ) الشرب بكسر الشين الحظ من الماء ومعنى محتضر أنه يحضره من هو له فالناقة تحضره يوما وهم يحضرونه يوما قال مجاهد إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون قرأ الجمهور قسمة بكسر القاف بمعنى مقسوم وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها
القمر : ( 29 ) فنادوا صاحبهم فتعاطى . . . . .
( فنادوا صاحبهم ) أي نادى ثمود صاحبهم وهو قدار بن سالف عاقر الناقة يحضونه على عقرها فتعاطى فعقر اي تناول الناقة بالعقر فعقرها أو اجترأ على تعاطي اسباب العقر فعقر قال محمد بن إسحاق كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضله ساقها ثم شد عليها بالسيف فكسر عرقوبها ثم نحرها والتعاطي تناول شيء بتكلف
القمر : ( 30 ) فكيف كان عذابي . . . . .
( فكيف كان عذابي ونذر ) قد تقدم تفسيره في هذه السورة
القمر : ( 31 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . .
ثم بين ما أجمله من العذاب فقال ( إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة ) قال عطاء نريد صيحة جبريل وقد مضى بيان هذا في سورة هود وفي الأعراف ( فكانوا كهشيم محتضر ) قرأ الجمهور بكسر الظاء والهشيم حطام الشجر ويابسه والمحتظر صاحب الحظيرة وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح يقال احتظر على غنمه إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض قال في الصحاح والمختظر الذي يعمل الحظيرة وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية بفتح


"""""" صفحة رقم 127 """"""
الظاء أي كهشيم الحظيرة فمن قرأ بالكسر أراد الفاعل للاحتظار ومن قرأ بالفتح أراد الحظيرة وهي فعيلة بمعنى مفعولة ومعنى الآية أنهم صاروا كالشجر إذا يبس في الحظيرة وداسته الغنم بعد سقوطه ومنه قول الشاعر أثرن عجاجه كدخان نار
تشب بغرقد بال هشيم
وقال قتادة هو العظام النخرة المحترقة وقال سعيد بن جبير هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح وقال سفيان الثوري هو ما يتناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصى قال ابن زيد العرب تسمى كل شيء كان رطبا فيبس هشيما ومنه قول الشاعر ترى جيف المطي بجانبيه
كأن عظامها خشب الهشيم
4
القمر : ( 32 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . .
(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) تقدم تفسير هذا في هذه السورة
القمر : ( 33 ) كذبت قوم لوط . . . . .
ثم اخبر سبحانه عن قوم لوط بأنهم كذبوا رسل الله كما كذبهم غيرهم فقال ( كذبت قوم لوط بالنذر ) وقد تقدم تفسير النذر قريبا
القمر : ( 34 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . .
ثم بين سبحانه ما عذبهم به فقال ( إنا أرسلنا عليهم حاصبا ) أي ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى قال أبو عبيدة والنضر بن شميل الحاصب الحجارة في الريح قال في الصحاح الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء ومنه قول الفرزدق مستقبلين شمال الشام يضربها
بحاصب كنديف القطن منثور
( إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) يعني لوطا ومن تبعه والسحر آخر الليل وقيل هو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار وانصرف سحر لأنه أنكره لم يقصد به سحر ليلة معينة ولو قصد معينا لا متنع كذا قال الزجاج والأخفش وغيرهما
القمر : ( 35 ) نعمة من عندنا . . . . .
وانتصاب ( نعمة من عندنا ) على العلة أو على المصدرية أي إنعاما منا على لوط ومن تبعه ( كذلك نجزي من شكر ) أي مثل ذلك الجزاء نجزي من شكر نعمتنا ولم يكفرها
القمر : ( 36 ) ولقد أنذرهم بطشتنا . . . . .
( ولقد أنذرهم بطشتنا ) اي أنذر لوط قومه بطشة الله بهم وهي عذابه الشديد وعقوبته البالغة ( فتماروا بالنذر ) أي شكوا في الإنذار ولم يصدقوه وهو تفاعلوا من المرية وهي الشك
القمر : ( 37 ) ولقد راودوه عن . . . . .
( لقد راودوه عن ضيفه ) أي أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة ليفجروا بهم كما هو دأبهم يقال راودته عن كذا مراودة وروادا أي أردته وراد الكلام يروده رودا أي طلبه وقد تقدم تفسير المراودة مستوفي في سورة هود ( فطمسنا أعينهم ) أي صيرنا أعينهم ممسوحة لا يرى لها شق كما تطمس الريح الأعلام بما تسقى عليها من التراب وقيل أذهب الله نور أبصارهم مع بقاء الأعين على صورتها قال الضحاك طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل فرجعوا ( فذوقوا عذابي ونذر ) قد تقدم تفسيره في هذه السورة
القمر : ( 38 ) ولقد صبحهم بكرة . . . . .
( ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) أي أتاهم صباحا عذاب مستقر بهم نازل عليهم لا يفارقهم ولا ينفك عنهم قال مقاتل استقر بهم العذاب بكرة وانصراف بكرة لكونه لم يرد بها وقتا بعينه كما سبق في بسحر
القمر : ( 39 - 40 ) فذوقوا عذابي ونذر
( فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) قد تقدم تفسير هذا في هذه السورة ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الاشعار بأنه منه عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها وقد أخرج أبن جرير عن ابن عباس في قوله ( إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ) قال باردة ( في يون نحس ) قال أيام شداد واخرج أبن المنذر وأبن مردويه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم الأربعاء يوم نحس مستمر وأخرجه عنه أبن مردويه من وجه آخر مرفوعا وأخرجه أبن مردويه عن علي


"""""" صفحة رقم 128 """"""
مرفوعا وأخرجه أبن مردويه أيضا عن أنس مرفوعا وفيه قيل وكيف ذاك يا رسول الله قال أغرق الله فيه فرعون وقومه وأهلك فيه عادا وثمودا وأخرج أبن مردويه والخطيب بسند قال السيوطي ضعيف عن ابن عباس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر وأخرج أبن المنذر عنه ( كأنهم أعجاز نخل ) قال أصول النخل ( منقعر ) قال منقلع وأخرج أبن أبي حاتم عنه ايضا في الآية قال إعجاز مواد النخل وأخرج أبن المنذر عنه ايضا وسعر ) قال شقاء واخرج أبن جرير وأبن المنذر عنه أيضا قال ( كهشيم المحتظر ) قال كحظائر من الشجر محترقة وأخرج أبن جرير عنه أيضا في الآية كالعظام المحترقة وأخرج عبد بن حميد وأبن المنذر عنه قال كالحشيش تأكله الغنم
سورة القمر ( 41 55
القمر : ( 41 ) ولقد جاء آل . . . . .
( النذر ) يجوز أن يكون جمع نذير ويجوز أن يكون مصدر بمعنى الإنذار كما تقدم وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى وهذا أولى
القمر : ( 42 ) كذبوا بآياتنا كلها . . . . .
لقوله ( كذبوا بآياتنا كلها ) فإنه بيان لذلك والمراد بها الآيات التسع التي تقدم ذكرها ( فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) أي أخذناهم بالعذاب أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء
القمر : ( 43 ) أكفاركم خير من . . . . .
ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال ( أكفارهم خير من أولئكم ) والاستفهام للإنكار والمعنى النفي أي ليس كفاركم يا أهل مكة أو يا معشر العرب خير من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم فكيف تطمعون في السلامة من العذاب وأنتم شر منهم
القمر : ( 44 ) أم يقولون نحن . . . . .
ثم أضرب سبحانه عن ذلك وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر هو أشد من التبكيت بالوجه الأول فقال ( أم لكم براءة في الزبر ) والزبر هي الكتب المنزلة على الأنبياء والمعنى إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب الله في شيء من كتب الأنبياء ثم أضرب عن هذا التبكيت وانتقل إلى التبكيت لهم بوجه آخر فقال ( أم يقولون نحن جميع منتصر ) أي جماعة لا تطاق لكثرة عددنا وقوتنا أو أمرنا مجتمع لانغلب وأفرد منتصرا اعتبارا بلفظ جميع قال الكلبي المعنى نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا
القمر : ( 45 ) سيهزم الجمع ويولون . . . . .
فرد الله سبحانه عليهم بقوله ( سيهزم الجمع ) أي جمع كفار مكة أو كفار العرب على العموم قرأ الجمهور سيهزم بالتحتية مبنيا للمفعول وقرأ ورش عن يعقوب سنهزم بالنون وكسر الزاي ونصب الجمع وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة


"""""" صفحة رقم 129 """"""
لتحتية مبنيا للفاعل وقرىء بالفوقية مبنيا للفاعل ( ويولون الدبر ) قرأ الجمهور يولون بالتحتية وقرأ عيسى ابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب بالفوقية على الخطاب والمراد بالدبر الجنس وهو في معنى الإدبار وقد هزمهم الله يوم بدر وولوا الأدبار وقتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر فلله الحمد
القمر : ( 46 ) بل الساعة موعدهم . . . . .
( بل الساعة موعدهم ) أي موعد عذابهم الأخروي وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب وإنما هو مقدمة من مقدماته وطليعة من طلائعه ولهذا قال ( والساعة أدهى وأمر ) أي وعذاب الساعة أعظم في الضر وأفظع مأخوذ من الدهاء وهو النكر والفظاعة ومعنى أمر أشد مرارة من عذاب الدنيا يقال دهاه أمر كذا أي أصابه دهوا ودهيا
القمر : ( 47 ) إن المجرمين في . . . . .
( إن المجرمين في ضلال وسعر ) أي في ذهاب عن الحق وبعد عنه وقد تقدم في هذه السورة تفسير وسعر فلا نعيده
القمر : ( 48 ) يوم يسحبون في . . . . .
( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) والظرف منتصب بما قبله أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون أو بقول مقدر بعده أي يوم يسحبون يقال لهم ( ذوقوا مس سقر ) أي قاسوا حرها وشدة عذابها وسقر علم لجهنم وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بإدغام سين مس في سين سقر
القمر : ( 49 ) إنا كل شيء . . . . .
( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) قرأ الجمهور بنصب كل على الاشتغال وقرأ أبو السماك بالرفع والمعنى أن كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه ملتبسا بقدر قدره وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه والقدر التقدير وقد قدمنا الكلام على تفسير هذه الآية مستوفى
القمر : ( 50 ) وما أمرنا إلا . . . . .
( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) أي إلا مرة واحدة أو كلمة واحدة كلمح بالبصر في سرعته واللمح النظر على العجلة والسرعة وفي الصحاح لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف والاسم اللمحة قال الكلبي وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر
القمر : ( 51 ) ولقد أهلكنا أشياعكم . . . . .
( ولقد أهلكنا أشياعكم ) أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم وقيل أتباعكم وأعوانكم ( فهل من مدكر ) يتذكر ويتعظ بالمواعظ ويعلم أن ذلك حق فيخاف العقوبة وأن يحل به ما حل بالأمم السالفة
القمر : ( 52 ) وكل شيء فعلوه . . . . .
( وكل شيء فعلوه في الزبر ) أي جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ وقيل في كتب الحفظة
القمر : ( 53 ) وكل صغير وكبير . . . . .
( وكل صغير وكبير مستطر ) أي كل شيء من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره وجليله وحقيره يقال سطر يسطر سطرا كتب وأسطر مثله
القمر : ( 54 ) إن المتقين في . . . . .
ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء ذكر حال السعداء فقال ( إن المتقين في جنات ونهر ) أي في بساتين مختلفة وجنان متنوعة وأنهار متدفقة قرأ الجمهور ونهر بفتح الهاء على الإفراد وهو جنس يشمل أنهار الجنة وقرأ مجاهد والأعرج وأبو السماك بسكون الهاء وهما لغتان وقرأ أبو مجلز وأبو نهشل والأعرج وطلحة بن مصرف وقتادة نهر بضم النون والهاء على الجمع
القمر : ( 55 ) في مقعد صدق . . . . .
( في مقعد صدق ) أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة ( عند مليك مقتدر ) أي قادر على ما يشاء لا يعجزه شيء وعندها هنا كناية عن الكرامة وشرف المنزلة وقرأ عثمان البتى في مقاعد صدق
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ( أكفاركم خير من أولئكم ) يقول ليس كفاركم خير من قوم نوح وقوم لوط وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه في قوله ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) قال كان ذلك يوم بدر قالوا ( نحن جميع منتصر ) فنزلت هذه الآية وفي البخاري وغيره عنه أيضا أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال وهو في قبة له يوم بدر أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم نعبد بعد اليوم أبدا فأخذ أبو بكر بيده وقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع ويقول ( سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) وأخرج أحمد وعبد بن حميد


"""""" صفحة رقم 130 """"""
ومسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن أبي هريرة قال جاء مشركو قريش إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخاصمونه في القدر فنزلت ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) وأخرج مسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كل شيء بقدر حتى العجز والكيس وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ( وكل صغير وكبير مستطر ) قال مسطور في الكتاب 1 ه
ع55
تفسير
سورة الرحمن
هي ست وسبعون آية
حول السورة
وهي مكية قال القرطبي كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر قال قال ابن عباس إلا آية منها وهي قوله ( يسأله من في السموات والأرض ) الآية وقال ابن مسعود ومقاتل هي مدنية كلها والأول أصح ويدل عليه ما أخرجه النحاس عن ابن عباس قال نزلت سورة الرحمن بمكة وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال أنزل بمكة سورة الرحمن وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت نزلت سورة الرحمن علم القرآن بمكة وأخرج أحمد وابن مردويه قال السيوطي بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ويؤيد القول الثاني ما أخرجه ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال نزلت سورة الرحمن بالمدينة ويمكن الجمع بين القولين بأنه نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة وأخرج الترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال مالي أراكم سكوتا لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم كلما أتيت على قوله ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قالوا لا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد قال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وحكى عن الإمام أحمد أنه كان يستنكر روايته عن زهير وقال البزار لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه وأخرجه البزار وابن جرير وابن المنذر والدار قطني في الإفراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه من حديث ابن عمر وصحح السيوطي إسناده وقال البزار لا نعلمه يروى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وأخرج البيهقي في الشعب عن على سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن


"""""" صفحة رقم 131 """"""
سورة الرحمن 1 25
الرحمن : ( 1 - 2 ) الرحمن
قوله ( الرحمن علم القرآن ) ارتفاع الرحمن على أنه مبتدأ وما بعده من الأفعال أخبار له ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي الله الرحمن قال الزجاج معنى ( علم القرآن ) يسره قال الكلبي علم القرآن محمدا وعلمه محمد أمته وقيل جعله علامة لما يعبد الناس به قيل نزلت هذه الآية جوابا لأهل مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر وقيل جوابا لقولهم وما الرحمن ولما كانت هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها قدرا وأكثرها نفعا وأتمها فائدة وأعظمها عائدة وهي نعمة تعليم القرآن فإنها مدار سعادة الدارين وقطب رحى الخيرين وعماد الأمرين
الرحمن : ( 3 ) خلق الإنسان
ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور ومرجع جميع الأشياء فقال ( خلق الإنسان ) ثم امتن ثالثا بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم ويدور عليه التخاطب وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به قال قتادة والحسن المراد بالإنسان آدم
الرحمن : ( 4 ) علمه البيان
والمراد بالبيان أسماء كل شيء وقيل المراد به اللغات وقال ابن كيسان المراد بالإنسان ها هنا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وبالبيان بيان الحلال من الحرام والهدى من الضلال وهو بعيد وقال الضحاك البيان الخير والشر وقال الربيع بن أنس هو هو ما ينفعه مما يضره وقيل البيان الكتابة بالقلم والأولى حمل الإنسان على الجنس وحمل البيان على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به
الرحمن : ( 5 ) الشمس والقمر بحسبان
( الشمس والقمر بحسبان ) أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين قال قتادة وأبو مالك يجريان بحسبان في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها وقال ابن زيد وابن كيسان يعنى أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب لأن الدهر يكون كله ليلا أو نهارا وقال الضحاك معنى بحسبان بقدر وقال مجاهد بحسبان كحسبان الرحى يعنى قطبهما الذي يدوران عليه قال الأخفش الحسبان جماعة الحساب مثل شهب وشهبان وأما الحسبان بالضم فهو العذاب كما مضى في سورة الكهف
الرحمن : ( 6 ) والنجم والشجر يسجدان
( والنجم والشجر يسجدان ) النجم ما لا ساق له من النبات والشجر ما له ساق قال الشاعر لقد أنجم القاع الكثير عضاهه
وتم به حيا تميم ووائل وقال زهير
مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب لضاحى ما به حبك


"""""" صفحة رقم 132 """"""
والمراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين وقال الفراء سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حين ينكسر الفيء وقال الزجاج سجودهما دوران الظل معهما كما في قوله يتفيؤ ظلاله وقال الحسن ومجاهد المراد بالنجم نجم السماء وسجوده طلوعه ورجح هذا ابن جرير وقيل سجوده أفوله وسجود الشجر تمكينها من الاجتناء لثمارها قال النحاس أصل السجود الاستسلام والانقياد لله وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران للرحمن وترك الرابط فيها لظهوره كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له
الرحمن : ( 7 ) والسماء رفعها ووضع . . . . .
( والسماء رفعها ) قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء والمعنى أنه جعل السماء مرفوعة فوق الأرض ( ووضع الميزان ) المراد بالميزان العدل أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به كذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم قال الزجاج المعنى أنه أمرنا بالعدل
الرحمن : ( 8 ) ألا تطغوا في . . . . .
ويدل عليه قوله ( ألا تطغوا في الميزان ) أي لا تجاوزوا العدل وقال الحسن والضحاك المراد به آلة الوزن ليتوصل بها إلى الإنصاف وقيل الميزان القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج إليه وبه قال الحسين بن الفضل والأول أولى
الرحمن : ( 9 ) وأقيموا الوزن بالقسط . . . . .
ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم فقال ( وأقيموا الوزن بالقسط ) أي قوموا وزنكم بالعدل وقيل المعنى أقيموا لسان الميزان بالعدل وقيل المعنى أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال و أن في قوله ألا تطغوا مصدرية أي لئلا تطغوا ولا نافية أي وضع الميزان لئلا تطغوا وقيل هي مفسرة لأن في الوضع معنى القول والطغيان مجاوزة الحد فمن قال الميزان العدل قال طغيانه الجور ومن قال الميزان الآلة التي يوزن بها قال طغيانه البخس ( ولا تخسروا الميزان ) أي لا تنقصوه أمر سبحانه أولا بالتسوية ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس قرأ الجمهور تخسروا بضم التاء وكسر السين من أخسر وقرأ بلال بن أبي برزة وأبان بن عثمان وزيد بن علي بفتح التاء والسين من خسر وهما لغتان يقال أخسرت الميزان وخسرته
الرحمن : ( 10 ) والأرض وضعها للأنام
ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض فقال ( والأرض وضعها للأنام ) أي بسطها على الماء لجميع الخلق مما له روح وحياة ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء
الرحمن : ( 11 ) فيها فاكهة والنخل . . . . .
وجملة ( فيها فاكهة ) في محل نصب على أنها حال من الأرض مقدرة وقيل مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي قبلها والمراد بها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار ثم أفرد سبحانه النخل بالذكر لشرفه ومزيد فائدته على سائر الفواكه فقال ( والنخل ذات الأكمام ) الأكمام جمع كم بالكسر وهو وعاء التمر قال الجوهري والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء التنور والجمع كمام وأكمة وأكمام قال الحسن ذات الأكمام أي ذات الليف فإن النخلة تكسم بالليف وكمامها ليفها وقال ابن زيد ذات الطلع قبل أن يتفتق وقال عكرمة ذات الأحمال
الرحمن : ( 12 ) والحب ذو العصف . . . . .
( والحب ذو العصف والريحان ) الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب والعصف قال السدى والفراء هو بقل الزرع وهو أول ما ينبت به قال ابن كيسان يبدو أولا ورقا وهو العصف ثم يبدو له ساق ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث في الأكمام الحب قال الفراء والعرب تقول خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك وكذا قال الصحاح وقال الحسن العصف التبن وقال مجاهد هو ورق الشجر والزرع وقيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس ومنه قوله كعصف مأكول وقيل هو الزرع الكثير يقال قد أعصف الزرع ومكان معصف أي كثير الزرع ومنه قول أبي قيس بن الأسلت


"""""" صفحة رقم 133 """"""
إذا جمادى منعت قطرها
إن جناني عطن معصف
والريحان الورق في قول الأكثر وقال الحسن وقتادة والضحاك وابن زيد إنه الريحان الذي يشم وقال سعيد بن جبير هو ما قام على ساق وقال الكلبي إن العصف هو الورق الذي لا يؤكل والريحان هو الحب المأكول وقال الفراء أيضا العصف المأكول من الزرع والريحان ما لا يؤكل وقيل الريحان كل بقلة طيبة الريح قال ابن الأعرابي يقال شيء ريحاني وروحاني أي له روح وقال في الصحاح الريحان نبت معروف والريحان الرزق تقول خرجت أبتغي ريحان الله قال النمر بن تولب
سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر
وقيل العصف رزق البهائم والريحان رزق الناس قرأ الجمهور ( والحب ذو العصف والريحان ) برفع الثلاثة عطفا على فاكهة وقرأ ابن عامر وأبو حيوة والمغيرة بنصبهما عطفا على الأرض أو على إضمار فعل أي وخلق الحب ذا العصف والريحان وقرأ حمزة والكسائي والريحان بالجر عطفا على العصف
الرحمن : ( 13 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) الخطاب والجن والأنس لأن لفظ الأنام يعمهما وغيرهما ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل وبهذا قال الجمهور من المفسرين ويدل عليه قوله فيما سيأتي ( سنفرغ لكم أيها الثقلان ) ويدل على هذا ما قدمنا في فاتحة هذه السورة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قرأها على الجن والإنس وقيل الخطاب للإنس وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية كما قدمنا في قوله ألقيا في جهنم والآلاء النعم قال القرطبي وهو قول جميع المفسرين واحدها إلى مثل معي وعصى وقال ابن زيد إنها القدرة أي فبأي قدرة ربكما تكذبان وبه قال الكلبي وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا للتذكير بها على عادة العرب في الاتساع قال القتيبي إن الله عدد في هذه السورة نعماءه وذكر خلقه آلاءه ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا والتكرير حسن في مثل هذا ومنه قول الشاعر
لا تقتلى رجلا إن كنت مسلمة
إياك من دمه إياك إياك
قال الحسين بن الفضل التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة
الرحمن : ( 14 ) خلق الإنسان من . . . . .
( خلق الإنسان من صلصال كالفخار ) لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير وهو السماء والأرض وما فيهما ذكر خلق العالم الصغير والمراد بالإنسان هنا آدم قال القرطبي باتفاق من أهل التأويل ولا يبعد أن يراد الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم والصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة وقيل هو طين خلط برمل وقيل هو الطين المنتن يقال صل اللحم وأصل إذا أنتن وقد تقدم بيانه في سورة الحجر والفخار الخزف الذي طبخ بالنار والمعنى أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف
الرحمن : ( 15 ) وخلق الجان من . . . . .
( وخلق الجان من مارج من نار ) يعنى خلق أبا الجن أو جنس الجن من مارج من نار والمارج اللهب الصافي من النار وقيل الخالص منها وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت وقال الليث المارج الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد قال المبرد المارج النار المرسلة التي لا تمنع قال أبو عبيدة المارج خلط النار من مرج إذا اختلط واضطرب قال الجوهري مارج من نار نار لا دخان فيها خلق منها الجان
الرحمن : ( 16 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي الاء ربكما تكذبان ) فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى
الرحمن : ( 17 ) رب المشرقين ورب . . . . .
( رب


"""""" صفحة رقم 134 """"""
المشرقين ورب المغربين ) قرأ الجمهور رب بالرفع على إنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رب المشرقين والمغربين وقيل مبتدأ وخبره مرج البحرين وما بينهما اعتراض الأول أولى والمراد بالمشرقين مشرقا الشتاء والصيف وبالمغربين مغربين مغرباهما
الرحمن : ( 18 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأى آلاء ربكما تكذبان ) فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده
الرحمن : ( 19 ) مرج البحرين يلتقيان
( مرج البحرين يلتقيان ) المرج التخلية والإرسال يقال مرجت الدابة إذا أرسلتها وأصله الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى والمعنى أنه أرسل كل واحد منهما يلتقيان أي يتجاوران لافصل بينهما في مرأى العين ومع ذلك فلم متختلطا
الرحمن : ( 20 ) بينهما برزخ لا . . . . .
ولهذا قال ( بينهما برزخ ) أي حاجز يحجز بينهما ( لا يبغيان ) أي لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به قال الحسن وقتادة هما بحر فارس والروم وقال أبن جريج هما البحر المالح والأنهار العذبة وقيل بحر المشرق والمغرب وقيل بحر اللؤلؤ والمرجان وقيل بحر السماء وبحر الأرض قال سعيد بن جبير يلتقيان في كل عام وقيل يلتقي طرفاهما وقوله ( يلتقيان ) في محل نصب على الحال من البحرين وجملة ( بينهما برزخ ) يجوز أن تكون مستأنفة وأن تكون حالا
الرحمن : ( 21 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأى الأء ربكما تكذبان ) فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها بحال
الرحمن : ( 22 ) يخرج منهما اللؤلؤ . . . . .
( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) قرأ الجمهور يخرج بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل وقرأ نافع وأبو عمرو بضم الياء وفتح الراء ومبنيا للمفعول واللؤلؤ والدر المرجان الخرز الأحمر المعروف وقال الفراء اللؤلؤ العظام والمرجان ما صغر قال الواحدي وهو قول جميع أهل اللغة وقال مقاتل والسدي ومجاهد اللؤلؤ صغاره والمرجان كباره وقال ( يخرج منهما ) وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما وكذا قال الزجاج وغيره وقال أبو علي الفارسي هو من باب حذف المضاف أي من أحدهما كقوله على رجل من القريتين عظيم وقال الأخفش زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب وقيل هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان وقيل هما بحر السماء وبحر الأرض فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤا فصار خاجا منهما
الرحمن : ( 23 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأى آلاء ربكما تكذبان ) فإن في ذلك من الآيات مالا يستطيع أحد تكذيبه ولا يقدر على إنكاره
الرحمن : ( 24 ) وله الجوار المنشآت . . . . .
( وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ) المراد بالجوار السفن الجارية في البحر والمنشآت المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض وركب حتى أرتفعت وطالت حتى صارت في البحر كالأعلام وهي الجبال والعلم الجبل الطويل وقال قتادة المنشآت المخلوقات للجري وقال الأخفش المنشآت المجريات وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة الشورى قرأ الجمهور الجوار بكسر الراء وحذف الياء لالتقاء الساكنين وقرأ أبن مسعود والحسن وأبو عمرو في رواية عنه برفع الراء تناسيا للحذف وقرأ يعقوب بإثبات الياء وقرأ الجمهور المنشآت بفتح الشين وقرا حمزة وأبو بكر في رواية عنه بكسر الشين
الرحمن : ( 25 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأى الآء ربكما تكذبان ) فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن تكذيبه ولا إنكاره
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبن عباس في قوله ( الشمس والقمر بحسبان ) قال بحساب منازل يرسلان وأخرج الفريابي وأبن أبي حاتم عنه ( والأرض وضعها للأنام قال للناس وأخرج أبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا قال للخلق وأخرج أبن جرير عنه أيضا قال كل شيء فيه روح واخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا ( والنخل ذات الأكمام ) قال أوعية الطلع وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( والحب ذو العصف ) قال التين ( والريحان ) قال خضرة الزرع وأخرج أبن جرير عنه أيضا قال ( العصف ) ورق الزرع إذا يبس ( والريحان )


"""""" صفحة رقم 135 """"""
ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم وأخرج أبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا قال ( العصف ) الزرع أول ما يخرج بقلا ( والريحان ) حين يستوي على سوقه ولم يسنبل وأخرج أبن جرير عنه أيضا قال كل ريحان في القرآن فهو رزق وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قال يعني بأي نعمة الله وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال يعني الجن والأنس وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير وابن المنذر عنه أيضا ( من مارج من نار ) قال من لهب النار وأخرج أبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال خالص النار وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( رب المشرقين ورب المغربين ) قال الشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف غير مطلعها في الشتاء وغير مغربهما في الشتاء وأخرج أبن أبي حاتم عنه في الآية قال مشرق الفجر ومشرق الشفق ومغرب الشمس ومغرب الشفق وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( مرج البحرين يلتقيان ) قال أرسل البحرين ( بينهما برزخ ) قال ( حاجز ) ( لا يبغيان ) لا يختلطان وأخرج أبن جرير عنه أيضا قال بحر السماء وبحر الأرض وأخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا ( بينهما برزخ لا يبغيان ) قال بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه وأخرج أبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) قال إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ واخرج عبد بن حميد وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال المرجان عظام اللؤلؤ واخرج أبن جرير عن أبن عباس قال اللؤلؤ ما عظم منه والمرجان اللؤلؤ الصغار وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وأبن جرير وابن المنذر والطبراني عن أبن مسعود قال المرجان الخرز الأحمر
سورة الرحمن ( 26 45 )


"""""" صفحة رقم 136 """"""
الرحمن : ( 26 ) كل من عليها . . . . .
قوله ( كل من عليها فان ) أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك وغلب العقلاء على غيرهم فعبر عن لجميع بلفظ من وقيل أراد من عليها من الجن والأنس
الرحمن : ( 27 ) ويبقى وجه ربك . . . . .
( ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده وقد نقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا وقيل معنى ( يبقى وجه ربك ) تبقى حجته التي يتقرب بها إليه والجلال العظمة والكبرياء واستحقاق صفات المدح يقال جل الشيء أي عظم وأجللته أي أعظمته وهو أسم من جل ومعنى ذو الأكرام أنه يكرم عن كل شيء لا يليق به وقيل أنه ذو الإكرام لأوليائه والخطاب في قوله ربك للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من يصلح له قرأ الجمهور ذو الجلال على إنه صفة الوجه وقرأ أبي وابن مسعود ذي الجلال على أنه صفة لرب
الرحمن : ( 28 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي الأء ربكما تكذبان ) وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب وقال مقاتل وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ومع الموت تستوي الأقدام
الرحمن : ( 29 ) يسأله من في . . . . .
( يسأله من السموات والأرض ) أي يسألونه جميعا لأنهم محتاجون إليه لا يستغني عنه أحد منهم قال أبو صالح يسأله أهل السموات المغفرة ولا يسألونه الرزق واهل الأرض يسألونه الأمرين جميعا وقال مقاتل يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل لهم الملائكة أيضا الرزق والمغفرة وكذا قال أبن جرير وقيل يسألونه الرحمة قال قتادة لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض والحاصل أنه يسأله كل مخلوق من مخلوقات بلسان المقال أو لسان الحال ما يطلبونه من خيري الدارين أو من خير إحداهما ( كل يوم هو في شأن ) انتصاب كل بالأستقرار الذي تضمنه الخبر والتقدير استقر سبحانه في شأن كل وقت من الأوقات واليوم عبارة عن الوقت والشأن هو الأمر ومن جملة شئونه سبحانه إعطاء أهل السموات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم وتباين أغراضهم قال المفسرون من شأنه أنه يحيى ويميت ويرزق ويفقر ويعز ويذل ويمرض ويشفي ويعطي ويمنع ويغفر ويعاقب إلى غير ذلك مما لا يحصى وقيل المراد باليوم المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة قال أبن بحر الدهر كله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة وقيل المراد كل يوم من أيام الدنيا
الرحمن : ( 30 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فان اختلاف شئونه سبحانه في تدبير عبادة نعمة لا يمكن جحدها ولا يتيسر لمكذب تكذيبها
الرحمن : ( 31 ) سنفرغ لكم أيها . . . . .
( سنفرغ لكم أيه الثقلان ) هذا وعيد شديد من الله سبحانه للجن والإنس قال الزجاج والكسائي وأبن الأعرابي وابو علي الفارسي إن الفراغ ها هنا ليس هو الفراغ من شغل ولكن تأويله القصد أي سنقصد لحسابكم قال الواحدي حاكيا عن المفسرين إن هذا تهديد منه سبحانه لعباده ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده إذن أتفرغ لك أي أقصدك قصدك وفرغ يجئ بمعنى قصد وأنشد أبن الأنباري قول الشاعر الآن وقد فرغت إلى نمير
فهذا حين كنت له عذابا
يريد وقد قصدت وأنشد النحاس قول الشاعر فرغت إلى العبد المقيد في الحجل
أي قصدت وقيل إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على المعصية ثم قال سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه وبه قال الحسن ومقاتل وأبن زيد ويكون الكلام على طريق التمثيل قرأ الجمهور سنفرغ بالنون


"""""" صفحة رقم 137 """"""
وضم الراء وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الراء أي سيفرغ الله وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء قال الكسائي هي لغة تميم وقرأ عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء وقرأ الأعمش وإبراهيه بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول وسمى الجن والإنس ثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى غيرهما من حيوانات الأرض وقيل سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض إحياء وأمواتا كما في قوله وأخرجت الأرض أثقالها وقال جعفر الصادق سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب وجمع في قوله لكم ثم قال إيها الثقلان لأنهما فريقان وكل فريق جمع قرأ الجمهور أيه الثقلان بفتح الهاء وقرأ أهل الشام بضمها
الرحمن : ( 32 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته ويزداد به المحسن إحسانا فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة
الرحمن : ( 33 ) يا معشر الجن . . . . .
( يا معشر الجن والإنس ) قدم الجن هنا لكون خلق أبيهم متقدما على خلق آدم ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس ( إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض ) أي أن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض ونواحيهما هربا من قضاء الله وقدره ( فانفذوا ) منها وخلصوا أنفسكم يقال نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كما يخلص السهم ( لا تنفذون إلا بسلطان ) أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة والسلطان القوة التي يتسلط بها صاحبها على الأمر والأمر بالنفوذ أمر تعجيز قال الضحاك بينما الناس في أسواقهم إذ انفتحت السماء ونزلت الملائكة فهرب الجن والإنس فتحدق بهم الملائكة فذلك قوله لا تنفذون إلا بسلطان قال أبن المبارك إن ذلك يكون في الآخرة وقال الضحاك أيضا معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا وقيل إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله وقال قتادة معناها لا تنفذوا إلا بملك وليس لكم ملك وقيل الباء بمعنى إلى أي لا تنفذون إلا إلى سلطان
الرحمن : ( 34 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد فإنها تزيد المحسن إحسانها وتكف المسيء عن إساءته مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة
الرحمن : ( 35 ) يرسل عليكما شواظ . . . . .
( يرسل عليكما شواظ من نار ) قرأ الجمهور يرسل بالتحتية مبنيا للمفعول وقرأ زيد بن علي بالنون ونصب شواظ والشوظ اللهب الذي لا دخان معه وقال مجاهد الشواظ اللهب الأخضر المتقطع من النار وقال الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب وقال الأخفش وأبو عمرو هو النار والدخان جميعا قرأ الجمهور شواظ بضم الشين وقرأ أبن كثير بكسرها وهما لغتان وقرأ الجمهور ( ونحاس ) بالرفع عطفا على شواظ وقرأ أبن كثير وأبن محيصن ومجاهد وأبو عمرو بخفضة عطفا على نار وقرأ الجمهور نحاس بضم النون وقرأ مجاهد وعكرمة وحميد وأبو العالية بكسرها وقرأ مسلم بن جندب والحسن ونحس والنحاس الصفر المذاب ويصب على رؤوسهم قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وقال سعيد بن جبير هو الدخان الذي لا لهب له وبه قال الخليل وقال الضحاك هو دردي الزيت المغلي وقال الكسائي هو النار التي لها ريح شديدة وقيل هو المهل ( فلا تنتصران ) أي لا تقدران على الإمتناع من عذاب الله
الرحمن : ( 36 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار عن الشر والرغوب في الخير
الرحمن : ( 37 ) فإذا انشقت السماء . . . . .
( فإذا انشقت السماء ) أي انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة ( فكانت وردة كالدهان ) أي كوردة حمراء قال سعيد بن جبير وقتادة المعنى فكانت حمراء وقيل فكانت كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة قال الفراء وأبو عبيدة تصير السماء كالإديم لشدة حر النار وقال الفراء أيضا شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل وشبه الورد في ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه والدهان جمع دهن وقيل المعنى


"""""" صفحة رقم 138 """"""
تصير السماء في حمرة الورد وجريان الدهن أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم وتصير مثل الدهن لذوبانها وقيل الدهان الجلد الأحمر وقال الحسن كالدهان أي كصبيب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه اللون وقال زيد بن أسلم إنها تصير كعصير الزيت قال الزجاج إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر قال الماوردي وزعم المتقدمون أن أصل ألوان السماء الحمرة وأنها لكثيرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا الالوان الأزرق
الرحمن : ( 38 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها ما في هذا التهديد والتخويف من حسن العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشر
الرحمن : ( 39 ) فيومئذ لا يسأل . . . . .
( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) أي يوم تشقق السماء لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم والجمع بين هذه الآية وبين مثل قوله فوربك لنسألنهم أجمعين أن ما هنا يكون في وقف والسؤال في موقف آخر من مواقف القيامة وقيل إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم لأن الله سبحانه قد أحصى الأعمال وحفظها على العباد ولكن يسألون سؤال توبيخ وتقريع ومثل هذه الآية قوله ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون قال أبو العالية المعنى لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم وقيل إن عدم السؤال هو عند البعث والسؤال هو في موقف الحساب
الرحمن : ( 40 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذا الوعيد الشديد لكثرة ما يترتب عليه من الفؤائد
الرحمن : ( 41 ) يعرف المجرمون بسيماهم . . . . .
( يعرف المجرمون بسيماهم ) هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال السيما العلامة قال الحسن سيماهم سواد الوجوه وزرقة الأعين كما في قوله ونحشر المجرمين يومئذ زرقا وقال يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقيل سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) الجار والمجرور في محل رفع على أنه النائب والنواصي شعور مقدم الرؤوس والمعنى أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي وتلقيهم الملائكة في النار قال الضحاك يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره وقيل تسحهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بنواصيهم وتجرهم على وجوههم وتارة تأخذ بأقدامهم وتجرهم على رؤوسهم
الرحمن : ( 42 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب وتضطرب لهوله الأحشاء
الرحمن : ( 43 ) هذه جهنم التي . . . . .
(هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ) أي يقال لهم عند ذلك هذه جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا يقال لهم عند الآخذ بالنواصي والإقدام فقيل يقال لهم هذه جهتهم تقريعا لهم وتوبيخا
الرحمن : ( 44 ) يطوفون بينها وبين . . . . .
( يطوفون بينها ) أي بين جهنم فتحرقهم ( وبين حميم آن ) فتصب على وجوههم والحميم الماء الحار والآن الذي قد انتهى حره وبلغ غايته كذا قال الفراء قال الزجاج أنى يأتي أنى فهو آن إذا انتهى في النضج والحرارة ومنه قول النابغة الذبياني وتخضب لحية غدرت وخانت
بأحمر من نجيع الجوف آن
وقيل هو واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فيغمسون فيه قال قتادة يطوفون مرة في الحميم ومرة بين الجحيم
الرحمن : ( 45 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف وما يحصل به من الترغيب في الخير والترهيب عن الشر
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن جرير وأبن المنذر وابن أبي حاتم وابو الشيخ في العظمة وأبن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس في قوله ( ذو الجلال والإكرام ) ذو الكبرياء والعظمة وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه ( ويسأله من في السموات ) قال مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم هو في ذلك وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وأبن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وأبن منده وأبن مردويه


"""""" صفحة رقم 139 """"""
وأبو نعيم وابن عساكر عن عبد الله بن المنيب قال تلا علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآية ( كل يوم هو في شأن ) فقلنا يا رسول الله وما ذلك الشأن قال أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين واخرج البخاري في تاريخه وأبن ماجه وأبن أبي عاصم والبزار وأبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن حيان والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وأبن مردويه وأبن عساكر والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الآية قال من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين زاد البزار ويجيب داعيا وقد رواه البخاري تعليقا وجعله من كلام أبي الدرداء وأخرج البزار البزار عن أبن عمر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الآية قال يغفر ذنبا ويفرج كربا واخرج أبن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبن عباس في قوله ( سنفرغ لكم أيه الثقلان ) قال هذا وعيد من الله لعباده وليس بالله شغل وفي قوله ( لا تنفذون إلا بسلطان ) يقول لا تخرجون من سلطاني وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه في قوله ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قال لهب النار ( ونحاس ) قال دخان النار وأخرج أبن جرير عنه أيضا ونحاس قال الصفر يعذبون به واخرج أبن أبي حاتم عنه ( فكانت وردة ) يقول حمراء ( كالدهان ) قال هو الإديم الأحمر وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا ( فكانت وردة كالدهان ) قال مثل لون الورد وأخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله 0 يومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) قال لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكن يقول لهم لم عملتم كذا وكذا واخرج ابن أبي حاتم وأبن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عنه أيضا في قوله ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) قال تأخذ البزبانية بناصيته وقدميه ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه أيضا في قوله 0 وبين حميم آن ) قال هو الذي انتهى حره
سورة الرحمن ( 46 78 )


"""""" صفحة رقم 140 """"""
الرحمن : ( 46 ) ولمن خاف مقام . . . . .
لما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم فقال ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب كما في قوله يوم يقوم الناس لرب العالمين فالمقام مصدر بمعنى القيام وقيل المعنى خاف قيام ربه عليه وهو إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله كما في قوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت قال مجاهد والنخعي هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه واختلف في الجنتين فقال مقاتل يعني جنة عدن وجنة النعيم وقيل إحداهما التي خلقت له والأخرى ورثها وقيل إحداهما منزلة والأخرى منزل أزواجه وقيل إحداهما أسافل القصور والأخرى أعاليها وقيل جنة للخائف والإنسى جنة للخائف الجني وقيل جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية وقيل جنة للعقيدة التي يعتقدها وأخرى للعمل الذي يعمله وقيل جنة بالعمل وجنة بالتفضيل وقيل جنة روحانية وجنة جسمانية وقيل جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته وقال الفراء إنما هي جنة واحدة والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآى قال النحاس وهذا القول من أعظم الغلظ على كتاب الله فإن الله يقول ( جنتان ) ويصفهما بقوله فيهما فيهما الخ
الرحمن : ( 47 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذه النعمة العظيمة وهي إعطاء الخائف من مقام ربه جنتين متصفتين بالصفات الجليلة العظيمة
الرحمن : ( 48 ) ذواتا أفنان
( ذواتا أفنان ) هذه صفة للجنتان وما بينهما اعتراض والأفنان الأغصان واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولا وبهذا قال مجاهد وعكرمة وعطية وغيرهم وقال الزجاج الأفنان الألوان واحدها فن وهو الضرب من كل شيء وبه قال عطاء وسعيد بن جبير وجمع عطاء بين القولين فقال في كل غصن فنون من الفاكهة ومن إطلاق الفنن على الغصن قول النابغة دعاء حمامة تدعو هديلا
مفجعة على فنن تغنى
وقول الآخر ما هاج شوقك من هدير حمامة تدعو على فنن الغصون حماما
وقيل معنى ( ذواتا أفنان ) ذواتا فضل وسعة على ما سواهما قاله قتادة وقيل الأفنان ظل الأغصان على الحيطان روى هذا عن مجاهد وعكرمة
الرحمن : ( 49 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن كل واحد منها ليس بمحل للتكذيب ولا بموضع للإنكار
الرحمن : ( 50 ) فيهما عينان تجريان
( فيهما عينان تجريان ) هذا أيضا صفة أخرى لجنتان أي في كل واحدة منهما عين جارية قال الحسن إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم وقال عطية أحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين قيل كل واحدة منهما مثل الدنيا أضعافا مضاعفة
الرحمن : ( 51 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذه النعمة


"""""" صفحة رقم 141 """"""
الكائنة في الجنة لأهل السعادة
الرحمن : ( 52 ) فيهما من كل . . . . .
( فيهما من كل فاكهة زوجان ) هذا صفة ثالثة لجنتان والزوجان الصنفان والنوعان والمعنى أن في الجنتين من كل نوع يتفكه به ضربين يستلذ بكل نوع من أنواعه قيل أحد الصنفين رطب والآخر يابس لا يقصر أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب
الرحمن : ( 53 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن في مجرد تعداد هذه النعم ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير والترهيب عن فعل الشر ما لا يخفى على من يفهم وذلك نعمة عظمى ومنه كبرى فكيف بالتنعيم به عند الوصول إليه
الرحمن : ( 54 ) متكئين على فرش . . . . .
( متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ) انتصاب متكئين على الحال من فاعل قوله ( ولمن خاف ) وإنما جمع حملا على معنى من وقيل عاملها محذوف والتقدير يتنعمون متكئين وقيل منصوب على المدح والفرش جمع فرش والبطائن هي التي تحت الظهائر وهي جمع بطانه قال الزجاج هي ما يلي الأرض والإستبرق ما غلظ من الديباج وإذا كانت البطائن من استبرق فكيف تكون الظهائر قيل لسعيد بن جبير البطائن من استبرق فما الظواهر قال هذا بما قال الله فيه فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين قيل إنما اقتصر على ذكر البطائن لأنه لم يكن أحد في الأرض يعرف ما في الظهائر وقال الحسن بطائنها من استبرق وظهائرها من نور جامد وقال الحسن البطائن هي الظهائر وبه قال الفراء وقال قد تكون البطانة الظهارة والظهارة البطانة لأن كل واحد منهما يكون وجها والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه وأنكر أبن قتيبة هذا وقال لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين ( وجنى الجنتين دان ) مبتدأ وخبره والجنى ما يجنى من الثمار قيل إن الشجرة تدنو حتى يجنيها من يريد جناها ومنه قول الشاعر هذا جناي وخياره فيه
إذ كل جان يده إلى فيه
4 قرأ الجمهور فرش بضمتين وقرأ أبو حيوة بضمه وسكون وقرأ الجمهور جنى بفتح الجيم وقرأ عيسى أبن عمر بكسرها وقرأ عيسى أيضا بكسر النون على الإمالة
الرحمن : ( 55 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإنها كلها بموضع لا يتيسر لمكذب أن يكذب بشيء منها لما تشتمل عليه من الفوائد العاجلة والآجلة
الرحمن : ( 56 ) فيهن قاصرات الطرف . . . . .
( فيهن قاصرات الطرف ) أي في الجنتين المذكورتين قال الزجاج وإنما قال فيهن لأنه عنى الجنتين وما أعد لصاحبهما فيها من النعم وقيل فيهن أي في الفرش التي بطائنها من استبرق ومعنى ( قاصرات الطرف ) أنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم وقد تقدم تفسير هذا في سورة الصافات ( لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان ) قال الفراء الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية يقال طمث الجارية إذ افترعها قال الواحدى قال المفسرون لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن قبلهم أحد قال مقاتل لأنهن خلقن في الجنة والضمير في قبلهم يعود إلى الأزواج المدلول عليه بقاصرات الطرف وقيل يعود إلى متكئين والجملة في محل رفع صفة لقاصرات لأن إضافتها لفظية وقيل الطمث المس أي لم يمسسهن قاله أبو عمرو وقال المبرد أي لم يذللهن والطمث التذليل ومن استعمال الطمث فيما ذكره الفراء قول الفرزدق دفعن إلى لم يطمنن قبلي
وهن أصح من بيض النعمام
قرأ الجمهور يطمثهن بكسر الميم وقرأ الكسائي بضمها وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرف بفتحها وفي هذه الآية بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه
الرحمن : ( 57 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن في مجرد هذا الترغيب في هذه النعم نعمة جليلة ومنه عظيمة


"""""" صفحة رقم 142 """"""
لأن به يحصل الحرص على الأعمال الصالحة والفرار من الأعمال الطالحة فكيف بالوصول إلى هذه النعم وبالتنعم بها في جنات النعيم بلا انقطاع ولا زوال
الرحمن : ( 58 ) كأنهن الياقوت والمرجان
( كأنهن الياقوت والمرجان ) هذا صفة لقاصرات أو حال منهن شبههن سبحانه في صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان والياقوت هو الحجر المعروف والمرجان قد قدمنا الكلام فيه في هذه السورة على الخلاف في كونه صغار الدر أو الأحمر المعروف قال الحسن هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان وإنما خص المرجان على القول بأنه صغار الدر لأن صفاءها أشد من صفاء كبار الدر
الرحمن : ( 59 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن نعمه كلها لا يتيسر تكذيب شيء منها كائنة ما كانت فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة
الرحمن : ( 60 ) هل جزاء الإحسان . . . . .
( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها والمعنى ما جزاء من أحسن االعمل في الدنيا إلا الأحسان إليه في الأخرة كذا قال أبن زيد وغيره قال عكرمة هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة وقال الصادق هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الأحسان عليه في الأبد قال الرازي في هذه الآية وجوه كثيرة حتى قيل إن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول إحداها قوله تعالى فاذكروني أذكركم وثانيها وإن عدتم عدنا وثالثها ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) قال محمد بن الحنفية هي للبر والفاجر البر في الآخرة والفاجر في الدنيا
الرحمن : ( 61 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا والآخرة بالخلق والرزق والإرشاد إلى العمل الصالح والزجر عن العمل الذي لا يرضاه
الرحمن : ( 62 ) ومن دونهما جنتان
(ومن دونهما جنتان ) أي ومن دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة جنتان آخريان لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة ومعنى من دونهما أي من أمامهما ومن قبلهما أي هما أقرب منهما وأدنى إلى العرش وقيل الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى قال أبن جريج هي أربع جنات جنتان منهما للسابقين المقربين فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان وجنتان لأصحاب اليمين فيهما فاكهة ونخل ورمان و فيهما عينان نضاختان قال أبن زيد إن الأوليين من ذهب للمقربين والأخريين من ورق لأصحاب اليمين
الرحمن : ( 63 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإنها كلها حق ونعم لا يمكن جحدها
الرحمن : ( 64 ) مدهامتان
ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين الأخريين فقال 0 مدهامتان ) وما بينهما اعتراض قال أبو عبيدة والزجاج من خضرتهما قد اسودتا من الزي وكل ما علاه السواد ريا فهو مدهم قال مجاهد مسودتان والدهمة في اللغة السواد يقال فرس أدهم وبعير أدهم إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه
الرحمن : ( 65 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن جميعها نعم ظاهره واضحة لا تجحد ولا تنكر
الرحمن : ( 66 ) فيهما عينان نضاختان
( فيهما عينان نضاختان ) النضخ فوران الماء من العين والمعنى أن في الجنتين المذكورتين عينين فوارتين قال أهل اللغة والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة قال الحسن ومجاهد تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر وقال سعيد بن جبير إنها تنضخ بأنواع الفواكه والماء
الرحمن : ( 67 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإنها ليست بموضع للتكذيب ولا بمكان للجحد
الرحمن : ( 68 ) فيهما فاكهة ونخل . . . . .
( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) هذا من صفات الجنتين المذكورتين قريبا والنخل والرمان وإن كانا من الفاكهة لكنهما خصصا بالذكر لمزيد حسنهما وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه كما حكاه الزجاج والأزهري وغيرهما وقيل إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب وقيل خصهما لأن النخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة جمهور أهل العلم ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد
الرحمن : ( 69 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذه النعم التي في جنات النعيم ومجرد الحكاية لها أثر في نفوس السامعين وتجذبهم إلى طاعة رب العالمين
الرحمن : ( 70 ) فيهن خيرات حسان
( فيهن خيرات حسان ) قرأ الجمهور خيرات


"""""" صفحة رقم 143 """"""
بالتخفيف وقرأ قتادة وأبن السميفع وأبو رجاء العطاردي وبكر بن حبيب السهمي وأبن مقسم والنهدي بالتشديد فعلى القراءة الأولى هي جمع خيرة بزنة فعله بسكون العين يقال امرأة خيرة وأخرى شرة أو جمع خيرة مخفف خيرة وعلى القراءة الثانية جمع خيرة بالتشديد قال الواحدي قال المفسرون الخيرات النساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه قيل وهذه الصفة عائدة إلى الجنان الأربع ولا وجه لهذا فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف كانهن الياقوت والمرجان وبين الصفتين بون بعيد
الرحمن : ( 71 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن شيئا منها كائنا ما كان لا يقبل التكذيب
الرحمن : ( 72 - 73 ) حور مقصورات في . . . . .
( حور مقصورات في الخيام ) أي محبوسات ومنه القصر لأنه يحبس من فيه والحور جمع حوراء وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها وقد تقدم بيان معنى الحوراء والخلاف فيه وقيل معنى مقصورات أنهن قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم وحكاه الواحدى عن المفسرين والأول أولى وبه قال أبو عبيدة ومقاتل وغيرهما قال في الصحاح قصرت الشيء أقصره مقصرا حبسته والمعنى أنهن خدرن في الخيام والخيام جمع خيمة وقيل جمع خيم والخيم جمع خيمة وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب فتكون أبرد من الأخبية قيل الخيمة من خيام الجنة درة مجوفة فرسخ في فرسخ وارتفاع حور على البدلية من خيرات
الرحمن : ( 74 ) لم يطمثهن إنس . . . . .
( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) قد تقدم تفسيره في صفة الجنتين الأوليين
الرحمن : ( 75 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإنها كلها نعم لا تكفر ومنن لا تجحد
الرحمن : ( 76 ) متكئين على رفرف . . . . .
( متكئين على رفرف خضر ) انتصاب متكئين على الحال أو المدح كما سبق قال أبو عبيدة الرفارف البسط وبه قال الحسن ومقاتل والضحاك وغيرهم وقال ابن عيينة هي الزرابي وقال أبن كيسان هي المرافق وروى عن أبي عبيدة أنه قال هي حاشية الثوب وقال الليث ضرب من الثياب الخضر وقيل الفرش المرتفعة وقيل كل ثوب عريض قال في الصحاح والرفرف ثياب خضر يتخذ منها المحابس الواحدة رفرفة وقال الزجاج قالوا الرفرف هنا رياض الجنة وقالوا الرفرف الوسائد وقالوا الرفوف المحابس ومن القائلين بأنها رياض الجنة سعيد بن جبير واشتقاق الرفرف من رفر يرف إذا ارتفع ومنه رفرفة الطائر وهي تحريك جناحيه في الهواء قرأ الجمهور رفرف على الإفراد وقرأ عثمان بن عفان والحسن والجحدري رفارف على الجمع ( وعبقري حسان ) العبقري الزرابي والطنافس الموشية قال أبو عبيدة كل وشي من البسط عبقري وهو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي قال الفراء العبقري الطنافس الثمان وقيل الزرابى وقيل البسط وقيل الديباج قال أبن الإنباري الأصل فيه ان عبقر قرية تسكنها الجن ينسب إليها كل فائق قال الخليل العبقري عند العرب كل جليل فاضل فاخر من الرجال والنساء ومنه قول زهير تخيل عليها جنة عبقرية
جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
قال الجوهري العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن قال لبيد كهول وشبان كجنة عبقري ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه وجوده صنعته وقوته فقالوا عبقري وهو واحد وجمع قرأ الجمهور عبقري وقرأ عثمان بن عفان والحسن الجحدري عباقري وقرئ عباقر وهما نسبه إلى عباقر أسم بلد وقال قطرب ليس بمنسوب وهو مثل كرسي كراسي وبجني وبجاني قرأ الجمهور خضر بضم الخاء وسكون الصاد وقرئ بضمهما وهي لغة قليلة
الرحمن : ( 77 ) فبأي آلاء ربكما . . . . .
( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن كل واحد منها أجل من أن يتطرق إليه التكذيب وأعظم من أن يجحده جاحد أو ينكر منكر وقد قد منا في أول هذه السورة وجه تكرير هذه الآية فلا نعيده
الرحمن : ( 78 ) تبارك اسم ربك . . . . .
( تبارك أسم ربك ذي الجلال والإكرام ) تبارك تفاعل من البركة قال الرازي وأصل التبارك من التبرك وهو الدوام والثبات ومنه برك البعير وبركه الماء فإن الماء يكون دائما والمعنى دوام اسمه وثبت


"""""" صفحة رقم 144 """"""
أو دوام الخير عنده لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير أو يكون معناه علا وارتفع شأنه وقيل معناه تنزيه الله سبحانه وتقديسه وإذا كان هذا التبارك منسوبا إلى أسمه عز وجل فما ظنك بذاته سبحانه وقيل الاسم بمعنى الصفة وقيل هو مقحم كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقد تقدم تفسير ذي الجلال والإكرام في هذه السورة قرأ الجمهور ذي الجلال على إنه صفة للرب سبحانه وقرأ ابن عامر ذو الجلال على أنه صفة لاسم
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد اخرج أبن جرير عن ابن عباس في قوله ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) قال وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة وأخرج أبن جرير عنه في الآية يقول خاف ثم اتقى والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته وأخرج أبن أبي حاتم وابو الشيخ في العظمة عن عطاء أنها نزلت في أبي بكر وأخرج أبن أبي حاتم عن أبن شوذب مثله واخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في الآية قال لمن خافه في الدنيا وأخرج أبن أبي شيبة واحمد وابن منيع والحاكم والترمذي والنسائي والبزار وابو يعلى وابن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وإله وسلم قرأ هذه الاية ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) فقلت وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الثانية ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) فقلت وإن زنى وإن سرق فقال الثالثة ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) فقلت وإن زنى وإن سرق قال نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء ) وأخرج أبن مردويه عن أبي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم ولمن خاف مقام ربه جنتان ) فقال أبو الدرداء وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي الدرداء ) وأخرج أبن جرير وأبن المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء في قوله ( ولمن خاف مقام ربه حنتان ) قال قبل لأبي الدرداء وإن زنى وإن سرق قال من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق وأخرج أبن مردويه عن أبن شهاب قال كنت عند هشام بن عبد الملك فقال قال أبو هريرة قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) قال أبو هريرة وإن زنى وإن سرق فقلت إنما كان ذلك قبل ان تنزل الفرائض فلما نزلت الفرائض ذهب هذا وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى ا الأشعري أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال جنان الفردوس أربع جنات جنتان من ذهب حليتهما وأبنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة حليتهما وأبنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم وأبن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وإله وسلم في قوله ولمن خاف مقام ربه جنتان وفي قوله ومن دونهما جنتان ) قال جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين واخرج أبن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبن المنذر والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي موسى في قوله ولمن خاف مقام ربه جنتان قال جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله 0 ذواتا أفنان ) قال ذواتا ألوان وأخرج أبن جرير وأبن المنذر عنه قال فن غصونها يمس بعضها بعضا واخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا قال الفن الغصن واخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبن جرير وأبن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبن مردويه في البعث عن ابن مسعود في قوله ( متكئين على فرش بطائنها من استبرق ) قال أخبرتم بالبطائن


"""""" صفحة رقم 145 """"""
فكيف بالظهائر وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير وابن المنذر عن أبن عباس أنه قيل له بطائنها من استبرق فما الظواهر قال ذلك مما قال الله فلا تعلم نفس بنفس نفسى ما أخفى لهم من قرة أعين وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في البعث عنه في قوله ( وجنى الجنتين دان ) قال جناها ثمرها والداني القريب منك ما يناله القائم والقاعد واخرج أبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في البعث عنه أيضا في قوله فيهن قاصرات الطرف يقول عن غير أزواجهن لم يطمثهن يقول لم يدن منهن أو لم يدمهن وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( كأنهن القاقوت والمرجان ) قال تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب وانه يكون عليها سبعون ثوبا وينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك واخرج أبن أبي شيبة وهناد بن السري والترمذي وأبن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال ان المرأة من نساء اهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها وذلك أن الله يقول كأنهن الياقوت والمرجان فأما الياقوت فإنه من حجر أو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه وقد رواه الترمذي موقوفا وقال هو أصح واخرج أبن أبي حاتم وأبن مردويه والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبن عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) قال ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبغوي في تفسيره والديلمي في مسند الفردوس وابن النجار في تاريخه عن أنس مرفوعا مثله واخرج أبن مردويه عن جابر مرفوعا في الاية قال هل جزاء من أنعمنا عليه بالإسلام إلا أن أدخله الجنة وأخرج أبن النجار في تاريخه عن علي بن أبي طالب مرفوعا مثل حديث أبن عمر وأخرج عبد بن حميد وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وابن مردويه عن أبن عباس في قوله هل جزاء الإحسان إلا الإحسان قال هل جزاء من قال لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة وأخرج أبن عدي وابو الشيخ وأبن مردويه والديلمي والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبن عباس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ط أنزل الله على هذه الآية في سورة الرحمن للكافر والمسلم هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وأخرجه أبن مردويه موقوفا على أبن عباس وأخرج هناد وأبن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( مدهامتان ) قال هما خضراوان وأخرج أبن أبي حاتم عنه في الآية قال اسودتا من الخضرة من الري من الماء وأخرج الفريابي وأبن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن أبن عبد الله بن الزبير نحوه وأخرج الطبراني وأبن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال سالت النبي صلى الله عليه وغله وسلم عن قوله 0 مدهامتان ) قال خضراوان وأخرج أبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عن أبن عباس ( نضاختان ) قال فائضتان وأخرج عبد بن حميد عنه قال ينضخان بالماء وأخرج أبن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عن ابن مسعود في قوله ( خيرات حسان ) قال لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة ولكل خيمة أربعة ابواب يدخل عليها من الله كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك لا مراحات ولا طماحات ولا بخرات ولا دفرات حور عين كأنهن بيض مكنون وأخرجه أبن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( حور ) قال بيض ( مقصورات ) قال محبوسات ( في الخيام ) قال في بيوت اللؤلوء وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وابن


"""""" صفحة رقم 146 """"""
أبي حاتم قال الحور سود الحدق وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبن مسعود عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال الخيام در مجوف واخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لايراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن واخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبن جرير وابن المنذر عن أبن عباس في قوله ( متكئين على رفرف ) قال فضول المحابس والفرش والبسط وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال هي فضول المحابس وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم وأبن المنذر والبيهقي في البعث من طرق عن أبن عباس ( رفرف خضر ) قال المحابس ( وعبقري حسان ) قال الزرابي واخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال الرفرف الرياض والعبقري الزرابي
ع56
تفسير
سورة الواقعة
هي سبع وتسعون أو ست وتسعون آية
حول السورة
وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر عطاء وقال أبن عباس وقتادة إلا آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) وقال الكلبي إنها مكية إلا أربع آيات منها وهي ( أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) وقوله ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) وأخرج أبن الضريس والنحاس وأبن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبن عباس قال نزلت سورة الواقعة بمكة وأخرج أبن مردويه عن أبن الزبير مثله واخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس والحارث بن أبي أسامة وابو يعلي وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبن مسعود سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول من قرا سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا واخرج أبن عساكر عن أبن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال سورة الواقعة سورة الغنى فاقرؤوها وعلموها أولادكم وأخرج الديلمي عن انس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علموا نساءكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى وقد تقدم قوله ( صلى الله عليه وسلم ) شيبتني هود والواقعة
سورة الواقعة ( 1 26 )


"""""" صفحة رقم 147 """"""
الواقعة : ( 1 ) إذا وقعت الواقعة
قوله ( إذا وقعت الواقعة ) الواقعة اسم للقيامة كالآزفة وغيرها وسميت واقعة لأنها كائنة لا محالة أو لقرب وقوعها أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد وانتصاب إذا بمضمر أي اذكر وقت وقوع الواقعة أو بالنفي المفهوم من قوله
الواقعة : ( 2 ) ليس لوقعتها كاذبة
( ليس لوقعتها كاذبة ) أي لا يكون عند وقوعها تكذيب والكاذبة مصدر كالعاقبة أي ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلا وقيل إذا شرطية وجوابها مقدر أي إذا وقعت كان كيت وكيت والجواب هذا هو العامل فيها وقيل إنها شرطية والعامل فيها الفعل الذي بعدها واختار هذا أبو حيان وقد سبقه إلى هذا مكي فقال والعامل وقعت قال المفسرون والواقعة هنا هي النفخة الآخرة ومعنى الآية أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلا أو لا يكون هناك نفس تكذب على الله وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة قال الزجاج ليس لوقعتها كاذبة أي لا يردها شيء وبه قال الحسن وقتادة وقال الثوري ليس لوقعتها أحد يكذب بها وقال الكسائى ليس لها تكذيب أي لا ينبغي أن يكذب بها أحد
الواقعة : ( 3 ) خافضة رافعة
( خافضة رافعة ) قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدأ أي هي خافضة رافعة وقرأ الحسن وعيسى الثقفى بنصبهما على الحال قال عكرمة والسدى ومقاتل خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى إي أسمعت القريب والبعيد وقال قتادة خفضت أقواما في عذاب الله ورفعت أقواما إلى طاعة الله وقال محمد بن كعب خفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين والعرب تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة والعز والإهانة ونسبة الخفض والرفع إليها على طربق المجاز والخافض والرافع في الحقيقة هو الله سبحانه
الواقعة : ( 4 ) إذا رجت الأرض . . . . .
( إذا رجت الأرض رجا ) أي إذا حركت حركة شديدة يقال رجه يرجه رجا إذا حركه والرجة الاضطراب وارتج البحر اضطرب قال المفسرون ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها قال قتادة ومقاتل ومجاهد معنى رجت زلزلت والظرف متعلق بقوله خافضة رافعة أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض وينخفض ما هو مرتفع وقيل إنه بدل من الظرف الأول ذكره الزجاج فيكون معنى وقوع الواقعة هو رج الأرض وبس الجبال
الواقعة : ( 5 ) وبست الجبال بسا
( بست الجبال بسا ) البس الفت يقال بس الشيء إذا فته حتى يصير فتاتا ويقال بس السويق إذا لته بالسمن أو بالزيت قال مجاهد ومقاتل المعنى أن الجبال فتتت فتا وقال السدى كسرت كسرا وقال الحسن قلعت من أصلها وقال مجاهد أيضا بست كما يبس الدقيق بالسمن أو بالزيت والمعنى أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت وقال أبو زيد البس السوق والمعنى على هذا سيقت الجبال سوقا قال أبو عبيد بس الإبل وأبسها لغتان إذا زجرها وقال عكرمة المعنى هدت هدا
الواقعة : ( 6 ) فكانت هباء منبثا
( فكانت هباء منبثا ) أي غبارا متفرقا منتشرا قال مجاهد الهباء الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار وقيل هو الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت على


"""""" صفحة رقم 148 """"""
سورة الشرر فإذا وقع لم يكن شيئا وقد تقدم بيانه في الفرقان عند تفسير قوله فجعلناه هباء منثورا قرأ الجمهور منبثا بالمثلثه وقرأ مسروق والنخعي وأبو حبوة بالتاء المثناة من فوق أي منقطعا من قولهم بته الله أي قطعة
الواقعة : ( 7 ) وكنتم أزواجا ثلاثة
ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال ( وكنتم أزواجا ثلاثة ) والخطاب لجميع الناس أو للأمة الحاضرة والأزواج الأصناف والمعنى وكنتم في ذلك اليوم أصنافا ثلاثة
الواقعة : ( 8 ) فأصحاب الميمنة ما . . . . .
ثم فسر سبحانه هذه الأصناف فقال ( فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ) أي أصحاب اليمين وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وأصحاب الميمنة مبتدأ وخبره ما أصحاب الميمنة أي أي شيء هم في حالهم وصفتهم والاستفهام للتعظيم والتفخيم وتكرير المبتدأ هنا بلفظه معنى عن الضمير الرابط كما في قوله الحاقة ما الحاقة والقارعة ما القارعة ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التفخيم والتعظيم
الواقعة : ( 9 ) وأصحاب المشأمة ما . . . . .
( و ) الكلام في ( أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة ) كالكلام في أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والمراد الذي يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم والمراد تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وحسن الحال وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وسوء الحال وقال السدي أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين حين آدم أخرجت الذرية من صلبه المشأمة وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله وقال زيد أبن أسلم أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن واصحاب المشامة هم الذين أخذوا من شقة الأيسر وقال أبن جريج أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات وقال الحسن والربيع أصحاب الميمنة هم الميامين على إنفسهم بالأعمال الصالحة وأصحاب المشأمة هم المشائيم على إنفسهم بالأعمال القبيحة وقال المبرد أصحاب الميمنة أصحاب التقدم وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر والعرب تقول اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين ومنه قول أبن الدمينة أبنيتي أفى يمنى يديك جعلتني
فأفرح أم صيرتني في شمالك
الواقعة : ( 10 ) والسابقون السابقون
ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث فقال ( والسابقون السابقون ) والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما مر في القسمين الأولين كما تقول أنت أنت وزيد زيد والسابقون مبتدأ وخبره السابقون وفيه تأويلان أحدهما أنه بمعنى السابقون هم الذين اشتهرت حالهم بذلك والثاني أن متعلق السابقين مختلف والتقدير والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة والأول أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم قال الحسن وقتادة هم السابقون إلى الإيمان من كلامه وقال محمد بن كعب إنهم الأنبياء وقال أبن سيرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وقال مجاهد هم الذين سبقوا إلى الجهاد وبه قال الضحاك وقال سعيد بن جبير هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر وقال الزجاج المعنى والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث مع كونه أشرف من الصنفين الأولين هو أن يقترن به وما بعده
الواقعة : ( 11 - 12 ) أولئك المقربون
وهو قوله ( أولئك المقربون في جنات النعيم ) فالإشارة هي إليهم أي المقربون إلى جزيل ثواب الله وعظيم كرامته أو الذين قربت درجاتهم وأعليت مراتبهم عند الله وقوله في جنات النعيم متعلق بالمقربون أي مقربون عند الله في جنات النعيم ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأولئك وأن يكون حالا من الضمير في المقربون أي كائنين فيها قرأ الجمهور في جنات بالجمع وقرأ طلحة بن مصرف في جنة بالإفراد وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه كما يقال دار الضيافة ودار الدعوة ودار العدل
الواقعة : ( 13 ) ثلة من الأولين
وارتفاع ( ثلة من الأولين ) على أنه خبر مبتدأ محذوف أي


"""""" صفحة رقم 149 """"""
هم ثلة والثلة الجماعة التي لا يحصر عددها قال الزجاج معنى ثلة معنى فرقة من ثللت الشيء إذا قطعته والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا ( صلى الله عليه وسلم )
الواقعة : ( 14 ) وقليل من الآخرين
( وقليل من الآخرين ) أي من هذه الأمة وسموا قليلا بالنسبة إلى من كان قبلهم وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم وكثرة من إجابهم قال الحسن سابقوا من مضى أكثر من سابقينا قال الزجاج الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وإله وسلم ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وإله وسلم أني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثم قال ثلث أهل الجنة ثم قال نصف أهل الجنة لأن قوله ثلة من الأولين وقليل من الآخرين إنما هو تفصيل للسابقين فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال هذه الثلة أكثر من هذه الثلة كما يقال هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة وبهدا تعرف أنه لم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور
الواقعة : ( 15 ) على سرر موضونة
ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال ( على سرر موضونة ) قرأ الجمهور سرر بضم السين والراء الأولى وقرأ أبو السماك وزيد بن علي بفتح الراء وهي لغة كما تقدم والموضونة المنسوخة والوضن النسخ المضاعف قال الواحدي قال المفسرون منسوخة بقضبان الذهب وقيل مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد وقيل إن الموضونة المصفوفة وقال مجاهد الموضونة المرمولة بالذهب
الواقعة : ( 16 ) متكئين عليها متقابلين
وانتصاب ( متكئين عليها ) على الحال وكذا انتصاب ( متقابلين ) والمعنى مستقرين على سرر متكئين عليها متقابلين لاينظر بعضهم قفا بعض
الواقعة : ( 17 ) يطوف عليهم ولدان . . . . .
( يطوف عليهم ولدان مخلدون ) الجملة في محل نصب على الحال من المقربين أو مستأنفة لبيان بعض ما أعد الله لهم من النعيم والمعنى يدور حولهم للخدمة غلمان لا يهرمون ولا يتغيرون بل شكلهم شكل الولدان دائما قال مجاهد المعنى لا يموتون وقال الحسن والكلبي لا يهرمون ولا يتغيرون قال الفراء والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط للرجل إنه لمخلد وقال سعيد بن جبير مخلدون مقرطون قال الفراء ويقال مخلدون مقرطون يقال خلد جاريته إذا حلاها بالخلدة وهي القرطة وقال عكرمة مخلدون منعمون ومنه قول امرئ القيس وهل ينعمن إلاسعيد مخلد
قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وقيل مستورون بالحلية وروى نحوه عن الفراء ومنه قول الشاعر ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان
وقيل مخلدون ممنطقون قيل وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة وقيل هم أطفال المشركين ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة
الواقعة : ( 18 ) بأكواب وأباريق وكأس . . . . .
والأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا آذان لها ولا عرى وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف والأباريق هي ذات العرى والخراطيم واحدها إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه ( وكأس من معين ) أي من خمر جارية أو من ماء جار والمراد به ها هنا الخمر الجارية من العيون وقد تقدم بيان معنى الكأس في سورة الصافات
الواقعة : ( 19 ) لا يصدعون عنها . . . . .
( لا يصدعون عنها ) أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها كما تتصدع من شرب خمر الدنيا والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان


"""""" صفحة رقم 150 """"""
في رأسه وقيل معنى لا يصدعون لا يتفرقون كما يتفرق الشراب ويقوى هذا المعنى قراءة مجاهد يصدعون بفتح الياء وتشديد الصاد والأصل يتصدعون أي يتفرقون والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من النعيم أو في محل نصب على الحال وجملة ( ولا ينزفون ) معطوف على الجملة التي قبلها وقد تقدم اختلاف القراء في هذا الحرف في سورة الصافات وكذلك تقدم تفسيره أي لا يسكرون فتذهب عقولهم من أنزف الشارب إذا نفذ عقله أو شرابه ومنه قول الشاعر لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم
لبئس الندامى كنتم آل أبجرا
الواقعة : ( 20 ) وفاكهة مما يتخيرون
( وفاكهة مما يتخيرون ) أي يختارونه يقال تخيرت الشيء إذا أخذت خيره قرأ الجمهور وفاكهة بالجر
الواقعة : ( 21 ) ولحم طير مما . . . . .
و ( كذا ) ( لحم ) عطفا على أكواب أي يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به وقرأ زيد أبن على وأبو عبد الرحمن برفعهما على الابتداء والخبر مقدر أي ولهم فاكهة ولحم ومعنى ( مما يشتهون ) مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم
الواقعة : ( 22 - 23 ) وحور عين
( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) قرأ الجمهور حور عين برفعهما عطفا على ولدان أو على تقدير مبتدأ أي نساؤهم حور عين أو على تقدير خبر أي ولهم حور عين قرأ حمزة والكسائي بجرهما عطفا على أكواب قال الزجاج وجائز أن يكون معطوفا على جنات أي هم في جنات وفي حور على تقدير مضاف محذوف أي وفي معاشرة حور قال الفراء في توجيه العطف على أكواب إنه يجوز الجر على الإتباع في اللفظ وإن اختلفا في المعنى لأن الحور لا يطاف بهن كما في قول الشاعر إذا ما الغانيات برزن يوما
وزججن الحواجب والعيونا
والعين لا تزجج وإنما تكحل ومن هذا قول الشاعر علفتها تبنا وماء باردا وقول الآخر متقلدا سيفا ورمحا قال قطرب هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى قال ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور ويكون لهم في ذلك لذة وقرأ الأشهب العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر بنصبهما على تقدير إضمار فعل كأنه قيل ويزوجون حورا عينا أو ويعطون ورجح أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور ثم شبههن سبحانه باللؤلؤ المكنون وهو الذي لم تمسه الأيدي ولا وقع عليه الغبار فهو أشد ما يكون صفاء
الواقعة : ( 24 ) جزاء بما كانوا . . . . .
وانتصاب جزاء في قوله ( جزاء بما كانوا يعملون ) على أنه مفعول له أي يفعل بهم ذلك كله للجزاء بأعمالهم ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لفعل محذوف أي يجزون جزاء وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الطور غيرها
الواقعة : ( 25 ) لا يسمعون فيها . . . . .
( لايسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ) اللغو الباطل من الكلام والتأثيم النسبة إلى الإثم قال محمد بن كعب لا يؤثم بعضهم بعضا وقال مجاهد لا يسمعون شتما ولا مأثما والمعنى أنه لا يقول بعضهم لبعضهم أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم
الواقعة : ( 26 ) إلا قيلا سلاما . . . . .
( إلا قيلا سلاما سلاما ) القيل القول والاستثناء منقطع أي لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا وانتصاب سلاما سلاما على إنه بدل من قبلا أو صفة له أو هو مفعول به لقيلا أي إلا أن يقولوا سلاما سلاما واختار هذا الزجاج أو على أنه منصوب بفعل هو محكى بقيلا أي إلا قيلا سلموا سلاما سلاما والمعنى في الآية أنهم يسمعون إلا تحية بعضهم لبعض قال عطاء يحيى بعضهم بعضا بالسلام وقيل إن الاستثناء متصل وهو بعيد لأن التحية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم قرئ سلام سلام بالرفع قال مكى ويجوز الرفع على معنى سلام عليكم مبتدأ وخبر
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد اخرج ابن أبي شيبة وأبن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عن أبن عباس في قوله ( إذا


"""""" صفحة رقم 151 """"""
( وقعت الواقعة ( قال يوم القيامة ( ليس لوقعتها كاذبة ) قال ليس لها مرد يرد ( خافضة رافعه ) قال تخفض ناسا وترفع آخرين وأخرج أبن جرير وأبن مردويه عنه ( خافضة رافعة ) قال أسمعت القريب والبعيد وأخرج أبن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ( خافضة رافعة ) قال الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة وأخرج أبن جرير وأبن المنذر عن أبن عباس في قوله ( إذا رجت الأرض رجا ) قال زلزلت ( وبست الجبال بسا ) قال فتنت ( فكانت هباء منبثا ) قال شعاع الشمس وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عنه ( فكانت هباء منبثا ) قال الهباء الذي يطير من النار إذا أضرمت يطير منها الشرر فإذا وقع لم يكن شيئا وأخرج أبن المنذر عنه أيضا قال الهباء ما يثور مع شعاع الشمس وإنبثائه تفرقه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبن المنذر عن علي بن أبي طالب قال الهباء المنبث دهج الدواب والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة وأخرج أبن أبي حاتم عن أبن عباس ( وكنتم أزواجا ) قال أصنافا وأخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه في قوله ( وكنتم أزواجا ثلاثة ) قال هي التي في سورة الملائكة ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات وأخرج أبن أبي حاتم وأبن مردويه عنه أيضا في قوله ( والسابقون السابقون ) قال يوشع بن نون سبق إلى موسى ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى وعلى بن أبي طالب سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم وأخرج أبن مردويه عنه أيضا في الآية قال نزلت في حز قيل آل فرعون وحبيب النجار الذي ذكر في يس وعلي بن أبي طالب وكل رجل منهم سابق أمته وعلى أفضلهم سبقا واخرج أحمد عن معاذ بن جبل ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلا هذه الآية ( وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ) فقبض بيديه قبضتين فقال هذه افي لجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي واخرج أحمد أيضا عن عائشة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة قالوا الله ورسوله أعلم قال الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوا بذلوا وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ) وأخرج أحمد وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال لما نزلت ( ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ) شق على أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فنزلت ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إني لأرجو أن تكونوا ربه أهل الجنة ثلث الجنة بل أنتم نصف أهل الحنة أو شطر أهل الجنة وتقاسموهم النصف الثاني وأخرج أبن جرير و أبن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس ( على سرر موضونه ) قال مصفوفه واخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وأبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والبيهقي في البعث عنه قال مرمولة بالذهب وأخرج أبن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وأبن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود قال قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهبه فيخر بين يديك مشوبا وأخرج أحمد والترمذي والضياء عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة قال آكلها أنعم منها وإني لأرجوا أن تكون ممن يأكل منها وفي الباب أحاديث وأخرج ابن المنذر عن أبن عباس في قوله ( كأمثال اللؤلؤ المكنون ) قال الذي في الصدف وأخرج أبن المنذر وأبن أبي حاتم عنه ( لا يسمعون فيها لغوا ) قال باطلا ( ولا تأثيما ) قال كذبا


"""""" صفحة رقم 152 """"""
سورة الواقعة ( 27 56
الواقعة : ( 27 ) وأصحاب اليمين ما . . . . .
لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال السابقين وما أعده لهم من النعيم المقيم ذكر أحوال أصحاب اليمين فقال ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ) قد قدمنا وجه إعراب هذا الكلام وما في هذه الجملة الاستفهامية من التفخيم والتعظيم وهي خبر المبتدأ وهو أصحاب اليمين
الواقعة : ( 28 ) في سدر مخضود
وقوله ( في سدر مخضود ) خبر ثان أو خبر مبتدا محذوف أي هم في سدر مخضود والسدر نوع من الشجر والمخضود الذي خضد شوكه أي قطع فلا شوك فيه قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة إن الحدائق في الجنان ظليلة
فيها الكواعب سدرها مخضود
4 وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن جيان إن السدر المخضود الموقر حملا
الواقعة : ( 29 ) وطلح منضود
( وطلح منضود ) قال أكثر المفسرين إن الطلح في الآية هو شجر الموز وقال جماعة ليس هو شجر الموز ولكنه الطلح المعروف وهو أعظم أشجار العرب قال الفراء وأبو عبيدة هو شجر عظام لها شوك قال الزجاج الطلح هو أم غيلان ولها نور طيب فخوطبوا ووعدوا ما يحبون إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا قال ويجوز أن يكون في الجنة وقد ازيل شوكه قال السدي طلح الجنة يشبه طلح الدنيا لكن له ثمر أحلى من العسل والمنضود المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل ليس له سوق بارزة قال مسروق أشجار الجنة من عروقها إلى افنانها نضيد ثمر كله كلما أخذت ثمرة عاد مكانها أحسن منها
الواقعة : ( 30 ) وظل ممدود
( وظل ممدود ) اي دائم باق لا يزول ولا ننسخه الشمس قال أبو عبيدة والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع ممدود ومنه قول ألم تر إلى ربك كيف مد الظل والجنة كلها ظل لا شمس معه قال الربيع بن أنس يعني ظل العرش ومن أستعمال العرب للممدود في الدائم الذي لا ينقطع قول لبيد غلب العزاء وكان غير مغلب
دهر طويل دائم ممدود


"""""" صفحة رقم 153 """"""
الواقعة : ( 31 ) وماء مسكوب
( وماء مسكوب ) أي منصب يجري بالليل والنهار أينما شاؤوا لا ينقطع عنهم فهو مسكوب يسكبه الله في مجاريه وأصل السكب الصب يقال سكبه سكبا أي صبه
الواقعة : ( 32 ) وفاكهة كثيرة
( وفاكهة كثيرة ) أي ألوان متنوعة متكثرة
الواقعة : ( 33 ) لا مقطوعة ولا . . . . .
( لا مقطوعة ) في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات ( ولا ممنوعة ) أي لا تمتنع على من أرادها في أي وقت على أي صفة بل هي معدة لمن أرادها لا يحول بينه وبينها حائل قال ابن قتيبة يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا
الواقعة : ( 34 ) وفرش مرفوعة
( وفرش مرفوعة ) أي مرفوع بعضها فوق بعض أو مرفوعة على الأسرة وقيل إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة وارتفاعها كونها على الأرائك أو كونها مرتفعات الأقدار في الحسن والكمال
الواقعة : ( 35 ) إنا أنشأناهن إنشاء
( إنا أنشأناهن إنشاء ) أي خلقناهن خلقا جديدا من غير توالد وقيل المراد نساء بني آدم والمعنى أن الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلى حال الشباب والنساء وإن لم يتقدم لهن ذكر لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين وأما على قول من قال إن الفرش المرفوعة عين النساء فمرجع الضمير ظاهر
الواقعة : ( 36 ) فجعلناهن أبكارا
( فجعلناهن أبكارا ) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان
الواقعة : ( 37 ) عربا أترابا
( عربا أترابا ) العرب جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها قال المبرد هي العاشقة لزوجها ومنه قول لبيد وفي الخباء عروب غير فاحشة
ريا الروادف يعشي ضوؤها البصرا
وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام قرأ الجمهور بضم العين والراء وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء وهما لغتان في جمع فعول والأتراب هن اللواتي على ميلاد واحد وسن واحد وقال مجاهد أترابا أمثالا وأشكالا وقال السدي أترابا في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد
الواقعة : ( 38 ) لأصحاب اليمين
قوله ( لأصحاب اليمين ) متعلق بإنشأناهن أو بجعلنا أو بأترابا والمعنى أن الله أنشأهن لأجلهم أو خلقهن لأجلهم أو هن مساويات لأصحاب اليمين في السن أو هو خبر لمبتدأ محذوف أي هن لأصحاب اليمين
الواقعة : ( 39 - 40 ) ثلة من الأولين
( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) هذا راجع إلى قوله ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ) أي هم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين وقد تقدم تفسير الثلة عند ذكر السابقين والمعنى أنهم جماعة أو أمة أو فرقة أو قطعة من الأولين وهم من لدن آدم إلى نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) وجماعة أو أمة أو فرقة قطعة من الآخرين وهم أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك ثلة من الأولين يعني من سابقي هذه الأمة وثلة من الآخرين من هذه الأمة من آخرها
الواقعة : ( 41 ) وأصحاب الشمال ما . . . . .
ثم لما فرغ سبحانه مما أعده لأصحاب اليمين شرع في ذكر أصحاب الشمال وما أعده لهم فقال ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ) الكلام في إعراب هذا وما فيه من التفخيم كما سبق في أصحاب اليمين
الواقعة : ( 42 ) في سموم وحميم
وقوله ( في سموم وحميم ) إما خبر ثان لأصحاب الشمال أو خبر مبتدأ محذوف والسموم حر النار والحميم الماء الحار الشديد الحرارة وقد سبق بيان معناه وقيل السموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن
الواقعة : ( 43 ) وظل من يحموم
( وظل من يحموم ) اليحموم يفعول من الأحم وهو الأسود والعرب تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد والمعني أنهم يفزعون إلى الظل فيجدونه ظلا من دخان جهنم شديد السواد وقيل وهو مأخوذ من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار وقيل مأخوذ من الحمم وهو الفحم قال الضحاك النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود
الواقعة : ( 44 ) لا بارد ولا . . . . .
ثم وصف هذا الظل بقوله ( لا بارد ولا كريم ) أي ليس كغيره من الظلال التي تكون باردة بل هو حار لأنه من دخان نار جهنم قال سعيد بن المسيب ولا كريم أي ليس فيه حسن منظر وكل مالا خير فيه فليس بكريم قال الضحاك ولا كريم ولا عذب قال الفراء العرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه وصفا تنوي


"""""" صفحة رقم 154 """"""
به الذم تقول ما هو بسمين ولا بكريم وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة
الواقعة : ( 45 ) إنهم كانوا قبل . . . . .
ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال ( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) وهذه الجملة تعليل لما قبلها أي إهم كانوا قبل هذا العذاب النازل بهم مترفين في الدنيا أي منعمين بما لا يحل لهم والمترف المتنعم وقال السدى مشركين وقيل متكبرين والأول أولى
الواقعة : ( 46 ) وكانوا يصرون على . . . . .
( وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) الحنث الذنب أي يصرون على الذنب العظيم قال الواحدى قال أهل التفسير عني به الشرك أي كانوا لا يتوبون عن الشرك وبه قال الحسن والضحاك وابن زيد وقال قتادة ومجاهد هو الذنب العظيم الذي لا يتوبون عنه وقال الشعبي هو اليمين الغموس
الواقعة : ( 47 ) وكانوا يقولون أئذا . . . . .
( وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ) الهمزة في ] الموضعين للإنكار والاستبعاد وقد تقدم الكلام على هذا في الصافات وفي سورة الرعد والمعنى أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت وقد صاروا عظاما وترابا والمراد أنه صار لحمهم وجلودهم ترابا وصارت عظامهم نخرة بالية والعامل في الظرف ما يدل عليه مبعوثون لأن ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله أي انبعث إذا متنا الخ
الواقعة : ( 48 ) أو آباؤنا الأولون
( وآباؤنا الأولون ) معطوف على الضمير في لمبعوثون لوقوع الفصل بينهما بالهمزة والمعنى أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم وقرىء وآباؤنا
الواقعة : ( 49 - 50 ) قل إن الأولين . . . . .
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم ويرد استبعادهم فقال ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ) أي قل لهم يا محمد إن الأولين من الأمم والآخرين منهم الذين أنتم من جملتهم لمجموعون بعد البعث ( إلى ميقات يوم معلوم ) وهو يوم القيامة
الواقعة : ( 51 ) ثم إنكم أيها . . . . .
( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ) هذا وما بعده من جملة ما هو داخل تحت القول وهو معطوف على إن الأولين ووصفهم سبحانه بوصفين قبيحين وهما الضلال عن الحق والتكذيب له
الواقعة : ( 52 ) لآكلون من شجر . . . . .
( لآكلون من شجر من زقوم أي لآكلون في الآخرة من شجر كريه المنظر كريه الطعم وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات ومن الأولى لابتداء الغاية والثانية بيانية ويجوز أن تكون الأولى مزيدة والثانية بيانية وأن تكون الثانية مزيدة والأولى للابتداء
الواقعة : ( 53 ) فمالئون منها البطون
( فمالئون منها البطون ) أي مالئون من شجر الزقوم بطونكم لما يلحقكم من شدة الجوع
الواقعة : ( 54 ) فشاربون عليه من . . . . .
( فشاربون عليه من الحميم ) الضمير في عليه عائد إلى الزقوم والحميم الماء الذي قد بلغ حره إلى الغاية والمعنى فشاربون على الزقوم عقب أكله من الماء الحار ويجوز أن يعود الضمير إلى شجر لأنه يذكر ويؤنث ويجوز أن يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله لآكلون وقرىء من شجرة بالإفراد
الواقعة : ( 55 ) فشاربون شرب الهيم
( فشاربون شرب الهيم ) قرأ الجمهور شرب الهيم بفتح الشين وقرأ نافع وعاصم وحمزة بضمها وقرأ مجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرها وهي لغات قال أبو زيد سمعت العرب تقول بضم السين وفتحها وكسرها قال المبرد الفتح على أصل المصدر والضم اسم المصدر والهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها وهذه الجملة بيان لما قبلها أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهم التي تعطش ولا تروى بشرب الماء ومفرد الهيم أهيم والأنثى هيماء قال قيس بن الملوح يقال به داء الهيام أصابه
وقد علمت نفسي مكان شفائيا
وقال الضحاك وابن عيينة والأخفش وابن كيسان الهيم الأرض السهلة ذات الرمل والمعنى أنهم يشربون كما تشرب هذه الأرض الماء ولا يظهر له فيها أثر قال في الصحاح الهيام بالضم أشد العطش والهيام كالجنون من العشق والهيام داء يأخذ الإبل تهيم في الأرض لا ترعى يقال ناقة هيماء والهيماء أيضا المفازة لا ماء بها والهيام بالفتح الرمل الذي لا يتماسك في اليد للينه والجمع هيم مثل قذال وقذل والهيام


"""""" صفحة رقم 155 """"""
بالكسر الإبل العطاش
الواقعة : ( 56 ) هذا نزلهم يوم . . . . .
( هذا نزلهم يوم الدين ) قرأ الجمهور نزلهم بضمتين وروى عن أبي عمروا وابن محيصن بضمة وسكون وقد تقدم أن النزل ما يعد للضيف ويكون أول ما يأكله ويوم الدين يوم الجزاء وهو يوم القيامة والمعني أن ما ذكر من شجر الزقوم وشراب الحميم هو الذي يعد لهم ويأكلونه يوم القيامة وفي هذا تهكم بهم لأن النزل هو ما يعد للأضياف تكرمة لهم ومثل هذا قوله فبشرهم بعذاب أليم
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقى عن أبي أمامة قال كان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقولون إن الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله ذكر في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال وما هي قال السدر فإن لها شوكا فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أليس الله يقول ( في سدر مخضود ) يخضد الله شوكة فيجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها تنبت ثمرا يتفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من الطعام ما منها لون يشبه الآخر وأخرج ابن أبي داود والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن عيينه بن عبد السلمي قال كنت جالسا مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فجاء أعرابي فقال يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها يعني الطلح فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله يجعل مكان كل شوكة منها مثل خصية التيس الملبود يعني الخصى منها فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( سدر مخضود ) قال خضده وقره من الحمل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عنه قال المخضود الذي لا شوك فيه وأخرج عبد بن حميد أيضا قال المخضود الموقر الذي لا شوك فيه وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن على بن أبي طالب في قوله ( وطلح منضود ) قال هو الموز وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس مثله وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة مثله وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري مثله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أنه قرأ وطلع منضود وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عباد قال قرأت على علي أبن أبي طالب ( وطلح منضود ) فقال علي ما بال الطلح أما تقرأ وطلح ثم قال ( وطلع نضيد ) فقيل له يا أمير المؤمنين أنحكها في المصحف قال لا يهاج القرآن اليوم وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( منضود ) قال بعضه على بعض وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤوا إن شئتم ( وظل ممدود ) وأخرج البخاري وغيره نحوه من حديث أنس وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما نحوه من حديث أبي سعيد وأخرج أحمد والترمذي وحسنة والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( وفرش مرفوعة ) قال ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام قال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد انتهى ورشد بن ضعيف وإخراج الفرياني وهناد وعبد ابن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقى في البعث عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال إن المنشئات التي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا قال الترمذي بعد إخراجه غريب وموسى ويزيد ضعيفان وأخرج الطيالسى وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن قانع والبيهقي في البعث عن سلمة بن يزيد الجعفي سمعت النبي صلى الله عليه


"""""" صفحة رقم 156 """"""
وآله وسلم يقول في قوله ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال خلقهن غير خلقهن الأول وأخرج ابن أبي حاتم عنه ( أبكارا ) قال عذارى وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقى في البعث من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ( عربا ) قال عواشق ( أترابا ) يقول مستويات وأخرج ابن أبي حاتم عنه ( عربا ) قال عواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون ( أترابا ) قال في سن واحد ثلاثا وثلاثين سنة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا قال العروب الملقة لزوجها وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر والطبرانى وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) قال جميعهما من هذه الأمة وأخرج أبو داود الطيالسى ومسدد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي بكرة في قوله ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) قال هما جميعا من هذه الأمة وأخرج الفرياني وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عدى وابن مردويه قال السيوطى بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله ( ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ) قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هما جميعا من أمتي وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال الثلتان جميعا من هذه الأمة وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ( وظل من يحموم ) قال من دخان أسود وفي لفظ من دخان جهنم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( شرب الهيم ) قال الإبل العطاش
سورة الواقعة ( 57 74
الواقعة : ( 57 ) نحن خلقناكم فلولا . . . . .
قوله ) نحن خلقناكم فلولا تصدقون ( التفت سبحانه إلى خطاب الكفيرة تبكيتا لهم وإلزاما للحجة أي فهلا تصدقون بالبعث أوبالخلق قال مقاتل خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك فهلا تصدقون بالبعث
الواقعة : ( 58 ) أفرأيتم ما تمنون
أفرأيتم ماتمنون أي تقذفون أو وتصبون في إرحام النساء من النطف ومعنى أفرأيتم أخبروني ومفعولها الأول ما تمنون
الواقعة : ( 59 ) أأنتم تخلقونه أم . . . . .
والثاني والجملة الإستفهامية وهي ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أي تقدرونه وتصورونه بشرا


"""""" صفحة رقم 157 """"""
أم نحن المقدرون المصورون له وأم هي المتصلة وقيل هي المنقطعة والأول أولى قرأ الجمهور تمنون بضم الفوقية من أمنى يمنى وقرأ ابن عباس وأبو السماك ومحمد بن السميفع والأشهب العقيلي بفتحها من منى يمنى وهما لغتان وقيل معناهما مختلف يقال أمنى إذا أنزل عن جماع ومنى إذا أنزل عن احتلام وسمى المنى منيا لأنه يمنى أي يراق
الواقعة : ( 60 ) نحن قدرنا بينكم . . . . .
( نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ) قرأ الجمهور قدرنا بالتشديد وقرأ مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير بالتخفيف وهما لغتان يقال قدرت الشيء وقدرته أي قسمناه عليكم ووقتناه لكل فرد من أفرادكم وقيل قضينا وقيل كتبنا والمعنى متقارب قال مقاتل فمنكم من يموت كبيرا ومنكم من يموت صغيرا وقال الضحاك معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء وما نحن بمسبوقين بمغلوبين بل قادرين
الواقعة : ( 61 ) على أن نبدل . . . . .
( على أن نبدل أمثالكم ) أي نأتي بخلق مثلكم قال الزجاج إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا قال ابن جرير المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم وما نحن بمسبوقين في آجالكم أي لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) من الصور والهيئات قال الحسن أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم وقيل المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا وقال سعيد بن المسيب فيما لا تعلمون يعنى في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف وبرهوت واد باليمن وقال مجاهد ( فيما لا تعلمون ) يعنى في أي خلق شئنا ومن كان قادرا على هذا فهو قادر على البعث
الواقعة : ( 62 ) ولقد علمتم النشأة . . . . .
( ولقد علمتم النشأة الأولى ) وهي ابتداء الخلق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولم تكونوا قبل ذلك وقال قتادة والضحاك يعنى خلق آدم من تراب ( فلولا تذكرون ) أي فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة وتقيسونها على النشأة الأولى قرأ الجمهور النشأة بالقصر وقرأ مجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو بالمد وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت
الواقعة : ( 63 ) أفرأيتم ما تحرثون
( أفرأيتم ما تحرثون ) أي خبروني ما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيه البذر
الواقعة : ( 64 ) أأنتم تزرعونه أم . . . . .
( ءأنتم تزرعونه ) أي تنبتونه وتجعلونه زرعا فيكون فيه السنبل الحب ( أم نحن الزارعون ) أي المنبتون له الجاعلون له زرعا لا أنتم قال المبرد يقال زرعه الله أي أنماه فإذا أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث
الواقعة : ( 65 ) لو نشاء لجعلناه . . . . .
( لو نشاء جعلناه حطاما ) أي لو نشاء لجعلنا ما تحرثون حطاما أي متحطما متكسرا والحطام الهشيم الذي لا ينتفع به ولا يحصل منه حب ولا شيء مما يطلب من الحرث ( فظلتم تفكهون ) أي صرتم تعجبون قال الفراء تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم قال في الصحاح وتفكه تعجب ويقال تندم قال الحسن وقتادة وغيرهما معنى الآية تعجبون من ذهابها وتندمون مما حل بكم وقال عكرمة تلامون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله وقال أبو عمرو والكسائي هو التلهف على ما فات قرأ الجمهور ( فظلتم ) بفتح الظاء مع لام واحدة وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية عنه بكسر الظاء وقرأ ابن عباس والجحدرى فظللتم بلامين أولاهما مكسورة على الأصل وروى عن الجحدري فتحها وهي لغة وقرأ الجمهور تفكهون وقرأ أبو حزام العكلى تفكنون بالنون مكان الهاء أي تندمون قال ابن خالويه نفكه تعجب وتفكن تندم وفي الصحاح التفكن التندم
الواقعة : ( 66 ) إنا لمغرمون
( إنا لمغرمون ) قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر وقرأ أبو بكر والمفضل وزر بن حبيش بهمزتين على الاستفهام والجملة بتقدير القول أي تقولون إنا لمغرمون أي ملزمون غرما بما هلك من زرعنا والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض قاله الضحاك وابن كيسان وقيل إنا لمعذبون قاله قتادة وغيره وقال مجاهد وعكرمة لمولع بنا ومنه قول النمر بن تولب


"""""" صفحة رقم 158 """"""
سلا عن تذكره تكتما
وكان رهينا بها مغرما
يقال أغرم فلان بفلان أي أولع وقال مقاتل مهلكون قال النحاس مأخوذ من الغرام وهو الهلاك ومنه قول الشاعر ويوم النسار ويوم الجبا
ركان عليكم عذابا مقيما
الواقعة : ( 67 ) بل نحن محرومون
والظاهر من السياق المعنى الأول أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه ومصيره حطاما ثم أضربوا عن قولهم هذا وانتقلوا فقالوا ( بل نحن محرومون ) أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا والمحروم الممنوع من الرزق الذي لا حظ له فيه وهو المحارف
الواقعة : ( 68 ) أفرأيتم الماء الذي . . . . .
( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء ومنافعه لأنه أعظم فوائده وأجل منافعه
الواقعة : ( 69 ) أأنتم أنزلتموه من . . . . .
( ءأنتم أنزلتموه من المزن ) أي السحاب قال في الصحاح قال أبو زيد المزنة السحابة البيضاء والجمع مزن والمزنة المطر قال الشاعر ألم تر أن الله أنزل مزنة
وعفر الظبا في الكنائس تقمع
ومما يدل على أنه السحاب قول الشاعر فنحن كماء المزن ما في نصابنا
كهام ولا فينا يعد بخيل
وقول الآخر فلا مزنة ودقت ودقها
ولا أرض أبقل إبقالها
( أم نحن المنزلون ) له بقدرتنا دون غيرنا فإذا عرفتم ذلك فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث
الواقعة : ( 70 ) لو نشاء جعلناه . . . . .
ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال ( لو نشاء جعلناه أجاجا ) الأجاج الماء الشديد الملوحة الذي لا يمكن شربه وقال الحسن هو الماء المر الذى لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما ( فلولا تشكرون ) أي فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذبا تشربون منه وتنتفعون به
الواقعة : ( 71 ) أفرأيتم النار التي . . . . .
( أفرأيتم النار التي تورون ) أي أخبروني عنها ومعنى تورون تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب يقال أوريت النار إذا قدحتها
الواقعة : ( 72 ) أأنتم أنشأتم شجرتها . . . . .
( ءأنتم أنشأتم شجرتها ) التي يكون منها الزنود وهي المرخ والعفار تقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ( أم نحن المنشئون ) لها بقدرتنا دونكم ومعنى الإنشاء الخلق وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة
الواقعة : ( 73 ) نحن جعلناها تذكرة . . . . .
( نحن جعلناها تذكرة ) أي جعلنا هذه النار التي في الدنيا تذكرة لنار جهنم الكبرى قال مجاهد وقتادة تبصرة للناس في الظلام وقال عطاء موعظة ليتعظ بها المؤمن ( ومتاعا للمقوين ) أي منفعة للذين ينزلون بالقواء وهي الأرض القفر كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة يقال أرض قواء بالمد والقصر أي مقفرة ومنه قول النابغة يا دار مية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقال عنترة حييت من طلل تقادم عهده
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
وقول الآخر ألم تسأل الربع القواء فينطق
وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق
ويقال أقوى إذا سافر أي نزل القوي وقال مجاهد المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة وتذكر نار جهنم وقال ابن زيد للجائعين في إصلاح طعامهم يقال أقويت منذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا وبات فلان القوي أي بات جائعا ومنه قول الشاعر


"""""" صفحة رقم 159 """"""
وإني لأختار القوي طاوى الحشا
محافظة من أن يقال لئيم
وقال قطرب المقوى من الأضداد يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى يقال أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله وحكى الثعلبي عن أكثر المفسرين القول الأول وهو الظاهر
الواقعة : ( 74 ) فسبح باسم ربك . . . . .
( فسبح باسم ربك العظيم ) الفاء لترتيب ما بعدها من ذكر الله سبحانه وتنزيهه على ما قبلها مما عدده من النعم التي أنعم بها على عبادة وجحود المشركين لها وتكذيبهم بها
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج البزار بن رجرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يقولن أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت قال أبو هريرة ألم تسمعوا الله يقول ( أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون واخرج أبن جرير عن أبن عباس ( تفكهون ) قال تعجبون وأخرج أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم عن أبن عباس قال ( المزن ) السحاب وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير المنذر وأبن أبي حاتم وأبن مردويه من طرق عن أبن عباس ( نحن جعلناها تذكرة ) قال تذكرة للنار الكبرى ( ومتاعا للمقوين ) قال للمسافرين
سورة الواقعة ( 75 96
الواقعة : ( 75 ) فلا أقسم بمواقع . . . . .
قوله ( فلا أقسم ) ذهب جمهور المفسرين إلى أن لا مزيدة للتوكيد والمعنى فأقسم ويؤيد هذا قوله بعد ( وإنه لقسم ) وقال جماعة من المفسرين إنها للنفي وإن المنفي بها محذوف وهو كلام الكفار الجاحدين قال الفراء هي نفي والمعنى ليس الأمر كما تقولون ثم أستأنف فقال أقسم وضعف هذا بأن حذف أسم لا وخبرها غير جائز كما قال أبو حيان وغيره وقيل أنها لام الابتداء والأصل فلا أقسم فأشعت الفتحة فتولد بها ألف كقول الشاعر أعوذ بالله من العقراب
قد قرأ هكذا ( فلا أقسم ) بدون ألف الحسن وحميد وعيسى بن عمر وعلى هذا القول وهذه القراءة يقدر


"""""" صفحة رقم 160 """"""
مبتدأ محذوف والتقدير فلأنا أقسم بذلك وقيل إن لا هنا بمعنى ألا التي للتنبيه وهو بعيد وقيل لا هنا على ظاهرها وإنها لنفي القسم أي فلا أقسم على هذا لأن الأمر أوضح من ذلك
الواقعة : ( 76 ) وإنه لقسم لو . . . . .
وهذا مدفوع بقوله ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) مع تعيين المقسم به والمقسم عليه ومعنى قوله ( بمواقع النجوم ) مساقطها وهي مغاربها كذا قال قتادة وغيره وقال عطاء بن أبي رباح منازلها وقال الحسن انكدارها وانتثارها يوم القيامة وقال الضحاك هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا وقيل المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما من اللوح المحفوظ وبه قال السدي وغيره وحكى الفراء عن أبن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن قرأ الجمهور مواقع على الجمع وقرأ أبن مسعود والنخعي وحمزة والكسائي وأبن محيصن وورث عن يغقوب بموقع على الإفراد قال المبرد موقع ها هنا مصدر فهو يصلح للواحد والجمع ثم أخبر سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه فقال ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) هذه الجملة معترضة بين المقسم به والمقسم عليه وقوله ( لو تعلمون ) جملة معترضة بين جزأى الجملة المعترضة فهو اعتراض في أعتراض قال الفراء والزجاج هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن والضمير في إنه على القسم الذي يدل عليه أقسم والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعامون
الواقعة : ( 77 ) إنه لقرآن كريم
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال ( إنه لقرآن كريم ) أي كرمه الله وعزه ورفع قدره على جميع الكتب وكرمه عن أن يكون سحرا أو كهانة أو كذبا وقيل إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق ومعالي الأمور وقيل لأنه يكرم حافظه ويعظم قارئه وحكى الواحدي عن أهل المعاني أن وصف القرآن بالكريم لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين قال الأزهري الكريم أسم جامع لما يحمد والقرآن الكريم يحمد لما فيه من المهدى والبيان والعلم والحكمة
الواقعة : ( 78 ) في كتاب مكنون
( في كتاب مكنون ) أي مستور مصون وقيل محفوظ عن الباطل وهو اللوح المحفوظ قاله جماعة وقيل هو كتاب وقال عكرمة هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه وقال السدي هو الزبور وقال مجاهد وقتادة هو المصحف الذي في أيدينا
الواقعة : ( 79 ) لا يمسه إلا . . . . .
( لا يمسه إلا المطهرون ) قال الواحدي أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون أي لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة وقيل هم الملائكة والرسل من بني آدم ومعنى لا يمسه المس الحقيقي وقيل معناه لا ينزل به إلا المطهرون وقيل معناه لا يقرؤه وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن فقيل لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس كذا قال قتادة وغيره وقال الكلبي المطهرون من الشرك وقال الربيع بن أنس المطهرون من الذنوب والخطايا وقال محمد بن الفضل وغيره معنى لا يمسه لا يقرؤه إلا المطهرون أي إلا الموحدون وقال الفراء لا يجد نفعه وبركته إلا المطهرون أي المؤمنون وقال الحسين بن الفضل لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف وبه قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي وروى عن أبن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة أنه يجوز للمحدث مسه وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه قرأ الجمهور المطهرون بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول وقرأ سلمان الفارسي بكسر الهاء على أنه اسم فاعل أي المطهرون أنفسهم وقرأ نافع وأبن عمر وفي روية عنهما عيسى بن عمر بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة اسم مفعول من اطهر وقرأ الحسن وزيد بن علي وعبد الله بن عوف بتشديد الطاء وكسر الهاء وأصله


"""""" صفحة رقم 161 """"""
المتطهرون
الواقعة : ( 80 ) تنزيل من رب . . . . .
( تنزيل من رب العالمين ) قرأ الجمهور بالرفع وقرئ بالنصب فالرفع على إنه صفة أخرى لقرآن أو خبر مبتدأ محذوف والنصب على الحال
الواقعة : ( 81 ) أفبهذا الحديث أنتم . . . . .
( أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت السابقة والمدهن والمداهن المنافق كذا قال الزجاج وغيره وقال عطاء وغيره هو الكذاب وقال مقاتل بن سليمان وقتادة مدهنون كافرون كما في قوله ودوا لو تدهن فيدهنون وقال الضحاك مدهنون معرضون وقال مجاهد ممالئون للكفار على الكفر وقال أبو كيسان المدهن الذي لا يعقل حق الله عليه ويدفعه بالعلل والأول أولى لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه كأنه يشبه الدهن في سهولته قال المؤرخ المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق وأصله اللين وأن يسر خلاف ما يظهر وقال في الكشاف مدهنون أي متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به انتهى قال الراغب والإدهان في الأصل مثل التدهين لكل جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد كما جعل التقريد وهو نزع القراد عبارة عن ذلك ويؤيد ما ذكره قول أبي قيس بن الأسلت الحزم والقوة خير من
الأدهان والعهه والهاع
الواقعة : ( 82 ) وتجعلون رزقكم أنكم . . . . .
( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) في الكلام مضاف محذوف كما حكاه الواحدي عن المفسرين أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله فتضعون التكذيب موضع الشكر وقال الهيثم إن أزدشنوءة يقولون ما رزق فلان أي ما شكر وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر ووجه التعبير بالرزق عن الشكر أن الشكر يفيض زيادة الرزق فيكون الشكر رزقا تعبيرا بالسبب عن المسبب ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله وأنزل عليهم المطر سقينا بنوء كذا ومطرنا بنوء كذا قال الأزهري معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزاق وقرأ علي وأبن عباس وتجعلون شكركم وقرأ الجمهور أنكم تكذبون بالتشديد من التكذيب وقرأ علي وعاصم في رواية عنه بالتخفيف من الكذب
الواقعة : ( 83 ) فلولا إذا بلغت . . . . .
( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) أي فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى مفهوم عندهم إذا جاؤوا بمثل هذه العبارة ومنه قول حاتم طي أماوى ما يغني الثراء عن الفتى
إذا بلت حشرجت يوما وضاق بها الصدر
الواقعة : ( 84 ) وأنتم حينئذ تنظرون
( وأنتم حينئذ تنظرون ) إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه أو روحه الحلقوم قال الزجاج وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال ترون الميت قد صار إلى أن تخرج نفسه والمعنى أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع عنه ولا يستطيعون شيئا ينفعه أو يخفف عنه ما هو فيه
الواقعة : ( 85 ) ونحن أقرب إليه . . . . .
( ونحن أقرب إليه منكم ) أي بالعلم والقدرة والرؤية وقيل أراد ورسلنا الذين يتولون قبضة أقرب إليه منكم ( ولكن لا تبصرون ) أي لا تدركون ذلك لجهلكم بأن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد أو لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه
الواقعة : ( 86 - 87 ) فلولا إن كنتم . . . . .
( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ) يقال دان السلطان رعيته إذا ساسهم واستعبدهم قال الفراء دنته ملكته وأنشد للحطيئة لقد دنت أمر بنيك حتى
تركتهم أدق من الطحين
أي ملكت ويقال دانه إذا أذلة واستعبده وقيل معنى مدينين محاسبين وقيل مجزيين ومنه قول الشاعر ولم يبق سوى العدوا
ن دناهم كما دانوا
والمعنى الأول ألصق بمعنى الآية أي فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين ترجعونها أي النفس التي قد


"""""" صفحة رقم 162 """"""
بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه ( إن كنتم صادقين ) ولن ترجعوها فبطل زعمكم إنكم غير مربوبين ولا مملوكين والعامل في قوله إذا بلغت هو قوله ترجعونها ولولا الثانية تأكيد للأولى قال الفراء وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد
الواقعة : ( 88 ) فأما إن كان . . . . .
ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال ( فاما أن كان من المقربين ) أبي السابقين من الثلاثة الأصناف المتقدم تفصيل أحوالهم
الواقعة : ( 89 ) فروح وريحان وجنة . . . . .
( فروح وريحان وجنة نعيم ) قرأ الجمهور روح بفتح الراء ومعناها الراحة من الدنيا والاستراحة من أحوالها وقال الحسن الروح الرحمة وقال مجاهد الروح الفرح وقرأ ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدري فروح بضم الراء ورويت هذه القراءة عن يعقوب قيل ومعنى هذه القراءة الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم والريحان الرزق في الجنة قاله مجاهد وسعيد أبن جبير ومقاتل قال مقاتل هوالرزق بلغة حمير يقال خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه ومنه قول النمر أبن تولب سلام الإله وريحانه
ورحمته وسماء درر
وقال قتادة إنه الجنة وقال الضحاك هو الرحمة وقال الحسن هو الريحان المعروف الذي يشم قال قتادة والربيع بن خيثم هذا عند الموت والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث وكذا قال أبو الجوزاء وأبو العالية ومعنى وجنة نعيم أنها ذات تنعم وارتفاع روح وما بعده على الإبتداء والخبر محذوف أي فله روح
الواقعة : ( 90 ) وأما إن كان . . . . .
( وأما إن كان ) ذلك المتوفى ( من أصحاب اليمين ) وقد تقدم ذكرهم وتفصيل أحوالهم وما أعده الله لهم من الجزاء
الواقعة : ( 91 ) فسلام لك من . . . . .
( فسلام لك من أصحاب اليمين ) أي لست ترى فيهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم بهم فإنه يسلمون من عذاب الله وقيل المعنى سلام لك منهم أي أنت سالم من الاغتمام بهم وقيل المعنى إنهم يدعون لك ويسلمون عليك وقيل إنه صلى الله عليه وإله وسلم يحيى السلام بالسلام إكراما وقيل هو إخبار من الله سبحانه بتسليم بعضهم على بعض وقيل المعنى سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين
الواقعة : ( 92 ) وأما إن كان . . . . .
( وأما إن كان من المكذبين الضالين ) أي المكذبين بالبعث الضالين عن الهدى وهو أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم وتفصيل أحوالهم
الواقعة : ( 93 ) فنزل من حميم
( فنزل من حميم ) أي فله نزل يعد لنزوله من حميم وهو الماء الذي قد تناهت حرارته وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه
الواقعة : ( 94 ) وتصلية جحيم
( وتصلية جحيم ) يقال إصلاة النار وصلاة أي إذا جعله في النار وهو منة إضافة المصدر إلى المفعول أو إلى المكان قال المبرد وجواب الشرط في هذه الثلاثة المواضع محذوف والتقدير مهما يكن من شيء فروح الخ وقال الأخفش إن الفاء في المواضع الثلاثة هي جواب أما وجواب حرف الشرط قرأ الجمهور وتصلية بالرفع عطفا على فنزل وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجر عطفا على حميم أي فنزل من حميم ومن تصلية جحيم
الواقعة : ( 95 ) إن هذا لهو . . . . .
( إن هذا لهو حق اليقين ) الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة أو إلى المذكور قريبا من أحوال المتفرقين لهو حق اليقين أي محض اليقين وخالصه وإضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشيء إلى نفسه قال المبرد هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين هذا عند الكوفيين وجوزوا ذلك لاختلاف اللفظ وأما البصريون فيجعلون المضاف إليه محذوفا والتقدير حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين
الواقعة : ( 96 ) فسبح باسم ربك . . . . .
والفاء في ( فسبح باسم ربك العظيم لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي نزهه عما لا يليق بشأنه والباء متعلقة بمحذوف أي فسبح ملتبسا باسم ربك للتبرك به وقيل المعنى فصل بذكر ربك وقيل الباء زائدة والاسم بمعنى الذات وقيل هي للتعدية لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى والأول أولى


"""""" صفحة رقم 163 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد اخرج النسائي وابن جرير ومحمد بن نصر والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبن عباس قال أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين وفي لفظ ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما ثم قرأ ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) وأخرج عبد بن حميد وأبن جرير ومحمد بن نصر وأبن المنذر وأبن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه فلا أقسم بمواقع النجوم قال القرآن وإنه لقسم لو تعلمون عظيم قال القرآن وأخرج بن مردويه عنه ايضا في الآية قال نجوم القرآن حين ينزل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في المعرفة من طرق عن ابن عباس أيضا لا يمسه إلا المطهرون قال الكتاب المنزل من السماء لا يمسه إلا الملائكة وأخرج سعيد بن منصور بن المنذر ( لا يمسه إلا المطهرون ) قال الملائكة وأخرج عبد الرزاق وأبن المنذر عن علقمة قال أتينا سلمان الفارسي فخرج علينا من كنيف فقلنا له لو توضأت يا أبا عبد الله ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا قال إنما قال الله ( في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) وهو الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا وأخرج عبد الرزاق وأبن أبي داود وأبن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال في كتاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لعمرو بن حزم لا تمس القرآن إلا على طهر وأخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال قرأت في صحيفة عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ولا يمس القرآن إلا طاهر وقد اسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي أسانيدها نظر واخرج أبن المنذر عن أبن عمر أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئا وأخرج سعيد بن منصور وأبن أبي شيبة في المصنف وأبن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال كنا مع سلمان فانطلق إلى حا جة فتوارى عنا ثم خرج إلينا فقلنا لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن فقال سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا ( لا يمسه إلا المطهرون ) وأخرج الطبراني وأبن مردويه عن ابن عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يمس القرآن إلا طاهر وأخرج أبن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده أن لا يمس القرآن إلا طاهر واخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( أنتم مدهنون ) قال مكذبون وأخرج مسلم وابن المنذر وأبن مردويه عن أبن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا فنزلت هذه الآية ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) حتى بلغ ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني ومن حديث أبي سعيد الخدري وفي الباب أحاديث وأخرج أحمد وأبن منيع وعبد بن حميد والترمذي وحسنه أبن جرير وأبن المنذر وأبن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن على عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) قال شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا وأخرج أبن عساكر في تاريخه عن عائشة قالت ما فسر رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم من القرآن إلا آيات يسيرة قوله ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) قال شكركم وأخرج بن مردويه عن على أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ وتجعلون شكركم وأخرج أبو عبيد في فضله بن منصور وعبد بن حميد وأبن جرير وأبن المنذر وأبن مردويه عن ابن عباسأنه كان يقرأ وتجعلون شكركم يعني الأنواء وما مطر


"""""" صفحة رقم 164 """"""
قوم إلا أصبح بعضهم كافرا كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا فأنزل الله وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون وأخرج أبن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي عن على أنه قرأ وتجعلون شكركم ) وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم يقرؤها كذلك وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن بن عباس ي في قوله ( غير مدينين ) قال غير محاسبين واخرج أبن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وأبن المنذر عن الربيع بن خيثم ( فأما إن كان من المقربين ) الآية قال هذا له عند الموت ( وجنة نعيم ) تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم قال هذا عند الموت وتصليه جحيم قال تخبأ له الجحيم الي يوم البعث وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( فروح ) قال ( رائحة ) ( وريحان ) قال استراحة وأخرج أبن جرير عنه قال يعني بالريحان المستريح من الدنيا ( وجنة نعيم ) يقول مغفرة ورحمة وأخرج أبن المنذر عنه أيضا قال الريحان الرزق وأخرج أبن جرير وأبن المنذر عنه أيضا في قوله ( فسلام لك من أصحاب اليمين قال تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين وأخرج أبن أبي حاتم عنه أيضا ( إن هذا لهو حق اليقين ) قال ما قصصنا عليك في هذه السورة وأخرج عنه ايضا ( فسبح باسم ربك العظيم ) قال فصل لربك وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه وأبن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسبح بسم ربك العظيم قال اجعلوه في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم )
ع5
تفسير
سورة الحديد
هي تسع وعشرون آية
حول السورة
وهي مدنية قال القرطبي في قول الجميع وأخرج أبن الضريس والنحاس وأبن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال نزلت سورة الحديد بالمدينة وأخرج أبن مردويه عن بن الزبير مثله وأخرج الطبراني وأبن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء وخلق الله الحديد يوم الثلاثاء وقتل أبن آدم أخاه يوم الثلاثاء ونهى رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم عن الحجامة يوم الثلاثاء وأخرج الديلمي عن جابر مرفوعا لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت على يوم الثلاثاء وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وأبن مردويه والبيهقي في الشعب عن العرباض أبن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال إن فيهن آية أفضل من ألف آية وفي إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال معروف وقد أخرجه النسائي عن خالد بن معدان قال كان رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم ولم يذكر العرباض بن سارية فهو مرسل وأخرج أبن الضريس عن يحيى أبن أبي كثير قال كان رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم لا ينام حتى يقرأ المسبحات وكان يقول إن فيهن آية أفضل من ألف آية قال يحيى فتراها الآية التي في آخر الحشر وقال أبن كثير في تفسيره والآية المشار إليها والله أعلم هي قوله ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) الآية والمسبحات المذكورة هي الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن


"""""" صفحة رقم 165 """"""
سورة الحديد ( 1 6
الحديد : ( 1 ) سبح لله ما . . . . .
قوله ( سبح لله ما في السموات والأرض ) أي نزهه ومجده قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي روح وغيره وقد تقدم الكلام في تسبيح الجمادات عند تفسير قوله وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السموات والأرض من العقلاء وغيرهم الحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال كتسبيح الملائكة والإنس والجن وبلسان الحال كتسبيح غيرهم فإن كل موجود يدل على الصانع وقد أنكر الزجاج أن يكون التسبيح غير الفعلاء هو لاتسبيبح الدلالة وقال لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة فلم قال ولكن لا تفقهون تسبيحهم وإنما هو تسبيح مقال واستدل بقوله وسخرنا مع داود الجبال يسبحن فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص داود فائدة وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارة كما في قوله وسبحوه وباللام أخرى كهذه الآية وأصله أن يكون متعديا بنفسه لأن معنى سبحته بعدته عن السوء فإذا استعمل باللام فهي إما مزيدة للتأكيد كما في شكرته وشكرت له أو هي للتعليل أي افعل التسبيح لأجل الله سبحانه خالصا له وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة وفي بعضها مضارعا وفي بعضها أمرا للإشارة إلى أن هذه الإشيا مسبحة في كل الأوقات لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل ( وهو العزيز ) أي القادر الغالب الذي لا ينازعه أحد ولا يمانعه ممانع كائنا ما كان ( الحكيم ) الذي يفعل أفعال الحكمة والصواب
الحديد : ( 2 ) له ملك السماوات . . . . .
( له ملك السموات والأرض ) يتصرف فيه وحده ولا ينفذ غير تصرفه وأمره وقيل أراد خزائن المطر والنبات وسائر الأرزاق ( يحيي ويميت ) الفعلان في محل رفع على أنهما خبر مبتدأ محذوف أو في محل نصب على الحال من ضمير له أو كلام مستأنف لبيان بعض أحكام الملك والمعنى أنه يحيي في الدنيا ويميت الأحياء وقيل يحيي النطف وهي موات ويميت الأحياء وقيل يحيي الأموات للبعث ( وهو على كل شيء قدير ) لا يعجزه شيء كائنا ما كان
الحديد : ( 3 ) هو الأول والآخر . . . . .
( هو الأول ) قبل كل شيء ( والآخر ) بعد كل شيء أي الباقي بعد فناء خلقه ( والظاهر ) العالي الغالب على كل شيء أو الظاهر وجوده بالأدلة الواضحة ( والباطن ) أي العالم بما


"""""" صفحة رقم 166 """"""
بطن من قولهم فلان يبطن أمر فلان أي يعلم داخله أمره ويجوز أن يكون المعنى المحتجب عن الإبصار والعقول وقد فسر هذه الأسماء الأربعة رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم كما سيأتي فيتعين المصير إلى ذلك ( هو بكل شيء عليم ) لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات
الحديد : ( 4 ) هو الذي خلق . . . . .
( وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ) هذا بيان لبعض ملكه للسموات والأرض وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف وفي غيرها مستوفى ( يعلم ما يلج في الأرض ) أي يدخل فيها من مطر وغيره ( وما يخرج منها ) من نبات وغيره ( وما ينزل من السماء ) من مطر وغيره ( وما يعرج فيها ) أي يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد وقد تقدم تفسير هذا في سورة سبأ ( وهو معكم أينما كنتم ) أي بقدرته وسلطانه وعلمه وهذا تمثيل للأحاطة بما يصدر منهم أينما داروا في الأرض من بر وبحر ( والله بما تعملون بصير ) لا يخفي عليه من أعمالكم شيء
الحديد : ( 5 ) له ملك السماوات . . . . .
( له ملك السموات والأرض ) هذا التكرير للتأكيد ( وإلى الله ترجع الأمور ) لا إلى غيره قرأ الجمهور ترجع مبنيا للمفعول وقرأ حمزة والكسائي وأبن عامر على البناء للفاعل
الحديد : ( 6 ) يولج الليل في . . . . .
( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) قد تقدم تفسير هذا في سورة آل عمران وفي مواضع ( وهو عليم بذات الصدور ) أي بضمائر الصدور ومكنوناتها لا يخفي عليه من ذلك خافية
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن أبي شيبة ومسلم والترمذي والبيهقي عن أبي هريرة قال جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم تسأله خادما فقال قولي اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم وربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإنجيل والفرقان فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك دونك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا مثل هذا في الأربعة الأسماء المذكورة وتفسيرها وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبن عمر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وإله وسلم قال لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء فماذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا هو الأول قبل كل شيء والآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فوق كل شيء وهو الباطن دون كل شيء وهو بكل شيء عليم وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال سألت أبن عباس فقلت ما شيىء أجده في صدري قال ما هو قلت والله لا أتكلم به قال فقال لي أشيء من شك قال وضحك قال ما نجا من ذلك أحد قال حتى أنزل الله فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك الآية قال وقال لي إذا وجدت في نفسك شيئا فقل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم وأخرج أبن أبي حاتم عن أبن عباس في قوله ( وهو معكم أينما كنتم ) قال عالم بكم أينما كنتم
سورة الحديد ( 7 11 )


"""""" صفحة رقم 167 """"""
الحديد : ( 7 ) آمنوا بالله ورسوله . . . . .
قوله ( آمنوا بالله ورسوله ) أي صدقوا بالتوحيد وبصحة الرسالة وهذا خطاب لكفار العرب ويجوز أن يكون خطابا للجميع ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه أو الازدياد منه ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله فقال ( وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة فإن المال مال الله والعباد خلفاء الله في أمواله فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه وقيل وجعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه وستنقل إلى غيركم ممن يرثكم فلا تبخلوا به كذا قال الحسن وغيره وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير إلى غيرهم والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير وما يرضاه الله على العموم وقيل هو خاص بالزكاة المفروضة ولا وجه لهذا التخصيص ثم ذكر سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال ( فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) أي الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله وبين الإنفاق في سبيل الله لهم أجر كبير وهو الجنة
الحديد : ( 8 ) وما لكم لا . . . . .
( وما لكم لا تؤمنون بالله ) هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي أبي عذر لكم وأي مانع من الإيمان وقد أزيحت عنكم العلل وما مبتدأ ولكم خبره ولا تؤمنون في محل نصب على الحال من الضمير في لكم والعامل ما فيه من معنى الاستقرار وقيل المعنى أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا وجملة ( والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ) في محل نصب على الحال من ضمير لا تؤمنون على التداخل ولتؤمنوا متعلق بيدعوكم أي يدعوكم للإيمان والمعنى أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه وجملة ( وقد أخذ ميثاقكم ) في محل نصب على الحال من فاعل يدعوكم على التداخل أيضا أي والحال أن قد أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان قرأ الجمهور وقد أخذ مبنيا للفاعل وهو الله سبحانه لتقدم ذكره وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول ( إن كنتم مؤمنين ) بما أخذ عليكم من الميثاق أو بالحج والدلائل أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الإسباب فهذا أعظم أسبابه وأوضح موجباته
الحديد : ( 9 ) هو الذي ينزل . . . . .
( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ) أي واضحات ظاهرات وهي الآيات القرآنية وقيل المعجزات والقرآن أعظمها ( ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) أي ليخرجكم الله بتلك الآيات من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان أو ليخرجكم الرسول بتلك الآيات أو بالدعوة ( وإن الله بكم لرءوف رحيم ) أي لكثيرة الرأفة والرحمة بليغهما حيث أنزل كتبه وبعث رسله الهداية عباده فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه
الحديد : ( 10 ) وما لكم ألا . . . . .
والاستفهام في قوله ( وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ) للتقريع والتوبيخ والكلام في إعرب هذا كالكلام في إعراب قوله وما لكم لا تؤمنون بالله وفي هذه الآية دليل على أن الإنفاق المأمور به في قوله ( وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) هو الإنفاق في سبسيل الله كما بينا ذلك والمعنى أي عذر لكم وأي شيء يمنعكم من ذلك والأصل في أن لا تنفقوا وقيل إن أن زائدة وجملة ( ولله ميراث السموات والأرض ) في محل نصب على الحال من فاعل ( ألا تنفقوا أو من مفعوله والمعنى أي شيء يمنعكم من الإنفاق في ذلك الوجه والحال أن كل ما في السموات والأرض راجع إلى الله سبحانه بانقراض العالم كرجوع الميراث إلى


"""""" صفحة رقم 168 """"""
الوارث ولا يبقى لهم منه شيء وهذا أدخل في التوبيخ وأكمل في التقريع فإن كون تلك الأموال تخرج عن أهلها وتصير لله سبحانه ولا يبقى أحد من مالكيها أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها لله في الحقيقة وهم خلفاؤه في التصرف فيها ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال ( لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح ) قيل المراد بالفتح فتح مكة وبه قال أكثر المفسرين وقال الشعبي والزهري فتح الحديبية قال قتادة كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك وكذا قال مقاتل وغيره وفي الكلام حذف والتقدير لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ( وقاتل ) ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل فحذف لظهوره ولدلالة ما سيأتي عليه وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر وهم أقل وأضعف وتقديم الإنفاق على القتال للإيزان بفضيلة الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون مايجدون به من الأموال والجود بالنفس أقصى غاية الجود والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى من باعتبار معناها وهو مبتدأ وخبره ( أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) أي أرفع منزلة وأعلا رتبة من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله من بعد الفتح وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم قال عطاء درجات الجنة تتفاضل فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها قال الزجاج لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضا أنفذ وقد أرشد صلى الله عليه وإله وسلم إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صح عنه لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وهذا خطاب منه صلى الله عليه وإله وسلم للمتأخرين وصحبة كما يرشد إلى ذلك السبب الذي ورد فيه هذا الحديث ( وكلا وعد الله الحسنى ) أي وكل واحد من الفريقين وعد الله لمثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت درجاتهم فيها قرأ الجمهور وكلا بالنصب على أنه مفعول به للفعل المتأخر وقرأ ابن عامر بالرفع على الإبتداء والجملة بعده خبره والعائد محذوف أو على أنه خبر مبتدأ محذوف ومثل هذا قوال الشاعر قد أصبحت أم الخيار تدعى
على ذنبا كله لم أصنع
( والله بما تعملون خبير ) لا يخفى عليه من ذلك شيء
الحديد : ( 11 ) من ذا الذي . . . . .
ثم رغب سبحانه في الصدقة فقال ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله فإنه كمن يقرضه والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا قد أقرض ومنه قول الشاعر وإذا جوزيت قرضا فأجزه
إنما يجزى الفتى ليس الجمل
قال الكلبي ( قرضا ) أي صدقة ( حسنا ) أي محنسبا من قلبه بلا من ولا أذى قال مقاتل حسنا طيبة به نفسه وقد تقدم تفسير الآية في سورة البقرة ( فيضاعفه له ) قرأ أبن عامر وأبن كثير ( فيضعفه ) بإسقاط الألف إلا أن بن عامر ويعقوب نصبوا الفاء وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة فيضاعفه بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصما نصب الفاء ورفع الباقون قال أبن عطية الرفع على العطف على يقرض أو الاستئناف والنصب لكون الفاء في جواب الاستفهام وضعف النصب أبو علي الفارسي قال لأن السؤال لم يقع عن القرض وإنما وقع عن فاعل القرض وإنما تنصب الفاء فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى كأن قوله ( من ذا الذي يقرض الله ) بمنزلة قوله أيقرض الله أحد ( وله أجر كريم ) وهو الجنة والمضاعفة هنا هي كون الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات


"""""" صفحة رقم 169 """"""
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم وأبن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم يوشك أن يأتي قوم يحقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا من هم يا رسول الله أقريش قال لا ولكنهم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا فقلنا أهم خير منا يا رسول الله قال لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه إلا ان هذا فصل ما بيننا وبين الناس ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) الآية وهذا الحديث قال أبن كثير هو غريب بهذا الإسناد وقد رواه أبن جرير ولم يذكر فيه الحديبية وأخرج أحمد عن أنس قال كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن أبن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغ النبي صلى الله عليه وإله وسلم فقال دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم بلفظ لا تسبوا اصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما ادرك مد أحدهم ولا نصيفه ) وفي لفظ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري وأخرج أبن أبي شيبة عن أبن عمر قال لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وإله وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره
سورة الحديد ( 12 15
الحديد : ( 12 ) يوم ترى المؤمنين . . . . .
قوله ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ) العامل في الظرف مضمر وهو اذكر أو كريم أو فيضاعفه أو العامل في لهم وهو الأستقرار والخطاب لكل من يصلح له وقوله ( يسعى نورهم ) في محل نصب على الحال من مفعول ترى والنور هو الضياء الذي يرى ( بين ايديهم وبأيمانهم ) وذلك على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنة قال قتادة إن المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه وقال الضحاك ومقاتل وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها فكتبهم بأيمانهم ونورهم بين أيديهم قال الفراء الباء بمعنى في أيمانهم أو بمعنى عن قال الضحاك أيضا نورهم هداهم وأيمانهم كتبهم واختار هذا أبن جرير الطبري أي يسعى أيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم وفي إيمانهم كتب أعمالهم


"""""" صفحة رقم 170 """"""
قرأ الجمهور بأيمانهم جمع يمين وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة بإيمانهم بكسر الهمزة على أن المراد بالإيمان ضد الكفر وقيل هو القرآن والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الحال من نورهم أي كائنا بين أيديهم وبأيمانهم ( بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) بشراكم مبتدأ وخبره جنات على تقدير مضاف أي دخول جنات والجملة مقول قول مقدر أي يقال لهم هذا والقائل لهم هم الملائكة قال مكي واجاز الفراء نصب جنات على الحال ويكون اليوم خبر بشراكم وهذا بعيد جدا خالدين فيها حال مقدرة والإشارة بقوله ( ذلك إلى النور البشري وهو مبتدأ وخبره ( هو الفوز العظيم ) أي لا يقادر قدره حتى كأنه لا فوز غيره ولا اعتداد بما سواه
الحديد : ( 13 ) يوم يقول المنافقون . . . . .
( يوم يقول المنافقون والمنافقات ) يوم بدل من يوم الأول ويجوز ان يكون العامل فيه الفوز العظيم ويجوز ان يكون منصوبا بفعل مقدر أي أذكر ) للذين آمنوا ( اللام للتبليغ كنظائرها قرأ الجمهور ( انظرونا ) أمرا بوصل الهمزة وضم الظاء من النظر بمعنى الأنتظار أي انتظرونا يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار أي أمهلوني وأنشد قول عمرو بن كلثوم أبا هند فلا تعجل علينا
وأنظرنا نخبرك اليقينا
وقيل معنى انظرونا أنظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنورهم ( نقتبس من نوركم ) أي نستضيئ منه والقبس الشعلة من النار والسراج فلما قالوا ذلك ( قيل ارجعوا وراءكم ) أي قال لهم المؤمنون أو الملائكة زجرا لهم وتهكما بهم أي ارجعوا وراءكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور ( فالتمسوا نورا ) أي أطلبوا هنالك نورا لأنفسكم فإنه من هنالك يقتبس وقيل المعنى أرجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان والأعمال الصالحة وقيل أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة تهكما بهم ( فضرب بينهم بسور ) السور هو الحاجز بين الشيئين والمراد به هنا الحاجز بين الجنة والنار أو بين أهل الجنة وأهل النار قال الكسائي والباء في بسور زائدة ثم وصف سبحانه السور المذكور فقال ( له باب باطنه فيه الرحمة ) أي باطن ذلك السور وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة فيه الرحمة وهي الجنة ( وظاهره ) وهو الجانب الذي يلي أهل النار ( من قبله العذاب ) أي من جهته عذاب جهنم وقيل إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة والمنافقون يحصلون في العذاب وبينهم السور وقيل إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين
الحديد : ( 14 ) ينادونهم ألم نكن . . . . .
ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه عما قاله المنافقون إذ ذاك فقال ( ينادونهم الم تكن معكم ) أي موافقين لكم في الظاهر نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم والجملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال المنافقون بعد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين فقال ( ينادونهم ) ثم أخبر سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال ( قالوا بلى ) أي كنتم معنا في الظاهر ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) بالنفاق وإبطان الكفر قال مجاهد أهلكتموها بالنفاق وقيل بالشهوات واللذات ( وتربصتم ) بمحمد صلى الله عليه وإله وسلم وبمن معه من المؤمنين حوادث الدهر وقيل تربصتم بالتوبة والأول أولى ( وارتبتم ) أي شككتم في امر الدين ولم تصدقوا ما نزل من القرآن ولا بالمعجزات الظاهرة ( وغرتكم الأماني ) الباطلة التي من جملتها ما كنتم فيه من التربص وقيل هو طول الأمل وقيل ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين وقال قتادة الأماني هنا غرور الشيطان


"""""" صفحة رقم 171 """"""
وقيل الدنيا وقيل هو طمعهم في المغفرة وكل هذه الأشياء تدخل في مسمى الأماني ( حتى جاء أمر الله ) وهو الموت وقيل نصره سبحانه لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وقال قتادة هو إلقاؤهم في النار ( وغركم بالله الغرور ) قرأ الجمهور الغرور بفتح الغين وهو صفة على فعول والمراد به الشيطان أي خدعكم بحلم الله وإمهاله الشيطان وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع وسماك بن حرب بضمها وهو مصدر
الحديد : ( 15 ) فاليوم لا يؤخذ . . . . .
( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ) تفدون بها أنفسكم من النار أيها المنافقون ( ولا من الذين كفروا ) بالله ظاهرا وباطنا ( مأواكم النار ) أي منزلكم الذي تأوون إليه النار ( هي مولاكم ) أي هي أولى بكم والمولى في الأصل من يتولى مصالح الإنسان ثم استعمل فيمن يلازمه وقيل معنى مولاكم مكانكم عن قرب من الولى وهو القرب وقيل إن الله يركب في النار الحياة والعقل فهي تتميز غيظا على الكفار وقيل المعنى هي ناصركم على طريقة قول الشاعر تحية بينهم ضرب وجيع
( وبئس المصير ) الذي تصيرون إليه وهو النار
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود ( يسعى نورهم بين أيديهم ) قال يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نورا من ن