اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 مايو 2022

مجلد 1.و2 و3. من كتاب : الحماسة المغربية الجرّاوي

  1. مجلد 1.و2 و3. من كتاب : الحماسة المغربية الجرّاوي
    المقدمة

    بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله علَى سيدنا محمد وعلى آله
    الحمد لله علَى آلائه الوافرة الأعداد، المتصلة الأمداد؛ والصلاة علَى محمد رسوله الدَّاعي إلى سبيل الرشاد، المنقذ برسالته من مهاوي الضلال والإلحاد.
    والرضى عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم؛ القائم بالحق بعد ظهور الفساد، الفائضة أنوار هدايته على الأغوار والأنجاد؛ وعن الخليفتين الإمامين المنصورين الناصرين المتكفلين لدين الله بالإعانة والإنجاد، المستوليين في كل مأثرةٍ على العباب والآماد.
    والدعاء بتيسير المأمول وتسهيل المراد، ونجاح الإصدار والإيراد، لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين بن سيدنا أمير المؤمنين؛ أبي يوسف عصمة الإسلام وكاشف الظلم والظلام؛ البعيد مدى الهمم، الجزيل البأس والكرم؛ يبلى الزَّمان ولا تبلى مفاخره، ويحصى الحصا قبل أن تحصى مآثره.
    جاءتْ بهِ هذهِ الدُّنيا فلوْ سُئلتْ ... شِبهاً لقالتْ قياسٌ غيرُ مطَّردِ
    ماضي العزمات، وكاشف الأزمات؛ وكافل الأمة وكافيها، وناصر الشريعة وحاميها
    تقلَّدَ سيفَ الحقِّ يمضي بحدِّهِ ... على كلِّ منْ ناواهُ حُكم المصاحفِ
    بهرت مناقبه الأنوار، وغمرت مواهبه البحار، وصدّقت سحائب جوده يمينه مخايل برق جبينه.
    ما شامَ برقَ جبينهِ مسترفدٌ ... إلاَّ استهلَّتْ كفُّهُ أنواء
    سنام الشرف وذروته، ونخبة المجد وصفوته؛ ومعنى الجود وسرُّه، وشمس الزَّمان وبدره.
    غريبةٌ لمْ يعاينْها بنُو زمنٍ ... ونُدرةٌ لا تراها العينُ في الحُلُمِ
    ثمال المعتفين، وموئل الخائفين؛ ورحمة الله الَّتي ورد الخلق زلالها، وتفيؤوا ظلالها، فلله خلافته السعيدة لقد تم جمالها، وراقت غررها وأحجالها.
    منْ كانَ مولدُهُ تقدَّمَ قبلَهَا ... أوْ بعدَهَا فكأنَّهُ لم يولدِ
    خرق العوائد بأساً وسماحاً، وحلماً راجحاً وإسجاحا. وأبَّر على الملوك مضاءً وتصميماً وإنشاءً وتتميماً.
    وجَرَى فقصَّرَ عنْ مداهُ في العُلا ... أهلُ الزمَّانِ وأهلُ كلِّ زمانِ
    بهرت آياته الألباب، وأعجزت غاياته الطُّلاب، وتحيرت في كنهه الأوهام، وقصرت عن وصفه ألسن الأنام والأقلام.
    جلَّتْ عن المدحِ واستغنتْ فضائلُهُ ... والشَّمْسُ تكبُرُ عنْ حليٍ وعن حللِ
    لا زالت خلافته تروق حسناً وجمالاً، وتوسع البرية إحساناً وإجمالاً.
    ولما فرغ العبد من جمع الكتاب المترجم بصفوة الأدب، ونخبة ديوان العرب " فجاء خالصاً خلوص الذهب الإبريز، منفرداً دون ما تقدمه في فنِّه بالسبق والتبريز، نفذ الأمر المطاع باختصاره والاختيار من مختاره.
    وكتاب " النخبة " وإن كان فيه بعض الطول فإنَّه بما اشتمل عليه من غرائب المنظوم وعجائبه غير مملول. وقد احتوى هذا المختصر منه على جملةٍ كافيةٍ، ولغليل المتعطش إلى الأدب شافية، وبغرض المتمثل والمحاضر وافية. وأثبت مدح النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم بكماله، وأقر في الديوانين على حاله، لم يذهب فيه إلى الاختصار كما فُعل في غيره من الأشعار، رغبةً في كثرته وتبرُّكاً بتفصيله وجملته. وإنَّما تلقَّى العبد الأمر العالي وامتثله ووقف جهد استطاعته عند ما حُدَّ له، فإن أصاب الغرض وطبَّق المفصل فسهمٌ سدَّده راميه، وسيفٌ انتضاه منتضيه؛ وإن تكن الأخرى فقد استوفى جهده، وأبلغ النفس عذرها لنيل ما عنده.
    نسأل الله دوام من دامت لنا به سوابغ النّعم؛ وشفانا بتعليمه النافع، وإحسانه المتتابع، من الجهل والعدم؛ إنَّه سميع الدُّعاء، جزيل المواهب والآلاء، لا ربَّ غيره، ولا خير إلاَّ خيره.
    باب
    المدحمدح النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم
    قال عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه:
    ألمْ ترَ أنَّ اللهَ أبلَى رسولَهُ ... بلاءَ عزيزٍ ذي اقتدارٍ وذي فضلِ
    بما أنزلَ الكفَّارَ دارَ مذلَّةٍ ... فلاقَوْا هواناً من إسارٍ ومن قتلِ
    فأمسَى رسولُ اللهِ قدْ عزَّ نصرُهُ ... وكانَ رسولُ اللهِ أُرسلَ بالعدلِ
    فجاءَ بفرقانٍ منَ اللهِ منزلٍ ... مبيَّنةٌ آياتُهُ لذوي العقلِ
    فآمنَ أقوامٌ بذاكَ وأيقنوا ... فأمسَوْا بحمدِ اللهِ مُجتمعي الشَّملِ
    وأنكرَ أقوامٌ فزاغتْ قلوبهمْ ... فزادهُمُ ذو العرشِ خبلاً على خبلِ
    وأمكنَ منهمْ يومَ بدرٍ رسولَهُ ... وقوماً غِضاباً فعلُهم أحسنُ الفعلِ
    وقال عمر بن الخطَّاب، رضي الله عنه:
    ألمْ ترَ أنَّ اللهَ أظهرَ دينَهُ ... على كلِّ دينٍ قبلَ ذلكَ حائِدِ
    وأمكنَهُ من أهلِ مكَّةَ بعدَمَا ... تداعَوْا إلى أمرٍ منَ الغيِّ فاسِدِ
    غداةَ أجالَ الخيلَ في عَرَصاتِها ... مسوَّمةً بينَ الزُّبيرِ وخالِدِ
    فأمسَى رسولُ اللهِ قد عزَّ نصرُهُ ... وأمسَى عِداهُ من قتيلٍ وشارِدِ
    وقال العباس بن عبد المطّلب، رضي الله عنه:
    من قبلِها طبتَ في الجنانِ وفي ... مستودَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الورَقُ
    ثمَّ هبطتَ البلادَ لا بشَرٌ ... أنت ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ
    بل نطفةٌ تركبُ السّفينَ وقد ... ألجمَ نسْراً وقومَهُ الغَرَقُ
    تُنقلُ من صالبٍ إلى رَحِمٍ ... إذا مضى عالمٌ بدا طبَقُ
    حتَّى احتوَى بيتكَ المهيمنُ من ... خِنْدفَ علياءَ تحتَها النُّطقُ
    وأنتَ لمّا وُلدتَ أشرقتِ ال ... أرضُ وضاءتْ بنورِكَ الأُفقُ
    فنحنُ في ذلكَ الضِّياءِ وفي النُّ ... ورِ وسُبْلَ الرَّشادِ نخترِقُ
    وقال طالب بن أبي طالب:
    فما إنْ جَنَينا في قريشٍ عظيمةً ... سِوى أنْ حَمَينا خيرَ منْ وطئَ التُّربا
    أخا ثقةٍ في النَّائباتِ مُرَزَّأٍ ... كريماً ثناهُ لا بخيلاً ولا ذَرْبا
    يطيفُ به العافونَ يغشَوْنَ بابَهُ ... يؤمُّونَ نهراً لا نَزُوراً ولا صَرْبا
    وقال عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه:
    إنِّي تفرّست فيكَ الخيرَ أعرفهُ ... واللهُ يعلمُ أنْ ما خانني البصرُ
    أنتَ النَّبيّ ومن يحرمْ شفاعتَهُ ... يوم الحسابِ فقد أزرى به القدرُ
    فثبّت اللهُ ما آتاك من حسنٍ ... تثبيتَ موسى ونصراً كالَّذي نُصروا
    وقال كعب بن مالك، رضي الله عنه:
    ألا هلْ أتَى غسَّانَ في نأيِ دارِها ... وأخبَرُ شيءٍ بالأُمورِ عليمُها
    بأنْ قد رمتْنا عن قسيٍّ ضوامرٍ ... معدٍّ جهَّالُها وحليمُها
    لأنَّا عبدْنا الله لم نرجُ غيرَهُ ... رجاءَ الجِنانِ إذْ أتانا زعيمُها
    نبيٌّ لهُ في قومِهِ إرثُ عزَّةٍ ... وأعراقُ صدقٍ هذَّبتها أرُومُها
    فسارُوا وسرْنا والتقينا كأنَّنا ... أسودُ لقاءٍ لا يرجَّى كليمُها
    ضربناهُمُ حتَّى هوَى في مَكَرِّنا ... لمنخَرِ سوءٍ من لؤيٍّ عظيمُها
    وقال أيضاً:
    سائلْ قريشاً غداة السَّفحِ من أُحدٍ ... ماذا لقينا وما لاقَوْا من الهربِ
    كنَّا الأُسودَ وكانوا النّورَ إذْ زَحَفوا ... ما إنْ نراقبُ من إلٍّ ولا نسبِ
    فكمْ تركنا بها من سيِّدٍ بطلٍ ... حامي الذِّمارِ كريمِ الجدِّ والحسبِ
    فينا الرَّسولُ شهابٌ ثمَّ يتبعُهُ ... نورٌ مضيءٌ له فضلٌ على الشُّهبِ
    الحقُّ منطقُهُ والعدلُ سيرتُهُ ... فمن يُجبْهُ إليه ينجُ من تَبَبِ
    نجدُ المقدَّمِ ماضي الهمِّ معتزمٌ ... حينَ القلوبُ على رجفٍ من الرُّعبِ
    يمضي ويذمُرُنا من غيرِ معصيةٍ ... كأنَّهُ البدرُ لم يُطبعْ على الكذبِ
    بَدَا لنا فاتَّبعناهُ نصدِّقُهُ ... وكذَّبوهُ فكنَّا أسعدُ العربِ
    جالُوا وجلْنا فما فاؤُوا ولا رجَعُوا ... ونحنُ نَثْفِنُهم لم نأْلُ في الطَّلبِ
    ليسا سواءً وشتّى بينَ أمرِهما ... حزبُ الإلهِ وأهلُ الشِّركِ والنُّصبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    قضيْنا مِن تِهامَةَ كلَّ ريبٍ ... وخيبَرَ ثمَّ أجمعْنا السُّيوفا
    نخيِّرُها ولوْ نطقتْ لقالتْ ... قواطعهنَّ دَوْساً أوْ ثَقيفا
    أجدَّهُمُ أليسَ لهمْ نصيحٌ ... منَ الأقوامِ كانَ بِنا عَريفا
    يخبِّرهمْ بأنَّا قدْ جمعْنا ... عتاقَ الخيلِ والنُّجُبَ الطُّروفا
    رئيسهُمُ النَّبيّ وكانَ صُلباً ... نقيَّ القلبِ مصطبراً عَزُوفا
    نُطيعُ نبيَّنا ونُطيعُ ربّاً ... هوَ الرَّحمنُ كانَ بنا رَؤُوفا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    عصيتُم رسولَ اللهِ أُفٍّ لدينكمْ ... وأمرِكم السَّيئِ الَّذي كانَ غاوِيا
    وإنِّي وإنْ عنَّفتُموني لقائلٌ ... فدًى لرسولِ اللهِ أهلي ومالِيا
    أطعناهُ لم نعدلْهُ فينا بغيرِهِ ... شِهاباً في ظلمةِ اللَّيْلِ هادِيا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وفينا رسولُ الله نتبعُ أمرَهُ ... إذا قالَ فينا القولَ لا نتطلَّعُ
    تَدَلَّى عليهِ الرُّوحُ من عندِ ربِّهِ ... ينزَّلُ من جوِّ السَّمَاءِ ويرفَعُ
    نُشاوره في ما نريدُ فقصرُنا ... إذا ما اشتهَى أنَّا نُطيع ونسمَعُ
    وقالَ رسولُ الله لمَّا بدَوْا لهُ ... ذَرُوا عنكُم هولَ المنيَّةِ واطْمَعُوا
    وكونُوا كمنْ يَشري الحياةَ تقرُّباً ... إلى ملكٍ يُحيى لديهِ ويُرجَعُ
    وقال حسَّان بن ثابت، رضي الله عنه:
    عدِمْنا خيلَنَا إنْ لم تَرَوْها ... تثيرُ النَّقعَ موعدُها كَداءُ
    يبارينَ الأعنَّةَ مُصغياتٍ ... على أكتافِها الأَسَلُ الظِّماءُ
    تظلُّ جيادُنا مُتَمَطِّراتٍ ... يلطِّمهنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ
    فإمَّا تعرضُوا عنَّا اعْتَمَرنا ... وكانَ الفتحُ وانكشَفَ الغطاءُ
    وإلاَّ فاصبِرُوا لجلادِ يومٍ ... يعزُّ اللهُ فيه مَن يشاءُ
    وجبريلٌ رسولُ اللهِ فينا ... وروحُ القدسِ ليسَ له كِفاءُ
    وقالَ اللهُ قد أرسلتُ عبداً ... يقولُ الحقَّ إن نفعَ البلاءُ
    شهدتُ لهُ فقوموا صدّقوه ... فقلتم لا نقومُ ولا نشاءُ
    وقالَ اللهُ قد سيَّرتُ جُنداً ... هُم الأنصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ
    وقال أيضاً:
    صلَّى الإلهُ على ابنِ آمنةَ الَّذي ... جاءتْ بهِ سبطَ البَنانِ كريما
    يا أيُّها الرَّاجونَ منهُ شفاعةً ... صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسليما
    وقال أيضاً:
    مَتَى يبدُ في الدَّاجي البهيمِ جبينُهُ ... يَلُحْ مثلَ مصباحِ الدُّجَى المتقِّدِ
    فمنْ كانَ أوْ مَنْ قد يكونُ كأحمدٍ ... نظاماً لحقٍّ أوْ نكالاً لمُفسِدِ
    وقال أيضاً:
    أظنّ عُيينَةُ إذْ زارَهَا ... بأنْ سوفَ يهدمُ فيها قُصُورا
    فعفْتَ المدينةَ إذْ زُرتَهَا ... وآنستَ للأُسدِ فيها زئيرا
    أميرٌ عَلَيْنا رسولُ الملي ... كِ أحببْ بذاكَ إلينا أميرا
    رسولٌ نصدِّقُ ما قالَهُ ... ويتلُو عَلَيْنا كتاباً مُنيرا
    وقال أبو الطُّفيل عامر بن واثلة:
    إنَّ النَّبيّ هوَ النُّورُ الَّذي كشفتْ ... بهِ عمايَةُ ماضينا وباقينا
    ورَهْطُه عِصمةٌ في ديننا ولهم ... حقٌّ عَلَيْنا وفضلٌ واجبٌ فينا
    وقال العباس بن مرداس:
    يا خاتمَ النُّبَآءِ إنَّكَ مُرسلٌ ... بالحقِّ كلُّ هُدى السَّبيل هُداكا
    إنَّ الإلهَ بنى عليك محبَّةً ... في خلقِهِ ومحمَّداً سمَّاكا
    ثمَّ الَّذين وَفَوا بما عاهدتهمْ ... جندٌ بعثتَ عليهمُ الضَّحّاكا
    رجل به ذَرَبُ السِّلاحِ كأنَّهُ ... لمَّا تكنَّفهُ العدوُّ يَرَاكا
    يغشَى ذوي النَّسبِ القريبِ وإنَّما ... يبغي رضَى الرَّحمنِ ثمَّ رِضاكا
    أُنبيكَ أنِّي قد رأيتُ مَكَرَّهُ ... تحتَ العجاجةِ يدمَغُ الإشراكا
    طوراً يعانقُ باليَدَينِ وتارةً ... يفري الجماجمَ صارماً بتّاكا
    يغشَى بهِ هامَ الكُماةِ ولو تَرَى ... منهُ الَّذي عاينتُ كانَ شِفاكا
    وبنو سُليمٍ مُعنقونَ أمامَهُ ... ضرباً وطعناً في العدوِّ دِراكا
    يمشُونَ تحتَ لوائِهِ وكأنَّهمْ ... أُسدُ العرينِ أردْنَ ثَمَّ عِراكا
    لا يرتجونَ منَ القريبِ قرابةً ... إلاَّ لطاعةِ ربِّهمْ وسِواكا
    هذي مشاهدُنا الَّتي كانتْ لنا ... معروفةٌ ووَلِيُّنا مولاكا
    وقال أيضاً:
    يا أيُّها الرَّجلُ الَّذي تهوي بهِ ... وجناءُ مُجمرَةُ المناسِمِ عِرمِسُ
    إمَّا أتيتَ على الرَّسولِ فقلْ لهُ ... حقّاً عليكَ إذا اطمأنَّ المجلسُ
    يا خيرَ مَنْ ركبَ المطيَّ ومن مشَى ... فوقَ التُّرابِ إذا تعدُّ الأنفسُ
    إنَّا وفيْنا بالَّذي عاهدْتنا ... والخيلُ تُقدَعُ بالكُماةِ وتضرَسُ
    إذا سالَ من أفناءِ بَهْثَةَ كلِّها ... جمعٌ تظلُّ به المخارم ترجُسُ
    حتَّى صَبَحْنا أهلَ مكَّة فيلقاً ... شهباء يقدمُها الهمامُ الأشوَسُ
    نمضي ويحرُسُنا الإلهُ بحفظِهِ ... واللهُ ليسَ بضائعٍ مَنْ يحرُسُ
    وقال أيضاً:
    فمنْ مُبلغُ الأقوامَ أنَّ محمَّداً ... رسولَ الإله راشدٌ حيثُ يمَّما
    دَعَا ربَّهُ واستنصَرَ اللهُ وحدَهُ ... فأصبحَ قدْ وفَّى إليهِ وأنْعَمَا
    سَرَينا وواعدْنا قُدَيداً محمَّداً ... يؤُمُ بنا أمراً من اللهِ مُحكَمَا
    وقال كعب بن زهير من قصيدة:
    نُبِّئتُ أنَّ رسولَ اللهِ أوعَدَني ... والعفوُ عندَ رسولِ اللهِ مأمولُ
    مهلاً هداكَ الَّذي أعطاكَ نافِلةَ ال ... قُرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
    إنَّ النَّبيّ لنورٌ يستضاءُ بهِ ... مهنَّدٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ
    في عصبةٍ من قريشٍ قالَ قائلهمْ ... ببطنِ مكَّةَ لمَّا أسلَمُوا زُولوا
    شُمّ العرانين أبطالٌ لبوسهُمُ ... من نسج داوُدَ في الهَيْجا سرابيلُ
    ليسُوا مفاريحَ إنْ نالَت رماحهُمُ ... قوماً وليسُوا مجازيعاً إذا نِيلوا
    لا يقعُ الطَّعنُ إلاّ في نحورهمُ ... ليسَ لهمْ عن حياضِ الموتِ تهليلُ
    وقال أيضاً، وتروى لأبي دهبل:
    تحملُهُ النَّاقَةُ الأدماءُ مُعتجراً ... بالبُرْدِ كالبدرِ جَلَى ليلَةَ الظَّلَمِ
    وفي عطافيهِ أو أثناءَ بُردتِهِ ... ما يعلمُ اللهُ من دينٍ ومن كرمِ
    وقال مازن بن الغَصوبة:
    إليكَ رسولُ الله خَبَتْ مطيَّتي ... تجوبُ الفيافي من عُمَانَ إلى العرجِ
    لتشفَعَ لي يا خيرَ من وطئَ الحَصَى ... فيغفرَ لي ربِّي فأرجعَ بالفلجِ
    قال أبو دهبل في بعض الروايات:
    إنَّ البيوت معادنٌ فنجارُهُ ... ذهبٌ وكلُّ بيوتهِ ضَخْمُ
    عُقِمَ النِّساءُ فما يلدنَ شبيهَهُ ... إنَّ النِّساء بمثلِه عُقْمُ
    مُتهلّل بنَعَمْ بلا متباعِدٌ ... سيَّان منهُ الوفرُ والعُدْمُ
    نَزْرُ الكلامِ من الحياءِ تخالُهُ ... ضِمْناً وليسَ بجسمهِ سقْمُ
    وقال مالك بن عوف:
    ما إنْ رأيتُ ولا سمعتُ بمثلِهِ ... في النَّاسِ كُلّهم كمثلِ محمَّدِ
    أوفَى وأعطَى للجزيل إذا اجتُدِي ... ومَتَى تَشَأْ يخبرْكَ في الغدِ
    وإذا الكتيبةُ عرَّدت أنيابُها ... بالسَّمهريِّ وضربِ كلِّ مهنَّدِ
    فكأنَّهُ ليثٌ على أشبالِهِ ... وسطَ الهباءةِ خادرٌ في مرصدِ
    وقالت عاتكة بنت عبد المطَّلب:
    ألا بأبي يومَ اللِّقاءِ محمَّداً ... إذا عضَّ من عُودنِ الحروبِ الغواربُ
    كما برَدَتْ أسيافُهُ عن مليلةٍ ... زعازعَ وِردٍ بعدَ إذْ هيَ صالبُ
    وما فرَّ إلاَّ رهبَةَ الموتِ منهُمُ ... حكيمٌ وقدْ أعيتْ عليهِ المذاهبُ
    وقال سواد بن غزيَّة الأنصاريّ:
    أتاني نجييّ بعد هدْءٍ ورَقدةٍ ... ولم يكُ فيما قد بلوتُ بكاذبِ
    ثلاث ليالٍ قَولُه كلّ ليلةٍ ... أتاك نبيٌّ من لُؤيّ بنِ غالبِ
    فرفَّعتُ أذيالَ الإزار وشمَّرتْ ... بيَ العِرمسُ الوجناءُ حولَ السَّباسبِ
    فأشهدُ أنَّ الله لا شيءَ غيرهُ ... وأنَّكُ مأمونٌ علَى كلِّ غائبِ
    وأنَّك أدنَى المرسلينَ وسيلةً ... منَ الله يا ابنَ الأكرمينَ الأطايبِ
    فمُرْنا بما يأتيك من وحيِ ربّنا ... وإنْ كانَ فيما جئتَ شيبُ الذّوائبِ
    وكنْ لي شَفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... بمغنٍ فَتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ
    وقال عبد الله بن الزِّبَعْرى:
    يا رسولَ المليكِ إنَّ لساني ... راتقٌ ما فتقتَ إذْ أنا بُورُ
    يشهدُ السَّمعُ والفؤادُ بما قُلْ ... تُ ونفسي الشَّهيدُ وهي الخبيرُ
    إنَّ ما جئْتَنا بهِ حقُّ صدقٍ ... ساطعٌ نورُهُ مضيءٌ منيرُ
    جئْتَنا باليقينِ والصِّدقِ والبِ ... رِّ وفي الصِّدقِ واليقينِ سرورُ
    أذْهَبَ اللهُ ضلَّةَ الجهلِ عنَّا ... وأتانا الرَّخاءُ والميسورُ
    وقال أيضاً:
    فاليومَ آمَنَ بعدَ قسوتِهِ ... عَظْمي وآمَنَ بعدَهُ لَحْمي
    بمحمَّدٍ وبما يجيءُ بهِ ... مِنْ سُنَّةِ البرهانِ والحُكْمِ
    وقال أيضاً:
    يا خيرَ مَن حملتْ على أوصالِها ... عيرانةٌ سُرُح اليدينِ غَشومُ
    إنِّي لمعتذرٌ إليكَ من الَّذي ... أسديتُ إذْ أنا في الضَّلالِ أهيمُ
    فاليومَ آمَنَ بالنَّبيِّ محمَّدٍ ... قلبي ومُخطئُ هذِهِ محرومُ
    فاغفرْ فدًى لكَ والدايَ كلاهُما ... وارحمْ فإنَّكَ راحمٌ مرحومُ
    وعليكَ من سمةِ المليكِ علامةٌ ... نورٌ أغرُّ وخاتمٌ مختومُ
    أعطاكَ بعدَ محبَّةٍ برهانَهُ ... شرفاً وبرهانُ الإلهِ عظيمُ
    ولقد شهدتُ بأنَّ دينَكَ صادقٌ ... حقٌّ وأنَّكَ في العبادِ جسيمُ
    واللهُ يشهدُ أنَّ أحمَدَ مصطفًى ... مستقبلٌ في الصَّالحينَ كريمُ
    وقال سُراقة بن جُعْشُم:
    أبا حَكَمٍ واللهِ لو كنتَ شاهداً ... لأمرِ جوادي إذْ تسوخُ قوائمُهْ
    علِمتَ ولم أشكُكْ بأنَّ حمَّداً ... رسولٌ ببرهانٍ فمنْ ذا يقاومُهْ
    عليكَ بكفِّ النَّاسِ عنِّي فإنَّني ... أَرَى أمرَهُ يوماً ستبدُو معالمُهْ
    بأمرٍ يودُّ النَّاسُ فيهِ بجمعهمْ ... بأنَّ جميعَ النَّاسِ طرّاً يسالمُهْ
    وقال مالك بن نَمَط الهَمْدانيّ، رضي الله عنه:
    ذكرتُ رسولَ اللهِ في فحمةِ الدُّجَى ... ونحنُ بأعلى رَحْرَحَان وصَلْدَدِ
    وهنَّ بنا خُوصٌ طلائحُ تغتلي ... برُكبانها في لاحبِ متمدّدِ
    حلفتُ بربِّ الرَّاقصاتِ إلى منًى ... صوادرَ بالرُّكبانِ من ظهرِ قردَدِ
    بأنَّ رسولَ اللهِ فينا مصدَّقٌ ... رسولٌ أتَى من عندِ ذي العرشِ مُهتدِ
    فما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رحلِها ... أشدَّ على أعدائِهِ من محمَّدِ
    وأعطَى إذا ما طالبُ العُرفِ جاءَهُ ... وأمضَى بحدِّ المشرفيِّ المهنَّدِ
    وقال أنس بن زنيم الدِّيليّ:
    وأنتَ الَّذي تُهدى مَعَدٌّ لأمرِهِ ... بل اللهُ يهديهمْ وقالَ لكَ اشهدِ
    وما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رحلِها ... أبرَّ وأوفَى ذمَّةً من محمَّدِ
    أحثَّ على خيرٍ وأوسعَ نائلاً ... إذا راحَ كالسَّيفِ الصَّقيلِ المهنَّدِ
    وأكسَى لبُردِ الخالِ قبلَ سؤالِهِ ... وأعطَى لرأسِ السَّابقِ المتجرِّدِ
    تَعَلَّمْ رسولَ اللهِ أنَّكَ مُدركي ... وأنَّ وعيداً منكَ كالأخذِ باليدِ
    تَعَلَّمْ رسولَ اللهِ أنَّكَ قادرٌ ... على كلِّ صِرْمٍ مُتهيمنٍ ومُنجِدِ
    وقال جَنابٌ الكلبيّ، رضي الله عنه:
    يا ركنَ معتمدٍ وعصمةَ لائذٍ ... وملاذَ ممتنعٍ وجارَ مُجاوِرِ
    يا مَنْ تخيَّرهُ الإلهُ لخلقِهِ ... وَحَباهُ بالخُلُقِ الزَّكيِّ الطَّاهرِ
    أنتَ النَّبيّ وخيرُ عصبةِ آدمٍ ... يا مَنْ يجودُ كفيضِ بحرٍ زاخرٍ
    مِيكالُ معكَ وجبرَئيلُ كلاهُما ... مَدَدٌ لنصركَ من عزيزٍ قادرِ
    وقال عمرو بن سالم الخُزاعيّ، رضي الله عنه:
    يا ربِّ إنِّي ناشدٌ حمَّدا
    حِلْفَ أبيهِ وأبينا الأتْلَدَا
    إنَّ قريشاً أخلَفوكَ الموعِدا
    ونَقَضوا مِيثاقَكَ المؤكَّدا
    وجَعَلوا لي في كداءٍ رَصَدا
    وزَعَمُوا أنْ لستُ أدعُو أحدا
    وهمْ أذلُّ وأقلُّ عَدَدا
    همْ بَيَّتُونا بالوتيرِ هُجَّدا
    وقَتَلُونا رُكَّعاً وسُجَّدا
    فادْعُوا عبادَ اللهِ يأتُوا مَدَدا
    فيهمْ رسولُ اللهِ قد تجرَّدا
    أبيض مثل البدرِ يَنْمي صُعُدا
    في فيلقٍ كالبحرِ يرمِي مُزبدا
    فانصُرْ هَداكَ اللهُ نصراً أيَّدا
    وقال زهير بن صُرَد، رضي الله عنه:
    امنُنْ عَلَيْنا رسولَ اللهِ في كرمٍ ... فإنَّكَ المرءُ نرجوهُ وننتظرُ
    يا خيرَ طفلٍ ومولودٍ ومُنتخبٍ ... في العالمينَ إذا ما حُصِّل البَشَرُ
    إنْ لم تداركهمُ نعماءُ تنشُرُها ... يا أرجَحَ النَّاسِ حلماً حينَ يُختبرُ
    يا خيرَ مَنْ مرحَتْ كُمْتُ الجياد بهِ ... عندَ الهياجِ إذا ما استوقِدَ الشَّررُ
    إنَّا لنشكُرُ آلاءً وإنْ كُفرتْ ... وعندَنَا بعدَ هذا اليومِ مدَّخَرُ
    إنَّا نؤمِّلُ عفواً منكَ تلبسُهُ ... هذي البريَّة إذْ تعفُو وتنتصرُ
    فاغفرْ عَفَا اللهُ عمَّا أنتَ راهبُهُ ... يومَ القيامةِ إذْ يُهدَى لكَ الظَّفَرُ
    وقال النَّابغة الجعديُّ، رضي الله عنه:
    لَوَى اللهُ علمَ الغيبِ عن كلِّ خلقهِ ... ويعلمُ منهُ ما مَضَى وما تأخَّرا
    خليليَّ قدْ لاقيتُ ما لمْ تُلاقيا ... وسيَّرتُ في الأحياءِ ما لمْ تُسيّرا
    أتيتُ رسولَ اللهِ إذْ قامَ بالهدَى ... ويتلُو كِتاباً كالمجرَّةِ نيِّرا
    وقال رافع بن عميرة مكلِّم الذِّئب:
    رعيتُ الضَّأنَ أحْميها بكلبي ... منَ اللّصْتِ الخفيِّ وكلُّ ذيبِ
    فلمَّا أنْ سمعتُ الذِّئبَ نادَى ... يُبشِّرُني بأحمَدَ مِن قريبِ
    سعيتُ إليه قد شمَّرتُ ثَوبي ... عن السَّاقينِ قاصدة الرَّكيبِ
    فألفيتُ النَّبيّ يقولُ قولاً ... صَدوقاً ليسَ بالقولِ الكذوبِ
    فبشَّرني بدينِ الحقِّ حتَّى ... تبيَّنتِ الشَّريعةُ للمُنيبِ
    وأبصرتُ الضّياءَ يضيءُ حولي ... أمامي إن سعيتُ ومِن جَنوبي
    وقال لهب بن مالك:
    أَرَى لقومِي ما أَرَى لنفْسي
    أنْ يتْبَعُوا خيرَ نبيِّ الإنْسِ
    بُرهانُهُ مثلُ شُعاعِ الشَّمْسِ
    يُبعثُ في مكَّةَ دارِ الحُمسِ
    بمُحْكَمِ التَّنزيلِ غيرِ اللَّبْسِ
    وقال أبو قيس صرمة بن أبي أنس، رضي الله عنه:
    ثَوى في قريشٍ بضعَ عشرَةَ حجَّةً ... يذكِّرُ لو يلقَى صديقاً مُواتيا
    ويعرضُ في أهلِ المواسمِ نفسَهُ ... فلمْ يَرَ منْ يُؤوي ولم يَرَ داعيا
    فلمَّا أتانا أظهَرَ اللهُ دينَهُ ... وأصبَحَ مسروراً بطيبةَ راضِيا
    وألْفى صديقاً واطمأنَّتْ بهِ النَّوَى ... وكانَ لنا عوناً منَ اللهِ بادِيا
    يقُصُّ لنا ما قالَ نوحٌ لقومهِ ... وما قالَ موسى إذا أجابَ المُناديا
    وأصبحَ لا يخشَى منَ النَّاسِ واحداً ... قريباً ولا يخشَى من النَّاسِ نائِيا
    قال فَضالة بن عُمير اللَّيثي، رضي الله عنه:
    قالتْ هلمَّ إلى الحديثِ فقلتُ لا ... يأبَى عليكِ اللهُ والإسلامُ
    لو ما رأيتِ محمَّداً وقبيلَهُ ... بالفتحِ يومَ تُكسَّرُ الأصنامُ
    لرأيتِ دينَ اللهِ أضحَى بيِّناً ... والكفرُ يغشَى وجهَهُ الإظلامُ
    وقالت قُتيلة بنت النَّضْر بن الحارث:
    أمُحمَّدٌ ها أنتَ ضِئْنُ نَجيبةٍ ... في قومِها والفحلُ فحلٌ مُعرِقُ
    ما كان ضَرَّكَ لو منَنْتَ فرُبّما ... منَّ الفَتَى وهو المغيظَ المُحنقُ
    والنَّضْرُ أقرَبُ من قتلتَ قرابةً ... وأحقُّهمْ إن كانَ عتقٌ يُعتقُ
    وقال أبو طالب بن عبد المطَّلب:
    إذا اجتمعتْ يوماً قريشٌ لمفخرٍ ... فعبدُ منافٍ سرُّها وصميمُها
    وإنْ حُصِّلتْ أشرافُ عبدِ منافِها ... ففي هاشم أشرافُها وقديمُها
    وإنْ فَخَرتْ يوماً فإنَّ محمَّداً ... هو المصطفَى من سرِّها وكَريمها
    تداعتْ قريشٌ غَثُّها وسَمينُها ... عَلَيْنا ولم تظهرْ وطاشتْ حُلومُها
    وكنَّا قديماً لا نقرُّ ظُلامَةً ... إذا ما ثَنَوا صُعْرَ الخُدودِ نُقيمُها
    وقال أيضاً من قصيدة:
    أعوذُ بربِّ النَّاسِ من كلِّ طاعنٍ ... عَلَيْنا بسوءٍ أوْ مُلِحٌّ بباطلِ
    كذبتمْ وبيتِ اللهِ نُبزى محمَّداً ... ولمَّا نطاعنْ دونهُ ونُناضِلِ
    ونُسلمُهُ حتَّى نُصرّعَ حولَهُ ... ونذهَلَ عن أبنائنا والحلائلِ
    وما تركُ قومٍ لا أبا لك سيّداً ... يحوطُ الذِّمارَ غير ذربٍ مُواكلِ
    وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ ... ثُمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
    يلوذُ بهِ الهلاكُ من آلِ هاشمٍ ... فهمْ عندهُ في نعمةٍ وفواضلِ
    وقد علِموا أنَّ ابنَنَا لا مُكذَّبٌ ... لدينا ولا يُعنى بقولِ الأباطلِ
    فأصبَحَ فينا أحمدٌ في أرُومةٍ ... تُقصِّرُ عنها سَورَةُ المتطاولِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ألمْ تعلَمُوا أنَّا وَجُدْنا محمَّداً ... نبيّاً كموسى خُطَّ في أوَّلِ الكُتْبِ
    وأنَّ عليهِ في العبادِ محبَّةً ... ولا خيرَ ممَّن خصَّهُ اللهُ بالحبِّ
    وقال تُبَّع أبو كَرِب:
    شهدتُ على أحمد أنَّهُ ... رسولٌ من اللهِ باري النَّسَمْ
    فلو مُدَّ عمري إلى عمرِهِ ... لكنتُ وزيراً لهُ وابنَ عمّ
    وجاهدتُ بالسَّيفِ أعداءَهُ ... وفرَّجتُ عن قلبهِ كلَّ همّ
    وقال ورقة بن نوفل:
    لججتُ وكنتُ في الذِّكرى لجوجا ... لهمٍّ طالما بعَثَ النَّشيجا
    ووصفٍ مِن خديجةَ بعدَ وصفٍ ... فقدْ طالَ انتظاري يا خديجا
    ببطنِ المكَّتينِ على رَجاءٍ ... حديثكِ أن أَرَى منهُ خُروجا
    بما حدَّثْتنا من قولِ قسٍّ ... من الرُّهبانِ أكرَهُ أن يَعُوجا
    بأنَّ مُحَمَّداً سيسودُ قوماً ... ويخصمُ مَنْ يكونُ لهُ حَجيجا
    ويظهرُ في البلادِ ضياء نُورٍ ... يقيمُ بهِ البريَّة أن تَمُوجا
    فيلقَى مَنْ يحاربُهُ خَسَاراً ... ويلقَى من يسالمُهُ فُلوجا
    فيا ليتَنِي إذا ما كانَ ذاكمْ ... شهدتُ وكنتُ أوَّلهمْ وُلوجا
    وُلوجاً في الَّذي كرِهتْ قريشٌ ... ولو عجَّتْ بمكَّتها عَجيجا
    أُرجِّي بالَّذي كرِهوا جميعاً ... إلى ذي العرشِ إنْ سَفَلوا عُروجا
    وهلْ أمرُ السَّفاهةِ غيرُ كفرٍ ... بمنْ يختارُ مَنْ سَمَكَ البُروجا
    فإنْ يبْقَوا وأبْقَ تكنْ أمورٌ ... يضجُّ الكافرونَ لها ضَجيجا
    وإنْ أهلكْ فكلُّ فتًى سيلقَى ... من الأقدارِ مَتْلَفَةً حَرُوجا
    وقال لَبيد بن ربيعة:
    أتيناكَ يا خيرَ البريَّةِ كلِّها ... لترحَمَنا ممَّا لقِينا منَ الأزلِ
    أتيناكَ نشكُو خطَّةً جلَّ أمرُها ... لسبعِ سنين وافراتٍ على كحلِ
    فإنْ تدعُ أُخرى بالقحوطِ فإنَّنا ... أحاديثُ طَسْمٍ ما دعاؤك بالهزلِ
    وإنْ تدعُ بالسُّقيا وبالعفوِ تُرسل السَّ ... ماءُ لنا والأمرُ يبقَى على الأصلِ
    أتيناكَ والعذراءُ تَدْمى لِثاتُها ... وقد ذهلتْ أُمُّ الصَّبيِّ عن الطِّفلِ
    وألْقى بكفَّيهِ الشُّجاعُ استكانةً ... من الجوعِ صمتاً ما يُمرُّ وما يُحلي
    وأنتَ لدُنْيانا وأنتَ لديننا ... تُؤمَّلُ للدُّنيا وللموقفِ الفصلِ
    لنا منكَ في يومِ الحسابِ شفاعةٌ ... تُفرِّجُ عنَّا والشَّفاعَةُ في الأهلِ
    وليسَ لنا إلاَّ إليكَ فِرارُنا ... وأينَ فِرارُ النَّاسِ إلاَّ إلى الرُّسْلِ
    وقال أعشى بكر، واسمه ميمون بن قيس من قصيدة:
    ألا أيُّهذا السَّائلي أينَ يمَّمْتَ ... فإنَّ لها في أهلِ يثربَ موعِدا
    وآليتُ لا أرثِي لها من كلالةٍ ... ولا من وَجًى حتَّى تُلاقي مُحَمَّدا
    مَتَى ما تُناخِي عندَ بابِ ابنِ هاشمٍ ... تُراحِي وتلقَيْ من فواضلهِ يَدَا
    نبيٌّ يَرَى ما لا تروْنَ وذكرُهُ ... أغارَ لَعَمْرِي في البلادِ وأنْجَدَا
    لهُ صدقاتٌ ما تُغَبُّ ونائلٌ ... وليسَ عَطَاءُ اليوم مانعَهُ غَدَا
    وقال أيضاً أبو عزَّة الجُمحيّ:
    فمنْ مبلغٌ عنِّي الرَّسولَ مُحَمَّداً ... بأنَّكَ حقٌّ والمليكُ حميدُ
    وأنتَ امرؤٌ تدعُو إلى الدِّينِ والهُدى ... عليكَ من اللهِ العظيمِ شهيدُ
    وأنتَ امرؤٌ بُوّئتَ فينا مباءةً ... لها درجاتٌ سهلةٌ وصُعودُ
    وإنَّكَ مَنْ حاربتَهُ لمحارَبٌ ... شقيٌّ ومَنْ سالمتَهُ لسعيدُ
    سائر الأمداحقال امرؤ القيس بن حجْر الكنديّ:
    كأنِّي إذْ نزلتُ على المُعلَّى ... نزلتُ على البواذِخِ مِنْ شَمامِ
    فما مَلِك العراقِ على المعلَّى ... بمقتدرٍ ولا الملكُ الشَّآمي
    أصدَّ نَشاصَ ذي القرنينِ حتَّى ... تولَّى عارضُ الملكِ الهُمامِ
    أقرَّ حَشَا امرئِ القيسِ بنِ حُجْرٍ ... بنُو تميمٍ مصابيحُ الظَّلامِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لعمركَ ما سعدٌ بخلَّةٍ آثِمِ ... ولا نَأنَأٍ يومَ الحِفاظِ ولا حَصِرْ
    وتعرفُ فيهِ من أبيهِ شمائلاً ... ومن خالهِ ومِن يزيدَ ومن حُجُرْ
    سَمَاحَة ذا وبرّ ذا ووفاءَ ذا ... ونائل ذا إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
    وقال النَّابغة الذُّبيانيُّ واسمه زياد بن معاوية:
    الواهبُ المئةَ المِعكاءَ زيَّنَها ... سعدانُ تُوضحَ في أوبارِها اللَّبَدُ
    والأُدْمُ قدْ خُيِّستْ فُتلاً مرافقُها ... مشدودةً برحالِ الحيرةِ الجُدُدِ
    والرَّاكضاتُ ذُيُولَ الرَّيْطِ فانَقَها ... بَردُ الهواجِرِ كالقِرْلانِ بالجَرَدِ
    والخيلُ تمزَعُ غرباً في أعنَّتها ... كالطَّيرِ تنجُو من الشُّؤبُوبِ ذي البَرَدِ
    فما الفراتُ إذا هبَّ الرِّياحُ لهُ ... ترمي غواربُهُ العِبْرَينِ بالزَّبدِ
    يمدُّهُ كلٌّ وادٍ مترعٍ لَجبٍ ... فيه ركامٌ من اليَنْبوتِ والخَضَدِ
    يظلُّ من خوفهِ الملاَّحُ معتصماً ... بالخيزُرانةِ بعدَ الأيْنِ والنَّجَدِ
    يوماً بأجودَ منهُ سيبَ نافلةٍ ... ولا يحولُ عطاءُ اليومِ دونَ غَدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا ما غَزَوا بالجيشِ حلَّقَ فوقهمْ ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
    يُصاحبْنَهُم حتَّى يُغرنَ مغارَهُم ... من الضَّارياتِ بالدِّماءِ الدَّواربِ
    تراهنَّ خلفَ القومِ خُزْراً عيونُها ... جلوسَ الشُّيوخِ في ثيابِ المرانبِ
    جوانِحَ قد أيقنَّ أنَّ قبيلَهُ ... إذا ما التقى الجمعانِ أوَّلُ غالبِ
    لهنَّ عليهمْ عادةٌ قد عرفْنَهَا ... إذا عُرِّضَ الخطِّيُّ فوقَ الكواثبِ
    على عارفاتٍ للطِّعانِ عوابسٍ ... بهنَّ كلومٌ بيمَ دامٍ وجالبِ
    إذا استنزلُوا عنهنَّ للطَّعن أرقلُوا ... إلى الموتِ إرقالَ الجِمالِ المصاعبِ
    فهمْ يتساقَوْن المنيَّةَ بينهُمْ ... بأيديهمُ بيضٌ رقاقُ المضاربِ
    يطيرُ فُضاضاً بينَهَا كلُّ قَوْنَسٍ ... ويتبعها منهمْ فراشُ الحواجبِ
    ولا عيبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سيوفهمْ ... بهن فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ
    تُورِّثنَ من أزمانِ يومِ حليمةٍ ... إلى اليومِ قد جُرِّبنَ كلَّ التَّجاربِ
    تقُدُّ السَّلوقيّ المضاعَف نسجُهُ ... وتُوقدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحباحِبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فإنَّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبدُ منهنَّ كوكبُ
    ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سَورَةً ... ترى كلَّ ملكٍ دونَها يتذبذبُ
    وقال علقمة بن عَبدة التَّميميّ من قصيدةٍ:
    إلى الحارثِ الوهَّابِ أعملتُ ناقَتي ... لكلكلِها والقُصْرَيينِ وجيبُ
    إليكَ أبيتَ اللَّعنَ كانَ وجيفُها ... بمُشتبهاتٍ هولُهنَّ مَهيبُ
    وأنتَ امرؤٌ أفضتْ إليكَ أمانَتي ... وقبلكَ ربَّتْني فضِعْتُ رُبُوبُ
    فأدَّتْ بَنُو عوفِ بنِ كعب رَبيبَها ... وغُودرَ في بعضِ الجنودِ رَبيبُ
    فواللهِ لولا فارس الجَوْنِ منهُمُ ... لآبُوا خَزايا والإيابُ حَبيبُ
    تقدِّمُهُ حتَّى تغيبَ حُجُولهُ ... وأنتَ لبَيْضِ الدَّارعينَ ضَروبُ
    تجودُ بنفسٍ لا يُجادُ بمثلها ... وأنتَ بها يومَ اللِّقاءِ تطيبُ
    وفي كلِّ حيٍّ قد خَبَطتَ بنعمةٍ ... فحُقَّ لشأسٍ مِن نداكَ ذنوبُ
    وقال زهير بن أبي سلمة المزنيُّ من قصيدةٍ:
    علَى مُكثريهمْ رزقُ مَن يعْتريهمُ ... وعند المُقلِّينَ السَّماحةُ والبَذْلُ
    وإنْ جئتهمْ ألفيتَ حولَ بيوتهمْ ... مجالسَ قدْ يُشفَى بأحلامِها الجهلُ
    وإنْ قامَ فيهمْ حاملٌ قالَ قاعدٌ ... رَشَدتَ فلا غُرمٌ عليكَ ولا خذلُ
    سعى بعدهُم قومٌ لكي يدركوهُمُ ... فلم يفعلُوا ولم يُلاقوا ولم يألوا
    فما يكُ من خير أتَوْهُ فإنَّما ... توارثهُ آباءُ آبائهم قبلُ
    وهل يُنبتُ الخَطّيّ إلاَّ وشيجُهُ ... وتُغرسُ إلاَّ في منابتها النَّخلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    قد جعَلَ المبتغونَ الخيرَ في هرِمٍ ... والسَّائلونَ إلى أبوابه طُرقا
    إنْ تلقَ يوماً على علاّتهِ هرماً ... تَلقَ السَّماحةَ منه والنَّدى خُلُقا
    وليسَ مانعَ ذي قُربى وذي نسبٍ ... يوماً ولا مُعدماً من خابطٍ وَرَقا
    ليثٌ بِعَثَّرَ يصطادُ الرِّجالَ إذا ... ما كذَّبَ اللَّيثُ عن أقرانِهِ صَدَقا
    يطعنهمْ ما ارتَمَوا حتَّى إذا اطَّعنوا ... ضارَبَ حتَّى إذا ما ضارَبُوا اعْتَنَقا
    هذا وليسَ كمنْ يعيا بخطَّتهِ ... وسْطَ النَّديَّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا
    يطلبُ شأْوَ امرأَيْنِ قدَّما حسناً ... نالا الملوكَ وبذَّا هذهِ السُّوَقَا
    هوَ الجوادُ فإنْ يلحقْ بشأوِهِما ... على تكاليفِهِ فمثلُهُ لَحِقا
    أوْ يسبقاهُ على ما كانَ من مَهَلٍ ... فمثلُ ما قدَّما مِنْ صالحٍ سَبَقا
    أغرُّ أبيضُ فيَّاضٌ يفكُّك عنْ ... أيدي العُناةِ وعن أعناقِها الرَّبقا
    لو نالَ حيٌّ من الدُّنيا بمنزلةٍ ... أُفقَ السَّماءِ لنالتْ كفُّه الأُفقا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وأبيضَ فيَّاضٍ يداهُ غمامةٌ ... على معتفيهِ ما تغبُّ فواضلُهْ
    تراهُ إذا ما جئتَهُ متهلِّلاً ... كأنَّكَ تُعطيه الَّذي أنتَ سائلُهْ
    حُذَيفَةُ ينْميهِ وبدرٌ كلاهما ... إلى باذخٍ يعلُو على مَن يُطاولُهْ
    ومَن مثلُ حِصْنٍ في الحروبِ ومثلُهُ ... لإنكار ضيمٍ أو لأمرٍ يحاولُهْ
    أبَى الضَّيمَ والنُّعمان يحرقُ نابَهُ ... عليهِ فأفْضى والسُّيوفُ معاقلُهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنَّ البخيلَ مَلومٌ حيث كانَ ول ... كنَّ الجوادَ علَى عِلاّته هَرِمُ
    هو الجوادُ الَّذي يُعطيكَ نائلَه ... عفْواً ويُظلمُ أحياناً فَيظَّلِمُ
    وإنْ أتاهُ خليلٌ يوم مَسْغَبَةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالِي ولا حَرِمُ
    ومن ضَريبته التَّقوى ويعصمُه ... من سيِّئِ العَثَراتِ اللهُ والرَّحِمُ
    مُورّث المجدِ لا يغتالُ همَّتهُ ... عن الرِّياسةِ لا عجزٌ ولا سأمُ
    كالهُندوانيِّ لا يُخزيكَ مشهدُهُ ... وسطَ السُّيوفِ إذا ما تُضرب البُهَمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تاللهِ قد علمتْ سراةُ بني ... ذُبيانَ عامَ الحبسِ والأصْرِ
    أن نِعْمَ مُعتَرَكُ الجياعِ إذا ... خبَّ السَّفيرُ وسابِئُ الخمرِ
    ولنعمَ حشوُ الدِّرعِ أنتَ إذا ... دُعيتْ نَزَالِ وَلُجَّ في الذُّعرِ
    حامي الذِّمارِ على محافظةِ ال ... جُلّى أمينُ مُغَيَّبِ الصَّدرِ
    فلأنتَ أشجَعُ حينَ تتَّجه ال ... أبطالُ من ليثٍ أبي أجرِ
    لو كنتَ من شيءٍ سِوى بَشَرٍ ... كنتَ المنوِّرَ ليلَةَ البدرِ
    والسّترُ دونَ الفاحشاتِ وما ... يلقاكَ دونَ الخيرِ من سِتْرِ
    وقال أيضاً:
    أنِّي سترحَلُ بالمطيِّ قصائِدِي ... حتَّى تَحُلَّ على بني ورقاءِ
    مِدَحاً لهُم يتوارثونَ ثناءَهَا ... رهناً لآخرهمْ بطول بقاءِ
    حُلماءُ في النَّادي إذا ما جئتهمْ ... جُهلاءُ يومَ عجاجَةٍ ولقاءِ
    مَنْ سالَموا نالَ الكرامَةَ كلَّها ... أوْ حارَبوا ألْوى مع العَشَّاءِ
    وقال أيضاً أُميَّة بن أبي الصَّلت:
    أأذكر حاجتي أمْ قدْ كفاني ... حياؤُكَ إنَّ شيمتكَ الحياءُ
    وعِلمكَ بالحقوقِ وأنتَ فرعٌ ... لكَ الحَسَبُ المهذَّبُ والسَّناءُ
    خليلٌ لا يغيِّرُهُ صباحٌ ... عن الخُلُقِ الجميلِ ولا مساءُ
    وأرضُكَ كلُّ مكرمةٍ بَنَتْها ... بنو تَيْمٍ وأنتَ لها سماءُ
    إذا أثنى عليكَ المرءُ يوماً ... كفاهُ من تعرُّضهِ الثَّناءُ
    تُباري الرِّيحَ مكرمةً وجوداً ... إذا ما الكلبُ أجحرَهُ الشِّتاءُ
    وقال أعشى بكر من قصيدة:
    وبيداءَ قفرٍ كبُردِ السَّديرِ ... مناهلُها داثراتٌ أُجُنْ
    قطعتُ إذا خبَّ ريعانُها ... بدَوْسَرَةٍ جَسرةٍ كالفَدَنْ
    تيمَّمُ قيساً وكم دونَهُ ... من الأرضِ من مهمهٍ ذي شَزَنْ
    أخا ثقةٍ عالياً كعبُهُ ... جزيلَ العطاءِ كريمَ المِنَنْ
    كريماً شمائلُهُ من بَني ... مُعاويةَ الأكرمينَ السُّنَنْ
    رفيعَ العمادِ طويلَ النِّجا ... دِ ضخمَ الدَّسيعةِ رحبُ العَطَنْ
    فإنْ يتبَعُوا أمرهُ يرشُدوا ... وأنْ يسألُوا مالَهُ لا يضنّ
    عليهِ سلاحُ امرئٍ ماجدٍ ... تمهَّلَ للحربِ حتَّى امتحنْ
    يطوفُ العُفاةُ بأبوابهِ ... كطوفِ النَّصارى ببيتِ الوَثَنْ
    ونُبِّئتُ قيساً ولم أبلُهُ ... كما زَعُموا خيرَ أهلِ اليَمَنْ
    فأقبلتُ أرتادُ ما خبَّروا ... ولولا الَّذي خبَّروا لمْ تَرَنْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وغَريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةٍ ... قدْ قلتُها ليُقالَ منْ ذا قالَها
    وجَزور أيْسارٍ دعوتُ إلى النَّدَى ... ونياطِ مُقْفرةٍ أخافُ ضِلالَها
    بجُلالةٍ سُرُحٍ كأنَّ بغَرْزِها ... هِرّاً إذا انتعلَ المطيُّ ظِلالَها
    فإذا تُجَوِّزُها حِبالَ قبيلةٍ ... أخذَتْ من الأُخرى إليكَ حِلالَها
    فكأنَّها لمْ تلقَ ستَّةَ أشْهُرِ ... ضُرّاً إذا وضعَتْ إليكَ جِلالَها
    عَوَّدْتَ كِنْدةَ عادةً فاصْبِرْ لها ... اغْفرْ لِجاهِلها ورَوِّ سِجالَها
    وإذا تَحُلُّ من الخُطوبِ عَظيمةٌ ... أهلي فِداؤكَ فاكْفِهمْ أثْقالَها
    وسعَى لِكندةَ غيرَ سِعْيِ مُواكِلٍ ... قَيْسٌ فَضرَّ عدُوَّها وبنى لها
    الواهِبُ المئةَ الهِجانَ وعبدَها ... عوذاً تُزَجّي خلْفَها أطفالَها
    والقارِحُ الأحْوى وكُلَّ طِمرَّةٍ ... ما إنْ تنالُ يدُ الطَّويلِ قَذالَها
    ثَقِفٌ إذا نالتْ يداهُ غنيمةً ... شدَّ الرّكابَ لِمثْلها لِينالَها
    وإذا تَجيءُ كتيبةٌ مَلْمومَةٌ ... خَرْساءُ تُغْشي من يذودُ نِهالَها
    تأوي طَرائفُها إلى مُخْضرَّةٍ ... مكروهَةٍ يَخْشى الكُماةُ نِزالَها
    كنتَ المقدَّمَ غيْرَ لابسِ جُنَّةٍ ... بالسَّيفِ تَضربُ مُعْلِماً أبطالَها
    وعلمْتَ أنَّ النَّفْسَ تلقى حَتْفها ... ما كانَ خالقُها المليكُ قضى لها
    وقال أيضاً من قصيدة:
    فتًى لو يُنادي الشَّمسَ ألقَتْ قِناعَها ... أوْ القمر السَّاري لألْقى المقالِدا
    ويُصبحُ كالسَّيف الصَّقيلِ إذا غدا ... على ظهر أنماطٍ لهُ ووسائدا
    يرى البُخْلَ مُرّاً والعطاء كأنَّما ... يلذُّ بهِ عذباً من الماءِ بارِدا
    تضيَّفْتُه يوماً فقرّبَ مقعدي ... وأصْفَدني على الزَّمانةِ قائدا
    وأمْتَعني على العشا بِوليدةٍ ... فأُبْتُ بخيرٍ منكَ يا هوذَ حامِدا
    يرى كُلَّ ما دون الثلاثين رُخْصةً ... ويَعْدو على جميع الثَّمانين واحِدا
    وقال أيضاً من قصيدة:
    إلى هَوْذَةَ الوهَّابِ أهْدَيتُ مِدْحتي ... أُرجّي نوالاً فاضلاً من عَطائكا
    تجانَفُ عن جُلِّ اليمامةِ ناقتي ... وما قصدَتْ من أهْلها لِسوائكا
    ألمَّتْ بأقوامٍ فعافَتْ حِياضهُمْ ... قَلوصي وكان الشَّربُ منها بِمائكا
    سمعتُ بأهل الجودِ والجدّ والنُّهى ... فأدْليتُ دَلْوي فاستقَتْ بِرشائكا
    وفي كلِّ عامٍ أنتَ جاشمُ غزوةٍ ... تشدُّ لأقصاها عزيمَ عزائِكا
    مُورِّثةٍ مالاً وفي المجدِ رِفعةٌ ... لِما ضاعَ فيها من قُروءِ نِسائكا
    وقال أيضاً من قصيدة:
    يا هَوْذُ إنَّك من قومٍ ذوي كرمٍ ... لا يَفْشلون إذا ما آنسوا فَزعا
    من يرَ هوذةَ يسجُدْ غيرَ مُتَّئبٍ ... إذا تعصَّبَ فوقَ التَّاجِ أوْ وضعا
    ترى أكاليلَ بالياقوتِ فصَّلَها ... صوَّاغُها لا ترى عيباً ولا طبعا
    أغَرُّ أبلجُ يُسْتسقى الغمامُ بهِ ... لو صارعَ القومَ عن أحلامهِمْ صرَعا
    قد حمَّلوهُ حديثَ السِّنِّ ما حملتْ ... ساداتهُمْ فأطاقَ الحملَ واضْطَلعا
    لا ترقَعُ النَّاسُ ما أوْهى وإنْ جهدوا ... طولَ الحياةِ ولا يوهونَ ما رَقعا
    ترى لهُ سادةَ الأقوامِ تابعةً ... كلٌّ سيرضى بأنْ يُدْعى له تَبعا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وبَيْداءَ يلمعُ فيها السَّرا ... بُ لا يَهْتدي القومُ فيها مسيرا
    قطعْتُ إذا سمعَ السَّامعو ... نَ للجُنْدبِ الجَوْنِ فيها صريرا
    إلى ملكٍ كهِلالِ السَّما ... ءِ أزكى وفاءً ومجداً وخيرا
    طويلِ النِّجادِ رفيعِ العِما ... دِ يحمي المُضافَ ويُعْطي الفَقيرا
    أهَوْذُ وأنتَ امرؤٌ ماجدٌ ... وبحركَ في النَّاس يعلو البُحورا
    منَنْتَ عليَّ نداكَ الجزيلَ ... وقد قصَّر الظَّنُّ منّي كثيرا
    ومن نسْجِ داوودَ موضونةٌ ... تُساقُ معَ الحيِّ عيراً فعيرا
    فأنتَ الجوادُ وأنت الَّذي ... إذا ما النُّفوسُ ملأْنَ الصُّدورا
    جديرٌ بِطعْنةِ يومِ اللِّقا ... ءِ تضربُ منها النِّساءُ النُّحورا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أبا مالكٍ سارَ الَّذي قدْ صنعْتُمُ ... فأنجَدَ أقوامٌ بذاكَ وأعْرَقوا
    يداكَ يدا صدْقٍ فكفٌّ مُفيدةٌ ... وكفٌّ إذا ما لانتِ النَّاسُ تصدُقُ
    ترى الجودَ يجري ظاهراً فوقَ وجههِ ... كما زانَ متنَ الهندوانيِّ رَوْنقُ
    وإنَّ عِتاقَ العيسِ سوف يزوركُمْ ... ثناءٌ على أعجازهِنَّ مُعلَّقُ
    بهِ تُنْفضُ الأحْلاسُ في كلِّ منزلٍ ... وتُعْقدُ أطرافُ الرِّحالِ وتُطْلقُ
    لَعَمْرِي لقدْ لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ ... إلى ضوءِ نارٍ باليفاعِ تُحرَّقُ
    تُشبُّ لِمَقْرورَيْنِ يَصْطليانها ... وباتَ على النَّارِ النَّدَى والمحلَّقُ
    رضيعَيْ لِبانٍ ثدْيَ أُمٍّ تَحالفا ... بأسحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نتفرَّقُ
    نفى الذَّمَّ عن آلِ المحلِّقِ جَفْنةٌ ... كجابيةِ السّيْحِ العراقيِّ تفهَقُ
    وقال حسان بن ثابت يمدحُ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
    جزى اللهُ خيراً والجزاءُ بكفِّهِ ... أبا حسنٍ عنّا ومَنْ كأبي حسنْ
    سبقْتَ قُريشاً بالذي أنتَ أهلُهُ ... فصدرك مشروحٌ وقلبُكَ مُمْتَحنْ
    تمنَّتْ رجالٌ من قريشٍ أعزَّةٌ ... مكانكَ هيهاتَ الهُزالُ من السِّمَنْ
    قضيْتَ لنا إذْ قامَ عمرٌو بخُطَّةٍ ... أماتَ بها التَّقوى وأحيى بها الإحنْ
    حفظْتَ رسول الله فينا وعهدَهُ ... إليكَ ومن أوْلى بهِ منكَ منْ ومنْ
    وقال أيضاً:
    لله درُّ عصابةٍ نادمتهمْ ... يوماً بجلّقَ في الزَّمَان الأوّلِ
    أولادُ جفنةَ حول قبرِ أبيهمِ ... قبرِ ابن ماريةَ الكريمِ المفضلِ
    بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابهمْ ... شمّ الأنوفِ من الطِّراز الأوّلِ
    يغشونَ حتّى ما تهرّ كلابهُمْ ... لا يسألونَ عن السَّوادِ المُقْبلِ
    المُلحقين فقيرهم بغنيّهِمْ ... والمشفقين على السَّقيمِ المُرْملِ
    وقال الحجاج بن علاط السُّلميّ يمدح عليّ بن أبي طالب:
    لله أيُّ مُذبِّبٍ عن حُرْمةٍ ... أعني ابنَ فاطمةَ المُعمَّ المُخْوِلا
    سبقَتْ يداكَ لهُ بعاجلِ طعنةٍ ... تركَتْ طُلَيْحة للجبينِ مُجدَّلا
    وشددْتَ شدَّةَ باسلٍ فتركتهُمْ ... بالجرّ إذْ يَهْوونَ أخْولَ أخولا
    وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشَّريد:
    دلَّ على معروفهِ وجهُهُ ... بورِكَ هذا هادياً من دَليلْ
    تحسبهُ غضْبانَ من عزّهِ ... ذلك منهُ خُلُقٌ ما يحولْ
    ويْلُ امِّهِ مِسْعرَ حربٍ إذا ... أُلقيَ فيها وعليهِ الشَّليلْ
    وقال الحطيئة العبسيّ من قصيدةٍ، واسمه جرول بن أوس:
    أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البُنى ... وإن عاهدوا أوفَوْا وإن عقدوا شدُّوا
    وإن كانت النَّعماءُ فيهم جَزَوْا بها ... وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا
    وإن قالَ مولاهُمْ علَى جلِّ حادثٍ ... من الدَّهرِ رُدُّوا فضلَ أحلامكم ردُّوا
    مَطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدُّجا ... بنى لهمُ آباؤهم وبنى الجدُّ
    يَسوسونَ أحلاماً بعيداً أناتُها ... وإنْ غَضبوا جاءَ الحفيظةُ والجدُّ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فما زالَت الوجناءُ تجري ضُفورُها ... إليكَ ابنَ شمَّاسٍ تروحُ وتغتدي
    إلى ماجدٍ يُعطي علَى الحمد مالَهُ ... ومن يعطِ أثمانَ المحامدِ يُحمَدِ
    وأنتَ امرؤٌ مَنْ تُعطهِ اليومَ نائلاً ... بكفِّكَ لا يمنعْكَ من نائلِ الغَدِ
    مُفيدٌ ومِتلافٌ إذا ما أتيتَهُ ... تهلَّلَ واهتزَّ اهتزازَ المهنَّدِ
    مَتَى تأتِهِ تعشُو إلى ضوءِ نارِهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ موقدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    سيري أُمامُ فإنَّ الأكثرينَ حصًى ... والأكرمينَ إذا ما يُنسبونَ أبا
    قومٌ همُ الأُنفُ والأذنابُ غيْرهُمُ ... ومن يُساوي بأنفِ النَّاقةِ الذَّنَبا
    قومٌ إذا عقدُوا عقداً لجارهمُ ... شدُّوا العِناجَ وشدُّوا فوقَهُ الكَرَبا
    قومٌ يبيتُ قريرَ العينِ جارهُمُ ... إذا لَوَى بقُوى أطنابهمْ طُنُبا
    وقال الفرزدق، واسمه همَّام بن غالب:
    أصبحْتُ قد نزلت بحمزةَ حاجتي ... إنَّ المنوَّهَ باسمهِ الموثوقُ
    بأبي عمارةَ خير من وطئَ الثَّرى ... وجرَتْ له في الصالحين عُروقُ
    بين الحواريّ الأغرّ وهاشمٍ ... ثمَّ الخليفةُ بعدُ والصِّدِّيقُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ترى الشُّمَّ الجحاجِحَ من قريشٍ ... إذا ما الأمرُ في الحَدثانِ عالا
    بني عمِّ الرَّسولِ ورهطِ عمرٍو ... وعُثمان الذينَ علوا فعالا
    قياماً ينظرونَ إلى سعيدٍ ... كأنَّهمُ يرَوْنَ بهِ هِلالا
    وقال أيضاً من قصيدة يمدح عليّ بن الحُسينّ رضي الله عنه:
    هذا سليلُ حُسين وابنِ فاطمةٍ ... بنتِ الرَّسولِ الَّذي انجابَتْ بهِ الظُّلَمُ
    هذا الَّذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ ... والبيتُ يعرفهُ والحِلُّ والحرمُ
    هذا ابن خيرِ عبادِ الله كُلّهمِ ... هذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطَّاهرُ العلَمُ
    ينْمي إلى ذروةِ العزّ الَّتي قصرتْ ... عن نيْلها عربُ الإسلامُ والعجمُ
    أيُّ القبائلِ ليسَتْ في رقابهِمُ ... لأوّليَّةِ هذا أوْ لهَ نِعمُ
    يكادُ يُمسكهُ عِرْفانَ راحتِه ... رُكْنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلِمُ
    في كفّهِ خَيْزُرانٌ ريحهُ عبقٌ ... من كفِّ أروعَ في عِرْنينه شممُ
    يُغْضي حياءً ويُغضى من مهابته ... فما يُكلَّمُ إلاَّ حينَ يبتسمُ
    إذا رأتْهُ قريشٌ قال قائلُها ... إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ
    مٌشْتقَّةٌ من رسول الله نَبْعتهُ ... طابت عناصرُه والخيمُ والشِّيمُ
    من معشرٍ حُبُّهم دينٌ وبُغضهمُ ... كفرٌ وقُرْبهمُ منجًى ومُعتصمُ
    مُقدَّمٌ بعد ذكرِ الله ذكرهم ... في كلِّ أمرٍ ومختومٌ به الكَلِمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنِّي رأيتُ يزيدَ عندَ شبابِ ... لبِسَ التُّقى ومهابةَ الجبَّارِ
    ملكٌ عليهِ مهابةُ الملكِ التَقى ... قمرُ الزَّمانِ به وشمسُ نهارِ
    وإذا الرِّجالُ رأوا يزيدَ رأيتهُمْ ... خُضعَ الرِّقابِ نواكسَ الأبصارِ
    أمَّا العراقُ فلم تكنْ تُرْجى بها ... حتَّى رجعْتَ عواقبُ الأطهارِ
    جمّعْتَ بعدَ تفرُّقٍ أجْنادَها ... وأقمْتَ ميلَ بنائها المُنْهارِ
    ما زالَ مُذْ عقدَتْ يداهُ إزارَهُ ... فدنا فأدركَ خمسةَ الأشبارِ
    يُدني خوافقَ من خوافقِ تلتقي ... في ظلِّ مُعتركِ الفِجاجِ مُثارِ
    وقال جرير بن الخَطَفى من قصيدة:
    ألستُمْ خيرَ من ركبَ المطايا ... وأنْدى العالمينَ بُطونَ راحِ
    أبحْتَ حمى تِهامةَ بعدَ نجدٍ ... وما شيءٌ حميْتَ بِمُستباحِ
    فما شجراتُ عيصكَ في قريشٍ ... بِعشَّاتِ الفُروعِ ولا ضواحي
    رأى النَّاسُ البصيرةَ فاسْتقاموا ... وبيَّنتِ المِراضُ من الصِّحاحِ
    وقال أيضاً يمدحُ عمر بن عبد العزيز من قصيدة:
    فما كعبُ بنُ مامة وابنُ سُعْدى ... بأكرمَ منكَ يا عمرَ الجوادا
    يعودُ الحلمُ منكَ على قريشٍ ... وتُفرجُ عنهمُ الكُرَبَ الشِّدادا
    وقد أمَّنْتَ وحشهُمُ برفقٍ ... ويُعْيي النَّاسَ وحشُكَ أنْ يُصادا
    وتبني المجدَ يا عمر بن ليلَى ... وتكفي المحْمِلَ السَّنةَ الجمادا
    وتدعو الله مُجتهداً ليرضى ... وتذكرُ في رعيَّتكَ المعادا
    وقال أيضاً من قصيدة:
    إنِّي شكرْتُ وقدْ جرَّبتُ أنَّكمُ ... على رجالٍ وإن لم يشكروا عُطفُ
    يا رُبَّ قومٍ وقومٍ حاسدين لكمْ ... ما فيهمُ بدلٌ منكم ولا خلفُ
    إنَّ القديمَ وأسلافاً تُعدُّ لكمْ ... نِعمَ القديمُ إذا ما عُدَّ والسَّلفُ
    وما بنى النَّاسُ من بُنيانِ مكرمَةٍ ... إلاَّ لكمْ من يبني العلا غُرفُ
    ضخمُ الدَّسيعةِ والأبياتِ غُرَّتهُ ... كالبدرِ ليلةَ كادَ الشَّهرُ ينتصفُ
    هذي البريَّةُ ترضى ما رضيتَ لها ... إن سرْتَ ساروا وإن قلتَ ارْبَعوا وقفوا
    وقال أيضاً من قصيدة:
    لكَ الغُرُّ السوابقُ من قريشٍ ... فقد عُرفَ الأغرُّ من البهيمِ
    تواصَتْ من تكرُّمِها قريشٌ ... بِرَدِّ الخيلِ داميةَ الكُلومِ
    لك المتخيَّرانِ أباً وخالاً ... فأكرمْ بالخؤولة والعُمومِ
    فما الأمُّ الَّتي ولدَتْ أباكُم ... بمُقْرفةِ النِّجارِ ولا عقيمِ
    وما قرمٌ بأنجبَ من أبيكم ... وما خالٌ بأكرمَ من تميمِ
    وقال أيضاً من قصيدة:
    لمّا كفيْتَ قريشاً كلَّ مُعْضلةٍ ... قالتْ قريشٌ فدتْكَ المُرْدُ والشِّيبُ
    إنّا أتيناكَ نرجو منكَ نافلةً ... من رملِ يَبْرينَ إنَّ الخيرَ مطلوبُ
    تُخْدى بنا نُجبٌ أفنى عرائكها ... خمسٌ وخِمْسٌ وتأويبٌ وتأويبُ
    وقال أيضاً يمدح عمر بن عبد العزيز من قصيدة:
    إنَّا لنرْجو إذا ما الغيثُ أخلفنا ... من الخليفةِ ما نرجو من المطَرِ
    نالَ الخلافة إذْ كانتْ له قدراً ... كما أتى ربَّهُ موسى على قدرِ
    كم بالمواسمِ من شعْثاءَ أرْمَلةٍ ... ومن يتيمٍ ضعيفِ الصَّوتِ والنَّظرِ
    ممَّنْ يعدُّك تكفي فقدَ والدِه ... كالفرخِ في العُشِّ لم يدرُجْ ولم يطِرِ
    هذي الأرامِلُ قد قضَّيْتَ حاجتها ... فمنْ لحاجةِ هذا الأرملِ الذَّكر
    أنتَ المباركُ والمَرْضيُّ سيرتُهُ ... تَعْصي الهَوَى وتقومُ اللَّيل بالسُّوَرِ
    وقال أيضاً يمدحُه:
    إنَّ الَّذي بعثَ النَّبيّ محمّداً ... جعل الخلافة في الإمام العادلِ
    قد نال عدلكَ منْ أقامَ بأرضنا ... فإليك حاجةُ كل وفدٍ راحلِ
    إنِّي لآملُ منكَ خيراً عاجلاً ... والنَّفسُ مولعةٌ بحُبّ العاجلِ
    وقال بلال بن جرير يمدح عبد الله بن مصعب:
    مدَّ الزُّبيرُ عليكَ إذْ يبني العُلا ... كفَّيْهِ حتَّى نالتا العَيُّوقا
    ولوَ أنَّ عبد الله فاخرَ منْ نرى ... فاتَ البريَّةَ عِزَّةً وسُموقا
    قرْمٌ إذا ما كان يومُ نُفورهِ ... جمع الزُّبيرَ عليكَ والصِّدِّيقا
    لو شئْتَ ما فاتوكَ إذْ جاريتَهُمْ ... ولكنتَ بالسَّبْقِ المُبرِّ حقيقا
    لكنْ أتيْتَ مُصلّياً برّاً بهمْ ... ولقد ترى ونرى لديْكَ طريقا
    وقال الأخطل من قصيدة:
    وإذا عدلْتَ به رجالاً لم تجدْ ... فيضَ الفُراتِ كراشحِ الأوشالِ
    وإذا أتى بابَ الأميرِ لحاجةٍ ... سَمتِ العُيونُ إلى أغرَّ طُوالِ
    ضخمٌ سُرادقهُ يُعارضُ سَيْبُهُ ... نفحاتِ كلِّ صبا وكلِّ شمالِ
    ليسَتْ عطيَّتُهُ إذا ما جئتَهُ ... نَزْراً وليسَ سِجالُه كسجالِ
    فهوَ الجوادُ لمنْ تعرَّضَ سيْبَهُ ... وابنُ الجوادِ وحاملُ الأنفالِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنِّي حلفْتُ بربِّ الراقصاتِ وما ... أضحى بمكّةَ من حُجْبٍ وأستارِ
    لألْجأتْني قريشٌ خائفاً وجِلاً ... وموَّلَتْني قريشٌ بعدَ إقْتارِ
    المنعمونَ بنو حربٍ وقد حدقَتْ ... بيَ المنيَّةُ واسْتَبطأتُ أنصاري
    بهم تُكشَّفُ عن أحيائها ظلمٌ ... حتَّى ترفَّع عن سمعٍ وأبصارِ
    قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرَهُمْ ... دونَ النِّساء وقد باتَتْ بأطهارِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إلى إمامٍ تُغادينا فواضلُهُ ... أظْفرَهُ الله فلْيهْنَأ لهُ الظَّفرُ
    الخائضُ الغمرَ والمَيمونُ طائرُهُ ... أغرُّ أبلجُ يُستسقى به المطَرُ
    والهمُّ بعد نجيِّ النَّفسِ يبعثُهُ ... بالحزْمِ والأصمعانِ القلبُ والحذرُ
    صمٌّ عن الجهلِ عن قيل الخنا خُرسٌ ... إذا ألمَّتْ بهمْ مكروهةٌ صبروا
    شُمْسُ العداوةِ حتَّى يُستقادَ لهمْ ... وأعظمُ النَّاس أحلاماً إذا قدروا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    نبتَتْ قناتُكَ منهمُ في أسرةٍ ... بيضِ الوجوه مصالتٍ أخيارِ
    قومٌ إذا بسطَ الإلهُ ربيعهُمْ ... صابَتْ رحاهُ بِمُسبلٍ درَّارِ
    وإذا أُريدَ بهم عُقوبةُ فاجرٍ ... مطرَتْ صواعقُهم عليه بنارِ
    تَسمو العيونُ إلى عزيزٍ بابُهُ ... مُعطى المهابةِ نافعٍ ضرَّارِ
    وترى عليه إذا العيونُ شزَرْنهُ ... سيما الحليمِ وهيبةَ الجبّارِ
    شُدَّتْ رحائلُ خيلهِ وتكشَّفَتْ ... عنهُ الحُروبُ بفارسٍ مِغْوارِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنِّي دعاني إلى بشرٍ فواضلُهُ ... والخيرُ قد علِمَ الأقوامُ مُتَّبَعُ
    يا بِشرُ لو لم أكنْ منكُمْ بمنزلةٍ ... ألقى يديْهِ عليَّ الأزْلَمُ الجذعُ
    ليسوا إذا طردوا يُحْمى طريدهُم ... ولا تنالُ أكفُّ النَّاسِ ما منعوا
    فاليومَ أجهدُ نفسي ما وسعْتُ لكم ... وهلْ تكلَّفُ نفسٌ فوقَ ما تسعُ
    وقال ذو الرُّمة، واسمه غيلان بن عُقبة:
    ولكنني أقبلت من جانبَيْ قسا ... أزورُ فتًى محضاً نجيباً يمانيا
    من آلِ أبي موسى ترى النَّاس حولَهُ ... كأنَّهمُ الكِرْوانُ أبصرْنَ بازيا
    مُرمِّينَ من ليثٍ عليهِ مهابةٌ ... تفادى الأسودُ الغُلْبُ منهُ تفاديا
    فما يعرفون الضِّحكَ إلاَّ تبسُّماً ... ولا ينبسونَ القولَ إلاَّ تناجيا
    لدى ملكٍ يعلو الرّجالَ بضوْئهِ ... كما يبهَرُ البدرُ النُّجومَ السَّواريا
    وما الفُحشَ منه يرهبونَ ولا الخنا ... عليهمْ ولكن هيبةٌ هيَ ماهيا
    فتى السِّنّ كهلُ الحلمِ تسمعُ قولهُ ... يُوازنُ أدناهُ الجِبالَ الرّواسيا
    وأنتمْ بني قيسٍ إذا الحربُ شمَّرتْ ... حُماةُ الوغى والخاضبونَ العَواليا
    فما مربعُ الجيرانِ إلاَّ جِفانُكمْ ... تبارَوْنَ أنتم والرِّياح تَباريا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أنتَ الرَّبيعُ إذا ما لم يكنْ مطرٌ ... والسَّائسُ الحازِمُ المفعولُ ما أمرا
    ما زلتَ في درجاتِ العزِّ مُرْتقياً ... تسمو وينمي بك الفَرْعانِ من مُضَرا
    حتَّى بهرْتَ فما تخفى على أحدٍ ... إلاَّ على أحدٍ لا يعرفُ القمرا
    حللْتَ من مُضرَ الحمراء ذُرْوَتها ... وباذخ العزِّ من قيسٍ إذا هدرا
    بنو فزارةَ عن آبائهمْ ورثوا ... دعائمَ الشَّرفِ العاديَّةَ الكُبَرا
    المانعونَ فما يُسْطاعُ ما منعوا ... والمُنْبتونَ بجلْدِ الهامةِ الشَّعَرا
    وقال أيضاً:
    أتَتْنا من نَداكَ مُبشِّراتٌ ... ونرجو فضلَ سَيْبكَ يا بلالُ
    دعا لكمُ الرَّسولُ فلنْ تضِلُّوا ... هُدًى ما بعدَ دعوتِه ضلالُ
    بنى لكمُ المكارِمَ أوَّلوكُمْ ... فقدْ خلدَتْ كما خلدَ الجِبالُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    سمعتُ النَّاسُ يَنْتجعونَ غيثاً ... فقلْتُ لصَيْدَحَ انتجعي بلالا
    تُناخي عندَ خيرِ فتًى يمانٍ ... إذا النَّكْباءُ عارضَتِ الشَّمالا
    وأبْعدِهم مسافةَ غَوْرِ عقلٍ ... إذا ما الأمرُ ذو الشُّبهاتِ عالا
    وخيرهِمُ مآثِرَ أهلِ بيتٍ ... وأكرمهِمْ وإنْ كَرُموا فَعالا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا لبسَ الأقوامُ حقّاً بباطلٍ ... أبانتْ لهُ أحْناؤهُ وشواكِلُهْ
    فعفٌّ ويستحْيي ويعلمُ أنَّهُ ... مُلاقي الَّذي فوقَ السَّماءِ فسائلُهْ
    ترى سيفَهُ لا تنصُفُ السَّاقَ نعلُهُ ... أجلْ لا وإنْ كانتْ طوالاً حمائلُهْ
    يُنيفُ على القومِ الطِّوالِ برأسهِ ... ومَنْكبهِ قرمٌ سِباطٌ أناملُهْ
    وقال نُصيب:
    أقولُ لركبٍ صادرينَ لقيتُهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قاربُ
    قِفوا خبِّروني عن سليمانَ إنَّني ... لمعروفه من أهل ودّان طالبُ
    فعاجوا فأثْنَوا بالذي أنتَ أهلهُ ... ولو سكتوا أثْنت عليكَ الحقائبُ
    هو البدرُ والنَّاسُ الكواكبُ حولَهُ ... وهلْ يشبهُ البدرَ المُنيرَ الكواكبُ
    وقال كُثيّر بن عبد الرَّحمن، من قصيدة:
    رأيتُ ابنَ ليلَى يعْتَري صُلْبَ مالهِ ... مسائلُ شتَّى من غنيٍّ ومُصْرمِ
    مسائلُ إن توجدْ لديكَ تجُدْ بها ... يداكَ وإن تُظلمْ بها تتظلَّمِ
    يداكَ ربيعٌ يُنتوى فضلُ سَيْبهِ ... ووجهُكَ بادي الخيرِ للمتوسِّمِ
    مَتَى ما أقُلْ في آخرِ الدَّهرِ مدحةً ... فما هي إلاَّ في ابن ليلَى المكرَّمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقد جهدَ الأعداءُ فَوْتكَ جهدهُمْ ... وضافتْكَ أبكارَ الخُطوبِ وعونُها
    فما وجدوا فيكَ ابنَ مروانَ سَقْطةً ... ولا جهلةً في مأزقِ تَسْتكينُها
    إذا ما أراد الغَزْوَ لم يثنِ همَّهُ ... حَصانٌ عَلَيْها نظْمُ دُرٍّ يزينُها
    نهَتْهُ فلمّا لم ترَ النَّهْيَ عاقهُ ... بكتْ فبكى ممّا شجاها قطينُها
    ولكنْ مضى ذو مِرَّةٍ مُتَثبِّتٌ ... لسنَّةِ حقٍّ واضحٍ مُستبينُها
    وقال أيضاً من قصيدةٍ يمدح عمر بن عبد العزيز:
    فكمْ من يتامى بُؤَّسٍ قد جبرْتَها ... وألبستَها من بعد عُريٍ ثِيابها
    وأرْملةٍ هَلْكى ضعافٍ وصَلْتها ... وأسْرى عُناةٍ قد فككْتَ رقابها
    فتًى ساد بالمعروفِ غيرَ مُدافَعٍ ... كُهولَ قريشٍ كُلّها وشبابَها
    أراهُمْ مناراتِ الهدى مُستنيرةً ... ووافقَ منها رُشدها وصوابَها
    وراضَ برفقٍ ما أرادَ ولمْ تزَلْ ... رياضتُهُ حتَّى أذلَّ صِعابها
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أحاطَتْ يداهُ بالخلافةِ بعدما ... أرادَ رجالٌ آخرون اغتيالَها
    فما تركوها عنوةً عن مودَّةٍ ... ولكنْ بحدِّ المشرفيِّ استقالَها
    سموْتَ فأدركْتَ العلاءَ وإنَّما ... يُلقّى عليّاتِ العُلا من سما لها
    وصُلْتَ فنالَتْ كفُّكَ المجدَ كلَّهُ ... ولم تبلغ الأيدي السَّوامي مصالَها
    وقال الشَّمّاخ، واسمه معقل بن ضِرار، من قصيدة:
    رأيتُ عَرابةَ الأوْسيَّ يسمو ... إلى الخيراتِ مُنقطعَ القَرينِ
    إذا ما رايةٌ رُفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمينِ
    فمثلُ سَراةِ قومِكَ لم يُجارَوا ... إلى رُبْعِ الرِّهانِ ولا الثَّمينِ
    رِماحُ رُدينةٍ وبحارُ لُجٍّ ... غواربُها تلاعَبُ بالسَّفينِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وأشعثَ قد قدَّ السِّفارُ قميصَهُ ... وجرُّ شِواءٍ بالعصا غير مُنضجِ
    دعوْتُ إلى ما نابني فأجابني ... كريمٌ من الفتيانِ غيرُ مُزلَّجِ
    فتًى يملأُ الشِّيْزى ويُروي سنانَهُ ... ويضربُ في رأسِ الكريمِ المدجَّجِ
    فتًى ليسَ بالرَّاضي بأدنى معيشةٍ ... ولا في بيوتِ الحيِّ بالمتولّجِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إليكَ نشكو عرابَ اليوم فاقَتَنا ... يا ذا العلاءِ ويا ذا السُّؤددِ الباقي
    يا ابن المجلِّي عن المكروبِ كُرْبتهُ ... والفاتحِ الغُلَّ عنهُ بعدَ إيثاقِ
    والشَّاعبُ الصَّدْعَ قد أعْيى تلاحُمهُ ... والأمر تفتحَهُ من بعدِ إغلاقِ
    في بيتِ مأثُرَتيْ عزٍّ ومكرمةٍ ... سبَّاقِ غاياتِ مجدٍ وابنِ سبَّاقِ
    وقال إبراهيمُ بن عليّ بن هرمة من قصيدة:
    نرجو السَّريَّ ونرجو فضل نائلهِ ... وما لنا غيرَهُ بالشَّرْقِ آرابُ
    لا قَصرَ عنكَ ولا مَعْدى لِحاجتنا ... وأنتَ للخيرِ يا ابنَ الخيرِ وهَّابُ
    ما نمتَ عن شرفٍ يُبْنى ولا كرمٍ ... ولا عُدِدْتَ مع القومِ الأُولى عابوا
    مرتْ يديْكَ من العبّاسِ مكرمةٌ ... فوقَ السِّماكِ وأعْراقٌ وأنسابُ
    ماتوا كِراماً ولم يعمُر جنابَهُمُ ... ذُلٌّ وعاشوا وهمْ للنَّاسِ أرْبابُ
    بيضٌ مصاليتُ إن لاقَوا عدُوَّهمُ ... فيهمْ حياءٌ وأحلامٌ وألبابُ
    يلقى لديكَ ذوي الحاجاتِ إن طرقوا ... بابٌ يُرحِّبُ بالعافي ونُوَّابُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أمّا السَّريُّ فإنِّي سوفَ أمدحُهُ ... ما المادحُ الذَّاكرُ الإحسانَ كالهاجي
    ألقى إليَّ بحبْلَيْهِ فأنقذني ... فلستُ ناسيَ إنقاذي وإخراجي
    ليثٌ بحجرٍ إذا ما هاجَهُ فزعٌ ... سعى إليه بإلجامٍ وإسْراجِ
    لأحْبُونَّكَ ممّا أصْطفي مِدَحاً ... مُصاحِباتٍ لعُمَّارٍ وحُجَّاجِ
    أسْدى الصَّنيعةَ من برٍّ ومن لطَفٍ ... إلى قروعٍ لبابِ الملكِ ولاَّجِ
    كم من يدٍ لكَ في الأقوام قد سلفَتْ ... عند امرئٍ ذي غِنًى أوْ عند مُحتاجِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فدونكَ فاسمعْ مدحةً رِشْتُ نبلَها ... لخيرِ جميعِ النَّاس فرْعاً وعُنْصرا
    يُحيَّى به بدرُ المجرَّةِ قاعداً ... وإن قامَ فينا قامَ أبلجَ أزهرا
    وقد ضمنتْ أطرافُ فِهْرِ بن مالكٍ ... لهُ يومَ فخرِ النَّاسِ دُرّاً وجوهرا
    أبى جعفرٌ إلاَّ ارتفاعاً بنفسهِ ... وإلاَّ اجتناءَ الحمدِ من حيثُ أنشرا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنَّ ابنَ ضَمْرَة قد حوى خصلَ العلا ... قِدْماً وجلّى سابقاً لا يُلحَقُ
    وجرى النَّعيمُ عليهِ فهو كأنَّهُ ... سيفٌ جرى في صفحتَيْهِ روْنَقُ
    يذرُ الجيادَ إذا حرى مُتمهِّلاً ... حسرى وليس لها بهِ مُتعلَّقُ
    إنِّي رأيتُكَ ما خلقْتَ فَرَيْتهُ ... وسواكَ لا يفري إذا ما يخلُقُ
    ورأيتُ جاركَ مُؤْثراً بكَ آمناً ... جذلانَ يُصبحُ من نداكَ ويُغْبقُ
    وصفا لكَ الحسبُ الزَّكيُّ وقدّمت ... مجدَ الحياةِ لكَ القُرومُ السُّبَّقُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    كريمٌ له وجهانِ وجهٌ لدى الرِّضى ... طليقٌ ووجهٌ في الكريهةِ باسِلُ
    له لحظاتٌ عن حِفافَيْ سريرهِ ... إذا كرَّها فيها عِقابٌ ونائلُ
    فأُمُّ الَّذي أمَّنْتَ آمنَةُ الرَّدى ... وأمّ الَّذي حاولْتَ بالثُّكلِ ثاكِلُ
    وقال عديّ بن الرقاع العامليّ من قصيدة:
    صلَّى الإله على امرئٍ ودَّعْتهُ ... وأتمَّ نعمتهُ عليكَ وزادَها
    وإذا الرَّبيعُ تتابعَتْ أنْواؤهُ ... فسقى خُناصرةَ الأحصِّ فجادَها
    نزلَ الوليدُ بها فكانَ لأهلها ... غيثاً أغاثَ أنيسها وبلادَها
    أو لا ترى أنَّ البريَّةَ كُلَّها ... ألقَتْ خزائِمَها إليهِ فقادَها
    ولقدْ أرادَ اللهُ إذْ ولاّكَها ... من أمَّةٍ إصلاحَها ورَشادَها
    غلبَ المساميحَ الوليدُ سماحةً ... وكفى قريشاً ما ينوبُ وسادَها
    تأتيهِ أسْلابُ الأعزَّة عنْوَةً ... قسْراً ويجمعُ للحروبِ عتادَها
    وفي هذه القصيدة يقول، وهو من التشبيه الغريب المُصيب، وهو من باب الأوصاف:
    تُزْجي أغنَّ كأنَّ إبْرةَ روقهِ ... قلمٌ أصابَ من الدَّواةِ مِدادَها
    وقال مروان بن أبي حفصة من قصيدة:
    نِعمَ المناخُ لراغبٍ أوْ راهبٍ ... ممَّنْ تُصيبُ جوائحُ الأزمانِ
    معنُ بنُ زائدة الَّذي زيدَتْ بهِ ... شرفاً على شرفٍ بنو شَيْبانِ
    جبلٌ تلوذُ به نزارٌ كُلُّها ... صعبُ الذُّرى مُتمنِّعُ الأرْكانِ
    إنْ عُدَّ أيّامُ الفخارِ فإنَّما ... يوماهُ يومُ ندًى ويومُ طِعانِ
    يكسو المنابرَ والأسِرَّةَ بهجةً ... ويزينُها بجهارةٍ وبيانِ
    تمضي أسنَّتُهُ ويُسفرُ وجههُ ... في الرَّوع عند تغيُّرِ الألوانِ
    أنتَ الَّذي ترجو ربيعةُ سَيْبَهُ ... وتُعدُّوه لنوائبِ الحدثانِ
    مطرٌ أبوك أبو الفوارسِ والَّذي ... بالخيلِ حازَ هجائنَ النُّعْمانِ
    فُتَّ الذين رجَوا مداكَ ولم ينلْ ... أدنى بنائكَ في المكارمِ بانِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    حليفُ النَّدَى معنُ بنُ زائدة الَّذي ... تُعَلُّ بحوضَيْهِ الظِّماءُ وتُنْهلُ
    تجنّب لا في القولِ حتَّى كأنَّهُ ... حرامٌ عليهِ قولُ لا حينَ يُسألُ
    شريكيَّةٌ صَوْلاتهُ مطريَّةٌ ... مُجرَّبةٌ فيها السِّمامُ المثمَّلُ
    تشابهَ يوماهُ عَلَيْنا فأشْكَلا ... فلا نحنُ ندري أيّ يوميه أفضلُ
    أيومُ نداهُ الغمر أم يومُ بأسهِ ... وما منهُما إلاَّ أغرُّ مُحجَّلُ
    بنو مطرٍ يومَ اللِّقاءِ كأنَّهمُ ... أسودٌ لها في غيل خَفّانَ أشبلُ
    هم يمنعون الجارَ حتَّى كأنَّما ... لجارهُم بين السِّماكينِ منزلُ
    بهاليلُ في الإسلامِ سادوا ولم يكنْ ... كأوّلهمْ في الجاهليّةِ أوَّلُ
    هم القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعوا ... أجابوا وإن أعطَوا أطابوا وأجزلوا
    وما يستطيعُ الفاعلون فعالهُمْ ... وإنْ أحسنوا في النّائباتِ وأجْمَلوا
    تُلاثُ بأمثالِ الجبالِ حُباهمُ ... وأحلامهُمْ منها لدى الوزنِ أثقلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    كفى القبائلَ معنٌ كلّ مُعْضلةٍ ... يُحمى بها الدّينُ أوْ يرعى بها الحسبُ
    فما الشجاعةُ إلاَّ دونَ نجدتهِ ... وما المواهبُ إلاَّ دونَ ما يهبُ
    عادت نزارُ نزاراً إذْ تداركها ... مُباركٌ من بني شَيْبان منتخَبُ
    فرعٌ نماهُ شريكٌ وابنهُ مطرٌ ... والصلب عمرو فتلك السَّادةُ النُّجبُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    جرى للمجدِ زائدةُ بنُ معنٍ ... فبرَّزَ غيرَ مُضْطربِ العِنانِ
    إذا شهدَ الرِّهانَ بنو شريكٍ ... حوَتْ أيديهم قصبَ الرِّهانِ
    فتًى بلغتْ يداهُ من المعالي ... مبالغَ ما دنَتْ منها يدانَ
    وليس بمُدْركٍ أُخرَ اللَّيالي ... نِزاريٌّ نَداهُ ولا يمانِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    مسحَتْ ربيعةُ وجهَ معنٍ سابقاً ... لمّا جرى وجرى ذَووا الأحسابِ
    وجرَتْ بهِ غُرٌّ سوابقُ زانَها ... كرمُ النِّجارِ وصحّةُ الأنسابِ
    قومٌ رِواقُ المكرماتِ عليهمُ ... عالي العِمادِ ممدّد الأطْنابِ
    وهم النُّضارُ إذا القبائلُ حصَّلَتْ ... أنسابَها ولُبابُ كلِّ لُبابِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    قدْ أمَّنَ الله من خوفٍ ومن عدمٍ ... من كانَ معنٌ له جاراً من الزَّمنِ
    معنُ بنُ زائدةَ الموفي بذمَّتهِ ... والمشتري الحمدَ بالغالي من الثَّمنِ
    يرى العطايا الَّتي تبقى محامدُها ... غُنْماً إذا عدَّها المعطي من الغَبنِ
    بنى لشيبان مجْداً لا زوالَ لهُ ... حتَّى تزولَ ذُرى الأركانِ من حضنِ
    وقال أبو السَّمط بن أبي حفصة من قصيدة:
    فتًى لا يُبالي المدلجونَ بِنورهِ ... إلى بابهِ ألاّ تُضيءَ الكواكبُ
    لهُ حاجبٌ عن كلِّ أمرٍ يعيبُهُ ... وليسَ له عن طالب العُرفِ حاجبُ
    وقال مسلم بن الوليد الأنصاري من قصيدة:
    يا مائلَ الرَّأسِ إنَّ اللَّيثَ مُفترسٌ ... ميلَ الجماجمِ والأعْناقِ فاعْتدِلِ
    حذارِ من أسدٍ ضِرْغامةٍ بطلٍ ... لا يولغُ السَّيفَ إلاَّ مُهجةَ البطلِ
    سدَّ الثُّغورَ يزيد بعد ما انفرجَت ... بقائم السَّيف لا بالختلِ والحِيَلِ
    موفٍ على مهجٍ في يومِ ذي رهجٍ ... كأنَّهُ أجلٌ يسعى إلى أملِ
    ينالُ بالرِّفْقِ ما يعيا الرِّجالُ به ... كالموتِ مُستعجلاً يأتي على مهلِ
    يكسو السُّيوفَ دِماءَ النَّاكثينَ به ... ويجعلُ الهامَ تيْجانَ القنا الذُّبُلِ
    قد عوَّدَ الطَّيرَ عاداتٍ وثِقْنَ بها ... فهنَّ يَتْبَعْنهُ في كلِّ مُرتحلِ
    تراهُ في الأمنِ في درْعٍ مُضاعفةٍ ... لا يأمنُ الدَّهرَ أن يُدعى على عجلِ
    إذا انتضى سيفَهُ كانتْ مسالكُهُ ... مسالكَ الموتِ في الأبْدانِ والقُلَلِ
    فالدَّهرُ يَغْبطُ أُولاهُ أواخرَهُ ... إذْ لم يكنْ كان في أعصارهِ الأُولِ
    إذا الشَّريكيُّ لم يفخرْ على أحدٍ ... تكلَّمَ الفخرُ عنهُ غيرَ مُنتحَلِ
    الزَّائديُّونَ قومٌ في رماحهِمُ ... خوفُ المخيفِ وأمنُ الخائف الوجلِ
    كبيرهُمْ لا تقومُ الرَّاسياتُ له ... حلماً وطفلهمُ في هدْيِ مُكتهلِ
    فاسلمْ يزيدُ فما في الملك من وهنٍ ... إذا سلمْتَ وما في الدِّينِ من خللِ
    لله من هاشمٍ في أرضهِ جبلٌ ... وأنتَ وابنكَ رُكْنا ذلك الجبلِ
    تشاغلَ النَّاس بالدُّنيا وزُخْرُفها ... وأنتَ من بذلك المعروفَ في شُغلِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لو أنَّ قوماً يُخلقونَ منيَّةً ... من بأسهِمْ كانوا بني جِبريلا
    قومٌ إذا حَمِيَ الهجيرُ من الوغى ... جعلوا الجماجمَ للسُّيوفِ مقيلا
    إذْ لا حمى إلاَّ الرِّماحُ وبينها ... خيلٌ يطأْنَ بقاتلٍ مقْتولا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لولا يزيدُ وأيّامٌ له سلفَتْ ... عاشَ الوليدُ مع الغاوينَ أعْواما
    سلَّ الخليفةُ سيفاً من بني مطرٍ ... يمضي فيخترقُ الأجسادَ والهاما
    كالدَّهرِ لا ينثني عمَّا يهمُّ بهِ ... قد أوسعَ النَّاسَ إنْعاماً وإرغاما
    تظلَّمَ المالُ والأعْداءُ من يدهِ ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظلاَّما
    أردى الوليدَ هُمامٌ من بني مطرٍ ... يزيدهُ الرَّوعُ يومَ الرَّوع إقْداما
    صمصامةٌ ذكرٌ يعدو به ذكرٌ ... في كفّه ذكرٌ يفري به الهاما
    يُمضي المنايا كما يُمضي أسنَّتهُ ... كأنَّ في سرجه بدراً وضرغاما
    لا يستطيعُ يزيدٌ من طبيعتهِ ... عن المنيَّةِ والمعروفِ إحجاما
    أذكرتَ سيفَ رسول الله سُنَّتهُ ... وبأسَ أوَّل من صلَّى ومن صاما
    إن يشكرِ النَّاس ما أوليْتَ من حسنٍ ... فقد وسعْتَ بني حوَّاءَ إنعاما
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    داوى فلسطينَ من أدوائها بطلٌ ... في صورةِ الموتِ إلاَّ أنَّهُ رجلُ
    به تعارفت الأحياءُ وائتلفَتْ ... إذْ ألَّفَتْهمْ إلى معروفهِ السُّبُلُ
    كأنَّهُ قمرٌ أوْ ضيغمٌ هَصِرٌ ... أوْ حيَّةٌ ذكرٌ أوْ عارضٌ هطلُ
    لا يضحكُ الدَّهر إلاَّ حين تسألُهُ ... وليسَ يعبسُ إلاَّ حينَ لا يُسَلُ
    في عسكرٍ تشرَقُ الأرضُ الفضاءُ به ... كاللَّيلِ أنجمهُ القُضبانُ والأسلُ
    لا يمكنُ الطَّرفَ منه أن يحيطَ به ... ما يأخذُ السَّهْلُ من عرضيْهِ والجبلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أعددتَ للحربِ سيفاً من بني مطرٍ ... يمضي بأمركَ مخلوعاً لهُ العذرُ
    لاقَى بنُو قيصرٍ لمَّا هممتَ بهمْ ... مثلَ الَّذي سوفَ تلقَى مثلَهُ الخزرُ
    لقد بعثتَ إلى خاقانَ جائحةً ... خرقاءَ حصَّاء لا تُبقي ولا تذرُ
    أمضَى من الموتِ يعفُو عند قدرتِهِ ... وليسَ للموتِ عفوٌ حينَ يقتدرُ
    ما إنْ رَمَى بالمُنى في ملكِهِ طمعٌ ... ولا تخطَّاهُ التَّأييدُ والظَّفرُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    يلقَى المنيَّةَ في أمثالِ عدَّتها ... كالسَّيلِ يقذفُ جلموداً بجلمودِ
    إنْ قصَّرَ الرُّمحُ لمْ يمشِ الخُطا عدداً ... أوْ عرَّدَ السَّيْفَ لم يهمُمْ بتعريدِ
    نفسي فداؤُكَ يا داود إذْ علقتْ ... أيدي الرَّدَى بنواصي الضُّمَّرِ القودِ
    داويتَ من دائِها كرمانَ وانتصفتْ ... بكَ المنونَ لأقوامٍ مجاهيدِ
    ملأتَهَا فَزَعاً أخلَى معاقلَهَا ... من كلِّ أبلَخَ سامي الطَّرفِ صنديدِ
    لمَّا نزلتَ على أدنى بلادهمِ ... ألقَى إليكَ الأقاصي بالمقاليدِ
    أتيتهمْ من وراءِ الأمنِ مطَّلعاً ... بالخيلِ تَرْدى بأبطالٍ مناجيدِ
    تلكَ الأزارِقُ إذْ جارَ الدَّليلُ بها ... لم يُخْطها القصدُ من أسيافِ داوودِ
    كانَ الحُصينُ يرجِّي أن يفوتَ بها ... حتَّى أخذتَ عليهِ بالأخاديدِ
    دبَّتْ إليه بُنيَّاتُ الرَّدَى عَنَقاً ... حُمراً وسُوداً على راياتكَ السُّودِ
    ما زالَ يعنُف بالنُّعمى ويغمِطُها ... حتَّى استقلَّ به عودٌ على عودِ
    تعدُو السِّباعُ فترميهِ بأعيُنِها ... تستنشقُ الجوَّ أنفاساً بتصعيدِ
    ورأس مِهرانَ قد ركبتْ قلَّتَهُ ... لدْناً كفاهُ مكانَ اللَّيتِ والجيدِ
    تجودُ بالنَّفسِ إذْ ضنَّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنَّفسِ أقصى غايةِ الجودِ
    لم تقْبَل السِّلمَ إلاَّ بعدَ مقدرةٍ ... ولا تألَّفتْ إلاَّ بعدَ تبديدِ
    لم يبعث الدَّهْرُ يوماً بعدَ ليلتهِ ... إلاَّ انبعثتَ له بالبأسِ والجودِ
    عوَّدتَ نفسَكَ عاداتٍ خُلقتَ لها ... صدقَ اللِّقاءِ وإنجازَ المواعيدِ
    كَفَيتَ في الملكِ حتَّى لم يقفْ أحداً ... على ضياعٍ ولم يحزَن لمفقودِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولَوَ انَّ في كبدِ السَّمَاءِ فضيلةً ... لسَمَا لها زيدُ الجوادُ فنالا
    تلقاهُ في الحربِ العَوَانِ مشمِّراً ... كاللَّيثِ يحمي حولَهُ أشبالا
    ما مِنْ فتًى إلاَّ وأنتَ تطولُهُ ... شرفاً وإنْ عزَّ الرِّجالَ فَطَالا
    نَفَحاتُ كفِّكَ يا ذؤابةَ وائلٍ ... تركتْ عليكَ الرَّاغبينَ عِيالا
    وكَّلتَ نفسَكَ بالمحامِدِ والعُلا ... فجعلْتَها لَكَ دهرَهَا أشغالا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    نهضَ ابنُ منصورٍ فأدرَكَ غايةً ... قَعَدتْ مآثرُها بكلِّ مسوَّدِ
    أعْطَى فما ينفكُّ تنزعُ همَّةٌ ... أملاً إليهِ من المحلِّ الأبعدِ
    سَبَقتْ عطيَّتهُ مُنى مُرتادِها ... واستحدَثَتْ همماً لمن لم يرتدِ
    تلك العُلا حُكِّمنَ في أموالِهِ ... فَأَعضْنَهُ منها جوارَ الفرقدِ
    يتجنَّبُ الهفواتِ في خَلَواتِهِ ... عفُّ السَّريرةِ غيبُهُ كالمشهدِ
    وله إذا فنيَ السُّؤالُ مذاهبٌ ... في الجودِ تبحثُ عن سؤالِ المجتدِي
    يستصغرُ الدُّنيا إذا عرضتْ لهُ ... في همَّةٍ أوْ نائلٍ أوْ موعدِ
    أعطيتَ حتَّى ملَّ سائلُكَ الغِنى ... وعلوتَ حتَّى ما يقالُ لكَ ازددِ
    ما قصَّرتْ بكَ غايةٌ من غايةٍ ... فاليومَ مجدكَ مثلُ مجدكَ في غدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وردنَ رواقَ الفضلِ فضلِ بنِ جعفرٍ ... فحطَّ الثَّناءَ الجزلَ نائلُهُ الجزلُ
    فتًى ترتعي لآمالُ مُزنةَ جودِهِ ... إذا كانَ مرعاها الأمانيُّ والمطلُ
    تُساقطُ يُمناهُ ندًى وشمالهُ ... ردًى وعيونُ القولِ منطقهُ الفضلُ
    كأنَّ نعمْ في فيهِ يجري مكانَهَا ... سُلافةُ ما مجَّتْ لأفراخِها النَّحلُ
    أنافَ بهِ العلياءَ يحيى وجعفرٌ ... فليسَ لهُ مثلٌ ولا لهما مثلُ
    لهمْ هضبةٌ تأوي إلى ظلِّ برمكٍ ... منوطاً بها الآمالُ أطنابُها السُّبلُ
    وَقَوْا حرَمَ الأعراضِ بالبيضِ والنَّدَى ... فأموالهمْ نهبٌ وأعراضهمْ بسلُ
    جرَى آخذاً يحيى مقلَّدَ جعفرٍ ... وصلَّى إمامُ السَّابقين ابنُهُ الفضلُ
    بكفِّ أبي العبَّاسِ يُستمطرُ الغِنى ... وتُستنزلُ النُّعمى ويُسترعفُ النَّصلُ
    مَتَى شئتَ رفَّعتَ الرّواق عنِ الغِنَى ... إذا أنتَ زُرتَ الفضلَ أوْ أذنَ الفضلُ
    وقال بشَّار بن برد من قصيدةٍ:
    إنَّما لذَّةُ الجوادِ ابنِ سلْمٍ ... في عطاءٍ ومركبٍ للِّقاءِ
    ليسَ يعطيكَ للرَّجاءِ ولا الخوْ ... فِ ولكنْ يلذُّ طعمَ العطاءِ
    يسقُطُ الطَّيرُ حيثُ ينتثرُ الحَ ... بُّ وتُغشى منازلُ الكرماءِ
    فَعَلى عُقبَةَ السَّلامُ مُقيماً ... وإذا سارَ تحتَ ظلّ اللِّواءِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    دعاني إلى عُمرٍ جودُهُ ... وقولُ العشيرةِ بحرٌ خِضَمْ
    ولولا الَّذي زَعَموا لم أكنْ ... لأحمدَ رَيْحانةً قبلَ شَمّ
    فتًى لا يبيتُ على دِمنةٍ ... ولا يشرَبُ الماءَ إلاَّ بدَمْ
    إذْ أيقظتْكَ حروبُ العِدا ... فنبِّهْ لها عُمَراً ثمَّ نَمْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لَعَمْرِي لئنْ أحببتُ قيساً وحُطْتُها ... وحاميتُ عنها وامتدحتُ خِيارَهَا
    لقدْ مدحتْ قيساً قريشٌ ولم تزلْ ... لها مُضَرُ الحمراءُ تخشَى تَبَارَهَا
    إذا ما كبارُ النَّائباتِ تتابعتْ ... تُدافعُ قيسٌ عن معدٍّ كِبارَهَا
    وإنْ سَنَةٌ شهباءُ خيفَ عثارُها ... كفتْ مضراً والخلقَ طرّاً عِثارَهَا
    تميدُ نواحي الأرضِ منهمْ ولا تَرَى ... من الأرضِ إذْ يغزُونَ إلاَّ غُبارَهَا
    تُطيعُ المنايا قيسَ عَيْلانَ في الوَغَى ... وتحفظُ منها كلَّ مَنْ كانَ جارَهَا
    جبابرَةُ الأعْدَا تُعيَّرُ أنَّها ... تلاقي بقيسٍ في الحروبِ دَمَارَهَا
    ولا اعتذرتْ قيسٌ من الطَّعنِ في الوَغَى ... ولا جعلتْ إلاَّ السُّيوفَ اعتذارَهَا
    فبقَّى من العيدانِ ربُّ محمَّدٍ ... لقيسٍ على رغمِ العدوّ نُضارَهَا
    بدورُ الدُّجَى في النَّاسِ والأنجُمُ الَّتي ... أبى اللهُ من بينِ النُّجومِ غِيارَهَا
    لئنْ خافتِ الأحياءُ قيساً فبالحَرى ... وقدْ خفضتْ من خوفِها الأسدُ زارَهَا
    لقد ضَبَنتْ قيسٌ على الأُمم الَّتي ... على الدِّينِ تعدُو ليلَهَا ونهارَهَا
    إذا نزلتْ من قبَّةِ الدِّينِ بلدةٌ ... كَسَا اللهُ أمناً برَّها وبحارَهَا
    بنتْ مجدَهَا حذوَ النُّجومِ وأوقدتْ ... على الهامةِ العلياءِ بالسَّيفِ نارَهَا
    وقال مروان بن صُرَد:
    إنَّ السِّنانَ وحدَّ السَّيْفِ لو نَطَقا ... لحدَّثا عنكَ يومَ الرَّوعِ بالعَجَبِ
    أنفقتَ مالَكَ تُعطيهِ وتبذلُهُ ... يا متلفَ الفضَّةِ البيضاءِ والذَّهبِ
    أمَّا أبوكَ فأنْدى العالمينَ يداً ... وكانَ عمُّكَ معنٌ سيِّدَ العربِ
    عِيدانكمْ خيرُ عيدانٍ وأطيَبُها ... عيدانُ نبعٍ وليسَ النَّبعُ كالغَرَبِ
    وقال عليّ بن جَبَلة من قصيدةٍ:
    كلُّ منْ في الأرضِ من ملكٍ ... بين باديهِ إلى حضرِهْ
    مستعيرٌ منكَ مكرمةً ... يكتسيها يومَ مفتَخَرِهْ
    إنَّما الدُّنيا أبو دُلَفٍ ... بينَ مبداهُ ومحتَضَرِهْ
    فإذا ولَّى أبو دُلَفٍ ... ولَّتِ الدُّنيا على أثرِهْ
    وقال أيضاً من أرجوزةٍ:
    كأنَّهُ الرَّعدُ إذا الرَّعدُ قصفْ
    كأنَّهُ البرقُ إذا البرقُ خطفْ
    كأنَّهُ الموتُ إذا الموتُ أزِفْ
    إلى الوَغَى تحملُهُ الخيلُ القُطُفْ
    إن سارَ سارَ المجدُ أوْ حلَّ وقفْ
    انظُرْ بعينيكَ إلى أسنَى الشَّرفْ
    وروضةِ المجدِ ومرعاهُ الأُنُفْ
    هلْ نالَهُ بقدرةٍ أوْ بكُلَفْ
    خلْقٌ من النَّاسِ سِوى أبي دُلَفْ
    وقال أيضاً:
    دِجلَةُ يسقي وأبو غانمٍ ... يُطعمُ مَنْ يسقي من النَّاسِ
    يرتُقُ ما تفتُقُ أعداؤُهُ ... وليسَ يأسُو فتقَهُ آسِ
    فالنَّاسُ جسمٌ وإمامُ الهُدى ... رأسٌ وأنتَ العينُ في الرَّاسِ
    وقال أبو العتاهية، واسمه إسماعيل بن القاسم، من قصيدةٍ:
    أتتهُ الخلافةُ منقادةً ... إليه تجرّرُ أذيالَها
    ولو رامَهَا أحدٌ غيرهُ ... لزُلزلتِ الأرضُ زلزالَهَا
    فلمْ تكُ تصلحُ إلاَّ لهُ ... ولم يكُ يصلحُ إلاَّ لها
    ولو لم تطعْهُ بناتُ القُلو ... بِ لما قبلَ اللهُ أعمالَهَا
    وإنَّ الخليفةَ مِنُها بُغض لا ... إليهِ ليُبغضُ مَن قالَهَا
    وقال أيضاً:
    أمينَ اللهِ أمنُكَ خيرُ أمنٍ ... عليكَ من التُّقى فيه لِباسُ
    تُساسُ منَ السَّمَاءِ بكلِّ برٍّ ... وأنتَ به تسوسُ كما تُساسُ
    كأنَّ الخلقَ رُكّبَ فيه روحٌ ... لهُ جسدٌ وأنتَ عليهِ راسُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    علمَ العالمُ أنَّ المنايا ... سامعاتٌ لكَ في مَنْ عَصَاكا
    فإذا وجَّهتَهَا نحوَ طاغٍ ... رجعتْ ترعُفُ منهُ قَنَاكا
    ولَوَ انَّ الريحَ بارتْكَ يوماً ... في سماحٍ قصَّرتْ عنْ نَدَاكا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أني أمنتُ منَ الزَّمَانِ وَرَيبِهِ ... لمَّا علقتُ منَ الأميرِ حِبالا
    لو يستطيعُ النَّاسُ من إجلالِهِ ... لحَذَوْا له حُرَّ الوجوهِ نِعالا
    ما كانَ هذا الجودُ حتَّى كنتَ يا ... عُمَراً ولو يوماً تزولُ لَزَالا
    إنَّ المطايا تشتكيكَ لأنَّها ... قطعتْ إليكَ سَباسباً ورِمالا
    فإذا وردنَ بِنا وردنَ مُخفَّةً ... وأيضاً رجعنَ بنا رجعنَ ثِقالا
    قال منصور النَّمريّ:
    إنَّ المكارمَ والمعروف أوديةٌ ... أحلَّكَ اللهُ منها حيثُ تجتمعُ
    إذا رفعتَ امرأ اللهُ رافعُهُ ... ومَن وضعتَ من الأقوامِ مُتَّضعُ
    مَن لم يكنْ بأمينِ اللهِ معتصماً ... فليسَ بالصَّلواتِ الخمسِ ينتفعُ
    إنْ أخلَفَ الغيثُ لم تخلفْ أناملهُ ... أوْ ضاقَ أمرٌ ذكرناهُ فيتَّسعُ
    وفي هذه القصيدة يقول في ذكر الشَّباب:
    ما تنقَضِي حسرةٌ منِّي ولا جَزَعُ ... إذا ذكرتُ شباباً ليسَ يُرتجعُ
    ما كنتُ أُوفي شبابي كُنْهَ غرَّتهِ ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تَبَعُ
    قدْ كِدتَ تقضي على فَوْتِ الشَّبابِ أسًى ... لولا تعزِّيكَ أنَّ الأمرَ منقطعُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ، وتروى لمسلم بن الوليد:
    لو لم يكنْ لبَني شيبانَ من حَسَبٍ ... سوَى يزيدَ لفاقُوا النَّاسَ في الحَسَبِ
    لا تحسَبُوا النَّاسَ قد حابَوْا بني مطرٍ ... إذْ سلَّموا الجودَ منهمْ عاقدَ الطِّنُبِ
    الجودُ أخشَنُ مسّاً يا بني مطرٍ ... مِن أنْ تَبُزَّكُمُوهُ كفُّ مستلبِ
    ما أعرَفَ النَّاسَ أنَّ الجودَ مدفعةٌ ... للذَّمِّ لكنَّهُ يأتي على النَّشَبِ
    وقال أشجع بن عمرو السُّلميّ من قصيدةٍ:
    برَقَتْ سماؤكَ في العدوِّ فأمطرتْ ... هاماً لها ظلُّ السُّيوفِ غمامُ
    تُثني على أيَّامكَ الأيَّامُ ... والشَّاهدانِ الحِلُّ والإحرامُ
    وإذا سيوفكَ صافحتْ هامَ العِدا ... طارتْ لهنَّ عنِ الرّؤوسِ الهامُ
    وعلى عدوِّكَ يا ابنَ عمِّ محمَّدٍ ... رصَدَانِ ضوءُ الصُّبحِ والإظلامُ
    فإذا تنبَّهَ رُعتَهُ وإذا غَفَا ... سلَّتْ عليهِ سيوفكَ الأحلامُ
    وقال أيضاً:
    بديهتُهُ وفكرتُهُ سواءٌ ... إذا اشتبهتْ على النَّاسِ الأُمورُ
    وأحزَمُ ما يكونُ الدَّهْرَ رأياً ... إذا عيَّ المُشاورُ والمُشيرُ
    وصدرٌ فيه للهمِّ اتِّساعٌ ... إذا ضاقتْ من الهمِّ الصُّدورُ
    وقال أيضاً:
    في سيفِ إبراهيمَ خوفٌ واقعٌ ... بذوي النِّفاقِ وفيهِ أمنُ المسلمِ
    ويبيتُ يكلأُ والعيونُ هواجعٌ ... مالَ اليتيمِ ومُهجَةَ المستسلِمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    شدَّ الخِطامَ بأنفِ كلّ مخالفٍ ... حتَّى استقامَ لهُ الَّذي لم يُخطمِ
    ومنَ الوُلاةِ مقحّمٌ لا يتَّقي ... والسَّيْفُ تقطُرُ شفرتاهُ من الدَّمِ
    منعتْ مهابتُكَ النّفوسَ حديثَهَا ... بالشَّيءِ تكرهُهُ وإن لم تعلمِ
    وقال محمد بن مناذر:
    أتانا بنُو الأملاكِ من آلِ برمكٍ ... فيا طيبَ أخبارٍ ويا حُسْنَ منظَرِ
    إذا نَزَلوا بطحاءَ مكّةَ أشرقتْ ... بيحيَى وبالفضلِ بن يحيَى وجعفرِ
    لهم رِحلةٌ في كلِّ عامٍ إلى العدَا ... وأُخْرى إلى البيتِ العتيقِ المُطهّرِ
    فتُظلمُ بغدادُ ويجلُو لنا الدُّجَى ... بمكَّةَ ما حجُّوا ثلاثَةُ أقمُرِ
    فما خُلقتْ إلاَّ لجودٍ أكفُّهمْ ... وأقدامهُمْ إلاَّ لأعوادِ مِنْبرِ
    إذا راضَ يحيى الأمرَ ذلّتْ صِعابُهُ ... وحسبُكَ من راعٍ له ومُدبِّرُ
    تَرَى النَّاس إجلالاً لهُ وكأنَّهمْ ... غرانيقُ ماءٍ تحت بازٍ مُصَرْصِرِ
    وقال الحسن بن هانئ من قصيدةٍ:
    رأيتُ لفضلٍ في السَّماحةِ همَّةٌ ... أطالتْ برغمٍ غيظَ كلِّ جوادِ
    فتًى لا تلوكُ الخمرُ شحمَةَ مالِهِ ... ولكنْ أيادٍ عُوَّدٌ وبوادِ
    تَرَى النَّاسَ أفواجاً إلى بابِ دارِهِ ... كأنَّهُمُ رِجْلا دَباً وجَرادِ
    فيوماً لإلحاقِ الفقيرِ بذي الغِنَى ... ويوماً رقابٌ بُوكرتْ بحصادِ
    فأغنتْ أياديهِ مَعَدّاً وأشرقتْ ... على حِمْيَرٍ في دارها ومُرادِ
    وكنَّا إذا ما الحائنُ الجَدِّ غرَّهُ ... سَنَا برقٍ غادٍ أوْ ضجيجُ رعادِ
    تردَّى لهُ الفضلُ بنُ يحيى بنِ خالدٍ ... بماضي الظُّبى يزهاهُ طولُ نجادِ
    أمامَ خميسٍ أُرجُوانٍ كأنَّهُ ... قميصٌ مَحوكٌ من قناً وجيادِ
    فما هوَ إلاَّ الدَّهْرُ يأتي بصرفِهِ ... على كلِّ مَنْ يشقَى بهِ ويُعادي
    وقال أيضاً:
    سادَ الملوكَ ثلاثةٌ ما منهُمُ ... إن حُصِّلوا إلاَّ أغرُّ قريعُ
    سادَ الرَّبيعُ وسادَ فضلٌ بعدَهُ ... وعلتْ بعبَّاسِ الكريمِ فروعُ
    عبَّاسُ عبَّاسٌ إذا احتَدَمَ الوَغَى ... والفضلُ فضلٌ والرَّبيعُ ربيعُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقدْ نزلتَ أبا العبَّاسِ منزلةً ... ما إنْ تَرَى خلفَهَا الأبصارُ مطَّرَحا
    وكّلتَ بالدَّهْرِ عيناً غيرَ غافلةٍ ... بجودِ كفِّكَ تأسُو كلَّ ما جَرَحا
    أنتَ الَّذي تأخُذُ الأيدي بحُجْزَتِهِ ... إذا الزَّمَانُ على أولادِهِ كَلَحا
    كأنَّ فيضَ يديهِ حينَ تسألهُ ... بابُ السَّمَاءِ إذا ما بالحَيا انفَتَحا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وإذا المطيّ بنا بلغنَ محمَّداً ... فظهورُهُنَّ على الرِّجالِ حرامُ
    قرَّبننا من خيرِ منْ وطئَ الثَّرى ... فلها عَلَيْنا حرمةٌ وذِمامُ
    رُفِعَ الحجابُ لنا فلاحَ لناظرٍ ... قمرٌ تَقطَّعُ دونَهُ الأوهامُ
    ملكٌ أغرُّ إذا شرِبْتَ بوجهِهِ ... لم يُروِكَ التَّبجيلُ والإعظامُ
    فالبَهو مُشتملٌ بنورِ خليفةٍ ... لبسَ الشَّبابَ بعدلهِ الإسلامُ
    سَبْطُ البَنَانِ إذا احتبَى بنجادِهِ ... غمرَ الجماجمَ والسِّماطُ قِيامُ
    ملكٌ إذا اقتسَرَ الأُمورَ مَضى بهِ ... رأيٌ يفلُّ السَّيْفَ وهو حُسامُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    هارونُ ألَّفنا ائتلافَ مودَّةٍ ... ماتتْ لها الأحقادُ والأضغانُ
    في كلِّ عامٍ غزوةٌ ووفادةٌ ... تنبَتُّ بينَ نَواهُما الأقرانُ
    ألِفتَ منادمةَ الدِّماءِ سيوفهُ ... فَلَقلَّما تحتازُها الأجفانُ
    حتَّى الَّذي في الغيبِ لم يكُ صورةً ... لفؤادِهِ من خوفِهِ خَفَقانُ
    حذَرَ امرئٍ نصرتْ يداهُ على العِدا ... كالدَّهْرِ فيه شراسةٌ ولِيانُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    يا ناقُ لا تسأمي أو تبلُغِي ملِكاً ... تقبيلُ راحتهِ والرُّكنِ سيّانِ
    متى تحطّي إليهِ الرّحلَ سالمةً ... تستجمِعِي الخلقَ في تمثيلِ إنسانِ
    مقابَلٌ بينَ أملاكٍ تفضِّلُهُ ... وِلادَتَانِ من المنصورِ ثِنتانِ
    مدَّ الإلهُ عليهِ ظلَّ مملكةٍ ... يَحْيى القصُّ بها والأقرَبُ الدَّاني
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقدْ طابت الدُّنيا بطيبِ محمَّدٍ ... وزادتْ بهِ الأيَّامُ حُسناً إلى حُسنِ
    لقدْ فكَّ أغلالَ العُناةِ محمَّدٌ ... وأنزَلَ أهلَ الخوفِ في كَنَفِ الأمنِ
    إذا نحنُ أثنينا عليكَ بصالحٍ ... فأنتَ كما نُثني وفوقَ الَّذي نُثني
    وإنْ جَرَتِ الألفاظُ يوماً بمدحةٍ ... لغيركَ إنساناً فأنتَ الَّذي نَعْني
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فاسلُ عن نوْءٍ تُؤمِّلُهُ ... حسبكَ العبَّاسُ من مطرِهْ
    ملكٌ قلَّ الشَّبيهُ لهُ ... لمْ تقعْ عينٌ على خَطَرِهْ
    وكريمُ الخالِ مِنْ يَمَنٍ ... وكريمُ العمِّ مِن مُضَرِهْ
    لا تغطَّى عنهُ مكرمةٌ ... بِرُبى وادٍ ولا خمَرِهْ
    ذُلِّلتْ تلكَ الفِجاجُ لهُ ... فهوَ مختارٌ على بصرِهْ
    وإذا مجَّ القَنَا عَلَقاً ... وتراءى الموتُ في صورِهْ
    راحَ في ثَنْيَْ مُفاضتِهِ ... أسدٌ يدمَى شَبَا ظُفُرِهْ
    تَتَأيَّا الطَّيرُ غُدوَتَهُ ... ثقةٌ بالشَّبعِ مِن جُزُرِهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا لمْ تَزُرْ أرضَ الخصيبِ ركابُنَا ... فأيُّ فتًى بعدَ الخصيبِ نَزورُ
    فتًى يَشترِي حُسنَ الثَّناءِ بمالِهِ ... ويعلَمُ أنَّ الدَّائراتِ تَدورُ
    فما فاتَهُ جُودٌ ولا حلَّ دونَهُ ... ولكنْ يَصيرُ الجُودُ حيثُ يصيرُ
    وقال بكر بن النّطّاح الحنفيّ:
    وإذا بَدَا لكَ قاسمٌ يومَ الوَغَى ... يختالُ خلتَ أمامَهُ قِنديلا
    وإذا تعرَّضَ للعمودِ ولَيِّهِ ... خلتَ العمودَ بكفِّه مِنديلا
    قالُوا وينظِمُ فارِسَينِ بطعنةٍ ... يومَ اللِّقاءِ ولا يراهُ جَليلا
    لا تعجَبُوا فلَوَ أنَّ طولَ قَنَاتِهِ ... مِيلٌ إذن نَظَم الفوارسَ مِيلا
    وقال أيضاً:
    يا عِصمَةَ العربِ الَّتي لو لم تكنْ ... حيّاً إذنْ كانتْ بغيرِ عمادِ
    إنَّ العيونَ إذا رأتكَ حِدادُها ... رجعتْ منَ الإجلالِ غيرَ حِدادِ
    وإذا رميتَ الثَّغرَ منكَ بعزمَةٍ ... فتَّحْتَ منهُ مواضعَ الأسدادِ
    فكأنَّ رمحَكَ منقعٌ في عُصفرٍ ... وكأنَّ سيفَكَ سُلَّ مِن فِرْصادِ
    لو صالَ من غضبٍ أبو دُلَفٍ على ... بِيضِ السُّيوفِ لَذُبْنَ في الأغمادِ
    أذْكى وأوقَدَ للعداوةِ والقِرى ... نارَيْنِ نارَ وغًى ونارَ رمادِ
    وقال أيضاً:
    لهُ هممٌ لا مُنتَهَى لِكِبارِها ... وهمَّتُهُ الصُّغرى أجلُّ منَ الدَّهْرِ
    لهُ راحةٌ لو أنَّ مِعشارَ جودِها ... على البَرِّ صارَ البرُّ أنْدى من البحرِ
    ولو أنَّ خلقَ اللهِ في مَسْكِ فارسٍ ... وبارَزَهُ كانَ الخليُّ منَ العمرِ
    وقال أيضاً:
    لم ينقطعْ أحدٌ إليكَ بودّهِ ... إلاَّ اتَّقتهُ نوائبُ الحَدَثانِ
    كلُّ السُّيوفِ تَرَى لسيفكَ هيبةٌ ... وتخافُكَ الأرواحُ في الأبدانِ
    قالتْ مَعَدٌّ والقبائلُ كلُّها ... إنَّ المنيَّةَ في يَدَيْ خِرْبانِ
    ملكٌ إذا أخَذَ القناةَ بكفِّهِ ... وثِقتْ بقوَّةِ ساعِدٍ وبنانِ
    وقال أيضاً:
    يا طالباً للكِيمياءِ وعلمِها ... مدحُ ابنِ عيسَى الكيمياءُ الأعظمُ
    لو لمْ يكنْ في الأرضِ إلاَّ درهمٌ ... ومدحتَهُ لأتاكَ ذاكَ الدِّرهَمُ
    وقال أبو الغول الطُّهَويّ:
    فدتْ نفسي وما ملكتْ يميني ... فوارسَ صدَّقوا فيهم ظُنوني
    فوارِس لا يَمَلُّونَ المنايا ... إذا دارتْ رَحَا الحربِ الزَّبُونِ
    ولا يجزونَ مِنْ حسنٍ بِسَيْءٍ ... ولا يجزُونَ من غِلَظٍ بلينِ
    ولا تبلَى بسالتُهُمْ وإنْ هُمُ ... صَلُوا بالحربِ حيناً بعدَ حينِ
    هُمُ منَعُوا حِمى الوَقَبى بضربٍ ... يؤلِّفُ بينَ أشتاتِ المَنونِ
    فنكَّبَ عنهُمُ درْءَ الأعادي ... وداوَوْا بالجنُونِ منَ الجُنونِ
    ولا يرعَوْنَ أكنافَ الهُوَيْنى ... إذا حلُّوا ولا روضَ الهدُونِ
    وقال الكميت بن زيد الأسديّ:
    فما غابَ عن حِلمٍ ولا شهدَ الخَنَا ... ولا استعذَبَ العَوْراءَ يوماً فقالَهَا
    يدومُ على خيرِ الخِلالِ ويتَّقي ... تصرُّفَها من شيمةٍ وانْفِتالَها
    وتفضُلُ أيمانَ الرِّجالِ شِمالهُ ... كما فَضَلتْ يُمنى يديْهِ شِمالَهَا
    وتبتذِلُ النَّفسَ المصُونةَ نفسُهُ ... إذا ما رأى حقّاً عليهِ ابْتِذالَهَا
    بَلَوْناكَ في أهلِ النَّدَى ففَضَلْتهمْ ... وباعَكَ في الأبواعِ قِدماً فَطَالَهَا
    وقال آخر:
    سأشكرُ عَمْراً ما تراختْ منيَّتي ... أياديَ لم تُمنَنْ وإنْ هي جلَّتِ
    فتًى غيرُ محجوبِ الغِنَى عن صديقهِ ... ولا مُظهرُ الشَّكوى إذا النَّعل زَلَّتِ
    رَأى خلَّتي من حيثُ يَخْفى مكانُها ... فكانتْ قَذى عينيهِ حتَّى تجلَّتِ
    وقال أبو زياد الأعرابيّ:
    لهُ نارٌ تشبُّ بكلِّ وادٍ ... إذا النّيرانُ أُلبستِ القِناعا
    ولمْ يكُ أكْثَر الفتيانِ مالاً ... ولكنْ كانَ أرحبَهُمْ ذِراعا
    وقال العَرَنْدَس الكلابيّ:
    هَيْنونَ لَيْنونَ أيسارٌ ذوُو كرمٍ ... سُوّاسُ مكرمةٍ أبناءُ أيسارِ
    إنْ يُسألُوا الخيرَ يُعْطوهُ وإنْ جَهِدوا ... فالجهدُ يكشفُ منهمْ طيبَ أخبارِ
    فيهمْ ومنهمْ يعدُّ الخيرُ مُتّلداً ... ولا يعدُّ نَثَا خِزْيٍ ولا عارِ
    لا ينطقونَ عنِ الفحشاءِ إنْ نَطَقوا ... ولا يُمارُون إنْ مارَوْا بإكثارِ
    منْ تلقَ منهمْ تَقُلْ لاقيتُ سيّدهمْ ... مثلَ النُّجومِ الَّتي يَسْري بها السَّاري
    وقال حسين بن مُطير الأسديّ:
    له يومُ بؤسٍ فيه للنَّاس أبؤسٌ ... ويومُ نعيمٍ فيه للنَّاس أنعُمُ
    فيُمطرُ يومَ الجودِ في كفِّه النَّدَى ... ويمطرُ يومَ البُؤس من كفِّه الدَّمُ
    فلو أنَّ يومَ البُؤس خلَّى عقابَهُ ... علَى النَّاسِ لمْ يُصبحْ علَى الأرضِ مُجرمُ
    ولو أنَّ يومَ الجودِ خلَّى يَمينهُ ... علَى النَّاسِ لم يصبحْ علَى الأرضِ مُعدمُ
    وقال داوود بن سَلْم:
    وكنَّا حديثاً قبلَ تأميرِ جعفرٍ ... وكانَ المنى في جعفرٍ أن يُؤمَّرا
    حَوَى المنبرينِ الطَّاهرينِ كليهِما ... إذا ما خَطَا عنْ منبرٍ أمَّ منبَرَا
    كأنَّ بني حوَّاءَ صُفُّوا أمامَهُ ... فخُيِّرَ في أحسابهم فتخيَّرا
    وقال القاسم بن حنبل المرّي:
    منَ البيضِ الوجوهِ بنِي سِنانٍ ... لَوَ أنَّك تَستضيءُ بهمْ أضاؤُوا
    هُمُ شمسُ النَّهار إذا استقلَّتْ ... ونورٌ ما يغيِّبُهُ العَمَاءُ
    همُ حلُّوا من الشَّرف المُعلَّى ... ومن حسبِ العَشيرةِ حيثُ شاؤُوا
    بُناةُ مكارمٍ وأُساةُ كلْمٍ ... دماؤهُمُ من الكَلَبِ الشَّفاءُ
    فأمَّا بيتكم إنْ عُدَّ بيتٌ ... فطالَ السَّمْكُ وارتفَعَ السَّماءُ
    وأمَّا أُسُّهُ فَعَلى قديمٍ ... من العاديِّ إنْ ذُكِرَ السَّناءُ
    فلوْ أنَّ السَّماءَ دنتْ لمجدٍ ... ومكرمةٍ دنتْ لكُم السَّماءُ
    وقال أبو جُوَيرية:
    لو كانَ يقعدُ فوق الشَّمسِ منْ كرمٍ ... قومٌ بأوَّلهمْ أوْ مجدهمْ قَعدوا
    أوْ خلَّدَ الجود أقواماً ذوي حسبٍ ... فيما يُحاولُ من آجالهمْ خَلَدوا
    قومٌ سِنانٌ أبوهمْ حين تَنْسبُهُم ... طابُوا وطابَ من الأولادِ ما وَلَدوا
    جِنٌّ إذا فزِعُوا إنسٌ إذا أمِنُوا ... مُرَزَّؤنَ بهاليلٌ إذا احْتَشَدوا
    مُحَسّدون علَى ما كانَ من نِعَمٍ ... لا ينزعُ اللهُ منهمْ مالَهُ حُسِدوا
    وقال آخر:
    آلُ المهلَّبِ قومٌ خُوِّلوا شَرَفاً ... ما نالَهُ عربيٌّ لا ولا كادَا
    لو قيلَ للمجدِ حِدْ عنهمْ وخالِهِم ... بما احْتكمتَ من الدُّنيا لمَا حادَا
    إنَّ المكارمَ أرواحٌ يكونُ لها ... آلُ المهلَّبِ دونَ النَّاسِ أجسادَا
    آلُ المهلَّبِ قومٌ إنْ مدحتهُمُ ... كانُوا الأكارمَ آباءً وأجدادَا
    إنَّ العَرَانينَ تلقاها مُحَسَّدةً ... ولا تَرَى للِئامِ النَّاسِ حُسَّادا
    وقال سليمان بن قَتَّة؛ وتُروى لغيره:
    نجوتِ نْ حلٍّ ومنْ رحلةٍ ... يا ناقُ إنْ قرَّبْتني من قُثَمْ
    إنَّكِ إنْ بلَّغْتنيهِ غداً ... عاشَ لنا اليسرُ وماتَ العَدَمْ
    في باعِهِ طولٌ وفي وجههِ ... نورٌ وفي العِرْنينِ منهُ شَمَمْ
    لمْ يدرِ ما لا وبلى قد دَرَى ... فعافَهَا واعتاضَ منها نَعَمْ
    أصمُّ عن ذكرِ الخَنَا سمعُهُ ... وما عَن الخيرِ بهِ مِنْ صَمَمْ
    وقال آخر؛ وتُروى إلى ليلَى الأخيليَّة:
    كريمٌ يغضُّ الطَّرفَ فضلُ حيائهِ ... ويدنُو وأطرافُ الرِّماحِ دَوانِ
    وكالسَّيف إن لاينتَهُ لانَ متنُهُ ... وحَدَّاهُ إن خاشنْتَهُ خَشِنانِ
    وقال أعرابيّ:
    كم قدْ ولدتُم من رئيسٍ قَسْورٍ ... دامي الأظافِرِ في الخميسِ الممطرِ
    سَدِكَتْ أناملُهُ بقائِمِ مرهفٍ ... وبنشرِ فائدةٍ وذروةِ منبرِ
    ما إنْ يريدُ إذا الرِّماحُ تشاجرتْ ... دِرعاً سِوى سِربالِ طيبِ العُنصرِ
    يلقى السُّيوفَ بوجههِ وبنحرهِ ... ويُقيمُ هامتهُ مقامَ المغفرِ
    ويقولُ للطَّرفِ اصطبرْ لِشَبا القَنَا ... فعقرتُ ركنَ المجدِ إن لم تُعقرِ
    وإذا تأمَّل شخصَ ضيفٍ مقبلٍ ... متسربلٍ سِربالَ ليلٍ أغبرِ
    أوْمى إلى الكوماءِ هذا طارقٌ ... نَحَرتنيَ الأعداءُ إنْ لم تُنْحَري
    وقال ابن المولى:
    وإذا تباعُ كريمةٌ أوْ تُشترَى ... فسِواكَ بائعُها وأنتَ المُشتري
    وإذا توعَّرت المسالكُ لم يكنْ ... فيها السَّبيلُ إلى نداكَ بأوعَرِ
    وإذا صنعتَ صنيعةً أتممْتَهَا ... بيدينِ ليسَ نداهُما بمكدَّرِ
    وإذا هممتَ لمعتفيكَ بنائلٍ ... قالَ النَّدَى فأطعتَهُ لكَ أكثِرِ
    يا واحدَ العربِ الَّذي ما إنْ لهمْ ... من مذهبٍ عنهُ ولا منْ مقصَرِ
    وقال حبيب بن أوس الطائي من قصيدةٍ:
    السَّيْفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّهِ الحدُّ بينَ الجِدِّ واللَّعبِ
    بيضُ الصَّفائحِ لا سودُ الصَّحائفٍ في ... متونهنَّ جلاءُ الشَّكِّ والرَّيبِ
    والعلمُ في شُهُبِ الأرماحِ لامعةً ... بينَ الخميسينِ لا في السَّبعةِ الشُّهبِ
    فتحُ الفتوحِ تعالَى أن يُحيطَ بهِ ... نظمٌ منَ الشِّعرِ أوْ نثرٌ من الخُطَبِ
    تدبيرُ معتصمٍ باللهِ منتقمٍ ... للهِ مرتقبٍ في اللهِ مرتغِبِ
    ومُطعَمِ النَّصرِ لم تَكْهَمْ أسنَّتُهُ ... يوماً ولا حُجبتْ عن روحِ مُحتجبِ
    لمْ يرمِ قوماً ولم ينهدْ إلى بلدٍ ... إلاَّ تَقَدَّمهُ جيشٌ من الرُّعُبِ
    لو لمْ يقُدْ جحفلاً يومَ الوَغَى لَغَدا ... من نفسِهِ وحدَهَا في جحفلٍ لَجِبِ
    رَمى بكَ اللهُ بُرجَيْها فهدَّمَهَا ... ولو رمَى بكَ غيرُ اللهِ لم يصِبِ
    من بعدِ ما أشَّبُوها واثقينَ بها ... واللهُ مفتاحُ بابِ المعقِلِ الأشِبِ
    عَداكَ حرُّ الثُّغورِ المستضامَةِ عنْ ... بردِ الثُّغورِ وعنُها سلسالِها الحصِبِ
    أجبتَهُ معلَماً بالسَّيْفِ مُنصلتاً ... ولو دُعيتَ بغيرِ السَّيْفِ لم تُجِبِ
    حتَّى تركتَ عمودَ الشِّركِ منعفِراً ... ولم تعرِّجْ على الأوتادِ والطُّنُبِ
    لمَّا رأى الحربَ رأيَ العينِ تُوفَلِسٍ ... والحربُ مشتقَّةُ المعنَى منَ الحربِ
    غَدَا يصرِّفُ بالأموالِ جِرْيتَهَا ... فعزَّهُ البحرُ ذو التَّيَّارِ والحدبِ
    هيهاتَ زُعزعت الأرضُ الوَقورُ بهِ ... عن غزوِ مُحتسبٍ لا غزوِ مكتسِبِ
    لم ينفِقِ الذَّهب المُرْبي بكثرتِهِ ... على الحَصَى وبه فقرٌ إلى الذَّهبِ
    إنَّ الأُسودَ أُسودَ الغابِ همَّتُها ... يومَ الكريهةِ في المسلوبِ لا السَّلَبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لم يجتمعْ قطُّ في مصرٍ ولا بلدٍ ... محمَّدُ بنُ مروانَ والنُّوَبُ
    لي منْ أبي جعفرٍ آخِيَّةٌ سَبَبٌ ... إنْ تبقَ يُطلبْ إلى معروفيَ السَّبَبُ
    صحَّتْ فما يَتَمارى مَن تأمَّلَهَا ... من فرطِ نائلِهِ في أنَّها نَسَبُ
    أمَّتْ نداهُ بيَ العيسُ الَّتي شهدتْ ... لها السُّرى والفيافي أنَّها نُجُبُ
    رِدْءُ الخلافةِ في الجُلّى إذا نزلتْ ... وقيِّمُ الملكِ لا الوانِي ولا النَّصِبُ
    جفنٌ يعافُ لذيذَ النَّومِ ناظرُهُ ... شحّاً عَلَيْها وقلبٌ حولَهَا يجِبُ
    وزيرُ حقٍّ ووالي شرطةٍ ورَحَا ... ديوانِ ملكٍ وشيعيٌّ ومُحتسبُ
    كالأرحبيِّ المُذَكِّي هزَّهُ المَرَطى ... والمَلْعُ والوخْدُ والتَّقريبُ والخَبَبُ
    ثبْتُ الخطابِ إذا اصطكَّتْ بمظلمةٍ ... في رحلِهِ ألسُنُ الأقوامِ والرُّكَبُ
    لا المنطقُ اللَّغْوُ يزكُو في مقاومِهِ ... يوماً ولا حجَّةُ الملهوفِ تُستلبُ
    كأنَّما هو في نادي قبيلتِهِ ... لا القلبُ يهفُو ولا الأحشاءُ تضْطربُ
    لا سَورةٌ تُتَّقى منه ولا بَلَهٌ ... ولا يَحيفُ رضًى منهُ ولا غضبُ
    لا نجمَ من معشرٍ إلاَّ وهمَّتُهُ ... عليكَ دائرةٌ يا أيُّها القُطُبُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إليكَ جزعنا مغرِبَ المُلكِ كلَّما ... وسطْنا مَلاً صلَّتْ عليكَ سباسبُهْ
    إلى ملكٍ لم يلقِ كَلْكل بأسهِ ... على ملكٍ إلاَّ وللذُّلِّ جانبهْ
    إلى سالبِ الجبَّارِ بيضةَ مُلكهِ ... وآملهُ غادٍ عليهِ فسالبُهْ
    سما للعلا من جانبَيْها كلَيْهما ... سُموَّ عُبابِ البحرِ جاشَتْ غواربُهْ
    فنوَّلَ حتَّى لم يجدْ من يُنيلهُ ... وحاربَ حتَّى لم يجدْ من يُحاربُهْ
    وذو يقظاتٍ مُستمرٍّ مريرُها ... إذا الخطبُ لاقاها اضمحلَّتْ نوائبُهْ
    فيا أيُّها السَّاري اسرِ غيرَ مُحاذرٍ ... جَنانَ ظلامٍ أوْ ردًى أنتَ هائبُهْ
    فقدْ بثَّ عبد الله خوفَ انتقامهِ ... على اللَّيل حتَّى ما تدبُّ عقاربُهْ
    إذا ما امرؤٌ ألْقى بربعكَ رَحْلهُ ... فقد طالبَتْهُ بالنَّجاحِ مطالبُهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    رواحِلُنا قد بزَّنا الهمُّ أمرَها ... إلى أن حسِبْنا أنَّهنَّ رواحلُهْ
    إذا خلعَ اللَّيلُ النَّهارَ رأيتَها ... بإرْقالها في كلِّ وجهٍ تُقاتلُهْ
    إلى قطبِ الدُّنيا الَّذي لو بمدْحِهِ ... مدحْتُ بني الدُّنيا كفَتْهُمْ فضائلُهْ
    جلا ظلماتِ الظُّلمِ عن وجهِ أمَّةٍ ... أضاءَ لها من كوكبِ الحقِّ آفلُهْ
    لقد حانَ من يُهدي سُوَيداءَ قلبهِ ... لحدّ سنانٍ في يدِ الله عاملُهْ
    إذا مارقٌ بالغدرِ حاولَ غَدْرةً ... فذاك حريٌّ أن تئيمَ حلائلُهْ
    وإنْ يبن حيطاناً عليهِ فإنَّما ... أولائكَ عُقَّالاتهُ لا معاقلُهْ
    بِيُمْنِ أبي إسحاق طالتْ يدُ الهدى ... وقامتْ قناةُ الدِّينِ واشتدَّ كاهلُهْ
    هو البحرُ من أيِّ النَّواحي أتيتهُ ... فَلُجَّتهُ المعروفُ والجودُ ساحلُهْ
    تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتَّى لوَ انَّهُ ... دعاها لقبضٍ لم تُجِبْهُ أناملُهْ
    ولو لم يكن في كفِّهِ غيرُ نفسهِ ... لجادَ بها فليتَّقِ الله سائلُهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا العيسُ لاقتْ بي أبا دلفٍ فقدْ ... تقطَّعَ ما بيني وبينَ النَّوائبِ
    تكادُ مغانيه تهِشُّ عِراصُها ... فتركبُ من شوقٍ إلى كلِّ راكِبِ
    يرَى أقبحَ الأشياءِ أوبَةَ آملٍ ... كستْهُ يدُ المأمولِ حُلّةَ خائبِ
    وأحسنُ من نوْرٍ يفتِّحهُ النَّدَى ... بياضُ العطايا في سوادِ المطالبِ
    إذا افتخرتْ يوماً تميمٌ بقَوْسها ... وزادتْ علَى ما وطَّدَتْ من مناقبِ
    فأنتُمْ بذي قارٍ أمالتْ سيوفُكمْ ... عُروشَ الَّذين استَرْهنُوا قوسَ حاجبِ
    مكارمُ لجَّتْ في علوٍّ كأنَّما ... تحاولُ ثأراً عندَ بعضِ الكواكبِ
    ولو كانَ يفنَى الشّعرُ أفناهُ ما قَرَتْ ... حياضُكَ منهُ في العصورِ الذَّواهبِ
    ولكنَّه صوبُ العقولِ إذا انجلتْ ... سحائبُ منهُ أُعقبتْ بسحائبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنّ الَّذي خلقَ الخلائقَ قاتَها ... أقْواتها لتصرُّفِ الأحْراسِ
    فالأرضُ معروفُ السَّماءِ قِرًى لها ... وبنو الرَّجاءِ لهمْ بنو العبَّاسِ
    هدأتْ على تأميلِ أحمد همَّتي ... وأطافَ تقليدي به وقياسي
    بالمُجْتبي والمُصطفي والمُشتري ... للحمدِ والحالي به والكاسي
    فرعٌ نما من هاشمٍ في تُربةٍ ... كان الكفيءَ لها منَ الأغْراسِ
    نَوْرُ العرارةِ نورهُ ونسيمُه ... نشرُ الخُزامى في اخضرار الآسِ
    أبليتَ هذا المجدَ أبعدَ غايةٍ ... فيه وأكرمَ شيمةٍ ونِحاسِ
    إقْدام عمرٍو في سماحةِ حاتمٍ ... في حلمِ أحنف في ذكاءِ إياسِ
    لا تُنْكروا ضربي لهُ من دونه ... مثلاً شروداً في النَّدَى والباسِ
    فالله قد ضرب الأقلَّ لنورهِ ... مثلاً من المِشكاةِ والنِّبْراسِ
    وقال أيضاً، وتروى لبكر بن النَّطَّاح:
    أقولُ لمُرْتادِ النَّدَى عندَ مالكٍ ... تعوَّذْ بجدوى مالكٍ وصِلاتهِ
    فتًى جعلَ المعروفَ من دون عِرضهِ ... سريعاً إلى المُمْتاحِ قبل عِداتهِ
    ولو قصَّرَتْ أموالهُ عن سماحةٍ ... لقاسمَ من يرجوهُ شطرَ حياتهِ
    ولو لم يجد في قسمةِ العمرِ حيلةً ... وجازَ له الإعطاءُ من حسناتهِ
    لجادَ بها من غيرِ كُفْرٍ بربِّهِ ... وآساهمُ من صومهِ وصلاتهِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    مَنْ كانَ مرعى عزمهِ وهُمومِه ... روضُ الأماني لم يزلْ مَهْزولا
    بالسَّكسكيِّ الماتعيّ تمتَّعَتْ ... هممٌ ثنتْ طرفَ الزَّمانِ كليلا
    لا تدعوَنْ نوحَ بنَ عمرٍو دعوةً ... للخطبِ إلاَّ أن يكونَ جليلا
    يقظٌ إذا ما المُشكلاتُ عروْنَهُ ... ألفَيْنهُ المتبسِّمَ البُهْلولا
    ثبتُ المقامِ يرى القبيلة واحداً ... ويُرى فيحسَبُهُ القبيلُ قبيلا
    كم وقعةٍ لك في المكارمِ ضخمةٍ ... غادرْتَ فيها ما ملكْتَ قتيلا
    فاشْدُدْ يديْكَ بحبلِ نوحٍ مُعْصِماً ... تلقاهُ حبلاً بالنَّدى موصولا
    ذاكَ الَّذي إنْ كانَ خلَّكَ لم تقلْ ... يا ليتني لم أتَّخِذْهُ خليلا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لهانَ عَلَيْنا أنْ نقولَ وتفعَلا ... ونذكُرَ بعضَ الفضلِ منكَ وتفْضلا
    أبا جعفرٍ أجريتَ في كلِّ تلعةٍ ... لنا جعفراً من فيضِ كفَّيكَ سلسَلا
    فكمْ قَد أثَرْنا منْ نوالِكَ معدِناً ... وكمْ قدْ بَنَيْنا في ظِلالكَ مَعقِلا
    رددتَ المُنى خُضراً تَثَنَّى غصونُها ... عَلَيْنا وأطلقتَ الرَّجاءَ المُكبَّلا
    وما يلحظُ العافي جَداكَ مُؤمَّلاً ... سِوى لحظةٍ حتَّى يَروحَ مُؤمَّلا
    لقد زِدتَ أوضَاحي امْتداداً ولم أكُنْ ... بَهيماً ولا أرضي من الأرضِ مَجْهلا
    ولكنْ أيادٍ صادَفَتْني جِسامُها ... أغرّ فأوفَتْ بي أغَرَّ مُحَجَّلا
    إذا أحسنَ الأقوامُ أن يتطوَّلوا ... بلا مِنَّةٍ أحسنتَ أنْ تتطوَّلا
    وجدناكَ أنْدى من رجالٍ أناملاً ... وأحسَنَ في الحاجاتِ وجهاً وأجْملا
    تُضيءُ إذا اسودَّ الزَّمان وبعضهم ... يرى الموتَ أن ينهلَّ أوْ يتهلَّلا
    فوالله ما آتيكَ إلاَّ فريضةً ... وآتي جميعَ النَّاسِ إلاَّ تنفُّلا
    وإنَّ صريحَ الحزْمِ والعزْمِ لامرئٍ ... إذا أدركتْهُ الشَّمْسُ أن يتحوَّلا
    لئن هِمَمي أوجدْنَني في تقلُّبي ... مآلاً لقدْ أفقدْنَني منكَ مَوْئلا
    وإن عفْتُ أمراً مُدْبرَ الوجهِ إنَّني ... لأتْركُ حظّاً في فنائكَ مُقبلا
    وإن كنتُ أخطو ساحةَ المحلِ إنَّني ... لأتْرُكُ روضاً من جداكَ وجدْولا
    فوالله لا أنفكُّ أُهدي شوارداً ... إليكَ يُحمَّلْنَ الثَّناءَ المنخَّلا
    تخالُ به بُرْداً عليك مُحبَّراً ... وتحسبُهُ عِقْداً عليكَ مُفصَّلا
    ألذَّ من السَّلوى وأطيبَ نفحةً ... من المسكِ مفتوقاً وأيْسرَ محملا
    أخفَّ على روحٍ وأثقل قيمةً ... وأقصرَ في سمعِ الجليسِ وأطْولا
    وقال أيضاً:
    كُفِّي وغاكِ فإنَّني لكِ قالِ ... ليستْ هوادي عَزْمتي بِتَوالِ
    أنا ذو عرفتِ فإنْ عَرَتكِ جهالةٌ ... فأنا المقيمُ قيامَةَ العذَّالِ
    عطَفَت ملامَتَها على ابنِ مُلمَّةٍ ... كالسَّيْفِ جَأبِ الصَّبرِ شَخْتِ الآلِ
    عادتْ له أيَّامُهُ مسودَّةً ... حتَّى توهَّمَ أنَّهنَّ ليالِ
    لا تُنكري عطَلَ الكريمِ منَ الغِنَى ... فالسَّيلُ حربٌ للمكانِ العالي
    وتبصَّري خببَ الرِّكابِ ينصُّها ... مُحيي القريضِ إلى مُميتِ المالِ
    لمَّا بلغنا ساحَةَ الحسنِ انقضَى ... عنَّا تملُّكُ دولةِ الإمحالِ
    بسَطَ الرَّجاءَ لنا برغمِ نوائبٍ ... كثرتْ بهنَّ مصارعُ الآمالِ
    أغلَى عَذَارى الشِّعر أنَّ مُهُورها ... عندَ الكريمِ إذا رخصنَ غوالِ
    تردُ الظُّنون بهِ على تصديقها ... ويحكِّمُ الآمالَ في الأموالِ
    أضحى سمِيُّ أبيك فيك مصدّقاً ... بأجلّ فائدةٍ وأيمنِ فالِ
    ورأيتني فسألتَ نفسَكَ سيبَهَا ... لي ثمَّ جُدتَ وما انتظرتَ سؤالي
    كالغيثِ ليسَ لهُ أُريدَ غمامُهُ ... ولم يُرَدْ بدٌّ منَ التَّهطالِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    بزهرٍ والحذاقِ وآلِ بردٍ ... ورتْ في كلِّ صالحةٍ زنادِي
    وإن يكُ من بني أُدَدٍ جَناحي ... فإنَّ أثيثَ ريشي من إيادِ
    غدوت بهم أمدَّ ذويَّ ظِلاًّ ... وأكثر من ورائي ماءَ وادِ
    همُ عُظمُ الأثافي من نزارٍ ... وأهلُ الهضْبِ منها والنِّجادِ
    إذا حُدثُ القبائلِ ساجلوهُمْ ... فإنَّهمُ بنو الدَّهْرِ التِّلادِ
    تُفرِّجُ عنهمُ الغمراتِ بيضٌ ... جِلادٌ تحتَ قسطلةِ الجِلادِ
    وحشوُ حوادثِ الأيَّام منهمْ ... معاقِلُ مُطْردٍ وبنو طِرادِ
    لهُمْ جهلُ السِّباعِ إذا المنايا ... تمشَّتْ في القنا وحلومُ عادِ
    لقدْ أنْسَتْ مساوئَ كلِّ دهرٍ ... محاسنُ أحمد بن أبي دُوادِ
    مَتَى تَحْلُلْ به تحللْ جناباً ... رضيعاً للسَّواري والغوادي
    تُرشَّحُ نعمةُ الأيَّام فيه ... وتقسَمُ فيه أرْزاقُ العِبادِ
    وما اشتبهَتْ طريقُ العُرفِ إلاَّ ... هداكَ لقبلة المعروفِ هادِ
    وما سافرْتُ في الآفاقِ إلاَّ ... ومن جدواكَ راحلَتي وزادي
    مُقيمُ الظَّنِّ عندكَ والأماني ... وإن قلقَتْ رِكابي في البلادِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ديمةٌ سمحةُ القيادِ سَكوبُ ... مُستغيثٌ بها الثَّرى المكروبُ
    لو سعتْ بُقعةٌ لإعظامِ نُعْمى ... لَسَعى نحوَها المكانُ الجَديبُ
    لذَّ شُؤبوبها وطابَتْ فلو تَسْ ... طيعَ قامتْ فعاتبتْهَا القلوبُ
    فهو ماءٌ يجري وماءٌ يليهِ ... وعزالٍ تنشا وأخرى تذوبُ
    أيُّها الغيثُ حيِّ أهلاً بِمغْدا ... كَ وعندَ السُّرى وحينَ تؤوبُ
    لأبي جعفرٍ خلائقُ يحكي ... هِنَّ قد يُشبهُ النَّجيبَ النَّجيبُ
    أنتَ فينا في ذا الأوانِ غريبٌ ... وهو فينا في كلِّ وقتٍ غريبُ
    خُلقٌ مشرقٌ ورأيٌ حسامٌ ... وودادٌ عذبٌ وريحٌ جَنوبُ
    ما الْتقى وفرُه ونائلهُ مذْ ... كانَ إلاَّ ووفْرُهُ المَغْلوبُ
    فهو مُدْنٍ للجودِ وهو بغيضٌ ... وهو مقصٍ للمالِ وهو حبيبُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فاطْلب هُدوّاً في التَّقَلْقُلِ واستثِرْ ... بالعيس من تحتِ السُّهادِ هُجودا
    من كلِّ مُعْطيةٍ على علَلِ السُّرى ... وَخْداً يبيتُ النَّومُ عنهُ شريدا
    تجري بِمُنْصلتٍ يظلُّ إذا ونى ... ضُرَباؤهُ حِلْساً لها وقُتودا
    جعلَ الدُّجى جمَلاً وودَّعَ راضياً ... بالهونِ يتّخذُ القُعودَ قَعودا
    طلبتْ ربيع ربيعةَ المُمْهي لها ... فوردْنَ ظلَّ ظلالها مَمْدودا
    بكريّها علويّها صعْبيَّها ال ... حصْنيَّ شَيْبانيَّها الصِّنْديدا
    ذُهْليَّها مُرِّيَّها مطريَّها ... يُمْنى يديْها خالدَ بن يزيدا
    نسباً كأنَّ عليه من شمسِ الضُّحى ... نوراً ومن فلقِ الصَّباحِ عمودا
    عُرْيانَ لا يكبو دليلٌ من عمًى ... فيه ولا يبغي عليه شهودا
    شرفٌ على أُوَلِ الزَّمان وإنَّما ... خلقُ المناسبِ ما يكون جديدا
    لو لم تكنْ من نبعةٍ نجديَّةٍ ... علويّة لظننْتُ عودكَ عودا
    مطرٌ أبوكَ أبو أهلَّةِ وائلٍ ... ملأ البسيطةَ عُدَّةً وعديدا
    أكفاؤهُ تلدُ الرِّجالَ وإنَّما ... ولدَ الحتوفُ أساوداً وأُسودا
    ورثوا الأبُوَّةَ والحُظوظَ فأصبحوا ... جمعوا جدوداً في العلا وجدودا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقد آسفَ الأعداءَ مجدُ ابن يوسف ... وذو النَّقصِ في الدُّنيا بذي الفضلِ مولَعُ
    هو السَّيل إن واجهتَهُ انقَدْتَ طوعَهُ ... وتقتادهُ من جانبيْهِ فيتْبَعُ
    ولم أرَ نفعاً عندَ من ليسَ ضائراً ... ولم أرَ ضُرّاً عند من ليس ينفَعُ
    رأى البخلَ من كلِّ فظيعاً فعافَهُ ... على أنَّه منهُ أمرُّ وأفظعُ
    وكلُّ كُسوفٍ في الدَّراريِّ شُنْعةٌ ... ولكنَّه في الشَّمْسِ والبدرِ أشنعُ
    ويومٍ يظلُّ العزُّ يحفظُ وسطَهُ ... بِسُمرِ العوالي والنُّفوسُ تُضيَّعُ
    مصيفٍ من الهيجا ومن جاحمِ الوَغَى ... ولكنَّهُ من وابلِ الدَّمِ مربعُ
    شققْتَ إلى جبَّارهِ حومةَ الوَغَى ... وقنَّعْتهُ بالسَّيْفِ وهو مقنَّعُ
    أظلّتْكَ آمالي وفي البطشِ قوَّةٌ ... وفي السَّهْمِ تسديدٌ وفي القوسِ منزَعُ
    رأيتُ رجائي فيك وحدكَ همَّةً ... ولكنَّهُ في سائرِ النَّاس مطمعُ
    وكمْ عاثرٍ منّا أخذتَ بضبعه ... فأضحى لهُ في قُلّة الخطْبِ مطلعُ
    وما السَّيْفُ إلاَّ زُبْرَةٌ لو تركتَهُ ... على الخلقة الأولى لما كان يقطعُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    عندي من الأيَّام ما لو أنَّه ... بإزاءِ شاربِ مُرْقِدٍ ما غمَّضا
    ما عُوِّضَ الصَّبرَ امرؤٌ إلاَّ رأى ... ما فاتهُ دونَ الَّذي قد عُوِّضا
    يا أحمد بن أبي دُوادٍ دعوةً ... ذلَّتْ بشكرِكَ لي وكانتْ رَيِّضا
    كم محضرٍ لك مُرْتضى لم تدّخرْ ... محمودَهُ عندَ الإمامِ المُرتضى
    قد كانَ صوَّحَ بيتُ كلِّ قرارةٍ ... حتَّى تروَّحَ في ثراكَ وروَّضا
    أمَّا القريضُ فقد جذبْتَ بضبْعِه ... جذْبَ الرِّشاءِ مُصرِّحاً ومُعرَّضا
    أحْيَيتهُ ولَخِلْتُ أنِّي لا أَرَى ... شيئاً يعودُ إلى الحياةِ وقد قضى
    وحملتَ عبءَ الدَّهر مُعتمداً على ... قدمٍ وقاك أمينُها أن تدْحضا
    ثِقْلاً لوَ انَّ مُتالعاً حملَ اسمهُ ... لا جسمهُ لم يستطعْ أن ينهضا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وأروعَ لا يُلقي المقاليدَ لامرئٍ ... وكلُّ امرئٍ يُلقي لهُ بالمقالدِ
    له كبرياءُ المُشتري وسعودهُ ... وسطْوةُ بَهْرامٍ وظرفُ عُطاردِ
    أغرُّ يداهُ فُرْضَتا كلِّ طالبٍ ... وجدواهُ وقْفٌ في سبيلِ المحامدِ
    فتًى لم يقُمْ فرداً ليومِ كريهةٍ ... ولا نائلٍ إلاَّ كفى كلَّ قاعدِ
    ولا اشتدّتِ الأيامُ إلاَّ ألانَها ... أشمُّ شديدُ الوطءِ فوقَ الشَّدائدِ
    غدا قاصداً للحمدِ حتَّى أصابهُ ... وكم من مُصيبٍ قصدُه غيرُ قاصدِ
    يصدُّ عن الدُّنيا إذا عنَّ سؤددٌ ... ولو برزَتْ في زيِّ عذراءَ ناهدِ
    إذا المرءُ لم يزهَدْ وقد صُبغَتْ لهُ ... بِعُصفرِها الدُّنيا فليسَ بزاهدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أضحَتْ إيادٌ في معدٍّ كلّها ... وهم إيادُ بنائِها المَمْدود
    يَنْميكَ في قُلَلِ المكارمِ والعُلا ... زُهرٌ لزهرِ أُبوَّةٍ وجدودِ
    إن كنتمُ عاديَّ ذاكَ النَّبعِ إنْ ... نُسبوا وفلقةَ ذلك الجُلمودِ
    وشَركْتُموهمْ دوننا فلأنْتمُ ... شُركاؤُنا من دونهم في الجودِ
    كعبٌ وحاتمٌ اللَّذان تقاسما ... خُططَ العلا من طارفٍ وتليدِ
    هذا الَّذي خلفَ السَّحابَ وماتَ ذا ... في الجودِ ميتةَ خِضرمٍ صِنْديدِ
    إنْ لا يكنْ فيها الشَّهيدَ فَقومهُ ... لا يسمحونَ به بألفِ شهيدِ
    نفسي فداؤُكَ أيُّ بابِ مُلمَّةٍ ... لم يُرْمَ فيه إليكَ بالإقليدِ
    لمّا أظلّتني غمامُك أصبحَتْ ... تلكَ الشُّهودُ عليّ وهي شُهودي
    من بعدِ ما ظنُّوا بأن سيكونُ لي ... يومٌ ببغْيهمُ كيومِ عبيدِ
    نزعوا بسهمِ قطيعةٍ يهفو به ... ريشُ العُقوق فكان غيرَ سديدِ
    وإذا أرادَ الله نشرَ فضيلةٍ ... يوماً أتاحَ لها لسانَ حسودِ
    لولا اشتعالُ النار فيما جاورَتْ ... ما كان يُعرفُ طيبُ نشرِ العودِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    يومٌ أضاءَ بهِ الزَّمانُ وفتَّحتْ ... فيهِ الأسنَّةُ زهرةَ الآمالِ
    لولا الظَّلام وقلّةٌ علقوا بها ... بانَتْ رقابُهمُ بغيرِ قِلالِ
    فَلْيشكروا جُنْحَ الظَّلامِ ودَرْوذاً ... فهمُ لِدرْوَذَ والظَّلام مَوالِ
    برزَتْ بهمْ هفواتُ عِلْجهمُ وقدْ ... يُرْدي الجِمالَ تعسُّفُ الجمّالِ
    فكأنَّما احتالَتْ عليهِ نفسهُ ... إذْ لم تنلْهُ حيلةُ المحتالِ
    ألْوت به يومَ الخميسِ كتائبٌ ... أرْسَلنهُ مثلاً من الأمثالِ
    ريحانِ من نصرٍ وصبرٍ أبْلَيا ... رَبْعَيْهِ لا ريحا صَبا وشَمالِ
    إنَّ الرِّماحَ إذا غرسْنَ بمشهدٍ ... فجنى العوالي في ذُراهُ مَعالِ
    فاسْلمْ أميرَ المؤمنين لأمّةٍ ... أبْدَلتَها الإمْراعَ بالإمْحالِ
    أمسى بكَ الإسلامُ بدراً بعدما ... مُحقَتْ بشاشتُهُ مِحاقَ هِلالِ
    ألبسْتَهُ أيَّامكَ الغُرَّ الَّتي ... أيَّامُ غيركَ عندهُنَّ ليالِ
    وعزائماً في الرَّوعِ مُعْتَصميَّةً ... مَيْمونة الإدْبار والإقْبالِ
    فتعمُّقُ الوزراءِ يَطْفو فوقها ... طَفْوَ القذى وتعقُّبُ العُذَّالِ
    والسَّيْفُ ما لم يُلْفَ فيه صقيلٌ ... من سنخهِ لم ينتفِعْ بصِقالِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    بمهديّ بن أصرمَ عادَ عودي ... إلى إيراقهِ وامتدَّ باعي
    أطالَ يدي على الأيَّام حتَّى ... جزيْتُ صُروفها صاعاً بصاعِ
    إذا أكْدى سوامُ الشِّعْرِ أضحَتْ ... عطاياهُ وهنَّ لهُ مَراعِ
    عميدُ الغَوْثِ إنْ نُوَبُ اللَّيالي ... سطَتْ وقريعُها عندَ القِراعِ
    جعلْتَ الجودَ لألاءَ المساعي ... وهلْ شمسٌ تكونُ بلا شعاعِ
    ولم يحفظْ مُضاعَ المجدِ شيءٌ ... من الأشياءِ كالمالِ المضاعِ
    رعاكَ الله للمعروفِ إنِّي ... أراكَ لسرْحِ مالكَ غير راعِ
    فعزْمُكَ مثلُ عزمِ السَّيْلِ شُدَّتْ ... قُواهُ بالمذانبِ والتِّلاعِ
    ورأيُكَ مثلُ رأيِ السَّيفِ صحَّتْ ... سُبورة حدّهِ عندَ المِصاعِ
    فلو صوَّرْتَ نفسكَ لم تزِدْها ... على ما فيكَ من كرمِ الطِّباعِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    رأيتُ لعيّاشٍ خلائقَ لم تكنْ ... لِتكْمُلَ إلاَّ في اللُّبابِ المُهذَّبِ
    لهُ كرمٌ لو كان في الماءِ لم يَغِضْ ... وفي البرقِ ما شامَ امرؤٌ برقَ خُلَّبِ
    أخو أزماتٍ بذلُه بذلُ مُحسنٍ ... إلينا ولكنْ عُذرهُ عذرُ مُذنبِ
    إذا أمَّهُ العافونَ ألفوا حياضَهُ ... مِلاءً وألفوا روضَهُ غيرَ مُجدبِ
    إذا قال أهلاً مرحباً نبعَتْ لهمْ ... مياهُ النَّدَى من تحتِ أهلٍ ومرحَبِ
    يهولُكَ أن تلقاهُ صدراً لمحفِلٍ ... ونحراً لأعْداءٍ وقلباً لموْكبِ
    هُمامٌ كنصلِ السَّيفِ كيفَ هززْتَهُ ... وجدْتَ المنايا منهُ في كلّ مضربِ
    تركْتَ حُطاماً منكِبَ الدَّهر إذْ نوى ... زِحاميَ لمّا أن جعلتُكَ مَنْكبي
    فقوّمتَ لي ما اعوجَّ من قصدِ همّتي ... وبيَّضْتَ لي ما اسودَّ من وجهِ مطْلَبي
    وهاكَ ثيابَ الحمدِ فاجْرُرْ ذُيولَها ... عليكَ وهذا مركبُ الحمدِ فاركبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    رُبَّ خفضٍ تحتَ السُّرى وغناءٍ ... من عناءٍ ونضرةٍ من شحوبِ
    لا تُذيلَنْ صغيرَ همِّكَ وانظرْ ... كمْ بذي الأثْلِ دوحةً من قضيبِ
    ما على الوسَّج الرَّواتكِ من عَتْ ... بٍ إذا ما أتتْ أبا أيُّوبِ
    سُرحٌ قولهُ إذا ما استمرَّتْ ... عُقْدةُ العيِّ في لسانِ الخطيبِ
    واجدٌ بالخليلِ من بُرحاءِ الشَّ ... وقِ وِجْدانَ غيرهِ بالحبيبِ
    كل شعبٍ كنتُم بهِ آل وهْبٍ ... فهو شِعْبي وشعبُ كلِّ أديبِ
    بُؤتمُ بالمكروهِ دوني وأصْبحْ ... تُ الشَّريكَ المختارَ في المحبوبِ
    إن قلبي لكمْ لكالكبد الحرَّ ... ى وقلبي لغيركُمْ كالقلوبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لله وَخْدُ المهارى أيَّ مكرُمةٍ ... هزَّتْ وأيَّ غمامٍ قلقلتْ خَضِلِ
    مُلبِّياً طالما لبَّى مُناديَهُ ... إلى الوَغَى غيرَ رِعْديدٍ ولا وَكِلِ
    خيرُ الأخلاّءِ خيرُ الأرضِ همَّتهُ ... وأفضلُ الرَّكبِ يَقْرو أفضلَ السُّبُلِ
    حُطَّت إلى عُمْدةِ الإسلام أرْحلهُ ... والشَّمسُ قد نفضَتْ ورْساً على الأُصلِ
    ومُحْرماً أحرمتْ أرضُ العراقِ لهُ ... من النَّدى واكتستْ ثوباً من البَخَلِ
    وسافكاً لدماءِ البُدْنِ قد سُفكتْ ... به دماءُ ذوي الإلحادِ والنِّحَلِ
    ورامياً جمراتِ الحجّ في سنةٍ ... رمى بها جمراتِ اليومِ ذي الشُّعلِ
    يردي ويُرْقلُ بين المَرْوتينِ كما ... يردي ويُرْقِلُ نحوَ الفارسِ البطلِ
    تُقبِّلُ الرُّكنَ رُكنَ البيتِ نافلةً ... وظهرُ كفِّكَ معمورٌ من القَبَلِ
    لمَّا تركْتَ بيوتَ الكُفْرِ خاويةً ... بالغزو آثرْتَ بيتَ الله بالقَفلِ
    فالحجُّ والغزو مَقْرونان في قرنٍ ... فاذهبْ فأنتَ ذعاف الخيل والإبلِ
    ساري الهمومِ طموحُ العزمِ صادقُهُ ... كأنَّ آراءهُ تنحطُّ من جبلِ
    نبَّهْتَ نبهانَ بعدَ النوم فانسكبَتْ ... بكَ الحياةُ على الأحياءِ من ثُعَلِ
    إن حنَّ نجدٌ وأهْلوهُ إليكَ فقدْ ... مررْتَ فيه مرورَ العارضِ الهَطِلِ
    وأيُّ أرضٍ به لم تُكْسَ زَهْرتها ... وأيُّ وادٍ به حرَّانَ لم يسلِ
    ما زال للصَّارخِ المُعْلي عقيرَتهُ ... غوثاً من الغوثِ تحتَ الحادثِ الجللِ
    من كلِّ أبيضَ يجلو منه سائلهُ ... خدّاً أسيلاً به خدٌّ من الأسلِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أنَخْنا في ديارِ بني حبيبٍ ... بناتِ السَّيرِ تحتَ بني العزيمِ
    وما إن زال في جرم بن عمرٍو ... كريمٌ من بني عبد الكريمِ
    يكادُ نَداهُ يتركهُ عديماً ... إذا هطلَتْ يداهُ على عديمِ
    تراهُ يذُبُّ عن حرمِ المعالي ... فتحسِبُه يُدافعُ عن حريمِ
    سيفهُ الرُّمْحِ جاهلهُ إذا ما ... بدا فضل السَّفيهِ على الحليمِ
    أولئكَ قد هُدوا من كلّ مجدٍ ... إلى نهْجِ الطَّريقِ المُستقيمِ
    لهمْ غُرَرٌ تُخالُ إذا استنارتْ ... بواهِرُها ضرائرَ للنُّجومِ
    إذا نزلوا بمَحْلٍ روَّضوهُ ... بآثارٍ كآثارِ الغُيومِ
    لكلٍّ من بني حوّاءَ عذرٌ ... ولا عذرٌ لطائيٍّ لئيمِ
    أحقُّ النَّاس بالكرمِ امرؤٌ لم ... يزلْ يأوي إلى أصلٍ كريمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تداوَ من شوقِكَ الأقصى بما فعلَتْ ... خيلُ ابن يوسفَ والفُرسانُ تطَّرِدُ
    ذاكَ السُّرورُ الَّذي آلتْ بشاشتُه ... ألاَّ يجاورَها في مهجةٍ كمدُ
    لقيْتَهُم والمنايا غيرُ دافعةٍ ... لِما أمرْتَ به والمُلتقى كبدُ
    في موقفٍ وقفَ الموتُ الزُّعاف به ... فالموتُ يوجَدُ والأرواحُ تُفْتقدُ
    في حيثُ لا مرتَعُ البيضِ الخِفافِ إذا ... أُصْلِتنَ جدبٌ ولا وِرْدُ القنا ثمدُ
    مُسْتصحباً نيّةً قد طالما ضَمِنتْ ... لك الخطوبَ فأوْفَتْ بالذي تعِدُ
    ورُحْبَ صدرٍ لوَ أنَّ الأرضَ واسعةٌ ... كوُسعهِ لم يضقْ عن أهلهِ بلدُ
    صدعْتَ جِرْيتهُمْ في عصبةٍ قُللٍ ... قد صرَّح الماءُ عنها وانجلى الزَّبدُ
    من كلِّ أروعَ ترتاعُ المَنونُ لهُ ... إذا تجرَّدَ لا نِكْسٌ ولا جَحِدُ
    يكادُ حين يُلاقي القرنَ من حنقٍ ... قبلَ السِّنانِ على حوبائهِ يردُ
    قلُّوا ولكنَّهُم طابوا فأنْجدهُمْ ... جيشٌ من الصَّبرِ لا يُحصى له عددُ
    إذا رأوا للمنايا عارضاً لبسوا ... من اليقينِ دُروعاً ما لها زَردُ
    نأوا عن المُصْرخِ الأدنى فليسَ لهم ... إلاَّ السُّيوفُ على أعدائهم مددُ
    ولَّى مُعاويةٌ عنهُمْ وقد أخذتْ ... فيه القنا فأبى المِقدارُ والأمدُ
    أنهبْتَ أرواحَهُ الأرْماحَ إذْ شُرعَتْ ... فما تُردُّ لريْبِ الدَّهر عنهُ يدُ
    كأنَّها وهي في الأوداجِ والغَةٌ ... وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الَّذي نجدُ
    من كلِّ أزرقَ نظّارٍ بلا نظرٍ ... إلى المقاتلِ ما في مَتْنهِ أوَدُ
    كأنَّهُ كان تِرْبَ الحُبِّ مُذْ زمنٍ ... فليسَ يُعْجزهُ قلبٌ ولا كبدُ
    إنَّ ابن يوسف نجَّى الثَّغْر من سنةٍ ... أعْوامُ يوسفَ عيشٌ عندها رغَدُ
    آثارُ أموالكَ الأدْثارُ قد خَلُقتْ ... وخلَّفتْ نِعماً آثارُها جُددُ
    فافْخَر فما من سماء للعُلا رُفعَتْ ... إلاَّ وأفعالُكَ الحُسْنى لها عمدُ
    واعذُرْ حسودك فيما قد خُصِصْتَ به ... إنَّ العلا حسنٌ في مثلها الحسدُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    يَهني الرَّعيَّةَ أنَّ الله مُقتدراً ... أعطاهمُ بأبي إسحاقَ ما سألوا
    لو كان في عاجلٍ من آجلٍ بدلٌ ... لكانَ في وعدهِ من رِفْدهِ بدلُ
    تغاير الشِّعْرُ فيه إذْ سهرْتُ له ... حتَّى ظننْتُ قوافيهِ سَتَقْتتلُ
    صلّى المَليكُ على العبّاسِ وانْبجسَتْ ... على ثرى حلِّه الوكَّافةُ الهُطلُ
    ذاكَ الَّذي كانَ لو أنَّ الأنامَ لهُ ... نسلٌ لما عابهم جُبْنٌ ولا بخلُ
    أبو النُّجومِ الَّتي ما ضرَّ ثاقبَها ... أن لم يكنْ بُرجهُ ثورٌ ولا حملُ
    من كلّ مُشتهرٍ في كلَّ مُعتركٍ ... لم يُعرف المُشتري فيه ولا زُحلُ
    يحميهِ لألاؤهُ ولوْذَعيَّته ... من أن يُذالَ بمن أوْ ممَّن الرَّجلُ
    آل النَّبيّ إذا ما ظُلمةٌ طرقَتْ ... كانوا لها سُرُجاً أنتم لها شُعلُ
    قومٌ إذا وعدوا أوْ أوعدوا غَمَروا ... صِدقاً ذوائبَ ما قالوا بما فعلوا
    يَسْتعذبونَ مناياهُمْ كأنَّهم ... لا يَيْأسونَ من الدُّنيا إذا قُتِلوا
    أُسدُ العرينِ إذا ما الرَّوعُ صبَّحها ... أوْ صبَّحَتْهُ ولكن غابُها الأسلُ
    تناولُ الفَوْتَ أيدي الموتِ قادرةً ... إذا تناولَ سيفاً منهم بطلُ
    قد جاء من وصفك التَّفسيرُ مُعْتذراً ... بالعجزِ إن لم يُغِثْني الله والجُمَلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أبا جعفرٍ إنَّ الجهالة أُمُّها ... وَلودٌ وأمُّ العلمِ جدَّاءُ حائلُ
    أَرَى الحشوَ والدَّهْماءَ أضحوا كأنَّهمْ ... شعوبٌ تلاقَتْ دوننا وقبائلُ
    غَدَوا وكأنَّ الجهلَ يجمعُهمْ بهِ ... أبٌ وذَوو الآدابِ فيهم نوافلُ
    فكنْ هضبةً نأوي إليها وحرَّةً ... يُعرّد عنها الأعْوجيّ المناقلُ
    فإنَّ الفَتَى في كلّ ضربٍ مناسبٌ ... مناسبَ روحانيّةً من يُشاكلُ
    ولن تنظمَ العقد الكعابُ لزينةٍ ... كما تنظمُ الشَّمْلَ الشَّتيتَ الشَّمائلُ
    وأنت شهابٌ في الملمّاتِ ثاقبٌ ... وسيفٌ إذا ما هزَّكَ الحقُّ قاصِلُ
    من البيضِ لم تنضُ الأكفُّ كنصلهِ ... ولا حملَتْ مِثلاً إليه الحمائلُ
    مُورّث نارٍ والإمامُ يشبُّها ... وقائلُ صدقٍ والخليفةُ فاعلُ
    وإنَّك إن صدَّ الزَّمان بوجْههِ ... لطلْقٌ ومن دون الخلافةِ باسلُ
    لئن نَقموا حوشيَّةً فيكَ دونها ... لقد علموا عن أيّ عِلْقٍ تُناضلُ
    هو الشيءُ مولى المرء قرنٌ مُباينٌ ... لهُ وابنه فيه عدوٌّ مقاتلُ
    وخطب جليلٍ دونها قد شغلْتَهُ ... وفي دونه همٌّ لغيركَ شاغلُ
    رددْتَ السَّنا في شمسه بعد كُلْفةٍ ... كأنَّ انتصافَ اليومِ منها أصائلُ
    تَرَى كلَّ نقصٍ تاركَ العِرضِ والتُّقى ... كمالاً إذا المُلك اعتدى وهو كاملُ
    جمعْتَ عُرى أعماله بعد فُرقةٍ ... إليكَ كما ضمَّ الأنابيبَ عاملُ
    فأضحَتْ وقد ضُمَّت إليكَ فلم تزلْ ... تُضمُّ إلى الجيشِ الكثيفِ القنابلُ
    وقال أيضاً، بعد وصف القلم ممّا ثبت في باب الأوصاف:
    أَرَى ابنَ أبي مروانَ أمّا عطاؤهُ ... فَطامٍ وأمّا حكمهُ فهو عادلُ
    هو المرءُ لا الشُّورى استبدَّت برأيه ... ولا قبضَتْ من راحتيْهِ العواذلُ
    تَرَى حبلَهُ عُرْيانَ من كلّ غدرةٍ ... إذا نُصبتْ تحت الحبال الحبائلُ
    فتًى لا يرى أنَّ الفريصةَ مقتلٌ ... ولكن يرى أنَّ العيوبَ مَقاتلُ
    أبا جعفرٍ إنَّ الخليفةَ إن يكنْ ... لِوُرَّادنا بحراً فإنَّك ساحلُ
    تقطّعت الأسبابُ إن لم تُغْرِ لها ... قُوًى ويَصِلْها من يمينكَ واصلُ
    سوى مطلبٍ يُنضى الرَّجاء بطولهِ ... وتُخلقُ إخلاقَ الجُفونِ الوسائلُ
    وقد تألَفُ العينُ الدُّجى وهو ضدُّها ... ويُرْجى شفاءُ السُّمِّ والسُّمُّ قاتلُ
    وإنَّ جزيلاتِ الصَّنائعِ لامرئٍ ... إذا ما اللَّيالي باكرتْهُ معاقلُ
    أكابِرَنا عطفاً عَلَيْنا فإنَّنا ... بنا ظمأُ برْحٌ وأنتمْ مناهلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    بسابغِ معروفِ الأميرِ محمَّدٍ ... حدا هجماتِ المالِ من كان مُصْرما
    وحطَّ النَّدَى في الصَّامتيّين رَحْلهُ ... وكان زماناً في عديِّ بن أخْزما
    لقد أصبح الثّغران سدَّيْنِ بعدما ... رأوا سرعان الذُّلِّ فذّاً وتوءما
    وكنتَ لناشيهمْ أباً ولكَهْلهمْ ... أخاً ولذي التَّقويسِ والكبرةِ ابْنَما
    ومن كان بالبيضِ الكواعب مُغرماً ... فلا زلْتَ بالبيضِ القواضبِ مُغْرَما
    ومن تيَّمتْ سمرُ الحِسانِ وأُدْمُها ... فما زلتَ بالسُّمْرِ العوالي مُتيَّما
    ونعمَ الصَّريخُ المُسْتجاشُ محمدٌ ... إذا حنَّ نوءٌ للمنايا وأرْزما
    أشاحَ بفتيانِ الصَّباحِ فأكرهوا ... صدورَ القنا الخطِّيِّ حتَّى تحطّما
    هو اللَّيثُ ليثُ الغابِ بأساً ونجدةً ... وإن كانَ أحيا منهُ وجْهاً وأكرما
    جديرٌ إذا ما الخطبُ طالَ فلم تُنَلْ ... ذُؤابتهُ أن يجعلَ السَّيْفَ سُلَّما
    كريمٌ إذا زُرْناهُ لم يقتصرْ بنا ... على الكرمِ المولودِ أوْ يتكرَّما
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقد لبسَ الأفْشينُ قَسْطلةَ الوَغَى ... مُشيحاً بنصلِ السَّيفِ غيرَ مواكلِ
    وسارتْ به بينَ القنابلِ والقنا ... عزائمُ كانتْ كالقنا والقنابلِ
    رأى بابك منه الَّتي لا شوى لها ... فتُرجى سوى نزعِ الشَّوى والمفاصلِ
    تراهُ إلى الهيجاءِ أوَّلَ راكبٍ ... وتحت صبيرِ الموتِ أوَّلَ نازلِ
    تسربلَ سِرْبالاً من الصَّبرِ وارْتدى ... عليه بعضبٍ في الكريهةِ قاصلِ
    وقد ظُلِّلَتْ عِقبانُ أعلامهِ ضُحًى ... بعقبانِ طيرٍ في الدِّماءِ نواهلِ
    أقامَتْ مع الرَّايات حتَّى كأنَّها ... من الجيشِ إلاَّ أنَّها لم تُقاتلِ
    وما هو إلاَّ الوحيُ أوْ حدُّ مُرْهفٍ ... تُميلُ ظُباهُ أخْدَعَيْ كلِّ مائلِ
    فهذا دواءُ الدَّاءِ من كلِّ عالمٍ ... وهذا دواءُ الدَّاءِ من كلِّ جاهلِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أيَّامُنا مَصْقولةٌ أطرافُها ... بكَ واللَّيالي كلُّها أسحارُ
    تَنْدى عُفاتُكَ للعُفاةِ وتغتدي ... رُفقاً إلى زوَّاركَ الزُّوَّارُ
    هِمَمي مُعلَّقةٌ عليكَ رقابُها ... مغلولةٌ إنَّ الوفاءَ إسارُ
    والنَّاسُ غيركَ ما تغيَّرُ حُبْوَتي ... لفراقهِمْ هل أنْجدوا أوْ غاروا
    فاسْلم ولا تنفكُّ يخطؤُكَ الرَّدى ... فينا وتسقُطُ دونكَ الأقْدارُ
    وقال مخلّد بن بكّار الموصليّ من قصيدةٍ:
    يطلُعُ النَّجمُ على صَعْدته ... فإذا واجه نحراً أفَلا
    يُعشبُ الصَّلْدُ إذا سالمَهُ ... وإذا حاربَ روضاً أمْحلا
    سُخطُ عبد الله يُدْني الأجلا ... ورضاهُ يتعدَّى الأملا
    ملكٌ لو نُشرَتْ آلاؤهُ ... وأياديهِ على اللَّيل انْجلى
    حطَّ رَحْلي في ذراهُ جودهُ ... وتمشَّى في نَداهُ الخَيْزلى
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لمحمدٍ بيتٌ بناهُ بسيفه ... أطنابُ حُجرتهِ النُّجومُ الكُنَّسُ
    جعلَ السَّبيلَ إلى العلاءِ محمَّدٌ ... بيضاً تسيلُ على ظُباها الأنفُسُ
    تلقى الأمان على حياضِ محمدٍ ... ثوْلاءُ مُخرفةٌ وذئبٌ أطلسُ
    قد شرَّدَ الأعداءَ عن عَرَصاتهِ ... سيفٌ يمجُّ دماً وعزٌّ أقْعسُ
    وإذا تناضلَتِ الملوكُ بفَخْرها ... فسهامُ فخركَ كُلُّهنَّ مُقَرْطسُ
    وإذا صرفْتَ الطّرْفَ في ذي نجوةٍ ... فالموت في قَسماتهِ يُتفرَّسُ
    لا السَّملقُ الفيَّاحُ يمنعُ هارباً ... في البُعدِ منكَ ولا البِناءُ مُترِّسُ
    طهَّرْتُ أشعاري بعرْضكَ بعدما ... كانتْ بأعراضِ اللَّئيمِ تُدنَّسُ
    وقال أبو الشِّيص الخُزاعيّ؛ واسمه محمد بن عبد الله:
    وركائبٍ صرفَتْ إليكَ وجوهها ... نكباتُ دهرٍ للفَتَى عضَّاضِ
    قطعوا إليكَ نياط كلّ تنوفةٍ ... ومهامهٍ مُلْسِ المُتونِ عِراضِ
    أكل الوَجيفُ لحومهم ولُحومها ... فأتوكَ أنْقاضاً على أنقاضِ
    ولقد أتتْكَ على الزَّمان سواخطاً ... فرجعْنَ عنكَ وهنَّ عنهُ رواضِ
    إنَّ الأمانَ من الزَّمانِ وريْبهِ ... يا عُقْبَ شطّا بحركَ الفيَّاضِ
    بحرٌ يلوذُ المُعْتفونَ بنيله ... فَعْمُ الجداولِ مُترعُ الأحواضِ
    ملكٌ يفُكُّ عُرا الأمورِ إذا الْتوتْ ... منهُ برأيٍ مُبرمٍ نقَّاضِ
    لأبي محمدٍ المؤمَّل راحتا ... ملكٍ إلى أعلى العُلا نهَّاضِ
    فيَدٌ تدفَّقُ بالغِنى لصديقهِ ... ويدٌ على الأعداءِ سُمٌّ قاضِ
    وقال محمد بن وهيب الحِمْيَري:
    ثلاثةٌ تُشرق الدُّنيا ببهجتهِمْ ... شمسُ الضُّحَى وأبو إسحاق والقمرُ
    فالشَّمْسُ تحكيهِ في الإشراقِ طالعةً ... إذا تقطَّعَ عن إدراكها البصرُ
    والبدرُ يحكيه في الظَّلماءِ مُنْبلجاً ... إذا اسْتنارتْ لياليهِ به الغُررُ
    يحكي أفاعيلهُ في كلِّ نائبةٍ ... الغيثُ واللَّيثُ والصَّمْصامةُ الذَّكرُ
    فالغيْثُ يحكي ذَرى كفَّيه مُنْهمراً ... إذا استهلَّ بصوبِ الدِّيمةِ المطرُ
    ورُبَّما صالَ أحياناً على حنقٍ ... شبيهَ صولَتهِ الضِّرْغامةُ الهَصِرُ
    والهُنْدوانيُّ يحكي من عزائمهِ ... صريمةَ الرَّأيِ منهُ النَّقْضُ والمِرَرُ
    وأنتَ جامعُ ما فيهنَّ من حسنٍ ... فقد تكاملَ فيكَ النَّفعُ والضَّررُ
    وقال أبو الحسين أحمد بن محمد الكاتب:
    إذا أبو قاسمٍ جادتْ لنا يدهُ ... لم يُحمد الأجْودانِ البحرُ والمطرُ
    وإن أضاءتْ لنا أنوارُ غُرَّتهِ ... تضاءلَ النَّيِّرانِ الشَّمْسُ والقمرُ
    وإن مضى رأيه أوْ حدُّ عَزْمتهِ ... تأخَّرَ الماضيان السَّيْفُ والقدرُ
    من لم يبِتْ حذِراً من خوفِ سطوتهِ ... لم يدرِ ما المُزْعجانِ الخوفُ والحذرُ
    كأنَّه الدَّهْرُ في نُعْمى وفي نِعمٍ ... إذا تعاقبَ منه النَّفْعُ والضَّررُ
    كأنَّهُ وزِمامُ الدَّهْرِ في يدهِ ... يرى عواقبَ ما يأتي وما يذرُ
    ينالُ بالظَّنِّ ما يعي العيانُ به ... والشَّاهدان عليه العينُ والأثرُ
    وقال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتريّ من قصيدة:
    أحيى الخليفةُ جعفرٌ بفعالهِ ... أفعالَ آباءٍ لهُ وجُدودِ
    ولهُ وراءَ المُذنبينَ ودونهُمْ ... عفوٌ كظلِّ المُزنةِ الممدودِ
    وأناةُ مُقتدرٍ تُكَفْكفُ بأسهُ ... وقفاتُ حلمٍ عندهُ موجودِ
    أمْسَكْنَ من رمقِ الجريحِ ورُمْنَ أن ... يُحْيينَ من نفسِ القتيل المودي
    حاطَ الرَّعيَّة حينَ ناط أُمورها ... بثلاثةِ بَكروا وُلاة عُهودِ
    لن يجهلَ السَّاري المحجَّةَ بعدما ... رُفعتْ لنا منهم بدورُ سعودِ
    نعتدُّ عزَّكَ عِزَّ آلِ محمدٍ ... ونرى بقاءكَ من بقاءِ الجودِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    اليومَ أُطلعَ للخلافةِ سعدُها ... وأضاء فيها بدْرُها المُتهلِّلُ
    لبسَتْ جلالةَ جعفرٍ فكأنَّها ... سحَرٌ تجلَّلهُ النَّهارُ المُقبلُ
    جاءتْهُ طائعةً ولم يُهْزز لها ... رُمحٌ ولم يًشهر عَلَيْها مُنصلُ
    أوما تَرَى حُسنَ الزَّمان وما بدا ... وأعادَ في أيَّامه المُتوكِّلُ
    أشرقْنَ حتَّى كادَ يُقْتبسُ الدُّجَى ... ورطُبْنَ حتَّى كادَ يجري الجندَلُ
    ملكٌ أذلَّ المعتدين بوطأةٍ ... ترسو على كبدِ الزَّمان وتثْقُلُ
    نفسٌ مُشيَّعةٌ ورأيٌ مُحصدٌ ... ويدٌ مؤيَّدةٌ وقولٌ فيصلُ
    ولهُ وإن غدَتِ البلادُ عريضةً ... طرفٌ بأطرافِ البلادِ موكَّلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لولا عليّ بنُ مُرٍّ لاسْتمرَّ بنا ... خِلفٌ من العيشِ فيه الصَّابُ والصَّبرُ
    ألحَّ جوداً ولم تَضْرر سحابَتهُ ... ورُبَّما ضرَّ في إلحاحهِ المطرُ
    لا يُتْعبُ النَّائلُ المَبْذولُ همَّتَهُ ... وكيفَ يُتعبُ عينَ النّاظرِ النّظرُ
    مواهبٌ ما تجشَّمْنا السُّؤالَ لها ... إنَّ الغمامَ قليبٌ ليسَ يُحْتفرُ
    ما زالَ يسبقُ حتَّى قالَ حاسدهُ ... له طريقٌ إلى العلياءِ مُخْتصرُ
    إذا ارْتقى في أعالي الرَّأي لاحَ له ... ما في الغُيوبِ الَّتي تخفى وتستترُ
    مُجرِّبٌ طالما أشجَتْ عزائمهُ ... ذوي الحجا وهو غِرٌّ بينهم غُمرُ
    ألْوى إذا شابكَ الأعداءَ كدَّهمُ ... حتَّى يروحَ وفي أظفارهِ الظَّفرُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    خلافةُ جعفرٍ أمْنٌ وفضلٌ ... وعدلٌ لم يزلْ يَسَعُ الأناما
    غريبُ المكرماتِ تَرَى لديهِ ... رقابَ المالِ تُهتضمُ اهْتضاما
    إذا وهبَ البُدورَ رأيتَ وجهاً ... يُخالُ لحُسنه البدرَ التَّماما
    غنيٌّ أن يُفاخرَ أوْ يُسامي ... جليلٌ أن يُفاخَرَ أوْ يُسامى
    غمرْتَ النَّاسَ إفضالاً وفضلاً ... وإنعاماً مُمِرّاً وانتقاما
    مكارم قد وزنَتْ بها ثبيراً ... فلم يرجُح وطُلتَ بها شِماما
    فلو جُمعَ الأئمّةُ في مكانٍ ... تكونُ به لكنتَ لهمْ إماما
    ومنها يصف مبانيه:
    أَرَى المُتوكِّليَّةَ قد تعالَتْ ... محاسنُها وأكملت التَّماما
    قُصورٌ كالكواكبِ لامعاتٌ ... يكدْنَ يُضئْنَ للسَّاري الظَّلاما
    وبرٌّ مثلُ وشيِ البُرْدِ فيه ... جنى الحَوْذانِ يُنشرُ والخُزامى
    غرائبُ من فُنون النَّبتِ فيها ... جنى الزَّهرِ الفُرادى والتُّؤامى
    تُضاحكُها الضُّحَى طوراً وطوراً ... عَلَيْها الغيثُ ينسجمُ انْسجاما
    ولو لم يستهلّ لها غمامٌ ... بريِّقهِ لكنتَ لها غَماما
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    قد قلتُ للغيث الرُّكامِ ولجَّ في ... إبْراقهِ وألحَّ في إرْعادهِ
    لا تعرضَنَّ لجعفرٍ مُتَشبِّهاً ... بندى يديْهِ فلسْتَ من أندادهِ
    اللهُ شرَّفهُ وأعلى ذِكرهُ ... ورآهُ غيثَ بلادهِ وعبادهِ
    يزدادُ إبقاءً على أعدائهِ ... أبداً وإفضالاً على حسَّادهِ
    أمرَ العطاءَ ففاضَ من جمّاتهِ ... ونهى الصَّفيحَ فقرَّ في أغمادهِ
    يا كالئَ الإسلامِ بعدَ نِفارهِ ... ومُقيمَ نَهْجيْ حجِّهِ وجِهادهِ
    تهْنيكَ في المعتزّ بُشرى بيَّنتْ ... فينا فضيلةَ هَدْيهِ ورشادهِ
    قد أدركَ الحُلمَ الَّذي أبْدى لنا ... عن حِلمه ووقارهِ وسدادهِ
    ومباركٌ ميلادُ مُلْككَ مُخْبراً ... لقريبِ عهدٍ كان من ميلادهِ
    تمَّتْ لكَ النَّعْماءُ فيه مُمتَّعاً ... بعُلوّ همَّتِه وورْي زنادهِ
    وبقيتَ حتَّى يُستضاءَ برأيهِ ... وتَرَى الكُهولَ الشِّيبَ من أولادهِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ورمَتْ بنا سمْتَ العراقِ أيانقٌ ... سُحْمُ الخدودِ لُغامهنَّ الطُّحْلبُ
    يحملْنَ كلَّ مُتوَّجٍ في همَّةٍ ... سَعةٍ يضيق بها الفضاء السبسبُ
    ركبوا الفراتَ إلى الفراتِ وأمَّلوا ... نشوانَ يُبْدعُ في السَّماحِ ويُغْربُ
    في غايةٍ طُلبتْ فقصَّر دونها ... من رامها فكأنَّها ما تُطْلبُ
    كرمٌ يُرجّى منهُ ما لا يُرْتجى ... عُظْماً ويوهبُ منهُ ما لا يوهبُ
    يتسرَّعونَ إلى الحُتوفِ كأنَّها ... وفْرٌ بأرضِ عدوِّهِمْ يُتنهَّبُ
    ما إن تَرَى إلاَّ توقُّدَ كوكبٍ ... في قونسٍ قد غارَ فيه كوكبُ
    فمجدَّلٌ ومُرَمَّلٌ وموسَّدٌ ... ومضرَّجٌ ومضمَّخٌ ومخضَّبُ
    سُلِبوا وأشرقت الدِّماءُ عليهمُ ... مُحمَرَّةً فكأنَّهم لم يُسْلبوا
    ولوَ انَّهمْ ركبوا الكواكبَ لم يكنْ ... لِمُجدِّهِمْ عن حدّ بأسكَ مهرَبُ
    ما جُهِّزت راياتُكم لِمُخالفٍ ... إلاَّ تهدّمَ كهْفُهُ المُستصعَبُ
    وإذا توثَّبَ خالعٌ في جانبٍ ... ظلَّتْ سيوفُكم عليه توثَّبُ
    وإذا تأمَّلْتُ الزَّمان رأيتُه ... دُوَلاً على أيديكُم تتقلَّبُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقد حمل المعتزُّ أُمَّةَ أحمدٍ ... على سَننٍ يهدي إلى الحقِّ لاحِبُهْ
    تدارك دينَ الله من بعد ما عفَتْ ... معالمُه فينا وغارَتْ كواكبُهْ
    وضمَّ شعاعَ المُلكِ حتَّى تجمَّعتْ ... مشارقهُ موفورةً ومغاربُهْ
    مُدبِّرُ دُنيا أمسكتْ يقظاته ... بآفاقِها القُصْوى وما طرَّ شاربُهْ
    تغمَّد بالصّفح الذُّنوبَ وأسْجحتْ ... سجاياهُ في أعدائهِ وضرائبُهْ
    نضا السَّيف حتَّى انقادَ من كان آبياً ... فلمّا استقرّ الملكُ شيمتْ مضاربُهْ
    وما زال مصْبوباً على من يُطيعهُ ... بفضلٍ ومنصوراً على من يحاربُهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    هل الفتحُ إلاَّ البدرُ في الأُفقِ المُضْحي ... تجلَّى فأجْلى الليلَ جِنحاً على جنحِ
    أو الضَّيغمُ الضِّرغامُ يحمي عرينَهُ ... أو الوابلُ الدَّاني من الدِّيمةِ السّحِّ
    وأشرَقَ عن بشرٍ هو النُّورُ في الضُّحَى ... وصافى بأخلاقٍ هي الطّلُّ في الصُّبحِ
    وما أُقفلتْ عنَّا جوانبُ مطلبٍ ... نحاولُهُ إلاَّ فتحناهُ بالفتحِ
    فتًى ينطوي الحسَّادُ من مكرماتِهِ ... ومن مجدِهِ الأوْفى على كَمَدٍ برحِ
    يجدُّ فتنقادُ الأُمورُ لجدِّهِ ... وإنْ راحَ طلقاً في الفكاهةِ والمزحِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    يعشَى على المجدِ الغبيِّ ولنْ تَرَى ... في سؤددٍ أرَباً لغيرِ أريبِ
    لا تغلُ في جودِ الرِّجالِ فإنَّني ... لم أرضَ جوداً غير جُودِ أديبِ
    والأرضُ تخرجُ في الوهادِ وفي الرُّبا ... عمم النَّباتِ وكلُّ ذلكَ مُوبِ
    وإذا أبو الفضلِ استعارَ سجيَّةً ... في المكرُماتِ فمن أبي يَعقوبِ
    لا يحتذي خُلُقَ القصيِّ ولا يُرى ... متشبّهاً في سؤددٍ بغريبِ
    شرفٌ تتابعَ كابراً عن كابرٍ ... كالرُّمحِ أُنبوباً على أُنبوبِ
    وأرى النّجابةَ لا يكونُ تمامُها ... لنجيبِ قومٍ ليسَ بابنِ نجيبِ
    قمرٌ من الفتيانِ أبيضُ صادعٌ ... لدُجى الزَّمَانِ الفاحمِ الغربيبِ
    وإذا اجْتداهُ المجتدونَ فإنَّه ... يهبُ العُلا في نيلِهِ الموهوبِ
    دانٍ علَى أيدي العُفاة وشاسعٌ ... عن كلِّ ندٍّ في العُلا وضريبِ
    كالبدرِ أفرَطَ في العُلوِّ وضوؤهُ ... للعُصبةِ السَّارينَ جِدُّ قريبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أقولُ لركبٍ مُعتفين تَدَرَّعوا ... على عجلٍ قطعاً من الليلِ غَيْهَبَا
    رِدُوا نائلَ الفتحِ بنِ خاقانَ إنَّه ... أعمُّ ندًى فيكمْ وأقربُ مطلَبَا
    هو العارضُ الثجّاجُ أخضلَ جودهُ ... وطارتْ حواشي برقهِ فتلهّبا
    إذا ما تلظَّى في وغًى أصعقَ العِدا ... وإنْ فاضَ في أكرومةٍ غمرَ الرُّبا
    رزينٌ إذا ما القومُ خفّتْ حلومهمُ ... وقورٌ إذا ما حادثُ الدَّهْرِ أجلَبَا
    فتًى لم يضيِّعْ وجهَ حزمٍ ولم يبتْ ... يلاحظُ أعجازَ الأمورِ تعقُّبا
    وما نقمَ الحسَّادُ إلاَّ أصالةً ... لديكَ وفعلاً أريحيّاً مهذَّبا
    وقد جرَّبوا بالأمسِ منكَ عزيمةً ... فضلْتَ بها السَّيْفَ الحُسام المُجرَّبا
    غداةَ لقيتَ اللَّيثَ والليثُ مُخْدِرٌ ... يُحدِّدُ ناباً للِّقاء ومِخْلَبا
    شهدتُ لقد أنصفتَهُ يومَ تنبَري ... لهُ مُصلتاً عضْباً من البِيضِ مِقضَبَا
    فلم أرَ ضِرغامين أصدَقَ منكُما ... عِراكاً إذا الهيّابةُ النكس كذَّبا
    هزبرٌ مَشَى يبغي هزبراً وأغلبٌ ... من القومِ يغشَى باسلَ الوجه أغلبا
    أدلّ بشغبٍ ثمَّ هالَتْهُ صوْلةٌ ... رآكَ لها أمْضى جَناباً وأشغَبَا
    فأحْجَم لمَّا لم يجدْ فيكَ مطمَعاً ... وأقدمَ لمَّا لم يجدْ عنكَ مَنْكَبَا
    حملتَ عليه السَّيف لا عزمُك انثنى ... ولا يدُك ارتدَّتْ ولا حدَّه نبا
    ألنتَ ليَ الأيَّامَ من بعدِ قسوةٍ ... وعاتبتَ لي دهري المسيءَ فأعتبا
    وألبستني النُّعمى الَّتي غيَّرت أخي ... عليَّ فأمسى نازحَ الودِّ أجنبا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فدتكَ أكفُّ قومٍ ما استطاعُوا ... مساعيكَ الَّتي لا تُستطاعُ
    علوتهمْ بجمعكَ ما أشَتُّوا ... من العليا وحفظكَ ما أضاعُوا
    ففعلكَ إن سُئلتَ لنا مطيعٌ ... وقولكَ إنْ سألتَ لنا مطاعُ
    وهبتَ لنا العنايَةَ بعدَما قدْ ... نَرَاها عندَ أقوامٍ تُباعُ
    مكارم منكَ إن دلفت إلينا ... صروفُ الدَّهر فهي لنا قِلاعُ
    خلالُ النُّبلِ في أهلِ المعالي ... مفرَّقةٌ وأنتَ لها جَماعُ
    دنوتَ تواضعاً وبعُدتَ قدراً ... فشأناكَ انحدارٌ وارتفاعُ
    كذاكَ الشَّمْسُ تبعُدُ أن تُسامى ... ويدنو الضَّوءُ منها والشُّعاعُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لا أدَّعي لأبي العلاءِ فضيلةً ... حتَّى يسلِّمها إليهِ عِداهُ
    طمحتْ عيونُ الكاشحينَ فغضَّها ... شرفٌ بناهُ اللهُ حيثُ بناهُ
    لا عذرَ للشَّجرِ الَّذي طابت لهُ ... أعراقهُ ألاّ يَطيبَ جناهُ
    لا أرتضي دُنيا الشَّريفِ ودينَهُ ... حتَّى يزيّنَ دينُهُ دُنياهُ
    ليسَ التفرُّد بالسِّيادةِ عندهم ... أنْ يوجدَ الضُّرَباءُ والأشباهُ
    سمَّتهُ أُسرتُهُ العلاءَ وإنَّما ... قصدُوا بذلك أن يتمَّ عُلاهُ
    ما الطَّرفُ ترجعُهُ بأقصَرَ من مَدى ... أُكرومةٍ طالتْ إليهِ خطاهُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنَّ الرَّعيَّةَ لم تزلْ في سيرةٍ ... عُمَريَّةٍ مذْ ساسَهَا المتوكِّلُ
    اللهُ آثرَ بالخلافةِ جعفراً ... ورآهُ ناصرَهَا الَّذي لا يُخذلُ
    هي أفضلُ الرُّتبِ الَّتي جُعلتْ لهُ ... دونَ البريَّةِ وما هو منها أفضلُ
    ملكٌ إذا عاذَ المُسيءُ بعفوِهِ ... غفرَ الإساءَةَ قادرٌ لا يعجَلُ
    وعَفَا كما سفَحَ السَّحابُ ورغدُهُ ... قصِفٌ وبارقُهُ حريقٌ مُشعلُ
    لا يعدِمَنْكَ المُسلمونَ فإنَّهمْ ... في ظلِّ ملككَ أدركُوا ما أمَّلوا
    حصَّنتَ بيضَتَهم وحُطتَ حريمهمْ ... وحملتَ من أعبائهمْ ما اسْتَثْقلوا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقد قُلتُ للمُعلي إلى المجدِ طرفَهُ ... دعِ المجدَ فالفتحُ بنُ خاقانَ شاغلُهْ
    رمى كلَبَ الأعداءِ عن حدِّ نجدةٍ ... بها قطعت تحتَ العجاجِ مناصلهْ
    وما السَّيْفُ إلاَّ بَزُّ غادٍ لِزِينةٍ ... إذا لم يكنْ أمْضى من السَّيْفِ حاملهْ
    فأفضيتُ من قربٍ إلى ذي مهابةٍ ... أُقابلُ بدرَ التِّمِّ حينَ أُقابلهْ
    إلى مسرفٍ في الجودِ لو أنَّ حاتماً ... لديهِ لأمسَى حاتمٌ وهو عاذلهْ
    بَدَا ليَ محمود السَّجيَّةِ شُمِّرتْ ... سرابيلُهُ عنهُ وطالتْ حمائلهْ
    كما انتصبَ الرُّمحُ الرُّدينيُّ ثُقِّفتْ ... أنابيبهُ للطَّعنِ واهتزَّ عاملهْ
    وكالبدرِ وافتهُ لِتِمٍّ سعودُهُ ... فتمَّ سناهُ واستقلَّتْ منازلهْ
    فسلَّمتُ واعتاقتْ جَنانيَ هيبةٌ ... تُنازعُني القولَ الَّذي أنا قائلهْ
    فلمَّا تأمَّلتُ الطَّلاقَةَ وانثنَى ... إليَّ ببشرٍ آنستْني مخايلهْ
    صفتْ مثلَما تصفُو المُدامُ خِلالهُ ... ورقَّتْ كما رقَّ النَّسيمُ شمائلهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولقد سريتُ معَ الكواكبِ راكباً ... أعجازَهَا بعزيمةٍ كالكوكبِ
    والليلُ في لونِ الغرابِ كأنَّهُ ... هوَ في حُلوكتِهِ وإن لم يَنعبِ
    حتَّى تجلَّى الصُّبحُ عن جَنَباتِهِ ... كالماءِ يلمَعُ مِنْ خلالِ الطُّحلبِ
    والعيسُ تنصُلُ من دُجاهُ كما انجلَى ... صِبغُ الخِضابِ عن القَذالِ الأشيبِ
    يطلُبنَ مُجتمع العُلى مِن وائلٍ ... في ذلكَ الأصلِ الزَّكيِّ الأطيبِ
    وبقيَّةَ العُربِ الَّذي شهدتْ لهُ ... أبناءُ أُدٍّ في الفخارِ ويعربِ
    مَلِك لهُ في كلِّ يومِ كريهةٍ ... إقدامُ عزٍّ واعتزامُ مُجرّبِ
    وتراهُ في ظُلمِ الوَغَى فتخالُه ... قمراً يشُدّ علَى الكُماةِ بكوكبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    للصَّامتيِّ أبي سعيدٍ عزمةٌ ... تُبدي لها نوبُ الزَّمَانِ خُضُوعا
    متيقِّظُ العَزَماتِ أصبَحَ للعِدا ... حتفاً يبيدُ وللعُفاةِ رَبيعا
    تلقاهُ يقطُرُ سيفهُ وسنانُهُ ... وبنانُ راحتِهِ ندًى ونَجيعا
    متنصِّتاً لصدَى الصَّريخِ إلى الوَغَى ... ليجيبَ صوتَ الصَّارخِ المسمُوعا
    للهِ درُّك يومَ بابَكَ فارساً ... بطلاً لأبوابِ الحُتوفِ قَرُوعا
    لمَّا أتاكَ يقودُ جيشاً أرعناً ... يُمشى عليه كثافةٌ وجُمُوعا
    وزَّعتَهمْ بينَ الأسنَّةِ والظُّبا ... حتَّى أبدتَ جموعهمْ توزيعا
    في معركٍ ضنكٍ تخالُ بهِ القَنَا ... بينَ الضُّلوعِ إذا انحَنَيْنَ ضُلُوعا
    ما إنْ تَنِي فيهِ الجماجمُ والطُّلى ... لظُبَا الفوارِسِ سجَّداً ورُكُوعا
    لمَّا رأوْكَ تبدَّدتْ آراؤهمْ ... وَغَدا مُصارعُ مجدهمْ مصرُوعا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أسقَى محلّتكَ الغمامُ ولا يزلْ ... روضٌ بها خضِلٌ ونَوْرٌ جاسِدُ
    ولقدْ عهدتُ العيشَ في أفيائها ... فَينانَ يحمَدُ مُجتناهُ الرَّائدُ
    هل يشكرُ الحسَنَ بنَ مخلَدٍ الَّذي ... أولاهُ محمودُ الثَّناءِ الخالِدِ
    بلغتْ يداهُ إلى الَّتي لم أحتسبْ ... وثَنى لأُخرى فهو بادٍ عائدُ
    هو واحدٌ في المكرماتِ وإنَّما ... يكفيكَ عاديَةَ الزَّمَانِ الواحدُ
    غنيتْ بسؤددِهِ مَزاربُ فارسٍ ... هذا لهُ عمٌّ وهذا والدُ
    وزَرُ الخلافةِ حينَ يُعضلُ حادثٌ ... وشهابُها في المُظلماتِ الواقدُ
    المَذهَبُ الأَمَمُ الَّذي عُرفتْ لهُ ... فيهِ الفضيلَةُ والطَّريقُ القاصدُ
    وليَ الأُمورَ بنفسِهِ ومحلُّها ... متقاربٌ ومرامُها مُتباعدُ
    إنْ غارَ فهوَ منَ النَّباهةِ مُنجدٌ ... أو غابَ فهوَ منَ المهابةِ شاهدُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وَهَب ابنُ وَهْب وفرَهُ حتَّى لقد ... أوْفى على شرقِ الثَّناءِ وغربِهِ
    وإذا استهلَّ أبو عليٍّ للنَّدى ... جاءَ الغمامُ المُستهلُّ بسكبِهِ
    وإذا احْتَبَى في عقدةٍ من حلمِهِ ... يوماً رأيتَ مُتالعاً في هضبِهِ
    وإذا تألَّقَ في النَّديِّ كلامَهُ ال ... مصقولُ خِلتَ لسانَهُ في عضْبِهِ
    وإذا دجتْ أقلامُهُ ثمَّ انتحتْ ... بَرَقتْ مصابيحُ الدُّجى في كتبهِ
    باللَّفظِ يقرُبُ فهمُهُ في بعدِهِ ... منَّا ويبعدُ نيلهُ في قربهِ
    حِكَمٌ فَسَائحُها خلالَ بنانِهِ ... متدفِّقٌ وقليبُها في قلبِهِ
    كالرَّوضِ مُؤتلِقاً بحمرةِ نَوْرِهِ ... وبياضِ زهرتِهِ وخضرةِ عُشبِهِ
    وكأنَّها والسّمعُ معقودٌ بها ... شخصُ الحبيبِ بَدَا لعينِ محبّهِ
    كاثرتُهُ فإذا المروءَةُ عندَهُ ... تُعدي المُفاوِضَ من أقاصي صحبِهِ
    ووجدتُ في نفسي مخايلَ سؤددٍ ... إذْ كنت يوماً واحداً من شَربِهِ
    فصبغتُ أخلاقي برونقِ خُلقِهِ ... حتَّى عدلتُ أُجاجهنَّ بعذبِهِ
    كم آمرٍ ألاّ تجودَ وعاتبٍ ... في أنْ تجودَ أبتّه في عَتبِهِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    اللهُ مكَّنَ للخليفةِ جعفرٍ ... ملْكاً يحسِّنُهُ الخليفَةُ جعفرُ
    عمَّتْ فواضلكَ البريَّةَ فالتقَى ... فيها المقلُّ على الغِنَى والمكثرُ
    بالبرِّ صُمتَ وأنتَ أفضَلُ صائمٍ ... وبسنَّةِ اللهِ الرَّضيَّةِ تفطرُ
    فانعمْ بيومِ الفطرِ عيناً إنَّه ... يومٌ أغرُّ منَ الزَّمَانِ مشهَّرُ
    أظهرتَ عزَّ الملكِ فيه بجحفلٍ ... لجِبٍ يحاطُ الدِّينُ فيهِ وينصَرُ
    خِلنا الجبالَ تسيرُ فيهِ وقد غدتْ ... عدداً يسيرُ بها العديدُ الأكثَرُ
    فالخيلُ تصهَلُ والفوارسُ تدَّعي ... والبِيضُ تلمَعُ والأسنَّةُ تزهَرُ
    والأرضُ خاشعةٌ تميلُ بثقلِها ... والجوُّ معتكرُ الجوانبِ أغبَرُ
    حتَّى انتهيتَ إلى المُصلَّى لابساً ... ثوبَ الهُدى يبدُو عليكَ ويظهَرُ
    ومشيتَ مِشيةَ خاشعٍ متواضعٍ ... للهِ لا تزْهى ولا تتكبَّرُ
    فلَوَ أنَّ مُشتاقاً تكلَّفَ فوقَ ما ... في وسعِهِ لسَعَى إليكَ المنبَرُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا استصعَبَتْ مقادَةُ أمرٍ ... سهَّلتْها أيدي المَهارى القُودِ
    حاملاتٍ وفدَ الثَّناءِ إلى أب ... لَج صبٍّ إلى ثناءِ الوُفُودِ
    صارِم العزمِ حاضِرَ الحزمِ سارِي ال ... فِكْرِ ثبتَ المقامِ صلْبَ العودِ
    وجَّهَ الحقَّ بينَ أخذٍ وإعطا ... ءٍ وقصدٍ في الجمعِ والتَّبديدِ
    واستوى النَّاسُ فالقريبُ قريبٌ ... عندَهُ والبعيدُ غيرُ بعيدِ
    لا يميلُ الهَوَى بهِ حينَ يُمضي ال ... أمرَ بين المُقليِّ والمودودِ
    يا بنَ عبد المَليك ملَّكك الحمْ ... دَ وقوفٌ بين النَّدَى والجودِ
    ما فقدْنا الإعدامَ حتَّى مددْنا ... أمَلاً نحوَ سَيبكَ الممدودِ
    سؤددٌ يُصطفى ونيلٌ يُرجَّى ... وثناءٌ يَحيى ومالٌ يُودي
    لتَفَنَّنتْ في الكتابةِ حتَّى ... عطَّلَ النَّاسُ فنَّ عبدِ الحميدِ
    في نظامٍ من البلاغةِ ما شكَّ ... امرؤٌ أنَّهُ نِظامُ فريدِ
    مشرقٌ في جوانبِ السَّمعِ ما يُخْ ... لِقُهُ عَوْدهُ علَى المُستعيدِ
    ومعانٍ لو فصَّلتها القوافي ... هجَّنتْ شعرَ جَرْوَلٍ ولبيدِ
    حُزنَ مُستعملَ الكلام اختياراً ... وتجنَّبنَ ظُلمةَ التَّعقيدِ
    وركبْنَ اللَّفظَ القريبَ فأدركْ ... نَ بهِ غايةَ المُرادِ البعيدِ
    قد تلقَّيتَ كلَّ يومٍ جديدٍ ... يا أبا جعفرٍ بمجدٍ جديدِ
    وأَرَى الخلقَ مُجمعينَ علَى فَضْ ... لِكَ مِنْ بينِ سيِّدٍ ومَسودِ
    عرفَ العالمونَ فضلكَ بالعلْ ... مِ وقالَ الجُهَّال بالتَّقليدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    بَني أحوذيٍّ يغمُرُ السَّيْفَ مُوفياً ... ببسطتِهِ والسَّيْفُ وافي الحمائِلِ
    تضيقُ الدُّروعِ التُّبَّعياتُ منهُمُ ... على كلِّ رحبِ الباعِ سبطِ الأناملِ
    عراعرُ قومٍ يسكُنُ الثَّغرُ إنْ مَشَوا ... على أرضهِ والثَّغرُ جمُّ الزَّلازِلِ
    فكم فيهُمُ من مُنعمٍ مُتطوِّلٍ ... بآلائِهِ أو مُشرفٍ متطاوِلِ
    إذا سُئلوا جاءتْ سيوبُ أكفّهمْ ... نظائرَ جمَّاتِ التِّلاعِ السَّوائِلِ
    خَليقونَ سَرْواً أنْ تُلينَ أكفُّهمْ ... عرائكَ أحداثِ الزَّمَانِ الجلائِلِ
    وما زالَ لحظُ الرَّاغبينَ معلَّقاً ... إلى قمرٍ منهمْ رفيعِ المنازِلِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    قلْ للخلفةِ جعفرِ ال ... متوكّلِ بنِ المعتصِمْ
    المُرتَضَى بن المُجتَبَى ... والمُنعمِ بنِ المنتقِمْ
    أمَّا الرَّعيَّةُ فهي مِنْ ... أَمَناتِ عدلكَ في حَرَمْ
    نعمٌ عَلَيْنا في بَقَا ... ئكَ فلتُتِمّ لنا النِّعمْ
    ملكٌ غَدَا وجبينُهُ ... شمسُ الضُّحَى بدرُ الظُّلَمْ
    لقد اصطَفَى ربُّ السَّما ... ءِ لهُ الخَلائق والشِّيَمْ
    يا بانيَ المجدِ الَّذي ... قد كانَ قُوِّضَ فانهَدَمْ
    نِلنا الهُدى بعدَ العَمى ... بكَ والغِنَى بعدَ العَدَمْ
    فاسلمْ لدينِ محمَّدٍ ... فإذا سلمتَ فقدْ سَلِمْ
    وقال عليّ بن العبَّاس الرُّوميّ من قصيدةٍ:
    قالوا أبو الصَّقرِ من شَيبانَ قلتُ لهمْ ... كلاَّ لَعَمْرِي ولكنْ منهُ شَيبانُ
    وكمْ أبٍ قد عَلا بابنِ ذُرَا شرفٍ ... كما عَلا برسولِ الله عدنانُ
    تسمُو الرِّجالُ بآباءٍ وآونةً ... تسمُو الرِّجالُ بأبناءٍ وتزدانُ
    ولم أُقصِّرْ بشيبانَ الَّتي بلغتْ ... بها المبالغُ أعراقٌ وأغصانُ
    للهِ شيبانُ قومٌ لا يشوبهُمُ ... روعٌ إذا الرَّوعُ شابتْ منهُ وِلدانُ
    قومٌ سماحتَهُم غيثٌ ونجدَتُهم ... غوثٌ وآراؤهمْ في الخطبِ شُهبانُ
    تلقاهُم ورماحُ الخطِّ حولهُمُ ... كالأُسدِ ألبَسَها الآجامَ خفَّانُ
    صانوا النُّفوسَ عن الفحشاءِ وابتَذَلوا ... منهنَّ في سبلِ العلياءِ ما صانُوا
    المنعمونَ وما منُّوا على أحدٍ ... يوماً بنُعمى ولو منُّوا لَمَا مانُوا
    يفديهِ مَنْ فيهِ عن مقدارِ فديتِهِ ... عندَ المُفاداةِ تقصيرٌ ونُقصانُ
    قومٌ كأنَّهم موتى إذا مُدحوا ... وما كُسُوا من حَبيرِ الشِّعرِ أكفانُ
    صاحِي الطِّباعِ إذا ساءلتَ هاجسَهُ ... وإنْ سألتَ يديهِ فهوَ نشوانُ
    يُصحيهِ ذهنٌ ويأبى صحوَهُ كرمٌ ... مُستحكمٌ فهو صاحٍ وهو سكراُنُ
    فردٌ جميعٌ يراهُ كلُّ ذي بصرٍ ... كأنَّهُ النَّاسُ طرّاً وهو إنسانُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    في وجهِهِ روضةٌ للحُسنِ مُونقةٌ ... ما رادَ في مثلِها طرفٌ ولا سَرَحَا
    طلُّ الحياءِ عَلَيْها ساقطٌ أبداً ... كاللّؤلؤِ الرَّطبِ لو رقرقتَهُ سَفَحا
    أنا الزَّعيمُ لمكحولٍ بغرَّتِهِ ... ألاَّ يَرَى بعدَهَا بؤساً ولا تَرَحا
    مهما أتى النَّاسُ من طَوْلٍ ومن كرمٍ ... فإنَّما دخَلُوا البابَ الَّذي فَتَحا
    يُعطي المزاحَ ويُعطي الجدّ حقَّهما ... فالموتُ إن جدَّ والمعروفُ إن مَزَحا
    وافى عُطاردَ والمِرّيخَ مولدُهُ ... فأعطَيَاهُ من الحظَّينِ ما اقْتَرَحا
    إن قالَ لا قالَهَا للآمِرِيه بها ... ولم يقلْها لمنْ يَستمنحُ المِنَحَا
    في كفِّه قلمٌ ناهيكَ مِن قلمٍ ... نُبلاً وناهيكَ من كفٍّ بها اتَّشحا
    يمحُو ويُثبتُ أرزاقَ العبادِ بِهِ ... فما المقاديرُ إلاَّ ما مَحَا ووحَى
    كأنَّما القلمُ العُلويُّ في يدِهِ ... يُجريهِ في أيِّ أنحاءِ البلادِ نَحَا
    أُثني عليكَ بنُعماكَ الَّتي عظمتْ ... وقدْ وجدتُ لها في القولِ مُنْفَسَحا
    أمطرْ نداكَ جَنَابي يكسُهُ زَهَراً ... أنتَ المُحيَّا بريَّاهُ إذا نَفَحا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أبا أحمدٍ أبليتَ أُمَّة أحمدٍ ... بلاءً سيرضاهُ ابنُ عمِّكَ أحمدُ
    حصرتَ عميدَ الزّنجِ حتَّى تخاذلتْ ... قواهُ وأوْدى زادُهُ المتزوَّدُ
    فظلَّ ولمْ تقتلهُ يلفظُ نفسَهُ ... وظلَّ ولم تأسرهُ وهو مقيَّدُ
    وكانتْ نواحيهِ كِثافاً فلمْ تزلْ ... تَحَيَّفها نحتاً كأنَّكَ مِبرَدُ
    تفرِّقُ عنهُ بالمكايِدِ جندَهُ ... وتزدادُهُمْ جنداً ورأيكَ مُحصدُ
    ولابسُ سيف القِرنِ بعدَ استلابِهِ ... أضرُّ لهُ منْ كاسِرِيهِ وأكيَدُ
    فما رمتَهُ حتَّى استقلَّ برأسِهِ ... مكانَ قناةِ الظَّهرِ أسمَرُ أجرَدُ
    ولمْ تألُ إنذاراً لهُ غيرَ أنَّه ... رأى أنَّ متنَ البحرِ صرحٌ ممرَّدُ
    يُقرَّظ إلاَّ أنَّ ما قيلَ دونَهُ ... ويوصَفُ إلاَّ انه لا يحدَّدُ
    أرقُّ من الماءِ الَّذي في حسامِهِ ... طباعاً وأمْضى من شباهُ وأنجَدُ
    لهُ سَورةٌ مُكتنَّةٌ في سَكينةٍ ... كما اكتنَّ في الغمدِ الجُرازُ المهنَّدُ
    كأنَّ أباهُ حينَ سمَّاهُ صاعداً ... رأى كيفَ يرقَى للمَعَالي ويصعَدُ
    تراهُ عن الحربِ العَوَانِ بمعزلٍ ... وآثارهُ فيها وإنْ غابَ شُهَّدُ
    كما احتجَبَ المقدرُ والحكمُ حكمُهُ ... على الخلقِ طرّاً ليسَ عنهُ معرَّدُ
    فتًى روحُهُ ضوءٌ بسيطٌ كيانُهُ ... ومسكَنُ تلكَ الرُّوحِ عنهُ مجسَّدُ
    أَرَى مَن تَعَاطى ما بلغتُم كرائمٍ ... مَنَالَ الثُّريَّا وهو أكمَهُ مقعَدُ
    كرمتُمْ فجاشَ المُعجمونَ بمدحكمْ ... إذا رجَزُوا فيكمْ أنلتُمْ فقصَّدوا
    كما أزهرتْ جنَّاتُ عدنٍ وأثمرتْ ... فأضحتْ وعجمُ الطَّيرِ فيها تغرِّدُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تغنَوْنَ عن كلِّ تقريظٍ بسرْوِكُمُ ... غنى الظِّباء عن التَّكحيلِ بالكحلِ
    تلوحُ في دولِ الأيَّامِ دولتكمْ ... كأنَّها ملَّةُ الإسلامِ في المللِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    مقبَّلُ ظهرِ الكفِّ وهَّابُ بطنِها ... لهُ راحةٌ فيها الحطيمُ وزمزمُ
    فظاهرُها للنَّاسِ ركنٌ مقبَّلٌ ... وباطنُها عينٌ من الجودِ عيلَمُ
    وقال من أُخرى:
    لهُ مواعيدُ بالخيراتِ بادرةٌ ... لكنَّها تسبقُ الميعادَ بالصَّفدِ
    يُعطيكَ في اليومِ حقَّ اليوم مبتدئاً ... ولا يضيِّعُ بعدَ اليومِ حقَّ غدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    كلُّ الخصالِ الَّتي فيكمْ محاسِنكم ... تشابهتْ منكُم الأخلاقُ والخِلَقُ
    كأنَّكم شجرُ الأُتْرُجّ طابَ معاً ... حملاً ونَوْراً وطابَ العودُ والوَرَقُ
    وقال أبو الطَّيِّب أحمد بن الحسين المتنبِّي من قصيدةٍ:
    لكلِّ امرئٍ من دهرِهِ ما تعوَّدا ... وعادَةُ سيفِ الدَّولةِ الطَّعنُ في العِدا
    وأن يكذبَ الإرجافَ عنهُ بضدِّه ... ويُمسي بما تنوي أعاديهِ أسعَدَا
    ورُبَّ مُريدٍ ضرَّهُ ضرَّ نفسِهِ ... وهادٍ إليهِ الجيشَ أهْدى وما هَدَى
    ومُستكبرٍ لم يعرِف اللهَ ساعةً ... رأى سيفَهُ في كفِّهِ فتشهَّدا
    هوَ البحرُ غُصْ فيه إذا كانَ ساكناً ... على الدُّرِّ واحْذرهُ إذا كانَ مُزبدا
    فإنِّي رأيتُ الدَّهْرَ يعثُرُ بالفَتَى ... وهذا الَّذي يأتي الفَتَى متعمّدا
    تظلُّ ملوكُ الأرضِ خاشعةً لهُ ... تُفارقُهُ هَلْكى وتلقاهُ سُجَّدا
    ذكيٌّ تَظَنِّيه طليعَةُ عينهِ ... يرى قلبهُ في يومِهِ ما تَرَى غَدَا
    وَصولٌ إلى المُستصعباتِ بخيلِهِ ... فلو كانَ قرنُ الشَّمْسِ ماءً لأوْرَدَا
    فواعجباً من دائلٍ أنتَ سيفُهُ ... أما يتوقَّى شفرَتَيْ ما تقلَّدا
    ومَن يَجعل الضِّرغامَ في الصَّيدِ بازَه ... تصيَّدهُ الضِّرغامُ فيما تصيَّدا
    رأيتكَ محضَ الحِلمِ في محضِ قدرةٍ ... ولو شئتَ كانَ الحلمُ منكَ المهنَّدا
    وما قتلَ الأحْرار كالعفوِ عنهمُ ... ومَن لكَ بالحُرِّ الَّذي يحفظُ اليَدَا
    إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ ... وإنْ أنتَ أكرمتَ اللَّئيمَ تمرَّدا
    ووضعُ النَّدَى في موضعِ السَّيْفِ بالعُلا ... مضرٌّ كوضعِ السَّيْفِ في موضعِ النَّدَى
    ولكنْ تفوقُ النَّاسَ رأياً وحكمةً ... كما فُقتهمْ حالاً ونفْساً ومحتِدا
    وما الدَّهْرُ إلاَّ من رُواةِ قلائِدِي ... إذا قلتُ شِعراً أصبَحَ الدَّهْرُ مُنشِدا
    فسارَ بهِ مَن لا يسيرُ مشمِّراً ... وغنَّى بهِ مَن لا يغنِّي مغرِّدا
    أجْزِني إذا أُنشدت مَدْحاً فإنَّما ... بشِعري أتاكَ المادحونَ مردّدا
    ودعْ كلَّ صوتٍ بعدَ صوتي فإنَّني ... أنا الصَّائحُ المحكيُّ والآخرُ الصَّدى
    تركتُ السُّرى خلفِي لمنْ قلَّ مالُهُ ... وأنعلتُ أفراسي بنُعماكَ عسجَدَا
    وقيَّدتُ نفسي في ذراكَ محبَّةً ... ومن وجَدَ الإحسانَ قيداً تقيَّدا
    إذا سألَ الإنسانُ أيَّامَهُ الغِنَى ... وكنتَ على بعدٍ جعلنَكَ موعِدا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    كلُّ السُّيوفِ إذا طالَ الضِّرابُ بها ... يمسها غير سيفِ الدَّولةِ السَّأمُ
    لو كلَّتِ الخيلُ حتَّى لا تحمَّلُهُ ... تحمَّلتهُ إلى أعدائهِ الهممُ
    أين البطارِقُ والحلفُ إليَّ حَلَفوا ... بمفرِقِ الملكِ والزَّعمُ إليَّ زَعَموا
    ولَّى صوارمَهُ إكذابَ قولهُمُ ... فهنَّ ألسنةٌ أفواهُها القممُ
    نواطقٌ مخبراتٌ في جماجِمِهمْ ... عنهُ بما جهلُوا منهُ ما علِموا
    وفي أكفّهمُ النارُ الَّتي عُبدت ... قبلَ المجوسِ إلى ذا اليومِ تضطرمُ
    هِنديَّةٌ إنْ تصغّرْ أمّةً صَغُروا ... بحدِّها أو تعظَّمْ معشراً أعظَمُوا
    قاسمتَهَا تَلّ بطريقٍ فكانَ لها ... أبطالها ولكَ الأطفالُ والحرَمُ
    وقد تمنَّوْا غداةَ الدَّربِ في لَجَبٍ ... أن يُبصروكَ فلمَّا أبصرُوكَ عَمُوا
    صدمتَهُمْ بخميسٍ أنتَ غرَّتُهُ ... وسمهريَّتُهُ في وجهِهِ غمَمُ
    فكانَ أثبَتَ ما فيهمْ جسومهُمُ ... يسقطْنَ حولَكَ والأرواحُ تنهزِمُ
    وأسلَمَ ابنُ شمُشقِيقٍ أليَّتُهُ ... إلاَّ انثنَى فهو ينأَى وهي تبتسمُ
    لا يأمُلُ النَّفسَ الأقصَى لمهجتِهِ ... فيسرقُ النَّفسَ الأدْنى ويغتنمُ
    تردُّ عنهُ قَنَا الفرسان سابغةٌ ... صوبُ الأسنَّةِ في أثنائها ديَمُ
    ألقتْ إليكَ دماءُ الرُّومِ طاعتَهَا ... فلوْ دعوتَ بلا ضربٍ أجابَ دَمُ
    يسابقُ القتلُ فيهم كلّ حادثةٍ ... فما يُصيبُهُم موتٌ ولا هرَمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وقدْ طرقتُ فتاةَ الحيّ مُرتدياً ... بصاحبٍ غيرِ عِزْهاةٍ ولا غزِلِ
    لا أكسبُ الذِّكرَ إلاَّ من مضاربِهِ ... أو من سنانٍ أصمِّ الكَعْب معتدِلِ
    جادَ الأميرُ به لِي في مواهبِهِ ... فزانَهَا وكَسَاني الدِّرعَ في الحللِ
    ومن عليّ بنِ عبدِ اللهِ معرفَتِي ... بحملهِ من كعبدِ اللهِ أو كَعَلي
    مُعطي الكواعِبِ والجردِ السَّلاهِبِ وال ... بِيضِ القواضبِ والعسَّالةِ الذُّبلِ
    ضاقَ الزَّمَانُ ووجهُ الأرضِ عن ملكٍ ... ملءِ الزَّمَانِ وملءِ السَّهل والجبلِ
    فنحنُ في جذلٍ والرُّومُ في وجلٍ ... والبَرُّ في شُغُلٍ والبحر في خَجَلِ
    مِن تغلبَ الغالبينَ النَّاسَ منصبهُ ... ومن عديٍّ أعادي الجُبنِ والبخلِ
    والمدحُ لابنِ الهيجاءِ تُنجدُهُ ... بالجاهليَّةِ عينُ الغيِّ والخَطَلِ
    ليتَ المدائحَ تستوفي مناقبَهُ ... فمنْ كليب وأهلُ الأعصُرِ الأُولِ
    خذْ ما تراهُ ودعْ شيئاً سمعتَ بهِ ... في طلعةِ الشَّمْسِ ما يُغنيكَ عن زحلِ
    وقد وجدتَ مكانَ القولِ ذا سعةٍ ... فإنْ وجدتَ لساناً قائلاً فقُلِ
    تُمسي الأمانيُّ صرعَى دونَ مبلغِهِ ... فما يقولُ لشيءٍ ليتَ ذلكَ لي
    انظُرْ إذا اجتمعَ السَّيفانِ في رَهَجٍ ... إلى اختلافِهِما في الخلقِ والعملِ
    هذا المعدُّ لريبِ الدَّهْرِ مُنصلتاً ... أعدَّ هذا لرأسِ الفارِسِ البطلِ
    فالعُربُ منهُ مع الكُدريّ طائرةٌ ... والرُّومُ طائرةٌ منهُ معَ الحجلِ
    وما الفرارُ إلى الأجبالِ من أسَدٍ ... تمشي النَّعامُ بِهِ في مَعقلِ الوعِلِ
    جازَ الدُّروبَ إلى ما خلفَ خرشنةٍ ... فزالَ عنها وذاك الرَّوعُ لم يزُلِ
    فكلَّما حلمتْ عذراءُ عندهُمُ ... فإنَّما حلَمَتْ بالسَّبيِ والجَمَلِ
    إنْ كنتَ ترضَى بأنْ يُعطوا الجِزَى بَذَلوا ... منها رضاكَ ومَن للعُورِ بالحولِ
    لعلَّ عتبكَ محمودٌ عواقبُهُ ... فربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعللِ
    وما سمعتُ ولا غيرِي بمقتدرٍ ... أذَبَّ منكَ لزُورِ القولِ عن رجُلِ
    لأنَّ حلمَكَ حلمٌ لا تَكَلَّفهُ ... ليسَ التَّكحُّلُ في العينينِ كالكَحَلِ
    وما ثناكَ كلامُ النَّاسِ عن كرمٍ ... ومَن يسدُّ طريقَ العارضِ الهطلِ
    أنتَ الجوادُ بلا منٍّ ولا كذبٍ ... ولا مِطالٍ ولا وعْدٍ ولا مَذَلِ
    أنتَ الشُّجاعُ إذا ما لمْ يَطَأ فرسٌ ... غيرَ السَّنَوَّرِ والأشلاءِ والقللِ
    وردَّ بعضُ القنا بعضاً مقارَعَة ... كأنَّهُ من نفوسِ القومِ في جدلِ
    لا زلتَ تضربُ مَن عاداكَ عَن عُرُضٍ ... بعاجِلِ النَّصر في مستأخِرِ الأجلِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وما قَبلَ سيفِ الدَّولةِ أثَّارَ عاشقٌ ... ولا طُلبتْ عندَ الظَّلامِ ذُحولُ
    ولكنَّهُ يأتي بكلِّ غريبةٍ ... تروقُ على استغرابِها وتَهُولُ
    رَمَى الدَّربَ بالجُردِ العتاقِ إلى العَدا ... وما علمُوا أنَّ السِّهامَ خُيولُ
    شوائِل تشْوالَ العقارِبِ بالقَنَا ... لها مرحٌ من تحتِهِ وصهيلُ
    وما هي إلاَّ خطرةٌ عرضتْ لهُ ... بحرَّانَ لبَّتْها قناً ونصولُ
    هُمَامٌ إذا ما همَّ أمضَى همومَهُ ... بأرعَنَ وطْءُ الموتِ فيهِ ثقيلُ
    خيلٍ بَراها الرَّكضُ في كلِّ بلدةٍ ... إذا عرَّستْ فيها فليسَ تَقيلُ
    سَحَائب يُمطرنَ الحديدَ عليهُمُ ... فكلُّ مكانٍ بالسُّيوفِ غسيلُ
    تُسايرها النِّيرانُ في كلِّ مسلكٍ ... به القومُ صرْعى والدِّيارُ طلولُ
    ورُعنَ بنا قلبَ الفراتِ كأنَّما ... تخرُّ عليه بالرِّجالِ سيولُ
    يطايرُ فيهِ موجَهُ كلُّ سابحٍ ... سواءٌ عليهِ غمرةٌ ومسيلُ
    تراهُ كأنَّ الماءَ مرَّ بجسمِهِ ... وأقبَلَ رأسٌ وحدَهُ وتَليلُ
    فأورَدَهمْ صدرَ الحصانِ وسيفَهُ ... فتًى بأسُهُ مثلُ العطاءِ جزيلُ
    جوادٌ على العلاَّتِ بالمالِ كلِّهِ ... ولكنَّهُ بالدَّارعينَ بخيلُ
    أنا السَّابقُ الهادي إلى ما أقولُهُ ... إذا القولُ قبلَ القائلينَ مَقولُ
    أُعادَى على ما يوجبُ الحُبَّ للفَتَى ... وأهدأُ والأفكارُ فيَّ تجولُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولمْ أرَ كالألحاظِ يومَ رحيلهمْ ... بَعَثْنَ بكلِّ القتلِ من كلِّ مشفِقِ
    أَدرنَ عيوناً حائراتٍ كأنَّها ... مركَّبةٌ أحداقُها فوقَ زِئبقِ
    نودِّعُهُمْ والبينُ فينا كأنَّهُ ... قَنَا ابنِ أبي الهيجاءِ في قلبِ فيلقِ
    وقال بعد صف الرِّماح ممَّا ثبت في باب الأوصاف:
    ضروبٌ بأطرافِ السُّيوفِ بنانُهُ ... لعوبٌ بأطرافِ الكلامِ المشقَّقِ
    كسائلِهِ مَن يسأل الغيثَ قطرةً ... كعاذلِهِ من قالَ للفلكِ ارفُقِ
    لقد جُدتَ حتَّى جُدتَ في كلِّ ملَّةٍ ... وحتَّى أتاكَ الحمدُ في كلِّ منطقِ
    رأى ملكُ الرُّومِ ارْتِياحكَ للنَّدى ... فقامَ مقامَ المجتدي المتملِّقِ
    وخلَّى الرِّماحَ السَّمهريَّةَ صاغراً ... لأدرَبَ منهُ بالطِّعانِ وأحذقِ
    وكاتَبَ من أرضٍ بعيدٍ مرامُها ... قريبٍ على خيلٍ حواليكَ سبَّقِ
    وقدْ سارَ في مسراكَ منها رسولهُ ... فما سارَ إلاَّ فوقَ هامٍ مفلَّقِ
    فلمَّا دَنَا أخْفى عليهِ مكانَهُ ... شعاعُ الحديدِ البارقِ المتألّقِ
    وأقبَلَ يمشي في البساطِ فما دَرَى ... إلى البحرِ يمشي أمْ إلى البدرِ يرتقي
    ولمْ يثنكَ الأعداءُ عن مُهجاتِهمْ ... بمثلِ خضوعٍ في كلامٍ منمَّقِ
    فيا أيُّها المطلوبُ جاوِرهُ تمتنعْ ... ويا أيُّها المحرومُ يمِّمهُ تُرزقِ
    ويا أجبنَ الفرسانِ صاحبْهُ تجترئ ... ويا أشجعَ الشُّجعانِ فارقهُ تفرَقِ
    إذا سعتِ الأعداءُ في كيدِ مجدِهِ ... سعَى جدُّهُ في مجدِهِ سعيَ مُحنقِ
    وما يَنصرُ الفضلُ المبينُ على العِدا ... إذا لم يكنْ فضل السَّعيدِ الموفَّقِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أَرَى كلَّ ذي مُلكٍ إليكَ مصيرُهُ ... كأنَّك بحرٌ والملوكُ جداولُ
    إذا مطرتْ منهمْ ومنكَ سحائبٌ ... فوابلهمْ طلٌّ وطلُّكَ وابلُ
    كريمٌ مَتَى استوهبتَ ما أنتَ راكبٌ ... وقد لقحتْ حربٌ فإنَّكَ نازلُ
    وقد زعَمُوا أنَّ النُّجومَ خوالدٌ ... ولوْ حارَبَتهُ ناحَ فيها الثَّواكلُ
    وما كانَ أدناها له لوْ أرادَهَا ... وألطفَهَا لَو أنَّهُ المُتناولُ
    قريبٌ عليهِ كلُّ ناءٍ على الوَرَى ... إذا لثَّمتهُ بالغبارِ القنابلُ
    يُذبّرُ شرقَ الأرضِ والغربَ كفُّهُ ... وليسَ لها وقتٌ عن الجودِ شاغلُ
    يتبعُ هُرَّابَ الرِّجالِ مرادُهُ ... فمنْ فرَّ حرباً عارضتهُ الغوائلُ
    ومنْ فرَّ من إحسانِهِ حسداً لهُ ... تلقَّاهُ منهُ حيثُما سارَ نائلُ
    إذا العَرَبُ العرباءُ رازَتْ نفوسَهَا ... فأنتَ فَتَاها والمليكُ الحُلاحلُ
    أطاعتكَ في أرواحِها وتصرَّفتْ ... بأمركَ والتفَّتْ عليكَ القبائلُ
    وكلُّ أَنابيب القَنَا مَدَدٌ لهُ ... وما تنكُتُ الفرسانَ إلاَّ العواملُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    فؤادٌ ما تسلِّيهِ المُدامُ ... وعمْرٌ مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ
    ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صغارٌ ... وإنْ كانت لهمْ جثثٌ ضخامُ
    وما أنا منهمُ بالعيشِ فيهمْ ... ولكنْ معدنُ الذَّهبِ الرُّغامُ
    أرانبُ غيرَ أنَّهمُ ملوكٌ ... مفتَّحةٌ عيونُهُم نيامُ
    بأجسامٍ يحرُّ القتلُ فيها ... وما أقرانُها إلاَّ الطَّعامُ
    وخيلٍ ما يخرُّ لها طعينٌ ... كأنَّ قَنَا فوارِسِها ثُمامُ
    خليلكَ أنتَ لا مَن قلتَ خلِّي ... وإنْ كثرَ التَّجمُّلُ والكلامُ
    ولو حِيزَ الحِفاظُ بغير عقلٍ ... تجنَّبَ عنقَ صيقلِهِ الحسامُ
    وشبهُ الشَّيءِ منجذبٌ إليهِ ... وأشبهُنا بدُنيانا الطّغامُ
    ولو لمْ يعلُ إلاَّ ذو مَحَلٍّ ... تعالى الجيشُ وانحطَّ القَتَامُ
    ولو لمْ يرعَ إلاَّ مستحقٌّ ... لرتبتِهِ أسامهُمُ المُسامُ
    ومَن خَبرَ الغواني فالغواني ... ضياءٌ في بواطبهِ ظَلامُ
    سقى اللهُ ابنَ مُنجبةٍ سَقَاني ... بدرٍّ ما لراضعِهِ فطامُ
    ومَن إحدى فوائدِهِ العَطَايا ... ومَنْ إحدى عَطَاياهُ الدَّوامُ
    فقد خفيَ الزَّمَانُ بهِ عَلَيْنا ... كسِلكِ الدُّرِّ يخفيهِ النِّظامُ
    تلذُّ لهُ المروّةُ وهي تُؤذي ... ومَن يعشقْ يلذُّ لهُ الغرامُ
    تعلَّقها هوَى قيسٍ لليلَى ... وواصَلَها فليسَ بهِ سقامُ
    يَروعُ ركانةً ويذوبُ ظرْفاً ... فما ندري أشيخٌ أمْ غلامُ
    وتملكُهُ المسائلُ في نداهُ ... وأمَّا في الجدالِ فما يرامُ
    أقامتْ في الرِّقابِ لهُ أيادٍ ... هي الأطواقُ والنَّاسُ الحَمامُ
    إذا عُدَّ الكرامُ فتلكَ عِجلٌ ... كما الأنواءُ حين تعدُّ عامُ
    فلو يمَّمتهمْ في الحشرِ تجدُو ... لأعطَوْكَ الَّذي صلّوا وصامُوا
    نصرّعهم بأعيُننا حياءً ... وتنبُو عن وجوههمُ السِّهامُ
    لقدْ حسُنتْ بكَ الأوقاتُ حتَّى ... كأنَّكَ في فمِ الدَّهْرِ ابتسامُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت صدرها في باب الفخر:
    ولمَّا قلَّت الإبلُ امْتَطَينا ... إلى ابنِ أبي سليمانَ الخُطوبا
    مطايا لا تذلُّ لمنْ عَلَيْها ... ولا يبغي لها أحدٌ ركوبا
    إلى ذي شيمةٍ شعفت فؤادي ... فلولاهُ لقلت بها النسيبا
    عجيبٌ في الزَّمَانِ وما عجيبٌ ... أتى من آلِ سيَّارٍ عجيبا
    وشيخٌ في الشَّبابِ وليسَ شيخاً ... يسمَّى كلُّ مَن بلَغَ المَشيبا
    قَسَا فالأُسدُ تفزَعُ من يديهِ ... ورقَّ فنحنُ نفزَعُ أن يَذُوبا
    أشدُّ من الرِّياحِ الهوج بطشاً ... وأسرَعُ في النَّدَى منها هُبُوبا
    وقالُوا ذاكَ أرْمى مَن رأيْنا ... فقلتُ رأيتُمُ الغَرض القريبا
    وهلْ يُخطي بأسهمِهِ الرَّمايا ... وما يُخطي بما ظنَّ الغُيوبا
    إذا نُكبتْ كِنانَتُه استَبَنَّا ... بأنصُلها لأنصُلها نُدُوبا
    يصيبُ ببعضِها أفواقَ بعضٍ ... فلولا الكسرُ لاتَّصلتْ قضيبا
    ألستَ ابنَ الأُلى سَعِدوا وسادُوا ... ولم يلدُوا امْرَأ إلاَّ نَجيبا
    وما ريحُ الرِّياضِ لها ولكنْ ... كَسَاها دفنُهُمْ في التُّربِ طِيبا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أوَّلها في باب الفخر:
    خفَّ الزَّمَانُ على أطرافِ أنملِهِ ... حتَّى توهَّمنَ للأزمانِ أزمانا
    يلقَى الوَغَى والقَنَا والنَّازلاتِ بهِ ... والضَّيفَ والسَّيْفَ رحبَ الباعِ جذْلانا
    تخالهُ من ذكاءِ القلبِ مُحتمياً ... ومن تكرُّمِهِ والبشْر نشوانَا
    وتسحَبُ الحِبَر القَيْناتُ رافلةً ... في جودِهِ وتجرُّ الخيلُ أرسانَا
    يعطي المبشّر بالقُصَّادِ قبلهُمُ ... كمنْ يبشّرُهُ بالماءِ عطشانَا
    جزتْ بني الحَسَنِ الحُسنى فإنَّهُمُ ... في قومهم مثلُهُم في الغرِّ عدنانَا
    ما شيَّدَ اللهُ من مجدٍ لسالفهمْ ... إلاَّ ونحنُ نراهُ فيهمُ الآنا
    إنْ كُوتبوا أو لُقُوا أو حُوربوا وُجدوا ... في الخطِّ واللَّفظِ والهيجاءِ فُرسانَا
    كأنَّ ألسنهمْ في النُّطقِ قد جُعلتْ ... على رماحهمُ في الطَّعنِ خُرصانَا
    كأنَّهم يرِدُونَ الموتَ من ظمأ ... أو ينشُقون منَ الخطِّيِّ رَيْحانَا
    الواضحين أبُوَّاتٍ وأجبنةً ... ووالداتٍ وألباباً وأذهانَا
    يا صائدَ الجحفَلِ المرهوبِ صوْلَتُه ... إنَّ اللّيوثَ تصيدُ النَّاسَ أُحدانَا
    وواهباً كلّ وقتٍ وقتُ نائلِهِ ... وإنَّما يهبُ الوهَّابُ أحيانَا
    أنتَ الَّذي سبَكَ الأموالَ مكرمةً ... ثمَّ اتَّخذتَ لها السُّؤَّالَ خُزَّانَا
    لا أستزيدكَ فيما فيكَ من كرمٍ ... أنا الَّذي نامَ إنْ نبَّهتُ يقظانَا
    قد شرَّفَ اللهُ أرضاً أنتَ سكنُها ... وشرَّفَ النَّاسَ إذْ سوَّاكَ إنسانَا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    بيني وبينَ أبي عليٍّ مثلُهُ ... شمُّ الجبالِ ومثلهنَّ رجاءُ
    وعقابُ لُبنانٍ وكيفَ بقطعِها ... وهو الشِّتاءُ وصيفهنَّ شتاءُ
    لبسَ الثُّلوجَ بها عليَّ مَسَالكي ... فكأنَّها ببياضِها سوداءُ
    وكذا الكريمُ إذا أقامَ ببلدةٍ ... سالَ النُّضارُ بها وأقامَ الماءُ
    في كلِّ يومٍ للقوافي جولةٌ ... في قلبِهِ ولأُذنهِ إصغاءُ
    وإغارةٌ فيما احتواهُ كأنَّما ... في كلِّ بيتٍ فيلقٌ شهباءُ
    مَن يظلمُ اللُّؤماءَ في تكليفهمْ ... أنْ يُصبحوا وهُم لَهُ أكفاءُ
    ونَذيمُهم وبهمْ عرفْنا فضلَهُ ... وبضدّها تتبيَّنُ الأشياءُ
    مَن نفعهُ في أنْ يُهاجَ وضرُّهُ ... في تركِهِ لو تفطَنُ الأعداءُ
    فالسِّلمُ يكسرُ مِن جناحَيْ مالِهِ ... بنوالِهِ ما تجبرُ الهيجاءُ
    متفرِّقُ الطَّعمينِ مُجتمعُ القُوى ... فكأنَّهُ السَّرَّاءُ والضرَّاءُ
    فإذا سُئلتَ فلا لأنَّك مُحوجٌ ... وإذا كُتمتَ وشتْ بكَ الآلاءُ
    وإذا مُدحتَ فلا لتكسبَ رفعةً ... للشَّاكرين على الإلهِ ثناءُ
    وإذا مُطرتَ فلا لأنَّكَ مُجدبٌ ... يُسقى الخصيبُ وتمطَرُ الدَّأْماءُ
    ولكَ الزَّمانُ منَ الزَّمَانِ وقايةٌ ... ولكَ الحِمامُ من الحِمامِ فداءُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وأَمَقَّ لو خدتِ الشّمالُ براكبٍ ... في عَرضهِ لأناخَ وهو طَليحُ
    نازعتُهُ قُلُصَ الرِّكابِ ورَكبُها ... خوفَ الهلاكِ حداهُمُ التَّسبيحُ
    لولا الأميرُ مُساورُ بنُ محمَّدٍ ... ما جُشِّمتْ خطراً ورُدَّ نصيحُ
    ومَتَى وَنَتْ وأبُو المظفَّرِ أمُّها ... فأتاحَ لي ولَهَا الحِمامَ مُتيحُ
    مرجوُّ منفعةٍ مَخوفُ أذيَّةٍ ... مغبوقُ كأسِ محامدٍ مَصبوحُ
    حنقٌ على بدرِ اللُّجينِ وما أتتْ ... بإساءةٍ وعن المُسيءِ صَفوحُ
    لو فرَّقَ الكرمَ المفرّقَ مالَهُ ... في النَّاسِ لم يكُ في الزَّمَانِ شحيحُ
    يغْشى الطِّعانَ فلا يردُّ قناتَهُ ... مكسورةً ومن الكُماةِ صحيحُ
    لو كنتَ بحراً لم يكنْ لَكَ ساحلٌ ... أو كنتَ غيثاً ضاقَ عنكَ اللّوحُ
    وخَشيتُ منكَ على البلادِ وأهلِها ... ما كانَ أنذرَ قومَ نُوحٍ نوحُ
    عجزٌ بحرٍّ فاقةٌ ووراءَهُ ... رزقُ الإلهِ وبابكَ المفتوحُ
    وذكيُّ رائحةِ الرِّياضِ كلامُها ... تبغي الثَّناءَ على الحَيَا فتفوحُ
    جهدُ المقلِّ فكيفَ بابنِ كريمةٍ ... تُوليهِ خيراً واللّسانُ فصيحُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أأرضى أنْ أعيشَ ولا أُكافي ... على ما للأميرِ منَ الأيادي
    ألمْ يكُ بيننا بلدٌ بعيدٌ ... فصيَّرَ طولَهُ عرضَ النِّجادِ
    فلمَّا جئتُهُ أعْلى محلِّي ... وأجلَسَني على السَّبعِ الشِّدادِ
    تهلَّلَ قبلَ تسليمي عليهِ ... وألْقى مالَهُ قبلَ الوِسادِ
    نلومكَ يا عليُّ لغيرِ ذنبٍ ... لأنَّكَ قد زَرَيْتَ على العبادِ
    كأنَّ سخاءَكَ الإسلامُ تخشَى ... إذا ما حُلتَ عاقبَةَ ارتدادِ
    كأنَّ الهامَ في الهَيْجا عيونٌ ... وقد طُبعتْ سيوفكَ مِن رقادِ
    وقد صُغتَ الأسنَّةَ مِن همومٍ ... فما يخطرنَ إلاَّ في فؤادِ
    أشرتَ أبا الحسينِ بمدحِ قومٍ ... نزلتُ بهمْ فسِرتُ بغيرِ زادِ
    وظنُّوني مدحتهُمُ قديماً ... وأنتَ بما مدحتُهُم مُرادي
    وإنِّي عنكَ بعدَ غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فنائكَ غيرُ غادِ
    مُحبُّكَ حيثُما اتَّجهتْ رِكابي ... وضيفكَ حيثُ كنت من البلادِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وحُبيتُ في خُوصِ الرِّكابِ بأسودٍ ... من دارِشٍ فغدوتُ أمشي راكِبا
    حالاً مَتَى علمَ ابنُ منصورٍ بها ... جاءَ الزَّمَانُ إليَّ منها تائِبا
    ملكٌ سنانُ قناتهِ وبنانُهُ ... يَتَبارَيَانِ دماً وعُرفاً ساكِبا
    يستصغرُ الخطَرَ الكبيرَ لوفدِهِ ... ويظنُّ دجلَةَ ليسَ تَروي شارِبا
    سلْ عن شجاعتِهِ وزُرْهُ مسالماً ... وحذارِ ثمَّ حذارِ منهُ محارِبا
    فالموتُ تُعرَفُ بالصِّفاتِ طباعُهُ ... لم تلقَ خلقاً ذاقَ موتاً أيِبا
    إنْ تلقَهُ لا تبقَ إلاَّ جحفَلاً ... أو قسطَلاً أو طاعناً أو ضارِبا
    أو هارباً أو طالباً أو راغباً ... أو راهباً أو هالكاً أو نادِبا
    وإذا نظرتَ إلى الجبالِ رأيتَهَا ... فوقَ السُّهولِ عَواسلاً وقواضِبا
    وإذا نظرتَ إلى السُّهولِ رأيتَهَا ... تحتَ الجبالِ فوارساً وجنائِبا
    وعجاجةً تركَ الحديدُ سوادَهَا ... زَنْجاً تبسَّمَ أو قَذَالاً شائِبا
    فكأنَّما كُسِيَ النَّهارُ بها دُجى ... ليل وأطلَعَت الرِّماحُ كواكِبا
    قد عسكرتْ معها الرَّزايا عسكراً ... وتكتَّبتْ فيها الرِّجالُ كتائِبا
    أُسدٌ فرائسُها الأُسودُ يقودُها ... أسَدٌ تصيرُ لهُ الأُسودُ ثعالِبا
    في رتبةٍ حجَبَ الوَرَى عن نيلِها ... وعلا فسمَّوْهُ عليَّ الحاجِبا
    هذا الَّذي أفنى النُّضارَ مواهباً ... وعداهُ قتلاً والزَّمانَ تجارِبا
    هذا الَّذي أبصرتَ منهُ حاضراً ... مثلُ الَّذي أبصرتَ منهُ غائِبا
    كالبدرِ من حيثُ التفتَّ رأيتَه ... يُهدي إلى عينيكَ نوراً ثاقبا
    كالبحرِ يقذفُ للقريبِ جواهراً ... جُوداً ويبعثُ للبعيدِ سحائبا
    كالشَّمْسِ في كبدِ السَّمَاءِ وضوؤها ... يَغشى البلادَ مشارقاً ومغاربا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    قومٌ بلوغُ الغلامِ عندهُمُ ... طعنُ نحورِ الكُماةِ لا الحلُمُ
    كأنَّما يولَدُ النَّدَى معهمْ ... لا صغرٌ عاذرٌ ولا هرمُ
    إذا تَوَلّوا عداوةً كشَفُوا ... وإنْ تَوَلّوا صنيعةً كتمُوا
    تظنُّ مِن فقدكَ اعتدادهُمُ ... أنَّهُمُ أنعَمُوا وما علموا
    إن برقُوا فالحتوفُ حاضرةٌ ... أو نطقُوا فالصَّوابُ والحكَمُ
    أو حلفُوا بالغَموسِ واجتهدُوا ... فقولهم خابَ سائلي القَسَمُ
    أو ركبُوا الخيلَ غيرَ مسرجةٍ ... فإنَّ أفخاذهمْ لها حزُمُ
    أو شهدُوا الحربَ لاقحاً أخذُوا ... من مهجِ الدَّارعينَ ما احتكمُوا
    تشرقُ أعراضهمْ وأوجُهُهمْ ... كأنَّها في نُفُوسهمْ شيَمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ كُتب صدرها في باب الفخر:
    سرى السَّيْفُ ممَّا تطبعُ الهندُ صاحبي ... إلى السَّيْفِ ممَّا يطبعُ اللهُ لا الهندُ
    فلمَّا رآني مقبلاً هزَّ نفسَهُ ... إليَّ حسامٌ كلُّ صفحٍ لهُ حدُّ
    فلم أرَ قبلي مَن مَشَى البحرُ نحوَهُ ... ولا رجُلاً قامتْ تعانقُهُ الأُسدُ
    كأنَّ القسيَّ العاصياتِ تطيعُهُ ... هوًى أو بها في غيرِ أُنْملهِ زهدُ
    يكادُ يصيبُ الشَّيءَ من قبلِ رميهِ ... ويمكنُهُ في سهمِهِ المرسلِ الرَّدُّ
    وينفذُهُ في العقدِ وهو مضيّقٌ ... من الشَّعرةِ السَّوداءِ والليلِ مسودُّ
    فإنْ يكُ سيَّارُ بن مُكرمٍ انْقضَى ... فإنَّكَ ماءُ الوردِ إنْ ذهَبَ الوردُ
    مَضى وبنوهُ وانفردتْ بفضلِهِمْ ... وألفٌ إذا ما جُمِّعت واحدٌ فردُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أعلى الممالِكِ ما يُبنى على الأسَلِ ... والطَّعنُ عند مُحبِّيهنَّ كالقُبَلِ
    وما تقرُّ سيوفٌ في ممالكها ... حتَّى تقَلْقَلَ دهراً قبلُ في القُللِ
    مثلُ الأمير بغى أمراً فقرَّ بهِ ... طولُ الرّماحِ وأيدي الخَيْل والإبلِ
    وعزمةٌ بعثَتْها همّةٌ زُحلٌ ... من تحتها بمكانِ التُّربِ من زُحلِ
    على الفراتِ أعاصيرٌ وفي حلبٍ ... توحُّشٌ لِمُلقَّى النَّصرِ مُقتبلِ
    صانَ الخليفةُ بالأبطال مُهجتَهُ ... صيانة الذَّكرِ الهنديِّ بالخِللِ
    تتلو أسنّته الكتْبَ الَّتي نفذتْ ... ويجعلُ الخيل أبدالاً من الرُّسلِ
    يلقى المُلوكَ فما يلقى سوى جزرٍ ... وما أعدُّوا فما يلقى سوى نفلِ
    قد عرَّضَ السَّيفَ دونَ النَّازلات بهِ ... وظاهرَ الحزمَ بين النَّفسِ والغِيَلِ
    ووكّل الظّنّ بالأسرارِ فانْكَشفتْ ... له ضمائرُ أهلِ السَّهلِ والجبلِ
    هو الشجاعُ يعدُّ البُخلَ من جبنٍ ... وهو الجوادُ يعدُّ الجبن من بخلِ
    إذا خلعتُ على عِرضٍ له حُللاً ... وجدتها منه في أبْهى من الحُللِ
    بذي الغباوَةِ من إنشادها ضررٌ ... كما تضرُّ رياحُ الوردِ بالجُعلِ
    وقال من قصيدةٍ:
    برأيِ من انقادَتْ عُقيلٌ إلى الرَّدى ... وإشماتِ مخلوقٍ وإسخاطِ خالقِ
    أرادوا عليّاً بالذي يُعجِزُ الورى ... ويوسعُ قتلَ الجحفلِ المُتضايقِ
    فما بسطوا كفّاً إلى غير قاطعٍ ... ولا حملوا رأساً إلى غير فالقِ
    لقد أقدموا لو صادَفوا غيرَ آخذٍ ... وقد هربوا لو صادفوا غيرَ لاحقِ
    أتاهُمْ بها حشوَ العَجاجة والقنا ... سنابكُها تحشو بُطونَ الحمالقِ
    عوابسَ حلّى يابسُ الماءِ حُزْمها ... فهنَّ على أوساطها كالمناطقِ
    فليتَ أبا الهيجا يرى خلفَ تدمُرٍ ... طوالَ العوالي في طوالِ السَّمالقِ
    وسوقَ عليٍّ من معدٍّ وغيرِها ... قبائلَ لا تُعطي القُفيَّ لسائقِ
    قُشيرٌ وبَلْعجلانِ فيها خفيَّةٌ ... كراءيْنِ في ألفاظِ ألثغَ ناطقِ
    تُخلِّيهمُ النِّسْوانُ غيرَ فواركٍ ... وهمْ خلّوا النِّسوانَ غيرَ طوالقِ
    يفرِّقُ ما بين الكُماةِ وبينها ... بطعْنٍ يُسلِّي حرُّهُ كلّ عاشقِ
    أتى الظُّعْنَ حتَّى ما تطيرُ رشاشةٌ ... من الخيلِ إلاَّ في نحورِ العواتقِ
    بكلِّ فلاةٍ تنكرُ الإنسَ أرضُها ... ظعائنُ حمرُ الحلي حُمرُ الأيانقِ
    توهَّمها الأعرابُ سوْرةَ مُتْرفٍ ... تُذكِّرهُ البيداءُ ظلَّ السُّرادقِ
    فذكَّرْتهُمْ بالماءِ ساعةَ غبَّرَتْ ... سماوةُ كلبٍ في أُنوفِ الحزائقِ
    وكانوا يروعونَ الملوكَ بأنْ بدوا ... وأنْ نبتتْ في الماءِ نبتَ الغلافقِ
    فهاجوكَ أهدى في الفلا من نُجومهِ ... وأبْدى بيوتاً من أداحي النَّقانقِ
    وأصبر عن أمواههِ من ضبابهِ ... وآلف منها مُقلةً للودائقِ
    تعوَّدَ ألاّ تقضِمَ الحبَّ خيلُهُ ... إذا الهامُ لم ترفعْ جنوبَ العلائقِ
    ولا ترِدَ الغدرانَ إلاَّ وماؤُها ... من الدّم كالرّيحانِ تحتَ الشقائقِ
    فلم أرَ أرمى منه غيرَ مُخاتلٍ ... وأسرى إلى الأعداءِ غيرَ مُسارقِ
    تُصيبُ المجانيقُ العظامُ بكفِّهِ ... دقائقَ قد أعيتْ قسيَّ البنادقِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولقد ذخرْتَ لكلِّ أرضٍ ساعةً ... تَسْتجفِلُ الضِّرغامَ عن أشبالهِ
    تلقى الوجوهُ بها الوجوهَ وبينها ... ضربٌ يجولُ الموتُ في أجوالهِ
    وشركْتُ دولةَ هاشمٍ في سيفِها ... وشققْتُ خيسَ المُلكِ عن ريبالهِ
    أعطى ومنَّ على الملوكِ بعفوهِ ... حتَّى تساوى النَّاسُ في إفضالهِ
    وإذا غنوا بعطائهِ عن هزِّهِ ... والى فأغنى أن يقولوا والهِ
    يا أيُّها القمرُ المُباهي وجهَهُ ... لا تُكْذبنَّ فلستَ من أشكالهِ
    وإذا طما البحرُ المحيطُ فقلْ لَهُ ... دع ذا فإنَّك عاجزٌ عن حالِهِ
    الجيشُ جيشُكَ غيرَ أنَّك جيشُهُ ... في قلْبِهِ ويمينِهِ وشمالِهِ
    ترِدُ الطّعانَ المُرَّ عن فُرسانِهِ ... وتُنازلُ الأبطالَ عنْ أبطالِهِ
    كلٌّ يريدُ رجالَهُ لحياتِهِ ... يا منْ يريدُ حياتَهُ لرجالِهِ
    دونَ الحلاوةِ في الزَّمانِ مرارةٌ ... لا تُختطى إلاَّ على أهوالِهِ
    فلذاكَ جاوَزَها عليّ وحدَهُ ... وسعى بِمُنْصلِهِ إلى آمالِهِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    حدقُ الحسانِ من الغواني هِجْنَ لي ... يومَ الفراق صبابةً وغليلا
    حدقٌ يُذمُّ من القواتِلِ غيرَها ... بدرُ بنُ عمّارِ بن إسماعيلا
    الفارجُ الكُربِ العِظامَ بمثلها ... والتّاركُ الملكَ العزيزَ ذليلا
    أعْدى الزَّمان سخاؤُه فسخا بِهِ ... ولقد يكونُ بِهِ الزَّمانُ بخيلا
    وكأنَّ بَرْقاً في متونِ غمامةٍ ... هنديّهُ في كفّهِ مسلولا
    أمُعفِّر اللّيثِ الهِزَبْرِ بسَوطِهِ ... لمن ادَّخرْتَ الصّارمَ المصقولا
    وردٌ إذا وردَ البُحيرة شارباً ... وردَ الفراتَ زئيرُه والنيلا
    مُتخضّبٌ بدمِ الفوارسِ لابسٌ ... في غيْلِهِ من لِبْدَتيْه غيلا
    ما قوبلَتْ عيناهُ إلاَّ ظُنَّتا ... تحتَ الدُّجَى نارَ الفريقِ حُلولا
    في وحدةِ الرُّهْبانِ إلاَّ أنَّهُ ... لا يعرفُ التَّحريمَ والتَّحليلا
    يطأ البرى مُترفّقاً من تيهِهِ ... فكأنَّهُ آسٍ يجسُّ عليلا
    ويرُدُّ عُفرتهُ إلى يافوخِهِ ... حتَّى تصير لرأسِهِ إكليلا
    وتظنُّه ممّا يُزَمجرُ نفسُهُ ... عنها لشدَّةِ غيظِهِ مشغولا
    قصرتْ مهابتُهُ الخُطى فكأنّما ... ركبَ الكميُّ جوادهُ مَشْكولا
    ألقى فريستَهُ وبربر دونها ... وقربْتَ قُرْباً خالَهُ تَطْفيلا
    فتشابه الخلقانِ في إقدامه ... وتخالفا في بَذْلكَ المأكولا
    أسدٌ يرى عُضْوَيه فيكَ كليهما ... متناً أزلَّ وساعداً مفتولا
    ما زالَ يجمعُ نفسَهُ في زورهِ ... حتَّى حسبْتَ العرضَ منهُ الطُّولا
    ويدقُّ بالصَّدرِ الحِجارَ كأنّهُ ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
    وكأنَّهُ غرَّتْهُ عينٌ فادّنى ... لا يُبصر الخطبَ الجليلَ جليلا
    أنَفُ الكريمِ من الدَّنيَّةِ تاركٌ ... في عينِهِ العدد الكثير قليلا
    سبق التقاءكَهُ بوثبةِ هاجمٍ ... لو لمْ تُصادمْهُ لجازكَ ميلا
    خذلتْهُ قوَّتُه وقد كافحتَهُ ... فاستنْصَر التّسليمَ والتَّجديلا
    قبضَتْ منيتُهُ يديْهِ وعُنقهُ ... فكأنَّما صادفتَهُ مغلولا
    سمعَ ابن عمّته بِهِ وبحالِهِ ... فنجا يُهرولُ منكَ أمسِ مُهَولا
    وأمرُّ ممّا فرَّ منهُ فرارهُ ... وكقتْلِهِ ألاّ يموتَ قتيلا
    تلفُ الَّذي اتّخذ الجراءةَ خُلّةً ... وعظَ الَّذي اتّخذَ الفِرارَ خليلا
    فلقد عُرفتَ وما عرفتَ حقيقةً ... ولقد جُهلتَ وما جهلتَ خُمولا
    نطقَتْ بِسُؤددِكَ الحمامُ تغنّياً ... وبما تُجَشِّمها الجيادُ صهيلا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وفي صورةِ الرُّوميّ ذي التّاج ذِلَّةٌ ... لأبلجَ لا تيجانَ إلاَّ عمائمُهْ
    تُقبِّل أفواهُ الملوكِ بساطَهُ ... ويكبُرُ عنها كمُّهُ وبراجمُهْ
    له عسْكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكراً لم يبقَ إلاَّ جماجمُهْ
    سحابٌ من العقبان يزحف تحتَها ... سحابٌ إذا استسْقَتْ سقَتْها صوارمُهْ
    سلكتُ صروفَ الدَّهر حتَّى لقيتُه ... على ظهرِ عزمٍ مؤيداتٍ قوائمُهْ
    مهالكَ لم تصحَبْ بها الذئبَ نفسُهُ ... ولا حملتْ فيها الغُرابَ قوادمُهْ
    فأبصرتُ بدراً لا يرى البدرُ مثلَهُ ... وخاطبْتُ بحراً لا يرى العِبْرَ عائمُهْ
    وكنتُ إذا يمَّمْتُ أرضاً بعيدةً ... سريتُ فكنتُ السِّرَّ والليلُ كاتمُهْ
    لقد سلَّ سيفَ الدّولةِ المجدُ مُعْلِماً ... فلا المجدُ مُخفيهِ ولا الضّربُ ثالِمُهْ
    على عاتقِ الملكِ الأغرِّ نِجادُهُ ... وفي يدِ جبّار السَّماواتِ قائمُهْ
    تُحاربُهُ الأعداءُ وهي عبادُهُ ... وتدَّخِرُ الأموالَ وهي غنائمُهْ
    ويستكبرونَ الدَّهرَ والدَّهْرُ دونَهُ ... ويستعظمونَ الموتَ والموتُ خادمُهْ
    وإنَّ الَّذي سمَّى عليّاً لَمُنْصفٌ ... وإنَّ الَّذي سمَّاهُ سيفاً لظالمُهْ
    وما كلُّ سيفٍ يقطعُ الهامَ حدَّهُ ... وتقطعُ لَزْباتِ الزَّمانَ مكارمُهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    الرَّأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ ... هي أوَّلٌ وهو المكانُ الثاني
    فإذا هما اجْتمعا لنفسٍ حرّةٍ ... بلغتْ منَ العلياءِ كلَّ مكانِ
    ولرُبَّما طعنَ الفَتَى أقرانَهُ ... بالرّأيِ قبلَ تطاعُنِ الأقرانِ
    لولا العقولُ لكانَ أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ
    لولا سميُّ سيوفِهِ ومضاؤُهُ ... لمّا سللْنَ لكُنَّ كالأجفانِ
    تخذوا المجالسَ في البيوتِ وعندهُ ... أنَّ السُّروجَ مجالسُ الفتيانِ
    قادَ الجيادَ إلى الطِّعانِ ولم يقُدْ ... إلاَّ إلى العاداتِ والأوطانِ
    كلُّ ابن سابقةٍ يغيرُ بحُسنِهِ ... في قلب صاحبِهِ على الأحزانِ
    إنْ خلِّيَتْ رُبطتْ بآدابِ الوَغَى ... فدُعاؤها يُغني عن الأرسانِ
    في جحفلٍ ستر العيونَ غُبارُهُ ... فكأنَّما يُبْصرنَ بالآذانِ
    يرمي بها البلدَ البعيدَ مُظفَّرٌ ... كلُّ البعيدِ له قريبٌ دانِ
    فكأنَّ أرجُلها بتربةِ منبجٍ ... يطرحْنَ أيديَها بحصْن الرَّانِ
    بحرٌ تعوَّدَ أن يُذمَّ لأهلِهِ ... من دهرِهِ وطوارق الحدثانِ
    فتركتَهُ وإذا أذمَّ من الورى ... راعاكَ واستثْنى بني حمْدانِ
    المُخْفرينَ بكلِّ أبيضَ صارمٍ ... ذِمَمَ الدُّروعِ على ذوي التّيجانِ
    مُتَصعلكينَ على كثافةِ مُلكهمْ ... مُتواضعينَ على عظيم الشأنِ
    يتقيّلونَ ظلال كلِّ مُطهَّمٍ ... أجلِ الظَّليمِ ورِبْقةِ السِّرْحانِ
    خضعتْ لِمُنْصلكَ المناصل عنوةً ... وأذلَّ دينُك سائرَ الأديانِ
    رفعَتْ بك العربُ العِمادَ وصيَّرتْ ... قمم المُلوك مواقدَ النِّيرانِ
    أنسابُ فخرهم إليكَ وإنّما ... أنسابُ أصلهِمُ إلى عدنانِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظُنونهُ ... وصدَّقَ ما يعتادُهُ من توهُّمِ
    وعادى مُحبِّيهِ بقولِ عُداتِهِ ... وأصبح في ليلٍ من الشَّكِّ مُظلِمِ
    أُصادقُ نفسَ المرءِ من قبلِ جسمِهِ ... وأعرفُها في فعلِهِ والتَّكلُّمِ
    وأحلُم عن خلِّي وأعلمُ أنّه ... مَتَى أجْزِه حلماً على الجهلِ يندمِ
    وإن بذلَ الإنسانُ لي جودَ عابسٍ ... جزيتُ بجودِ الباذِلِ المُتبسّمِ
    وأهوى من الفتيان كلَّ سَميْدعٍ ... نجيبٍ كصدرِ السَّمْهريّ المُقوّمِ
    خطتْ تحتَهُ العيسُ الفَلاةَ وخالطَتْ ... به الخيلُ كبّاتِ الخميسِ العرمرمِ
    ولا عِفَّةٌ في سيفِهِ وسنانِهِ ... ولكنَّها في الكفِّ والفرْجِ والفمِ
    وما كلُّ هاوٍ للجميل بفاعلٍ ... ولا كلُّ فعّالٍ لهُ بمُتيَّمِ
    أبا المسكِ أرجو منك نصراً على العدا ... وآمُلُ عزّاً يخضبُ البيضَ بالدَّمِ
    فلو لم تكنْ في مصرَ ما سرْتُ نحوها ... بقلبِ المشوقِ المُستهامِ المتيَّمِ
    ولا نبحتْ خيلي كلابُ قبائلٍ ... كأنَّ بها في اللَّيل حمْلاتُ ديلمِ
    ولا اتَّبعتْ آثارَنا عينُ قائفٍ ... فلم ترَ إلاَّ حافراً فوقَ منسمِ
    لمن تطلبُ الدُّنيا إذا لم تَردْ بها ... سرورَ محبٍّ أو إساءةَ مجْرمِ
    رضيتُ بما ترضى به لي محبّةً ... وقُدتُ إليكَ النَّفسَ قودَ المُسلِّمِ
    ومثلُكَ من كانَ الوسيطَ فؤادُهُ ... فكلَّمهُ عنّي ولم أتكلَّمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا كنتَ ترضى أن تعيشَ بذلّةٍ ... فلا تستعِدَّنَّ الحُسامَ اليمانيا
    ولا تَسْتطيلَنَّ الرِّماحَ لغارةٍ ... ولا تستجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكيا
    فما ينفعُ الأُسدَ الحياءُ من الطَّوى ... ولا تُتّقى حتَّى تكونَ ضواريا
    إذا الجودُ لم يُرزقْ خلاصاً من الأذى ... فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
    وللنَّفسِ أخلاقٌ تدلُّ على الفَتَى ... أكانَ سخاءً ما أتى أم تساخيا
    أقِلَّ اشتياقاً أيُّها القلبُ ربَّما ... رأيتك تُصفي الودَّ من ليسَ جازيا
    خُلقْتُ ألوفاً لو رحلتُ إلى الصِّبا ... لفارقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكيا
    ولكنَّ بالفُسْطاطِ بحراً أزرْته ... حياتي ونُصحي والهَوَى والقوافيا
    وجُرداً مددْنا بين آذانِها القنا ... فبتْنَ خِفافاً يتّبعْنَ العواليا
    تماشى بأيدٍ كلّما وافت الصَّفا ... نقشْنَ بِهِ صدرَ البُزاةِ حوافيا
    وينظرْنَ من سودٍ صوادقَ في الدُّجَى ... يرَيْن بعيداتِ الشُّخوصِ كما هيا
    وتنصُبُ للجرْسِ الخفيِّ سوامعاً ... يخلْنَ مُناجاةَ الضَّميرِ تناديا
    قواصدَ كافورٍ توارِكَ غيرِهِ ... ومن قصَدَ البحرَ استقلَّ السَّواقيا
    فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانِهِ ... وخلَّت بياضاً خلفها ومآقيا
    ترفَّعَ عن عونِ المكارمِ قدْرُهُ ... فما يفعلُ الفَعْلاتِ إلاَّ عذاريا
    أبا كلِّ طيبٍ لا أبا المسكِ وحدَهُ ... وكلَّ سحابٍ لا أخُصُّ الغواديا
    يدلُّ بمعنى واحدٍ كلُّ فاخرٍ ... وقد جمع الرّحمن فيكَ المعانيا
    وغيرُ كثيرٍ أن يزورك راجلٌ ... فيرجعَ ملكاً للعراقَيْنِ واليا
    وقد تهبُ الجيش الَّذي جاءَ غازياً ... لسائلكِ الفردِ الَّذي جاء عافيا
    وتحتقرُ الدُّنيا احتقارَ مجرِّبٍ ... يرى كلَّ ما فيها وحاشاكَ فانيا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أوَّلها في باب النَّسيب:
    ليتَ الحوادثَ باعتْني الَّذي أخذتْ ... منّي بحلمي الَّذي أعطتْ وتجريبي
    فما الحداثةُ من حلمٍ بمانعةٍ ... قد يوجد الحلمُ في الشُّبّانِ والشِّيبِ
    ترعرعَ الملكُ الأُستاذُ مُكتهلاً ... قبلَ اكتهالٍ أديباً قبلَ تأديبِ
    مجرِّباً فهماً من قبلِ تجربةٍ ... مهذَّباً كرماً من قبلِ تهذيبِ
    حتَّى أصابَ من الدُّنيا نهايتها ... وهمُّهُ في ابتداءاتٍ وتشبيبِ
    يُدبِّر المُلكَ من مصر إلى عدنٍ ... إلى العراقِ فأرضِ الرُّوم فالنُّوْبِ
    إذا أتتْها الرياحُ النُّكْبُ من بلدٍ ... فما تهبُّ بها إلاَّ بترتيبِ
    ولا تُجاوزُها شمسٌ إذا شرقتْ ... إلاَّ ومنهُ لها إذنٌ بتغريبِ
    يصرّفُ الأمرَ فيها طينُ خاتمهِ ... ولو تطلَّسَ منهُ كلُّ مكتوبِ
    يحطّ كلَّ طويلِ الرُّمحِ حاملُهُ ... من سرج كلِّ طويلِ الباعِ يَعْبوبِ
    كأنَّ كلّ سؤالٍ في مسامعِهِ ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    عدوُّك مذمومٌ بكلّ لسانِ ... ولو كانَ من أعدائكَ القمرانِ
    ولله سرٌّ في عُلاكَ وإنَّما ... كلامُ العِدا ضربٌ من الهذيانِ
    أتلتمسُ الأعداءُ بعد الَّذي رأتْ ... قيامَ دليلٍ أو وضوحَ بيانِ
    رأتْ كلَّ من ينوي لكَ الغدرَ يُبْتلى ... بغدرِ حياةٍ أو بغدرِ زمانِ
    قضى الله يا كافورُ أنَّكَ أوّلٌ ... وليسَ بقاضٍ أن يُرى لكَ ثانِ
    فما لك تختارُ القسيَّ وإنّما ... عن السّعد يرمي دونَكَ الثَّقلانِ
    وما لك تُعنى بالأسنّةِ والقنا ... وجدُّك طعَّانٌ بغيرِ سنانِ
    ولم تحمل السَّيْفَ الطّويلَ نجادُهُ ... وأنتَ غنيٌّ عنهُ بالحدثانِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تركْنا من وراء العيس نجداً ... ونكّبْنا السَّماوةَ والعِراقا
    فما زالتْ تَرَى واللَّيل داجٍ ... لسيفِ الدَّولةِ المَلِكِ ائتلاقا
    أدلَّتُها رياحُ المسكِ منهُ ... إذا فتحت مناخرَها انتشاقا
    ولو سرْنا إليهِ في طريقٍ ... من النِّيرانِ لم نخَفِ احتراقا
    إمامٌ للأئمَّةِ من قريشٍ ... إلى من يتَّقونَ لهُ شِقاقا
    يكونُ لهم إذا غضبوا حُساماً ... وللهيْجاءِ حين تقومُ ساقا
    فلا تستنكرَنَّ له ابتساماً ... إذا فهِقَ المكرُّ دماً وضاقا
    فقد ضمنتْ لهُ المُهَجَ العوالي ... وحمَّل همَّهُ الخيلَ العِتاقا
    تبيتُ رماحُهُ فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاجُ لهُ رِواقا
    تميلُ كأنَّ في الأبطال خمراً ... عُلِلْن بها اصطباحاً واغْتباقا
    فلا حطَّتْ لكَ الهيجاءُ سرجاً ... ولا ذاقت لكَ الدُّنيا فِراقا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا زارَ سيفُ الدَّولةِ الرُّومَ غازياً ... كفاها لِمامٌ لو كفاهُ لِمامُ
    فتًى تتبَعُ الأزمانُ في النَّاسِ خطوَهُ ... لكلِّ زمانٍ في يديهِ زِمامُ
    تنامُ لديه الرُّسْلُ أمناً وغبطةً ... وأجفانُ ربِّ الرُّسلِ ليسَ تنامُ
    حذاراً لمُعْرَوْري الجيادِ فُجاءةً ... إلى الطَّعن قبلاً ما لهنَّ لِجامُ
    وما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القنا ... إذا لم يكن فوقَ الكرامِ كرامُ
    وكلّ أناسٍ يتبعونَ إمامَهُمْ ... وأنت لأهلِ المكرماتِ إمامُ
    ورُبَّ جوابٍ عن كتابٍ بعثتَهُ ... وعنوانُهُ للنَّاظرينَ قَتامُ
    تضيقُ به البيداءُ من قبلِ نشرهِ ... وما فُضَّ بالبيداءِ عنهُ ختامُ
    حروفُ هجاءِ النَّاسِ فيهِ ثلاثةٌ ... جوادٌ ورمحٌ ذابلٌ وحُسامُ
    وما زلتَ تُفني السُّمرَ وهي كثيرةٌ ... وتُفني بهنَّ الجيشَ وهو لُهامُ
    وقال أيضاً:
    بدرٌ فتًى لو كانَ من سؤّالِهِ ... يوماً توفَّرَ حظُّهُ من مالِهِ
    تتحيَّرَ الأفعالُ في أفعالِهِ ... ويقلّ ما يأتيهِ في إقبالِهِ
    قمراً نرى وسحابتَيْنِ بموضعٍ ... من وجههِ ويمينِهِ وشمالِهِ
    سفَكَ الدِّماءَ بجودِهِ لا بأسِهِ ... كرماً لأنَّ الطَّيرَ بعضُ عِيالِهِ
    إن يُفْنِ ما يحوي فقد أبقى بِهِ ... ذكراً يزولُ الدهرُ قبلَ زوالِهِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنْتُهُ ... أُراقبُ فيه الشَّمْسَ أيَّان تغربُ
    وعيني إلى أذْنَيْ أغرَّ كأنَّهُ ... من اللَّيل باقٍ بين عينيهِ كوكبُ
    لهُ فضْلةٌ عن جسمهِ في إهابِهِ ... تجيءُ على صدرٍ رحيبٍ وتذهبُ
    شققتُ به الظَّلماءَ أُدْني عنانَهُ ... فيطغى وأُرخيهِ مراراً فيلعَبُ
    وأصرَعُ أيَّ الوحشِ قفَّيْتُهُ ... وأُنزلُ عنهُ مثلَهُ حين أركبُ
    وما الخيلُ إلاَّ كالصَّديقِ قليلةٌ ... وإنْ كثرت في عين من لا يجرَّبُ
    إذا لم تشاهدْ غير حسنِ شياتها ... وأعضائها فالحسنُ عنكَ مُغيَّبُ
    وأخلاقُ كافورٍ إذا شئتُ مدحَهُ ... وإن لم أشأ تُملي عليّ وأكتُبُ
    فتًى يملأُ الأفعالَ رأياً وحكمةً ... ونادرةً أيَّان يرضى ويغضَبُ
    إذا ضربتْ بالسَّيفِ في الحرب كفُّه ... تبيَّنْتَ أنَّ السَّيفَ بالكفِّ يضربُ
    تزيدُ عطاياه على اللَّبثِ كثرةً ... وتلبثُ أمْواهُ السَّماءِ فتنْضُبُ
    أبا المسك هل في الكأسِ فضلٌ أنالُهُ ... فإنِّي أُغنِّي منذُ حينٍ وتشربُ
    وهبْتَ على مقدارِ كفَّيْ زماننا ... ونفسي على مقدارِ كفَّيْكَ تطلُبُ
    وكلُّ امرئٍ يولي الجميلَ محبَّبٌ ... وكلُّ مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيِّبُ
    وأظلمُ أهلِ الظُّلمِ من باتَ حاسداً ... لمن باتَ في نعمائِهِ يتقلَّبُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أنكرتُ طارقةَ الحوادثِ مرَّةً ... ثمَّ اعترفْتُ بها فصارتْ دَيْدنا
    وقطعْتُ في الدُّنيا الفلا وركائبي ... فيها ووقتيَّ الضُّحَى والمَوْهنا
    ووقفْتُ منها حيثُ أوقفني النَّدَى ... وبلغْتُ من بدرِ بن عمّار المُنى
    لأبي الحُسين جداً يضيقُ وعاؤهُ ... عنهُ ولو كان الوعاءُ الأزْمُنا
    وشجاعةٌ أغناهُ عنها ذكرُها ... ونهى الجبانَ حديثها أن يجْبُنا
    نيطَتْ حمائلُهُ بعاتِقِ محْرَبٍ ... ما كرَّ قطُّ وهل يكرُّ وما انثنى
    فكأنَّهُ والطَّعنُ من قُدَّامِهِ ... متخوّفٌ من خلفِهِ أن يُطعنا
    نفتِ التَّوهُّمَ عنه حدَّةُ ذهنِهِ ... فقضى على غيبِ الأمورِ تيقُّنا
    أمضى إرادتَهُ فسوفَ لهُ قد ... واسْتقربَ الأقصى فثمَّ لهُ هُنا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ومَطالبٍ فيها الهلاكُ أتيْتُها ... ثبتَ الجنانِ كأنَّني لم آتِها
    ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتُها ... أقواتَ وحشٍ كُنَّ من أقواتِها
    أقبلْتُها غُرَرَ الجيادِ كأنَّها ... أيدي بني عمرانَ في جبهاتِها
    الثّابتين فروسةً كجلودِها ... في ظهرِها والطَّعنُ في لبَّاتِها
    العارفينَ بها كما عرفتْهُمُ ... والرَّاكبين جدودُهم أُمَّاتِها
    فكأنَّها نتجتْ قياماً تحتهُمْ ... وكأنَّهم وُلِدوا على صهواتِها
    إنَّ الكرامَ بلا كرامٍ منهُمُ ... مثلُ القلوبِ بلا سُوَيْداواتها
    تلكَ النُّفوسُ الغالباتُ على العلا ... والمجدُ يغلبُها على شهواتِها
    سُقيتْ منابتُها الَّتي سقتِ الورى ... بيديْ أبي أيُّوبَ خيرِ نباتها
    ليس التَّعجُّبُ من مواهبِ مالِهِ ... بل من سلامتها إلى أوقاتِها
    عجباً له حفظَ العنانِ بأنْملٍ ... ما حفظها الأشياءَ من عاداتِها
    كرمٌ تبيّن في كلامكَ ماثلاً ... ويبينُ عتقُ الخيلِ في أصواتِها
    ذُكرَ الأنامُ لنا فكانَ قصيدةً ... كنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ومهمَهٍ جُبْتهُ على قدمي ... تعجزُ عنهُ العَرامِسُ الذُّلُلُ
    إذا صديقٌ نكرْتُ جانبهُ ... لم تُعْيني في فراقِهِ الحيلُ
    في سعةِ الخافقَيْنِ مُضطربٌ ... وفي بلادٍ من أختها بدلُ
    وفي اعتمادِ الأميرِ بدرِ بن عم ... مارٍ عن الشُّغلِ بالورى شغُلُ
    أغرُّ أعداؤهُ إذا سلموا ... بالهربِ استكثَروا الَّذي فعلوا
    يُقْبِلهمْ وجهَ كلّ سابحةٍ ... أربعُها قبلَ طرفها تصلُ
    جرداءَ ملءَ الحِزامِ مُجْفرةٍ ... تكونُ مثليْ عسيبها الخُصَلُ
    إن أدبرَتْ قلتَ لا تليلَ لها ... أو أقبلتْ قلت ما لها كفلُ
    والطّعنُ شزْرٌ والأرضُ واجفةٌ ... كأنَّما في فؤادها وهَلُ
    قد صبغَتْ خدَّها الدِّماءُ كما ... يصبغُ خدَّ الخريدةِ الخجلُ
    والخيلُ تبكي جلودُها عرقاً ... بأدمعٍ ما تسحُّها مُقَلُ
    سارٍ ولا قفرَ في مواكبِهِ ... كأنّما كلُّ سبسبٍ جبلُ
    يمنعُها أن يُصيبَها مطرٌ ... شدّةُ ما قد تضايقَ الأسلُ
    يا بدر يا بحرُ يا غمامةُ يا ... ليثَ الشَّرى يا حمامُ يا رجُلُ
    إنّكَ من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دونَ أعمارهم فقد بخِلوا
    قلوبُهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتُهم في تمام ما اعْتقلوا
    كتيبةٌ لستَ ربَّها نفلٌ ... وبلدةٌ لستَ حلْيَها عطُلُ
    قُصدَتْ من شرْقِها ومغربها ... حتَّى اشتكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    خليليَّ إنِّي لا أَرَى غيرَ شاعرٍ ... فلمْ منهمُ الدَّعوى ومنّي القصائدُ
    فلا تعجبا إنَّ السُّيوفَ كثيرةٌ ... ولكنّ سيفَ الدَّولةِ اليومَ واحدُ
    لهُ من كريمِ الطَّبعِ في الحربِ مُنتضٍ ... ومن عادةِ الإحسانِ والصَّفْحِ غامدُ
    ولمّا رأيتُ النَّاس دونَ محلّهِ ... تيقّنتُ أنَّ الدَّهر للنَّاسِ ناقدُ
    أحقُّهُمُ بالسَّيفِ من ضرَبَ الطُّلى ... وبالأمنِ من هانت عليهِ الشَّدائدُ
    فتًى يشتهي طولَ البلادِ ووقتِهِ ... تضيقُ به أوقاتُهُ والمقاصدُ
    أخو غزواتٍ ما تُغبُّ سيوفُهُ ... رقابَهُمُ إلاَّ وسيْحانُ جامدُ
    فلم يبقَ إلاَّ من حماها من الظُّبا ... لمى شفتَيْها والثُّديُّ النَّواهدُ
    تُبكّيْ عليهنَّ البطاريقُ في الدُّجَى ... وهُنَّ لدينا مُلقياتٌ كواسدُ
    بِذا قضت الأيَّام ما بينَ أهلِها ... مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ
    وكلٌّ يرى طرقَ الشَّجاعةِ والنَّدَى ... ولكنَّ طبعَ النَّفسِ للنَّفسِ قائدُ
    نهبْتَ من الأعمارِ ما لو حويْتَهُ ... لهنِّئَتِ الدُّنيا بأنّكَ خالدُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    غيري بأكثر هذا النَّاس ينخدعُ ... إنْ قاتلو جَبُنوا أو حدَّثوا شجُعوا
    أهل الحفيظةِ إلاَّ أن تُجرّبهُم ... وفي التّجارب بعدَ الغيِّ ما يزعُ
    وما الحياةُ ونفسي بعدما علمَتْ ... أنَّ الحياةَ كما لا تشتهي طبعُ
    ليسَ الجمالُ لوجهٍ صحَّ مارِنُهُ ... أنفُ العزيز بفقد العزِّ يُجتدعُ
    أأطرَحُ المجدَ عن كِتْفي وأطلبه ... وأتركُ الغيثَ في غمدي وأنْتَجعُ
    والمشرفيَّةُ لا زالتْ مُشرَّفةً ... دواءُ كلّ كريمٍ أو هي الوجعُ
    وفارسُ الخيلِ من خفّتْ فوقَّرها ... في الدَّربِ والدَّمِ في أعطافها دُفَعُ
    بالجيشِ تمتنعُ السّاداتُ كلُّهم ... والجيشُ بابنِ أبي الهيجاءِ يمتنعُ
    قادَ المقانبَ أقصى شُربها نهلٌ ... على الشَّكيمِ وأدنى سيرها سِرَعُ
    لا يَعْتقي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍ ... كالموت ليسَ لهُ ريٌّ ولا شبعُ
    حتَّى أقامَ على أرْباضِ خَرْشنةٍ ... تشقى به الرُّومُ والصُّلبانُ والبِيعُ
    للسَّبْيِ ما نكحوا والقتلِ ما ولَدوا ... والنَّهبِ ما جمعوا والنّارِ ما زرعوا
    يُطمّعُ الطيرَ فيهم طولُ أكلهِم ... حتَّى تكادَ على أحيائهمْ تقعُ
    يمشي الكرامُ على آثار غيرهم ... وأنت تخلُقُ ما تأتي وتبتدعُ
    وهل يشينُك وقتٌ كنتَ فارسَهُ ... وكان غيرَكَ فيه العاجزُ الضَّرعُ
    من كان فوقَ محلِّ الشَّمْسِ موضعُهُ ... فليس يرفعهُ شيءٌ ولا يضعُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ
    فتعظُمُ في عين الصَّغيرِ صغارُها ... وتصغر في عين العظيمِ العظائمُ
    يكلّفُ سيفُ الدّولة الجيشَ همَّهُ ... وقد عجزتْ عنهُ الجيوش الخضارِمُ
    ويطلبُ عندَ النَّاسِ ما عندَ نفسِهِ ... وذلك ما لا تدّعيه الضَّراغمُ
    يُفدّي أتمُّ الطّير عمراً سلاحَهُ ... نسورُ الملا أحداثُها والقشاعِمُ
    وما ضرَّها خلقٌ بغير مخالبٍ ... وقد خُلقَتْ أسيافُه والقوادمُ
    تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيءٍ أخذتَهُ ... وهنَّ لما يأخذْنَ منكَ غوارمُ
    إذا كان ما تنويهِ فعلاً مُضارعاً ... مضى قبلَ أن تُلقى عليهِ الجوازمُ
    أتوْكَ يجرُّونَ الحديدَ كأنَّما ... سرَوا بجيادٍ ما لهنَّ قوائمُ
    إذا برقوا لم تُعْرف البيضُ منهمُ ... ثيابهُم من مثلها والعمائمُ
    خميسٌ بشرق الأرضِ والغربِ زحفُهُ ... وفي أُذنِ الجوزاءِ منهُ زمازِمُ
    تجمّع فيهِ كلُّ لِسْنٍ وأُمّةٍ ... فما يعرف الحُدّاثَ إلاَّ التّراجمُ
    وقفتَ وما في الموتِ شكٌّ لواقفٍ ... كأنّكَ في جفنِ الرَّدى وهو نائمُ
    تمرُّ بكَ الأبطالُ كَلْمى هزيمةً ... ووجهُكَ وضَّاحٌ وثغرُكَ باسمُ
    ضممْتَ جناحيهم على القلبِ ضمّةً ... تموتُ الخوافي تحتها والقوادمُ
    بضرْبٍ أتى الهاماتِ والنّصرُ غائبٌ ... وصارَ إلى اللّبّاتِ والنّصرُ قادمُ
    ومن طلبَ الفتحَ الجليلَ فإنَّما ... مفاتيحُهُ البيضُ الخِفافُ الصَّوارمُ
    نثرتهُمُ فوق الأُحَيْدبِ كلِّهِ ... كما نُثرتْ فوقَ العروسِ الدَّراهمُ
    ولستَ مليكاً هازماً لنظيرِهِ ... ولكنّهُ التَّوحيدُ للشِّركِ هازمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولو كنتُ في أسرِ غيرِ الهَوَى ... ضمنْتُ ضمانَ أبي وائلِ
    فدى نفسهُ بضمانِ النّضارِ ... وأعطى صدورَ القنا الذّابلِ
    ومنّاهُمُ الخيل مجنوبةً ... فجئْنَ بكلّ فتًى باسلِ
    كأنَّ خلاصَ أبي وائلٍ ... معاودَةُ القمرِ الآفِلِ
    أما للخلافةِ من مُشفقٍ ... على سيفِ دولتها الفاصِلِ
    يقدُّ عِداها بلا ضاربٍ ... ويسري إليهم بلا حامِلِ
    تركْتَ جماجمهُمْ في النَّقا ... وما يتخلَّصْنَ للنَّاخِلِ
    وأنبتَّ منهمْ ربيعَ السِّباعِ ... فأثنَتْ بإحسانكَ الشّامِلِ
    وعُدْتَ إلى حلبٍ ظافراً ... كعوْدِ الحُليّ إلى العاطِلِ
    فهنّأكَ النّصرَ مُعطيكَهُ ... وأرضاهُ سعيُكَ في الآجِلِ
    فذي الدَّارُ أخوَنُ من مومسٍ ... وأخدَعُ من كفِّهِ الحابِلِ
    تفانى الرِّجالُ على حُبِّها ... وما يحصُلونَ على طائِلِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أعطى الزَّمانُ فما قبلتُ عطاءهُ ... وأرادَ لي فأردتُ أن أتخيَّرا
    أرجانَ أيَّتها الجيادُ فإنَّهُ ... عزمي الَّذي يذرُ الوشيجَ مُكسّرا
    أُمّي أبا الفضلِ المُبرَّ أليَّتي ... لأُيمِّمَنَّ أجلَّ بحرٍ جوهرا
    صُغْتُ السِّوارَ لأيّ كفٍّ بشَّرتْ ... بابن العميدِ وأيِّ عبدٍ كبَّرا
    إن لم تُغثْني خيلُهُ وسلاحه ... فمتى أقودُ إلى الأعادي عسكرا
    بأبي وأمّي ناطقٌ في لفظِهِ ... ثمنٌ تُباع به القلوبُ وتُشترى
    يتكسَّبُ القصبُ الضَّعيفُ بكفِّهِ ... شرفاً على صُمِّ الرِّماحِ ومفخرا
    ويبينُ فيما مسّ منهُ بنانُهُ ... تيهُ المدلِّ فلو مشى لتبَخْتَرا
    يا من إذا ورد البلادَ كتابهُ ... قبلَ الجيوشِ ثنى الجيوشَ تحيُّرا
    أنتَ الوحيدُ إذا ركبتَ طريقةً ... ومن الرَّديفُ وقد ركبتَ غضَنْفرا
    قطفَ الرِّجالُ القولَ قبلَ نباتِهِ ... وقطفْتَ أنتَ القولَ لمّا نوَّرا
    فهو المشيَّعُ بالمسامعِ إن مضى ... وهو المضاعَفُ حسنُهُ إن كرّرا
    وإذا سكتَّ فإنَّ أبلغَ ناطقٍ ... قلمٌ لكَ اتَّخذ الأصابعَ منبرا
    أرأيتَ همَّة ناقتي في ناقةٍ ... نقلتْ يداً سُرحاً وخُفّاً مُجْمرا
    تركَتْ دُخانَ الرَّمثِ في أوطانها ... طلباً لقومٍ يوقدونَ العَنْبرا
    وتكرَّمتْ رُكباتُها عن مبرَكٍ ... تقعانِ فيهِ وليسَ مسكاً أذْفرا
    فأتَتْكَ داميةَ الأظلّ كأنّما ... حُذيتْ قوائمُها العقيقَ الأحمرا
    بدرت إليكَ يدُ الزَّمان كأنّما ... وجدتْهُ مشغولَ اليديْن مُفكِّرا
    مَنْ مُبلغُ الأعرابِ أنِّي بعدها ... شاهدْتُ رِسطاليسَ والإسْكَندرا
    ومللْتُ نحرَ عِشارها فأضافني ... من ينحرُ البدرَ النُّضارَ لمن قرى
    وسمعتُ بطليموسَ دارِسَ كُتْبهِ ... مُتَملِّكاً مُتَبدِّياً مُتحضِّرا
    ولقيتُ كلَّ الفاضلينَ كأنَّما ... ردَّ الإلهُ نفوسهُمْ والأعْصرا
    نُسِقوا لنا نسقَ الحِسابِ مُقدّماً ... وأتى فذلكَ إذْ أتيتَ مؤخَّرا
    زُحلٌ على أنَّ الكواكبَ قوْمُهُ ... لو كانَ منكَ لكانَ أكرمَ معشرا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لا يُدركُ المجدَ إلاَّ سيِّدٌ فطنٌ ... لما يشقُّ على السّاداتِ فعّالُ
    لا وارثٌ جهلتْ يُمناه ما وهبَتْ ... ولا كَسوبٌ بغيرِ السَّيف سئَّالُ
    قال الزَّمَانُ له قولاً فأفهمَهُ ... أنَّ الزَّمان على الإمساكِ عذّالُ
    كفاتكٍ ودخولُ الكافِ منقصةٌ ... كالشَّمسِ قلتُ وما للشَّمسِ أمثالُ
    القائدُ الأُسدَ غذَّتْها براثنهُ ... بمثلها من عِداهُ وهي أشبالُ
    القاتلُ السَّيفَ في جسم القتيلِ بِهِ ... وللسُّيوف كما للنّاسِ آجالُ
    تُغيرُ عنه على الأعداءِ هيبته ... ومالُهُ بأقاصي البرِّ أهْمالُ
    لهُ من الوحشِ ما اختارتْ أسِنَّتُهُ ... عيْرٌ وهَيْقٌ وخنساءٌ وذيّالُ
    لا يعرفُ الرُّزءَ في مالٍ ولا ولدٍ ... إلاَّ إذا احتفز الضّيفانَ ترحالُ
    يُريك مخبرهُ أضعافَ منظرهِ ... بينَ الرّجال وفيها الماءُ والآلُ
    إذا العِدا نَشِبتْ فيهمْ مخالبُهُ ... لم يجتمعْ لهمُ حلمٌ ورئبالُ
    يروعهمْ منهُ دهرٌ صرفُهُ أبداً ... مُجاهرٌ وصروفُ الدَّهر تَغْتالُ
    إذا الملوكُ تحلّت كان حليتَهُ ... مهنَّدٌ وأصمُّ الكعبِ عسّالُ
    أبو شجاع أبو الشُّجعانِ قاطبةً ... هولٌ نمتْهُ من الهيجاءِ أهوالُ
    تملّكَ الحمدَ حتَّى ما لمُفْتخرٍ ... في الحمدِ حاءٌ ولا ميمٌ ولا دالُ
    إن كنتَ تكبُرُ أن تختالَ في بشرٍ ... فإنَّ قدركَ في الأقدارِ يختالُ
    لولا المشقَّةُ سادَ النَّاسُ كلُّهُمُ ... الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتّالُ
    وإنّما يبلغُ الإنسانُ طاقتَهُ ... ما كلُّ ماشيةٍ بالرِّجْلِ شِمْلالُ
    إنّا لفي زمنٍ ترْكُ القبيحِ بِهِ ... من أكثرِ النَّاسِ إحسانٌ وإجمالِ
    ذِكرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثّاني وحاجتُهُ ... ما قاتَهُ وفضولُ العيشِ أشْغالُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أحُلْماً نرى أمْ زماناً جديدا ... أم الخلقُ في شخصِ حيٍّ أُعيدا
    تجلّى لنا فأضأنا به ... كأنّا نجومٌ لقينَ السُّعودا
    رأينا ببدرٍ وآبائهِ ... لبدْرٍ ولوداً وبدراً وليدا
    طلبْنا رضاهُ بتركِ الَّذي ... رضينا لهُ فتركنا السُّجودا
    أميرٌ أميرٌ عليهِ النَّدَى ... جوادٌ بخيلٌ بأن لا يجودا
    يحدِّثُ عن فضلِهِ مُكرهاً ... كأنَّ لهُ منهُ قلباً حسودا
    ويُقْدمُ إلاَّ على أن يفرَّ ... ويقدر إلاَّ على أن يزيدا
    ورُبّتما حملةٍ في الوَغَى ... رددْنَ لهُ الذُّبَّلَ السُّمرَ سودا
    وهوْلٍ كشفْتَ ونصلٍ قصفْتَ ... ورمحٍ تركتَ مُباداً مُبيدا
    ومالٍ وهبْتَ بلا موعدٍ ... وقِرْنٍ سبقتَ إليه الوعيدا
    بهجْرِ سيوفِكَ أغمادها ... تمنَّى الطُّلى أن تكونَ الغُمودا
    إلى الهامِ تصدُرُ عن مثلِهِ ... تَرَى صدراً عن ورودٍ ورودا
    قتلْتَ نفوسَ العِدا بالحدي ... دِ حتَّى قتلْتَ بهنَّ الحديدا
    فأنْفدْتَ عن عيشهنَّ البقاءَ ... وأبقيْتَ ممّا ملكْتَ النُّفودا
    كأنّك بالفقْرِ تبغي الغِنَى ... وبالموتِ في الحربِ تبغي الخُلودا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تعرّضَ سيفُ الدَّولةِ الدهرَ كلَّهُ ... يُطبّقُ في أوصاله ويصمِّمُ
    فجازَ له حتَّى على الشَّمْسِ حكمُهُ ... وبانَ له حتَّى على البدرِ ميْسَمُ
    كأنَّ العِدا في أرضهمْ خلفاؤُه ... فإنْ شاءَ حازوها وإن شاءَ سلَّموا
    ولا كُتْبَ إلاَّ المشرفيَّةُ عندهُ ... ولا رسلٌ إلاَّ الخميسُ العَرمْرمُ
    فلم يخْلُ من نصرٍ لهُ من له يدٌ ... ولم يخلُ من شكرٍ له من لهُ فمُ
    ولم يخلُ من أسمائهِ عودُ منبرٍ ... ولم يخلُ دينارٌ ولم يخلُ درهمُ
    يُقرّ له بالفضلِ من لا يودُّهُ ... ويقضي له بالسَّعدِ من لا يُنجِّمُ
    أجارَ على الأيَّام حتَّى ظننتُهُ ... تطالبه بالرَّدِّ عادٌ وجُرْهُمُ
    ولمّا عرضْتَ الجيشَ كانَ بهاؤه ... على الفارسِ المُرْخى الذُّؤابةِ منهُمُ
    حوالَيْهِ بحرٌ للتّجافيفِ مائجٌ ... يسيرُ به طودٌ من الخيل أيْهَمُ
    تساوتْ به الأقطارُ حتَّى كأنّما ... يجمّعُ أشتاتَ البلادِ وينظمُ
    وكلّ فتًى للحرب فوقَ جبينهِ ... من الضَّرب سطرٌ بالأسنَّةِ مُعجمُ
    يمدُّ يديْهِ في المفاضةِ ضيغمٌ ... وعينيهِ من تحتِ التَّريكةِ أرقمُ
    على كلّ طاوٍ تحتَ طاوٍ كأنه ... من الدَّمِ يُسقى أو من اللَّحمِ يُطعمُ
    لها في الوَغَى زيّ الفوارس فوقها ... فكُلّ حصانٍ دارعٌ مُتَلثِّمُ
    وما ذاك بخلاً بالنُّفوس على القنا ... ولكنَّ صدمَ الشَّرِّ بالشَّرِّ أحْزمُ
    أتحسبُ بيضُ الهندِ أصلك أصْلها ... وأنَّك منها ساءَ ما تتوهَّمُ
    إذا نحنُ سمَّيناكَ خِلْنا سيوفَنا ... من التّيه في أغمادِها تتبسَّمُ
    ولم نرَ ملكاً قطّ يُدعى بدونِهِ ... فيرضى ولكنْ يجهلونَ وتحلمُ
    أخذتَ على الأرواح كلَّ ثنيَّةٍ ... من العيش تُعطي من تشاء وتحرمُ
    فلا موتَ إلاَّ من سنانكَ يُتَّقى ... ولا رزقَ إلاَّ من يمينكَ يُقسمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    بغيْرِكَ راعياً عبثَ الذئابُ ... وغيرَكَ صارماً ثلَمَ الضِّرابُ
    وتملكُ أنفُسَ الثقليْنِ طُرّاً ... فكيفَ تحوزُ أنفسها كلابُ
    وما تركوكَ معصيةً ولكنْ ... يُعافُ الوِردُ والموتُ الشرابُ
    طلبتَهُمُ على الأمواهِ حتَّى ... تخوَّف أن تفتّشهُ السَّحابُ
    فبتَّ ليالياً لا نومَ فيها ... تخبُّ بكَ المسوَّمةُ العِرابُ
    يهزّ الجيشُ حولَكَ جانبَيْهِ ... كما نفضتْ جناحيْها العُقابُ
    وتسألُ عنهمُ الفلواتِ حتَّى ... أجابكَ بعضُها وهُمُ الجوابُ
    إذا ما سرْتَ في آثار قوم ... تخاذلت الجماجِمُ والرّقابُ
    وكيفَ يتمُّ بأسك في أُناسٍ ... تصيبهم فيؤلمكَ المُصابُ
    ترفَّقْ أيُّها المولى عليهمْ ... فإنّ الرِّفْقَ بالجاني عِتابُ
    وإنّهُمُ عبيدكَ حيثُ كانوا ... إذا تدعوا لحادثةٍ أجابوا
    وعينُ المُخطئين هم وليسوا ... بأوَّل معشرٍ خَطِؤوا فتابوا
    وأنتَ حياتُهم غضبَتْ عليهمْ ... وهجرُ حياتهمْ لهُمُ عقابُ
    وما جهلتْ أياديكَ البوادي ... ولكن رُبَّما خفِيَ الصَّوابُ
    وكم ذنبٍ موَلِّدُه دلالٌ ... وكم بعْدٍ مولِّده اقترابُ
    وجُرمٍ جرَّهُ سُفهاءُ قومٍ ... فحلّ بغيرِ جارمِهِ العذابُ
    ولو غيرُ الأمير غزا كلاباً ... ثناهُ عن شُموسهمُ ضبابُ
    ولاقى دونَ ثايهِمِ طِعاناً ... يُلاقي عندهُ الذِّئبَ الغُرابُ
    وخيلاً تغتذي ريحَ الموامي ... ويكفيها من الماءِ السَّرابُ
    ولكنْ ربُّهمْ أسرى إليهمْ ... فما نفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ
    ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملْنَ ولا رِكابُ
    رميتَهُمُ ببحرٍ من حديدٍ ... لهُ في البرِّ خلفَهُمُ عُبابُ
    فمسَّاهُمْ وبُسطهُمُ حريرٌ ... وصبّحهُمْ وبسطهمُ ترابُ
    ومن في كفّهِ منهم قناةٌ ... كمنْ في كفِّه منهمْ خِضابُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وما زلتُ أطوي القلب قبل اجتماعِنا ... على حاجةٍ بين السَّنابك والسُّبْلِ
    ولو لم تسرْ سرنا إليكَ بأنفسٍ ... غرائبَ يؤثرنَ الجيادَ على الأهلِ
    وخيلٍ إذا مرَّت بوحشٍ وروضةٍ ... أنتْ رعيَها إلاَّ ومِرْجلُنا يغلي
    ولكنْ رأيتَ الفضل في القصدِ شركةً ... فكانَ لكَ الفضلان في القصدِ والفضلِ
    وليسَ الَّذي يتَّبَّعُ الوبلَ رائداً ... كمنْ جاءهُ في داره رائدُ الوبْلِ
    وما أنا ممَّنْ يدَّعي الشَّوقَ قلبهُ ... ويحتَجّ في تركِ الزّيارةِ بالشُّغلِ
    وأهدَتْ إلينا غيرَ قاصدةٍ بهِ ... كريمَ السَّجايا يسبقُ القولَ بالفعْلِ
    تتبّعَ آثارَ الرّزايا بجودِهِ ... تتبُّعَ آثار الأسنّةِ بالفُتْلِ
    عفيفٌ تروقُ الشَّمْسَ صورةُ وجههِ ... فلو نزلتْ شوقاً لحادَ إلى الظِّلِّ
    شجاعٌ كأنَّ الحربَ عاشقةٌ لهُ ... إذا زارها فدَّتْهُ بالخيل والرَّجْلِ
    وما دامَ دِلَّيْرٌ يهزُّ حسامهُ ... فلا نابَ في الدُّنيا للَيْثٍ ولا شبلِ
    فتًى لا يُرجّي أن تتم طهارةٌ ... لمن لم يطهِّرْ راحتَيْهِ من البخلِ
    وقال أيضاً:
    وبمُهْجتي يا عاذلي المَلكُ الَّذي ... أسخطْتُ كلَّ النَّاس في إرضائِهِ
    إنْ كانَ قدْ ملَكَ القلوبَ فإنَّهُ ... ملَكَ الزَّمَانَ بأرضِهِ وسمائِهِ
    الشَّمْسُ من حُسَّادِهِ والنَّصرُ من ... قُرَنائِهِ والسَّيفُ من أسمائِهِ
    أينَ الثَّلاثةُ من ثلاثِ خِصالهِ ... من حسنِهِ وإبائِهِ ومضائِهِ
    مضَتْ الدُّهورُ وما أتينَ بمثلهِ ... ولقدْ أتى فعجزْنَ عن نُظرائِهِ
    وُقِيَ الأميرُ هوى العيونِ فإنَّهُ ... ما لا يزولُ ببأسِهِ وسخائِهِ
    يستأسرُ البطلَ الكميَّ بنظرةٍ ... ويحولُ بين فؤادِهِ وعزائِهِ
    إنِّي دعوتُكَ للنّوائِبِ دعوةً ... لم يدْعَ سامعُها إلى أكفائِهِ
    فأتيْتُ من فوق الزّمان وتحته ... مَتَصلْصلاً وأمامِهِ وورائِهِ
    من للسُّيوفِ بأن يكون سميّها ... في أصلِهِ وفرنْدِهِ ووفائِهِ
    طُبعَ الحديدُ فكانَ من أجناسِهِ ... وعليٌّ المطبوعُ من آبائِهِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أوَّلها في باب النَّسيب:
    من الحلمِ أن تستعمل الجهلَ دونَهُ ... إذا اتّسعت في الحلمِ طرقُ المظالمِ
    وأن تردَ الماءَ الَّذي شطرُه دمٌ ... فتُسْقى إذا لم يُسقَ من لم يُزاحِمِ
    ومن عرف الأيَّام معرفتي بها ... وبالنَّاسِ روّى رُمحَهُ غيرَ راحمِ
    فليسَ بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الرَّدى الجاري عليهم بآثمِ
    إذا صُلْتُ لم أترك مصالاً لفاتكٍ ... وإن قلتُ لم أترك مقالاً لعالمِ
    وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعفُ العزائمِ
    تمنّى أعاديهِ محلَّ عُفاتِهِ ... وتحسد كفَّيْهِ ثقالُ الغمائمِ
    ولا يتلقّى الجهرَ إلاَّ بمُهْجةٍ ... مُعظَّمةٍ مذخورةٍ للعظائمِ
    كريمٌ نفضتُ النَّاسَ لمّا بلغتُه ... كأنَّهُمُ ما جفَّ من زادِ قادِمِ
    وكادَ سُروري لا يَفي لنَدَامتي ... على تركهِ في عمريَ المُتقادِمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أولها في باب النسيب:
    ومنْ تكن الأُسدُ الضَّواري جودَهُ ... يكنْ ليلُه صبحاً ومطعمُهُ غَصْبا
    ولستُ أُبالي بعدَ إدراكي العُلا ... أكانَ تراثاً ما تناولتُ أمْ كسبا
    وربَّ غلامٍ علَّمَ المجدَ نفسَهُ ... كتعليمِ سيف الدَّولةِ الضّرْبا
    إذا الدولةُ استكفتْ بهِ في ملمَّةٍ ... كفاها فكانَ السَّيْفَ والكفَّ والقلبا
    تهابُ سيوفُ الهندِ وهي حدائدٌ ... فكيفَ إذا ما كانتْ نِزاريَّةً عُربا
    ويرهَبُ نابُ اللَّيثِ واللَّيثُ وحدَهُ ... فكيفَ إذا كانَ اللّيوثُ لهُ صَحْبا
    ويخشَى عبابُ البحرِ وهو مكانَهُ ... فكيفَ بمنْ يغشى البلادَ إذا عبَّا
    كفى عجباً أن يعجَبَ النَّاسُ أنَّه ... بنى مَرْعشاً تبّاً لآرائهمْ تبَّا
    وما الفرقُ ما بينَ الأنامِ وبينَهُ ... إذا حذرَ المحذورَ واستصعَبَ الصَّعبا
    لأمرٍ أعدته الخلافةُ للعِدا ... وسمَّتهُ دونَ العالمِ الصَّارمَ العضْبا
    ولم تفترق عنهُ الأسنَّةُ رحمةً ... ولم يترُك الشَّامَ الأعادي لهُ حبَّا
    ولكنْ نَفَاها عنهُ غيرَ كريمةٍ ... كريمُ النَّثا ما سُبَّ قطّ ولا سَبَّا
    وجيشٌ يُثنّي كلّ طودٍ كأنَّهُ ... خَريقُ رياحٍ واجهتْ غُصناً رَطبا
    كأنَّ نجومَ الليلِ خافتْ مُغارَهُ ... فمدَّتْ عَلَيْها من عَجَاجتهِ حُجْبا
    وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان:
    أشدَّةٌ ما أراهُ منكَ أم كرَمُ ... تجود بالنَّفسِ والأرواحُ تُصطلَمُ
    يا باذلَ النَّفسِ والأموالِ مُبتسماً ... أما يهولُكَ لا موتٌ ولا عدَمُ
    لقد ظننتُكَ بينَ الجَحفلينِ تَرَى ... أنَّ السَّلامَةَ مِن وقعِ القَنَا تَصِمُ
    نشدتُكَ الله لا تسمحْ بنفسٍ عُلاً ... حياةُ صاحِبِها تحيا بها الأُمَمُ
    هي الشَّجاعَةُ إلاَّ أنَّها سَرَفٌ ... وكلُّ فضلكَ لا قصدٌ ولا أمَمُ
    إذا لَقيتَ رقاقَ البِيضِ منفرداً ... تحتَ العجاجِ فلمْ تُستكثَرُ الخدَمُ
    مَنْ ذا يقاتلُ مَنْ تلقَى القتالَ بهِ ... وليسَ يفضُلُ عنكَ الخيلُ والبُهَمُ
    تضنُّ بالطَّعنِ عنَّا ضّنَ ذي بَخَلٍ ... ومنكَ في كلِّ حال يُعرَفُ الكرَمُ
    لا تبخلنَّ على قومٍ إذا قُتلوا ... أثْنى عليكَ بَنُو الهيجاءِ دونهُمُ
    همُ الفوارسُ في أيديهمُ أسَلٌ ... فإنْ رأَوْكَ فأُسدٌ والقَنَا أجَمُ
    وقال السَّريُّ الموصليّ من قصيدةٍ:
    أعزمتكَ الشّهابُ أمِ النهارُ ... أراحتكَ السّحابُ أمِ البحارُ
    خُلقتَ منيّةً ومنىً فأضحتْ ... تمورُ بكَ البسيطةُ أو تمارُ
    تُحلّي الدينَ أو تحمي حماهُ ... فأنتَ عليه سورٌ أو سوارُ
    سيوفكَ من شُكاةِ الثَّغر برءٌ ... ولكنْ للعدَا فيها بَوارُ
    وكفَّاكَ الغمامُ الجَودُ يسري ... وفي أحشائهِ ماءٌ ونارُ
    يسارٌ من سجيّتها المَنَايا ... ويُمنى من عطيّتها اليسارُ
    حضرْنا والملوكُ له قيامٌ ... تغضُّ نواظراً فيها انكسارُ
    وزُرْنا منهُ ليثَ الغابِ طَلْقاً ... ولم نَرَ قبلَهُ ليثاً يُزارُ
    فكانَ لجوهرِ المجدِ انتظامٌ ... وكانَ لجوهرِ الجودِ انتثارُ
    فعشتَ مخيَّراً لكَ في الأماني ... وكانَ على العدوِّ لكَ الخيارُ
    فضيفُكَ للحيا المنهلِّ ضيفٌ ... وجارُكَ للرَّبيعِ الطَّلقِ جارُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أقولُ للمُبتغي إدراكَ سؤددهِ ... خفِّضْ عليكَ فليسَ النَّجمُ مطلوبا
    إنْ تطلب السِّلمَ تسلمْ من صوارِمهِ ... أو تؤثر الحربَ ترجعْ عنهُ مَحروبا
    كمْ منْ جَبينٍ أزارَ السَّيْفَ صفحتَهُ ... فعادَ طِرساً بحدِّ السَّيْفِ مكتُوبا
    وكمْ لهُ في الوَغَى من طعنةٍ نَظَمتْ ... عِداهُ أو نثرتْ رُمحاً أنابيبَا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    كالغيثِ يُحيي إنْ همَى والسَّيلِ يُر ... دي إنْ طَمَا والدَّهْرِ يُصمي إنْ رَمَى
    شتَّى الخِلال يروحُ إمَّا سالباً ... نِعَمَ العِدا قسراً وإمَّا مُنعما
    مثل الشِّهابِ أصابَ فجّاً مُعشباً ... بحريقِهِ وأضاءَ فجّاً مُظلما
    أو كالغمامِ الجَوْدِ إن بعثَ الحيا ... أحْيى وإن بعثَ الصَّواعقَ أضْرما
    أو كالحسامِ إذا تبسَّم مَتنُهُ ... عَبَس الرَّدَى في حدِّهِ فتجهَّما
    كَلِف بدُرّ الحمدِ ينظمُ سلكَهُ ... حتى يُرى عقداً عليهِ مُنظَّما
    ويلمُُّ من شَعث العُلا بشمائلٍ ... أحْلى من اللَّعَسِ الممنَّعِ واللَّمى
    ولرُبَّ يومٍ لا تزالُ جيادُهُ ... تطأُ الوَشيجَ مخضَّباً ومُحطَّما
    باب
    الفخروقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
    محمدٌ النَّبيّ أخي وصِهري ... وحمزَةُ سيّد الشُّهداء عمِّي
    وجعفرٌ الَّذي يُمسي ويُضحي ... يطيرُ مَعَ الملائكةِ ابنُ أُمِّي
    وبنتُ محمَّدٍ سَكَني وعِرسي ... مَسوطٌ لحمها بدَمي ولَحمي
    وسِبْطا أحمدٍ نجلايَ منها ... فأيَّكُمُ له سهمٌ كَسَهْمي
    سبقتكُمُ إلى الإسلام طرّاً ... صغيراً ما بلغتُ أوانَ حِلْمي
    وصليت الصلاة وكنت ردأ ... فأيكمْ له يومٌ كيومي؟
    وأوجَبَ لي ولايَتَهُ عليكمْ ... رسولُ اللهِ يومَ غَديرِ خُمِّ
    وقال سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه:
    ألا هَل أتى رسولَ اللهِ أنِّي ... حميتُ صَحابتي بصدورِ نَبْلي
    أذودُ بها عدوَّهم ذياداً ... بكلِّ حزُونةٍ وبكلِّ سهلِ
    فما يعتدُّ رامٍ من مَعَدٍّ ... بسهمٍ يا رسولَ اللهِ قبلي
    وقال معاوية، رضي الله عنه:
    قدْ عشتُ في الدَّهْرِ ألواناً على خُلُقٍ ... شتَّى وقاسيتُ فيها اللِّينَ والطَّبَعَا
    كُلاًّ بلوتُ فلا النَّعماءُ تُبطِرُني ... ولا تخشَّعتُ مِنْ مكروهِها جَزَعا
    لا يملأُ الهولُ قلبي قبلَ موقعِهِ ... ولا أضيقُ بهِ ذَرْعاً إذا وَقَعا
    وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه، يذكر مشاهد الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم - وتروى لعبد الرحمن ابنه - :
    قومٌ هُمُ شهدُوا بدراً بأجمعهمْ ... مع الرَّسولِ فما أَلَوْا وما خَذَلوا
    وبايعُوهُ فلم ينكث بهِ أحدٌ ... منهم ولم يكُ في إيمانهمْ دَخَلُ
    ويَوم صبَّحهم بالشّعبِ من أُحُدٍ ... ضربٌ وطعنٌ كجمرِ النَّارِ مُشتعلُ
    ويوم ذي قَرَدٍ يوم استنارَ بهمْ ... على الجيادِ فما حَاصوا ولا نَكَلوا
    وذا العشيرةِ جاسُوها بخيلهمُ ... معَ الرَّسولِ عَلَيْها البِيضُ والأَسَلُ
    ويوم وَدَّانَ أجلَوْا أهلَهُ رَقصاً ... بالخيلِ حتَّى نَهَانا الحزنُ والجَبَلُ
    وغزوةً يومَ نجدٍ ثمَّ كانَ لهمْ ... معَ الرَّسولِ بها الأسلابُ والنَّفَلُ
    وليلةً بحُنَينٍ جالَدُوا معهُ ... فيها يَعُلُّهمْ بالحربِ إذْ نهَلُوا
    وغزوةَ القاعِ فرَّقنا العدوَّ بهِ ... كما تفرَّقَ دونَ المشرَبِ الرَّسَلُ
    ويومَ بُويعَ كانُوا أهلَ بيعتهِ ... على الجِلادِ فآسَوْهُ وما عَدَلوا
    وغزوةَ الفتح كانُوا في سريَّتهِ ... مُرابطينَ فما طاشُوا وما عَجِلوا
    ويوم خَيْبر كانُوا في كتيبتهِ ... يمشُونَ كلُّهم مُستبسلٌ بطَلُ
    بالبِيضِ ترعَشُ في الأيمانِ عاريةً ... تعوجُّ في الضَّربِ أحياناً وتعتدِلُ
    ويوم سارَ رسولُ اللهِ مُحتسباً ... إلى تبوكَ وهُم راياتهُ الأُوَلُ
    وساسَةُ الحربِ إنْ حربٌ بدتْ لهُمُ ... حتَّى بَدَا لهُمُ الإقبالُ والقَفَلُ
    أُولئكَ القومُ أنصارُ النَّبيّ وهمْ ... قومي أصيرُ إليهم حينَ أتَّصلُ
    ماتُوا كِراماً ملم تُنكثْ عهودهُمُ ... وقتلُهُمْ في سبيلِ الله إذْ قُتلوا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لنا حاضرٌ فَعْمٌ وبادٍ كأنَّهُ ... شماريخُ رَضْوى عزَّةً وتَكَرُّما
    متى ما ترزنَا من معدٍّ بعُصبةٍ ... وغسَّانَ نمنعْ حوضَنَا أن يُهدَّما
    بكلّ فَتى عاري الأشاجعِ لاحَهُ ... قراعُ الكُماةِ يرشَحُ المسكَ والدَّما
    ولدْنا بني العنقاءِ وابنيْ مُحرَّقٍ ... فأكرمْ بنا خالاً وأكرمْ بنا ابْنَمَا
    نُسوِّدُ المال القليلِ إذا بدتْ ... مروءتهُ فينا وإنْ كانَ مُعدما
    وإنَّا لقوَّالون للخيلِ أقدِمِي ... إذا لمْ يجدْ بعضُ الفوارسِ مَقْدما
    لنا الجَفناتُ الغرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافُنا يقطُرْنَ من نجدةٍ دَما
    أبى فعلُنا المعروفَ أن ننطقَ الخَنَا ... وقائلُنا بالعُرفِ إلاّ تكلُّما
    وقال النَّابغة الجعديّ من قصيدةٍ:
    مَلَكْنا فلم نكشفْ قناعاً لحرَّةٍ ... ولم نستلبْ إلاَّ الحديدَ المُسمَّرا
    ولو أنَّنا شِئنا سِوى ذاكَ أصبحتْ ... كرائمُهُمْ فينا تُباعُ وتُشرَى
    وإنّا لقومٌ ما نُعوّدُ خَيْلنا ... إذا ما التَقَيْنا أنْ تحيدَ وتَنْفرا
    وتُنكرُ يومَ الرَّوعِ ألوانَ خيلِنا ... من الطَّعن حتَّى تحسبَ الجونَ أشقرا
    وليسَ بمعروفٍ لنا أنْ نَرُدَّها ... صِحاحاً ولا مُستنكراً أن تُعقّرا
    بلغنَا السَّماءَ مجدُنَا وسناؤُنَا ... وإنَّا لنرجُو فوقَ ذلكَ مظهَرَا
    وقال عمرو بن كلثوم من قصيدةٍ:
    بأنَّا نوردُ الرَّاياتِ بيضاً ... ونُصدرهنَّ حمراً قد رَوينا
    مَتَى ننقلْ إلى قومٍ رَحَانا ... يكونُوا في اللِّقاءِ لَهَا طَحينا
    يكونُ ثِفالُها شرقيَّ نجدٍ ... ولهوَتُها قُضاعَةَ أجمَعينا
    ورثْنا المجدَ قدْ علمتْ مَعَدٌّ ... نُطاعنُ دونَهُ حتَّى يُبينا
    ونحنُ الحاكمونَ إذا أُطعْنا ... ونحنُ العازمونَ إذا عُصينا
    ونحنُ التَّاركونَ إذا سخطنا ... ونحنُ الآخذونَ إذا رَضينا
    وكنَّا الأيْمَنَيْن إذا التَقَيْنا ... وكانَ الأيْسَرَينِ بَنُو أبينا
    فصالُوا صولةً فيمنْ يليهمْ ... وَصُلْنا صولةً فيمنْ يَلينا
    فآبُوا بالنّهابِ معَ السَّبايا ... وأُبْنا بالمُلوكِ مُصفَّدينا
    لَنَا الدُّنيا ومَنْ أضحَى عَلَيْها ... ونَبطشُ حينَ نبطشُ قادِرينا
    وقال امرؤ القيس بن حُجر الكنديّ:
    فدعْ ذا وسلِّ الهمَّ عنكَ بجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهجَّرا
    عَلَيْها فتًى لم تَحمل الأرضُ مثلَهُ ... أبرَّ بميثاقٍ وأوْفى وأصْبَرَا
    هو المُنزلُ الأُلاَّف من جوّ ناعِطٍ ... بني أسدٍ حَزْناً من الأرضِ أوْعَرَا
    ولو شاءَ كانَ الغزوُ من أرضِ حميَرٍ ... ولكنَّهُ عمداً إلى الرُّومِ أنْفَرَا
    بكى صاحبي لمَّا رأى الدَّربَ دونَهُ ... وأيقنَ أنَّا لاحقان بقيصرا
    فقلتُ لهُ لا تبكِ عينُكَ إنَّما ... نُحاولُ مُلكاً أوْ نموتُ فنُعذرا
    وكنَّا أُناساً قبلَ غزوةِ قَرْمَلٍ ... وَرِثنا الغِنَى وامجدَ أكبر أكْبَرا
    وقال طرفة بن العبد من قصيدةٍ:
    نحنُ في المشتاةِ ندعُو الجَفَلى ... لا تَرَى الآدِبَ فينا يَنْتقرْ
    ولقد تعلَمُ بكرٌ أنَّنا ... فاضِلُو الرَّأيِ وفي الرَّوعِ وُقُرْ
    يكشفونَ الضُّرَّ عن ذي ضُرِّهمْ ... ويُبرُّون على الآبِي المُبرّ
    نُمسكُ الخيلَ على مكروهِها ... حينَ لا يمسِكُها إلاَّ الصُّبُرْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا القومُ قالوا مَن فتًى خلتُ أنَّني ... دُعيتُ فلمْ أكسَلْ ولم أتبلَّدِ
    ولستُ بمحلالِ التِّلاعِ مخافةً ... ولكنْ مَتَى يسترفِد القومُ أرفِدِ
    وإنْ أُدعَ للجُلَّى أكُنْ من حُماتِها ... وإن يأتكَ الأعداءُ بالجَهد أجهدِ
    أنا الرَّجُلُ الضَّربُ الَّذي تعرفونَهُ ... خُشاشاً كرأسِ الحيَّة المُتوقّدِ
    وآليتُ لا ينفكُّ كَشْحي بطانَةً ... لعَضْبٍ رقيقِ الشّفرتين مهنَّدِ
    أخي ثقةٍ لا ينثَنِي عن ضَريبةٍ ... إذا قيلَ مهلاً قالَ حاجزُهُ قدِي
    حسامٌ إذا ما قُمتُ مُنتصراً بهِ ... كَفَى العَوْدَ منهُ البدءُ ليس بمعضَدِ
    إذا ابتدرَ القومُ السِّلاحَ وجدْتَني ... مَنيعاً إذا بلَّتْ قوائمُه يَدِي
    وقال عنترة بن شدَّاد العبسيّ من قصيدةٍ:
    هلاَّ سألتِ القومَ يا ابنةَ مالكٍ ... إن كنتِ جاهلةً بما لم تعلمِي
    يُخبركِ مَنْ شهدَ الوقيعةَ أنَّني ... أغشى الوَغَى وأعفُّ عند المغنمِ
    ومدجَّجٍ كرِهَ الكُماةُ نزالَهُ ... لا مُمعنٍ هَرَباً ولا مستسلِمِ
    جادتْ يدايَ لهُ بعاجِلِ طعنةٍ ... بمثقَّفٍ صَدْقِ القناةِ مقوَّمِ
    فشككتُ بالرُّمحِ الطَّويل إهابَهُ ... ليسَ الكريمُ علَى القَنَا بمُحرَّمِ
    وتركتهُ جزر السِّباعِ ينُشْنَهُ ... ما بينَ قلَّةِ رأسِهِ والمعصمِ
    لمَّا رأيتُ القومَ أقبلَ جمعهمْ ... يتذامَرُون كررتُ غيرَ مُذمَّمِ
    يدعونَ عنترَ والرّماحُ كأنَّها ... أشطانُ بئرٍ في لَبانِ الأدهمِ
    ما زلتُ أرميهمْ بثُغرةِ نحرِهِ ... ولبَانهِ حتَّى تسربَلَ بالدَّمِ
    وقال أيضاً:
    إنِّي امرؤٌ من خيرِ عبسٍ منصِباً ... شَطْرِي وأَحمِي سَائِرِي بالمُنصلِ
    إنْ يُلحَقُوا أكرُرْ وإنْ يُستلحَمُوا ... أشدُدْ وإن يُلفَوْا بضنكٍ أنزلِ
    ولقد أبِيتُ علَى الطّوَى وأظَلّهُ ... حتَّى أنالَ بهِ كريمَ المأكَلِ
    وإذا الكتيبةُ أحجمتْ وتلاحظتْ ... أُلفيتُ خيراً من معمٍّ مُخوِلِ
    والخيلُ تعلمُ والفوارسُ أنَّني ... فرَّقتُ جمعَهُم بطعنةِ فيصلِ
    بكرتْ تُخوّفي الحُتوفَ كأنَّني ... أصبحتُ عن غَرَضِ الحُتوفِ بمعزلِ
    فأجبتُها أنَّ المنيَّةَ منهلٌ ... لا بدَّ أنْ أُسْقى بكأسِ المنهلِ
    فاقْنَيْ حياءَكَ لا أبا لك واعلَمِي ... أنِّي امرؤٌ سأموتُ إن لمْ أُقْتلِ
    إنَّ المنيَّةَ لو تُمَثَّلُ مُثِّلتْ ... مثلِي إذا نَزلوا بضنْكِ المنزِلِ
    والخيلُ ساهمةُ الوجوهِ كأنَّما ... تُسقى فوارسُها نقيعَ الحنظلِ
    وإذا حملتُ على الكريهةِ لم أقُل ... بعدَ الكريهةِ ليتني لم أفعلِ
    وقال حاتم الطَّائي:
    وإنِّي لعفُّ الفقرِ مُشتركُ الغِنَى ... وتاركُ شكلٍ لا يوافقهُ شكلي
    وأجعلُ مالي دونَ عِرضي جُنَّةً ... لنَفسي واستغني بما كانَ من فَضْلي
    ولي مَع بذلِ المالِ والمجدِ صولةٌ ... إذا الحربُ أبدتْ عن نَوَاجِذِها العُصْلِ
    وقال أيضاً:
    وعاذلةٍ قامتْ عليَّ تَلُومُني ... كأنّي إذا أعطيتُ مالي أضيمُها
    أعاذلَ إنَّ الجودَ ليسَ بمُهلِكي ... ولا مُخلدُ النَّفسِ الشَّحيحةِ لومُها
    وتذكَرُ أخلاقُ الفَتَى وعِظامُهُ ... مغيَّبةٌ في اللَّحدِ بالٍ رميمُها
    ومنْ يبتدعْ ما ليسَ من خيْمِ نفسِهِ ... يدعْهُ ويغلبْهُ على النَّفسِ خِيمُها
    وقال أيضاً:
    مَتَى ما يجئْ يوماً إلى المالِ وارثي ... يجدْ جُمعَ كفٍّ غير مَلأى ولا صِفْرِ
    يجدْ فَرَساً طلقَ العنانِ وصارماً ... حساماً إذا ما هُزَّ لم يرضَ بالهبرِ
    وأسمَرَ خطِّياً كأنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القسبِ قد أرْمى ذراعاً على العشرِ
    وقال السَّموأل بن عاديا:
    إذا المرءُ لمْ يدنسْ منَ اللُّؤمِ عِرضهُ ... فكلُّ رداءٍ يرتديهِ جمِيلُ
    وإنْ هو لمْ يحملْ على النَّفسِ ضَيمَها ... فليسَ إلى حسنِ الثَّناءِ سبِيلُ
    تُعيِّرنا أنَّا قليلٌ عديدُنا ... فقلتُ لها إنَّ الكرامَ قلِيلُ
    وما قلَّ منْ كانتْ بقاياهُ مثلنا ... شبابٌ تَسامى للعُلا وكهولُ
    وما ضرَّنا أنَّا قليلٌ وجارُنا ... عزيزٌ وجارُ الأكثرينَ ذلِيلُ
    لنا جبلٌ يحتلُّهُ مَن نجيرُهُ ... منيفٌ يردُّ الطَّرفَ وهوَ كلِيلُ
    رَسَا أصلهُ تحتَ الثَّرى وسَمَا بهِ ... إلى النَّجمِ فرعٌ لا يُنالُ طوِيلُ
    وإنَّا لقومٌ لا نَرَى القتلَ سُبَّةً ... إذا ما رأتهُ عامرٌ وسَلولُ
    يقرِّبُ حبَّ الموتِ آجالَنا لنا ... وتكرَهُهُ آجالهمْ فتطُولُ
    وما ماتَ منَّا سيِّدٌ حتفَ أنفهِ ... ولا طُلَّ منَّا حيثُ كانَ قتِيلُ
    تسيلُ على حدِّ الظُّباتِ نُفوسنا ... وليستْ على غيرِ الظُّباتِ تسِيلُ
    صَفَونا فلم نكدرْ وأخلص سِرَّنا ... إناثٌ أطابتْ حملَنَا وفُحُولُ
    عَلَونا إلى خيرِ الظُّهورِ وحطَّنا ... لوقتٍ إلى خيرِ البطونِ نزُولُ
    فنحنُ كماءِ المزنِ ما في نِصابنا ... كَهامٌ ولا فينا يعدُّ بَخيلُ
    وننكرُ إنْ شئنا على النَّاسِ قولهمْ ... ولا ينكرونَ القولَ حينَ نقُولُ
    إذا سيِّدٌ منَّا خلا قامَ سيِّدٌ ... قؤولٌ بما قالَ الكرامُ فعُولُ
    وما أُخمدتْ نارٌ لنا دونَ طارقٍ ... ولا ذمَّنا في النَّازلينَ نزِيلُ
    وأيَّامنا مشهورةٌ في عدوّنا ... لها غُررٌ مشهورةٌ وحُجُولُ
    وأسيافُنا في كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... بها منْ قراعِ الدَّارعينَ فلُولُ
    معوَّدةٌ ألاَّ تُسلَّ نِصالُها ... فتُغمَدَ حتَّى يُستباحَ قبيلُ
    وقال أعشى بكر من قصيدةٍ:
    إنِّي امرؤ من عصبةٍ قيسيَّةٍ ... سادُوا العداةَ بسامِحِ الأجوادِ
    إذْ لا يُرى قيسٌ يكونُ كقيسِنا ... حَسَباً ولا كَبَنيهِ في الأولادِ
    الواطئينَ على صُدُور نِعالهمْ ... يمشُونَ في الدَّفَنِيِّ والأبرادِ
    والبائعينَ نفوسَهُم ما حارَبُوا ... بالحمدِ يومَ تنازُلٍ وطِرادِ
    وقال عمرو بن الأهتم من قصيدةٍ:
    ذَريني فإنَّ الشُّحَّ يا أُمَّ هيثمٍ ... لصالحِ أخلاقِ الرِّجالِ سَرُوقُ
    ذَريني وحطِّي في هوايَ فإنَّني ... على الحَسَبِ الزَّاكي الرَّفيعِ شفيقُ
    ذَريني فإنِّي ذو فَعَالٍ تُهِمُّني ... نوائبُ يغشَى رزؤها وحقوقُ
    وكلُّ كريمٍ يتَّقي الذَّمَّ بالقِرى ... وللخيرِ بينَ الصَّالحينَ طريقُ
    لَعمركَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلِها ... ولكنَّ أخلاقَ الرِّجالِ تضيقُ
    وقال عامر بن الطُّفيل من قصيدة:
    وإنِّي وإنْ كنتُ ابنَ فارسِ عامرٍ ... وفي السِّرِّ منها والصَّريحِ المهذَّبُ
    فما سوَّدتني عامرٌ عن وراثةٍ ... أبَى اللهُ أنْ أسمُو بأُمٍّ ولا أبِ
    ولكنِّي أحمِي حِماها وأتَّقي ... أذاها وأرْمي مَنْ رماها بمقْنَبِ
    وقال زيد الخيل:
    بني عامرٍ هلْ تعرفونَ إذا غَدَا ... أبو مُكنفٍ قد شدَّ عقدَ الدَّوابِرِ
    بجيشٍ تضلُّ البُلقُ في حَجَراتِهِ ... تَرَى الأُكمَ منهُ سجَّداً للحوافرِ
    وجمعٍ كمثلِ الليلِ مُرتجسِ الوَغَى ... كثيرٍ تواليهِ سريعِ البوادرِ
    أبتْ عادةٌ للوَرْدِ أن يكرهَ الوَغَى ... وحاجَةُ رُمحي في نُميرٍ وعامرِ
    وقال قيس بن عاصم:
    إنِّي امرؤٌ لا يطَّبي حَسَبي ... دَنَسٌ يفنِّدُهُ ولا أَفْنُ
    من مِنْقَرٍ في بيتِ مكرمةٍ ... والأصلُ ينبُتُ حولهُ الغُصنُ
    خُطباءُ حينَ يقومُ قائلُهمْ ... بِيضُ الوجوهِ مَصاقِعٌ لُسْنُ
    لا يَفْطنونَ لعيبِ جارِهمُ ... وهُم لحفظِ جوارِهمْ فُطْنُ
    وقال محمد بن بشير:
    لأنْ أُزجِّي عند العُرْي بالخَلَقِ ... وأجتَزي من كثيرِ المالِ بالعُلَقِ
    خيرٌ وأكرمُ لي من أن أَرَى مِنَناً ... معقودةً للئامِ النَّاسِ في عُنُقي
    إنِّي وإنْ قصَّرتْ عن همَّتي جِدَتي ... وكانَ ماليَ لا يقوَى على خلقي
    لتاركٌ كلّ أمرٍ كانَ يُلزمني ... عاراً ويُشرعُني في المنهلِ الرَّنَقِ
    وقال ابن الإطنابة:
    أبتْ لي عفَّتي وأَبَى بلائي ... وأخذي الحمدَ بالثَّمنِ الرَّبيحِ
    وإجشامي علَى المكروهِ نَفسي ... وضَرْبي هامةَ البطلِ المُشيحِ
    وقولي كلَّما جَشأتْ وجاشتْ ... مكانكِ تُحْمَدي أوْ تستريحي
    لأدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ ... وأحْمي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ
    وقال أيضاً:
    إنِّي من القومِ الَّذينَ إذا انتدَوْا ... بدَؤُوا بحقِّ اللهِ ثمَّ النَّائِلِ
    المانعينَ من الخَنَا جاراتِهِم ... والحاشدينَ على طعامِ النَّازِلِ
    والخالطينَ فقيرَهُم بغنيّهمْ ... والباذلينَ عطاءَهُم للسَّائِلِ
    والقاتلينَ لدَى الوَغَى أقرانَهُم ... إنَّ المنيَّةَ مِنْ وراءِ الوائلِ
    والقائلينَ فلا يعابُ كلامَهُم ... يومَ القيامةِ بالقَضَاءِ الفاصِلِ
    وقال أبو الطّمحان القينيُّ:
    وإنِّي من القومِ الَّذين هُمُ هُمُ ... إذا ماتَ منهمْ سيّدٌ قام صاحبُهْ
    نجومُ سماءِ كلَّما غارَ كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبُهْ
    أضاءتْ لهمْ أحسابُهُم ووجوههمْ ... دُجى الليلِ حتَّى نظّم الجزعَ ثاقبُهْ
    وما زالَ منهم حيثُ كانوا مسوَّدٌ ... تسيرُ المَنَايا حيثُ سارتْ كتائبُهْ
    وقال قيس بن الخطيم:
    طعنتُ ابنَ عبدِ القيسِ طعنةَ ثائرٍ ... لها نَفذٌ لولا الشَّعاعُ أضاءها
    ملكتُ بها كفّي فأنهرتُ فَتْقها ... يُرى قائماً مِن دونِها ما وَرَاءها
    يهونُ عليَّ أن ترُدَّ جِراحَها ... عيونُ الأواسِي إذْ حَمِدتُ بلاءها
    وساعَدَني فيها ابنُ عمرو بنِ عامرٍ ... خِداشٌ فأدَّى نعمةً وأفاءها
    وكنتُ امرأً لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةً ... أُسَبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
    إذا ما شربتُ أربعاً خطّ مئزري ... وأتبعتُ دَلْوي في السَّماحِ رشاءها
    وقال الحُصين بن الحُمام المُرّي:
    تأخرتُ أسْتبقي الحياةَ فلمْ أجدْ ... لمِثلي حياةً مثلَ أنْ أتقدَّما
    نُفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍ ... عَلَيْنا وهُم كانُوا أعَقَّ وأظلما
    نحاربهم نستودع البِيضَ هامَهُمْ ... ويستودِعونا السَّمهريَّ المُقوَّما
    ولسنا على الأعقابِ تَدمى كُلُومنا ... ولكنْ على أقدامِنا تقطُرُ الدّما
    وقال سعيد بن ناشب:
    سأغسلُ عنّي العارَ بالسَّيْفِ جالباً ... عليَّ قضاءُ اللهِ ما كانَ جالِبا
    وأذهلُ عن دارِي وأجعلُ هَدْمها ... لعِرضيَ من باقي المذمَّةِ حاجِبا
    ويصغُرُ في عَيْني تِلادي إذا انثنتْ ... يَميني بإدراكِ الَّذي كنتُ طالِبا
    فإن تهدِمُوا بالغَدْر دارِي فإنَّها ... تُراثُ كريمٍ لا يُبالي العَواقبا
    أخي عَزَماتٍ لا يريدُ علَى الَّذي ... يهمُّ بهِ من مُفظعِ الأمرِ صاحبا
    إذا همَّ لم تُردعْ عزيمةُ همِّهِ ... ولم يأتِ ما يأتي من الأمرِ هائِبا
    فيا لَرازمٍ رشَّحُوا بي مُقدَّماً ... إلى الموتِ خوَّاضاً إليهِ الكتائبا
    إذا هَمَّ ألْقى بين عَينيهِ عزمَهُ ... ونكّبَ عن ذِكرِ العواقبِ جانِبا
    ولمْ يستشرْ في أمرهِ غيرَ نفسِهِ ... ولم يرضَ إلاَّ قائم السَّيْفِ صاحِبا
    وقال عمرو بن براقة الهمدانيّ:
    تقولُ سُلَيْمَى لا تَعَرَّضْ لتلفةٍ ... وليلُكَ عن ليلِ الصَّعاليكِ نائمُ
    وكيفَ ينامُ الليلَ من جُلَّ همِّهِ ... حسامٌ كلونِ الملح أبيضُ صارمُ
    ألمْ تعلَمي أنَّ الصَّعاليكَ نومُهُمْ ... قليلٌ إذا نامَ الخليُّ المسالمُ
    كذبتمْ وبيتِ اللهِ لا تأخُذونها ... مُراغمةً ما دامَ للسَّيفِ قائمُ
    أفَاليومَ أُدعى للهوادةِ بعدَمَا ... أُجيلَ على الحيِّ العتاقُ الصَّلادمُ
    وإنَّ حَريماً قدْ رجا أن أرُدَّها ... ويذهبَ مالي يا ابنةَ العمِّ حالمُ
    مَتَى تَجمع المالَ الممنَّع بالقنا ... تعش ماجداً أوْ تخترمْكَ المخارمُ
    مَتَى تجمع القلبَ الذّكيَّ وصارماً ... وأنفاً حميّاً تجتنبْكَ المظالمُ
    وكنتُ إذا قومٌ غَزَوْني غزوتُهُمْ ... فهلْ أنا في ذا يالَ همدانَ ظالم
    فلا صُلحَ حتَّى تُقدَعَ الخيلُ بالقَنَا ... وتُضرَبَ بالبِيضِ الرِّقاقِ الجماجمُ
    ولا أمنَ حتَّى تغشمَ الحربُ جهرةً ... عبيدةَ يوماً والحروبُ غواشمُ
    وقال حُميد بن ثور الهلاليّ:
    وإنِّي لعفٌّ عن زيارةِ جارَتي ... وإنِّي لَمَنْشوءٌ إليَّ اغتيابُها
    إذا غابَ عنها بعلُها لم أكنْ لها ... زَؤُوراً ولا تأنسْ إليَّ كلابُها
    وما أنا بالدَّاري أحاديثَ بينِها ... ولا عالمٌ مِن أيّ حوكٍ ثيابُها
    وإنَّ قرابَ البَطن يكفيكَ ملأَهُ ... ويكفيكَ سَوْءاتِ الأُمورِ اجتنابُها
    وقال قطريّ بن الفُجاءة:
    يا رُبَّ ظلِّ عقابٍ قد وَقَيتُ بها ... مُهري منَ الشَّمْسِ والأبطالُ تجتلدُ
    ورُبَّ يومِ حمًى أرعيتُ عقوَتَهُ ... خَيلي اقتصاراً وأطرافُ القنا قصُدُ
    ويومِ خفضٍ لأهلِ اللَّهوِ ظلَّ بهِ ... لهوي اصطِلاءَ الوَغَى أو نارُهُ تقدُ
    مشهَّراً موقفي والحربُ كاشفةٌ ... عنها القناعَ وبحرُ الموتِ يطَّردُ
    وربَّ هاجرةٍ تغلي مراجلُها ... مَخَرتُها بمطايا غارةٍ تخدُ
    تجتابُ أوديةَ الأفزاعِ آمنةٍ ... كأنَّها أُسدٌ تقتادُها أُسدُ
    فإنْ أمُتْ حتفَ أنفي لا أمتْ كَمداً ... على الطِّعانِ وقصرُ العاجِزِ الكمدُ
    ولم أقلْ لمْ أُساقِ الموتَ شاربَهُ ... في كأسِهِ والمنايا شرَّعٌ وُرُدُ
    وقال أيضاً:
    لا يَركَنَنْ أحدٌ إلى الإحجامِ ... يومَ الوَغَى متخوِّفاً لحِمامِ
    فلقدْ أُراني للحِمامِ دريئةً ... مِنْ عَنْ يَميني مرّةً وأمامي
    حتَّى خضتُ بما تحدَّرَ من دَمي ... أحناءَ سَرْجي أو عنانَ لِجامي
    ثمَّ انصرفتُ وقدْ أصبتُ ولمْ أُصبْ ... جذَعَ البصيرةِ قارِحَ الإقدامِ
    وقال علي بن عبد الله بن العبَّاس:
    أبي العبَّاسُ قرمُ بني قصيٍّ ... وأخوالي الكرامُ بَنُو وَليعَهْ
    هُمُ منَعُوا ذِماري يومَ جاءتْ ... كتائبُ مُسرفٍ وبَنُو اللَّكيعهْ
    أرادَ بيَ الَّتي لا عزَّ فيها ... فحالتْ دونَهُ أيدٍ رفيعهْ
    وقال حارثة بن بدر:
    وشيَّبَ رأسي اليومَ والأمسِ قبلَهُ ... رُعُودُ المنايا فوقَنَا وبروقُها
    لَنَا نبعةٌ كانتْ تَقينا فروعُها ... فقد قُطعت إلاَّ قليلاً عروقُها
    وإنَّا لتَسْتحلي المنايا نفوسَنَا ... وتترُكُ أُخرى مرَّةً لا تذوقُها
    وقال أبو مخزومٍ النَّهشليّ:
    إنّا بني نهشلٍ لا ندَّعي لأبٍ ... عنهُ ولا هو بالأبناءِ يَشرينا
    إن تُبْتَدَرْ غايةٌ يوماً لمكرُمةٍ ... تلقَ السَّوابقَ منَّا والمُصلّينا
    وليسَ يَهلكُ منّا سيدٌ أبداً ... إلاَّ افْتَلَينا غُلاماً سيّداً فينا
    إنّا لنُرخِصُ يومَ الرَّوع أنفُسنا ... ولو نُسامُ بها في الأمن أُغلينا
    بيضٌ مفارقُنا تغلي مراجلُنا ... نأسوا بأموالنا آثارَ أيدينا
    إنّا لمنْ معْشرٍ أفْنى أوائلهُمْ ... قيلُ الكُماةِ ألا أينَ المُحامونا
    لو كانَ في الألفِ منّا واحدٌ فدَعَوْا ... مَن فارسٍ خالَهُمْ إيّاهُ يَعنونا
    إذا الكُماةُ تنحَّوْا أنْ يصيبهُمُ ... حدُّ الظُّباتِ وَصَلناها بأيدينا
    ولا تراهمْ وإنْ جلَّتْ مُصيبتُهمْ ... مع البُكاةِ علَى من ماتَ يبكونا
    وقال الفرزدق من قصيدةٍ؛ واسمه همَّام بن غالب:
    وركبٍ كأنَّ الريحَ تطلبُ عندهمْ ... لها ترَةً مِنْ جذبِها بالعصائِبِ
    سَرَوا يخبِطونَ الرِّيحَ وهي تقلُّهمْ ... إلى شُعَب الأكوارِ ذاتِ الحقائِبِ
    إذا آنسوا ناراً يقولونَ ليتَهَا ... وقد خصِرتْ أيديهمُ نارُ غالِبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنَّ الَّذي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لنا ... بيتاً دعائمهُ أعزُّ وأطولُ
    بيتٌ زُرارةُ مُحتبٍ بفنائهِ ... ومُجاشعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
    أحلامُنا تزنُ الجبالَ رزانَةً ... وتَخَالُنا جنّاً إذا ما نجهَلُ
    يلِجونَ بيتَ مجاشعٍ فإذا احتَبَوْا ... بَرَزوا كأنَّهمُ الجبالُ المُثَّلُ
    الأكثرونَ إذا يعدُّ حصاهُمُ ... والأكرمونَ إذا يعدُّ الأوَّلُ
    حلَلُ الملوكِ لباسُنا في أهلنا ... والسَّابغاتِ إلى الوَغَى نتسربَلُ
    إنِّي ابنُ حنظلَةَ الأغرِّ وإنَّني ... في آلِ ضبَّةَ للمُعمُّ المخوَلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ومنَّا الَّذي اختيرَ الرِّجالَ سماحةً ... وخيراً إذا هبَّ الرِّياحُ الزَّعازعُ
    ومنَّا الَّذي أعطى الرَّسولُ عطيَّةً ... أُسارى تميمٍ والعيونُ دوامعُ
    ومنَّا خطيبٌ لا يعابُ وحاملٌ ... وعمرٌو ومنَّا حابسٌ والأقارعُ
    تعالَوْا فعدُّوا يعلمِ النَّاسُ أيُّنا ... لصاحبِهِ في أولِ الدَّهْرِ تابعُ
    وأين تقضَّى المالكانِ أُمورَهَا ... بحقٍّ وأينَ الخافقاتُ اللَّوامعُ
    وأينَ الوجوهُ الواضحاتُ عشيَّةً ... على البابِ والأيدي الطِّوالُ اللَّوامعُ
    أخذنا بآفاقِ السَّمَاءِ عليكُمُ ... لنا قَمَراها والنُّجومُ الطَّوالعُ
    وكنَّا إذا الجبَّارُ صعَّرَ خدَّهُ ... ضربناهُ حتَّى تستقيمَ الأخادعُ
    وقال جرير بن عطية من قصيدة:
    إنِّي ابنُ حنظلةَ الحِسانِ وجوهُهُم ... والأعظمينَ مساعياً وجُدودا
    والأكرمينَ مُركّباً إذا رُكِّبوا ... والأطيبينَ من التُّرابِ صعيدا
    إنَّا لنذعَرُ يا قُفيرَ عدوّنا ... بالخيلِ لاحقَةَ الأياطلِ قُودا
    ونكرُّ محمِيَةً وتمنَعُ سرحَنَا ... جردٌ تَرَى لمُغارها أُخدودا
    أجرَى قلائدَهَا وخدَّدَ لحمَهَا ... ألاَّ يذقنَ مع الشَّكائِمِ عودا
    وطَوَى القيادُ مع الطِّرادِ بُطُونها ... طيَّ التِّجارِ بحضْرَمَوتَ بُرُودا
    نبني على سَنَنِ العدوِّ بيوتَنَا ... لا نستجيرُ ولا نحلُّ حَريدا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أنا ابنُ الثَّرى أدعُو قُضاعَةَ ناصِرِي ... وآلَ نزارٍ ما أعزَّ وأكثَرَا
    أبونا أبو إسحاقَ يجمَعُ بينَنَا ... أبٌ كانَ مَهديّاً نبيّاً مطهَّرا
    فيجمعُنا والغُرَّ أبناءَ سارةٍ ... أبٌ لا نبالي بعدَهُ مَنْ تَغَدَّرا
    بَنَى قبلَةَ اللهِ الَّتي يُهتدى بها ... فأورَثَنا عزّاً وملكاً معمَّرا
    وإنَّ الَّذي أعطَى الخلافَةَ أهلَهَا ... بني ليَ مِن قيسٍ وخِندفَ مفخَرَا
    منابرُ ملكٍ كلُّها مضريَّةٌ ... يصلِّي عَلَيْنا من أَعَرْناهُ منبَرَا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    علوتُ عليكَ ذروَةَ خِندفيٍّ ... تَرَى مِن دونِها رَتَباً صِعابا
    وموجاً كالجبالِ فإنْ تَرُمهُ ... تُغرَّقْ ثمَّ يرمِ بكَ الجَنَابا
    لنا حوضُ الحجيجِ وساقياهُ ... ومَن ورثَ النُّبوَّةَ والكِتابا
    أَلَسْنا أكثَرَ الثَّقَلَينِ رَجْلاً ... ببطنِ منًى وأكثرهم قِبَابا
    إذا غضبتْ عليكَ بَنُو تميمٍ ... حسبتَ النَّاسَ كلَّهُمُ غِضابا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ألمْ تَرَ أنَّ عزَّ بني تميمٍ ... بناهُ اللهُ يومَ بَنَى الجبالا
    بَنَى لهُمُ رَوَاسيَ شامخاتٍ ... وعالى اللهُ ذروتَهُ فطالا
    بَنَى ليَ كلّ أزهرَ خِندفيٍّ ... يُباري في سُرادقِهِ الشَّمالا
    تَنَصَّفه البريَّةُ وهو سامٍ ... ويُمسي العالَمون لَهُ عِيالا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنِّي امرؤ مِن نزارٍ في أرومَتِهِمْ ... مُستحصدٌ أَجَمي فيهم وعِرِّيسي
    قومٌ لهم خصَّ إبراهيمُ دعوتَهُ ... إذْ يرفَعُ البيتَ سوراً فوقَ تأسيسِ
    نحنُ الَّذينَ ضربْنا النَّاسَ عن عُرُضٍ ... حتَّى استقاموا وهمْ أتباعُ إبليسِ
    كانُوا كهاوٍ رَدٍ مِن حالِقَيْ جبلٍ ... ومُغرَقٍ في عبابِ البحرِ مغْموسِ
    وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يستطعْ صولَةَ البزلِ القناعيسِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ألا لا تخافا نَبْوتي في ملمَّةٍ ... وخافا المَنَايا أن تفوتَكُما بِيا
    فقدْ كنتُ ناراً يَصْطليها عدوُّكمْ ... وحِرزاً لِما ألجأتُمُ من ورائيا
    وباسِط خيرٍ فيكُمُ بيمينِهِ ... وقابضَ شرٍّ عنكُمُ بشماليا
    وإنِّي لعفُّ الفقرِ مُشتركُ الغِنَى ... سريعٌ إذا لمْ أرضَ داري احتمالِيا
    وليسَ لسيفي في العظامِ بقيَّةٌ ... وَلَلسَّيفُ أشوَى وقعةً مِن لِسانيا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أنا ابنُ فروعِ المجدِ قيسٍ وخِندفٍ ... بَنَوا ليَ عاديّاً رفيعَ الدَّعائِمِ
    فإنْ شئتَ مِن قيسٍ ذُرى متمنِّعٍ ... وإنْ شئتَ خِندفيَّ المَخَارِمِ
    وقيسٌ هُمُ الكهفُ الَّذي نستعدُّهُ ... لدفعِ الأعادي أو لحملِ العَظَائِمِ
    بَنُو المجدِ قيسٌ والعواتكُ منهُمُ ... ولَدْنَ بُحُوراً للبُحُورِ الخَضَارِمِ
    وما زالَ في قيسٍ فوارسُ مَصدَقٍ ... حماةٌ وحمَّالونَ ثقلَ المغارِمِ
    وقيسٌ هُمُ الكهفُ الَّذي نستعدُهُ ... لحملِ المساعِي وابتناءِ المكارِمِ
    إذا حدَبَتْ قيسٌ عليَّ وخِندفٌ ... أخذتُ بفضلِ الأكثرينَ الأكارِمِ
    وقالت ليلَى الأخيليَّة، وتروى لأبيها:
    نحنُ الأخايلُ لا يزالُ غُلامُنا ... حتَّى يدبَّ على العَصَا مَذْكورا
    تبكي السُّيوفُ إذا فقدنَ أكُفَّنا ... جَزَعاً ويعلَمُنا الرِّفاقُ بُحُورا
    وَلَنحنُ أوثَقُ في صدورِ نسائكمْ ... منكمْ إذا بكَرَ الصُّراخُ بُكُورا
    وقال بلال بن جرير:
    إذا متُّ فانْعيني لمولًى تظاهرتْ ... عليهِ من الأعداءِ أيدٍ وألسُنُ
    ولِلطَّارِقِ الغاشي الَّذي حطَّ رحلَهُ ... إليَّ وقدْ ولَّى منَ الليلِ مَوهنُ
    يراني ذَوُو الأوصافِ ملَ صدورهمْ ... إذا شزَرَتْني مِن ذَوي الجوْرِ أعيُنُ
    فلم يَرَ منِّي ضعفةً متشدِّدٌ ... ولم يَرَ منِّي شدَّةً متليِّنُ
    وقال القطاميُّ:
    فمنْ تكنِ الحضارَةُ أعجبتهُ ... فأيَّ رجالِ باديةٍ تَرَانا
    ومنْ ربَطَ الجِحاشَ فإنَّ فينا ... قَناً سُلباً وأفراساً حِسانا
    وكنَّ إذا أغرنَ على جَنَابٍ ... وأعوزهنَّ نهبٌ حيثُ كانا
    أغرنَ منَ الضِّبابِ على حلالٍ ... وضبَّةَ إنَّه مَن حانَ حَانا
    وأحياناً على بكرٍ أخينا ... إذا ما لمْ نجدْ إلاَّ أخانا
    وقال الفضل بن العبَّاس اللَّهبيُّ:
    وأنا الأخضَرُ مَن يعرِفُني ... أخضَرُ الجِلدَةِ مِن بيتِ العَرَبْ
    مَنْ يُساجلْني يُساجلُ ماجداً ... يملأُ الدَّلوَ إلى عقدِ الكَرَبْ
    وقال بشَّار بن برد من قصيدةٍ:
    إذا الملكُ الجبَّارُ صعَّرَ خدَّهُ ... مَشَينا إليهِ بالسُّيوفِ نُعاتبُهْ
    وكنَّا إذا دبَّ العدوُّ لسُخطنا ... وظاهَرَنا في ظاهرٍ لا نراقبُهْ
    دَلَفنا لهُ جهراً بكلِّ مثقَّفٍ ... وأبيضَ تستسقي الدِّماءَ مضاربُهْ
    وجيشٍ كمثلِ الليلِ يرجُفُ بالحَصَى ... وبالشَّوكِ والخطِّيِّ حمرٍ ثعالبُهْ
    غَدَونا لهُ والشَّمْسُ في خِدرِ أُمِّها ... تطالعُنا والطَّلُّ لم يجرِ ذائبُهْ
    بضربٍ يذوقُ الموتَ مَن ذاقَ طعمَهُ ... وتُدركُ من نجَّى الفرارُ مثالبُهْ
    كأنَّ مُثارَ النَّقعِ فوقَ رؤوسهمْ ... وأسيافَنَا ليلٌ تهاوَى كواكبُهْ
    بَعَثنا لَهُم نارَ الفُجاءةِ إنَّنا ... بَنُو الموتِ خفَّاقٌ عَلَيْنا سبائبُهْ
    فراحُوا فريقاً في الإسارِ ومثلُهُ ... قتيلٌ ومثلٌ لاذَ بالبحرِ هاربُهْ
    وأرعَنَ يغْشى الشَّمْسَ لونُ حديدِهِ ... وتخلِسُ أبصارَ الكُماةِ كتائبُهْ
    تغصُّ به الأرضُ الفضاءُ إذا غَدَا ... تُزاحمُ أركانَ الجبالِ مناكبُهْ
    تَرَكنا بهِ كلْباً وقحطانَ تبتغي ... مُجيراً منَ القتلِ المُطلِّ مقانبُهْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقدْ علمَ القبائلُ غيرَ فخرٍ ... على أحدٍ وإنْ كانَ افتخارُ
    بأنَّا العاصمونَ إذا استُجرنا ... وأنَّا الحازمونَ إذا استشارُوا
    ضمنَّا بيعَةَ الخُلفاءِ فينا ... فنحنُ لها من الخُلفاءِ جارُ
    بحيٍّ من بني عجلانَ شُوسٍ ... يشيرُ الموتُ حيثُ يقالُ سارُوا
    تَبَغَّ جِوارنا إنْ خفتَ إنَّا ... نُجيرُ الخائفينَ ولا نُجارُ
    لنا بطحاءُ مكَّةَ والمصلَّى ... وما حازَ المُحصَّبُ والجِمارُ
    وميراثُ النَّبيّ وصاحبيهِ ... تِلاداً لا يباعُ ولا يعارُ
    وإنَّ النَّاسَ حيث نغيبُ عنهمْ ... نباتُ الأرضِ أخطَأهُ القطارُ
    تجرْنا في المحامدِ والمَعَالي ... ونحنُ كذاكَ في الهَيْجا تِجارُ
    إذا دارتْ على قومٍ رَحانا ... تنادَوْا بالجلاءِ أوِ استدارُوا
    وما نلقاهُمُ إلاَّ صَدَرْنا ... بريٍّ منهُمُ وهُمُ حِرارُ
    إذا ما أقبَلُوا بسوادِ جمعٍ ... نَفَخْنا في سوادهمُ فطارُوا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إنَّما النَّاسُ مَن دَعَا يالَ قيسٍ ... دعوَةَ العزِّ والمقامِ الكريمِ
    لهُمُ في الحديثِ خيرُ حديثٍ ... ولهمْ في القديمِ خيرُ قديمِ
    فهُمُ كالنُّجومِ أُطلِعَ منها ... كوكبٌ بعدَ كوكبٍ معلومِ
    وهُمُ المطعمونَ في الزَّمنِ الأغْ ... برِ والحاملونَ كلّ عظيمِ
    سيّدٌ قائمٌ وآخرُ ماضٍ ... كطُلُوعِ النُّجومِ بعدَ النُّجومِ
    خُطباءٌ على المنابِرِ أمثا ... لُ المصابيحِ في خلالِ الغُيُومِ
    وقريشٌ أهلُ النُّبوَّةِ منَّا ... وارِثوا الملكِ والكتابِ الحكيمِ
    خلفاءُ الإلهِ في سَكَنِ الأرْ ... ضِ وجيرانُ بيتِهِ والحطيمِ
    ضرَبُوا النَّاسَ بالكتائِبِ حتَّى ... عادَ مَن رامَ حربَهُم كالرَّميمِ
    وتَرَى موقعَ الأسنَّةِ منهمْ ... بنحورٍ تلذُّ وقعَ الكُلُومِ
    مضَرُ القرمُ جدُّنا وأبونا ... قيسُ عيلانَ في الذُّرى والصَّميمِ
    فحَلَلْنا اليَفاعَ في واسطةِ المج ... دِ محلَّ السَّناءِ والتَّكريمِ
    أيُّ قومٍ نالتهُمُ الحربُ منَّا ... لمْ تدعْ دارَهُم كدارِ سَدُومِ
    ولَوَ انَّا في الحربِ نضربُ طَوْداً ... لشَقَقْنا صفاهُ شقَّ الأديمِ
    وقال أبو دُلَفٍ العجليّ:
    يومايَ يومٌ في أوانسَ كالدُّمى ... بيضٍ ويومٌ في قتالِ الدَّيلمِ
    هذا حليفُ غلائلٍ مكسوَّةٍ ... مِسكاً وصافيةٍ كلونِ العندَمِ
    ولذاكَ ضافيَةُ الدُّروعِ وضُمَّرٌ ... يكسونَنَا رهَجَ الغبارِ الأقتَمِ
    ولِيومهنَّ الفضلُ لولا لذَّةٌ ... سبقتْ بطعنِ الدَّيلميِّ المُعلَمِ
    وقال إسحاق بن إبراهيم الموصليُّ:
    إذا كانتِ الأحرارُ أصْلي ومَنْصبي ... وقامَ بأمري خازمٌ وابنُ خازِمِ
    عطستُ بأنفٍ شامخٍ وتناوَلَتْ ... يدايَ الثُّريَّا قاعداً غيرَ قائِمِ
    وقال وعلة الجرميُّ؛ وكتب بها ابنُ الأشعث إلى الحجَّاج:
    سائلْ مُجاورَ جرمٍ هل جَنَيتُ لها ... حرباً تفرِّقُ بين الجِيرةِ الخُلُطِ
    وهلْ سموتُ بجرَّارٍ لَهُ لَجَبٌ ... جمِّ الصَّواهِلِ بينَ السَّهلِ والفُرُطِ
    وهلْ تركتُ نساءَ الحيِّ ضاحيةً ... في ساحةِ الدَّارِ يستوقدنَ بالغُبُطِ
    وقال الأحوص بن محمَّدٍ الأنصاريّ:
    إنِّي على ما قدْ علمت محسَّدٌ ... أنْمي على البغضاءِ والشَّنآنِ
    ما يعتَرِيني مِن خُطُوبِ ملمَّةٍ ... إلاَّ تشرِّفُني وتُعظِمُ شاني
    فإذا تَزُول تَزُولُ عنْ متخمِّطٍ ... تُخشى بوادرُهُ على الأقرانِ
    إنِّي إذا خفيَ الرِّجالُ وجدْتَني ... كالشَّمْسِ لا تخفَى بكلِّ مكانِ
    وقال الطِّرمَّاح بن حكيم:
    لقدْ زادني حبّاً إليَّ أنَّني ... بغيضٌ إلى كلِّ امرئٍ غيرِ طائلِ
    وإنِّي شقيٌّ باللِّئامِ ولنْ ترَى ... شقيّاً بهمْ إلاَّ كريمَ الشَّمائِلِ
    إذا ما رآني قطّعَ الطّرفَ دونَهُ ... ودونيَ فعلَ العارِفِ المُتجاهلِ
    ملأتُ عليهِ الأرضَ حتَّى كأنَّها ... منَ الضّيقِ في عينيهِ كِفَّةُ حابلِ
    وما مُنعتْ دارٌ ولا عُزَّ أهلُها ... منَ النَّاسِ إلاَّ بالقَنَا والقَنَابِلِ
    وقال جعفر بن عُلبة:
    إذا ما ابْتَدرنا مأزِقاً فَرَجتْ لنا ... بأيمانِنَا بِيضٌ جَلَتها الصَّياقلُ
    لهمْ صدرُ سيفي يومَ صحراءِ سَحْبلٍ ... ولي منهُ ما ضُمَّتْ عليه الأناملُ
    وقال أيضاً:
    ولا يكشفُ الغمَّاء إلاَّ ابنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غمراتِ الموتِ ثمَّ يزورُها
    نُقاسمهمْ أسيافَنَا شرَّ قِسمةٍ ... ففينا غَواشيها وفيهمْ صُدُورُها
    وقال أبو سعيدٍ المخزوميُّ من قصيدةٍ:
    في الخيلِ والخافقاتِ البِيضِ لي شُغُلٌ ... ليسَ الصَّبابَةُ والصَّهباءُ مِن شُغُلي
    ما كانَ لي أملٌ في غيرِ مكرمةٍ ... والنَّفسُ مقرونةٌ بالحِرصِ والأملِ
    ذَنْبي إلى الخيلِ كَرِّي في جوانِبِها ... إذا مَشَى اللَّيثُ فيها مشيَ محتبلِ
    ولي منَ الفيلقِ الجَأْواء غمرَتُها ... إذا تقحَّمها الأبطالُ بالحِيلِ
    كمْ جأْنبٍ خشنٍ صبَّحتُ عارضَهُ ... بعارضٍ للمنايا مسبلٍ هطِلِ
    وغمرةٍ خُضتُ أعلاها وأسفَلَها ... بالطَّعنِ والضَّربِ بينُ البيضِ والأَسَلِ
    سلِ الجَرَادةَ عنِّي يومَ تحملُني ... هلْ فاتَني بطلٌ أو خِمتُ عن بطلِ
    وهلْ شآني إلى الغاياتِ سابقُها ... وهلْ فزعتُ إلى غيرِ القَنَا الذُّبلِ
    مالِي أَرَى ذمَّتي يستمطرونَ دَمي ... ألستُ أولاهُمُ بالقولِ والععلِ
    كيفَ السَّبيلُ إلى وَردٍ خُبَعْثِنَةٍ ... طلائعُ الموتِ في أنيابِهِ العُصُلِ
    وما يُريدونَ لولا الجُبنِ مِن أسَدٍ ... باللَّيلِ مشتملٍ بالجمرِ مُكتحِلِ
    لا يشرَبُ الماءَ إلاَّ مِن قليبِ دمٍ ... ولا يبيتُ لهُ جارٌ على وَجَلِ
    وقال أيضاً:
    أدامَ اللهُ عزَّ بني نزارٍ ... على رغمِ الأُنوفِ الرَّاغماتِ
    ألسْنَا أكرَمَ الأحياءِ حيّاً ... وَمَيْتاً في الحياةِ وفي المَمَاتِ
    أنا ابنُ الضَّامنينَ على اللَّيالي ... إذا نزلتْ بإحدَى المُنكراتِ
    أنا ابنُ المُقدِمِينَ على المَنَايا ... بأطرافِ السُّيوفِ المُرهفاتِ
    أنا الرَّجلُ الَّذي كِلتا يديهِ ... يمينٌ في صُرُوفِ النَّائباتِ
    وفينا الجاهليَّةُ إن جهِلْنا ... وأحلامُ الجبالِ الرَّاسياتِ
    طَوَينا طيِّئاً حتَّى أقرَّتْ ... بإغضاءِ الجُفُونِ على التّراتِ
    وقال بكر بن النَّطَّاح:
    ألا يا قُرَّ لا تَكُ سامريّاً ... فتتركَ مَن يزوركَ في جِهادِ
    أتعجبُ أنْ رأيتَ عليَّ دَيْناً ... وقد أوْدى الطَّريف مع التِّلادِ
    ملأتُ يَدي من الدُّنيا مراراً ... فما طَمعَ العواذلُ في اقتصادِي
    ولا وجَبَتْ عليَّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزَّكاةُ علَى جَوادِ
    وقال أيضاً:
    وإنَّا لنلهو بالسُّيوفِ كما لهتْ ... فتاةٌ بعقدٍ أو سِخابِ قرنفُلِ
    ونحنُ وُصفنا دونَ كلِّ قبيلةٍ ... ببأسٍ شديدٍ في الكتابِ المنزَّلِ
    ومَن يفتقرْ منَّا يعشْ بحُسامِهِ ... ومَن يفتقرْ من سائِرِ النَّاسِ يسألِ
    وقال حبيب بن أوس من قصيدةٍ:
    لنا غررٌ زيديَّةٌ أُدَدِيَّةٌ ... إذا نجمتْ ذلَّتْ لها الأنجُمُ الزُّهْرُ
    لنا جوهرٌ لو خالَطَ الأرضَ أصبحتْ ... وبُطنانُها منهُ وظُهرانُها تبْرُ
    مقاماتُنَا وقْفٌ على العلمِ والحِجَا ... وأمرَدُنا كهلٌ وأشيَبُنا حَبْرُ
    ألنَّأ الأكفَّ بالعَطَايا فجاوَزَتْ ... مَدى اللِّينِ إلاَّ أنَّ أعراضَنَا صَخْرُ
    كأنَّ عَطَايانا يُناسبنَ مَن أتَى ... ولا نسبٌ يُدنيهِ منَّا ولا صهْرُ
    لنا الشِّعرُ في قحطانَ والبأسُ والنَّدَى ... هلِ الجودِ إلاَّ المجدُ والبأسُ والشِّعرُ
    إذا زينَةُ الدُّنيا منَ المالِ أعرضتْ ... فأزيَنُ منها عِندَنَا الحمدُ والشُّكْرُ
    أبَى قدرُنا في الجودِ إلاَّ نباهةً ... فليسَ لمالٍ أبداً عِندَنَا قدْرُ
    ليُنجحَ بجودٍ من أرادَ فإنَّه ... عوانٌ لهذا النَّاسِ وهو لَنَا بكْرُ
    جَرَى حاتمٌ في حلبةٍ منهُ لو جَرَى ... بها القطرُ شأواً قيلَ أيّهُما القطْرُ
    فتًى ذَخَر الدُّنيا أُناسٌ ولم يزلْ ... لها باذِلاً فانْظرْ لمنْ بقيَ الذُّخْرُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أنا ابنُ الَّذي استرضَعَ الجودُ فيهمُ ... وسمِّي فيهم وهوَ كهلٌ ويافِعُ
    سَمَا بيَ أوسٌ في السَّمَاءِ وحاتمٌ ... وزيدُ القَنَا والأثْرَمَانِ ورافِعُ
    مَضَوا وكأنَّ المكرماتِ لديهمُ ... لكثرةِ ما أوصَوْا بهنَّ شرائِعُ
    فأيُّ يدٍ في المجدِ طالتْ فلمْ تكنْ ... لها راحةٌ من جُودِهِم وأصابِعُ
    هُمُ استودَعُوا المعروفَ محفوظَ مالِنا ... فضاعَ وما ضاعتْ لَدَنا الودائِعُ
    بهاليلُ لوْ عاينتَ فيضَ أكُفِّهم ... لأيقنتَ أنَّ الرِّزقَ في الأرضِ واسِعُ
    =========================

    ================================
    كتاب : الحماسة المغربية
    المؤلف : الجرّاوي
    ذا خفقتْ بالبذلِ أرواحُ جودِهِم ... حَدَاها النَّدَى واسْتَنْتَقَتها المطامِعُ
    رياحٌ كريحِ العنبرِ المحضِ في الرِّضا ... ولكنَّها يومَ اللِّقاءِ زعازِعُ
    أصارتْ لهمْ أرضَ العدوِّ قطائعاً ... نُفُوسٌ لحدِّ المُرهفاتِ قطائِعُ
    بكلِّ فتًى ما شابَ مِن روعِ وقعةٍ ... ولكنَّهُ قدْ شِبنَ منهُ الوقائِعُ
    إذا ما أغارُوا فاحتَوَوْا مالَ معشرٍ ... أغارتْ عليهمْ فاحْتَوَتهُ الصَّنائِعُ
    هُمُ قوَّموا دَرْءَ الشَّآمِ وأيقظُوا ... بنجدٍ عيونَ الحربِ وهيَ هواجِعُ
    يمدُّونَ بالبيضِ القواطِعِ أيْدياً ... وهُنَّ سوادٌ والسّيوفُ القواطِعُ
    وقال ابن أبي عيينة:
    أفنَى تميماً سعدَهَا وربابَهَا ... بالسِّندِ قتلُ مُغيرَةَ بنِ يزيدِ
    صعقتْ عليهمْ صعقةٌ عَتَكيَّةٌ ... جعلتْ لهمْ يوماً كيومِ ثَمُودِ
    ذاقتْ تميمٌ عَرْكتينِ عذابَنَا ... بالسِّندِ من عُمَرٍ ومِن داوُودِ
    قُدنا الجيادَ مِنَ العراقِ إليهمُ ... مثلَ القَطَا مُستنَّةً لوُرُودِ
    يحملنَ مِن وَلَدِ المهلَّبِ عُصبةً ... خُلقتْ قلوبهُمُ قُلُوبَ أسودِ
    وقال أخوه أبو عُيَينة:
    أعاذلُ صَهْ لستَ من شِيمَتي ... وإنْ كنتَ لي ناصحاً مُشفقا
    أراكَ تفرِّقُني دائِباً ... وما ينبَغي ليَ أنْ أفْرَقَا
    أنا ابنُ الَّذي شادَ لي منصباً ... وكانَ السِّماكُ إذا حلَّقا
    قريعُ العراقِ وبِطريقُهُمْ ... ومجدُهُمُ المُرتَجَى المتَّقى
    أنا ابنُ المهلَّبِ ما فوقَ ذا ... لعالٍ إلى شرفٍ مُرتَقَى
    فمنْ يستطيعُ إذا ما ذَهَبْ ... تُ أنطِقُ في المجدِ أنْ ينْطِقا
    وقال ابنُ أبو عُيَينة أيضاً:
    أنا ابنُ أبي عُيَينةَ فرعُ قومي ... وكعبٌ والدي وأبي كِلابُ
    وقيسٌ كلُّها خالٌ وجدٌّ ... وفي الأزْدِ المركَّبِ والنِّصابِ
    بأعمامي وأخوالي أقامتْ ... قريشٌ مُلكَهَا وبهمْ تُهابُ
    وأُسدُ الغابِ ثعلبَةُ بنُ عمرٍو ... لُيُوثٌ ليسَ يَستُرُهنَّ غابُ
    رجالٌ مُصحِرونَ لكلِّ حيٍّ ... معاقلُهُمْ طعانٌ أو ضرابُ
    هُمُ آوَوْا وهمْ نصَرُوا وفيهمْ ... تفسَّختِ النُّبوَّةُ والكتابُ
    وجدَّ محمَّدٍ ولَدُوا فطابُوا ... بمنْ ولَدُوا ومَنْ ولَدُوا أطابُوا
    وقال دِعبل بنُ عليٍّ الخزاعيُّ من قصيدةٍ:
    وإذا صافيتُ أكَّدتُ الصَّفا ... وإذا أدبرتُ يوماً لم أعُجْ
    وإذا عاذَ بقومِي عائذٌ ... وتَرَ النَّاسَ جميعاً لم يهُجْ
    أسَّسوا المجدَ لنا مِن سعيِهِمْ ... فَبَنينا ثمَّ أعْلينا الدَّرَجْ
    فَعَلى أيمانِنا يجري النَّدَى ... وعلى أسيافِنا تَجري المُهَجْ
    وقال أيضاً:
    تصدَّقتُ على قومِي ... بما أبقيتُ مِن عُمري
    فإنْ أسلمْ فَذُو حمدٍ ... وإنْ أهلِكْ فَذُو أجرِ
    أنا ابنُ القادةِ الذَّادَ ... ةِ وابنُ الغُررِ الزُّهرِ
    إذا ما التقتِ الخيلا ... نِ بالشَّحناءِ والغمرِ
    رأيتَ الموتَ منشوراً ... على راياتِنا الحُمرِ
    إذا ما أخلَفَ القطرُ ... خَلَفْنا سبلَ القطرِ
    إذا ما أعضَلَ الأمرُ ... دَفَعْنا الشَّرَّ بالشَّرِّ
    وما للحرِّ مَنجاةٌ ... كمثلِ السَّيْفِ والصَّبرِ
    وقال إبراهيم بن العبَّاس الصُّولي:
    أميلُ مع الذّمامِ علَى ابنِ عمِّي ... وآخُذُ للصَّديق من الشَّقيقِ
    وإنْ ألفَيْتَني حرّاً مطاعاً ... فإنَّك واجِدِي عبدَ الصَّديقِ
    أُفرِّقُ بينَ معرُوفي ومَنِّي ... وأجمَعُ بينَ مالي والحُقوقِ
    وقال أيضاً:
    لنا إبلٌ كُومٌ يضيقُ بها الفَضَا ... وتفتُرُ عنها أرضُها وسماؤها
    فمنْ دونِها أنْ تُستباحَ دِماؤنا ... ومِن دونِنا أنْ تُستباحَ دِماؤها
    حمًى وقِرًى فالموتُ دونَ مَرامِها ... وأيسَرُ خطبٍ يومَ حُقَّ فَناؤها
    وقال الوليد بنُ عبيدٍ البُحتريُّ من قصيدةٍ:
    ذهبتْ طيِّئٌ بسابقةِ المجْ ... دِ على العالمينَ بأساً وجودَا
    نَزَلوا كاهِلَ الحجازِ فأضحَى ... لهُمُ ساكنوهُ طرّاً عَبيدا
    منزِلاً قارَعُوا عليهِ العَمالي ... قَ وعاداً في عزِّها وثمُودا
    بلدٌ ينبتُ المعالي فَمَا يَثَّ ... غِرُ الطِّفلُ فيهمُ أو يسُودا
    ولُيُوثٌ من طيِّئٍ وغُيُوثٌ ... لهُمُ المجدُ طارِفاً وتِليدا
    فإذا المحْلُ جاءَ جاؤُوا سُيُولاً ... وإذا النَّقعُ ثارَ ثارُوا أُسُودا
    يحسُنُ الذِّكرُ عنهُمُ والأحادي ... ثُ إذا حدَّثَ الحديدُ الحديدا
    في مقامٍ تخرُّ في ضَنْكِهِ البِي ... ضُ على البِيضِ ركَّعاً وسجُودا
    نحنُ أبناءُ يعربٍ أعرَبُ النَّا ... سِ لساناً وأنضَرُ النَّاسِ عُودا
    ملَكُوا الأرضَ قبلَ أنْ تُملَكَ الأرْ ... ضُ وقادُوا في حافَتَيْها الجُنُودا
    وجَرَوْا عندَ مولِدِ الدَّهْرِ في السُّؤْ ... دُدِ والمكرماتِ شأواً بعيدا
    وقال عبد الله ابن المعتزّ:
    سلِي بِي إذا ما الحربُ ثارتْ بأهلِها ... ولم يكُ منها للجَبانِ قرارُ
    وقامَ لها الأبطالُ بالبِيضِ والقَنَا ... وهبَّتْ رياحُ الآخرينَ فطارُوا
    إذا شئتُ أوقرتُ البلادَ حوافراً ... وقامتْ ورائي هاشمٌ ونزارُ
    وعمَّ السَّمَاءَ النَّقعُ حتَّى كأنَّهُ ... دخانٌ وأطرافُ الرِّماحِ شرارُ
    ولي كلُّ خوَّارِ العِنانِ مجرَّبٌ ... كُميتٌ عناهُ الجريُ فهْوَ مُطارُ
    كأنَّ الرِّياحَ الهُوجَ تحملُ سرجَهُ ... إذا شُدَّ منهُ محزَمٌ وعِذارُ
    وعضبٌ حسامُ الحدِّ ماضٍ كأنَّهُ ... إذا لاحَ في نقعِ الكتيبةِ نارُ
    وقُمْصٌ حديدٌ ضافياتٌ ذُيُولها ... لها حِلَقٌ خُزْرُ العيونِ صغارُ
    وَبَيضٌ كأنصافِ البُدُورِ أبيَّةٌ ... إذا امتَحَنتْهنَّ السُّيوفُ خِيارُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ما زلتُ أدعُو بضوءِ الصُّبحِ مُغترباً ... يفري دُجا اللَّيْلِ منهُ شخصُ حرَّانِ
    أزالَهُ الدَّهْرُ عن أهلٍ وأبدلَهُ ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيرانِ
    ما نالَ منْ نِعمَتي شيئاً بلحظتِهِ ... إلاَّ وسُلطانُهُ فيهِ كسُلطاني
    وقدْ يشقُّ غبارَ الحربِ بِي فَرَسٌ ... مُستقدمٌ غيرُ هيَّابٍ ولا وانِي
    يلقَى وجوهَ الثَّرى منهُ بأربعةٍ ... صمٍّ وعدَّتُها في الأرضِ ثِنتانِ
    تَرَى حوافرَهُ إن حَثَّ راكبُهُ ... يقعنَ موقِعَ أقصَى طرفِهِ الرَّاني
    سلِي فديتُكِ هل عرَّيتُ مِن مِنَني ... خَلقاً وهل رحتُ في أثوابِ منَّانِ
    وهلْ نزعتُ إلى أمرٍ فلمْ يَرَهُ ... حَزْمي ولمْ يأتِهِ مِن قبلِ إتْياني
    لا يأمَنُ الخائنُ النَّائي مُعاقَبَتي ... ولا يخافُ شَذاتِي الصَّاحبُ الدَّاني
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لنا إبِلٌ ما وفَّرتْها دِياتُنا ... ولا ذعَرَتْها في الصَّباحِ الصَّوائِحُ
    تقسَّمَهُنَّ الجودُ إلاَّ بقيَّةً ... تُرَدُّ عليهِ حينَ تُخشى الجوانِحُ
    إذا غدرتْ ألبانُها بضُيُوفنا ... وفتْ بالقِرى لبَّاتُها والصَّفائحُ
    وقيَّدَها بالنَّصلِ خِرْقٌ كأنَّهُ ... إذا جدَّ لولا ما جَنَى السَّيْفُ مازحُ
    كأنَّ أكفَّ القومِ في جَفَناتِهِ ... قطاً لم ينفِّرهُ عنِ الماءِ سارحُ
    فإنْ متُّ فانْعيني إلى المجدِ والتُّقى ... ولا تخْزُني دمعاً إذا قامَ نائحُ
    وقُولي هَوَى عرشُ المكارِمِ والعُلا ... وعُطِّلَ ميزانٌ من العلمِ راجحُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لا أرحَلُ العيسَ إلى ذي نائلٍ ... ولا إلى رغبةٍ ولا رهَبْ
    ولي فؤادٌ في الوَغَى مَيْتُ الرِّضا ... وحيثُ لا وترَ لهُ مَيْتُ الغَضَبْ
    وليلةٍ ضمَّ إليَّ جُنْحُها ... ضَيفي وناري باليَفَاعِ تنتسبْ
    جَرَى بهِ المقدارُ نحوَ عاشقٍ ... لحمدِهِ صبٍّ بتفريقِ النَّشَبْ
    أنا ابنُ عبَّاسٍ إليهِ أنتَمِي ... بهِ لَعَمْرِي حزتُ أخطارَ القَصَبْ
    أليسَ من أعجبِ ما يلقَى امرؤٌ ... من دهرِهِ والدَّهْرُ يأتي بالعَجَبْ
    أنِّي أُرامي دونَ قوْمي وهُمُ ... يرمُونَني بكلِّ سهمٍ مِن كَثَبْ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وقدْ أشهَدُ الغاراتِ والموتُ حاكمٌ ... يَجُورُ بأطرافِ الرِّماحِ ويعدِلُ
    بطعنٍ تضيعُ الكفُّ في لَهَواتِهِ ... وضربٍ كَمَا شُقَّ المزادُ المُرَعْبَلُ
    وخيلٍ طَوَاها القَوْدُ حتَّى كأنَّها ... أنابيبُ سُمْر مِن قَنَا الخطِّ ذُبَّلُ
    صَبَبْنا عَلَيْها ظالمينَ سِياطَنَا ... فطارتْ بها أيدٍ سراعٌ وأرجُلُ
    أغارُ على المعروفِ في السُّخطِ والرِّضا ... وأُحسنُ في صدِّ الصَّديقِ وأُجملُ
    فكلُّ الَّذي سرَّ الفَتَى قد أصبْتُهُ ... وساعَدَني منهُ أخِيرٌ وأوَّلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وغمرةٍ للموتِ كشَّفْتُها ... بلهْذَمٍ من صِبغةِ الموتِ قانْ
    وصَعدةٍ تُحسنُ نظمَ الحَشَى ... وتسبقُ الطَّرفَ بوَشْكِ الطِّعانْ
    وأشهبٍ صيَّرتُهُ أشقراً ... مُضمَّخَ الرِّدفِ كريمَ اللَّبانْ
    ومُعتفٍ صيَّرتُهُ يُعتفى ... وموثَقٍ أطلقتُهُ وهو عانْ
    وحاسدٍ رامَ مَكَاني وهلْ ... يبلُغُني والمجدُ أدنَى مكانْ
    وقال أيضاً:
    يا عاذِلي في النَّدَى لا تعذلنَّ فتًى ... أفنَى شبابَ الغِنَى في صاغَةِ الكرمِ
    هلِ الغِنَى غيرُ ما جادتْ يدايَ بهِ ... لسائلٍ ظلَّ يشكُو سطوَةَ العَدَمِ
    جرَى إلى حيثُ تجرِي الرِّيحُ جودُ يَدي ... وخيَّمتْ فوقَ آفاقِ العُلا هِمَمي
    تأبَى ليَ الذَّمَّ كفٌّ غيرُ جامدةٍ ... يُغنيكَ عارِضُها عنْ عارِضِ الدِّيَمِ
    يا رُبَّ حربٍ تَوَاطأْتُ القَنَا قُصُداً ... فيها وخضتُ المنايا ثمَّ لمْ أَخِمِ
    إذْ لا ظلالَ لَنَا إلاَّ صوارِمُنا ... ولا مشارِبَ إلاَّ مِن حياضِ دَمِ
    لَدَفعُ أركانِ صرفِ الدَّهْرِ أيسَرُ مِنْ ... دفعِ عُداةِ الوَغَى عنْ مُستوى قَدَمي
    وقال أيضاً:
    وغادَرَ منِّي الدَّهْرُ عضباً مهنَّداً ... يفلُّ شَبَا خصْمي وقلباً مُشيَّعا
    وجوداً يحلُّ الكفَّ عنْ خيرِ مالِها ... إذا عُقدتْ كفُّ البَخيلِ تَمَنُّعا
    ورأياً كمِرآةِ الصَّناعِ أَرَى بهِ ... سرائرَ غيبِ الدَّهْرِ حيثُ تلفَّعا
    وقال أيضاً:
    إذا أنا لم أجزِ الزَّمَانَ بفعلِهِ ... تقلَّبَ منِّي الدَّهْرُ في جانبٍ سهلِ
    عزمتُ فما أُعطي الحوادثَ طاعةً ... وليسَ يطيعُ الحادثاتِ فتًى مِثلي
    إذا ضحكتْ حربٌ عن البِيضِ والقَنَا ... رأيتَ الدُّموعَ تَجري على نَصْلي
    أَبَينا سَمَاحاً أن نَصُونَ تُراثَنَا ... عنِ الضَّيفِ والعافينَ في الخِصبِ والمحْلِ
    ونُصلحُ ما أبقَى لَنَا منهُ جودُنا ... لنَجْزي ما عِشنا على عادةِ الفضلِ
    وقال أبو الطَّيِّب المتنبِّي من قصيدةٍ:
    سأطلُبُ حقِّي بالقَنَا ومشايخٍ ... كأنَّهم مِن طولِ ما أُلْثموا مُرْدُ
    ثقالٍ إذا لاقَوْا خِفافٍ إذا دُعُوا ... كثيرٍ إذا شَدُّوا قليلٍ إذا عُدُّوا
    وطعنٍ كأنَّ الطَّعنَ لا طعنَ عندَهُ ... وضربٍ كأنَّ النَّارَ من حرِّهِ برْدُ
    إذا شئتُ حفَّت بي على كلِّ سابحٍ ... رجالٌ كأنَّ الموتَ في فمِها شهدُ
    ومنْ نكَدِ الدُّنيا على الحرِّ أن يَرَى ... عدوّاً لهُ ما مِن صداقتِهِ بدُّ
    بقلبي وإنْ لم أروَ منها مَلالةٌ ... وبي عنْ غَوانيها وإنْ وَصلتْ صدُّ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أُهمُّ بشيءٍ واللَّيالي كأنَّها ... تُطاردُني عن كونِهِ وأُطاردُ
    وحيدٌ من الخلاَّنِ في كلِّ بلدةٍ ... إذا عظمَ المطلوبُ قلَّ المساعدُ
    وتُسعدُني في غمرةٍ بعدَ غمرةٍ ... سبوح لها منها عَلَيْها شواهدُ
    تَثَنَّى على قدرِ الطِّعانِ كأنَّما ... مفاصلُها تحتَ الرِّماحِ مَراودُ
    وأُوردُ نفسي والمهنَّدُ في يَدي ... مواردَ لا يُصدرنَ مَنْ لا يُجالدُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    عشْ عزيزاً أو متْ وأنتَ كريمٌ ... بينَ طعنِ القَنَا وخفقِ البنودِ
    فرؤوسُ الرِّماحِ أذهَبُ للغيْ ... ظِ وأشفَى لغِلّ صدرِ الحَقُودِ
    لا بقومي شَرُفتُ بل شَرُفوا بي ... وبنفسي فخرتُ لا بجُدودي
    إنْ أكنْ مُعجَباً فعجبُ عَجيبٍ ... لم يجدْ فوقَ نفسِهِ من مَزيدِ
    أنا تربُ النَّدَى وربُّ القوافي ... وسمامُ العِدا وغيظُ الحَسُودِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولا بدَّ من يومٍ أغرَّ محجَّلٍ ... يطولُ استِماعي بعدَهُ للنَّوادِبِ
    يهونُ على مِثلي إذا رامَ حاجةً ... وقوعُ العَوَالي دونَها والقواضِبِ
    إليَّ لَعَمْرِي قصدُ كلِّ عجيبةٍ ... كأنِّي عجيبٌ في عُيُونِ العجائِبِ
    بأيِّ بلادٍ لم أجرَّ ذَوَائبي ... وأيُّ مكانٍ لم تطأْهُ رَكائِبِي
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وجاهلٍ مدَّهُ في جهلِهِ ضَحِكي ... حتَّى أتتهُ يدٌ فرَّاسةٌ وَفَمُ
    إذا رأيتَ نيوبَ اللَّيثِ بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أنَّ اللَّيثَ مبتسمُ
    ومهجة مهجتي من همِّ صاحِبِها ... أدركْتُها بجوادٍ ظهرُهُ حَرَمُ
    رِجلاهُ في الرَّكضِ رجلٌ واليدانِ يدٌ ... وفعلُهُ ما تريدُ الكفُّ والقَدَمُ
    ومُرهفٍ سرتُ بين الجحْفَلَينِ بهِ ... حتَّى ضربتُ وموجُ البحرِ يلتطمُ
    فالخيلُ واللَّيْلُ والبيداءُ تعرفُني ... والطَّعنُ والضَّربُ والقِرطاسُ والقَلَمُ
    أنا الَّذي نظَرَ الأعمى إلى أَدَبي ... وأسمعتْ كلِماتي مَن بهِ صَمَمُ
    ما أبعَدَ العيبَ والنُّقصانَ عن شَرَفي ... أنا الثُّريَّا وذانِ الشَّيبُ والهَرَمُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وفي الجسمِ نفسٌ لا تشيبُ بشيبةٍ ... ولو أنَّ ما في الوجهِ منهُ حرابُ
    لها ظُفُرٌ إنْ كلَّ ظفرٌ أُعدُّهُ ... ونابٌ إذا لم يبقَ في الفمِ نابُ
    يُغيّرُ منِّي الدَّهْرُ ما شاءَ غيرَهَا ... وأبلغُ أقصَى العمرِ وهي كَعَابُ
    وإنِّي لنجمٌ تهتَدي بيَ صُحبتي ... إذا حالَ مِن دونِ النُّجومِ سحابُ
    غنيٌّ عنِ الأوطانِ لا يستفزُّني ... إلى بلدٍ سافرتُ عنهُ إيابُ
    وعنْ ذَملانِ العيسِ إنْ سامحتْ بهِ ... وإلاَّ ففي أكوارهنَّ عُقابُ
    وأصْدى فلا أُبدي إلى الماءِ حاجَةً ... وللشَّمسِ فوقَ اليعْمَلاتِ لُعابُ
    وللسِّرِّ منِّي موضعٌ لا ينالُهُ ... نديمٌ ولا يُفضي إليهِ شرابُ
    والخَوْدِ منِّي ساعةٌ ثمَّ بينَنَا ... فلاةٌ إلى غيرِ اللِّقاءِ تُجابُ
    وغيرُ فؤادي للغَوَاني رميَّةٌ ... وغيرُ بَنَاني للزُّجاجِ ركابُ
    تَرَكنا لأطرافِ القَنَا كلَّ شهوةٍ ... فليسَ لنا إلاَّ بهنَّ لِعابُ
    نُصرِّفُهُ للطَّعنِ فوقَ حواذرٍ ... قد انقصَفَتْ فيهنَّ منهُ كِعابُ
    أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ ... وخيرُ جليسٍ في الزَّمَانِ كِتابُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أبدُو فيسجُدُ مَن بالسّوءِ يذكُرُني ... ولا أُعاتبُهُ صفحاً وإهوانا
    وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني ... إنَّ النَّفيسَ غريبٌ حيثُما كانا
    محسَّدُ الفضلِ مكذوبٌ على أَثَري ... ألْقى الكميَّ وَيَلقاني إذا حانا
    لا أشرئبُّ إلى ما لم يفتْ طمعاً ... ولا أبيتُ على ما فاتَ حَسْرانا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقد تصبَّرتُ حتَّى لاتَ مصطَبَرٍ ... فالآن أُقحمُ حتى لاتَ مُقتحمِ
    لأتركنَّ وجوهَ الخيلِ ساهمَةً ... والحربُ أقوَمُ مِن ساقٍ على قَدَمِ
    والطَّعن يحرقُها والزَّجرُ يقلِقُها ... حتَّى كأنَّ بها ضرباً منَ اللَّممِ
    قد كلَّمتْها العَوَالي فهي كالحةٌ ... كأنَّما الصَّابُ معصوبٌ على اللَّجمِ
    بكلِّ منصلتٍ ما زالَ منتظِري ... حتَّى أدلْتُ لهُ مِن دولةِ الخَدَمِ
    شيخٌ يَرَى الصَّلواتِ الخمسَ ناقلَةً ... ويستحلُّ دمَ الحجَّاجِ في الحرمِ
    وكلّما نُطحتْ تحتَ العجاجِ بهِ ... أُسدُ الكتائِبِ رامتْهُ ولم يَرَمِ
    تُنسي البلادَ بروقَ الجوِّ بارِقتي ... وتَكتفي بالدّمِ الجاري منَ الدِّيَمِ
    رِدي حياضَ الرَّدى حَوباءُ واتَّرِكي ... حياضَ خوفِ الرَّدى للشَّاءِ والنَّعمِ
    إنْ لم أزدكِ على الأرماحِ سائلَةً ... فلا دُعيتُ ابنَ أُمِّ المجدِ والكرمِ
    أيملِكُ الملكَ والأسيافُ ظامئةٌ ... والطَّيرُ جائعةٌ لحمٌ على وَضَمِ
    مَنْ لو رآني ماءً ماتَ من ظمأٍ ... ولو مَثَلتُ لهُ في النَّومِ لمْ يَنَمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وما سَكَني سِوى قتلِ الأعادي ... فهلْ من زَورةٍ تشفي القُلُوبا
    تظلُّ الطَّيرُ منها في حديثٍ ... تردُّ بهِ الصَّراصرَ والنَّعيبا
    وقدْ لبستْ دماؤهُمُ عليهمْ ... حِداداً لم تشقَّ لها جُيُوبا
    أَدَمنا طعنهمْ والقتلَ حتَّى ... خلطْنا في عظامهمُ الكُعُوبا
    كأنَّ خيولَنَا كانتْ قديماً ... تُسقَّى في قُحُوفهمُ الحَليبا
    فمرَّتْ غيرَ نافرةٍ عليهمْ ... تدوسُ بنا الجماجمَ والتَّريبا
    يُقدِّمُها وما خُضبتْ شَوَاها ... فتًى الحروبُ بهِ الحُرُوبا
    شديدُ الخُنْزُوانَةِ لا يُبالي ... أصابَ إذا تنمَّرَ أمْ أُصيبا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    أُفكِّرُ في مُعاقرةِ المَنَايا ... وقوْدِ الخيلِ مشرفةَ الهَوَادي
    زعيماً للقَنَا الخطِّيِّ عزْمي ... بسفكِ دَمِ الحواضِرِ والبَوَادي
    إلى كمْ ذا التَّخلُّفُ والتَّواني ... وكم هذا التَّمادي في التَّمادي
    وشغلُ النَّفسِ عن طلبِ المَعَالي ... ببيعِ الشِّعرِ في سوقِ الكَسَادِ
    وما ماضي الشَّبابِ بمستردٍّ ... ولا يومٌ يمرُّ بمُستعادِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    جَفَتني كأنِّي لستُ أَنطقَ قومِها ... وأطعَنهم والشُّهبُ في صورةِ الدُّهْمِ
    يُحاذرُني حَتفي كأنِّيَ حتفُهُ ... وتنكُزني الأفعَى فيقتلُها سُمِّي
    طوالُ الرُّدَينيَّاتِ يقصفُها دَمي ... وبيضُ السُّرَيْجيَّاتِ يقطَعُها لحمِي
    برتْني السُّرى برْيَ المُدى فتركْنَني ... أخفَّ على المركوبِ من نَفسي جِرْمِي
    وأبصَرَ منْ زرقاء جوٍّ لأنَّني ... إذا نظرتْ عينايَ شاءهُما عِلْمي
    كأنِّي دَحَوْتُ الأرضَ مِن خِبرتي بها ... كأنِّي بَنى الإسكندَرُ السَّدَّ مِن عَزمي
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    محبٌّ كَنى بالبِيض عن مُرهفاتِهِ ... وبالحُسنِ في أجسامهنَّ عن الصَّقلِ
    وبالسُّمرِ عن سُمرِ القَنَا غير أنَّني ... جَنَاها أحبائي وأطرافُها رُسْلي
    عدِمتُ فؤاداً لم تبتْ فيه فضلةٌ ... لغيرِ الثَّنايا الغرِّ والحَدَقِ النُّجْلِ
    فما حرَّمتْ حسناءُ بالهجرِ غِبطَةً ... ولا بلَّغَتْها مَن شَكَا الهجرَ بالوصلِ
    ذَريني أنلْ ما لا يُنالُ من العُلا ... فصعبُ العُلا في الصَّعبِ والسَّهلُ في السَّهلِ
    تريدينَ لُقيانَ المَعَالي رخيصَةً ... ولا بدَّ دونَ الشَّهدِ من إبرِ الَّنحلِ
    وقال من قصيدةٍ يرثي جدّته:
    لئنْ لذَّ يومُ الشَّامتينَ بموْتها ... فقد ولدتْ منِّي لآنافِهِمْ رَغما
    تَغرّبَ لا مستعظماً غيرَ نفسِهِ ... ولا قابلاً إلاَّ لخالقِهِ حُكما
    ولا سالكاً إلاَّ فؤادَ عجاجةٍ ... ولا واجداً إلاَّ لمكرمةٍ طَعما
    يقولونَ لي ما أنتَ في كلِّ بلدةٍ ... وما تبتَغي ما أبتَغي جلَّ أنْ يُسمَى
    كأنَّ بَنيهمْ عالمونَ بأنَّني ... جَلُوبٌ إليهم من معادنِهِ اليُتما
    ولكنَّني مُستنصرٌ بذُبابِهِ ... ومُرتكبٌ في كلِّ حالٍ بهِ الغَشْما
    وجاعلُه يومَ اللِّقاءِ تحيَّتي ... وإلاَّ فلستُ السَّيِّدَ البطلَ القِرما
    إذا قلَّ عزمي عن مدًى خوفَ بعدِهِ ... فأبعَدُ شيءٍ ممكنٌ لم يجدْ عَزْما
    وإنِّي لمنْ قومٍ كأنَّ نُفُوسَنَا ... بها أَنَفٌ أن تسكنَ اللَّحمَ والعَظْما
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تمرستُ بالآفاتِ حتَّى تركتُها ... تقولُ أماتَ الموتُ أم ذُعِرَ الذُّعرُ
    وأقدمتُ إقدامَ الأتيّ كأنَّ لي ... سوى مهجتي أو كانَ لي عندهَا وترُ
    ذَرِ النَّفسَ تأخذ وُسعَهَا قبلَ بينِها ... فمفترقٌ جارانِ دارُهما العمرُ
    ولا تحسَبَنَّ المجدَ زِقّاً وقَينةً ... فما المجدُ إلاَّ السَّيْفُ والفتكةُ البِكرُ
    وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأن تُرى ... لكَ الهَبواتُ السُّودُ والعسكرُ المَجْرُ
    وتركُكَ في الدُّنيا دويّاً كأنَّما ... تَداولَ سمعَ المرءِ أنمُلُهُ العشرُ
    عليَّ لأهلِ الجَورِ كلُّ طمرَّةٍ ... عَلَيْها غلامٌ ملءُ حيزُومِهِ غِمرُ
    يديرُ بأطرافِ الرِّماحِ عليهُمُ ... كؤوسَ المَنَايا حيثُ لا تُشتهَى الخمرُ
    وقال أيضاً من القصيدة الَّتي أوَّلها:
    حتَّى مَ نحنُ نُساري النَّجمَ في الظُّلَمِ
    في بعض النسخ:
    أنا الزَّعيمُ بأنْ أُغزي ديارهُمُ ... خَيلي فتغدُو وما فيهنَّ مِن إرَمِ
    في فتيةٍ مِن بَني حامٍ وجوههُمُ ... في الخطبِ بيضٌ وإن أصبحْنَ كالحممِ
    يلقَى مُحاربُهُمْ قِدماً منِيَّتَهُ ... فليسَ يقتَلُ إلاَّ غيرَ منهزمِ
    وما انتِظاري وسَيفي ليسَ يوحشُهُ ... في راحَتي قلَّةُ الأعوانِ والحَشَمِ
    لولا مُحافظَةٌ منِّي لَنَازَلَني ... حبُّ النُّزولِ على الأعناقِ والقِممِ
    ولوْ يُسلّ بآنافٍ برِمْتُ بها ... شُمٍّ لَغادَرَها جُدْعاً بلا شَمَمِ
    أفْديهِ مِن صاحبٍ ما زالَ قائمُهُ ... يُذِمُّ لي حينَ ألْقى مُخفِرَ الذِّممِ
    لمَّا وَفَى دونَ النَّاسِ أمَّنني ... كلَّ امرئ غادِرِ الأخلاقِ والشِّيمِ
    كم قدْ سقيتُ ظُباهُ مِنْ نجيعِ دمٍ ... في حينِ يُسقى بهِ مِن باردٍ شَبِمِ
    يَخيمُ عِندي شجاعٌ لوْ يُفاجئُهُ ... ليثُ العَرينِ أبو الأشبالِ لم يخِمِ
    ينفِّرُ الخيلَ منِّي بعدَ فاتِكِها ... قَوْدي وإقحامُها في كلِّ مُقتحَمِ
    مَضَى وقدْ عوَّدتْني البِيضُ عادَتَها ... ضربَ الرّؤوسِ وهتكَ البَيضِ واللِّممِ
    مَن يعفِرُ الأُسدَ غَيري بعدَ عافِرِها ... أبي شُجاعٍ وقدْ أفضَى إلى الرُّجُمِ
    وقال أبو فراس الحارث بن سعيد الحمدانيّ:
    وإنِّي لنزَّالٌ بكلِّ مَخُوفةٍ ... كثيرٌ إلى نُزَّالِها النَّظَرُ الشَّزْرُ
    وإنِّي لجرَّارٌ لكلِّ كتيبةٍ ... معوَّدةٍ أنْ لا يُخلَّ بها النَّصرُ
    فأظمأُ حتَّى ترتَوي البِيضُ والقَنَا ... وأسغَبُ حتَّى يشبَعَ الذِّئبُ والنَّسرُ
    ويا رُبَّ دارٍ لمْ تَخَفني مَنيعةٍ ... طلعتُ عَلَيْها بالرَّدى أنا والفجرُ
    ولا باتَ يُطْغيني بأثوابِهِ الغِنَى ... ولا باتَ يَثنيني عن الكرمِ الفقرُ
    وما حاجَتي بالمالِ أبْغي وُفُورهُ ... إذا لمْ أَفْر عِرضي فلا وفَرَ الوفرُ
    سيذكُرني قَومي إذا جدَّ جدُّهمْ ... وفي اللَّيلةِ الظَّلماءِ يُفتقدُ البدرُ
    ولو سدَّ غَيري ما سَدَدتُ اكتَفَوْا بهِ ... وما كانَ يغلُو التِّبرُ لو نَفَق الصُّفرُ
    ونحنُ أُناسٌ لا توسُّطَ عندَنَا ... لنا الصَّدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ
    وقال أيضاً:
    لنا أوَّلٌ في المكرماتِ وآخرُ ... وباطنُ مجدٍ تغلبيٍّ وظاهرُ
    تبوَّأتُ من قَرْمَيْ مَعَدٍّ كلَيهما ... مَكَاناً أراني كيفَ تُبنَى المفاخرُ
    أُناضلُ عن أحسابِ قومِي بفضلِهِ ... وأفخَرُ حتَّى لا أَرَى مَنْ يُفاخرُ
    وأسْعى لأمرٍ عُدَّتي لمنالِهِ ... أَوَاخِيُّ مِن آرائِهِ وأواصرُ
    أنا الحارثُ المُختارُ مِن نسلِ حارثٍ ... إذا لمْ تسُدْ في القومِ إلا الأخايِرُ
    يسرُّ صَديقي أنَّ أكثَرَ واصِفِي ... عدوِّي وإنْ ساءتْهُ المفاخرُ
    وهلْ تُجحَدُ الشَّمْسُ المنيرَةُ ضَوْءها ... ويستَرُ نورُ البدرِ والبدرُ زاهرُ
    وقال أيضاً:
    إذا كانَ منَّا واحدٌ في قبيلةٍ ... عَلاها وإن ضاقَ الخناقُ حَمَاها
    وما اشْتَورتْ إلاَّ وأصبحَ شيخَهَا ... ولا أحْرَبَتْ إلاَّ وكانَ فَنَاها
    ولا ضُربتْ بينَ القبابِ قبابُهُ ... وأصبَحَ مأوَى الطَّارقينَ سِواها
    وقال أيضاً:
    إذا مررتَ بوادٍ جاشَ غاربُهُ ... فاعقلْ قَلُوصكَ وانزلْ ذاكَ وَادِينا
    وإنْ عبرتْ بنادٍ لا تُطيفُ بهِ ... أهلُ السَّفاهةِ فاجلسْ ذاكسَ نادِينا
    نُغيرُ في الهجمةِ الغرَّاءِ ننحرُها ... حتَّى ليعطَشَ في الأحيانِ راعينا
    وتجفلُ الشَّولُ بعدَ الخمسِ صاديةً ... إذا سمعنَ على الأمواهِ حادِينا
    وتُصبحُ الكُومُ أشتاتاً مروَّعةً ... لا تأمَنُ الدَّهْرَ إلاَّ من أعادِينا
    ويصبحُ الضَّيفُ أوْلانا بمنزِلِنا ... نرضَى بذاكَ ويَمضي حكمُهُ فِينا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقدْ ضلَّ مَن تَحوي هواهُ خَريدَة ... وقدْ ذلَّ مَن تَقضي عليهِ كَعابُ
    ولكنَّني والحمدُ للهِ حازمٌ ... أعزُّ إذا ذلَّتْ لهنَّ رِقابُ
    ولا تملكُ الحسناءُ قلبي كلَّهُ ... وإنْ شمِلتْها رقَّةٌ وشبابُ
    وأجري ولا أُعطي الهَوَى فضلَ مِقوَدي ... وأهفُو ولا يَخْفى عليَّ صوابُ
    إذا الخِلُّ لم يهجركَ إلاَّ ملالةً ... فليسَ لهُ إلاَّ الفراقَ عِتابُ
    إذا لم أجدْ من خلَّةٍ ما أُريدُهُ ... فعندي لأُخرى عزمةٌ ورِكابُ
    صبورٌ ولوْ لم تبقَ منِّي بقيَّةٌ ... قؤولٌ ولو أنَّ السُّيوفَ جوابُ
    وقورٌ وأحداثُ الزَّمَانِ تَنُوشُني ... وللموتِ جوْلي جيئةٌ وذَهَابُ
    وألحَظُ أحوالَ الزَّمَانِ بمقلةٍ ... بها الصِّدقُ والكِذَابُ كِذَابُ
    وما كلُّ فعَّالٍ يُجازى بفعلِهِ ... ولا كلُّ قوَّالٍ لديَّ يجابُ
    وربَّ كلامٍ مرَّ فوقَ مسامِعِي ... كما طنَّ في لُوحِ الهجيرِ ذُبابُ
    ستذكُرُ أيَّامي نُميرٌ وعامرٌ ... وكعبٌ على علاَّتها وكِلابُ
    أنا الجارُ لا زادِي بطيءٌ عليهُمُ ... ولا دونَ مالي للحوادِثِ بابُ
    ولا أطلُبُ العوراءَ منهمْ أُصيبُها ... ولا عَوْرَتي للطَّالبينَ تُصابُ
    وقال لابن عمّه سيف الدولة يعاتبه:
    فليتَكَ تحلُو والحياةُ مريرةٌ ... وليتَكَ ترضَى والأنامُ غضابُ
    وليتَ الَّذي بيني وبينكَ عامرٌ ... وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
    وقال أيضاً:
    غَيري يغيِّرُهُ الفِعالُ الجافي ... ويَحُولُ عن شيمِ الكريمِ الوافي
    لا أرتَضي ودّاً إذا هوَ لم يدمْ ... عندَ الجفاءِ وقلَّةِ الإنصافِ
    تعِسَ الحريصُ وقلَّ ما يأتِي بهِ ... عِوضاً عن الإلحاحِ والإلحافِ
    إنَّ الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسِهِ ... ولَوَ أسنَّهُ عاري المناكب حافِ
    وتعافُ لي طَمَعَ الحريص أُبوَّتي ... ومُروءتي وقَنَاعتي وعَفَافي
    ما كثرَةُ الخيلِ الجيادِ بزائِدِي ... شرفاً ولا عَدَدُ السَّوامِ الضَّافي
    خيلي وإن قلَّتْ كثيرٌ نفعُها ... بينَ الصَّوارِمِ والقَنَا الرَّعَّافِ
    ومكارمي عددُ النُّجومِ ومنزِلِي ... مأوَى الكرام ومنزلُ الأضيافِ
    لا أقْتني لصروفِ دَهري عدَّةً ... حتَّى كأنَّ صروفَهُ أحلافي
    شيَمٌ عُرفتُ بهنَّ مذ أنا يافعٌ ... ولقد عَرَفتُ بمثلها أسْلافي
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وما المرءُ إلاَّ حيثُ يجعَلُ نفسَهُ ... وإنِّي لها فوقَ السِّماكينِ جاعِلُ
    وللوفرِ مِتلافٌ وللحمدِ جامعٌ ... وللشَّرِّ ترَّاكٌ وللخيرِ فاعلُ
    فمثليَ مَنْ نالَ المَعَالي بنفسِهِ ... ورُبَّتَما عالَتْهُ عنها الغَوائلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    تطالبُني بيضُ الصَّوارِمِ والقَنَا ... بنا وعَدَتْ جدَّيَّ فيَّ المَخَايلُ
    ولستُ بِجَهْمِ الوجهِ في وجهِ صاحِبِي ... ولا قائل للضَّيفِ هلْ أنتَ راحلُ
    ينالُ اختيارَ الصَّفحِ عنْ كلِّ مُذنبٍ ... له عندَنَا ما لا تنالُ الوسائلُ
    أصاغِرُنا في المكرماتِ أكابرٌ ... أواخِرُنا في المأْثُراتِ أوائلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    نَدَبْتَ لحسنِ الصَّبرِ قلبَ نجيبِ ... ونادَيْت بالتَّسليمِ خيرَ مُجيبِ
    ولمْ يبقَ منِّي غيرُ قلبٍ مشيَّعٍ ... وعُودٍ على نابِ الزَّمَانِ صليبِ
    لَقيتُ من الأيَّامِ كلَّ عظيمةٍ ... وقابَلَني دَمعي بوجهِ قَطُوبِ
    ولم ينتقصْ منِّي تشعُّبُ حادثٍ ... ولا كرهتْ نفسي لقاءَ شعُوبِ
    وقدْ علمتْ أُمِّي بأنَّ منيَّتي ... بحدِّ سنانٍ أو بحدِّ قضيبِ
    كما علمتْ مِنْ قبلِ أنْ يغرقَ ابنُها ... بمهلكِهِ في الماءِ أُمُّ شَبيبِ
    تجشَّمتُ خوفَ العارِ أعظَمَ خطَّةٍ ... وأمَّلتُ نصراً كانَ غيرَ قريبِ
    وللعارِ خلَّى ربُّ غسَّانَ ملكَهُ ... وفارَقَ دينَ اللهِ غيرَ مُصيبِ
    ولم يرتغِبْ في العيشِ عيسى بنُ مصعبٍ ... ولا خفَّ خوفَ الحربِ قلبُ حَبيبِ
    رضيتُ لنفْسي كانَ غيرَ موفَّقٍ ... ولم ترضَ نفْسي كانَ غيرَ نَجيبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ألمْ تَرَنا أعزَّ النَّاسِ جاراً ... وأمرعَهُم وأمنعَهُمْ جَنَابا
    لنا الجبلُ المطلُّ على نزارٍ ... حَلَلْنا النَّجدَ منهُ والهضابا
    وقدْ علمتْ رَبيعَةُ بلْ نزارٌ ... بأنَّا الرَّأسُ والنَّاسَ الذُّنابى
    ولمَّا ثارَ سيفُ الدِّينِ ثُرنا ... كما هيَّجتْ آساداً غِضابا
    أسنَّتهُ إذا لاقى طِعاناً ... صوارمُهُ إذا لاقى ضرابا
    دَعَانا والأسنَّةُ مشرعاتٌ ... فكنَّا عندَ دعوتِهِ الجَوَابا
    صنائعُ فاقَ صانِعُها ففاقتْ ... وغرسٌ طابَ غارسُهُ فطابا
    وكنَّا كالسِّهامِ إذا أصابتْ ... مَرامِيها فَرَاميها أَصَابا
    وقال أيضاً:
    ومُضطغِنٍ يراودُ فيَّ عيباً ... سيلْقاهُ إذا سُكنتْ وَبَارُ
    وأحسبُ أنَّه سيجرُّ حرباً ... على قومٍ ذُنُوبهُمُ صغارُ
    كما خزيتْ برَاعيها نُميرٌ ... وجرَّ على بَني أَسَدٍ يَسَارُ
    إذا ما العزُّ أصبَحَ في مكانٍ ... سموتُ لَهُ وإنْ بعُدَ المزارُ
    مُقامي حيثُ لا أهْوى قليلٌ ... ونَومي عندَ مَنْ أقْلِي غِرارُ
    أبتْ لي همَّتي وغِرارُ سيفي ... وعَزمي والمطيَّةُ والقِفارُ
    ونفسٌ لا تجاوِرُها الدَّنايا ... وعِرضٌ لا يرفُّ عليهِ عارُ
    وقومٌ مثلُ مَن صَحبوا كرامٌ ... وخيلٌ مثلُ مَن حملتْ خِيارُ
    وخيلٌ خفَّ جانِبُها فلمَّا ... ذُكرنا بينَهَا نُسيَ الفرارُ
    إذا أمستْ نزارُ لنا عَبيداً ... فإنَّ النَّاسَ كلُّهُمُ نزارُ
    وقال أيضاً:
    وأنا الَّذي ملأَ البسيطَةَ كلَّها ... ناري وطنَّبَ في السَّمَاءِ دُخاني
    ولطالَمَا حطَّمتُ صدرَ مثقَّفٍ ... ولطالَمَا أرعفتُ أنفَ سِناني
    إنْ لم تكنْ طالتْ سنِّي فإنَّ لي ... رأْيُ الكهولِ ونجدَةَ الشُّبَّانِ
    قَمِنٌ بما ساءَ الأعادي موقفي ... والدَّهْرُ يبرزُ لي معَ الأقرانِ
    أو أنْ تَكون وقيعةٌ مشهورةٌ ... ما لي بها أثرٌ معَ الفرسانِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ممالكُنا مَكَاسبُنا إذا ما ... توارَثَها رجالٌ عنْ رجالِ
    وما تَجني سَرَاةُ بني أبينا ... سوَى ثمراتِ أطرافِ العوالي
    نمدُّ بيوتَنَا في كلِّ فجٍّ ... بهِ بينَ الأراقِمِ والصِّلالِ
    مخافَةَ أنْ يقالَ بكلِّ أرضٍ ... بنو حمدانَ كُفُّوا عنْ قتالِ
    ومَنْ وَرَدَ المهالكَ لم ترعْهُ ... رَزَايا الدَّهْرِ في أهلٍ ومالِ
    ألا هلْ مُنكرٌ يا بني نزارٍ ... مَقامي يومَ ذلكَ أو مَقَالي
    تركتُ ذوابلَ المُرَّانِ فيها ... مخضَّبةً محطَّمَةَ الأعالي
    وعدتُ أجرُّ رُمحي عنْ مقامٍ ... تحدِّثُ عنهُ ربَّاتُ الحِجالِ
    ومُهري لا يمسُّ الأرضَ زهواً ... كأنَّ تُرابها قطبُ النَّبالِ
    كأنَّ الخيلَ تعرفُ مَنْ عَلَيْها ... ففي بعضٍ على بعضٍ تَعَالِ
    عَلَيْنا أنْ نُعاودَ كلَّ يومٍ ... رخيصٌ عندَهُ المهَجُ الغَوالي
    وقال أيضاً:
    إذا ما عنَّ لي أَرَبٌ بأرضٍ ... ركبتُ لَهُ ضميناتِ النَّجاحِ
    ولي عندَ العداةِ بكلَّ أرضٍ ... دُيُونٌ في كَفَالاتِ الرِّماحِ
    يخفُّ بها إلى الغَمَراتِ طودٌ ... منَ الأطوادِ ممتنعُ النَّواحي
    أشدُّ الفارسينِ وإنْ أبَرَّا ... أخفُّ الفارسينِ إلى الصِّياحِ
    لأملاكِ البلادِ عليَّ طعنٌ ... يحلُّ عزيمَةَ الدِّرعِ الوَقَاحِ
    ويومٍ للكماةِ بهِ اعتناقٌ ... ولكنَّ التَّصافُحَ بالصِّفاحِ
    أُصاحبُ كلَّ خالٍ بالتَّجافي ... وآسُو كلَّ داءٍ بالسَّماحِ
    وقال أيضاً:
    لنا بيتٌ على عُنُقِ الثُّريَّا ... بعيدُ مذاهِبِ الأكنافِ سامِ
    تُظلِّلهُ الفوارسُ بالعَوَالي ... وتفرشُهُ الولائدُ بالطَّعامِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لقيتُ نُجُومَ الأُفقِ وهي صوارمٌ ... وخُضتُ سوادَ اللَّيْلِ وهو خُيُولُ
    ولمْ أرعَ للنَّفسِ الكريمةِ خلَّةً ... عشيَّةَ لمْ يعطفْ عليَّ خليلُ
    ولكنْ لقيتُ الموتَ حتَّى تركتُها ... وفيها وفي حدِّ الحُسامِ فُلُولُ
    إذا اللهُ لم ينصرْكَ لم تلقَ ناصراً ... وإنْ جلَّ أنصارٌ وعزَّ قبيلُ
    وإنْ هوَ لمْ يدلُلْكَ في كلِّ مسلكٍ ... ضللتَ ولوْ أنَّ السِّماكَ دليلُ
    وما لمْ يُرِدهُ الله في الأمرِ كلِّهِ ... فليسَ لمخلوقٍ إليهِ سبيلُ
    وقال أبو العشائر الحمدانيّ:
    أَأَخا الفوارِسِ لو رأيتَ مواقِفِي ... والخيل مِنْ خيلِ الفوارِسِ تنحطُ
    لقرأْتَ منها ما تخطُّ يَدُ الوَغَى ... والبِيضُ تشكُلُ والأسنَّةُ تنقطُ
    وقال أبو زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:
    وقدْ علِمتْ بما لاقتْهُ منَّا ... قبائلُ يعربٍ وابْنَيْ نزارِ
    لقيناهمْ بأرماحٍ طوالٍ ... تبشِّرُهُمْ بأعمارٍ قصارِ
    وقال أبو نصر بن نباتة السَّعديّ:
    ولو يكونُ سوادُ الشّعرِ في ذممي ... ما كانَ للشَّيبِ سلطانٌ على اللِّمَمِ
    فالحزمُ والعزمُ في الأقوامِ من خُلُقي ... كما الفصاحَةُ في الأقوالِ منْ كلِمي
    ما زلتُ أعطفُ أيَّامي فتمنَحُني ... نيلاً أدقَّ منَ المعدومِ في العَدَمِ
    حتَّى تخوَّفَ صرفُ الدَّهْرِ بادِرَتي ... فردَّ كفِّي وأوْمى أنْ يسدَّ فمِي
    وما أظنُّ بناتِ الدَّهر تترُكُني ... حتَّى تسدَّ عَلَيْها طُرقَهَا هِممي
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وعنَّفني في مركبِ الموتِ معشرٌ ... وقالوا أيَهْوَى الجدبَ من كانَ في الخصبِ
    وإنِّي لأدرِي أنَّ في العجزِ راحَتي ... وأعلَمُ أنَّ السَّهلَ أو طامِنَ الصَّعبِ
    ولو طلَبَ النَّاسُ المَعَالي كلُّهُمْ ... لكانَ الغِنَى كالفقرِ والعبدُ كالرَّبِّ
    ولكنَّ أشخاصَ المعالي خفيَّةٌ ... على كلِّ عينٍ ليسَ تبصرُ باللُّبِّ
    لقدْ زادَني حربُ الزَّمَانِ تجارباً ... فلا عشتُ في يومٍ بلا حربِ
    ومَنْ يكُ يعتادُ الكُرُوبَ فؤادُهُ ... فإنَّكَ يا قلبي خُلقتَ منَ الكرْبِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ومغرورٍ يحاولُ نيلَ شأْوي ... فقلتُ لهُ الكواكبُ لا تنالُ
    يُعاين في المكارمِ فيض كفِّي ... ويزعم أنَّه ذهبَ النَّوالُ
    أُحمِّلُ ضَعفَ جِسمي فضلَ نَفْسي ... ونفْسي ليسَ تحملُها الجبالُ
    وقال أيضاً:
    وأنا البصيرُ بكلِّ علمٍ غامضٍ ... فإذا رأيتُ مذلَّةً فأنا العَمِي
    والذّلُّ أثقلُ مِن جبالِ تِهامةٍ ... عِندي وأعذَبُ منهُ طعمُ العلقمِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إذا ما هززتَ العُزَّالَ نُباتَةٍ ... هززتَ مُتُونَ المُرهفاتِ القواضِبِ
    ألا نادِ في الأحياءِ هلْ من مُفاخرٍ ... يُفاخرُنا في النَّاسِ أوْ مِنْ مُحارِبِ
    ونحنُ بَنُو سعدٍ تزورُ جِفانُنا ... أباعِدَنَا في الجدبِ قبلَ الأقارِبِ
    إذا السَّنَةُ العُظمى أناختْ بمعشرٍ ... أنَخْنا إليهمْ باللُّهى والرَّغائبِ
    نَزَلنا منَ السَّبعِ السَّمواتِ منزلاً ... وَضَعْنا بهِ الأقدامَ فوقَ الكواكِبِ
    وقال أبو محمَّد بنُ وكيع من قصيدةٍ:
    لي همَّةٌ ليسَ تَرضى أنْ يكونَ لها ... صرفُ الزَّمَانِ ومَن فيهِ منَ الخَدَمِ
    إن لم أكنْ فارسَ الهيجاءِ مِن هَوَجٍ ... فإنَّني فارسُ القِرطاسِ والقلمِ
    إنِّي امرؤٌ كِسرويٌّ حين تنسُبُني ... من كلِّ أروَعَ سامي الطَّرفِ ذي شممِ
    أنْمي إلى معشرٍ كالقطرِ عدَّتهمْ ... وواحدٌ منهمُ يُغني عن الأُممِ
    لو أنَّ آراؤهمْ في ظلمةٍ نَجَمتْ ... لعادَ صُبحاً بها مُحْلولكُ الظَّلمِ
    من كلِّ مُعتصبٍ بالتَّاجِ مُنتبهٍ ... للمجدِ عزمتُهُ كالصَّارِمِ الحذمٍ
    ولا يكلَّمُ في حالٍ لهَيْبتِهِ ... إنْ ظلَّ مُبتسماً أو غيرَ مُبتسمٍ
    وقال أيضاً:
    قَومي يظلُّ الضَّيفُ بينَ رِحالِهِمْ ... ماضي المشيئةِ مُؤثر الإيثارِ
    متحكِّماً فيما أرادَ كأنَّما ... تَمضي إرادتُهُ على المقدارِ
    وكأنَّ ربَّ الدَّارِ بعضُ عيالهٍ ... وكأنَّهُ في الدَّارِ ربُّ الدَّارِ
    وقال الشريف الرَّضي من قصيدةٍ:
    أنا ابنُ السَّابقينَ إلى المَعَالي ... إذا الأمَدُ الطَّويلُ ثَنَى البِطاءَ
    إذا رَكِبوا تضايقتِ الفَيافي ... وعطَّلَ بعضُ جمعهمُ الفضاءَ
    نَماني مِن أُباةِ الضَّيمِ نامٍ ... أفاضَ عليَّ تلكَ الكِبرياءَ
    ونحنُ النَّازلونَ بكلِّ ثغرٍ ... نُريقُ على جوانبِهِ الدِّماءَ
    ونحنُ الخائضونَ بكلِّ هولٍ ... إذا دبَّ الجَبانُ بهِ الضّراءَ
    أَقَمْنا بالتَّجارِبِ كلَّ أمرٍ ... أَبَى إلاَّ اعْوِجاجاً والتواءَ
    ونأْبى أنْ ينالَ النّصْفُ منَّا ... وأنْ نُعطي مُقارِعنا السّواءَ
    ولوْ كانَ العداءُ يَسُوغُ فينا ... لَمَا سَمَوْنا الوَرَى إلاَّ العداءَ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ما عذرُ من ضرَبَتْ بهِ أعراقُهُ ... حتَّى بلغنَ إلى النَّبيّ محمَّدِ
    أنْ لا يمدَّ إلى المكارِمِ باعَهُ ... ويَنَالَ أغراضَ العُلا والسُّؤددِ
    متحلِّقاً حتَّى تكونَ ذيولُهُ ... أبَدَ الزَّمَانِ عمائماً للفرقدِ
    أَعِنِ المقادرَ لا تكنْ هبَّابةً ... وتأزَّرِ اليومَ العَصَبْصَبَ وارْتَدِ
    لا تغبِطنَّ على البقاءِ مُعمّراً ... فلَقُربُ يومِ منيَّةٍ مِنْ مولِدِ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لهاشمٍ غُررٌ تلقَى لسائِلِها ... طلاَّعةٌ من ثَنَايا البأسِ والكرمِ
    أرْغَتْ معدٌّ وأثْغى مَنْ يُناضلُها ... ومَنْ يقايسُ بينَ الشَّاءِ والنَّعَمِ
    الجِدُّ لا يقتضي إسماعَ مُلْهيَةٍ ... والهزلُ يكمُنُ في الأوتارِ والنَّغمِ
    إذا العدوُّ عَصَاني خافَ يدي ... وعِرضُهُ آمنٌ مِنْ هاجراتِ فَمي
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    لنا الدَّولَةُ الغرَّاءُ ما زالَ عندَهَا ... منَ الجَوْرِ واقٍ أو منَ الظُّلمِ مُنصفُ
    ونحنُ أعزُّ النَّاسِ شرقاً ومغرباً ... وأكرمُ أبصارٍ على الأرضِ تَطرفُ
    بَنُو كلِّ فيَّاضِ اليَدَينِ منَ النَّدَى ... إذا جاءَ ألْغى ما يَقُولُ المعنّفُ
    وكلّ محيّاً بالسَّلامِ معظَّمٍ ... كثيرٍ إليهِ النَّاظرُ المتشوِّفُ
    وأبيَضَ بسَّامٍ كأنَّ جبينَهُ ... سَنَا قمرٍ أو بارقٌ متكشِّفُ
    أَبُونا الَّذي أبدَى بِصِفِّينَ سيفُهُ ... ضُغاءَ ابنِ هندٍ والقَنَا يتقصَّفُ
    ومِنْ قبلِ ما أبْلى ببدرٍ وغيرِها ... ولا موقفٌ إلاَّ لهُ فيهِ موقفُ
    لأبتذلَنَّ النَّفسَ حتَّى أصونَهَا ... وغيريَ في قيدٍ منَ الذُّلِّ يرسُفُ
    فقدْ طالَمَا ضيَّعتُ في الدَّهْرِ فُرصةً ... وهلْ ينفَعُ الملهوفَ ما يتلهَّفُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    إلى كمْ ذا التَّردُّدُ في الأماني ... وكمْ يُلوي بناظريَ السَّرابُ
    ولا نقعٌ يثارُ ولا قتامٌ ... ولا طعنٌ يشبُّ ولا ضِرابُ
    ولا خيلٌ معقَّدةُ النَّواصي ... يموجُ على شَكَائِمِها اللُّعابُ
    عَلَيْها كلُّ ملتهِبِ الحَوَاشي ... يُصيبُ منَ العدوِّ ولا يصابُ
    وأينَ يحيدُ عن مُضَرٍ عدوٌّ ... إذا زَخَرتْ وعبَّ لها العُبابُ
    وقدْ زأَرتْ ضراغِمُها الضَّواري ... وقد هدرتْ مصاعبُها الصِّعابُ
    سأخطُبُها بحدِّ السَّيْفِ فِعلاً ... إذا لمْ يُغنِ قولٌ أو خطابُ
    وآخُذُها وإنْ رُغمتْ أُنُوفٌ ... مغالَبَةً وإنْ ذلَّتْ رقابُ
    وإنَّ مُقامَ مثلي في الأعادي ... مُقامُ البدرِ تنبَحُهُ الكلابُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    وإذا نظرتُ إلى الزَّمَانِ رأيتُهُ ... تعبَ الشّريفِ وراحةَ المَشروفِ
    أعليَّ يَستلُّ الدَّنيُّ لسانَهُ ... سيذوقُ مَوْبأَ مَربعي وَمَصيفي
    أبِمعشري وهُمُ الأُلى عاداتهُم ... في الرَّوع ضربُ طُلًى وخرقُ صفوفِ
    من كلِّ وضَّاحِ الجبينِ مغامرٍ ... عندَ العظائِمِ باسمِهِ مهتوفِ
    وإذا قَرَعتُ فهم صدورُ ذَوَابلي ... ومن العدوِّ مَعَاقلي وُكُهوفي
    أوفيتُ مُعتلياً عليكمْ واضعاً ... قَدَمي على قمرِ السَّماء الموفي
    وَوَليتُكُمْ فحَزَزتُ في عيدانِكم ... حتَّى أقامَ مَميلَهَا تَثقيفي
    وفطمتُكُمْ بالزَّجرِ عن عاداتكمْ ... ورددتُ منكَرَكُمْ إلى المعروفِ
    فلئنْ صُرفتُ عن شرفِ العُلا ... ومقاعِدِ العُظماءِ بالمصروفِ
    ولئنْ بقيتُ لكم فإنَّني واحدٌ ... أبداً أُقوَّمُ منكُمُ بأُلوفِ
    وقال أبو القاسم محمَّد بن هانئ الأندلسيّ:
    مَن يذعَرُ السِّرحانُ بعدَ رَكَائِبِي ... أمْ مَن يَصِي ليلَ التّمامِ كما أَصِي
    ذَرْني وَمَيْدانَ الجيادِ فإنَّما ... تُبلى السَّوابقُ عندَ مدِّ المقبضِ
    لُقِّيتُ نعماءَ الخُطُوبِ وبؤسَهَا ... وسُبكتُ سبكَ الجوهرِ المتخلَّصِ
    فإذا سعيتُ إلى العُلا لم اتَّئدْ ... وإذا شَرَيتُ الحمدَ لمْ أسترخِصِ
    شارفتُ أعناقَ السَّمَاءِ بهمَّتي ... ووطئتُ بَهْرامَ النُّجومِ بأخْمَصي
    وقال تميم بن المعزّ من قصيدةٍ:
    ليهنِ المَعَالي أنَّني أنا ربُّها ... وأنِّي مَتَى ما رمتُ صعباً تيسَّرا
    غَذَتْني مذْ كنتُ النُّبوَّةُ والهدى ... فحسبيَ أنْ كانا هُما ليَ عنصُرا
    فمنْ شاءَ فليحسُدْ ومَنْ شاءَ فليَدَعْ ... فلستُ أُبالي مَنْ أقلَّ وأكثَرَا
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    هِممي أنافَتْ بي على الهممِ ... قبلَ الفِطامِ ومبلغِ الحُلُمِ
    وسَمَا بقدري في العُلا أَدَبي ... حتَّى وطئتُ كواكبَ الظُّلمِ
    في كلِّ صالحةٍ مددتُ يَدي ... ولكلِّ مكرمةٍ سَعَتْ قَدَمي
    فاسأل خُطُوبَ الدَّهْرِ عن جَلَدي ... وغوامضَ الأشياءِ عنْ فَهَمي
    المجدُ أصلٌ فرعُهُ كَرَمي ... والدَّهْرُ رمحٌ سِنُّه قَلَمي
    لمْ أخشَ قطُّ حُلُولَ حادثةٍ ... واللَّيثُ لا يخشَى منَ النَّعَمِ
    لا غروَ أنِّيَ مانعٌ شَرَفي ... ومبينُ فضلِ عُلايَ للأُممِ
    فلتعلمِ الدُّنيا وساكنُها ... أنِّي عَظُمتُ بها عنِ العِظَمِ
    جَدِّي النَّبيّ المُستضاءُ بهِ ... وأبي المُعزُّ مجلِّلُ النِّعَمِ
    أُرجَى وأُخشَى سطوةً وندًى ... يُرجَى ندايَ وتتَّقى نِقَمي
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    نحنُ الَّذينَ بهمْ تسامتْ هاشمٌ ... حتَّى حوتْ شرَفَ المعالي أجمَعَا
    نحنُ الَّذينَ بنا الكتابُ منزَّلٌ ... وبنا يجيبُ اللهُ دعوَةَ مَنْ دَعَا
    لمْ نلفَ إلاَّ ماجداً أو راشداً ... أو رافداً أو صاعداً أو مِصعَقَا
    أبَني عليٍّ إنْ نكنْ نُنْمى إلى ... حَسَبٍ أنافَ بنا وجدٍّ أرْوَعَا
    فلقدْ علمتمْ أنَّ كفِّي لمْ تزلْ ... في النَّائباتِ لكمْ ربيعاً مُترعا
    فإذا وعدتُ وفيتُ لا متبرّماً ... وإذا هممتُ فعلتُ لا متوقّعا
    لا تُبطرُ السَّرَّاءُ بي خُلُقاً ولا ... أغدو على ضرَّائها متخشِّعا
    لي في المشارِقِ والمغارِبِ جولةٌ ... يغدو بها قلبُ الزَّمَانِ مروَّعا
    فادْفعْ بحدِّ السَّيْفِ كلَّ ظُلامةٍ ... ما لمْ تجدْ بسواهُ يوماً مدفَعَا
    فبذاكَ وصَّاني أبي وجدودُهُ ... وعليَّ فرضٌ أن أُطيعَ وأسمَعَا
    والفرعُ ليسَ يخالفُ الأصلَ الَّذي ... منهُ ابْتَدَا نبتاً وعنهُ تفرَّعا
    واللهِ لا ستَرَ الضُّحَى بيمينهِ ... أحدٌ ولا منَعَ السَّنا أنْ يلمَعَا
    والمرءُ لا يحوي العُلا بجدودِهِ ... إذْ لا ينالُ المرءُ إلاَّ ما سَعَى
    وقال أبو العلاء المعرِّي من قصيدةٍ آخرها في باب الأمثال:
    ألا في سبيلِ المجدِ ما أنا فاعلُ ... عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائلُ
    أعندي وقدْ مارستُ كلَّ حقيقة ... يصدّقُ واشٍ أو يخيَّبُ سائلُ
    تعدُّ ذُنُوبي عندَ قومٍ كثيرةً ... ولا ذنبٍ لي إلاَّ العُلا والفواضلُ
    كأنِّي إذا طلتُ الزَّمَانَ وأهلَهُ ... رجعتُ وعندِي للأنامِ طوائلُ
    وقدْ سارَ ذِكْري في البلادِ فمنْ لهمْ ... بإخفاءِ شمسٍ ضوؤُها متكاملُ
    وأنِّي وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانُهُ ... لآتٍ بما لمْ تستطعْهُ الأوائلُ
    وأغدُو ولو أنَّ الصَّباحَ صوارمٌ ... وأسْري ولوْ أنَّ الظَّلامَ جحافلُ
    وأيُّ جوادٍ لمْ يُحلَّ لجامُهُ ... ونِضْوٍ يمانٍ أغفلتْهُ الصَّياقلُ
    وإنْ كانَ في لبسِ الفَتَى شرفٌ لهُ ... فما السَّيْفُ إلاَّ غمدُهُ والحمائلُ
    ولي منطقٌ لمْ يرضَ لي كُنْهَ مَنْزلي ... على أنَّني فوقَ السِّماكينِ نازلُ
    لَدَى موطنٍ يشتاقُهُ كلُّ سيّدٍ ... ويقصُرُ عنْ إدراكِهِ المتناولُ
    ينافسُ يومي فيَّ أمْسي تشرُّفاً ... وتحسُدُ أسْحاري عليَّ الأصائلُ
    وقال أيضاً من قصيدةٍ:
    ولمَّا أنْ تجهَّمني مُرادي ... جريتُ معَ الزَّمَانِ كَمَا أرادا
    وهوَّنتُ الخُطُوبَ عليَّ حتَّى ... كأنِّي صرتُ أمنَحُها الوِدادا
    أَأُنكِرُها ومنبِتُها فؤادي ... وكيفَ تنكِّرُ الأرضُ القَتَادا
    وكمْ مِنْ طالبٍ أَمَدي سيلقى ... دُوَينَ مَكَانيَ السَّبعَ الشِّدادا
    يؤجِّجُ في شعاعِ الشَّمْسِ ناراً ... ويقدَحُ في تلهُّبِها زِنادا
    ويُظهرُ لي مودَّتهُ مَقَالاً ... ويُبغضُني ضميراً واعْتِقادا
    فلا وأبيكَ ما أخْشى انتِقاصاً ... ولا وأبيكَ ما أرجُو ازْدِيادا
    ليَ الشَّرفُ الَّذي يطأُ الثُّريَّا ... معَ الفضلِ الَّذي بهَرَ العِبادا
    وكمْ عينٌ تؤمِّلُ أنْ تَرَاني ... وتفقِدُ عندَ رؤيتِيَ السَّوادا
    ولوْ ملأَ السُّها عينيهِ منِّي ... أبرَّ على مَدَى زُحَلٍ وَزَادا
    أفلُّ نوائبَ الأيَّامِ وَحْدي ... إذا جمَعَتْ كَتَائبَهَا احْتِشادا
    وقال أيضاً:
    تعاطَوْا مَكَاني وقدْ فُتُّهُمْ ... فما أدرَكُوا غيرَ لمحِ البصرْ
    وقدْ نَبَحُوني فَمَا هجتُهُمْ ... كَمَا نبحَ الكلبُ ضوءَ القَمَرْ
    وقال أبو بكر بن عمارٍ من قصيدةٍ:
    كيفَ التَّخلُّصُ بالخديعةِ مِن يَدَيْ ... رَجُلِ الحقيقةِ مِنْ بَني عمَّارِ
    رَجُلٌ تطعَّمَهُ الزَّمَانُ فجاءهُ ... طَرَفينِ في الإحلاءِ والإمرارِ
    سلسُ القيادِ إلى الجميلِ فإنْ يهجْ ... يَدَع العنانَ لهبَّةِ التَّيَّارِ
    طبنٌ بأغراضِ الأُمورِ مجرّبٌ ... فطنٌ لأسرارِ المكايِدِ دارِ
    راضتْهُ أحرارُ الأُمورِ وراضَهَا ... فكأنَّهُ منها وفيها جارِ
    ماضٍ إذا برَزَتْ إليهِ مصمّمٌ ... مرنٌ إذا التفَّتْ عليهِ مُدارِ
    كشَّافُ مظلمةٍ وسائسُ أُمَّةٍ ... نفَّاعُ أهل زمانِهِ الضَّرَّارِ
    عجباً لأشمط راضعٍ ثديَ الوَغَى ... منهُ وطودٍ في القَنَا الخطَّارِ
    شرَّابُ أكواسِ المُدامِ وتارةً ... شرَّابُ أكواسِ الدمِ الموَّارِ
    جرَّار أذيالِ الوَغَى ظنُّوا بهِ ... قد زارَكُم في الجحفَلِ الجرَّارِ
    وكأنَّكمْ بنجومِهِ ورجومِهِ ... تَهوي إليكمْ مِن سماءِ غُبارِ
    وقال أبو القاسم بن عبَّاد:
    الجودُ أحلَى على قلبي منَ الظَّفرِ ... ومنْ منالِ قصيِّ السُّؤالِ والوَطَرِ
    وقدْ حننتُ إلى ما اعْتدتُ من كَرَمٍ ... حنينَ أرضٍ إلى مستأخِرِ المطرِ
    وقدْ تناهَتْ يدِي عن كأسِها غضباً ... ومجَّتِ الأُذنُ أيضاً نغمَةَ الوترِ
    حتَّى أُملِّكَ هذي ما تجودُ بهِ ... وأسمَعَ الحمدَ بالأُخرى على الأَثَرِ
    فهاتِها خِلَعاً أُرضي السَّماحَ بها ... محفوفَةً في أكُفِّ الشَّرْبِ بالبِدَرِ
    وقال أبو العَرَب الصِّقليُّ من قصيدةٍ:
    ولا بدَّ لي أن أسأَلَ العيسَ حاجةً ... تشقُّ على أخفافِها والغوارِبِ
    فيا وَطَني إنْ بنتَ عنِّي فأنني ... سأُوطَنُ أكوارَ العِتاقِ النَّجائِبِ
    إذا كانَ أصلي منْ ترابٍ فكلُّها ... بلادِي وكلُّ العالمينَ أقارِبي
    وما ضاقَ عنِّي في البسيطَةِ جانبٌ ... وإنْ جلَّ إلاَّ اعْتَضتُ عنهُ بجانبٍ
    وإنَّ الفَتَى مَن حمَّلَ اللَّيْلَ همَّهُ ... ودانَ بدينِ النَّيِّراتِ الثَّواقِبِ
    ولكنَّني مُستنجدٌ بمهنَّدٍ ... يحدِّثُ عن يومِ التُّقى والذَّنائِبِ
    تنزَّهَ عنْ روضِ الدِّماءِ ذُبابُهُ ... وغنَّى عليهِ في العُصُورِ الذَّواهِبِ
    فمنْ ضلَّ عنْ طُرقِ العلاءِ فإنَّني ... دُللتُ عَلَيْها بالقَنَا والقواضِبِ
    وإنِّي لمِنْ قومٍ رَسَا العزُّ فيهُمُ ... وقامُوا بمَيلِ الأرضِ ذاتِ المناكبٍ
    إذا اضطرَمَتْ نارُ الجِلادِ ببِيضِهِمْ ... غَدَا ساقطاً فيها فراشُ الحواجِبِ
    وتُشرقُ في ليلِ العَجَاجِ رماحُهُمْ ... كأنَّ العَوَالي نُصِّلتْ بالكواكِبِ
    وإنَّا لنَسْقي الأرضَ غيثاً منَ الطُّلَى ... وآخَرَ يجري مِنْ عيونِ الشَّوارِبِ
    وتخضَعُ أعناقُ الأعادِي لعزِّنَا ... كَمَا خضَعَتْ أموالُنَا للمواهِبِ
    وإنْ أعشَبَتْ بالبغيِ هامُ قبيلةٍ ... أَسَمْنا بها بِيضاً رِقاقَ المَضَارِبِ
    لَعَمْرِي لقدْ سارَ الزَّمَانُ بفخرِنا ... إلى غايةٍ تنأَى على كلِّ طالِبِ
    نجز باب الفخر والحمد لله ربّ العالمين
    باب
    المراثيما رُثي به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
    قال حسَّان بن ثابت رضي الله عنه:
    بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ ... منيرٌ، وقد تعفو الرُّسومُ وتهمدُ
    ولا تمَّحي الآياتُ من دارِ حرمةٍ ... بها منبرُ الهادي الَّذي كان يصعدُ
    وواضحُ آياتٍ وباقي معالمٍ ... وربعٌ له فيه مصلىً ومسجدُ
    بها حجراتٌ كانَ ينزلُ وسطها ... من اللهِ نورٌ يستضاءُ ويوقدُ
    معارفُ لم تُطمس على العهدِ آيُها ... أتاها البلى فالآيُ منها تجدّدُ
    فبوركتَ يا قبرَ الرَّسول وبوركت ... بلادٌ ثوى فيها الرَّشيدُ المُسدَّدُ
    وبوركَ لحدٌ منكَ ضُمِّنَ طيِّباً ... عليه بناءٌ من صفيحٍ منضَّدُ
    وهل عدلتْ يوماً رزيَّة هالكٍ ... رزيَّة يومٍ ماتَ فيهِ محمَّدُ
    تقطَّعَ فيه منزلَ الوحي عنهُمُ ... وقد كانَ ذا نورٍ يغورُ وينجدُ
    وقال أيضاً:
    إلى صلواتِ اللهِ تترى ورحمةٍ ... تزيدُ، على من طاب حيّاً وميِّتا
    على من يُنادى للصَّلاةِ بذكرهِ ... إذا ما دعا الله المُنادي وصوَّتا
    وقال أيضاً:
    ما بالُ عينكَ لا تنام كأنَّما ... كحلتْ مآقيها بكحلِ الأرمدِ
    جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً ... يا خيرَ من وطئَ الثَّرى: لا تبعدِ
    وجهي يقيك التُّرب، لهفي، ليتني ... غُيِّبت بعدك في بقيعِ الغرقدِ
    فظللتُ بعدَ وفاتهِ مُتبلِّداً ... متلدِّداً، يا ليتني لم أُولدِ !
    يا ويحَ أنصارِ النَّبيِّ ورهطه ... بعد المُغيَّب في سواءِ الملحدِ
    صلّى الإله ومن يحُفَّ بعرشهِ ... والطَّيِّبُونَ على المباركِ أحمدِ
    وقالت فاطمةُ ابنتهُ ترثيهِ:
    اغبرَّ آفاقُ السماءِ وكُوِّرت ... شمسُ النَّهارِ وأظلمَ العصرانِ
    فالأرضُ من بعدِ النَّبيِّ كئيبةٌ ... أسفاً عليه، كثيرةُ الرَّجفانِ
    فليبكهِ شرقُ البلاد وغربُها ... ولتبكِهِ مضرٌ وكلُّ يمانِ
    وليبكهِ الطَّودُ المعظّم جوّهُ ... والبيتُ ذو الأستارِ والأركانِ
    يا خاتمَ الرُّسلِ المباركُ ضوؤهُ ... صلَّى عليكَ منزِّلُ القرآنِ
    وقال أبو سُفيان بن الحارثِ بن عبد المطَّلب:
    أرقْتُ فباتَ ليلي لا يزولُ ... وليلُ أخي المُصيبةِ فيهِ طولُ
    وأسعدَني البكاءُ وذاكَ ممَّا ... أُصيبَ المُسلمُون به قليلُ
    لقد عظُمتْ مُصِيبتُنا وجلَّتْ ... عشيَّةَ قيلَ قد قُبضَ الرَّسولُ
    وأضحتْ أرضُنا ممّا عراها ... تكادُ بنا جوانبُها تميلُ
    فقدْنا الوحيَ والتَّنزيلَ فينا ... يروحُ بهِ ويغدُو جبرَئيلُ
    وذاكَ أحقُّ ما سالَتْ عليهِ ... نفوسُ النَّاس أو كادتْ تسيلُ
    نبيٌّ كانَ يجلُو الشَّكَّ عنَّا ... بما يُوحى إليهِ وما يقولُ
    ويهدِينا فلا تخشَى ضلالاً ... علينا والرَّسول لنا دليلُ
    أفاطمُ إنْ جزعتِ فذاكَ عذرٌ ... وإنْ لم تجزَعي ذاكَ السَّبيلُ
    فقبرُ أبيكِ سيَّد كلِّ قبرٍ ... وفيهِ سيَّدُ النَّاسِ الرَّسولُ
    وقال حسَّان بن ثابت يرثي النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما:
    ثلاثةٌ برَّزُوا بسيفهم ... نصرهُمْ ربُّهمْ إذا نُشُروا
    عاشُوا بلا فُرقةٍ حياتهُمُ ... واجتمعوا في المماتِ إذ قُبرُوا
    فليسَ من مسلمٍ له بصرٌ ... يُنكرهُمْ فضلهُمْ إذا ذُكرُوا
    وقالَ أيضاً يرثي أبا بكرٍ رضي الله عنه:
    إذا تذكَّرتَ شجواً من أخي ثقةٍ ... فاذكُرْ أخاكَ أبا بكرٍ بما فَعَلا
    خيرَ البريَّةِ أتقاها وأعدلَها ... بعدَ النَّبيِّ وأوفاها بما حَمَلا
    التَّاليَ الثَّانيَ المحمودَ مشهدُهُ ... وأوَّلَ النَّاسِ طُرَّاً صدَّق الرُّسُلا
    والثَّانيَ اثنينِ في الغارِ المُنيفِ وقدْ ... طافَ العدُوُّ به إذ صعَّدَ الجبلا
    وكانَ حِبَّ رسولِ اللهِ قد عَلمِوا ... من البريَّةِ لم يعدِل به رَجُلا
    وقال آخرُ يرثي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم:
    يا خيرَ منْ دُفنتْ في التُّربِ أعظُمُهُ ... فطابَ من طيبهنَّ القاعُ والأكمُ
    أنتَ النَّبيُّ الَّذي تُرجَى شفاعتُه ... عندَ الصِّراطِ إذا ما زلَّتِ القدمُ
    نَفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ ... فيهِ العَفافُ وفيه الجُودُ والكرمُ
    وقال الشَّمَّاخ بن ضرارٍ يرثي عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه:
    جزى اللهُ خيراً من إمامٍ وباركتْ ... يدُ اللهِ في ذاكَ الأديمِ الممزَّقِ
    فمنْ يسعَ أو يركبْ جناحيْ نعامةٍ ... ليُدركَ ما قدَّمتَ بالأمسِ يُسبقِ
    قضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدَها ... بوائجَ من أكمامِها لم تُفتَّقِ
    أبعدَ قتيلٍ بالمدينةِ أظلمتْ ... لهُ الأرضُ تهتزُّ العِضاهُ بأسؤُقِ
    وما كُنتُ أخشى أن تكونَ وفاتُهُ ... بكفَّيْ سبنتى أزرقِ العينِ مُطرقِ
    وقال آخر يرثي عثمان بن عفَّان رضي الله عنه:
    لعَمرُ أبيكَ فلا تَذهلنَّ ... لقد ذهبَ الخيرُ إلاَّ قليلا
    وقد فُتنَ النَّاسُ في دينهمْ ... وخلّى ابنُ عفَّانَ سِرّاً طويلا
    وقال الرَّاعي النُّميريُّ يرثيه:
    قَتَلُوا ابنَ عفَّانَ الخليفةَ مُحرِماً ... ودعا فلم أرَ مثلهُ مخذُولا
    فتفرَّقتْ من بعدِ ذاكَ عصاهُمُ ... شِققاً وأصبحَ سيفُهُمْ مَسلُولا
    وقال آخرُ يرثي عليَّ بن أبي طالبٍ رضيَ الله عنه:
    غدا عليُّ بنُ أبي طالبٍ ... فاغتالَهُ بالسَّيفِ أشقَى مرادْ
    شُلَّتْ يداهُ وهوتْ أمُّهُ ... أيَّ امرئٍ دبَّ لهُ في السَّوادْ
    عزَّ على عينيكَ لو أبصرتْ ... ما اجترحتْ بعدكَ أيدي العبادْ
    لانت قناةُ الدِّينِ واستأثرتْ ... بالفيءِ أفواه الكِلابِ العَوادْ
    وقال بكرُ بن حمَّاد يرثيه:
    وهزَّ عليٌّ بالعراقينِ لحيةً ... مُصيبتُها جلَّت على كلِّ مُسلمِ
    وقالَ سيأتيها من الله حادثٌ ... ويخضبُها أشقى البريَّة بالدَّمِ
    فباكرهُ بالسَّيفِ شُلَّت يمينهُ ... لشؤمِ قطامٍ عندَ ذاكَ ابنُ مُلجمِ
    فيا ضربةً من خاسرٍ ضلَّ سعيُهُ ... تبوَّأ منها مقعداً في جهنَّمِ
    وقال أيضاً يرثيه:
    قُل لابنِ ملجمَ والأقدارُ غالبةٌ ... هدَّمتَ ويحكَ للإسلامِ أركانا
    قتلتَ أفضلَ من يمشي على قدمٍ ... وأوَّلَ النَّاسِ إسلاماً وإيمانا
    وأعلمُ النَّاسِ بالقرآنِ ثمَّ بما ... سَنَّ الرَّسول لنا شرعاً وتبياناً
    صهرَ النَّبيِّ ومولاهُ وناصرهُ ... أضحتْ مناقبهُ نوراً وبُرهانا
    وكان منهُ على رَغمِ الحسودِ لهُ ... مكانَ هارونَ من موسى ابن عمرانا
    وكانَ في الحربِ سيفاً صارماً ذكراً ... ليثاً إذا لقيَ الأقرانُ أقرانا
    ذكرتُ قاتلهُ والدَّمعُ منحدرٌ ... وقلتُ سبحانَ ربِّ النَّاس سُبحانا
    إنِّي لأحسبُه ما كان من بشرٍ ... يخشى المعادَ ولكن كان شيطانا
    أشقى مرادٍ إذا عدَّت قبائلُها ... وأخسرُ النَّاس عندَ اللهِ ميزانا
    كعاقرِ النَّاقة الأولى وقد جلبتْ ... على ثمودٍ بأرضِ الحِجرِ خُسرانا
    قد كانَ يخبرهُمْ أن سوف ينحرُها ... قبل المنيَّة أزماناً فأزمانا
    فلا عفا اللهُ عنهُ ما تحمَّله ... ولا سقى قبرَ عمران بن حطَّانا
    وقال منصور النمريّ يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
    أُريقَ دمُ الحُسينِ ولم يُراعُوا ... وفي الأحياءِ أمواتُ العُقولِ
    فدتْ نفسي جبينكَ من جبينٍ ... جرى دمُهُ على خدٍّ أسيلِ
    أيخلو قلبُ ذي ورعٍ ودينٍ ... من الأحزانِ والألمِ الطَّويلِ
    وقد شرقتْ رماحُ بني زيادٍ ... بريٍّ من دماءِ بني الرَّسولِ
    فما وُجدتْ على الأكتافِ منِهمْ ... ولا الأقفاءِ آثارُ النُّصولِ
    ولكنَّ الوجوهَ بها كلومٌ ... وفوقَ نُحورهِم مجرى السُّيولِ
    بتُربةِ كربلاءَ لهم ديارٌ ... نيام الأهلِ دارسةُ الطُّلولِ
    وأوصالُ الحُسينِ ببطن قاعٍ ... ملاعِبُ للدَّبور وللقبولِ
    وقال دعبل بن عليٍّ يرثي أهل البيت عليهم السَّلام:
    مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ ... ومنزلُ حيّ مُقفرُ العرصاتِ
    لآلِ رسولِ الله بالخيفِ من منىً ... وبالبيتِ والتَّعريفِ والجمراتِ
    ديارُ عليٍّ والحسينِ وجعفرٍ ... وحمزةَ والسَّجَّاد ذي الثَّفناتِ
    قِفا نسألِ الدَّار الَّتي خفَّ أهلُها ... متى عهدُها بالصَّومِ والصَّلواتِ
    وأينَ الأُلى شطَّت به غُربةُ النَّوى ... أفانينَ في الآفاقِ مفترقاتِ؟
    أُحبُّ قصيَّ الدَّار من أجلِ حُبِّهم ... وأهجرُ فيهم أُسرتي وبناتي
    ألم تر أنَّي مُذ ثلاثينَ حِجَّةً ... أروحُ وأغدُو دائمَ الحَسراتِ؟
    أرى فيئهُم في غيرهِمْ متقسَّماً ... وأيديهُم من فيئِهِم صفراتِ
    إذا وُترُوا مدَّوا إلى واتريهمُ ... أكُفّاً عن الأوتارِ منقبضاتِ
    قُصارايَ منهم أن أؤوبَ بغُصَّةٍ ... تردَّدُ بين الصَّدرِ واللَّهواتِ
    كأنَّكَ بالأضلاعِ قد ضاقَ رُحبُها ... لما ضُمِّنتْ من شدَّةِ الزَّفراتِ
    وقال سليمان بن قتَّة العدوي في أهل البيت أيضاً:
    مررتُ على أبياتِ آلَ محمَّدٍ ... فلمْ أرها كعهدها يومَ حُلَّتِ
    فلا يبعدِ اللهُ الدِّيارَ وأهلَها ... وإن أصبحت من أهلِها قد تخلَّتِ
    ألا إنَّ أهلَ الطَّفِّ من آلِ هاشمٍ ... أذلّت رِقابَ المسلمين فذلَّتِ
    وكانُوا غياثاً ثُمَّ أضحوا رزيَّة ... لقد عظُمت تلكَ الرَّزايا وجلَّتِ
    وقال رجلٌ يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
    قد غيَّبَ الدَّافنونَ اللَّحدَ إذا دفنوا ... بديرِ سمعانَ قسطاسَ الموازينِ
    من لم يكنْ همُّهُ عيناً يفجِّرُها ... ولا النَّخيلَ ولا ركضَ البراذينِ
    أقولُ لمَّا أتاني ثمَّ مهلكهُ ... لا يبعدنَّ قوامُ المُلكِ والدِّينِ
    وقال أبو ذؤيب الهذلي:
    أمنَ المنون وريبه تتوجَّعُ ... والدَّهرُ ليس بمعتبٍ من يجزعُ
    أودى بنيَّ وأعقبُوني حسرةٌ ... بعد المماتِ وعبرةٌ ما تقلعُ
    سبقُوا هويَّ وأعنقوا لهواهُمُ ... فتُخرِّموا ولكلِّ جنبٍ مصرعُ
    ولقد حرصتُ بأن أدافعُ عنهمُ ... فإذا المنيَّة أقبلتْ لا تُدفعُ
    وإذا المنيَّة أنشبتْ أظفارها ... ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
    وتجلُّدي للشَّامتين أريهمُ ... أنِّي لريبِ الدَّهرِ لا أتضعضعُ
    حتَّى كأنِّي للحوادثِ مروةً ... بصفا المُشقَّر كلَّ يومٍ تقرعُ
    وقال النَّابغةُ الجعديُّ:
    ألمْ تعلمِي أنَّي رُزِئتُ محارباً ... فمالكِ منهُ اليومَ شيءُ ولا ليا
    ومن قبلهِ ما قد رُزئتُ بوحوحٍ ... وكان ابنَ أُمِّي والخليلَ المُصافيا
    فتىً كمُلتْ خيراتهِ غيرَ أنَّهُ ... جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا
    فتىً تمَّ فيهِ ما يسُرُّ صديقهُ ... على أنَّ فيهِ ما يسوءُ الأعاديا
    أشمُّ طويلُ السَّاعدينِ سميدعٌ ... إذا لم يُرحْ للمجدِ أصبحَ غاديا
    وقالت جليلة بنت مرَّة أخت جسَّاس بن مرَّة:
    يا ابنةَ الأقوامِ إنْ لمتِ فلا ... تعجلي باللَّوم حتَّى تسألي
    فإذا أنتِ تبيَّنتِ الَّتي ... عندها اللَّوم فلُومي واعجلي
    فعلُ جسَّاسٍ وإنْ كانَ أخي ... قاصمٌ ظهري ومدنُ أجلي
    لو بعينٍ ندبت عيني سوى ... أُختها فانفقأت لم أحفلِ
    تحمِلُ العينُ قذى العينِ كما ... تحمِلُ الأُمُّ أذى ما يقتل
    يا قتيلاً قوَّضَ الدَّهر به ... سقفَ بيتيَّ جميعاً من علِ
    هدَّمَ البيتَ الَّذي استحدثتُهُ ... وانثنى في هدمِ بيتي الأوَّلِ
    ليسَ من يبكي ليومينِ كمنْ ... إنَّما يبكي ليومٍ ينجلي!
    وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السُّلميَّة:
    ألا يا صخرُ إن أبكيتَ عيني ... لقد أضحكتني دهراً طويلا
    بكيتُكَ في نساءٍ معولاتٍ ... وكنتُ أحقَّ من أبدى العويلا
    دفعتُ بكَ الجليلَ وأنتَ حيٌّ ... فمن ذا يدفَعُ الخطبَ الجليلا
    إذا قبُحَ البكاءُ على قتيلٍ ... رأيتُ بكاءكَ الحسنَ الجميلا
    وقالت أيضاً:
    أعينيَّ جُودا ولا تجمُدا ... ألا تبكيان لصخرِ النَّدى؟
    ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ ... ألا تبكيانِ الفتى السَّيدا
    طويلَ النِّجادِ رفيعَ العمادِ ... سادَ عشيرتهُ أمردا
    إذا القومُ مدُّوا بأيديهمِ ... إلى المجدِ مدَّ إليهِ يدا
    فنالَ الذي فوقَ أيديهمُ ... من المجدِ ثم مضى مُسعدا
    يُكلِّفه القومُ ما عالهُمْ ... وإن كان أصغَرهُم مولِدا
    وقالت أيضاً:
    تعرَّقني الدَّهر نهساً وحزَّا ... وأوجعنِي الدَّهرُ قرعاً وغمزا
    وأَفنى رجالي فبادُوا معاً ... فأصبحتُ من بينهِمْ مُستفزَّا
    كأنْ لم يكونوا حمىً يُتَّقى ... إذ النَّاس إذ ذاكَ من عزَّ بزَّا
    وكانوا سراةَ بني مالكٍ ... وفخرَ العشيرةِ مجداً وعِزَّا
    وهُمْ في القديمِ سراةُ الأديمِ ... والكائِنُونَ من الخوفِ حرزا
    همُ منعُوا جارهُمْ والنَّساءَ ... يحفَّزُ أحشاءَها الخوفُ حفزَا
    غداةَ لقُوهُمْ بملمُومةٍ ... رداحٍ تغادِرُ للأرضِ ركزا
    وخيلٍ تكدَّسَ بالدَّراعينَ ... تحتَ العجاجةِ يجمِزنَ جَمزا
    ببيضِ الصِّفاح وسُمرِ الرِّماحِ ... فبالبيضِ ضرباً وبالسُّمرِ وخزا
    جززنَا نواصي فُرسانِهَا ... وكانُوا يظُنُّونَ ألاَّ تُجزَّا
    ومنْ ظنَّ ممَّن يُلاقي الحُرُوبَ ... بأنْ لا يُصابَ فقد ظنَّ عجزا
    نُضيفُ ونعرفُ حقَّ القِرى ... ونتَّخذُ الحمدَ ذُخراً وكنزا
    ونلبسُ في الحربِ ثوبَ الحديدِ ... ونلبسُ في السِّلمِ خزَّاً وقزَّا
    وقالت أيضاً:
    وإنَّ صخراً لوالِينَا وسيِّدنُا ... وإنَّ صخراً إذا نشتُو لنحَّارُ
    وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداةُ به ... كأنَّه علمٌ في رأسهِ نارُ
    لم ترهُ جارةٌ يمشي بِساحتِهَا ... لريبةٍ حين يُخلي بيتهُ الجارُ
    وقالت أيضاً:
    يؤرِّقُني التَّذكُّر حينَ أُمسي ... ويردعُني مع الأحزانِ نُكسي
    على صخرٍ وأيُّ فتىً كصخرٍ ... ليومِ كريهةٍ وطعانِ حِلسِ
    ولولا كثرةُ الباكينَ حولي ... على إخوانِهِم لقتلتُ نفسي
    وما يبكُونَ مثلَ أخِي ولكنْ ... أعزِّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي
    يذكِّرُني طلوعُ الشَّمسِ صخراً ... وأبكيهِ لكلِّ غروبِ شمسِ
    وقالت أيضاً:
    أعينيَّ هلاَّ تبكيانِ على صخرٍ ... بدمعٍ حثيث لا بكيءٍ ولا نزرِ
    ألا ثكِلتْ أُمُّ الَّذينَ غدوا بهِ ... إلى القبرِ ماذا يحملونَ إلى القبرِ
    وقائلةٍ والنَّعشُ قد فاتَ خطوها ... لتُدركهُ: يا لهفَ نَفسي على صخرِ
    فمن يعرفُ المعروفَ في صُلبِ مالِهِ ... ضمانكَ أو يقري الضُّيوفَ كما تقري؟
    فشأنُ المنايا إذ أصابكَ ريبُها ... لتغدُو على الفتيان ويحك أو تسري
    وقالت أيضاً:
    أبعدَ ابن عمروٍ من آلِ الشريدِ ... حلَّت به الأرضُ أثقالها
    فإن تكُ مُرَّةُ أودت بهِ ... فقد كانَ يكثرُ تقتالَها
    لعمرُ أبيهِ لنعمَ الفتى ... إذا النَّفسُ أعجبها ما لها
    فخرَّ الشَّوامخُ من فقدِهِ ... وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها
    هممتُ لنفسي بعضَ الهُمُومِ ... فأولى لنفسي أولى لها
    سأحمِل نَفسي على آلةٍ ... فإمَّا عليها وإمَّا لها
    وقال حسَّان بن ثابت:
    لا يبعدنَّ ربيعة بن مكدَّمٍ ... وسقى الغوادِي قبرَهُ بذنُوبِ
    نفرتْ قَلُوصي من حجارةِ حَرَّةٍ ... نصبت على طلق اليدين وهوبِ
    لا تبعدي يا ناقُ منهُ فإنَّه ... شرِّيبُ خمرٍ مسعرٌ لحُرُوبِ
    لولا السِّفار وبُعدُ قفرٍ مهمهٍ ... لتركتُها تحبُو على العُرقُوبِ
    نِعمَ الفتى أدَّى نبيشةُ رحله ... يوم الكديدِ، نبيشةُ بن حبيبِ
    وقال متمِّمُ بن نُويرةٍ من قصيدة:
    فما وَجدُ أَظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ... رأينَ مجرّاً من حُوارٍ ومصرَعا
    يُذكِّرنَ ذا البثِّ الحزينَ ببثِّهِ ... إذا حنَّتِ الأولى سجعنَ لها معا
    بأوجعَ منِّي يومَ فارقتُ مالكاً ... ونادى بهِ النَّاعي الرَّفيع فأسمعا
    وكنَّا كندمانيْ جُذيمة حقبةً ... من الدَّهرِ حتَّى قيل لن يتصدَّعا
    فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا
    وعِشنا بخيرٍ في الحياةِ وقَبلنا ... أصابَ المنايا رهطَ كِسرى وتُبَّعا
    فإن تكنِ الأيامُ فرَّقنَ بيننا ... فقد بانَ محموداً أخي يومَ ودَّعا
    ولو أنَّ ما ألقى أصاب مُتالعاً ... أو الرُّكنَ من سلمى إذاً لتضعضعا
    وقال أيضاً:
    جميلُ المُحيَّا ضاحكٌ عند ضيفِهِ ... أغرُّ جميعُ الرَّأيِ مشتملُ الرَّحلِ
    وقورٌ إذا القومُ الكرامُ تقاولُوا ... فحُلّت حباهُمْ واستُطيروا من الجهلِ
    وكُنتَ إلى نفسي أشدَّ حلاوةً ... من الماءِ بالماذيّ من عسلِ النَّحلِ
    وكلُّ فتىً في النَّاسِ بعد ابن أُمِّهِ ... كساقطةٍ إحدى يديهِ من الخَبلِ
    وبعضُ الرِّجالِ نخلةٌ لا جَنى لها ... ولا ظِلَّ إلاَّ أن تُعدَّ من النَّخلِ
    وقالت فاطمة بنت الأحجم:
    قد كُنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلِّهِ ... فتركتني أضحَى بأجردَ ضاحِ
    قد كُنتُ ذاتَ حميَّةٍ ما عشتَ لي ... أمشي البرازَ وكُنتَ أنتَ جناحي
    فاليومَ أخضعُ للذَّليلِ وأتَّقي ... منهُ وأدفعُ ظالمي بالرَّاحِ
    وإذا دعت قمريةٌ شجناً لها ... يوماً على فنن دعوت صباحي
    وقال الحريث بن زيد الخيل:
    ألا بكرَ النَّاعي بأوسِ بن خالدٍ ... أخي الشَّتوةِ الغبراء والزَّمن المحلِ
    فإنْ تقتُلُوا بالغدر أوساً فإنَّني ... تركتُ أبا سفيانَ ملتزمَ الرَّحلِ
    فلا تجزعي يا أُمَّ أوسٍ فإنَّهُ ... تُصيبُ المنايا كُلَّ حافٍ وذي نعلِ
    قتلنا بقتلانا من القومِ عصبةٌ ... كِراماً ولم نأكلْ بهم حشفَ النَّخلِ
    ولولا الأسا ما عِشتُ في النَّاس بعدهُ ... ولكن إذا ما شِئتُ جاوبني مثلي
    وقال دريد بن الصِّمَّة من قصيدة:
    أمرتُهُمُ أمري بمُنعرجِ اللِّوى ... فلم يستبينُوا الرُّشدَ إلا ضُحى الغدِ
    فقلتُ لهُمْ: ظُنُّوا بألفيْ مدجَّجٍ ... سراتُهُمُ بالفارسيِّ المُسرَّدِ
    فلمَّا عصوني كنتُ منهمْ وقد أرى ... غوايتهُم وأنَّني غيرُ مُهتدِ
    وهل أنا إلاَّ من غزيَّة إن غوتْ ... غويتُ وإن ترشُد غزيَّة أرشُدِ
    تنادَوا فقالُوا: أردتِ الخيلُ فارِساً ... فقلتُ: أعبدُ اللهِ ذلكُمُ الرَّدي
    فجئتُ إليه والرِّماحُ تنُوشُه ... كوقعِ الصَّياصي في النَّسيج المُمدَّدِ
    فطاعنتُ عنهُ الخيلَ حتَّى تبدَّدت ... وحتَّى علاني حالِكُ اللَّونِ أسودِ
    قتالَ امرئٍ آسى أخاهُ بنفسهِ ... ويعلمُ أنَّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ
    فإن يكُ عبدُ اللهِ خلَّى مكانهُ ... فما كانَ وقَّافاً ولا طائشَ اليدِ
    صبا ما صبا حتَّى علا الشَّيبُ رأسهُ ... فلمَّا علاهُ قال للباطلِ: أبعدِ
    وهوَّنَ وجدي أنَّما هو فارطٌ ... أمامي وأنَّي هامةُ اليومِ أو غدِ
    وقال كعب بن زهير:
    لقد ولَّى أليَّته جويٌّ ... معاشِرَ غيرَ مطلولٍ أخوها
    فإنْ تهلكْ جويُّ فإنَّ حرباً ... كظنِّكَ كان بعدكَ مُوقِدُوها
    وما ساءتْ ظُنُونُك يوم تُولي ... بأرماحٍ وفى لكَ مُشرعُوها
    ولو بلغَ القتيلَ فعالُ قومٍ ... لسرَّكَ من سيُوفكَ مُنتضُوها
    كأنَّكَ كُنتَ تعلمُ يومَ بزَّت ... ثيابُكَ ما سيلقى سالِبُوها
    وقال عبدة بن الطَّبيب:
    عليكَ سلامُ الله قيسَ بن عاصمٍ ... ورحمتهُ ما شاءَ أن يترحَّما
    تحيَّةَ من غادرتهُ غرضَ الردَّى ... إذا زارَ عن شحطٍ بلادكَ سلَّما
    فما كان قيسٌ هُلكهُ هلكَ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما
    وقال أبو عطاء السِّنديّ:
    ألا إنَّ عيناً لم تجد يوم واسطٍ ... عليكَ بجاري دَمعِها لجمودُ
    عشيَّةَ قام النَّائحاتُ وشقِّقت ... جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدودُ
    فإن تُمسِ مهجورَ الفناءِ فربَّما ... أقامَ بهِ بعدَ الوفُودِ وُفُودُ
    فإنَّك لم تبعدْ على مُتعهِّدٍ ... بلى، كُلُّ من تحتَ التُّرابِ بعيدُ
    وقال محمَّد بن بشيرٍ المدنيُّ:
    نِعمَ الفتى فجعتْ به إخوانَهُ ... يومَ البقيعِ حوادثُ الأيَّامِ
    سهلُ الفناءِ إذا حللتَ ببابهِ ... طلقُ اليدينِ مؤدَّبُ الخُدَّامِ
    وإذا رأيتَ شقيقهُ وصديقهُ ... لم تدرِ أيُّهُما أخُو الأرحامِ
    وقال أرطأة بن سهيَّة:
    هلَ انتَ ابنَ ليلى إن ذكرتُكَ رائحٌ ... مع الرَّكبِ أو غادٍ غداة غدٍ معي
    وقفتُ على قبرِ ابنِ ليلى فلم يكُنْ ... وقوفي عليهِ غيرَ مبكىً ومجزعِ
    على الدَّهرِ فاصفحْ إنَّه غيرُ مُعتبٍ ... وفي غيرِ من قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ
    وقال عكرشة يرثي ابنه:
    قد كان شغبٌ لو أنَّ اللهَ عمَّرهُ ... عِزَّاً تُزادُ به في عِزِّها مُضرُ
    فارقتُ شَغباً وقد قوَّستُ من كبرٍ ... لبئستِ الخُلَّتانِ الشَّيب والكِبرُ
    ليتَ الجبالَ تداعتْ عندَ مصرعِهِ ... دكَّاً فلم يبقَ من أحجارِها حجرُ
    وقال آخر:
    إذا ما دعوتُ الصَّبرَ بعدكَ والبُكا ... أجابَ البُكا طوعاً ولم يُجبِ الصَّبرُ
    فإنْ ينقطعْ منكَ الرَّجاءُ فإنَّهُ ... سيبقى عليكَ الحُزنُ ما بقيَ الدَّهرُ
    وقال لبيد بن ربيعة:
    ذهبَ الَّذينَ يُعاشُ في أكنافِهم ... وبقيتُ في خلفٍ كجلدِ الأجربِ
    يتحدَّثونَ مخالةً وملاذةً ... ويُعابُ قائلهُمْ وإنْ لم يشغبِ
    يا أربدَ الخيرِ الكريمَ جُدودهُ ... غادرتني أمشي بقرنٍ أعضبِ
    إن الرَّزيَّةَ لا رزيَّة مِثلُها ... فقدانُ كلِّ أخٍ كضوءِ الكوكبِ
    وقال عقيل بن علَّفة المرِّيُّ:
    لِتعدُ المنايا حيثُ شاءتْ فإنَّها ... مُحلَّلةٌ بعدَ الفتى ابن عقيلِ
    فتىً كانَ مولاهُ يحلُّ بنجوةٍ ... فحلَّ الموالي بَعدهُ بمسيلِ
    طويلُ نجادِ السَّيفِ وهمٌ كأنما ... يصولُ إذا استنجدتهُ بقبيلِ
    كأنَّ المنايا تبتغي في خِيارنَا ... لها ترةٍ أو تهتدِي بدليلِ
    وقال زياد بن سليمان الأعجم:
    قُلْ للقوافلِ والغُزيِّ إذا غَزَوا ... والباكرينَ وللمجدِّ الرِّائحِ
    إن السَّماحة والمروءةَ ضُمِّنا ... قبراً بمروَ على الطَّريق الواضحِ
    فإذا مررتَ بقبرهِ فاعقر بهِ ... كُومَ الهجانِ وكُلَّ طرفٍ سابحِ
    وانضحْ جوانبَ قبرهِ بدمائِها ... فلقدْ يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ
    يا من بمغدى الشمس من حيِّي إلى ... ما بينَ مطلعِ قرنِها المتنازحِ
    ماتَ المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍ ... للموتِ بينَ أسنَّةٍ وصفائحِ
    والقتلُ ليسَ إلى القتالِ ولا أرى ... حيَّاً يُؤخَّر للشَّفيقِ النَّاصحِ
    وقال آخر:
    أسكَّانَ بطنِ الأرضِ لو يُقبلُ الفِدى ... فُديُتمْ وأعطينا بكُمْ ساكِنِي الظَّهرِ
    فياليتَ من فيها عليها وليتَ من ... عليها ثوى ميتاً مُقيماً إلى عَشرِ
    فماتُوا كأنْ لم يعرفِ الموتُ غيرهُم ... فثُكلٌ على ثكلٍ وقبرٌ على قبرِ
    تجرَّا عليَّ الدَّهرُ لمَّا فقدتهُ ... ولو كانَ حيَّاً لاجترأتُ على الدَّهرِ
    وقاسمني دهرِي بنيَّ مشاطراً ... فلمَّا توفَّى شطرهُ عادَ في شطري
    وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
    رمى الحَدثانِ نسوةَ آلِ حربٍ ... بمقدارٍ سهدنَ له سُهُودا
    فردَّ شُعُورهنَّ السُّودَ بيضاً ... وردَّ وجوههنَّ البيضَ سودا
    وإنَّك لو سمعتَ بكاءَ هندٍ ... ورملةَ إذ تصُكَّانِ الخُدودا
    سمعتَ بكاءَ باكيةٍ وباكٍ ... أبانَ الدَّهرُ واحدِها الفقيدا
    وقال محمد بن مناذر من قصيدة:
    كلُّ حيٍّ لاقي الحِمام فمودي ... مالحيٍّ مؤمَّلٌ من خُلودِ
    لا تهابُ المنونُ شيئاً ولا تُب ... قِي على والدِ ولا مولودِ
    أين ربُّ الحصنِ الحصينِ بسورا ... ءَ وربُّ القصرِ المنيفِ المشيِد
    شادَ أركانَهُ وبوَّبهُ با ... بي حديدٍ وحفَّهُ بجنودِ
    كانَ يُهدى إليهِ ما بينَ صنعا ... ء فمصرِ إلى قُرى يبرودِ
    وترى خلفهُ زرافاتِ خيلٍ ... حافلاتٍ تعدُو بمثلِ الأسُودِ
    فرمى شخصهُ فأقصدَهُ الدَّه ... رُ بسهمٍ من المنايا سديدِ
    ثُمَّ لم يُنجهِ من الموتِ حصنٌ ... دونهُ خندقٌ وبابا حديدِ
    وملوكٌ من قبلهِ عمرُوا الأر ... ضَ أُعِينُوا بالنَّصرِ والتأييدِ
    فلو أنَّ الأيَّامَ أخلدنَ حيَّاً ... لعلاءٍ أخلدنَ عبدَ المجيدِ
    ما درى نعشُهُ ولا حاملوهُ ... ما على النَّعشِ من عفافٍ وجودِ
    ويحَ أيدٍ حثتْ عليهِ وأيدٍ ... دفنتهُ ما غَّيبت في الصَّعيدِ
    حين تمَّت آدابهُ وتردَّى ... برداءٍ من الشَّبابِ جديدِ
    وسقاهُ ماءُ الشبيبةِ فاهت ... زَّ اهتزازَ الغُصنِ النَّدي الأملودِ
    وسمت نحوهُ العيونُ وما كا ... نَ عليهِ لزائدٍ من مزيدِ
    وكأنِّي أدعوهُ وهو قريبٌ ... حين أدعوهُ من مكانٍ بعيدِ
    فلئنْ صارَ لا يجيبُ لقد كا ... ن سميعاً هشَّاً إذا هو نودي
    يا فتىً كانَ للمقاماتِ زيناً ... لا أراهُ في المحفلِ المشهودِ
    فبرغمي كُنتَ المقدَّمِ قبلي ... وبكرهِي دُلِّيتَ في ملحودِ
    كُنتَ لي عصمةً وكنتَ سماءً ... بكَ تحيا أرضي ويخضُّر عودي
    وقال عبدُ العزيز بن عبد الرَّحيم الهاشمي:
    بموتكَ يا عبدَ الرَّحيم بن جعفرٍ ... تفاحشَ صدعُ الدِّين عن ألؤم الكسرِ
    فيابن النبيِّ المصطفى وابنَ بنتهِ ... ويابنَ عليٍّ والفواطمِ والحَبرِ
    ويابنَ اختيارِ اللهِ من آلِ آدمٍ ... أباً فأباً، طُهراً يؤدِّي إلى طُهرِ
    ويابنَ سليمانَ الَّذي كان ملجأ ... لمن ضاقتِ الدُّنيا به من بني فهرِ
    ومن ملأ الدُّنيا سماحاً ونائلاً ... وروَّى حجيجاً بالُملمَّعة القفرِ
    فوا حزنا لو في الوغى كانَ موتهُ ... بكينا عليه بالرُّدينيَّة السُّمرِ
    وكنَّا وقيناهُ القنا بنُحورِنا ... وبات كذا في غيرِ صيحٍ ولا نفرِ
    وقال الحسين بن مطير الأسديّ:
    ألِمَّا على معن فقُولا لقبرهِ ... سقتكَ الغوادي مربعاً ثمَّ مربعا
    فيا قبرَ معنٍ أنتَ أوَّلُ حفرةٍ ... من الأرضِ خطَّت للسَّماحة مضجعا
    ويا قبر معنٍ كيفَ واريتَ جُودهُ ... وقد كان مِنهُ البرُّ والبحرُ مترعا
    بلى قد وسعتَ الجودَ والجودُ ميِّتُ ... ولو كان حيَّاً ضِقتَ حتَّى تصدَّعا
    فتىً عشتُ في معرُوفهِ بعد موتهِ ... كما كان السَّيلِ مجراهُ مرتعا
    ولمّا مضى معنٌ مضى الجودُ وانقضى ... وأصبحَ عرنينُ المكارمِ أجدعا
    وقال آخر:
    واحزني من فراقِ قومٍ ... همُ المصابيحُ والحصونُ
    والأُسدُ والمزنُ والرَّواسي ... والخفضُ والأمنُ والسُّكونُ
    لم تتنكَّر لنا اللَّيالي ... حتى توفَّتهم المنونُ
    فكلُّ نارٍ لنا قلوبٌ ... وكلُّ ماءٍ لنا عيونُ
    وقال أشجع السلميّ:
    مضى ابن سعيدٍ حين لم يبقَ مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلاَّ لهُ فيهِ مادحُ
    وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفِّهِ ... على النَّاسِ حتَّى غيَّبتهُ الصَّفائحُ
    وأصبحَ في لحدٍ من الأرضِ ميتاً ... وكانت به حيَّاً تضيقُ الصَّحاصحُ
    سأبكيكَ ما فاضت دُمُوعي فإن تغِضْ ... فحسبُك منِّي ما تُجنُّ الجوانحُ
    كأنْ لم يمتْ حيٌّ سواكَ ولم تقُم ... على أحدٍ إلا عليكَ النَّوائحُ
    لئنْ حسُنتْ فيكَ المراثي وذكرُها ... لقد حسُنت من قبلُ فيكَ المدائحُ
    وقالت أخت الوليد بن طريف ترثيه:
    أيا شجرَ الخابورِ مالكَ مورقاً ... كأنَّكَ لم تجزعْ على ابنِ طريفِ
    فتىً لا يحبُّ الزَّادَ إلاَّ من التُّقى ... ولا المالَ إلا من قنا وسيوفِ
    فقدناهُ فقدانَ الرَّبيع وليتنا ... فديناهُ من ساداتِنا بألوفِِ
    عليكَ سلامُ اللهِ وقفاً فإنَّني ... أرى الموتَ وقَّاعاً بكُلِّ شريفِ
    وقال أبو محمد التَّيمي وتروى لمسلم بن الوليد:
    أحقٌّ أنَّه أودى يزيدُ ... تأمَّل أيُّها النَّاعي المشيدُ
    أحامي المجدِ والإسلامِ أودى ... فما للأرضِ ويحكَ لا تميدُ
    تأمَّل هل ترى الإسلامَ مالت ... دعائمهُ وهل شابَ الوليدُ
    وهل شيمتْ سيوفُ بني نزارٍ ... وهل وُضِعتْ عن الخيلِ اللُّبودُ
    وهل تسقي البلادَ عشارُ مزنٍ ... بدَّرتِها وهل يخضُّر عُودُ
    أما هُدَّت لمصرعهِ نزارٌ ... بلى وتقَّوضَ المجدُ المشيدُ
    وحلَّ ضريحهُ إذ حلَّ فيهِ ... طريفُ المجدِ والحسبُ التليدُ
    أما واللهِ ما تنفكُّ عيني ... عليكَ بدمعِها أبداً تجودُ
    أبعدَ يزيدَ تختزنُ البواكي ... دُموعاً أو تصانُ لها خُدودُ
    فإن يهلكْ يزيدُ فكلُّ حيٍّ ... فريسٌ للمنيَّة أو طريدُ
    ألم تعجبْ لهُ أنَّ المنايا ... فتكنَ بهِ وهنَّ لهُ جنودُ
    لقد عزَّى ربيعةَ أنَّ يوماً ... عليها مثلَ يومكَ لا يعودُ
    وقال أبو العتاهية:
    صاحبٌ كانَ لي هلكْ ... والسَّبيلُ الَّتي سلكْ
    يا عليَّ بن ثابتٍ ... غفر اللهُ لي ولكْ
    كلُّ حيٍّ مملَّكٍ ... سوفَ يفنى وما ملكْ
    وقال أيضاً:
    طوتكَ خطوبُ دهركَ بعد نشرٍ ... كذاكَ خطوبُهُ نشراً وطيَّاً
    فلو نشرتْ قُواكَ لي المنايا ... شكوتُ إليكَ ما صنعتْ إليّا
    بكيتكَ يا أُخيَّ بدمعِ عيني ... فلم يغنِ البكاءُ عليكَ شيّا
    كفى حزناً بدفِنك ثمَّ إنَّي ... نفضتُ ترابَ قبركَ من يديا
    وكانت في حياتكَ لي عظاتٌ ... فأنتَ اليومَ أوعظُ منكَ حيّا
    وقال العباس بن الأحنف يرثي جارية الرّشيد:
    يا منْ تباشرتِ القبورُ بموتها ... قصدَ الزَّمانُ بسهمهِ مرماكِ
    أبغي الأنيسَ فلا أرى مؤنساً ... إلا التَّردّد حيثُ كنتُ أراكِ
    ملكٌ بكاكِ وطالَ بعدكِ حُزنهُ ... لو يستطيعُ بملكهِ لفداكِ
    يحمي الفُؤادَ على النِّساء حفيظةٌ ... كي لا يحلَّ سوى الفُؤادِ سواكِ
    وقال أيضاً فيها:
    ريحانتي قد خُلِستْ من يدي ... أبكي عليها آخرَ المُسندِ
    كانت هي الأُنسَ إذا استوحشت ... نفسي من الأقربِ والأبعدِ
    وروضةً لي لم تزل مرتعاً ... ومشرباً لي لم يزل موردي
    كانت يداً تمَّت بها قوَّتي ... فاختلسَ الدَّهرُ يدي من يدي
    وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطَّائيُّ:
    كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفضْ ماؤُها عذرُ
    وما كانَ إلا مالَ من قلَّ مالهُ ... وذخراً لمن أمسى وليسَ له ذخرُ
    توفِّيت الآمالُ بعد محمَّدٍ ... وأصبحَ في شغلٍ عن السَّفرِ السَّفرُ
    وما كان يدري مجتدي جُود كفِّهِ ... إذا ما استهلَّت أنَّه خُلِق العسرُ
    ألا في سبيلِ الله من عُطِّلت له ... فِجاجُ سبيلِ اللهِ وانثغرَ الثَّغرُ
    فتىً كلَّما فاضت عيونُ قبيلةٍ ... دماً ضحكت عنه الأحاديثُ والذِّكرُ
    فتىً ماتَ بين الضَّرب والطَّعن ميتةً ... تقومُ مقامَ النَّصرِ إذ فاتهُ النَّصرُ
    وما ماتَ حتَّى ماتَ مضربُ سيفهِ ... من الضَّربِ واعتلَّت عليهِ القنا السُّمرُ
    وقد كان فوتُ الموتِ سهلاً فردَّهُ ... إليهِ الحفاظُ المرُّ والخلقُ الوعرُ
    ونفسٌ تعافُ العارَ حتَّى كأنَّه ... هو الكفرُ يومَ الرَّوعِ أو دونَهُ الكفرُ
    فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها: من تحتِ أخمصكِ الحشرُ
    تردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى ... لها اللَّيلُ إلاَّ وهي من سُندسٍ خضرُ
    كأنَّ بني نبهانَ يوم وفاتهِ ... نجومُ سماءٍ خَرَّ من دُونِها البدرُ
    سقى الغيثُ غيثاً وارتِ الأرضُ شخصهُ ... وإن لم يكنْ فيهِ سحابُ ولا قطرُ
    وكيفَ احتمِالي للسَّحابِ صنيعةً ... بإسقائِها قبراً وفي لحدهِ البحرُ
    مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبق روضةٌ ... غداةَ ثوى إلاَّ اشتهتْ أنَّها قبرُ
    ثوى في الثَّرى من كانَ يحيا به الثَّرى ... ويغمرُ صرفَ الدَّهرِ نائلهُ الغمرُ
    عليكَ سلام الله وقفاً فإنَّني ... رأيتُ الكريمَ الحُرَّ ليسَ لهُ عمرُ
    وقال أيضاً:
    أصمَّ بكَ النَّاعي وإنْ كان أسمعا ... وأصبحَ مغنى الجُودِ بعدكَ بلقعا
    للحد أبي نصرٍ تحيَّةُ مزنةٍ ... إذا هي حيَّت مُمعراً عادَ ممرعا
    فلم أرَ يوماً كان أشبه ساعةً ... بيومي من اليومِ الَّذي فيه ودَّعا
    مصيفٌ أفاضَ الحزنُ فيه جداولاً ... من الدَّمعِ حتَّى خِلته عاد مربعا
    ووالله لا تقضي العيونُ الَّتي لهُ ... عليها ولو سالت مع الدَّمعِ أدمعا
    فتىً كلَّما ارتاد الشُّجاعُ من الرَّدى ... مفرَّاً غداةَ المأزقِ ارتاد مصرعا
    فتىً كان شِرباً للعفاةِ ومرتعاً ... فأصبحَ للهنديَّة البيضِ مرتعا
    إذا ساءَ يومٌ في الكريهةِ منظراً ... تصلاَّه عِلماً أن سيحسنُ مسمعا
    فإن تُرمَ عن عمرٍ تدانى به المدى ... فخانكَ حتَّى لم يجِد فيك منزعا
    فما كنتَ إلاَّ السَّيفَ لاقى ضريبةً ... فقطَّعها ثمَّ انثنى فتقطَّعا!
    وقال أيضاً:
    بني مالكٍ قد نبَّهت خاملَ الثَّرى ... قبورٌ لكم مستشرفاتُ المعالمِ
    رواكدُ قيسُ الكفِّ من متناولٍ ... وفيها عُلاً لا تُرتقى بالسَّلالمِ
    قضيتم حقوقَ الأرضِ منكم بأعظمٍ ... عظامٍ قضتْ دهراً حقوقَ المكارمِ
    وقال أيضاً:
    هو الدَّهرُ لا يشوي وهنَّ المصائبُ ... وأكثرُ آمالِ الرِّجالِ كواذبُ
    فيا غالباً لا غالبٌ لرزيَّةٍ ... بل الموتُ لا شكَّ الَّذي هو غالبُ
    وقلتُ أخي، قالوا أخٌ ذو قرابةٍ؟ ... فقلتُ لهم: إنَّ الشُّكولَ أقاربُ
    نسيبي في عَزمي ورأيي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الأصولِ المَناسبُ
    عجبتُ لصبري بعدهُ وهو ميِّتٌ ... وكنتُ امرأً أبكي دماً وهو غائبُ
    على أنَّها الأيَّامُ قد صرنَ كلُّها ... عجائبَ حتَّى ليسَ فيها عجائبُ!
    وقال أبو عبادة البحتري:
    أأخيَّ نهنهْ دمعكَ المسفوكا ... إنَّ الحوادثَ ينصرمنَ وشيكا
    الدَّهر أنصفُ منكَ في أحكامهِ ... إذ كان يأخذُ بعضَ ما يُعطيكا
    وقليلُ هذا السَّعي يكسبكَ الغِنى ... إن كانَ يغنيك الَّذي يكفيكا
    نلقى المنونَ حقائقاً وكأنَّنا ... من غرَّةٍ نلقى بهنَّ شكوكا
    هذا سليمانُ بنُ وهبٍ بعدما ... طالت مساعيهِ النُّجوم سموكا
    أغرت بهِ الأقدارُ بغتَ ملمَّةٍ ... ما كانَ رسُّ حديثِها مأفوكا
    أبلغْ عبيدَ اللهِ فارعَ مذحجٍ ... شرفاً ومعطى فضلِها تمليكا
    أنتَ الَّذي لو قيل للجُود: اتَّخذ ... خِلاَّ أشارَ إليك لا يعدوكا
    إنَّ الرَّزيَّةَ في الفقيدِ فإن هفا ... جزعٌ بصبركَ فالرَّزيَّةُ فيكا
    ومتى وجدتَ النَّاسَ إلاَّ تاركاً ... لحميمهِ في التُّربِ أو متروكا؟
    وفجيعةُ الأيَّامِ قسمٌ سوِّيت ... فيه البريّةُ: سوقةً وملوكا
    وقال أبو الطيّب المتنبِّي:
    تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ ... عمَّا مضى فيها وما يُتوقَّع
    ولمن يغالطُ في الحقائقِ نفسهُ ... ويسومُها طلبَ المحالِ فتطمعُ
    أين الذي الهرمان من بنيانهِ ... ما قومهُ ما يومه ما المصرعُ
    تتخلَّف الآثارُ عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبعُ
    لم يُرضِ قلبَ أبي شجاعٍ مبلغٌ ... قبل الممات ولم يسعهُ موضعُ
    يا من يبدّلُ كل يوم حلّةً ... أنّى رضيتَ بحلَّةٍ لا تنزعُ
    ما زلتَ تخلعُها على من شاءها ... حتَّى لبستَ اليوم ما لا تخلعُ
    ما زلتَ تدفعُ كلَّ أمرٍ فادحٍ ... حتَّى أتى الأمرُ الَّذي لا يُدفعُ
    فظللتَ تنظرُ لا رماحُك شُرَّعٌ ... فيما عراك ولا سيوفك قُطّعُ
    من للمحافلِ والجحافل والسُّرى ... فقدت بفقدِك نيِّراً لا يطلعُ
    ومن اتخذتَ على الضيوفِ خليفة ... ضاعوا ومثلُك لا يكادُ يضيِّعُ
    من كان فيه لكلّ قوم ملجأ ... ولسيفهِ في كلِّ يوم مرتعُ
    إن حلَّ في فُرسٍ ففيها ربُّها ... كسرى تذُّل له الرقابُ وتخضعُ
    أو حلَّ في رومٍ ففيها قيصرٌ ... أو حلَّ في عُرب ففيها تبَّعُ
    قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍ ... فرساً ولكنَّ المنيَّة أسرعُ
    لا قلّبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً، ولا حملت جواداً أربعُ
    وقال أيضاً: " من الوافر "
    نعدُّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنونُ بلا قتالِ
    ونرتبطُ السَّوابقَ مقرباتٍ ... وما ينجينَ من خببِ الليالي
    ومن لم يعشقِ الدُّنيا قديماً؟ ... ولكن لا سبيلَ إلى الوصالِ
    نصيبكَ في حياتكَ من حبيبٍ ... نصيبكَ في منامكَ من خيالِ
    رماني الدَّهر بالأرزاءِ حتّى ... فؤادي في غشاءٍ من نبالِ!
    فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ ... تكسَّرت النِّصال على النِّصالِ
    وهانَ فما أبالي بالرَّزايا ... لأنّي ما انتفعتُ بأن أبالي
    وهذا أوّلُ الناعين طرّاً ... لأوّل ميتةٍ في ذا الجلالِ
    كأن الموتَ لم يفجع بنفسٍ ... ولم يخطر لمخلوقٍ ببال!ِ
    حصانٌ مثلُ ماءِ المزنِ فيه ... كتومُ السِّرِّ صادقةُ المقالِ
    ولو كان النساءُ كمن فقدنا ... لفضِّلت النِّساء على الرِّجالِ
    وما التَّأنيثُ لاسم الشَّمس عيبٌ ... ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ
    أسيفَ الدَّولة استنجد بصبرٍ ... وكيف بمثلِ صبركَ للجبالِ؟
    فأنت تعلّمُ النّاسَ التَّعزِّي ... وخوضَ الموتِ في الحربِ السّجالِ
    وحالاتُ الزمانِ عليكَ شتَّى ... وحالكَ واحدٌ في كلِّ حالِ
    فإن تفقِ الأنامَ وأنتَ منهمْ ... فإنَّ المِسك بعضُ دمِ الغزالِ
    وقال أبو الحسن التِّهاميّ من قصيدةٍ:
    حكمُ المنيّة في البريَّة جارِ ... ما هذه الدُّنيا بدارِ قرارِ
    بينا يرى الإنسانُ فيها مُخبراً ... حتَّى يرى خبراً من الأخبارِ
    والنَّفسُ إن رضيت بذلك أو أبتْ ... منقادةٌ بأزِمَّة الأقدارِ
    طبعت على كدرٍ وأنت تريدُها ... صفواً من الأقذارِ والأكدارِ
    وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّها ... تبني الرَّجاءَ على شفيرٍ هارِ
    العيشُ نومٌ والمنيَّةُ يقظةٌ ... والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ
    فاقضوا مآربكمْ عجالاً إنَّما ... أعماركمْ سفرٌ من الأسفارِ
    وتراكضُوا خيلَ الشَّباب وبادروا ... أن تُستردَّ فإنَّهنَّ عوارِ
    ليس الزَّمانُ وإن حرصتَ مسالماً ... خلقُ الزَّمانِ عداوة الأحرارِ
    إنِّي وُترتُ بصارمٍ ذي رونقٍ ... أعددتهُ لطلابةِ الأوتارِ
    أُثني عليهِ بإثره ولو أنَّه ... لم يُعتبطْ أثنيتُ بالآثارِ
    يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرهِ ... وكذاكَ عمرُ كواكبِ الأسحارِ
    وهلالَ أيَّام مضى لم يستدرْ ... بدراً ولم يمهلْ لوقتِ سرارِ
    عجلَ الخسوفُ إليه قبلَ تمامهِ ... فمحاهُ قبلَ مظنَّةِ الإبدارِ
    واستلَّ من أترابهِ ولداتهِ ... كالمقلةِ استُلَّت من الأشفارِ
    وكأنَّ قلبي قبره وكأنَّه ... في طيِّه سرٌّ من الأسرارِ
    إن يُحتقر صغراً فربَّ مفخَّمٍ ... يبدو ضئيلَ الشَّخص للنُّظَّارِ
    إنَّ الكواكبَ في عُلوِّ مكانها ... لتُرى صغاراً وهي غير صغارِ
    ولد المعزَّى بعضهُ فإذا انقضى ... بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثارِ
    أبكيهِ ثم أقولُ معتذراً له ... وفِّقتَ حين تركتَ ألأمَ دارِ
    جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه ... شتَّان بين جوارهِ وجواري
    أشكُو بعادكَ لي وأنت بموضعٍ ... لولا الرَّدى لسمعتَ فيه سراري
    والشَّرقُ نحو الغربِ أقربُ شقَّةً ... من بُعدِ تلك الخمسةِ الأشبارِ
    هيهاتَ قد علقتكَ أشراكُ الرَّدى ... واعتاق عمركَ قاطعُ الأعمارِ
    وقال أيضاً:
    أبا الفضلِ طالَ اللَّيل أم خانني صبري ... فخيِّل لي أنَّ الكواكبَ لا تسري
    أرى الرَّملةَ البيضاءَ بعدكَ أصبحت ... سواداً فدهري ليسَ يفضي إلى فجرِ
    وما ذاك إلاَّ أنَّ فيها وديعةً ... أبى ربُّها أن تُستردَّ إلى الحشرِ
    رزئت بملء العين يحسب كوكباً ... تولَّد بين الشَّمسِ والقمرِ البدرِ
    بأبلجَ لو يخفى لنمَّ ضياؤهُ ... عليهِ كما نمَّ النَّسيمُ على الزَّهرِ
    بنفسي هلالٌ كنتُ أرجو تمامهُ ... فعاجلهُ المقدارُ في غرَّة الشَّهرِ
    وشبلٍ رجونا أن يكونَ غضنفراً ... فماتَ ولم يجرح بنابٍ ولا ظفرِ
    أتاهُ قضاءُ الله في دارِ غربةٍ ... بنفسي غريبُ الأصلِ والنَّفس والقدرِ
    أحمِّلهُ ثقلَ التُّرابِ وإنَّني ... لأخشى عليه الثِّقل من موطئِ الذَّرِّ
    وأُودعهُ غبراءَ غيرَ أمينةٍ ... عليه ولكن قادَ شرٍّ إلى شرِّ
    ووالله لو أسطيع قاسمُتهُ الرَّدى ... فمتنا جميعاً أو لقاسمني عمري
    ولكنها أرواحُنا ملكُ غيرنا ... فماليَ في نفسي ولا فيهِ من أمرِ
    وما اقتضتِ الأيَّامُ إلا هباتها ... فهلاَّ اقتضتها قبل أنْ ملأتْ صدري
    ومن قبل أن يجري هواه وإلفهُ ... بقلبي جريَ الماءِ في الغصنِ النَّضرِ
    فلا حزنَ إلا يومَ واريتُ شخصهُ ... فرحتُ ببعض النَّفس والبعض في القبرِ
    وأعلمُ أنَّ الحادثاتِ بمرصدٍ ... لتأخذَ كلِّي مثلما أخذتْ شطري
    طواهُ الرَّدى طيَّ الرِّداء فأصبحتْ ... مغانيهِ ما فيهنَّ منه سوى الذِّكرِ
    ينغَّصُ نومي كل يومٍ وليلةٍ ... خيالٌ له يسري وذكرٌ له يجري
    وقالوا سيُسليه التَّأسِّي بغيرهِ ... فقلت لهمْ: هل يُطفأ الجمرُ بالجمرِ
    وضاعفَ وجدي أن قضيتَ ولم تقمْ ... مقامَ الشَّجى المعروضِ في ثغرةِ النَّحرِ
    ولم تلقَ صفَّاً من عداكَ بمثلهِ ... كما أسندَ الكتَّاب سطراً إلى سطرِ
    ولمَّا تُضفْ في نصرةِ الله طعنةً ... إلى ضربةٍ كالتِّبنِ فوق شفى نهرِ
    ولم تخفقِ النِّيران حولكَ للقِرى ... كما خفقتْ أطرافُ ألويةٍ حمرِ
    ولمَّا تُبارِ النَّجمَ ضوءاً ورفعةً ... وصيتاً وأنواءً وهدياً لمن يسري
    ولم تخجلِ الرَّوضَ الأنيقَ وطيبهُ ... مفوَّفةَ الأرجاءِ بالنَّظمِ والنَّشرِ
    ولمَّا تقف في مشهدٍ بعد مشهدِ ... تصدَّقُ أخبارَ المخايلِ بالخبرِ
    عليك سلامُ الله ربِّي فإن تكن ... عبرتَ إلى الأُخرى فنحنُ على الجسرِ
    وقال أيضاً:
    أتى الدَّهرُ من حيث لا أتَّقي ... وخانَ من السَّبب الأوثقِ
    مضى بأبي الفضلِ شطرَ الحياةِ ... وما مرَّ أنفسُ ممَّا بقي
    فقُلْ للمنيَّةِ من بعدهِ ... أسفِّي بمن شئتِ أو حلِّقي
    أمنتكِ لم يبقَ لي ما أخافُ ... عليه الحمامَ ولا أتَّقي
    ولمَّا قضى دون أترابه ... تيقَّنتُ أنَّ الرَّدى ينتقي
    مضى حينَ ودَّع درَّ الرِّضاعِ ... لدرِّ التَّفصُّحِ في المنطقِ
    وهزَّ اليراع أنابيبه ... وهُنِّئ بالكاتبِ المفلقِ
    وقيلَ سيشرفُ هذا الغلامُ ... وقالت مخايلهُ: أخلقِ
    كأنَّ اللِّثام على وجههِ ... هلالٌ على كوكبٍ مشرقِ
    وما النَّوم إلاَّ التقاءُ الجفونِ ... فكيفَ أنامُ وما تلتقي
    يعزُّ على حاسدي أنَّني ... إذا طرقَ الخطبُ لم أطرقِ
    وأنَّي طودٌ إذا صادمتهُ ... رياحُ الحوادثِ لم يقلقِ
    وقال الشَّريف الرَّضيُّ:
    أعلمتَ من حملوا على الأعوادِ ... أرأيتَ كيف خبا ضياءُ النادي
    جبلٌ هوى لو خرَّ في البحرِ اغتدى ... من وقعهِ متتابعِ الإزبادِ
    ما كنتُ أعلمُ قبلَ حطَّكَ في الثَّرى ... أنَّ الثرى يعلو على الأطوادِ
    بعداً ليومك في الزَّمان فإنَّه ... أقذى العيونَ وفتَّ في الأعضادِ
    لا ينفدُ الدَّمعُ الذي يبكى بهِ ... إنَّ القلوبَ له من الأمدادِ
    طاحت بتلكَ المكرماتِ طوائحٌ ... وعدت على ذاكَ الجوادِ عوادي
    والدَّهر تدخلُ نافذاتُ سهامهِ ... مأوى الصِّلال ومربضَ الآسادِ
    أعزز عليَّ بأن يفارقَ ناظري ... لمعانَ ذاك الكوكبِ الوقَّادِ
    أعزز عليَّ بأن نزلتَ بمنزلٍ ... متشابهِ الأمجادِ والأوغادِ
    في عصبةٍ جُنبوا إلى آجالهم ... والدَّهرُ يُعجلهم عن الإروادِ
    ضَربوا بمدرجةِ الفناءِ قبابهم ... من غيرِ أطنابٍ ولا أوتادِ
    ركبٌ أناخوا لا يرجَّى منهمُ ... قصدٌ لإتهامٍ ولا إنجادِ
    فتهافتُوا عن رحلِ كلِّ مذلَّل ... وتطاوحوا عن سرجِ كلِّ جوادِ
    بادُونَ في صورِ الجميع وإنَّهم ... متفرّدونَ تفرُّد الآحادِ
    مما يطيلُ الهمَّ أنَّ أمامنا ... طولُ الطَّريقِ وقلَّة الأزوادِ
    عمري! لقد أغمدتُ منك مُهنّداً ... قي التُّربِ كان ممزق الأغمادِ
    قد كنتُ أهوى أن أشاطركَ الرَّدى ... لكن أرادَ اللهُ غيرَ مرادي
    ولقد كبا طرفُ الرُّقادِ بناظري ... أسفاً عليك فلا لعاً لرقادي
    ثكلتكَ أرضٌ لم تلدْ لك ثانياً ... أنَّى ومثلُك معوزُ الميلادِ
    من للفصاحةِ والبلاغةِ إن همى ... ذاك الغمامُ وعبَّ ذاك الوادي
    من للممالكِ لا يزال يلمُّها ... بسدادِ أمرٍ ضائعٍ وسدادِ
    من للموارقِ يستردُّ قلوبها ... بزلازلِ الإبراقِ والإرعادِ
    وصحائفٍ فيها الأراقمُ كمَّنٌ ... مرهوبةٌ الإصدارِ والإيرادِ
    تدمى طوائعُها إذا استعرضتها ... من شدَّةِ التَّحذيرِ والإيعادِ
    حمرٌ على نظرِ العدوِّ كأنَّما ... بدمٍ يخطُّ بهنَّ لا بمدادِ
    سوَّدتَ ما بين الفضاءِ وناظري ... وغسلتَ من عينيَّ كلَّ سوادِ
    ليسَ الفجائعُ بالذَّخائرِ مثلها ... بأماجدِ الأعيانِ والأفرادِ
    وقال أيضاً:
    ألقي السِّلاح ربيعةَ بن نزارِ ... أودى الرَّدى بقريعكِ المغوارِ
    وترجَّلي عن كلِّ أجردَ سابحٍ ... ميلَ الرِّقابِ نواكسَ الأبصارِ
    ودعي الأعنَّة من أكفّك إنَّها ... فقدت مصرّفها ليومِ مغارِ
    مستنزلُ الأسدِ الهزبرِ برمحهِ ... ولَّى، وفالقُ هامةِ الجبّارِ
    أين القبابُ الحمرُ تفهقُ بالقرى ... مهتوكةَ الأستارِ للزُّوَّارِ؟
    أين الفناءُ تموجُ في جنباتهِ ... بصهيل جردٍ أو رغاءِ عشارِ؟
    أين الجيادُ مللنَ من طولِ السُّرى ... يقذفنَ بالمهراتِ والأمهارِ؟
    من معشرٍ غُلب الرِّقاب جحاجحٍ ... غلبوا على الأقدارِ والأخطارِ
    من كلِّ أروعَ طاعنٍ أو ضاربٍ ... أو واهبٍ أو خالعٍ أو قارِ
    وفوارسٍ كالشُّهبِ تطرحُ ضوءها ... يوم الوغى وأوار حرِّ النّارِ
    ركبوا رماحهمُ إلى أغراضِهِم ... أممَ العلا وجروا بغيرِ عثارِ
    واستنزلُوا أرزاقَهُم بسيوفهم ... فغنوا بغيرِ مذلَّةٍ وصغارِ
    كثُر النَّصيرُ لهم فلمَّا جاءهُم ... أمرُ الرَّدى وجدوا بلا أنصارِ
    هم أعجلوا داعي المنون تعرُّضاً ... للطَّعن بين ذوابلٍ وشفارِ
    أوليس يكفينا تسلُّط بأسها ... حتّى تُسلّطها على الأعمارِ
    نزلوا بقارعةٍ تشابهَ عندها ... ذلُّ العبيدِ وعزةَ الأحرارِ
    صاروا قراراً للمنون، وإنَّما ... كانوا لسيلِ الذّلِّ غير قرارِ
    وقال أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة:
    سقامٌ ما يصابُ له طبيبُ ... وأيَّام محاسنُها عيوبُ
    ودهرٌ ليسَ يقبلُ من أديبٍ ... كما لا يقبلُ التأديبُ ذيبُ
    يحبُّ على المصائب والرَّزايا ... فلا كان المحبُّ ولا الحبيبُ
    نظرتُ فما أرى إلا غفولاً ... يمدُّ رجاءه الطَّمع الكذوبُ
    أبعدَ الأريحيِّ أبي شجاعٍ ... يسرُّ بعيشهِ الفطن اللَّبيبُ
    وقد ملك البلاد وما أذرَّت ... عليه الشَّمس تطلع أو تغيبُ
    فما علم المنجِّم حين يقضي ... بربِّك ما تجيء به الغيوبُ
    ولا عرف الطَّبيب دواءَ داءٍ ... سواءٌ أنت فيه والطَّبيبُ
    تجرَّأت الحوادثُ، واستطالت ... علينا بعد فرقتك الخطوبُ
    وقال أبو العلاء المعرِّي:
    صاح هذي قبورنا تملأ الرُّح ... ب فأين القبورُ من عهدِ عادِ
    خفِّف الوطءَ ما أظنُّ أديم ال ... أرض إلاَّ من هذه الأجسادِ
    وقبيحٌ بنا وإن قدُم العه ... د هوانُ الآباءِ والأجدادِ
    سرْ إن اسطعت في الهواء رويداً ... لا اختيالاً على رفاتِ العبادِ
    ربَّ لحدٍ قد صارَ لحداً مراراً ... ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
    ودفينٍ على بقايا دفينٍ ... في طوالِ الأزمان والآبادِ
    فاسألِ الفرقدين عمَّن أحسَّا ... من قبيل وآنسا من بلادِ
    كم أقاما على زوالِ نهار ... وأنارا لمدلجٍ في سوادِ
    تعبٌ كلُّها الحياة فما أع ... جبُ إلا لراغبٍ في ازديادِ
    إنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا ... فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ
    خلُقَ النَّاسُ للبقاءِ فضلَّت ... أمةٌ يحسبونهُم للنَّفادِ
    إنَّما يُنقلونَ من دارِ أعما ... ل إلى دار شقوةٍ أو رشادِ
    زحلٌ أشرفُ الكواكبِ داراً ... من لقاء الرَّدى على ميعادِ
    ولنارِ المرِّيخ من حدثان الد ... هر مطفٍ وإن علت في اتِّقادِ
    والثُّريَّا رهينةٌ بافتراق الش ... مل حتَّى تعدُّ في الأفرادِ
    وقال أيضاً:
    نقمت الرِّضا حتَّى على ضاحكِ المزنِ ... فلا جادني إلاَّ عبوسٌ من الدَّجن
    أبي حكمتْ فيه اللَّيالي ولم تزلْ ... رماحُ المنايا قادراتٍ على الطَّعن
    مضى طاهرَ الجثمانِ والنَّفسِ والكرى ... وسهدِ المُنى والجيبِ والذَّيل والرُّدن
    على أمِّ دفرٍ غضبةُ الله إنَّها ... لأجدرُ أنثى أن تخونَ وأن تخني
    كعابٌ دُجاها فرعها ونهارها ... مُحيّاً لها قامت لهُ الشَّمس بالحسنِ
    وما قارنت شخصاً من الخلقِ ساعةً ... من الدَّهر إلاَّ وهي أفتكُ من قرنِ
    وجدنا أذى الدُّنيا لذيذاً كأنَّما ... جنى النَّحل أصنافُ الشَّقاء الَّذي نجني
    وخوفُ الرَّدى آوى إلى الكهفِ أهلهُ ... وعلَّم نوحاً وابنه عملَ السُّفن
    وما استعذبتهُ نفسُ موسى وآدمٍ ... وقد وعدا من بعده جنَّتي عدنِ
    أمولى القوافي كم أراكَ انقيادُها ... لك الفصحاءَ العرب كالعجمِ اللُّكنِ
    هنيئاً لك البيت الجديد موسَّداً ... يمينكَ فيه بالسَّعادة واليمنِ
    مجاورَ سكنٍ في ديارٍ بعيدةٍ ... من الحيَّ سقيا للدِّيارِ وللسَّكنِ
    أمرُّ بربعٍ كنتَ فيه كأنَّما ... أمرُّ من الإجلالِ بالحجرِ والرُّكنِ
    وإجلالُ مغناكَ اجتهادُ مقصِّر ... إذا النَّصلُ أودى فالعفاءُ على الجفنِ
    وقال مهيار الدَّيلميُّ:
    لمن الجيادُ مع الصَّباحِ بموتهِ ... تُنضي الظَّلامَ وما نضا أجسامها
    صبغَ السَّواد ولم تكن مصبوغةً ... أعرافها ظُلماً وعمَّ لمامها
    كلحَ الصَّباح بموتهِ عن ليلةٍ ... نفضت على وجهِ الصَّباحِ ظلامها
    صدعَ الحمامُ صفاةَ آل محمد ... صدعَ الرِّداء به وحلَّ نظامها
    بالفارسِ العلويِّ شقَّ غُبارها ... والنَّاطقِ العربيِّ شقَّ كلامها
    سلبَ العشيرةَ يومهُ مصباحَها ... ورمى الرَّدى عمَّا لها علاَّمها
    بُرهان حُجَّتها الَّتي بهرت به ... أعداءها وتقدَّمت أعمامها
    فلئن مضى بعُلاك يوم صانها ... فلقد أتى برداك يومٌ ضامها
    من هدَّ هضبتكَ المنيفة بعدما ... عيي الزَّمانُ فما استطاعَ زمامها
    فضَّ الحمام إليك حلقة هيبةٍ ... ما خلتُ حادثةً تفضُّ ختامها
    أبكيكَ للدُّنيا الَّتي طلَّقتها ... وقد اصطفتك شبابها وعُرامها
    ورميتَ غاربها بفضلةِ حبلها ... زُهداً وقد ألقت إليكَ زمامها
    والأرضُ كنتَ على قفارةِ ظهرها ... علماً إذا كتمَ الدُّجى أعلامها
    ولقولةٍ عوصاءَ أرتجَ بابها ... ففتحتها لمَّا ولجتَ خصامها
    وقلائدٍ قذفت بحارُك درَّها ... وقضى لسانُك رصفها ونِظامها
    هي آيةُ العربِ الَّتي انفردت بها ... راعيتَ فيها عهدها وذمامها
    حمَّستَ حتَّى قيل: صبَّ دماءها ... وغزلتَ حتَّى قيلَ صبَّ مُدامها
    ماتت بموتكَ غير ما خلَّدتهُ ... في الصُّحف إذ أمددتهُ أقلامها
    قد كُنتَ ترضاني إذا سَّومتها ... تبعاً وأرضى أن تسير أمامها
    وقال أبو العبَّاس التُّطيلي:
    استنفدَ الدَّمع أنَّ الصَّبر قد نفدا ... لا يحسن الدَّهر رزءاً مثلهُ أبدا
    وقل لصرفِ الزَّمان احتل على ثقةٍ ... من السِّباقِ فقد أحرزتَ كل مدى
    اليومَ حين لقيتَ المجد في كفنٍ ... نفسي الفداءُ على أن لات حين فدا
    في ذمَّة الله قبرٌ ما مررتُ به ... إلا اختلستُ أسىً إن لم أمت كمدا
    تضمَّن الدِّين والدُّنيا بأسرهما ... والحزمَ والعزمَ والإيمانَ والرَّشدا
    والسؤددَ الضَّخمَ مضروباً سرادقه ... قد ودَّت الشِّمسُ لو كانت له عُمُدا
    ملءَ القلوبِ جلالاً والعيونِ سناً ... والحربِ بأساً وأكنافِ النَّديِّ ندى
    من لا يقدِّم في غيرِ العلا قدماً ... ولا يمدُّ لغيرِ المكرماتِ يدا
    أودى الزَّمانُ وكيف اسطاعه؟ بفتىً ... قد طال ما راحَ في أتباعه وغدا
    كأنَّه كان ثأراً بات يطلبهُ ... حتَّى رآه فلم يعدلْ به أحدا
    هل نافعي والأماني كلُّها خدعُ ... قولي له اليومَ: لا تبعد! وقد بعُدا
    يا عادياً لم يكن شيءٌ يقومُ لهُ ... أما توقَّاكَ صرفُ الدَّهر حين عدا
    إذا ونتْ بكَ خيلُ الدَّمعِ جدَّ بها ... مجرٍ من الشَّوق لم يحدد لها أمدا
    قل للمحدِّثِ عن لقمان أو لبدٍ ... لم يتركِ الدَّهر لقماناً ولا لُبدا
    وللَّذي همُّهُ البنيانُ يرفعه: ... إنَّ الرَّدى لم يغادر في الشَّرى أسدا
    ما لابن آدمَ لا تفنى مطالبهُ ... يرجو غداً وعسى ألاَّ يعيش غدا
    وقال أيضاً:
    ألا حدِّثاني عن فلٍّ وفلان ... لعلِّي أرى باقٍ على الحدثانِ
    وعن دول جسنَ الدَّيار وأهلها ... فنينَ وصرفُ الدَّهر ليس بفانِ
    وعن هرمي مصر الغداةَ، أمتِّعا ... بشرخِ شبابٍ أم هما هرمانِ
    وعن نخلتيْ حلوانَ كيف تناءتا ... ولم تطويا كشحاً على شنآنِ
    وطال ثواءُ الفرقدينِ بغبطةٍ ... أما علما أن سوفَ يفترقانِ
    وزايلَ بين الشِّعريين تصرُّفٌ ... من الدَّهر لا وانٍ ولا متوانِ
    فإن تذهبِ الشِّعرى العبورُ لشأنها ... فإنَّ الغُميصا في بقيَّة شانِ
    وجنَّ سهيلٌ بالثُّريَّا جنونهُ ... ولكن سلاه: كيف يعترفانِ
    وهيهاتَ من عدل القضاءِ وجورهِ ... شآميةٌ ألوت بدينِ يمانِ
    فأزمعَ عنها آخر الدَّهر سلوةً ... على طمعٍ خلاَّه للدَّبرانِ
    وأعلنَ صرفُ الدَّهر لابني نويرةٍ ... بيومِ تناءٍ غالَ كُلَّ تدانِ
    وكانا كندمانيْ جذيمةَ حقبةً ... من الدَّهرِ لو لم ينصرِفْ لأوانِ
    وأيُّ قبيلٍ لم يصدَّع جميعهُ ... ببكرٍ من الأرزاءِ أو بعوانِ
    خليليَّ أبصرتُ الرَّدى وسمعتهُ ... فإن كنتما في مريةٍ فسلاني
    خذا من فمي هلاَّ وسوفَ فإنَّني ... أرى بهما غير الَّذي تريانِ
    ولا تعِداني أن أعيشَ إلى غدٍ ... لعلَّ المنايا دونَ ما تعدانِ
    تقولانِ: لا تبعدْ وللهِ درُّهم ... " وقد حيل بين العيرِ والنَّزوانِ "
    ويأبونَ إلاَّ ليته ولعلَّه ... ومن أينَ للمقصُوص بالطَّيرانِ
    نجزت المراثي والحمد لله ربِّ العالمين
    بابالنَّسيب
    قال كعب بن زهير من قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم مدحها في أوَّل الكتاب:
    بانت سعادُ فقلبي بها متبولُ ... متيَّمٌ عبرهَا لم يُجزَ مكبولُ
    وما سعادُ غداةَ البينِ إذ رحلوا ... إلاَّ أغنُّ غضيضُ الطَّرفِ مكحولُ
    فما تدوم على حالٍ تكون بها ... كما تلَّون في أثوابها الغولُ
    ولا تمسَّك بالعهد الَّذي زعمت ... إلاَّ كما تمسكُ الماءُ الغرابيلُ
    كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدها إلاَّ الأباطيلُ
    فلا يغرَّنك ما منَّت وما وعدت ... إنَّ الأمانيَّ والأحلام تضليلُ
    وقال حسان بن ثابت:
    منع النَّوم بالعشاء الهمومُ ... وخيال إذا تغور النُّجومُ
    من حبيبٍ أصاب قلبكَ منه ... سقمٌ فهو داخلٌ مكتومُ
    يالقومٍ هل يقتلُ المرء مثلي ... واهنُ البطشِ والعظامِ سؤومُ
    لو يدبُّ الحوليُّ من ولد الذَّر ... ر عليها لأندبتها الكلومُ
    شأنُها العطرُ والفراشُ ويعلو ... ها لجينٌ ولؤلؤ منظومُ
    لم تقُفها شمسُ النَّهار بشيءٍ ... غير أنَّ الشَّباب ليس يدومُ
    وقال امرؤ القيس بن حجرٍ:
    أغرَّك منِّي أنَّ حبَّك قاتلي ... وأنَّك مهما تأمري القلب يفعلِ؟
    وما ذرفتْ عيناكَ إلاَّ لتقدحي ... بسهميكَ في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ
    وبيضةِ خدرٍ لا يرام خباؤها ... تمتَّعتُ من لهوٍ بها غير معجلِ
    تجاوزتُ أحراساً وأهوالَ معشرٍ ... عليَّ حراصٌ لو يشُّرون مقتلي
    إذا التفتت نحوي تضوَّع ريحُها ... نسيمَ الصَّبا جاءت بريَّا القرنفلِ
    مهفهفةٌ بيضاءُ غير مفاضةٍ ... ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجنجلِ
    كبكرِ مقاناةِ البياضِ بصفرةٍ ... غذاها نميرُ الماءِ غيرُ المحلَّلِ
    تصدُّ وتبدي عن أسيلٍ وتتَّقي ... بناظرةٍ من وحشِ وجرة مطفلِ
    وجيدٍ كجيدِ الرِّئم ليس بفاحشِ ... إذا هي نصَّتهُ ولا بمعطَّلِ
    وفرعٍ يغشِّي المتنَ أسودَ فاحمٍ ... أثيثٍ كقنو النَّخلةِ المتعثكلِ
    غدائرهُ مستشزراتٌ إلى العلا ... تضلُّ المداري في مُثنًّى ومرسلِ
    وكشحٍ لطيفٍ كالجديلِ مخصَّرٍ ... وساقٍ كأنبوبِ السَّقيِّ المذلَّلِ
    وتعطو برخصٍ غير شثنٍ كأنَّه ... أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحلِ
    تضيءُ الظَّلامَ بالعشاءِ كأنَّها ... منارةُ مُمسى راهب متبتلِ
    وتضحي فتيت المسكِ فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضُّلِ
    إلى مثلها يرنُو الحليمُ صبابةً ... إذا ما اسبكرَّت بين درعٍ ومجولِ
    وقال أيضاً:
    خليليَّ مرَّا بي على أمِّ جندبِ ... نقضُّ لبانات الفؤادِ المعذَّب
    فإنَّكما إن تُنظراني ساعةً ... من الدَّهر تنفعني لدى أم جندب
    ألم ترَ أنَّي كلَّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإن لم تطيَّب
    عقيلةُ أترابٍ لها لا دميمةُ ... ولا ذاتُ خلقٍ إن تأمَّلتَ جأنب
    وقال أعشى بكر من قصيدة:
    عهدي بها في الحيِّ قد سربلتْ ... بيضاءُ مثلُ المهرةِ الضَّامرِ
    قد حجمَ الثَّدي على نحرها ... في مشرقٍ ذي بهجةٍ ناضرِ
    كبيعةٍ صوِّر محرابُها ... بمذهبٍ ذي مرمرٍ مائرِ
    أو بيضةٍ في الدِّعصِ مكنونةٍ ... أو درَّةٍ شيفت إلى تاجرِ
    لو أسندتْ ميتاً إلى نحرها ... عاشَ ولم يحمل إلى قابِرِ
    حتَّى يقول النَّاس ممَّا رأوا ... يا عجباً للميِّت النَّاشرِ
    وقال عمر بن أبي ربيعة:
    تهيمُ إلى نُعمٍ فلا الشَّملُ جامعٌ ... ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبُ مقصرُ
    ولا قربُ نعمٍ إن دنت لك نافعٌ ... ولا نأيُها يُسلي ولا أنت تصبرُ
    إذا زُرتَ نعماً لم يزل ذو قرابةٍ ... لها كلَّما لاقيتهُ يتنمَّرُ
    ألكني إليها بالسَّلام فإنَّني ... يشهَّر إلمامي بها ويُنكَّرُ
    على أنَّها قالت غداة لقيتُها ... بمدفعِ أكنانٍ أهذا المُشهَّرُ؟
    قفي فانظري يا أسمَ هل تعرفينهُ ... أهذا المغيريُّ الَّذي كان يُذكرُ؟
    أهذا الَّذي أطريتِ نعتاً فلم أكن ... وعيشكِ أنساهُ إلى يوم أُقبرُ؟
    لئن كانَ إياه لقد حال بيننا ... عن العهدِ، والإنسانُ قد يتغيَّرُ
    فقالت: نعمْ لا شكَّ غيَّر لونه ... سرى اللَّيل يحيي نصَّه والتَّهجُّرُ
    ومنها:
    يمجُّ ذكيَّ المسكِ منها مفلَّجٌ ... نقيُّ الثَّنايا ذو غروب مؤشَّرُ
    يرفُّ إذا تفترُّ عنه كأنَّهُ ... حصى بردٍ أو أقحوانٌ منوِّرُ
    وترنو بعينيها إليَّ كما رنا ... إلى ربربٍ وسطَ الخميلةِ جؤذرُ
    وقال أيضاً:
    جرى ناصحٌ بالودِّ بيني وبينها ... فقرَّبني يومَ الحصابِ إلى قتلي
    فما أنسَ مِ الأشياءِ لا أنس موقفي ... وموقفها يوماً بقارعةِ النَّخلِ
    فلمَّا تواقفنا عرفتُ الَّذي بها ... كمثلِ الَّذي بي حذوك النَّعل بالنَّعلِ
    فسلَّمتُ واستأنستُ خيفةَ أن يرى ... عدوٌّ مكاني أو يرى كاشحٌ فعلي
    وقال أيضاً:
    هل تعرفَ الدَّار والأطلال والدِّمنا ... زدنَ الفؤاد عل علاَّته حزنا
    دارٌ لأسماءَ قد كانت تحلُّ بها ... وأنت إذ ذاك قد كانت لكُم وطنا
    لم يُحبب القلبُ شيئاً مثل حبِّكمُ ... ولم ترَ العينُ شيئاً بعدكُم حسنا
    ما إن أبالي إذا ما الله قرَّبكمُ ... من كان شطَّ من الأحياءِ أو ظعنا
    فإن نأيتمْ أصابَ القلبَ نأيكمُ ... وإن دنت داركم كانت لنا سكنا
    إن تبخلي لا يُسلِّي القلبَ بخلكمُ ... وإن تجودي فقد عنَّيتنا زمنا
    وقال أيضاً:
    نظرتُ إليها بالمحصَّبِ من منىً ... ولي نظرٌ لولا التحرُّجُ عارمُ
    وقلت: أشمسٌ أم مصابيحُ راهبٍ ... بدتْ لكَ خلفَ السِّجف أم أنتَ حالمُ
    بعيدةُ مهوى القرطِ إمَّا لنوفلٍ ... أبوها وإمَّا عبدُ شمسٍ وهاشمُ
    طلبنَ الهوى حتَّى إذا ما وجدنهُ ... صددنَ وهنَّ المسلماتُ الكرائمُ
    وقال جميل بن معمر:
    لقد فرحَ الواشونَ أن صرمت حبلي ... بثينةُ أو أبدتْ لنا جانبَ البخلِ
    يقولون: مهلاً يا جميلُ، وإنَّني ... لأقسمُ مالي عن بثينةَ من مهلِ
    أحلماً؟ فقبلَ اليومِ كان أوانهُ ... أم أخشى؟ فقبلَ اليوم أوعدتُ بالقتلِ
    فيا ويح نفسي! حسبُ نفسي الَّذي بها ... ويا ويح أهلي! ما أُصيب به أهلي
    خليليَّ فيما عِشتُما هل رأيتُما ... قتيلاً بكى من حُبِّ قاتله قبلي
    وقال أيضاً:
    لمَّا دنا البينُ بين الحيِّ واقتسموا ... حبلَ النَّوى فهو في أيديهمُ قطعُ
    جادتْ بأدمُعِها ليلى وأعجلنِي ... وشكُ الفراقِ فما أبقي وما أدعُ
    يا قلبُ ويحكَ ما عيشي بذي سلمِ ... ولا الزَّمان الَّذي قد مرَّ مرتجعُ
    أكلَّما بانَ حيٌّ لا تلائمهُم ... ولا يبالونَ أن يشتاق من فجعوا
    علَّقتني بهوى منهم فقد جعلتْ ... من الفراقِ حصاةُ القلبِ تنصدعُ
    وقال أيضاً:
    رحلَ الخليطُ جمالهُمْ بسوادِ ... وحدا على إثرِ البخيلةِ حادِ
    ما إن شعرتُ ولا سمعتُ ببينهم ... حتَّى سمعتُ به الغُرابَ ينادي
    لمَّا رأيتُ البينَ قلتُ لصاحبي: ... صدعت مصدِّعةُ القلوب فؤادي
    بانوا وغُودر في الدِّيار متيَّم ... كلفٌ بحبِّك يا بثينةُ صادِ
    وقال أيضاً:
    ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادي القُرى؟ إنِّي إذاً لسعيدُ
    إذا قلتُ: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحبِّ، قالت: ثابتٌ ويزيدُ
    وإن قلت: ردِّي بعض عقلي أعشْ بهِ ... مع النَّاس، قال: ذاك منك بعيدُ
    فلا أنا مردودٌ بما جئتُ طالباً ... ولا حبُّها فيما يبيدُ يبيدُ
    يموتُ الهوى منَّي إذا ما ذكرتُها ... ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ
    خليليَّ، ما ألقى من الوجدِ قاتلي ... ودمعِي بما قلتُ الغداةَ شهيدُ
    يقولون: جاهد يا جميلُ بغزوةٍ ... وأيُّ جهادٍ دونهنَّ أريدُ
    لكلِّ حديثٍ نلتقيهِ بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهنَّ شهيدُ
    وقال أيضاً:
    أعدُّ اللَّيالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنتُ دهراً لا أعدُّ اللَّياليا
    ذكرتُكِ بالدَّيرينِ يوماً فأشرفتْ ... بناتُ الهوى حتَّى بلغنَ التَّراقيا
    وأنتِ الَّتي إن شئت أشقيتِ عيشتي ... وإن شئتِ بعد الله أنعمتِ باليا
    وأنتِ الَّتي ما من صديقٍ ولا عدا ... يرى نضوَ ما أبقيتِ إلاَّ رثى ليا
    وما زلتِ بي يا بثنُ حتَّى لو أنَّني ... من الوجدِ أستبكي الحمامَ بكى ليا
    وددتُ على حبِّ الحياةِ لو أنَّني ... يزاد لها في عُمرها من حياتيا
    وما أحدثَ النَّأي المفرِّق بيننا ... سُلُوَّاً ولا طولُ اجتماعٍ تقاليا
    ولا زادني الواشونَ إلاَّ صبابةً ... ولا كثرةُ الناهينَ إلاَّ تماديا
    ألم تعلمي يا عذبةَ الماء أنَّني ... أظلُّ إذا لم أسقَ ماءكِ صاديا
    لقد خِفتُ أن ألقى المنيَّةَ بغتة ... وفي النَّفس حاجاتٌ إليك كما هيا
    وقال أيضاً:
    أبُثينَ إنَّكِ قد ملكتِ فأسجحي ... وخذي بحظِّك من كريمٍ واصلِ
    ولربَّ عارضةٍ علينا وصلها ... بالجدِّ تخلطهُ بقولِ الهازلِ
    فأجبتُها بالقولِ بعد تستُّرٍ: ... حُبَّي بثينةَ عن وصالكِ شاغلي
    لو كانَ في قلبي كقدرِ قلامةٍ ... فضلاً وصلتكِ أو أتتكِ رسائلي
    ويقلنَ: إنَّك قد رضيتَ بباطلٍ ... منها فهل لك في اجتناب الباطلِ؟
    ولباطلٌ ممَّن أُحبُّ حديثهُ ... أشهى إليَّ من البغيض الباذلِ
    وقال أيضاً:
    إنَّي لأحفظ غيبكم ويسرَّني ... إذ تذكرين بصالح أن تذكري
    ويكون يوم لا أرى لك مرسلاً ... أو نلتقي فيه عليَّ كأشهرِ
    ياليتني ألقى المنيَّة بغتةً ... إن كان يومُ لقائكُم لم يقدرِ
    إنِّي إليكِ بما وعدتِ لناظرٌ ... نظر الفقيرِ إلى الغنَّي المكثرِ
    ما أنتِ والوعدُ الَّذي تعدينني ... إلاَّ كبرقِ غمامةٍ لم تمطرِ
    يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ ... يتبعْ صداي صداكِ بين الأقبرِ
    وقال أيضاً:
    وإنِّي لأرضى من بثينةَ بالَّذي ... لو أبصرهُ الواشي لقرَّت بلابلهْ
    بلا وبأن لا أستطيعُ وبالمنى ... وبالأملِ المرجوِّ قد خابَ أملهْ
    وبالنَّظرة العجلى وبالحولِ: تنقضي ... أواخرهُ لا تنقضي وأوائلهْ
    وقال أيضاً:
    خليليَّ عوجا اليوم حتَّى تسلما ... على عذبةِ الأنيابِ طيَّبةِ النَّشرِ
    وبوحا بذكري عند بثنةَ وانظرا ... أترتاحُ يوماً أم تهشُّ إلى ذكري
    أعوذُ بك اللَّهمَّ أن تشحطَ النَّوى ... ببثنةَ في باقي حياتي ولا حشري
    وجاور إذا ما متُّ بيني وبينها ... فيا حبَّذا موتي إذا جاورتْ قبري
    هي البدرُ حسناً والنَّساءُ كواكبٌ ... وشتَّان مابين الكواكبِ والبدرِ
    لقد فُضِّلت ليلى على النَّاسِ مثلما ... على ألفِ شهرٍ فضِّلت ليلةُ القدرِ
    وقال أيضاً:
    وهاتيك أعلامٌ لبثنةَ قد بدتْ ... كأنَّ ذراها عمَّمتهُ سبيبُ
    طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ
    بعيدٌ على من ليس يطلبُ حاجةً ... وأمَّا على ذي حاجةٍ فقريبُ
    بثينةُ قالت: يا جميلُ أربتني ... فقلتُ: كلانا يا بثينَ مريبُ
    وأريبنا من لا يؤدَّي أمانةً ... ولا يحفظُ الأسرارَ حينَ يغيبُ
    وقال أيضاً:
    وماذا عسى الواشونَ أن يتحدَّثوا ... سوى أن يقولوا إنَّني لك عاشقُ
    نعم صدقَ الواشونَ أنتِ حبيبةٌ ... إلينا وإن لم تصفُ منكِ الخلائقُ
    يضمُّ عليَّ اللَّيلُ أطرافَ حبَّها ... كما ضمَّ أطرافَ القميصِ البنائقُ
    وقال قيس بن ذريح:
    وما حائماتٍ حُمنَ يوماً وليلةً ... على الماء يغشينَ العصيَّ حوانِ
    صوادي لا يصدُرن عنه لوجهةٍ ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دوانِ
    يرينَ حبابَ الماءِ والموتُ دونهُ ... فهنَّ لأصواتِ السُّقاةِ روانِ
    بأكثر منِّي غلَّةً وصبابةً ... إليك ولكنَّ العدوَّ عداني
    وقال أيضاً:
    تكادُ بلادُ الله يا أمَّ معمرٍ ... بما رحبتْ يوماً عليَّ تضيقُ
    تكذِّبني في الوُّدِّ لبنى فليتها ... تكلَّفُ منِّي مثلهُ فتذوقُ
    ولو تعلمينَ الغيبَ أيقنتِ أنَّني ... لكم والهدايا المشعراتِ صديقُ
    أذودُ سوامَ الطَّرفِ عنكِ وما لهُ ... إلى أحدٍ إلاَّ إليك طريقُ
    وإنِّي وإن حاولتِ صرمي وهجرتي ... عليكِ من أحداثِ الرَّدى لشفيقُ
    وحدَّثتني يا قلبُ أنَّك صابرٌ ... على الهجرِ من لبنى فسوفَ تذوقُ
    فمتْ كمداً أو عشْ سقيماً فإنَّما ... تكلِّفني ما لا أرى فتطيقُ
    صبوحي إذا ما ذرَّت الشَّمس ذكركمْ ... ولي ذكركُم عند المساءِ غبوقُ
    وقال أيضاً:
    تباكرُ أمْ تروحُ غداً رواحا ... ولن يسطيعَ مرتهنٌ براحا
    سقيمٌ لا يصابُ له دواءٌ ... أصابَ الحبُّ مقلتهُ فناحا
    وعذَّبه الهوى حتَّى براه ... كبري القينِ بالسَّفن القداحا
    وكادَ يذيقهُ جرعَ المنايا ... ولو سقَّاه ذلك لاستراحا
    وقال أيضاً:
    وإنِّي لأهوى النَّوم من غير نعسةٍ ... لعلَّ لقاءً في المنامِ يكونُ
    تحدِّثُني الأحلامُ أنِّي أراكمُ ... فياليتَ أحلامَ المنامِ يقينُ
    شهدتُ بأنِّي لم أحلْ عن مودَّةٍ ... وأنِّي بكم لو تعلمينَ ضنينُ
    وأنَّ فؤادي لا يلينُ إلى هوى ... سواكِ وإن قالوا: بلى سيلينُ
    وقال أيضاً:
    يبيتُ ويضحي كلَّ يومٍ وليلةٍ ... على منهجٍ تبكي عليه القبائلُ
    قتيلٌ للُبنى صدَّع الحبُّ قلبهُ ... وفي الحبِّ شغلٌ للمحبِّينَ شاغلُ
    وقال أيضاً:
    وفي عروةَ العُذريِّ ان متُّ أسوةٌ ... وعمرو بن عجلانَ الَّذي قتلت هندُ
    وبي مثل ما ماتا به غير أنَّني ... إلى أجلٍ لم يأتني وقتهُ بعدُ
    هلِ الحُبُّ إلا عبرةٌ بعد عبرةٍ ... وحرٌّ على الأحشاءِ ليسَ له بردُ
    وفيضُ دموعِ العين باللَّيل كلَّما ... بدا علمٌ من أرضكُمْ لم يكُن يبدو
    وقال أيضاً:
    ألا يا غرابَ البينِ قد طرتَ بالَّذي ... أحاذرُ من لبنى فهل أنت واقعُ
    كأنَّ بلاد الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الخلق وحش بلاقعُ
    أقضِّي نهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويجمعُني باللَّيلِ والهمَّ جامعُ
    نهاري نهارُ النَّاس حتَّى إذا دجا ... لي اللَّيلُ هزَّتني إليكِ المضاجعُ
    لقد ثبتت في القلبِ منكِ محبَّةٌ ... كما ثبتت في الرَّاحتين الأصابعُ
    وقال أيضاً:
    مضى زمنٌ والنَّاس يستشفعونّ لي ... فهل لي إلى لُبنى الغداة شفيعُ
    يقولون صبٌّ بالنِّساءِ موكَّلٌ ... وما ذاك من فعل الرِّجال بديعُ
    إلى الله أشكو نيَّةً شقَّتِ العصا ... هي اليومَ شتَّى وهي أمسِ جميعُ
    لعمرُك إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍ ... لعاصٍ لأمرِ المرشدينَ مضيعُ
    ندمتُ على ما كان منِّي فقدتُني! ... كما يندمُ المغبونُ حين يبيعُ
    إذا ما لحاني العاذلاتُ بحبِّها ... أبت كبدٌ مما أُجنُّ صديعُ
    وكيف أطيُع العاذلاتِ وحبُّها ... يؤرِّقني والعاذلات هجوعُ
    وقال أيضاً :
    لقد هتفت في جنحِ ليلٍ حمامةٌ ... على فننٍ وهناً وإنِّي لهائمُ
    كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاشقاً ... لما سبقتني بالبُكاء الحمائمُ!
    وقال قيس بن ذريح أيضاً:
    راحوا يصيدون الظِّباءَ وإنَّني ... لأرى تصيُّدها عليَّ حراما
    أشبهنَ منكِ سوالفاً ومدامعاً ... فأرى عليَّ لها بذاكَ ذماما
    أعزِز عليَّ بأن أروِّع شبهها ... أو أن يذُقنَ على يديَّ حماما
    وقال أيضاً قيس بن الملوح:
    أمزمعةٌ ليلى ببينٍ ولم تمت ... كأنَّك عما قد أظلّك غافلُ
    ستعلم إن شطت بهم غربةُ النَّوى ... وزالوا بليلى أنَّ عقلك زائلُ
    وقال أيضاً:
    وداعٍ دعا إذ نحنُ بالخيفِ من منىً ... فهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ وما يدري
    دعا باسمِ ليلى غيرها فكأنَّما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
    وقال أيضاً:
    ولم أرَ ليلى بعد موقفِ ساعةٍ ... ببطن منىً ترمي جمارَ المحصَّبِ
    ويبدي الحصى منها إذا قذفت بهِ ... من البُرد أطرافَ البنانِ المخضَّبِ
    فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كناظرٍ ... مع الصُّبح في أعقابِ ليلٍ مغرَّبِ
    ألا إنَّما غادرتِ يا أمَّ مالكٍ ... صدىً أينما تذهبْ به الرِّيحُ يذهبِ
    وقال عروة بن حزام:
    جعلتُ لعرَّافِ اليمامةَ حكمهُ ... وعرَّاف نجدٍ إن هما شفياني
    فما تركا من حيلةٍ يعرفانها ... ولا رقيةٍ إلا بها رقياني
    فقالوا: شفاكَ الله والله مالنا ... بما حملت منك الضُّلوع يدانِ
    فويلي على عفراء ويلاً كأنه ... على الصَّدر والأحشاء حدُّ سنانِ
    فعفراء أحظى الناس عندي مودَّة ... وعفراءُ عنِّي المعرضُ المتداني
    كأنَّ قطاة علِّقت بجناحها ... على كبدي من شدَّة الخفقانِ
    فياربِّ أنت المستعانُ على الَّذي ... تحمَّلتُ من عفراءَ منذُ زمانِ
    وإنِّي لأهوى الحشر إذ قيل إنَّني ... وعفراءَ يومَ الحشرِ ملتقيانِ
    تحمَّلتُ من عفراءَ ما ليسَ لي به ... ولا للجبال الرَّاسياتِ يدانِ
    وقال توبة بن الحميِّر:
    وهل تبكينْ ليلى إذا متُّ قبلها ... وقام على قبري النِّساء النوائحُ
    كما لو أصابَ الموت ليلى بكيتُها ... وجادَ لها دمعٌ من العينِ سافحُ
    وأغبطُ من ليلى بما لا أنالُهُ ... بلى كُلُّ ما قرَّت به العينُ صالحُ
    ولو أنَّ ليلى الأخيليَّة سلَّمت ... عليَّ وفوقي تربةٌ وصفائحُ
    لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقا ... إليها صدّىً من جانبِ القبرِ صائحُ
    وقال الصِّمَّة القشيريُّ:
    حننتَ إلى ريَّا ونفسكَ باعدتْ ... مزاركَ من ريَّا وشعباكُما معا
    فما حسنٌ أن تأتي الأمرَ طائعاً ... وتجزعَ أن داعي الصَّبابةِ أسمعا
    قفا ودِّعا نجداً ومن حلَّ بالحمى ... وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يودَّعا
    بكتْ عيني اليُسرى فلمّا زجرتُها ... عن الجهلِ بعد الحلمِ أسبلتا معا
    ولما رأيتُ البِشرَ أعرضَ دُوننا ... وجالتْ بناتُ الشَّوقِ يحننّ نزعا
    تلَّفتُّ نحو الحيِّ حتَّى وجدتني ... وجعتُ من الإصغاءِ ليتاً وأخدعا
    وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدَّعا
    فليست عشيَّاتُ الحمى برواجعٍ ... إليكَ ولكن خلِّ عينيك تدمعا
    وقال جرير بن الخطفي:
    تغالى فوق أجرعِكَ الخزامى ... بنورٍ واستهلَّ بك الغمامُ
    متى كان الخيامُ بذي طلوحٍ ... سُقيت الغيثُ أيَّتها الخيامُ
    ومن أمسى وأصبحَ لا أراه ... ويطرقُني إذا هجعَ النِّيامُ
    أتنسى يومَ تصقلُ عارضيها ... بفرعِ بشامةٍ؟ سُقي البشامُ!
    فلو وجد الحمامُ كما وجدنا ... بسلمانينَ لاكتأب الحمامُ
    فما وجدٌ كوجدكِ يومَ قالوا ... على ربعٍ بناظرة السّلامُ
    وقال عروة بن أذينة:
    إنَّ الَّتي زعمت فؤادك ملَّها ... خُلقِت هواك كما خلقتَ هوىً لها
    بيضاءُ باكرها النَّعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقَّها وأجلَّها
    منعتْ تحيَّتها فقلتُ لصاحبي ... ما كانَ أكثرها لنا وأقلَّها
    فدنا وقال: لعلَّها معذورةٌ ... في بعضِ رقبتها فقلت: لعلَّها
    فإذا وجدت لها وساوسَ سلوةٍ ... شفعَ الضَّميرُ لها إليَّ فسلَّها
    ولعمرُها لو كانَ حُبُّكَ فوقها ... يوماً وقد ضحِيت إذاً لأظلَّها
    وقال أيضاً:
    إذا وجدتُ أُوارَ الحبَّ في كبدي ... أقبلتُ نحو سقاءِ القومِ أبتردُ
    هوىً بردتُ ببردِ الماءِ ظاهرهُ ... فمن لحرٍّ على الأحشاء يتَّقدُ
    وقال أيضاً:
    قالت وأبثثتُها شجوي وبحتُ به: ... قد كنت عندي تحبُّ السِّتر فاستترِ
    ألستَ تبصرُ من حولي؟ فقلتُ لها: ... غطَّى هواكِ وما ألقى على بصري
    وقال أيضاً:
    يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ
    وأن الماء الَّذي شربت به ... سليمى وقد ملَّ السُّرى كلُّ واخدِ
    وألصق أحشائي ببرد ترابها ... وإن كان مخلوطاً بسمِّ الأساودِ
    وقال كثيِّر بن عبد الرَّحمن:
    خليليَّ هذا ربع عزَّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمَّ ابكيا حيث حلَّتِ
    وما كنتُ أدري قبل عزَّة ما البكا ... ولا موجعات البين حتَّى تولَّتِ
    وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذراً فأوفت وحلَّتِ
    فقلت لها: يا عزُّ، كلُّ مصيبة ... إذا وطِّنت يوماً لها النَّفس ذلَّتِ
    ولم يلقَ إنسان من الحبِّ ميعة ... تغمُّ ولا غمَّاء إلاَّ تجلَّتِ
    كأنِّي أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصُّمِّ لو تمشي بها العصم زلَّتِ
    أباحتْ حمىً لم يرعهُ النَّاسُ قبلها ... وحلَّت تلاعاً لم تكن قبل حلَّتِ
    وكنتُ كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجلٌ رمى فيها الزَّمان فشلَّتِ
    هنيئاً مريئاً غير داءِ مخامرٍ ... لعزَّة من أغراضنا ما استحلَّتِ
    فلا يحسبِ الواشونَ أنَّ صبابتي ... بعزَّة كانت غمرةً فتجلَّتِ
    فو اللهِ ثمَّ اللهِ ما حلَّ قبلها ... ولا بعدَها من خُلَّة حيثُ حلَّتِ
    ولا مرَّ من يومٍ عليَّ كيومها ... وإن عظُمت أيَّام أُخرى وجلَّتِ
    فيا عجباً للقلبِ كيفَ اعترافُهُ ... وللنَّفسِ لمَّا وطِّنتْ كيف ذلَّتِ
    وإنَّي وتهيامي بعزَّةَ بعدما ... تخلَّيتُ ممَّا بيننا وتخلَّتِ
    لكالمرتجي ظلَّ الغمامة: كلَّما ... تبوَّأ منها للمقيل اضمحلَّتِ
    وقال أيضاً:
    لا تغدرنَّ بوصلِ عزَّة بعدما ... أخذتْ عليكَ مواثقاً وعهودا
    إنَّ المحبَّ إذا أحبَّ حبيبهُ ... صدقَ الصَّفاء وأنجزَ الموعودا
    الله يعلمُ لو أردتُ زيادةً ... في حبِّ عزَّة ما وجدتُ مزيدا
    رهبانُ مكَّةَ والَّذين رأيتهمْ ... يبكونَ من حذرِ العذابِ قعودا
    لو يسمعونَ كما سمعتُ كلامها ... خرَّوا لعزَّةَ خاشعينَ سجودا
    وقال أيضاً:
    وأدنيتني حتَّى إذا ما سبيتني ... بقولٍ يحلُّ العصمَ سهلَ الأباطحِ
    تناءيتِ عنِّي حينَ لا لي حيلةً ... وغادرتِ ما غادرتِ بين الجوانحِ
    وقال آخر:
    هل ركبُ مكَّة حاملونَ تحيَّةً ... تهدى إليها من مغنًّى مغرمِ
    عطفَ الجفونَ على كرىً متبدِّدٍ ... وحنى الضُّلوعَ على جوىً متضرِّمِ
    إن لم يبلِّغك الحجيجُ فلا رموا ... بالجمرتينِ ولا سُقُوا من زمزمِ!
    ورموا ببائقةِ الفراقِ فإنَّها ... سلمُ السُّهاد وحربُ يوم السُّلمِ
    ألوت بأربد عن لبيدٍ واعتدت ... لابني نويرة مالكٍ ومتمِّمِ
    وقال آخر:
    كفى حزناً ألاَّ يزالَ يعودني ... على النَّأيِ طيفٌ من خيالكِ يا نُعمُ
    وأنتِ مكانُ النَّجمِ منَّا وهل لنا ... من النَّجم إلاَّ أن يقابلنا النَّجمُ
    وقال آخر:
    إذا الصَّبُّ الغريبُ رأى خشوعي ... وأنفاسي تزيَّن بالخُشوعِ
    ولي عينٌ أضرِّ بها التفاتي ... إلى الأجزاعِ مطلقةُ الدُّموعِ
    إلى الخلواتِ يامنَ فيكِ نفسي ... كما أنِسَ الوحيدُ إلى الجميعِ
    وقال آخر:
    طرقتكَ سُعدى بين شطَّي بارقِ ... أهلاً بطيفِ خيالها من طارقِ
    يا دارَ حنظلةَ المهيجَ لي الأسى ... هل تستطيعُ دواءَ داءِ العاشقِ
    فلقد تركتَ القلبَ مني هائماً ... صباً بحبِّك كالجناحِ الخافقِ
    وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي:
    ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجدِ ... لقد زادني مسراكَ وجداً على وجدي
    أأن هتفتْ ورقاءُ في رونقِ الضُّحى ... على فننٍ غضِّ النَّبات من الرَّندِ
    بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم تكنْ ... جليداً وأبديتَ الَّذي لم تكن تُبدي
    وقد زعموا أن المحبَّ إذا دنا ... يملّ وأنَّ النَّأي يشفي من الوجدِ
    بكلٍّ تداوينا فلم يُشفَ ما بنا ... على أنَّ قربَ الدَّار خيرٌ من البعدِ
    على أنَّ قربَ الدَّار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواهُ ليس بذي ودِّ
    وقال أيضاً:
    ألا لا أرى وادي المياهِ يثيبُ ... ولا النَّفسُ عن وادي المياهِ تطيبُ
    أحبُّ هبوطَ الواديينِ وإنَّني ... لمشتهرٌ بالواديينِ غريبُ
    أحقَّاً عبادَ الله أن لستُ وارداً ... ولا صادراً إلاَّ عليَّ رقيبُ
    ولا زائراً وحدي ولا في جماعة ... من النَّاس إلاَّ قيل أنت مريبُ
    وهل ريبةٌ في أنْ تحنَّ نجيبةٌ ... إلى إلفها أو أن يحنَّ نجيبُ
    وإنَّ الكثيبَ الفردَ من جانبِ الحمى ... إليَّ وإن لم آتهِ لحبيبُ
    وقال أيضاً:
    تمارضتِ كي أشجى وما بك عِلَّةٌ ... تريدينَ قتلي قد رضيت بذلكِ
    لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرَّني أنَّي خطرتُ ببالكِ
    وقال أيضاً:
    أفي كلِّ يومٍ أنت رامٍ بلادها ... بعينين إنساناهُما غرقانِ
    إذا اغرورقتْ عيناي قال صحابتي: ... لقد أولعت عيناكَ بالهملانِ
    ألا فاحملاني باركَ الله فيكما ... إلى حاضرِ الرَّوحاءِ ثمَّ دعاني
    وقال أبو صخر الهذليّ:
    أما والَّذي أبكى وأضحكَ والَّذي ... أماتَ وأحيا والَّذي أمرهُ أمرُ
    لقد كنتُ آتيها وفي النَّفسِ هجرُها ... بتاتاً لأخرى الدَّهرِ ما طلعض الفجرُ
    فما هو إلاَّ أن أراها فجاءةً ... فأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
    أبى القلبُ إلاَّ حبَّها: عامريَّة ... لها كنيةٌ " عمرو " وليسَ لها عمرو
    تكادُ يدي تندى إذا ما لمستُها ... وتنبتُ في أطرافِها الورقُ النُّضرُ
    عجبتُ لسعيِ الدَّهرِ بيني وبينها ... فلمَّا انقضى ما بيننا سكنَ الدَّهرُ
    هجرتكِ حتَّى قيل ما يعرِفُ الهوى ... وزرتكِ حتَّى قيل ليسَ له صبُر
    وقال عمرو بن ضبيعة الرَّقاشي:
    ألا ليقلْ من شاءَ ما شاءَ إنَّما ... يلامُ الفتى فيما استطاعَ من الأمرِ
    قضى الله حبَّ المالكيَّة فاصطبر ... عليهِ فقد تجري الأمورُ على قدرِ
    وقال غيره:
    هلا شهدتَ لياليَ التَّشريقِ ... بمنّى وطيبَ نسيمها الموموقِ
    والنَّارُ تضرمُ في قبائلَ مكَّةٍ ... والنَّاسُ قد نزلُوا بكلِّ طريق
    حتَّى إذا بعدوا صبيحةَ بينهم ... ذهبوا بمهجةِ شائقٍ ومشوقِ
    وقال يزيد بن الطَّثريَّة:
    عقيليَّةٌ أمَّا ملاثُ إزارها ... فدعصٌ وأمَّا خصرُها فبتيلُ
    تقيَّظُ أكنافَ الحمى ويظلُّها ... بنعمانَ من وادي الأراكِ مقيلُ
    أليسَ قليلاً نظرةُ إن نظرتُها ... إليكِ؟ وكلاَّ ليس منكِ قليلُ
    فيا خلَّة النَّفس الَّتي ليسَ دونها ... لنا من أخلاءِ الصَّفاءِ خليلُ
    ويا من كتمنا حبَّهُ لم يطع بهِ ... عذولٌ ولم يؤمن عليهِ دخيلُ
    أما من مقامٍ أشتكي غُربةَ النَّوى ... وخوفَ العدا فيه إليكِ سبيلُ
    فديتكِ أعدائي كثيرٌ وشقَّتي ... بعيدٌ وأشياعي لديكِ قليلُ
    وكنتُ إذا ما جئتُ جئتُ لعلَّةٍ ... فأفنيتُ عِلاَّتي فكيفَ أقولُ؟
    فما كلَّ يومٍ لي بأرضكِ حاجة ... ولا كلَّ وقتٍ لي إليك سبيلُ
    وقال ذو الرُّمَّة:
    ألا يا اسلمي يا دارُ ميَّ على البلى ... ولازال منهلاًّ بجرعائكِ القطرُ
    وإن لم تكوني غير شامٍ بقفرةٍ ... تجرُّ بها الأذيالَ صيفيَّةٌ كدرُ
    أقامت به حتَّى ذوى العودُ في الثَّرى ... وساق الثُّريَّا في ملاءتهِ الفجرُ
    تميميَّةٌ حلاَّلةٌ كلَّ شتوةٍ ... بحيث التقى الصَّمَّانُ والعقدُ العفرُ
    لها بشرٌ مثلَ الحريرِ ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
    وعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولانِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ
    وقال آخر:
    هل الوجدُ إلاَّ أنَّ قلبي لو دنا ... من الجمرِ قيد الشِّبرِ لاحترقَ الجمرُ
    أفي الحقِّ أنِّي مغرمٌ بكِ هائمٌ ... وأنَّك لا خلٌ لديَّ ولا خمرُ
    فإن كنتُ مطلوباً فلا زلتُ هكذا ... وإن كنتُ مسحوراً فلا برأ السِّحرُ
    وقال آخر:
    لمَّا تبدَّت من الأستارِ قلتُ لها: ... سبحانَ سبحانَ ربِّي خالقِ الصُّورِ
    ما كنتُ أحسب شمساً غير واحدةٍ ... حتَّى رأيتُ لها أختاً من البشرِ
    كأنَّها هي إلاَّ أن يفضُّلها ... حسنُ الدَّلالِ وطرفٌ فاترُ النَّظرِ
    وقال أعرابيٌّ:
    إذا احتجبت لم يكفكَ البدرُ ضوءها ... وتكفيكَ ضوءَ البدرِ إن حُجبَ البدرُ
    وما الصَّبرُ عنها إن صبرتُ وجدتهُ ... جميلاً، وهل في مثلِها يحسنُ الصَّبرُ
    وحسبُكَ من خمرٍ يفوتكَ ريقها ... وواللهِ ما من ريقها حسبُكَ الخمرُ
    ولو أنَّ جلد الذَّرِّ لامسَ جلدها ... لكانَ للمسِ الذَّرِّ في جِلدها أثرُ
    وقال ابن أبي عيينة:
    أرى عهدهَا كالوردِ ليسَ بدائمٍ ... ولا خيرَ فيمن لا يدومُ له عهدُ
    وعهدي لها كالآسِ حُسناً ونضرةً ... له نَضرةٌ تبقى إذا فنيَ الوردُ
    فقلتُ لأصحابي: هي الشّمسُ، ضوءها ... قريبٌ ولكن في تناولها بعدُ
    وحدَّثتني يا سعدُ عنها فزدتني ... جُنوناً فزدنِي من حديثِكَ يا سعدُ
    هواها هوىً لم تعرفِ النَّفس مثله ... فليسَ له قبلٌ وليسَ لهُ بعدُ
    وقال أيضاً:
    ضيَّعت عهدَ فتىً لعهدكِ حافظٍ ... في حفظهِ عجبٌ وفي تضييعكِ
    ونأيتِ عنه فماله من حيلةٍ ... إلاَّ الوقوفُ إلى أوانِ رجوعكِ
    متخشَّعاً يذري عليكَ دموعهُ ... أسفاً ويعجبُ من جمودِ دموعكِ
    إن تقتليهِ وتذهبي بفؤادِهِ ... فبحُسن وجهكِ لا بحُسنِ صنيعكِ
    وقال أيضاً:
    أنا الفارغُ المشغولُ والحبُّ آفتي ... ألا فاسألوني عن فراغي وعن شُغلي
    عجبتُ لتركِ الحبِّ دُنيا خليَّةً ... وإعراضهُ عنها وإقبالهُ قبلي
    وما بالُها لمَّا كتبتُ تهاونت ... بكتبي وقد أرسلتُ فانتهرتْ رُسلي
    وقد حلفت ألاَّ تخطَّ بكفِّها ... إلى قابلٍ خطّاً إليَّ ولا تملي
    أبخلٌ علينا كلُّ ذا وقطيعةٌ ... رضيتُ لذنبي بالقطيعةِ والبخلِ
    سلوا قلبَ دنيا كيفَ أطلقهُ الهوى ... فقد كانَ في غلٍّ وثيقٍ وفي كبلِ
    فيا طيبَ طعمِ العيشِ إذ هي جارةٌ ... وإذ نفسُها نفسي وإذ أهلُها أهلي
    فقد عفتِ الآثارُ بيني وبينها ... وقد أوحشت منِّي إلى دارها سُبلي
    ولمَّا ذكرتُ الحبَّ بعد فراقِها ... قضيتُ على أمِّ المحبِّين بالثُّكلِ
    وأصبحتُ معزولاً وقد كنتُ والياً ... وشتَّان ما بينَ الولايةِ والعزلِ
    وقال خالد بن يزيد بن معاوية:
    أليس يزيدُ السَّيرُ في كلِّ ليلةٍ ... وفي كلِّ يومٍ من أحبّتنا قربا
    تجول خلاخيلُ النِّساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجولُ ولا قلبا
    فلا تكثروا فيها الملامَ فإنَّني ... تخيَّرتها منهم زبيريَّةٌ قلبا
    أحبُّ بني العوَّام طرّاً لحبِّها ... ومن أجلها أحببتُ أخوالها كلبا
    إذا نزلت أرضاً تحبِّبُ أهلّها ... إليها وإن كانت منازِلها جدبا
    وقال الحكم بن قنبرٍ:
    ويلي على من أطارَ النَّومَ فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعهِ وجعا
    ظبيٌ أغنُّ ترى في وجههِ سرجاً ... تُعشي العيونَ إذا ما نورهُ سطعا
    كأنَّما الشَّمس في أثوابهِ بزغتْ ... حُسناً أو البدرُ من أزرارهِ طلعا
    مستقبلٌ بالَّذي يهوى وإن كثرتْ ... منه الإساءةُ محموداً بما صنعا
    في وجههِ شافعٌ يمحو إساءتهِ ... من القلوبِ وجيهٌ حيثُ ما شفعا
    وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
    أراني الله يا سلمى حياتي ... وفي يومِ الحسابِ كما أراكِ
    ألا تجزينَ من تيمتِ عصراً ... ومن لو تطلبينَ له قضاكِ
    ومن لو متِّ ماتَ ولا تموتي! ... ولو أُنسي له أجلٌ بكاكِ
    ومن لو كانَ يعطى ما تمنَّى ... من الدَّنيا العريضةِ ما عداكِ
    ومن لو قلتِ: متْ، وأطاق موتاً ... إذاً ذاق المماتَ وما عصاكِ
    أثيبي مغرماً قلقاً معنًّىً ... إذا خدِرت له قدمٌ دعاكِ!
    وقال العبَّاس بن الأحنف:
    أغيبُ عنكِ بودٍّ ما يغيِّره ... نأيُ المحلِّ ولا صرفٌ من الزَّمنِ
    فإن أعشْ فلعلَّ الدَّهرَ يجمعنا ... وإن أمتْ فقتيل الهمِّ والحزنِ
    قد حسَّن الله في عينيَّ ما صنعت ... حتَّى أرى حسناً ما ليس بالحسن!ِ
    وقال أيضاً:
    إن يمنعوني ممرِّي قربَ دارهمُ ... فسوف أنظرُ من بُعدٍ إلى الدَّارِ
    سيما الهوى شهرت حتَّى عُرِفت بها ... إنِّي محبٌّ وما بالحبِّ من عارِ
    ما ضرَّ جيرانهم والله يصلحهم ... لولا شقائي إقبالي وإدباري
    لا يقدرُون على منعي وإن جهدوا ... إذا مررتُ وتسليمي بإجهارِ
    وقال أيضاً: :من السريع "
    قلبي إلى ما ضرَّني داعِ ... يكثرُ أسقامي وأوجاعي
    وقلَّ ما أبقى على ما أرى ... يُوشكُ أن ينعاني النَّاعي
    كيفَ احتراسي من عدوٍّ إذا ... كان عدوِّي بين أضلاعي؟
    وقال أيضاً:
    جرى السَّيل فاستبكانيَ السَّيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيَّ غروبُ
    وما ذاكَ إلاَّ أن تيقَّنتُ أنَّه ... يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريبُ
    يكونُ أُجاجاً دونكمْ فإذا انتهى ... إليكم تلقَّى طيبكمْ فيطيبُ
    فيا ساكني شرقيَّ دجلة كلكمْ ... إلى القلبِ من أجلِ الحبيب حبيبُ!
    وقال أيضاً:
    نزفَ البكاءُ دموعَ عينكَ فاستعر ... عيناً لغيركِ دمعُها مدرارُ
    من ذا يعيركَ عينهُ تبكي بها ... أرأيتَ عيناً للبكاءِ تعارُ؟
    وقال أيضاً:
    هي الشَّمسُ مسكنُها في السَّماءِ ... فعزَّ الفؤاد عزاءً جميلا
    فلن تستطيعَ إليها الصُّعودَ ... ولن تستطيع إليكَ النُّزولا
    وقال أيضاً:
    لقد شقينا لأن دُمنا كذا أبدا ... إذا سعينا لإصلاحِ الهوى فسدا
    ما تطرفُ العينُ إلاَّ وهي باكيةٌ ... لو كنتُ أبكي بماءِ البحرِ قد نفدا
    يا ربَّ ذي حسدٍ لي فيك يظهرهُ ... لو كانَ يعلمُ حظِّي منكَ ما حسدا
    وقال أيضاً:
    قالت: مرضتُ فعدتها فتبرَّمتْ ... وهي الصَّحيحةُ والمريضُ العائدُ
    والله لو أنَّ القلوبَ كقلبها ... ما رقَّ للولدِ الصَّغيرِ الوالدُ
    إن كانَ ذنبي في الزِّيارةِ فاعلمي ... إنِّي على كسبِ الذُّنوب لجاهدُ
    ألقيتَ بينَ جفونِ عيني فرقةً ... فإلى متى أنا ساهرٌ يا راقدُ
    يقعُ البلاءُ وينقضي عن أهلهِ ... وبلاءُ حبِّكِ كلَّ يومٍ زائدُ
    سمَّوكِ قومٌ لي وقالوا: إنَّها ... لهيَ الَّتي تشقى بها وتكابدُ
    فجحدتُهم ليكونَ غيرك ظنَّهم ... إنِّي ليعجبني المحبُّ الجاحدُ
    لمَّا رأيتُ الصُّبح سدَّ طريقهُ ... عنِّي وعذَّبني الظَّلامُ الرَّاكدُ
    والنَّجمُ في كبدِ السَّماءِ كأنَّه ... أعمىً تحيَّر ما لديه قائدُ
    ناديتُ من أهواهُ: رفقاً بي فقد ... رقَّ العدوُّ لحالتي والحاسدُ
    وقال أيضاً:
    حرٌّ دعاهُ الهوى سرّاً فلبَّاه ... طوعاً فأضحكَ مولاهُ وأبكاهُ
    فشاهدتْ بالَّذي تُخفي لواحظهُ ... وعذلتها بفيضِ الدَّمعِ عيناهُ
    جازيتني إذ رعيتُ بالودَّ بعدك أن ... وكَّلت طرفي بنجم اللَّيلِ يرعاهُ
    الله يعلمُ أنَّي لم أخُنكِ هوىً ... كفاكِ بيِّنةً أن يشهدَ الله
    وقال أيضاً:
    نامَ من أهدى لي الأرقا ... مستريحاً سامني قلقا
    لو يبيتُ النَّاس كلُّهمُ ... بسهادي بيَّضَ الحدقا
    كان لي قلبٌ أعيشُ به ... فاصطلى بالحبِّ فاحترقا
    أنا لم أرزقْ مودَّتها ... إنَّما للعبدِ ما رُزقا
    وقال أيضاً:
    أحرمُ منكم بما أقولُ وقد ... نال بهِ العاشقونَ من عشقوا
    صرتُ كأنَّي ذبالةٌ نُصبت ... تضيءُ للنَّاسِ وهي تحترقُ!
    وقال أيضاً:
    قد سحبَ النَّاس أذيالَ الظُّنونِ بنا ... وفرَّق النَّاسُ فينا قولهم فرقا
    فكاذبٌ قد رمى بالظَّنِّ غيركمُ ... وصادقٌ ليس يدري أنَّه صدقا
    وقال أيضاً: " من البسيط:
    يا من لظمآنَ يغشى الماءَ قد منعوا ... منهُ الورودَ ولا يبقى على الصَّدرِ
    يخفي الهوى وهو لا يخفى على أحدٍ ... أنَّى لمشتهرٍ من غير مشتهرِ
    إذا كتبتُ كتاباً لم أجد ثقةً ... يُنهي الكتابِ ويأتي عنكِ بالخبرِ
    إن أردتُ انتصاراً كان ناصرُكُم ... قلبي فما أنا من قلبي بمنتصرِ
    لو كان قلبي سعيداً لم يكن كلِفاً ... قلبي بمن قلبهُ أقسى من الحجرِ
    إن أحسنَ الفعلَ لم يُظهر تعمُّدهُ ... وإن أساءَ تمادى غير مُعتذرِ
    هل تذكرينَ ... فدتك النَّفسُ مجلسنا يوم التقينا فلم أنطق من الحذرِ
    لا أرفعُ الطَّرفَ حولي من مراقبةٍ ... بُقيا عليكِ وبعضُ الحزمِ في الحذرِ
    قالت: قعدتَ فلم تنظُر فقلتُ لها: ... شغلتِ قلبي فلم أقدرْ على النظرِ
    أوفى هواك على قلبي فدلَّههُ ... والقلبُ أعظمُ سلطاناً من البصرِ
    لا عارَ في الحبِّ إن الحبَّ مكرمةٌ ... لكنَّه ربَّما أزرى بذي الخطرِ
    وضعتُ خدِّي لأدنى من يطيفُ به ... حتَّى حُقرتُ وما مثلي بمحتقرِ
    وقال أيضاً:
    قد رقَّ أعدائي لمَّا حلَّ بي ... فليتَ أحبابي كأعدائي
    أمَّلت بالهجرانِ لي راحةً ... من زفراتٍ بين أحشائي
    فازدادَ جهدِي وبلائي به ... أنا الَّذي استشفيت بالدَّاءِ
    وقال أيضاً:
    وصالكمُ صرمٌ وحبُّكم قلىً ... وعطفكمُ صدٌّ وسلمكمُ حربُ
    وأنتم بحمدِ الله ... فيكم فظاظةٌ فكلُّ ذلولٍ من جوانبكُم صعبُ
    إذا ما رأتكِ العينُ من بعد غايةٍ ... وعارضَ فيك الشكُّ أثبتكِ القلبُ
    ولو أنَّ ركباً يمَّموك لقادهُم ... نسيمُك حتَّى يستدلَّ بك الرَّكبُ
    وقال أيضاً:
    حلَّت رخاصُ ديارَ الحيِّ من مضرٍ ... فكلُّ شيء له من حُسنها كاسِ
    لو يقسمُ الله جزءاً من محاسنها ... في النَّاسِ طرّاًلتمَّ الحسنُ في النَّاسِ
    ما أسمجَ النَّاس في عيني وأقبحهم ... إذا نظرتُ فلم أبصرك في النَّاسِ
    لو كنتُ أدعو بما أدعو به وعلاً ... أجابني من أعالي الشَّاهقِ الرَّاسي
    يا قادحَ الزَّند قد أعيت قوادحهُ ... اقبس إذا شئتَ من قلبي بمقباسِ
    وقال آخر:
    كيف يخفى نحولُ من كادَ يخفى ... هل ترى لي إلاَّ لساناً وطرفا
    كيف أبقى والجسم يزدادُ ضعفاً ... كلَّ يومٍ والسُّقمُ يزدادُ ضعفا
    فسقى الله كلَّ كأسِ سرورٍ ... من سقاني كأسَ المنيَّة صرفا
    وقال آخر:
    قد سمعتُم أنينهُ من بعيدٍ ... فاطلبوا الشَّخص حيثُ كانَ الأنينُ
    ما تراهُ العيونُ إلاَّ ظنوناً ... هو أخفى من أن تراهُ العيونُ
    لم يعشْ أنَّهُ جليدٌ ولكن ... طلبتهُ فلم تجدهُ المنونُ!
    وقال بشَّار بن برد:
    كأنَّها حين راحت في مجاسدها ... فارتَّج أسفلُها واهتزَّ أعلاها
    حوراءُ جاءت من الفردوسِ مقبلةٌ ... كالشَّمسِ طلعتُها والمسكِ ريَّاها
    راحتْ ولم تعطهِ بُرءاً لعلَّته ... منها ولو سألتهُ النَّفسَ أعطاها
    من اللَّواتي اكتست بُرداً وشقَّ لها ... من حسنهِ الحسنُ سربالاً فردَّاها
    تغمُّهُ نفسهُ من طولِ صبوتهِ ... حتَّى لو اجتمعت في الكفِّ ألقاها
    ما شهدَ القومَ إلا ظلَّ يذكرُها ... ولا خلا ساعةُ إلاَّ تمنَّاها
    وقال أيضاً:
    عجبتْ فطمةُ من نعتي لها ... هل يجيدُ النَّعت مكفوفُ البصرْ
    بنتُ عشرٍ وثلاثٍ قُسِّمت ... بين دعصٍ وكثيبٍ وقمرْ
    درَّةٌ بحريَّةٌ مكنونةٌ ... مازها التَّاجرُ من بينِ الدُّررْ
    أذرتِ الدَّمعَ وقالت: ويلتي ... من ولوعِ القلبِ ركَّابِ الخطرْ
    أمَّتا بدَّد هذا لُعبي ... ووشاحي حلَّه حتَّى انتثرْ
    فدعوني معه يا أمَّتا ... علَّنا في خلوةٍ نقضي الوطرْ
    أقبلتْ في خلوةٍ تضربُها ... واعتراها كجنونٍ مستعرْ
    بأبي واللهِ ما أحسنهُ ... دمعَ عينٍ غسلَ الكحلَ قطرْ
    أيُّها النُّوام هبُّوا ويحكم ... وسلُوني اليومَ ما طعمُ السَّهرْ!
    وقال أيضاً:
    يا قوم أُذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ ... والأذن تعشقُ قبلَ العينِ أحيانا
    قال: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لها: ... الأذنُ كالعينِ توفي القلبَ ما كانا !
    ياليتني كنتُ تُفاحاً براحتها ... أو كنتُ من قُضُبِ الرَّيحان ريحانا
    حتَّى إذا استنشقت ريحي وأعجبَها ... ونحنُ في خلوةٍ حوِّلتُ إنسانا!
    وقال أيضاً:
    أيُّها السَّاقيانِ صُبَّا شرابي ... واسقياني من ريقِ بيضاءَ رودِ
    إنَّ دائي الصَّدى وإنَّ شفائي ... شربةٌ من رضابِ ثغرِ برودِ
    عندها الصَّبرُ عن لقائي وعندي ... زفراتٌ يأكلنَ قلبَ الجليدِ
    ولها مبسمٌ كنورِ الأقاحي ... وحديثٌ كالوشي وشيِ البرودِ
    نزلت في السَّوادِ من حبَّةِ القل ... ب ونالت زيادة المستزيدِ
    ثمَّ قالت: نلقاكَ بعد ليالٍ ... واللَّيالي يبلينَ كلَّ جديدِ
    ما أبالي من صدّ عنَّي بوصلٍ ... إن قضى منكِ لي يومَ جودِ
    وقال أيضاً:
    تُلقى بتسبيحةٍ من حُسنِ ما خلقت ... وتستفزُّ حشا الرَّائي بإرعادِ
    كأنَّما صوَّرت من ماءِ لؤلؤةٍ ... فكلُّ جارحةٍ وجهٌ لمرصادِ
    وقال أيضاً:
    درَّةٌ حيثما أُديرت أضاءت ... ومشمٌّ من حيثُ ما شُمَّ فاحا
    وجناتٌ قال الإلهُ لها كو ... ني فكانت رُوحاً ورَوحاً وراحا
    وقال أيضاً أبو الشيص:
    وقف الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي ... متأخَّرٌ عنهُ ولا متقدَّمُ
    أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حبّاً لذكركِ فليلُمني اللُّوَّمُ
    أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبُّهم ... إذ كانَ حظَّي منك حظَّي منهمُ!
    وأهنتني فأهنتُ نفسي جاهداً ... ما من يهونُ عليكِ ممَّن أكرمُ
    وقال أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم:
    يا إخوتي إنَّ الهوى قاتلي ... فيسِّروا الأكفانَ من عاجلِ
    لا تعذلوني في اتِّباعِ الهوى ... فإنِّني في شغلٍ شاغلِ
    عيني على عتبةَ منهلَّة ... بدمعِها المُنسكبِ السَّائلِ
    يا من رأى قبلي قتيلاً بكى ... من شدَّةِ الوجدِ على القاتلِ
    لم يبقَ لي من حُبِّها ما خلا ... حشاشةً في بدنٍ ناحلِ
    كأنَّها من حُسنِها درَّةٌ ... أخرجَهَا البحرُ إلى السَّاحلِ
    كأنَّ في فيها وفي طرفِها ... سواحراً أقبلنَ من بابلِ
    مددتُ كفِّي نحوكمْ سائلاً ... ماذا تردُّون على السَّائلِ
    إن لم تنيلوهُ فقولوا له ... قولاً جميلاً بدلَ النَّائلِ
    أو كنتُم العامَ على عُسرةٍ ... منهُ فمنُّوهُ إلى قابلِ
    وقال أبو حفص الشَّطرنجي، وتروى للعبَّاس بن الأحنف:
    تحبَّبْ فإنَّ الحبَّ داعيةُ الحبِّ ... وكم من بعيدٍ وهو مستوجبُ القربِ
    إذا لم يكن في الحبِّ سخطُ ولا رضاً ... فأين حلاواتُ الرَّسائل والكتبِ
    تفكَّر فإن حدِّثتَ أنَّ أخا هوى ... نجا سالفاً فارجُ النَّجاة من الحبِّ
    وأطيبُ أيَّام الهوى يومك الَّذي ... تروَّع بالهجرانِ فيهِ وبالعتبِ
    وقال حبيب بن أوس الطَّائي:
    البينُ جرَّعني نقيعَ الحنظلِ ... والبينُ أثكلني وإن لم أثكلِ
    ما حسرتي أن كدتُ أقضي إنَّما ... حسراتُ نفسي أنَّني لم أفعلِ
    نقَّل فؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلاَّ للحبيبِ الأوَّلِ
    كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى ... وحنينهُ أبداً لأوَّلِ منزلِ
    وقال أيضاً:
    غدتْ تستجيرُ الدَّمعَ خوفَ نوى غدِ ... وعاد قتاداً عندها كلُّ مرقدِ
    وأنقذها من غمرةِ الموت أنَّهُ ... صدودُ فراقٍ لا صدودُ تعمُّدِ
    فأجرى لها الإشفاقُ دمعاً موَّرداً ... من الدَّمعِ يجري فوق خدٍّ مورَّدِ
    هي البدرُ يُغنيها تودُّد وجهِها ... إلى كُلِّ من لاقت وإن لم تودَّدِ
    وقال أيضاً، مَّما ثبت في نوادر أبي عليٍّ القاليّ:
    سقيمٌ لا يموتُ ولا يفيقُ ... قد أقرحَ جفنهُ الدَّمعُ الطَّليقُ
    شديدُ الحزنِ يحزنُ من رآه ... أسيرُ الصَّبرِ ناظرهُ أريقُ
    ضجيعُ صبابةٍ وحليفُ شوقٍ ... تحمَّل قلبهُ ما لا يطيقُ
    يظلُّ كأنَّه ممَّا احتواه ... يسعَّر في جوانبهِ الحريقُ
    وقال أبو عبادة البحتري:
    رأى البرقَ مجتازاً فباتَ بلا لبٍّ ... وأصباه من ذكرى البخيلةِ ما يُصبي
    وقد عاجَ في أطلالها غير ممسكٍ ... لدمعٍ، ولا مصغٍ إلى عدل الرَّكبِ
    وكنتُ جديراً حين أعرفُ منزلاً ... لآل سليمى أن يُعنِّفني صحبي
    عدتني عوادي البُعد عنها وزادني ... بها كلفاً أنَّ الوداع على عتبِ
    وبي ظمأ لا يملكُ الماءُ دفعهُ ... إلى نهلةٍ من ريقها الخصرِ العذبِ
    تزوَّدتُ منها نظرةً لم تجد بها ... وقد يؤخذُ العلق المُمنَّع بالغصبِ
    وما كان حظُّ العين في ذاك بُغيتي ... ولكن رأيتُ العينَ ترمي إلى القلبِ
    وقال أيضاً:
    بات نديماً لي حتَّى الصَّباح ... أغيدُ مجدولُ مكان الوشاحْ
    كأنَّما يبسمُ عن لؤلؤ ... منضَّدٍ أو بردٍ أو أقاحْ
    أمزجُ كأسي بجنى ريقهِ ... وإنَّما أمزجُ راحاً براحْ
    سحرُ العيونِ النُّجل مستهلكٌ ... لبِّي وتوريدُ الخدودِ الملاحْ
    وقال أيضاً:
    لمَّا مشين بذي الأراكِ تشابهت ... أعطافُ قضبانٍ به وقدودِ
    في حلَّتي حبرٍ وروضٍ، فالتقى ... وشيان: وشيُ رباً ووشيُ برودِ
    وسفرن فامتلأت عيونٌ راقها ... وردانِ: وردُ جنى ووردُ خدودِ
    وضحكنَ فاغترفَ الأقاحي من ندىً ... غضٍّ وسلسالِ الرُّضاب برودِ
    نرجو مقاربةَ الحبيبِ ودونه ... وخدٌ يبرِّح بالمهارى القودِ
    ومتى يساعدنا الوصالُ ودهرنا ... يومان: يومٌ نوى ويومُ صُدودِ
    وقال إبراهيم بن العبَّاس، وتروى لقيس المجنون:
    تمرُّ الصِّبا صبحاً بساكنِ ذي الغضى ... فيصدعُ قلبي أن يهبَّ هبوبُها
    قريبةُ عهدٍ بالحبيبِ وإنمَّا ... هوى كلِّ نفسٍ حيث كان حبيبُها
    تطلَّع من نفسي إليك نوازعٌ ... عوارفُ أنَّ اليأس منكِ نصيبها
    وزالت زوالَ الشَّمسِ عن مستقرِّها ... فمن مخبري في أيِّ أرض غروبها
    خِلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُ ... بهجرٍ، ومغفورٌ لليلى ذنوبُها
    وقال عليُّ بن الجهم:
    عيونُ المها بينَ الرُّصافةِ والجسرِ ... جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
    أعدنَ لي الشَّوقَ القديمَ ولم أكن ... سلوتُ ولكن زدتُ جمراً إلى جمرِ
    سلمن وأسلمنَ العيون كأنَّما ... تشكُّ بأطرافِ الرُّدينية السُّمرِ
    وقلن لنا: نحن الأهلَّة إنَّما ... تضيء لمن يسري بليلٍ ولا تقري
    فلا نيلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ ... ولا وصلَ إلاَّ بالخيالِ الَّذي يسري
    أما وبياضٍ راعهنَّ لربَّما ... غمزنَ بنا ما بين سحرٍ إلى نحرِ
    وبتنا على رغمِ الحسودِ كأنَّنا ... خليطان من ماءِ الغمامةِ والخمرِ
    وقال ابن الرُّومي:
    تُشكي المحبَّ وتلقى الدَّهر شاكيةً ... كالقوسِ تُصمي الرَّمايا وهي مرنانُ
    لا تلحياني وإيَّاها على ضرعي ... وزهوها، لجَّ مفتونٌ وفتَّانُ
    إنِّي ملكتُ فلي بالرِّقِّ مسكنةٌ ... وملكتُ فلها بالملك طغيانُ
    وقال أبو الطَّيِّب المتنبِّي:
    نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنهُ أن نلمَّ به ركبا
    نذمُّ السَّحاب الغرَّ في فعلها به ... ونعرضُ عنه كلَّما طلعت عتبا
    ومن صحبَ الدُّنيا طويلاً تقلَّبت ... على عينهِ حتَّى يرى صدقها كذبا
    وكيف التذاذي بالأصائلِ والضُّحى ... إذا لم يعد ذاكَ النَّسيم الَّذي هبَّا
    ذكرتُ به وصلاً كأن لم أفزْ به ... وعيشاً كأنِّي كنتُ أقطعُهُ وثبا
    وفتَّانةَ العينين قتَّالة الهوى ... إذا نفحت شيخاً روائحُها شبّا
    لها بشرُ الدُّرِّ الَّذي قلِّدت به ... ولم أرَ بدراً قبلها قلِّد الشُّهبا
    فيا شوقُ ما أبقى، ويا لي من النَّوى ... ويا دمعُ ما أجرى ويا قلبُ ما أصبى
    وقال أيضاً:
    من الجآذرُ في زيِّ الأعاريب ... حمرُ الحُلى والمطايا والجلابيبِ
    إن كنتَ تسألُ شكَّاً عن معارفها ... فمن بلاكَ بتسهيدٍ وتعذيبِ
    لا تُجزني بضنىً بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوبِ
    سوائرٌ ربَّما سارت هوادجُها ... منيعةً بين مطعونٍ ومضروبِ
    وربَّما وخدت أيدي المطيِّ بها ... على نجيعٍ من الفرسانِ مصبوبِ
    كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةِ ... أدهى وقد رقدوا من زورةِ الذِّيبِ
    أزورهم وسوادُ اللَّيل يشفع لي ... وأنثني وبياضُ الصُّبح يغري بي
    قد وافقوا الوحشَ في سكنى مراتعها ... وخالفوها بتقويضٍ وتطنيبِ
    جيرانُها وهم شرُّ الجوارِ لها ... وصحبُها وهم شرُّ الأصاحيبِ
    ما أوجهُ الحضرِ المستحسناتِ بهِ ... كأوجهِ البدويَّاتِ الرَّعابيبِ
    حسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ ... وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ
    أين المعيزُ من الآرامِ ناظرةً ... وغير ناظرةٍ في الحُسنِ والطِّيبِ
    أفدي ظباءَ فلاةٍ ما عرفنَ بها ... مضغ الكلام ولا صبغَ الحواجيبِ
    ولا برزن من الحمَّام مائلةً ... أوراكهنَّ صقيلات العراقيبِ
    وقال أيضاً:
    لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقي ... وللحبِّ ما لم يبقَ منِّي وما بقي
    وما كنتُ ممَّن يدخلُ العشقُ قلبهُ ... ولكنَّ من يبصرُ جفونكِ يعشقِ
    وبين الرِّضا والسُّخط والقربِ والنَّوى ... مجالٌ لدمعِ المقلةِ المترقرقِ
    وأحلى الهوى ما شكَّ في الوصل ربُّه ... وفي الهجرِ فهو الدَّهر يرجو ويتَّقي
    ولم أرَ كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثنَ بكلِّ القتلِ من كلِّ مشفقِ
    أدرنَ عيوناً حائراتٍ كأنَّها ... مركَّبةٌ أحداقها فوق زئبقِ
    عشيَّةَ يعدونا عن النَّظر البُكى ... وعن لذَّة التَّوديعِ خوفُ التَّفرُّقِ
    وقال أيضاً:
    قفي تغرمِ الأولى من اللَّحظِ مهجتي ... بثانيَّةٍ والمتلفُ الشَّيء غارمهْ
    سقاكِ وحيَّانا بكِ الله إنَّما ... على العيسِ نورٌ والخدورُ كمائمهْ
    وما حاجةُ الأظعانِ حولك في الدُّجى ... إلى قمرٍ؟ ما واجدٌ لك عادمهْ
    إذا ظفرت منكِ العيون بنظرةٍ ... أثاب بها مُعيى المطيِّ ورازمهْ
    وقال أيضاً:
    هامَ الفؤادُ بأعرابيَّةٍ سكنت ... بيتاً من القلبِ لم تمددْ له طنبا
    مظلومةُ القدِّ في تشبيهه غصناً ... مظلومةُ الرِّيق في تشبيههِ ضربا
    بيضاءَ تطمعُ فيما تحت حلَّتها ... وعزَّ ذلك مطلوباً إذا طلبا
    كأنَّها الشَّمس يعيي كفَّ قابضها ... شعاعها ويراهُ الطَّرف مقتربا
    وقال أيضاً:
    قد كان يمنعني الحياءُ من البكا ... فاليومُ يمنعه البُكا أن يمنعا
    حتَّى كأنَّ لكلِّ عضوٍ رنَّة ... في جلدهِ ولكلِّ عرقٍ مدمعا
    سفرت وبرقعهَا الحياءُ بصفرةٍ ... سترت محاسنها ولم تكُ برقعا
    فكأنَّها والدَّمعُ يقطرُ فوقها ... ذهبٌ بسمطي لؤلؤ قد رصِّعا
    كشفت ثلاثَ ذوائبَ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
    واستقبلت قمرَ السَّماءِ بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا
    وقال أيضاً:
    بأبي الشُّموسُ الجانحاتُ غواربا ... اللاَّبساتُ من الحرير جلاببا
    حاولن تفديتي وخفن مراقباً ... فوضعنَ أيديهنَّ فوق ترائبا
    وبسمنَ عن بردٍ خشيتُ أذيبهُ ... من حرِّ أنفاسي فكنتُ الذَّائبا
    وقال أيضاً:
    كأنَّ العيسَ كانت فوقَ جفني ... مناخاتٍ فلمَّا ثرن سالاَ
    لبسنَ الوشي لا متجمَّلاتٍ ... ولكن كي يصنَّ به الجمالاَ
    وضفَّرن الغدائر لا لحسنٍ ... ولكن خِفن في الشَّعر الضَّلالاَ
    بجسمي من برتهُ فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالاَ
    بدت قمراً ومالت خوط بانٍ ... وفاحت عنبراً ورنت غزالاَ
    وقال أيضاً:
    فليتَ هوى الأحبَّةِ كان عدلاً ... فحمَّل كلَّ قلبٍ ما أطاقا
    وقد أخذ التَّمامَ البدرُ فيهم ... وأعطانِي من السَّقم المحاقا
    وبين الفرعِ والقدمين نورٌ ... يقودُ بلا أزمَّتها النِّياقا
    وطرفٌ إن سقى العشَّاق كأساً ... بها نقصٌ سقانيها دهاقا
    وخصرٌ تثبتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه من حدقٍ نطاقا
    وقال أيضاً:
    أبعدُ نأي المليحةِ البخلُ ... في السَّيرِ ما لا تكلفُ الابلُ
    كأنَّما قدُّها إذا انفتلت ... سكرانُ من خمرِ طرفها ثملُ
    يجذبها تحت خصرِها عجزٌ ... كأنَّهُ من فراقها وجلُ
    بي حرُّ شوقٍ إلى ترشُّفها ... ينفصلُ الصَّبر حينَ يتَّصلُ
    النَّحرُ والثَّغرُ والمخلخلُ وال ... معصمُ دائي والفاحمُ الرَّجلُ
    وقال أيضاً:
    وشكيَّتي فقد السِّقام لأنَّه ... قد كان لمَّا كانَ لي أعضاءُ
    مثَّلتِ عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها كلتاهما نجلاءُ
    نفذت عليَّ السابريَّ وربَّما ... تندقُّ فيه الصَّعدةُ السَّمراءُ
    وقال أيضاً:
    أمنعمةٌ بالعودةِ الظَّبية الَّتي ... بغيرِ وليِّ كان نائلها الوسمي
    ترشَّفتُ فاها سحرةً فكأنَّني ... ترشَّفتُ حرَّ الوجد من باردِ الظلمِ
    فتاةٌ تساوى عقدُها وكلامُها ... ومبسمُها الدُّرِّيُّ في النَّثر والنَّظمِ
    ونكهتُها والمندليُّ وقرقفٌ ... معتَّقةٌ صهباءُ في الرِّيحِ والطَّعمِ
    وقال أبو فراس الحمداني:
    إذا اللَّيلُ أضواني بسطتُ يد الهوى ... وأذللتُ دمعاً من خلائقهِ الكبرُ
    تكادُ تضيءُ النَّارُ بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصَّبابة والفكرُ
    معلِّلتي بالوصلِ والموتُ دونه ... إذا متُّ ظمآناً فلا نزلَ القطرُ
    بدوتُ وأهلي حاضرون لأنَّني ... أرى أنَّ داراً لستِ من أهلها قفرُ
    وحاربتُ قومي في هواكِ وإنَّهم ... وإيَّاي لولا حبُّك الماءُ والخمرُ
    فإن يكُ ما قال الوشاةُ ولم يكن ... فقد يهدمُ الإيمانُ ما شيَّد الكفرُ
    تُسائلني: من أنتَ؟ وهي عليمةٌ ... وهل بفتى مثلي على حالهِ نكرُ
    فقلتُ: كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى ... قتيلكِ! قالت: أيُّهم؟ فهم كثرُ
    فأيقنتُ أن لا عزَّ بعدي لعاشقٍ ... وأنَّ يدي ممَّا علَّقتُ به صفر!ُ
    وقال أيضاً:
    ووالله ما أضمرتُ في الحبِّ سلوةً ... ووالله ما حدَّثتُ نفسي بالصَّبرِ
    فإنكِ في عيني لأبهى من الغِنى ... وإنِّكِ في قلبك لأحلى من النَّصرِ
    وقال أيضاً:
    أساءَ فزادته الإساءةُ حظوةً ... حبيبٌ على ما كان منه حبيبُ!
    يعدُّ عليَّ الواشيان ذنوبهُ ... ومن أين للوجهِ المليحِ ذنوبُ؟
    أيا أيُّها الجافي ونسأله الرِّضا ... ويا أيُّها الجاني ونحن نتوبُ!
    لحى الله من يرعاكِ في القربِ وحدهُ ... ومن لا يحوط الغيبَ حين تغيبُ
    وقال السَّريُّ الموصلي:
    قسَّمتُ قلبي بين الهمِّ والكمدِ ... ومقلتي بين فيضِ الدَّمع والسُّهدِ
    ورحتِ في الحسن أشكالاً مقسَّمةً ... بين الهلالِ وبين الغُصن والعقدِ
    أريتني مطراً ينهَلُّ ساكبهُ ... من الجفونِ وبرقاً لاح من بردِ
    ووجنةً لا يروِّي ماؤها ظمئي ... بخلاً وقد لذعت نيرانُها كبدي
    وكيف أبقي على ماءِ الشؤونِ وما ... أبقى الغرامُ على صبري ولا جلدي
    وقال أيضاً:
    بلاني الحبُّ فيك بما بلاني ... فشأني أن تفيضَ غروبُ شاني
    أبيتُ اللَّيل مرتفقاً أُناجي ... بصدقِ الوجدِ كاذبةَ الأماني
    فتشهدُ لي على الأرقِ الثُّريَّا ... ويعلم ما أُجنُّ الفرقدانِ
    إذا دنتِ الخيامُ بهم فأهلاً ... بذاك الخيمِ والخيم الدَّواني
    فبينَ سجوفها أقمارُ تمٍّ ... وبين عمادها أغصانُ بانِ
    ومذهبةِ الخدودِ بجلَّنارٍ ... مفضَّضةِ الثُّغورِ بأقحوانِ
    سقانا الله من ريَّاك ريَّاً ... وحيَّانا بأوجهكِ الحسانِ
    ستصرفُ طاعتي عمَّن نهاني ... دموعٌ فيك تلحى من لحاني
    ولم أجهل نصيحتهُ ولكنْ ... جنونُ الحُبِّ أحلى من جناني
    فيا ولع العواذلِ خلِّ عنِّي ... ويا كفَّ الغرامِ خذي عناني
    وقال أبو الفرج الببَّغاء:
    يا من تشابه منه الخَلقُ والخُلقُ ... فما تسافرُ إلاَّ نحوه الحدقُ
    توريدُ دمعي من خدَّيك مختلسٌ ... وسقمُ جسمي من جفنيكَ مسترقُ
    لم يبق لي رمقٌ أشكو هواكَ به ... وإنَّما يتشكَّى من بهِ رمقُ
    وقال أبو الفرج الوأواء:
    أتاني زائراً من كان يبدي ... لي الهجرَ الطويلَ ولا يزورُ
    فقالَ النَّاسُ لمَّا أبصروهُ ... ليهنكَ زاركَ البدرُ المنيرُ
    فقلتُ لهم ودمعُ العينِ يجري ... على خدٍّ له دمع نثيرُ:
    متى أرعى بروضِ الحُسن منهُ ... وعيني قد تضمَّنها غديرُ
    ولو نُصبت رحى بإزاءِ عيني ... لكانت من تحدُّرهِ تدورُ
    وقال أيضاً:
    قالت وقد فتكت فينا لواحظها: ... ما إن أرى لقتيلِ اللَّحظِ من قودِ؟!
    وأسبلت لؤلؤاً من نرجسٍ وسقت ... ورداً وعضَّت على العنَّاب بالبردِ
    إنسيَّةٌ لو بدت للشَّمسِ ما طلعت ... للنَّاظرينَ ولم تغرُب على أحدِ
    وقال أحمد بن عبد ربِّه الأندلسي:
    يا لؤلؤاً يسبي العقولَ أنيقاً ... ورشاً بتقطيعِ القلوبِ حقيقا
    ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثله ... درَّاً يعودُ من الحياءِ عقيقا
    وإذا نظرتَ إلى محاسنِ وجهها ... أبصرتَ وجهكَ في سناهُ غريقا
    يا من تقطَّع خصرهُ من رقةٍ ... ما بالُ طرفك لا يكونُ رقيقا؟؟!!!
    وقال أيضاً:
    هيَّجَ البينُ دواعي سقمي ... وكسا جسمي ثوبَ الألمِ
    أيُّها البينُ أقلني مرَّة ... فإذا عدتُ فقد حلَّ دمي
    ولقد هاج لقلبي سقماً ... حبُّ من لو شاءَ داوى سقمي
    وقال ابن هذيل الأندلسي:
    إذا حبست على قلبي يدي بيدي ... وصحتُ في اللَّيلةِ الظلماءِ: واكبدي
    ضجَّت كواكب ليلي في مطالعها ... وذابتِ الصَّخرةُ الصَّمَّاءُ من كبدي
    وليس لي جَلدٌ في الحبِّ ينصرني ... فكيف أبقى بلا صبرٍ ولا جلدِ
    وقال تميم بن المعزِّ:
    ما هجرتُ المدامَ والبدرَ والور ... دَ بطوعٍ لكن برغمٍ وكرهِ
    منعتني من الثَّلاثةِ من لو ... قتلتني والله لم أحكِ من هيْ
    قالت: البدرُ والمدامةُ والور ... دُ رضابي ولونُ خدِّي ووجهيْ
    قلت: بخلاً بملِّ شيءٍ؟ فقالت: ... لا ولكن بخلتُ بي وبشبهيْ
    قلت: ياليتني شبيهكِ قالت: ... إنَّما يقتل المحبَّ التَّشهِّيْ
    وقال التِّهامي:
    لكلِّ سهم يعدُّ النَّاس سابغةً ... تردُّه عنك إلاَّ أسهمُ المقلِ
    هامَ الفؤاد بشمسٍ ما يزايلها ... غربٌ من البين أو غيمٌ من الكللِ
    يخفى شهابُ الهوى في بردِ ريقتها ... كما استكنَّ نقيع السُّمِّ في العسلِ
    إيَّاك إيَّاك تطريفاً بأعينها ... فهي الأسنَّة في العسَّالة الذُّبلِ
    ما بالُ طرفكَ لا ينجي رميَّتهُ ... كأنَّما هو رامٍ من بني ثعلِ
    وقال أيضاً:
    أسيلةُ خدٍّ دونها الأسلُ السُّمر ... ودون ارتشافِ الرِّيقِ من ثغرها ثغرُ
    فتاةٌ براها الله أكملَ صورةٍ ... فأردفتِ الأردافُ واختُصر الخصرُ
    ويقصرُ ليلي ما ألمَّت لأنَّها ... صباحٌ وهل يبقى الدُّجى إن أتى الفجرُ
    مرى البين جفنيها على الخدِّ فالتقى ... بأدمِعها والمبسمُ الدُّرُّ
    وقالوا أتسلو عن لذيذِ رضابها ... فقلت: وهل حلَّت لشاربه الخمرُ؟!
    وقال الشَّريف الرَّضيّ:
    يا ظبيةَ البانِ ترعى في خمائلهِ ... ليهنكِ اليوم أنَّ القلب مرعاكِ
    الماءُ عندكَ مبذولٌ لشاربهِ ... وليس يرويكِ إلاَّ مدمعي الباكي
    هبَّت لنا من رياح الغور رائحةٌ ... بعد الرُّقاد عرفناها بريَّاكِ
    ثم انثنينا: إذا ما هزَّنا طربٌ ... على الرِّجال، تعلَّلنا بذكراكِ
    سهمٌ أصابَ وراميه بذي سلمٍ ... من بالعراق، لقد أبعدتِ مرماكِ
    حكت لحاظكِ ما في الرّيم من ملحٍ ... يوم اللِّقاء فكانَ الفضلُ للحاكي
    أنتِ النَّعيمُ لقلبي والعذابُ له ... فما أمرَّكِ في قلبي وأحلاكِ
    عندي رسائلُ شوقٍ لست أذكُرها ... لولا الرَّقيبُ لقد بلَّغتها فاكِ
    هامت بك العين لم تتبع سواكِ هوىً ... من علَّم البينَ أنَّ القلب يهواك
    لو كانت الَّلمَّة السوداءُ من عددي ... يوم الغميم لما أفلتِّ أشراكي
    وقال أيضاً:
    يا صاحب القلبِ الصَّحيحِ أما اشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوعِ؟
    أأسأت بالمشتاقِ حين ملكته ... وجزيتِ فرط نزاعهِ بنزوعِ؟
    هيهاتَ لا تتكلَّفنَّ لي الهوى ... فضحَ التَّطبُّع شيمةَ المطبوعِ
    كم قد نصبتُ لكَ الحبائلَ طامعاً ... فنجوتَ بعد تعرُّضٍ لوقوعِ
    وتركتني ظمآنَ أشربُ غلَّتي ... أسفاً على ذاك اللَّمى الممنوعِ
    قلبي وطرفي منك: هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياضِ ربيعِ
    كم ليلةٍ جرَّعته في طولها ... غصصَ الملامِ ومؤلم التَّقريعِ
    أبكي ويبسمُ والدُّجى ما بيننا ... حتَّى أضاء بثغرهِ ودموعي
    وقال أيضاً:
    رماني كالعدوِّ يريدُ قتلي ... مغالطةً وقال: أنا الحبيبُ؟!
    وأنكرني، فعرَّفني إليه ... لظى الأنفاسِ والنَّظرُ المريبُ
    وقالوا: لم أطعت؟ وكيف أعصي ... أميراً من رعيَّته القلوبُ
    وقال أيضاً:
    وشممت في طفل العشيَّةِ نفحةً ... حبست برامة صُحبتي وركابي
    متململينَ على الرِّحالِ كأنَّما ... مرُّوا ببعض منازلِ الأحبابِ
    ذكرت لي الأربَ القديم من الهوى ... عهد الصِّبا ولياليَ الأطرابِ
    فبعثتُ دمعي ثمَّ قلت لصاحبي: ... إيهٍ دموعكَ يا أبا الغلاَّبِ
    في ساعةٍ لمّا التفتُّ إلى الصِّبا ... بعدت مسافتهُ على الطُّلابِ
    أشكو إليك ومن هواك شكايتي ... ويهون عندكَ أن أبيتَ لما بي
    يا ماطلاً بالدَّين، وهو محبَّبٌ ... من لي بدائمِ وعدكَ الكذَّابِ
    وقال مهيار الدَّيلميّ: " من الرجز "
    ظنَّ غداة الخيفِ أن قد سلما ... لما رأى سهماً وما أجرى دما
    فعادَ يستقري حشاهُ فإذا ... فؤادهُ من بينها قد عدما
    لم يدرِ من أين أصيبَ قلبهُ ... وإنَّما الرَّامي درى كيف رمى
    يا قاتلَ الله العيون خُلقت ... جوارحاً فكيفَ عادت أسهُما
    ورامياً لم يتحرَّج من دمي ... يا عجباً كيف استحلَّ الحرما
    أودعني السُّقم ومرَّ هازئاً ... يقول: قم فاستشف ماء زمزما
    ولو أباح ما حمى من ريقهِ ... لكان أشهى لي من الماء اللَّمى
    وقال أيضاً:
    ما على مُحسنكم لو أحسنا ... إنَّما أطلبُ شيئاً هيِّنا
    قد جفاني النَّاسُ من بعدكمُ ... فالحقونا بأحاديثِ المنى
    لا وسحرٍ بين أجفانكمُ ... فتن الحبُّ به من فتنا
    وحديثٍ من مواعدكمُ ... تحسدُ العينُ عليهِ الأذنا
    ما رحلتُ العيس عن أرضكمُ ... فرأت عيناي شيئاً حسنا
    يا بني عروةَ إن خفناكمُ ... قدم المرداسُ منكم عذرنا
    أخذت سمركمُ الثَّأر لكمْ ... لستُ أعني لكمُ سمر القنا
    بين بصرى وضمير عربٌ ... يأمنُ الخائفُ فيهم ما جنى
    كلَّما شنَّت عليهم غارةٌ ... أغمدوا البيضَ وسلُّوا الأعينا
    طلعت للحسنِ فيهم مزنةٌ ... أنبتت في كلِّ حقفٍ غصنا
    وقال أبو العلاء المعرِّي:
    أسالت أتيَّ الدَّمع فوق أسيلِ ... ومالت لظلٍّ بالعراق ظليلِ
    أيا جارةَ البيتِ الممنَّع جارُهُ ... غدوت ومن لي عندكم بمقيلِ
    لغيري زكاةٌ من جمالٍ فإن تكن ... زكاةُ جمال فاذكري ابن سبيلِ
    أسرتِ أخانا بالخداع وإنَّه ... يعدُّ إذا اشتدَّ الوغى بقبيلِ
    فإن تُطلقيه تملكي شكرَ قومه ... وإن تقتُليه تؤخذي بقتيلِ
    وإن عاش لاقى ذلَّة، واختيارهُ ... وفاةُ عزيزٍ لا حياةُ ذليلِ
    وكيف يجرُّ الجيشَ يطلبُ غارةً ... أسيرٌ لمجرورِ الذُّيول كحيلِ
    وقال أيضاً:
    توقَّتك سرّاً وزارت جهاراً ... وهل تطلعُ الشَّمس إلاَّ نهارا
    كأنَّ الغمامَ لها عاشقٌ ... يسايرُ هودجها أين سارا
    وبالأرض من حبِّها صفرةٌ ... فما تنبتُ الأرضُ إلاَّ بهارا
    فدتكِ ندامى لنا كالقسيِّ ... لا يستقيمونَ إلاَّ ازورارا
    أذبتِ الحصى كمداً إذ رميتِ ... بالدُّرِّ يوم رميتِ الجمارا
    وقال أبو عليٍّ الحسن بن رشيق:
    عيناكِ أمكنتا الشَّيطانَ من جلدي ... إنَّ العيونَ لأعوانُ الشَّياطينِ
    كم ليلةٍ بتُّ مطوياً على حزنٍ ... أشكو إلى النَّجم حتَّى كاد يشكُوني
    ياما أميلحهُ ظبيٌ فُتنتُ به ... وأيُّ خلقٍ بظبيٍ غير مفتونِ
    يجلو بناتِ أقاحٍ من لثاةِ فمٍ ... يسقي بمثلِ بنيَّاتِ الزَّراجينِ
    ووجنتين هما تفَّاحتا قبلٍ ... فاترك سواها وتفَّاحَ البساتينِ
    فتورُ عينيكِ ينهاني ويأمُرُني ... ووردُ خدَّيكِ يغرِ بي ويغريني
    إنِّي لئن بعتُ ديني واشتريت به ... دنيا لما بعت فيك الدَّين بالدُّونِ
    أستغفرُ الله، لا والله ما نفعت ... في سحرِ مقلتهِ آياتُ ياسينِ
    سبحانَ من خلقَ الأشياء قاطبةً ... تراهُ صوَّر ذاكَ الجسم من طينِ؟
    يا أهل صبرةَ والأحباب عندكمُ ... إن كانَ عندكمُ صبرٌ فواسوني
    إنِّي أدينُ بدينِ الحبِّ ويحكمُ ... واللهُ قد قال: لا إكراهَ في الدَّينِ!
    وقال أبو عامر بن شهيد:
    أصبيحٌ شيم أم برقٌ بدا ... أم سنا المحبوب أورى أزندا
    هبَّ من نومته مبكرِّاً ... مسبلاً للكمِّ مرخ للرِّدا
    يمسحُ النَّعسةَ عن عيني رشاً ... صائدٍ في كلِّ يومٍ أسدا
    قال لي يلعبُ: خُذ لي طائراً ... فتراني الدَّهرَ أجري بالكدى
    وإذا استنجزت يوماً وعدهُ ... قال لي يمطلُ: ذكرَّني غدا
    شربت أعطافهُ خمرَ الصِّبا ... وسقاه الحُسنُ حتَّى عربدا
    رشأ بل غادةٌ ممكورةٌ ... عمَّمت صبحاً بليلٍ أسودا
    أححت من عضَّتي في نهدِها ... ثمَّ عضَّت حُرَّ وجهي عمدا
    فأنا المجروحُ من عضَّتها ... لا شفاني الله ربِّي أبدا
    وقال سليمان بن الحكم المستعين الأمويّ:
    عجباً! يهاب اللَّيث حدَّ سناني ... وأهاب لحظ فواترِ الأجفانِ
    وأقارعُ الأبطالَ لا متهيِّباً ... منها سوى الإعراضِ والهجرانِ
    وتملَّكت نفسي ثلاثٌ كالدُّمى ... زهرُ الوجوه نواعمُ الأبدانِ
    ككواكبِ الظَّلماءِ لحن لناظرٍ ... من فوق أغصانٍ على كثبانِ
    هذي الملاك وتلك بنتُ المشتري ... حسناً وهذي أختُ غصنِ البانِ
    حاكمتُ فيهنَّ السُّلوَّ إلى الصِّبا ... فقضى بسلطانٍ على سلطانِ
    فأبحنَ من قلبي الحمى وثنينني ... في عزِّ ملكي كالأسيرِ العاني
    لا تعذلوا ملكاً تذلَّل للهوى ... ذلُّ الهوى عزُّ وملك ثانِ
    ما ضرَّ أنِّي عبدهنَّ صبابةً ... وبنو الزَّمان وهنَّ من عبداني
    إن لم أطع فيهنَّ سلطانَ الهوى ... كلفاً بهنَّ فلستُ من مروانِ
    وإنَّما عارض بهذا هارون الرَّشيد في قوله:
    ملكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عناني ... وحللن من قلبي بكلِّ مكانِ
    مالي تطاوعني البريَّةُ كلُّها ... وأطيعهنَّ وهنَّ في عصياني
    ما ذاك إلاَّ أنَّ سلطان الهوى ... وبه قوين أعزُّ من سلطاني
    وقال هارون أيضاً في جواريه الثَّلاث:
    ثلاثٌ قد حللنَ حمى فؤادي ... وأعطينَ الرَّغائبُ من ودادي
    نظمتُ قلوبهنَّ بخيطِ قلبي ... فهنَّ قرابتي حتَّى التَّنادي
    فمن يكُ حلَّ من قلبي محلاًّ ... فهنَّ مع النَّواظرِ في السَّوادِ
    وقال أبو الوليد بن زيدون:
    أما رضاكِ فعلقٌ مالهُ ثمنٌ ... لو كان سامحني في وصلهِ الزمنُ
    تبكي فراقك عينٌ أنتِ ناظرها ... قد لجَّ في هجرها عن هجركِ الوسنُ
    إن الزَّمان الَّذي عهدي به حسنٌ ... قد حال مذ غابَ عنَّي وجهك الحسنُ
    أنتِ الحياة فإن يقدر فراقكِ لي ... فليحفرِ القبرُ أو فليحضرِ الكفنُ
    والله ما ساءني أني خفيت ضنىً ... بل ساءني أن سرِّي بالضَّنى علنُ
    لو كان أمري في كتم الهوى بيدي ... ما كان يعلمُ ما في قلبي البدنُ
    وقال أيضاً:
    بنتم وبنَّا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفَّت مآقينا
    نكادُ حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا
    حالت لفقدكمُ أيَّامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
    إذ جانبُ العيش طلقٌ من تألقنا ... ومورد اللَّهو صافٍ من تصافينا
    ليبقَ عهدكمُ عهدَ السُّرور فما ... كنتم لأرواحنا إلاَّ رياحينا
    لا تحسبوا نأيكم عنا يغيِّرنا ... إن طالما غيَّر النَّأيُ المحبِّينا
    يا ساري البرقَ غاد القصر فاسقِ به ... من كان صرف الهوى والودِّ يسقينا
    وسل هنالك: هل عنَّى تذكُّرنا ... إلفاً تذكُّره أمسى يعنِّينا
    ويا نسيمَ الصَّبا بلِّغ تحيَّته ... من لو على البعد حيَّى كان يحيينا
    ربيبَ ملكٍ كأنَّ الله أنشأه ... مسكاً وقدَّر إنشاءَ الورى طينا
    يا روضةً طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جناه الصِّبا غضّاً ونسرينا
    لسنا نسمِّيك إجلالاً وتكرمةً ... وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
    إذا انفردت وما شوركت في صفةٍ ... فحسبك الوصفُ إيضاحاً وتبيينا
    كأنَّنا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسَّعد قد غضَّ من أجفان واشينا
    سرَّان في خاطر الظَّلماء يكتمنا ... حتَّى يكاد لسان الصُّبح يفشينا
    إنَّا قرأنا الأسى يوم النَّوى سوراً ... مكتوبةً وأخذنا الصَّبر تلقينا
    لم نجفُ أفقَ سماءٍ أنتِ كوكبهُ ... سالين عنه ولم نهجرهُ قالينا
    ولا اختياراً تجنَّبناك عن كثبٍ ... لكن عدتنا على كرهٍ عوادينا
    وقال أيضاً:
    أغائبةً عني وحاضرةً معي ... أناديكِ لمَّا عيل صبري فاسمعي
    أفي الحقِّ أن أشقى بحبِّك أو أرى ... حريقاً بأنفاسي غريقا بأدمعي؟
    ألا عطفةٌ تشفى بها نفسُ عاشقٍ ... جعلتِ الرَّدى منه بمرأى ومسمعِ
    صليني بعض الوصل حتى تبيَّني ... حقيقةَ حالي ثم ما شئت فاصنعي
    وقال أيضاً:
    بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سرٌّ إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يذعِ
    يا بائعاً حظَّه مني ولو بذلت ... لي الحياةُ بحظِّي منه لم أبعِ
    يكفيكَ أنَّك لو حملت قلبي ما ... لا تستطيعُ قلوبُ النَّاس يستطعِ
    ته أحتمل واستطل أصبر وعزَّ أهن ... وولِّ أُقبل وقل أسمع ومر أطعِ
    وقال أيضاً:
    أيوحشني الزَّمان وأنت أُنسي؟ ... ويظلمُ لي النَّهار وأنت شمسي؟
    وأغرس في محبَّتك الأماني ... وأجني الموت من ثمراتِ غرسي؟
    لقد جازيتِ غدراً عن وفائي ... وبعتِ مودتي ظلماً ببخسِ
    ولو أنَّ الزَّمان أطاعَ حكمي ... فديتكِ من مكارههِ بنفسي
    وقال أيضاً:
    يا قمراً مطلعهُ المغربِ ... قد ضاق بي في حبُّك المذهبُ
    أعتبُ في هجركَ لي ظالماً ... ويغلب الشَّوق فأستعتبُ
    ألزمتني الذنبَ الذي جئته ... صدقت! فاصفح أيها المذنبُ!
    وإنَّ من أعجب ما مرَّ بي ... أنَّ عذابي فيك مستعذبُ
    وقال أيضاً:
    يا نازحاً وضميرُ القلبِ يهواه ... أنستكَ دنياكَ عبداً أنتَ دنياهُ
    ألهتكَ عنه فكاهاتٌ تلذُّ بها ... فليس تجري ببالٍ منك ذكراهُ
    علَّ اللَّيالي تبقني إلى أملٍ ... الدَّهرُ يعلم والأيَّام معناهُ
    وقال أيضاً:
    سأحبُّ أعدائي لأنَّك منهم ... يا من يصحُّ بمقلتيه ويسقمُ
    أصبحت تسخطني وأمنحُك الرِّضا ... محضاً وتظلمُني فلا أتظلَّمُ
    يا من تألَّفَ ليلهُ ونهارهُ ... فالحسنُ بينهما مضيءٌ مظلمُ
    قد كان في شكوى الصَّبابةِ راحةٌ ... لو أنَّني أشكو إلى من يرحمُ
    وقال أبو بكر بن عمَّار:
    وما لحمام الأيكِ تبكيكَ كلَّما ... تبسَّم ثغرٌ للصَّباحِ شنيبُ
    تغنِّي فما تنفكُّ تشرب نغبةً ... من الدَّمع يُهديها إليكَ وجيبُ
    نعم هجرُ ليلى كلَّف اللَّيل وصلتي ... وعلَّمَ دمعَ العين كيف يصوبُ
    فتاة غذاها الحسنُ حتى كأنَّها ... هي الحسنُ أو إلفٌ إليه حبيبُ
    فعينٌ كما عينُ المها ومقلَّدٌ ... كما ارتاع ظبيٌ بالفلاةِ ربيبُ
    وردفٌ كما انهالَ الكثيبِ وضمَّه ... وشاحٌ كما غنى الحمام طروبُ
    وثغرٌ كنورِ الأقحوانِ يشوبهُ ... لمىً: حسناتُ الصَّبرِ عنه ذنوبُ
    شققتُ جيوبَ الصَّبرِ عنها بطفلةٍ ... تزرُّ عليها للجبال جيوبُ
    ففاتكةُ الألحاظِ وهي عليلةٌ ... وناعمةُ الأعطاف وهي قضيبُ
    كسا الخجلُ المعتاد صفحة خدِّها ... رداءٌ طرازاه: ندىً ولهيبُ
    ودبَّت من الأصداغِ فيه عقاربٌ ... لها في فؤادِ المستهامِ دبيبُ
    أما ونسيم الرَّوضِ زار نسيمها ... فأهدتهما نحو المشُوقِ جنوبُ
    لقد حسنت حتّى كأنَّ محاسناً ... تقسَّمها هذا الأنام عيوبُ!
    فيا ربَّة القرط اللَّعوب ترفَّقي ... فحسبكِ فالحلم الرَّسوب لعوبُ!
    أطاعكِ قلبي لم يخنك أمانةً ... ولا نيل إلاَّ زفرة ونحيبُ
    إلى الله أشكو أنَّ مالكِ في دمي ... شريك ولا لي في رضاكِ نصيبُ!
    وقال أبو القاسم بن عبَّاد:
    أباحَ لطيفي طيفها الخدَّ والنَّهدا ... فعضَّ بها تفاحةً واجتنى وردا
    ولو قدرت زارت على حال يقظةٍ ... ولكن حجابُ البينِ ما بيننا مُدَّا
    سقى الله صوبَ القطر أمَّ عبيدةٍ ... كما قد سقت قلبي على حرِّه بردا
    هي الظَّبيُ جيداً والغزالة سنَّةً ... وروض الرُّبا عرفاً وغصن النَّقا قدَّا
    وقال أيضاً:
    تظنُّ بنا أمُّ الرَّبيع سآمة ... ألا غفر الرَّحمن ذنباً تواقعهْ
    أأهجرُ ظبياً في فؤادي كناسهُ ... وبدر تمامٍ في ضلوعي مطالعهْ
    وروضةَ حسنٍ أجتنيها وبارداً ... من الظُّلمِ لم تحظر عليَّ شرائعهْ
    إذاً عدمت كفِّي نوالاً تفيضهُ ... على معتفيها، أو عدوّاً تقارعهْ
    وقال أيضاً:
    كتابي وعندي من فراقِك ما عندي ... وفي كبدي ما فيهِ من لوعةِ الوجدِ
    وما خطَّت الأقلامُ إلاَّ وأدمعي ... تخطُّ كتابَ الشَّوق في صفحةِ الخدِّ
    ولولا طلاب المجد زرتك طيَّه ... عميداً كما زار النَّدى ورق الوردِ
    فقبَّلت ما تحت الِّلثام من اللّمى ... وعانقت ما تحت الوشاح من العقدِ
    وقال أيضاً:
    هذا الَّذي قد عاقَ طرفي حبُّه ... وصدودهُ ونفارهُ أن يرقدا
    ارضَ اقترب صل كي أفوزَ بنظرةٍ ... فلطالما قد بتُّ فيك مسهَّدا
    من شاء ينظرُ عزَّة وكُثيِّراً ... حيَّين فلينظر مُنىً ومحمَّدا
    وقال أيضاً:
    ألا حيِّ أوطاني بشلب أبا بكر ... وسلهنَّ: هل عهدُ الشبَّابِ كما أدري
    وسلِّم على قصرِ الشَّراجيب عن فتىً ... له أبداً شوقٌ إلى ذلك القصرِ
    منازل آسادٍ قد بتُّ أنعمُ جنحها ... بمخضبة الأردافِ مجدبة الخصرِ
    وبيضٍ وسمرٍ فاعلاتٍ بمهجتي ... فعال الصِّفاح البيضِ والأسلِ السُّمرِ
    وليلٍ بسدِّ النَّهرِ لهواً قطعتهُ ... بذاتِ سوارٍ مثل منعطفِ النَّهرِ
    نضت بردها عن غصنِ بانٍ منعَّمٍ ... نضيرٍ كما انشقَّ الكمامُ عن الزَّهرِ
    وقال أبو بكر بن عيسى الدَّاني:
    أصبحتُ في الحبِّ آيةً عجباً ... متَّضح السَّير مبهم الطُّرقِ
    يجني الورى نرجسَ الرُّبا وأنا ... يجني فؤادي من نرجسِ الحدقِ
    لا أرتجي أن أفيقَ من مرضي ... من أمرضتهُ العيونُ لم يفقِ
    وابأبي من جمالُ جملتهِ ... مجتمعٌ في صفاتِ مفترقِ
    أسمرُ مثلُ القناة ذو هيفٍ ... وطرفهُ كالسِّنانِ ذو زرقِ
    سنَّ له الحبُّ أن يريق دمي ... لو كان ممَّن يرقُّ لم يرقِ
    قدٌّ كقدِّ الحسام قد علقت ... في صحفهِ صبغةٌ من العلقِ
    لا واخذ الله لحظه فلقد ... أراحني بالحمامِ من حرقي
    أين وميضُ البروقِ من لهبي؟ ... وأين عصفُ الرِّياح من قلقي؟
    وأين من عبرتي مغيِّمةٌ؟ ... تسيل وطفاؤها على الأفقِ؟!
    وقال عبد الجليل بن وهبون:
    إن سرتُ عنك ففي يديك قيادي ... أو بنتُ عنك فما يبينُ فؤادي
    صيَّرت فكري في بعادك مؤنسي ... وجعلتُ لحظي في ودادِك زادي
    وعليَّ أن أذري دموعي كلَّما ... أبصرتُ شبهكِ في سبيل بعادي
    كم في طريقي من قضيبٍ ناعمٍ ... أبكي عليه ومن صباحٍ بادِ
    تلقاك في طيِّ النَّسيمِ تحيتي ... ويصوبُ في ديم الغمامِ ودادي
    وقال عبد الجبَّار بن حمديس الصِّقلِّي:
    ويلي على مملوكةٍ ملكت ... رقِّي بحسنِ مقالها، ويلي
    غيداء تسحبُ كلَّما انعطفت ... من فرعها ذيلاً على ذيلِ
    وكأنَّها شمسٌ على غصنٍ ... مترنِّح التَّقويم والميلِ
    قالت وقد عانقتها سحراً: ... لم زرتنا في آخر اللَّيلِ؟
    فأجبتها وغمرتها قُبلاً: ... هذا أوان إغارةِ الخيلِ
    حتَّى إذا بزغت شبيهتها ... كالتَّاج فوق مفارقِ القيلِ
    نزعت كنزع الرُّوحِ من جسدي ... عنِّي قلادةَ ساعدٍ غيلِ
    فنهضت أشرقُ بالدُّموعِ كما ... شرقَ الفضاءُ بكثرةِ السَّيلِ
    وقال أبو إسحاق بن خفاجة:
    وعاذرٍ قد كان لي عاذلا ... في آمرٍ صار له آملا
    ألوى بقلبي وهو في طيِّه ... فصار محمولاً به حاملا
    أخوضُ في الحبِّ به لجَّةً ... لم ترم بي من سلوةٍ ساحلا
    أما ترى أعجوبةً أن ترى ... في الحبِّ مقتولاً فدى قاتلا!
    علَّقتهُ أحوى اللَّمى أحوراً ... عاطرُ أنفاسِ الصِّبا عاطلا
    معتدلاً معتدياً في الهوى ... أحبب به معتدلاً مائلا
    شطَّ ولي من شغف فكرةٌ ... أراه فيها قاطناً نازلا
    فإنَّ لي طرفاً به ساهراً ... وجداً ودمعاً هامراً هاملا
    كأنَّ نومي ضلَّ عن ناظري ... فبات دمعي سابلاً سائلا
    وقال أبو عامر بن الحمارة:
    أركبانَ أنضاءِ السِّفارِ ألا قفوا ... رسومَ المطايا في رسوم المنازلِ
    نسائلُ متى عهد الدِّيار بسكنها ... وإن كُنَّ خرساً ما يبنُّ لسائلِ
    ألا ليت شعري هل تعود كعهدنا ... ليالٍ طويناهنَّ طيَّ المراحلِ
    إذا ذكرتها النَّفسُ كادت من الأسى ... تسرَّب في أولى الدُّموع الهواملِ
    وإنِّي وتركي أمَّ طلحةَ بعدما ... تسلسلَ منِّي حبُّها في المفاصلِ
    لظمآن نفرٍ أبصر الماء حرةً ... وقد ذيد عن أطرافه بالمناصلِ
    ولولا رجائي عطفة الدَّهر لم أبل ... متى نزلت بالنَّفس إحدى النَّوازلِ
    عن النَّوم سل عيناً به قرَّ عينها ... وكان قليلاً في ليالٍ قلائلِ
    أبيت بمستنِّ الجبال ودونه ... طروق سهاد واعتياد بلابلِ
    إذا ظنَّ وكراً مقلتي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائلِ!
    وقال آخر:
    ومن عجبٍ أنَّي أحنُّ إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي
    وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها ... ويشكو النَّوى قلبي وهم بين أضلعي
    تمَّ البابُ.
    أوصافُ النِّساء مفرداً من باب النَّسيب
    ما قيل في الثُّغور
    قال امرؤ القيس:
    كأنَّ المدامَ وصوبَ الغمام ... وريحُ الخزامى ونشر القطرْ
    يعلُّ به بردُ أنيابها ... إذا طرَّب الطَّائرُ المستحرْ
    وقال النَّابغة الذُّبياني:
    تجلو بقادمتي حمامةِ أيكةٍ ... برداً أُسفَّ لثاته بالإثمدِ
    كالأقحوانِ غداة غبِّ سمائه ... جفَّت أعاليه وأسفله ندي
    وقال جميل بن معمر:
    تمنَّيت منها نظرةً وهي واقفٌ ... تريكَ نقيّاً واضح الثَّغر أشنبا
    كأنَّ عريضاً من فضيض غمامةٍ ... هزيمِ الذُّرى تمري له الرِّيح هيدبا
    يصفِّقُ بالمسكِ الذَّكيِّ رضابهُ ... إذا النَّجم من بعد الهدوءِ تصوَّبا
    وقال أيضاً:
    وكأنَّ طارقها على عللِ الكرى ... والنَّجم وهناً قد دنا لتغوُّرِ
    يستافُ ريحَ مدامةٍ معلولةٍ ... برضابِ مسكٍ في ذكيِّ العنبرِ
    وقال عمر بن أبي ربيعة:
    يمجُّ ذكيُّ المسك منها مفلَّج ... نقيٌّ الثَّنايا ذو غروب مؤشَّرُ
    يرفُّ غذا تفترُّ عنه كأنَّه ... حصى برد أو أقحوان منوّرُ
    وقال المتوكِّل اللَّيثيُّ:
    كأنَّ مدامةً صهباء صرفاً ... ترقرقُ بين راووقٍ ودنِّ
    تعلَّ به الثنايا من سليمى ... فراسةُ مقلتي وصحيحُ ظنِّي
    وقال ذو الرُّمَّة:
    وتجلو بفرعٍ من أراكٍ كأنَّه ... من العنبر الهنديِّ والمسك يصبحُ
    ذرى أقحوانٍ واجه اللَّيل وارتقى ... إليه النَّدى من رامة المتروِّحُ
    هجان الثَّنايا مغرباً لو تبسَّمت ... لأخرسَ عنه كاد بالقول يفصحُ
    وقال بشار بن برد:
    يا أطيب النَّاس ريقاً غير مختبر ... إلاَّ شهادةَ أطرافِ المساويكِ
    قد زرتنا زورةً في الدَّهرِ واحدةً ... ثنِّي ولا تجعليها بيضة الدِّيكِ
    يا رحمةَ الله حُلِّي في منازلها ... حسبي برائحةِ الفردوسِ من فيكِ
    وقال آخر:
    ترى الدُّرَّ منثوراً إذا ما تكلَّمت ... وكالدُّرِّ منظوماً إذا لم تكلَّمِ
    تعبِّدُ أحرار القلوب بدلَّها ... وتملأ عين النَّاظرِ المتوسِّمِ
    وقال البحتريّ:
    ولمَّا التقينا والنَّقا موعدٌ لنا ... تعجَّب رائي الدُّرِّ حسناً ولاقطهْ
    فمن لؤلؤٍ تجلوهُ عند ابتسامها ... ومن لؤلؤٍ عند الحديث تساقطهْ
    وقال ابن الرُّوميّ:
    يا رُبَّ ريقٍ بات بدرُ الدُّجى ... يمجُّه بين ثناياكا
    يروي ولا ينهاكَ عن شربةٍ ... والماء يرويك وينهاكا
    وقال عبيد الله بن عبد بن طاهر:
    وإذا سألتكِ رشف ريقك قلت لي: ... أخشى عقوبة مالك الأملاكِ
    ماذا عليك جُعلت قبلك في الثَّرى ... من أن أكون خليفة المسواكِ
    أيجوز عندكِ أن يكون متيَّمٌ ... مغرىً بحبك دون عود أراكِ
    وقال ابن الرُّومي:
    تعلَّلت ريقاً يطرد الهمَّ برده ... ويشفي القلوبَ الحائماتِ الصَّواديا
    وهل ثغبٌ حصباؤه مثل ثغرها ... يصادفُ إلاَّ طيِّب النَّشر صافيا
    ؟وممَّا قيل في الشُّعور
    قال بكر بن النَّطَّاح:
    بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ فرعها ... وتغيبُ فيه وهو وحفٌ أسحمُ
    فكأنَّها فيه نهارٌ مشرقٌ ... وكأنَّه ليلٌ عليها مظلمُ
    وقال ابن الرُّومي:
    وفاحمٍ واردٍ يقبَّل مم ... شاه إذا اختالَ مسبلاً عذرهْ
    أقبلَ كاللَّيلِ في مفارقه ... منحدراً لا يلومُ منحدرهْ
    حتَّى تناهى إلى مواطئهِ ... يلثم من كلِّ موطئٍ عفرهْ
    كأنَّه عاشقٌ دنا شغفاً ... حتَّى قضى من حبيبهِ وطرهْ
    وقال مسلم بن الوليد: :من الطويل "
    أجدَّكِ هل تدرين أن رُبَّ ليلة ... كأنَّ دجاها من قرونكِ ينشرُ
    نصبت لها حتَّى تجلَّت بغرَّةٍ ... كغرَّة يحيى حين يذكر جعفرُ
    وقال ابن المعتزّ:
    سقتني في ليل شبيهٍ بشعرها ... شبيهةٌ خدَّيها بغير رقيبِ
    فأمسيت في ليلين للشَّعر والدُّجى ... وشمسين من خمرٍ وخدِّ حبيبِ
    وقال المتنبِّي:
    كشفت ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
    واستقبلت قمرَ السَّماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
    وقال أيضاً:
    لبسن الوشي لا متجمِّلاتٍ ... ولكن كي يضنَّ به الجمالا
    وصفَّرن الغدائرَ لا لحسنٍ ... ولكن خفن في الشَّعر الضَّلالا
    وقال أبو محمّد بن مطران:
    ظباءٌ أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيونَ الجآذرُ
    فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبَّلت ... مواطئَ من أقدامهنَّ الغدائرُ؟
    ؟؟وممَّا قيل في حسن حديث النَّساء
    قال القطاميّ:
    يقتلننا بحديثٍ ليس يفهمه ... من يتَّقين ولا مكنونهُ بادي
    فهنَّ ينبذن من قولٍ يصبن به ... مواقع القطر من ذي الغلَّة الصَّادي
    وقال أبو حيَّة النُّميريّ:
    إذا هُنَّ ساقطن الحديث إلى الفتى ... سقاط حصى المرجانِ من كفِّ ناظمِ
    رمين فأقصدن القلوب ولن ترى ... دماً مائراً إلاَّ جوىً في الحيازمِ
    وقال آخر:
    وكنتُ إذا ما زرتُ سعدى بأرضها ... أرى الأرضَ تطوى لي ويدنو بعيدها
    من الخفراتِ البيضِ ودَّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها
    وقال ابن الرُّومي:
    وحديثها السِّحرُ الحلالُ لو أنَّه ... لم يجنِ قتلِ المسلمِ المتحرِّزِ
    إن طالَ لم يملل وإن هي أوجزت ... ودَّ المحدِّث أنَّها لم توجزِ
    شركُ العقولِ ورهبةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ
    وقال مالك بن أسماء بن خارجة:
    وحديثٍ ألذَّه هو ممَّا ... تشتهيه النُّفوس يوزن وزنا
    منطقٌ صائبٌ وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديثِ ما كان لحنا
    ومن جيِّد هذا المعنى وقديمه قول النَّابغة الذُّبياني:
    لو أنَّها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبدَ الإلهَ صرورةٍ متعبِّدِ
    لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشدِ
    وقال أبو حيَّة النُّميريّ:
    حديثٌ لم تخشَ عيناً كأنَّه ... إذا ساقطته الشَّهد أو هو أعذبُ
    لو أنَّك تستشفي به بعد سكرةٍ ... من الموتِ كادت سكرةُ الموتِ تذهبُ
    وقال بشَّار بن برد:
    حوراءُ إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينينِ خمرا
    تنسي الغويُّ معادهُ ... وتكونُ للحلماء ذكرا
    وكأنَّ لفظ حديثها ... قطع الرِّياض كُسين زهرا
    وكأنَّ تحت لسانها ... هاروتُ ينفث فيها سحرا
    وتخالُ ما جمعت علي ... ه ثيابها ذهباً وعطرا
    وقال أيضاً:
    ودعجاءِ النَّواظرِ من معدٍّ ... كأنَّ حديثها قطعُ الجمانِ
    إذا قامت لصحبتها تثنَّت ... كأنَّ عظامَها من خيزرانِ
    وقال حبيب بن أوس:
    تعطيكَ منطقها فتعلم أنَّه ... لجنى عذوبتها يمرُّ بثغرها
    وأظنُّ حبلَ وصالها لمحبِّها ... أوهى وأضعف قوَّةً من خصرها
    وممَّا قيل في العيون
    قال جرير:
    إنَّ العيونَ الَّتي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثُمَّ لم يحيينَ قتلانا
    يصرعنَّ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا
    وقال ذو الرّمّة:
    لها بشرٌ مثل الحريرِ ومنطقٌ ... رخيم الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
    وعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولان بالألبابِ ما تفعل الخمرُ
    وقال عديُّ بن الرِّقاع:
    لولا الحياءُ وأنَّ رأسي قد عسا ... فيه المشيبُ لزرت أمَّ القاسمِ
    وكأنَّها بين النِّساء أعارها ... عينيه أحورُ من جآذر جاسمِ
    وسنانُ أقصده النُّعاس فرنَّقت ... في عينيه سنةٌ وليس بنائمِ
    وقال عبد الله بن الدُّمينة:
    رمتني بطرفٍ لو كميّاً رمت به ... لبلَّ نجيعاً نحره وبنائقهْ
    ولمحٍ بعينيها كأنَّ وميضهُ ... وميض الحيا تهدى لنجدٍ شقائقهْ
    وقال أبو الطَّيِّب:
    مثَّلتِ عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها، كلتاهما نجلاءُ
    نفذت عليَّ السَّابريَّ وربَّما ... تندقُّ فيه الصَّعدةُ السَّمراءُ
    وممَّا قيل في تشبيه النِّساء بالرَّوضة
    قال الأعشى:
    ما روضةٌ من رياضِ الحزن مونقةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلُ
    يضاحك الشَّمسَ فيها كوكب شرِقٌ ... موزَّرٌ بعميم النَّبت مكتهلُ
    يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصلُ
    وقال كُثيِّر:
    فما روضة بالحزن طيِّبة الثَّرى ... يمجُّ النَّدى جثاثها وعرارها
    بمنخرقٍ من بطنِ وادٍ كأنَّها ... تلاقت به عطَّارة وتجارها
    بأطيب من أردان عزَّة موهناً ... وقد أوقدت بالمندل الرَّطب نارها
    وممَّا قيل في وصف مشي النِّساء
    قال الأعشى:
    غرَّاءُ فرعاءُ مصقول عوارضها ... تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحلُ
    كأنَّ مشيتها من بيت جارتها ... مشي السَّحابةِ لا ريث ولا عجلُ
    وقال تميم بن مقبل:
    يهززن للمشي أوصالاً منعَّمةً ... هزَّ الجنوبِ معاً عيدان يبرينا
    أو كاهتزازِ ردينيٍّ تداوله ... أيدي التِّجارِ فزادوا متنه لينا
    يمشين هيل النَّقا مالت جوانبه ... ينهالُ حيناً وينهاه الثَّرى حينا
    وقال عمر بن أبي ربيعة:
    أبصرتها غدوة ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجرِ
    بيضاً حساناً خرائداً قطفاً ... يمشين هوناً كمسية البقرِ
    قد فزنَ بالحسنٍ والجمال معاً ... وفزن رسلاً بالدَّلِّ والخفرِ
    وقال بشر بن أبي خازم:
    حوراء يمنعها القيام إذا ... قامت تمام الخلق والبهرُ
    مشي النَّزيف يجزُّ مئزره ... ذهبت بأكثر عقله الخمرُ
    وقال بشَّار بن برد:
    ويشكُّ فيها الناظرون إذا عدت ... وتسيل أو تمشي لهم تأويدا
    درجت على قصب رواجح فانثنت ... كالخيزارنة غادة أملودا
    وقال العبَّاس بن الأحنف:
    شمس مقدَّرة في خلق جارية ... كأنَّما كشحها طيُّ الطَّواميرِ
    كأنَّها حين تمشي في وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القواريرِ
    وقال غيره:
    شبهت مشيتها بمشية ظافر ... يختال بين أسنَّة وسيوفِ
    صلف تناهت نفسه في نفسه ... لمَّا انثنى بسنانه المرعوفِ
    وقال بكر بن النِّطَّاح: من المنسرح "
    تمشي على الخزِّ من تترُّفها ... فتشتكي رجلها من التَّرفِ
    لو مرَّ هارون في عساكره ... ما رفعت من الصَّلفِ
    وقال المتنبِّي:
    حسان التَّثنِّي ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهنَّ النَّواعمِ
    ويبسمن عن درٍّ تقلَّدن مثله ... كأنَّ التَّراقي وشِّحت بالمباسمِ
    وقال غيره:
    يمشين مشي قطا البطاح تأوداً ... خمص البطون رواجح الأكفالِ
    وإذا أردن زيارة فكأنَّما ... ينفضن أرجلهنَّ من أوحالِ
    وقال كشاحم يصف سواد الشَّعر:
    رنت فأصابت سرَّ قلبي بلحظها ... لها في الحسا لذع وليس لها جرحُ
    وقد حسرت عن واضح الشَّعر قاتم ... بخطَّي ظلام شقَّ بينهما صبحُ
    وقال سديف في جميع الصِّفات:
    لفظ الخدور إليك حوراً عينا ... أنسين ما جمع الكناس قطينا
    وإذا ابتسمن فعن بروق غمامة ... أو أقحوان الرَّمل بات معينا
    وإذا نطقن تخالهنَّ نواظماً ... درّاً يفصَّل لؤلؤاً مكنونا
    وإذا طرفن طرفن عن حدق المها ... وفضلنهنَّ محاجزاً وعيونا
    فكأن أنفاس الظباء تمدها ... وحضورهن لطافة ولدونا
    وأصحُّ ما رأت العيون رواجحاً ... ولهنَّ أمرض ما رأيت عيونا
    وكأنَّما تلك الوجوه أهلَّة ... أقمرن بين العشر والعشرينا
    وكأنَّهنَّ إذا نهضن لحاجة ... ينهضن بالعقدات من يبرينا
    وقال امرؤ القيس في مثل ذلك:
    مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسَّجنجلِ
    كبكر مقاناة الباض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير المحلَّلِ
    تصدُّ وتبدي عن أسيل وتتَّقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفلِ
    وجيد كجيد الرّئم ليس بفاحش ... إذا هي نصَّته ولا بمعطَّلِ
    وفرع يغشِّي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النَّخلة المتعثكلِ
    غدائره مسشزرات إلى العلا ... تضلُّ المداري في مثنَّى ومرسلِ
    وكشح لطيف كالجديل مخصَّرٍ ... وساق كأنبوب السَّقيِّ المذلَّلِ
    وتعطو برخص غير شثن كأنَّه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
    تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتِّلِ
    وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضُّحى لم تنتطق عن تفضُّلِ
    نجز باب النَّسيب والحمد لله ربِّ العالمين
    باب
    الأوصاف
    وصف الخيلقال امرؤ القيس بن حجر:
    وقد أغتدي والطَّير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكلِ
    مكرٍّ مفرٍّ مدبر معاً ... كجلمود صخر حطَّه السَّيل من علِ
    كميت يزلُّ عن حال متنه ... كما زلَّت الصَّفواء بالمتنزَّلِ
    مسحٍّ إذا ما السَّابحات على الونى ... أثرن غباراً بالكديد المركَّلِ
    على العقب جيَّاش كأنَّ اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجلِ
    يطير الغلام الخفُّ عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقَّلِ
    درير كخذروف الوليد أمرَّه ... تقلُّب كفَّيه بخيط موصِّلِ
    له أيطلاً ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفلِ
    كأنَّ على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صراية حنظلِ
    وقال أيضاً:
    وقد اغتدي والطَّير في وكناتها ... وماء النَّدى يجري على كلِّ مذنبِ
    بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كلّ شأوٍ مغرِّبِ
    له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة غير قائم فوق مرقبِ
    له أذنان تعرف العتق فيهم ... كسامعتي مذعورة وسط ربربِ
    إذا ما جرى شأوين وابتلَّ عطفه ... تقول هزيز الرِّيح مرِّت بأثأبِ
    فللسَّاق ألهوب وللسَّوط درَّة ... وللزَّجر منه وقع أهوج منعبِ
    فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمرُّ كخذروف الوليد المثقَّبِ
    وقال أيضاً:
    وأركب في الرَّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشرْ
    لها حافر مثل قعب الولي ... د رُكِّب فيه وظيف عجرْ
    لها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها جحاف مضرّ
    لها عذر كقرون النِّسا ... ء ركِّبن في يوم ريح وصرّ
    وسالفة كسحوق اللُّبا ... ن أضرم فيه الغويُّ السُّعرْ
    لها جبهة كسراة المجنِّ ... حذَّقه الصَّنع المقتدرْ
    لها منخر كوجار السِّباع ... فمنه تريح إذا تنبهرْ
    إذا أقبلت قلت دبَّاءة ... من الخضر مغموسة في الغدرْ
    وإن أدبرت قلت أثفيَّة ... ململمة ليس فيها أثرْ
    وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطرّ
    وللسَّوط فيها مجال كما ... تنزَّل ذو برد منهمرْ
    وقال أيضاً وتروى لغيره:
    وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد مشكَّ الجنب فعم المنطَّقِ
    كأنَّ غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السَّماء محلِّقِ
    رأى أرنباً فانقضَّ يهوي أمامه ... سريعاً وجلاَّها بطرف ملقلقِ
    فصاد لنا ثوراً وعيراً وأرنباً ... عداء ولم ينضج بماء فيعرقِ
    كأنَّ دماء الهاديات بنحره ... عصارة حنَّاء بشيب مفرَّقِ
    وقال علقمة بن عبدة:
    وقد اغتدي والطَّير في وكناتها ... وماء النَّدى يجري على كلِّ مذنبِ
    بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كلّ شأوٍ مغرِّبِ
    إذا أنفذوا زاداً فإنَّ عنانه ... وأكرعه مستعملاً خير مكسبِ
    رأينا شياهاً يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهذَّبِ
    فبينا تمارينا وعقد عذاره ... خرجن عليه كالجمان المثقَّبِ
    فأدركهنَّ ثانياً من عنانه ... يمرُّ كمرِّ الرَّائح المتحلِّبِ
    وقال الأسعر الجعفيّ:
    ولقد علمت على توقِّيَّ الرَّدى ... أنَّ الحصون الخيل لا مدر القرى
    إنِّي وجدت الخيل عزّاً ظاهراً ... تنجي من الغمَّى ويكشفنَّ الدُّجى
    ويبتن للثَّغر المخوف طلائعاً ... ويثبن للصُّعلوك جمَّة ذي الغنى
    يخرجن من خلل الثَّنايا شرَّعاً ... كأصابع المقرور أقعى فاصطلى
    وقال جرير بن الخطفى:
    إنَّا لنذعر حيث كان عدوَّنا ... بالخيل لاحقة الأياطل قودا
    ونحوط محمية وتحمي سرحنا ... جرد ترى لمغارها أخدودا
    أجرى قلائدها وخدَّد لحمها ... ألاَّ يذقن مع الشَّكائم عودا
    وطوى القياد مع الطِّراد بطونها ... طيَّ التِّجار بحضرموت برودا
    وقال طفيل الغنويّ:
    وفينا رباط الخيل: كل مطهَّم ... رجيل كسرحان الغضى المتأوِّبِ
    وجرداء ممراح نبيل حزتمها ... طروح كعود النبعة المتنخب
    إذا قيل نهنهها وقد جّد جدُّها ... ترامت تكخذروف الوليد المثقَّبِ
    جلبنا من الأعراف أعراف عمرة ... وأعراف لبنى الخيل يا بعد مجلبِ!
    وراداً وحوّاً مشرفاً حجباتها ... بنات حصان قد تعولم منجبِ
    وكمتاً مدماة كأنَّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهبِ
    كأن متون الماء فوق متونها ... أشارير ملح في مباءة مجربِ
    وللخيل أيَّام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقبِ
    وقال أيضاً:
    ولن تفارقني ما عشت سلهبة ... مثل النَّعامة في أوصالها طولُ
    أو قارح في الغرابيّات ذو نسب ... وفي الجراء مسحُّ الشَّدِّ إجفيلُ
    وغارة كحريق النّار زعزعها ... مخراق حرب كصدر السَّيف بهلولُ
    شهدت ثمّت لم أحو الرّكاب إذا ... سوقطن: ذو قتب منها ومرحولُ
    بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم فيه مبذولُ
    وقال حبيب بن أوس الطّائيّ:
    ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوقِ
    بحوافر حفر وصلب صلَّب ... وأشاعر شعر وخلق أخلقِ
    ذو أولق تحت العجاج وإنَّما ... من صحة إفراط ذاك الأولقِ
    مسودٌّ شطر مثل ما اسودَّ الدُّجى ... مبيضُّ شطر كابيضاض المهرقِ
    قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه فمفترق عليه وملتقِ
    تغرى العيون ويفلق شاعر ... في نعته عفواً وليس بمفلقِ
    بمصعَّد من حسنه ومصوَّب ... ومجمَّع في خلقه ومفرَّقِ
    وقال أيضاً:
    إن زار ميداناً سبى أهله ... أو نادياً قام إليه الجلوسْ
    ترى رزان القوم قد أسمحت ... أعينهم في حسنه وهي شوسْ
    كأنَّ لاح لهم بارق ... بالمحل أو زفَّت إليهم عروسْ
    سام إذا استعرضته زانه ... أعلى رطيب وقرار يبيسْ
    كأنَّما خامره أولق ... أو غازلت هامته الخندريسْ
    وقال أبو عبادة البحتري:
    وأغرَّ في الزَّمن البهيم محجَّل ... قد رحت منه على أغرَّ محجلِ
    كالهيكل المبنيِّ إلاَّ أنَّه ... في الحسن جاء كصورة في الهيكلِ
    يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدلِ
    متوجِّس برقيقتين كأنَّما ... تريان من ورق عليه موصَّلِ
    جذلان ينفض عذرة في غرَّة ... يقق تسيل حجولها في جندلِ
    ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفلِ
    صافي الأديم كأنَّما عينت له ... بصفاء نقبته مداوس صيقلِ
    وتخاله كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظ تخجلِ
    وتظنَّ ريعان الشباب يروعه ... من جنَّة أو نشوة أو أفكلِ
    ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحبِّ إلى الحبيب المقبلِ
    وقال أيضاً:
    أما الجواد فقد بلونا يومه ... وكفى بيوم مخبر عن عامهِ
    جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطير عن أوهامهِ
    جذلان تلطمه جوانب غرَّة ... جاءت مجيء البدر عند تمامهِ
    واسودَّ ثمَّ صفت لعيني ناظر ... جنباته فأضاء في إظلامهِ
    مالت جوانب عرفه فكأنَّها ... عذبات أثل مال تحت حمامهِ
    ومقدم الأذنين تحسب أنَّه ... بهما يرى الشَّخص الَّذي لأمامهِ
    وكأنَّ فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدَّامهِ
    لانت معاطفه فخيَّل أنَّه ... للخيزران مناسب بعظامهِ
    وكأنَّ صهلته إذا استعلى بها ... رعد يقعقع في ازدحام غمامهِ
    وقال أيضاً:
    فأعن على غزو العدوِّ بمنطوٍ ... أحشاؤه طيَّ الكتاب المدرجِ
    إمَّا بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجِّجِ
    متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرَّجِ
    أو أدهم صافي السَّواد كأنَّه ... تحت الكميِّ مظهَّر بيرندجِ
    ضرم يهيج السَّوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفجِ
    خفَّت مواقع وطئه فلو أنَّه ... يجري برملة عالج لم يرهجِ
    أو أشهب يقق يضيء وراءه ... متن كمتن اللُّجَّة المترجرجِ
    تخفى الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيض متألِّق كالدُّملجِ
    أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كلِّ لون معجب بنموذجِ
    جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقاً بأحسن حلَّة لم تنسجِ
    أرمي به شوك القنا وأردُّه ... كالسَّمع أثَّر فيه شوك العوسجِ
    وقال عليُّ بن جبلة: " من الرجز "
    أبعد شأو اللَّهو في إجرائه ... وأقصد الخود وراء المحتجبْ
    وأذعر الربرب عن أطفاله ... بأعوجي دلفي المنتسبْ
    تحسبه من مرح العز به ... مستنفراً بروعة أو ملتهبْ
    مضطرب يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطربْ
    وهو على إرهافه وطيه ... يقصر عنه المحزمان واللببْ
    محتدم الجري يباري ظله ... ويسبق الأحقب في شوط الخببْ
    إذا تظنينا به صدقنا ... وإن تظني فوته العير كذبْ
    لا يبلغ الجهد به راكبه ... ويبلغ الريح به حيث طلبْ
    وقال إسحاق بن خلف البهراني:
    كم كم تجرِّعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك له فمُ
    في كلِّ شعرة من جلده ... خطٌّ ينمِّقه الحسام المخذمُ
    ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الرِّيح وهو مقدَّمُ
    رجعته أطراف الأسنَّة أشقراً ... واللَّون أدهم حين ضرَّجه الدَّمُ
    وقال ابن المعتز:
    أراجعتي فداك بأعوجيٍّ ... كقدح النَّبع في الرِّيش اللُّؤامِ
    بأدهم كالظَّلام أغرَّ يجلو ... بغرَّته دياجير الظَّلامِ
    ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في جوِّ الغمام
    وقال أيضاً:
    ربَّ ركب عرَّسوا ثمَّ هبُّوا ... نحو أسراجٍ وشدِّ رحالِ
    وعدونا بأعنَّة خيلٍ ... تأكل الأرض بأيد عجالِ
    زيَّتنها غررٌ ضاحكات ... كبدور في وجوه ليالِ
    وقال أيضاً:
    ولقد غدوت على طمر سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطلِ
    متلثم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكاً من إسحلِ
    ومحجل غير اليمين كأنه ... متبختر يمشي بكم مسبلِ
    وقال أيضاً:
    ولقد وطئت الغيث يحملني ... طرف كلون الصبح حين وفدْ
    طارت به رجل ملسعة ... رجامة لحصى الطريق ويدْ
    بل المها بدمائهن ولم ... يبتل منه بالحميم جسدْ
    جماع أطراف الصوار فما ال ... أولى عليه إذا جرى بأشدّ
    لما أذيق السوط طار وقد ... جار الغلام عليه حين جلدْ
    يمشي فيعرض في العنان كما ... صدف المشوق وذو الدلال وصدْ
    فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمدْ
    وقال المتنبي:
    وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكبُ
    له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهبُ
    شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعبُ
    وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركبُ
    وقال أيضاً:
    ولكنَّ بالفسطاط بحراً أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
    وجرداً مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافاً يتَّبعن العواليا
    تماشى بأيد كلَّما وافت الصَّفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
    وينظرن من سود صوادق في الدُّجى ... يرين بعيدات الشُّخوص كما هيا
    وتنصب للجرس الخفيَّ مسامعاً ... يخلن مناجاة الضَّمير تناديا
    تجاذب فرسان الصَّباح أعنَّة ... كأنَّ على الأعناق منها أفاعيا
    وقال أيضاً:
    يقبِّلهم وجه كلِّ سابحة ... أربعها قبل طرفها تصلُ
    جرداء ملء الحزام مجفرة ... تكون مثلي عسيبها الخصلُ
    إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفلُ
    قد صبغت خدَّها الدِّماء كما ... يصبغ خدَّ الحريرة الخجلُ
    وقال أيضاً:
    ومهجة: مهجتي من همِّ صاحبها ... أدركتها بجواد ظهره حرمُ
    رجلاه في الرَّكض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكفُّ والقدمُ
    وقال أبو الفتح كشاجم:
    قد لاح تحت الصُّبح ليل مظلم ... إذ راح في الصُّبح المحلَّى الأدهمُ
    ديباج ألوان الجياد ولم يكن ... ليخصَّ بالدِّيباج إلاَّ الأكرمُ
    ضحك اللُّجين على سواد أديمه ... وكذا الظَّلام تنير فيه الأنجمُ
    فكأنَّه ببنات نعش ملبَّب ... وكأنَّما هو بالثُّريا ملجمُ
    وقال أيضاً:
    من شكَّ في فضل الكميت فبينه ... فيه وبين يقينه المضمارُ
    في منظرٍ مستحسن أخباره ... محمودة إذ تبتلى الأخبارُ
    ماء تدفَّق طاعة وسلاسة ... فإذا استدرَّ الحضر منه فنارُ
    وصف الخلوق أديمه فكأنَّما ... أهدى الخلوق لجلده عطَّارُ
    قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرُّسغ وهي من العتاق قصارُ
    لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... لحكته في أشكالها الأطيارُ
    وقال أبو القاسم محمَّد بن هانئ:
    أما وأبي الطِّرف المنجَّب إنَّه ... حريٌّ بأن يحظى لديك خليقُ
    فإن لم أشاهده يجاري فإنَّه ... سيسبق عند النَّقع وهو يسوقُ
    من البهم ورد اللَّون شيب بكمتة ... كما شيب بالمسك الفتيق خلوقُ
    فلو مير منه كلُّ لون بذاته ... جرى سبج منه وذاب عقيقُ
    تهلَّل مصقول النَّواحي كأنَّه ... إذا جال ماء الحسن فيه غريقُ
    له منخر لا يملك البهر أمره ... ولا مسرح الأنفاس فيه يضيقُ
    وينصت للهيجاء سمعاً كأنَّه ... سنان عتيد للطِّعان ذليقُ
    ويخطو على صمٍّ خفيف وقوعها ... صلاب تردُّ الصُّمَّ وهي فليقُ
    تنافس فيه أعين ومسامع ... وتكبو رياح خلفه وبروقُ
    وقال أيضاً:
    فكم قائل لمَّا رآها شوافناً: ... أما تركوا ظبياً بتيماء أعفرا
    غداة غدت من أبلق ومجزَّع ... وورد ويحموم وأصدى وأشقرا
    ومن أدرع قد قنِّع اللَّيل حالكاً ... على أنَّه قد سربل الصُّبح مسفرا
    وأشعل ورديٍّ وأصفر مذهب ... وأدهم وضَّاح وأشهب أقمرا
    وذي كمتة قد نازع الخمر لونها ... فما تدَّعيه الخمر إلاَّ تنمَّرا
    محجّلة غرّاً وزهراً نواصعاً ... كأنَّ قباطيّاً عليها منشَّرا
    وبهماً إذا استقللن حوَّاً كأنَّما ... عللن إلى الأرساع مسكاً وعنبرا
    تودُّ البزاة البيض لو أنَّ قوتها ... عليها ولم ترزق جناحاً ومنسرا
    وقال المعرِّيُّ:
    وقد أغتدي والَّليل يبكي تأسفاً ... على نفسه والنَّجم للغرب مائلُ
    بريح أعيرت حافراً من زبرجد ... لها التِّبرجسم والُّلجين خلاخلُ
    كأنَّ الصَّبا ألقت إليَّ عنانها ... تخبُّ برحلي تارة وتناقلُ
    إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهلُ
    وقال أيضاً:
    لقد جشَّمت نفسك مثقلات ... فجشِّمهنَّ أربعة عجالا
    أذال الجري منه زبرجديّاً ... وما حقُّ المكرَّم أن يذالا
    وقد يلفى زبرجده عقيقاً ... إذا شهد الأمير به القتالا
    أخف من الوجيه يداً ورجلاً ... وأكرم في الجياد أباً وخالا
    وكلُّ ذؤابة في رأس خود ... تمنَّى أن تكون له شكالا
    يودُّ التِّبر لو أمسى حديداً ... إذا حذي الحديد له نعالا
    نشأن نع النَّعام بكلِّ دوٍّ ... فقد ألفت نتائجها الرِّئالا
    ولمَّا لم يسابقهنَّ شيء ... من الحيوان سابقن الظِّلالا
    وقال القسطلِّيُّ:
    سامي التَّليل كأنَّ عقد عذاره ... في رأس غصن البانة الميَّادِ
    يهدى بمثل الفرقدين وناب عن ... رعي السِّماك بقلبه الوقَّادِ
    وكأنَّما أطأ الأباطح والرُّبا ... بعقاب شاهقةٍ وحيَّة وادِ
    وكأنَّه من تحت سوطي خارجاً ... في الرَّوع شعلة قادح بزنادِ
    وقال يوسف بن هارون الرَّماديّ:
    وقد أغتدي والصُّبح في توريسه ... تقضي العيون له بوجه عليلِ
    بأقبَّ لون الآبنوس مفضَّض ... في غرّة منه وفي تحجيلِ
    يزهى بتجلية الِّجام كما زها ... ملك محلَّى الرَّأس بالإكليلِ
    مستغرق لصفات زيد الخيل وال ... غنويِّ والمزنيِّ والضِّلِّيلِ
    متقلِّب مرح القضيب الَّلدن قد ... مالت به الأرواح كلَّ مميلِ
    يعلو ويخفض في الصَّهيل كأنَّما ... هو مفرد لحناً لكلِّ صهيلِ
    فكأنَّ في فيه الملاهي حرَّكت ... لك في خفيف تارة وثقيلِ
    فبدت لنا بيض بعدن فلم تنل ... إلاَّ بعين الوهم والتخييلِ
    ريح ولكن ما تغبُّ بإثرها ... برقاً فلم تمطله بالتطويلِ
    قامت قوائمه لنا بطعامنا ... غضَّاً وقام العرف بالمنديلِ
    وقال ابن خفاجة:
    وأقبَّ وردي القميص بمثله ... يغشى الظلام وتقهر الظُّلمانُ
    متخايل في نشوة متطاول ... في عزَّة فكأنَّه نشوانُ
    ينقضُّ منه في العجاجة كوكب ... ويهيج في أشطانه شيطانُ
    متعشِّق لو غازلته مقلة ... لسلا به عن ميَّة غيلانُ
    فبدا وقد ملأ النفوس مسرَّةً ... وجرى فما ملئت به الأجفانُ
    متخطف ما شاءه متعطف ... فكأنَّما هو العيان عنانُ
    ولربَّ يوم كريهة قد خاضه ... سبحاً وميض سيوفه غدرانُ
    ومن الحميم بمعطفيه فضَّة ... ومن النَّجيع بصدره عقيانُ
    وقال ابن اللَّبَّانة:
    ملأت أعنتها إليك رياحا ... خيل غدت أجسادها أرواحا
    من كلِّ طيَّار يجيء كأنَّه ... من كلِّ عضو فيه هزَّ جناحا
    لبس الجلال المعلمات ذيولها ... كالخود تلبس للهداء وشاحا
    واهتزَّ غصناً من أمامي يانعاً ... وارتجَّ دعصاً خلف ذاك رداحا
    وغدا مجال السَّرج منه قرارةً ... للماء ضاق مكانها وانداحا
    من أدهم كاللَّيل راق أديمه ... فحسبت طيَّ ظلامه إصباحا
    ومورِّد لو كان يعرق خلته ... ورداً بماء الورد شنَّ ففاحا
    وكميت لون لا تشكُّ بأنَّه ... جمدت معاطفه وكانت راحا
    شكراً لمهديها إليك فإنَّما ... أهدى البوارق نيِّراً وضَّاحا
    وقال ابن حمديس:
    وطائرة بذَّ الخيول بها سبقا ... وقد لبست للعين من فرس خلقا
    إذا شئت ألقت بي على الغرب رجلها ... ونالت يد منها بوثبتها الشَّرقا
    كريح ترى من نقعها سحباً لها ... ومن رشحها قطراً ومن لحظها برقا
    وقال أيضاً:
    ومجرِّر في الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزَّبرجد منه جسم عقيقِ
    يجري ولمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيقِ
    ويكاد يخرج سرعة عن ظلِّه ... لو كان يرغب في فراق رفيقِ
    وقال أيضاً:
    ودُجنَّة كالنِّقس صبَّ على الثَّرى ... مزَّقت منها بالسُّرى جلبابا
    في متن ناهبة المدى يجري بها ... عرق تمكن في النِّجار وطابا
    بزبرجديَّات إذا علت الصَّفا ... وقعت نواقلها عليه صلابا
    ونكاد نشرب من تسامي جيدها ... ماء تسوق به الرِّياح سحابا
    ذعرت غراب الَّليل بي فكأنَّني ... لأصيده منها ركبت عقابا
    وقال عبد الكريم بن إبراهيم النَّهشليّ:
    هنتك أمير الجود خير هديَّة ... تقدَّمها الإيمان واليمن والفخرُ
    بيوم تسامى فيه ورد مسوَّم ... وأشقر يعبوب وسابحة حجرُ
    ودهم كأنَّ الَّليل ألقى رداءه ... عليها فمرفوع النَّواحي ومنجرُّ
    وقبلها ضوء الصَّباح كرامة ... فهنَّ إلى التحجيل مرثومة غرُّ
    وبلق تقاسمن الدُّجنَّة والضُّحى ... فمن هذه شطر ومن هذه شطرُ
    ولاحقة الأقراب لو جازت الصَّبا ... كبت خلفها واعتاق ريح الصَّبا حسرُ
    كرائم مكتوب أبوها ومذهب ... تلوح عليهنَّ المشابه والنَّجرُ
    مجزَّعة غرٌّ كأنَّ جلودها ... تجزَّع فيها اللؤلؤ الرَّطب والشَّذرُ
    وصفر كأنَّ الزَّعفران خضابها ... وإلاَّ فمن ماء العقيق لها قشرُ
    وشهب: من اللُّجِّ استعيرت متونها ... ومن طرر الأقمار أوجهها القمرُ
    إذا هزَّها مشي العرضنة عارضت ... قدود العذارى هزَّ أعطافها السُّكرُ
    عليها السُّروج المحكمات إذا مشت ... بها الخلاء الخيل رنَّحها الكبرُ
    وقال أبو بكر بن العطَّار:
    والجيش قد جعلت أبطاله مرحاً ... تختال عن خيلاء السُّبَّق العتقِ
    إذا تسعَّرت الهيجاء أخمدها ... ما في معاطفها من ندوة العرقِ
    هي البحور ولكن في كواثبها ... عند الكريهة منجاة من الغرقِ
    وقال النَّحلي:
    حمل البدر جواد سابح ... تقف الريح لأدنى مهلهْ
    لبس اللَّيل قميصاً سابغاً ... فالثُّريَّا نقط في كفلهْ
    وكأنَّ الصُّبح قد خيض بها ... فبدا تحجيله من بللهْ
    كلُّ مطلوب وإن طارت به ... رجله من أجله في أجلهْ
    وقال ابن وضَّاح المرسيُّ:
    ولقد غدوت مشرّقاً حتّى إذا ... ما لم أشم برقاً لأفق المغربِ
    بأغرَّ أوجس للسَّماء بسمعه ... يرميه بين المقلتين بكوكبِ
    وتفتحت أوضاحه في شعره ... فأتاك بين مفضَّض ومذهَّبٍ!
    أوصاف السِّلاح
    وصف السُّيوف
    قال النَّابغة الذُّبيانيُّ:
    ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهنَّ فلول من قراع الكتائبِ
    تورِّثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جرَّبن كلَّ التَّجاربِ
    تقدُّ السَّلوقيَّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصُّفَّاح نار الحباحبِ
    وقال النَّمر بن تولب في سيف شبَّه نفسه به:
    أبقى الحوادث والأيَّام من نمر ... آثار سيف قديم أثره بادِ
    يكاد يحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذِّراعين والسَّاقين والهادي
    وقال إسحاق بن خلف البهراني:
    ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاحِ
    وكأنَّما ذرَّ الهبا ... ء عليه أنفاس الرِّياحِ
    وقال أبو الهول:
    حاز صمصامة الزُّبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمينُ
    فكأنَّ الفرند والرَّونق الجا ... ري في صفحتيه ماء معينُ
    يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل يأتنسن فيه العيونُ
    ما يبالي إذا الضَّريبة جاءت ... أشمال سطت به أم يمينُ
    وقال منصور النّمري:
    ذكر برونقه الدِّماء كأنَّما ... يعلو الرجال بأرجوان فاقعِ
    وترى مساقط شفرتيه كأنَّما ... ملح تناثر من وراء الدراعِ
    وكأنَّ وقعته بجمجمة الفتى ... خدر المنيَّة أو نعاس الهاجعِ
    وقال البحتري:
    يتناول الروح البعيد مناله ... عفواً ويفتح في القضاء المقفلِ
    ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقلِ
    يغشى الوغى فالتُّرس ليس بجنَّة ... من حدِّه والدِّرع ليس بمعقلِ
    متوقِّد يبري بأوَّل ضربة ... ما أدركت ولو أنَّها في يذبلِ
    مصغٍ إلى حكم الرَّدى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدلِ
    وإذا أصاب فكلُّ شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتلِ
    وكأنَّما سود النِّمال وحمرها ... دبّت بأيدٍ في قراه وأرجلِ
    حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضَّة لم تذبلِ!
    وقال ابن الرُّومي:
    خير ما استعصمت به الكفُّ عضبٌ ... ذكر حدُّه أنيث المهزِّ
    ما تأملته بعينيك إلاَّ ... أرعدت صفحتاه من غير هزِّ
    مثله أفزع الشُّجاع على الدِّر ... ع فغالى به على ذكر كلِّ بزِّ
    ما تبالي أصمَّمت شفرتاه ... في محزٍّ أم جارتا عن محزِّ!
    وقال محمّد بن هاني:
    وذي شطب قد جلَّ عن كلِّ جوهر ... فليس له شكل وليس له جنسُ
    كما قابلت عين من اليمِّ لجّةً ... وقد نحرتها في مطالعها الشَّمسُ
    وقال المعري:
    دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطِّوال الرُّدينيَّات فافتخرِ
    وكلِّ أبيض هنديٍّ له شطب ... مثل التَّكسُّر في جار بمنحدرِ
    تغايرت فيه أرواح تموت به ... من الضَّراغم والفرسان والجزرِ
    ما كنت أحسب جفناً قبل مسكنه ... في الجفن يطوى على نار ولا نهرِ
    ولا ظننت صغار النَّمل يمكنها ... مشي على اللُّجِّ أو سعي على السُّعرِ
    وقال أبو بكر الخالدي:
    مترقرق متوقِّد عجباً له ... نار وماء كيف يجتمعانِ!
    وكأنَّما أبواه صرفا دهرنا ... أو كان يرضع درَّة الحدثانِ
    تجري مضاربه دماً يوم الوغى ... فكأنَّما خدَّاه مفتصدانِ
    وقال يحيى بن هذيل:
    فاختصَّني بمهنَّد ذي هبَّة ... عضب إذا استنصرته لا يخذلُ
    أوحى وأوجز من إعادة نظرة ... في وجه معشوقٍ يصدُّ ويبخلُ
    يسري مع الرَّاح الرَّحيق وإنَّه ... منها لألطف في الجسوم وأدخلُ
    ويريك أنّ على يدي مستلِّه ... نسجاً من الآل الذي يتخيَّلُ
    لا يقدر الدّم أن يرى في نصله ... فكأنَّما لم ينفصل ما يفصلُ!
    وقال أيضاً:
    وموات حتَّى إذا حرَّكته ... من جناني إشارة فهو نازِ
    فيه من صفحتيه ماء ونار ... خلطا فيهما بغير انحيازِ
    كيف لا يفتكان هذا بهذا ... مثل هذا بغاية الإعجازِ!
    ويصلِّي على الرؤوس ولكن ... أجره قطعها مع الأحوازِ
    مشرئبٌّ وقد أبان ولكن ... لم تنله دماً مع الإنجازِ
    وقال ابن حمديس:
    روح إذا أخرجته من جسمه ... دخل الجسوم فأخرج الأرواحا
    وكأنَّه قفر لعينك مقفر ... أبداً تمرُّ بمائه ضحضاحا
    وكأنَّما جنٌّ تريك تخيُّلاً ... فيه الحسان من الوجوه قباحا!
    وقال الأعمى:
    هيم رواء لو أنَّ الماء صالحها ... لزلَّ أو زال عنها وهو ظمآنُ
    موتى فإن خلعت أكفانها علمت ... أنَّ الدُّروع على الأبطال أكفانُ!
    وقال أيضاً:
    يكاد يسيل الغمد في ماء متنه ... وفي مضربيه النَّار والحطب الجزلُ
    تغار عليه الشَّمس من كلِّ نظرة ... فتعشيه عنه وهو في متنه صقلُ
    ترى حيثما أبصرته الموت كلَّه ... وإن لم يسلطه القتال ولا القتلُ
    ويفهم عنه الحلم من كلِّ هزَّة ... وإن كان ممَّا هزَّ أعطافه الجهلُ
    وربَّ جنون لا يداوى صريعه ... تعلَّم منه كيف يكتسب العقلُ
    تراع الأسود الغلب من شفراته ... وقد أثَّرت فيه كما يزعم النَّملُ
    به ما بأجسام المحبِّين من ضنى ... وإن لم يتيِّمه دلال ولا دلُّ
    له بمكان العقد والحجل في الوغى ... مآرب ليس العقد منها ولا الحجلُ
    له هبَّة لا من أناة ولا ونى ... إلى حيث لم يسبقه عذر ولا عذلُ
    وقال ابن خفاجة:
    لله أيُّ شهاب بأس ساطع ... أدمى ظباه أيُّ يوم عراكِ
    فكأنَّه والنَّصر يخضب نصله ... ثغر عليه خضرة المسواكِ
    أوصاف الرِّماح والدُّروع
    قال امرؤ القيس بن حجر:
    وأعددت للحرب وثَّابة ... جواد المحثَّة والمرودِ
    ومشدودة السَّكِّ موضونة ... تضاءل في الطَّيِّ كالمبردِ
    تفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتيِّ على الجدجدِ
    وقال عنترة:
    لمَّا رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمَّمِ
    يدعون عنتر والرِّماح كأنَّها ... أشطان بئر في لبان الأدهمِ
    وقال الأعشى:
    وأعددت للحرب أوزارها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
    ومن نسج داوود موضونة ... تساق مع الحيِّ عيراً فعيرا
    لها جرس كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبورا
    وقال عمرو بن معدي كرب:
    تمنّاني وسابغتي دلاص ... كأنَّ قتيرها حدق الجرادِ
    وقال المزرد أخو الشمّاخ:
    أصمّ إذا ما هزَّ مالت سراته ... كما مال ثعبان الرِّمال الموائلُ
    له رائد ماضي الغرار كأنَّه ... هلال بدا في ظلمة اللَّيل ناحلُ
    ومطَّرد لدن الكعوب كأنَّما ... تغشاه منباع من الزَّيت سائلُ
    وقال عبد القيس بن خفاف البرجميّ:
    وأصبحت أعددت للنَّائبا ... ت عرضاً بريئاً وعضباً صقيلا
    ووقع لسان كحدِّ السِّنان ... ورمحاً طويل القناة عسولا
    وسابغة من جياد الدِّلا ... ص تسمع للبيض فيه صليلا
    كفيض الغدير زفته الدُّبو ... ر يجرُّ المدجَّج منها فضولا
    وقال حبيب بن أوس:
    مثقَّفات سلبن الرُّوم زرقتها ... والعرب أدمتها والعاشق القضفا
    ما إن رأيت سواماً قبلها هملاً ... ترعى فيهدي إليها رعيها عجفا
    وقال أيضاً:
    إذ لا معوَّل إلاَّ كلُّ معتدل ... أصمَّ يبرِّئ أقواماً من الصَّممِ
    إن أجزمت لم تنصَّل من جرائمها ... وإن أساءت إلى الأقوام لم تلمِ
    وقال ابن المعتزّ:
    وفارس أغمد في لجَّة ... تقطِّع السيف إذا ما وردْ
    كأنَّما ماء عليه جرى ... حتى إذا ما عاد فيه جمدْ
    في كفِّه عضب إذا هزَّه ... حسبته من خوفه يرتعدْ
    وقال أيضاً:
    ولي كلُّ خوَّار العنان مجرّب ... كميت عناه الجري فهو مطارُ
    وعضب حسام الحدِّ ماض كأنَّه ... إذا لاح في وقع الكتيبة نارُ
    وقمص حديد ضافيات ذيولها ... لها حدق خزر العيون صغارُ
    وبيض كأنصاف البدور أبيَّة ... إذا امتحنتهنَّ السُّيوف خيارُ
    وقال المتنبّي:
    نودِّعهم والبين فينا كأنَّه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلقِ
    قواض مواض نسج داوود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخدرنقِ
    هواد لأملاك الجيوش كأنَّها ... تخيَّر أرواح الكماة وتنتقي
    تقدُّ عليهم كلَّ درع وجوشن ... وتفري إليهم كل سور وخندقِ
    يغير بها بين اللُّقان وواسط ... ويركزها بين الفرات وجلَّقِ
    ويرجعها حمراً كأنَّ صحيحها ... يبكِّي دماً من رحمة المتدقِّقِ
    وقال أيضاً:
    تردُّ عنه قنا الفرسان سابغة ... صوب الأسنَّة في أثنائها ديمُ
    تخطُّ فيها العوالي ليس تنفذها ... كأنَّ كلَّ سنان فوقها قلمُ
    وقال التِّهامي:
    قوم إذا لبسوا الدُّروع حسبتها ... سحباً مزرّرة على أقمارِ
    وكأنَّما ملؤوا عباب دروعهم ... وغمود أنصلهم سراب قفارِ
    وكأنَّما صنع السَّوابغ عزَّه ... ماء الحديد فصاغ ماء قرارِ
    زرداً وأحكم كل موضع حلقة ... بحبابة في موضع المسمارِ
    فتدرعوا بمتون ماء راكد ... وتقنَّعوا بحباب ماء جارِ
    وقال المعرِّيّ:
    ملقِّي نواصي الخيل كلَّ مرشَّة ... من الطَّعن لا يرجو البقاء طعينها
    ومثكل فرسان الوغى كلَّ نثرة ... يودُّ خليج راكد لو يكونها
    إذا ألقيت في الأرض وهي مفازة ... من الماء خلت الأرض يجري معينها
    وتبغي على القاع السَّويِّ تثبتّاً ... فيمنعها من أن تثبت لينها
    وما برحت في ساحة السَّهل يرتمي ... بها موجها حتَّى نهته حزونها
    غدير وشته الرِّيح وشية صانع ... فلم يتغيَّر حين دام سكونها
    كأنَّ الدَّبى غرقى به غير أعين ... إذا رُدَّ فيها ناظر يستبينها
    وما حيوان البرِّ فيها بسالم ... إذا لم يغثه سيفها أو سفينها
    فلو لم يضعها عنه للسِّلم فارس ... لخلِّد ما دامت عليه غضونها
    وقال أيضاً:
    مناجد لبَّاسون كلَّ مفاضة ... كأنَّ غديراً فاض منها على الجسمِ
    كأنَّهم فيها أسود خفيَّة ... ولكن على أكتادها حلل الرُّقمِ
    وقال أيضاً:
    أقائدها تغصُّ الجوَّ نقعاً ... وفوق الأرض من علق جسادُ
    عليها اللاَّبسون لكلِّ هيج ... بروداً غمض لابسها سهادُ
    كأثواب الأراقم مزَّقتها ... فحاطتها بأعينها الجرادُ!
    وقال أبو الفضل بن شرف:
    حيث السَّوابق تردى وهي دامية ... والبيض واضحة في العثير الكدرِ
    والزَّاعبية لم يصحبن عن وهل ... والسَّابريَّة لم يلبسن عن خورِ
    من كلِّ ماذيَّة أنثى فيا عجباً ... كيف استهانت بوقع الصَّارم الذّكرِ
    مثل البوارق إذ أومضن عن سحبٍ ... أو الجداول لمَّا فضن عن غدرِ
    إن قلت: نار، أتندى النَّار ملهبة؟ ... أو قلت: ماء أيرمي الماء بالشَّررِ؟!
    وقال أيضاً:
    جمع السَّرد قوى أزرارها ... فتآخذون بعهد موثقِ
    تستزلُّ الكفَّ عن صفحتها ... فهي منها في صعيد زلقِ
    وجلت في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حلقاً في حلقِ
    وقال التُّطيلي:
    تهاب المنايا في عصاً أو حديدة ... وتوهن ما دارت به الأعين النُّجلُ
    ولم أر شيئاً مثله طال طوله ... إلى الموت إلاَّ ما تنازعه النَّبلُ
    جرى الموت في عطفيه بدأ وعودة ... كما كان يجري فيهما الماء من قبلُ
    فأصبح ممَّا ذاق، منبته الكلى ... كما كان ميَّاداً ومنبته الرَّملُ
    وصف الأقلامقال حبيب بن أوس:
    لك القلم الأعلى الَّذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ
    له الخلوات اللاَّء لولا نجيُّها ... لما احتفلت للملك تلك المحافلُ
    لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسلُ
    له ريقة طلٍّ ولكنَّ وقعها ... بآثاره في الشَّرق والغرب وابلُ
    فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجلُ
    إذا ما امتطى الخمس الِّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافلُ
    أطاعته أطراف القنا وتقوَّضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ
    إذا استغزر الذِّهن الذَّكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافلُ
    وقد رفدته الخنصران وسدَّدت ... ثلاث نواحيه الثَّلاث الأناملُ
    رأيت جليلاً شأنه وهو مرهف ... ضنىً وسميناً خطبه وهو ناحلُ
    وأنشد الصُّولي لطلحة بن عبيد اللَّه:
    وإذا أمرَّ على المهارق كفَّه ... بأنامل يحملن شختاً مرهفا
    متقاصراً متطاولاً ومفصَّلاً ... وموصَّلاً ومشتَّتاً ومؤلَّفا
    ترك العداة رواجفاً أحشاؤها ... وقلاعها قلعاً هنالك رجَّفا
    كالحيَّة الرَّقشاء إلاَّ أنَّه ... يستنزل الأروى إليه تلهُّفا
    يرمي به قلم يمجُّ لعابه ... فيعود سيفاً صارماً ومثقَّفا
    وقال أبو الفتح البستي:
    إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم ... وعدُّوه ممَّا يكسب العزَّ والكرمْ
    كفى قلم الكتَّاب مجداً ورفعةً ... مدى الّهر أنَّ الله أقسم بالقلمْ
    وقال محمّد بن أحمد الأصبهانيّ:
    أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كلِّ ما شئت من الأمرِ
    يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السِّرَّ وما يدري
    كعاشق أخفى هواه وقد ... نمَّت عليه عبرة تجري
    تبصره في كلِّ أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعري
    يرى أسيراً في دواة وقد ... أطلق أقواماً من الأسرِ
    أخرق لو لم تبره لم يكن ... يريش أقواماً وما يبري
    كالبحر إذ يجري وكاللَّيل إذ ... يسري وكالصَّارم إذ يفري
    وقال أحمد بن جرار:
    أهيف ممشوق لتحريكة ... يحلُّ عقد السِّرِّ إعلانُ
    ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصاً له روح وجثمانُ
    كأنَّما يسحب في ذيله ... ذيلاً من الحكمة سحبانُ
    لولاه ما قام منار الهدى ... ولا سما بالملك ديوانُ!
    وقال ابن المعتزِّ:
    قلم ما أراه أم فلك يج ... ري بما شاء قاسم ويسيرُ
    خاشعاً في يديه يلثم قرطا ... ساً كما قبَّل البساط شكورُ
    ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغيرُ
    كم منايا وكم عطايا وكم حت ... ف وعيش تضمُّ تلك الصُّدورُ
    نقشت بالدُّجى نهاراً فما أد ... ري أخطُّ فيهنَّ أم تصويرُ!
    وقال عليُّ بن العبَّاس النُّوبختيّ:
    إن يخدم القلم السَّيف الذي خضعت ... له الرّقاب ودانت خوفه الأممُ
    فالموت والموت لا شيء يغالبه ... مازال يتبع ما يجري به القلمُ
    بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ
    باب
    الأمثال والحكمقال زهير بن أبي سلمى:
    سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ
    رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمَّر فيهرمِ
    وأعلم علم اليوم والأمس دونه ... ولكنَّني عن علم ما في غد عمي
    ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرِّس بأنياب ويوطأ بمنسمِ
    ومن يك ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذممِ
    ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتَّقي الشَّتم يشتمِ
    ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّم ومن لا يظلم الناس يظلمِ
    ومن هاب أسباب المنيَّة يلقها ... ولو رام أسباب السَّماء بسلَّمِ
    ومن يعص أطراف الزجاج فإنَّه ... يطيع العوالي ركِّبت كلَّ لهذمِ
    ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن الأرض لا يتجمجمِ
    ومن يغترب يحسب عدوّاً صديقه ... ومن لا يكرِّم نفسه لا يكرَّمِ
    ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على النَّاس تعلمِ
    ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوماً من الدّهر يسأمِ
    وقال أيضاً:
    وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجه ... وتغرس إلاَّ في منابتها النَّخلُ؟
    وقال أيضاً:
    والسِّتر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من سترِ
    وقال امرؤ القيس:
    الله أنجح ما طلبت به ... والبرُّ خير حقيبة الرَّحلِ
    وقال أيضاً:
    ألا إنَّ بعد العدم للمرء قنوةً ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا
    وقال أيضاً:
    إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزَّانِ
    وقال أيضاً:
    ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللِّسان كجرح اليدِ
    وقال أيضاً:
    وإنَّك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلَّبِ
    وقال النّابغة الذُّبياني:
    الرِّفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
    وقال أيضاً:
    حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهبُ
    ولست بمستبق أخاً لا تلمُّه ... على شعث أيُّ الرِّجال المهذَّبُ؟
    وقال طرفة بن العبد:
    ستبدي لك الأيَّام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّدِ
    وقال أيضاً:
    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلُّ قرين بالمقارن مقتدي
    وقال أيضاً:
    وإنَّ لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوارته لدليلُ
    وقال الحطيئة:
    من يفل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنَّاسِ
    وقال أيضاً:
    ما كلَّف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلاَّ بما تجدُ
    وقال المرقَّش:
    فمن يلق خيراً يحمد النَّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيِّ لائما
    وقال أبو ذؤيب:
    والنَّفس راغبة إذا رغَّبتها ... وإذا تردُّ إلى قليل تقنعِ
    وقال طرفة أيضاً:
    قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدبُ
    إنَّ الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوَّمتها الخشبُ
    وقال أحيحة بن الجلاح:
    وما يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغنيُّ متى يعيلُ
    وقال حسّان:
    ربَّ علم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطَّى عليه النّعيمُ
    وقال هدبة بن خشرم:
    ولست بمفراحٍ إذا الدَّهر سرَّني ... ولا جازع من صرفه المتقلِّبِ
    ولا أتبغَّى الشَّرَّ والشَّرُّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشَّرِّ أركبِ
    وقال عمرو بن معدي كرب:
    إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ
    وقال آخر:
    من لم يؤدِّبه والداه ... أدبَّه اللَّيل والنَّهارُ
    وقال آخر:
    قدَّر الله وارداً ... حين يقضى ورودهُ
    وأخو الحرص حرصه ... ليس ممَّا يزيدهُ
    فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريدهُ
    وقال الأضبط بن قريع:
    قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعهْ
    فاقنع من الدَّهر ما أتاك به ... من قرَّ عيناً بعيشه نفعهْ
    وقال النَّابغة الجعديُّ:
    ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدَّرا
    ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أوردا الأمر أصدرا
    وقال حاتم الطائي:
    ومن يتخذ خيماً سوى خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النَّفس خيمها
    وقال آخر:
    لا تحمدن أمرأ حتَّى تجرِّبه ... ولا تذمَّنَّه من غير تجريبِ
    فرب خدن وإن أبدى بشاشته ... يضحي على خديه أعدى من الذِّيبِ
    وقال أبو الأسود الدُّؤلي:
    لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيمُ
    فابدأ بنفسك فانهما عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
    وقال دعبل:
    إنَّ الكرام إذا ما أسودوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشنِ
    وقالت الخنساء:
    إذا لم يكن منكنَّ ظلٌّ ولا جنى ... فأبعدكنَّ الله من شجراتِ!
    لا أذود الطَّير عن شجر ... قد بلوت المرَّ من ثمرِهْ
    وقال أوس بن حجر:
    إذا أنت نأوات الرِّجال فلم تنؤ ... بقرنين عزَّتك القرون الأوائلُ
    إذا ما قرناك لم يهتضمهما ... عزيز ولم يأكل ضعيفك آكلُ
    وما يستوي قرن النِّطاح الذي به ... تنوء وقرن كلَّما قمت مائلُ!
    وقال الأخطل:
    وإذا افتقرت إلى الذَّخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمالِ
    وقال الكميت:
    إذا لم يكن إلاَّ الأسنَّة مركب ... فلا رأي للمضطرِّ إلاّ ركوبها
    وقال كثيّر:
    ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ
    ومن يتتبَّع جاهداً كلَّ عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدَّهر صاحبُ
    وقال القطامي:
    قد يدرك المتأنِّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزَّللُ
    وقال آخر:
    خفِّض الصَّوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنَّهار صوب الكلامِ
    وقال آخر:
    وأجرأ من رأيت يظهر غيب ... على عيب الرِّجال ذوو العيوبِ
    وقال آخر:
    كأنَّ الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكاً إذا ما تموَّلا
    وقال آخر:
    إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهادُهُ
    وقال محمَّد بن يسير:
    أخلق بذي الصَّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
    وقال ربيعة الرَّقِّي:
    فلا تخضعنَّ إلى ساقط ... ولو كانت الأرض في كفِّهِ
    ولا تسأل الناس ما يملكون ... ولكن سل الله واستكفهِ
    وقال الطرمّاح بن حكيم:
    وما منعت دار ولا عزَّ أهلها ... من النَّاس إلا بالقنا والقنابلِ
    وقال عبد الله بن معاوية:
    وعين الرِّضا عن كلِّ عيب كليلة ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا
    وقال أيضاً:
    إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشَّوك لا يحصد به عنبا
    إنَّ العدوَّ وإن أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا
    وقال آخر:
    وإنَّ امرأً يمسي ويصبح سالماً ... من النَّاس إلاَّ ما جنى لسعيدُ
    وقال ابن مناذر:
    ما يضرُّ البحر أمسى زاخراً ... إن رمى فيه وليد بحجرْ
    وقال أيضاً:
    وترى النَّاس كثيراً فإذا ... عدَّ أهل الفضل قلُّوا في العددْ
    لا يقلُّ المرء في القصد ولا ... يعدم الإقلال من لم يقتصدْ
    لا تقل شعراً ولا تهمم به ... وإذا قلت شعراً فأجدْ
    وقال حبيب بن أوس:
    ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذاً من جهلهنَّ البهائمُ
    وقال أيضاً:
    والسيف مالم يلف فيه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقالِ
    وقال أيضاً:
    قد ينعم الله البلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنِّعمِ
    وقال أيضاً:
    وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنَّها من مالهِ
    وقال أيضاً:
    وما السَّيف إلاَّ زبرة لو تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطعُ
    وقال أيضاً:
    الحقُّ أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذارِ
    وقال أيضاً:
    وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسودِ
    لولا اشتعال النَّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العودِ
    وقال يزيد المهلّبي:
    من ذا الذي ترضى سجاياه كلَّها ... كفى المرء نبلاً أن تعدَّ معايبهْ
    وإنَّ المسفَّ الجون يخلف ودقه ... وإنَّ الحسام العضب تنبو مضاربهْ
    وقال ابن المعتزِّ:
    كم نعمة لله في صرف نعمة ... ترجَّى ومكروه حلا بعد إمرارِ
    وما كلُّ ما تهوى النُّفوس بصائر ... ولا كلُّ ما تخشى النُّفوس بضرَّارِ
    وقال أيضاً:
    كم فرصة ذهبت فصارت غصةً ... بذهابها تشجي بطول تلهُّف
    وقال البحتري:
    وما السَّيف إلاَّ بزُّ غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السَّيف حاملهْ
    وقال عمارة بن عقيل:
    وما النَّفس إلاَّ نطفة بقرارة ... إذا لم تكدَّر كان صفواً غديرها
    وقال ابن أبي عيينة:
    ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكونُ
    وقال آخر:
    إذا ضي&