اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 مايو 2022

مج 3. و4.مجلد كتاب : الإمتاع والمؤانسة أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي

مجلد 3. كتاب : الإمتاع والمؤانسة أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي
وما أغفل الإنسان عن حق الله الذي له هذا الملك المبسوط ، وهذا الفلك المربوط ؛ وهذه العجائب التي تصعد فوق العقول التامة بالاعتبار والاختبار بعد الاختبار ؛ وإنما بث الله تعالى هذا الخلق في عالمه على هذه الأخلاق المختلفة والخلق المتباينة ، ليكون للإنسان المشرف بالعقل طريقٌ إلى تعرف خالقها ، وبيانٌ لصحة توحيده له بما يشهد من أعاجيبها ، ونيلٌ لرضوانه بما يتزود من عبره التي يجد فيها ، وليكون له موقظٌ منها ، وداعٍ حادٍ إلى طاعة من أبداها وأبرزها ، وخلطها وأفردها . فقال : قد كنت قلت : إنه يجري كلامٌ في النفس منذ ليالٍ ، فهل لك في ذلك ؟ . قلت : أشد الميل وأوحاه ، لكن بشرط أن أحكي ما عندي ، وأروي ما حصلت من هذه العصابة بسماعي وسؤالي . فقال : نستأنف الخوض في ذلك - إن شاء الله - فإن النعسة قد حدثت العين ، فأنا كما قال : قد جعل النعاس يغر نديني . . . أدفعه عني ويسر نديني أنشدني أبياتاً ودعني بها ، ولتكن من سراة نجد ، ليشتم منها ريح الشيخ والقيصوم . فأنشدته لأعرابي قديم : مطرنا فلما أن روينا تهادرت . . . شقاشق منها رائبٌ وحليبورامت رجالٌ من رجالٍ ظلامةً . . . وعادت ذحولٌ بيننا وذنوب ونصت ركابٌ للصبا فتروحت . . . لهن بما هاج الحبيب حبيب وطئن فناء الحي حتى كأنه . . . رجا منهلٍ من كرهن نخيب بنى عمنا لا تعجلوا ينضب الثرى . . . غليلاً ويشفى المسرفين طبيب فلو قد تولى النبت وامتيرت القرى . . . وحثت ركاب الحي حين تؤوب وصار عيوف الخود وهي كريمةٌعلى أهلها ذو جدتين قشيب وصار الذي في أنفه خنزوانةٌ . . . ينادي إلى داعي الردى فيجيب أولئك أيامٌ تبين ما الفتى . . . أكابٍ سكيتٌ أم أشم نجيب فعجب وقال : هذا جنى غرسٍ قد جذ أصله ، ونزيح قليبٍ قد غار مده وجزره ، وانصرفت .الليلة الثالثة عشرة
فلما حضرت ليلةً أخرى قال : هات . قلت : إن الكلام في النفس صعب ، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم مجال ، وللوهم عليهم سلطان ، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه ، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه ، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح . قال بعض الفلاسفة : إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن ، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئاً فإنه لا يتصوره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف ، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل ، فيظن الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن ، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسمية . وقد تعرف النفس أيضاً الآن من الزمان والوحدة واليقظة ، وليس لأحد أن يقول : إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس ، ففعل النفسي إذن يفارق البدن ، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال : للنفس أفعال تخصها خلوٌ من البدن ، مثل التصور بالعقل ، وكل ما له فعل يخصه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة . وقال أيضاً : وجدنا الناس متفقين على أن النفس لا تموت ، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم ، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا تموت ، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر ؛ ما كانوا يستغفرون لهم ، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورونقبورهم . وقال أيضاً : النفس لا تموت ، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن ، إذ كان يدبر البدن ويرأسه . والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء ، والرئيس لها . والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس . وقال أيضاً : النفس قابلة للأضداد ، فهي جوهر ، فالفائدة أن النفس جوهر . وقال : النفس ليست بهيولى ، فلو كانت هيولى لكانت قابلةً للعظم ، فليست النفس إذاً بهيولى . وقال : ليست النفس بجسم ، لأن النفس نافذة في جميع أجزاء الجسم الذي له نفس ، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم ؛ ولا هيولى ، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم ، وفائدة هذا أن النفس جوهر على طريق الضرورة . وقال آخر : حركة كل متحرك تنقسم قسمين : أحدهما من داخل ، وهو قسمان : قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة ، كحركة النار ما دامت ناراً ، وقسمٌ هو كحركة النفس تهيج أحياناً وتسكن أحياناً ، وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة . والقسم الآخر من خارج ، وهو قسمان : أحدهما يدفع دفعاً كما يدفع السهم ويطلق عن القوس ، والآخر يجر جراً كما تجر العجلة والجيفة . وقال : فنقول : ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعاً دفعاً ولا مجروراً جراً ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركاً لا محالة من داخل ، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطراراً . وقال : إن كان جسدنا متحركاً من داخل ، وكان كل متحرك من داخل إما متحركاً حركةً طبيعية لا تسكن ، وإما نفسية تسكن .فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن ، بل ساكنة لا تدوم ، وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركةً طبيعية لا تسكن ، بل نفسيةً من قبل نفسٍ تحركه وتحسسه . بوقال : إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحركه ، وكان كل محرك يحرك غيره حياً قائماً موجوداً ، فالنفس إذاً حيةٌ قائمة موجودة . وقال أيضاً : النفس جوهر لا عرض ، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغير ، وهذا لازم للنفس ، لأنها تقبل العلم والجهل ، والبر والفجور ، والشجاعة والجبن ، والعفة وضدها ، وهذه أشياء أضدادٌ ، من غير أن تتغير في ذاتها ، فإذا كانت النفس قابلةً لحد الجوهر ، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر . وقال : قد استبان أن النفس هي المحيية المحركة للجسد الذي هو الجوهر ولما كان كل محيٍ حركٍ للجوهر جوهراً فالنفس إذاً جوهر . وقال : لا سبيل أن يكون المحيا المحرك جوهراً ويكون المحيي المحرك غير جوهر ، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد ، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرك للموجود غير موجود ، فالنفس إذاً لا يمكن أن تكون غير موجودة . وقال : إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد ، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد ، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد . وقال : إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد ، فما كان قائماً بذاته فهو جوهر ، فالنفس إذا جوهر . وقد أملى علينا أبو سليمان كلاماً في حديث النفس هذا موضعه ، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموماً إلى غيره ، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير - أبقاه الله ومد في عمره - لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالفٌ للإفاضة باللسان ، لأن القلم أطول عناناً من اللسان ، وإفضاء اللسان أحرج منإفضاء القلم ، والغرض كله الإزادة ، فليس يكثير الطويل . قال : ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا شيئاً ليس بجسم له مدات ثلاث : أعني الطول والعرض والسمك ، ولا يجزأ من جسم ولا عرض من الأعراض ، ولا حاجة به إلى قوة جسمية ، لكنه جوهر مبسوط غير مدرك بحس من الإحساس . ولما وجدنا فينا شيئاً غير الجسم وضد أجزائه بحدته وخاصته ، ورأينا له أحوالاً تباين أحوال الجسم حتى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض ، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساماً والأعراض أعراضاً ؛ قضينا أن ها هنا شيئاً ليس بجسم ولا جزء من الجسم ، ولا هو عرض ، ولذلك لا يقبل التغير ولا الحيلولة ، ووجدنا هذا الشيء أيضاً يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال ، ويتضح هذا بشيء أقوله : كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورةً أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته الصورة الأولى ، مثال ذلك أن الجسم إذا قبل صورةً أو شكلاً كالتثليث ، فليس يقبل شكلاً آخر من التربيع والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول . وكذلك إذا قبل نقشاً أو مثالاً فهذا حاله ، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح ، بل تنقش فيه الصورتان ، ولا تتم واحدة منهما ، وهذا يطرد في الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقشٍ في الخاتم ؛ ونحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز ، وهذه الخاصة ضدٌ لخاصة الجسم ، ولهذا يزداد الإنسان بصيرةً كلما نظر وبحث وارتأى وكشف . ويتضح أيضاً عن كثب أن النفس ليست بعرض ، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره ، فهو محمول لا حامل وليس هو قواماً ، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل ، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض .وكان يقول : إذا صدق النظر ، وكان الناظر عارياً من الهوى ، وصح طلبه للحق بالعشق الغالب ، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن ، وبين البدن المتحرك بالنفس . قال : ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم ، ولم يكن لهم لحظ ولا اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعاً . وهذا ظن فيه عسف ، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورةٍ واحدة ، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما . ألا ترى أن البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس ؟ هذا ظاهر . وليس هذا حكم النفس في شأنها مع البدن ، لأ ، ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة ، فما زالت تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى ، ووجد الإنسان بها ، لأن النفس وحدها ليست بإنسان ، والبدن وحده ليس بإنسان ، بل الإنسان بهما إنسان ، فإذاً الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن . وهذه الكثرة توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها ، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة ، ويضمه إلى الأفعال الواجبة الصالحة ، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين الخالص ، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه . وغاية المعرفة الاتصال بالمعروف ، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار الله ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة . فأما من هو عن هذا كله عمٍ وعما يجب عليه ساهٍ ، فهو في قطيع النعم ، وإن كان متقلباً في أصناف النعم .وكان يقول كثيراً : الناس أصناف في عقولهم : فصنفٌ عقولهم مغمورة بشهواتهم ، فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة ، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها ، ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر . وصنف عقولهم منتبهة ، لكنها مخلوطة بسبات الجهل ، فهم يحرضون على الخير واكتسابه ، ويخطئون كثيراً ، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعتٌ موجود في العباد الجهلة والعلماء الفجرة ، كما أن النعت الأول موجودٌ في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة . وصنفٌ عقولهم ذكيةٌ ملتهبة ، لكنها عمية عن الآجلة ، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية ، وهذا نعت موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم ، ولا حق عندهم الحق اليقين ؛ وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد ، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب الراحة . وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي ، والاصطفاء السني ، والاجتنباء الزكي ، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة ؛ فتراهم حضوراً وهم غيب ، واشياعاً وهم متباينون . وكل صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة ، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ . وهذا كما تقول : الملوك ساسةٌ ، ولكل واحد منهم خاصة ؛ وكما يقولون : هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم بحر ؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول : علماء ، ولكل واحد منهم مذهب .وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا الطريق أطرب ، لسعة صدره بالحكمة ، وفيض صوابه من المعرفة ، وصحة طبيعته بالفطرة . وقال : إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفاً لم نرسمه بالذكر ، ولم نعرض له بالاستيفاء ، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت : لا عقول لهم كنت صادقاً ، وإن قلت : لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقاً ؛ إلا أنهم في العدد ، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية ، وفي كونهم في هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها : ولذلك قال بعض الحكماء : لا تسبوا الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق . فضحك - أضحك الله ثغره ، وأطال عمره ، وأصلح شأنه وأمره - فقال : قد جرى في حديث النفس أكثر مما كان في النفس ، وفيه بلاغ إلى وقت ، وأظن الليل قد تمطى بصلبه ، وناء بكلكله ؛ وانصرفت .
الليلة الرابعة عشرة
ومر بعد ذلك في عرض السمر : ما تقلد امرؤ قلادةً أفضل من سكينة . فقال : ذكرتني شيئاً كنت مهتماً به قديماً ، والآن قرعت إلى بابه ؛ ما السكينة ؟ فإني أرى أصحابنا يرددون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه . فكان من الجواب : سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي ؟ فقال : السكائن كثيرة : طبيعية ، ونفسية وعقلية ، وإلهية . ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة ، ومقادير متفاوتة ومتباعدة . والسكينة الطبيعية اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسات ، تحدث به لصاحبه شارةٌ تسمى الوقار ، ويكون للعقل فيها أثر باد ، وهو زينةالرواء المقبول . والسكينة النفسية مماثلة الروية للبديهة ، ومواطأة البديهة للروية ، وقصد الغاية بالهيئة المتناسبة ، يحدث بها لصاحبها سمتٌ ظاهر ورنو دائم وإطراقق لا وجوم معه ، وغيبة لا غفلة معها ، وشهامة لا طيش فيها . والسكينة العقلية حسن قبول الاستفاضة بنسبة تامة إلى الإفاضة ؛ ومعنى هذا أن القابل مستغرق بقوة المقبول منه ، وبهذه الحال يحدث لصاحبها هدى يشتمل على وزن الفكر في طلب الحق مع سكون الأطراف في أنواع الحركات . والسكينة الإلهية لا عبارة عنها على التحديد ، لأنها كالحلم في الانتباه وكالإشارة في الحلم ، وليست حلماً ولا انتباهاً في الحقيقة ، لأن هذين نعتان محمودان في عالم السيلان والتبدل ، جاريان على التخيل والتجوز بزوائد لا ثبات لها ونواقص لا مبالاة بها ، روحانية في روحانية ، كما يقال : هذا صفو هذا ؛ وهذا صفو الصفو ومن لحظ هذه الكيفية وبوشر صدره بهذه الحقيقة استغنى عن رسوم محددة بألفٍ ولام ، وحقائق مكنونة في عرض الكلام ؛ وإذا جهلنا أشياء هي لأهل الأنس بلغات قد فطروا عليها ، وعبارات أنسوا بها ، كيف نجد السبيل إلى الإفصاح والإشارة إليها . فهذا باب واضح ، والطمع في نيله نازح ؛ وإذا كان المنال صعباً في الموضع الذي عمدنا إليه ، فكيف يكون حالنا في البحث عما في حيز الألوهية وبحبوحة الربوبية ، ولا كون هناك ولا ما نسبته للكون ؛ وأقوى ما في أيدينا أن نتعلل بالوجود ، فالموجود والوجدان والجود ، وهذه كلها غليظة بالإضافة إلينا وفوق الدقيقة بالإضافة إلى أعيانها .فعلى هذا ، الصمت أوجد للمراد من النطق ، والتسليم أظفر بالبغية من البحث . قال البخاري : فشيء كهذا بدقيقه وإشكاله ، وغموضه وخفائه ، كيف يظهر على جبلة بشري وبنية طينية وكمية مادية وكيفية عنصرية ؟ . فقال : يا هذا ، إنما يشع من هذه السكينة على قدر ما استودع صاحبها من نور العقل ، وقبس النفس ، وهبة الطبيعة ، وصحة المزاج ، وحسن الاختيار واعتدال الأفعال ، وصلاح العادة ، وصحة الفكرة ، وصواب القول ، وطهارة السر ومساواته للعلانية ، وغلبته بالتوحد ، وانتظام كل صادر منه ووارد عليه . وها هنا تمحى الجبلة البشرية ، وتتبدد الجبلة الطينية ، وتبيد الكمية المادية وتعفو الكيفية العنصرية ، ويكون السلطان والولاية والتصريف والسياسة كلها لتلك السكينة التي قدمنا وصفنا لها ، واشتد وجدنا بها ، وطال شوقنا إليها ودام حديقنا نحوها ، واتصل رنونا إليها ، وتناهت نجوانا بذكرها . وهذا هو الخلع الذي سمعت بذكره ، واللباس الذي سألت عنه ، أعني خلع ما أنت منه إنسان ، ولبس ما أنت به ملك . الله المستغاث منكم ، ما أشد بلواي بكم ، لم تتحركون إلا إلى ما لا سكون لكم فيه ؟ ولم تسألون عما لا اطلاع لكم عليه ؟ سلوا ربكم أعيناً بصيرة ، وآذاناً واعية ، وصدوراً طاهرة ، وقوة متتابعة ، فإنكم إذا منحتموها هديتم لها ، وإذا حرمتموها قطعتم دونها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال البخاري : وقد تركنا يا سيدنا حديث السكينة المجموعة من هذه الجملة بأنصباء مختلفة . فقال : لا عجب أن ينشأ العالم بكل ما فيه في هذه الحوة التي لذنا بها وحاولناالوصول إليها ؛ وأي شيء أعجب في هذا المقام ، رسم أو قوام ، أو ثبات أو دوام ، إلا له نصيب من عناية الله تعالى الكريم . نعم ، والسكينة المجموعة من كل ما سلف القول فيه تقاسمها نوع الإنسان بالزيادة والنقصان ، والغموض والبيان ، والقلة والكثرة ، والضعف والقوة ، وهذا يتبين بأن تقسم الطيش والحدة والعجلة والخفة على أصحابها ، فتجد التفاوت ظاهراً . وكذلك إذا قسمت الهدوء والقرار والسكون والوقار على أهلها ، فإنك تجد التباين مكشوفاً والاختلاف ظاهراً . ثم قال : أما السكينة التي هي في أعلى المراتب فهي لأشخاص فوق البشر ، وليس لهم نسبة من الخلق إلا الخلقة الحسية والعشرة البشرية ، وإلا فهم في ذروة عالية ، ومحلة إلهية . قال : وأما السكينة التي تلي هذه فهي للأنبياء على اختلاف حظوظهم منها لأنها مرتبات تنقسم بين المنام واليقظة انقساماً متفاوتاً بالعرض الحامل للصدق وللشبيه بالصدق ، وللحق وللقرب من الحق ، وللصحيح والتالي للصحيح ، ثم يختلف بيانهم عن ذلك بالتعريض والإيضاح ، والكناية والإفصاح ، والتشبيه والاستعارة . قال : فأما السكينة التي تتلو هذه فهي التي تظهر على طائفة تخلف الأنبياء ، وذلك أن بقايا قواهم يرثها الذين صحبوهم ، واستضاءوا بنورهم ، وفهموا عنهم ، ولقنوا منهم ، ودخلوا في زمرتهم ، وحاكوهم في الشمائل والأخلاق ، وسلكوا منهاجهم في القيادة والسياق ، وصلحوا سفراء بين الأبعدين ، كما كانوا سجراء للأقربين ، وهم الذين يفسرون الغامض ، ويوضحون المشكل ، ويبسطون المطوي ، ويشرحون المكنى ، ويبرزونالمراد والمعنى ، ويوطدون الأساس ، ويرفعون الالتباس ، وينفون الوحشة ويحدثون الإيناس . وأما السكينة الباقية فهي مفضوضة على اتباع هؤلاء بالسهام العلوية ، والمقادير العدلية ، والمناسيب العقلية ، من غير جور ولا حيف ، ولا انحراف ولا ميل . فقال البخاري : أهي - أعني السكينة - في معنى فاعلة أو مفعولة ؟ فقال : الفضاء أعرض مما تظن ، وإن كان في غاية العرض ؛ والذروة أعلى من أن ترام وإن كان الإنسان يطلبها بالبسط والقبض . هي بوجه في معنى فاعلة إذا شعرت بتأثيرها ، وبوجه آخر في معنى مفعولة إذا شعرت بتأثرها . وبوجه آخر ، ليست من هذين القبيلين في شيء إذا لحظتها في معانيها قبل تأثيرها وتأثرها ، وأنت تعتبر حد الفاعل والمفعول من شكل اللفظ ووزن الترتيب ، بشائع العادة وقائم العرف ، والسكينة وراء هذا كله بالحق والواجب والصحة والتمام فإنها صراط الله للمخصوصين بالاستقامة عليه ، فإذا شهدت المخصوص بها كانت عبارتك عن الملحوظ منها مشاكلةً لعبارتك عن أخلاق رضية وأحوال مرضية ، وإذا شهدت ذلك المعنى من معاني الحق كانت عبارتك متلجلجةً لا نظام لها ولا تعادل ولا اتساق على العادة الجارية والحال الطارئة ؛ فأحق ما ينبغي لطالب الحكمة واللائذ بهذه الحومة أن يبحث وينظر ، ويكشف وينقر ، ويستقصى ويسبر ويسأل ويستبصر ؛ حتى إذا بلغ هذه الآفاق ، وشهد هذه الأعلام ، ووجد الصواب الذي لا شوب فيه ، وصادف اليقين الذي لا ريب معه ، وعرف الاستبانة التي تغني عن البيان ، وذاق المعنى الذي هو فوق العيان ، أمسك وانتهى ، ووقف واستغنى لا لعرض ظلام غشيه ، ولكن لسطان شعاعٍ ملكه ؛ لأن ذلك النور محيط بكلشيء دونه ، ومستولٍ على كل شيء تحته . وكان يقول في هذا الفن إذا جد به الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه الخاطر ما لا يوعى بحفظ ، ولا يروى بلفظ . وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظاً لينظموا منه شذراً وعقداً ، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كله ، وتعاونوا على تحبيره ، وتصادقوا على مفهومهم منه ، وتجنبوا المنازعة والشغب عليه ، وأخذوا بالعفو والممكن منه ، لئلا يفوتهم المعنى ، ولا يتحيرون في المنتهى . وسأله الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها ، ونقصها وكمالها فقال : اشتركت الأمم في جميع الخيرات والشرور ، وفي جميع المعاني والأمور : اشتراكاً أتى على أول التفاوت ووسطة وآخره ، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست لأختها ، واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع ، وفيما اشتركوا فيه المحمود والمذموم . ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة ، لأن الاشتراك لو سبق بلا تفاوت لم يكن اشتراكاً ، والتقاسم لو عري من الاتفاق لم يكن تقاسماً ، فصار ما من أجله يفترقون ، به يجتمعون ، وما من أجله ينتظمون ، به ينتثرون . فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللغات ، والعقائد والصناعات ، وجر المنافع ودفع المضار ، مع اختلافهم فيها بنوع ونوع . ألا ترى أن لغة الهند غير لغة الروم ، وكذلك الصناعة والعقيدة وما يجري مجراهما ، إلا أنهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة والتنبيه ، وبين الاختيار والتقدمة ، فصار الاستنباط والغوص والتنقير والبحث والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان والوهم والحدس والظن والحيلة والتحيل والشعبذة للهند والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع والتصريف والسحر باللسان للعرب ؛ والروية والأدب والسياسة والأمن والترتيب والرسوم والعبودية والربوبية للفرس .فأما الترك فلها الشجاعة . والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة ؛ وليس للترك بعد هذا حظ ولا دراية إلابقسط من الظل من الشخص . والعرب مع منطقها البارع لها المزية المعروفة على الترك بعد في السياسة وإن كانت قاصرةً ؛ وأما الزيج والسودان فغلبت عليها الفسولة وشاكلت البهائم الضعيفة ، كما شاكلت الترك السباع القوية . قيل له : إن أبا زيد قد عمل كتاباً في أخلاق الأمم . قال : قد رأيته وقرأته وقد أفاد ، وكل من تكلم على طريقة الحكماء الذين يتوخون من الأمور لبابها ، ويصرفون عنها قشورها ، فله السابقة والتقدم على من يخبط كفلان وفلان . ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها كل مجال وتميزها باللسان فقد كابر ، ومن أنكر تقدم يونان في إثارة المعاني من أماكنها وإقامة الصناعات بأسرها ، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط والأسفل فقد بهت . ومن دفع مزية الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصة والعامة بحق ما لها وعليها فقد عاند . وهكذا من دفع ما للهند ، فليس من شخص وإن كان زرياً قميئاً إلا وفيه سر كامنٌ لا يشركه فيه أحد ، وإذا كان هذا في شخص على ما قلنا ، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع . وهكذا إذا ارتقيت إلى الجنس ، وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع ، كما أن عرض النوع أوسع من عرض الشخص ، وليس دون الشخص تحت ، كما أنه ليس فوق الجنس فوق . وأما انقسام هذه الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصاً بالطرف والوسط والأفق وليكون سحاً بالغاً من المصدر إلى المورد .وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوعٌ ، ولولا النوع لم يوجد شخص . وكذلك العكس . قال أبو سعيد الطبيب : أللعالم العلوي أجناس وأنواع وأشخاص ؟ قال : كيف يخلو العالم العلوي من هذا التقسيم ، وإنما هذا الذي لحقنا في العالم السفلي حكاية ذلك العالم العلوي حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة . فقال له مستزيداً : فهل في البسائط الإلهية أجناس وأنواع وأشخاص ؟ فقال : لا ، إلا أن يتخذ شيء من هنالك قراره في معارض العالم السفلي بقوة العالم العلوي ، وذلك كالبرق إذا خطف ، والنسيم إذا لطف . قال : فهل ينال البسائط نقصٌ بالإخبار بالأجزء المركبة عنها كما ينال المركبات كمالٌ بالأجزاء البسيطة عنها ؟ فقال : لا ، لأن ما علا يؤثر ولا يقبل التأثير ؛ وما سفل يتأثر . ألا ترى أن ما علا من الكواكب لا يتصل بشيء دونه ، وما سفل منها يتصل بما علا عنه . وقال له أيضاً : إذا قلنا : الروحانيات ، فماذا ينبغي أن يلحظ منها ؟ فقال : الروحانيات على أقسام ؛ فقسم منها متبدد في المركبات من الحيوان والجماد ، وقسم منها مكتنفٌ للحيوان والجماد ، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط وألطف من القسم الأول المتبدد ؛ وقسمٌ منها فوق القسم المكتنف ، وهو الذي منه مادة المحيط ؛ وقسم آخر فوق هذا الممتد ، ثم فوق هذا ما لا يملكه وهم ، ولا يدركه فهم ؛ وذلك أنه في جناب القدس وحيث لا مرام لشيء من قوى الجن والإنس . وسألت أبا سليمان فقلت : إن علي بن عيسى الرماني ذكر أن التمكين من القبيح قبيح ، لأن التمكين من الحسن حسن . فلو كان التمكين من القبيح قبيحاً مع كونه من الحسن حسناً كان حسناً قبيحاً ؛ وهذا تناقض ؛ كيف صحة هذا الذي أومأ إليه ؟ فقال : أخطأت ، لأن التمكين وحده اسمٌ مجرد لشيء محدد ، والأسماء المحددة دلالتها على الأعيان لا على صفات الأعيان أو ما يكون من الأعيان أو ما يكون في الأعيان . والتمكين معتبر بما يضاف إليه ويناط به ، فإن كان من القبيح فهو قبيح لأنه علةالقبيح ، وإن كان من الحسن فهو حسن لأنه سبب الحسن . وهذا كما تقول : هذا الدرهم نافع أو ضار ؟ فيقال : إن صرفته فيما ينبغي فهو نافع ، وإن أنفقته فيما لا ينبغي فهو ضار ، وكذلك السيف في الآلات ، وكذلك اللفظ في الكلمات ، والإضافة قوة إليهة سرت في الأشياء سرياناً غريزياً قاهراً متملكاً قاسراً ، فلا جرم لا ترى حسياً أو عقلياً أو وهمياً أو ظنياً أو علمياً أو عرفياً أو عملياً أو حلمياً أو يقظياً إلا والتصاريف سارية فيها ، والإضافة حاكمة عليها . وهذا لأن الأشياء بأسرها مصيرها إلى الله الحق ، لأن مصدرها من الله الحق ، فالإضافة لازمة ، والنسبة قائمة ، والمشابهة موجودة . ولولا إضافة بعضنا إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا ، ولولا الإضافة بيننا الغالبة علينا ما تفاهمنا ولا تعاوناً . قال : إذا كنا بالتضايف نتوالى ، فبأي شيء بعده نتعادى ؟ قال : هذا أيضاً بالإضافة ، لأن الإضافة ظل ، والشخص بالظل يأتلف ، وبالظل يختلف . وقال : ويزيدك بياناً أن العدم والوجود شاملان لنا ، سائران فينا فبالوجود نتصادق ، وبالعدم نتفارق . وسأل مرة عن الطرب على الغناء والضرب وما أشبههما . فكان من الجواب : قيل لسقراط فيما ترجمه أبو عثمان الدمشقي . لم طرب الإنسان على الغناء والضر ؟ فقال : لأن نفسه مشغولةٌ بتدبير الزمان من داخل ومن خارج ، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص مآلها . فإذا سمعت الغناء انكشف عنها بعض ذلك الحجاب ، فحنت إلى خاص ما لها من المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم ، لأن ذلك وطنها بالحق . فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه ، والإنسان تابع لنفسه ، وليست النفس تابعة للإنسان ، لأن الإنسان بالنفس إنسان ، وليست النفس نفساً بالإنسان ، فإذا طربت النفس - أعني حنت ولحظت الروح الذي لها - تحركت وخفت فارتاحت واهتزت . ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه ، وربما مزقه كأنه يريد أنينسل من إهابه الذي لصق به ، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه ، ويهرول إلى حبيبه الذي قد تجلى له وبرز إليه . إلا أن هذا المعنى على هذا التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما . وأما غيرهم فطربهم شبيهٌ بما يعتري الطير وغيرها ، وانصرفت .
الليلة الخامسة عشرة
وجرى مرة كلامٌ من الممكن ، فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلاً سمعته يقوله ، لابأس برسمه في هذا الموضع ، فإن التشاور في هذا الحرف دائم متصل وينبغي لنا أن نبحث عنه بكل زحف وحبو ، وبكل كد وعفو . قال : الممكن شبيهٌ بالرؤيا لا بدن له يستقل به ، ولا طبيعة يتحيز فيها . ألا ترى أن الرؤيا تنقسم على الأكثر والأقل والتساوي ، وكما أن الرؤيا ظل من ظلال اليقظة ، والظل ينقص ويزيد إذا قيس إلى الشخص ؛ كذلك الممكن ظل من ظلال الواجب ، فطوراً يزيد تشابهاً للواجب ، وطوراً ينقص تشاكها للمتنع ، وطوراً يتساوى بالوسط . قال : والواجب لا عرض له ، لأنه حد واحد ، وله نصيب من الوحدة بدليل أنه لا تغير له ولا حيلولة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالحدثان ولا بالطبيعة ولا بالوهم ولا بالعقل ، بل العقل ينقاد له ، والطبيعة تسلم إليه ، والوهم يفرق منه وصورة الواجب لا يحدسها الظن ، ولا يتحكم فيها تجويز ، ولا يتسلط عليها دامغ ولا ناسخ ، وهذا الحكم يطرد على الممتنع ، لأنه في مقابلته على الضد ، أعني أنه لا بدن له ، فيكون له عرض ، والعرض كله للمكن بالنعت الذي سلف من الكثرة والقلة والمساواة . ولهذا تعلقت التكاليف به في ظاهر الحال وبادىء الأمر وعارض الشان ، واستولى الوجود عليه بباطن الحال وخفي الأمر وراتب الشان ، لكن هذا الفصل الذي اشتمل علىالظاهر والباطن ليس ينكشف للحس كما ينكشف للعقل . ولما كنا بالحس أكثر - وإن كنا لا نخلو في هذه الكثرة من آثار العقل - لزمنا الاعتراف بعوائد الممكن وعلائقه ، والعمل عليه ، والرجوع إليه إذا أمرنا أو نهينا أو ائتمرنا أو انتهينا . ولما ظهر لنا بإزاء هذا الذي كنا به أكثر أن لنا شبحاً آخر نحن به أقل وهو العقل يشهد لنا بأن صورة الوجوب استولت من مبدأ الأمر إلى منقطعه الذي هو في عرض الواجب إلى الآخر الممتنع . وكما لزمنا الاعتراف الأول لكون به عاملين ومستعملين ، ورافعين وواضعين ، ولائمين وملومين ، ونادمين ومندمين ؛ كذلك لزمنا الاعتراف بسلطان الواجب الذي لا سبيل إلى عزله ، ولا محيص عن الإقرار به ، ولا فكاك من اطراده بغير دافع أو مانع . واتصل كلام ابن يعيش على تقطعٍ في عبارته التي ما كانت أداته تواتيه فيها ، مع تدفق خواطره عليها ؛ فقال : الرؤيا ظل اليقظة ، وهي واسطةٌ بين اليقظة والنوم ، أعني بين ظهور الحس بالحركة ، وبين خفائه بالسكون . قال : والنوم واسطة بين الحياة والموت ، والموت واسطةٌ بين البقاء الذي يتصل بالشهود وبين البقاء الذي يتصل بالخلود . قال : وهذا نعتٌ على تسهيل اللفظ وتقريب المراد والتصور ؛ والثقة شوك القتاد ، وازدراد العلقم والصاب ، للحواجز القائمة والموانع المعترضة من الإلف والمنشأ وغير ذلك مما يطول تعديده ويشق استقصاؤه . فقال : هذا كلامٌ ظريف ، وما خلت أن ابن يعيش مع فدامته ، ووخامته يسحبذيله في هذا المكان ، ويجري جواده بهذا العنان . قلت له : إن له مع هذه الحال مرامي بعيدة ، ومقاصد عالية ، وأطرافاً من المعاني إذا اعتلقها دل عليها ، إما بالبيان الشافي ، وإما بما يكون طريقاً إلى الوهم الصافي . وقلت : لقد مر له اليوم شيءٌ جرى بينه وبين أبي الخير اليهودي أستفيد منه . قال : وما ذاك ؟ أنثر علينا درر هذه الطائفة التي نميل إليها بالاعتقاد وإن كنا نقع دونها بالاجتهاد ؛ ونسأل الله أن يرحم ضعفنا الذي منه بدئنا ويبدلنا قوةً بها نجد قربنا في آخرنا . قلت : ذكر أن العقل لا غناء له في الأشياء التي تغلب عليها الحيلولة والسيلان والتطول ، كما أن الحس لا ينفذ في الأمور التي لا تطور لها بالحيلولة والتطول ، ولذلك عرفت الحكمة في الكائنات الفاشيات ، وخفيت العلل والأسباب في بدوها وخفيتها وتبددها وتآلفها ، لكن هذا الفرق والخفاء مسلمان للقدرة المستعلية والمشيئة النافذة . قال : ولهذا التريتب سر به حسن هذا النعت ، وإليه انتهى هذا البحث وذلك أن خفاء ما خفي بحق الأول ألحق ، وبدو ما بدا من نصيبٍ أطلق للذي لا يحتمل غير هذا الثقل ، ولو خفف عنه هذا الحق ، وبدو ما بدا من نصيبٍ أطلق للذي لا يحتمل غير هذا الثقل ، ولو خفف عنه هذا للحق الإنسان البهائم ، ولو ثقل عليه هذا للحق الملائكة ، فكان حينئذ لا يكون إنساناً ، وقد وجب في الأصل أن يكون إنساناً كاملاً بالنصب والدأب ، ويمتعض من أن تكون صورة الإنسان عنده معارة ، لأنه في الحقيقة حيوان غير ناطق ، بل يجتهد بسعيه وكدحه أن يصير إنساناً فاضلاً ، ويكون في فضله وكماله ملكاً ، أعني بالمشاكهة الإرادية لا بالمشاكهة النوعية . قال : وغاية الحكمة منها للمباشرين لها أن المعرفة تقف على حيلولتها ولسيلانها فقط ، لا على تصفح أجزائها ، لأن الترتيب فيها يستحيل مع الزمان . ألا ترى أن الرقم على الماء لا صورة له ، لأن صفحة الماء لا ثبات لها ، وكذلك الخط في الهواء ، وكذلك الكائنات البائدات لا صورة لها ، لأنها لا ثبات لها ، وأنت إذا وجدتشيئاً لا ثبات له لم تضم إليه شيئاً آخر لا ثبات له طمعاً في وقوع الثبات بينهما ، هذا ما لا يدين به وهم ، ولا ينقاد له ظن ؛ ولو ساغ هذا لساغ أن يجمع بين ما له ثبات ، وبين ما له أيضاً ثبات ، فيحدث هناك سيلانٌ واستحالة . وقال : وصف العقل بشهادة الحس ، كما يكون وصف الحسن بشهادة العقل إلا أن شهادة الحس للعقل شهادة العبد للمولى ، وشهادة العقل للحس شهادة المولى للعبد ؛ على أن هاتين الشهادتين لا يطردان ولا يستمران ، لأن لكل واحد من الحس والعقل تفرداً بخاص ماله ، ولذلك ما وجد حيوانٌ لا عقل له البتة ، ووجد في مقابلته حي لا حس له . ثم قال : بل العقل يحكم في الأشياء الروحانية البسيطة الشريفة من جهة الصور الرفيعة ، والعلائق التي بين المعقولات والمحسوسات ما نعت العقل ، والعاقل من خلص الباقيات الخالدات الدائمات القائمات الثابتات من حومة الكائنات الفاسدات البائنات الذاهبات الحائلات الزائلات المائلات البائدات . ودخل في هذا التلخيص ضربٌ من الشك والتماري والخصومة والتعادي والتعنت إلى اختلاف عظيم ، ووقفت عن الحكم بعد اليقين . وقال - أدام الله سعادته - ماالسجية ؟ قلت : سمعت الأندلسي يقول : فلان يمشي على سجيته ، أي طبعه . قال : هل يقال : ظفرت عليه ؟ قلت : قد قال شاعرهم : وكانت قريش لو ظفرنا عليهم . . . شفاءً لما في الصدر والنقص ظاهر قال : هذا حسن . قلت : الحروف التي تتعدى إلى الأفعال ، والأفعال التي تتعدى بالحروف ؛ يراعى فيها السماع فقط لا القياس . هذا كان مذهب إمامنا أبي سعيد ؛ وقد جاء أيضاً ظفر به ؛ وجاء سخرت به ومنه . ومن لا اتساع له في مذهب العرب يظن أن سخرت به لا يجوز وهو صحيح . حكاه أبو زيد .قال : كيف يقال في جمل به غدة ؟ فكان من الجواب : جملق مغد . قال : فكيف يجمع ؟ فكان الجواب بأنه في القياس ظاهر ، ولكن السماع قد كفى . قال الشاعر - وهو خراش بن زهير : فقدتكمو ولحظكمو إلينا . . . ببطن عكاظ كالإبل الغداد ضربناهم ببطن عكاظ حتى . . . تولوا طالعين من النجاد وقال - حرس الله نفسه - من لقبه الخرسي إلى أي شيء ينسب ؟ فكان من الجواب : يقال : رجل خراساني وخرسي وخراسي ، فنسبت إلى رجل نزلها فاشتهرت به . فقال : القذال كيف يجمع ؟ فكان من الجواب أن فعالاً وفعالاً وفعالاً وفعيلاً وفعولاً أخوات تجمع في الأقل على أفعلة ، يقال : حمار وأحمرة ، وغراب وأغربة ، وقذال وأقذلة ، وعمود وأعمدة . قال : نسيت أسألك عن المسألة الأولى - أعني الخرسي - من أين لك تلك الفتيا ؟ فكان من الجواب : قرأته على أبي سعيد الإمام في شرحه كتاب سيبويه . قال : بردت غليلي ، فإن الحجة في مثل هذا متى لم تكن بأهلها كانت متلجلجة . قال : أنشدني شيئاً نختم به المجلس ، فقد مرت طرائف . فأنشدته لعمارة بن عقيل في بنت له :حبك يا ذات الأنيف الأكشم . . . حب تساقاه مشاس أعظمي ودب بين كبدي ومحزمي . . . وساطه الله بلحمي ودمي فليس بالمذق ولا المكتم . . . ولا الذي إن يتقادم يسأم لقد نزلت من فؤادي فاعلمي منزلة الشيء المحب المكرم وانصرفت .
الليلة السادسة عشرة
ثم عدت وقتاً آخر فقال : كنت حكيت لي أن العامري صنف كتاباً عنونه بإنقاذ البشر من الجبر والقدر ، فكيف هذا الكتاب ؟ فقلت : هذا الكتاب رأيته بخطه عند صديقه وتلميذه أبي القاسم الكاتب ولم أقرأه على العامري ، ولكن سمعت أبا حاتم الرازي يقرؤه عليه ، وهو كتاب نفيس ، وطريقة الرجل قوية ، ولكنه ما أنقذ البشر من الجبر والقدر ، لأن الجبر والقدر اقتسما جميع الباحثين عنهما والناظرين فيهما . قال : لم قيل الجبر والقدر ولم يقل الإجبار . فكان الجواب : أن الإجبار لغة قوم ، والجبر لغة تميم ، يقال : جبر الله الخلق وأجبر الخلق ، وجبر بمعنى جبل ؛ واللام تعاقب الراء كثيراً . قال : فتكلم في هذا الباب بشيء يكون غير ما قاله العامري ، وانقد له إن كان الحق فيما ذهب غليه ودل عليه . فكان من الجواب : أن من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر والأواتي من معدنالإلهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل والاختيار والتصرف والتصريف ، لأن هذه وإن كانت ناشئةً من ناحية البشر ، فإن منشأها الأول إنما هو من الدواعي والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى الله الحق ؛ فهذا هذا . فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات والإرادات من ناحية المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين الملومين المكلفين ، فإنه يعلقها بهم ويلصقها برقابهم ، ويرى أن أحداً ما أتي إلا من قبل نفسه وبسوء اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه ؛ والملحوظان صحيحان واللاحظان مصيبان ، لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف ، لأنه ليس لكل أحد الوصول إلى هذه الغاية ، ولا لكل إنسان اطلاع إلى هذه النهاية . فلما وقعت البينونة بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيل من ناحية القول والصفة ، فهذا هذا . قال - أطال الله بقاءه - فما الفرق بين القضاء والقدر ؟ فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال : إن القضاء مصدره من العلم السابق ، والقدر مورده بالأجزاء الحادثة . فقال : لم ورد في الأثر : لا تخوضوا في القدر فإنه سر الله الأكبر . فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال لنا في هذه الأيام . إن الناموس ينطق بما هو استصلاح عام ، ليكون النفع به شائعاً في سكون النفس وطيب القلب وروح الصدور . فإن كان هذا هكذا فقد وضح أن حكمة هذا السر طيه ، لأن عجز الناظرين يفضي بهم إلى الحيرة ، والحيرة مضلة ، والمضلة هلكة . وإذا كانت الراحة في الجهل بالشيء ، كان التعب في العلم بالشيء ، وكم علمٍ لو بدا لنا لكان فيه شقاء عيشنا ، وكم جهل لو ارتفع منا لكان فيه هلاكنا ؛ والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر احتمال كل واحد منا للذي سبق إليه وعلق به ، ألا ترى أن علمنا لو أحاط بموتنا متى يكون ؟ وعلى أي حال تحدث العلة أو المحنة أو البلاء ؟ لكان ذلك مفسدةً لنا ، ومحنةً شديدةً علينا .فانظر كيف زوى الله الحكيم هذا العلم عنا ، وجعل الخيرة فيه لنا . ألا ترى أيضاً أن جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم الفساد الأول ، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدم ، فمن هذا الذي أشرف على هذا الغيب المكنون والسر المخزون فيغفل عن الشكر الخالص ، والاستسلام الحسن ، والبراءة من كل حول وقوة . فالاستمداد ممن له الخلق والأمر ، أعني الإبداء والتكليف ، والإظهار والتشريف ، والتقدير والتصريف . قال : هذا فن حسن ، وأظنك لو تصديت للقصص والكلام على الجميع لكان لك حظ وافر من السامعين العاملين ، والخاضعين والمحافظين . فكان من الجواب : أن التصدي للعامة خلوقة ، وطلب الرفعة بينهم ضعة ، والتشبه بهم نقيصة ؛ وما تعرض لهم أحد إلا أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبذلهم . وليس يقف على القاص إلا أحد ثلاثة . إما رجل أبله ، فهو لا يدري ما يخرج من أم دماغه . وإما رجل عاقلٌ فهو يزدريه لتعرضه لجهل الجهال ، وإما له نسبة إلى الخاصة من وجه ، وإلى العامة من وجه ، فهو بتذبذب عليه من الإنكار الجانب للهجر ، والاعتراف الجالب للوصل ، فالقاص حينئذ ينظر إلى تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف ، وحينئذ ينسلخ من مهماته النفسية ، ولذاته العقلية ، وينقطع عن الازدياد من الحكمة بمجالسة أهل الحكمة ، إما مقتبساً منهم ، وإما قابساً لهم ؛ وعلى ذلك فما رأيت من انتصب للناس قد ملك إلا درهماً وإلا ديناراً أو ثوباً ؛ ومناصبةً شديدةً لمماثليه وعداته .قال : إن الليل قد دنا من فجره ، هات ملحة الوداع . قلت : قال يعقوب صاحب إصلاح المنطق : دخل أعرابي الحمام فزلق فانشج ، فأنشأ يقول : وقالوا تطهر إنه يوم جمعةٍ . . . فرحت من الحمام غير مطهر ترديت منه شارياً شج مفرقي . . . بفلسين إني بئس ما كان متجري وما يحسن الأعراب في السوق مشيةً . . . فكيف ببيتٍ من رخامٍ ومرمر يقول لي الأنباط إذ أنا نازل . . . به لا بظبيٍ بالصريمة أعفر وقال - حرس الله نفسه - كنت أروي قافية هذا البيت أعفرا ، وهذه فائدة كنت عنها في ناحية ؛ وانصرفت . قد رأيت أيها الشيخ - حاطك الله - عند بلوغي هذا الفصل أن أختم الجزء الأول بما أنتهي غليه ، وأشفعه بالجزء الثاني على سياج ما سلف نظمه ونثره ، غير عائج على ترتيبٍ يحفظ صورة التصنيف على العادة الجارية لأهله ، وعذري في هذا واضح لمن طلبه ، لأن الحديث كان يجري على عواهنه بحسب السانح والداعي . وهذا الفن لا ينتظم أبداً ، لأن الإنسان لا يملك ما هو به وفيه ، وإنما يملك ما هو له وإليه . وهذا فصل يحتاج إلى نفسٍ مديد ، ورأيٍ يصدر عن تأييد وتسديد ؛ والسلام ، والحمد لله وحده ، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين ، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين .الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ - أطال الله يدك في الخيرات ، وزاد في همتك رغبةً في اصطناع المكرمات ، وأجراك على أحسن العادات في تقديم طلاب العلم وأهل البيوتات - قد فرغت في الجزء الأول على ما رسمت في القيام به ، وشرفتني بالخوض فيه ، وسردت في حواشيه أعيان الأحاديث التي خدمت بها مجلس الوزير ، ولم آل جهداً في روايتها وتقويمها ولم أحتج إلى تعمية شيءٍ منها ، بل زبرجت كثيراً منها بناصع اللفظ ، مع شرح الغامض وصلة المحذوف وإتمام المنقوص ، وحملته إليك على يد فائقٍ العلام ، وأنا حريصٌ على أن أتبعه بالجزء الثاني ، وهو يصل إليك في الأسبوع إن شاء الله تعالى . وأنا أسألك ثانيةً على طريق التوكيد ، كما سألتك أولاً على طريق الاقتراح ، أن تكون هذه الرسالة مصونةً عن عيون الحاسدين العيابين ، بعيدةً عن تناول أيدي المفسدين المنافسين ؛ فليس كل قائل يسلم ، ولا كل سامعٍ ينصف ، ولا كل متوسطٍ يصلح ، ولا كل قادمٍ يفسح له في المجلس عند القدوم . والبلية مضاعفةٌ من جهة النظراء في الصناعة ، وللحسد ثورانٌ في نفوس هذه الجماعة ؛ وقل من يجهد جهده في التقرب إلى رئيسٍ أو وزير ، إلا جد في إبعاده من مرامه كل صغير وكبير ؛ وهذا لأن الزمان قد استحال عن المعهود ، وجفا عن القيام بوظائف الديانات وعادات أهل المروءات ؛ لأمورٍ شرحها يطول ؛ وقد كان الناس يتقلبون في بسيط الشمس ؛ أعني الدين فغربت عنهم ، فعاشوا بنور القمر ، أعني المروءة فأفلدونهم ، فبقوا في ظلمات البر والبحر ، أعني الجهل وقلة الحياء فلا جرم أعضل الداء ، وأشكل الدواء ، وغلبت الحيرة ، وفقد المرشد ، وقل المسترشد ؛ والله المستعان . وأرجع إلى ما هو الغرض من نسخ ما تقدم في الجزء الأول .
الليلة السابعة عشرة
فلما عدت إلى المجلس قال : ما تحفظ في تفعال وتفعال ، فقد اشتبها ؟ وفزعت إلى ابن عبيد الكاتب فلم يكن عنده مقنع ، وألقيت على مسكويه فلم يكن له فيها مطلع ؛ وهذا دليلٌ على دثور الأدب وبوار العلم والإعراض عن الكدح في طلبه . فقلت : قال شيخنا أبو سعيد السيرافي الإمام - نضر الله وجهه - : المصادر كلها على تفعالٍ بفتح التاء ، وإنما تجيىء تفعالٌ في الأسماء ، وليس بالكثير . قال : وذكر بعض أهل اللغة منها ستة عشر اسماً لا يوجد غيرها . قال : هاتها . قلت : منها التبيان والتلقاء ، ومر تهواءٌ من الليل ؛ وتبراك ، وتعشار ، وترباع ، وهي مواضع ؛ وتمساح للدابة المعروفة ؛ والتمساح الرجل الكذاب أيضاً . وتجفاف وتمثال وتمراد بيت الحمام ، وتلفاق ، وهو ثوبان يلفقان . وتلقام : سريع اللقم . ويقال : أتت الناقة على تضرابها ، أي على الوقت الذي ضربها الفحل فيه ، وتضراب كثير الضرب وتقصار ، وهي المخنقة ؛ وتنبال ، وهو القصير . قال : هذا حسنٌ ، فما تقول في تذكار ؟ فإن الخوض في هذا المثال إنما كان من أجل هذا الحرف ، فإن أصحابنا كانوا في مجلس الشراب ، فاختلفوا فيه ؟ فقلت : هذا مصدرٌ ، وهو مفتوح .ثم قال : اجمع لي حروفاً نظائر لهذا من اللغة ، واشرح ما ندر منها ، وعرض الشك لكثير من الناس فيها . فقلت : السمع والطاعة مع الشرف بالخدمة . وقال أيضاً : حدثني عن شيء هو أهم من هذا لي وأخطر على بالي ، إني لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولاً ومذهباً لا عهد لي به وكنايةً عما لا أحقه ، وإشارةً إلى ما لا يتوضح شيءٌ منه ، يذكر الحروف ويذكر النقط ، ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدةً إلا بسبب ، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة ، والألف لم تعر إلا لغرض . وأشباه هذا ؛ وأشهد منه في عرض ذلك دعوى يتعاظم بها وينتفج بذكرها ؛ فما حديثه ؟ وما شأنه ؟ وما دخلته ؟ وما خبره ؟ فقد بلغني أنك تغشاه وتجلس إليه ، وتكثر عنده ، وتورق له ، ولك معه نوادر مضحكة ، وبوادر معجبة . ومن طالت عشرته لإنسانٍ صدقت خبرته به ، وانكشف أمره له ، وأمكن اطلاعه على مستكن رأيه وخافي مذهبه وعويص طريقته . فقلت : أيها الوزير ، هو الذي تعرفه قبلي قديماً وحديثاً بالتربية والاختبار والاستخدام ، وله منك الأخوة القديمة والنسبة المعروفة . قال : دع هذا وصفه لي . قلت : هناك ذكاءٌ غالبٌ ، وذهنٌ وقادٌ ، ويقظةٌ حاضرة ، وسوانح متناصرة ، ومتسعٌ في فنون النظم والنثر ، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة ، وحفظ أيام الناس ، وسماعٍ للمقالات ، وتبصرٍ في الآراء والديانات ، وتصرفٍ في كل فنٍ : إما بالشدو الموهم ، وإما بالتبصر المفهم ، وإما بالتناهي المفحم . فقال : فعلى هذا ما مذهبه ؟ قلت : لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف برهط ، لجيشانهبكل شيء ، وغليانه في كل باب . ولاختلاف ما يبدو من بسطة تبيانه ، وسطوته بلسانه ، وقد أقام بالبصرة زماناً طويلاً ، وصادف بها جماعةً لأصناف العلم وأنواع الصناعة ؛ منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيستي ، ويعرف بالمقدسي ، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم ، فصحبهم وخدمهم ؛ وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة ، وتصافت بالصداقة ، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة ، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته ، وذلك أنهم قالوا : الشريعة قد دنست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ؛ ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفلة ، وذلك لأنها حاويةٌ للحكمة الاعتقادية ، والمصلحة الاجتهادية . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال ؛ وصنفوا خمسين رسالةً في جميع أجزاء الفلسفة : علميها وعمليها ، وأفردوا لها فهرستاً وسموها رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء ، وكتموا أسماءهم ، وبثوها في الوراقين ، ولقنوها للناس ، وادعوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه الله عز وجل وطلب رضوانه ليخلصوا الناس من الآراء الفاسدة التي تضر النفوس ، والعقائد الخبيثة التي تضر أصحابها ، والأفعال المذمومة التي يشقى بها أهلها ؛ وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدينية والأمثال الشرعية والحروف المحتملة والطرق الموهمة . فقال : هل رأيت هذه الرسائل ؟ قلت : قد رأيت جملةً منها ، وهي مبثبوتةٌ من كل فنٍ نتفاً بلا إشباعٍ ولا كفاية ، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات ؛ وقد غرقالصواب فيها لغلبة الخطأ عليها ؛ وحملت عدةً منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عليه ونظر فيها أياماً واختبرها طويلاً ؛ ثم ردها علي وقال : تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا ، وحاموا وما وردوا ، وغنوا وما أطربوا ، ونسجوا فهلهلوا ، ومشطوا ففلفلوا ؛ ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ؛ ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة - التي هي علم النجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة ، والموسيقى التي هي معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان ، والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات والكيفيات - في الشريعة ، وأن يضموا الشريعة للفلسفة . وهذا مرامٌ دونه حدد ؛ وقد توفر على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنياباً ، وأحضر أسباباً ، وأعظم أقداراً ، وأرفع أخطاراً ، وأوسع قوىً ، وأوثق عراً ، فلم يتم لهم ما أرادوه ، ولا بلغوا منه ما أملوه ؛ وحصلوا على لوثاتٍ قبيحة ، ولطخاتٍ فاضحة ، وألقابٍ موحشة ، وعواقب مخزية ، وأوزارٍ مثقلة . فقال له البخاري أبو العباس : ولم ذلك أيها الشيخ ؟ قال : إن الشريعة مأخوذةٌ عن الله - عز وجل - بوساطة السفير بينه وبين الخلق من طريق الوحي ، وباب المناجاة ، وشهادة الآيات ، وظهور المعجزات ، إلى ما يوجبه العقل تارةً ، ويجوزه تارةً ، لمصالح عامةٍ متقنة ، ومراشد تامةٍ مبينة ؛ وفي أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه ، والغوص فيه ؛ ولابد من التسليم للداعي إليه ، والمنبه عليه ؛ وهناك يسقط ' لم 'ويبطل ' كيف ' ، ويزول ' هلا ' ويذهب ' لو ' و ' ليت ' في الريح ، لأن هذه المواد عنها محسومة ، واعتراضات المعترضين عليها مردودةٌ ، وارتياب المرتابين فيها ضار ، وسكون الساكنين إليها نافع ؛ وجملتها مشتملةٌ على الخير ، وتفصيلها موصولٌ بها على حسن التقبل ، وهي متداولة بين متعلق بظاهرٍ مكشوف ، ومحتجٍ بتأويلٍ معروفٍ ؛ وناصر باللغة الشائعة ، وحامٍ بالجدل المبين ، وذابٍ بالعمل الصالح ، وضاربٍ للمثل السائر ، وراجعٍ إلى البرهان الواضح ، ومتفقهٍ في الحلال والحرام ، ومستندٍ إلى الأثر والخبر المشهورين بين أهل الملة ، وراجع إلى اتفاق الأمة . وأساسها على الورع والتقوى ، ومنتهاها إلى العبادة وطلب الزلفى . ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك ومقادير الأجرام ومطالع الطوالع ومغارب الغوارب . ولا حديث تشاؤمها وتيامنها ، وهبوطها وصعودها ، ونحسها وسعدها ، وظهورها واستسرارها ، ورجوعها واستقامتها ، وتربيعها وتثليثها ، وتسديسها ومقارنتها . ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها ، وأشكال الأسطقسات ، بثبوتها وافتراقها ، وتصريفها في الأقاليم والمعادن والأبدان ، وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ؛ وما الفاعل وما المنفعل منها ؛ وكيف تمازجها وتزاوجها ، وكيف تنافرها وتسايرها ؛ وإلى أين تسري قواها ، وعلى أي شيء يقف منتهاها . ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومقاطعها ، وما الكرة ؟ وما الدائرة ؟ وما المستقيم ؟ وما المنحنى ؟ ولا فيها حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال ، ومناسب الأسماء والحروف والأفعال ؛ وكيف ارتباط بعضها ببعض على موضوع رجل من يونان حتى يصح بزعمه الصدق ، وينبذ الكذب . وصاحب المنطق يرى أن الطبيب والمنجم والمهندس وكل من فاه بلفظٍ وأم غرضاً فقراء إليه ، محتاجون إلى ما في يديه .قال : فعلى هذا كيف يسوغ لإخوان الصفاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوةً تجمع حقائق الفلسفة في طريق الشريعة ؟ على أن وراء هذه الطوائف جماعة أيضاً لهم مآخذ من هذه الأغراض ، كصاحب العزيمة وصاحب الطلسم وعابر الرؤيا ومدعي السحر وصاحب الكيمياء ومستعمل الوهم . قال : ولو كانت هذه جائزةً وممكنةً لكان الله تعالى نبه عليها ، وكان صاحب الشريعة يقوم شريعته بها ، ويكملها باستعمالها ، ويتلافى نقصها بهذه الزيادة التي يجدها في غيرها ، أو يخص المتفلسفين على إيضاحها بها ويتقدم إليهم بإتمامها ، ويفرض عليهم القيام بكل ما يذب به عنها حسب طاقتهم فيها ، ولم يفعل ذلك بنفسه ، ولا وكله إلى غيره من خلفائه والقائمين بدينه ؛ بل نهى عن الخوض في هذه الأشياء ، وكره إلى الناس ذكرها ، وتوعدهم عليها ، وقال : من أتى عرافاً أو طارقاً أو حازياً أو كاهناً أو منجماً يطلب غيب الله منه فقد حارب الله ، ومن حارب الله حرب ، ومن غالبه غلب ، حتى قال : لو أن الله حبس عن الناس القطر سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفةٌ به كافرين . ويقولون : مطرنا بنوء المجدح ، فهذا كما ترى ، والمجدح : الدبران . ثم قال : ولقد اختلفت الأمة ضروباً من الاختلاف في الأصول والفروع ، وتنازعوا فيها فنوناً من التنازع في الواضح والمشكل من الأحكام ، والحلال والحرام ، والتفسير والتأويل ، والعيان والخبر ، والعادة والاصطلاح ؛ فما فزعوا في شيء من ذلك إلى منجمٍ ولا طبيب ولا منطقيٍ ولامهندسٍ ولا موسيقي ولا صاحب عزيمةٍ وشعبذة وسحرٍ وكيمياء ، لأن الله تعالى تمم الدين بنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيانٍ موضوعٍ بالرأي . قال : وكما لم نجد في هذه الأمة من يفزع إلى أصحاب الفلسفة في شيء من دينها ، فكذلك أمة عيسى عليه السلام وهي النصارى ، وكذلك المجوس .قال : ومما يزيدك وضوحاً ويريك عجباً أن الأمة اختلفت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافاً فيها وفرقاً ؛ كالمرجئة والمعتزلة والشيعة والسنية والخوارج ، فما فزعت طائفةٌ من هذه الطوائف إلى الفلاسفة ، ولا حققت مقالتها بشواهدهم وشهادتهم ، ولا اشتغلت بطريقتهم ، ولا وجدت عندهم ما لم يكن عندها بكتاب ربها وأثر نبيها . وهكذا الفقهاء الذين اختلفوا في الأحكام من الحلال والحرام منذ أيام الصدر الأول إلى يومنا هذا لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة فاستنصروهم ، ولا قالوا لهم : أعينونا بما عندكم ؛ واشهدوا لنا أو علينا بما قبلكم . قال : فأين الدين من الفلسفة ؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل ، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل ؟ فإذ أدلوا بالعقل فالعقل موهبةٌ من الله جل وعز لكل عبد ، ولكن بقدر ما يدرك به ما يعلوه ، كما لا يخفى به عليه ما يتلوه ، وليس كذلك الوحي ، فإنه على نوره المنتشر ، وبيانه الميسر . قال : وبالجملة ، النبي فوق الفيلسوف ، والفيلسوف دون النبي ؛ وعلى الفيلسوف أن يتبع النبي ، وليس على النبي أن يتبع الفيلسوف ، لأن النبي مبعوث ، والفيلسوف مبعوثٌ إليه . قال : ولو كان العقل يكتفى به لم يكن للوحي فائدةٌ ولا غناءٌ ، على أن منازل الناس متفاوتةٌ في العقل ، وأنصباؤهم مختلفةٌ فيه ؛ فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل كيف كنا نصنع ، وليس العقل بأسره لواحدٍ منا ، وإنما هو لجميع الناس ، فإن قال قائل بالعبث والجهل : كل عاقل موكولٌ إلى قدر عقله ، وليس عليه أن يستفيد الزيادة من غيره ، لأنه مكفي به ، وغير مطالبٍ بما زاد عليه . قيل له : كفاك تمادياً في هذا الرأي أنه ليس لك فيه موافق ، ولا عليه مطابق ؛ ولو استقل إنسانٌ واحدٌ بعقله في جميع حالاته في دينه ودنياه لاستقل أيضاً بقوته في جميع حاجاته في دينه ودنياه ، ولكان وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف ، وكان لا يحتاج إلى أحدٍ من نوعه وجنسه ؛ وهذا قولٌ مزدول ورأيٌ مخذول . قال البخاري : وقد اختلفت أيضاً درجات النبوة بالوحي ، وإذا ساغ هذا الاختلاف في الوحي ولم يكن ذلك ثالماً له ، ساغ أيضاً في العقل ولم يكن مؤثراً فيه .فقال : يا هذا ، اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثقة والطمأنينة بمن اصطفاهم بالوحي ، وخصهم بالمناجاة ، واجتباهم للرسالة ، وأكملهم بما ألبسهم من شعار النبوة ؛ وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان في الناظرين بالعقول المختلفة ، لأنهم على بعدٍ من الثقة والطمأنينة إلا في الشيء القليل والنزر اليسير ؛ وعوار هذا الكلام ظاهر ، وخطل هذا المتكلم بين . قال الوزير : أفما سمع شيئاً من هذا المقدسي ؟ قلت : بلى قد ألقيت هذا وما أشبهه بالزيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير ، في أوقات كثيرة بحضرة حمزة الوراق في الوراقين ، فسكت ، وما رآني أهلاً للجواب ؛ لكن الحريري غلام ابن طرارة هيجه يوماً في الوراقين بمثل هذا الكلام ، فاندف فقال : الشريعة طب المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبون للمضرى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرضٌ أصلاً ، فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرقٌ ظاهر وأمرٌ مكشوف ، لأن غاية مدبر المريض أن ينتقل به إلى الصحة ، هذا إذا كان الدواء ناجعاً ، والطبع قابلاً ، والطبيب ناصحاً . وغاية مدبر الصحيح أن يحفظ الصحة ، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل ، وفرغه لها ، وعرضه لاقتنائها ؛ وصاحب هذه الحال فائزٌ بالسعادة العظمى ، ومتبوىءٌ الدرجة العليا ؛ وقد صار مستحقاً للحياة الإليهة ؛ والحياة الإلهية من الخلود والديمومة والسرمدية . فإن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضاً ؛ فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية ، والأخرى برهانية ؛ وهذه مظنونةٌ ، وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية ، وهذه جسمية ، وهذه دهرية ، وهذه زمانية . وقال أيضاً : إنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفةٌ بالشريعة ، وإن كانت الشريعة جاحدةً لها ؛ وإنما جمعنا أيضاً بينهما لأن الشريعة عامة ، والفلسفة خاصة ، والعامة قوامها بالخاصة ، كما أن الخاصة تمامها بالعامية ؛ وهما متطبقتان إحداهما على الأخرى ، لأنها كالظهارة التي لا بد لها من البطانة ، وكالبطانة التي لابد لها من الظهارة .فقال له الحريري : أما قولك طب المرضى وطب الأصحاء وما نسقت عليه كلامك فمثلٌ لا يعبر به غيرك ومن كان في مشكل ، لأن الطبيب عندنا الحاذق في طبه هو الذي يجمع بين الأمرين ، أعني أنه يبرىء المريض من مرضه ، ويحفظ الصحيح على صحته ؛ فأما أن يكون ها هنا طبيبان يعالج أحدهما الصحيح ، والآخر يعالج المريض ، فهذا ما لم نعهده نحن ولا أنت ؛ وهو شيءٌ خارجٌ عن العادة ، فمثلك مردودٌ عليك ، وتشنيعك فاضحٌ لك ، وكل أحد يعلم أن التدبير في حفظ الصحة ودفع المرض - وإن كان بينهما فرق - واحد ، فالطب يجمعهما ، والطبيب الواحد يقوم بهما وبشرائطهما . وأما قولك في الفصل الثاني : إن أحدى الفضيلتين تقليدية ، والأخرى برهانية ، فكلامٌ مدخول ، لأنك غلطت على نفسك ؛ ألا تعلم ان البرهانية هي الواردة بالوحي ، الناظمة للرشد ، الداعية إلى الخير ، الواعدة بحسن المآب ؛ وأن التقليدية هي المأخوذة من المقدمة والنتيجة ، والدعوى التي يرجع فيها إلى من ليس بحجة ، وإنما هو رجلٌ قال شيئاً فوافقه آخر وخالفه آخر ، فلا الموافق له يرجع إلى الوحي ، ولا المخالف له يستند إلى حق ؛ والعجب أنك جعلت الشريعة من باب الظن ، وهي بالوحي ، وجعلت الفلسفة من باب اليقين ، وهي من الرأي . وأما قولك : هذه روحانية - تعني الفلسفة - وهذه جسمية - تعني الشريعة - فزخرفة لا تستحق الجواب ، ولمثل هذا فليعمل المزخرفون ؛ على أنا لو قلنا : بل الشريعة هي الروحانية ، لأنها صوت الوحي ، والوحي من الله عز وجل ، والفلسفة هي الجسمية ، لأنها برزت من جهة رجل باعتبار الأجسام والأعراض ، وما هذا شأنه فهو بالجسم أشبه ، وعن لطف الروح أبعد لما أبعدنا . وأما قولك : الفلسفة خاصةٌ والشريعة عامة ، فكلام ساقط لا نور عليه ، لأنك تشير به إلى أن الشريعة يعتقدها قوم - وهم العامة - والفلسفة ينتحلها قوم - وهم الخاصة - فلم جمعتم رسائل إخوان الصفاء ودعوتم الناس إلى الشريعة وهي لا تلزم إلا للعامة ، ولم تقولوا للناس : من أحب أن يكون من العامة فليتحل بالشريعة ، فقد ناقضتم ، لأنكم حشوتم مقالتكم بآياتٍ من كتاب الله تزعمون بها أن الفلسفة مدلولٌ عليها بالشريعة ، ثم الشريعة مدلولٌ عليها بالمعرفة ، ثم هأنت تذكر أن هذه للخاصة ؛ وتلك للعامة ؛ فلم جمعتم بينمفترقين ، ومزقتم بين مجتمعين ؛ هذا والله الجهل المبين ، والخرق المشين . وأما قولك : إنا جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفةٌ بالشريعة ، وإن كانت الشريعة جاحدةً للفلسفة ، فهذه مناقضة أخرى ، وإني أظن أن حسك كليل ، وعقلك عليل ، لأنك قد أوضحت عذر أصحاب الشريعة ، إذ جحدوا الفلسفة ، وذلك أن الشريعة لا تذكرها ، ولا تخص على الدينونة بها ؛ ومع ذلك فليس لهم علمٌ بأن الفلسفة قد حثت على قبول الشريعة ، ونهت عن مخالفتها ، وسمتها بالناموس الحافظ لصلاح العالم . ثم قال الحريري : حدثني أيها الشيخ : على أي شريعةٍ دلت الفلسفة ؟ أعلى اليهودية ، أم على النصرانية ، أم على المجوسية ، أم على الإسلام ، أم ما عليه الصابئون ؟ فإن ها هنا من يتفلسف وهو نصراني كابن زرعة وابن الخمار وأمثالهما ، وها هنا من يتفلسف وهو يهودي ، كأبي الخير بن يعيش ، وها هنا من يتفلسف وهو مسلم ، كأبي سليمان والنوشجاني وغيرهما ؛ أفتقول إن الفلسفة أباحت لكل طائفة من هذه الطوائف أن تدين بذلك الدين الذي نشأت عليه ؟ ودع هذا ليخاطب غيرك ، فإنك من أهل الإسلام بالهدى والجبلة والمنشأ والوراثة ؛ فما بالنا لا نرى واحداً منكم يقوم بأركان الدين ، ويتقيد بالكتاب والسنة يراعي معالم الفريضة ووظائف النافلة ؟ وأين كان الصدر الأول من الفلسفة ؟ أعني الصحابة ، وأين كان التابعون منها ؟ ولم خفي هذا الأمر العظيم - مع ما فيه من الفوز والنعيم - على الجماعة الأولى والثانية والثالثة إلى يومنا هذا وفيهم الفقهاء والزهاد والعباد وأصحاب الورع والتقى ، والناظرون في الدقيق ودقيق الدقيق وكل ما عاد بخيرٍ عاجل وثوابٍ آجل ،هيهات لقد أسررتم الحشو في الارتغاء واستقيتم بلا دلو ولا رشاء ، ودللتم على فسولتكم وضعف منتكم وأردتم أن تقيموا ما وضعه الله ، وتضعوا ما رفعة الله ، والله لا يغالب ؛ بل هو غالبٌ على أمره ، فعال لما يريد . قد حاول هذا الكيد خلقٌ في القديم والحديث ، فنكصوا على أعقابهم خائبين ، وكبوا لوجوههم خاسرين ؛ منهم أبو زيد البلخي ؛ فإنه ادعى أن الفلسفة مقاودة للشريعة ، والشريعة مشاكلة للفلسفة ، وأن إحداهما أم والأخرى ظئر ، وأظهر مذهب الزيدية ، وانقاد لأمير خراسان الذي كتب له أن يعمل في نشر الفلسفة بشفاعة الشريعة ، ويدعو الناس إليها باللطف والشفقة والرغبة ، فشتت الله كلمته ، وقوض دعامته ، وحال بينه وبين إرادته ، ووكله إلى حوله وقوته ، فلم يتم له من ذلك شيء . وكذلك رام أبو تمام النيسابوري ، وخدم الطائفة المعروفة بالشيعية ولجأ إلى مطرف بن محمد وزير مرداويج الجيلي ليكون له به قوة ، وينطق بما في نفسه من هذه الجملة ، فما زادته إلا صغراً في قدره ، ومهانةً في نفسه ، وتوارياً في بيته ؛ وهذا بعينه قصد العامري فما زال مطروداً من صقع إلى صقع ينذر دمه ويرتصد قتله ، فمرةً يتحصن بفناء ابن العميد ، ومرةً يلجأ إلى صاحب الجيش بنيسابور ، ومرةً يتقرب إلى العامة بكتبٍ يصنفها في نصرة الإسلام ، وهو على ذلك يتهم ويقرف بالإلحاد ؛ وبقدم العالم واللاكم في الهيولى والصورة والزمان والمكان ، وما أشبه هذا من ضروب الهذيان التي ما أنزل اللهبها كتابه ، ولا دعا إليها رسوله ، ولا أفاضت فيها أمته . ومع ذلك يناغي صاحب كل بدعة ؛ ويجلس إليه كلٌ منهم ؛ ويلقي كلامه إلى كل من ادعى باطناً للظاهر وظاهراً للباطن . وما عندي أن الأئمة الذين يأخذ عنهم ويقتبس منهم ، كأرسطوطاليس وسقراط وأفلاطون ، رهط الكفر ذكروا في كتبهم حديث الظاهر والباطن ، وإنما هذا من نسج القداحين في الإسلام ، الساترين على أنفسهم ما هم فيه من التهم ؛ وهذا بعينه دبره الهجريون بالأمس ، وبهذا دندن الناجمون بقزوين وبثوا الدعاة في أطراف الأرض ، وبذلوا الرغائب وفتنوا النفوس . وقد سمعنا تأويلات هذه الطوائف لآيات القرآن في قوله عز وجل : ' انطلقوا إلى ظلٍ ذي ثلاث شعبٍ ' وفي قوله تعالى : ' عليها تسعة عشر ' وفي قوله تعالى : ' سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ' إلى غير ذلك مما يطول ويعول فدعونا من التورية والحيلة والإيهام والكناية عن شيء لا يتصل بالإرادة ، والإرادة لشيء لا يتصل بالتصريح ، فالناس ألقد لأديانهم وأحرص على الظفر ببغيتهم من الصيارفة لدنانيرهم ودراهمهم . فلما انبهر المقدسي بما سمع وكاد يتفرى إهابه من الغيظ والعجز وقلة الحيلة قال : الناس أعداء ما جهلوا ، ونشر الحكمة في غير أهلها يورث العداوة ويطرح الشحناء ويقدح زند الفتنة .ثم كر الحريري كر المدل وعطف عطفة الواثق بالظفر ، فقال : يا أبا سليمان ، من هذا الذي يقر منكم أن عصا موسى انقلبت حية ، وأن البحر انفلق ، وأن يداً خرجت بيضاء من غير سوء ، وأن بشراً خلق من تراب ، وأن آخرته ولدته أنثى من غير ذكر ، وأن ناراً مؤججةً طرح فيها إنسانٌ فصارت له برداً وسلاماً ، وأن رجلاً مات مائة عامٍ ثم بعث فنظر إلى طعامه وشرابه على حاليهما لم يتغيرا ، وأن قبراً تفقأ عن ميتٍ حيى ، وأ طيناً دبر فنفخ فيه فطار ، وأن قمراً انشق ، وأن جذعاً حن ، وأن ذئباً تكلم ، وأن ماءً نبع من أصابع فروى منه جيشٌ عظيم ، وأن جماعةً شبعت من ثريدةٍ في قدر جسم قطاة ؟ وعلى هذا ، إن كنتم تدعون إلى شريعة من الشرائع التي فيها هذه الخوارق والبدائع فاعترفوا بأن هذه كلها صحيحة ثابتة كائنة لا ريب فيها ولا مرية ، من غير تأويل ولا تدليس ، ولا تعليل ولا تلبيس ، وأعطونا خطكم بأن الطبائع تفعل هذا كله ، والمواد تواتى له ، والله تعالى يقدر عليه ؛ ودعوا التورية والحيلة والغيلة والظاهر والباطن ، فإن الفلسفة ليست من جنس الشريعة ، ولا الشريعة من فن الفلسفة ، وبينهما يرمي الرامي ويهمي الهامي ؛ على أنا ما وجدنا الديانين من المتألهين من جميع الأديان يذكرون أن أصحاب شرائعهم قد دعوا إلى الفلسفة وأمروا بطلبها واقتباسها من اليونانيين هذا موسى وعيسى وإبراهيم وداود وسليمان وزكريا ويحيى إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لم نحق من يعزو إليهم شيئاً من هذا الباب ، ويعلق عليهم هذا الحديث . قال الوزير : ما عجبي من جميع هذا الكلام إلا من أبي سليمان في هذا الاستحقار والتغضب ، والاحتشاد والتعصب ؛ وهو رجل يعرف بالمنطقي ، وهو من غلمان يحيى بن عدي النصراني ، ويقرأ عليه كتب يونان ، وتفسير دقائق كتبهم بغاية البيان . فقلت : إن أبا سليمان يقول : إن الفلسفة حقٌ لكنها ليست من الشريعة في شيء ، والشريعة حقٌ لكنها ليست من الفلسفة في شيء ، وصاحب الشريعة مبعوث ، وصاحب الفلسفة مبعوث إليه ، وأحدهما مخصوص بالوحي ، والآخر مخصوص ببحثه ، والأول مكفي ،والثاني كادح ، وهذا يقول : أمرت وعلمت ، وقيل لي ، وما أقول شيئاً من تلقاء نفسي ؛ وهذا يقول : رأيت ونظرت واستحسنت واستقبحت ؛ وهذا يقول : نور العقل أهتدي به ؛ وهذا يقول : معي نور خالق الخلق أمشي بضيائه ؛ وهذا يقول : قال الله تعالى ، وقال الملك ؛ وهذا يقول : قال أفلاطن وسقراط ؛ ويسمع من هذا ظاهر تنزيل ، وسائغ تأويل ، وتحقيق سنة ، واتفاق أمة ؛ ويسمع من الآخر الهيولى والصورة والطبيعة والأسطقس والذاتي والعرضي والأيسي والليسي ، وما شاكل هذا مما لا يسمع من مسلمٍ ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ولا مانوي . ويقول أيضاً : من أراد أن يتفلسف فيجب عليه أن يعرض بنظره عن الديانات ، ومن اختار التدين فيجب عليه أن يعرد بعنايته عن الفلسفة ويتحلى بهما مفترقين في مكانين على حالين مختلفين ، ويكون بالدين متقرباً إلى الله تعالى ، على ما أوضحه له صاحب الشريعة عن الله تعالى ، ويكون بالحكمة متصفحاً لقدرة الله تعالى في هذا العالم الجامع للزينة الباهرة لكل عين ، المحيرة لكل عقل ، ولا يهدم أحدهما بالآخر . أعني لا يجحد ما ألقي إليه صاحب الشريعة مجملاً ومفصلاً ، ولا يغفل عما استخزن الله تعالى هذا الخلق العظيم على ما ظهر بقدرته ، واشتمل بحكمته ، واستقام بمشيئته ، وانتظم بإرادته واستتم بعلمه ؛ ولا يعترض على ما يبعد في عقله ورأيه من الشريعة ، وبدائع آيات النبوة بأحكام الفلسفة ، فإن الفلسفة مأخوذة من العقل المقصور على الغاية ، والديانة مأخوذة من الوحي الوارد من العلم بالقدرة . قال : ولعمري إن هذا صعب ، ولكنه جماع الكلام ، وأخذ المستطاع ، وغاية ما عرض له الإنسان المؤيد باللطائف ، المزاح بالعلل وبضروب التكاليف . قال : ومن فضل نعمة الله تعالى على هذا الخلق أنه نهج لهم سبيلين ونصب لهم علمين ، وأبان لهم نجدين ليصلوا إلى دار رضوانه إما بسلوكهما وإما بسلوك أحدهما .فقال له البخاري : فهلا دل الله على الطريقين اللذين رسمتهما في هذا المكان ؟ قال : ودل وبين ، ولكنك عمٍ ، أما قال : ' وما يعقلها إلا العالمون ' ؟ وفي فحوى هذا وما يعلمها إلا العالمون ؟ فقد وصل العقل بالعلم ، كما وصل العلم بالعقل ، لأن كمال الإنسان بهما ، ألا ترى أن العاقل متى عري من العلم قل انتفاعه بعقله ؟ كذلك العالم متى خلي من العقل بطل انتفاعه بعلمه ، أما قال : ' وما يتذكر إلا أولوا الألباب ' ؟ أما قال : ' فاعتبروا يا أولي الأبصار ' ؟ أما قال : ' أفلا يتدبرون القرآن ' ؟ أما ذم قوماً حين قال : ' يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ' ؟ أفما قال : ' أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها ' أما قال : ' وكأين من آيةٍ في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ' ؟ أما قال : ' إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ ' ؟ وكتاب الله عز وجل محيطٌ بهذا كله ، وإنما تقاد إلى طاعة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد هذا فيما لا يناله عقلك ، ولا يبلغه ذهنك ، ولا يعلو إليه فكرك ، فأمرك باتباعه والتسليم له ، وإنما دخلت الآفة من قومٍ دهريين ملحدين ركبوا مطية الجدل والجهل ، ومالوا إلى الشغب بالتعصب ، وقابلوا الأمور بتحسينهم وتقبيحهم وتهجينهم ، وجهلوا أن وراء ذلك ما يفوت ذرعهم ، ويتخلف عن لحاقه رأيهم ونظرهم ، ويعمي دون كنه ذلك بصرهم ؛ وهذه الطائفة معروفة ، منهم صالح بن عبد القدوس ، وابن أبي العوجاء ، ومطر بن أبي الغيث ، وابن الراوندي ، والحصري ، فإن هؤلاء طاحوا في أودية الضلالة ، واستجروا إلى جهلهم أصحاب الخلاعة والمجانة . فقال البخاري : فما الذي تركت بهذا الوصف للذين جمعوا بين الفلسفة والديانة ؛ ووصلوا هذه بهذه على طريق الظاهر والباطن ، والخفي والجلي ، والبادي والمكتوم ؟ قال : تركت لهم الطويل العريض ، القوم زعموا أن الفلسفة مواطئةٌ للشريعة ، والشريعة موافقةٌ للفلسفة ؛ ولا فرق بين قول القائل : قال النبي ، وقال الحكيم ، وأن أفلاطونما وضع كتاب النواميس إلا لنعلم كيف نقول ؟ وبأي شيء نبحث ، وما الذي نقدم ونؤخر ، وأن النبوة فرعٌ من فروع الفلسفة ، وأن الفلسفة أصل علم العالم ، وأن النبي محتاجٌ إلى تتميم ما يأتي به من جهة الحكيم ، والحكيم غنيٌ عنه ؛ هذا وما أشبهه ؛ وأن صاحب الدين له أن يعين ويوري ويشير ويكني حتى تتم المصلحة ، وتنتظم الكلمة ، وتتفق الجماعة ، وتثبت السنة ، وتحلو المعيشة ، وحتى قال قائل منهم : أوائل الشريعة أمورٌ مبتدعة ، ووسائطها سننٌ متبعة ، وأواخرها حقوقٌ منتزعة ، وإن هذا النعت من قولي : إن الشريعة إلهية ، والفلسفة بشرية ، أعني أن تلك بالوحي ، وهذه بالعقل ، وأن تلك موثوقٌ بها ومطمأنٌ إليها ، وهذه مشكوكٌ فيها مضطربٌ عليها . قال له البخاري : فلم لم ينهج صاحب الشريعة هذه الطريق ، وكان يزول هذا الخصام ، وينتفي هذا الظن ، وتكسد هذه السوق ؟ فقال : إن صاحب الشريعة مستغرقٌ بالنور الإلهي ، فهو محبوس على ما يراه ويبصره ، ويجده وينظره ، لأنه مأخوذ بما شهده بالعيان وأدركه بالحس وناله بوديعة الصدر عن كل ما عداه ، فلهذا يدعو إلى اقتباس كماله الذي حصل له ، ولا يسعد بدعوته إلا من وفق لإجابته ، وأذعن لطاعته ، واهتدى بكلمته ، والفلسفة كمال بشري ، والدين كمالٌ إلهي ، والكمال الإلهي غنيٌ عن الكمال البشري ، والكمال البشري فقيرٌ إلى الكمال الإلهي ، فهذا هذا ، وما أمر الله عز وجل بالاعتبار ، ولا حث على التدبير ، ولا حرك القلوب إلى الاستنباط ، ولا حبب إلى القلوب البحث في طلب المكنونات ، إلا ليكون عباده حكماء ألباء أتقياء أذكياء ، ولا أمر بالتسليم ولا حظر الغلو والإفراط في التعمق إلا ليكون عباده لاجئين إليه متوكلين عليه ، معتصمين به ، خائفين منه ، راجين له ، يدعونه خوفاً وطمعاً ، ويعبدونه رغباً ورهباً ، فبين ما بين حرصاً على معرفته وعبادته ، وطاعته وخدمته ، وأخفى ما أخفى لتدوم حاجتهم إليه ، ولا يقع الغنى عنه ، وبالحاجة يقع الخضوع والتجرد ، وبالاستغناء يعرض التجبر والتمرد ؛ وهذه أمورٌ جاريةٌ بالعادة ، وثابتة بالسيرة الجائرة والعادلة ؛ ولا سبيل إلى دفعها ورفعها وإنكارها وجحدها ، فلهذا لزم كل من أدرك بعقله شيئاً أن يتمم نقصه بما يجده عند من أدرك ما أدرك بوحيٍ من ربه . وقال أيضاً : مما يؤكد هذه الجملة أن الشريعة قد أتت على معقولٍ كثير ، بنور الوحيالمنير ، ولم تأتي الفلسفة على شيء من الوحي لا كثيرٍ ولا قليل : قال : وليس ليونان نبيٌ يعرف ، ولا رسولق من قبل الله صادق ، وإنما كانوا يفزعون إلى حكمائهم في وضع ناموسٍ يجمع مصالح حياتهم ونظام عيشهم ومنافع أحوالهم في عاجلتهم ، وكانت ملوكهم تحب الحكمة وتؤثر أهلها ، وتقدم من تحلى بجزء من أجزائها ، وكان ذلك الناموس يعمل به ويرجع إليه ، حتى إذا أبلاه الزمان ، وأخلقه الليل والنهار ، عادوا فوضعوا ناموساً آخر جديداً بزيادة شيء على ما تقدم أو نقصانٍ ، على حسب الأحوال الغالبة على الناس ، والمغلوبة بين الناس ، ولهذا لا يقال : إن الإسكندر في أيام ملكه حين سار من المغرب إلى المشرق كانت شريعته كذا وكذا ، وكان يذكر نبياً يقال له : فلان ، أو قال : أنا نبي ، ولقد واقع داراً وغيره من الملوك على طريق الغلبة في طريق الغلبة في طلب الملك ، وحيازة الديار وجباية الأموال والسبي والغارة ، ولو كان للنبوة ذكرٌ وللنبي حديثٌ لكان ذلك مشهوراً مذكوراً ، ومؤرخاً معروفاً . قال الوزير : هذا كلامٌ عجيبٌ ما سمعت مثله على هذا الشرح والتفصيل ، قلت : إن شيخنا أبا سليمان غزير البحر ، واسع الصدر ، لا يغلق عليه في الأمور الروحانية والأنباء الإلهية والأسرار الغيبية ، وهو طويل الفكرة ، كثير الوحدة ، وقد أوتي مزاجاً حسن الاعتدال ، وخاطراً بعيد المنال ، ولساناً فسيح المجال ، وطريقته هذه التي اجتباها مكتنفةٌ بمعارضاتٍ واسعة ، وعليها مداخل لخصمائه ، وليس يفي كل أحدٍ بتلخيصه لها ، لأنه قد أفرز الشريعة من الفلسفة ، ثم حث على انتحالهما معاً ، وهذا شبيهٌ بالمناقضة . وقد رأيت صاحباً لمحمد بن زكرياء ي هذه الأيام ورد من الري يقال له : أبو غانم الطبيب يشاده في هذا الموضع ويضايقه ، ويلزمه القول بما ينكره على الخصم ، وإذا أذنت رسمت كلامهما في ورقات . فقال الوزير : قد بان الغرض الذي رمي إليه ، وتقليبه بالجدل لا يزيده إلا إغلاقاً ، والقصد معروف ، والوقوف عليه كافٍ ، ومع هذا فليت حظنا منه كان يتوفر بالتلاقي والاجتماع ، لا بالرواية والسماع ، هات فائدة الوداع ، فقد بلغت في المؤانسة غاية الإمتاع . قلت : أكره أن أختم مثل هذه الفقرة الشريفة بما يشبه الهزل وينافي الجد ، فإن أذنت رويت ما يكون أساساً ودعامة لما تقدم .قال : هات ما أحببت ، فما عهدنا من روايتك إلا ما يشوقنا إلى رؤيتك . قلت : قال ابن المقفع : عمل الرجل بما يعلم أنه خطأٌ هوىً ، والهوى آفة العفاف ، وتركه العمل بما يعلم أنه صوابٌ تهاون ، والتهاون آفة الدين ، وإقدامه على ما لا يعلم أصوابٌ هو أم خطأٌ لجاج ، واللجاج آفة الرأي . فقال - حرس الله نفسه - : ما أكثر رونق هذا الكلام وما أعلى رتبته في كنه العقل اكتبه لنا ، بل اجمع لي جزءاً لطيفاً من هذه الفقر ، فإنها تروح العقل في الفينة بعد الفينة ، فإن نور العقل ليس يشع في كل وقت ؛ بل يشع مرةً ويبرق مرةً ، فإذا شع عم نفعه ، وإذا برق خص نفعه وإذا خفي بطل نفعه . قلت : أفعل . فقال : إن كان معك شيءٌ آخر فاذكره ، فإن الحديث الحسن لا يمل ، وما أحسن ما قال خالد بن صفوان ، فإنه قيل له : أتمل الحديث ؟ قال : إنما يمل العتيق . قال : صدق خالد : إن الحديث لا يمل من الزمان إلا فيما يليه ، وإلا يمل في أول زمانه وفاتحة أوانه ، وإنما الملل يعرض بتكرر الزمان وضجر الحس ونزاع الطبع إلى الجديد ، ولهذا قيل : لكل جديدٍ لذة . فحكيت أنه لما تقلد كسرى أنوشروان مملكته عكف على الصبوح والغبوق ، فكتب إليه وزيره رقعةً يقول فيها : إن في إدمان الملك ضرراً على الرعية ، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة . فوقع على ظهر الرقعة بالفارسية بما ترجمته : يا هذا ، إذا كانت سبلنا آمنة ، وسيرتنا عادلة ، والدنيا باستقامنا عامرة ، وعمالنا بالحق عاملة ، فلم نمنع فرحةً عاجلة ؟ . قال : من حدثك بهذا ؟ قلت : أبو سليمان شيخنا ، قال : فكيف كان رضاه عن هذا الملك في هذا القول ؟ فقلت : اعترض فقال : أخطأ من وجوه ، أحدها أن الإدمان إفراط ، والإفراط مذموم ؛ والآخر أنه جهل أن أمن السبيل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحقمتى لم يوكل بها الطرف الساهر ولم تحط بالعناية التامة ، ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام ، دب إليها النقص والنقص بابٌ للانتقاض ، مزعزعٌ للدعامة ، والآخر أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب والتلذذ والتمتع ، فإن في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها وإبعاد الغي عنها ما يستوعب أضعاف العمر ، فكيف إذا كان العمر قصيراً ، وكان ما يدعو إليه الهوى كبيراً ؟ والآخر أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتار الملك باللذات ، وانهماكه في طلب الشهوات ، ازدرته واستهانت به ، وحدثت عنه بأخلاق الخنازير وعادات الحمير واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها والقيم بشأنها متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان ، وانتشرت في المحافل ، والتفت بها بعضهم إلى بعض وهذه مكسرةٌ للهيبة ، وقلة الهيبة رافعةٌ للحشمة ، وارتفاع الحشمة باعثٌ على الوثبة ، والوثبة غير مأمونةٍ من الهلكة ؛ وما خلا الملك من طامعٍ راصدٍ قط وليس ينبغي للملك الحازم أن يظن أنه لا ضد له ولا منازع ، وقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب ، وما أكثر خجل الواثق وما أقل حزم الوامق وما أقل يقظة المائق . ثم قال : وعلى الضد متى كان السائس ذا تحفظٍ وبحثٍ ، وتتبعٍ وحزمٍ وإكبابٍ على لم الشعث وتقويم الأود وسد الخلل وتعرف المجهول وتحقق المعلوم ورفع المنكر وبث المعروف ، احترست منه العامة والخاصة ، واستشعرت الهيبة ، والتزمت بينها النصفة ، وكفيت كثيراً من معاناتها ومراعاتها ، وإن كان للدولة راصدٌ للغرة يئس من نفوذ الحيلة فيها ، لأن اللص إذا رأى مكاناً حصيناً وعهد عليه حراساً لم يحدث نفسه بالتعرض له ، وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة ، وباباً إليه طريق ، والأعراض بالأسباب ، وإذا ضعف السبب ضعف العرض ، وإذا انقطع السبب انقطع العرض . فقال - أدام الله أيامه - : هذا كلامٌ كافٍ شافٍ . وقال بعد ذلك : حدثني عما تسمع من العامة في حديثنا . قلت : سمعت بباب الطاق قوماً يقولون : اجتمع الناس اليوم على الشط فلما نزل الوزير ليركب المركب صاحوا وضجوا وذكروا غلاء القوت وعوز الطعام وتعذر الكسبوغلبة الفقر وتهتك صاحب العيال ، وأنه أجابهم بجوابٍ مرٍ مع قطوب الوجه وإظهار التبرم بالاستغاثة : بعد لم تأكلوا النخالة . فقال : والله ما قلت هذا ، ولا خطر لي على بال ، ولم أقابل عامةً جاهلةً ضعيفةً جائعةً بمثل هذه الكلمة الخشناء ، وهذا يقوله من طرح الشر وأحب الفساد وقصد التشنيع علي والإيحاش مني ، وهو هذا العدو الكلب ، يعني ابن يوسف كفاني الله شره ، وشغله بنفسه ، ونكس كيده على رأسه ؛ والله لأنظرن لها وللفقراء بمالٍ أطلقه من الخزانة ، وأرسم ببيع الخبز ثمانية بدرهم ، ويصل ذلك إلى الفقراء في كل محلةٍ على ما يذكر شيخها ، ويبيع الباقون على السعر الذي يقوم لهم ، ويشتريه الغني الواجد ؛ ففعل ذلك - أحسن الله جزاءه - على ما عرفت وشاهدت ، وأبلغته بنشر الدعاء له في الجوامع والمجامع بطول البقاء ودوام العلاء وكبت الأعداء ونصر الأولياء . ثم كتبت جزءاً من الفقر على ما رسم من قبل ، فلما أوصلته إليه قال لي : اقرأ ، فقرأته عليه ، فقال : صل هذا الجزء بجزء آخر من حديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والصحابة وبجزء من الشعر ، وبشيء من معاني القرآن ، فإنه مقدمٌ على كل شيء بحسب ما رفع الله من خطره ، وأحوج إلى فهمه ، وندب إلى العمل به ، وأثاب على التفكر فيه والتعجب منه . وعظ رجلٌ من ' جهينة ' ' عمرو بن العاص ' في قصة الحكومة ، فقال عمرو له : ما أنت وذاك يا تيس جهينة ؟ فوالله ما ينفعك الحق ، ولا يضرك الباطل ، فاسكت فإن الظلف لا يجري مع الخف . وقال بعض الحكماء : إن المدن تبنى على الماء والمرعى والمحتطب والحصانة . وقال الشاعر : لاح سهيلٌ في الظلام الدامس . . . كأنه نارٌ بكف القابسقال ربيعة بن عامر بن مالك في عمرو بن الإطنابة - حين دفع أخته وأخذ أخاه وكان أسيراً في قومه ، وجعل دفع أخيه إليه صداق أخته ، وهو الذي تسميه العرب المساهاة - : فقد حزمى الذي هديت له ، وعزمى الذي أرشدت إليه . وقال الشاعر : وساهى بها عمرٌو وراعى إفاله . . . فزبدٌ وتمرٌ بعد ذاك كثير وكانت دية العربي مائة وسقٍ ، ودية الهجين خمسين وسقاً ، ودية المولى عشرة أوسق ؛ وكانت العرب تجعل دية المعم المخول مائة بعيرٍ ، ودية المولى خمسةً وعشرين بعيراً . وقال جرير : رأيت بني نبهان أذناب طيىءٍ . . . وللناس أذنابٌ ترى وصدور ترى شرط المعزى مهور نسائهم . . . وفي شرط المعزى لهن مهور وقال خالد بن جعفر بن كلاب : بل كيف تكفرني هوازن بعدما . . . أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ربهم زهيراً بعدما . . . جدع الأنوف وأكثر الأوتارا وجعلت مهر نسائهم ودياتهم . . . عقل الملوك هجائناً وبكارا وقال جندل بن صخرٍ ، وكان عبداً : وما فك رقى ذات دلٍ خدلجٌ . . . ولا ساق مالي صدقةٌ وعقولولكن نماني كل أبيض خضرمٍ . . . فأصبحت أدري اليوم كيف أقول وقتل الكلبي عبد الله بن الجوشن الغعطفاني بقتله ابنه الجراح بن عبد الله رواد ، وكانوا عرضوا عليه الدية ، فقال : شفيت بروادٍ غليلاً وجدته . . . على القلب منه مستسرٌ وظاهر ألا ليت قبراً بين أدمي ومطرقٍ . . . يحدثه عني الأحاديث خابر وقالوا نديه من أبيه ونفتدي . . . فقلت : كريمٌ ما تديه الأباعر ألم تر أن المال يذهب دثره . . . وتغبر أقوالٌ وتبقى المعاير أدمى ومطرق غديران بين فدك وبلاد طىء . سئلت ابنة اخس هل يلقح البازل ؟ قالت : نعم وهو رازم ، أي وإن كان لا يقدر على القيام من الضعف والهزال . يقال : جملٌ بازلٌ وناقةٌ بازلٌ ، ويقال : ضربه فبركعه إذا أبركه ، وتبركع ، ويقال : شم لي هذه الإبل ، أي انظر لي خبرها . ويقال لولد كل بهيمةٍ إذا ساء غذاؤه : جحنٌ ومحثلٌ وجذعٌ ، وكل ما غذي بغير أمه يقال له : عجيٌ ، وكذلك الجحن والوغل والسغل كله السيء الغذاء . سئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن ضالة الإبل ، فقال : ما لك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل من الشجر حتى يأتيها ربها . سئل - عليه السلام - عن ضالة الغنم ، فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب . قيل له عليه السلام : فاللقطة ؟ قال : تعرفها سنة وتحصي وكاءها ووعاءهاوعفاصها وعددها ؛ فإن جاء صاحبها فأدها إليه . وقال أبي بن كعبٍ : أصبت مائة دينارٍ على عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ' احفظ عفاصها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها فأخبرك بعددها وعفاصها ووكائها فأدها إليه وإلا فعرفها سنة ، ثم استمتع بها ' . قال علي بن الحسن : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى إذا كان يقف النخلتين قال له الأنصار : يا رسول الله ، هل لك في السباق ؟ قال : نعم وهو يومئذ على النواضح - وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يسير في أخريات الناس ، وأسامة بن زيدٍ على العضباء ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو في أول الناس - فقال : أين أسامة ؟ فتنادى الناس حتى بلغ أسامة الصوت ، فوضع السوط في الناقة فأقبلت ، فلما دنت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إن إخواننا من الأنصار قد أرادوا السباق فأنخ ناقتك حتى ترعو ، ثم علق الخطام ثم سابقهم ؛ ففعل واستبقوا ، فسبقت ناقة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجعل أسامة يكبر ويقول : سبق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ورسول الله يقول : سبق أسامة ، فلما أكثر من ذلك قال له : أقصر يا أسامة ، فإن إخواننا من الأنصار فيهم حياءٌ وحفيظة . قال : وليس لشيء من الحيوان سنامٌ إلا البعير ، ولبعض البخاتي سنامان ، ولبعض البقر شيء صغيرٌ على موضع الكاهل . والجمل يبول إلى خلفٍ ، وكذلك الأسد . وقضيب الجمل من عصبٍ ، وقضيب الإنسان من لحمٍ وغضروفٍ ، وقضيب الذئب والثعلب من عظمٍ ، وقضيب ذكر الأرانب من عظمٍ على صورة الثقب كأنه نصف أنبوبةٍ مشقوقة . وفي قلب الثور عظم ، وربما وجد في قلب الجمل . والمرأة تلد من قبل ، والناقة من خلف . وزمان نزو الجمال في شباط . والإناث من الإبل تحمل اثني عشر شهراً وتضع واحداً وتلقح إذا بلغت ثلاث سنين ، وكذلك الذكر ، ثم تقيم الأنثى سنةً ثم ينزى عليها . وزعم صاحب المنطق أن الجمل لا ينزو على أمه ، وإن اضطر كرهه . قال : وقد كان رجلٌ في الدهر السالف ستر الأم بثوبٍ ثم أرسل بكراً عليها ، فلماعرف ذلك لم يتم وقطع ، وحقد على الجمال فقتله . قال : وقد كان لملكٍ فرسٌ أنثى ، وكان لها أفلاءٌ ، فأراد أن تحمل من أكرمها ، فصد عنها وكرهها ، فلما سترت وثب فركبها ، فلما رفع الثوب ورآها هرب ومر حضراً حتى ألقى نفسه في بعض الأودية فهلك . . . . . هذا كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ كرم الله وجهه . قال حذيفة : كن في الفتنة كابن البون ، لا ظهر فيركب ، ولا لبن فيحلب . قال ديوجانس : إن المرأة تلقن الشر من المرأة ، كما أن الأفعى تأخذ السم من الأصلة . وقال فيثاغورس : إن كثيراً من الناس يرون العمى الذي يعرض لعين البدن فتأباه أنفسهم ، فأما عمى عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه أنفسهم ، فلذلك لا يستحيون . وقال أيضاً : كما أن الذي يسلك طريقاً لا يعرفه لا يدري إلى أي موضعٍ يؤديه ، كذلك الذي يسمع كلاماً لا يعرف الغرض فيه لا يربح منه إلا التعب . قيل لديوجانس : أيهما أولى ، طلب الغنى ، أم طلب الحكمة ؟ فقال : للدنيا الغنى ، وللآخرة الحكمة . وقيل له : متى تطيب الدنيا ؟ قال : إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها . فقال الوزير - أسعده الله - عندي أن هذا الكلام مدخول ، لأن الفلسفة لا تصح إلا لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة ، فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وقالياً لها ، وهو محتاجٌ إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها ، وله أولياء يحتاج إلى تدبيرهم وإقامة أبنيتهم والتوسعة عليهم ومواكلتهم ومشاربتهم ومداراتهم والإشراف على سرهم وعلانيتهم ، والملك أتعب من الطبيب الذي يجمع معالجةً كثيرةً بضروب الأدوية المختلفة والأغذية المتباينة ؛ هذا والطبيب فقيرٌ إلى تقديم النظر في نفسه وبدنه ، ونفي الأمراض والأغراض عن ظاهره وباطنه ، ومن كان هكذا ومن هو أكثر منهوأشد حاجةً وعلاقةً كيف يستطيع أن يكون ملكاً وحكيماً ؟ ولعل قائلاً يظن هذا ممكناً ، ويكون الملك واعياً في الحكمة بالدعوى ، وقائماً بالملك على طريق الأولى ، وهذا إلى التياث الأمر واختلاله واختلاطه في الملك والفلسفة أقرب منه إلى إحكام الأصل وإثبات الفرع . قال : ولهذا لم نجد نحن في الإسلام من نظر في أمر الأمة على الزهد والتقى وإيثار البر والهدى إلا عداداً قليلاً ، والمجوس تزعم أن الشريعة معرجةٌ عن الملك ، أي الذي يأتي بها ليس له أن يعرج على الملك ، بل له أن يكل الملك إلى من يقوم به على أحكام الدين ، ولهذا قال ملكنا الفاضل : الدين والملك أخوان ، فالدين أسٌ ، والملك حارس ، فما لا أس له فهو مهدوم ، وما لا حارس له فهو ضائع . فقلت له : هذا باب إن توزع القول فيه طال ، وإن رمي بالقصد جاز ، واللائمة كلامٌ كثيرٌ في الإمامة والخلافة وما يجري مجرى النيابة عن صاحب الديانة على فنونٍ مختلفة ، وجمل متعددة ، إلا أن الناظر في أحوال الناس ينبغي أن يكون قائماً بأحكام الشريعة ، حاملاً للصغير والكبير ، على طرائقها المعروفة ، لأن الريعة سياسة الله في الخلق ، والملك سياسة الناس للناس ، على أن الشريعة متى خلت من السياسة كانت ناقصة ، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصة ، والملك مبعوث ، كما أن صاحب الدين مبعوث ، إلا أن أحد البعثين أخفى من الآخر ، والثاني أشهر من الأول . قال - أطال الله بقاءه - كنت أحب أن أعلم من أين قلت : إن الملك مبعوث أيضاً ؟ فإن هذه الكلمة ما ثبتت في أذني قط ، ولا خطرت لي على بال ؛ قلت : قال الله عز وجل في تنزيله : ' إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ' . فعجب وقال : كأني لم أسمع بهذا قط . وذكر للإسكندر سوء أحوال رؤساء مذهبه لما كان أبوه احتاز أموالهم وسلب أحوالهم . فقال : يجب للآباء على الأبناء إزالة الذم عنهم ، ومحو الإثم ، واستعطاف القلوب عليهم ، ونشر المحامد عنهم ؛ وأمر برد أموالهم عليهم ، وزاد في الإحسان إليهم . وقال : قد بلغ من فرط شفقة الآباء على الأبناء أن يسيئوا إلى أنفسهم لتكون الإساءة سبباً للإحسان إلى أولادهم ، لأنهم يرون أولادهم كأنفسهم لأنهم من أنفسهم .فقلت : أيها الوزير ، إني لأعجب من الإسكندر في الفعل الرشيد والقول السديد ، فهذا المنصور أبو جعفر صاحب الشهامة والصرامة أخذ من وجوه العراق أموالاً بخواتيم أصحابها وأفقرهم ، وجعلها في خزائنه بعد أن كتب على تلك الخرائط والظروف أسماء أهلها ، ثم وصى المهدي بردها على أصحابها بعد موته ، ووكد ذلك عليه ، وقال : يا بني ، إنما أريد بهذا أن أحببك إلى الناس ، ففعل المهدي ذلك ؛ فانتشر له الصيت وكثر الدعاء وعجت الأصوات ، وقال الناس : هذا هو المهدي الذي ورد في الأثر . فقال : هذا عجب . وقال سقراط : ينبغي لمن علم أن البدن هو شيء جعل نافعاً للنفس مثل الآلة للصانع أن يطلب كل ما يصير البدن به أنفع وأوفق لأفعال النفس التي هي فيه ، وأن يهرب من كل ما يصير البدن غير نافعٍ ولا موافق لاستعمال النفس له . قال أوميروس : لا ينبغي لك أن تؤثر علم شيء إذا عيرت به غضبت ، فإنك إذا فعلت هذا كنت أنت القاذف لنفسك . وقال ديوجانس : من القبيح أن تتحرى في أغذية البدن ما يصلح له ولا يكون ضاراً ، ولا تتحرى في غذاء النفس الذي هو العلم لئلا يكون ضاراً . وقال أيضاً : من القبيح أن يكون الملاح لا يطلق سفينته في كل ريح ، ونحن نطلق أنفسنا في غير بحث ولا اختبار . ذكر لنا أبو سليمان أن فيلسوفاً ورد مدينةً فيها فيلسوف ، فوجه إليه المدني كأساً ملآى ، يشير بها إلى أن الاستغناء عنه واقعٌ عنده ، فطرح القادم في الكأس إبرةً ، يعلمه أن معرفته تنفذ في معرفته . وقال فيلسوفٌ يوناني : التقلب في الأمصار ، والتوسط في المجامع ، والتصرف في الصناعات ، واستماع فنون الأقوال ، مما يزيد الإنسان بصيرةً وحكمةً وتجربةً ويقظةً ومعرفةً وعلماً . قال الوزير : ما البصيرة ؟ قلت : لحظ النفس الأمور . قال : فما الحكمة ؟ قلت : بلوغ القاصية من ذلك اللحظ . قال : فما التجربة ؟ قلت : كمال النفس بلحاظ مالها . قال : هذاحسن . قال أنكساغورس : كما أن الإناء إذا امتلأ بما يسعه من الماء ثم تجعل فيه زيادة على ذلك فاض وانصب ، ولعله أن يخرج معه شيءٌ آخر ؛ كذلك الذهن ما أمكنه أن يضبطه فإنه يضبطه ، وإن طلب منه ضبط شيء آخر أكثر من وسعه تحير ، ولعل ذلك يضيع عليه شيئاً مما كان الذهن ضابطاً له ، وهذا كلام صحيح ، وإني لأتعجب من أصحابنا إذا ظنوا وقالوا : إن الإنسان يستطيع حفظ جميع فنون العلم والقيام بها والإبقاء عليها ، ولو كان هذا مقدوراً عليه لوجد ، ولو وجد لعرف ، ولو عرف لذكر ، وكيف يجوز هذا وقلب الإنسان مضغة ، وقوته مقصورةٌ ، وانبساطه متناهٍ ، واقتباسه وحفظه وتصوره وذكره محدودٌ ؟ ولقد حدثني علي بن المهدي الطبري قال : قلت ببغداد لأبي بشر : لو نظرت في شيء من الفقه مع هذه البراعة التي لك في الكلام ، ومع هذا اللسان الذي تحير فيه كل خصم . قال : أفعل ، قال : فكنت أقرأ عليه بالنهار مع المختلفة الكلام ، وكان يقرأ علي بالليل شيئاً من الفقه ، فلما كان بعد قليل أقصر عن ذلك ، فقلت له : ما السبب ؟ قال : والله ما أحفظ مسئلةً جليلةً في الفقه إلا وأنسي مسئلةً دقيقةً في الكلام ، ولا حاجة لي في زيادة شيء يكون سبباً لنقصان شيء آخر مني . وسأل رجلٌ آخر أن يقرضه مالاً ، فوعده ثم غدر به ، فلامه الناس ، فقال : لأن يحمر وجهي مرةً أحب إلي من أن يصفر مراراً كثيرة . وولي أريوس ولايةً فقال أصدقاؤه : الآن يظهر فضلك . فقال : ليست الولاية تظهر الرجل ، بل الرجل يظهر الولاية . وقال ديوجانس . الدنيا سوق المسافر ، فليس ينبغي للعاقل أن يشتري منها شيئاً فوق الكفاف . وقيل لاسطفانس : من صديقك ؟ قال : الذي إذا صرت إليه في حاجةٍ وجدته أشد مسارعةً إلى قضائها مني إلى طلبها . وقال أفلاطون : إن للنفس لذتين : لذةً لها مجردةً عن الجسد ، ولذةً مشاركة للجسد ، فأما التي تنفرد بها النفس فهي العلم والحكمة ، وأما التي تشارك فيها البدن فالطعام والشرابوغير ذلك . وقيل لسقراط : كيف ينبغي أن تكون الدنيا عندنا ؟ قال : لا تستقبلوها بتمنٍ لها ، ولا تتبعوها بتأسف عليها ؛ فلا ذلك مجدٍ عليكم ، ولا هذا راجعٌ إليكم . وقال سقراط : القنية مخدومة ، ومن خدم غير نفسه فليس بحر . وقال بعض ندماء الإسكندر له : إن فلاناً يسيء الثناء عليك ، فقال : أنا أعلم أن فلاناً ليس بشرير ، فينبغي أن ينظر هل ناله من ناحيتنا أمرٌ دعاه إلى ذلك ، فبحث عن حاله فوجدها رثةً ، فأمر له بصلةٍ سنية ، فبلغه بعد ذلك أنه يبسط لسانه بالثناء عليه في المحافل ؛ فقال : أما ترون أن الأمر إلينا أن يقال فينا خيرٌ أو شر . قيل لطيماثاوس : لم صرت تسيء القول في الناس ؟ قال : لأنه يمكنني أن أسيء إليهم بالفعل . وكان مرة في صحراء ، فقال له إنسان : ما أحسن هذه الصحراء قال : لو لم تحضرها أنت . وقال غالوس : ما وجه الاهتمام بما إن لم يكن أجزىء فوته ، وإن كان فالمنفعة به وبحضوره قليلة منقطعة . وقال سقراط : ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقمٍ من عدو ، ولكن بشكل من يسعط أو يكوى بعلاجه داءً بصديق له ، وإذا وعظت أيضاً بشيء فيه صلاحك ، فينبغي أن تتشكل بشكل المريض للطبيب . ركب مقاريوس في حاجة ، فمر بزيموس وقد تعلق به رجل يطالبه بمال اختدعه عنه وعليهما جماعةٌ من الناس ، وهو يسأله تنجيم ذلك المال عليه نجوماً ليؤديه ، ويتضرع أشد التضرع . فقال منقاروس : ما طلبتك عند هذا الرجل . فقال : أتاني فخدعني بالزهد والنسك عن مالي ، ووعدني أن يملأ بيتي ذهباً من صنعته ، فلم أزل في الاسترسال إلى ظاهره السليم حتى أفقرني باطنه السقيم . فقال له مقاريوس : إن كل من بذل شيئاً إنما يبذله على قدر وسعه ؛ وكان زيموس أتاك على حاله التي هو عليها ، ولم يكن ليتسع لأكثر من ذلك القول ؛ وعمل الذهب فبين ظاهر ، لأن فقره يدل على عجزه وضعفه عنه ، ومن أمل الغني عندالفقير فغاية ما يمكن أن يبلغه أن يصير مثله ؛ وآخر ما يؤمل عند الفقير نيل الفقر . فقد أصبت ما كنت تحب أن تجده عند زيموس ؛ وهو حظٌ إن تمسكت به لم يغل بما تلف من مالك ، ولئن كان وعدك أن يفيدك مالاً باطلاً فلقد أفادك معدناً حقاً ، من غير قصدٍ إلى نفعك . ثم أقبل على زيموس وقال له : ما أبعد شبه معدنك من المعادن الطبيعية إن المعادن تلفظ الذهب ، ومعدنك هذا يبتلع الذهب ؛ ومن جاور معدناً منها أغناه ، ومن جاور معدنك أفقره ؛ والمعادن الطبيعية تثمر من غير قول ، ومعدنك يقول من غير إثمار . فقال زيموس : أجل ، ولا آخرهم ولا أوسطهم ، لكنك من الجهال الذين لقي الناس منهم الأذى . فقال - أعلى الله قوله - : فهل لهذا الأمر - أعني الكيمياء - مرجوع ؟ وهل له حقيقة ؟ وما تحفظ عن هذه الطائفة ؟ فكان الجواب ، أما يحيى بن عدي - وهو أستاذ هذه الجماعة - فكان في إصبعه خاتمٌ من فضةٍ يزعم أن فضته عملت بين يديه ، وأنه شاهد عملها عياناً ، وأنه لا يشك في ذلك . وأما أصحابه كابن زرعة وابن الخمار ، فذكروا أن ذلك تم عليه من فعلٍ لم يفطن له من بعض من اغتره من هؤلاء المحتالين الخداعين . وأما شيخنا أبو سليمان فحصلت من جوابه على أنه ممكن ، ولم يذكر سبب إمكانه ولا دليل حقيقته . وأما أبو زيد البلخي - وهو سيد أهل المشرق في أنواع الحكمة - فذكر أنه محالٌ ولا أصل له ، وأن حكمة الله تعالى لا توجب صحة هذا الأمر ، وأن صحته مفسدةٌ عامة ، ' والله لا يحب الفساد ' . وأما مسكويه - وها هو بين يديك - فيزعم أن الأمر حقٌ وصحيح ، والطبيعة لا تمنع من إعطائه ، ولكن الصناعة شاقة ، والطريق إلى إصابة المقدار عسرة ، وجمع الأسرار صعبٌ وبعيد ، ولكنه غير ممتنع ؛ فقد مضى عمره في الإكباب على هذا بالري أيام كان بناحية أبي الفضل وأبي الفتح ابنه مع رجل يعرف بأبي الطيب ، شاهدته ولم أحمد عقله ، فإنه كانصاحب وسواسٍ وكذبٍ وسقط ، وكان مخدوعاً في أول أمره ، خادعاً في آخر عمره . وأبين ما سمعته في هذا الحديث أن الطبيعة فوق الصناعة ، وأن الصناعة دون الطبيعة ، وأن الصناعة تتشبه بالطبيعة ولا تكمل ، والطبيعة لا تتشبه بالصناعة وتكمل ، وأن الطبيعة قوة إلهية ساريةٌ في الأشياء واصلةٌ إليها ، عاملةٌ فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة والانفعال والمواتاة ، إما على التمام ، وإما على النقصان . وقيل : إن الطبيعة لا تسلك إلى إبراز ما في المادة أبعد الطرق ، ولا تترك أقرب الطرق ، فلما كانت المعادن هي التي تعطى هذه الجواهر على قدر المقابلات العلوية والأشكال السماوية والمواد السفلية والكائنات الأرضية ، لم يجز أن تكون الصناعة مساويةً لها ، كما لم يجز أن تكون مستعليةً عليها ، لأن الصناعة بشريةٌ مستخرجةٌ من الطبيعة التي هي إلهية ، ولا سبيل لقوةٍ بشريةٍ أن تنال قوةً إلهيةً بالمساواة ؛ فأما بالتشبيه والتقريب والتلبيس ، فيمكن أن يكون بالصناعة شيءٌ كأنه ذهبٌ أو فضة ، وليس هو في الحقيقة ، لا ذهبٌ ولا فضة ؛ وإذا كان ظهور القطن بالطبيعة وظهور الثوب بالصناعة فليس لهذه أن تعرض لهذه ، ولا لهذه أن تعرض لهذه ؛ والأمور موزونة ، والصناعات متناهية ؛ فإن ادعى في شيءٍ من الصناعة ما يزيد عليها حتى تكون كأنها الطبيعة ، احتيج إلى برهانٍ واضح ، وإلى عيان مصرح ، لأنا نعلم أنه ما من صناعةٍ ولا علمٍ ولا سياسةٍ ولا نحلةٍ ولا حاٍ إلا وقد حمل عليها ، وزيد فيها وكذب من أجلها بما إذا طلبت صحته بالبرهان لم تجد ، أو بالعيان لم تقدر . فأما أصحاب النسك ومن عرف بالعبادة والصلاح ؛ فقد ادعى لهم أن الصفر يصير لهم ذهباً ، وشيئاً آخر يصير فضة ، وأن الله عز وجل يزلزل لهم الجبل وينزل لهم القطر ، وينبت لهم الأرض ، وغير ذلك مما هو كالآيات للأنبياء الذين يأتون من قبل الله بالكتب والوصايا والأحكام والمواعظ والنصائح ، وربما يسمى كثيرٌ من الناس ما يظهر للزهاد والعباد من هذا الضرب كرامات ولا يسميها معجزات ، والحقائق لا تنقلب بالأسماء ، فإن المسمى بالكرامة هو المسمى بالمعجزة والآية . والخوض في هذا الطرف قديم ، وفصله في الحق شاقٌ ، والتنازع فيه قائم ، والظن يعمل عمله ، واليقين غير مظفور به ، ولا موصولٍ إليه ؛ والطبيعة قد أولعت الناس بادعاء الغرائب ، وبعثتهم على نصرتها بالوفق والخرق ، والتسهيل واللجاج ، والمواتاة والمحك ،ولله في طي هذا العالم العلوي أسرارٌ وخفايا وعيوبٌ ومكامن لا قوة لأحد من البشر بالحس ولا بالعقل أن يحوم حولها ، أو يبلغ عمقها ، أو يدرك كنهها ، ومن تصرف عرف ، ومن عرف سلم ، والسلام . وحكى لنا أبو سليمان أن أرسطوطاليس كتب إلى رجل لم يشفعه في رجل سأله الكلام له في حاجة : إن كنت أردت ولم تقدر فمعذور ، وإن كنت قدرت ولم ترد فسوف يجيىء وقتٌ تريد ولا تقدر . وقال بعض الحكماء : لا ترفهوا السفلة فيعتادوا الكسل والراحة ، ولا تجرئوهم فيطلبوا السرف والشغب ، ولا تأذنوا لأولادهم في تعلم الأدب فيكونوا لرداءة أصولهم أذهن وأغوص ، وعلى التعلم أصبر ؛ ولا جرم فإنهم إذا سادوا في آخر الأمر خربوا بيوت العلية أهل الفضائل . وقال فيلسوف : للنفس خمس قوى : الحس والوهم والذهن والاختبار والفكر . فأما الحس فلحاق الأشياء بلا فحص ، ولا يحتاج في ذلك اللحاق إلى شيء آخر ، إلا أن يكون ممنوعاً بمانع ، وذلك إذا وجد شيئاً أبيض حكم بأنه أبيض بلا فكر ولا قياس . وأما الوهم ، فإنه يقع على الأشياء بتوسط الحس . وأما الاختبار فيوافق الفكر ، كقولك : النفس لا تموت ، فهذا قولٌ اختباريٌ بعد الفكر ، فإن كان هذا هكذا فالاختبار ليس بقياس ، ولكنه أفق القياس . وأما الذهن فإنه لا يهجم على أوائل الأشياء . وقال آخر شبيهاً بهذا الكلام ، ولابأس أن يكون مضموماً إليه ، ليكون شمل الفائدة أكثر نظاماً وأقرب مراماً . قال : ليس للحواس والحركات فعلٌ دون أن تبعثها القوة المميزة ، فلذلك لا يحس السكران ولا النائم ، وكذلك أيضاً البهائم فإنها لا تصيح إلا بعد أن يعرض في فكرها شيء ، ولا تتحرك إلا بانبعاث القوة المميزة . ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواحٍ في ثلاثة أعضاء رئيسة : نفسيةٌ في الدماغ ، وحيوانية في القلب ، وطبيعية في الكبد .وفي كل واحد منها قوةٌ مميزةٌ بها يتم عمله ، فالتي في الدماغ هي العقل المميز الحارس للبدن ، ومنه ينبعث الحس والحركة ، والتي في القلب تنبعث منها الحرارة الغريزية في جميع البدن ؛ وزعموا أن تلك الحرارة هي الروح ؛ والتي في الكبد هي موضع الهضم والنضج ، وهي التي تنضج الطعام وتغيره وتحيله دماً وتوزع في كل عضو ما هو ملائمٌ له ، وبالجاذبة تجذب ، وبالحابسة تحبس ، وبالهاضمة تهضم ، وبالدافعة تدفع . فأما الدماغ فينقسم ثلاثة أقسام يحجز بينها أغشية ، أحدها في مقدم الرأس موضع التخيل ، والثاني في وسط الرأس موضع العقل والفكر والتمييز ، والثالث في مؤخر الرأس موضع الحفظ والذكر والقبول ؛ فكل واحد مما ذكرنا يخدم الآخر ، وإن ضعف أحدها ضعف لضعفه الآخر ، وباعتدالهن وسلامتهن قوام البدن والنفس . ولكل واحدٍ منها آلةٌ بها يستعين على خدمة الآخر . قال : فكما أن الرحى إذا نقضت شيئاً منها أو زدت أفسد الطحن ؛ إما بزيادة أو نقصان ، كذلك سائر خدمه وآلاته . وقال : الدماغ مسكن العقل ، وخدمه الحس والحركة ؛ والقلب مسكن الحرارة الغريزية ، وخدمه العروق الضوارب ؛ والكبد مسكن النضج والهضم ، وخدمها العروق غير الضوارب . وقال : النار تحرق ، فإذا كانت موجودةً فالدخان والرماد موجودان ، والدخان رمادٌ لطيف ، والرماد دخانٌ كثيف . وقال أبو سليمان : ذكر بعض البحاثين عن الإنسان أنه جامعٌ لكل ما تفرق في جميع الحيوان ، ثم زاد عليها وفضل بثلاث خصالٍ : بالعقل والنظر في الأمور النافعة والضارة ، وبالمنطق لإبراز ما استفاد من العقل بوساطة النظر ، وبالأيدي لإقامة الصناعات وإبراز الصور فيها مماثلةً لما في الطبيعة بقوة النفس . ولما انتظم له هذا كله جمع الحيل والطلب والهرب والمكايد والحذر ، وهذا بدل السرعة والخفة التي في الحيوان ، واتخذ بيده السلاح مكان الناب والمخلب والقرن ، واتخذ الجنن لتكون وقايةً من الآفات ، والعقل ينبوع العلم ، والطبيعة ينبوع الصناعات ، والفكر ، بينهما قابلٌ منهما ، مؤدٍ من بعض إلى بعض ، فصواب بديهة الفكر من صحة العقل ،وصواب روية الفكر من صحة الطباع . وقال أبو العباس : الناس في العلم على ثلاث درجات ، فواحد يلهم فيعلم فيصير مبدأ ، والآخر يتعلم ولا يلهم فهو يؤدي ما قد حفظ ، والآخر يجمع له بين أن يلهم وأن يتعلم . فيكون بقليل ما يتعلم مكثراً بقوة ما يلهم . وقال : الإنسان بين طبيعته - وهي عليه - ونفسه - وهي له - منقسمٌ ؛ فإن اقتبس من العقل قوي نوره ما هو له من النفس ، وأضعف ما هو عليه من الطبيعة ، فإن لم يكن يقتبس بقي حيران أو متهوراً . وقال سقراط : الكلام اللطيف ، ينبو عن الفهم الكثيف . وحكى لنا أبو سليمان قال : قيل لفيلسوف : ما بال المريض إذا داواه الطبيب ودخل عليه فرح به وقبل منه وكافأه على ذلك ، والجاهل لا يفعل ذلك بالعالم إذا علمه وبين له ؟ فقال : لأن المريض عالمٌ بما عند الطبيب ، وليس الجاهل كذلك ، لأنه لا يعلم ما عند العالم . وقال ديوجانس لصاحبه : أما تعلم أن الحمام إذا كان سمائياً كان أغلى ثمناً ، وإذا كان أرضياً كان أقل ثمناً . قال - أبقاه الله - هذا مثلٌلا في غاية الحسن والوضوح . وقال ديوجانس : المأكول للبدن ، والموهوب للمعاد ، والمحفوظ للعدو . وقال فيلسوف : التهاون باليسير أساسٌ للوقوع في الكثير . وقال أفلاطون : مثل الحكيم كمثل النملة تجمع في الصيف للشتاء ، وهو يجمع في الدنيا للآخرة . وقال فيلسوف : من يصف الحكمة بلسانه ولم يتحل بها في سره وجهره فهو في المثل كرجل رزق ثوباً فأخذ بطرفه فلم يلبسه . وقال السيد المسيح : إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس ، ولا تدركه اللصوص ، فافعل .قال فيلسوف : إذا نازعك إنسانٌ فلا تجبه ، فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها ، وإن تركت إجابتها بترتها وقطعت نسلها ، وإن أجبتها ألقحتها ؛ فكم من ولدٍ ينمو بينهما في بطنٍ واحد . وقال فيلسوف : إن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت . وقال ديوجانس : من أين تأكل ؟ فقال : من حيث يأكل عبدٌ له رب . وقال ديوجانس : كن كالعروس تريد البيت خالياً . قيل لأرسطوطاليس : إن فلاناً عاقلٌ . قال : إذاً لا يفرح بالدنيا . وقيل لفيثاغورس : ما أملك فلاناً لنفسه قال : إذاً لا تصرعه شهوته ، ولا تخدعه لذته . وقيل لأسقلبيوس : فلانٌ له همة . قال إذاً لا يرضى لنفسه بدون القدر . ومدح رجل ثيودوروس على زهده في المال قال : وما حاجتي إلى شيء البخت يأتي به ، واللؤم يحفظه ، والنفقة تبدده ، إن قل غلبك الهم بتكثيره ، وإن كثر تقسمك في حفظه ، يحسدك من فاته ما عندك ، ويخدعك عنه من يطمع فيه منك . وقال سقراط : ما أحب أن تكون النفس عالمةً بكل ما أعد لها ؛ قيل : ولم ؟ قال : لأنها لو علمت طارت فرحاً ولم ينتفع بها . وقال ديوجانس : القلب ذو لطافة ، والجسم ذو كثافة ، والكثيف يحفظ اللطيف كضوء المصباح في القنديل . وقال أفلاطون : العلم مصباح النفس ، ينفي عنها ظلمة الجهل ، فما أمكنك أن تضيف إلى مصباحك مصباح غيرك فافعل . قال أبو سليمان : ما أحسن المصباح إذا كان زجاجة نقياً ، وضوءه ذكياً ، وزيته قوياً ، وذباله سوياً . قيل لسقراط : ما أحسن بالمرء أن يتعلمه في صغره ؟ قال : ما لا يسعه أن يجهله في كبره .قال أبو سليمان : ومن ها هنا أخذ من قال : يحسن بالمرء التعلم ما حسنت به الحياة . قيل لهوميروس : ما أصبرك على عيب الناس لك قال : لأنا استوينا في العيب ، فأنا عندهم مثلهم عندي . وقيل للإسكندر : أي شيء أنت به أسر ؟ . قال : قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأحسن من إحسانه . وقال ديوجانس : إن إقبالك بالحديث على من لا يفهم عنك بمنزلة من وضع المائدة على مقبرة . ورأى ديوجانس رجلاً يأكل ويتذرع ويكثر ، فقال له : يا هذا ، ليست زيادة القوة بكثرة الأكل ، وربما ورد على بدنك من ذلك الضرر العظيم ، ولكن الزيادة في القوة بجودة ما يقبل بدنك منه على الملاءمة . وقال ديوجانس : الذهب والفضة في الدار بمنزلة الشمس والقمر في العالم . قال أبو سليمان : هذا مليح ، ولكن ينبغي أن تبقى الشمس والقمر فإنهما يكسفان فيكونان سبباً لفسادٍ كثير ، ويذوبان ويحميان فيكونان ضارين . وقال أفلاطون : موت الرؤساء أصلح من رآسة السفلة . وقال : إذا بخل الملك بالمال كثر الإرجاف به . وقال سولون : العلم صغير في الكمية ، كبيرٌ في الكيفية . وقال أبو سليمان : يعني أن القليل منه إذا استعملته على وجهه كان له إناء ونفع فائض ودرٌ سائحٌ ، وغايةٌ محمودةٌ ، وأثرٌ باق . وهذه كلها كيفيات من تلك الكمية . وقال أفلاطون : لا يسوس النفوس الكثيرة على لاحق والواجب من لا يمكنه أن يسوس نفسه الواحدة . وقال سقراط : النفس الفاضلة لا تطغى بالفرح ، ولا تجزع من الترح ، لأنها تنظر فيكل شيء كما هو ، لا تسلبه ما هو له ولا تضيف إليه ما ليس منه ؛ والفرح بالشيء إنما يكون بالنظر في محاسن الشيء دون مساوئه ، والترح إنما يكون بالنظر في مساوىء الشيء دون محاسنه ؛ فإذا خلص النظر من شوب الغلط فيما ينظر فيه انتفى الطغيان والجزع ، وحصل النظام وربع . قال ديوجانس : ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة ، فإن كان وجهه حسناً استقبح أن يضيف إليه فعلاً قبيحاً ، وإن كان وجهه قبيحاً استقبح أن يضيف قبيحاً إلى قبيح حتى يتضاعف القبح . وقال إبقراط : منزلة لطافة القلب في الأبدان بمنزلة لطافة الناظر في الأجفان . وقال : للقلب آفتان : وهما الغم والهم ، فالغم يعرض منه النوم ، والهم يعرض منه السهر ، وذلك أن الهم فيه فكرٌ في الخوف مما سيكون ، فمنه يغلب السهر ؛ والغم لا فكر فيه ، لأنه إنما يحدث لما قد مضى وكان . وقال أفلاطون : من يصحب السلطان فلا يجزع من قسوته ، كما لا يجزع الغواص من ملوحة البحر . قال أبو سليمان : هذا كلامٌ ضره أكثر من نفعه ، وإنما نفقه صاحبه بالمثال ، والمثال يستجيب للحق كما يستجيب للباطل ، والمعول على ما ثبت بالدليل ، لا على ما يدعى بالتمثيل ، وقد يجب أن يجتنب جانب السلطان بغاية الاستطاعة والإمكان ، إلا إذا كان الدهر سليماً من الآفات الغالبة . فقال له الأندلسي : وما صورة الزمان الخالي من الآفات ؟ فقال : أن يكون الدين طرياً ، الدولة مقبلة ، والخصب عاماً ، والعلم مطلوباً ، والحكمة مرغوباً فيها ، والأخلاق طاهرة ، والدعوة شاملة ، والقلوب سليمة ، والمعاملات متكافئة ، والسياسة مغروسة ، والبصائر متقاربة . فقال : هذا لو صح لارتفع الكون والفساد اللذان وهما سوس هذا المكان ، فقال : غلطت يا أبا عبد الله ، فإن الكون والفساد يكونان على حاليهما ، ولكنهما يقعان على معلومين للصورة الثابتة ، والسياسة العامة الغالبة ، كأنك لا تحس بالفرق بين زمان خصب الأرض وجدبها ؛ وكما أن للأرض خصباً وجدباً ؛ كذلك للأحوال والأديان وللدول صلاحٌ وفساد ، وإقبالٌ وإدبار ، وزيادةٌ ونقصان ؛ ولو كان ما خلته لازماً ، لكنا لا نتمنى ملكاً عادلاً ، ولا سائساً فاضلاً ، ولا ناظراً ناظماً ، ولا مدبراً عالماً ؛ وكان هذا لا يعرفولا يعهد ، ويكون في عرض المحال كونه ووجدانه ؛ وليس الأمر هكذا فقد عهدنا مثل أبي جعفر بسجستان ، وكان والله بصيراً خبيراً ، عالماً حكيماً ، يقظاً حذراً ، يخلق ويفري ، ويريش ويبري ، ويكسو ويعري ، ويمرض ويبري ، وهكذا مثل أبي جعفر بالأمس ملك العراق في حزامته وصرامته وقيامه في جميع أموره ، بنظره وتدبيره ؛ وكذلك قد عهد الناس قبلنا مثل هذا ، فلم يقع التعجب من شيء عليه مدار الليل والنهار . وقال ديوجانس لصاحب له : اطلب في حياتك هذه العلم والمال تملك بهما الناس ، لأنك بين الخاصة والعامة ، فالخاصة تعظمك لفضلك ، والعامة تعظمك لمالك . وقال أفلاطون : إن الله تعالى بقدر ما يعطي من الحكمة يمنع الرزق ؛ قال أبو سليمان : لأن العلم والمال كضرتين قلما يجتمعان ويصطلحان ، ولأن حظ الإنسان من المال إنما هو من قبيل النفس الشهوية والسبعية ، وحظه من العلم إنما هو من قبيل النفس العاقلة ، وهذان الحظان كالمتعاندين والضدين . قال : فيجب على الحصيف والمميز أن يعلم بأن العالم أشرف في سنخه وعنصره ، وأوله وآخره ، وسفره وحضره ، وشهادته ومغيبه من ذي المال ؛ فإذا وهب له العلم فلا يأس على المال الذي يجزىء منه اليسير ، ولا يلهب نفسه على فوته حسرةً وأسفاً ؛ فالعلم مدبر ، والمال مدبر ؛ والعلم نفسي ، والمال جسدي ، والعلم أكثر خصوصيةً بالإنسان من المال ، وآفات صاحب المال كثيرةٌ وسريعة ، لأنك لا ترى عالماً سرق علمه وترك فقيراً منه ؛ وقد رأيت جماعةً سرقت أموالهم ونهبت وأخذت ، وبقي أصحابها محتاجين لا حيلة لهم ؛ والعلم يزكو على الإنفاق ويصحب صاحبه على الإملاق ؛ ويهدي إلى القناعة ، ويسبل الستر على الفاقة ؛ وما هكذا المال .الليلة الثامنة عشرة
وقال مرةً : تعال حتى نجعل ليلتنا هذه مجونية ، ونأخذ من الهزل بنصيب وافر ، فإن الجد قد كدنا ، ونال من قوانا ، وملأنا قبضاً وكرباً ، هات ما عندك ، قلت : قال حسنون المجنون بالكوفة يوماً - وقد اجتمع إليه المجان يصف كل واحد منهم لذات الدنيا - فقال : أما أنا فأصف ما جربته ؛ فقالوا : هات ؛ فقال : الأمن والعافية ، وصفع الصلع الزرق ، وحك الجرب ، وأكل الرمان في الصيف ، والطلاء في كل شهرين ، وإتيان النساء الرعن والصبيان الزعر ، والمشي بلا سراويل بين يدي من لا تحتشمه ، والعربدة على الثقيل ، وقلة خلاف من تحبه والتمرس بالحمقى ومؤاخاة ذوي الوفاء ، وترك معاشرة السفلة . وقال الشاعر : أصبحت من سفل الأنام . . . إذ بعث عرضي بالطعام أصبحت صفعاناً لئي . . . م النفس من قومٍ لئام في است أم ربات الخيا . . . م ومن يحن إلى الخيام نفسي تحن إلى الهلا . . . م الموت من دون الهلام من لحم جديٍ راضعٍ . . . رخص المفاصل والعظام هذا لأولاد الخطا . . . يا والبغايا والحرام حي القدور الراسيا . . . ت وإن صممن عن الكلام وقصاعهن إذا أتي . . . نك طافحاتٍ بالسلاملهفي على سكباجةٍ . . . تشفي القلوب من السقام يا عاذلي أسرفت في . . . عذل الخليع المستهام رجلٌ يعض إذا نصح . . . ت له على فأس اللجام دع عذل من يعصي العذو . . . ل ولا يصيخ إلى الملام خلع العذار وراح في . . . ثوب المعاصي والأثام شيخٌ يصلي قاعداً . . . وينيك عشراً من قيام ويعاف نيك الغانيا . . . ت ويشتهي نيك الغلام وتراه يرعد حين يذ . . . كر عنده شهر الصيام خوفاً من الشهر المعذ . . . ب نفسه في كل عام سلس القياد إلى التصا . . . بي والملاهي والحرام من للمروءة والفتوة . . . بعد موتي والندام من للسماح وللرما . . . ح لدى الهزاهز والحسام من للواط وللحلا . . . ق وللملمات العظام كان محمد بن الحسن الجرجاني متقعراً في كلامه ، فدخل الحمام يوماً ، فقال للقيم : أين الجليدة التي تسلخ بها الضويطة من الإخفيق ؟ قال : فصفع القيم قفاه بجلدة النورة وخرج هارباً ، فلما خرج من الحمام وجه إلى صاحب الشرطة ، فأخذ القيم وحبسه ، فلما كان عشاء ذلك اليوم كتب إليه القيم رقعةً يقول فيها : قد أبرمني المحبوسون بالمسئلة عن السبب الذي حبست له ، فإما خليتني وإما عرفتهم . فوجه من أطلقه ، واتصل الخبر بالفتح ، فحدث المتوكل ، فقال : ينبغي أن يغني هذا القيم عن الخدمة في الحمام . وامر له بمائتي دينار .قال : وكان بالبصرة مخنثٌ يجمع ويعشق بعض المهالبة ، فلم يزل المخنث به حتى أوقعه ، قال : فلقيته من غدٍ فقلت له : كيف كانت وقعة الجفرة عندكم البارحة ؟ فقال : لما تدانت الأشخاص ، ورق الكلام ، والتفت الساق بالساق ، ولطخ باطنها بالبزاق ، وقرع البيض بالذكور ، وجعلت الرماح تمور ؛ صبر الكريم فلم يجزع ، وسلم طائعاً فلم يخدع ؛ ثم انصرف القوم على سلم ، بأفضل غنم ؛ وشفيت الصدور ، وسكنت حرارة النفوس ، ومات كل وجد ، وأصيب مقتل كل هجر ، واتصل الحبل ، وانعقد الوصل . قال : فلو كان أعد هذا الكلام لمسئلتي قبل ذلك بدهر لكان قد أجاد . وقال أبو فرعون الشاشي : أنا أبو فرعون فاعرف كنيتي . . . حل أبو عمرة وسط حجرتي وحل نسج العنكبوت برمتي . . . أعشب تنوري وقلت حنطتي وحالف القمل زماناً لحيتي . . . وضعفت من الهزال ضرطتي وصار تباني كفاف خصيتي . . . أير حمارٍ في حر أم عيشتي أبو عمرة : صاحب شرطة المختار بن عبيد ، كان لا ينزل بقوم إلا اجتاحهم ، فصار مثلاً لك شؤم وشر . ويقال أيضاً : إن أبا عمرة اسم الجوع ، هكذا حدثني به أبو الحسن البصري . وأنشد بشر بن هارون في أبي طاهر :أبا عبد الإله وأنت حرٌ . . . من الأحرار منزوع القلاده سألتك بالإله لتخبرني . . . أجهلك مستفادٌ أم ولاده ؟ فإن يك فيك مولوداً فعذرٌ . . . وإن يك حادثاً لك باستفاده فواعجباً يزيد الناس فضلاً . . . وأنت تزيد نقصاً بالزيادة حكى الصولي : حدثنا ميمون بن مهران قال : كان معنا مخنثٌ يلقب مشمشة - وكان أمياً - فكتب بحضرته رجلٌ إلى صديق له كتاباً ، فقال المخنث : اكتب إليه : مشمشة يقرأ عليك السلام ؛ فقال : قد فعلت - وما كان فعل - فقال : أرني ؛ فقال : هذا اسمك ؛ فقال : هيهات ، اسمي في الكتاب شبه داخل الأذن ، فعجبنا من جودة تشبيهه . قال نضلة : مررت بكناسين أحدهما في البئر والآخر على رأس البئر ، وإذا ضجة ، فقال الذي في البئر : ما الخبر ؟ فقال : قبض على علي بن عيسى ؟ فقال : من أقعدوا بدله ؟ قال : ابن الفرات ؛ قال : قاتلهم الله ، أخذوا المصحف ووضعوا بدله الطنبور . كتب أبو العيناء إلى ابن مكرم : قد أصبت لك غلاماً من بني ناعظ ، ثم من بني ناشرة ، ثم من بني نهد . فكتب إليه : ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . وقدم رجلٌ مع امرأة إلى القاضي ومعها طفلٌ ، فقالت : هذا ابنه ، فقال الرجل : أعز الله القاضي ما أعرفه ؛ فقال القاضي : اتق الله فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، فهذا وأمه على فراشك ؛ قال الرجل : ما تنايكنا إلا في الاست ، فمن أين لي ولد ؟ فقالت المرأة : أعز الله القاضي ؛ قل له : ما رأيت ؟ يعرفه ؛ فكف الرجل ، وأخذ بيد ولده وانصرف . قال : وسمعت آخر يقول لشاطر : اسكت ، فإن نهراً جرى فيه الماء لابد أن يعود إليه . فقال له الآخر : حتى يعود إليه الماء تكن قد ماتت ضفادعه . ومن كلام الشطار : أنا البغل الحرون ، والجمل الهائج ، أنا الفيلالمغتلم لو كلمني عدوي لعقدت شعر أنفه إلى شعر استه حتى يشم فساءه ، كأنه القنفذة . وقال بعض القصاص : في النبيذ شيء من الجنة ' الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ' والنبيذ يذهب الحزن . قال وسمعت ماجنةٌ تقول : ضر وسر ، وقد وارقد ، واطرح واقترح . قال ابن أبي طاهر : دعا مرة قوماً وأمر جاريته أن تبخرهم ، فأدخلت يدها في ثوب بعضهم فوجدت أيره قائماً ، فجعلت تمرسه وتلعب به وأطالت ؛ فقال مولاها : أيش آخر هذا العود ؟ احترق ؟ قالت : يا مولاي ، هو عقدة . قال مزيد : كان الرجل فيما مضى إذا عشق الجارية راسلها سنةً ، ثم رضي أن يمضغ العلك الذي تمضغه ، ثم إذا تلاقيا تحدثا وتناشدا الأشعار ، فصار الرجل اليوم إذا عشق الجارية لم يكن له هم إلا أن يرفع رجلها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة . قال ابن سيرين : كانوا يعشقون من غير ريبة ، فكان لا يستنكر من الرجل أن يجيء فيحدث أهل البيت ثم يذهب . قال هشام : ولكنهم لا يرضون اليوم إلا بالمواقعة . قال الأصمعي : قلت لأعرابي : هل تعرفون العشق بالبادية ؟ قال : نعم ، أيكون أحدٌ لا يعرفه . قلت : فما هو عندكم ؟ قال : القبلة والضمة والشمة ، قلت : ليس هو هكذا عندنا . قال : وكيف هو ؟ قلت : أن يتفخذ الرجل المرأة فيباضعها . فقال : قد خرج إلى طلب الولد . قال بشر بن هارون : إن أبا موسى له لحيةٌ . . . تدخل في الجحر بلا إذن وصورةٌ في العين مثل القذى . . . ونغمةٌ كالوقر في الأذن كم صفعةٍ صاحت إلى صافعٍ . . . بالنعل من أخدعه : خذني وقال لنا أبو يوسف : قال جحظة : حضرت مجلساً فيه جماعةٌ من وجوه الكتاب ، وعندنا قينةٌ محسنةٌ حاضرة النادرة ، فقال لها بعضهم : بحياتي عليك غني لي : لست مني ولست منك فدعني . . . وامض عني مصاحباً بسلامفقالت : أهكذا كان أبوك يغنيك ؟ فأخجلته . اشترى مدينيٌ رطباً ، فأخرج صاحب الرطب كيلجةً صغيرةً ليكيل بها ، فقال المديني : والله لو كلت بها حسناتٍ ما قبلتها . سئل أبو عمارة قاضي الكوفة : أي بنيك أثقل ؟ قال : ما فيهم بعد الكبير أثقل من الصغير إلا الأوسط . اجتمع جماعةٌ عند جامعٍ الصيدناني ، فقال أحدهم : ليس للمخمور أنفع من سلحه ، فقال جامع : أخذتها والله من فمي . قال رجل لرؤبة : أتهمز الخرأ ؟ قال : بإصبعك يابن الخبيثة . وقف أعرابيٌ على قوم يسائلهم ، فقال لأحدهم : ما اسمك ؟ قال : مانع ؛ وقال للآخر : ما اسمك ؟ قال : محرز ؛ وقال للآخر : ما اسمك ؟ قال : حافظ ؛ قال : قبحكم الله ، ما أظن الأقفال إلا من أسمائكم . من كلام العامة : منارة الإسكندرية عندك خشخاشة فارغة . . . . قال جحظة : قرأت على فص ماجنةٍ : ليلة عرسي ؛ ثقبوا بالأير كسي . وعلى فص ماجنةٍ أخرى ؛ السحق أخفى والنيك أشفى . وقال جحا لأبي مسلم صاحب الدعوة : إني نذرت إن رأيتك أن آخذ منك ألف درهم . فقال : رأيت أصحاب النذور يعطون لا يأخذون ، وأمر له بها . قال السري : رأيت المخنث الذي يعرف بالغريب ، وإنسانٌ من العامة قد آذاه وطال ذلك ، فالتفت إليه وقال له : يا مشقوق ؛ نعلك زائفة ، وقميصك مقرون الحاجبين ، وإزراك صدفٌ أزرق ، وأنت تتلاهى بأولاد الملوك والأمراء . قال السري : فخجل العامي ومر ، فقلت له : فسر لي هذا الغريب . فقال : امضر إلى ثعلب . فقلت : ليس هذا من عمله ؛ فسرهلي . قال : النعل الزائفة التي تجرف التراب جرفاً ، والقميص المقرون ، هو الخلق الذي في كتفيه رقعتان أجود منه ، فهما تفصحان بياناً ، والإزار صدفٌ أزرق ، أي مخرقٌ مفتت . فقلت : فقولك : يا مشقوق ؟ قال : قطيع الظهر . قيل للشعبي : أيجوز أن يصلى في البيعة ؟ قال : نعم . ويجوز أن يخرأ فيها . وقال سعيد بن جبير : القبلة رسول الجماع . وقال الرشيد للجماز : كيف مائدة محمد بن يحيى ، يعني البرمكي . قال : شبرٌ في شبر ؛ وصحفته من قشر الخشخاش ، وبين الرغيف والرغيف مضرب كرة ؛ وبين اللون واللون فترة نبي . قال : فمن يحضرها : قال : الكرام الكاتبون ؛ فضحك وقال : لحاك الله من رجل . قال نضلة : دخلت ساقيةً في الكرخ فتوضأت ؛ فلما خرجت تعلق السقاء بي وقال : هات قطعة ؛ فضرطت ضرطةً وقلت : خل الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي ؛ فضحك وخلاني . وعد رجلٌ بعض إخوانه أن يهدي إليه بغلاً ؛ فطال مطله ، فأخذ قارورة وبال فيها وجاء إلى الطبيب وقال : انظر إلى هذا الماء ، هل يهدي إلي بعض إخواني بغلاً . حدثنا ابن الخلال البصري قال : سمعت ابن اليعقوبي يقول : رأيت على باب المربد خالداً الكاتب وهو ينادي : يا معشر الظرفاء ، والمتخلقين بالوفاء ؛ أليس من العجب العجيب ، والنادر الغريب ، أن شعري يزني به ويلاط منذ أربعين سنةً وأنا أطلب درهماً فلا أعطى ، ثم أنشأ يقول : أحرم منكم بما أقول وقد . . . نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالةٌ نصبت . . . تضىء للناس وهي تحترق وسمعت الماجن المعروف بالغراب يقول : ويلك أيش في ذا ؟ لا تختلط الحنطة بالشعير ، أو يصنع الباذنجان قرعاً ، أو يتحول الفجل إلى الباقلاء ، ويصير الخرنوب إلى الأرندج . وسمعت دجاجة المخنث يقول لآخر : إنما أنت بيتٌ بلا باب ، وقدمٌ بلا ساق ، وأعمىبلا عصا ، ونارٌ بلا حطب ، ونهرٌ بلا معبر ، وحائطٌ بلا سقف . وشتم آخر فقال : يا رأس الأفعى ، ويا عصا المكاري ، ويا برنس الجاثليق ، يا كودن القصار ، يا بيرم النجار ؛ يا ناقوس النصارى ؛ يا ذرور العين ، يا تخت الثياب ، يا طعن الرمح في الترس ؛ يا مغرفة القدور ، ومكنسة الدور ؛ لا تبالي أين وضعت ؟ ولا أي جحرٍ دخلت ؟ ولا في أي خانٍ نزلت ، ولا في أي حمام عملت ؛ إن لم تكن في الكوة مترساً فتح اللصوص الباب ؛ يا رحىً على رحى ؛ ووعاءً في وعاء ، وغطاءً على غطاء ، وداءً بلا دواء ؛ وعمىً على عمى ؛ ويا جهد البلاء ؛ ويا سطحاً بلا ميزاب ، ويا عوداً بلا مضراب ، ويا فماً بلا ناب ، ويا سكيناً بلا نصاب ، ويا رعداً بلا سحاب ، ويا كوةً بلا باب ؛ ويا قميصاً بلا مئزر ، ويا جسراً بلا نهر ، ويا قراً على قر ؛ ويا شط الصراة ، ويا قصراً بلا مسناه ويا ورق الكماه ، يا مطبخاً بلا أفواه ؛ يا ذنب الفار ، يا قداراً بلا أبزار ، يا رأس الطومار ، يا رسولاً بلا أخبار ؛ يا خيط البواري ، يا رحىً في صحاري ، يا طاقاتٍ بلا سواري . دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي فقال لها : لو رأى في البيت جحراً . . . لنزا حتى يموتا أو رأى في البيت ثقباً . . . لتحول عنكبوتافأجابته : زوجوا هذا بألفٍ . . . وأظن الألف توتا قبل أن ينقل الدا . . . ء فلا يأتي ويوتى فقال - أدام الله دولته ، وبسط لديه نعمته - قدم هذ الفن على غيره ، وما ظننت أن هذا يطرد في مجلسٍ واحد ، وربما عيب هذا النمط كل العيب ، وذلك ظلم ، لأن النفس تحتاج إلى بشر . وقد بلغني أن ابن عباس كان يقول في مجلسه بعد الخوض في الكتاب والسنة والفقه والمسائل : احمصوا ، وما أراه أراد بذلك إلا لتعديل النفس لئلا يلحقها كلال الجد ، ولتقتبس نشاطاً في المستأنف ، ولتستعد لقبول ما يرد عليها فتسمع ؛ والسلام .
الليلة التاسعة عشرة
ورسم بجمع كلماتٍ بوارع ، قصارٍ جوامع ، فكتبت إليه أشياء كنت أسمعها من أفواه أهل العلم والأدب على مر الأيام في السفر والحضر ، وفيها قرعٌ للحس ، وتنبيهٌ للعقل ، وإمتاعٌ للروح ، ومعونةٌ على استفادة اليقظة ، وانتفاعٌ في المقامات المختلفة ، وتمثلٌ للتجارب المخلفة ؛ وامتثالٌ للأحوال المستأنفة . من ذلك : الحمد لله مفتاح المذاهب . البر يستعبد الحر . القناعة عز المعسر . الصدقة كنز الموسر . ما انقضت ساعةٌ من أمسك إلا ببضعةٍ من نفسك . درهمٌ ينفع خيرٌ من دينار يضر . من سره الفساد ، ساءه المعاد . الشقي من جمع لغيره فضن على نفسه بخيره . زد من طول أملك في قصر عملك . لا يغرنك صحة نفسك ، وسلامة أمسك ، فمدة العمر قليلة ، وصحة النفس مستحيلة . من لم يعتبر بالأيام ، لم ينزجر بالملام . من استغنى بالله عن الناس ، أمن من عوارض الإفلاس . من ذكر المنية ، نسي الأمنية . البخيل حارس نعمته ، وخازن ورثته . لكل امرىء من دنياه ، ما يعينه على عمارة أخراه . من ارتدى بالكفاف ، اكتسى بالعفاف . لا تخدعنك الدنيا بخدائعها ، ولا تفتننك بودائعها . رب حجة ، تأتيعلى مهجة ؛ ورب فرصة ، تؤدي إلى غصة . كم من دم ، سفكه فم . كم إنسان ، أهلكه لسان . رب حرف ، أدى إلى حتف . لا تفرط ، فتسقط . الزم الصمت ، وأخف الصوت . من حسنت مساعيه ، طابت مراعيه . من أعز فلسه ، أذل نفسه . من طال عدوانه ، زال سلطانه . من لم يستظهر باليقظة ، لم ينتفع بالحفظة . من استهدى الأعمى عمي عن الهدى . من اغتر بمحاله ، قصر في احتياله . زوال الدول ، باصطناع السفل . من ترك ما يعنيه ، دفع إلى ما لا يعنيه . ظلم العمال ، من ظلمة الأعمال . من استشار الجاهل ضل ، ومن جهل موضع قدمه زل . لا يغرنك طول القامة ، مع قصر الاستقامة ، فإن الذرة مع صغرها ، أنفع من الصخرة على كبرها . تجرع من عدوك الغصة ، إن لم تنل منه الفرصة ، فإذا وجدتها فانتهزها قبل أن يفوتك الدرك ، أو يصيبك الفلك ، فإن الدنيا دولٌ تبنيها الأقدار ، ويهدمها الليل والنهار . من زرع الإحن ، حصد المحن . من بعد مطمعه ، قرب مصرعه . الثعلب في إقبال جده ، يغلب الأسد في استقبال شده . رب عطب ، تحت طلب . اللسان ، رق الإنسان . من ثمرة الإحسان ، كثرة الإخوان ، من سأل ما لا يجب ، أجيب بما لا يحب ، وأنشدت : وليس لنا عيبٌ سوى أن جودنا . . . أضر بنا والبأس من كل جانب فأفنى الندى أموالنا غير ظالمٍ . . . وأفنى الردى أعمارنا غير عائب أبونا أبٌ لو كان للناس كلهم . . . أبٌ مثله أغناهم بالمناقب قال حميد بن الصميري لابنه : اصحب السلطان بشدة التوقي كما تصحب السبع الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة ؛ واصحب الصديق بلين الجانب والتواضع ؛ واصحب العدو بالإعذار إليه والحجة فيما بينك وبينه ؛ واصحب العامة بالبر والبشر واللطف باللسان .وقع عبد الحميد الكاتب على ظهر كتاب : يا هذا ، لو جعلت ما تحمله القراطيس من الكلام مالاً حويت جمالاً وحزت كمالاً . ووقع السفاح مرة : ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا وحاشيتنا خارجون منها ، فعجل أرزاقهم ، وزد على قدر كل رجل منهم إن شاء الله . قال الحسن بن علي : عنوان الشرف ، حسن الخلف . وقال جعفر بن محمد : إن لم تجف ، فقلما تصفو . وقال أعرابي : النخلة جذعها نماء ، وليفها رشاء ، وكربها صلاء ، وسعفها ضياء ، وحملها غذاء . وقال الأصمعي : سمعت كساحاً يقول لغلام له : ألم أضع إزارك ، ألم أصنع عود مجرفتك ؟ ألم أجعلك كساحاً على حمارين ؟ وجد كتابٌ باليمن فيه : أنا فلانة بنت فلان التبعي ، كنت آكل البقل الرطب من الهند وأنا باليمن ، ثم جعنا حتى اشترينا مكوك برٍ بمكوك در ، من يوسف بن يعقوب بمصر ، فمن رآنا فلا يغتر بالدنيا . وقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - لرجل من بني تغلب يوم صفين : أآثرتم معاوية ؟ فقال : ما آثرناه ، ولكنا آثرنا القسب الأصفر ، والبر الأحمر ، والزيت الأخضر . قيل للحسن بن عليٍ - رضي الله عنه - لما صالح معاوية : يا عار المؤمنين . فقال : العار خيرٌ من النار . نظر الحجاج يوماً على المائدة إلى رجل وجاأ عنق رجل آخر ، فدعا بهما ، فقالللواجىء : علام صنعت ؟ فقال : غص بعظمٍ فخفت أن يقتله ، فوجأ عنقه فألقاه ؛ فسأل الآخر فقال : صدق ؛ فدعا بالطباخ فقال له : أتدع العظام في طعامك حتى يغص بها ؟ فقال : إن الطعام كثير ، وربما وقع العظم في المرق فلا يزال . قال : تصب المرق على المناخل . فكان يفعل . قال سلمة بن المحبق : شهدت فتح الأبلة ، فوقع في سهمي قدر نحاس ، فنظرت فإذا هي ذهبٌ فيها ثمانون ألف مثقال ، فكتبت في ذلك إلى عمر ، فأجاب بأن يحلف سلمة بأنه أخذها يوم أخذها وهي عنده ، فإن حلف سلمت إليه ، وإلا قسمت بين المسلمين ، قال : فحلفت فسلمت إلي ، فأصول أموالنا اليوم منها . قال بعض الحكماء : لا يصبر على المروءة إلا ذو طبيعةٍ كريمة . . . . . . . أصاب عبد الرحمن بن مدين - وكان رجل صدق بخراسان - مالاً عظيماً فجهز سبعين مملوكاً بدوابهم وأسلحتهم إلى هشام بن عبد الملك ، ثم أصبحوا معه يوم الرحيل ، فلما استوى بهم الطريق نظر إليهم فقال : ما ينبغي لرجل أن يتقرب بهؤلاء إلى غير الله . ثم قال : اذهبوا أنتم أحرارٌ ، وأذل لقدرك عزه . كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المهدي : أنا ناديت عفوك من قريبٍ . . . كما ناديت سخطك من بعيد وإن عاقبتني فلسوء فعلي . . . وما ظلمت عقوبة مستقيد وإن تصلح فإحسانٌ جديدٌ . . . عطفت به على شكرٍ جديد وقال رجل لمحمد بن نحرير : أوصني ؛ فقال : اسمع ولا تتكلم ، واعرف ولا تعرف ،واجلس إلى غيرك ولا تجلسه إليك . وقال رجل لابن أسيد القاضي : إن أمي تريد أن توصي فتحضر وتكتب ؛ فقال : وهل بلغت مبلغ النساء ؟ ودخل صاحب المظالم بالبصرة على رجلٍ مبرسم وعنده طبيبٌ يداويه ، فأقبل على الطبيب وأهل المريض ، وقال : ليس دواءٌ المبرسم إلا الموت حتى تقل حرارة صدره ، ثم حنيئذ يعالج بالأدوية الباردة حتى يستبل . واجتاز به بائع دراجٍ فقال : بكم تبيع الدراجة ؟ فقال : بدرهم ؛ فقال له : أحسن . قال : كذا بعت . قال : نأخذ منك اثنتين بثلاثة . قال : هما لك . قال : يا غلام خذ منه ، فإنه يسهل البيع . ودخل حجاج بن هارون على نجاحٍ الكاتب ، فذهب ليقبل رأسه ؛ فقال له : لا تفعل ، فإن رأسي مملوءٌ بالدهن ، فقال : والله لو أن عليه ألف رطلٍ خراءً لقبلته . قدم لابن الحسحاس سكباجةٌ فقال لصديق له : كل فإنها أم القرى . وعزى ابن الحسحاس صديقاً له ماتت ابنته ، فقال : من أنت حتى لا تموت ابنتك البظراء قد ماتت عائشة بنت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . أخذ يعقوب بن الليثي في أول أمره رجلاً فاستصفاه ، ثم رآه بعد زمان ، فقال له : أبا فلان ، كيف أنت الساعة ؟ قال له : كما كنت أنت قديماً . قال وكيف كنت أنا ؟ قال : كما أنا الساعة ؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم . قال ابن المبارك : إذا وضع الطعام فقد أذن للآكل . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن العرب لا تصلح ببلاد لا تصلح بها الإبل . وقال إبراهيم بن السندي : نظر رجلٌ من قريش إلى صاحب له قد نام فيغداةٍ من غدوات الصيف طيبة النسيم ، فركضه برجله وقال : ما لك تنام عن الدنيا في أطيب وقتها ، نم عنها في أخبث حالاتها ، نم في نصف النهار لبعدك عن الليلة الماضية والآتية ، ولأنها راحةٌ لما قبلها من التعب ، وجمامٌ لما بعدها من العمل ، نمت في وقت الحوائج ، وتنبهت في وقت رجوع الناس ؛ وقد جاء : قيلوا فإن الشياطين لا تقيل . وقال إبراهيم بن السندي أيقظت أعرابيةٌ أولاداً لها صغاراً قبل الفجر في غدوات الربيع وقالت : تنسموا هذه الأرواح ، واستنشقوا هذا النسيم ، وتفهموا هذا النعيم ، فإنه يشد من منتكم . ويقال في الوصف : كأنه محراك نار ، وكأنه الجأم صدىً . وإذا وصفوه بالقصر قالوا : كأنه عقدة رشاً ، وابنةُ عصا . وإذا كان ضعيفاً قالوا : كأنه قطعة زبد ، والمولدون يقولون : كأنه اسكرجة . قال بعض السلف في دعائه : اللهم لا أحيط بنعمك علي فأعدها ، ولا أبلغ كنه واحدةٍ منها فأحدها . دعا عطاءٌ السندي فقال : أعوذ بك من عذابك الواقع ، الذي ليس له دافع ، وأسألك من خيرك الواسع ، الذي ليس له مانع . ودعا بعض السلف : اللهم إن قلبي وناصيتي بيدك لم تملكني منهما شيئاً ، وإذ فعلت ذلك فكن أنت وليهما ، فاهدنا سواء السبيل . ودعا بعض الصالحين : اللهم ما كان لي من خيرٍ فإنك قضيته ويسرته وهديته ، فلا حمد لي عليه ؛ وما كان مني من سوءٍ فإنك وعظت وزجرت ونهيت فلا عذر لي فيه ولا حجة . ودعا آخر : اللهم إني أعوذ بك من سلطان جائر ، ونديمٍ فاجر ، وصديق غادر ، وغريم ماكر ، وقريب مناكر ، وشريكٍ خائن ، وحليفٍ مائن ، وولدٍ جافٍ ، وخادمهافٍ ، وحاسد ملافظ ، وجارٍ ملاحظ ، ورفيقٍ كسلان ، وخليلٍ وسنان ، و ضعيف ، ومركوبٍ قطوف ، وزوجةٍ مبذرة ، ودارٍ ضيقة . قال المدائني : قال بعض السلف لابنه : اسحذ طبعك بالعيون والفقر وإن قلت ، فإن الشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كان ثمرها نافعاً ، وأكلها ناجعاً . وقيل للأوزاعي : ما كرامة الضيف ؟ قال : طلاقة الوجه . قال مجاهد في قول الله تعالى : ' ضيف إبراهيم المكرمين ' قال : قيامه عليهم بنفسه . وقال عمر بن عبد العزيز : ليس من المروءة أن تستخدم الضيف . وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربعٌ للشريف لا ينبغي أن يأنف منهن وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم يتعلم منه ، وإن سئل عما لا يعلم أن يقول : لا أعلم . حاتم كان يقول : العجلة من الشيطان إلا في خمسة أشياء ، فإنها من السنة : إطعام الضيف إذا حل ، وتجهيز الميت ، وتزويج البكر ، وقضاء الدين ، والتوبة من الذنب . وقال : من أطعم الضيف لحماً وخبز حنطة وماءً بارداً فقد تمم الضيافة . وقال حاتم : المزور المرائي إذا ضاف إنساناً حدثه بسخاوة إبراهيم الخليل ، وإذا ضافه إنسانٌ حدثه بزهد عيسى بن مريم . وقال ميمون بن ميمون : من ضاف البخيل صامت دابته ، واستغنى عن الكنيف ، وأمن التخمة . وقال بعض السلف الصالح : لأن أجمع إخواني على صاعٍ من طعامٍ أحب إلي من عتق رقبة .قال الأعمش : كان الربيع بن خيثم يصنع لنا الخبيص ويقدمه ويقول : اللهم اغفر لأطيبهم نفساً ، وأحسنهم خلقاً ، وارحمهم جميعاً . وقال أنس بن مالك : كل بيت لا يدخله الضيف لا تدخله الملائكة . ولما قرأته على الوزير - بلغه الله آماله ، وزكى أعماله ، وخفف عن قلبه أثقاله - قال : ما علمت أن مثل هذا الحجم يحوي هذه الوصايا والملح ؛ وهذه الكلمات الغرر ما فيها ما لا يجب أن يحفظ ، والله لكأنها بستان في زمان الخريف ، لكل عينٍ فيه منظر ، ولكل يدٍ منه مقطف ، ولكل فمٍ منه مذاق . إذا فرغت فأضف لي جزءاً أو جزءين أو ما ساعدك عليه النشاط ، فإن موقعها يحسن ، وذكرها يجمل ، وأثرها يبقى ، وفائدتها تروى ، وعاقبتها تحمد . فقلت : السمع والطاعة .
الليلة العشرون
وقال لي مرة أخرى : اكتب لي جزءاً من الأحاديث الفصيحة المفيدة . فكتبت : قال مالك بن عمارة اللخمي . كنت أجالس في ظل الكعبة أيام الموسم عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير ، وكنا نخوض في الفقه مرةً ، وفي الذكر مرةً ؛ وفي أشعار العرب وىثار الناس مرةً ؛ فكنت لا أجد عند أحدٍ منهم ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في فنون العلم والفصاحة والبلاغة ، وحسن استماعه إذا حدث ، وحلاوة لفظه إذا حدث ، فخلوت معه ذات ليلة فقلت : والله إني لمسرورٌ بك لما أشاهده من كثرة تصرفك وحسن حديثك ، وإقبالك على جليسك ؛ فقال : إنك إن تعش قليلاً فسترى العيون طامحة إلي والأعناق قاصدةً نحوي ، فلا عليك أن تعمل إلي ركابك . فلما أفضت إليه الخلافة شخصت أريده ، فوافيته يوم جمعة وهو يخطب الناس ، فتصديت له ، فلما وقعت عينه علي بسر في وجهي ، وأعرض عني ، فقلت : لم يثبتني معرفةً ولو عرفني ما أظهر نكرة . لكنني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل ،فلم ألبث أن خرج الحاجب إلي فقال : مالك بن عمارة ، فقمت ، فأخذ بيدي وأدخلني عليه ، فلما رآني مد يده إلي وقال : إنك تراءيت لي في موضع لم يجز فيه إلا ما رأيت من الإعراض والانقباض ؛ فمرحباً وأهلاً وسهلاً ، كيف كنت بعدنا ؟ وكيف كان مسيرك ؟ قلت : بخير ، وعلى ما يحبه أمير المؤمنين . قال : أتذكر ما كنت قلت لك ؟ قلت : نعم ، وهو الذي أعملني إليك ؛ فقال : والله ما هو بميراثٍ ادعيناه ، ولا أثرٍ وعيناه ، ولكني أخبرك عن نفسي خصالاً سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى ، مالاحيت ذا ودٍ ولا ذا قرابة قط ، ولا شمت بمصيبة عدوٍ قط ، ولا أعرضت عن محدثٍ حتى ينتهي ، ولا قصدت كبيرةً من محارم الله متلذذاً بها وواثباً عليها ، وكنت من قريش في بيتها ، ومن بيتها في وسطه ، فكنت آمل أن يرفع الله مني ، وقد فعل ؛ يا غلام ، بوئه منزلاً في الدار . فأخذ الغلام بيدي وقال : انطلق إلى رحلك ؛ فكنت في أخفض حال ، وأنعم بال ؛ وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه ، فإذا حضر عشاؤه أو غداؤه أتاني الغلام وقال : إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس ، فأمشي بلا حذاء ولا رداء فيرفع مجلسي ، ويقبل على محادثتي ، ويسألني عن العراق مرة ، وعن الحجاز مرة ، حتى مضت لي عشرون ليلة . فتغديت عنده يوماً ، فلما تفرق الناس نهضت للقيام ، فقال : على رسلك أيها الرجل ، أي الأمرين أحب إليك : المقام عندنا ، ولك النصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة ، أم الشخوص ولك الحباء والكرامة ؟ فقلت : فارقت أهلي وولدي على أن أزور أمير المؤمنين ، فإن أمرني اخترت فناءه على الأهل والولد ، قال : بل أرى لك الرجوع إليهم ، فإنهم متطلعون إلى رؤيتك ، فتجدد بهم عهداً ويجددون بك مثله ، والخيار في زيارتنا والمقام فيهم إليك ، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار ، وكسوناك وحملناك ، أتراني ملأت يدك أبا نصر ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أراك ذاكراً لما رويت عن نفسك . قال : أجل ، ولا خير فيمن ينسى إذا وعد ؛ ودع إذا شئت صحبتك السلامة . قال الوزير : ما أحلى هذا الحديث هات ما بعده ، قلت : قال يحيى بن أبي يعلى : لما قدم المال من ناحية عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - على أبي بكر بن حزم ، قسمه بين الناس في المدينة ، فأصاب كل إنسان خمسين ديناراً ، فدعتني فاطمة بنت الحسينالسلام - فقالت : اكتب ، فكتبت : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من فاطمة بنت الحسين سلام الله عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فأصلح الله أمير المؤمنين وأعانه على ما تولاه ، وعصم به دينه ، فإن أمير المؤمنين كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يقسم فينا مالاً من الكتيبة ، ويتحرى بذلك ما كان يصنع من قبله من الأئمة الراشدين المهديين ، وقد بلغنا ذلك ، وقسم فينا ، فوصل الله أمير المؤمنين ، وجزاه من والٍ خير ما جزى أحداً من الولاة ، فقد كانت أصابتنا جفوةٌ ، واحتجنا إلى أن يعمل فينا بالحق ؛ فأقسم بالله يا أمير المؤمنين لقد احتدم من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من لا خادم له ، واكتسى من كان عارياً ، واستقر من كان لا يجد ما يستقر به . وبعثت إليه رسولاً . قال يحيى : فحدثني الرسول قال : قدمت الشام عليه ، فقرأ كتابها وإنه ليحمد الله ويشكره ، فأمر لي بعشرة دنانير ، وبعث إلى فاطمة خمسمائة دينارٍ ، وقال : استعيني بها على ما يعوزك ، وكتب إليها كتاباً يذكر فيه فضلها وفضل أهل بيتها ، ويذكر ما فرض الله لهم من الحق . فرق الوزير عند هذا الحديث وقال : أذكرتني أمر العلوية ، وأخذ القلم ، واستمد من الدواة ، وكتب في التذكرة شيئاً ، ثم أرسل إلى نقيب العلوية العمري في اليوم الثاني بألف دينار ، حتى تفرق في آل أبي طالب ، وقال لي : هذا من بركة الحديث . ثم قال : كيف تطاول هؤلاء القوم إلى هذا الأمر مع بعدهم من رحم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقرب بني هاشم منه ؟ وكيف حدثتهم أنفسهم بذلك ؟ إن عجبي من هذا لا ينقضي ، أين بنو أمية وبنو مروان من هذا الحديث مع أحوالهم المشهورة في الدين والدنيا ؟ فقلت : أيها الوزير ، إذا حقق النظر واستشف الأصل لم يكن هذا عجيباً ، فإن أعجاز الأمور تاليةٌ لصدورها ، والأسافل تاليةٌ لأعاليها ، ولا يزال الأمر خافياً حتى ينكشفسببه فيزول التعجب منه ، وإنما بعد هذا على كثير من الناس ، لأنهم لم يعنوا به وبتعرف أوائله والبحث عن غوامضه ، ووضعه في مواضعه ، وذهبوا مذهب التعصب . قال : فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التعجب ولزم التسليم ؟ فكان من الجواب : لا خلاف بين الرواة وأصحاب التاريخ أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) توفي وعتاب بن أسيدٍ على مكة ، وخالد بن سعيد على صنعاء ، وأبو سفيان بن حرب على نجران ، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين ، وسعيد بن القشب الأزدي حليف بني أمية على جرش ونحوها ، والمهاجر بن أبي أمية المخزوومي على كندة والصدف ؛ وعمرو بن العاص على عمان ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف . فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أسس هذا الأساس ، وأظهر أمرهم لجميع الناس ؛ كيف لا يقوى ظنهم ، ولا ينبسط رجاؤهم ، ولا يمتد في الولاية أملهم ؟ وفي مقابلة هذا ، كيف لا يضعف طمع فيها ، والعاجلة محبوبة ، وهذا وما أشبهه حدد أنيابهم ، وفتح أبوابهم ؛ وأترع كأسهم ، وفتل أمراسهم ، ودلائل الأمور تسبق ، وتباشير الخبر تعرف . قال ابن الكلبي : حدثني الحكم بن هشام الثقفي قال : مات عبيد الله بن جحشٍ عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت معه بأرض الحبشة ، فخطبها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى النجاشي ، فدعا بالقرشيين فقال : من أولاكم بأمر هذه المرأة ؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص : أنا أولاهم بها . قال : فزوج نبيكم . قال : فزوجه ومهر عنه أربعمائة دينار ؛ فكانت أول امرأة مهرت أربعمائة دينار ؛ ثم حملت إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومعها الحكم بن أبي العاص ، فجعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يكثر النظر إليه ، فقيل له : يا رسول الله ، إنك لتكثر النظر إلى هذا الشاب . قال : أليس ابن المخزومية ؟ قالوا : بلى ؛ قال : إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلاً كان الأمر فيهم ، وكان مروان إذا جرى بينه وبين معاوية كلامٌ قال لمعاوية : والله إني لأبو عشرة ، وأخو عشرة ، وعم عشرة ، وما بقي إلا عشرة حتى يكون الأمر في ؛ فيقول معاوية بن أبي سفيان : أخذها والله من عينٍ صافيةٍ .فهذا - كما تسمع - إن كان حقاً فلا سبيل إلى رده ، وإن كان مفتعلاً فقد صار داعيةً إلى الأمر الذي وقع النزاع فيه ، وجال الخصام عليه . وها هنا شيء آخر . قال القعقاع بن عمرو : قلت لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : ما حملكم على خلاف العباس بن عبد المطلب وترك رأيه ؟ وهذا يعني به أن العباس كان قال لعليٍ - كرم الله وجهه - في جوابه لي : لو فعلنا ذلك فجعلها في غيرنا بعد كلامنا لم ندخل فيها أبداً ، فأحببت أن أكف ، فإن جعلها فينا فهو الذي نريد ، وإن جعلها في غيرنا كان رجاء من طلب ذلك منا ممدواً ، ولم ينقطع منا ولا من الناس . قال القعقاع : فكان الناس في ذلك فرقتين : فرقةٌ تحزب للعباس وتدين له ، وفرقةٌ تخرب لعليٍ وتدين له . فهذا وما أشبهه يضعف نفوساً ، ويرفع رءوساً ؛ وبعد فهذا البيت خص بالأمر الأول ، أعني الدعوة والنبوة والكتاب العزيز ، فأما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم ، وقد رؤي أبو سفيان صخر بن حرب وقد وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول : رحمك الله يا أبا عمارة ، لقد قاتلتنا على أمرٍ صار إلينا . فإن قال قائل : فقد وصل هذا الأمر بعد مدةٍ إلى آل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فالجواب : صدقت ، ولكن لما ضعف الدين وتحلحل ركنه وتداوله الناس بالغلبة والقهر ، فتطاول له ناسٌ من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالعجم وبوقتهم ونهضتهم وعادتهم في مساورة الملوك ، وإزالة الدول ، وتناول العز كيف كان ، وما وصل إلى أهل العدالة والطهارة والزهد والعبادة والورع والأمانة ، ألا ترى أن الحال استحالت عجماً : كسرويةً وقيصريةً ، فأين هذا من حديث النبوة الناطقة ، والإمامة الصادقة ؛ هذا الربيع - وهو حاجب المنصور - يضرب من شمت الخليفة عند العطسة ، فيشكي ذلك إلى أبي جعفر المنصور ، فيقول : أصاب الرجل اسنة وأخطأ الأدب . وهذا هو الجهل ، كأنه لا يعلم أن السنة أشرفمن الأدب ، بل الأدب كله في السنة ، وهي الجامعة للأدب النبوي والأمر الإلهي ، ولكن لما غلبت عليهم العزة ، ودخلت النعرة في آنافهم ، وظهرت الخنزاونة بينهم ، سموا آيين العجم أدباً ، وقدموه على السنة التي هي ثمرة النبوة ، هذا إلى غير ذلك من الأمور المعروفة ، والأحوال المتعالمة المتداولة التي لا وجه لذكرها ، ولا فائدة لنشرها ، لأنها مقررةٌ في التاريخ ، ودائرةٌ في عرض الحديث . ولما كانت أوائل الأمور على ما شرحت ، وأواسطها على ما وصفت ، كان من نتائجها هذه الفتن والمذاهب ، والتعصب والإفراط ، وما تفاقم منها وزاد ونما وعلا وتراقى ، وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه ، وصارت العامة مع جهلها ، تجد قوةً من خاصتها مع علمها ، فسفكت الدماء ، واستبيح الحريم ، وشنت الغارات ، وخربت الديارات ، وكثر الجدال ، وطال القيل والقال ، وفشا الكذب والمحال ، وأصبح طالب الحق حيران ، ومحب السلامة مقصوداً بكل لسانٍ وسنان ، وصار الناس أحزاباً في النحل والأديان ، فهذا نصيري ، وهذا أشجعي ، وهذا جارودي ، وهذا قطعي ، وهذا جبائي ، وهذا أشعري ، وهذا خارجي ، وهذا شعيبي ، وهذا قرمطي ، وهذاراوندي ، وهذا نجاري ، وهذا زعفراني ، وهذا قدري ، وهذا جبري ، وهذا لفظي ، وهذا مستدركي ، وهذا حارثي ، وهذا رافضي ، ومن لا يحصي عددها إلا الله الذي لا يعجزه شيء ؛ لا جرم شمت اليهود والنصارى والمجوس بالمسلمين ، وعابوا وتكلموا ، ووجدوا آجراً وجصاً فبنوا ، وسمعوا فوق ما تمنوا فرووا . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' لا يزداد الأمر إلا صعوبة ، ولا الناس إلا اتباع هوىً ، حتى تقوم الساعة على شرار الناس ' . وقال أيضاً : ' بدأ الإسلام غريباً ، وسيعود كما بدأ غريباً ، فطوبى للغرباء من أمتي ' . وقلت لابن الجلاء الزاهد بمكة سنة ثلاثٍ وخمسين وثلاثمائة : ما صفة هذا الغريب ؟ فقال لي : يا بني هو الذي يفر من مدينةٍ إلى مدينة ، ومن قلةٍ إلى قلة ؛ ومن بلدٍ إلى بلد ومن برٍ إلى بحر ، ومن بحر إلى بر ، حتى يسلم ، وأنى له بالسلامة مع هذه النيران التي قدطافت بالشرق والغرب ، وأتت على الحرث والنسل ، فقدمت كل أفوه ، وأسكتت كل ناطق ، وحيرت كل لبيب ، وأشرقت كل شارب ، وأمرت على كل طاعم ؛ وإن الفكر في هذا الأمر لمختلسٌ للعقل وكارثٌ للنفس ، ومحرقٌ للكبد . فقال الوزير : والله إنه لكذلك ، وقد نال مني هذا الكلام ، وكبر علي هذا الخطب ، والله المستعان . ونظرت إليه وقد دمعت عينه ورق فؤاده وهو - كما تعلم - كثير التأله ، شديد التوقي ، يصوم الاثنين والخميس ، فإذا كان أول رجب أصبح صائماً إلى أول يومٍ من شوال ، وما راينا وزيراً على هذا الدأب وبهذه العادة ، لا منافقاً ولا مخلصاً ، وقد قال الله تعالى : ' إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ' تولاه الله أحسن الولاية ، وكفاه أكمل الكفاية ، إنه قريب مجيب . فلما رايت دمعته قلت : أيها الوزير ، روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ' حرمت النار على عينٍ بكت من خشية الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله وحرمت النار على عينٍ غضت عن محارم الله ' ، فقال - أحسن الله توفيقه - : هو الهلاك إن لم ينقذ الله بفضله ، ولم يتغمد بعفوه ؛ لو غرقت في البحر كان رجائي في الخلاص منه أقوى من رجائي في السلامة مما أنا فيه . قلت : إذا علم الله من ضميرك هذه العقيدة ألبسك ثوب عفوه ، وحلاك بشعرا عافيته وولايته ، وكفاك كيد أعدائك ، وعصب برءوسهم ما يريدونه بك ' إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ' . فقال : اجمع لي جزءاً من رقائق العباد وكلامهم اللطيف الحلو ، فإن مراميهم شريفة ، وسرائرهم خالصة ، ومواعظهم رادعة ، وذاك - أظن - للدين الغالب عليهم ، والتألهالمؤثر فيهم ؛ فالصدق مقرونٌ بمنطقهم ، والحق موصولٌ بقصدهم ، ولست أجد هذا المعنى في كلام الفلاسفة ، وذاك - أظن أيضاً - لخوضهم في حديث الطبائع والأفلاك والأثار وأحداث الزمان . قلت : أفعل ، فكتبت تمام ما تقعدم به ، ثم كتبت بعد وريقاتٍ في حديث النساك . قال عتبة بن المنذر السلمي : سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أي الأجلين قضى موسى - عليه السلام - ؟ فقال : أكثرهما وأوفاهما ، ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن موسى - عليه السلام - لما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من نتاج غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام ، فلما وردت الحوض وقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاةٌ إلا ضرب جنبها بعصاه ، فوضعت قوالب ألوان كلها ووضعت اثنتين أو ثلاثةً كل شاة ، ليس فيهن فشوشٌ ولا ضبوبٌ ولا ثعولٌ ولا كميشةٌ تفوت الكف فإن افتتحتم الشام وجدتم بها بقايا منها ، فاتخذوها ، وهي السامرية ' . قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي في حديثٍ : بعث الله تعالى رسولاً فينا نعرف صدقه وأمانته ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبده ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات . وقال صاحب التاريخ : ولدت لعمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب زيداً ورقية ؛ وأم أم كلثوم فاطمة بنت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . قال أنس بن مالك : صلى الناس على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما توفي أفراداً لم يؤمهم عليه أحد .ولما بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثمان سنين ، هلك عبد المطلب ، وهو شيبة أبو الحارث ، وذلك بعد الفيل بثمان سنين ، وتوفيت آمنة أمه وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة ، كانت قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم ، فماتت وهي راجعة إلى مكة .
الليلة الحادية والعشرون
وسأل مرة عن المغني إذا راسله آخر لم يجب أن يكون ألذ وأطيب ، وأحلى وأعذب ؟ فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال في جواب هذه المطالب ما يمنع من اقتضاب قولٍ وتكلف جواب ، ذكر أن المسموع الواحد إنما هو بالحس الواحد ، وربما كان الحس الواحد أيضاً غليظاً أو كدراً ، فلا يكون لنيله اللذة به بسطٌ ونشوٌ ولذاذة ، وكذلك المسموع ربما لم يكن في غاية الصفاء على تمام الأداء بالتقطيع الذي هو نفس في الهواء ، فلا تكون أيضاً إنالته للذة على التمام والوفاء ، فإذا ثنى المسموع - أعني توحد النغم بالنغم - قوي الحس المدرك ، فنال مسموعين بالصناعة ، ومسموعاً واحداً بالطبيعة ؛ والحس لا يعشق المواحدة والمناسبة والاتفاق إلا بعد أن يجدها في المركب ، كما أن العقل لا يعشق إلا بعد أن ينالها في فضاء البسيط ؛ فكلما قوي الحس باستعماله ، التذ صاحبه بقوته حتى كأنه يسمع ما لم يسمع بحسٍ أو أكثر ، وكما أن الحس إذا كان كليلاً كان الذي يناله كليلاً ، كذلك الحس إذا كان قوياً كان ما يناله قوياً . قال : هذا كله موهوبٌ للحس ، فما للعقل في ذلك ؟ فإنا نرى العاقل تعتريه دهشةٌوأريحية واهتزاز . قلت : قد أتى على مجموع هذا ومعرفته أبو سليمان في مذاكرته لابن الخمار ، وذكر أن من شأن العق السكون ، ومن شأن الحس التهيج ، ولهذا يوصف العاقل بالوقار والسكينة ، ومن دونه يوصف بالطيش والعجرفة ، والإنسان ليس يجد العقل وجداناً فيلتذ به ، وإنما يعرفه إما جملةً وإما تفصيلاً ؛ أعني جملةً بالرسم وتفصيلاً بالجد ، ومع ذلك يشتاق إلى العقل ، ويتمنى أن يناله ضرباً من النيل ويجده نوعاً من الوجدان ، فلما أبرزت الطبيعة الموسيقى في عرض الصناعة بالآلات المهيأة ، وتحركت بالمناسبات التامة والأشكال المتفقة أيضاً ، حدث الاعتدال الذي يشعر بالعقل وطلوعه وانكشافه وانجلائه ، فبهر الإحساس ، وبث الإيناس ، وشوق إلى عالم الروح والنعيم ، وإلى محل الشرف العميم ، وبعث على كسب الفضائل الحسية والعقلية ، أعني الشجاعة والجود والحلم والحكمة والصبر ، وهذه كلها جماع الأسباب المكملة للإنسان في عاجلته وآجلته ؛ وبالواجب ما كان ذلك كذلك ، لأن الفضائل لا تقتنى إلا بالشوق إليها ، والحرص عليها ، والطلب لها ؛ والشوق والطلب والحرص لا تكون إلا بمشوقٍ وباعثٍ وداعٍ ، فلهذا برزت الأريحية والهزة ، والشوق والعزة ؛ فالأريحية للروح ، والهزة للنفس ، والشوق للعقل ، والعزة للإنسان . ومما يجب أن يعلم أن السمع والبصر أخص بالنفس من الإحساسات الباقية ، لأنهما خادما النفس في السر والعلانية ، ومؤنساها في الخلوة ، وممداها في النوم واليقظة ؛ وليست هذه الرتبة لشيء من الباقيات ، بل الباقيات آثارها في الجسد الذي هو مطية الإنسان ، لكن الفرق بين السمع والبصر في أبواب كثيرة : ألطفها أن أشكال المسموع مركبةٌ في بسيط ، وأشكال المبصر مبسوطة في مركب . قلت : وقد حكيت هذا لأبي زكرياء الصيمري فطرب وارتاح وقال : ما أبعد نظر هذا الرجل وما أرقى لحظه وما أعز جانبهالليلة الثانية والعشرون
وقال لي مرة أخرى : ارو لي شيئاً من كلام أبي الحسن العامري ، فإني أرى أصحابنا يرذلونه ويذيلونه ، فلا يرون له في هذه العصبة قدماً ، ولا يرفعون له في هذه الطائفة علماً . فقلت : كان الرجل لكزازته وغلظ طباعه وجفاء خلقه ينفر من نفسه ، ويغري الناس بعرضه ، فإذا طلب منه الفن الذي قد خص به وطولب بتحقيقه وجد على غاية الفضل . فمن كلامه قوله : الطبيعة تتدرج في فعلها من الكليات البسيطة ، إلى الجزئيات المركبة ، والعقل يتدرج من الجزئيات المركبة ، إلى البسائط الكلية ، والإحاطة بالمعاني البسيطة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني المركبة ، ليتوصل بتوسطها إلى استثباتها ، والإحاطة بالمعاني المركبة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني البسيطة ليتوصل بتوسطها إلى تحقيق إثباتها . وكما أن القوة الحسية عاجزةٌ بطباعها عن استخلاص البسائط الأوائل ، بل تحتاج معها إلى القوة العاقلة ، وإنقويت لصار العقل فضلاً - كذلك أيضاً القوة العاقلة لا تقوى بذاتها على استثبات المركبات إلا من جهة القوة الحساسة ، ولو قويت عليه لصار الحس فضلاً للعاقلة . قال : هذا كلامٌ بارعٌ من صدرٍ واسع ، وأحب أن تزيدني من نمطه . قلت : وقال أيضاً : الكلي مفتقرٌ إلى الجزئي لا لأن يصير بديمومته محفوظاً بل لأن يصير بتوسطه موجوداً ، والجزئي مفتقر إلى الكلي لا لأن يصير بتوسطه موجوداً ، بل لأن يصير بديمومته محفوظاً بل لأن يصير بتوسطه موجوداً ، بل لأن يصير بديمومته محفوظاً . وقال : الحال في جميع السبل - أعني مسالك الأشياء في تكونها صناعيةً كانت أوتدبيريةً أو طبيعيةً أو اتفاقيةً - واحدة ، مثاله أن الإنسان وإن التذ بالدستنبان فلن يعد موسيقاراً إلا إذا تحقق بمبادئه الأول التي هي الطنينات وأنصاف الطنينات ، وكذلك الإنسان وإن استطاب الحلو فلن يسمى حلوانياً إلا إذا عرف بسائطه وأسطقساته . وقال : العلم لا يحيط بالشيء إلا إذا عرف مبادئه القريبة والبعيدة والمتوسطة . وقال : نتوصل إلى كرية القمر بما نراه من اختلاف أشكاله ، أعني أنا نراه في الدورة الواحدة هلالياً مرتين ومنصفاً مرتين وبدراً مرة واحدة ، وهذه الأشكال وإن كانت متقدمةً عندنا فإن كونه كرياً هو المتقدم بالذات . وقال : ما هو أكثر تركيباً فالحس أقوى على إثباته ، وما هو أقل تركيباً فالعقل أخلص إلى ذاته . وقال : الأحداث - وهي الذوات الإبداعية - الوقوف على إثباتها يغني عن البحث عن ماهياتها . وقال : كل معنىً يوجد بوجوده غيره لا يرتفع بارتفاع ذلك الذي هو غيره ، بل يرتفع غيره بارتفاعه ، فإنه أقدم ذاتاً من غيره ، مثاله الجنس لا يرتفع بارتفاع واحدٍ من أنواعه ، والأنواع ترتفع بارتفاع الجنس ، وكذلك حال النوع مع الشخص ، فالجنس أقدم من النوع ، والنوع أقدم من الشخص ، وأعني بالجنس والنوع الطبيعيين لا المنطقيين . وقال : معرفتنا أولاً تتعلق بالأشخاص الجزئية ثم بتوسطها ثبتت الأجناس فإذاً المتقدم بالذات غير المتقدم إلينا . وقال : مسلك العقل في تعرف المعاني الطبيعية مقابلٌ لمسلك الطبيعة في إيجادها ، لأن الطبيعة تتدرج من الكليات البسيطة إلى الجزئيات المركبة ، والعقل يتدرج من الجزئيات المركبة إلى البسائط الكلية . قال أبو النضر نفيس : إنما كان هذا هكذا لأن الطبيعة متناولة من العقل والعقل مناولٌ للطبيعة ، فوجب أن يختلف الأمران ، فإن قال قائل : فهلا تم الأمران معاً بواحدٍ منهما ، أعني الطبيعة أو العقل ؟ فالجواب أن أحدهما في العلو ، والآخر في السفل ، فليس للعالي أنيهبط ، ولا للسافل أن يعلو ؛ فلما كان هذا محالاً توسط بينهما - أعني العالي والسافل - المناولة والتناول حتى اتصل الأول بالثاني ، وغص الفضاء بينهما بضروب الأفراد والأزواج ، وانتظم الكل فلم يكن فيه خلل ، ولا دونه مأتىً ، ولا وراءه متوهم . وقال : الإنسان مركب من الأعضاء الآلية بمنزلة الرأس واليدين والرجلين وغيرها ، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من الأعضاء المتشابهة الأنواع بمنزلة اللحم والعظم والعصب والشريان ، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمريان ، ثم كل واحد من هذه الأخلاط مركب من الأسطقسات الأربع التي هي النار والهواء ، والأرض والماء ؛ ثم كل واحدٍ من هذه الأسطقسات مركب من الهيولى والصورة . وقال : كما أن لكل عضو قوةً تخصه بتدبيرها ، كذلك لجميع البدن قوةٌ أخرى ضامنةٌ لتدبيره . قال : وقال الحكيم في كتاب السماء : علة الأنواع والأجناس ودوامها هي الفلك المستقيم ، وعلة كون الأشخاص وتجدد حدوثها هي الفلك المائل ، فأما الكليات المنطقية فإن طبيعتها هي القوة القياسية المستتبة لها عند تكون الحس على واحدٍ منها . قال أبو النضر نفيس : هذا حكمٌ بالوهم ، ورأيٌ خرج من الظن ؛ الفلك المستقيم والفلك المائل هما بنوع الوحدة ونسبة الاتفاق ، فليس لأحدهما اختصاص بالأنواع والأجناس ، ولا بتجدد الأشخاص ، والدليل على هذا أن قالباً لو قلب قالبه ذلك لم يكن له عنه انفصال . وللرأي زلات ، كما أن للسان فلتات ،وللحكيم هفوات ، كما أن للجواد عثرات ؛ وما أكثر من يسكر فيقول في سكره ما لا يعرف ، وما أكثر من يغرق في النوم فيهذي بما لا يدري ، ومن الذي حقق عنده أن الفلك المستقيم هذا نعته ، والفلك المائل تلك صفته ؛ هذا توهم وتلفيق ، لا يرجع مدعيه إلى تحقيق ، وقول أبي الحسن هذا عن الحكيم تقليدٌ ، كما أن دعوى ذاك الحكيم توهم ، ومحبة الرجال للرجال فتنةٌ حاملةٌ على قبول الباطل ، وبغض الرجال للرجال فتنةٌ حاملةٌ على رد الحق ؟ وهذا أمرٌ قد طال منه الضجيج ، وفزع إلى الله منه بالتضرع . قال أبو الحسن : الموجود له حقيقةٌ واحدةٌ لا تدرك إلا عقلاً ، وليس له مبدأ ، ولو كان له مبدأٌ لشاركه المبدأ في طبيعة الوجود ، وليس بمتحرك لأنه لا مقابل له فيتحرك إليه . وقال أبو النضر نفيس : عني بهذا الموجود الحق الأول الذي هو علة العلل ، وهو البارىء الإله ، وما أنصف ، لأنه يجب أن يقسم الموجود بأقسامه ، ويصف مرتبة كل موجود على ما هي عليه وعلى ما هو به حتى ينتهي من هذا الموجود الأعلى إلى آخر الموجود الأسفل ، أو يصف الموجود الأسفل حتى يرتقي إلى هذا الموجود الأعلى ، فإنه لا شيء مما يعقل ويحس إلا وله من هذا الوجود نصيب به استحق أن يكون موجوداً ، وإن كان ذلك النصيب قليلاً . وقال : قد يوصف الشيء بأنه واحد بالمعنى وهو كثير بالأسماء ، ويوصف بأنه واحد بالاسم وهو كثير بالمعنى ، ويوصف بأنه واحد بالجنس وهو كثير بالأنواع ، ويوصف بأنه واحد بالنوع وهو كثير بالشخوص ، ويوصف بأنه واحد بالاتصال وهو كثير بالأجزاء ، وقد نقول في شيء : إنه واحد بالموضوع وهو كثير بالحدود ، كالتفاحة الواحدة التي يوجد فيها اللون والطعم والرائحة ، وقد يكون واحداً في الحد وكثيراً في الموضوع ، كالبياض الذي يوجد في الثلج والقطن والاسفيداج ، وقد يكون كثيراً بالحج والموضوع كالعلم والحركة ، فإن موضوع هذا الجسم ، وموضع ذاك النفس ، وحد أحدهما غير حد الآخر ، وقد يكون واحداً بالموضوع والحد بمنزلة السيف والصمصام ؛ وقد نقول أشياء تكون واحدةً بالفعل ،وهي بالقوة كثيرة ، كالسراج الواحد ؛ فأما أن يكون واحداً بالقوة وكثيراً بالفعل من وجهٍ واحد ، فلا يكون ، بل من جهات مختلفة . قال أبو النضر نفيس : الواحد الذي ينقسم فينشأ منه الكثرة غير الواحد الذي لا ينقسم ، والكثير الذي يتوحد حتى يكون واحداً غير الكثير الذي لا يتوحد ، فالواحد الذي لا ينقسم علة الواحد المنقسم ، والكثير الذي يتوحد هو علة الكثير الذي لا يتوحد ، وبالحكمة الإلهية ما كان هكذا حتى يكون الكثير الذي يتوحد في مقابلة الكثير الذي لا يتوحد ، والواحد الذي ينقسم في مقابلة الواحد الذي لا ينقسم ، وهذه المقابلة هي عبارة عن صورة التمام الحاصل للكل ، وليست هي عبارة عن صورةٍ مزاحمةٍ لصورة ، أو كثيرةٍ غالبةٍ لكثرة ، المستغاث بالله من قصور العبارة عن الغاية ، وتقاعس اللفظ عن المراد . وقال : يعجبني من جملة الحكم الأمثال التي يضربونها ، والعيون التي يستخرجونها ، والمعاني التي يقربونها . قلت : صدقت ، مثل قول فيلسوف : البدن للنفس بمنزلة الدكان للصانع ، والأعضاء بمنزلة الآلات ، فإذا انكسرت آلات الصانع وخرب الدكان وانهدم ، فإن الصانع لا يقدر على عمله الذي كان يعمله إلا أن يتخذ دكاناً آخر ، وآلاتٍ جددً أخر . قال : أحب أن أسمع شيئاً من منثور كلامهم في فنون مختلفة . قلت : قال فيلسوف : العاقل يضل عقله عند محاورة الأحمق . قال أبو سليمان : هذا صحيح ، ومثاله أن العاقل إذا خاطب العاقل فهم وإن اختلفت مرتبتاهما في العقل ، فإنهما يرجعان إلى سنخ العقل ، وليس كذلك العاقل إذا خاطب الأحمق ، فإنهما ضدان ، والضد يهرب من الضد ؛ وقد قيل لأبي الهذيل العلاف - وكان متكلم زمانه - : إنك لتناظر النظام وتدور بينكما نوبات ، وأحسن أحوالنا إذا حضرنا أن ننصرف شاكين في القاطع منكما والمنقطع ، ونراك مع هذا يناظرك زنجويه الحمال فيقطعك في ساعة .فقال : يا قوم إن النظام معي على جادة واحدة لا ينحرف أحدنا عنها إلا بقدر ما يراه صاحبه فيذكره انحرافه ، ويحمله على سننه فأمرنا يقرب ، وليس هكذا زنجويه الحمال فإنه يبتدىء معي بشيء ، ثم يطفر إلى شيء بلا واصلة ولا فاصلة ، وأبقى ، فيحكم علي بالانقطاع ، وذاك لعجزي عن رده إلى سنن الطريق الذي فارقني آنفاً فيه . وقال فيلسوفٌ آخر : العادات قاهرات ، فمن اعتاد شيئاً في السر فضحه في العلانية . قال أبو سليمان : وهذا صحيح ، لأن حقيقة العادة في الشيء المعهود عوده بعد عوده ، فهي - أعني العادة - بالاستمرار الذي يقهر من اعتاده ، والخلوة حال ، والعلانية حال ، والعادة بجريانها تهجم في الحالين ولا تفرق ؛ ولهذا ما قيل : العادة هي الطبيعة الثانية ؛ كأن الطبيعة عادة ، ولكنها الأولى بالجبلة ؛ والعادة طبيعة ولكنها الأخرى بحسن الاختيار أو بسوء الاختيار . وقال فيلسوف : ما أكثر من ظن أن الفقير هو الذي لا يملك شيئاً كثيراً وهذا فقير من جهة العرض ، فأما الفقير الطبيعي فالذي شهواته كثيرة وإن كان كثير المال ؛ كما أن الغني الطبيعي لا يحتاج إلى شيء وإن كان قليل المال ، أي الذي ملك نفسه وقمع شهواته وأخمد لهب إرادته ؛ وقد ظن قومٌ أن الذين منعوا من الشهوات ، ورضوا بالزهد في اللذات ، خانوا الناس وحالوا بينهم وبين حظوظهم ، وحرموهم ما هو لهم ، وصدوهم عن محبوباتهم ؛ وهذا ظنٌ خطأ ، وأي مرادٍ في هذا للواعظين والمزهدين ، والذين وصوا وأشفقوا ، وردعوا عن الخوض في لذات النفوس الغضبية والبهيمية ؟ والله ما كان ذلك منهم إلا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار والإنذار ، إلا أن يكون الذين ظنوا هذا إنما ظنوه لأنهم رأوا بعض المزهدين راغباً ، وبعض الناصحين غاشاً ، وبعض الآمرين مخالفاً ، وليس العمل على المحتال ، وعلى من آثر الغش في المقال ؛ ولكن المرجع إلى ما يدل عليه الحق ، ويشهد له العقل ، ويصح فيه البرهان ؛ أترى الفيلسوف غش في قوله لأصحابه :اقنعوا بالقوت ، وانفوا عن أنفسكم الحاجة ، ليكون لكم قربة إلى الله ، لأن الله غير محتاج ، فكلما احتجتم أكثر كنتم منه أبعد ، واهربوا من الشر والإثم ، واطلبوا من الخير أعمه وأعظمه ، وأبقاه وأدومه ؛ واعرفوا الأبد ، واطلبوا السرمد ، فإن من طلب الأبد ثم وجد بقي على الأبد ، ومن طلب الأمد ثم وجد فني على الأمد . الحاجة ذلٌ ، والغنى عز ، والعز ضد الذل ؛ فمن طلب العز في العاجلة فقد طلب الذل وهو لا يدري ، ومن طلب العز في الآجلة فقد وجد العز وهو لا يدري . في الحكمة أن يقال : اصبر على الذل لتنال العز ، وليس في الحكمة اثبت على العز لتنال الذل ، هذا معكوس .
الليلة الثالثة والعشرون
وكان الوزير رسم بكتابه لمعٍ من كلام الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأفردت ذلك في هذه الورقات ، وهي : قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أشد الأعمال ثلاثة : إنصاف الناس من نفسك ، ومواساة الأخ من مالك ، وشكر الله تعالى على كل حال ' . وقال الواقدي : لما غالط خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : يا خالد ذروا لي أصحابي ، لو كان لك أحدٌ ذهباً تنفقه قراريط في سبيل الله لم تدرك غدوةً أو روحةً من عبد الرحمن . وقال عليه السلام : ' إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة تبشبش الله إليه ، وإن أخرها أعرض عنه ' . وقال عليه السلام : ' إنما فدك طعمةٌ أطعمنيها الله حياتي ، ثم هي بين المسلمين ' . وقال عليه السلام : ' المقوم قد يأثم ولا يغرم ' . وقال عليه السلام في دعائه : ' اللهم اجمع على الهدى أمرنا ، وأصلح ذات بيننا ،وألف بين قلوبنا ، واجعل قلوبنا كقلوب خيارنا ، واهدنا سواء السبيل وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا ومعايشنا ، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ' . وقيل له ( صلى الله عليه وسلم ) : إن فلاناً استشهد ، فقال : ' كلا إن الشملة التي أخذها من الغنائم يوم حنين اشتعلت عليه ناراً ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' من اطلع من صبر بابٍ ففقئت عينه فهي هدر ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) لرجل يذبح شاةً : ' ارهف شفرتك ، فإذا فريت فأرح ذبيحتك ، ودعها تخب وتشخب ، فإن ذلك أمرى للدم وأحلى للحم ' . وقال عليه السلام : ' خير الناس الغني الخفي التقي ' . وقال : ' التاجر الصدوق إن مات في سفره كان شهيداً ، أو في حضره كان صديقاً ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ظهر المؤمن مشجبه ، وبطنه خزانته ، ورجله مطيته ، وذخيرته ربه ' . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ما نقص مالٌ من صدقة ، فتصدقوا ، ولا عفا رجلٌ عن مظلمةٍ إلا زاده الله عز وجل عزاً وعفواً ؛ ولا فتح رجلٌ على نفسه باب مسئلةٍ إلا فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر ، فاستعفوا ' . وقال عليه السلام : ' أجود الأعمال الجود في العسر ، والقصد في الغضب ، والعفو عند المقدرة ' . وقال عليه السلام : ' إن بين مصراعي باب الجنة مسيرة مائة عام ، وليأتين عليه يومٌوهو كظيظٌ من الزحام ' . وفد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رسول قومٍ من بني عامر يستأذنه في المرعى حول المدينة ؛ فقال عليه السلام : إنها ديارٌ لا تضيق عن جارنا ، وإن جارنا لا يظلم في ديارنا ، وقد ألجأتكم الآزمة ، فنحن نأذن لكم في المرعى ونشرككم في المأوى ، على أن سرحنا كسرحكم ، وعانينا كعانيكم ، ولا تعينوا علينا بعد اليوم ؛ فقال : لا نعين عدواً ما أقمنا في جوارك ، فإذا رحلنا فإنما هي العرب تطلب أثآرها ، وتشفي ذحولها ؛ فقال عليه السلام : يا بني عامر ، أما علمتم أن اللوم كل اللوم أن تنحاشوا عند الفاقة ، وتثبوا عند العزة ، فقال : وأبيك إن ذلك للؤم ، ولن نبغيك غائلةً بعد اليوم ، فقال : اللهم اشهد ، وأذن لهم . وسئل ( صلى الله عليه وسلم ) : كيف يأتيه الوحي ؟ فقال : ' في مثل صلصلة الجرس ، ثم ينفصم ' . وقد روى ابن الكلبي عن أبيه عن ابن صالح ، عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر ، قال علي للمقداد : أعطني فرسك أركبه ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أنت تقاتل راجلاً خيرٌ منك فارساً . قال : فركبه ووتر قوسه ورمى فأصاب أذن الفرس فصرمه ، فضحك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أمسك على فيه ، فلما رأى عليٌ ضحكه غضب فسل سيفه ، ثم شد على المشركين ، فقتل ثمانيةً قبل أن يرجع ، فقال عليٌ : لو أصابني شرٌ من هذا كنت أهله حين يقول : أنت تقاتل راجلاً خيرٌ منك فارساً ، فعصيته . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن امرأ عرف الله وعبده وطلب رضاه وخالف هواه لحقيقٌ بأن يفوز بالرحمة ' . لما ورد محمد بن مسلمة عن عمرو بن العاص من جهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، صنع عمرو له طعاماً ودعاه إليه ، فأبى محمدٌ ، فقال عمرو : أتحرمطعامي ؟ قال : لا ، ولكني لم أومر به . فقال عمرو : لعن الله زماناً عملنا فيه لابن الخطاب ، لقد رأيته وأباه وإنهما لفي شملة ما تواري أرساغهما ، وإن العاصي بن وائل لفي مقطعات الديباج مزررةً بالذهب . فقال محمد : أما أبوك وأبو عمر ففي النار ، وأما أنت فلولا ما وليت لعمر لألفيتك معتقلاً غنزاً يسرك غزرها ويسوءك بكوها ، فقال عمرو : المجالس أمانة ، فقال محمد : أما ما دام عمر حياً فنعم . دخل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على فاطمة يعودها من علة ، فبكت ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما يبكيك ؟ فقالت : قلة الطعم ، وشدة السقم ، وكثرة الهم . قال عبد الله بن مسعود : شر الأمور محدثاتها ، وشر الغني غني الإثم ، وخير الغنى غنى النفس ، والخمر جماع الإثم ، والدنيا حبالة الشيطان ، والشباب شعبةٌ من الجنون . قيل له : أتقول هذا من تلقائك ؟ قال : لا ، بل من تلقاء من فرض الله علي طاعته . وقال أبو ذر رحمة الله عليه : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا أبا ذر : إني أراك ضعيفاً ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم . وقال أبو هريرة : عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ستحرصون على الإمارة ، وستكون حسرةً وندامةً يوم القيامة ، فنعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة . أبو أمامة يرفعه ، قال : ما من رجلٍ يلي أمر عشرةٍ إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً أطلقه العدل ، أو أوثقه الجور . قال العباس للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : أمرني يا رسول الله فأصيب .قال عبد الله بن عمرو بن العاص : إن رجلاً جاء إلى النجاشي فقال له : أقرضني ألف دينار إلى أجل ، فقال : من الكفيل بك ؟ فقال : الله . فأعطاه الألف ، فلما بلغ الأجل أراد الرد ، فحبسته الريح ، فعمل تابوتاً وجعل فيه الألف وغلفه ، وألقاه في البحر ، وقال : اللهم أد حمالتك ؛ فخرج النجاشي إلى البحر فرأى سواداً ؛ فقال : ائتوني به . فأتوه بالتابوت ، ففتحه ، فإذا فيه الألف ، ثم إن الرجل جمع ألفاً بعد ذلك ، وطابت الريح ، وجاء إلى النجاشي فسلم عليه ؛ فقال له النجاشي : لا أقبلها منك حتى تخبرني بما صنعت فيها . فأخبره بالذي صنع ؛ فقال النجاشي : فقد أدى الله عنك ، وقد بلغت الألف في التابوت ، فأمسك عليك ألفك . رأى أبو هريرة رجلاً مع آخر ، فقال : من هذا الذي معك ؟ قال : أبي . قال : فلا تمش أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تدعه باسمه ، ولا تستسب له . قال أبو هريرة : كان جريجٌ يتعبد في صومعته ، فأتت أمه فقالت : يا جريج ، أنا أمك ، كلمني ؛ فقال : اللهم أمي وصلاتي ؛ فاختار صلاته ، فرجعت ثم أتته ثانيةً فقالت : يا جريج ، كلمني ، فصادفته يصلي فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، ثم جاءته فصادفته يصلي ، فقالت : اللهم إن هذا ابني قد عقني فلم يكلمني فلا تمته حتى تريه المومسات ، ولو دعت عليه أن يفتن لفتن ؛ قال : وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره ، فخرجت امرأةٌ من القرية ، فوقع عليها الراعي ، فحملت فولدت غلاماً ، فقيل لها : ممن هذا ؟ فقالت : من صاحب هذه الصومعة ، فأقبل الناس إليه بفؤوسهم ومساحيهم فبصروا به ، فصادفوه يصلي ، فلم يكلمهم ، فأخذوا يهدمون ديره ، فنزل وتبسم ومسح رأس الصبي وقال : من أبوك ؟ فقال : أبي راعي الضأن . فلما سمع القوم ذلك راعهم ، وعجبوا ،وقالوا : نحن نبني لك ما هدمنا بالذهب والفضة . قال : لا ، أعيدوها كما كانت تراباً ؛ ثم عاد . وقال أبو الدرداء : لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواب . وقال أيضاً : ليس على سارق الحمام قطع . وقال : إذا اخترتم أرضاً فلا تختاروا أرمينية ، فإن فيها قطعةً من عذاب الله ، يعني البرد . أبو هريرة يرفعه : ويلٌ للعرفاء ، ويلٌ للأمناء ، ليتمنين أقوامٌ يوم القيامة أنهم كانوا متعلقين بين السماء والأرض يتذبذبون من الثريا ، وأنهم لم يلوا عملاً . قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد الرحمن بن سمرة : ' لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن مسئلةٍ وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسئلةٍ أعنت عليها ' . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' كلكم راع ومسؤولٌ عن رعيته ، فالأمير راعٍ على الناس وهو مسؤولٌ أقام أمر الله فيهم أم ضيع ؛ والمرأة راعيةٌ على بيتها وما وليت من زوجها ، ومسئولةٌ عنهم أقامت أمر الله فيهم أم ضيعت ؛ والخادم مسؤولٌ عن مال سيده أقام أمر الله فيه أم ضيع ' . هكذا رواه ابن عتبة عن نابع عن ابن عمر . قال عياض الأشعري : قدم أبو موسى على عمر ومعه كاتبٌ له ، فرفع حسابه ، فأعجب عمر . وجاء إلى عمر كتابٌ ، فقال لأبي موسى : أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ؟ قال : إنه لا يدخل المسجد . قال : لم ؟ أجنبٌ هو ؟ قال : إنه نصراني . قال : فانتهره ، وقال : لا تدنهم وقد أقصاهم الله ، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ، ولا تأتمنهم وقد خونهم الله . قال عبد الله بن نافع : جاء رجلان من الأنصار إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : إنكم لتختصمون إلي وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ،وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعةً من نار ، يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة . قال : فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقي لأخي ؛ فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : أما إذ قلتما هذا فاذهبا فاستهما ، وتوخيا الحق ، وليحلل كل واحد منكما صاحبه . وفي رواية أخرى : اذهبا فاصطلحا . وروي أن عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتب إلى النجاشي أصحمة : سلامٌ عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ، فكتب النجاشي : إلى محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من النجاشي أصحمة بن أبجر : سلامٌ عليك يا نبي الله من الله ورحمته وبركاته . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' الكافر خبٌ ضبٌ ، والمؤمن دعبٌ لعب ' . وقال رجلٌ للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : اعدل فإنك إلى الآن لم تعدل . فقال : ويلك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل ؟ . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن الواجد يبيح ظهره وعرضه ' . وقال عمر : ردد الخصوم كي يصطلحوا . وقال عليه السلام : لا تحلفوا بأيمانكم ، ومن حلف بالله فليصدق ، ومن حلف له فليقبل . وقال : من حلف يميناً كاذبة يقتطع بها مال امرىء مسلمٍ لقي الله وهو عليه غضبان . وقال : من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خيرٌ ، وليكفر عن يمينه . وقال - عليه السلام - لا تسافر المرأة ثلاثة أيامٍ إلا مع ذي محرم . حدثنا أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد قال : حدثنا محمد بن المرزبان قال : حدثنا المغيرة قال : حدثنا محمد بن العباس المنقري قال : كان شريك ابن عبد الله على القضاءبالكوفة ، فقضى على وكيلٍ لعبد الله بن مصعب بقضاء لم يوافق عبد الله ، فلقي شريكاً ببغداد ، فقال له : قضيت على وكيلي قضاءً لا يوافق الحق . قال : من أنت ؟ قال : من لا تنكر . قال : قد نكرتك أشد النكير . قال : أنا عبد الله بن مصعب . قال : فلا كبيرٌ ولا طيب . قال : كيف لا تقول هذا وأنت تشتم الشيخين . قال : من الشيخان ؟ قال : أبو بكرٍ وعمر . قال : والله لا أشتم أباك وهو دونهما ، فكيف أشتمهما وهما فوقي وأنا دونهما ؟ وقال عقبة بن عامر الجهني : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' ما من رجل يؤتى الدنيا ويوسع له فيها وهو لله على غير ما يحب إلا وهو مستدرج ، لأن الله تعالى يقول : ' فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ' . قال ابن الأنباري : قوله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا وهو مستدرج ، معناه إلا وهو مستدعٍ هلكته ، مأخوذٌ من الدراج ، وهو الهالك ، يقال هو أعلم من دب ودرج ، ويراد بدرج : هلك ؛ وبدب : مشى . وقال سعيد بن عامر بن حزيم ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن لله أمناء على خلقه يضن بهم على القتل يعيشهم في عافية ، ويميتهم في عافية ' . قال ناشرة بن سمي : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوم الجابية : إني قد نزعت خالد بن الوليد وأمرت أبا عبيدة ، فقال رجلٌ : والله لقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فقال عمر : إنك لشابٌ قريب القرابة ، وهذا القائل هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة ابن عم خالد . قال قبيصة بن المخارق : نهى رسول الله عن الطرق والعيافة والخط . قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان : صلةٌ وصدقة ' .قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا : لما نزلت : ' وأنذر عشيرتك الأقربين ' ، انطلق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى رضمةٍ من جبلٍ فعلا أعلاها حجراً ، وقال : يا بني عبد مناف ، يا بني فهر ، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجلٍ رأى العدو فانطلق يريد أهله ، وخشي أن يسبقوه إلى أهله ، فجعل يهتف واصباحاه . النعمان بن بشير وقبيصة قالا : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته ، ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع ' . تزوج رجلٌ امرأةً فمات قبل أن يدخل بها ، ولم يسم لها صداقاً ، فسئل ابن مسعود فقال : لها صداق إحدى نسائه ، لا وكس ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث . فقام أبو سنان في رهطٍ من أشجع ، فقالوا : لقد قضى فيها بقضاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في برزع بنت واشقٍ الأشجعية . عقبة السلمي قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إذا تباطأت المغازي وكثرت الغرائم واستؤثر بالغنائم فخير جهادكم الرباط ' . حبان الأنصاري قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطب الناس يوم حنينٍ فأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها ، وحرم عليهم ثلاثة أشياء كان الناس يحللونها ، أحل لهم أكل لحوم الأضاحي ، وزيارة القبور والأوعية ، ونهاهم عن بياع المغنم حتى يقسم ، ونهاهم عن النساء من السبايا ألا يوطأن حتى يضعن أولادهن ، ونهاهم ألا تباع ثمرةٌ حتى يبدو صلاحها ، ويؤمن عليها من العاهة . وهب بن حذيفة ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : الرجل أحق بمجلسه . حسان بن ثابتٍ قال : لعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زائرات القبور . قال مالك بن عبادة الغافقي : مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعبد الله بن مسعود فقال : لا تكثر همك ما يقدر يكن ، وما ترزق يأتك .خالد بن عدي الجهني أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : من بلغه معروفٌ من أخيه من غير مسئلةٍ ولا إشراف نفسٍ فليقبله ولا يرده ، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليه . رافع بن مكيثٍ - أخو جندب بن مكيث - شهد الحديبية قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ' حسن الملكة نماءٌ ، وسوء الخلق شؤم ، والصدقة تدفع ميتة السوء ، والبر زيادةٌ في العمر . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إن يوم الجمعة يوم زينةٍ كيوم الفطر والنحر . خباب بن الأرت - وكان من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) - قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلى يوماً إلى جدارٍ كثير الجحرة إما ظهراً أو عصراً ، فلما صلى خرجت إليه عقرب فلدغته ؛ فغشي عليه ، فرقاه الناس فأفاق ، فقال : ' إن الله شفاني وليس برقيتكم ' . قال الوزير : ما أحسن هذا المجلس .
الليلة الرابعة والعشرون
وجرى حديث الفيل ليلةً فأكثر من حضر وصفه بما لم يكن فيه فائدةٌ تعاد ، ولا غريبةٌ تستفاد ؛ فحكيت : إن العلماء بطبائع الحيوان ذكروا أن الفيلة لا تتولد إلا في جزائر البحار الجنوبية ، وتحت مدار برج الحمل ، والزرافة لا تكون إلا في بلاد الحبشة ، والسمور وغزال المسك لا يكونان إلا في الصحارى الشرقية الشمالية ؛ وأما الصقور والنسور والبزاة وما شاكلها من الطير فإنها لا تفرخ إلا في رءوس الجبال الشامخة والعقاب . والنعام لا تفرخ إلا في البراري والقفار والفلوات . والوطواط والطيطوي وأمثالهما من الطير لاتفرخ إلا على سواحل البحار وشطوط الأنهار والبطائح والآجام ؛ والعصافير والفواخت وما شاكلها من الطير لا تفرخ إلا بين الأشجار والدحال والقرى والبساتين . وحدث ابن الأعرابي عن هشام بن سالم - وكان مسناً من رهط ذي الرمة - قال : أكلت حيةٌ بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر على رأسها ويدنو منها ، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمت به ألقى في فيها حسكةً ؛ فأخذت بحلقها حتى ماتت . وأنشد أبو عمرو الشيباني قول الأسدي : إن كنت أبصرتني قلا ومصطلما . . . فربما قتل المكاء ثعبانا فقال - حرس الله نفسه - من أين للحيوان غير الإنسان هذه الفطنة وهذه الفضيلة وهذه الجرأة وهذه الحيلة ؟ فقلت : شيخنا أبو سليمان يقول في هذه الأيام - وقد جرى حديث الحيوان وعجائب أفاعيله - إن الإحساسات التي للحيوان على أصنافه لها غرضٌ عظيم ، وبذلك الغرض لها تفاوتٌ عظيم ظاهرٌ وخافٍ ، وأفعالٌ معهودة ونادرة ، ولها أخلاق معروفة ، ومعارف موصوفة ؛ ولولا ذلك ما كان يقال : أصول من جمل ، وأغدر من ذئب ، وأروغ من ثعلب ، وأجبن من صقر ، وأجمع من ذرة ، وآلف من كلب ، وأهدى من قطاة ، واحذر من عقعق ، وأزهى من غراب ،وأظلم من حية . وأشد عداوةً من عقرب . وأخبث من قرد ، وأحمق من حبارى ، وأكذب من فاخته ، والأم من كلبٍ على جيفة ، وأعق من ضب ، وأبر من هرة ، وأنفر من ظليم ، وأجرأ من ليث ، وأحقد من فيل ؛ وعلى هذا . قال : وكما أن بين آحاد نوع الإنسان تفاوتاً في الأخلاق ، كذلك بين آحاد نوع الحيوان تفاوت ، وكما أنه يزل بعض العقلاء فيركب ما لا يظن بمثله لعقله ، كذلك يزل ويغلط بعض الحمقى فيأتي بما لا يحسب أن مثله يهتدي إليه ، فليس العقل بخاطرٍ على صاحبه أن يندر منه ما يكون من الحيوان ، وأصناف الحيوان من الناس وغير الناس تتقاسم هذه الأخلاق بضروب المزاج المختلفة في الأزمان المتباعدة ، والأماكن المتنازحة ، تقاسماً محفوظ النسب بالطبيعة المستولية ، وإن كان ذلك التقاسم مجهول النسب للغموض الذي يغلب عليه ، وإذا عرف هذا الشرح وما أشبهه مما يزيده وضوحاً ، زال التعجب الناشىء من جهل العلة وخفاء الأمر . قال : ومن العجب أنا إذا قلنا : أروغ من ثعلب ، وأجبن من صقر ، وأحقد من فيل ، أن هذا الروغ وهذا الجبن وهذا الحقد في هذه الأصاف ليست لتكون عدةً لها مع نوع الإنسان ، ولكن لتتعاطى أيضاً بينها ، وتستعملها عند الحاجة إليها ؛ وكما يشبه إنسانٌ لأنه لصٌ بالفأرة ، أو بالفيل لأنه حقود ، أو بالجمل لأنه صؤول ، كذلك يشبه كل ضرب منالحيوان في فعله وخلقه وما يظهر من سنخه بأنه إنسان . ويقال للبليد من الناس : كأنه حمار ؛ ويقال للذكي من الخيل : كأنه إنسان ؛ ولولا هذا التمازج في الأصل والجوهر ، والسنخ والعنصر ، ما كان هذا التشابه في الفرع الظاهر ، والعادة الجارية بالخبر والنظر . فقال : هذا كلامٌ لا مزيد عليه . وقالت العلماء : إن هذا الاعتبار واصلٌ في الحقيقة إلى جنس النبات ، فإن النخل والموز لا ينبتان إلا في البلدان الدافئة والأرض اللينة والتربة ، والجوز والفستق وأمثالهما لا ينبتان إلا في البلدان الباردة والأرض الجبلية . والدلب وأم غيلان في الصحارى والقفار ؛ والقصب والصفصاف على شطوط الأنهار . قالوا : وهكذا أيضاً وصف الجواهر المعدنية ، كالذهب ، فإنه لا يكون إلا في الأرض الرملية والجبال والأحجار الرخوة . والفضة والنحاس والحديد لا تكون إلا في الأرض الندية والتراب اللين والرطوبات الدهنية ، والأملاح لا تنعقد إلا في الأراضي والبقاع السبخة ، والجص والاسفيداج لا يكونان إلا في الأرض الرملية المختلطة ترابها بالحصى ، والزاج لا يكون إلا في التراب العفص ؛ وقد أحصى بعض من عني بهذا الشأن هذه الأنواع المعدنية فوجد سبعمائة نوعٍ . وقالوا : من الجواهر المعدنية ما هو صلب لا يذوب إلا بالنار الشديدة ، ولا يكسر إلا بالفأس كالياقوت والعقيق . ومنها ترابيٌ رخوٌ لا يذوب ولكن ينفرك ، كالملح والزاج ، والطلق ؛ ومنها مائي رطب ينفر من النار كالزئبق ، ومنها هوائي دهني تأكله النار ، كالكبريت والزرنيخ ؛ ومنها نباتيٌ كالمرجان ، ومنها حيوانيٌ كالدر ، ومنها طلٌمنعقد ، كالعنبر والبادزهر ، وذلك أن العنبر إنما هو طلٌ يقع على سطح ماء البحر ، ثم ينعقد في مواضع مخصوصةٍ في زمان مقدر ؛ وكذلك البادزهر ، فإنه طلٌ يقع على بعض الأحجار ، ثم يرسخ في خللها ، ويغيب فيها ، وينعقد في بقاعٍ مخصوصةٍ ، في زمانٍ معلوم ، وكالترنجبين الذي هو طلٌ يقع على ضربٍ من الشوك ؛ وكذلك اللك فإنه يقع على نباتٍ مخصوصٍ ينعقد عليه ؛ وكذلك الدر فإنه طلٌ يرسخ في أصداف نوعٍ من الحيوان البحري ، ثم يغلظ ويجمد وينعقد فيه ، وكذلك الموميا ، وهي طلٌ يرسخ في صخورٍ هناك ويصير ماء ثم ينز من مسام ضيقةٍ ويجمد وينعقد . والطل هو رطوبةٌ هوائيةٌ تجمد من برد الليل ، وتقع على النبات والشجر والحجر والصخر ؛ وعلى هذا القياس جميع الجواهر المعدنية ، فإن مادتها إنما هي رطوباتٌ مائية ، وأنداءٌ وبخاراتٌ تنعقد بطول الوقوع ومر الزمان . وقالت الحكماء الأولون : ها هنا طبيعةٌ تألف طبيعةً أخرى ، وطبيعةٌ تلزق بطبيعة أخرى ، وطبيعةٌ تأنس بطبيعة ، وطبيعةٌ تتشبه بطبيعة ، وطبيعة تقهر طبيعة ، وطبيعةٌ تخبث مع طبيعة ، وطبيعة تطيب مع طبيعة ، وطبيعةٌ تفسد طبيعة ، وطبيعة تحمر طبيعة ، وطبيعة تبيض طبيعة ، وطبيعة تهرب من طبيعة ، وطبيعةٌ تبغض طبيعة ، وطبيعةٌ تمازج طبيعة . فأما الطبيعة التي تألف طبيعةً فمثل الماس فإنه إذا قرب من الذهب لزق به وأمسكه ، ويقال : لا يوجد الماس إلا في معدن الذهب في بلدٍ من ناحية المشرق . ومثل طبيعة المغناطيس في الحديد ، فإن هذين الحجرين يابسان صلبان ، وبين طبيعتيهما ألفة ، فإذا قرب الحديد من هذا الحجر حتى يشم رائحته ذهب إليه والتصق به وجذب الحديد إلى نفسه وأمسكه كما يفعل العاشق بالمعشوق . وكذلك يفعل الحجر الجاذب للخز والحجر الجاذب للشعر ، والجاذب للتبن ؛ وعلى هذا المثال ما من حجر من أحجار المعدن إلا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر إلفٌ واشتياق ، عرف ذلك أو لميعرف ؛ ومثل هذا ما يكون بين الدواء والعضو العليل ، وذلك أن من خاصة كل عضوٍ عليلٍ اشتياقه إلى طبيعة الدواء التي هي ضد طبيعة العلة التي به ، فإذا حصل الدواء بالقرب من العضو العليل وأحس به جذبته القوة الجاذبة إلى ذلك العضو وأمسكت الممسكة واستعانت بالقوة المدبرة لطبيعة الدواء على دفع الطبيعة المؤلفة للعلة وقويت عليها ودفعتها عن العضو العليل كما يستعين ويدفع المحارب والمخاصم بقوة من يعينه على خصمه وعدوه ويدفعه عن نفسه ؛ وأما الطبيعة التي تقهر طبيعةً أخرى فمثل طبيعة السنباذج الذي يأكل الأحجار عن الحك أكلاً ويلينها ويجعلها ملساء . ومثل طبيعة الأسرب الوسخ في الماس القاهر لسائر الأحجار الصلبة ، وذلك أن الماس لا يقهره شيءٌ من الأحجار ، وهو قاهر لها كلها ، ولو ترك على السندان وطرق بالمطرقة لدخل في أحدهما ولم ينكسر ، وإن جعل بين صفيحتين من أسربٍ وضمتا عليه تفتت ؛ ومثل طبيعة الزئبق الطيار الرطب القليل الصبر على حرارة النار ، إذا طلي به الأحجار المعدنية الصلبة مثل الذهب والفضلة والنحاس والحديد أوهنها وأرخاها حتى يمكن أن تكسر بأهون سعيٍ ، وتتفتت قطعاً . ومثل الكبريت المنتن الرائحة المسود للأحجار النيرة البراقة ، المذهب لألوانها وأصباغها ، يمكن النار منها حتى تحترق في أسرع مدة . والعلة في ذلك أن الكبريت رطوبة دهنيةٌ لزجةٌ جامدة ، فإذا أصابته حرارة النار ذاب والتزق بأجساد الأحجار ومازجها ، فإذا تمكنت منها احترق وأحرق معه تلك الأجساد ياقوتاً كانت أو ذهباً أو غيرهما . وأما الطبيعة التي ترسب في طبيعة أخرى وتنيرها ، فمثل النوشاذر الذي يغوص في قعر الأشياء ويغسلها من الوسخ . وأما الطبيعة التي تعين طبيعةً أخرى فمثل البورق الذي يعين النار على سبك هذه الأحجار المعدنية الذائبة ، ومثل الزاجات والشبوب التي تجلوها وتنيرهها وتصبغها ، ومثلالمغنيسيا والقلي المعينين على سبك الرمل وتصفيته حتى يكون منه زجاج ؛ وعلى هذا المثال جميع الأحجار المعدنية . النار هي الحاكمة بين الجواهر المعدنية بالحق . ويقال : من أدمن الأكل والشرب في أواني النحاس أفسدت مزاجه ، وعرض له أمراضٌ صعبة ، وإن أدنيت أواني النحاس من السمك شممت لها رائحةً كريهة وإن كبت آنية النحاس على سمكٍ مشويٍ أو مطبوخٍ بحرارته حدث منه سمٌ قاتل . القلعي قريبٌ من الفضة في لونه ، ولكن يخالفها في ثلاث صفات : الرائحة والرخاوة والصرير ، وهذه الآفات دخلت عليه وهو في معدنه كما تدخل الآفات على المفلوج وهو في بطن أمه ؛ فرخاوته لكثرة زئبقه ، وصريره لغلظ كبريته . ويقال : إن لون الياقوت الأصفر والذهب الإبريز ، ولون الزعفران وما شاكلها من الألوان المشرقة منسوبةٌ إلى نور الشمس وبريق شعاعها ، وكذلك بياض الفضة والملح والبلور والقطن وما شاكله من ألوان النبات منسوبةٌ إلى نور القمر وبريق شعاعه ؛ وعلى هذا المثال سائر الألوان . وقال أصحاب النجوم : السواد لزحل ، والحمرة للمريخ ، والخضرة للمشتري ، والزرقة للزهرة ، والصفرة للشمس ، والبياض للقمر ، والتلون لعطارد . ويقال : إن العلة الفاعلة للجواهر المعدنية هي الطبيعة ، والعلة الطينية الزئبق والكبريت ؛ والعلة الصورية دوران الأفلاك وحركات الكواكب حول الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض ؛ والعلة التمامية المنافع التي ينالها الإنسان والحيوان . ويقال : إن الجواهر المعدنية ثلاثة أنواع : منها ما يكون في التراب والطين والأرضالسبخة ، ويتم نضجه في السنة وأقل كالكباريت والأملاح والشبوب والزاجات وما شابهها ؛ ومنها ما يكون في قعر البحار وقرار المياه ، ولا يتم نضجه إلا في السنة أو اكثر كالدر والمرجان ، فإن أحدهما نباتٌ وهو المرجان ، والآخر حيوان ، وهو الدر . ومنها ما يكون في وسط الحجر وكهوف الجبال وخلل الرمال فلا يتم نضجه إلا في السنين ، كالذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص وما شاكلها ؛ ومنها ما لا يتم نضجه إلا في عشرات السنين ، كالياقوت والزبرجد والعقيق وما شاكلها . وقال بعض من حضر المجلس - وهو الرجل الفدم الثقيل - : إن الزارع لا يزرع طالباً للعشب ، بل قصده للحب ، ولابد للعشب من أن ينبت إن أحب أو كره ، فلم ذلك ؟ فقيل له : قد يصحب المقصود ما ليس بمقصود ، من حيث لا يتم المقصود إلا بما ليس بمقصود ، والعشب هو فضلات الحب ، وبه صفاء الحب وتمامه ، ولولا القوة التي تصفي الحب وتصوره بصورته الخاصة به ، وتنفي كدره وتحصل صفوه لكان العشب في بدن الحب ، وحينئذ لا يكون الحب المنتفع به المخصوص باسمه المعروف بعينه ، بل يكون شيءٌ آخر ؛ فلما تميزت تلك الشوائب التي كانت ملابسةً له من أجزاء الأرض والماء وآثار الهواء والنار ، خلص منتفعاً به ، مفصوداً بعينه ، فوجب بهذا الاعتبار أن يكون الحب بالذات ، والعشب بالعرض . فقال - أدام الله دولته - هل تعرف العرب الفرق بين الروح والنفس في كلامها ؟ وهل في لفظها من نظمها ونثرها ما يدل على ما بينهما ، أو هما كشيء واحد لحقه اسمان ؟ فكان الجواب : إن الاستعمال يخلط هذا بهذا وهذه بهذا في مواضع كثيرة ، وإذا جاء الاعتبار أفرد أحدهما عن الآخر بالحد والاسم ؛ وعلى هذا اتفق رأي الحكماء ، لأنهم حكموا بأن الروح جسمٌ لطيف منبثٌ في الجسد على خاص ماله فيه فأما النفس الناطقة فإنها جوهرٌ إلهي ، وليست في الجسد على خاص ماله فيه ولكنها مدبرةٌ للجسد ؛ ولم يكن الإنسان إنساناً بالروح ، بل بالنفس ، ولو كان إنساناً بالروح لم يكن بينه وبين الحمارفرق ، بأن كان له روحٌ ولكن لا نفس له . فأما النفسان الأخريان اللتان هما الشهوية والغضبية فإنهما أشد اتصالاً بالروح منهما بالنفس ، وإن كانت النفس الناطقة تدبرهما وتمدهما وتأمرهما وتنهاهما ؛ فهذا أيضاً يوضح الفرق بين الروح والنفس ، فليس كل ذي روحٍ ذا نفس ، ولكن كل ذي نفسٍ ذو روح ؛ وقد وجدنا في كلام العرب مع هذا الفرق بينهما ، فإن النابغة قد قال للنعمان بن المنذر : وأسكنت نفسي بعد ما طار روحها . . . وألبستني نعمي ولست بشاهد وقال أبو الأسود : لعمرك ما حشاك الله روحا . . . به جشعٌ ولا نفساً شريرة قال : هذا من الفوائد التي كنت أحن إليها ، وأستبعد الظفر بها ، وما أنفع المطارحة والمفاتحة وبث الشك واستماحة النفس ، فإن التغافل عما تمس إليه الحاجة سوء اختيار ، بل سوء توفيق . وما أحسن ما قاله بعض الجلة : توانيت في أوان التعلم عن المسئلة عن أشياء كانت الحاجة تحفز إليها والكسل يصد عنها ، فلما كبرت أنفت من ذكرها وعرضها على من علمها عنده ، فبقيت الجهالة في نفسي ، وركدت الوحشة بين قلبي وفكري . ثم جرى في حديث النفس ذكر بعض العلماء فإنه قال : إن نفسك هي إحدى الأنفس الجزئية من النفس الكلية ، لا هي بعينها ، ولا منفصلةٌ عنها ، كما أن جسدك جزءٌ من العالم لا هو كله ولا منفصلٌ عنه ؛ وقد مر من أمر النفس ما فيه إيضاحٌ تامٌ واستبصارٌ واسع ، وإن كان الكلام في نعت النفس لا آخر له ، ولا وقوف عنه . ولو قال قائلٌ : إن جسدك هو كل العالم لم يكن مبطلاً ، لأنه شبيهٌ به ، ومسلولٌ منه ، وبحق الشبه يحكيه ، وبحق الانسلال يستمد منه ؛ وكذلك النفس الجزئية هي النفس الكلية ، لأنها أيضاً مشاكهةٌ لها ، وموجودةٌ بها ، فبحق الشبه أيضاً تحكيحالها ، وبحق الوجود تبقى بقاءها ، فليس بين الجسد إذا أضيف إلى العالم ، والنفس إذا قيست بالأخرى فرق ، إلا أن الجسد معجونٌ من الطينة ، والنفس مدبرةٌ بالقوة الإلهية ؛ ولهذا احتيج إلى الإحساس والمواد ، وإلى الاقتباس والالاتماس حتى تكون مدة الحياة الحسية بالغة إلى آخرها من ناحية الجسد ، ويكون مبدأ الحياة النفسية موصولاً بالأبد بعد الأبد . فقال - أدام الله سعادته - لو كان ما يمر من هذه الفوائد الغرر والمرامي اللطاف مرسوماً بسوادٍ على بياض ، ومقيداً بلفظٍ وعبارة ، لكان له ريعٌ وإتاء ، وزيادةٌ ونماء . فكان الجواب إن هذا غير متعذر ولا صعبٍ إن نفس الله في البقاء ، وصرف هذه الهموم التي تقسم الفكر بالعوارض التي لا تحتسب ، والأسباب التي لا تعرف ؛ فأما والأشغال على تكاثفها ، والزمان على تلونه فكيف يمكن ذلك ؛ والعجب أنه يجري حرفٌ من هذه الأمور الشريفة في هذه الأوقات الضيقة . ولقد قال أبو سليمان أمس : كيف نشاط الوزير - أدام الله سعادته - في شأنه ، وكيف كان تقبله لرسالتي إليه ، وتلطفي له ، وخدمتي لدولته ؟ فقلت : ما ثم شيءٌ يحتاج إلى الزيادة من فهمٍ ودراية ، وبيان واستبانة ، وهشاشةٍ ورفق ، واطلاعٍ وتأنٍ ؛ ولكن الوقت مستوعبٌ بالتدبير والنظر ، وكف العدو بالمداورة مرة ، وبالإحسان مرة . فقال : الله يبقيه ، ويرينا ما نحبه فيه . وقال أيضاً أبو سليمان : كيف لا يكون ما تقلده ثقيلاً ، وما تصدى له عظيماً ، وما يباشره بلسانه وقلمه صعباً ، والأولياء أعداء ، والأعداء جهال ، والحض عليه من ورائه شديد ، ونصيحه غاش ، وثقته مريب ، والشغب متصل ، وطلب المال لا آخر له ، والمصطنع مستزيد ، والمحروم ساخط ، والمال ممزق ، والتجديف من الطالب واقع ،والتحكم بالإدلال دائم ، والاستقالة من الكبير والصغير زائدة ، والكلام ليس ينفع ، والتدبر ليس يقمع ؛ والوعظ هباءٌ منثور ، والأصل مقطوعٌ مبتور ؛ والسر مكشوف ، والعلانية فاضحة ؛ وقد ركب كلٌ هواه ، وليس لأحدٍ فكرٌ في عقباه ؛ واختلط المبرم بالسحيل ، وضاق على السالك كل سبيل ؛ ومنابع الفساد ومنابت التخليط كلها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ولا استقامة المملكة ؟ وإنما سؤلها تعجيل حظٍ وإن كان نزراً ، واستلاب درهمٍ وإن كان زيفاً ، ولعمري ليس يكون الكدر إلا بعد الصفو ، كما لا يكون الصفو إلا بعد الكدر ، هكذا الليل والنهار ، والنور والظلام ، هذا يخلف هذا ، وهذا يتلو هذا . قال : أعني بهذا أنه لم افقد الملك السعيد - رضي الله عنه - بالأمس حدث هذا كله ، فإنه كان قد زم وخطم ، وجبر وحطم ، وأسا وجرح ، ومنع ومنح ؛ وأورد وأصدر ، وأظهر وستر ، وسهل ووعر ، ووعد وتوعد ، وأنحس وأسعد ، ووهب زمانه وحياته لهذا ، لأنه جعل لذته فيه ، وغايته إليه ، واشتهى أن يطير صيته في أطراف الأرض فيسمع ملوكها بفطنته وحزمه ، وتصميمه وعزمه ، وجده وتشميره ، ورضاه في موضع الرضا ، وسخطه في وقت السخط ، ورفعه لمن يرفعه بالحق ، ووضعه لمن يضعه بالواجب ؛ يجري الأمور بسنن الدين ما استجابت ، فإن عصت أخذ بأحكام السياسة التي هي الدنيا ، ولما كانت الأمور متلبسةً بالدين والدنيا لم يجز للعاقل الحصيف ، والمدبر اللطيف أن يعمل التدبير فيها من ناحية الدين فحسب ، ولا من ناحية الدنيا فقط ، لأن دائرة الدين إلهية ، ودائرة الدنيا حسية ، وفي الإحسان أحقادٌ لابد من إطفاء ثائرتها ، وصنائع لابد من تربيتها ، وموضوعاتٌ لابد من إشالتها ومرفوعاتٌ لابد من إزالتها ؛ وتدبيراتٌ لابد من إخفائها ، وأحوالٌ لابد من إبدائها ، ومقاماتٌ لابد من الصبر على عوارض ما فيها ، وأمورٌ هي مسطورةٌ في كتب السياسات للحكماء لابد من عرفانها والعمل بها والمصير إليها ، والزيادة عليها ؛ فليسالخبر كالعيان ، ولا الشاهد كالغائب ، ولا المظنون كالمستيقن . ثم قال : - أعني أبا سليمان - وهذا كله منوطٌ بالتوفيق والتأييد اللذين إذا نزلا من السماء واتصلا بمفرق السائس تضامت أحواله على الصلاح ، وانتشرت على النجاح ؛ وكفى كثيراً من همومه ؛ ثم دعا للوزير بالبقاء المديد ، والعيش الرغيد والجد السعيد ؛ وأمن الحاضرون على ذلك ، وكانوا جماً غفيراً ، لا فائدة في ذكر أسمائهم والإشارة إلى أعيانهم ؛ وكلهم لما سمعوا هذا الكلام الشريف عجبوا منه ، وعوذوه وسألوه أن ينظم لهم رسالةً في السياسة ؛ فقال : قد رسمت شيئاً منذ زمان ، وقد شاع وفشا ، وكتب وحمل في جملة الهدية إلى قابوس بجرجان ، فهذا - أيها الشيخ - نمط أبي سليمان وأنت عنه مشغول ، قد رضيت بترك النظر في أمره ، وبذل الجاه له فيما عاد بشأنه ، والله ما هذا لسوء عهدك فيه ، ولا لحيلولة نيتك عنه ؛ ولكن لقلة حظه منك وإنحاء الزمان على كل من يجري مجراه ، مع عوز مثله في عصره ؛ وكيف تتهم بسوء اعتقاد وقلة حفاظٍ ، وتوانٍ عن رعاية عهدٍ ، وقيامٍ بحق ، وأنت من فرقك إلى قدمك فضلٌ وخيرٌ وجود ومجدٌ وإحسانٌ وكرمٌ ومعونةٌ ورفدٌ وإنعامٌ وتفقد وتعهد وبذلٌ وعرفٌ ؛ ولو كان امرءٌ من الذهب المصفى لكنته ولو كان أحدٌ من الروح الصرف لكنته ؛ ولو كان أحدٌ من الضياء المحيط لكنته ؛ فسبحان من خلقك صرفاً بلا مزاج ، وصفواً بلا كدر ، وواحداً بلا ثان ، لقد فخر بك الشرق على الغرب ، وسلم لك بلا خصومةٍ ولا شغب ، فأدام الله لك ما آتاك وأفاض عليك من لدنه ما ينور مسعاك ؛ وبلغك السعادة العظمى في عقباك ، كما بلغك السعادة الصغرى في دنياك . أعرض أيها الشيخ هذا الحديث على ما ترى ، والكلام ذو جيشان ، والصدر ذو غليان ، والقلم ذو نفيان ومتدفقه لا يستطاع رده ؛ ومنبعثه لا يقدر على تسهيله ، وخطبه غريب ، وشأنه عجيب ؛ وإنما يعرف دقه وجله من يذوق حلوه ومره ، ومع هذا كله ، فإنيأذكرك أمري لتلحظه بعين الرعاية ، وأعرض عليك حديثي لتحفظه في صحيفة العناية ؛ فلقد أمسيت بين صديقٍ يشق علي حزنه لي ، وبين عدوٍ تسوءني شماتته بي ؛ وقد صح عندي أن إقبالك على يسر ، كما أن إعراضك عني عسر ، وأرجع إلى تمام هذين الجزأين وإنه أحرى . وأما حديث الزهاد وأصحاب النسك ، فإنه كان تقدم بإفراد جزء فيه ، وقد أثبته في هذا الموضع ، ولم أحب أن أعزله عن جملته ، فإن فيه تنبيهاً حسناً ، وإرشاداً مقبولاً ، وكما قصدنا بالهزل الذي أفردنا فيه جزءاً جماماً للنفس قصدنا بهذا الجزء الذي عطفنا عليه إصلاحاً للنفس وتهذيباً للخلق ، واقتداءً بمن سبق إلى الخير واتباعاً لمن قصد النصح ؛ وشرف الإنسان موقوفٌ على أن يكون فاتحاً لباب من أبواب الخير على نفسه وعلى غيره ، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن يكون مقتفياً لأثر من كان فاتحاً قبله ؛ ومن تقاعس عن هذين الأمرين فهو الخاسر الذي جهل قيمة نفسه ، وضل عن غاية حياته ، وحرم التوفيق في إصابة رشده ؛ والله المستعان . قال ابن مسعود : لو عرفت البهائم ما عرفتم ما أكلتم سميناً . وقال أبو هريرة : اللهم إني أسألك قلباً قاراً ، ورزقاً داراً ، وعملاً ساراً . وقال بعض السلف : اللهم إني أسألك قلباً شاكراً ، ولساناً ذاكراً ، وبدناً صابراً . وقال صالح بن مسمار : لا أدري أنعمته علي فيما بسط لي أفضل ، أم نعمته فيما زوى عني ، لأنه فيما بسط لي أحياني ، وفيما زوى عني حماني ، نظر لي بما يزيد على نظري لنفسي ، وآتاني من عنده أكثر مما عندي . وقال الله عز وجل - لموسى - عليه السلام : حببني إلى عبادي . قال : وكيف أحببك ؟ قال : ذكرهم آلائي ونعمائي . وقال شداد بن حكيم لبعض الواعظين : أي شيء تقول إذا جلست على المنبر ؟ قال : أذكرهم آلاء الله ليشكروا ، وأذكرهم جفاءهم ليتوبوا ، وأخبرهم عن إبليس وأعوانه حتى يحذروا .وقال بعض الصالحين : مثل الدنيا ونعيمها كخابيةٍ فيها سمٌ وعلى رأسها عسلٌ ، فمن رغب في العسل سقي من السم ، ومثل شدة الدنيا كمثل خابيةٍ مملوءةٍ من العسل وعلى رأسها قطراتٌ من سم ، فمن صبر على أكلها بلغ إلى العسل . جاء رجلٌ إلى حاتم الزاهد بنميمةٍ ، فقال : يا هذا أبطأت عني وجئت بثلاث جنايات ؛ بغضت إلي الحبيب ، وشغلت قلبي الفارغ ، وأعلقت نفسك التهمة ، وأنت آمن . وكان خالد بن صفوان يقول : قبول قول النمام شرٌ من النميمة ، لأن النميمة دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز . وقال ابن السماك الواعظ : يدرك النمام بنميمته ما لا يدرك الساحر بسحره . وقال معمر : ما نزلت بعبدٍ نازلةٌ فكان مفزعه إلى الله إلا فرج الله عنه . وقال عمر : ما أسأل الله الرزق وقد فرغ منه ، ولكن أسئلة أن يبارك لي فيه . وقال مالك بن دينار : الجلوس مع الكلب خيرٌ من الجلوس مع رفيق سوء . وقال أبو هريرة : تهادوا عباد الله يتجدد في قلوبكم الود ، وتذهب السخيمة . وقال حاتم : صاب الضغن غير ذي دين ، والغائب غير ذي عبادة والنمام غير صدوق ، والحاسد غير منصور . وقال بعض السلف : من استقصى عيوب الناس بقي بلا أصدقاء . وقال محمد بن واسع : ينبغي للرجل أن يكون مع المرأة كما يكون أهل المجنون مع المجنون ، يحتملون منه كل أذى ومكروه . قيل لمالك بن دينار لو تزوجت ؛ قال : لو استطعت لطلقت نفسي . قال شقيق : اشتريت بطيخة لأمي ، فلما ذاقتها سخطت . فقلت : يا أمي ، على من تردين القضاء ومن تلومين ، أحارثها أم مشتريها أم خالقها ؟ فأما حارثها ومشتريها فمالهما ذنب ، فلا أراك تلومين إلا خالقها . ويقال : إن عبداً حبشياً ناوله مولاه شيئاً يأكله ، وقال : أعطني قطعةً منه فأعطاه ، فلما أكله وجده مراً ، فقال : يا غلام ، كيف أكلت هذا مع شدة مرارته . قال : يا مولاي ، قد أكلت من يدك حلواً كثيراً ، ولم أحب أن أريك من نفسي كراهةً لمرارته . وأوحى الله تعالى إلى عزير : إذا نزلت بك بليةٌ لا تشكني إلى خلقي كما لم أشكك إلى ملائكتي عند صعود مساوئك إلي ، وإذا أذنبت ذنباً فلا تنظر إلى صغره ، ولكن انظر من أهديته إليه . وقال لقمان : إن الذهب يجرب بالنار ، وإن المؤمن يجرب بالبلاء . وقال بعض السلف : عليكم بالصبر فإن الله تعالى قال : ' وبشر الصابرين ' . وقال : : ' إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حسابٍ ' . وقال : ' أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ' . وقال : اصبروا وصابروا . وقال : ' سلامٌ عليكم بما صبرتم ' . وقال الأوزاعي : المؤمن يقل الكلام ويكثر العمل . والمنافق يكثر الكلام ويقل العمل . وقال فضيل بن عياض : الخوف مادام الرجل صحيحاً أفضل ، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إياكم والخيانة ، فإنها بئست البطانة ، وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه لفح النار يوم القيامة ' . وروي من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شره الشباب . وقيل لابن المبارك : إنك لتحفظ نفسك من الغيبة . قال : لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي ، لأنهما أحق بحسناتي . وقال بعض الصالحين : لو أن رجلاً تعشى بألوان الطعام وقد أصاب من النساء فيالليل ، ورجلاً آخر رأى رؤيا على مثال ما أصاب الأول في اليقظة ، فإذا مضيا صار الحالم والآخر سواء . وقال شقيق : من أبصر ثواب الشدة لم يتمن الخروج منها . وقال شقيق لأصحابه : أيما أحب إليكم ، أن يكون لكم شيءٌ على الملىء ، أو يكون شيءٌ للملىء عليكم . فقالوا : بل نحب أن يكون لنا على الملىء . فقال : إذا كنتم ف الشدة يكون لكم على الله ؛ وإذا كنتم في النعمة يكون الله عليكم . وقال بعض السلف : شتان ما بين عملين : عملٍ تذهب لذته وتبقى تبعته ، وعملٍ تذهب مؤونته ويبقى ذخره . وقال الرقاشي في مواعظه : خذوا الذهب من الحجر ، واللؤلؤ من المزبلة . وقال يحيى بن معاذ : العلم قبل العمل ، والعقل قائد الخير ، والهوى مركب المعاصي ، والمال داء المتكبر . وقال : من تعلم علم أبي حنيفة فقد تعرض للسلطان ، ومن تعلم النحو والعربية دله بين الصبيان ، ومن علم علم الزهاد بلغ إلى العرش . . وقال بعض الصالحين : إن العلماء يسقون الناس ، فبعضهم من الغدران والحياض ، وبعضهم من العيون والقلب ، وبعضهم من البحار الواسعة . وقال حاتم : لا تنظر إلى من قال ، ولكن انظر إلى ما قال . وقال مالك بن دينار : إني لا أقدر أن أعمل بجميع ما اقول . وقال وهيب بن الورد : مثل عالم السوء كمثل الحجر يقع في الساقية فلا هو يشرب الماء ، ولا يخلي عن الماء فيذهب إلى الشجرة . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : لأنا من غير الدجال أخوف عليكم . قيل : ومن هو ؟ قال : الأئمة المضلون . وقال الثوري : نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر ، وفتنة القائد الجاهل .وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' سيكون في امتي علماء فساق ، وقراءٌ جهال ' . وقال الثوري : العلم طبيب الدين ، والمال داؤه ، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فكيف يعالج غيره . وقال عيسى بن مريم : ما ينفع الأعمى ضوء الشمس ولا يبصرها . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أشد الناس حسرةً يوم القيامة عالمٌ علم الناس ونجوا به ، وارتهن هو بسوء عمله ' . وقال أحمد بن حرب : إن منازل الدنيا لا تقطع بالكلام ، فكيف يقطع طريق الآخرة بالكلام . وقال أبو مسلم الخولاني : العلماء ثلاثة : رجلٌ عاش بعلمه وعاش به الناس ، ورجلٌ عاش بعلمه ولم يعش به الناس ، ورجلٌ عاش بعلمه الناس وهلك هو . وشاور رجلٌ محمد بن أسلم فقال : إني أريد أن أزوج بنتي ، فبمن أزوج ؟ قال : لا تزوجها عالماً مفتوناً ، ولا كاسباً كاذباً ، ولا عابداً شاكاً . قيل : نصح إبليس فقال : إياك والكبر ، فإني تكبرت فلعنت ؛ وإياك والحرص فإن أباك حرص على أكل الشجرة فأخرج من الجنة ؛ وإياك والحسد فإن أحد بني آدم قتل أخاه بالحسد . ومر حاتمٌ بقومٍ يكتبون العلم فنظر إليهم وقال : إن يكن معكم ثلاثة أشياء لن تفلحوا . قالوا : وما هي ؟ قال : هم أمس ، واغتمام اليوم ، وخوف الغد . وقال ابن عمر : كان في بني إسرائيل ثلاثةٌ خرجوا في وجهٍ ، فأخذهم المطر فدخلوا كهفاً ، فوقع حجرٌ عظيم على باب الكهف ، وبقوا في الظلمة وقالوا : لا ينجينا إلا ما عملناه في الرخاء . فقال أحدهم : إني كنت راعياً فأرحت وحلبت ، وكان لي أبوان وأولاد وامرأةٌ فسقيت أولاً الوالدين ثم الأولاد ، فجئت يوماً فوجدت أبوي قد ناما فلم أوقظهما لحرمتهما ولم أسق الأولاد ، وبقيت قائماً إلى الصبح ؛ فإن كنت يا رب قبلت هذا مني فاجعل لنافرجاً ، فتحرك الحجر ودخل عليهم الضوء . وقال الثاني : إني كنت صاحب ضياعٍ ، فجاءني رجل بعد ما متع النهار ، وكان لي أجراء يحصدون الزرع ، فاستأجرته ، فلما تم عملهم أعطيتهم أجورهم ، فلما بلغت إلى ذلك الرجل أعطيته وافياً كما أعطيت غيره ، فغضبوا وقالوا : تعطيه مثل ما أعطيتنا . فأخذت تلك الأجرة واشتريت بها عجولاً ونمي حتى كثر البقر ؛ فجاء صاحب الأجرة يطلب فقلت : هذه البقر كلها لك ، فسلمتها إليه ، فإن كنت يا رب قبلت مني هذا الوفاء ففرج عنا . فتحرك الحجر ودخل منه ضوءٌ كثير . وقال الثالث : كانت لي بنت عمٍ فراودتها ، فأبت ، حتى أعطيتها مائة دينار فلما أردت اضطربت وارتعدت . فقلت لها : ما لك ؟ فقالت : إني أخاف الله . فتركتها ورجعت عنها ، إلهي فإن كنت قبلت ذلك مني ففرج عنا . فتحرك الحجر وسقط عن باب الكهف وخرجوا منه يمشون . وقال حاتم : لو أدخلت السوق شياهٌ كثيرةٌ لما اشترى أحدٌ المهزول ، بل يقصد السمين للذبح . وقال يحيى بن معاذ : في القلب عيونٌ يهيج منها الخير والشر . وقال بعض الصالحين في دعائه : اللهم إن أحدنا لا يشاء حتى تشاء ، فاجعل مشيئتك لي أن تشاء ما يقربني إليك ؛ اللهم إنك قدرت حركات العبد ، فلا يتحرك شيءٌ إلابإذنك ، فاجعل حركاتي في هواك . وقال قاسم بن محمد : لأن يعيش الرجل جاهلاً خيرٌ له من أن يقول ما لا يعلم . وقال الشعبي : لم يكن مجلسٌ أحب إلي من هذا المجلس ، ولأن أبعد اليوم عن بساطه أحب إلي من أن أحبس فيه . وقال حاتم : إذا رأيت من أخيك عيباً فإن كتمته عليه فقد خنته ، وإن قلته لغيره فقد اغتبته ، وإن واجهته به فقد أوحشته ؛ قيل له : كيف أصنع ؟ قال : تكني عنه ، وتعرض به ،وتجعله في جملة الحديث . وقال : إذا رأيت من أخيك زلةً فاطلب لها سبعين وجهاً من العلل ، فإن لم تجد فلم نفسك . وقال إبراهيم بن جنيد : اتخذ مرآتين ، وانظر في إحداهما عيب نفسك ، وفي الأخرى محاسن الناس . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا دار خراب ، وأخرب منها قلب من يعمرها ، والآخرة دار عمران ، وأعمر منها قلب من يعمرها . وقال ابن السماك : الدنيا كالعروس المجلوة تشوفت لخطابها وفتنت بغرورها ، فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ؛ والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها قاتلة . وقال بعض العارفين : الدنيا أربعة أشياء : الفرح والراحة والحلاوة واللذة ؛ فالفرح بالقلب . والراحة بالبدن ، واللذة بالحلق ، والحلاوة بالعين . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا خمر الشيطان ، فمن سكر منها لم يفق إلا في مسكن النادمين . وقال بعض السلف : الزهد خلع الراحة ، وبذل الجهد ، وقطع الأمل . وقال الأنطاكي أحمد بن عاصم : الزهد هو الثقة بالله ، والتبرء من الخلق ، والإخلاص في العمل ، واحتمال الذل . وقال داود - عليه السلام - في دعائه : يا رازق النعاب في عشه . وقال بعض السلف : لو كنت على ذنب الريح لم تفر من رزقك . وقال آخر : الإنسان بين رزقه وأجله ، إلا أنه مخدوعٌ بأمله . وقال عيسى بن مريم عليه السلام : خلقك ربك في أربع مراتب ، فكنت آمناً ساكناً في ثلاث ، وقلقلت في الرابعة ، أولاها في بطن أمك في ظلماتٍ ثلاث ، والثانية حين أخرجك منه وأخرج لك لبناً من بين فرثٍ ودمٍ . والثالثة إذا فطمت أطعمك المري الشهي ، حتى إذااشتدت عظامك وبلغت تمامك صرت خائناً وأخذت في السرقة والحيلة . وقال أنس : رأيت طائراً أكمه فتح فاه فجاءت جرادة فدخلت فمه . وقال عيسى - عليه السلام - يابن آدم اعتبر رزقك بطير السماء ، لا يزرعن ولا يحصدن وإله السماء يرزقهن . فإن قلت : لها أجنحةٌ فاعتبر بحمر الوحش وبقر الوحش ما أسمنها وما أبشمها وأبدنها وقال ابن السماك لو قال العبد : يا رب لا ترزقني لقال الله : بل أرزقك على رغم أنفك ، ليس لك خالقٌ غيري ، ولا رازقٌ سواي ، إن لم أرزقك فمن يرزقك ؟ وقيل لراهب : من أين تأكل ؟ فقال : إن خالق الرحى يأتي بالطحين . وقال حاتم : الحمار يعرف طريق المعلف ، والمنافق لا يعرف طريق السماء . وقال إبراهيم بن أدهم : سألت راهباً من أين تأكل ؟ قال : ليس هذا العلم عندي ، ولكن سل ربي من أين يطعمني . وقال حاتم : مثل المتوكل مثل رجلٍ أسند ظهره إلى جبل . وقال بعض الأبرار : حسبك من التوكل ألا تطلب لنفسك ناصراً غيره ، ولا لرزقك خازناً غيره ، ولا لعملك شاهدأً غيره . وقال عبد الحميد بن عبد العزيز : كان لأبي صديقٌ وراق ، فقال له أبي يوماً : كيف أصبحت ؟ قال : بخير ما دامت يدي معي ، فأصبح الوراق وقد شلت يده . قال أبو العالية : لا تتكل على غير الله فيكلك الله إليه ، ولا تعمل لغير الله فيجعل ثواب عملك عليه . وقال رجلٌ لأبي ذرٍ : أنت أبو ذرٍ ؟ قال : نعم . قال : لولا أنك رجل سوء ما أخرجت من المدينة . فقال أبو ذر : بين يدي عقبةٌ كؤودٌ إن نجوت منها لا يضرني ما قلت ، وإن أقع فيها فأنا شرٌ مما تقول . وقيل لفضيل : إن فلاناً يقع فيك . فقال : لأغيظن منأمره بذلك اللهم اغفر له . وقال رجل لأبي هريرة : أنت أبو هريرة ؟ قال : نعم . قال : سارق الذريرة ؟ قال : اللهم إن كان كاذباً فاغفر له ، وإن كان صادقاً فاغفر لي ؛ هكذا أمرين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال رجل لابن مكدم : يا كافر . قال : وجب علي الشكر ، حيث لم يجر ذلك على لساني ، ولم تجب علي إقامة الحجة فيه ، وقد طويت قلبي على جملة أشياء : قال : وما هن ؟ قال : إن قلت ألف مرة لا أجيبك مرة ، ولا أحقد عليك ، ولا أشكوك إلى أحد ، وإن نجوت من الله عز وجل بعد هذه الكلمة شفعت لك . فتاب الرجل . كان للحسن جارٌ نصراني ، وكان له كنيف على السطح ، وقد نقب ذلك في بيته ، وكان يتحلب منه البول في بيت الحسن ، وكان الحسن أمر بإناء فوضع تحته ، فكان يخرج ما يجتمع منه ليلاً ، ومضى على ذلك عشرون سنةً ، فمرض الحسن ذات يومٍ فعاده النصراني ، فرأى ذلك ، فقال : يا أبا سعيد : مذ كم تحملون مني هذا الأذى ؟ فقال : منذ عشرين سنةً . فقطع النصراني زناره وأسلم . وجاءت جاريةٌ لمنصور بن مهران بمرقةٍ فهراقتها عليه ، فلما أحس بحرها نظر إليها ، فقالت : يا معلم الخير اذكر قول الله . قال : وما هو ؟ قالت : ' والكاظمين الغيظ ' . قال : كظمت . قالت : واذكر ' والعافين عن الناس ' . قال : قد عفوت . قالت واذكر ' والله يحب المحسنين ' . قال : اذهبي فأنت حرة . قال الحسن : ما جزعةٌ أحب إلي من جزعة مصيبةٍ ردها صاحبها بصبرٍ ، وجزعة غضبٍ ردها صاحبها بحلم . وكان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول : ما أشبهك بسيدك وقال أبو ذر : كيف يكون حليماً من يغضب على حماره وسخله وهره .ومات ابنٌ للرشيد فجزع جزعاً شديداً ، فوعظه العلماء فلم يتعظ ؛ فدخل مخنث وقال : أتأذي لي في الكلام ؟ قال : تكلم . فكشف عن رأسه وقام بين يديه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل ، وقد تشبهت بالنساء كما ترى ، فأي شيء كنت تصنع لو كان ابنك في الأحياء وكان على صورتي ، فاتعظ به وأخرج النواحات من الدار . قال وهب : مكتوبٌ في الكتب القديمة : إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا عبادي . وقال جعفر بن محمد حسن الجوار عمارة الديار ومثراة المال . ولما قرأ هذا الجزء - حرسه الله - ارتاح وقال : أين نحن من هذه الطريقة ، إلى الله المشتكى .
الليلة الخامسة والعشرون
وقال - أدام الله دولته - ليلةً : أحب أن أسمع كلاماً في مراتب النظم والنثر ، وإلى أي حدٍ ينتهيان ، وعلى أي شكل يتفقان ، وأيهما أجمع للفائدة ، وأرجع بالعائدة ، وأدخل في الصناعة ، وأولى بالبراعة ؟ ؟ فكان الجواب : إن الكلام على الكلام صعب . قال : ولم ؟ قلت : لأن الكلام على الأمور المعتمد فيها على صور وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحس ممكن ، وفضاء هذا متسع ، والمجال فيه مختلف . فأما الكلام على الكلام فإنه يدور على نفسه ، ويلتبس بعضه ببعضه ؛ ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق ، وكذلك النثر والشعر وعلى ذلك . وقد قال الناس في هذين الفنين ضروباً من القول لم يبعدوا فيها من الوصف الحسن ، والإنصاف المحمود ، والتنافس المقبول ، إلا ما خالطه من التعصب والمحك ، لأن صاحب هذين الخلقين لا يخلو من بعض المكابرة والمغالطة وبقدر ذلك يصيرله مدخلٌ فيما يراد تحقيقه من بيان الحجة أو قصورها عما يرام من البلوغ بها ، وهذه آفةٌ معترضةٌ في أمور الدين والدنيا ، ولا مطمع في زوالها ، لأنها ناشئةٌ من الطبائع المختلفة ، والعادات السيئة ، لكني مع هذه الشوكة الحادة ، والخطة الكادة ؛ أقول ما وعيته عن أرباب هذا الشأن ، والمنتمين لهذا الفن ، وإن عن شيءٌ يكون شكلاً لذلك وصلته به تكميلاً للشرح ، واستيعاباً للباب ، وصمداً للغاية ، وأخذاً بالحياطة ، وأخذاً بالحياطة ، وإن كان المنتهى منه غير مطموع فيه ، ولا موصولٍ إليه ؛ والله المعين . قال شيخنا أبو سليمان : الكلام ينبعث في أول مبادئه إما من عفو البديهة ، وإما من كد الروية ، وإما أن يكون مركباً منهما ، وفيه قواهما بالأكثر والأقل ؛ ففضيلة عفو البديهة أنه يكون أصفى ، وفضيلة كد الروية أنه يكون أشفى ، وفضيلة المركب منهما أنه يكون أوفى ؛ وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقل ؛ وعيب كد الروية أن تكون صورة الحس فيه أقل ، وعيب المركب منهما بقدر قسطه منهما : الأغلب والأضعف ؛ على أنه إن خلص هذا المركب من شوائب التكلف ، وشوائن التعسف ، كان بليغاً مقبولاً رائعاً حلواً ، تحتضنه الصدور ، وتختلسه الآذان ، وتنتهبه المجالس ، ويتنافس فيه المنافس بعد المنافس ، والتفاضل الواقع بين البلغاء في النظم والنثر ، إنما هو في هذا المركب الذي يسمى تأليفاً ورصفاً ؛ وقد يجوز أن تكون صورة العقل في البديهة أوضح ، وأن تكون صورة الحس في الروية الوح إلا أن ذلك من غرائب آثار النفس ونوادر أفعال الطبيعة ، والمدار على العمود الذي سلف نعته ، ورسا أصله . وسمعت أبا عابدٍ الكرخي صالح بن علي يقول : النثر أصل الكلام ، والنظم فرعه ؛والأصل أشرف من الفرع ، والفرع أنقص من الأصل ؛ لكن لكل واحد منهما زائناتٌ وشائنات ، فأما زائنات النثر فهي ظاهرةٌ ، لأن جميع الناس في أول كلامهم يقصدون النثر ، وإنما يتعرضون للنظم في الثاني بداعيةٍ عارضة ، وسببٍ باعث ، وأمرٍ معين . قال : ومن شرفه أيضاً أن الكتب القديمة والحديثة النازلة من السماء على ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع اختلاف اللغات كلها منثورةٌ مبسوطة ، متباينة الأوزان ، متباعدة الأبنية ، مختلفة التصاريف ، لا تناقد للوزن ، ولا تدخل في الأعاريض ؛ هذا أمرٌ لا يجوز أن يقابله ما يدحضه ، أو يعترض عليه بما يحرضه . قال : ومن شرفه أيضاً أن الوحدة فيه أظهر ، وأثرها فيه أشهر ، والتكلف منه أبعد ، وهو إلى الصفاء أقرب ، ولا توجد الوحدة غالبةً على شيء إلا كان ذلك دليلاً على حسن ذلك الشيء وبقائه ، وبهائه ونقائه . قال : ومن فضيلة النثر أيضاً كما أنه إلهي بالوحدة ، كذلك هو طبيعيٌ بالبدأة ، والبدأة في الطبيعيات وحدة ، كما أن الوحدة في الإلهيات بدأة ، وهذا كلامٌ خطير . قال : ألا ترى أن الإنسان لا ينطق في أول حاله من لدن طفوليته إلى زمانٍ مديدٍ إلا بالمنثور المتبدد ، والميسور المتردد ؛ ولا يلهم إلا ذاك ، ولا يناغى إلا بذاك ؛ ولبس كذلك المنظوم ، لأنه صناعي ؛ ألا ترى أنه داخلٌ في حصار العروض وأسر الوزن وقيد التأليف ، مع توقي الكسر ، واحتمال أصناف الزحاف ، لأنه لما هبطت درجته عن تلك الربوة العالية ، دخلته الآفة من كل ناحية . قال : فإن قيل : إن النظم قد سبق العروض بالذوق ، والذوق طباعي ؛ قيل في الجواب : الذوق وإن كان طباعياً فإنه مخدوم الفكر ، والفكر مفتاح الصنائع البشرية ، كما أن الإلهام مستخدم للفكر ، والإلهام مفتاح الأمور الإلهية . قال : ومن شرف النثر أيضاً أنه مبرأٌ من التكلف ، منزهٌ عن الضرورة ، غنيٌ عنالاعتذار والافتقار ، والتقديم والتأخير ، والحذف والتكرير ، وما هو أكثر من هذا مما هو مدون في كتب القوافي والعروض لأربابها الذين استنفدوا غايتهم فيها . وقال عيسى الوزير : النثر من قبل العقل ، والنظم من قبل الحس ، ولدخول النظم في ظي الحس دخلت إليه الآفة ، وغلبت عليه الضرورة ، واحتيج إلى الإغضاء عما لا يجوز مثله في الأصل الذي هو النثر . وقال ابن طرارة - وكان من فصحاء أهل العصر بالعراق - : النثر كالحرة ، والنظم كالأمة ، والأمة قد تكون أحسن وجهاً ، وأدمث شمائل ، وأحلى حركات ؛ إلا أنها لا توصف بكرم جوهر الحرة ولا بشرف عرقها وعتق نفسها وفضل حيائها . وقال : ولشرف النثر قال الله تعالى في التنزيل : ' إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً ' ولم يقل : لؤلؤاً منظوماً ؛ ونجوم السماء منتثرة وإن كان انتثارها على نظام ، إلا أن نظامها في حد العقل ، وانتثارها في حد الحس ، لأن الحكمة إذا غطيت نفسها كانت الغلبة للصورة القائمة بالقدرة . وقال أحمد بن محمد كاتب ركن الدولة : الكلام المنثور أشبه بالوشي ، والمنظوم أشبه بالنير المخطط ، والوشي يروق ما لا يروق غيره . ويقال : كنا في نثار فلان ، ولا يقال : كنا في نظام فلان . وقال ابن هندو الكاتب : إذا نظر في النظم والنثر على استيعاب أحوالهما وشرائطهما ، والاطلاع على هواديهما وتواليهما كان أن المنظوم فيه نثرٌ من وجه ، والمنثور فيه نظمٌ من وجه ، ولولا أنهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ولا اختلفا . وقال ابن كعب الأنصاري : من شرف النثر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم ينطق إلا به آمراً وناهياً ، ومستخبراً ومخبراً ، وهادياً وواعظاً ، وغاضباً وراضياً ، وما سلب النظم إلا لهبوطه عن درجة النثر ، ولا نزه عنه إلا لما فيه من النقص ، ولو تساويا لنطقبهما ، ولما اختلفا خص بأشرفهما الذي هو أجول في جميع المواضع ، وأجلب لكل ما يطلب من المنافع . فهذا قليل من كثير مما يكون تبصرةً لباغي هذا الشأن ، ولمن يتوخى حديثه عند كل إنسان . وأما ما يفضل به النظم على النثر فأشياء سمعناها من هؤلاء العلماء الذين كانت سماء علمهم دروراً ، وبحر أدبهم متلاطماً ، وروض فضلهم مزدهراً ، وشمس حكمتهم طالعة ، ونار بلاغتهم مشتعلة ، وأنا آتي على ما يحضرني من ذلك ، منسوباً إليهم ، ومحسوباً لهم ، ليكون حقهم به مقضياً ، وذكرهم على مر الزمان طرياً . قال السلامي : من فضائل النظم أن صار لنا صناعةً برأسها ، وتكلم الناس في قوافيها ، وتوسعوا في تصاريفها وأعاريضها ، وتصرفوا بحورها ، واطلعوا على عجائب ما استخزن فيها من آثار الطبيعة الشريفة ، وشواهد القدرة الصادقة ؛ وما هكذا النثر ، فإنه قصر عن هذه الذروة الشامخة ، والقلة العالية ؛ فصار بذلك بذلةً لكافة الناطقين من الخاصة والعامة والنساء والصبيان . وقال أيضاً : من فضائل النظم أنه لا يغني ولا يحدي إلا بجيده ولا يؤهل للحن الطنطنة ، ولا يحلى بالإيقاع الصحيح غيره ، لأن الطنطنات والنقرات ، والحركات والسكنات لا تتناسب إلا بعد اشتمال الوزن والنظم عليها ، ولو كان فعل هذا بالنثر كان منقوصاً ، كما لو لم يفعل هذا بالنظم لكان محسوساً ؛ والغناء معروف الشرف ، عجيب الأثر ، عزيز القدر ، ظاهر النفع في معاينة الروح ، ومناغاة العقل ، وتنبيه النفس ، واجتلاب الطرب وتفريج الكرب ؛ وإثارة الهزة ، وإعادة العزة ، وإذكار العهد ، وإظهار النجدة ، واكتساب السلوة ؛ وما لا يحصى عدده . ويقال : ما أحسن هذه الرسالة لو كان فيها بيتٌ من الشعر ، ولا يقال : ما أحسن هذا الشعر لو كان فيه شيءٌ من النثر ، لأن صورة المنظوم محفوظة ، وصورة المنثور ضائعة . وقال ابن نباتة : من فضل النظم أن الشواهد لا توجد إلا فيه ، والحجج لا تؤخذ إلامنه ، أعني ان العلماء والحكماء والفقهاء والنحويين واللغويين يقولون : قال الشاعر ؛ وهذا كثيرٌ في الشعر ، والشعر قد أتى به ، فعلى هذا الشاعر هو صاحب الحجة ، والشعر هو الحجة . وقال الخالع : للشعراء حلبة ، وليس للبلغاء حلبة ، وإذا تتبعت جوائز الشعراء التي وصلت إليهم من الخلفاء وولاة العهود والأمراء والولاة في مقاماتهم المؤرخة ، ومجالسهم الفاخرة ، وأنديتهم المشهورة ، وجدتها خارجةً عن الحصر ، بعيدةً من الإحصاء ؛ وإذا تتبعت هذه الحال لأصحاب النثر لم نجد شيئاً من ذلك ؛ والناس يقولون : ما أكمل هذا البليغ لو قرض الشعر ولا يقولون : ما أشعر هذا الشاعر لو قدر على النثر وهذا لغنى الناظم عن الناثر ، وفقر الناثر إلى الناظم ؛ وقد قدم الناس أبا علي البصير على أبي العيناء ، لأن أبا علي جمع بين الفضيلتين ، وضرب بالسيفين في الحومتين ، وفاز بالقدحين المعليين في المكانين . وقال لنا الأنصاري : سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول : لو تصفحنا ما صار إلى أصحاب النثر من كتاب البلاغة ، والخطباء الذين ذبوا عن الدولة ، وتكلموا في صنوف أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به ؛ مما فتق به الرتق ، ورتق به الفتق ، وأصلح به الفاسد ، ولم به الشعث ، وقرب به البعيد ، وبعد به القريب ، وحقق به الحق ، وأبطل به الباطل ، لكان يوفى على كل ما صار إلى جميع من قال الشعر ولاك القصيد ، ولهج بالقريض ، واستماح بالمرحمة ؛ ووقف موقف المظلوم ، وانصرف انصراف المحروم ؛ وأين من يفتخر بالقريض ، ويدل بالنظم ، ويباهي بالبديهة ، من وزير الخليفة ، ومن صاحب السر ، وممن ليس بين لسانه ولسان صاحبه واسطة ، ولا بين أذنه وأذنه حجاب ؟ ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء كالحاجة إلى الوزراء ؟ ومتى قام وزير لشاعر للخدمة أو للتكرمة ؟ ومتى قعد شاعرٌ لوزير على رجاء وتأميل ؟ بل لا ترى شاعراً إلا قائماً بين يدي خليفةٍ أووزيرٍ أو أميرٍ باسط اليد ، ممدود الكف ، يستعطف طالباً ، ويسترحم سائلاً ؛ هذا مع الذلة والهوان ، والخوف من الخيبة والحرمان ، وخطر الرد عليه في لفظٍ يمر ، وإعرابٍ يجري ، واستعارةٍ تعرض ، وكنايةٍ تعترض ، ثم يكون مقلياً مشيناً بما يظن به من الهجاء الذي ربما دلاه في حومة الموت ، وقد برأ الله تعالى بإحسانه القديم ومنه الجسيم صاحب البلاغة من هذا كله ، وكفاه مؤونة الغدر به ، والضرر فيه . قال : وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه الأكناف لا يلحق شأوه ، ولا يشق غباره ، ولا يطمع في جوابه . قال : وله مناظراتٌ واسعةٌ في هذا الباب مع جماعةٍ من أهل زمانه ناقضوه وعارضوه ، وكاشفوه وواجهوه ؛ فثبت لهم ، وانتصف منهم ، وأربى عليهم ، ولم يقلع عن مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن نكصوا على أعقابهم ، وراجعوا ما هو أولى بهم . قال أبو سليمان : المعاني المعقولة بسيطةٌ في بحبوحة النفس ؛ لا يحوم عليها شيءٌ قبل الفكر ، فإذا لقيها الفكر بالذهن الوثيق والفهم الدقيق القى ذلك إلى العبارة ، والعبارة حينئذ تتركب بين وزنٍ هو النظم للشعر ، وبين وزن هو سياقه الحديث ؛ وكل هذا راجعٌ إلى نسبةٍ صحيحة أو فاسدة ، وصورةٍ حسناء أو قبيحة ، وتأليفٍ مقبولٍ أو ممجوج ، وذوقٍ حلوٍ أو مر وطريقٍ سهلٍ أو وعر ، واقتضابٍ مفضلٍ أو مردود ، واحتجاجٍ قاطعٍ أو مقطوع ، وبرهانٍ مسفرٍ أو مظلم ، ومتناولٍ بعيدٍ أو قريب ، ومسموعٍ مألوفٍ أو غريب . قال : فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته التي لا تنكر ، وللنظم شرفه الذي لا يجحد ولا يستر ، لأن مناقب النثر في مقابلة مناقب النظم ، ومثالب النظم في مقابلة مثالب النثر ؛ والذي لابد منه فيهما السلامة والدقة ، وتجنب العويص ، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص .وقد قال بعض العرب : خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام . ووقف أعرابيٌ على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه ، فحار وعجب ، وأطرق ووسوس ، فقال له الأخفش : ما تسمع يا أخا العرب ؟ قال : أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا . وقال أعرابيٌ آخر : مازال أخذهم في النحو يعجمني . . . حتى سمعت كلام الزنج والروم وقال أبو سليمان : نحو العرب فطرة ، ونحونا فطنة ؛ فلو كان إلى الكمال سبيلٌ لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا ، أو كانت فطنتنا لهم مع فطرتهم . وقال : لما تميزت الأشياء في الأصول ، تلاقت ببعض التشابه في الفروع ، ولما تباينت الأشياء بالطبائع ، تألفت بالمشاكلة في الصنائع ، فصارت من حيث افترقت مجتمعة ، ومن حيث اجتمعت مفترقة ، لتكون قدرة الله - عز وجل - آتيةً على كل شيء ، وحكمته موجودةً في كل شيء ، ومشيئته نافذةً في كل شيء . وقد أنشد بعض الأعراب ما يقتضي هذا المكان رسمه فيه ، لأنه موافق لما نحن فيه في ذكره ووصفه . قال : ماذا لقيت من المستعربين ومن . . . تأسيس نحوهم هذا الذي ابتدعوا إن قلت قافيةً فيه يكون لها . . . معنىً يخالف ما قاسوا وما وضعوا قالوا لحنت وهذا الحرف منخفضٌ . . . وذاك نصبٌ وهذا ليس يرتفع وحرشوا بين عبد الله واجتهدوا . . . وبين زيدٍ وطال الضرب والوجع إني نشأت بأرضٍ لا تشب بها . . . نار المجوس ولا تبنى بها البيع ولا يطا القرد والخنزير ساحتها . . . لكن بها الهيق والسيدان والصدعما كل قولي معروفٌ لكم فخذوا . . . ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا كم بين قومٍ قد احتالوا لمنطقهم . . . وآخرين على إعرابهم طبعوا وبين قوم رأوا شيئاً معاينةً . . . وبين قومٍ رووا بعض الذي سمعوا فهذا هذا . وقال أبو سليمان : البلاغة ضروب : فمنها بلاغة الشعر ومنها بلاغة الخطابة ومنه بلاغة النثر ، ومنها بلاغة المثل ، ومنها بلاغة العقل ، ومنها بلاغة البديهة ، ومنها بلاغة التأويل . قال : فأما بلاغة الشعر فأن يكون نحوه مقبولاً ، والمعنى من كل ناحية مكشوفاً ، واللفظ من الغريب بريئاً ، والكناية لطيفة ، والتصريح احتجاجاً ، والمؤاخاة موجودة ، والمواءمة ظاهرة . وأما بلاغة الخطابة فأن يكون اللفظ قريباً ، والإشارة فيها غالبة ، والسجع عليها مستولياً ، والوهم في أضعافها سابحاً ، وتكون فقرها قصاراً ، ويكون ركابها شوارد إبل . وأما بلاغة النثر فأن يكون اللفظ متناولاً ، والمعنى مشهوراً ، والتهذيب مستعملاً ، والتأليف سهلاً ، والمراد سليماً ، والرونق عالياً ، والحواشي رقيقة ، والصفائح مصقولة ، والأمثلة خفيفة المأخذ ، والهوادي متصلة ، والأعجاز مفصلة . وأما بلاغة المثل فأن يكون اللفظ مقتضباً ، والحذف محتملاً ، والصورة محفوظة ،والمرمى لطيفاً ، والتلويح كافياً ، والإشارة مغنية ، والعبارة سائرة . وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النفس من مسموعه إلى الأذن ، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترصيع اللفظ ، وتقفية الحروف ، وتكون البساطة فيه أغلب من التركيب ، ويكون المقصود ملحوظاً في عرض السنن ، والمرمي يتلقى بالوهم لحسن الترتيب . وأما بلاغة البديهة فأن يكون انحياش اللفظ للفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى ، وهناك يقع التعجب للسامع ، لأنه يهجم بفهمه على ما لا يظن أنه يظفر به كمن يعثر بمأموله ، على غفلةٍ من تأميله ، والبديهة قدرةٌ روحانية ، في جبلةٍ بشرية ، كما أن الروية صورةٌ بشرية ، في جبلةٍ روحانية . وأما بلاغة التأويل فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح ، وهذان يفيدان من المسموع وجوهاً مختلفة كثيرةً نافعةً ، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدين والدنيا ، وهي التي تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله عز وجل وكلام رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) في الحرام والحلال ، والحظر والإباحة ، والأمر والنهي ، وغير ذلك مما يكثر ؛ وبها تفاضلوا ، وعليها تجادلوا ، وفيها تنافسوا ، ومنها استملوا ، وبها اشتغلوا ؛ ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح كله ، وبطل الاستنباط أوله وآخره ، وجولان النفس واعتصار الفكر إنما يكونان بهذا النمط في أعماق هذا الفن ؛ وها هنا تنثال الفوائد ، وتكثر العجائب ، وتتلاقح الخواطر ، وتتلاحق الهمم ، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدمة بالصفات الممثلة ، حتى تكون معينةً ورافدةً في إثارة المعنى المدفون ، وإنارة المراد المخزون .وأمثلة هذه الأبواب موجودةٌ في الكتب ، ولولا ذلك لرسمت في هذا المكان لكل فن مثالاً وشكلت شكلاً ، ولو فعلت ذلك لكنت مكرراً لما قد سبق إليه ، ومتكلفاً ما قد لقن من قبل على أن الزهد في هذا الشأن قد وضع عنا وعن غيرنا مؤونة الخوض فيه ، والتعني به ، والتوفر عليه ، وتقديمه على ما هو أهم منه ، أعني طلب القوت الذي ليس إليه سبيل إلا ببيع الدين ، وإخلاق المروءة ، وإراقة ماء الوجه ، وكد البدن ، وتجرع الأسى ، ومقاساة الحرقة ، ومض الحرمان ، والصبر على ألوانٍ وألوان ؛ والله المستعان . وقد كان هذا الباب يتنافس فيه أوان كان للخلافة بهجة ، وللنيابة عنها بهاء ، وللديانة معتقد ، وللمروءة عاشق ، وللخير منتهز ، وللصدق مؤثر ، وللأدب شراة ، وللبيان سوق ، وللصواب طالب ، وفي العلم راغب ؛ فأما اليوم واليد عنه مقبوضة ، والذيل دونه مشمر ، والمتحلي بجماله مطرود ، والمباهي بشرفه مبعد ، فما يصنع به ، ولله أمرٌ هو بالغه . وقال ابن دأب : قال لي ابن موسى : اجتمعنا عند عبد الملك بن مروان فقال : أي الآداب أغلب على الناس ؟ فقلنا فأكثرنا في كل نوع ؛ فقال عبد الملك : ما الناس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاورون القول ، ويتعاطون البيان ، ويتهادون الحكم ، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها ؛ ويجمعون ما تفرق منها ؛ إن الكلام فارقٌ للحكم بين الخصوم ، وضياءٌ يجلو ظلم الأغاليط ، وحاجة الناس إليه كحاجتهم إلى مواد الأغذية .وقد قال زهير : لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده . . . فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فقلنا : لم يقله زهير ، إنما قاله زيادٌ الأعجم ؛ فقال : لا ، قاله من هو أعظم تجربةً وأنطق لساناً منه . وقال أبو العيناء : سمعت العباس بن الحسن العلوي يصف كلام رجل فقال : كلامه سمحٌ سهل ، كأن بينه وبين القلوب نسب ، وبينه وبين الحياة سبب ؛ كأنما هو تحفة قادم ، ودواء مريض ، وواسطة قلادة . ورأيت أبا إسحاق الصابي وهو يعجب من فصلٍ قرأه من كتاب ورد عليه ، وهو : أشعر قلبك يأس مجاوز السبيل ، مقصرٍ عن الشوط . وقال ابن ذكوان : سمعت إبراهيم بن العباس الصولي يقول : ما سمعت كلاماً محدثاً أجزل في رقة ، ولا أصعب في سهولة ، ولا أبلغ في إيجاز ، من قول العباس بن الأحنف : تعالي نجدد دارس العهد بيننا . . . كلانا على طول الجفاء ملوم أناسيةٌ ما كان بيني وبينها . . . وقاطعةٌ حبل الصفاء ظلوم وفي الجملة ، أحسن الكلام ما رق لفظه ، ولطف معناه ، وتلألأ رونقه ، وقامت صورته بين نظمٍ كأنه نثر ، ونثرٍ كأنه نظم ، يطمع مشهوده بالسمع ، ويمتنع مقصوده على الطبع ؛ حتى إذا رامه مريغٌ حلق ، وإذا حلق أسف ، أعني يبعد على المحاول بعنف ، ويقرب من المتناول بلطف .وما رأيت أحداً تناهى في وصف النثر بجميع ما فيه وعليه غير قدامة ابن جعفر في المنزلة الثالثة من كتابه ؛ قال لنا علي بن عيسى الوزير : عرض على قدامة كتابه سنة عشرين وثلثمائة ؛ واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن ، وتفرد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى ، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب . ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض ؛ ولكني وجدته هجين اللفظ ، ركيك البلاغة في وصف البلاغة ، حتى كأن ما يصفه ليس ما يعرفه ، وكأن ما يدل به غير ما يدل عليه . والعرب تقول : فلان يدل ولا يدل ، حكاه ابن الأعرابي ، وهذا لا يكون إلا من غزارة العلم ، وحسن التصور ، وتوارد المعنى ، ونقد الطبع ، وتصرف القريحة . قال : ولولا أن الأمر على ما ذكرت لكان ذلك الطريق الذي سلكه ، والفن الذي ملكه ، والكنز الذي هجم عليه ، والنمط الذي ظفر به ؛ قد برز في أحسن معرض ، وتحلى بألطف كلام ، وماس في أطول ذيل ، وسفر عن أحسن وجه ، وطلع من أقرب نفق ، وحلق في أبعد أفق . وابن المراغي يقول كثيراً - وهو شيخٌ من جلة العلماء ، وله سهمٌ وافٍ في زمرة البلغاء - : ما أحسن معونة الكلمات القصار ، المشتملة على الحكم الكبار ، لمن كانت بلاغته في صناعته بالقلم واللسان ، فإنها توافيه عند الحاجة ، وتستصحب أخواتها على سهولة ؛ وهكذا مصاريع أبيات الشعر ؛ فإنها تختلط بالنثر متقطعةً وموزونة ، ومنتثرةً ومنضودة . قال لي ابن عبيدٍ الكاتب : بلغني هذا الوصف عن هذا الشيخ ؛ فبلوته بالتتبع فوجدته على ما قال ؛ وما أشبه ما ذكره إلا بالصرة المعدة عند الإنسان ، لما يحتاج إليه في الوقت المهم والأمر الملم ؛ فهذا هذا .فقال - أدام الله دولته ، وكبت أعداءه - : قدم هذا الباب فقد أتى على ما لم أظن أنه يؤتى عليه ويهتدى إليه - إذا شئت ؛ وانصرفت .
الليلة السادسة والعشرون
ثم قال : وما أمثلة الكلمات القصار التي أومأ إليها ذلك الشيخ ؟ فكان من الجواب : إن هذا الباب واسع ، نحو قول القائل : ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار . كل عزيزٍ دخل تحت القدرة فهو ذليل . غنم من أدبته الحكمة ، وأحكمته التجربة . التضاغن رائد التباين . المرء ما عاش في تجريب . الدهر يومٌ ويوم . . . والعيش عذلٌ ولوم وأكثر أسباب النجاح مع الياس من لم يقدمه حزم أخره عجز . كم مستدرجٍ بالإحسان إليه ، ومغترٍ باليسر عليه . الحرب متلفة العباد مذهبةٌ للطارف والتلاد . ليس المقل عن الزمان براضي من ضاق صدره اتسع لسانه . وحسبك داءً أن تصح وتسلما العيال سوس المال . الموت الفادح خيرٌ من الزي الفاضح . احذروا نفاد النعم ، فما كل شاردٍ مردود . خير الأمور أوساطها . يكفيك من شرٍ سماعه . الكريم لا يلين على قسر ، ولا يقتسر على يسر . ما أدرك النمام ثأراً ، ولا محا عاراً .
=====================

=========================
مج 4. من كتاب : الإمتاع والمؤانسةأبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر إن المطامع فقر والغنى الياس والأمر تحقره وقد ينمى رب كبيرٍ هاجه صغير ذهب القضاء بحيلة الأقوام وقد يستجهل الرجل الحليم وإذا مضى شيءٌ كأن لم يفعل من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالهيبة . البطنة تذهب الفطنة ، إن المقدرة تذهب الحفيظة . من ثقل على صديقه خف على عدوه . زيادة لسان على عقلٍ خدعة ، وزيادة عقلٍ على منطق هجنة . وحاجة من عاش لا تنقضي من أطاع هواه ، أعطى عدوه مناه . عند الشدائد تذهب الأحقاد احذر صرعات البغي وفلتات المزاح . ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه المرء يعجز لا المحالة ذل الطالب بقدر حاجته ، إذا ازدحم الجواب خفي الصواب . الكريم للكريم مجل . موتٌ في قوةٍ وعزٍ خيرٌ من حياةٍ في ذلٍ وعجز . عدل السلطان خيرٌ من خصب الزمان . من توقى سلم ، ومن تهور ندم ، من أسرع إلى الناس بما يكرهون ، قالوا فيه ما لا يعلمون . الضر خيرٌ من الفاقة ، عيٌ صامت خيرٌ من عيٍ ناطق . ربما سود المال غير السيد ، وقوي غير الأيد . وهل يدفع ريب المنية الحيل .الموت حتمٌ في رقاب العباد كفى بالإقرار بالذنب عذراً ، وبرجاء العفو شافعاً . قليلٌ يوعى ، خيرٌ من كثير ينسى ، ليس على طول الخدم ندم ، ومن وراء المرء ما لم يعلم . مروءتان ظاهرتان : الرآسة والفصاحة . من أطال الأمل أساء العمل . لا تكلف ما كفيت ، ولا تضيع ما وليت . احتمل من أدل عليك ، وأقبل ممن اعتذر إليك . إن الشجاعة مقرونٌ بها العطب إن الكرام على ما نابهم صبر لو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف . لا عذر في غدر . ليس من العدل سرعة العذل . أقبح عمل المقتدرين الانتقام . شرٌ من الموت ، ما يتمنى له الموت . من جاع جشع . المكيدة في الحرب أبلغ من النجدة . لك من دنياك ، ما أصلح مثواك . من أحب أن يطاع ، لا يسأل ما لا يستطاع ، إذا غلبتك نفسك بما تظن ، فاغلبها بما تستيقن . الرد الجميل أحسن من المطل الطويل . القبر خيرٌ من الفقر . شفيع المذنب إقراره ، وتوبته اعتذاره . صحبة الأشرار ، تورث سوء الظن بالأخيار ، لا كثير مع تبذير ، ولا قليل مع تقدير . من صان لسانه نجا من الشر كله . ولربما نفع الفتى كذبه فمن يعدل إذا ظلم الأمير إذا فزع الفؤاد فلا رقاد ما العلم إلا ما وعاه الصدر إن الكريم على الإخوان ذو المال إن الفرار لا يزيد في الأجلإن الشفيق بسوء ظنٍ مولع لا تبل على أكمة ، ولا تفش سرك إلى أمة . إذا أقبلت الدنيا على المرء أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه . في التجارب علمٌ مستأنفٌ . قد خاطر من استغنى برأيه . عليك لأخيك مثل الذي عليه لك . الحق ظلٌ ظليل . المودة قرابةٌ مستفادة . معدمٌ وصول خيرٌ من مكثرٍ جافٍ . من الفراغ تكون الصبوة . من نال استطال . في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال . الشكر عصمةٌ من النقمة . اللب مصباح العلم . من ركب العجلة ، لم يأمن الكبوة . إزالة الرواسي ، أيسر من تأليف القلوب . قارب الناس في عقولهم ، تسلم من غوائلهم ، وترتع في حدائقهم . عاشر أخاك بالحسنى . الحسد أهلك الجسد . خذ على خلائقك ميثاق الصبر . خير ما رمت ما ينال . كل امرىء في شأنه ساعي قد يدرك المتأني بعض حاجته . . . وقد يكون مع المستعجل الزلل غم الفقير لا يكشفه إلا الموت . خفة الظهر أحد اليسارين . أصول الأسقام من فضول الطعام . طلاق الدنيا مهر الجنة . من عز النفس إيثار القناعة . التواضع بالغنى أجمل ، والكبر بالفقير أسمج . من استعان بغير الله لم يزل مخذولاً . من لم يقبل من الدهر ما آتاه طال عتبه على الدهر . عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله . العجز والتواني ينتجان الفاقة . إن صبرت صبر الأحرار ، وإلا سلوت سلو الأغمار . العلم بالعمل ينمو . معاشرة الإخوان تجلو البصر ، وتطرد الفكر . لا توحشك الغربة ما أنست بالكفاية ، فإن الفقر أوحش من الغربة . الغنى أنسٌ في غير الوطن . الغني في الغربة موصول ، والفقير في الأهل مصروم . أوحش قرينك إذا كان في إيحاشه أنسك . إذا أيسرت فكل أهلٍ أهلك ، وإن أعسرت فأنت غريبٌ في قومك . من أخلاق الصبيان ، إلف الأوطان ، والحنين إلى الإخوان . من لم يأنف ، لم يشرف . خير المودة ما لم تكن حذار عادية ، ولا رجاء فائدة . من حمل الأمور على القضاء استراح في الإقبال والإدبار حتى ينتهيا . لو استحسن الناس ما أمر به العقل استقبحوا ما نهى عنه العقل . أقدر الناس على الجواب من لا يغضب . الكلام في وقت السكوت عي ، والسكوت في وقت الكلام خرس . الهم يهدم البدن ، وينغص العيش ،ويقرب الأجل . الموت رقيبٌ غير غافل . المرء نهب الحوادث . إذا تم العقل نقص الكلام . هب ما أنكرت لما عرفت ، واغفر ما أغضبك لما أرضاك . اليأس إحدى الراحتين . المطل أحد العذابين . الكظم مر ، ولا يتجرعه إلا حر . الرأي لا يصلح إلا بالشركة ، والملك لا يصلح إلا بالتفرد . من كبر عنصره ، حسن محضره . ولرب مطمعةٍ تعود رياحا والحمد لا يشترى إلا بأثمان ولكن نكء القرح بالقرح أوجع من أزهر بقول ، حقيقٌ أن يثمر بفعل . السلام أرخى للبال ، وأبقى لنفوس الرجال . حسبك من عقلك ما أوضح غيك من رشدك . التسويف بطاعة الله اغترار ، وحياة المرء كالشيء المعار . من بذل بعض عنايته لك ، فاجعل جميع شكرك له . وللحر من مال الكريم نصيب اليوم فعل ، وغداً ثواب . الخير مختارٌ شهي المطلب . . . والشر محذور كريهٌ مجتنب رب سكوتٍ من كلامٍ أبلغ . . . ورب قول من عمودٍ أدمغ من سلم الناس على لسانه . . . أصبح منصوراً على سلطانه من القليل يجمع الكثير . . . رب صغير قدره كبير من باع ما يفنى بما يبقى غنم . . . وآثر الدنيا على الأخرى ندم قد يحرم الراجي ويعطى القانط . . . ويبعد الأدنى ويدنى الشاحطمن لم ينلك البر في حياته . . . لم تبك عيناك على وفاته المال ما تنفق لا ما تجمعه . . . والزرع ما تحصد لا ما تزرعه يا رب هزلٍ كان منه الجد . . . ورب مزحٍ كان منه الحقد البحر مستغنٍ عن الفرات فقال - أدام الله أيامه - هذا فنٌ موفٍ على الغاية .
الليلة السابعة العشرون
وقال - أدام الله أيامه - في ليلة أخرى : كنت أحب أن أسمع كلاماً في كنه الاتفاق وحقيقته ، فإنه مما يحار العقل فيه ، ويزل حزم الحازم معه ، وأحب أيضاً أن أسمع حديثاً غريباً فيه ؛ فكان من الجواب : إن الرواية في هذا الباب أكثر وأفشى من الاطلاع على سره ، والظفر بمكنونه ؛ فقال : هات ما يتعلق بالرواية . قلت : حكى لنا أبو سليمان في هذه الأيام أن ثيودسيوس ملك يونان كتب إلى كنتس الشاعر أن يزوده بما عنده من كتب فلسفية ؛ فجمع ماله في عيبةٍ ضخمة ، وارتحل قاصداً نحوه ، فلقي في تلك البادية قوماً من قطاع الطريق ، فطمعوا في ماله وهموا بقتله ، فناشدهم الله ألا يقتلوه وأن يأخذوا ماله ويخلوه ، فأبوا ، فتحير ونظر يميناً وشمالاً يلتمس معيناً وناصراً فلم يجد ، فرفع رأسه إلى السماء ، ومد طرفه في الهواء ، فرأى كراكي تطير في الجو محلقة ، فصاح : أيتها الكراكي الطائرة ، قد أعجزني المعين والناصر ، فكوني الطالبة بدمي ؛ والآخذة بثأري . فضحك اللصوص ، وقال بعضهم لبعض : هذا أنقص الناس عقلاً ، ومن لا عقل له لا جناح في قتله ؛ ثم قتلوه وأخذوا ماله واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم ؛ فلما اتصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ذلك ، وتبعوا أثر قاتله واجتهدوا فلم يغنوا شيئاً ولم يقفوا على شيء ؛ وحضر اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة والعظة ، وحضرالناس من كل قطر وأوب ، وجاء القتلة واختلطوا بالجمع ، وجلسوا عند بعض أساطين الهيكل ، فهم على ذلك إذ مرت بهم كراكي تتناغى وتصيح ، فرفع اللصوص أعينهم ووجوههم إلى الهواء ينظرون ما فيه فإذا كراكي تصيح وتطير ، وتسد الجو ؛ فتضاحكوا ، وقال بعضهم لبعض : هؤلاء طالبو دم كنتس الجاهل - على طريق الاستهزاء - فسمع كلامهم بعض من كان قريباً منهم فأخبر السلطان فأخذهم وشدد عليهم ، وطالبهم فأقروا بقتله ، فقتلهم ؛ فكانت الكراكي المطالبة بدمه ، لو كانوا يعقلون أن الطالب لهم بالمرصاد . وقال لنا أبو سليمان : إن كنتس وإن كان خاطب الكراكي فإنه أشار به إلى رب الكراكي وخالقها ، ولم يطل الله دمه ولا سد عنه باب إجابته ؛ فسبحانه كيف يهيىء الأسباب ، ويفتح الأبواب ، ويرفع الحجاب بعد الحجاب . فقال : هذا عجب : قلت : قال لنا أبو سليمان : كل ما جهل سببه من ناحية الحس بالعادة ، ومن ناحية الطبيعة بالإمكان ، ومن ناحية النفس بالتهيئة ، ومن ناحية العقل بالتجويز ، ومن ناحية الإله بالتوفيق - فهو معجوبٌ منه ، معجوزٌ عنه ، مسلمٌ لمن له القدرة المحيطة ، والمشيئة النافذة ، والحكمة البالغة ، والإحسان السابق . ولقد حكى أبو الحسن الفرضي في أمر الاتفاق شيئاً ظريفاً عن بعض إخوانه قال : خرجنا إلى بعض المتنزهات ومعنا جرٌ نصيد به السماني ، وكنا جماعة ، فقال حدثٌ كان معنا - وكان أصغرنا سناً - : أنتم تصديون بجرٍ ، وأنا أصيد بيدي ؛ يقول ذلك على جهة المزح ؛ فرمى بعد قليل فاتفق له أن أثار سماني ، فأسرع إليه ونحن لا نعلم أنه أخذ شيئاً ، فقلنا له على طريق العبث : احذر الخنزير - من غير أن نكون رأينا خنزيراً - فالتفت فزعاً وفر مولياً ، فاتفق له أن رأى خنزيراً منه غير بعيد ، فأقبل إلينا مسرعاً هارباً من الخنزير والسماني بيده وقد صاده . وكنت في البادية في صفر سنة أربع وخمسين منصرفاً من الحج ومعي جماعةٌ من الصوفية ،فلحقنا جهدٌ من عوز القوت وتعذر ما يمسك الروح في حديث طويل - إلا أنا وصلنا من زبالة - بالحيلة اللطيفة منا ، والصنع الجميل من الله تعالى - إلى شيء من الدقيق ؛ فانتشعت أنفسنا به ، وغنمناه ، ورأيناه نفحةً من نفحات الله تعالى الكريم ؛ فجعلناه زادنا ، وسرنا ؛ فلما بلغنا المنزل قعدنا لنمارس ذلك الدقيق ، ولقطنا البعر ودقاق الحطب ، فلما أجمعنا على العجن والملك لم نجد الحراق - وكان عندنا أنه معنا ، وأننا قد استظهرناه - فدخلتنا حيرة شديدة ، وركبنا غمٌ غالب ، وسففنا من ذلك الدقيق شيئاً ، فما ساغ ولا قبلته الطبيعة ، وبتنا ليلتنا طاوين ساهرين ، قد علانا الكمد ، وملكنا الوجوم والأسف ؛ فقال بعضنا : هذا لما وجدنا الدقيق ؟ وأصبحنا وركبنا قد استرخت ، وعيوننا قد غارت ، وأحدنا لا يحدث صاحبه غماً وكرباً ؛ وعدنا إلى ما كنا فيه قبل بزيادة حسرةٍ من النظر إلى الدقيق ؛ وقال صاحبٌ لنا : نرمى بجراب الدقيق حتى نلقي حمله وثقله في طول هذا الطريق ؛ فقلنا : ليس هذا بصواب ، وما يضرنا أن يكون معنا ، فلعلنا أن نرى ركباً أو نلقى حطباً . وكانت البادية خاليةً في ذلك الوقت ، لرعبٍ لحق قوماً من بني كلاب من جهة أعدائهم ، فلم يكن يجتاز بها في ذلك الوقت غريب . وبقينا كذلك إلى اليوم الثالث ، ونحن نلاحق ونجاهد في المشي ؛ فلما كان العصر من ذلك اليوم كنت أسير أمام القوم أجرئهم وأسألهم ، وكنت كالحاطب لهم : إذا عثرنا بحراقٍ وظفرنا بفتيلة ؛ فوجدوا خرقةً ملفوفة فيها حراق ، فهللوا وكبروا ، ورفعوا أصواتهم ؛فقلت كالمتعجب : ما الخبر ؟ قالوا : البشرى ؛ قلت : وما ذاك ؟ قالوا : هذه خرقة ملئت حراقاً ، فلا تسل عما دهانا من الفرح والاستبشار ؛ وثاب إلينا من السرور والارتياح ، وزال عنا من الانخزال والانكسار ، وقعدنا في مكاننا ذلك ، ولقطنا البعر ، وأثرنا الوقود ، وأججنا ناراً عظيمة ، وملكنا الدقيق كله ملكةً واحدةً وكان أربعين رطلاً ، وكان ذلك بلاغنا إلى القادسية ؛ فلما دنونا منها تلقانا بشر من أهلها ، وقالوا لنا : كيف سلمتم في هذه الطريق مع العوز والخوف ؟ فقلنا : لطف الله يقرب كل بعيد ، ويسهل كل شديد ، ويصنع للضعيف حتى يتعجب القوي . وليس أحدٌ من خلق الله يجحد هذا القول ، وينكر هذا الفضل ، ويرجع إلى دينٍ وثيقٍ أو واهٍ ' إن الله لذو فضلٍ على الناس ' . وحدثني أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني القاضي صاحب المذهب قال : اصطحب رجلان في بعض الطرق مسافرين : مجوسيٌ من أهل الري ، والآخر يهوديٌ من أرض جى ؛ وكان المجوسي راكباً بغلة له عليها سفرة من الزاد والنفقة وغير ذلك ، وهو يسير مرفهاً وادعاً ، واليهودي يمشي بلا زادٍ ولا نفقة ؛ فبينا هما يتحادثان إذ قال المجوسي لليهودي : ما مذهبك وعقيدتك يا فلان ؟ قال اليهودي : أعتقد أن في هذه السماء إلهاً هو إله بني إسرائيل ، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه ، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل ، مع صحة البدن ، والسلامة من كل آفة ، والنصرة على عدوي ، وأسأله الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي ، فلا أعبأ بمن يخالفني ، بل أعتقد أن من يخالفني دمه لي يحل ، وحرام علي نصرته ونصيحته والرحمة به . ثم قال للمجوسي : قد أخبرتك بمذهبي وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري ، فخبرني أنت أيضاً عن شأنك وعقيدتك وما تدين به ربك ؟ فقال المجوسي : أما عقيدتي ورأيي فهو أني أريد الخير لنفسي وأبناء جنسي ، ولا أريد لأحدٍ من عباد الله سوءاً ، ولا أتمنى له ضراً ، لا لموافقي ، ولا لمخالفي . فقال اليهودي : وإن ظلمك وتعدى عليك ؟قال : نعم ، لأني أعلم أن في هذه السماء إلهاً خبيراً عالماً حكيماً لا تخفى عليه خافيةٌ من شيء ، وهو يجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته . فقال اليهودي : يا فلان ، لست أراك تنصر مذهبك وتحقق رأيك . قال المجوسي : كيف ذاك ؟ قال : لأني من أبناء جنسك ، وبشرٌ مثلك ، وتراني أمشي جائعاً نصباً مجهوداً ، وأنت راكبٌ وادعٌ مرفهٌ شبعان . فقال : صدقت ، وماذا تبغي ؟ قال : أطعمني من زادك ، واحملني ساعةً ، فقد كللت وضعفت . قال : نعم وكرامة . فنزل ومد من سفرته وأطعمه وأشبعه ، ثم أركبه ، ومشى ساعة يحدثه ؛ فلما ملك اليهودي البغلة وعلم أن المجوسي قد أعيا ، حرك البغلة وسبقه ، وجعل المجوسي يمشي ولا يلحقه ، فناداه : يا فلان ، قف لي وانزل ، فقد انحسرت وانبهرت . فقال اليهودي : ألم أخبرك عن مذهبي وخبرتني عن مذهبك ، ونصرته وحققته ؟ فأنا أريد أيضاً أن أحقق مذهبي ، وأنصر رأيي واعتقادي . وجعل يحرك البغلة ، والمجوسي يقفوه على ظلع وينادي : قف يا هذا واحملني ، ولا تتركني في هذا الموضع فيأكلني السبع وأموت ضياعاً ، وارحمني كما رحمتك . واليهودي لا يلوي على ندائه واستغاثته ، حتى غاب عن بصره ؛ فلما يئس المجوسي منه وأشفى على الهلكة ، ذكر اعتقاده وما وصف به ربه ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : إلهي قد علمت أني اعتقدت مذهباً ونصرته ، ووصفتك بما أنت أهله ، وقد سمعت وعلمت ، فحقق عند هذا الباغي علي ما مجدتك به ، ليعلم حقيقة ما قلت . فما مشى المجوسي إلا قليلاً حتى رأى اليهودي وقد رمت به البغلة ، واندقت عنقه ، وهي واقفةٌ ناحيةً منه تنتظر صاحبها ؛ فلما أدرك المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله ، وترك اليهودي معالجاً لكرب الموت ؛ فناداه اليهودي : يا فلان ، ارحمني واحملني ولا تتركني في هذه البرية أهلك جوعاً وعطشاً ، وانصر مذهبك ، وحقق اعتقادك . قال المجوسي : قد فعلت ذلك مرتين ، ولكنك لم تفهم ما قلت لك ولم تعقل ما وصفت . فقال اليهودي : وكيف ذلك ؟ قال : لأني وصفت لك مذهبي فلم تصدقني في قولي ، حتى حققته بفعلي ، وذاك أني قلت : إن في هذه السماء إلهاً خبيراً عادلاً لا يخفي عليه شيء ، وهو ولي جزاء المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته .قال اليهودي : قد فهمت ما قلت ، وعلمت ما وصفت . قال المجوسي : فما الذي منعك من أن تتعظ بما سمعت ؟ قال اليهودي : اعتقادٌ نشأت عليه ، ومذهبٌ تربيت به ، وصار مألوفاً معتاداً كالجبلة بطول الدأب فيه ، واستعمال أبنيته ، اقتداءً بالآباء والأجداد والمعلمين من أهل ديني ومن أهل مذهبي ، وقد صار ذلك كالأس الثابت ، والأصل النابت ؛ ويصعب ما هذا وصفه أن يترك ويرفض ويزال . فرحمه المجوسي ، وحمله معه حتى وافى المدينة ، وسلمه إلى أوليائه محطماً موجعاً ، وحدث الناس بحديثه وقصته ، فكانوا يتعجبون من شأنهما زماناً طويلاً . وقال بعض الناس للمجوسي بعد : كيف رحمته بعد خيانته لك ، وبعد إحسانك إليه ؟ قال المجوسي : اعتذر بحاله التي نشأ فيها ، ودأب عمره في اعتقادها ، وسعى لها واعتادها ؛ وعلمت أن هذا شديد الزوال عنه ، وصدقته ورحمته ، وهذا مني شكرٌ على صنع الله بي حين دعوته عندما ذهاني منه ، وبالرحمة الأولى أعانني ربي ، وبالرحمة الثانية شكرته على ما صنع بي . هذا كله سردناه لسبب الأمر الذي يبدو من غير جنان ، والعارض الذي يبرز من غير توهم . وأبو سليمان يقول : الأمور مقسومةٌ على الحدود الطبيعية والقوى النفسية والبسائط العقلية والغرائب الإلهية ؛ فبالواجب ، ما كان ها هنا مألوفٌ له نسبةٌ إلى الطبيعة ، ونادرٌ له نسبةٌ إلى النفس ، وبديعٌ له نسبةٌ إلى العقل ، وغريبٌ له نسبةٌ إلى الإله ؛ والفلتات في الأحوال من هذا القبيل ، أعني ما يتخلل هذه المراتب . فقال له البخاري : أيقال لما يصدر عن الإله فلتة ؟ قال : بحسب مصيره إلينا ، ووصوله إلى عالمنا ، لا بحسب صدوره عن الباري ، فليس هناك هذا ولا ما يشبهه ، لأن هذه السمات لحقت المركبات ، من الأوائل المزدوجات ، والثواني المكررات ، والثوالث المحققات ، والروابع المتممات ، والخوامس المدبرات ، والسوادس المضاعفات ، والسوابع الظاهرات ، والثوامن المعقبات ، والتواسع العاليات ، والعواشر الكاملات ؛ وما بعد العواشر داخلٌ في المكررات .قال له البخاري مستزيداً : أكان التوفيق من الاتفاق ؟ فقال : هما يتوحدان من وجه ، ويفترقان من وجه ؛ فوجه توحدهما أن الاتفاق وليد التوفيق ، والتوفيق غاية الاتفاق ؛ ووجه افتراقهما أن الاتفاق يبرز إلى الحس ، وأصحابه يشتركون في التعجب منه ، والاستطراف له ؛ والتوفيق يستتر عن الحس ؛ ولهذا لا تسلك مساكله . وأما الوفاق والموافقة والتوفيق والاتفاق فمتلابسة المعاني ؛ ولما لم يكن بين المعنى والمعنى مسافةٌ محصلةٌ حسب هذا في حيز هذا ، وعد هذا في جملة هذا . وقال - أبقاه الله وأدام أيامه - : ما اليمن والبركة ؟ والفأل والطيرة وأضدادها ؟ فكان الجواب : إن اليمن عبارةٌ عن شر يبشر به ويبتغي ويراد ؛ ويقال : فلانٌ ميمون الناصية ، وميسور الناصية ؛ أي هو سببٌ ظاهرٌ في نيل مأمول وإدراك محبوب ؛ واشتقاقه من اليمين ، وهو القوة ؛ ولذلك يقال لليسار : شمالٌ ، لأنها أضعف منها ، وتسمى أيضاً : الشومي . ويقال : يمن فلانٌ عليهم ، وشؤم ، وهو ميمونٌ ومشؤم ؛ جعل الفعل على طريق ما لم يسم فاعله ، لأنه شيءٌ موصولٌ به من غير إرادته واختياره . وإنما نزعوا إلى قولهم : فلان مشؤم ليكون الفعل واقعاً به - أعني المكروه - وإلا فهو شائمٌ في الأصل . ويقال : شأم فلانٌ قومه ، وكذلك يمنهم ؛ وكأنهما قوتان علويتان تصحبان مزاجين مختلفين ، وإذا اعتيد منهما هذان العرضان اللذان يصدران عن هاتين القوتين العلويتين ، قيل : فلان كذا ، وفلانٌ كذا . وأما البركة فهي النماء والزيادة والرفع ، من حيث لا يوجد بالحس ظاهراً مكشوفاً يشار إليه ، فإذا عهد من الشيء هذا المعنى خافياً عن الحس قيل : هذه بركة ، واشتقاقها من البروك ، وهو اللزوم والسعة ؛ ومن ذلك : البركة . والبركة يوصف بها كل شيء ، وليس لضدها اسمٌ مشهور ، لذلك يقال : قليل البركة . وأما الفأل ففسر بأنه جريان الذكر الجميل على اللسان معزولاً عن القصد ، إما منالقائل ، وإما من السامع . وقد سمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما نزل المدينة على أبي أيوب الأنصاري أبا أيوب يقول لغلامً له : يا سالم يا غانم . فقال لأبي بكر : ' سلمت لنا الدار في غنم إن شاء الله ' . وهذا مشهورٌ بين الناس . وضده الطيرة والإشعار . ويروى أنه نهي عن الطيرة ، وكان يحب الفأل ( صلى الله عليه وسلم ) ، وليس لهما عللٌ راتبة ، ولا أسباب موجبة ، ولا أوائل معروفة ؛ ولهذا كره الإفراط في التطير والتعويل على الفأل ، لأنهما أمران يصحان ويبطلان ، والأقل منهما لا يميز من الأكثر ؛ وللمزاج من الإنسان فيهما أثرٌ غالب ، والعادة أيضاً تعين ، والولوع يزيد ، والتحفظ مما هذا شأنه شديد . ولقد غلب هذا حتى قيل : فلانٌ مدور الكعب ، وفلانٌ مشئوم ؛ وحتى تعدى هذا إلى الدابة والدار والعبد ؛ وكل هذا ظهر في هذه الدار حتى لا يكون للعبد طمأنينة إلا بالله ، ولا سكونٌ إلا مع الله ، ولا مطلوبٌ إلا من الله ؛ ولهذا - عز وجل - يطلع الخوف من ثنية الأمن ، ويسوق الأمن من ناحية الخوف ، ويبعث النصر وقد وقع اليأس ، ويأتي بالفرج وقد اشتد البأس . وأفعال الله تعالى خفية المطالع ، جلية المواقع ، مطوية المنافع ؛ لأنها تسري بين الغيب الإلهي ؛ والعيان الإنسي ، وكل ذلك ليصح التوكل عليه ، والتسليم له ، واللياذ به ، ويعرج على كنف ملكه ، ويتبوأ معان خلده ، وينال ما عنده بطاعته وعبادته . فقال الوزير - كبت الله أعداه ، وبلغه مناه - : هذا كلامٌ ليس عليه كلام ، أرى النعاس يخطب إلى عيني حاجته ، وإذا شئت فاجمع لي فقراً من هذا الضرب الذي مر من حديث الطيرة والفأل والاتفاق .
الليلة الثامنة والعشرون
وعدت ليلةً أخرى وقرأت عليه أشياء من هذا الفن . منها : عقد هشام بن عبد الملك لسعيد بن عمرو الجرشي أيام الترك ، فقال سعيد : يافتح ، يا نصر ، خذ اللواء . فقال هشام : أعمداً قلت هذا ؟ قال : لا ، ولكنهما غلاماي دعوتهما . قال هشام : هو الفتح والنصر إن شاء الله . وكان ذلك كذاك . وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعرض ، فمر به حية بن نكاز ، فقال : لا حاجة لنا في هذا حية وأبوه ينكز . ورمى رجلٌ الجمار ، فأصاب صلعة عمر بحصاةٍ فشجه . فقال رجل : أشعرت يا أمير المؤمنين لا يقوم عمر هذا المقام أبداً . فكان ذلك كذلك . وخرج رجل ينظر الحسن بن علي فلقي رجلاً ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : عقال . قال : ابن من ؟ قال ابن عقيل . قال : من بني من ؟ قال : من بني عقيل . قال عقلته عقلك الله . هذا الجزء أيها الشيخ - أبقاك الله ما تمنيت البقاء - هو الجزء الثاني ، والثالث يتلوه ، والظن الجميل بك ، يعدنا بالحسنى منك ، وقد علمت الغرض في جمع هذا كله والتعب فيه ، وأرجو ألا يخيب الأمل ، ولا يبور العمل ، وإن كان ذلك لا يخلو من بعض الخلل والزلل . فإذا أخذت بحكم الفضل الذي هو عادتك وديدنك مع الصغير والكبير ، والقريب والبعيد ، فاز قدحي ، وصدق نوئي ، وصح زجري وفألي . حرس الله نفسك ، وصان نعمتك ، وكبت كل عدوٍ لك .الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ وصل الله قولك بالصواب ، وفعلك بالتوفيق ، وجعل أحوالك كلها منظومةً بالصلاح ، راجعةً إلى حميد العاقبة ، متألفةً بشوارد السرور ، ووفر حظك من المدح والثناء ، فإنهما ألذ من الشهد والسلوى ، ومد في عمرك لكسب الخير ، واستدامة النعمة بالشكر ؛ وجعل تلذذك باصطناع المعروف ، وعرفك عواقب الإحسان إلى المستحق وغير المستحق ، حتى تكلف ببث الجميل ، وتشغف بنشر الأيادي ، وحتى تجد طعم الثناء ، وتطرب عليه طرب النشوان على بديع الغناء . لا طرب البرداني على غناء علوة جارية ابن علويه في درب السلق إذا رفعت عقيرتها فغنت بأبيات السروى : بالورد في وجنتيك من لطمك . . . ومن سقاك المدام لم ظلمك ؟ خلاك لا تستفيق من سكرٍ . . . توسع شتماً وجفوة خدمك معقرب الصدغ قد ثملت فما . . . يمنع من لئم عاشقيك فمك ؟ تجر فضل الإزار منحرق النعلين . . . قد لوث الثرى قدمك أظل من حيرةٍ ومن دهشٍ . . . أقول لما رأيت مبتسمك بالله يا أقحوان مضحكه . . . على قضيب العقيق من نظمك ؟ ولا طرب ابن فهم الصوفي على غناء ' نهاية ' جارية ابن المغني إذا اندفعت بشدوها : أستودع الله في بغداد لي قمراً . . . بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ودعته وبودي لو يودعني . . . صفو الحياة وأني لا أودعهفإنه إذا سمع هذا منها ضرب بنفسه الأرض ، وتمرغ في التراب وهاج وأزبد ، وتعفر شعره ؛ وهات من رجالك من يضبطه ويمسكه ، ومن يجسر على الدنو منه ، فإنه يعض بنابه ، ويخمش بظفره ، ويركل برجله ويخرق المرقعة قطعةً ، ويلطم وجهه ألف لطمة في ساعة ، ويخرج في العباءة كأنه عبد الرزاق المجنون صاحب الكيل في جيرانك بباب الطاق . ولا طرب ابن غيلان في البزاز على ترجيعات بلور جارية ابن اليزيدي المؤلف بين الأكباد المحرقة ، والمحسن إلى القلوب المتصدعة والعيون الباكية إذا غنت . أعط الشباب نصيبه . . . مادمت تعذر بالشباب وانعم بأيام الصبى . . . واخلع عذارك في التصابي فإنه إذا سمع هذا منها انقلبت حماليق عينيه ، وسقط مغشياً عليه ، وهات الكافور وماء الورد ، ومن يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين ، ويرقى بهيا شراهيا . ولا طرب أبي الوزير الصوفي القاطن في دار القطن عند جامع المدينة على قلم القضيبية إذا تناوأت في استهلالها ، وتضاجرت على ضجرتها ، وتذكرت شجوها الذي قد أضناها وأنضاها ، وسلبها منها وأنساها إياها . ثم اندفعت وغنت بصوتها المعروف بها .أقول لها والصبح قد لاح نوره . . . كما لاح ضوء البارق المتألق شبيهك قد وافى وحان افتراقنا . . . فهل لك في صوتٍ ورطلٍ مروق فقالت حياتي في الذي قد ذكرته . . . وإن كنت قد نغصته بالتفرق ولا طرب الجراحي أبي الحسن مع قضائه في الكرخ وردائه المحشي ، وكميه المفدرين ووجنتيه المتخلجتين ، وكلامه الفخم ، وإطراقه الدائم ؛ فإنه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطاً ، وأمل أن يقبل خداً وقرطاً ؛ على غناء شعلة : لابد للمشتاق من ذكر الوطن . . . واليأس والسلوة من بعد الحزن وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها لو أن ما تبتليني الحادثات به . . . يلقى على الماء لم يشرب من الكدر فهناك ترى شيبةً قد ابتلت بالدموع ، وفؤاداً قد نزا إلى اللهاة ، مع أسفٍ قد ثقب القلب ، وأوهن الروح ، وجاب الصخر ، وأذاب الحديد ، وهناك ترى والله أحداق الحاضرين باهتة ، ودموعهم متحدرة ، وشهيقهم قد علا رحمةً له ، ورقةً عليه ، ومساعدةً لحاله ، وهذه صورةٌ إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عدوى لا تملك ، وغايةً لا تدرك ، لأنه قلما يخلو إنسانٌ من صبوة أو صبابة ، أو حسرةٍ على فائت ، أو فكرٍ في متمني ، أو خوفٍ من قطيعة ، أو رجاء لمنتظر ، أو حزنٍ على حالٍ ، وهذه أحوالٌ معروفة ، والناسمنها على جديلةٍ معهودة . ولا طرب ابن غسان البصري المتطبب إذا سمع ابن الرفاء يغني : وحياة من أهوى فإني لم أكن . . . أبداً لأحلف كاذباً بحياتها لأحالفن عواذلي في لذتي . . . ولأسعدن أخي على لذاته وابن غسان هذا مليح الأدب ، وهو الذي يقول في ابن نصرٍ العامل - وقد عالجه من علة فلم يتفقده ولم يقض حقه - : هب الشعراء تعطيهم رقاعاً . . . مزورةً كلاماً عن كلام فلم صلة الطبيب تكون زوراً . . . وقد أهدى الشفاء من السقام عجبت لمن نمته أرض لؤم . . . وبخلٍ لم يعد من الكرام نسبت إلى المساجة لا لشيءٍ . . . سوى نقصان لؤمك في اللئام غنى بها أنه من أصبهان ، وكان آخر حديث ابن غسان ما عرفته ، فإن غرق نفسه في كرداب كلواذي ، وذلك لأسباب تجمعت عليه من صفر اليد ، وسوء الحال ، وجربٍ أكل بدنه ، وعشقٍ أحرق كبده على غلام الآمدي الحلاوي بباب الطاق ، وحيرة عزب معها عقله ، وخذله رأيه ، وملكه حينه ، ونسأل الله حسن العقبى بدرك المنى ، وليس للإنسان من أمره شيء ، وما هو آئضٌ إليه فهو مملوكٌ عليه ، يصرفه فيما يصرف فيظن أنه أتى من قبله ، ولعمري من غلط غلط ، ومن غولط غالط ، والكلام في هذا غاشٌ والإغراق فيه موسوس ، والإعراض عنه أجلب للأنس ، وما أحسن ما قال القائل :إذا استعفيت من أسر الليالي . . . تصرفني فأسري في خلاصي ولولا طيش القلم وتسحب الخاطر ، وشرود الرأي ، ما عثرت بهذا الموضع ولا علقت بهذا الحبل ، نعم . ولا طرب ابن نباتة الشاعر على صوت الخاطف إذا غنت . تلتهب الكف من تلهبها . . . وتحسر العين إن تقصاها كأن ناراً بها محرثةً . . . تهابها مرةً وتغشاها نأخذها تارةً وتأخذنا . . . فنحن فرسانها وصرعاها ولا طرب ابن العوذي إذا سمع غناء ترف الصابئة في صوتها ، عند نشاطها ومرحها ، وهواها حاضر ، وطرفها إليه ناظر : لب الهوى كلما دعاكا . . . ولاح في الحب من لحاكا من لام في الحب أو نهاكا . . . فزده في غيك انهماكا إن لم تكن في الهوى كذاكا . . . نال لذاته سواكا ولا طرب المعلم غلام الحصري شيخ الصوفية إذا سمع ابن بهلولٍ يغني في رحبة المسجد بعد الجمعة وقد خف الزحام : وقال لي العذول تسل عنها . . . فقلت له : أتدري ما تقول ؟هي النفس التي لابد منها . . . فكيف أزول عنها أو أحول ؟ ولا طرب ابن الغازي على جارية العمى في مجلسها الغاص بنبلاء الناس بين السورين يلحى ، ولو أرقه ميعاد . . . أو راعه الإعراض والإبعاد أو هرة الأعداء والحساد . . . أو سلقته الألسن الحداد ما لام من ليس له فؤاد ولا طرب ابن صبر القاضي قبل القضاء على غناء درة جارية أبي بكر الجراحي في درب الزعفراني التي لاتقعد في السنة إلا في رجب ، إذا غنت : لست أنسى تلك الزيارة لما . . . طرقتنا وأقبلت تتثنى طرقت ظبية الرصافة ليلاً . . . فهي أحلى من جس عوداً وغنى كم ليالٍ بتنا نلذ ونلهو . . . ونسقي شرابنا ونغنى هجرتنا فما إليها سبيلٌ . . . غير أنا نقول : كانت وكنا وإذا بلغت كانت وكنا رأيت الجيب مشقوقاً ، والذيل مخروقاً ، والدمع منهملا ، والبال منخذلاً ، ومكتوم السر في الهوى بادياً ، ودليل العشق على صاحبه منادياً . ولا طرب ابن حجاج الشاعر على غناء قنوة البصرية ، وهي جارته وعشيقته ، وله معها أحاديث ، ومع زوجها أعاجيب ؛ وهناك مكايدات ، ورميٌ ومعايرات ، وإفشاء نكات ؛ إذا أنشدت : يا ليتنيأحيا بقربهمو . . . فإذا فقدتهم انقضى عمريثم ثنت بصوتها الآخر : هبيني امرأً إما بريئاً ظلمته . . . وإما مسيئاً تاب بعد فأعتبا فكنت كذي داء تبغي لدائه . . . طبيباً فلما لم يجده تطببا ولا طرب ابن معروف قاضي القضاة على غناء علية إذا رجعت لحنها في حلقها الحلو الشجي بشعر ابن أبي ربيعة : أنيري مكان البدر إن أفل البدر . . . وقومي مقام الشمس ما استأخر الفجر ففيك من الشمس المنيرة نورها . . . وليس لها منك المحاجر والثغر ولا طرب ابن إسحاق الطبري على صوت درة البصرية إذا غنت : يا ذا الذي زار وما زارا . . . كأنه مقتبسٌ نارا قام بباب الدار من زهوه . . . ما ضره لو دخل الدارا لو دخل الدار فكلمته . . . بحاجتي ما دخل النارا نفسي فداه اليوم من زائرٍ . . . ما حل حتى قيل قد سارا ولا طرب ابن الأزرق الجرجرائي على غناء سندس جارية ابن يوسف صاحب ديوان السواد إذا تشاجت وتدللت ، وتفتلت وتقتلت ، وتكسرت وتيسرت ، وقالت : أنا والله كسلانة مشغولة القلب بين أحلام أراها رديئةً ، وبختٍ إذا استوى التوى ، وأملٍ إذا ظهر عثر ؛ ثم اندفعت وغنت : مجلس صبين عميدين . . . ليسا من الحب بخلوين قد صيرا روحيهما واحداً . . . واقتسماه بين جسمينتنازعا كأساً على لذةٍ . . . قد مزجاها بين دمعين الكأس لا تحسن إلا إذا . . . أدرتها بين محبين ولا طرب ابن سمعون الصوفي على ابن بهلول إذا أخذ القضيب وأوقع ببنانه الرخص ، ثم زلزل الدنيا بصوته الناعم ، وغنته الرخيمة ، وإشارته الخالبة ، وحركته المدغدغة ، وظرفه البارع ، ودماثته الحلوة ، وغنى : ولو طاب لي غرسٌ لطابت ثماره . . . ولو صح لي غيبي لصحت شهادتي تزهدت في الدنيا وإني لراغبٌ . . . أرى رغبتي ممزوجةً بزهادتي أيا نفس ما الدنيا بأهلٍ لحبها . . . دعيها لأقوامٍ عليها تعادت ولا طرب ابن حيويه على غلام الأمراء إذا غنى : قد أشهد الشارب المعذل لا . . . معروفه منكرٌ ولا حصر في فتيةٍ لينى المآزر لا . . . ينسون أخلاقهم إذا سكروا وغلام الأمراء هو الذي يقول فيه القائل : أبو العباس قد حج . . . وقد عاد وقد غنى وقد علق عنازاً . . . فهذا هم كما كنا وأصحابنا يستملحون قوله هم ها هنا ، ويرونه من العي الفصيح . ولا طرب أبي سليمان المنطقي إذا سمع غناء هذا الصبي الموصلي النابغ الذ قد فتن الناس وملأ الدنياعيارةً وخسارةً ، وافتضح به أصحاب النسك والوقار ، وأصناف الناس من الصغار والكبار ، بوجهه الحسن ، وثغره المبتسم ، وحديثه الساحر ، وطرفه الفاتر ، وقده المديد ، ولفظه الحلو ، ودله الخلوب ، وتمنعه المطمع ، وإطماعه الممنع وتشكيكه في الوصل والهجر ، وخلطه الإباء بالإجابة ، ووقوفه بين لا ونعم . إن صرحت له كنى ، وإن كنيت له صرح ؛ يسرقك منك ، ويردك عليك ، يعرفك منكراً لك ، وينكرك عارفاً بك ؛ فحاله حالات ، وهدايته ضلالات ، وهو فتنة الحاضر والبادي ، ومنية السائق والهادي ؛ في صوته الذي هو من قلائده : عرفت الذي بي فلا تلحني . . . فليس أخو الجهل كالعالم وكنت أخوفه بالدعا . . . وأخشى عليه من الماثم فلو كنت أبصرت مثلاً له . . . إذا لمت نفسي مع اللائم فلما أقام على ظلمه . . . تركت الدعاء على الظالم ولا طرب ابن عبد الله البصري على إيقاع ابن العصبي إذا أوقع بقضيبه وغنى بصوته : أنسيت الوصل إذ بت . . . نا على مرقد ورد واعتنقنا كوشاحٍ . . . وانتظمنا نظم عقد وتعطفنا كغصنين . . . فقداناً كقد وبسبب هذا ونظائره عابه الواسطي ، وقدح في دينه ، وألصق به الريبة ،واستحل في عرضه الغيبة ، ولقبه بالمنفر عن المذهب ، وقاطع الطريق على المسترشد . ولا طرب ابن الوراق على روعة جارة ابن الرضي في الرصافة إذا غنت : وحق محل ذكرك من لساني . . . وقلبي حين أخلو بالأماني لقد أصبحت أغبط كل عينٍ . . . تعانيها فتسعد بالعيان ولا طرب السندواني على ابن الكرخي إذا غنى : هجرتني ثم لا كلمتني أبداً . . . إن كنت خنتك في حال من الحال فلا انتجيت نجيا في خيانتكم . . . ولا جرت خطرةٌ منه على بال فسوغيني المنى كيما أعيش بها . . . ثم احبسي البذل ما أطلقت آمالي أو ابعثي تلفاً إن كنت قاتلتي . . . إلي منك بإحسانٍ وإجمال ولا طرب الحريري الشاهد على حلية جارية أبي عائذ الكرخي إذا أخذت في هزارها ، واشتعلت بنارها وغنت : قالت بثينة لما جئت زائرها . . . سبحان خالقنا ما كان أوفاكا وعدتنا موعداً تأتي لنا عجلاً . . . وقد مضى الحول عنا ما رأيناكا إن كنت ذا غرضٍ أو كنت ذا مرضٍ . . . أو كنت ذا خلةٍ أخرى عذرناكا ولا طرب أبي سعيد الصائغ على جاريته ظلوم إذا قلبت لحنها إلى حلقها واستنزلته من الرأس ، ثم أوقعت فغنت :فيالك نظرةً أودت بعقلي . . . وغادر سهمها مني جريحا فليت مليكتي جادت بأخرى . . . وأعلم أنها تنكا القروحا فإما أن يكن بها شفائي . . . وإما أن أموت فأستريحا ولا طرب الزهري على خلوب جارية أبي أيوب القطان إذا أهلت واستهلت ، ثم اندفعت وغنت : إذا أردت سلواً كان ناصركم . . . قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم . . . فكل ذلك محمولٌ على القدر وضعت خدي لأدنى من يطيف بكم . . . حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر وأبو عبد الله المرزباني شيخنا إذا سمع هذا جن واستغاث ، وشق الجيب وحولق وقال : يا قوم أما ترون إلى العباس بن الأحنف ، ما يكفيه أن يفجر حتى يكفر ؟ متى كانت القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولةً على القدر ؟ ومتى قدر الله هذه الأشياء وقد نهى عنها ، ولو قدرها كان قد رضي بها ، ولو رضي بها لما عاقب عليها ، لعن الله الغزل إذا شيب بمجانة ، والمجانة إذا قرنت بما يقدح في الديانة . ورأيت أبا صالح الهاشمي يقول له : هون عليك يا شيخ ، فليس هذا كله على ما تظن ، القدر يأتي على كل شيء ، ويتعلق بكل شيء ، ويجري بكل شيء ، وهو سر الله المكتوم ، كالعلم الذي يحيط بكل شيء ؛ وكل ما جاز أن يحيط به علمٌ جاز أن يجري به قدر ، وإذا جاز هذا جاز أن ينشره خبر ، وما هذا التضايق والتحارج في هذا المكان ، والشاعر يهزل ويجد ؛ ويقرب ويبعد ، ويصيب ويخطىء ، ولا يؤاخذ بما يؤاخذ به الرجل الديان ، والعالم ذو البيان .ولا طرب ابن المهدي على جارية بنت خاقان المشهورة بعلوة إذا غنت : أروع حين يأتيني الرسول . . . وأكمد حين لا يأتي الرسول أؤملكم وقد أيقنت أني . . . إلى تكذيب آمالي أؤول ولا طرب أبي طاهر بن المقنعي المعدل على علوان غلام ابن عرس فإنه إذا حضر وألقى إزاره ، وحل أزراره ، وقال لأهل المجلس : اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم بل عبدكم لأخدمكم بغنائي ، وأتقرب إليكم بولائي ، وأساعدكم على رخصي وغلائي ؛ من أرادني مرةً أردته مرات ، ومن أحبني رياءً أحببته إخلاصاً ، ومن بلغ بي بلغت به ؛ لم أبخل عليكم بحسني وظرفي ، ولم أنفس بهما عليكم ، وإنما خلقت لكم ، ولم أغاضبكم وأنا آملكم غداً إذا بقل وجهي ، وتدلى سبالي ، وولى جمالي ، وتكسر خدي ، وتعوج قدي ، ما أصنع ؟ حاجتي والله إليكم غداً أشد من حاجتكم إلي اليوم ، لعن الله سوء الخلق ، وعسر الطباع ، وقلة الرعاية ، واستسحان الغدر . فيمر في هذا وما أشبهه كلامٌ كثير ، فلا يبقى من الجماعة أحدٌ إلا وينبض عرقه ، ويهش فؤاده ، ويذكو طعمه ويفكه قلبه ، ويتحرك ساكنه ، ويتدغدغ روحه ، ويومىء إليه بقبلته ، ويغمزه بطرفه ، ويخصه بتحية ، ويعده بعطية ، ويقابله بمدحة ، ويضمن له منحة ، ويعوذه بلسانه ، ويفضله على أقرانه ، ويراه واحد أهل زمانه ؛ فيرى ابن المقنعي وقد طار في الجو ، وحلق فيالسكاك ، ولقط بأنامله النجوم ؛ وأقبل على الجماعة بفرح الهشاشة ، ومرح البشاشة ، فيقول : كيف ترون اختياري وأين فراستي من فراسة غيري ، أبى الله لي إلا ما يزينني ، ولا يشينني ، ويزيد في جمالي ، ولا ينقص من حالي ؛ ويقر عيني ولبي ، ويقصم ظهر عدوي ؛ هات يا غلام ذلك الثوب الدبيقي وذلك البرد الشطوي ، وذلك الفروج الرومي ، وتلك السكة المطيبة ، والبخور المدخر في الحقة ، وهات الدينار الذي فيه مائة مثقالٍ أهداه لنا أمس أبو العلاء الصيرفي فإنه يكفيه لنفقة أسبوع ؛ ما أحسن سكته ، وأحلى نقشه ما رأيت في حسن استدارته شبهاً ، وعجل لنا يا غلام ما أدرك عند الطباخ ، من الدجاج والفراخ ؛ والبوارد والجوزيات وتزايين المائدة ؛ وصل ذلك بشراه أقراطٍ وجبنٍ وزيتون من عند كبل البقال في الكرخ ، وقطائف حبش ،وفالوذج عمر ، وفقاع زريق ، ومخلط خراسان من عند أبي زنبور ، ولو كنا نشرب لقلنا : وشراب صريفين من عند ابن سورين ، ولكن إن إحببتم أن أحضر بسببكم ومن أجلكم فليس في الفتوة أن أمنعكم من أربكم بسبب ثقل روحي وقلة مساعدتي ، لعن الله الشهادة ، فقد حجتني عن كل شهوةٍ وإرادة ؛ وما أعرف في العدالة ، إلا فوت الطلبة والعلالة . وما أحسن ما قال من قال : ما العيش إلا في جنون الصبي . . . فإن تولى فجنون المدام هذا كله يمر وما هو أشجى منه وأرق ، وأعجب وأظرف ، ثم يندفع علوان ويغنى في أبيات بشار : ألا يا قوم خلوني وشاني . . . فلست بتاركٍ حب الغواني نهوني يا عبيدة عن هواكم . . . فلم أقبل مقالة من نهاني فإن لم تسعفي فعدي ومني . . . خداعاً لا أموت على بيان ولا طرب أبي سعيد الرقي على غناء مذكورة إذا اندفعت وغنت : سررت بهجرك لما علمت . . . بأن لقلبك فيه سرورا ولولا سرورك ما سرني . . . ولا كان قلبي عليه صبورا ولكن أرى كل ما ساءني . . . إذا كان يرضيك سهلاً يسيرا ولا طرب ابن مياس على غناء حبابة جارية أبي تمام إذا غنت : صددنا كأنا لا مودة بيننا . . . على أن طرف العين لابد فاضحومد إلينا الكاشحون عيونهم . . . فلم يبد منا ما حوته الجوانح وصافحت من لاقيت في البيت غيرها . . . وكل الهوى مني لمن لا اصافح وحبابة هذه كانت تنوح أيضاً ، وكانت في النوح واحدةً لا أخت لها ، والناس بالعراق تهالكوا على نوحها ، ولولا أني أكره ذكره لرقعت الحديث به . وقدم من شاش خراسان أبو مسلم - وكان في مرتبة الأمراء - فاشتراها بثلاثين ألف درهم معزية ، وخرج بها إلى المشرق ، فقيل : إنها لم تعش به إلا دون سنةٍ لكمدٍ لحقها ، وهوىً لها ببغداد ماتت منه . ورأيت لها أختاً يقال لها صبابة ، وكانت في الحسن والجمال فوقها ، وفي الصنعة والحذق دونها ، وزلزلت هذه بغداد في وقتها ، ولم يكن للناس غير حديثها ، لنوادرها ، وحاضر جوابها ، وحدة مزاجها ، وسرعة حركتها ، بغير طيش ولا إفراط ، وهذه شمائل إذا اتفقت في الجواري الصانعات المحسنات خلبن العقول ، وخنسن القلوب ، وسعرن الصدور ، وعجلن بعشاقهن إلى القبور . ولا طرب الكناني المقري الشيخ الصالح على غناء هذه في صوتها المعروف بها : عهود الصبى هاجت لي اليوم لوعةً . . . وذكر سليمى حين لا ينفع الذكر بأرضٍ بها كان الهوى غير عازبٍ . . . لدينا وغض العيش مهتصرٌ نضر كأن لم نعش يوماً بأجراع بيشةٍ . . . بأرضٍ بها أنشأ شبيبتنا الدهر بلى إن هذا الدهر فرق بيننا . . . وأي جميعٍ لا يفرقه الدهرولا طرب غلام بابا على جارية أبي طلحة الشاهد في سوق العطش إذا غنت : ليت شعري بك هل تع . . . لم أني لك عاني فلقد أسررته من . . . ك وأطلعت الأماني وتوهمتك في نف . . . سي فناجاك لساني فاجتمعنا وافترقنا . . . بالأماني في مكان ولو ذكرت هذه الأطراب من المستمعين ، والأغاني من الرجال والصبيان والجواري والحرائر - لطال وأمل ، وزاحمت كل من صنف كتاباً في الأغاني والألحان ، وعهدي بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة . وقد أحصينا - ونحن جماعةٌ في الكرخ - أربعمائةٍ وستين جاريةً في الجانبين ، ومائةً وعشرين حرة ، وخمسةً وتسعين من الصبيان البدور ، يجمعون من الحذق والحسن والظرف والعشرة ، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه ، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا إذا نشط في وقت ، أو ثمل في حال ، وخلع العذار في هوىً قد حالفه وأضناه ، وترنم وأوقع ، وهز رأسه ، وصعد أنفاسه ، وأطرب جلاسه ، واستكتمهم حاله ، وكشف عندهم حجابه ، وادعى الثقة بهم ، والاستنامة إلى حفاظهم . ثم إني أرجع إلى منقطع الكلام في الصفحة الأولى من هذا الجزء الثالث وأصله بالدعاء الذي اسأل الله أن يتقبله فيك ، ويحققه لك وبك ، وأقول : وأبقاك لي خاصةً ، فقد تعصبت لي غائباً وشاهداً ، وتعممت بسببي سراً وجهراً ، وبدأت بالتفضل ، وعدتبالإفضال ، وتظاهرت بالفضل ؛ فإن استزدتك فللنهم الذي قلما يخلو منه بشر ، وإن تظلمت فللدالة التي تغلط بها الخدم ، وإن خاشنت فللثقة بحسن الإجاب ، وإن غالطت فلعلمي بغالب الحلم وفرط الاحتمال ، وما افترق الكرم والتغافل قط ، وما افترق المجد والكيس قط ، وليس إلا أن يظلم السيد نفسه لعبده في الحقوق اللازمة وغير اللازمة ، ويعرض عن الحجة وإن كانت له ؛ والناس يقولون : الحق مر ، وأنا أقول : السؤدد مر ، والرئاسة ثقيلة ، والنزول تحت الغبن شديد ؛ لكن ذلك كله منبت العز ، ودليلٌ على صحة الأصل ، وبابٌ إلى اكتساب الحمد ، وإشادة الذكر ، وإبعاد الصيت ؛ ومكرم النفس بإهانة المال وبذل الجاه وإيثار التواضع أربح تجارةً ، وأحمى حريماً ، وأعز ناصراً من مهين النفس بصيانة المال وحبس الجاه واستعمال التكبر ؛ هذا ما لا يشك فيه أحد وإن أباه طباعه ، ولم يساعده اختياره ، وكان في طينه يبس ، وفي منبته شوك ، وفي عرقه خور ، وفي خلقه تيه . وقد رأيت ناساً من عظماء أهل الفضل والمروءة عابوا مذهب الرجل الذي ماكس في شيء تافهٍ يسير اشتراه ، قيل له : أنت تهب أضعاف هذا ، فما هذا المكاس ؟ فقال : هذا عقلي أبخل به ، وتلك مروءتي أجود بها . وأكثر الناس الذين لم يغوروا في التجارب ، ولا أنجدوا في الحقائق ، يرونهذا حكمةً تامة ، وفضيلةً شريفة . فأما الذين ذكرتهم في أول الحديث فإنهم قالوا : لا تتم المروءة وصاحبها ينظر في الدقيق الحقير ، ويعيد القول ويبدئه في الشيء النزر الذي لا مرد له ظاهر ، ولا جدوى حاضرة . وذكروا أيضاً أن العقل أشرف من أن يذال في مثل هذه الحال ، ويستخدم على هذا الوجه ، قالا : هذا وما هو في بابه بالكيس أشبه ، والكيس يحمد في الصبيان ، وهو من مبادىء اللؤم ، وفوائح صدأ الخلق ، وقد قال الأول : وقد يتغابى المرء عن عظم ماله . . . ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو ولذلك يقال للحيوان الذي لا ينطق : هو كيس . هذا والله الصدق ، فإني سمعت بمكة أعرابياً يقول : ما أكيس هذا القط ؟ قالوا : ولذلك لا يقال للشيخ المجرب والحكيم البليغ والأصيل في الشرف والمشهور بالزماتة والسكينة : كيس . والكيس هو حدة الحس في طلب المثالة ودفع الكريهة وبلوغ الشهوة . والحس بعيدٌ من العقل ، والعالي في الحس كأنه يرتقي في وادي الحيوان الذي لا نطق له ، والعالي في العقل كأنه مطمئنٌ في وادي الملك الذي لا حس لنقصه ، ولكن لكماله ، لأنه غني عنه ، كما أن الحمار لم يعدم العقل لكماله ، ولكن لنقصه ولما لم يرد من الحمار أن يكون إنساناً جبل على ما هو له وبه كاملٌ في نقصه ، أي هو كاملٌ بما هو به حمار وناقص بما ليس هو به إنساناً ؛ ولما لم يرد من الإنسان أن يكون حماراً حفظ عليه ما هو به إنسان ، ودرج إلى كمال الملك الذي هو به شبيه ؛ وهذا التدريج طريقه على الاختيار الجيد والتوفيق السابق . وبعدت - جعلني الله فداك - عن منهج القول وسنن الحديث ، وأطعت داعيةالوسواس ، وذهبت مع سانح الوهم ؛ وقد قيل : الحديث ذو شجون . وقد قال الأول : ولما قضينا من منى كل حاجةٍ . . . ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا . . . وسالت بأعناق المطي الأباطح فأرجع وأقول : قد أوصلت إليك الجزاين الأول والثاني على يد غلامك فائق ؛ وهذا الجزء - وهو الثالث - قد والله نفثتقال : فيه كل ما كان في نفسي من جدٍ وهزل ، وغثٍ وسمين ، وشاحبٍ ونضير ، وفكاهةٍ وطيب ، وأدبٍ واحتجاج ، واعتذارٍ واعتلال واستدلال ، وأشياء من طريف الممالحة على ما رسم لي ، وطلب مني ؛ ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلامٍ في خاص أمري ستقف عليه ، وتستأنف نظراً في حالي ، يكون - إن شاء الله - كظني بك ، ورجائي فيك ؛ وفيه بعض العربدة لم أخرج منه إلى كفرانٍ لنعمة ، ولا جحدٍ لإحسان ، ولا سترٍ ليدٍ ، ولا إنكارٍ لمعروف ، ولا شكٍ في عناية ؛ وإنما تكلمت على مذهب المدل المقل الذي يبعثه إقلاله على تجاوز قدرة بالدالة ، ويريع به إدلاله عن حسن أدبه بفرط الثقة ؛ ورب واثقٍ خجل ؛ وبالله المعاذ من ذلك ، وفي الحالين صاحب هذا المذهب لا يخلو من ولاء صحيح المعتقب ، وعقيدةٍ كسبيكة الذهب ؛ وأنت بكرم طباعك ، وسعة باعك ، تجبر نقصي ، وتأسو ما غث من جراحي ، وأمات اهتمامي ؛ ومن كان إحسانك إليه مشكوراً ، وتعذيرك عنده مستوراً ، لخليقٌ أن يكون على بالكخاطراً ، وبلسانك مذكوراً ، والسلام . وها أنا آخذ في نشر ما جرى على وجهه إلا ما اقتضى من الزيادة في الإبانة والتقريب ، والشرح والتكشيف . وقد جمع لك جميع ما شاهدته في هذه المدة الطويلة ، ليكون حظك من الكرم والمجد موفوراً ، ونصيبي من اهتمامك بأمري وجذبك بباعي وإنقاذك إياي من أسري تاماً ، فظني واعدٌ بأنك تبلغ بي ما آمله فيك وتتجاوزه وتتطاول إلى ما فوقه ، لأزداد عجباً مما خصك الله به ، وأفردك فيه ؛ وأتحدث على مر الأيام بغريبه ، وأحث كل من أراه بعدك على سلوك طريقك في الخير ، ولزوم منهاجك في الجميل ، والدينونة بمذهبك المستقيم ، وأكايد أصحابنا ببغداد ؛ وأقول لهم : هل كان في حسبانكم أن يطلع عليكم من المشرق من يزيد ظرفه على ظرفكم ، ويبعد بعلمه على علمكم ، ويبرز هذا التبريز في كل شيء تفخرون به على غيركم ، فأناظرهم فيك وبسببك ، لا مناظرة الحنبليين مع الطبريين ؛ وأتعصب لك ، لا تعصب المفضليين والبرغوثيين ؛ وأجادل من أجلك ، لا جدل الزيديين مع الإماميين ؛ وأدعي في فضائلك الظاهرة والباطنة دعوى أقوى من دعوى الشيعيين ؛ وأضرب في ذلك كل مثل ، وأستعين بكل سجع ، وأروي كل خبر ، وأنشد كلبيت ، وأعبر كل رؤيا ، وأقيم كل برهان ، وأستشهد كل حاضرٍ وغائب ، وأتأول كل مشكل وغامض ، وأضيف إليك الآية بعد الآية ، والمعجزة بعد المعجزة ، وأنصلت لكل ضريبة ، وأدعي كل غريبة ؛ هذا ولا أخلط كلامي بالهزل ، ولا أشيه دعواي بالمحال ، ولا أبعد الشاهد ، ولا أتعلق بالمستعجم ، ولا أجنح إلى التلفيق والتلزيق ؛ وكيف لا أفعل هذا ولي في قول الحق فيك مندوحة ، وفي تقديم الصدق على غيره كفاية ، وفي نشر المطوي من فضلك بلاغ ؟ وإنما يميل إلى الكذب من قعد به الصدق ، ويتيمم بالصعيد من فاته الماء ، ويحلم بالمنى من عدم المتمنى في اليقظة ؛ فأما أنت وقد ألبسك الله رداء الفضل ، وأطلعك من منبتٍ كريم ، ودرجك من بيتٍ ضخم ، وآتاك الحكمة ، وفتق لسانك بالبيان ، وأترع صدرك بالعلم ، وخلط أخلاقك بالدماثة ، وشهرك بالكرم ، وخفف عليك النهوض بكل ما يكسبك الشكر من القريب والبعيد ، وبكل ما يدخر لك الأجر عند الصادر والوارد ، حتى صرت كهفاً لأبناء الرجاء ، ومفزعاً لبني الآمال ؛ فبابك مغشيٌ مزور ، وفناؤك منتاب وخوانك محضور ، وعلمك مقتبس ، وجاهك مبذول ، وضيفك محدث ، وكتبك مستعارة ، وغداؤك حاضر ، وعشاؤك معجل ، ووجهك مبسوط ، وعفوك محمود ، وجدك مشكور ، وكل أمرك قائمٌ على النهاية ، وبالغٌ الغاية ، والله يزيدك ويزيدنا بك ، ولا يبتلينا بفقد ما ألفناه منك ، بمنه وجوده .
الليلة التاسعة والعشرون
قال الوزير - أعز الله نصره ، وأطاب ذكره ، وأطار صيته - ليلة : أحب أن أسمع كلاماً في قول الله عز وجل : ' هو الأول والآخر والظاهر والباطن ' ، فإن هذا الإيجاز لم يعهد في كلام البشر .فكان من الجواب : إن الإشارة في ' الأول ' إلى ما بدأ الله به من الإبداع والتصوير ، والإبراز والتكوين ؛ والإشارة في ' الآخر ' إلى المصير إليه في العاقبة على ما يجب في الحكمة من الإنشاء والتصريف ، والإنعام والتعريف ، والهداية والتوقيف . وقد بان بالاعتبار الصحيح أنه عز وجل لما كان محجباً عن الأبصار ، ظهرت آثاره في صفحات العالم وأجزائه ، وحواشيه وأثنائه ، حتى يكون لسان الآثار داعياً إلى معرفته ، ومعرفته طريقاً غلى قصده ، وقصده سبباً للمكانة عنده والحظوة لديه . على أنه في احتجابه بارز ، كما أنه في بروزه محتجب ؛ وبيان هذا أن الحجاب من ناحية الحس ، والبروز من ناحية العقل ، فإذا طلب من جهة الحس وجد محجوباً ، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزاً ، وهاتان الجهتان ليستا له تعالى ، ولكنهما للإنسان الذي له الحس والعقل ، فصار بهما كالناظر من مكانين ؛ ومن نظر إلى شيءٍ واحدٍ من مكانين نسبته إلى المنظور إليه مفترقة . وإنما شق هذا الأمر على أكثر الناس واختلفوا فيه ، لأنهم راموا تحقيق ما لا يحس بالحس ، ولو راموا ذاك بالعقل المحض بغير شوبٍ من الحس ، لكان المروم يسبق الرائم ، والمطلوب يلوح قبالة الطالب من غير كٍ لابس ، ولا ريبٍ موحش ، لأنه ليس في العقل والمعقول شكٌ ، وإنما الريب والشك والظن والتوهم كلها من علائق الحس وتوابع الخلقة ، ولولا هذه العوارض لما اغبر وجه العقل ، ولا علاه شحوب ، ولبقي على نضرته وجماله وحسنه وبهجته . ولما كان الإنسان مفيض هذه الأعراض في الأول ، صار مفيض هذه الأحوال في الثاني ، فاستعار من العقل نوره في وصف الأشياء الجسمية جهلاً منه وخطأ ، واستعار من ظلام الحس في وصف الأشياء الروحانية عجزاً منه ونقصاً ، ولو وفق لوضع كل شيء موضعه ونسبه إلى شكله ، ولم يرفع الوضيع إلى محل الرفيع ، ولم يضع الرفيع في موضع الوضيع . فلما بلغ الحديث هذا الحد ، عجب الوزير وقال : ما أعذب هذا المورد وما أعجبهذا المشهد وما أبعد هذا المقصد وما رأى لمصنفٍ من الموحدين متصرفاً في هذا النوع إلا لهذه العصابة الكريمة المخصوصة باليقظة . وسأل عن جشم في اسم الرجل ما معناه ؟ فكان من الجواب : إن أبا سعيد السيرافي الإمام ذكر عن ابن الأعرابي أنه يقال : رجلٌ عظيم الجشم . يعني وسطه ، ومنه سمي جشم . وقال : ما الحمحم ؟ وما الخمخم ؟ فقيل أما الحمحم فبقلٌ يهيج في اول الصيف وينبت فيؤكل في ذلك الوقت ؛ وأما الخمخم فبقلٌ آخر خبيثٌ منتن الريح . وقال : فأره المسك ، أتقولها بالهمز ؟ فكان من الجواب : حكاه ابن الأعرابي بالهمز . قال : عارضا الرجل ما يعني بهما ؟ قيل : قال أبو سعيد السيرافي : هما شعر خديه ، ولو قلت لأمرد : امسح عارضيك كان خطأ . وقال : سمعت اليوم في كلام ابن عبيد : لايثه ، وظننت أنه أراد : لاوثه من اللوث لوث العمامة . فقيل : بل يقال : لايثه إذا تشبه بالليث . وقال : ما الشاكد ؟فقيل : المعطي من غير مكافأة . قال : أو تهمز الكلمة ؟ فقيل : إني لو لم أهمز لكان مفاعلةً من كفيت . قال : والثانية ؟ تكون من كفأت الإناء . فما معناه ؟ قيل : قال أبو سعيد : كأنه قلب الحال إليه بالمثل . قال : الذود ، ما قدر عدده من الإبل ؟ قكان من الجواب : أن ابن الأعربي قال : الذور ما بين الثلاثة إلى العشرة . وإذا بلغت العشرين أو قاربت فهي قطعةٌ وصبةٌ وفرقةٌ وصرمةٌ حتى تبلغ الثلاثين والأربعين . ثم هي حدرة وعكرة وعجرمة حتى تبلغ مائة . ثم هنيدة . فإذا بلغت مائتين فهي خطر . وكذلك الثلاثمائة . فإذا بلغت أربعمائة فهي عرجٌ إلى الألف ، والجماعة عروج . فإذا كثرت عن الأربعين والخمسين فبلغت مائةً وزادت فهي جرجرو ، وإنما سميت جرجوراً لجراجرها وأصواتها . وقد تستعير العرب بعض هذا فتجعله في بعض . وقال : ما الفرق بين القبض والقبض ؟ فقيل : القبض لعددٍ ما كان قليلاً ولا كثيراً ؛ قال ابن الأعرابي : وأنشدني العامري لابن ميادة : عطاءكم قبضٌ ويحفن غيركم . . . وللحفن أغنى للفقير من القبض وقال : القبض بأطراف الأصاعب ، والقبض بالكف ، والحفن بالكف والراحة إلى فوق مفتوحةٌ قليلاً . هذا لفظه . وقال : الإل الذي هو العهد هل يجمع ؟ فقيل : حكى ابن الأعرابي في جمعه ، فقال : الإلٌ وألول . وقال : آم الرجل ماذا ؟ فقيل : هذا على وجوه ؛ يقال : آم الرجل يؤوم أواماً من العطش ؛ ويقال آم الرجل يؤوم إياما ، وهو الدخان . وآم الرجل يئيم إذا بقي بغير حليلة ، والأيم مستعملٌ في الرجل والمرأة . قال : هذا نمط مفيد ، ويجب أن يجمع منه جزءٌ أو جزآن ليسهل علىالطرف المجال فيه ، فإن الكتب الطوال مسئمة ، وإذا تداخل اللطيف بالكثيف وما رق بما غلظ نبت النفس ، ودب الملل والإنسان كسله من طينه ، ونشاطه من نفسه ، والطين أغلب من النفس . فكان الجواب : السمع والطاعة للأمر المشرف . قال : هات حديثاً يكون مقطعاً للوداع ، فإن الليل قد عبس وجهه ، وجنح كاهله ، وأهدى إلى العين سنةً تسرق الذهن وتسبي الرأي . فكان من الجواب أنه مر بي اليوم حديثٌ ما جرى منذ ليالٍ في فساد الناس وحؤول الزمان ، وما دهم الخاص والعام في حديث الدين الذي هو العمود والدعامة في عمارة الدارين ، وقد طال تعجبي منه ، وصح عندي أن الداء في هذا قديم ، والوجع فيه أليم . قال : فهات فتشبيبك قد رغب شديداً ، غرامك قد بعث جديداً . فكان من ذلك الحديث أن محمد بن سلام قال فيما حدثنا به أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد الله قال : حدثنا السكري أبو سعيد قال : قال محمد بن سلام : سمعت يونس يقول : فكرت في أمرٍ فاسمعوه . قلنا : هاته . قال : كل من أصبح على وجه الأرض من أهل النار إلا أمتنا هذه ؛ والسلطان ومن يطيف به هلكى إلا قليلاً ، فإذا قطعت هذه الطبقة حتى تبلغ الشام فأكلة رباً وباغيةٌ وشربة خمرٍ وباعتها إلا قليلاً ، فإذا خلفت هذا الرمل حتى تأتي رمل يبرين وأعلام الروم فلا غسل من جنابة ، ولا إسباغ وضوء ، ولا إتمام صلاة ، ولا علم بحدود ما أنزل الله على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا قليلاً ؛ فإذا صرت إلى الأمصار فأصحاب هذهالكراسي ليس منهم إلا ذئبٌ مشتغرٌ بذنبه ، يختلك عن دينارك ودرهمك ، يكذب ، ويبخس في الميزان ، ويطفف في المكيال ، إلا قليلاً ؛ فإذا صرت إلى أصحاب الغلات الذين كفوا المؤونة وأنعم عليهم وجدتهم يمسي أحدهم سكران ويصبح مخموراً ، إلا قليلاً ؛ ومعي والله منهم قطيعٌ في الدار ، فإذا صرت إلى قومٍ لم ينعم عليهم بما أنعم على هؤلاء ، وهم يشتهون ما يشتهي هؤلاء ، فواحدٌ لص ، وآخر طرار ، وآخر مستقفٍ إلا قليلاً ، فإذا صرت إلى أصحاب هذه السواري ، فهذا يشهد على هذا بالكفر ، وهذا يبرأ من هذا ، والله لئن لم يعمنا الله برحمته إنها للفضيحة . فقال الوزير : لقد شردت النوم عن عيني ، وملأت قلبي عجباً ، فإن الأمر لكما قال ، فإذا كان هذا قوله في عصره ، وشجرة الدين على نضارة أغصانها وخضرة أوراقها ، وينع ثمارها ، فما قوله - ترى - فينا لو لحقنا ، وأدرك زماننا ، إنا لله وإنا إليه راجعون .
الليلة الثلاثون
وقال الوزير - أدام الله أيامة - سراويل يذكر أم يؤنث ، ويصرف أم لا ؟ فكان الجواب : أن علي بن عيسى حدثنا عن شيخه ابن السرج قال : سألت المبرد فقلت : إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصرف في مثل شعره هراميلوهذه سراويل وما أشبهه ، فقال : ألحقه بالجمع فأمنعه الصرف ، لأنه مثله وشبيهه . قال : وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك ، فقال : أخبرنا سلمة عن الفراء قال : ألحقه بأحمد فامنعه الصرف في المعرفة ، واصرفه في النكرة حتى يكون بين الواحد والجمع فرق . وسأل فقال : ما واح المناخيب والمناجيب وما حكمهما ؟ فكان من الجواب : واحد المناخيب منخاب ، يمدح به ويذم ، فإذا كان مدحاً فهو مأخوذ من النخب ، وهو الاختيار ، وإذا كان ذماً فهو مأخوذٌ من النخبة ، وهي الاست . قال : وهكذا المنجاب يكون مدحاً وذماً ، فإذا كان مدحاً فهو مأخوذٌ من الانتجاب ، وهو الاختيار ، وإذا كان ذماً فهو مأخوذٌ من النجب ، وهو قشر الشجر . قال : ما معنى قولهم : امرأةٌ عروبٌ ؟ فكان من الجواب أن محمد بن يزيد قال - على ما حدثنا به أبو سعيد وابن السراج عنه - إنه من الأضداد ، وهي المتحببة إلى زوجها ؛ وهي الفاسدة ، مأخوذٌ من قولهم : عربت معدته إذا فسدت . وقال : الضهياء يمد ويقصر ؟ فكان من الجواب أن ابن الأعرابي قال : الذي حصلته عن الأعراب أن الضهياء الممدودة هي التي لا تحيض ، وأن المقصورة هي الياسمين ، وجمع الأول ضهىٌ وجمع المقصور ضهايا . قال : ما معنى المندلي المطير ؟ فكان من الجواب : أن ابن الأعرابي قال : هو مقلوب المطري . وقال :أنشدني غزلاً ، فأنشدته ما حضر في الوقت لأعرابي : أمر مجنباً عن بيت سلمى . . . ولم ألمم به وبه الغليل أمر مجنباً وهواي فيه . . . وطرفي عنه منكسرٌ كليل وقلبي فيه مقتتلٌ فهل لي . . . إلىقلبي وقاتله سبيل وقال : أتحفظ الأبيات التي فيها : تكفيه فلذة كبدٍ إن ألم بها . . . من الشواء ويكفي شربه الغمر فأنشده ابن نباتة ، وذاك لأني قلت : ما أحفظ إلا هذا البيت شاهداً ، وهو لأعشى باهلة يرثي المنتشر : إني أتتني لسان لا أسر بها . . . من علو لا عجبٌ منها ولا سخر فبت مرتفعاً للنجم أرقبه . . . حيران ذا حذر لو ينفع الحذر وجاشت النفس لما جاء جمعهم . . . وراكبٌ جاء من تثليث معتمر يأتي على الناس لا يلوي على أحدٍ . . . حتى التقينا وكانت دوننا مضرنعيت من لا تغب الحي جفنته . . . إذا الكواكب أخطا نوأها المطر من ليس في خيره شرٌ يكدره . . . على الصديق ولا في صفوه كدر طاوي المصير على العزاء منصلت . . . بالقوم ليلة لا ماءٌ ولا شجر لا تنكر البازل الكوماء ضربته . . . بالمشرفي إذا ما اجلوذ السفر وتفزع الشول منه حين تبصره . . . حتى تقطع في أعناقها الجرر لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه . . . وكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمر يكفيه حزة فلذانٍ ألم بها . . . من الشواء ويكفي شربه الغمر لا يتأرى لما في القدر يرقبه . . . ولا يعض على شرسوفه الصفر لا يغمز الساق من أين ومن وصبٍ . . . ولا يزال أمام القوم يقتفر مهفهفٌ أهضم الكشحين منخرقٌ . . . عنه القميص بسير الليل محتقر عشنا بذلك دهراً ثم فارقنا . . . كذلك الرمح ذو النضلين ينكسر لا تأمن الناس ممساه ومصبحه . . . من كل أوبٍقال : وإن لم يأت ينتظر إما يصبك عدوٌ في مناوأةٍ . . . يوماً فقد كنت تستعلي وتنتصر لو لم تخنه نفيلٌ وهي خائنةٌ . . . ألم بالقوم وردٌ منه أو صدر وراد حربٍ شهابٌ يستضاء به . . . كما يضيء سواد الطخية القمر إما سلكت سبيلاً كنت سالكها . . . فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر من ليس فيه إذا قاولته رهقٌ . . . وليس فيه إذا ياسرته عسرالليلة الواحدة والثلاثون
وجرى ليلةً حديث الرأي في الحرب والحزم والتيقظ وقلة الاستهانة بالخصم ، فقال ابن عبيد الكاتب : أنا أستحسن كلاماً جرى أيام الأمين والمأمون ، وذاك أن علي بن عيسى بن ماهان لما توجه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد ، سأل قوماً وردوا من الري عن طاهر ، فقالوا : إنه مجدٌ . فقال : وما طاهرٌ ؟ إنما هو شوكةٌ من أغصاني ، وشرارةٌ من ناري ؛ ثم قال لأصحابه : والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصفة إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان ، لأن السخال لا تقوى على النطاح ، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسود ، فإن يقم طاهرٌ بموضعه يكن أول معرض لظبات السيوف وأسنة الرماح . فقال يحيى بن عليٍ لعلي بن عيسى : أيها الأمير ، إن العساكر لا تساس بالتواني ، والحروب لا تدبر بالاغترار ، وإن الشرارة الخفية ربما صارت ضراماً ، والنهلة من السيل ربما صارت بحراً عظيماً . فقال : إنما حجب علي بن عيسى عن وثيق الرأي هذا الاستحقار بالكلام ، والاقتدار على اللفظ ، ومن صدق فكره في طلب الرأي النافع ، قل كلامه بالهذر الضائع . وقال في هذه الليلة : ما رأيت من بقي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها . فكان من الجواب : أن الأخفش قد ذكر عشرة أوجه ، وهي أكثر ما قدر عليه ، والتصفح قد دل على أربعين وجهاً وزيادة . قال : فما أغرب ما مر بك منها ؟ فقيل : فعيلٌ بمعنى فعل . فقال : هذا والله غريب ، فهات له شاهداً . فقيل : يقال مكانٌ دميثٌ ودمثٌ ، ويقينٌ ويقنٌ ، ورصيفٌ ورصفٌ ؛ وللفرس العتيد للعدو : العتد ؛والنقيل من العدو : نقل ؛ والخبيط من الورق : خبط ؛ وللقديم : قدم ؛ والبئر النزيح : نزح ، واللجسم العميم : عمم . وقال ابن الأعرابيك القفيل : الشوك اليابس ، والجمع قفل . وقال أحمد بن يحيى : هو مني بعدٌ أي بعيد ، والبعد يكون للجمع والواحد . فعجب وقال : ينبغي أن يعني بهذه الوجوه كلها . فإن الزيادة على مثل الأخفش ظفرٌ حسن ، وامتيازٌ في الغزارة جميل ، وما تفاضلت درجات العلماء إلا بتصفح الأخير قول الأول واستيلائه على ما فاته . وسأل - أباد الله عداه ، وحقق مناه - وقال : هل يسلم على أهل الذمة ؟ وهل يبدأون ؟ فكان أبو البختري الداودي حاضراً - فحكى أن عمر بن عبد العزيز سئل عن هذا بعينه ، فقال : يرد عليهم السلام ، ولا يأس بأن يبدءوا ، لقول الله عز وجل : ' فاصفح عنهم وقل سلامٌ ' . وحكي في معرض حديث أبي بكر قال : كتب مجنونٌ إلى مجنون : ' بسم الله الرحمن الرحيم ، حفظك الله ، وأبقاك الله ، كتبت إليك ودجلة تطغى ، وسفن الموصل ها هي ، وما يزداد الصبيان إلا شراً ، ولا الحجارة إلا كثرة ، فإياك والمرق فإنه شر طعامٍ في الدنيا ، ولا تبت إلا وعند رأسك حجرٌ أو حجران ، فإن الأخير يقول : ' وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ' . وكتبت إليك لثلاث عشرة واربعين ليلة خلت من عاشوراءسنة الكمأة ' . قال : وكتب مجنونٌ آخر : ' أبقاك الله من النار وسوء الحساب ، وتفديك نفسي موفقاً إن شاء الله ' . قال : وكتب مجنون آخر إلى مجنونٍ مثله : وهب الله لي جميع المكاره فيك ، كتابي إليك من الكوفة حقاً حقاً حقاً ، أقلامي تخط ، والموت عندنا كثير ، إلا أنه سليم والحمد لله ، أحببت ليعرفه إعلامكم ذلك إن شاء الله . فضحك - أضحك الله سنه - حتى استلقى ، وقال : ما الذي يبلغ بنا هذا الاستطراف إذا سمعنا بحديث المجانين ؟ فقال ابن زرعة : لأن المجنون مشاركٌ للعاقل في الجنس ، فغذا كان من العاقل ما يحسب أن يكون من المجنون كره ذلك له ، وإذا كان من المجنون ما يعهد من العاقل تعجب منه ، والعقل بين أصحابه ذور عرضٍ واسع ، وبقدر ذلك يتفاضلون التفاضل الذي لا سبيل إلى حصره ، وكذلك الجنون بين أهله ذو عرضٍ واسع ، وبحسب ذلك يتفاوتون التفاوت الذي لا مطمع في تحصيله ، وكما أنه يبدر من العاقل بعض ما لا يتوقع إلا من المجنون كذلك يبدر من المجنون بعض ما لا يتوقع إلا من العاقل ، ولا يعتد بذلك ولا بهذا ، أعني أن العاقل بذلك المقدار لا يرى مجنوناً ، والمجنون بذلك المقدار لا يسمى عاقلاً ، وإنما اجتمعا في النادر القليل ، لاجتماعهما في الجنس الذي يعمهما ، والنوع الذي يفصلهما ، وفي الجملة الإنسان بما هو به حيوانٌ سبعٌ وحمار ، وبما هو به نفسيٌ إنسان ، وبما هو به عاقلٌ نبيٌ وملك ؛ وهذه الأعراض - وإن تداخلت لانتظامها في طينة واحدة - فإنها تتميز بقوة العقل في الصورة المخلوطة إما مفارقة ، وإما مواصلة . ومر له في هذا الموضع كلامٌ بليغٌ تامٌ مكشوف .
كمل الجزء الثاني من كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي حسب تجزئتنا والحمد لله رب العاليمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ويليه الجزء الثالث من هذا الكتبا وأوله : ثم ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين ، الخ . نسأل الله المعونة وحسن التوفيق .الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم بقية الليلة الحادية والثلاثين في آخر الجزء الثاني ثم ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين ، والذين يهشون عند المائدة ، والذين يعبسون ويجمون ويطرقون ، والذين يصخبون ويلغطون ، ويضجرون ويغتاظون . فقال : أحب أن أسمع في هذا أكثر ما فيه ، ويمر بي أعجبه ، فإن في معرفة هذا الباب تهذيباً وإيقاظاً كثيراً . فكان في الجواب : إن الناس قديماً وحديثاً قد خاضوا في هذا الفن خوضاً بعيداً ، وما وقفوا منه عند حد ، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة ، والطبائع المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاءٌ للمستمع المستفيد و لا للرواية المفيد . قال : قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا : الحث على الأكل أحسن ، أم الإمساك حتى يكون من الأكل ما يكون ؟ فكان من الجواب : أن هذه المسئلة بعينها جرت بالأمس بالري عند ابن عباد فتنوهب الكلام فيها ، وأفضى إلى أن الأولى الحث والتأنيس والبسط والطلاقة وليناللفظ وقلة التحديق وإسجاء الطرف مع اللطف والدماثة ، من غير دلالةٍ على تكلفٍ في ذلك فاضح ولا إمساكٍ عنه قادح . وحكى ابن عباد في هذا الموضع ان بعض السلف قال : الطعام أهون من أن يحث على تناوله . وقال الحسن بن عليك الطعام أجل من أن لا يحث على تناوله ، ومذهب الحسن أحسن . قال : ولقد حضرت مولد ناسٍ لا أظن بهم البخل فلم يحثوني ولم يبسطوني فقبضني ذلك ، وكأن انقباضي كان بمعونتهم ، وإن لم يكن بإرادتهم . قال الوزير : هذه فائدة من هذا الرجل الذي يتهادى قوله ، وتتراوى أخباره . ثم حكيت له أن أسماء بن حارجة قال : ما صنعت طعاماً قط فدعوت عليه نفراً إلا كانوا أمن علي مني عليهم . فقال : زدنا من هذا الضرب ما كان ، قلت : لو أذن لي في جمعه كان أولى ؛ قال : لك ذلك فما يضرنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا . فكان من الجواب أن الجاحظ قد أتى على جمهرة هذا الباب إلا ما شذ عنه مما لم يقع إليه ، فإن العالم - وإن كان بارعاً - ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط بكل باب ، أو بالباب الواحد إلى آخره ؛ على أنه حدث من عهد الجاحظ إلى وقتنا هذا أمورٌ وأمور ، وهناتٌ وهناتٌ ، وغرائب وعجائب ، لأن الناس يكتسبون على رأس كل مائة سنةٍ عادةً جديدة ، وخليقةً غير معهودةٍ ، وبدء هذه المئين هو الوقت الذي فيه تنعقد شريعة ، وتظهرنبوة ، وتفشو أحكام ، وتستقر سنن ، وتؤلف أحوالٌ بعد فطامٍ شديد ، وتلكؤٍ واقع ؛ ثم على استنان ذلك يكون ما يكون . وقال ميمون بن مهران : من ضاف البخيل صامت دابته ، واستغنى عن الكنيف ، وأمن التخمة . وقال حامد اللفاف المتزهد : المرائي إذا ضاف إنساناً حدثه بسخاوة إبراهيم ، وإذا ضافه إنسانٌ حدثه بزهد عيسى بن مريم . وقال مالك بن دينار : دخلنا على ابن سيرين فقال : ما أدري ما أطعمكم ؟ ثم قدم إلنيا شهدة . وقال الأعمش : كان خيثمة يصنع الخبيص ثم يقول : كلوا فوالله ما صنع إلا من أجلكم . وقال بكر بن عبد الله المزني : أحق الناس بلطمةٍ من إذا دعي إلى طعامٍ ذهب بآخر معه ، وأحقهم بلطمتين من إذا قيل له : اجلس ها هنا قال : بل ها هنا ؛ وأحق الناس بثلاث لطمات من إذا قيل له : كل ، قال : ما بال صاحب البيت لا يأكل معنا . وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهن وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه ، وخدمة الضيف بنفسه إكراماً له . وقال حاتم الأصم : كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس ، فإنها من سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : إطعام الضيف إذا حل ، وتجهيز الميت إذا مات ، وتزويج البكر إذا أدركت ، وقضاءالدين إذا حل ووجب ، والتوبة من الذنب إذا وقع . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : : ليلة الضيف حقٌ واجبٌ على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو أحق به إن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ' . وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد وفي يدها قدح ، فسألت عسلاً وقالت : زوجي مريض ؛ فأمر لها براوية عسل ؛ فقالوا : يا أبا الحرث : إنما تسأل قدحاً . قال : سألت قدرها ونعطيها على قدرنا . خرج ابن المبارك يوماً إلى أصحابه ، فقال لهم : نزل بنا ضيفٌ اليوم فقال : اتخذوا لي فالوذجاً ؛ فسرنا ذلك منه . وقال الحسن في الرجل يدخل بيت أخيه فيرى السلة فيها الفاكهة : لابأس أن يأكل من غير أن يستأذنه . وقال ابن عمر : أهديت لرجل من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شاةٌ فقال : أخي فلانٌ أحوج إليها ، وبعث بها إليه ، فلم يزل يبعث بها واحدٌ بعد واحد حتى تداولها تسعة أبيات ، ورجعت إلى الأول ، فنزلت الآية : ' ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ' . قال أبو سعيد الخدري : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' من كان له ظهرٌ فليعد على من لا ظهر له ؛ ومن كان له زادٌ فليعد على من لا زاد له ، حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في الفضل ' . وسئل ابن عمر . ما حق المسلم على المسلم ؟ قال : ألا يشبع ويجوع ، وألا يلبس ويعرى ، وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه . وكان ابن أبي بكرة ينفق على جيرانه أربعين داراً سوى سائر نفقاته ، وكان يبعث إليهمبالأضاحي والكسوة في الأعياد ، وكان يعتق في كل يوم عيدٍ مائة مملوك . وكان حماد بن أبي سليمان يفطر كل ليلةٍ من شهر رمضان خمسين إنساناً ، وإذا كان يوم الفطر كساهم ثوباً ثوباً وأعطاهم مائة مائة . وقال الشاعر : أراك تؤمل حسن الثناء . . . ولم يرزق الله ذاك البخيلا وكيف يسود أخو بطنةٍ . . . يمن كثيراً ويعطي قليلا وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' تجافوا عن ذنب السخي ، فإن الله يأخذ بيده كلما عثر ' . وقال عليه السلام : ' من أدى الزكاة ، وقرة الضيف ، وآوى في النائبة ، فقد وقي شح نفسه ' . وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز : أفٍ للبخل ، ولو كان طريقاً ما سلكته ، ولو كان ثوباً ما لبسته ، ولو كان سراجاً ما استضأت به . وقال الأصمعي : قال بعض العرب : ليست الفتوة الفسق ولا الفجور ، ولا شرب الخمور ، وإنما الفتوة طعامٌ موضوع ، وصنيع مصنوع ، ومكانٌ مرفوع ، ولسانٌ معسول ، ونائل مبذول ، وعفاف معروف ، وأذى مكفوف . وقال أبو حازم المدني : أسعد الناس بالخلق الحسن صاحبه ، نفسه منه في راحة ، ثم زوجته ، ثم ولده ، حتى إن فرسه ليصهل إذا سمع صوته ، وكلبه يشرشر بذنبه إذا رآه وقطه يدخل تحت مائدته ، وإن السيىء الخلق لأشقى الناس ، نفسه منه في بلاء ، ثم زوجته ، ثم ولده ، ثم خدمه ، وإ ، ه ليدخل وهم في سرور فيتفرقون فرقاً منه ، وإن دابته لتحيد عنه إذا رأته ، مما ترى منه ، وكلبه ينزو على الجدار ، وقطه يفر منه . وكان على باب ابن كيسان مكتوب : ادخل وكل . وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في بكائها على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : بأبي من لم ينم علىالوثير ، ولم يشبع من خبز الشعير . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إن الله لم يخلق وعاءً ملىء شراً من بطنٍ ، فإن كان لابد فاجعلوا ثلثاً للطعام ، وثلثاً للشراب ، وثلثاً للريح ' . قال الشاعر : ليسوا يبالون إذا أصبحوا . . . شبعى بطاناً حق من ضيعوا ولا يبالون بمولاهم . . . والكلب في اموالهم يرتع وحكى لنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بجرجان إمام الدنيا قال : رأيت أبا خليفة المفضل بن الحباب ، وقد دعي إلى وليمةٍ فرأى الصحاف توضع وترفع ، فقال : أللحسن والمنظر دعينا ، أم للأكل والمخبر ؟ فقيل : بل للأكل والمخبر ، قال : فاتركوا الصحفة يبلغ قعرها . وكان سليمان بن ثوابة ضخم الخوان ، كثير الطعام ، وافر الرغيف ، وكان معجباً بإجادة الألوان ، واتخاذ البدائع والطرائف والغرائب على مائدته ؛ وكانت له ضروبٌ من الحلوى لا تعرف إلا به ، وكان خبزه الذي يوضع على المائدة الرغيف من مكوك دقيق ، ولذلك قال أبو فرعون العدوي : ما الناس إلا نبطٌ وخوزان . . . ككهمسٍ أو عمر بن عمران ضاق جرابي عن رغيف سلمان . . . أبا حمار في حر أم قحطان وأير بغلٍ في است أم عدنان . . . .وعشق رجلٌ جاريةً رومية كانت لقوم ذوي يسار ، فكتب إليها يوماً : جعلت فداك ، عندي اليوم أصحابي ، وقد اشتهيت سكباجةً بقرية فأحب أن توجهي إلينا بما يعمنا ويكفينا منها ، ودستجةً من نبيذٍ لنتغذى ونشرب على ذكرك ، فلما وصلت الرقعة وجهت إليه بما طلب ؛ ثم كتب إليها يوماً آخر : فدتك نفسي ، إخواني مجتمعون عندي ، وقد اشتهيت قليةً جزورية فوجهي بها إلي وما يكفينا من النبيذ والنقل ، ليعرفوا منزلتي عندك ، فوجهت إليه بكل ما سأل ؛ ثم كتب إليها يوماً آخر : جعلت فداك ، قد اشتهيت أنا وأصحابي رءوساً سماناً ، فأحب أن توجهي إلينا بما يكفينا ، ومن النبيذ بما يروينا ؛ فكتبت الجارية عند ذلك : إني رأيت الحب يكون في القلب ، وحبك هذا ما تجاوز المعدة . وكتبت أسفل الرقعة : عذيري من حبيبٍ جا . . . ءنا في زمن الشده وكان الحب في القلب . . . فصار الحب في المعده وقال جرير : ولا يذبحون الشاة إلا بميسرٍ . . . كثيرٌ تناجيها لئامٌ قدورهاوقالت عادية بنت فرعة الزبيرية في ابنها دوس : تشبه دوس نفراً كراما كانوا الذرى والأنف والسناما كانوا لمن خالطهم إداما كالسمن لما سغبل الطعاما يقال سغبل رأسه بالدهن وسغسغه ورواه وأمرعه . قال الواقدي : قيل لأم أيوب : أي الطعام كان أحب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : فقد عرفتم ذلك بمقامه عندكم ؟ فقالت : ما رأيته أمر بطعامٍ يصنع له بعينه ، ولا رأيناه أتى بطعام فعابه قط . وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ليلةً من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة فيها طفيشل فرأيته ينهك تلك القصعة ما لم ينهك غيرها ، فرجع إلي فأخبرني ، فكنا نعملها له . وكنا نعمل له الهريسة ، وكانت تعجبه ، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستةٍ إلى عشرة كما يكون الطعام في القلة والكثرة . وكان أسعد بن زرارة يعمل له هريسة ليلةً وليلةً لا ، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يسأل عنها ؛ أجاءت قصعة أسعد أم لا ؟ فيقال : نعم ، فيقول : هلموها ؛ فنعرف بذلك أنها تعجبه . قدم صهيب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بقباء ومعه أبو بكرٍ وعمر ، بين أيديهم رطبٌ قد جاءهم به كلثوم بن الهدم أمهات جراذبن وصهيبٌ قدرمد في الطريق ، وأصابته مجاعةٌ شديدة ، فوقع في الرطب ؛ قال صهيب : فجعلت آكل ، فقال عمر : يا رسول الله ، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أتأكل الرطب وأنت رمد ؟ ' فقال صهيب : أنا آكل بشق عيني الصحيحة ، فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال الأعشى : لو أطعموا المن والسلوى مكانهم . . . ما أبصر الناس طعماً فيهم نجعا وقال الكميت : وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا . . . ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب يقول إذا جاورنا جارٌ لم نكلفه أن يطبخ من عنده ، ويكون ما يطبخه من عندنا بما نعطيه من اللحم لينصب قدره . ويقال للحيس سويطة . وقال : الرغيغة لبن يطبخ . وقال : هي العصيدة ، ثم الحريرة ثم النجبرة ، ثم الحسو . واللوقة : الرطب بالسمن ، والسليقة : الذرة تدق وتصلح باللبن ، والرصيعة : البر يدق بالفهرويبل ويطبخ بشيء من السمن ، والوجيئة : التمر يوجأ ثم يؤكل باللبن . وقال أعرابي : ليس من الألبان أحلى من لبن الخلفة . والنخبسة والقطبية يخلط لبن إبلٍ بلبن غنم . وقال أعرابي : الحمد لله الذي أغنانا باللبن عما سواه . ويقال أكل خبزاً قفاراً وعفاراً وعفيراً : لا شيء معه وعليه العفار والدمار وسوء الدار ؛ وأكل خبزاً جبيزاً أي فطيراً يابساً . وجاء بتمر فضٍ وفضاً وفذٍ وحثٍ : لا يلزق بعضه ببعض . قال أبو الحسن الطوسي : أخبرني هشام قال : دخل علي فرجٌ الرخجي وقد تغديت واتكأت ، فقال : يا أبا عبد الله : إنما تحسن الأكل والاتكاء . قال : فتركت الأكل عنده أياماً ، وبلغه ذلك ، فبعث إلي : إن كنت لا تأكل طعامنا فليس لنا فيك حاجة . قال : فأكلت شيئاً ثم أتيته فلم يعتذر مما كان . قال أبو الحسن : أخبرني الفراء قال : العرب تسمى السكباجة الصعفصة . وأنشد : أبو مالكٍ يعتادنا في الظهائر . . . يجوء فيلقي رحله عند عامرأبو مالك : الجوع ، هكذا تقول العرب ويجىء ويجوء لغتان . وقال الآخر : رأيت الغواني إذ نزلت جفونني . . . أبا مالكٍ إني أظنك دائبا أبو مالك ها هنا الشيب . قال أبو الحسن : أخبرني الثوري عن أبي عبيدة في الحديث الذي يروى عن عمر بن الخطاب أنه رأى في روث فرسه حبة شعير ، فقال : لأجعلن لك في غرز النقيع ما يشغلك عن شعير المسلمين . قال : والنقيع : موضع بالمدينة أحماه عمر بن الخطاب لخيل المسلمين ، خلاف البقيع بالباء . قال الطوسي : العرب تقول : أيدي الرجال أعناقها ، أي من كان أطول يداً على المائدة تناول فأكل ، الهاء ترجع على الإبل ، أي أيدي الرجال أعناق الإبل ، أي من طال نال . قال الأصمعي : سألت بعض الأكلة فيمن كان يقدم على ميسري الناس كيف تصنع إذا جهدتك الكظة - والعرب تقول : إذا كنت بطناً فعدك زمناً - ؟ قال : آخذ روثاً حاراً وأعصره وأشرب ماءه ، فاختلف عنه مراراً ، فلا ألبث أن يلحق بطني بظهري فأشتهي الطعام . قال ابن الأعرابي : قال الكلابي : هو يندف الطعام إذا أكله بيده ، ويلقم الحسو ،واللقم بالشفة ، والندف : الأكل باليد . وقال الزبيري : يندف . وأنشد ابن الأعرابي : ويظل ضيف بني عبادة فيهم . . . متضمراً وبطونهم كتم أي ممتلئة . والتضمر : الهزال والنحافة ، كالنخل المصمر ، أي الذي قد ذوت جذوعه . قال الشنبوذي في قول الله تعالى : ' قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ' . قال : الذين يثردون ويأكل غيرهم . قال أبو الحسن : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفاً كأنها طلعةٌ ، في ذراعٍ كأنها جمارة ، فلا تقع عينها على أكلةٍ نفيسةٍ إلا خصتني بها ، فزوجتها ، وصار يجلس معي على المائدة ابنٌ لي ، فيبرز لي كفاً كأنها كرنافة ، في ذراعٍ كأنها كربة ، فوالله إن تسبق عيني إلى لقمةٍ طيبةٍ إلا سبقت يده إليها . وقال أعرابيٌ للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إني نذرت إذا بلغتني ناقتي أن أنحرها وآكل من كبدها . قال : ' بئسما جازيتها ' . أضل أعرابيٌ بعيراً له ، فطلبه ، فرأى على باب الأمير بختياً ، فأخذه وقال : هذا بعيري ، فقال : إنك أضللت بعيراً وهذا بختي . فقال : لما أكل علف الأمير تبخت . فضحك منه وتركه يعيد قوله ويعجبه . الكدبة : غلظ اللحم وتراكمه ، ومنه قول هشامٍ لسالم - وقد رآه فأعجبه جسمه - : مارأيت ذا كدنةٍ أحسن منك ، فما طعامك ؟ قال : الخبز والزيت . قال : أما تأجمه ؟ قال : إذا أجمته تركته حتى أشتهيه ، ثم خرج وقد أصاب في جسمه برصاً . فقال لقمني الأحوال بعينه ، فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه . وقال عبد الأعلى القاص : الفقير مرقته سلقة ، وغذاؤه علقة ، وخبزته فلقة ، وسمكته شلقة ، أي كثيرة الشوك . قال رجاء بن سلمة : الأكل في السوق حماقة . قيل لذؤيب بن عمرو : إنك مفلسٌ لا تقدر على قرصٍ ولا جمعٍ ولا حفاةل ، وبيتك عامرٌ بالفأر . قال علي بن عيسى : الطلاق الثلاث البتة إن كان يمنعهم من التحول عنه إلا أنهم يسرقون أطعمة الناس يأكلونها في بيته لأمنهم فيه ، لأنه لا هر هناك ولا أحد يأخذ شيئاً ولا يؤذون ، وإن لهم لمسقاةً مملوءةً ماءً كلما جفت سكب لهم فيها ماءٌ . جعل الخبر عن الفأر على التلميح ، كالخبر عن قومٍ عقلاء . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أكرموا الخبز فإن الله أكرمه وسخر له بركات السموات والأرض ' . وقال آخر :كأن صوت سحبها الممتاح . . . سعال شيخٍ من بني الجلاح يقول من بعد السعا آح قال الأصمعي : الرجيع : الشواء يسخن ثانيةً . والنقيعة ما يحرزه رئيس القوم من الغنيمة قبل أن تقسم والجمع نقائع . وقال : أنشدني عيسى بن عمر لمعاوية بن صعصعة : مثل الذرى لحبت عرائكها . . . لحب الشفار نقائع النهب وقال مهلهل : إنا لنضرب بالسيوف رءوسهم . . . ضرب القدار نقيعة القدام القدار : الجزار والقدار : الملك أيضاً . والقدام : رؤساء الجيوش ، والواحد قادم . وقال معن بن أوس يصف هدير قدرٍ : إذا التطمت أمواجها فكأنها . . . عوائد دهمٌ في المحلة قيل إذا ما انتحاها المرملون رأيتها . . . لوشك قراها وهي بالجزل تشعلسمعت لها لغطاً إذا ما تغطمطت . . . كهدر الجمال رزماً حين تجفل وقال آخر : إذا كان فصد العرق والعرق ناضبٌ . . . وكشط سنام الحي عيشاً ومغنما وكان عتيق القد خير شوائهم . . . وصار غبوق الخود ماءً محمما عقرت لهم دهماً مقاحيد جلةً . . . وعادت بقايا البرك نهباً مقسما قال : وإذا كان القحط فصدوا الإبل وعالجوا ذلك الدم بشيء من العلاج لها كما يصنع الترك ، فإنها تجعله في المصران ، ثم تشويه أو تطبخه ، فيؤكل كما تؤكل النقانق وما أشبه ذلك . وأما قوله : والعرق ناضبٌ ، فإنما يعني قلة الدم لهزال البعير ، وكذلك جميع الحيوان ، وأكثر ما يكون دماً إذا كان بين المهزول والسمين . وقالت أم هشام السلولية : ما ذكر الناس مذكوراً خيراً من الإبل وأجدى على أحدٍ بخيرٍ ؛ هكذا روي . وقال الأندلسي : إن حملت أثقلت ، وإن مشت أبعدت ، وإن حلبت أروت ، وإننحرت أشبعت . قال أبو الحسن الهيثم ، عن عبد العزيز بن يسار قال : قدمت يا جميري بخمس سفائف دقيق ، وذاك في زمن مصعب وهو معسكرٌ بها فلقيني عكرمة بن ربعي الشيباني فقال : بكم أخذتها ؟ قلت : بتسعين ألفاً . قال : فإني أعطيك مائةً وخمسين ألفاً على أن تؤخرني . فدفعتهن إليه ، وما في المعسكر يومئذ دقيق . قال : فجاء بنو تيم الله فأخذوا ذلك الدقيق ، فجعل كل قومٍ يعجنون على حيالهم ، ثم جاءوا إلى رهوةٍ من الأرض فحفروها ، ثم جعلوا فيها الحشيش ، ثم طرحوا ذلك العجين فيها ، ثم أقبلوا فأخذوا فرساً وديقاً . . . فخلوا عنه ، ثم أقبلوا وهو يتبعهم حتى انتهوا إلى الحفيرة ، فدفعوا الفرس الوديق فيها ، وتبعها الفرس ، وتنادى الفريقان : إن فرس حوشب وقع في حفيرة عكرمة فما أخرجوه إلا بالعمد . قال : فغلبه عكرمة . قال شاعر : لا أشتم الضيف إلا أن أقول له : . . . أباتك الله في أبيات عمار أباتك الله في أبيات معتزٍ . . . عن المكارم لا عفٍ ولا قاري جلد الندى زاهدٍ في كل مكرمةٍ . . . كأنما ضيفه في ملة النار وقال آخر : وهو إذا قيل له : ويهاً كل . . . فإنه مواشكٌ مستعجلوهو إذا قيل له : ويهاً فل . . . فإنه أحج به أن ينكل قيل لصوفي : ما حد الشبع ؟ قال : لا حد له ، ولو أراد الله أن يؤكل بحدٍ لبين كما بين جميع الحدود . وكيف يكون للأكل حد ، والأكلة مختلفو الطباع والمزاج والعارض والعادة ، وحكمة الله ظاهرة في إخفاء حد الشبع حتى يأكل من شاء على ما شاء كما شاء . وقيل لصوفيٍ : ما حد الشبع ؟ فقال : ما نشط على أداء الفرائض ، وثبط عن إقامة النوافل . وقيل لمتكلم : ما حد الشبع ؟ فقال : حده أن يجلب النوم ، ويضجر القوم ، ويبعث على اللوم . وقيل لطفيلي : ما حد الشبع ؟ قال : أن يؤكل على أنه آخر الزاد ، ويؤتى على الجل والدق . وقيل لأعرابي : ما حد الشبع ؟ قال : أما عندكم يا حاضرة فلا أدري ؛ وأما عندنا في البادية فما وجدت العين ، وامتدت إليه اليد ، ودار عليه الضرس وأساغه الحلق ، وانتفخ به البطن ، واستدارت عليه الحوايا ، واستغاثت منه المعدة ، وتقوست منه الأضلاع ، والتوت عليه المصارين ، وخيف منه الموت . وقيل لطبيب : ما حد الشبع ؟ قال : ما عدل الطبيعة ، وحفظ المزاج وأبقى الشهوة لما بعد . وقيل لقصار : ما حد الشبع ؟ قال : أن تثب إلى الجفنة كأنك سرحان وتأكل وأنت غضبان ، وتمضغ كأنك شيطان ، وتبلغ كأنك هيمان ، وتدع وأنت سكران ، وتستلقي كأنك أوان . وقيل لحمال : ما حد الشبع ؟ قال : أن تأكل ما رأيت بعشر يديك غير عائفٍ ولا متقززٍ ، ولا كارهٍ ولا متعزز .وقيل لملاح : ما حد الشبع ؟ قال : حد السكر . قيل : فما حد السكر ؟ قال : ألا تعرف السماء من الأرض ، ولا الطول من العرض ، ولا النافلة من الفرض ، من شدة النهس والكسر والقطع والقرض . قيل له فإن السكر محرم ، فلم جعلت الشبع مثله ؟ قال : صدقتم ، هما سكران : أحد السكرين موصوفٌ بالعيب والخسار ، والآخر معروفٌ بالسكينة والوقار . قيل له : أما تخاف الهيضة ؟ قال : إنما تصيب الهيضة من لا يسمي الله عند أكله ، ولا يشكره على النعمة فيه . فأما من ذكر الله وشكره فإنه يهضم ويستمرىء ويقوم إلى الزيادة . وقيل لبخيل : ما حد الشبع ؟ قال : الشبع حرامٌ كله ، وإنما أحل الله من الأكل ما نفى الخوى ، وسكن الصداع ، وأمسك الرمق ، وحال بين الإنسان وبين المرح ، وهل هلك الناس في الدين والدنيا إلا بالشبع ولاتضلع والبطنة والاحتشاء ، والله لو كان للناس إمامٌ لو كل بكل عشرةٍ منهم من يحفظ عليهم عادة الصحة ، وحالة العدالة ، حتى يزول التعدي ، ويفشو الخير . وقيل لجندي : ما حد الشبع ؟ قال : ما شد العضد ، وأحمى الظهر ، وأدر الوريد ، وزاد في الشجاعة . وقيل لزاهد : ما حد الشبع ؟ قال : ما لم يحل بينك وبين صوم النهار وقيام الليل . وإذا شكا إليك جائعٌ عرفت صدقه لإحساسك به . وقيل لمدني : ما حد الشبع ؟ فقال : لا عهد لي به ، فكيف أصف ما لا أعرف ؟ وقيل ليمني : ما حد الشبع ؟ قال : أن يحشى حتى يخشى . وقيل لتركي : ما حد الشبع ؟ قال : أن تأكل حتى تدنو من الموت . وقيل سمويه القاص : من أفضل الشهداء ؟ قال : من مات بالتخمة ،ودفن على الهيضة . قيل لسمرقندي : ما حد الشبع ؟ قال : إذا جحظت عيناك ، وبكم لسانك ، وثقلت حركتك ، وارجحن بدنك ، وزال عقلك ، فأنت في أوائل الشبع . قيل له : إذا كان هذا أوله ، فما آخره ؟ قال : أن تنشق نصفين . قيل لهندي : ما حد الشبع ؟ قال : المسئلة عن هذا كالمحال ، لأن الشبع من الأرز النقي الأبيض ، الكبار الحب ، المطبوخ باللبن والحليب ، المغروف على الجام البلور ، المدوف بالسكر الفائق ، مخالفٌ للشبع من السمك المملوح وخبز الذرة ، وعلى هذا يختلف الأمر في الشبع . فقيل له : فدع هذا ، إلى متى ينبغي أن يأكل الإنسان ؟ قال : إلى أن يقع له أنه إن أراد لقمة زهقت نفسه إلى النار . قيل لمكارٍ : ما حد الشبع ؟ قال : والله ما أدري ، ولكن أحب أن آكل ما مشى حماري من المنزل إلى المنزل . قيل لجمال : ما حد الشبع ؟ قال : أنا أواصل الأكل فما أعرف الحد ، ولو كنت أنتهي لوصفت الحال فيه ، أعني أني ساعةً ألت الدقيق ، وساعة أمل الملة ، وساعةً أثرد ، وساعةً آكل وساعةً أشرب لبن اللقاح ؛ فليس لي فراغ فأدري أني بلغت من الشبع ، إلا أنني أعلم في الجملة أن الجوع عذابٌ وأن الأكل رحمة ، وأن الرحمة كلما كانت أكثر ، كان العبد إلى الله أقرب ، والله عنه أرضى . قال الوزير : لما بلغت هذا الموضع من الجزء - وكنت أقرأ عليه - : ما أحسن ما اجتمع من هذه الأحاديث هل بقي منها شيء ؟ قلت : بقي منها جزء آخر . قال : دعه لليلةٍ أخرى وهات ملحة الوداع . قلت : قيل لصوفيٍ في جامع المدينة : ما تشتهي ؟ قال : مائدةً روحاء عليها جفنةٌرحاء ، فيها ثريدةٌ صفراء ، وقدرٌ حمراء بيضاء . قال : أبيت الآن ألا تودع إلا بمثل ما تقدم ؟ وانصرفت .
الليلة الثانية والثلاثون
ثم حضرت فقرأت ما بقي من هذا الفن . قال رجلٌ من فزارة : تنبح أحياناً وأحياناً تهر . . . وتتمطى ساعةً وتقدحر تعدو على الضيف بعودٍ منكسر . . . يسقط عنها ثوبها وتأتزر لو نحرت في بيتها عشر جزر . . . لأصبحت من لحمهن تعتذر بحلفٍ سحٍ ودمعٍ منهمر . . . يفر من قاتلها ولا تفر المقدحر : المتهيىء للسباب . وقال أبو دلامة الأسدي :قد يشبع الضيف الذي لا يشبع . . . من الهبيد والحراد تسع ثم يقول ارضوا بهذا أو دعوا وقال آخر : حتى إذا أضحى تدري واكتحل . . . لجارتيه ثم ولى فنشل ذرق الأنوقين . . . القرنبي والجعل وقال آخر : إذا أتوه بطعامٍ وأكل . . . بات يعشى وحده ألفي جعل وقال أبو النجم : تدني من الجدول مثل الجدول . . . أجوف في غلصمةٍ كالمرجل تسمع للماء كصوت المسحل . . . بين وريديها وبين الجحفل يلقيه من طرقٍ أتتها من عل . . . قذف لها جوفٍ وشدقٍ أهدلكأن صوت جرعها المستعجل . . . جندلةٌ دهدهتها في جندل وقال آخر : يقول للطاهي المطري في العمل . . . ضهب لنا إن الشواء لا يمل بالشحم إما قد أجمناه بخل . . . عجل لنا من ذا وألحق بالبدل وأنشد ابن الأعرابي : أعددت للضيف وللرفيق . . . والجار والصاحب والصديق وللعيال الدردق اللصوق . . . حمراء من معز أبي مرزوق تلحس خد الحالب الرفيق . . . بلين المس قليل الريق كأن صوت شخبها الفتيق . . . فحيح ضبٍ حربٍ حنيق في جحرٍ ضاق أشد الضيق وأنشد أيضاً : هل لك في مقراة قيلٍ نىء . . . وشكوةٍ باردة النسىء تخرج لحم الرجل الضوي . . . حتى تراه ناهد الثديوأنشد ابن حبيب : نعم لقوح الصبية الأصاغر . . . شروبهم من حلبٍ وحازر حتى يروحوا سقط المآزر . . . وضع الفقاح نشز الخواصر وأنشد الآمدي : كأن في فيه حراباً شرعا . . . زرقاً تقض البدن المدرعا لو عض ركناً وصفاً تصدعا وقال محمد بن بشير : لقل عاراً إذا ضيفٌ تضيفني . . . ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي فضل المقل إذ أعطاه مصطبراً . . . ومكثرٍ في الغنى سيان في الجود لا يعدم السائلون الخير أفعله . . . إما نوالي وإما حسن مردودي قال الأعرابي : نعم الغداء السويق ، إن أكلته على الجوع عصم ، وإن أكلته على الشبع هضم . وقال العوامي - وكان زواراً لإخوانه في منازلهم - : العبوس بوس ، والبشر بشرى ، والحاجة تفتق الحيلة ، والحيلة تشحذ الطبيعة . ورأيت الحنبلوني ينشد ابن آدم - وكان موسراً بخيلاً - :وما لامرىء طول الخلود وإنما . . . يخلده حسن الثناء فيخلد فلا تدخر زاداً فتصحب ملجأً . . . إليه وكله اليوم يخلفه الغد وحكى لنا ابن أسادة قال : كان عندنا - يعني بأصفهان - رجلٌ أعمى يطوف ويسأل ، فأعطاه مرةً إنسانٌ رغيفاً ، فدعا له وقال : أحسن الله إليك ، وبارك عليك ، وجزاك خيراً ، ورد غربتك . فقال له الرجل : ولم ذكرت الغربة في دعائك ، وما علمك بالغربة ؟ فقال : الآن لي ها هنا عشرون سنة ما ناولني أحدٌ رغيفاً صحيحاً . وقال آخر : يرى جارهم فيهم نحيفاً وضيفهم . . . يجوع وقد باتوا ملاء المذاخر وقال الكروسي : ولا يستوي الاثنان للضيف : آنسٌ . . . كريمٌ ، وزاوٍ بين عينيه قاطب وأنشد : طعامهم فوضى فضى في رحالهم . . . ولا يحسنون السر إلا تناديا وأنشد آخر : يمان ولا يمون وكان شيخاً . . . شديد اللقم هلقاماً بطينا العرب تقول : إذا شبعت الدقيقة لحست الجليلة . قال ابن سلام : كان يخبز في مطبخ سليمان - عليه السلام - في كل يومٍ ستمائة كرٍحنطة ، ويذبح له في كل غداةٍ ستة آلاف ثور وعشرون شاةً ، وكان يطعم الناس ويجلس على مائدته بجانبه اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، ويقول لنفسه : مسكينٌ بين مساكين . ولما ورد تهامة وافى الحرم وذبح للبيت طول مقامه بمكة كل يومٍ خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة . وقال لمن حضر : إن هذا المكان سيخرج منه نبيٌ صفته كذا وكذا . وقال أعرابي : وإذا خشيت من الفؤاد لجاجةً . . . فاضرب عليه بجرعةٍ من رائب وروى هشيم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : من كرم المرء أن يطيب زاده في السفر . وقال ابن الأعرابي : يقال : جاء فلانٌ ولقد لغط رباطه من الجوع والعطش . وأنشد : ربا الجوع في أونيه حتى كأنه . . . جنيبٌ به إن الجنيب جنيب أي جاع حتى كأنه يمشي في جانب متعقفاً . وقال أيضاً : إن من شؤم الضيف أن يغيب عن عشاء الحي ، أي لا يدركه ، فيريد إذا جاءهم أن يتكلفوا له عشاءً على حدة . وأنشد : حياك ربك واصطبحت ثريدةً . . . وإدامها رزٌ وأنت تدبل واللقمة واللقمة إذا جمعتا من الثريد والعصائد يقال لهما دبلة ، ومنه سميت الدبيلة ،وهي الورم الذي يخرج بالناس . وأنشد : أقول لما ابتركوا جنوحا . . . بقصعةٍ قد طفحت تطفيحا دبل أبا الجوزاء أو تطيحا وقال الفرزدق : فدبلت أمثال الأثافي كأنها . . . رءوس أعادٍ قطعت يوم مجمع وقال سعيد بن المسيب : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أطيبوا الطعام فإنه أنفى للسخط ، وأجلب للشكر ، وأرضى للصاحب ' . قال بشار : يغص إذا نال الطعام بذكركم . . . ويشرق من وجدٍ بكم حين يشرب المسعور : الجائع . قال هميان بن قحافة : لاقى صحافاً بطناً مسعورا وقال شاعر : يمشي من البطنة مشي الأبزخ البزخ : دخول البطن وخروج الثنة أسفل السرة . وقال آخر : أغر كمصباح الدجنة يتقي . . . شذى الزاد حتى تستفاد أطايبه شداه : طيبه . وقال أعرابي : بنو فلان لا يبزرون ولا يقدرون .وقال الثوري : بطنوا غداءكم بشربة . وقال الشاعر : لا يستوي الصوتان حين تجاوبا . . . صوت الكريب وصوت ذئبٍ مقفر الكريب : الشوبق وهو المحور والمسطح . وقال الشاعر : إذا جاء باغي الخير قلنا بشاشةً . . . له بوجوهٍ كالدنانير : مرحبا وأهلا فلا ممنوع خير تريده . . . ولا أنت تخشى عندنا أن نؤوبا قال الشعبي : استسقيت على خوان قتيبة ، فقال : ما أسقيك ؟ فقلت : الهين الوجد ، العزيز الفقد ، فقال : يا غلام ، اسقه الماء . مر مسكينٌ بأبي الأسود ليلاً وهو ينادي : أنا جائع فأدخله وأطعمه حتى شبع ، ثم قال له : انصرف إلى أهلك ، وأتبعه غلاماً وقال له : إن سمعته يسأل فاردده إلي . فلما جاوزه المسكين سأل كعادته ، فتشبث به الغلام ورده إلى أبي الأسود . فقال : ألم تشبع ؟ فقال : بلى . قال : فما سؤالك ؟ ثم أمر به فحبس في بيتٍ وأغلق عليه الباب ، وقال : لا تروع مسلماً سائر الليلة ولا تكذب . فلما أصبح خلى سبيله ، وقال : لو أطعنا السؤال صرنا مثلهم . وسمع دابةً له تعتلف في جوف الليل ، فقال : إني لأراك تسهرين في مالي والناس نيام ، والله لا تصبحين عندي . وباعها . وأبو الأسود يعد في الشعراء والتابعين والمحدثين والبخلاء والمفاليج والنحويين والقضاة والعرج والمعلمين . وقال الشاعر :أنفق أبا عمرٍو ولا تعذرا . . . وكل من المال وأطعم من عرا لا ينفع الدرهم إلا مدبرا كان مسلم بن قتيبة لا يجلس لحوائج الناس حتى يشبع من الطعام الطيب ، ويروي من الماء البارد ، ويقول : إن الجائع ضيق الصدر ، فقير النفس ، والشبعان واسع الصدر ، غني النفس . وقال أعرابي : هلكت هريئةً وهلكت جوعاً . . . وخرق معدتي شوك القتاد وحبة حنظل ولباب قطنٍ . . . وتنومٌ ينظم بطن وادي وقال الفرزدق : وإن أبا الكرشاء ليس بسارقٍ . . . ولكنه ما يسرق القوم يأكل ولديك الجن : إذا لم يكن في البيت ملحٌ مطيبٌ . . . وخلٌ وزيتٌ حول حب دقيق فرأس ابن أمي في حرام ابن خالتي . . . ورأس عدوي في حر أم صديقي وقال آخر : وما جيرةٌ إلا كليب بن وائلٍ . . . ليالي تحمى عزةً منبت البقل وقال مسعر بن مكدم لرقبة بن مصلة : أراك طفيلياً . قال : يا أبا محمد ، كل من ترى طفيليٌ إلا أنهم يتكاتمون . وقال شاعر : قومٌ إذا آنسوا ضيفاً فلم يجدوا . . . إلا دم الرأس صبوه على البابقال المفجع : الرأس الرئيس . اشتد بأبي فرعون الشاشي الحال فكتب إلى بعض القضاة بالبصرة : يا قاضي البصرة ذا الوجه الأغر . . . إليك أشكو ما مضى وما غبر عفا زمانٌ وشتاءٌ قد حضر . . . إن أبا عمرة في بيتي انجحر يضرب بالدف وإن شاء زمر . . . فاطرده عني بدقيق ينتظر فأجابه إلى ما سأل . ويقال : وقف أعرابيٌ على حلقة الحسن البصري رحمة الله عليه ، فقال : رحم الله من أعطى من سعة ، وواسى من كفاف ، وآثر من قلة . فقال الحسن : ما أبقى أحداً إلا سأله . وقال ابن حبيب : يقال أحمق من الضبع ، وذلك أنها وجدت تودية في غدير ، فجعلت تشرب الماء وتقول : يا حبذا طعم اللبن حتى انشق بطنها فماتت . والتودية : العود يشد على رأس الخلف لئلا يرضع الفصيل أمه . دعا رجل آخر فقال له : هذه تكسب الزيارة وإن لم تسعد ، ولعل تقصيراً أنفع فيما أحب بلوغه من برك . فقال صاحبه : حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف لي . قيل لأعرابي : لو كنت خليفةً كيف كنت تصنع ؟ قال : كنت أستكفي شريف كل قومٍ ناحيته ، ثم أخلو بالمطبخ فآمر الطهاة فيعظمون الثريدة ويكثرون العراق ، فابدأ فآكل لقماً ، ثم آذن للناس ، فأي ضياعٍ يكون بعد هذا ؟وقال أعرابي لابن عم له : والله ما جفانكم بعظام ، ولا أجسامكم بوسام ، ولا بدت لكم نار ، ولا طولبتم بثار . وقيل لأعرابي : لم قالت الحاضرة للعبد : باعك الله في الأعراب ؟ قال : لأنا نعري جلده ، ونطيل كده ، ونجيع كبده . وقال طفيلي : إذا حدثت على المائدة فلا تزد في الجواب على نعم ، فإنك تكون بها مؤانساً لصاحبك ، ومسيغاً للقمتك ، ومقبلاً على شأنك . وقيل لأعرابي : أي شيء أحد ؟ قال : كبدٌ جائعة ، تلقى إلى أمعاء ضالعة . وقيل لآخر : أي شيء أحد ؟ قال ضرس جائع ، يلقى إلى معي ضالع . وقال آخر : أحب أن أصطاد ضباً سحبلا . . . وورلاً يرتاد رملاً أرملا قالت سليمى لا أحب الجوز لا . . . ولا أحب السمكات مأكلا الجوزل : فرخ الحمام . والورل : دابة . أرمل : صفةٌ للورل . وإذا كان كذلك كان أسمن له ، وهو يسفد فيهزل . ويقال : أقبح هزيلين : المرأة والفرس ، وأطيب غثٍ أكل غث الإبل ، وأطيب الإبل لحماً ما أكل السعدان ، وأطيب الغنم لبناً ما أكل الحربث . ويقال : أهون مظلومٍ سقاءٌ مروب ، وهو الذي يسقى منه قبل أن يمخض وتخرج زبدته .ويقال : سقانا ظليمة وطبه ، وقد ظلمت أوطب القوم . وقال الشاعر : وصاحب صدقٍ لم تنلني شكاته . . . ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجر يعني وطب لبن . وكان الحسن البصري إذا طبخ اللحم قال : هلموا إلى طعام الأحرار . قال سفيان الثوري : إني لألقى الرجل فيقول لي مرحباً فيلين له قلبي ، فكيف بمن أطأ بساطه ، وآكل ثريده ، وأزدرد عصيده ؟ . حكى أبو زيد : قد هجا غرثى : إذا ذهب ، وقد أهجأ طعامكم غرثى : إذا قطعه . قال الشاعر : فأخزاهم ربي ودل عليهم . . . وأطعمهم من مطعمٍ غير مهجي قال : ويقال بأرت بؤرةً فأنا أبارها ، إذا حفرت حفيرةً يطبخ فيها وهي الإرة . ويقال : أرت إرةً فأنا أثرها وأراً . وقال حسان : تخال قدور الصاد حول بيوتنا . . . قنابل دهماً في المباءة صيماقال أبو عبيدة : كان الأصمعي بخيلاً ، وكان يجمع أحاديث البخلاء ويوصي بها ولده ويتحدث بها . وكان أبو عبيدة إذا ذكر الأصمعي أنشد : عظم الطعام بعينه فكأنه . . . هو نفسه للآكلين طعام ويقال : أسأرت ، إذا أبقيت من الطعام والشراب أو غيرهما ، والاسم السؤر وجماعته الأسآر . ويقال : فأدت الخبزة في الملة أفادها إذا خبزتها فيها . والمفأد : الحديدة التي يخبز بها ويشوى . ويقال : تملأت من الأكل والشراب تملوا ، إذا شبعت منهما وامتلأت . ويقال : لفأت اللحم عن العظم لفأً إذا جلفت اللحم عن العظم . واللفيئة هي البضعة التي لا عظم فيها نحو النحضة والهبرة والوذرة . وأنشد يعقوب : سقى الله الغضا وخبوت قومٍ . . . متى كانت تكون لهم ديارا أناسٌ لا ينادي الضيف فيهم . . . ولا يقرون آنيةً صغارا قال الأصمعي : قال ابن هبيرة : تعجيل الغداء يزيد في المروءة ، ويطيب النكهة ، ويعين على قضاء الحاجة . قال بعض العرب : أطيب مضغة أكلها الناس صيحانيةٌ مصلبة . ويقال : آكلالدواب ، برذونةٌ رغوث وهي التي يرضعها ولدها . قال أبو الحارث حميد : ما رأيت شيئاً أشبه بالقمر ليلة البدر من قدرٍ سقيت اللبن كثيرة السكر . وقال الشاعر : وإني لأستحيي رفيقي أن يرى . . . مكان يدي من جانب الزاد أقرعا ضم عثمان بن رواح السفر ورفيقاً له ، فقال له الرفيق : امض إلى السوق فاشتر لنا لحماً . قال : والله ما أقدر . قال : فمضى الرفيق واشترى اللحم ثم قال لعثمان : قم الآن فاطبخ القدر . قال : والله ما أقدر . فطبخها الرقيق . ثم قال : قم الآن فاثرد . قال : والله إني لأعجز عن ذلك . فثرد الرفيق . ثم قال : قم الآن فكل . فقال : والله لقد استحييت من كثرة خلافي عليك ، ولولا ذلك ما فعلت . قال يونس : أتيت ابن سيرين فدعوت الجارية ، فسمعته يقول : قولي إنه نائم . فقلت : معي خبيص . فقال : مكانك حتى أخرج إليك . قال أردشير : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع . قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه جابر بن عبد الله : هلاك الرجل أن يحتقر ما في بيته أن يقدمه إلى ضيفه ، وهلاك الضيف أن يحتقر ما قدم إليه . وقال الشاعر : يا ذاهباً في داره جاثياً . . . بغير معنىً وبلا فائدهقد جن أضيافك من جوعهم . . . فاقرأ عليهم سورة المائده وقال ابن بدر : ونحن نبذل عند القحط ما أكلوا . . . من السديف إذا لم يؤنس القزع وننحر الكوم عبطاً في أرومتنا . . . للنازلين إذا ما استنزلوا شبعوا وقال آخر : أطعمني بيضةً وناولني . . . من بعد ما ذقت فقده قدحا وقال أي الأصوات تسئلني ؟ . . . يزيد ، إني أراك مقترحا فقلت صوت المقلي وجردقةً . . . إن خاب ذا الاقتراح أو صلحا فقطب الوجه وانثنى غضباً . . . وكان سكران طافحاً فصحا فقلت : إني مزحت ، قال : كذا . . . رأيت حراً بمثل ذا مزحا ؟ قال ابن حبيب : كان الرجل إذا اشتد عليه الشتاء تنحى ونزل وحده لئلا ينزل به ضيفٌ فيكون صقعاً مستحباً . وهذا ضد قول زهير : بسط البيوت لكي تكون مطيةً . . . من حيث توضع جفنة استرفد فإذا كان الشتاء انحاز الناس من الجدب والجهد ، وإذا أخصبوا أغاروا للثأر لا للسؤال . وقال الشاعر في عبيد الله بن عباس : ففي السنة الجدباء أطعمت حامضاً . . . وحلواً وشحماً تامكاً وسناماوقال مجاهدٌ في قول الله عز وجل : ' وأعتدت لهن متكئاً ' ، أي طعاماً ، يقال : اتكأنا عند فلانٍ ، أي طعمنا . ذكر الأصمعي أن أعرابياً خرج في سفر ومعه جماعة ، فأرمل بعضهم من الزاد ، وحضر وقت الغذاء وجعل بعضهم ينتظر بعضاً بالغداء ، فلما أبطأ ذلك عليهم عمد بعضهم إلى زاده فألقاه بين يدي القوم ، فأقبلوا يأكلون ، وجلس صاحب الزاد بعيداً للتوفير عليهم ، فصاح به أعرابي : يا سؤدداه وهل شرفٌ أفضل من إطعام الطعام والإيثار به في وقت الحاجة إليه ؟ لقد آثرت في مخمصةٍ ويوم مسغبة ، وتفردت بمكرمة قعد عنها من أرى من نظرائك ، فلا زالت نعم الله عليك غاديةً ورائحة . وفي مثله يقول حاتمٌ الطائي : أكلف يدي من أن تنال أكفهم . . . إذا ما مددناها وحاجاتنا معا وإني لأستحيي رفيقي أن يرى . . . مكان يدي من جانب الزاد أقرعا قال : المخمصة : المجاعة . والخمص : الجوع . قال شاعرٌ يذم رجلاً : يرى الخمص تعذيباً وإن يلق شبعةً . . . يبت قلبه من قلة الهم مبهما وقال المرقش الأكبر : إن يخصبوا يغنوا بخصبهم . . . أو يجدبوا فجدوبهم ألم وكتب بعضهم إلى أخٍ له : إن رأيت أن تروي ظمأ أخيك بقربك ، وتبرد غليله بطلعتك ، وتؤنس وحشته بأنسك ، وتجلو غشاء ناظره بوجهك ، وتزين مجلسهبجمال حضورك ، وتجعل غداءك عنده في منزلك الذي هو فيه ساكن ، وتممت له السرور بك باقي يومك ، مؤثراً له على شغلك ، فعلت - إن شاء الله - . وقال الشاعر : وكأن هدر دمائهم في دورهم . . . لغط القبيل على خوان زياد قال بعض الخطباء : العجب من ذي جدةٍ منعمٍ عليه يطوي جاره جوعاً وقراً ، وأفرخه شعثٌ جردٌ من الريش ، وهو مبطانٌ محتشٍ من حلوه وحامضه ، مكتنٌ في كنه ودفئه ، مزينٌ له شهوةٌ عن أداء الذي عليه لجاره وقريبه وذي حلةٍ بطرٍ رفةٍ كيف يأمن سلباً مفاجئاً ؟ أما لو وجه بعض فضله إلى ذي حاجةٍ إليه كان مستديماً لما أولى ، مستزيداً مما أوتي . قال الشاعر : وإذا تأمل شخص ضيفٍ مقبلٍ . . . متسربلٍ سربال محلٍ أغبر أوما إلى الكوماء هذا طارقٌ . . . نحرتني الأعداء إن لم تنحري وفي هذه الأبيات ما يستحسن : كم قد ولدتم من كريمٍ ماجدٍ . . . دامي الأظافر أو غمامٍ ممطر سدكت أنامله ققائم مرهفٍ . . . وبنشر عائدةٍ وذروة منبر يلقي السيوف بوجهه وبنحره . . . ويقيم هامته مقام المغفرويقول للطرف : اصطبر لشبا القنا . . . فعقرت ركن المجد إن لم تعقر وقال آخر : وقال وقدم كشكية . . . فكل شبعاً إنها في النهايه تطفي المرار وتنفي الخمار . . . وما بعدها في النهايات غايه ولا تتوقع أخيراً بحبك . . . ففي أول المستطاب الكفايه وقال آخر : كأنما فوه إذا تمددا . . . للقم أخلاق جرابٍ أسودا كأنه مخترصٌ بد جودا . . . جاني جرادٍ في وعاء مقلدا وصاحبٍ صاحبت غير أبعدا . . . تراه بين الحربتين مسندا الحربة : الغرارة . وقال جابر بن قبيصة : ما رأيت أحلم جليساً ، ولا أفضل رفيقاً ، ولا أشبه سريرةً بعلانية ، من زياد . وقال جابر أيضاً : شهدت قوماً ورأيتهم بعيني ، فما رأيت أقرأ لكتاب الله ، ولا أفقه في دين الله ، من عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وما رأيت رجلاً أعطى من صلب ماله في غير ولائه ، من طلحة بن عبيد الله . وما رأيت رجلاً أسود من معاوية . وما رأيت رجلاً أنصع ظرفاً ، ولا أحضر جواباً ، ولا أكثر صواباً ، من عمرو بن العاص . وما رأيت رجلاً المعرفة عنده أنفع منها عند غيره ، من المغيرة بن شعبة .ويقال : ما كان الطعام مريئاً ولقد مرأ ، وما كان الرجل مريئاً وقد مرؤ . وقال لنا القطان أبو منصور رئيس أهل قزوين : الرجل من أرض أردبيل إذا دخل بلداً يسأل فيقول : كيف الخبز والمبرز ، ولا يسأل عن غيرهما . فقيل له : لم ذلك ؟ فقال : يأخذ الخبز والمبرز ويأكل ويسلح إلى الصباح . قال الشاعر : وما تنسنا الأيام لا ننس جوعنا . . . بدار بني بدر وطول التلدد ظللنا كأنا بينهم أهل مأتمٍ . . . على ميتٍ مستودعٍ بطن ملحد يحدث بعضٌ بعضنا عن مصابه . . . ويأمر بعضٌ بعضنا بالتجلد وقال آخر : دعوني فإني قد تغديت آنفاً . . . فإن مس كفي خبزكم فاقطعوا يدي وقال آخر يصف دار قوم : الجوع داخلها واللوح خارجها . . . وليس يقربها خبزٌ ولا ماء قال الهلالي : أتى رجلٌ أبا هريرة فقال : إني كنت صائماً فدخلت بيت أبي فوجدت طعاماً ، فنسيت فأكلت . قال : الله أطعمك . قال : ثم دخلت بيتاً آخر فوجدت أهله قد حلبوا لقحتهم فسقوني ، فنسيت فشربت . فقال : يا بني هون عليك فإنك قلما اعتدت الصيام . وقال الشاعر : وجدت وعدك زوراً في مزورةٍ . . . ذكرت مبتدئاً إحكام طاهيها فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها . . . ولا علت كف ملق كفه فيهافاحبس رسولك عني أن يجىء بها . . . فقد حبست رسولي عن تقاضيها قال مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه : قدمنا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقلنا : يا رسول الله ، أنت سيدنا ، وأنت أطولنا علينا طولاً ، وأنت الجفنة الغراء . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان فإنما أنا عبد الله ورسوله ' . وقال آخر : وأحمر مبيض الزجاج كأنه . . . رداء عروسٍ مشربٌ بخلوق له في الحشا برد الوصال وطعمه . . . وإن كان يلقاه بلون حريق كأن بياض اللوز في جنباته . . . كواكب درٍ في سماء عقيق قال يونس : أشد طعامٍ ضراً ما كان من عامٍ إلى عام ، وهو اللبأ الذي لا يوجد إلا في الولادة كل عامٍ وإن كان مزبداً . حكى يونس : أشد طعامٍ ضراً ما كان من عامٍ إلى عام ، وهو اللبأ الذي لا يوجد إلا في الولادة كل عامٍ وإن كان مزبداً . حكى يونس : التنافيط ، أن ينزع شعر الجلد ثم يلقى في النار ثم يؤكل ، وذلك في الجدب . وقال الشاعر : جاورت شيبان فاحلولي جوارهم . . . إن الكرام خيار الناس للجار وكتب ابن دينار إلى صديق له : وكتبت تفضلاً منك تعتذر من تأخرك عن قضاء حق زيارتي بقصور يديك عن برٍ يشبهني ويشبهك ؛ فأما ما يشبهني في هذا الوقت فرغيفٌ وسكرجة كامخٍ حريف يثقب اللسان بحرافته . وكان ابن أبي البغل إذا أنشد :أروني من يقوم لكم مقامي يقول : لو شهدت قائله لقلت : كلب الحارس يقوم مقامك . هذه قصةٌ في حضور ما يشبهني ، فأما ما يشبهك فمتعذر كما قيل : ومطلب مثلي إن أردت عسير وقال رجل لعبيد الله بن زياد بن ظبيان : ما أعددت في كنانتي سهماً غيرك . فقال : لا تعدني في كنانتك فوالله لو قمت فيها لطلتها ، ولو جلست فيها لخرقتها . ولئن انتظرت بي ما يشبهك طال الانتظار ، والعامة تتمثل - على خساسة لفظها - : ' إذا أردت ألا تزوج ابنتك فغال بمهرها ' . وأملي فيك على الأحوال بعيد ، وظني فيك جميل ، ولست أخشى فيما لي عندك الفوت فأعجله ، وهل يلقم الكلب إلا الحجر . العرب تقول : لئيمٌ جبان . وقال أعرابي : لا يكن بطن أحدكم عليه مغرماً ، ليكسره بالتميرة والكسيرة والبقيلة والعليكة . قال ابن الأعرابي : الفرزدق ، الرغيف الواسع . قيل لابن القرية : تكلم . فقال : لا أحب الخبز إلا يابساً . أراد لا أحب أن أتكلم إلا بعد الارتثاء . وروى أبو عبيدة في تفسير بيت الأعشى في ديوانه : إذا ما هم جلسوا بالعشي . . . فأحلام عادٍ وأيدي هضمقال : شبههم بأنسال عاد ، وهم ثمانية ذوو أحلامٍ وسؤدد : مالك - وهو سيد الثمانية - وعمار وطفيل ، وشمر ، وقرزعة ، وحممة ، ونئض ، ودفيف ؛ وهم الذين بعث لقمان بن عادٍ جاريةً بعسٍ من لبن ، فقال لها : ايتي الحي فادفعيه إلى سيدهم لا تسألي عنه . فأتت الجارية الحي ، فرأتهم مختلفين بين عاملٍ ولاعب ، وثمانيةً على رءوسهم الطير وقاراً ؛ ورأت جاريةً من الحي ، فأخبرتها بما قال لقمان ؛ قالت : هؤلاء سادة الحي ، وسأصف لك كل واحدٍ منهم ، فادفعي العس إلى من شئت . أما هذا فعمار ، أخاذٌ ودار ، لا تخمد له نار ، المعشبات عقار ' المعشبة : التي تسمن على شحمٍ قديم ' ، وأما هذا فحممة ، غداؤه كل يوم ناقةٌ سنمة ، وبقرةٌ شحمة ، ورشاةٌ كدمة . وأما هذا فقرزعة ، إذا لقي جائعاً أشبعه ، وإذا لقي قرناً جعجعه وقد خاب جيشٌ لا يغزو معه . وأما هذا فطفيل ، غضبه حين يغضب ويل ، ورضاه حين يرضى سيل ، ولم تحمل مثله على ظهرها إبلٌ ولا خيل ، وأما هذا فشمر ، ليس في أهله بالشحيح للقتر ، ولا المسرف البطر ، ولا يخدع الحي إذا اؤتمر . وأما هذا فدفيف ، قاري الضيف ، ومغمد السيف ، ومعيل الشتاء والصيف وأما هذا فنئضٌ ، أسنت الحي فمرض ، فعدل مرضه عندهم إسناتهم ، أي قحطهم ، فقاموا عليه فأوسعهم دقيقاً ولحماً غريضاً ، ومسكاً رميضاً ، وكساهم ثياباً بيضاً ؛ وأماهذا فما لك ، حاميتنا إذا غزونا ، ولطعم ولداننا إذا شتونا ، ودافع كل كريهةٍ إذا عدت علينا . فدفعت العس إلى مالكٍ ، فكان سيدهم . بشرت امرأةٌ زوجها بأن ابنها منه قد اتغر ، فقال : أتبشرينني بعدو الخبز ؛ اذهبي إلى أهلك . قال الشاعر : من يشتري مني أبا زين . . . بكر بن نطاحٍ بفلسين كأنما الآكل من خبزه . . . يقلع منه شحمة العين وأنشد غليم من بني دبير : يابن الكرام حسباً ونائلا . . . حقاً أقول لا أقول باطلا إليك أشكو الدهر والزلازلا . . . وكل عامٍ نقح الحمائلا التنقيح : القشر ، أي قشروا حمائل سيوفهم فباعوها لشدة زمانهم . وأنشد : سلا أم عبادٍ إذا الريح أعصفت . . . وجلل أطراف الرعان قتامها وجفت بقايا الطرق إلا نضيةً . . . يصد الأشافي والمواسي سنامها وضم إلي الليل منزل رفقةٍ . . . ترامت بهم طخياء داجٍ ظلامهاتكاد الصبا تهتزهم من ثيابهم . . . شديداً بأرياط الرجال اعتصامها لقد علمت أني مفيدٌ ومتلفٌ . . . ومطعم أيامٍ يحب طعامها وقال آخر : إن بني غاضرة الكراما . . . إن يقم الضيف بهم أعواما يكن قراه اللحم والسناما . . . أو يصبح الدهر لهم غلاما يكن ظريفاً وجهه كراما وقال سماعة بن أشول : رأت إبلاً لابني عبيدٍ تمنعت . . . من الحق لم تورك بحقٍ إيالها فقالت ألاببألا تغدو لقاحك هكذا . . . فقلت أبت ضيفانها وعيالها فما حلبت إلا الثلاثة والثنى . . . ولا قيلت إلا قريباً مقالها وأنشد أبو الجراح : أرى الخلان قد صرموا وصالي . . . وأضحوا لا سلام ولا كلام وما أذنبت من ذنبٍ إليهم . . . سوى خف المنائح والسوام وقال آخر : خرقٌ إذا وقع المطي من الوجا . . . لم يطو دون دقيقه ذو المزود حتى تؤوب به قليلا . . . . . . . حمد الرفيق نداك أو لم يحمدوقال آخر : تزودت إذ أقبلت نحوك غادياً . . . إليك ونحو الناس لا أتزود أراني إذا ما جئت أطلب نائلاً . . . نظرت إلى وجهي كأنك أرمد ويقال : أزواد الركب من قريشٍ أبو أمية بن المغيرة ، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ، ومسافر بن أبي عمرو بن أيمة عم عقبة كانوا إذا سافروا خرج معهم الناس فلم يتخذوا زاداً ، ولم يوقدوا ناراً كانو يكفونهم . وقال الشاعر : وبالبدو جودٌ لا يزال كأنه . . . ركامٌ بأطراف الإكام يمور وقال آخر : والناس إن شبعت بطونهم . . . فغيرهم من ذاك لا يشبع وقال آخر : دورٌ تحاكي الجنان حسناً . . . لكن سكانها خساس متى أرى الجند ساكنيها . . . وفي دهاليزها يداس وقال آخر : لولا مخافة ضعفي عن ذوي رحمي . . . وحال معتصمٍ بي من ذوي عدموحاجة الأخ تبدو لي فأنجحها . . . لم أثن في عملٍ كفي على قلمي وقال آخر : وأوثر ضيفي حين لا يوجد القرى . . . بقوتي أحبوه وأرقد طاويا وما استكثرت نفسي لباذل وجهه . . . نوالاً وإن كان النوال حياتيا وقال المبرد : البطن : الذي لا يهمه إلا بطنه . والرغيب : الشديد الأكل . والمنهوم : الذي تمتلىء بطنه ولا تنتهي نفسه . وأنشد ابن الأعرابي : وإن قرى أهل النباج أرانبٌ . . . وإن جاء بعد الريث فهو قليل إذا صد مثغورٌ وأعرض معرضٌ . . . فيومٌ على أهل النباج طويل وقال آخر : يمينك فيها الخصب والناس جوعٌ . . . وقد شملتهم حرجفٌ ودبور وقال آخر : ألقت قوائمها خساً وترنمت . . . طرباً كما يترنم السكران يعني قدراً . وقوائمها ، يعني الأثافي . وخسا : فرد . وأنشد : بئس عذاب العزب المرموع . . . حوأبةٌ تنقض بالضلوعالرماع : داء . وحوأبة : دلوٌ كبيرة . والحوب والحوب : الإثم . والحيبة : الحال . والحوباء : النفس . العرب تقول : ماءٌ لا تبن معه ولا غيره . خبزٌ قفار : لا أدم معه . وسويقٌ جافٌ هو الذي لم يلت بسمنٍ ولا زيتٍ . وحنظلٌ مبسل ، وهو أن يؤكل وحده . قال الراجز : بئس الطعام الحنظل المبسل . . . ياجع منه كبدي وأكسل ويبجع أيضاً . وقال أبو الجراح : المبسل يحرق الكبد . والمبكل : أن يؤكل بتمرٍ أو غيره ، يقال بكلوه لنا ، أي اخلطوه . قال : وعندنا طعامٌ يقال له : الخولع وهو أن يؤخذ الحنظل فينقع مراتٍ حتى تخرج مرارته ، ثم يخلط معه تمرٌ ودقيق فيكون طعاماً طيباً . وقال : الخليطة والنخيسة والقطيبة : أن يحلب ابن الضأن على لبن المعزى ، والمعزى على لبن الضأن ، أو حلب النوق على لبن الغنم . قال : اسقني وابرد غليلي ملىء الرجل : سمن بعد هزال . قيل لطفيل العرائس : كم اثنين في اثنين ؟ قال : أربعة أرغفة . وقيل له : حكي أن العرب تقول نحن العرب أقرى الناس للضيف ، فقال : إنهذا النصب على المدح . وقال العماني : من كل جلفٍ لم يكن مرما . . . جعدٍ يرى منه التصنع ريثما لم يتجشأ من طعامٍ بشما . . . . . . . . . . ولم يبت من قترةٍ موصماً . . . يغمز صدغيه ويشكو الأعظما إذا جاع بطنه تحزما . . . لم يشرب الماء ولم يخش الظما يكفيه من قارضةٍ ما يمما وخلةٍ منه إذا ما أعيما . . . أصاب منه مشرباً ومطعما لا يعقر الشارف إلا محرما . . . ولا يعاف بصلاً وسلجما يوماً ولم يفغر لبطيخٍ فما . . . فهو صحيحٌ لا يخاف سقما أسود كالمحراث يدعي شجعما . . . صمحمحٌ من طول ما تأثمالم يبل يوماً سورةً من العمى . . . ولم يحج المسجد المكرما ولم يزر حطيمه وزمزما . . . ولا تراه يطلب التفهما لو لم يرب مسلماً ما أسلما . . . ما عبد اثنان جميعاً صنما عاتٍ يرى ضرب الرجال مغنما . . . إذا رأى مصدقاً تجهما وهز في الكف وأبدى المعصما . . . هراوتين نبعةً وسلما يترك ما رام رفاتاً رمما . . . وإن رأى إمرةً تزعما لم يعطه شيئاً وإن تزعما . . . وإن قرا عهداً له منمنما هان عليه شق ما قد رقما . . . وأن يدق طينه المختما صمصامه ماضٍ إذا ما صمما . . . إذا اعترته عزةٌ ثم انتمى في ثروة الحي إذا ما يمما . . . ظل يرى حكماً عليه مبرما أن يظلم الناس وألا يظلما وقال آخر : ما كان ينكر في ندى مجاشعٍ . . . أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل وقال آخر :بلادٌ كأن الجوع يطلب أهلها . . . بذحلٍ إذا ما الضيف صرت جنادبه وقال آخر : كرية لا يطعم الكريا . . . بالليل إلا جرجراً مقليا محترقاً نصفاً ونصفاً نيا وقال الأصمعي : قال الهيثم بن جراد - وذم قوماً - : والله ما أنتم آل فلاةٍ فتعصمكم ، ولا أنتم آل ريفٍ فتأكلون . فقيل : لو زدت ؟ فقال : ما بعد هذا شيء . قال : وما أشبه هذا الجواب بقول عقيل بن علفة حين قيل له : لم لا تطيل الهجاء ؟ قال : يكفيك من القلادة ما أحاط العنق . وقيل لابن عمر : لو دعوت الله بدعوات ؟ فقال : اللهم عافنا وارحمنا وارزقنا . فقيل له : لو زدتنا ؟ فقال : نعوذ باله من الإسهاب . قال شاعر : إذا أغلق الباب الكريم من القرى . . . فليس على باب الفرزدق حاجب فتىً يشتري حسن الثناء بماله . . . إذا اغبر من برد الشتاء الكواكب قال : وكل لحمٍ وخبزٍ أنضج دفيناً فهو مليل ، وما كان في تنور فهو شواء ؛ وما كان في قدرٍ فهو حميل .قال الأحنف لعمر بن الخطاب : إن إخواننا من أهل الكوفة والشام نزلوا في مقلة الجمل وحولاء الناقة من أنهارٍ متفجرة ، وثمارٍ متدلية ، ونزلنا بسبخةٍ نشاشة يأتينا ماءنا في مثل حلقوم النعامة أو مرىء الحمل ، فإما أن تشق لنا نهراً ، وإما أن ترفعنا إليك . قال جابر : كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج . والعرب تقول : أكرموا الإبل إلا في بيتٍ يبنى ، أو دمٍ يفدى ، أو عزبٍ يتزوج ، أو حمل حمالة . وقال معاوية لأعرابي : ما تجارتك ؟ قال : أبيع الإبل ، قال : أما علمت أن أفواهها حرب ، وجلودها جرب ، وبعرها حطب ، وتأكل الذهب . وقال خالد بن صفوان : الإبل للبعد ، والبغال للثقل ، والبراذين للجمال والدعة ، والحمير للحوائج ، والخيل للكر والفر . وقال آخر : يقذفن في الأعناق والغلاصم . . . قذف الجلاميد بكف الراجم يريد بالأعناق الحلوق .وقال آخر : نغار إذا ما الروع أبدى عن البرى . . . ونقرى عبيط اللحم والماء جامس وقال آخر : تلك المكارم لا ناقٌ مصرمةٌ . . . ترعى الفلاة ولا قعبٌ من اللبن وقال أبو الصلت : تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ . . . شيباً بماءٍ فعادا بعد أبوالا ووصف بعض البلغاء التجار فقال : لا يوجد الأدب إلا عند الخاصة والسلطان ومدبريه ، وأما أصحاب الأسواق فإنا لا نعدم من أحدهم خلقاً دقيقاً وديناً رقيقاً ، وحرصاً مسرفاً ، وأدباً مختلفاً ، ودناءة معلومة ، ومروءة معدومة وإلغاء اللفيف ، ومجاذبةً على الطفيف ، يبلغ أحدهم غاية المدح والذم في علقٍ واحد في يوم واحد مع رجل واحد ، إذا اشتراه منه أو باعه إياه ، إن بايعك مرابحةً وخبر بالأثمان ، قوي الأيمان على البهتان ، وإن قلدته الوزن أعنت لسان الميزان ، ليأخذ برجحانٍ أو يعطى بنقصان ؛ وإن كان لك قبله حقٌ لواه محتجاً في ذلك بسنة السوفيين ، يرضى لك ما لا يرضى لنفسه ، ويأخذ منك بنقدٍ ويعطيك بغيره ، ولا يرى أن عليه من الحق في المبايعة مثل ما له ؛ إن استنصحته غشك ، وإنسألته كذبك ، وإن صدقته حربك متمردهم صاعقةٌ على المعاملين ، وصاحب سمتهم نقمةٌ على المسترسلين ؛ قد تعاطوا المنكر حتى عرف ، وتناكروا المعروف حتى نسي ، يتمسكون من الملة بما أصلح البضائع ، وينهون عنها كلما عادت بالوضائع ؛ يسر أحدهم بحيلةٍ يرزقها لسلعةٍ ينفقها ، وغيلةٍ لمسلمٍ يحميه الإسلام ، فإذا أحكم حيلته وغيلته غدا قادراً على حرده ، فغر وضر ، وآب إلى منزله بحطام قد جمعه مغتبطاً بما أباح من دينه وانتهك من حرمة أخيه ، يعد الذي كان منه حذقاً بالتكسب ، ورفقاً بالمطلب ، وعلماً بالتجارة وتقدماً في الصناعة . فلما بلغت قراءتي هذا الموضع قال الوزير : إن كان هذا الواصف عنى العامة بهذا القول فقد دخل في وصفه الخاصة أيضاً ، فوالله ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق إلا شائعة في أصناف الناس من الجند والكتاب والتناء والصالحين وأهل العلم ؛ لقد حال الزمان إلى أمرٍ لا يأتي عليه النعت ، ولا تستوعبه الأخبار ، وما عجبي إلا من الزيادة على مر الساعات ، ولو وقف لعله كان يرجى بعض ما قد وقع اليأس منه ؛ واعترض القنوط دونه . فقال ابن زرعة وكان حاضراً : هذا لأن الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدين رائع ، وذا يدٍ من السياسة بسيطة ، فأخلق اللبوس وبلي ، بل تمزق وفني ، وضعفت اليد بل شلت وقطعت ، ولا سبيل إلى سياسة دينية لأسبابٍ لا تتفق إلا بعلل فلكية ، وأمور سماوية ، فحينئذ يكون انقياد الأمور الجانحة لها ، في مقابلة حران الأمور الجامحة عنها ، وذلك منتظر في وقته ، وتمنى ذلك قبل إبانه وسواس النفس ، وخور الطباع ، والناس أهدافٌ لأغراض الزمان ومقلبون بحوادث الدهور ، ولا فكاك لهم من المكاره ، ولا اعتلاق لهم بالمحاب إلا بالدواعي والصوارف التي لا سبيل لهم إلى تحويل هذه إلى هذه ، ولا إلى تبديل هذه بهذه ، واختيارهم للتوجه إلى محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيفٌ طفيف ، ولولاذلك لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد ، والغبطة تملك بإدراك ما يتمنى ، وهذا شأوٌ محكومٌ به بقوة النفس ، غير مستيقظٍ إليه بقوة الحس . فقال الوزير : أحسنت يا أبا عليٍ في هذا الوصف ، وإن نفثك ليدل على أكثر من ذلك ، ولو كان البال ظافراً بنعمة ، والصدر فارغاً من كربة ، لكنا نبلغ من هذا الحديث مبلغاً نشفي به غليلنا قائلين ونشفي به مستمعين ، ولكني قاعدٌ معكم وكأني غائب ، بل أنا غائبٌ من غير كاف التشبيه ، والله ما أملك تصرفي ولا فكري في أمري ، أرى واحداً في فتل حبل ، وآخر في حفر بئر ، وآخر في نصب فخ ، وآخر في تمزيق عرض ، وآخر في اختلاق كذب ، وآخر في صدع ملتئم ، وآخر في عقد ، وآخر في نفث سحر ، وناري مع صاحبي رماد ، وريحه على عاصفة ، ونسيمي بيني وبينه سموم ، ونصيبي منه هموم وغموم ، وإني أحدثكم بشيء تعلمون به صدقي في شكواي ، وتقفون منه على تفسخي تحت بلواي ، ولولا أني أطفىء بالحديث لهباً قد تضرم صدري به ناراً ، واحتشى فؤادي منه أواراً ؛ لما تحدثت به ، ولو استطعت طيه لما نبست بحرفٍ منه ، ولكن كتماني للحديث أنقب لحجاب القلب من العتلة لسور القصر . دخلت منذ أيام فوصلت إلى المجلس ، فقال لي قد أعدت الخلعة فالبسها على الطائر الأسعد ، فقلت أفعل ، وفي تذكرتي أشياء لابد من ذكرها وعرضها . فقال : هات ، فقلت : يتقدم بكذا وكذا ، ويفعل كذا وكذا . فقال : عندي جميعذلك ، أمض هذا كله ، واصنع فيه ما ترى ، وما فوق يدك يد ، ولا عليك لأحدٍ اعتراض ؛ فانقلبت عن المجلس إلى زاويةٍ في الحجرة ، وفيها تحدرت دموعي ، وعلا شهيقي ، وتوالى نشيجي ، حتى كدت أفتضح فدنا مني بعض خدمي من ثقاتي ، فقال : ما هذا ؟ الناس وقوفٌ ينتظرون بروزك بالخلعة المباركة والتشريف الميمون ، وأنت في نوحٍ وندم ؟ فقلت : تنح عني ساعةً حتى أطفىء نار صدري ، وإنما كان ذلك العارض لأني كنت عرضت على صاحبي تذكرةً مشتملةً على أشياء مختلفة ، فأمضاها كلها ، ولم يناظرني في شيء منها ، ولا زادني شيئاً فيها ، ولا ناظرني عليها ، ولعلي قد بلوته بها ، وأخفيت مغزاي في ضمنها ، فخيل إلي بهذه الحال أن غيري يقف موقفي ، فيقول في قولاً مزخرفاً ، وينسب إلي أمراً مؤلفاً ، فيمضي ذلك أيضاً له كما أمضاه لي ، فوجدتني بهذا الفكر الذي قد فتق لي هذا النوع من الأمر كراقمٍ على صفحة ماء ، أو كقابضٍ في جوٍ على قطعةٍ من هواء ؛ أو كمن ينفخ في غير فحم ، أو يلعب في قيد ، ولقد صدق الأول حيث قال : وإن امرأً دنياه اكبر همه . . . لمستمسكٌ منها بحبل غرور غير أني أذكر لكم ما عن لي من هذا الأمر . اعلموا أني ظننت أن مانظمه الماضي - رحمه الله - وأصلحه ، وبناه وقومه ، ونسجه ونوقه لا يستحيل في ثلاثين سنةً ولا خمسين سنة ؛ وأن الحال تدوم على ذلك المنهاج ، وتستمر على ذلك السياج ، ونكون قد أخذنا بطريق من السعادة ، وبلغنا لأنفسنا بعض ما كنا نسلط عليه التمني من الإرادة فنجمع بين علو المرتبة ، وشرف الرياسة ، ونيل اللذة ، وإدراك السرور ، واصطناع العرف ، وكسب الثناء ، ونشر الذكر ، وبعد الصيت ، فعادذلك كله بالضد ، وحال إلى الخلاف ، ووقف على الفكر المضني ، والخوف المقلق ، واليأس الحي ، والرجاء الميت ؛ وما أحسن ما قال القائل : أظمتني الدنيا فلما جئتها . . . مستسقياً مطرت علي مصائبا فقال له ابن زرعة : إن الأمور كلها بيد الله ، ولا يستنجز الخير إلا منه ، ولا يستدفع الشر إلا به ، فسله جميل الصنع وحسن النية وانو الخير ، وبث الإحسان ، وكل أعداءك إلى ربك الذي إذا عرف صدقك وتوكلك عليه فلل حدهم ، وغفر خدهم ، وسيح الفرات إلى جمرتهم حتى يطفئها ، وسلط الأرضة على أبدانهم حتى تقرضها ، وشغلهم بأنفسهم ، وخالف بين كلمتهم ، وصدع شمل جميعهم ، وردهم إليك صاغرين ضارعين ، وعرضهم عليك خاضعين ، وما ذلك على الله بعزيز ، وإن الله مع المحسنين على المسيئين . قال : والله لقد وجدت روحاً كثيراً بما قلت لكم وما سمعت منكم ، وأرجو أن الله يعين المظلوم ، ويهين الظالم . قد تمطى الليل ، وتغورت النجوم ، وحن البدن إلى الترفه ؛ فإذا شئتم . فانصرفنا متعجبين .
الليلة الثالثة والثلاثون
عدنا إلى ما كنا فيه من حديث الممالحة - وكان قد استزادني - فكتبت له هذه الورقات وقرأتها بين يديه ، فقال كلاماً كثيراً عند كل ما مر مما يكون صلة لذلك الحديث ، خزلته طلباً للتخفيف . قال حماد الراوية : عن قتادة قال زيادٌ لغيلان بن خرشة : أحب أن تحدثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على النعمة التي أصبحنا بها . فقال غيلان : حدثني عمي قال : توالت على العرب سنون سبعٌ في الجاهلية حصت كل شيء ، فخرجت علىبكرٍ لي في العرب ، فمكثت سبعاً لا أذوق فيهن شيئاً غلا ما ينال بعيري من حشرات الأرض حتى دنوت إلى حواء عظيم ، فإذا ببيتٍ جحيشٍ عن الحي ، فملت إليه ، فخرجت إلي امرأةٌ طوالة حسانة ، فقالت : من ؟ قلت : طارق ليلٍ يلتمس القرى . فقالت : لو كان عندنا شيءٌ آثرناك به ، والدال على الخير كفاعله ، جس هذه البيوت فانظر إلى أعظمها ، فإن يك في شيء منها خيرٌ ففيه . ففعلت حتى دنوت إليه ، فرحب بي صاحبه وقال : من ؟ قلت : طارق ليلٍ يلتمس القرى . فقال : يا فلان ، فأجابه ، فقال : هل عندك من طعام ؟ قال : لا ، قال : فوالله ما وقر في أذني شيءٌ كان أشد علي منه . فقال : هل عندك من شراب ؟ قال : لا ، ثم تأوه وقال : قد أبقينا في ضرع فلانة شيئاً لطارقٍ إن طرق ، قال : فأت به ، فأتى العطن فابتعثها ، فحدثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذق وكور الأهواز وفارس ، وجاهد عند السلطان وكثر ماله وولده ، قال : فما سمعت شيئاً قط كان ألذ إلي من شخب تلك الناقة في تلك العلبة ، حتى إذا ملأها ففاضت من جوانبها وارتفعت عليها رغوةٌ كجمة الشيخ أقبل بها نحوي فعثر بعودٍ أو حجر ، فسقطت العلبة من يده ، فحدثني أنه أصيب بأبيه وأمه وولده وأهل بيته ، فما أصيب بمصيبة أعظم عليه من ذهاب العلبة ؛ فلما رآني كذلك رب البيت خرج شاهراً سيفه ، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناماً ، على ظهرها مثل رأس الرجل الصعل ، فكشف عن فوهته ثم أوقد ناراً ، واجتب سنامها ، ودفع إلي مدية وقال : يا عبد الله ،اصطل واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار ، فإذا بلغت إناها أكلتها ، ثم مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي ، وكان قد قحل على عظمي حتى كأنه شنٌ ، ثم شربت ماءً وخررت مغشياً علي ، فما أفقت إلى السحر . فقطع زيادٌ الحديث وقال : لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا ، فمن المنزول به . قلت : عامر بن الطفيل . قال : أبو علي ؟ قلت : أبو علي . واستعادني الوزير أداه الله علوه هذا الحديث مرتين وأكثر المتعجب ، وقال : صدق القائل في العرب : منعوا الطعام وأعطوا الكلام . تغدى أبو العيناء عند ابن مكرم ، فقدم إليه عرافاً ، فلما جسه قال : قدركم هذه قد طبخت بشطرنج ؟ . وقدم إليه يوماً قدراً فوجدها كثيرة العظام ، فقال : هذه قدرٌ أم قبر ؟ وأكل عنده أبو العيناء يوماً ، فسقي ثلاث شربات باردة ، ثم طلب الرابعة فسقي شربةً حارة ، فقال : لعل مزملتكم تعتريها حمى الربع . قال سلمة : بقي أبو المقام ببغداد وكنا نأتيه ونسمع منه ، فجاءنا بجفنة فيها جواذب فجعل أصحابنا يأكلون ، ثم أتاهم بسفودٍ فيه يرابيع فسلتها في الجفنة ، فعلم القوم أنهم قد دهوا ، فجعلوا يستقيئون ما أكلوا .وقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ، لي جارتان بأيتهما أبدأ ؟ قال : ' بأدناهما باباً منك ' . وقال حكيم : ينبغي ألا يعطى البخيل أكثر من قوته ، ليحكم عليه بمثل ما حكم به على نفسه . وقال الشاعر : أفلح من كانت له قوصرة . . . يأكل منها كل يومٍ مره أفلح من كانت له مزخه . . . يزخها ثم ينام الفخه أفلح من كانت له دوخله . . . يأكل منها كل يومٍ مله أفلح من كانت له هرشفه . . . ونشفةٌ يملأ منها كفه أفلح من كانت له كرديده . . . يأكل منها وهو ثانٍ جيده وقال أبو فرعون الشاشي يخاطب الحجاج : يا خير ركبٍ سلكوا طريقا . . . ويمموا مكة والعقيقا وأطعموا ذا الكعك والسويقا . . . والخشكنان اليابس الرقيقا وقال آخر : رأيت الجوع يطرده رغيفٌ . . . وملء الكف من ماء الفرات وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ' الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ' . قبل مزبدٌ جاريةًبخراء ، فقال لها : أظنك تعشيت بكرش ، أو احتشيت صحناً ؛ فقالت : ما أكلت إلا خردلاً . قال : قد ذهب النصف الثاني وبقي ما قبله . قال شاعر : وباتوا يعشون القطيعاء ضيفهم . . . وعندهم البرني في جللٍ دسمٍ وقال آخر : وما أطعمونا الأوتكي من سماحةٍ . . . ولا منعوا البرني إلا من البخل سمعت الحجاجي يقول : كل الخبز أو السمك ، فإن أكل أحدهما كان مطيعاً ؛ فإذا نفيت فقلت : لا تأكل الخبز والسمك ؛ فإن أكل أحدهما لم يعصك ؛ وإذا قلت : لا تأكل الخبز أو السمك ، لم يكن له أن يأكل أحدهما لأن التقدير في النفي لا تأكل أحدهما ، والتقدير في الإيجاب ائت أيهما شئت ؛ فهذه خاصية أو . السويق : الجشيش ، لأنه رض وكسر . المجشة : رحى صغيرةٌ يجش بها . وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأى الشبرم عند أسماء بنت عميس فقال : حارٌ حارٌ ، وأمر بالسنا . ويقال : أكل البطيخ مجفرة ، أي يقطع ماء النكاح . ويقال : فلانٌ عظيم المجرأش أي الوسط ، فرسٌ مجرئش الجنبين واجرأشت الإبل ،إذا بطنت ، وإبلق مجرئشة أي بطان ؛ ويقال : كثأة قدركم ، وهي ما ارتفع منها عند الغلي . وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه ابن عباس قال : سمعته يقول : ' ليس بمؤمنٍ من بات شبعان ريان وجاره جائعٌ طاوٍ ' . قال عمر : مدمن اللحم كمدمن الخمر . وقال لقيط بن زرارة يذم أصحابه يوم جبلة : إن الشواء والنشيل والرغف . . . والقينة الحسناء والكأس الأنف للضاربين الهام . . . والخيل قطف قيل لدبٍ : لم تفقر رجلاً في ليلةٍ من كثرة ما تأكل من عنبه ؟ فقال : لا تلمني ، فإن بين يدي أربعة أشهرٍ أنجحر فيها فلا أتلمظ إلا بالهواء . قال ابن الأعرابي : إذا أقدح الرجل مرةً بعد مرةٍ فأطعم لحمه المساكين سمي متمماً ، وبه سمي ابن نويرة ، ومن ذلك قول النابغة : إني أتمم أيساري وأمنحهم . . . مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما الثرتم من فتات الطعام ، ويقال الترتم أيضاً ما فضل من الطعام في الإناء ، ويقال : طعامٌ ذو نزل . والمليح والملح : السمن ، يقال : تملحت الجارية وتجملت إذا سمنت .وقال أبو الطمحان القيني : وإني لأرجو ملحها في بطونكم . . . وما كشطت من جلد اشعث اغبرا هكذا سمعت . ويقال : سمن حتى كأنه خرس ، والخرس : الدن بعينه . وفي المثل : إن آخر الخرس لدردى أي آخر الدن دردى . وأنشد : حبذا الصيف حبذا من أوان . . . وزمانٍ يفوق كل زمان زمن الخمر والمساور والجش . . . ن وورد الخلاف والريحان زمنٌ كانت المضائر فيه . . . بلحوم الجداء والحملان وصدور الدجاج بالخل والمرى . . . ونثر السذاب والأنجذان وسمانٌ من الفراريج تغلي . . . بعصير الأعناب والرمان وشوا الوزة اللذيذة والقا . . . رص بين الحليب والألبان ونقي السويق بالسكر المن . . . خول في الثلج في الزجاج اليماني وقلالٌ تحط من بكراتٍ . . . مروياتٌ غلائل العطشان واعترض حديث العلم ، فأنشد ابن عبيدٍ الكاتب لسابقٍ الزبيري قوله : العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه . . . كما يجلى سواد الظلمة القمر وقال أيضاً :إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ . . . أسأت إجابةً وأسأت فهما آخر : العلم ينعش أقواماً فينقعهم . . . كالغيث يدرك عيداناً فيحييها فقال الوزير : عندي في صحيفة حفظ الصبا : العلم سراجٌ يجلي الظلمة ، وضياءٌ يكشف العمى . التذلل مكروهٌ إلا في استفادته ، والحرص مذمومٌ إلا في طلبه ، والحسد منهيٌ عنه إلا عليه . ثم عاد الحديث إلى الممالحة : حدثني مطهر بن أحمد الكاتب عن ابن قرارة العطار قال : اجتمع ذات يومٍ عندي على المائدة أبو علي بن مقلة وأبو عبد الله اليزيدي ، وكان ابن مقلة يفضل الهريسة ، وكان اليزيدي يفضل الجوذابة ، وكان كل واحد منهما يصف النوع الذي يقول به ويؤثره ، فقال اليزيدي : الهريسة طعام السوقيين والسفلة ، وليست الجوذابة بهذه الصفة ؛ فقال لي ابن مقلة : ما اسم الجوذابة بالفارسية ؟ فقلت جوزاب ، فقال : ضم الكاف . وفهمت ما أراد ، فقلت : نسأل الله العافية ، والله لقد عافتها نفسي ، وسكت اليزيدي . قال يزيد بن ربيع : الكبا بطعام الصعاليك ، والماء والملح طعام الأعراب ، والهرائس والرءوس طعام السلاطين ، والشواء طعام الدعار ، والخل والزيت طعام أمثالنا . وحدثني ابن ضبعون الصوفي قال : قال لي أبو عمر الشاري صاحب الخليفة : انهض بنا حتى نتغدى ، فإن عندي مصوصاً وهلاماً وبقية مطجنة ، وشيئاً من الباذنجان البوراني البائت المخر . قلت : هذه كلها تزايين المائدة ، فأين الأدم ؟ كان عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بكثر أكل الجوذاب ولا يؤثر عليه شيئاً ،وكان يقول : يشد العضدين ، ويقوي الساعدين ، ويجلو الناظرين ، ويزيد في سمع الأذنين ، ويحمر الوجنتين ، ويزيد في المني ، وهو طعام شهي ، فأي شيء بقي ؟ وبلغ المنصور وصفه هذا ، فقال : بحقٍ ما وصفه ، ولا نقبل أكله . وقال وكيع بن الجراح : التمتين على المائدة خيرٌ من زيادة لونين ، وكمال المائدة كثرة الخبز ، والسميذ الأبيض أحلى من الأصفر . وكان يحيى بن أكثر يحب الجوذاب ، فبلغه أن رجلاً ممن يحضر عنده يعيب الجوذاب ، فقال يحيى : إن ثبت عندي هذا توقفت عن شهادته ، وحكمت عليه بضعف الحس وقلة التمييز ، فبلغ الرجل ذلك ، فاحترس ، فقال له يحيى يوماً : ما قولك في الجوذاب ؟ فقال : أشرف مأكلٍ وأطيبه ، سهل المدخل ، لذيذ المطعم ، جيد الغذا ، قليل الأذى . قال : أصبت ، هكذا أريدك . أبو صالحٍ عن ابن عباس قال : ما من داخلٍ إلا وله حيرةٌ ، فابدءوه بالسلام ، وما من مدعو إلا وله حشمة ، فابدءوه باليمين . قال حمدان : قلت لجاريةٍ اردت شراءها - وكانت ناعمة البدن رطبةً شطبة غضة بضة - : ما كان غذاؤك عند مولاك ؟ قالت : المبطن . قلت : وما المبطن ؟ قالت : الأرز الريان من اللبن ، بالفالوذج الريان من العسل ، والخبيصة الريانة من الدهن والسكر والزعفران . قلت : حق لك . وقال ابن الجصاص الصوفي : دخلت على أحمد بن روحٍ الاهوازي فقال : ما تقول في صحفة أرزٍ مطبوخ ، فيها نهرٌ من سمن ، على حافاتها كثبانٌ من السكر المنخول ، فدمعت عيني . فقال : مالك ؟ قلت : أبكي شوقاً إليه ، جعلنا الله وإياك من الواردين عليه بالغواصةوالردادتين . فقال لي : ما الغواصة والردادتان ؟ قلت : الغواصة الإبهام ، والردادتان : السبابة والوسطى . فقال : أحسنت ، بارك الله عليك . شكا رجلٌ إلى عمر الجوع فقال : أكذك وأنت تنث نث الحميت ؟ أي ترشح كما يرشح الزق . وقال ابن سكرة : أطمعني في خروفكم خرفي . . . فجئت مستعجلاً ولم أقف وجئت أرجو أطرافه فغدت . . . في طرفٍ والسماك في طرف وحذروني من ذكر رزته . . . يا حر صدري لها ويا لهفي عاينته والذي يفصله . . . والقلب مني على شفا جرف ما حل بي منك عند منصرفي . . . ما كنت إلا فريسة التلف ويقال : القانع غنيٌ وإن جاع وعري ، والحريص فقير وإن ملك الدنيا . قيل لإبراهيم الخليل - عليه السلام - : بأي شيء اتخذك الله خليلاً ؟ قال : بأني ما خيرت بين أمرين إلا اخترت الذي لله ، وما اهتممت لما تكفل لي به ، وما تغديت وما تعشيت إلا مع ضيف . واعترض حديثٌ فقال : أنشدني بيتي ابن غسان البصري في حديث بختيار ، يعني عز الدولة ، فأنشدته : أقام على الأهواز ستين ليلةً . . . يدبر أمر الملك حتى تدمرا يدبر أمراً كان أوله عمىً . . . وأوسطه ثكلاً وآخره خرا فقال : ما أعجب الأمور التي تأتي بها لدهور عد إلى قراءتك ، فعدت وقرأت . روي في الحديث : لا تأكلوا ذروة الثربد ، فإن البركة فيها . وقال أعرابي : اللبن أحد اللحمين ، وملك العجين أحدالريعين ، والمرقة أحد اللحمين ، والبلاغة أحد السبفين والتمني أحد السكرين . أراد مزبد أضحيةً فلم يجدها ، فأخذ ديكاً ليضحي به ، فوجه إليه جيرانه شاةً شاةً حتى اجتمع عنده سبع شياه ، فقال ديكي أفضل عند الله من إسحاق لأنه فدي بكبش ، وديكي بسبعة . الكتل : اللحم ، والعيمة : شهوة اللبن ، والقرم : شهوة اللحم . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : ' من أحب أن يرق قلبه فليكثر من أكل البلس ' . قيل : هو التين . وقال أعرابي : يمن علي بالتزويج شيخي . . . وفي التزويج لي همٌ وشغل وكنت من الهموم رخي بال . . . فحل من الهموم علي ثقل فقلت له : مننت بغير منٍ . . . ومالك بالذي اسديت فضل أعزاب العشيرة لو علمتم . . . بحالي حين لي بيتٌ وأهل علمتم أنكم في حال عيشٍ . . . رخيٍ ماله يا قوم عدل قال إسحاق الموصلي : أملي بعض الفقهاء بالكوفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كره السمر إلا في الفقه ، يريد كثرة السمر إلا في الفقه . قيل لميسرة الرأس : ما أكثر ما أكلت ؟ قال : مائة رغيفٍ بكيلجة ملح ؛ فقيل هذا أكلك في بيتك ؟ قال : آكل في بيتي رغيفين ، وأحتشي إلى الليل فشل الخيل . تناول الفضل بن العباس تفاحةً فأكلها ، فقيل : ويحك ، تأكل التحيات ؟ فقال : والصلوات والطيبات . يقال : الطعمة : الكسب . ويقال : جئت بالطعمة . والطعم : الطعام : والطعم : الذوق .وهذه الأرض طعمةٌ لك وطعمة . قال إسحاق : كنت يوماً عند أحمد بن يوسف الكاتب ، فدخل أحمد بن أبي خالد الكاتب ونحن في الغناء ، فقال : والله ما أجد شيئاً مما أنتم فيه . قال إسحاق : فهان علي وخف في عيني ، فقلت له كالمستهزىء به ، جعلت فداك ، قصدت إلى أرق شيء خلقه الله وألينه على الأذن والقلب ، وأظهره للسرور والفرح ، وأنفاه للهم والحزن ، وما ليس للجوارح منه مؤونةٌ غليظة ، وإنما يقرع السمع وهو منه على مسافة ، فتطرب له النفس ، فذممته ؟ ولكنه كان يقال : لا يجتمع في رجل شهوة كل لذة ، وبعد ، فإن شهوة كل رجلٍ على قدر تركيبه ومزاجه . قال : أجل ، أما أنا فالطعام الرقيق أعجب إلي من الغناء . فقلت : إي والله ولحم البقر والجواميس والتيوس الجبلية بالبازنجان المبزر أيضاً تقدمه ؟ فقال : الغناء مختلفٌ فيه ، وقد كرهه قوم . قلت فالمختلف فيه أطلقه لنا حتى تجمعوا على تحريمه ، أعلمت - جعلت فداك - أن الأوائل كانت تقول : من سمع الغناء على حقيقته مات . فقال : اللهم لا تسمعناه على الحقيقة إذاً فنموت . فاستظرفته في هذه اللفظة ، وقدموا إليه الطعام فشغل عن ذم الغناء . قال سعيد بن أبي عروة : نزل الحجاج في طريق مكة ، فقال لحاجبه : انظر أعرابياً يتغدى معي ، وأسأله عن بعض الأمر ، فنظر الحاجب إلى أعرابيٍ بين شملتين ، فقال : أجب الأمير ، فأتاه ، فقال له الحجاج : إذن فتغد معي . فقال : إنه دعاني من هو أولى منك فأجبته . قال : ومن هو ؟ قال : الله عز وجل دعاني إلى الصوم فصمت ، قال : أفي هذا اليوم الحار ؟ قال : نعم ، صمته ليومٍ هو أشد منه حراً . قال : فأفطر وصم غداً . قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد . قال : ليس ذلك إلي . قال : فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إنه طعام طيب . قال : إنك لم تطيبه ولا الخباز ؛ ولكن العافية طيبته ، ولم يفطر ، وخرج من عنده . قال أعرابي : هذا الطعام مطيبةٌ للنفس ، محسنةٌ للجسم .قال أبو حاتم : حدثنا الأصمعي قال : قال أبو طفيلة الحرمازي : قال أعرابيٌ : ضفت رجلاً فأتاني بخبزٍ من برٍ كأنه مناقير النغران ، وأتانا بتمرٍ كأعناق الورلان ، يوحل فيه الضرس . وقال آخر : ونظر إلى رجلٍ يأكل بالعين والفم واليد والرأس والرجل : لو سألته عن اسمه لما ذكره ، ولو طلع ولده الغائب عليه ما عرفه : يلعب بالخمسة في قصعةٍ . . . لعب أخي الشطرنج بالشاه قال ابن الأعرابي : كان المحسن الضبي شرهاً على الطعام ، وكان دميماً ، فقال له زياد ذات يوم : كم عيالك ؟ قال : تسع بنات . . قال : فأين هن منك . فقال : أنا أحسن منهن وهن آكل مني ؛ فضحك . وقال : جاز ما سألت لهن . وأمر له بأربعة آلاف درهم فقال : إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم . . . فناد زياداً أو أخاً لزياد يجبك امرؤٌ يعطي على الحمد ماله . . . إذا ضن بالمعروف كل جواد وقال سنان بن أبي حارثة : ثمة أطعم زادي غير مدخرٍ . . . أهل المحلة من جارٍ ومن جادي قد يعلم القوم إذ طال اغترابهم . . . وأرملوا الزاد أني منفدٌ زادي وقال السفاح بن بكر : والمالىء الشيزي لأضيافه . . . كأنها أعضاد حوضٍ بقاعلا يخرج الأضياف من بيته . . . إلا وهم منه رواءٌ شباع أورد أعرابيٌ إبله ، فأبى أهل الماء أن يجيزوه ، وقالوا : إبلك كثيرة ، فإن أوردت فشرطٌ أن تقف بعيداً عن الماء وتسقي ما جاءك منها ، ولا تحاجز بها ؛ قال : أفعل ، وأنشأ يقول : رب طبيخ مرجلٍ ملهوج . . . يسلته القوم ولما ينضج حش بشيء من ضرام العرفج فانقضت الإبل كلها على الماء فشربت . قال الشاعر : شرب النبيذ على الطعام قليلة . . . فيه الشفاء وصحة الأبدان وإذا شربت كثيره فكثيره . . . مزج عليك ركائب الشيطان فتكون بين الضاحكين كبومةٍ . . . عمياء بين جماعة الغربان فاحذر بجهدك أن ترى كجنيبةٍ . . . بعد العشاء تقاد بالأرسان قال حمزة المصنف في بعض كتبه : قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لسلمان الفارسي : أن اتخذ لنا سوراً ، أي طعاماً كطعام الوليمة ، وهي فارسية . قال شيخنا أبو سعيد السيرافي : أخطأ هذا المتأول ، وإنما أراد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : أن سلمان اتخذ لنا خندقاً يوم الأحزاب ، لأنه حض على ذلك ، وليس ذا من ذاك إلا باللفظ . وقال جعيفر ان الموسوس في وصف عصيدة : وماء عصيدة حمراء تحكي . . . إذا أبصرتها ماء الخلوق تزل عن اللهاة تمر سهلاً . . . وتجري في العظام وفي العروق قال الحسن بن سهل : أشياء تذهب هباء ، دينٌ بلا عقل ، ومالٌ بلا بذل وعشقٌ بلاوصل . فقال حميد : بقي عليه مائدةٌ بلا نقل ، ولحسةٌ بلا فضل . قيل لصوفي : ما حد الشبع ؟ قال : الموت . وقيل لآخر : ما حد الشبع ؟ قال آكل حتى يقع علي السبات فأنام على وجهي ، وتتجافى أطرافي عن الأرض . وقيل لآخر : ما حد الشبع ؟ قال : أن أدخل إصبعي في حلقي فيصل إلى الطعام . قال يعقوب : أصبحت خالفاً : لا أشتهي الطعام . وخلوف البطن تغيره . ويقال : مغسني بطني ، وهو المغس ، ورجل ممغوس . ويقال : غمزني بطني وملكني . والعامة تقول : كل ما في القدر تخرجه المغرفة ، ورجل مقرضبٌ وقراضب وقرضاب إذا كان أكولاً ، وكذلك السيف واللص ، قال الشاعر : وليس يرد النفس عن شهواتها . . . من القوم إلا كل ماضي العزائم ومر ابن عامرٍ على عامر بن عبد القيس وهو يأكل بقلاً بملح ، فقال : لقد رضيت باليسير . فقال : أرضي مني باليسير من رضي بالدنيا عوضاً عن الآخرة . قال عبد الملك بن مروان : لا تستاكن إلا عرضاً ، ولا تأكلن إلا عضاً ولا تشربن إلا مصاً ، ولا تركبن إلا نصاً ، ولا تعقدن إلا وصاً . ويقال : ماءٌ قراح ؛ وخبزٌ قفار : لا أدم معه ، وسويقٌ جافٌ ، ولبنٌ صريح : لم يخالطه شيء . وقال سعيد بن سلمة : شيئان لا تشبع منهما ببغداد : السمك والرطب . قال أعرابي : أكلت فرسكة وعلى خوخة ، فجاء غلام حزورٌ فنظر حرني .الفرسكة : الخوخة المقددة . والخوخة : القميص الأخضر بطن بفروٍ . والحرة : الأذن . قيل لحاتم الأصم : بم رزقت الحكمة ؟ قال : بخلاوة البطن ، وسخاوة النفس ، ومكابدة الليل . وقال شقيق البلخي : العبادة حرفة ، وحانوتها الخلوة ، وآلتها الجوع . قال لقمان : إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة . وقال عمر : لولا القيامة لشاركناكم في لين عشيكم . وقال بعض العرب : أقلل طعامك تحمد منامك . قال يحيى بن معاد : الشبع يكنى بالكفر . وقال غيره : الجوع يكنى بالرحمة . وقال أعرابي : تحيز مني خيفةً أن أضيفها . . . كما انحازت الأفعى مخافة ضارب وذكر المهلب اللحم فقال إذا التقى الوارد والغابر فتوقع الفساد .
الليلة الرابعة والثلاثون
وقال الوزير في بعض الليالي : قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامة من خوضها في حديثنا ، وذكرها أمورنا ، وتتبعها لأسرارنا ، وتنقيرها عن مكنون أحوالنا ، ومكتوم شأننا ، وما أدري ما أصنع بها ، وإني لأهم في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنةٍ وأيدٍ وأرجلٍ وتنكيلٍ شديدٍ ، لعل ذلك يطرح الهيبة ويحسم المادة ، ويقطع هذه العادة ، لحاهمالله ، ما لهم لا يقبلون على شؤونهم المهمة ، ومعايشهم النافعة ، وفرائضهم الواجبة ؟ ولم ينقبون عما ليس لهم ، ويرجفون بما لا يجدي عليهم ، ولو حققوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدةٌ ولا فائدة ؛ وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق حتى كأنه من الفرائض المحتومة ، والوظائف الملزومة ؛ وقد تكرر منا الزجر ، وشاع الوعيد ، وفشا الإنكار بين الصغار والكبار ، ولقد تعايى علي هذا الأمر وأغلق دوني بابه ، وتكاثف علي حجابه ، والله المستعان . فقلت : أيها الوزير ، عندي في هذا جوابان : أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي سليمان ، وهو من تفوق في الفضل والحكمة والتجربة ومحبة هذه الدولة والشفقة عليها من كل هبة ودبة ؛ والآخر مما سمعته من شيخ صوفيٍ ، والجوابين فائدتان عظيمتان ، ولكن الجملة خشناء ، وفيها بعض الغلظة ، والحق مر ، ومن توخى الحق احتمل مرارته . قال : فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين ، فليس ينتفع بالدواء إلا بالصبر على بشاعته ، وصدود الطبع عن كراهته . قلت : أما أبو سليمان ، فإنه قال في هذه الأيام : ليس ينبغي لمن كان الله عز وجل جعله سائس الناس : عامتهم وخاصتهم ، وعالمهم وجاهلهم ، وضعيفهم وقويهم ، وراجحهم وشائلهم ، أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن واحد منهم لأسباب كثيرة ، منها : أن عقله فوق عقولهم ، وحلمه أفضل من حلومهم ، وصبره أتم من صبرهم ؛ ومنها أنهم إنما جعلوا تحت قدرته ، ونيطوا بتدبيره ، واختبروا بتصريفهم على أمره ونهيه ، ليقوم بحق الله تعالى فيهم ، ويصبر على جهل جاهلهم ، ويكون عماد حاله معهم الرفق بهم ، والقيام بمصالحهم ، ومنها أن العلاقة التي بين السلطان وبين الرعية قوية ، لأنها إلهيةٌ ، وهي أوشج من الرحم التي تكون بين الوالد والولد ، والملك والدٌ كبير ، كما أن الوالد ملكٌ صغير ، وما يجب على الوالد في سياسة ولده من الرفق به ، والحنو عليه ، والرقة له ، واجتلاب المنفعة إليه ، أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده ، وذلك أن الولد غرٌ ، وقريب العهد بالكون ، وجاهلٌبالحال ، وعارٍ من التجربة ، كذلك الرعية الشبيهة بالولد ، وكذلك الملك الشبيه بالوالد ؛ ومما يزيد هذا المعنى كشفاً ، ويكسبه لطفاً ، أن الملك لا يكون ملكاً إلا بالرعية ، كما أن الرعية لا تكون رعيةً إلا بالملك ، وهذا من الأحوال المتضايفة ، والأسماء المتناصفة ؛ وبسبب هذه العلاقة المحكمة والوصلة الوشيجة ، ما لهجت العامة بتعرف حال سائسها ، والناظر في أمرها ، والمالك لزمامها ، حتى تكون على بيانٍ من رفاهة عيشها ، وطيب حياتها ، ودرور مواردها ، بالأمن الفاشي بينها ، والعدل الفائض عليها ، والخير المجلوب إليها ، وهذا أمرٌ جارٍ على نظام الطبيعة ، ومندوبٌ إليه أيضاً في أحكام الشريعة . قال : ولو قالت الرعية لسلطانها : لم لا نخوض في حديثك ، ولا نبحث عن غيب أمرك ، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك ؟ ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ، ومصالحنا متعلقةٌ بك ، وخيراتنا متوقعةٌ من جهتك ، ومسرتنا ملحوظةٌ بتدبيرك ، ومساءتنا مصروفة باهتماك ، وتظلمنا مرفوعٌ بعزك ، ورفاهيتنا حاصلةٌ بحسن نظرك وجميل اعتقادك ، وشائع رحمتك ، وبليغ اجتهادك ، ما كان جواب سلطانها وسائسها ؟ أما كان عليه أن يعلم أن الرعية مصيبةٌ في دعواها التي بها استطالت ، بلى والله ، الحق معترفٌ به وإن شغب الشاغب ، وأعنت المعنت . قال : ولو قالت الرعية أيضاً : ولم لا تبحث عن أمرك ؟ ولم لا تسمع كل غثٍ وسمين منا وقد ملكت نواصينا ، وسكنت ديارنا ، وصادرتنا على أموالنا ، وحلت بيننا وبين ضياعنا ، وقاسمتنا مواريثنا ، وأنسيتنا رفاغة العيش ، وطيب الحياة ، وطمأنينة القلب ، فطرقنا مخوفة ، ومساكننا منزولة ، وضياعنا مقطعة ، ونعمنا مسلوبة ، وحريمنا مستباح ، ونقدنا زائف ، وخراجنا مضاعف ، ومعاملتنا سيئة ، وجندينا متغطرس ، وشرطينا منحرف ، ومساجدنا خربة ، ووفوفها منتهبة ، ومارستاناتنا خاوية ، وأعداؤنا مستكلبة ، وعيوننا سخينة ، وصدورنا مغيظة ، وبليتنا متصلة ، وفرحنا معدوم ؛ ما كان الجواب أيضاً عما قالت وعما لم تقل ، هيبةً لك ، وخوفاً على أنفسها من سطوتك وصولتك ؟وحكى لنا في عرض هذا الكلام أنه رفع إلى الخليفة المعتضد أن طائفةً من الناس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكان شيخ تبان ، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنونٍ من الأحاديث ، وفيهم قومٌ سراة وتناء وأهل بيوتاتٍ سوى من يسترق السمع منهم من خاصة الناس ، وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم ، فلما عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعاً ، وحرج صدراً ، وامتلأ غيظاً ، ودعا بعبيد الله بن سليمان ، ورمى بالرفيعة إليه ، وقال : انظر فيها وتفهمها . ففعل ، وشاهد من تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره ، وشرد آلف صبره ، وقال : قد فهمت يا أمير المؤمنين . قال : فما الدواء ؟ قال : تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم ، فإن العقوبة إذا اختلفت ، كان الهول أشد ، والهيبة أفشا ، والزجر أنجع ، والعامة أخوف . فقال المعتضد - وكان أعقل من الوزير - : والله لقد بردت لهيب غضبي بفورتك هذه ، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة ، وحططت علي الرفق ، من حيث أشرت بالخرق ، وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك ، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكف عن الجهل ، وتبعثني على الحلم ، وتحبب إلى الصفح وترغبني في فضلٍ الإغضاء على هذه الأشياء . وقد ساءني جهلك بحدود العقاب وبما تقابل به هذه الجرائر ، وبما يكون كفأً للذنوب ، ولقد عصيت الله بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلة الرحمة ويبس الطينة ورقة الديانة ، أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند سلطانها ؟ وأن الله يسائله عنها كيف سستها ؟ ولعله لا يسألها عنه ، وإن سألها فليؤكد الحجة عليه منها ؛ ألا تدري أن أحداً من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلمٍ لحقه أو لحق جاره ، وداهيةٍ نالته أو نالت صاحباً له ؟ وكيف نقول لهم : كونوا صالحين أتقياء مقبلين على معايشكم ، غير خائضين في حديثنا ، ولا سائلين عن أمرنا ، والعرب تقول في كلامها : غلبنا السلطان فلبس فروتنا ، وأكلخضرتنا ، وحنق المملوك على المالك معروف ، وإنما يحتمل السيد على صروف تكاليفه ، ومكاره تصاريفه ، إذا كان العيش في كنفه رافعاً ، والأمل فيه قوياً ، والصدر عليه بارداً ، والقلب معه ساكناً ، أتظن أن العمل بالجهل ينفع ، والعذر به يسع ، لا والله ما الرأي ما رأيت ، ولا الصواب ما ذكرت ، وجه صاحبك وليكن ذا خبرةٍ ورفق ، ومعروفاً بخيرٍ وصدقٍ ، حتى يعرف حال هذه الطائفة ، ويقف على شأن كل واحدٍ منها في معاشه ، وقدر ما هو متقلبٌ فيه ومنقلبٌ إليه ، فمن كان منهم يصلح للعمل فعلقه به ، ومن كان سيىء الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله ، ويفيده طمأنينة باله ؛ ومن لم يكن من هذا الرهط ، وهو غنيٌ مكفيٌ ، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو ، فادع به ، وانصحه ، ولاطفه ، وقل له : إن لفظك مسموع ، وكلامك مرفوع ؛ ومتى وقف أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلا في عرضة المقابر ، فاستأنف لنفسك سيرةً تسلم بها من سلطانك ، وتحمد عليها عند إخوانك ، وإياك أن تجعل نفسك عظةً لغيرك بعدما كان غيرك عظةً لك ؛ ولولا أن الأخذ بالجزيرة الأولى مخالفٌ للسيرة المثلى ، لكان هذا الذي تسمعه ما تراه ، وما تراه تود أنك لو سمعته قبل أن تراه . فإنك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ، وملكت طرفي المصلحة ، وقمت على سواء السياسة ، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة . قال : وفارق الوزير حضرة الخليفة ، وعمل بما أمر به على الوجه اللطيف ، فعادت الحال ترف بالسلامة العامة ، والعافية التامة ؛ فتقدم إلى الشيخ التبان برفع حال من يقعد عنده حتى يواسي إن كان محتاجاً ، ويصرف إن كان متعطلاً ، وينصح إن كان متعقلاً . فقال الوزير : ما سمعت مثل هذا قط ، وما ظننت أن الخطب في مثل هذا يبلغ هذا القدر ؛ فهات الجواب الآخر الذي حفظته عن الصوفي . فقلت : إن كان هذا كافياً فإن ذلك فضل . فقال : هكذا هو ، وإن فيما مر لكفاية ، وما يزيد على الكفاية ، ولكن الزيادة من العلمداعيةٌ إلى الزيادة من العمل ، والزيادة من العمل جالبة الانتفاع بالعلم ، والانتفاع بالعلم دليلٌ على سعادة الإنسان ، وسعادة الإنسان مقسومةٌ على اقتباس العلم والتماس العمل ، حتى يكون بأحدهما زارعاً ، وبالآخر حاصداً ، وبأحدهما تاجراً ، وبالآخر رابحاً . فوصلت الحديث وقلت : حدثني شيخ من الصوفية في هذه الأيام قال : كنت بنيسابور سنة سبعين وثلثمائة ، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة ، وتبلبلت دولة آل سامان بالجور وطول المدة ، فلجأ محمد بن إبراهيم صاحب الجيش إلى قايين ، وهي حصنه ومعقله ، وورد أبو العباس صاحب جيش آل سامان نيسابور بعدةٍ عظيمة ، وعدةٍ عميمة ، وزينةٍ فاخرة ، وهيئةٍ باهرة ، وغلا السعر ، وأخيفت السبل ، وكثر الإرجاف ، وساءت الظنون ، وضجت العامة ، والتمس الرأي ، وانقطع الأمل ، ونبح كلبٌ كلبٌ من كل زاوية ، وزأر كل أسد من كل أجمة ، وضج كل ثعلبٍ من كل تلعة . قال : وكنا جماعةً غرباء نأوي إلى دويرة الصوفية لا نبرحها ، فتارةً نقرأ ، وتارةً نصلي ، وتارةً ننام ، وتارةً نهذي ، والجوع يعمل عمله ، ويخوض في حديث آل سامان ، والوارد من جهتهم إلى هذا المكان ، ولا قدرة لنا على السياحة لانسداد الطرق ، وتخطف الناس للناس ، وشمول الخوف ، وغلبة الرعب ، وكان البلد يتقد ناراً بالسؤال والتعرف والإرجاف بالصدق والكذب ، وما يقال بالهوى والعصبية ؛ فضاقت صدورنا ، وخبثت سرائرنا واستولى علينا الوسواس ، وقلنا ليلةً : ما ترون يا صحابنا ما دفعنا إليه من هذه الأحوال الكريهة ، كأنا والله أصحاب نعمٍ وأرباب ضياعٍ نخاف عليها الغارة والنهب ، وما علينا من ولاية زيدٍ وعزل عمرو ، وهلاك بكر ، ونجاة بشر ، نحن قوم قد رضينا في هذه الدنيا العسيرة ، ولهذه الحياة القصيرة ، بكسرةٍ يابسة ، وخرقةٍ بالية ، وزاويةٍ من المسجد مع العافية من بلايا طلاب الدنيا . فما هذا الذي يعترينا من هذه الأحاديث التي ليس لنا فيها ناقةٌ ولا جمل ، ولا حظٌ ولا أمل ، قوموا بنا غداً حتى نزور أبا زكرياء الزاهد ، ونظل نهارناعنده لاهين عما نحن فيه ، ساكنين معه ، مقتدين به ؛ فاتفق رأينا على ذلك ، فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء الزاهد ، فلما دخلنا رحب بنا ، وفرح بزيارتنا ، وقال : ما أشوقني إليكم ، وما ألهفني عليكم الحمد لله الذي جمعني وإياكم في مقامٍ واحد ، حدثوني ما الذي سمعتم ، وماذا بلغكم من حديث الناس ، وأمر هؤلاءؤ السلاطين ؟ فرجوا عني ؛ وقولوا لي ما عندكم ، فلا تكتموني شيئاً فمالي والله مرعىً في هذه الأيام إلا ما اتصل بحديثهم ، واقترن بخبرهم ، فلما ورد علينا من هذا الزاهد العابد ما ورد ، دهشنا واستوحشنا ، وقلنا في أنفسنا انظروا من أي شيء هربنا ، وبأي شيء علقنا ، وبأي داهيةٍ دهينا . قال : فخففنا الحديث وانسللنا ، فلما خرجنا قلنا : أرأيتم ما بلينا به ، وما وقعنا عليه ؟ ' إن هذا لهو البلاء المبين ' . ميلوا بنا إلى أبي عمرو الزاهد فله فضلٌ وعبادة وعلمٌ وتفردٌ في صومعته حتى نقيم عنده إلى آخر النهار ، فقد نبا بنا المكان الأول ، وبطل قصدنا فيما عزمنا عليه من العمل ، فمشينا إلى أبي عمرو الزاهد واستأذنا ، فأذن لنا ، ووصلنا إليه فسر بحضورنا ، وهش لرؤيتنا ، وابتهج بقصدنا ، وأعظم زيارتنا ، ثم قال : يا أصحابنا ما عندكم من حديث الناس ؟ فقد والله طال عطشي إلى شيء أسمعه ، ولم يدخل علي اليوم أحدٌ فأستخبره ، وإن أذني لدى الباب لأسمع قرعة أو أعرف حادثة ، فهاتوا ما معكم وما عندكم ، وقصوا علي القصة بفصها ونصها ، ودعوا التورية والكناية ، واذكروا الغث والثمين ، فإن الحديث هكذا يطيب ، ولولا العظم ما طاب اللحم ، ولولا النوى ما حلا التمر ، ولولا القشر لم يوجد اللب ، فعجبنا من هذا الزاهد الثاني أكثر من عجبنا من الزاهد الأول ، وخاطفناه الحديث ، وودعناه ، وخرجنا ، وأقبل بعضنا على بعضٍ يقول : أرأيتم أظرف من أمرنا وأغرب من شأننا ؟ انظروا من أي شيء كان تعريجنا ' إن هذا لشيءٌ عجاب ' وتلددنا وتبلدنا وقلنا يا أصحابنا : انطلقوا إلى أبي الحسن الضرير ، وإن كان مضربه بعيداًفإنا لا نجد سكوننا إلا معه ، ولا نظفر بضالتنا إلا عنده ، لزهده وعبادته وتوحده وشغله بنفسه مع زمانته في بصره ، وورعه ، وقلة فكره في الدنيا وأهلها ؛ وطوينا الأرض إليه ، ودخلنا عليه ، وجلسنا حواليه في مسجده ، ولما سمع بنا أقبل على كل واحد منا يلمسه بيده ويرحب به ، ويدعو له ويقرب ، فلما انتهى أقبل علينا وقال : أمن السماء نزلتم علي ؟ والله لكأني قد وجدت بكم مأمولي ، وأحرزت غاية سولي ، قولوا لي غير محتشمين : ما عندكم من أحاديث الناس ؟ وما عزم عليه هذا الوارد ؟ وما يقال في أمر ذلك الهارب إلى قايين ، وما الشائع من الأخبار ؟ وما الذي يتهامس به ناس دون ناس ؟ وما يقع في هواجسكم ويستبق إلى نفوسكم ؟ فإنكم برد الآفاق ، وجوالة الأرض ، ولقاطة الكلام ، ويتساقط إليكم من الأقطار ما يتعذر على عظماء الملوك وكبراء الناس : فورد علينا من هذا الإنسان ما أنسى الأول والثاني ، ومما زاد في عجبنا أنا كنا نعده في طبقةٍ فوق طبقات جميع الناس فخففنا الحديث معه ، وودعناه ، وخنسنا من عنده ، وطفقنا نتلاوم على زيارتنا لهؤلاء القوم لما رأينا منهم ، وظهر لنا من حالهم ، وازدريناهم ، وانقلبنا متوجهين إلى دويرتنا التي غدونا منها مستطرقين كالين ، فلقينا في الطريق شيخاً من الحكماء يقال له أبو الحسن العامري ، وله كتابٌ في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوالين الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ؛ فقال لنا : من أين درجتم ؛ ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وفصصنا عليه قصتنا من أولها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفاً . فقال لنا : في طي هذه الحال الطارئة غيبٌ لا تقفون عليه ، وسرٌ لا تهتدون إليه ، وإنما غركم ظنكم بالزهاد ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة ، لأنهم الخاصة ، ومن الخاصة خاصة الخاصة ، لأنهم بالله يلوذون ، وإياه يعبدون ، وعليه يتوكلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . العامري ، وله كتابٌ في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوالين الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ؛ فقال لنا : من أين درجتم ؛ ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وفصصنا عليه قصتنا من أولها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفاً . فقال لنا : في طي هذه الحال الطارئة غيبٌ لا تقفون عليه ، وسرٌ لا تهتدون إليه ، وإنما غركم ظنكم بالزهاد ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة ، لأنهم الخاصة ، ومن الخاصة خاصة الخاصة ، لأنهم بالله يلوذون ، وإياه يعبدون ، وعليه يتوكلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . قلنا له : فإن رأيت يا معلم الخير أن تكشف عها هذا الغطاء ، وترفع هذا الستر ، وتعرفنا منه ما وهب الله لك من هذا الغيب ، لنكون شاكرين ، نكون من المشكورين . فقال : نعم ، أما العامة فإنها تلهج بحديث كبرائها ساستها لما ترجو من رخاء العيش وطيبالحياة وسعة المال ودرور المنافع واتصال لجلب ونفاق السوق وتضاعف الربح ؛ فأما هذه الطائفة العارفة بالله ، العاملة لله ، فإنها مولعةٌ أيضاً بحديث الأمراء ، والجبابرة العظماء ، لتقف على تصاريف قدرة الله فيهم ، وجريان أحكامه عليهم ، ونفوذ مشيئته في محابهم ومكارههم في حال النغمة عليهم ، والانتقام منهم ، ألا ترونه قال جل ثناؤه : ' حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون ' ، وبهذا الاعتبار يستنبطون خوافي حكمته ، ويطلعون على تتابع نعمته وغرائب نقمته ، وها هنا يعلمون أن كل ملكٍ سوى ملك الله زائل ، وكل نعيمٍ غير نعيم الجنة حائل ، ويصير هذا كله سبباً قوياً لهم في الضرع إلى الله ، واللياذ بالله ، والخشوع له ، والتوكل على الله ، وينبعثون به من حران الإباء ، إلى انقياد الإجابة ، ويتنبهون من رقدة الغفلة ، ويكتحلون باليقظة من سنة السهو والبطالة ، ويجدون في أخذ العتاد ، واكتساب الزاد إلى المعاد ، ويعملون في الخلاص من هذا المكان الحرج بالمكاره ، المحفوف بالزايا ، الذي لم يفلح فيه أحدٌ إلا بعد أن هدمه وثلمه ، وهرب منه ، ورحل عنه إلى محلٍ لا داء فيه ولا غائلة ؛ ساكنه خالد ، ومقيمه مطمئن ، والفائز به منعم ، والواصل إليه مكرم ، وبين الخاصة والعامة في هذه الحال وفي غيرها فرق يضح لمن رفع الله طرفه إليه ، وفتح باب السر فيه عليه ، وقد يتشابه الرجلان في فعل ، وأحدهما مذموم ، والآخر محمود ، وقد رأينا مصلياً إلى القبلة وقلبه معلق بإخلاص العبادة ، وآخر إلى جانبه أيضاً يصلي إلى القبلة وقلبه في طر ما في كم الآخر ، فلا تنظروا من كل شيء إلى ظاهره إلا بعد أن تصلوا بنظركم إلى باطنه ، فإن الباطن إذا واطأ الظاهر كان توحداً ، وإذا خالفه إلى الحق كان وحدةً ، وإذا خالفه إلى الباطل كان ضلالةً ، وهذه المقامات مرتبةٌ لأصحابها ، وموقوفةٌ على أربابها ؛ ليس لغير أهلها فيها نفسٌ ، ولا لغير مستحقها منها قبس . قال الشيخ الصوفي : فوالله ما زال ذلك الحكيم يحشو آذاننا بهذه وما اشبهها ، ويملأ صدورنا بما عنده حتى سررنا وانصرفنا إلى متعشانا وقد استفدنا على يأسٍ منا فائدةً عظيمة لو تمنيناها بالغرم الثقيل والسعي الطويل لكان الربح معنا ، والزيادة في أيدينا . فلما سمع الوزير هذا عجب وقال : لا أدري : أكلام أبي سليمان في ذلك الاحتجاجأبلغ ، أم الحكاية عن المعتضد أشفى ، أم رواية الشيخ الصوفي أطرف ، وما علمت أن في البحث عن سر الإرجاف هذه اللطيفة الخفية ، وهذه الحجة الجلية ، وكنت أرى أن الصوفية لا يرجعون إلى ركنٍ من العلم ، ونصيبٍ من الحكمة ، وأنهم إنما يهذون بما لا يعلمون ، وأن بناء أمرهم على اللعب واللهو والمجون . فقلت : لو جمع كلام أئمتهم وأعلامهم لزاد على عشرة آلاف ورقة عمن نقف عليه في هذه البقاع المتقاربة ، سوى ما عند قومٍ آخرين لا نسمع بهم ، ولا يبلغنا خبرهم . قال : فاذكر لي جماعةً منهم . قلت : الجنيد بن محمد الصوفي البغدادي العالم ، والحارث بن أسد المحاسبي ، ورويم ، وأبو سعيد الخراز ، وعمرو بن عثمان المكي ، وأبو يزيد البسطامي ، والفتح الموصلي ، وهو الذي سمع وهو يقول : إلى متى ترددني في سكك الموصل ، أما آن للحبيب أن يلقى حبيبه ؟ فمات بعد جمعة . فقال : هذا عجب . ولقد مر في هذا الفن ما كان فوق حسباني وأكثر مما كان في ظني ، وكم من شيء حقيرٍ يطلع منه على أمرٍ كبير . وقال : أنشدني شيئاً ؛ فأنشدته قول الشاعر : رجعت على السفيه بفضل حلمي . . . وكان تحلمي عنه لجاما وظن بي السفاه فلم يجدني . . . أسافهه وقلت له : سلاما فقام يجر رجليه ذليلاً . . . وقد كسب المذلة والملاما وفضل الحلم أبلغ في سفيهٍ . . . وأحرى أن ينال به انتقاما فقال : ما أعجب أمر العرب ، تأمر بالحلم مرةً ، والصبر والكظم مرة ، وتحث بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر ، وتذم السفه وقمع العدو وهكذا شأنها في جميع الأخلاق ؛ أعني أنها ربما حضت على القناعة والصبر والرضا بالميسور ، وربما خالفت هذا ، فأخذت تذكر أن ذلك فسالةٌ ونقصان همةٍ ولين عريكةٍ ومهانة نفس ؛ وكذلك أيضاًتحث على البسالة والإقدام والانتصار والحمية والجسارة ؛ وربما عدلت إلى أضداد هذه الأخلاق والسجايا والضرائب والأحوال ؛ في أوقاتٍ يحسن فيها بعضها ، ويقبح بعضها ، ويعذر صاحبها في بعضها ، ويلام في بعضها ؛ وذلك لأن الطبائع مختلفة ، والغرائز متعادية ، فهذا يمدح البخل في عرض الحزم ، وهذا يحمد الاقتصاد في جملة الاحتياط ، وهذا يذم الشجاعة في عرض طلب السلامة ؛ وليس في جميع الأخلاق شيءٌ يحسن في كل زمانٍ وفي كل مكانٍ ، ومع كل إنسان ، بل لكل ذلك وقتٌ وحينٌ وأوان . قال : ولعمري إن القيام بحقائق هذه الأشياء وحدودها صعبٌ ، لأنها لا توجد إلا متلابسةً ومتداخلةً ، وتخليص كل واحدٍ منها بحده وحقيقته ووزنه مما يفوت ذرع الإنسان الضعيف المنة ، المنتثر الطينة . قال : ومنه أن الحكيم قال للإسكندر : أيها الملك أرد حياتك لرجالك ، ولا ترد رجالك لحياتك ؛ ولو قلب عليه قالبٌ فقال : لا ، ولكن أرد رجالك لحياتك ، ولا ترد حياتك لرجالك ، لكان الفضل واقعاً ، والدعوى قائمة . وكان يحكى عن أعرابي حديثٌ مضحكٌ : قيل لأعرابي : أتريد أن تصلب في مصلحة الأمة ؟ فقال : لا ، ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي . قال : وليس يجوز أن يكون الناس مختلفين في ظاهرهم بالصور والحلي حتى يعرف بها زيدٌ من عمرو ، وبكرٌ من خالد ، ولا يختلفون في باطنهم حتى يكون هذا مطبوعاً على الشح وإن مدح الجود ، وهذا مجبولاً على الجبن وإن تشيع للشجاعة ؛ وليس يجوز في الحكمة أن يكثروا ولا يختلفوا ، وليس يجوز أيضاً أن يضم الجنس والنوع ولا يأتفلوا ؛ وكل ما أساغته الحكمة أبرزته القدرة ، وكل ما جادت به القدرة شهدت له الحكمة ؛ فسبحان من له هذا التدبير اللطيف ، وهذا العز الغالب ، وهذا السر الخافي ، وهذه العلانية البادية ، وهذا الفعل المحكم ، وهذا النعت المستعظم .وحكيت أيضاً في شيء جرى ، قال حكماء فارس : قد جربنا الملوك ، فإذا ملكنا السمح الجواد جادت علينا السماء والأرض ، وإذا ملكنا البخيل بخلت علينا السماء والأرض . قال أبو سليمان : هذا إذا صح فهو شاهد الفيض الإلهي المتصل بالملك السمح ، ونضوبه عن الملك البخيل ، لأن الملك إلهٌ بشري . وقال مرةً : ما التمني ؟ - وقد كان جرى ما اقتضى السؤال عنه - . فقلت : أحفظ نصاً لبعض الحكماء : إن التمني فضل حركة النفس . فقال : جوابٌ رشيق وإن كان فقيراً إلى البسط . فقال : هات من حديث يونان شيئاً آخر ، فقلت : أرسطوطاليس : لو كنا نطل العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم بنقيضه ، ولكنا نطلبه لننقص كل يومٍ من الجهل ، ونزداد كل يومٍ من العلم . قال : حدثني بشيء فيه جوابٌ حاضر ، وللبديهة فيه توقدٌ ظاهر . فحدثت أن رجلاً أتى الزهري فسأله أن يحدثه ويروي له ؛ فأبى عليه ، فقال له الرجل : إن الله لم يأخذ الميثاق على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ الميثاق على العلماء أن يعلموا ؛ فقال : صدقت ، وحدثه . وحدثنا القاضي أبو حامد المروروذي ؛ قال : وقف سائلٌ من هؤلاء الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس ابن عبدلٍ المنصوري ، وابن معروف ، وأبو تمام الزينبي ، فسأل وألح ؛ فقلت له من بين الجماعة - وقد ضجرت من إلحاحه وصفاقة وجهه - : يا هذا : نزلت بوادٍ غير ذي زرع . قال : صدقت ، ولكن يجبى إليه ثمرات كل شيء . فضحكت الجماعة ، ووهبنا له دراهم . ومن الجواب الحاضر المسكت الذي حز الكبد ونقب الفؤاد ما جرى لأبي الحسينالبتي مع الشريف محمد بن عمر ، فإن ابن عمر قال للبتي : أنت والله شمامةٌ ولكنها مسمومة . فقال البتي على النفس : لكنك أيها الشريف شمامةٌ مشمومةٌ ، عطرت الأرض بها ، وسارت البرد بذكرها . وقال نصر بن سيارٍ بخراسان لأعرابي : هل أتخمت قط . قال : أما من طعامك وطعام أبيك فلا . فيقال : إن نصراً حم من هذا الجواب أياماً ؛ وقال : ليتني خرست ولم أفه بسؤال هذا الشيطان . وجرى حديث الذكور والإناث ، فقال الوزير ، قد شرف الله الإناث بتقديم ذكرهن في قوله عز وجل : ' يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ' . فقلت : في هذا نظر ؛ فقال : ما هو : قلت قدم الإناث - كما قلت - ولكن نكر ، وأخر الذكور ولكن عرف ، والتعريف بالتأخير أشرف من النكرة بالتقديم . ثم قال : هذا حسن . قلت : ولم يترك هذا أيضاً حتى قال : ' أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ' فجمع الجنسين بالتنكير مع تقديم الذكران ، فقال : هذا مستوفى . وقال : ما معنى كأسٌ أنف ؟ فكان من الجواب أن يعقوب قال : يقال كأسٌ أنف ، أي لم يشرب منها قبل ذلك ؛ وكذلك يقال : روضةٌ أنف ، إذا لم يكن رعاها أحد . وقال لقيط : إن الشواء والنشيل والرغف . . . والقينة الحسناء والكأس الأنف للطاعنين الخيل . . . والخيل قطف قال : ما النشيل ؟ فإن الشواء والرغف معروفان . قلت : ما ضمته القدر من اللحم وغيره ، لأنه ينشل ويغرف ؛ فقال : هذا بابٌ إن ألححنا عليه جوع . قال : ما تحفظ في حديث الأكل ؟ قلت : الأكل والذم . ومن مليحه ما حضرني . قيل لجميز : ما تشتهي ؟ قال :بسيسٌ مقليٌ بين غليان قدور ، على رائحة شواء ، بجنب خبيص . فضحك - أضحك الله سنه بالفرح والسرور . وانتظام الأحوال واتساق الأمور - . وقال : هات حديثاً نخرج به مما كنا فيه . فقلت : كتب سعد بن أبي وقاص إلى رستم صاحب الأعاجم : إسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ؛ وقتالكم أحب إلينا من صلحكم . فبعث إليه رستم : أنتم كالذباب إذ نظر إلى العسل فقال : من يوصلني إليه بدرهمين ، فإذا نشب فيه قال : من يخرجني منه بأربعة ، وأنت طامع ، والطمع سيرديك . فأجابه سعد : أنتم قومٌ تحادون الله وتعاندون أنفسكم ، لأنكم قد علمتم أن الله يريد أن يحول الملك عنكم إلى غيركم ، وقد أخبركم بذلك حكماؤكم وعلماؤكم ، وتقرر ذلك عندكم ، وأنت دائماً تدفعون القضاء بنحوركم ، وتتلقون عقابه بصدوركم ، هذه جرأةٌ منكم وجهلٌ فيكم ، ولو نظرتم لأبصرتم ، ولو أبصرتم لسلمتم ، فإن الله غالبٌ على أمره ، ولما كان الله معكم كانت علينا ريحكم ، والآن لما صار الله معنا صارت ريحنا عليكم ، فانجوا بأنفسكم ، واغتنموا أرواحكم ، وإلا فاصبروا لحر السلاح وألم الجراح ، وخزي الافتضاح ، والسلام . كتب حذيفة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن العرب قد تغيرت ألوانها ولحومها . فكتب عمر إلى سعد : ارتد للعرب منزلاً مراحاً . فارتاد لهم الكوفة ، وهي بقعةٌ حصباء ، ورملةٌ حمراء ، فقال سعد : اللهم رب السماء وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، والريح وما ذرت ، بارك لنا في هذه الكوفة . وسمع عمر منشداً ينشد : ما ساسنا مثلك يابن الخطاب . . . أبر بالأقصى وبالأصحاب بعد النبي صاحب الكتاب فنخسه عمرو وقال : أين أبو بكر ويلك .قال عمر وهو بمكة : لقد كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف ، وكان فظاً يتعبني إذا عملت ، ويضربني إذا قصرت ، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحدٌ ، ثم تمثل : لا شيء مما ترى تبقي بشاشته . . . يبقى الإله ويودي المال والولد لم تغن عن هرمزٍ يوماً خزائنه . . . والخلد قد حاولت عادٌ فما خلدوا ولا سليمان إذ تسري الرياح به . . . والإنس والجن فيما كلفوا عبد أين الملوك التي كانت نوافلها . . . من كل أوبٍ إليها راكبٌ يفد حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ . . . لابد من وردنا يوماً كما وردوا وقال عمر : خير الدواب الحديد الفؤاد ، الصحيح الأوتاد . وقال عمر : كانت العرب أسداً في جزيرتها يأكل بعضها بعضاً ، فلما جمعهم الله بمحمد لم يقم لهم شيء . رأى رستم في النوم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ سلاح فارس وختم عليه ودفعه إلى عمر ، فارتاع رستم من ذلك وأيقن أنه هالك . وقال : أنشدني شيئاً ، فأنشدته لبعض آل أبي طالب : ولست بمذعنٍ يوماً مطيعاً . . . إلى من لست آمن أن يجورا ولكني متى ما أخش منه . . . أحالف صارماً عضباً ثؤورا وأنزل كل رابيةٍ براحٍ . . . أكون على الأمير بها أميرا وأنشدني لعبد الله بن الزبير ، ولقد تمثل به : إني لمن نبعةٍ صمٍ مكاسرها . . . إذا تقادحت القصباء والعشرولا ألين لغير الحق أتبعه . . . حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وحدثته أن المأمون قال : قليل السفه يمحو كثير الحلم ، وأدنى الانتصار يخرج من فضل الاغتفار ، وعلى طالب المعروف المعذرة عند الامتناع ، والشكر عند الاصطناع ، وعلى المطلوب إليه تعجيل الموعود ، والإسعاف بالموجود . فقال : من أفضل هؤلاء ؟ يعني بني العباس . فكان الجواب أن المنصور أنقدهم ، والمأمون أمجدهم ، والمعتصم أنجدهم ، والمعتضد أقصدهم . فقال : كذلك هو . وقال : فالباقون ؟ قلت ليس فيهم بعد هؤلاء من يوحد بالذكر ، لأنه في نقصه وزيادته مشاكلٌ لغيره . فقال : لله درك .
الليلة الخامسة والثلاثون
وقال ليلةً : ما الفرق بين الإرادة والاختيار ؟ فكان من الجواب أن كل مرادٍ مختار ، وليس كل مختارٍ مراداً ، لأن الإنسان يختار شرب الدواء الكريه وضرب الولد النجيب وهو لا يريد ، ويختار طرح متاعه في البحر إذا ألجىء وهو لا يريد ، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما - وهو الاختيار - لا يحدث إلا عن جولان وتنقيرٍ وتمييز ، والآخر - وهو الإرادة - يفجأ ويبغت وربما حمل على طلب المراد بالكره الشديد ؛ وفي عرض الاختيار سعةٌ للتمكن ، وليس ذلك في عرض الإرادة . والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة ، والأول من راغ يروغ ، والثاني من راد يرود ، والهمزة مجتلبةٌ للتعدي . قال : فما الفرق بين المحبة والشهوة ؟ فكان الجواب أن الشهوة ألصق بالطبيعة ، والمحبة أصدر عن النفس الفاضلة ، وهما انفعالان ، إلا أن أحد الانفعالين أشد تأثراً ،وهو انفعال الشهوة ، وأنه يقال : شهي وأشهى ، ويقال في الآخر : حب وأحب ، ويتداخلان كثيراً بالاستعمال ، لأن اللغة جاريةٌ على التوسع ، كما هي جاريةٌ على التضيق ، ومن ناحية التضيق فزع إلى التحديد والتشديد ، ومن ناحية التوسع جري على الاقتدار والاختيار ، وفي عرض هذين بلاءٌ آخر ، لأنه بين الإيجاز والإطناب ، وبين الكناية والتصريح ، وبين الإنجاز والإبطاء . فقال : هذا باب . ثم ناولني رقعةً بخطه فيها مطالب نفيسةٌ تأتي على علمٍ عظيم ، وقال : باحث عنها أبا سليمان وأبا الخير ومن تعلم أن مجاراته فائدةً من عالمٍ كبير ، ومتعلمٍ صغير ، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغني ، ولا تحقر أحداً فاه بكلمةٍ من العلم ، أو أطاف بجانبٍ م الحكمة ، أو حكم بحالٍ من الفضل ؛ فالنفوس معادن ، وحصل ذلك كله وحرره في شيء وجئني به ، وكان في الرقعة : ما النفس ؟ وما كمالها ؟ وما الذي استفادت في هذا المكان ؟ وبأي شيء باينت الروح ؟ وما الروح ؟ وما صفته ؟ وما منفعته ؟ وما المانع من أن تكون النفس جسماً أو عرضاً أو هماً ؟ وهل تبقى ؟ وإن كانت تبقى فهل تعلم ما كان الإنسان فيه ها هنا ؟ وما الإنسان ؟ وما حده ؟ وهل الحد هو الحقيقة ، أم بينهما بون ؟ وما الطبيعة ؛ وهلا أغنى الروح عن النفس ، أو هلا أغنت النفس عن الروح ؟ وهلا كفت الطبيعة ؟ وما العقل ؟ وما أنحاؤه ؟ وما صنيعه ؟ وهل يعقل العقل ؟ وهل تتنفس النفس وما مرتبته أعني العقل عند الإله ؟ وهل ينفعل ؟ وهل يفعل ؟ وإن كان ينفعل ويفعل فقسط الفعل فيه أكثر من قسط الانفعال ؟ وما المعاد المشار إليه ؟ أهو للإنسان ؟ أم لنفسه ؟ أم لهما ؟ وما الفرق بين الأنفس ، أعني نفس عمرو وزيدٍ وبكرٍ وخالد ؟ ثم ما الفرق بين أنفس أصناف الحيوان ؟ وهل الملك حيوان ؟فقد علمت أنه يقال له : حيٌ ، وهل فيه حياة ؟ وعلى أي وجهٍ يقال : إن الله عز وجل حيٌ والملك حي والإنسان حي والفرس حي ؟ وهل يقال : الطبيعة حية ، والنفس حية ، العقل حي ؟ فإن هذا وما أشبهه شاغلٌ لقلبي ، وجاثمٌ في صدري ، ومعترضٌ بين نفسي وفكري ؛ وما أحب أن أبوح به لكل أحدٍ ، وقد بينته في هذه الرقعة ، فإن أحببت أن تعرضها على أبي سليمان فافعل ، ولكن لا تدع خطي عنده ، بل انسخه له ، وحصل ما يجيبك به ، ويصدع لك بحقيقته ، ولخصه ، ورنه بلفظك السهل ، وإفصاحك البين ، وإن وجب أن تباحث غيره فافعل ؛ فهذا هذا ؛ وإن كان الرجوع فيه إلى الكتب الموضوعة من أجله كافياً ، فليس ذلك مثل البحث عنه باللسان ، وأخذ الجواب عنه بالبيان ، والكتاب موات ، ونصيب الناظر فيه منزور ، وليس كذلك المذاكرة والمناظرة والمواتاة ، فإن ما ينال من هذه أغض وأطرأ ، وأهنأ وأمرأ ، واجعل هذه الخدمة مقدمةً على كل مهمٍ لك ، فإني ناظرك ، طامعاً في الجواب المقنع الشافي . فعرضتها كما رسم على أبي سليمان وقرأتها عليه ، وتمهلت في إيرادها بحضرته ، فلما فهمها ووقف عليه عجب وقال : هذه مسائل المتحكمين ، وطلبات المدلين ، واقتراحات المقتدرين ، ومنية الأولين والآخرين . قلت : هو كما قلت أيها الشيخ ، ولابد من جوابٍ يعرض عليه يأتي على بعض مآرب النفس ، وإن لم يأت على قاصية ما في المطلوب ، فقال كلاماً كثيراً واسعاً أنا أحكيه على وجهه من طريق المعنى ، وإن انحرفت عن أعيان لفظه ، وأسباب نظمه ، فإن ذلك لم يكن إملاءً ولا نسخاً ، وأجتهد أن ألزم متن المراد ، وسمت المقصود - إن شاء الله - عز وجل . قال : أما قوله : ما النفس ، فإن التحديد يعوز ، والرسم لا يشفي ، والوصف مقصرٌ عن الغاية ، لأنها لايس لها جنسٌ ولا فصل فينشأ الحد بهما ومنهما ؛ والاسم الشائع - أعنيالنفس - أخلص إلى المطلوب ، وأحضر للمقصود من التحديد ، ولهذا ما اختلف الناس قديماً وحديثاً في حدها ؛ فقال قائل : النفس مزاج الأركان . وقال قائل : النفس تألف الأسطقسات ؛ وقال قائل : النفس عرضٌ محركٌ بذاته . وقال قائل : النفس هوائية . وقال قائل : النفس روح حارة . وقال قائل : النفس طبيعةٌ دائمة الحركة . وقال قائل : النفس تمامٌ لجسمٍ طبيعيٍ ذي حياة . وقال قائل : النفس جوهرٌ ليس بجسمٍ محركٌ للبدن . وعلى هذا ؛ ولعل آخرين يقولون في تحديدها ونعتها أقوالاً أخر ، لأن الملحوظ بسيط ، والمدروك بعيد ، والناظرين كثيرون ، والباحثين مختلفون ، والكثرة فاتحة الاختلاف ، والاختلاف جالبٌ للحيرة ، والحيرة خانقةٌ للإنسان ، والإنسان ضعيف الأسر ، محدود الجملة ، محصور التفصيل ، مقصور السعي ، مملوك الأول والآخر ، غشاؤه كثيف ، وباعه قصير ، وفائته أكثر من مدركه ، ودعواه أحضر من برهانه ، وخطؤه أكثر من صوابه ، وسؤاله أظهر من جوابه ، فعلى هذا كله الاعتراف بها - أعني بالنفس وبوجدانها - أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها . قال : وإنما صعب هذا لأن الإنسان يريد أن يرعف النفس وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس ، وهو محجوبٌ عن نفسه بنفسه ؛ وإذا كان الأمر على هذا فالأمر أن كل من كانت نفسه أصفى ، ونوره أشع ، ونظره أعلى ، وفكره أثقب ، ولحظه أبعد ، كان من الشك أنجى ، وعن الشبهة أنأى ، وإلى اليقين أقرب ؛ والإنسان ذو أشياء كثيرةٍ ، من جملتها نفسه ، فلكثرة ما هو به كثيرٌ يعجز عن إدراك ما هو به واحدٌ ، أي إنسان ، وكيف لا يكون هذا النعت حقاً ، وهذا المقول صدقاً ، وهو مركبٌ في مربك ، والنفس مبسوطة ، وإنما فيه جزءٌ يسير ونصيبٌ قليل من ذلك البسيط ، فكيف يدرك بجزء منها كلها وبقليل منها جميعها ؛هذا متعذرٌ إن لم يكن محالاً ، وبعيدٌ إن لم يكن معدوماً ؛ ويكفي أن تعلم أن النفس قوةٌ إلهية واسطة بين الطبيعة المصرفة للأسطقسات والعناصر المتهيئة ، وبين العقل المنير لها ، الطالع عليها ، الشائع فيها ، المحيط بها ؛ وكما أن الإنسان ذو طبيعة لآثارهما الظاهرة في بدنه كذلك هو ذو نفس ، لآثارها الظاهرة في آرائه وأبحاثه ، ومطالبه ومآربه ؛ وكذلك هو ذو عقلٍ لتمييزه وتصفحه ، واختباره وفحصه واستنباطه ، ويقينه وشكه ، وعلمه وظنه ، وفهمه ورويته وبديهته وذكره ، وذهنه وحفظه وفكره ، وحكمته وثقته وطمأنينته ؛ وكذلك هو ذو اعترافٍ بالأحد الذي لا سبيل إلى جحده ، والبراء من هويته ، وكيف يجد أثر الجحد ، أو يحس بلمسةٍ من الشك ؟ وسنخه ينبو عن ذلك ، وفطرته تأباه ، ولهذا النبو والإباء يفزع إليه ، ويتوكل عليه ، ويطلب الفرج من عنده ، ويلتمس الخير من لدنه ، فانظر إلى هذه السلسلة الوثيقة التي لا يفصمها شيءٌ لا في زمانٍ ولا في مكانٍ ، ولا في يقظةٍ ولا في منامٍ ؛ فهذا هذا ؟ وفيه مقنع . وأما فعل النفس ، فقد وضح أنه إثارة العلم من مظانه ؛ واستخلاصه من العقل بشهادته ، مع إفاضاتٍ لها أخر ، وإنالاتٍ منها جليلة عند الإنسان ، بها ينال ما يكمل به ، وبكماله يجد السعادة ، وبسعادته ينجو من شقوته . وأما قوله : ما الذي استفادت في هذا المكان ، فإنها أفادت وما استفادت ، إلا أن تجعل إفادتها للقابل منها استفادةً لها ؛ وفي هذا تجوزٌ ظاهر ، ولا يقال للشمس إذا طلعت على بسيط الأرض والعالم : ما الذي استفادت . ولكن يقال : ما الذي أفادت : فيعلم حينئذٍ بالعيان أنها أفادت أشياء كثيرة ، صوراً مختلفة ، ومنافع جمةً بالقصد الأول ؛ وأما القصد الثاني فأضداد هذه ، وهذا القصد مفروضٌ باللفظ ليكون معيناً على تبليغ الحكمة إلى أهلها . وأما قوله : بأي شيء باينت النفس الروح فهو ظاهر ، وذلك أن الروح جسمٌ يضعف ويقوى ، ويصلح ويفسد ، وهو واسطةٌ من البدن والنفس ، وبه تفيض النفس قواها علىالبدن ، وقد يحس ويتحرك ، ويلذ ويتألم ؛ والنفس شيءٌ بسيطٌ عالي الرتبة ، بعيدٌ عن الفساد ، منزه عن الاستحالة . وأما المانع أن تكون النفس جسماً فللبساطة التي وجدت للنفس ولم توجد للجسم ، وبيان هذا أن كل نعت أطلق على الجسم نزهت عنه النفس ، وكل نعت أطلق على النفس نبا عنه الجسم ؛ فذاك كان المانع من ذلك ، وقد أتت مذاكرةٌ في النفس منذ ليالٍ بشرحٍ مغنٍ ، وبيانٍ تام ، إلا أن هذا المكان أحوج إلى الإلمام ، ولم يأت على ما في النفس . وإذا بطل أن تكون النفس جسماً فهي بألا تكون عرضاً أقمن وأخلق ، لأنه لا قوام للعرض بنفسه . وأما قوله : وهل تبقى ؟ فكيف لا تبقى وهي مبسوطةٌ لا يدخل عليها ضد ، ولا يدب إليها فساد ، ولا يصل إلى شيء منها بلى ، والإنسان إنما يبلى ويفسد ويخلق ويبطل ويموت ويفقد ، لأنه يفارق النفس ، والنفس تفارق ماذا حتى تكون في حكم الإنسان بشكله ؟ ولو كانت كذلك كانت لعمري تموت وتبلى ، فأما والإنسان بها كان حياً وجب ألا يكون حكمها حكم الإنسان . وأما قوله : أو هما ، فقد بان أن النفس متى لم تكن جسماً ، ولا عرضاً على حدةٍ أنها لا تكون أيضاً بهما نفساً ، لأن البينونة التي منعت في الأول هي التي تمنع في الثاني ، وليست النفس والعرض كالخل والسكر حتى إذا جمع بينهما كان كل منهما شيء آخر ، لأن الجسم والجسم إذا اختلطا كان منهما شيءٌ ما ، له قوامٌ ما ، وإن ذلك القوام مستلٌ منهما ، وليس كذلك البسيط وغير البسيط ، فهذا هذا . وأما قوله : وهل تفنى ، فقد بان أنها تبقى ولا تفنى ، وليس يطرأ عليها ما يفنيها ، لبساطتها وبعدها من التركيب العجيب المعرض للتحلل . وأما قوله : وهل تعلم ما كان فيه الإنسان ها هنا ، فإن هذا بعيد من الحق لأنها قد وصلت إلى معدن الكرامة وجنة الخلد ، فلا حاجة بها إلى علم العالم السفلي الذي لا ثبات له ولا صورة ، لغلبة الحيلولة عليه ، وتذكر الحيلولة حيلولة ، وذلك دليل النقص ، واعتراض الألم ، ولو أن إنساناً نقل من كرب حبسٍ ضيقٍ إلى روض بستان ناضر بهيج مونق ، ثم تذكر ما كان فيه في حال ما هو عليه لكان ذلك مؤذياً لنفسه ، وكارباً لقلبه ، وقادحاً فيروحه ، وآخذاً من حبوره وغبطته ، ومدخلاً للتنغيص عليه في نشوته . وأما قوله : وما الإنسان ، فالإنسان هو الشيء المنظوم بتدبير الطبيعة للمادة المخصوصة بالصور البشرية ، المؤيد بنور العقل من قبل الإله ؛ وهذا وصفٌ يأتي على القول الشائع عن الأولين إنه حيٌ ناطقٌ مائتٌ أي حيٌ من قبل الحس والحركة ، ناطقٌ من قبل الفكر والتمييز ، مائتٌ من قبل السيلان والاستحالة ، فمن حيث هو حيٌ شريك الحيوان الذي هو جنسه ، ومن حيث هو مائتٌ هو شريك ما يتبدل ويتحلل ، ومن حيث هو ناطقٌ هو إنسانٌ عاقلٌ حصيف ، ومن حيث يبلغ إلى مشاكهة الملك بقوة الاختيار البشري ، والنور الإلهي ، أعني ينعت في حياته هذه التي وهبت له بدءاً ، بصحة العقيدة وصلاح العمل وصدق القول - هو ملك ، فإن لم يكن ملكاً فهو جامع لصفاته ، ومالكٌ لحليته ، ولما كان جنسه مشتملاً على التفاوت الطويل العريض ، كان نوعه مشتملاً على التفاوت الطويل العريض ؛ ومن كان نوعه كذك كانت آحاده كذلك ، وكما أن الجنس يرتقي إلى نوعٍ كامل ، كذلك النوع يرتقي إلى شخص كامل . وأما قوله : هل الحد هو الحقيقة أو بينهما بون ، فإن الحد راجعٌ إلى واضعه ومتقصيه بدلالة أنه يضعه ويفصله ، ويخلصه ويسويه ويصلحه . فأما الحقيقة فهي الشيء وبها هو ما هو ، حده صاحبه أم لم يحده ، رسمه قاصده أم لم يرسمه ، فملحوظ الحقيقة عين الشيء وموضوع الحد ليس هو عين الشيء . وأما قوله : وما الطبيعة فهي أيضاً قوةٌ نفسية ، فإن قلت عقليةٌ لم تبعد ، وإن قلت إلهيةٌ لم تبعد ، وهي التي تسري في أثناء هذا العالم محركةً ومسكنة ، ومجددةً ومبلية ، ومنشئةً ومبيدة ، ومحييةً ومميتة ، وتصاريفها ظاهرةٌ للحسائس ، وهي آخر الخلفاء في هذا العالم ، وهي بالمواد أعلق ، والمواد لها أعشق ؛ وليس لها ترقي النفس في الثاني إلى عالم الروح ، لأنه لا كون هناك ولا فساد ، فلو رقيت إلى هنالك لبقيت عاطلة ، وليس كذلك النفس ، فإن لها في عالمها البهجة والغبطة ، والحبور والسرور ، والدوام والخلود والخلافة الإلهية ،وهذا هناك في مقابلة ما كان لها ها هنا من الفضائل التي لا يأتي عليها إحصاء ، ولا يحصلها استقصاء . وأما قوله : وهلا أغنى الروح عن النفس ، فهو يغني عنها ، ولكن في جنس الحيوان الذي لم يكمل فيكون إنساناً . فأما في الإنسان فلا ، لأن الإنسان بالنفس هو إنسانٌ لا بالروح ، وإنما هو بالروح حيٌ فحسب . وأما قوله : وهلا أغنت النفس عن الروح ، فإن الروح كالآلة للنفس حتى ينفذ تدبيرها بوساطته في صاحب الروح ، وليس ذلك لعجز النفس ، ولكن لعجز ما ينفذ فيه التدبير ، وإذا حقق هذا الرمز لم يكن هناك عجز لأنه نظامٌ موجودٌ على هذه الصورة ، وصورةٌ قائمةٌ على هذا النظام ، فليس لأحد أن يعلل ذلك بلم ولا بكيف إلا من طريق الإقناع . وأما قوله : هلا كفت الطبيعة . فقد كفت في مواضعها التي لها الولاية عليها من قبل النفس ، كما كفت النفس في الأشياء التي لها عليها الولاية من قبل العقل ، كما كفي العقل في الأمور التي له الولاية عليها من قبل الإله ؛ وإن كان مجموع هذا راجعاً إلى الإله ، فإنه في التفصيل محفوظ الحدود على أربابها ؛ وهذا كالملك الذي له في بلاده جماعةٌ فيصدرون عن رأيه ، وينتهون إلى أمره ، ويتوخون في كل ما يعقدونه ويحلونه ، وينقضونه ويبرمونه ، ما يرجع إلى وفاقه ، وكل ذلك منه وله وبأمره ، وقد كفاه أولئك القوم ذلك كله . فإن قال قائلٌ : فكيف مثلت سياسةً إلهيةً بسياسةٍ بشرية ، وأني هذه من تلك ؟ فالجواب أن البشر المسكين لم يجد هذه السياسة من تلقاء نفسه ، ولا بما هو به مهينٌ ضعيف عاجزٌ مسكين ؛ بل بما فاض عليه من تلك القوى وتلك الصور ، فهو إذا أبرز شيئاً أبرز على مثال تلك ، لأنه قد أعطى القالب ، فقد سهل عليه أن يفرغ فيه ، ووهب له الطابع ، فهو يختم به ؛ وهيىء على ذلك فهو يجري عليه ، وهذا سوقٌ إلهي وإن كان الانسياق بشرياً ، ونظمٌ ربويٌ وإن كان الانتظام إنسياً ؛ وفي الجملة إحدى السياستين ، أعني البشرية هي ظلٌ للأخرى ، أعني الإلهية ، والسفليات منقادةٌ منفعلةٌ للعلويات ، والعلويات مستولياتٌ على السفليات ، بحق العدل وما هو مقتضاها ، ولأن هذه فواعل ، أعني العلويات ، وتلك قوابل ، أعني المنفعلات ، ووجب ذلك لأن الصورة في الفاعل أغلب ،والهيولى في القابل أغلب ، والعالمان متواصلان ، والسياستان متماثلتان ، والسيرتان متعادلتان ، والتدبيران متقابلان ، ولكن التبدير إذا نفذ في السفلي يسمى بشرياً ، وإذا نفذ في العلوي يسمى إلهياً ، وإن كان في التحقيق إلهيين ، وإنما اختلفا بحسب الصدور والورود ، والفصول والوصول ، والشخوص والبلوغ ؛ والعادة جارية بأن يشبه الإنسان شيئاً من الأشثياء بالشمس والقمر ، ولا يشبه الشمس والقمر بشيء آخر ، لأن للأعلى النعت الأول ، وللأسفل النعت الأرذل ؛ فهذا كما ترى . وأما قوله : وما العقل ، وما أنحاؤه ، وما صنيعه ؟ فإن الجواب عن هذا لو وقع في خلد كثير ، لكان محمولاً على التقصير ، وكذلك فيما تقدم ؛ ولكن هذا مكان قد اقترح فيه الإيجاز والتقريب ، وهذان لا يكونان إلا بحذف الزوائد المفيدة ، وإلا بتفريق العلائق الموضحة . وبعد ، فالعقل أيضاً قوةٌ إلهية أبسط من الطبيعة ، كما أن الطبيعة قوة إلهية ابسط من الأسطقسات ، وكما أن الأسطقسات أبسط من المركبات ؛ وعلى هذا حتى تنتهي المركبات إلى مركب في الغاية ، كما بلغت المبسوطات إلى مبسوطٍ في النهاية ؛ فالتقى الطرفان على ما يقال له : كل ، فلم يكن بعد ذلك مطلبٌ لا في هذا الطرف ولا في هذا الطرف ؛ والعقل هو خليفة الله ، وهو القابل للفيض الخالص الذي لا شوب فيه ولا قذى ؛ وإن قيل : هو نورٌ في الغاية لم يكن ببعيد ، وإن قيل بأن اسمه مغنٍ عن نعته لم يكن بمنكر ؛ وإنما عجزنا عن تحديد هذه البسائط لأنا حاولنا عند علمها أن تكون في صورة المركبات أو قريبة منها ، وأن تصير لنا أصناماً نتمثلها ونوكل بها ؛ وهذا منا تعجرفٌ مردودٌ علينا ، وخطأٌ يلزمنا الاعتذار منه إلى كل من أحس به منا ؛ وينبغي أن نتوب إلى الله في كل وقتٍ من وصفه بما لا يليق به ، ومن طرح الوهم على شيء قد حجبه عن معارفنا ، ورفعه عن عقولنا ، وقصرنا على حدودنا اللازمة لنا ، وأشكالنا المشتملة علينا ؛ هذا حديث العقل إذا لحظ في ذروته .فأما إذا فحص عن آثاره في حضيضه فإنه تمييزٌ وتحصيلٌ وتصفحٌ وحكم وتصويبٌ وتخطئة ، وإجازةٌ وإيجابٌ وإباحة ؛ وإياك أيها السامع أن يكون مفهومك من هذه الأسماء والأفعال والحروف أشياء متمايزة فتجعل شيئاً واحداً أشياء ، ومن كثر الواحد فهو أشد خطأً ممن وحد الكثير ، لأن تكثير الواحد انحطاطٌ إلى المركز ؛ وتوحيد الكثير استعلاءٌ إلى المحيط ، بل يجب أن يكون محصولك منها شيئاً واحداً لم تصل إليه إلا بترادف هذه الكلمات ، وتصاحب هذه الصفات . وأما أنحاؤه ، فعلى قدر ما يقال : فلان عاقل وفلانٌ أعقل من فلان ، وفلانٌ في عقله لوثة ، وفلانٌ ليس بعاقل ؛ وأصحاب العقل أنصباؤهم منه مختلفة بالقلة والكثرة ، والصفاء والكدر ، والإنارة والظلمة ، واللطافة والكثافة ، والخفة والحصافة ، كما تجدهم مختلفين في الصور والألوان والخلق بالطول والقصر ، والحسن والقبح ، والاعتدال والانحراف ، والرد والقبول ، إلا أن هذا القبيل يدرك بالحس ، ويشهد بالعيان ، ويعاين بالحضور ، وذلك القبيل محجوبٌ عن هذا كله ، فلم يجز أن تكون الإحاطة بتفاوت ما غاب عنا في وزن الإحاطة بتفاوت ما حضر ، فإنهما ما تباينا ليأتلفا ، بل ليختلفا ، وهذا التفاوت معترفٌ به إذا اعتبر من خارج ، وذلك أنك تجد أصحاب المال أيضاً يتباينون في مقادير ما يملكون من المال ، ولا يتفقون على مقدارٍ واحدٍ منه عند جماعتهم ، ولا يتفقون على نوعٍ واحدٍ أيضاً من أعيان المال ، لأن هذا يملك الصامت ، وذاك يملك الناطق ، وهذا يمارس القز ، وهذا يمارس الصوف ، وهذا ينظر في الصرف ، وهذا يبيع الحيوان ، وكلٌ منهم صاحب مالٍ ومباشرٌ له ؛ وعلى هذا المثال احتذى أهل العقل في مطالبهم ، فصار هذا يملك بعقله غير ما يملك الآخر ، أعني أن هذا ينظر في الهندسة ، وهذا في الطب ، وهذا في النحو ، وهذا في الفقه ؛ والعبارة تمنع من إشباع هذا المعنى ، وحصر هذا الفن ، فعلى هذا أنحاؤه ، وإنها لكثيرة إن لم تكن بلا نهاية . وأما صنيعه ، فهو الحكم بقبول الشيء ورده ، وتحسينه وتقبيحه ، إذا كان المعروضعليه على جهته غير مموه ولا مغشوش ، ولا مشتبه فيه ولا ملبوس ، فإن كان مموهاً اختلف حكمه ، لأن العقل يرى الباطل حقاً في وقت ، ويرى الحق باطلاً في وقت ، معاذ الله من هذا ، ذلك للحس المنقوص ، والذهن الملبوس ، لأن العارض موه معروضه على العقل ، فحكم له بما يستحقه ، إلا أن يكون العارض لم يشعر بذلك التمويه ، ولم يفطن لذلك الغش ، فحينئذ يهديه العقل ويرشده ، ويفتح عليه ، وينصح له . وأما قوله : وهل يعقل العقل ، فإن الأولى أن يقال : العاقل يقعل بالعقل معقوله ، ألا ترى أنه يقال : السراج أضاء البيت ، ويبعد أن يقال : أضاء نفسه ، لأنه مضيىءٌ بنفسه ، فليس به فقرٌ إلى أن يضيء نفسه ، وإنما أضاء غيره . . . ولو عقل العقل لعقل بالعقل ، وهذا إذا استمر كان مردوداً ، ونحن إذا قلنا : عقل العاقل معقوله ، فإنما نصفه بأنه انفعل انفعال كمالٍ ، والعقل يرى من هذا الانفعال ألا يتوخى أنه يعقل الإله الذي هو به ما هو ، فإنه يجوز أن يضر به انفعالٌ لائقٌ به يكون عبارةً عن شوقه إليه ، وكماله به ، واقتباسه منه ، وهذا صراطٌ حديد ، والواطىء عليه على خطر شديد ، والوقوف دونه أصدع بالحجة ، وأوضح للعذر ، لأن الإنسان خوارٌ بالطبع ، وإن كان جسوراً بالنفس . وأما قوله : وهل تتنفس النفس ، فإن أريد بذلك النفس النامية والحيوانية فهو قريب ، وأما الناطقة فإن ذلك يبعد منها لأن ذلك التنفس استمداد شيء به يكون الشيء حياً أو كالحي ؛ والناطقة غنيةٌ عن ذلك . فإن قيل : فهل تقتبس من العقل وتستمد ؟ قيل : هذا لا يسمى تنفساً ، وليس اللفظ يبعده عن الحقيقة تأويلٌ في الوضع ؛ ولا وجهٌ في الاعتمال وإدخال العويص في المكانالذي يحتاج فيه إلى رفع اللبس وزوال الإشكال ، مداجاةً في العلم وخيانةً للحكمة وجنايةً على المستنصح . وأما مرتبته عند الإله فقد وضح بأنه كالشمس تطلع فتحيي ، وتضيء فتنفع . فإن قيل : فالعقل أيضاً هكذا ، قيل : العقل أيضاً شمسٌ أخرى ، ولكنها تطلع على النفس التي ليست حاويةً لجدارٍ وسطح ، وبرٍ وبحر ، وجبلٍ وسهل ، لأنه لما كان العقل أشرق من النفس - لأنه مستخلفٌ للنفس ، والنفس خليفته - كان إشراقه ألطف ، ومنافعه في إشراقه أشرف ، وأيضاً فإن الشمس تجدها بالحس لها غروبٌ وطلوع ، وتجلٍ وكسوفٌ ، وليس كذلك العقل ، لأن إشراقه دائم ، ونوره منتشر ، وطلوعه سرمد ، وكسوفه معدوم ، وتجليه غير متوقف . فإن قيل : نرى العقل يعزب عن الإنسان في وقتٍ ويثوب إليه في وقت . فالجواب أن الوصف الذي كنا ننعت به ونصدع ببيانه لم يكن لعقل زيد وعمرو ، وبكرٍ وخالد ، لأن ذلك ينعت بالطلوع والغروب ، وبالحضور والغيوب ، لأنه ها هنا مضافٌ ومنحازٌ ، أو كالمنحاز ، وليس كذلك هو ، فإنه هناك على بهجته التامة ، وسلطانه القاهر ، وملكوته الأفيح ، وبسيطه الفائق ، وفضائه العريض . وأما قوله : وهل ينفعل ، فقد مر الكلام عليه في طي ما مر ، وليس للتكرار وجه ، ولا في التطويل عذر . وأما قوله : فقسط الفعل أكثر ، أم قسط الانفعال ، فإن هذا يلحظ من وجهين ، إذا لحظ قبوله من فيض الإله فقسط الانفعال أظهر ، وإذا لحظ فيضه على النفس فقسط الفعل فيه أكثر ، لأنه بجوده على غيره يشاركه من جاد عليه بجوده ، وهذا لطيفٌ جداً .وأما قوله : وما المعاد ، فما أسهل مطالبة السائل بهذا الأمر الصعب الهائل الذي كل أمرٍ متعلقٌ به ، وكل رجاء حائمٌ حوله ، وكل طمعٍ متوجهٌ إليه ، وكل شيء مقصورٌ عليه ، وكل إنسانٍ به يهيم ، وكل مصرحٍ عنه يصرح ، وكل كانٍ عنه يكني ، وكل مترنم به يحدو ، وكل لحنٍ إليه يشير ، وكل سامعٍ إليه يطرب ، ونرجع فنقول - على العي والبيان ، وعلى الزحف والعدوان : - إن عود النفس إنما هو تخليتها للبدن إذا حان وقت التخلية ، إما لأن البدن غير محتملٍ لمادة الحياة ، وإما لأن النفس قد أزمعت أمراً آخر ، ولا يتم لها ذلك إلا بتخلية هذا ؛ وإما لهما . فإن قال قائل : فما نصيب الإنسان من عود النفس الذي هو تخليتها للبدن وخروجها عنه ، وترك استعمالها له . فالجواب من طريق التمثيل ، والرضا بالرأي الأصوب ، والحكم الأجلى أن يقال : لو قيل لرجلٍ من عرض الناس وافرٍ أو ناقص : إنك إذا فارقت هذا العالم بقيت عينك الباصرة ، وأذنك السامعة ، هل ترى ذلك نعمةً عليك ، وإحساناً إليك ، فإن عينك إذا بقيت أبصرت العالم بعدك كما كنت تبصره وهي معك ، بل تبصر أحسن من ذاك الإبصار ، لأنها كانت معك ترمد بسببك ، وتعشى من أجلك ، وربما عرض لها سوءٌ بسوء تدبيرك ، أو باتفاق رديء عليك ، ومن عشىً أو عمىً وخفش وعمش وعورٍ وآفاتٍ كثيرة ، وهي آمنةٌ بعدك من هذه الأعراض المكروهة ، والأحوال الداهية ، فإنا نعلم حقاً وعياناً أنه يقول : قد رضيت بل أتمنى هذا ، ومن لي به ، أي إن إعطيت هذا فمن مني أسمع وأبصر ، وإذا كنت أكره الدنيا في حياتي إذا فقدتهما فكيف لا أحب الدنيا إذا وجدتهما ، فإن كان هذا التمثيل واقعاً ، وهذا التقريب نافعاً ، والحق في تضاعيفه واضحاً ، فليكن ذلك مطرداً في بقاء نفس الإنسان التي بها كان إنساناً ، وبها كان ينعم في هذا العالم ، وبها كان يعلم ويعرف ويحكم ويصيب ، ويجد لذة اللذيذ من ناحية العقل والحس ، وبها كان يتمنى البقاء والدوام والخلود ، وإنما استحال ذلك التمني من أجل كونه وفساده اللذين لميكن بدٌ من انتهائهما إلى الفناء الذي هو مفارقة النفس الجسد وتخليتها للبدن ، ونسبة نفس الإنسان إلى الإنسان أوكد وألصق من نسبة العين إليه ، ألا ترى أنه بالنفس إنسانٌ ، وبالبدن حافظٌ لشكل الإنسان ؛ فإذا كان للإنسان في هذا التمثيل فائدةٌ متمناة ، وحالةٌ محبوبةٌ هنيئة ، أعني في بقاء العين والأذن حتى يبصر بإحداهما هذا العالم المحشو بالآفات ، ويسمع بالأخرى ما يجري فيه من ضروب الاستحالات ، فبالحري أن يكون رضاه ببقاء النفس في محل الروح والأمن ، ومقام الكرامة والسكينة على حال الخلود والطمأنينة ، إن هذا لعجيب ؛ وأعجب من هذا العجيب عقلٌ لا يعلق به ، وروحٌ لا يهش لسماعه ، ونفسٌ لا تجد حلاوته ، وصدرٌ لا يتصدع طرباً عليه ، والتياحاً إليه ، فإن من لم يشعر بهذه الفائدة ، ولم يحمد الله على هذه النعمة ، لعازب الرأي ، ضعيف العقل ، خفيف المثقال ، رديء الاختيار ، قليل الحصافة ، سيء النظر ؛ حيوانٌ خسيس ، في مسك إنسان رئيس ؛ فقد بان - على مذهب التقريب - ما المعاد المشار إليه ، وما الإنسان منه ، وما لنفسه به . وأما قوله : وما الفرق بين الأنفس ، أي نفس زيدٍ وعمرو وبكرٍ وخالد ، وما الفرق أيضاً بين أنفس أصناف الحيوان ، فإنما الفرق بين هذه الأنفس بقدر قسط كل واحدٍ منهم منها ، وهذه الأقساط إذا اجتمعت تفاوتت ، وإذا تفاوتت كانت منها نفسٌ باقيةٌ حيةٌ ، ونفسٌ فانيةٌ ميتةٌ ، ألا ترى الشمس كيف تطلع على هذه المواضع المختلفة بالعلو والسفل ، وبالتعريج والاستقامة ، والأشكال الكثيرة ، فيقول كل إنسان : مشرقتي أطيب من مشرقة فلان ، وما أشبه هذا الكلام ، وطلوع الشمس على جميعها طلوعٌ واحد ، ولكن حظوظ البقاع منها مختلفة ؛ فليس بمنكر أن تكون نفس زيدٍ أنجى من الكدر ، وأخلص من الآفة ، وأوصل إلى السعادة ؛ ونفس بكرٍ على خلاف ذلك ، ومراتب هذه الأنفس موقوفة على الإضافات الحاصلة لها بأصحابها ، والأنصباء المذخورة لها باكتسابها . فأما أنفس أصناف الحيوان كالفرس والحمار فإنها أنفسٌ ناقصةٌ غير كاملة ، وهي ضعيفة ، لأنها لم تجد إلا الإحساس والحركات ، لم يشع فيها نور النفس الشريفة ، ولم ينبث فيها شعاع العقل الكريم ؛ فوجب من هذا الوجه أن تكون تابعةً لأبدانها ، جاريةً على فسادها وبطلانها ، لأن الحكمة انتهت إلى ذلك الحد في كونها حشواً لهذا العالم وزينةًومنافع ومبالغ إلى غاياتٍ وأغراض . وأما قوله : وهل الملك حيوان ، فقد علمت أنه يقال له حي ، وهذا وقفٌ على الأسماء الجارية ، والعادات القائمة ، وكأن الحيوان إنما شاع في غير الملك لما فيه من الحس والحركة والاهتداء والتصرف على ما لاق بجنسه ونوعه وشخصه ؛ فأما ما يعلو وينزه عن الصفات فلم يطلق عليه حيوانٌ ، ولكن يقال : حيٌ لأنه أقرب الأسماء إلى المعنى المشار إليه ، وبهذا التقريب قيل أيضاً لله : إنه حيٌ ، وأنت إذا حددت الحي أو الحياة لم تقدر على أن تصف الله جل وعلا بشيءٍ من ذلك . . وفي الجملة ما كان أدخل في البساطة كان أخرج من التركيب ، وكل ما كان أخرج من البساطة كان أدخل في التركيب . فأما المركب الذي ليس له من البسيط إلا النصيب النزر ، وإلا طيف الخيال ، فاسمه واضح والإشارة إليه سهلة ، والعيان له مدرك ، لأنه محاطٌ بحدوده في طوله وعرضه وعمقه . وأما المركب البسيط الذي ليس له من التركيب إلا النصيب اليسير ، فاسمه غامض ، والإشارة إليه عسرة ، والعيان عنه مكفوف ؛ وهذا بابٌ إذا حفظ فهم منه شيءٌ كثيرٌ مما يقع فيه الغلط من الإنسان بفكره الردىء ؛ وينفع أيضاً نفعاً بيناً في التغالط العارض بين المتناظرين على جهة التنافس والتناصف . قال أبو سليمان : من حرس هذا الثغر أمن من جميع الأعداء ، ومن أهمله كانت جنايته على نفسه بيده أعظم من جناية عدوه الثائر من ثغره . وأما قوله : على أي وجهٍ يقال لله حيٌ والملك حيٌ والفرس حيٌ ، فقد دخل الجواب عنه في ضمن ما تشقق القول به ، وتحقق المعنى عليه في حديث المركب والبسيط ؛ ونزيدها هنا حرفاً يكون رديفاً لما تقدم ، فنقول : أما الإنسان فإنه يقال له : حيٌ بسبب الحس والحركة وما يتبعهما مما هو كمال الحي ، وكذلك الفرس وما أشبهه . وأما الملك فلما كان ما يستحقه ببساطته معدوماً عندنا ، لم نقدر على شيء نصفه به إلا ما نصف به أنفسنا بيننا ، ولو كنا في عالم الملك لعلنا كنا ندري بأي شيء ينبغي أن ينعت ويسمى ويذكر ويحكى ، فإن من كان منا في بلاد الصين فإنه يسمى الإنسان والفرس والحمار والبقر بها بتعالمٍ أهلها بينهم ، وإن كان هو معوزاً على ما ترى في الملك ، أعني تسميته الحي ، ونعته بالحياة ، فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه أو يحيط به أو يجده وجداناً أولى وأحرى أن يمسك عنه عجزاً واستخذءً ، وتضاؤلاً واستعفاءً ، إلا بما وقع الإذن به من جهة صاحب الدين الذي هومالك أزمة العقول ومرشدها إلى السعادات ، وواقفها عند الحدود ، وزاجرها عن التخطي إلى ما لا يجوز . فعلى هذا قد وضح أن الصمت في هذا المكان أعود على صاحبه من النطق ، لأن الصمت عن المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم ، والتظاهر بالعجز في موضعه كالاستطالة بالقدرة في موضعها ، وليس للخلق من هذا الواحد الأحد إلا الإنية والهوية ، فأما كيف ولم وما هو فإنها طائرةٌ في الرياح كما تسمع وترى . ولما حررت هذه الجملة وحملتها إلى الوزير وقرأتها عليه قال لي : هذا والله جهد المقل ، وفي غليلي بقيةٌ من اللهب . قلت : أيها الوزير ، قال أبو سليمان : سنقول لك كلاماً لا يكون فيه كل الرضا ، فقل له عند ذلك : إنك سألت عن العالم بأسره ، فلا طاقة لأحدٍ أن يعرض عليك العالم بأسره ، ولولا عجلة رسولك في المطالبة ، وإدلاله بالإلحاح ، وقوله : المراد التقريب والإيجاز ، لا التطويل والإسهاب ، لكان النسج على غير هذا المنول ، والعمل على غير هذا الوشي . قال : ومن المعالم التي ليس لها ناظر ، ولا بها خابر ، أن السائل يحض على التلخيص المفهوم ، ولعل ذلك يزيد الشيء إغلاقاً ، فإذا امتثل ما يرسم قال : ما شفاني القول ؛ وإن زيد على ذلك قال : غرق المراد في حواشي التكثير ؛ فليس للعالم تخلصٌ من استزادة المتعلم ، ولا عند المتعلم شكرٌ على مبذول جهد العالم ، وهذا أمرٌ قد تقدمت الاستغاثة منه على مر الدهور ، والأولى فيما لا حيلة فيه الرضا بالميسور منه . ثم قال : وإن أطال الله أيام هذه الدولة ، وحرس على هذه الجماعة القليلة النعمة ، استأنفنا نظراً أبلغ من هذا النظر ، ببيانٍ أشفى من هذا البيان ، وطريق أوضح من هذا الطريق - إن شاء الله . قال الوزير : والله ما قلت قولي ذاك ، لأن هذا الكلام سهلٌ ، وهذا المتناول قريب ، وهذا المرمى كثب ، كلا ، وإني لأظن بل أحق أنه ليس في بضائع أصحابنا الذين حولي من يدرك هذه المعاني على هذه الصفة إذا قرئت عليه ، فكيف منيفزع في شرحها وتهذيبها إليه . ثم تمطى وقال : وانعاساه ، واضعف منتاه ؛ ثم فارقت المجلس .
الليلة السادسة والثلاثون
وقال - دامت أيامه - كيف تقول عند مهل الشهر شيئاً آخر من لفظه ؟ فكان من الجواب : حكى العالم : عند هلول الشهر ومستهله وهله وإهلاله واستهلاله . قال : ورأيت الحاتمي يقول : عشر كلماتٍ جاءت وعينها عينٌ ولامها واوٌ ، ولم أوثر شرحه لها لثقل روحه ، ومغالاته بنفسه ، وكأنه لا علم إلا عنده ، ولا فائدة إلا هي معه ، فهل في حفظك هذه الكلمات ؟ قلت : لا إله إلا الله ، اليوم ذكر الأندلسي هذه الكلمات وعدها ، وقد حفظتها ، فقال : هات يا مبارك ؛ فكان الجواب : منها البعو ، وهو الجناية ، والجعو ، وهو الطين ، والدعو ، مصدر دعا دعواً ، والسعو : الشمع ، والشعو : هو انتفاش الشعر ، والصعو : الرجل الضعيف ، وهو أيضاً طائرٌ أصغر من العصفور ، والقعو : من البكرة ، واللعو : الحريص . والذئب في بعض اللغات ، والمعو : الجني من الرطب ، والنعو : الشق في مشفر البعير . قال : هذا حسن ، لو أتى به الحاتمي للوى شدقه ، وقال : تنح فقد جاء الأسد وغلب الطوفان وخرج الدجال وطلعت الشمس من المغرب ، ما بال أصحابنا تعتريهم هذه الخيلاء ، ويغلب عليهم النقص ، ويستمكن منهم الشيطان . قلت : قال أبو سليمان : كل من غلب عليه حفظ اللفظ وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللفظ ؛ والمعاني صوغ العقل ، واللفظ صوغ اللسان ، ومن بعد من المعاني قل نصيبه من العقل ، ومن قل نصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق ، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذكر .الليلة السابعة والثلاثون
وقال الوزير ليلةً : ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشجعان وما أشد انتفاع الضيق النفس باستماع أخبار الكرام ، لأن الأخلاق في الخلق أعراض ، والأعراض منها لازمٌ ومنها لاصق . قال : وكان عيسى بن زرعة سرد على سنة سبعين ، ليالي كانت الأشغال خفيفة ، والسياسة بالماضي - نور الله قبره وضريحه - عامة ، والنظر بالحسنى شاملاً - أشياء في الخلق أتى بها على عمود ما كان في نفسي ، وذلك أنه ذكر العقل والحمق ، والعلم والجهل ، والحلم والسخف ، والقناعة والشره ، والحياء والقحة ، والرحمة والقسوة ، والأمانة والخيانة ، والتيقظ والغفلة ، والتقى والفجور ، والجرأة والجبن ، والتواضع والكبر ، والوفاء والغدر ، والنصيحة والغش ، والصدق والكذب ، والسخاء والبخل ، والأناة والبطش ، والعدل والجور ، والنشاط والكسل ، والنسك والفتك ، والحقد والصفح ، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة ، وتبعثه على إعادة حدودها ، وإشباع القول فيها ، مع إيجازٍ لا يكون به مدخلٌ للخلل ، ولا تقصيرٌ عن إيصال الآخر بالأول . فلقيت عيسى وعرفته الحديث ، وأملي ما رسمته في هذا الجزء ، وعرضته على أبي سليمان ، فرضيه بعض الرضا ، ولم يسخط كل السخط ، وقال : تحديد الأخلاق لا يصح إلا بضربٍ من التجوز والتسمح ، وذلك أنها متلابسة تلابساً ، ومتداخلةٌ تداخلاً ، والشيء لا يتميز عن غيره إلا ببينونةٍ واقعةٍ تظهر للحس اللطيف ، أو تتضح للعقل الشريف . ثم قال : ألا ترى أن الفكر مشوبٌ بالروية ، والظن مخلوطٌ بالوهم ، والذكر معنيٌ بالتخيل ، والبديهة جانحةٌ إلى الحس ، والاستنباط موصوفٌ بالغوص ، وما هذا المعنى الذي ميز التواضع من شوب الضعة ، أو خلص علو الهمة من شوب الكبر ، أوفرز عزة النفس من نقص العجب ، أو أبان الحلم عن بعض الضعف ؟ هذا بالقول ربما سهل وانقاد ، ولكن بالعقل ربما عز واعتاص ، والأخلاق والخلق مختلطة ، فمنها ما اختلاطه قويٌ شديد ، ومنها ما اختلاطه ضعيفٌ سهلٌ ، ومنها ما اختلاطه نصفٌ بين اللين والشدة ، وهذه ينفع العلاج في بعضها ، وينبو العلاج عن بعضها ؛ والحزم يقضي بألا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج . قال : وهذا أيضاً يختلف بحسب المزاج والمزاج ، والإنسان والإنسان ، ألا ترى أنك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من الروم إلى الجود ، والطمع في جبان الترك أن يتحول شجاعاً أقوى من الطمع في جبان الكرد أن يصير بطلاً . قال : ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود - وإن كان على ما قدمناه - نافعٌ جداً ، وإضمارها في النفس مثمرٌ أبداً ، فهذا هذا . وأما ما قال أبو عليٍ فإنه هذا . قيل : ما الحلم ؟ قال ضبط الفكر بكف الغضب . وقال شيخنا أبو سعيد السيرافي : اعتباره من ناحية الاسم تعطيلٌ لطبعه وذلك أن الحلم شريك التحلم ، فكان الحليم الذي يعد فيمن يحلم في عرض الحليم الذي لا يعاج عليه ولا يكترث له . قال : والتحلم نافعٌ أيضاً وهو أحمد من التحالم ، لأن الثاني أقرب إلى التأني ، كما أن الأول أقرب إلى الحقيقة . وقيل لعيسى : ما العدل ؟ فقال : القسط القائم على التساوي . وحكى جالينوس قال : إن الناس لشدة حبههم لأنفسهم يظنون أن لهم ما يحبون ، فمن أجل ذلك وقعوا في العجب ؛ فينبغي أن تكون محبتك لنفسك حقيقية ، ويتم ذلك لك إذا أنت صيرت نفسك على الحال التي يرى من يرى أنك عليها . وقال : المعجب يحب نفسه أكثر مما يحق لها ؛ وما أحسن بالإنسان أن يحبنفسه ، ولكن بالعدل ، فإن أراد أن يحبها جداً فيجب أن يجعلها من أهل المحبة ، ثم يحبها من بعد . قيل : فما الحسد ؟ قال : شدة الأسى على شيء يكون لغيره . قيل : فما الكآبة ؟ قال : إفراط الحزن . قال أبو سليمان : الحزن والغم والهم والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة ومن تعاطى وصف أغصان شجرة طال عليه ، ولم يحظ بطائل ، ويكفي أن نعرف شجرة التفاح من شجرة المشمش ، وشجرة الكمثرى من شجرة السفرجل ؛ فإن عواقب المعارف نكرات ، كما أن فواتح المعارف جهالات . قيل : فما الشجاعة ؟ قال : الإقدام في موضع الفرصة من جميع الأمور . قال أبو سليمان : الشجاعة إذا كانت نطقية كانت فرصتها تعاطي الحكمة والدءوب في بلوغ الغاية ، وبذل القوة في نيل البغية ؛ وإذا كانت غضبيةً كانت فرصتها شفاء الغيظ إما من مستحق ، وإما من غير مستحق ، وإذا كانت شهويةً كانت فرصتها التحلي بالعفة التامة ، أعني في الخلوة والحفل . قال لنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني الشيخ الصالح : العفة واسطة بين المقارفة والعصمة ، والعصمة واسطةٌ بين البشرية والملكية . وحكى عيسى بن زرعة في هذا الموضع - عند تدافع الحديث - أن موريس قال : إني لأعجب من ناسٍ يقولون : كان ينبغي أن يكون الناس على رأي واحد ، ومنهاج واحد ، وهذا ما لا يستقيم ولا يقع به نظام . قال : وهب أن يكون الناس وكل واحدٍ منهم ملكاً يأمر وينهى ويستمع له ويطاع ، فمن كان المأمور المؤتمر ، والمنهى المنتهى ؛ والعاقل الحصيف يعلم أنه لابد من التفاوت الذي به يكون التصالح ، كالعالم والمتعلم ، والآمر والمأمور والصانع والمصنوع له . ثم قال عيسى : من توابع الأخلاق المذمومة الغضب والكذب والجهل والجور والدناءة . قال أبو سليمان : أما الغضب فلا يكون مذموماً إلا إذا أعمل في غير أوانه ، وعلى غير ما يأذن الناموس الحق به ؛ وأما الكذب ففيه أيضاً مصالح ، كما أن الصدق ربما أفضى إلىكثير من المفاسد - وإن كان الصدق قد فاز بالوصف الأحسن ، والكذب قد وصف بالنعت الأقبح - فكم كذبٍ نجى من شر ، وكم صدقٍ أوقع في هوة ، وبقي الآن أن نعرف الصدق مع أوانه ومكانه ، فيؤتى به أو ينهى عنه ، وكذلك الكذب على حذوه ومثاله . قال : وأما الجهل والجور والدناءة فإنها أثافي الرذائل ، فينبغي أن ينتفي منها جملةً وتفصيلاً ، ولا يسلك أحدٌ إلى شيء منها سبيلاً فإنها أعدام ؛ - هكذا قال - ؛ والعدم كريه ومهروبٌ منه ، والوجود على أنقص النعوت وأتم وأشرف من العدم على أزيد الصفات ، وإن كان لا زيادة في العدم إلا من طريق الوهم العارض ما يصح وما لا يصح . قيل : فما العجب ؟ قال وزن النفس بأكثر من مثقالها . وقال أيضاً : العجب هو النظر في النفس بعين ترى القبيح جميلاً . ويقال : المعجب يدعي أن ما ينبغي أن يعجب منه قد حصل له من غير أن يكون كذلك ؛ فأما إذا كان ذلك حاصلاً فالعجب ليس بعجبٍ إلا من طريق الاسم ، وإلا فهو في الحقيقة إحساسٌ بالفضل المعشوق ، وشعورٌ بالكمال الموموق ، واستدعاءٌ للزيادة مما صار به هكذا ، واستعدادٌ لقبول الفيض من معدنه بالاختيار الثاني والاعتياد الأول . قيل : فما الوفاء ؟ قلا قضاء حقٍ واجب ، وإيجاب حقٍ غير واجب ، مع رقةٍ أنسية ، وحفيظةٍ مرعية . قيل : فما الرغبة ؟ قال : حركةٌ تكون من شهوةٍ يرجى بها منفعة . قال أبو سليمان : الرغبة إذا كانت نطقية كانت مبعثةً على التحلي بالفضائل ، وإذا كانت سبعيةً أو بهيميةً كانت ملهجةً بمواقعة أضدادها من الرذائل . وقيل : ما المهنة ؟ فقال : حركةٌ يتعاطاها الإنسان بلا حفزٍ ولا استكراه . قال علي بن عيسى : المهنة صناعة ، ولكنها إلى الذل أقرب ، وفي الضعة أدخل ، والصناعة مهنة ، ولكنها ترتفع عن توابع المهنة ، وفي الصناعات ما يتصل به الذل أيضاً ، ولكن ذلٌ ليس من جهة حقيقة الصناعة ؛ ولكن من جهة العرض الذي بين الصناعةوالصناعة ، والمرتبة والمرتبة . قيل : فما العادة ؟ قال : حالٌ يأخذ بها المرء نفسه من غير أن تكون مسنونةً يجري عليها مجرى ماهو مألوفٌ طبيعي . قال أبو سليمان : كأن هذا الاسم ليس يخلص إلا لمن أتى شيئاً مراراً ، فأما في أول ذلك فليس له هذا النعت ، وإنما يصير مألوفاً بالتكرار ، ولهذا ما صيغت الكلمة من عاد يعود واعتاد يعتاد . وأما قوله : طبيعي ، فعلى وجه التشبيه ، لأن الطبيعي أشد رسوخاً وأثبت عرقاً ، وأبعد من الانتقاض ؛ فأما العادة فكل ذلك جائزٌ عليها ، وغير مأمون من الوقوع فيه . قيل : كم الحركات ؟ قال : ستة أضعاف ، أولها حركة الانتقال ، وهي ضربان : إما حركة الجسم بكله من مكان إلى مكان ، وإما حركته بأجزائه كالفلك والرحى ، والثاني حركة الكون ، والثاث حركة الفساد ، والرابع حركة الربو ، والخامس حركة النقض والبلى ، والسادس حركة الاستحالة ، وهي ضربان : أما في الجسم فمثل اللون ، وأما في النفس فمثل الغضب والرضا ، والعلم والجهل . والنقلة مكانية ، والكون والفساد جوهريان ، والاستحالة هيئية ، والنمو والاضمحلال مكانيان . قال الكندي : وها هنا حركةٌ أخرى ، وهي حركة الإبداع ، إلا أن بينها وبين حركة الكون فرقاً ، لأن هذه لا من موضوع ، وحركة الكون من فساد جوهرٍ قبله بحدوثه ، ولذلك قيل : إن الكون خروجٌ من حالٍ خسيسةٍ إلى حال نفيسة . قال أبو سليمان : حركة الإبداع عبارةٌ بسيطة لا يجب أن يفهم منها معنىً مركب . قال : وإنما قلت هذا لأن اللفظ نظير اللفظ في أغلب الأمر وليس المعنى نظير المعنى في أغلب الأمر ، واللفظ كله من وادٍ واحد في التركب بلغة كل أمة ، والمعاني تختلف في البساطة على قدر العقل والعقل ، والعاقل والعاقل ، وإنما حركة الإبداع مشارٌبها إلى مقوم الأشياء بلا كلفة فاعل ، ولا معاناة صانع ، وإنها بدت بالمبدع من المبدع للمبدع لا على أن الباء ألصقت به شيئاً ، ولا على أن من فصلت منه شيئاً ، ولا على أن اللام أضافت إليه شيئاً ، فإن هذه العلامات والأمارات كلها موجودةٌ في الأشياء التي تعلقت بالإبداع ، فلم يجز أن ينعت بها المبدع ، ولو جاز هذا لكان داخلاً فيها ، وموجوداً بها ، وهذا بعيدٌ جداً . فلما جل عن هذه الصفات بالتحقيق في الاختيار وصف بها بالاستعارة على الاضطرار ، لأنه لابد لنا من أن نذكره ونصفه وندعوه ونعبده ونقصده ونرجوه ونخافه ونعرفه وننحوه ونطلب ما عنده ونواجهه ونكافحه ؛ وهذه نعمةٌ منه علينا ، ولطفٌ منه بنا ، وحكمةٌ بينه وبيننا وإلا كانت العصمة تنبتر ، والطمع ينقطع ، والأمل يضعف ، والرجاء يخيب ، والأركان تتخلخل ، والجود والكرم والحكمة والقدرة والجبروت والملكوت تأبى ذلك ؛ فصارت هذه الأسماء والصفات سلالم لنا إليه ، لا حقائق يجوز أن يظن به شيءٌ منها ، على سبيل السياج الممدود ، والمنهاج المحدود . سقت كلام عيسى في تصنيف الحركات من أجل هذه الفقرة التي كانت محفوظةً في حركة الإبداع ، فإني قد وجدت للقوم في هذا الباب حيرةً عارضة أو راكدةً ، لا يستطيعون التقصي عنها ، ولا يقدرون على البراءة منها ، للضلال الذي قد لزمهم ، والأصنام التي قد تربعت في نفوسهم ، والأمثلة التي قد خالطت عقولهم ، والأفياء التي استصحبوها من إحساسهم ؛ والقائل هذا ينبغي أن يتحرى ويتلبث حتى يعرى من هذه الأشياء ويتريث ؛ فحينئذ أضمن له أن يصح توحيده ، ويتم تجريده ، وإلى التوحيد تنتهي الفلسفة بأجزائها الكثيرة ، وأبوابها المختلفة ، وطرقها المتشعبة . وأنا أعوذ بالله من صناعةٍ لا تحقق التوحيد ولا تدل على الواحد ولا تدعو إلى عبادته ، والاعتراف بوحدانيته ، والقيام بحقوقه ، والمصير إلى كنفه ، والصبر على قضائه ، والتسليم لأمره ؛ ووجدت أرباب هذه الصناعات ، أعني الهندسة والطب والحساب والموسيقى والمنطق والتنجيم معرضين عن تجشم هذه الغايات ، بل وجدتهم تاركين الإلمام بهذهالحافات ، وهذه آفةٌ نسأل الله السلامة منها ، والعافية من عواقبها ؛ والسلام . قيل : ما التمام ؟ قال : بلوغ الشيء الحد الذي ما فوقه إفراط ، وما دونه تقصير . قال أبو سليمان : التمام أليق بالمحسوسات ، والكمال أليق بالأشياء المعقولة . قال : وليست هذه الفتيا مني جازمة ، ولا عن العرب العاربة مروية ، ولكن إذا لحظنا المعاني مختلفة ، طلبنا لها أسماءً مختلفة ، ليكون ذلك معونةً لنا في تحديد الأشياء أو في وصف الأشياء من طريق الإقناع الكاف للجدل والتهمة ، أو من طريق البرهان الساطع بالحجة ، الرافع للشبهة ، أو من طريق التقليد الجاري على السنن والعادة . قال : ولهذا إذا قيل : ما أتم قامته كان أحسن ، وإذا قيل : ما أكمل نفسه كان أجمل . قيل له : هل يتساوى الكون والفساد فيبقى الشيء على ما هو به ؟ فقال : أما على الحقيقة فلا ؛ ولكن على السعة ، لأن الكون متصل بالفساد ، إلا أنهما يخفيان في مبادئهما حتى إذا امتد الآنان فصار آناً واحداً فحينئذٍ بان الكون من الفساد ، وبان الفساد من الكون ، وهذا بالاعتبار الحسي ؛ فأما العقل فيرتفع عن هذا ، لأنه يعلم حقيقة الشيء على ما هو عليه ، ولا يقبل من الحس حكماً ، ولا يحتكم إليه أبداً . وإنما الحس عاملٌ من عمال العقل . والعامل يجور مرةً ويعدل مرة ، فأما الذي هذا هو عامله فهو الذي يتعقبه ، فإن وجده جائراً أبطل قضاءه ، وإن وجد عادلاً أمضى حكمه ، ومتى استشير الحس في قضايا العقل فقد وضع الشيء في غير موضعه ، ومتى استشير العقل في أحكام الحس فقد وضع الشيء في موضعه . قيل : فما الصورة ؟ قال : التي بها يخرج الجوهر إلى الظهور عند اعتقاب الصور إياه .قال أبو سليمان : هذه الفتيا جزافية ، الصور أصناف : إلهيةٌ وعقلية ، وفلكيةٌ وطبيعيةٌ ، وأسطقسية وصناعية ، ونفسيةٌ ولفظية ، وبسيطةٌ ومركبةٌ ، وممزوجةٌ وصافيةٌ ، ويقظيةٌ ونوميةٌ ، وغائبيةٌ وشاهدية . ثم اندفع فقال : أما الصورة الإلهية - وهي أعلاها في الرتبة والحقيقة . وهي أبعد منا في التحصيل إلا بمعونة الله تعالى - فلا طريق إلى وصفها وتحديدها إلا على التقريب ، وذلك أن البساطة تغلب عليها ، إلا أنها مع ذلك ترسم بأن يقال : هي التي تجلت بالوحدة ، وثبتت بالدوام ، ودامت بالوجود . وأما الصورة العقلية فهي شقيقة تلك ، إلا أنها دونها لا بالانحطاط الحسي ، ولكن بالمرتبة اللفظية ، وليس بين الصورتين فصلٌ إلا من ناحية النعت ، وإلا فالوحدة شائعةٌ وغالبةٌ وشاملة ، لكن الصورة الإلهية تلحظ لحظاً ، ولا يلفظ بوصفها لفظاً ، لمشاكهتها الصورة النفسية ، فإذا كان كذلك أمكن أن ترسم فيقال : هي التي تهدي إلى العاقل ثلجاً في الحكم ، وثقةً بالقضاء ، وطمأنينة للعاقبة ، وجزماً بالأمر ، ودحوضاً للباطل ، وبهجةً للحق ونوراً للصدق . والفرق بين الصورة الإلهية والصورة العقلية أن الصورة الإلهية ترد عليك وتأخذ منك ، والصورة العقلية تصل إليك فتعطيك ، فالأولى بقهرٍ وقدرة ، والثانية برفقٍ ولطافة ؛ وتلك تحجبك عن لم وكيف ، وهذه تفتح عليك لم وكيف ، وتلك لا تنحي ولا تطلب ، وهذه يسعى إليها ، ويسأل عنها وتوجد ، وأنوار الصورة الإلهية بروقٌ تمر ، وأنوار الصورة العقلية شموسٌ تستنير ؛ وتلك إذا حصلت لك بالخصوصية لا نصيب لأحدٍ منها ، وهذه إذا حصلت لك فأنت وغيرك شرعٌ فيها ؛ وتلك للصون والحفظ ، وهذه للبذل والإفاضة . وأما الصورة الفلكية فداخلةٌ تحت الرسم بالعرض ، وللوهم فيها أثرٌ كثير ، ولأنها مأخوذةٌ من الجسم الأعظم صارت مشاكهتها مقسومةً بين البسيط الذي لا تركيب فيه البتة ، وبين المركب الذي لا يخلو من التركيب البتة ؛ ولهذا صار تأثير الفلك في المتحركات عنه أشد من تأثر الفلك عن المحرك له ، وكأنه أول محركٍ متحرك ؛ وليس هكذا ما علا عنه .والفلك بما هو جسمٌ منقوص الصورة ، وبما هو دائم الحركة شريف الجوهر . وأما الصورة الطبيعية فتعلقها بالمادة القابلة لآثارها بحسب استعدادها لها ، فلذلك ما هي مزحزحة عن الدرجة العليا ، وعشقها للقابل منها أشد من عشقها للمفيض عليها ، ولهذا أيضاً كانت منافعها ممزوجة ، ومضارها بحتة ، وهي تجمع بين الحكمة والبله ، وبين الجيد والرديء ، ولو سألنها لم أنت ضارةٌ نافعة ؟ لقالت : بعدت ، فلما بعدت صوبت وصعدت . وسمعت أبا النفيس يقول في وصف الطبيعة كلاماً له رونقٌ في النفس وأنا أصل هذه الجملة به . قال : أيتها الطبيعة ، ما الذي أقول لك ، وبأي شيء أؤاخذك ، وكيف أوجه العتب عليك ؟ فإنك قد جمعت أموراً منكرة ، وأحوالاً عسرة ، لا يفي نظامك فيها بانتثارك عليها ، ولك بوادر ضارة ، وغوائل خفيةٌ تبدو منك ، وتغور فيك ، وترجع إليك ، حتى إذا قلنا في بعضها : إنك حكيمة ، قلنا في بعضها : إنك سفيهة ، فالبله منك مخلوطٌ باليقظة ، والاستقامة فيك عائدةٌ بالاعوجاج ، وفيك فظائع ونزائع ، وقوارع وبدائع ، لأن حركاتك تستن مرةً استناناً تعشقين عليه ، وتحبين من أجله ، وتزيغ أخرى زيغاً تمقتين عليه ، وتبغضين بسببه ، وربما كانت حركتك نقصاً للبناء المحكم والصورة الرائعة ، والنظام البهي ، وربما كانت بناءً للمنتقض ، وتجديداً للبالي وإصلاحاً للفاسد ، حتى كأنك عابثةٌ بلا قصد ، عائثةٌ على عمد ، وعلى جميع صفاتك من الواصفين لك لم يعلم من ظن ، ولا رأى من تخيل ، ولا بعد لفظٌ من تأويل ، ولا حال معنىً عن توهم ، ولا أسفر حقٌ عن باطل ، ولا تميز بيانٌ عن تمويه ، ولا وضح نصحٌ من غش ، ولا سلم ظاهرٌ من تناقض ، ولا خلت دعوىمن معارض ، فلهذا وأشباهه واجهتك بخطابي ، وعرضت عليك ما في نفسي ، فبالذي أنت به قائمة ، وبالذي أنت به موجودة ، وبالذي أنت له منقلبة ، وإليه منساقة ، إلا خبرتني عنك ، وشفيت غليلي منك ، ونعت لي غيب شأنك ، وجعلت الخبر عنك كعيانك ، وإنما ضرعت إليك هذا الضرع ، وعرضت عليك هذا الوجع ، لأنك جارتي وصاحبتي ، وليس بيني وبين حجاب إلا ما هو عدوٌ منك أو مني ، أعني بما هو منك لطف سحرك ، وخفاء سرك ، وأعني بما هو مني ما أعجز عن استبانته واستيضاحه إلا بقوة الإله الذي هو سببٌ لحركتك في أفانين تصرفك ، وأعاجيب عدلك وتحيفك . وكان إذا بلغ هذا الحد وما شاكله أخذ في كلامٍ كالجواب على طريق التأنيس والتسلية والاستراحة ، وهذا بالواجب ، لأن الإنسان بسبب أغراضه المجهولة ، وعوارضه الفاجئة الباغتة من الغيب والشهادة يفتقر افتقاراً شديداً إلى هذه النعوت التي تقدم ذكرها ؛ وهذا كالداء والدواء وليس لأحد أن يتهكم فيقول : هلا ارتفع الداء أصلاً فيستغني عن الدواء جملة ، وهلا وقع الدواء أبداً على الداء ونفاه وصرفه . فإن هذا كلامٌ مدخول ، من عقل كليل ، ولعمري إن من جهل القسمة الإلهية في الأزل بحسب شهادة العقل لعب به الوسواس في هذه المواضع ، وظن أن الأمر لو كان بخلاف ما هو عليه كان أولى وأتم وأوثق وأحكم . يا ويحه من أين يوجب هذا الحكم ؟ وبأي شيء يثبت هذا القضاء ؟ وكيف يثق بهذا الوهم ؟ وكان يقول أيضاً إن الطبيعة تقول : أنا قوةٌ من قوى البارىء ، موكلةٌ بهذه الأجسام المسخرة حتى أتصرف فيها بغاية ما عندي من النقش والتصوير والإصلاح والإفساد الذين لولاهما لم يكن لي أثرٌ في شيء ، ولا لشيء أثرٌ مني ، وكان وجودي وعدمي سواءً ، وحضوري وغيابي واحداً ، ولو بطلت بطل ببطلاني ما أنا به ؛ وهذا زائفٌ من القول ، وخطلٌ من الرأي ، وتحكمٌ من الظان ؛ ولو احتمل إيراد كل ما كان يتنفس به هذا الشيخ في حال نشاطه وانقباضه ، لكان ذلك مراداً فسيحاً ، ومشرعاً واسعاً ، ولكن ذلك متعذرٌ لعجزي عن الوفاء به ، ولأن هذه الرسالة تتقلص عنه ، وإنما أجول في هذه الأكناف لكلفي بالحكمة كيف دارت العبارة بها ، وأمكنت الإشارة إليها ، لا على التقصي لها وبلوغ الغايةمنها ، ومن يقدر على ذلك ؟ ومن يحدث نفسه بذلك ؟ العالم أبعد غوراً وأعلى قلةً وأثقل وزناً وأحد غرباً وألطف أعراضاً وأكثف أجراماً وأعجب تركيباً وأغرب بساطةً من أن يأتي عليه إنسانٌ واحد ، وكل من كان في مسكه ، وإن بلغ الغاية في دقة الذهن وحسن البيان وبلاغة اللفظ ، واستنباط الغامض في حاضره وغائبه ؛ هذا ما لا يتوهمه العقل . وأنا أعوذ بالله من هذه الدعوى ، وأسأله أن يلهمنمي الشكر على ما فتح وشرح ، وهدى إليه ومنح ، وأطلع عليه وندح ، فإن الشكر قرعٌ لباب المزيد ، والمزيد باعثٌ على الشكر الجديد ، والشكر - وإن خلص بالعرفان ، وجرى بضروب البيان على اللسان - فإنه يقصر عن تواتر النعمة بعد النعمة ، وتظاهر الفائدة بعد الفائدة . وأما الصورة الأسطقسية ، فهي لائحةٌ لكل ذي حسٍ بالتناظم الموجود فيها ، والتباين الآخذ بنصيبه منها ، ولها انقسامٌ إلى آحادها ، أعني أن صورة الماء مباينةٌ لصورة الهواء ، وكذلك صورة الأرض مخالفةٌ لصورة النار ، فتحديديها بما يقررها مع غوصها في كل أسطقسٍ شديد ، واللفظ لا يصفو ، والمراد لا ينماز . وأما الصورة الصناعية فهي أبين من ذلك ، لأنها مع غوصها في مادتها بارزةٌ للبصر والسمع ولجميع الإحساس ، كصورة السرير والكرسي والباب والخاتم وما أشبه ذلك . وأما الصورة النفسية فهي راجعةٌ إلى العلم والمعرفة وتوابعهما فيما يحققهما أو يخدمهما وهي شقيقةٌ للصورة العقلية بالحق . وأما الصورة البسيطة فلاختلاف مرانب البسيط ما يعز رسمها إلا بالإيماء إليها ، فإن الحق هذا الإيماء سامعه فذاك ، وإلا فلا طمع في عبارةٍ شافيةٍ عنها .وأما الصورة المركبة فهي باديةٌ للحس بآثار الطبيعة في مادتها ، وباديةٌ أيضاً للنفس بآثار العقل في سيحه عليها ، وكما أن بين البسيط والبسيط فرقاً يكاد البسيط يكون به مركباً ، كذلك بين المركب والمركب فرقٌ يكاد المركب يكون به بسيطاً ؛ وهذه جملةٌ تفسيرها معوز . وأما الصورة الممزوجة فهي أخت الصورة المركبة ، وكذلك الصورة الصافية أخت الصورة البسيطة ، وليس هذا تمايزاً في اللفظ واللفظ ، إذ كانتا متصاحبتين ولم تكونا متعاندتين . وأما الصورة اليقظية فهي مجموعةٌ من الإحساس ، لجريانها على وجدان المشاعر كلها ، وما لها وبها . وأما الصورة النومية فهي أيضاً متميزةٌ عن أختها ، أعني اليقظية ، لأنها إغضاء عينٍ وفتح عينٍ ، أعني أن النائم قد حيل بينه وبين مثالات الإحساس وعوارض الكون والفساد ، وفتح عليه بابٌ إلى وجدان شيء آخر يجري كظل الشخص من الشخص ، فإن كان ذلك من وادي الطبيعة أومأ إلى آثار الأخلاط ، وإن كان من وادي النفس أومأ إلى نصب التماثيل ، وإن كان من وادي العقل صرح بحقائق الغيب في عالم الشهادة إما بالتقريب وإما بالتهذيب أعني إما بوقوعه عقيب ذلك ، وإما بعد مهلة . وأما الصورة الغائبية والشاهدية فقد اتصل الكلام في شرحها بما تقدم من حديث الصورة اليقظية والنومية ، والعبارة عن الشاهد مقصورةٌ على وجدان المشاعر ، والعبارة عن الغائب مقصورةٌ على ما تغلق على المشاعر ، وفي الغائب شاهدٌ هو الملحوظ من الغائب ، وفي الشاهد غائبٌ هو المبحوث عنه في الشاهد ، فالشاهد غائبٌ بوجه ، والغائب شاهدٌ بوجه ، حتى إذا استجمعا لك كنت بهما في شعارهما . والإلهيون من الفلاسفة هم الذين جمعوا بين هذين النعتين ، وعلوا هاتين الذروتين ، فتوحدوا عند ذلك بخصائصهم ، وانسلخوا عن نقائصهم ، فلو قلت : ما هؤلاء بشرٌ كنت صادقاً .ولقد أحسن الذي قال في وصف العصابة حيث وصف فقال : فينا وفيك طبيعةٌ أرضيةٌ . . . تهوي بنا أبداً لشر قرار لكنها مقسورةٌ مأسورةٌ . . . مغلوبة السلطان في الأحرار فجسومهم من أجلها تهوي بهم . . . ونفوسهم تسمو سمو النار لولا منازعة الجسوم نفوسهم . . . نفذت بسورتها من الأقطار عرفوا لروح الله فيه فضل ما . . . قد آثروا من صالح الآثار فتنزهوا وتكرموا وتعظموا . . . عن لؤم طبع الطين والأحجار نزعوا إلى البحر الذي منه أتت . . . أرواحهم وسموا عن الأغوار وهذا وصفٌ بليغٌ بالإضافة إلى القوم . فأما ما وراء هذا فهناك خبر ثقةٍ بما قرر وقال : وأما الصورة اللفظية فهي مسموعةٌ بالآلة التي هي الأذن ، فإن كانت عجماء فلها حكم ، وإن كانت ناطقةً فلها حكم ، وعلى الحالين فهي بين مراتب ثلاث : إما أن يكون المراد بها تحسين الإفهام ، وإما أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام ، وعلى الجميع فهي موقوفةٌ على خاص ما لها في بروزها من نفس القائل ، ووصولها إلى نفس السامع ؛ ولهذه الصورة بعد هذا كله مرتبةٌ أخرى إذا مازجها اللحن والإيقاع بصناعة الموسيقار ، فإنها حينئذ تعطي أموراً ظريفة ، أعني أنها تلذ الإحساس ، وتلهب الأنفاس ، وتستدعي الكاس والطاس ، وتروح الطبع ، وتنعم البال ، وتذكر بالعالم المشوق إليه ، المتلهف عليه . هذا منتهى كلامه على ما علقه الحفظ ، ولقنه الذهن ؛ ولو كان مأخوذاً عنه بالإملاء لكان أقوم وأحكم ، ولكن السرد باللسان ، لا يأتي على جميع الإمكان في كل مكان ، فهذا هذا .قال الوزير : هذا بابٌ في غاية الإيفاء والاستيفاء ، ومن يتحكك بالاعتراض عليه فقد صغى ، وأبدى صفحته بالبهت ، ودل من عقله على الدخل ، ومن أخلاقه على الخلل ؛ لقد وهب الله لهذا الرجل مقاماً عالياً ، ولا عجب فإنه معوض بهذا عما فاته . وقال : أنشدني في الخمر شيئاً غريباً ، فأنشدته : ومورد الوجنات يخ . . . طر حين يخطر في مورد يسقيك من جفن اللجين . . . إذا سقاك دموع عسجد حتى تظن الشمس تن . . . زل أو تظن الأرض تصعد فإذا سقاك بعينه . . . وبفيه ثم سقاك باليد حياك بالياقوت تح . . . ت الدر من فوق الزبرجد قال : أحسنت والله ؛ هات زيادةً : فقلت : وعذراء ترغو حين يضربها الفحل . . . كذا البكر تنزو حين يفتضها البعل تدير عيوناً في جفونٍ كأنما . . . حماليقها بيضٌ وأحداقها نجل كأن حباب الماء حول إنائها . . . شذورٌ ودرٌ ليس بينهما فصل توهمتها في كأسها فكأنما . . . توهمت شيئاً ليس يدركه العقل إذا اشتبكت رجلاي من سورة الكرى . . . درجت إليها مثل ما يدرج الطفلوأنشدت لآخر : وكم عائبٍ للخمر لو أن أمه . . . تبول مداماً لم يزل يستبيلها ولآخر : خليلي لومان على الخمر أو دعا . . . فلن تجدا عندي على اللوم مطمعا وشبا سنا نارٍ لعل نديمنا . . . بنجران أن يلقي سناها فيتبعا فما راعنا إذ أوقدت فوق ربوةٍ . . . من الأرض إلا راكبان قد أوضعا فهشا إلينا ثم قالا : ألا انعما . . . مساءً فقلنا : دام ذاك لنا معا وأنشدت لآخر : سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا . . . جبال شمامٍ ما سقوني لغنت وأنشدت أيضاً : الكأس لا تدري ولا الخمر . . . من أي شيء عجل السكر أسكرني من قبل شربي لها . . . من دأبه الإعراض والهجر قلت له والخمر في كأسه . . . كأنها في كفه بدر أنت لعمري الخمر يا سيدي . . . ليس الذي سقيتني الخمر آخر : تركت النبيذ لأهل النبيذ . . . فخار لي الله في تركه وقد كنت قدماً به معجباً . . . أروح وأغدو إلى سفكه فقال : قد جرى هذا أيضاً على التمام . اختم مجلسنا بدعاء الصوفية . فقلت : سمعت ابن سمعون يدعو في الجامع في آخر مجلسه ويقول : اللهم اجعلقولنا موصولاً بالعمل ، وعملنا محققاً للأمل ، ولا تضايقنا فيما نتحول به ، ونتقلب لك فيه ، وكنف علينا بسترك ، وسوغنا برك ، وألهمنا شكرك ، وخفف على أفواهنا ذكرك ، واخصصنا بعد ذلك بما هو أليق بذلك ؛ اللهم اسمع واستجب وقرب . وانصرفت .
الليلة الثامنة والثلاثون
وجرى ليلةً بحضرة الوزير - أعلى الله كلمته ، وأدام غبطته ، ووالى نعمته - أحق من دعي له ، وأشرف من بوهي به ، وأكمل من شوهد في عصره - حديث ابن يوسف وما هو عليه من غثاثته ورثاثته ، وعيارته وخساسته . فقلت له : عندي حديثٌ ، ولاشك أن الوزير مطلعٌ عليه ، عارفٌ به . قال : ماذاك ؟ قلت : حدثني أبو علي الحسن بن عليٍ القاضي التنوخي قال : كنت في الصحبة إلى همذان سنة تسعٍ وستين ، وكنا جماعةً وفينا ابن حرنبار أبو محمد ، وكان في جنبه ابن يوسف ، فاتفق أن عضد الدولة - برد الله مضجعه - قال لابن شاهويه : سر إلى ابن حرنبار وقل له : ينبغي أن تسير إلى البصرة ، وإنا نجعل لك فيها معونة ، فقد طال مقامك عندنا ، وتوالى تبرمنا بك ، وتبرمك بنا ، وليس لك بحضرتنا ما تحبه وتقترحه ، والسلامة لك في بعدك عنا قبل أن يفضي ذلك إلى تغيرنا . وكلاماً في هذا النوع . قال : ونفذ أبو بكر ومعه آخر من المجلس يشهد التبليغ والأداء ، ويسمع الجواب والابتداء - على رسمٍ كان معهوداً في مثل هذا الباب - فلقي ابن حرنبار وشافهه بالرسالة على التمام ؛ فقال أبو محمد لما سمع : الأمر للملك ، ولا خلاف عليه ؛ ولعمري إن الناس بجدودهم ينالون حظوظهم ، وبحظوظهم يستديمون جدودهم ؛ ولو وفقت ما كان عجيباً ، فقد نال من هو أنقص مني ، وبلغ المنى من أنا أشرف منه ، ولكن المقاديرغالبة ، وليس للإنسان عنها مرتحل ؛ وقد قيل : من ساور الدهر غلب ، ولكن أيها الشيخ لي حاجة : أحب أن تبلغ الملك كلمةً عني . قال : هاتها ؛ قال : تقول له : أنا صائرٌ إلى ما رسمت ، وممتثلٌ ما أمرت ، بعد أن تقضي لي وطراً في نفسي ، قد تقطع عليه نفسي ، وذاك أن تتقدم فيقام عبد العزيز بن يوسف بين اثنين فيصفعانه مائتين ، ويقولان له : إذا لم تبذل جاهك لمتلهف ، ولا عندك فرجٌ لمكروب ، ولا برٌ لضعيف ، ولا عطاءٌ لسائل ، ولا جائزةٌ لشاعر ، ولا مرعىً لمنتجع ، ولا مأوىً لضيف ، فلم تخاطب بسيدنا ، وتقبل لك اليد ، ويقام لك إذا طلعت ؟ ؟ قال ابن شاهويه : فقبل أن لقيت الملك أفصح له الذي كان معي مشرفاً علي . فلما دخلت الدار عرف ، فقال : علي به ، فحضرته وابن يوسف قاعدٌ بين يديه على رسمه . فقال لي : هات الجواب عما نفذت فيه ؛ فقلت : الجواب عندك ، فقال : ما أعجب هذا أنت حملت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب ؟ قال : فتلويت حياءً من ابن يوسف ، فقال : هات يا هذا الحديث بفصه ، فوالله لا أقنع إلا به ، ما هذا التواني والتكاسل ، فكرهت اللجاج ، فسردته على وجهه ، ولم أغادر منه حرفاً ، وابن يوسف يتقدد في إهابه ، ويتغير وجهه عند كل لفظةٍ تمر به ، فأقبل عليه الملك وقال : كيف ترى يا أبا القاسم الكيس ؟ فقال : يا مولانا ، إنما أنا أقضي الحاجة بك ، فإذا لم تقضها كيف أكون ؟ فإن الحوائج كلها إليك . قال : صدقت ، أنا لا أقضي حاجةً لك ، لأنك لا تقصد بها وجه الله ، ولا تبغي بها مكرمة ، ولا تحفظ بها مروءة ، وإنما ترتشي عليها ، وتصانع بها ، وتجعلني باباً من أبواب تجارتك وأرباحك ، ولو كنت أعلم أنك تقضي حاجةً لله أو لمكرمةٍ أو لرحمة ورقةٍ لكان ذلك سهلاً علي ، وخفيفاً عندي ، لكنك معروف المذهب في الطمع والحيلة ، وجر النار إلى قرصك ، وشرهك في جيع أحوالك ؛ وليس الذنب لك ، ولكن لمن رآك إنساناً وأنت كلبٌ .
 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار

أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار   ج1وج2. ج / 1 ص -3- بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيق: لا نعرف عن بدايات التأليف في...