اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 27 مايو 2022

مجلد 1. {تفسير الطبري}جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، [ 224 - 310 هـ ]

 

مجلد 1.جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، [ 224 - 310 هـ ]


بسم الله الرحمن الرحيم
بركة من الله وأمر
الحمد لله رب العالمين الرحمنِ الرحيم مَلِكِ يومِ الدين
والحمد لله الذي خلق السمواتِ والأرضَ وجعل الظلماتِ والنورَ.
والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعلْ له عِوَجًا.
والحمد لله الذي له ما في السمواتِ والأرضِ ، وله الحمد في الآخرة ، وهو الحكيمُ الخبيرُ.
والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنَّا لنهتديَ لولا أنْ هدانا الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمدٍ ، رسول الله وخيرته من خلقه ، خاتم النبيين ، وأشرف المرسلين.
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإِحسانٍ إلى يوم الدين.
" فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون ، وغَفَل عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه في الأوَّلين والآخرين. أفضلَ وأكثرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه. وزكَّانا وإياكم بالصلاة عليه ، أفضلَ ما زكَّى أحدًا من أمته بصلاته عليه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته " (1)
__________
(1) اقتباس من كلام الشافعي ، في كتابه (الرسالة) ، رقم 39 ، بتحقيقنا.

(1/5)


أما بعد :
فإن هذا التفسير الجليل ، باكورة عمل عظيم ، تقوم به (دار المعارف بمصر) ، لإحياء (تُراث الإسلام) ، وإخراج نفائس الكنوز. التي بقيتْ لنا من آثار سلفنا الصالح ، وعلمائنا الأفذاذ. الذين خدموا دينَهم ، وعُنُوا بكتاب ربّهم ، وسنّة نبيّهم ، وحفظِ لغتهم ، بما لم تصنعه أمةٌ من الأمم ، ولم يبلغْ غيرُهم مِعْشارَ ما وفّقهم الله إليه.
فكان أَوّلَ ما اخترنا ، باكورةً لهذا المشروع الخطير : كتابُ (تفسير الطبري). وما بي من حاجةٍ لبيان قيمته العلمية ، وما فيه من مزايا يندر أَن توجدَ في تفسيرٍ غيرِه. وهو أعظم تفسير رأيناه ، وأعلاه وأثبتُه. استحقَّ به مؤلفُه الحجةُ أن يسمَّى (إمامَ المفسّرين).
وكنتُ أخشى الإقدامَ على الاضطلاع بإِخراجه وأُعْظِمُه ، عن علمٍ بما يكتنفُ ذلك من صعوباتٍ ، وما يقوم دونَه من عقباتٍ ، وعن خبرةٍ بالكتاب دهرًا طويلا أربعين سنةً أو تزيد.
لولا أنْ قوَّى من عزمي ، وشدَّ من أزْري ، أخي الأصغر ، الأستاذ محمود محمد شاكر. وهو - فيما أعلم - خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء ، وأن يقوم بهذا العمل حقَّ القيام ، أو قريبًا من ذلك. لا أعرف أحدًا غيرَه له أهلا.
وما أريد أن أشهدَ لأخي أو أُثْنيَ عليه. ولكني أقرّ بما أعلم ، وأشهد بما أَسْتَيْقن.

(1/6)


وقد أَبَى أخي السيد محمود إلا أن يُلْقِيَ عليّ بعضَ العبء ، بالتعاون معه في مراجعة الكتاب ، وبتخريج أحاديثه ، ودَرْس أسانيده. وهذا - وحدَه - عملٌ فوقَ مقدوري. ولكنّي لم أستطع التخليَ عنه ، فقبلتُ وعملتُ ، متوكلا على الله ، مستعينًا به.
وأسأل الله سبحانه الهدى والسداد ، والرعاية والتوفيق. إنه سميع الدعاء. كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه القاهرة يوم الجمعة 4 جمادى الآخرة سنة 1374

(1/7)


بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
{ تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا * قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }
* * *
{ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا }
* * *
والحمد لله الذي أرسلَ رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهُدَى ودِينِ

(1/8)


الحقِّ ليُظْهِرَه عَلَى الدِّين كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْركونَ. { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }
* * *
اللَّهُمّ إِنّا نبرأُ إليك من كُلِّ حَوْلٍ وقوَّةٍ ، ونستَعينك ونَسْتَهديك ، ونعوذُ برضاكَ من غَضَبِك ، فاغفر لَنا وارْحَمنا وتبْ علينا إنّك أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيم. ربَّنا وَلا تجعلنَا من الذين فرَّقُوا دِينَهم وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون.
* * *
اللّهُمَّ اجعلنا مسلمِينَ لك ، وَافِين لك بالميثاق الذي أخذتَ علينا : أن نكون قوّامين بالقِسْط شُهَداءَ على الناس ، اللهُمَّ اهدنا صراطَك المستقيم ، صراطَ الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء ، الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا ، وعلموا أنك أنت الجبّارُ الذي خَضَعتْ لجَبرُوتِه الجبَابرة ، والعزيزُ الذي ذلّتْ لعزَّته الملوكُ الأعِزَّة ، وخَشَعت لمهَابة سَطْوتِه ذوُو المهابة ، فلم يُرهِبْهم بغيُ باغٍ ولا ظُلْم سفّاحٍ ظالم : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } { وَلا تحْسَبَنَّ اللَّهَ

(1/9)


غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ }
* * *
اللّهُم اغفر لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، وتغمّده برحمتك ، واجعله من السابقين المقرَّبين في جنّات النعيم ، فقد كان - ما عَلِمْنا - من الذين بَيَّنوا كتابَك للناس ولم يكتموه ، ولم يشتَرُوا به ثَمَنًا قليلا من مَتاع هذه الحياةِ الدنيا ؛ ومن الذين أدَّوْا ما لزمهم من حقِّك ، وذادُوا عن سنة نبِّيك ؛ ومن الذين ورَّثوا الخلَفَ من بعدهم علم ما عَلموا ، وحَمَّلوهم أمانةَ ما حَمَلوا ، وخلعُوا لك الأندادَ ، وكفَروا بالطاغوتِ ، ونَضَحوا عن دينك ، وذبُّوا عن شريعتك ، وأفضَوْا إليك ربَّنا وهمْ بميثاقك آخذون ، وعلى عهدك محافظون ، يرجون رَحْمتَك ويخافُون عذابَك. فاعفُ اللهمّ عنا وعنهم ، واغفر لنَا ولهم ، وارحمنا وارحمهم ، أنت مولانَا فانصرنَا على القومِ الكافرين.
* * *
كان أبو جعفر رضي الله عنه يقول : " إِنّي لأعجبُ مَمنْ قرأ القرآن ولم يعلَم تأويلَه ، كيف يلتذُّ بقراءته ؟ " . ومنذ هداني الله إلى الاشتغال بطلب العلم ، وأنا أصاحب أبا جعفر في كتابيه : كتاب التفسير ، وكتاب التاريخ. فقرأتُ تفسيره صغيرًا وكبيرًا ، وما قرأتُه مرَّةً إلا وأنا أسمعُ صوته يتخطّى إليّ القرون : إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله ، كيف يلتذُّ بقراءته ؟ فكنتُ أجدُ في تفسيره مصداقَ قوله رضي الله عنه.

(1/10)


بيد أني كنتُ أجدُ من المشقّة في قراءتِه ما أجد.
كان يستوقفني في القراءةِ ، كثرةُ الفُصُول في عبارته ، وتباعُد أطراف الجُمَل. فلا يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثًا. وكان سبب ذلك أنّنا ألفنَا نهجًا من العبارة غيرَ الذي انتهج أبو جعفر ، ولكن تبيَّن لي أيضًا أن قليلا من الترقيم في الكتابِ ، خليقٌ أن يجعَل عبارته أبينَ. فلما فعلتُ ذلك في أنحاءٍ متفرقة من نسختي ، وعدتُ بعدُ إلى قراءتِها ، وجدتُها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقّة. ولما راجعتُ كتب التفسير ، وجدتُ بعضَهم ينقلُ عَنْه ، فينسبُ إليه ما لم أجده في كتابه ، فتبيَّنَ لي أن سبب ذلك هو هذه الجمل التي شقّت عليَّ قراءتها. يقرؤها القارئ ، فربّما أخطأ مُرادَ أبي جعفرٍ ، وربَّما أصابَ. فتمنَّيت يومئذٍ أن ينشر هذا الكتاب الجليلُ نشرةً صحيحة محقّقة مرقّمةً ، حتى تسهُل قراءتُها على طالب العلم ، وحتى تجنّبه كثيرًا من الزَّلل في فهم مُرَاد أبي جعفر.
ولكنْ تبيَّن لي على الزمن أن ما طبع من تفسير أبي جعفر ، كانَ فيه خطأ كثير وتصحيفٌ وتحريف ، ولما راجعتُ التفاسير القديمة التي تنقلُ عَنْه ، وجدتُهم يتخطّونَ بعض هذه العبارات المصحفة أو المحرفة ، فعلمتُ أن التصحيف قديم في النسخ المخطوطة. ولا غرو ، فهو كتابٌ ضخْمٌ لاَ يكادُ يسلُم كلّ الصواب لناسخه. وكان للذين طبعوه عذرٌ قائمٌ ، وهو سقم مخطوطاته التي سلمت من الضياع ، وضخامة الكتاب ، واحتياجه إلى مراجعة مئات من الكتب ، مع الصبْر على المشقة والبَصَر بمواضع

(1/11)


الخَلَل. فأضمرتُ في نَفْسي أن أنشُر هذا الكتابَ ، حتى أؤدّي بعض حقِّ الله عليَّ ، وأشكرُ به نعمةً أنالُها - أنَا لَهَا غيرُ مستحقّ - من ربٍ لاَ يؤدّي عبدٌ من عباده شكرَ نعمة ماضيةٍ من نعمه ، إلا بنعْمة منه حادثةٍ توجِب عليه أن يؤدّي شكرها ، هي إقدارُه على شكر النعمة التي سلفت ؛ كما قال الشافعي رضي الله عنه.
وتصرَّم الزَّمن ، وتفانت الأيّامُ ، وأنا مستهلَكٌ فيما لاَ يُغْني عنّي شيئًا يوم يقوم الناس لربّ العالمين. حتَّى أيقظَنِي عدوانُ العادِين ، وظُلْم الظّالمين ، وطغيانُ الجبابرة المتكبّرين ، فعقدت العزمَ على طبع هذا التفسير الإمامِ ، أتقرَّبُ به إلى ربِّ العالمين ، ملك يوم الدين.
وأفضيتُ بما في نفسي إلى أخي الأكبر السيد أحمد محمد شاكر - أطال الله بقاءه ، وأقبسني من علمه - فرأى أن تنشره " دار المعارف " ، باكورةَ أعمالها في نشر (تُراث الإسلام). ولم يمض إلا قليل حتى أعدَّت الدار عُدّتها لنشر هذا الكتاب الضخم ، مشكورةً على ما بذلته في إحياء الكتاب العربيّ.
وكنت أحبُّ أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في كلّ صغيرةٍ وكبيرة ، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله. وليتَه فَعَل ، حتى أستفيد من علمهِ وهدايته ، وأتجنّبَ ما أخاف من الخطإ والزلل ، في كتابٍ قال فيه أبو عمر الزاهد ، غلام ثعلب : " قابلتُ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره ، فما وجدتُ فيه حرفًا خطأً في نحو أو لغة " . وأنَّى لمثلي أن يحقّق كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر!

(1/12)


ونحن أهل زمانِ أُوتوا من العجز والتهاون ، أَضعافَ ما أُوتي أسلافُهم من الجدّ والقدرة!
فتفضل أخي أن ينظُرَ في أسانيد أبي جعفر ، وهي كثيرة جدًّا ، فيتكلّم عن بعض رجالها ، حيثُ يتطلب التحقيق ذلك ، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن وجدَ بعد ذلك فراغًا نَظَر في عملي وراجعه واستدرك عليه. فشكرتُ له هذه اليدَ التي طوّقني بِها ، وكم له عندي من يدٍ لاَ أملك جزاءَها ، عنْد الله جزاؤها وجزاءُ كلّ معروفٍ. وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطايَ صغيرًا ، وأعانني كبيرًا.
وتوليتُ تصحيحَ نصّ الكتاب ، وضبطه ، ومقابلته على ما بين أيدينا من مخطوطاته ومطبوعاته ، ومراجعته على كتب التفسير التي نقلت عنه. وعلّقتُ عليه ، وبيّنت ما استغلقَ من عبارته ، وشرحتُ شواهده من الشعر. وبذلتُ جُهْدي في ترقيمه وتفصيله. فكلّ ما كان في ذلك من إحسانٍ فمن الله ، وكلّ ما فيه من زَلَلٍ فمنّي ومن عجزي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبري ، لاَ تكادُ تُوجَد ، والذي مِنْها في دار الكتب أجزاءٌ مفردة من الجزء الأوّل ، والجزء السادس عشر ، ومنها مخطوطة واحدة كانت في خمسة وعشرين مجلَّدًا ضاع منها الجزء الثاني والثالث ، وهي قديمةً غير معروفة التاريخ. وهي على ما فيها تكادُ تكون أصحّ النسخ. وهي محفوظة بالدار برقم : 100 تفسير.

(1/13)


فجعلتها أمًّا لنشر هذا الكتاب. أما سائر المخطوطات فهي سقيمة رديئة ، لم تنفع في كثير ولا قليل ، فضْلا عن أنها قطع صغيرة منه.
فنهجتُ نهجًا آخر في تصحيح هذا التفسير ، وذلك بمراجعة ما فيه من الآثار على كتاب " الدرّ المنثور " للسيوطي ، " وفتح القدير " للشوكاني ، فهما يكثران النقل عن تفسير أبي جعفر. أما ابن كثير في تفسيره ، فإنه لم يقتصر على نقل الآثار ، بل نقل بعض كلام أبي جعفر بنَصِّه في مواضع متفرقة ، وكذلك نقل أبو حيان والقرطبي في مواضع قليلة من تفسيريهما. فقابلتُ المطبوع والمخطوط من تفسير أبي جعفر على هذه الكتب. وكنت في هذا الجزء الأوَّل من التفسير أذكر مرجع كلّ أثرٍ في هذه الكتب ، ثم وجدتُ أن ذلك يطيل الكتاب على غير جدوى ، فبدأت منذ الجزء الثاني أغفل ذكر المراجع ، إِلا عند الاختلاف ، أو التصحيح ، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع.
وراجعتُ كثيرًا ممّا في التفسير من الآثار ، على سائر الكتب التي هي مظّنة لروايتها ، وبخاصّة تاريخ الطبري نَفْسِه ، ومن في طبقته من أصحاب الكتب التي تروي الآثار بالأسانيد. وبذلك استطعتُ أن أحرّر أكثرها في الطبري تحريرًا أرجو أن يكون حسنًا مقبولا.
أمّا ما تكلّم فيه من النحو واللغة ، فقد راجعته على أصوله ، من ذلك " مَجاز القرآن " لأبي عبيدة ، " ومعاني القرآن " للفراء ، وغيرهما ممّن يذكر أقوال أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين.
وأما شواهدُه فقد تتبعتُ ما استطعتُ منها في دواوين العربِ ، ونسبت

(1/14)


ما لم يكن منها منسوبًا ، وشرحتُها ، وحققت ما يَحتاجُ إلى تحقيق من قصائدها ، مختصرًا في ذلك ما استطعت.
وقد رأيتُ في أثناء مراجعاتي أنّ كثيرًا ممن نقل عن الطبري ، ربّما أخطأ في فهم مُرَاد الطبري ، فاعترض عليه ، لمّا استغلقَ عليه بعضُ عبارته. فقيدت بعضَ ما بدا لي خلالَ التعليق ، ولم أستوعِبْ ذلك استيعَابًا مخافة الإطالة ، وتركت كثيرًا مما وقفتُ عليه من ذلك في الجزء الأوّل ، ولكني أرجو أنْ أستدرِك ما فاتني من ذلك في الأجزاء الباقية من التفسير إن شاء الله ربُّنَا سبحانه.
وبيّنتُ ما وقفتُ عليه من اصطلاح النحاة القدماء وغيرهم ، ممّا استعمله الطبري ، وخالفَه النحاةُ وغيرهم في اصطلاحهم ، بعد ذلك ، إلى اصطلاح مُسْتَحدَث. وربّما فاتني من ذلك شيءٌ ، ولكني أرجو أنْ أبيّن ذلك فيما يأتي من الأجزاء. وقد وضعتُ فهرسًا خاصًّا بالمصطلحات ، في آخر كلّ جزءٍ ، حتى يتيسّر لطالب ذلك أن يجدَ ما استبهَمَ عليه من الاصطلاح في موضع ، في جزءٍ آخر من الكتاب.

(1/15)


وكنتُ أحبُّ أن أبيّن ما انفردَ به الطبريّ من القول في تأويل بعض الآياتِ ، وأشرح ما أَغْفَله المفسّرون غيرُه ، ولكني خفتُ أن يكونَ ذلك سببًا في زيادة الكتاب طولا على طوله ؛ مع أني أَرَى أن هذا أمرٌ يكشف عن كتاب الطبري ، ويزيدنا معرفة بالطبري المفسّر ، وبمنهجه الذي اشتقّه في التفسير ، ولم اختلف المفسّرون من بعده ، فأغفلوا ما حرصَ هو على بيانه ؟
وكنتُ أحبُّ أيضًا أن أُسَهِّل على قارئ كتابه ، فأجعل في آخرِ الآياتِ المتتابعة التي انتهى من تفسيرها ، مُلَخَّصًا يجمَعُ ما تفرَّق في عشراتٍ من الصفحاتِ. وذلك أني رأيتُ نفسي قديمًا ، ورأيت المفسِّرين الذين نقلوا عَنْهُ ، كانوا يقرأون القطعة من التفسير مفصولةً عمَّا قبلها ، أو كانوا يقرأونه متفرِّقًا. وهذه القراءةُ ، كما تبيِّن لي ، كانتْ سببًا في كثيرٍ من الخَلْط في معرفة مُرَادِ الطبري ، وفي نسبة أقوالٍ إليه لم يقلْها. لأنَّه لما خاف التكرار لطول الكتابِ ، اقتصَر في بعض المواضِع على ما لاَ بُدَّ منه ، ثقَةً منه بأنّه قد أبان فيما مضى من كتابه عن نهجه في تفسير الآيات المتصلة المعاني. والقارئ الملتمِس لمعنى آيةٍ من الآياتِ ، ربَّما غَفَل عن هذا الترابُط بين الآية التي يقرؤها ، والآيات التي سبقَ للطبري فيها بيانٌ يتّصل كل الاتصال ببيانه عن هذه الآية. ولكني حين بدأت أفعل ذلك ، وجدت الأمر شاقًا عسيرًا ، وأنه يحتاجُ إِلى تكرار بعضِ ما مضى ، وإلى إِطالةٍ في البيانِ. وهذا شيءٌ يزيدُ التفسيرَ طولا وضخامة.
ولمَّا رأيتُ أن كثيرًا من العلماء كان يعيبُ على الطبري أنه حشَدَ في كتابِهِ كثيرًا من الرواية عن السالفين ، الذين قرأوا الكُتُب ، وذكروا في معاني القرآنِ ما ذكروا من الرواية عن أهل الكتابَيْن السالِفَيْن : التَّوراة والإنجيل - أحببتُ أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الرواياتِ روايةً روايةً ، وأبيّن كيف أخطأ الناسُ في فهم مقصده ، وأنّه لم يَجْعل هذه الروايات قطُّ مهيمنةً على كتاب الله الذي لاَ يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه. وأحببتُ أن أبيّن عند كُلِّ روايةٍ مقالة الطبريّ في إِسنادِها ، وأنه إسنادٌ لاَ تقوم به حُجَّةٌ في دين الله ، ولا في تفسير كتابه ،

(1/16)


وأن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلالِ بالشِّعر القديم ، على فهم معنى كلمة ، أو للدلالة على سياقِ جملة. وقد علقتُ في هذا الجزء 1 : 454 ، 458 وغيرهما من المواضع تعليقًا يبينُ عن نهج للطبري في الاستدلال بهذه الآثار ، وتركتُ التعليقَ في أماكنَ كثيرة جدًّا ، اعتمادًا على هذا التعليق. ورأيتُ أن أدَعَ ذلك حتى أكتب كتابًا عن " الطبري المفسِّر " بعد الفراغ من طبع هذا التفسير. لأني رأيتُ هناكَ أشياء كثيرةً ، ينبغي بيانُها ، عن نهج الطبري في تفسيره. ورأيتني يجدّ لي كُلَّ يوم جديدٌ في معرفة نهجه ، كلَّما زدتُ معرفةً بكتابه ، وإلفًا لطريقته. فاسأل الله أن يعنيني أن أفردَ له كتابًا في الكلام عن أسلوبه في التفسير ، مع بيان الحجّة في موضع موضعٍ ، على ما تبيّن لي من أسلوبه فيه. ورحمَ الله أبا جعفر ، فإنه ، كما قال ، كان حدَّث نفسه بهذا التفسيرِ وهو صبيٌّ ، واستخار الله في عمله ، وسأله العونَ على ما نواه ، ثلاثَ سنين قبل أن يعمله ، فأعانه الله سبحانه. ثم لما أراد أن يملي تفسيره قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدرُه ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة. فقالوا : هذا ممّا تفنَى فيه الأعمارُ قبل تمامه! فاختصره لهم في ثلاثة آلاف ورقةٍ. فكان هذا الاختصار سببًا في تركه البيانَ عمّا نجتهد نحنُ في بيانه عند كل آية. وهذا الاختصارُ بيّنٌ جدًّا لمن يتتبّع هذا التفسيرَ من أولِه إِلى آخره.
هذا وقد كنتُ رأيتُ أن أكتب ترجمةً للطبري أجْعَلُها مقدّمَةً للتفسير. ولكنّي وجدت الكتابة عن تفسيره في هذه الترجمة ، لن تتيسّر لي

(1/17)


إلا بعد الفراغ من كتابه ، وكشف النقاب عمّا استبهم من منهاجِه في تفسيره. فأعرضتُ عن ذلك ، وقلت أجمع ترجمةً للطبري ، فجمعتُ كُلّ ما في الكتب المطبوعة والمخطوطة من ترجمة وأخبار ، وما قيل في تصانيفه وتعدادها ، فإذا هي قد تجاوزت ما يمكن أن يكونَ ترجمةً في صدر هذا التفسير ، فآثرتُ أن أفردها كتابًا قائمًا بنفسه ، سوف يخرجُ قريبًا بعون الله سبحانه.
أمّا الفهارسُ ، فإِنّي كنت أريدُ أن أدعَها حتى أفرغَ من الكتاب كُلِّه ، فأصدرها في مجلداتٍ مستقلّة ، ولكن الكتابَ كبيرٌ ، وحاجةُ الناسِ ، وحاجتي أنَا ، إلى مراجعة بعضه على بعض ، وربط أوّله بآخره أوجبتْ أن أتعجَّل فأُفرد بعض الفهارس مع كُلّ جزء. فجعلت فهرسًا للآيات التي استدلّ بها في غير موضعها من التفسير. فقد تبيّن لي أنّه ربّما ذكر في تفسير الآية في هذا الموضع ، قولا في الآية لم يذكرُه في موضعها من تفسير السورة التي هي منها.
وأفردت فهرسًا ثانيًا لألفاظ اللغة ، لأنه كثير الإحالة على ما مضى في كتابه ، وليكون هذا الفهرس مرجعًا لكل اللُّغَة التي رواها الطبري ، وكثير منها ممّا لم يرد في المعاجم ، أو جاء بيانه عن معانيها أجودَ من بيان أصحاب المعاجم. وهو فهرسٌ لاَ بُدَّ أن يتم عند كُلّ جزء ، حتى لاَ يسقط عليّ شيءٌ من لغة الطبري.
وأفردت فهرسًا ثالثًا لمباحث العربيّة ، لأنّه كثيرًا ما يحيلُ على هذه المواضِع ، ولأنّ فيها نفعًا عظيمًا تبيّنتُه وأنا أعمل في هذا التفسير. وزدت

(1/18)


فهرسًا رابعًا للمصطلحات القديمة التي استحدث الناسُ غيرها ، ليسْهُل على قارئ كتابه أن يجد تفسيرها في موضعها ، فإِني لم أفسِّرها عند كُلّ موضع ذكرتْ فيه ، لكثرة تكرارها في الكتاب. وفهرسًا خامسًا ، هو ردوده على الفرق وأصحاب الأهواءِ.
وأفردتُ فهرسًا سادسًا للرجال الذي تكَلَّم عنهم أخي السيد أحمد في المواضع المتفرقة من التفسير ، حتى يسهلُ على من يريد أن يحقّق إسنادًا أن يجد ضالّته. فإِنّه حفظه الله ، لم يلتزم الكتابة على الرجال عند كُلّ إِسنادٍ. وهذا فهرسٌ لاَ بُدّ منه مع كُلِّ جزءٍ حتى لاَ تتكرّر الكتابة على الرجال في مواضع مختلفة من الكتاب ، ولتصحيح أسماء الرجال حيث كانوا من التفسير.
أما الفهرس العام للكتاب ، فقد اقتصرت فيه على ذِكْرِ ما سوى ذلك ، ولم أذكر فيه بدأه في تفسير كُلّ آية ، لأنّ آيات المصحف مرقمة ، وأثبتنا أرقام الآيات في رأس الصفحات. فمن التمس تفسير آية ، فليستخرج رقمها من المصحف ، وليطلبْ رقمها في تفسير الطبري من رؤوس الصفحات.
* * *
هذا ، وقد تركتُ أن أصْنَع للشعر فهرسًا مع كلِّ جزءٍ ، فإني سأجعلُ لَهُ فهرسًا مفردًا بعد تمام طبع الكتابِ ، على نمط اخترتُه لصناعته.
وأمَّا فهارس الكتاب عامَّة ، فستكون بعد تمام الكتاب كله. وهي تشتمل فهارس أسانيد الطبري ، على طراز أرجُو أن أكون موفقًا في اختياره وعمله. ثم فهرس الأعلام ، وفهرس الأماكن ، وفهرسُ المعاني ،

(1/19)


والفهارس الجامعة لما أفردتُه من الفهارس مع كلِّ جزء. وهذا شيءٌ لاَ بُدَّ منه ، لضبط ما في التفسير من مناحي العلم المختلفة ، وليتيسّر على الطالب أن يجد بُغْيته حيث شاء من كتاب الطبري ، لأنّه كثير الإحالة في كتابه على ما مضى منه.
* * *
وبعد ، فقد بذلتُ جهدي ، وتحرَّيتُ الصوابَ ما استطعتُ ، وأردتُ أن أجعَلَ نشرَ هذا الكتابِ الإمامِ في التفسير ، زُلْفَى إِلى اللهِ خالصةً. ولكن كيف يخلُص في زماننا عملٌ من شائبة تشوبهُ! فأسألُ الله أن يتقبَّل مني ما أخلصتُ فيه ، وأن يغفر لي ما خالطه مِنْ أمرِ هذه الدنيا ، وأن يتغمّدني برحمته يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ، إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وأضرع إليه أن يغفر لَنَا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان ، وآخرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين. محمود محمد شاكر

(1/20)


بسم الله الرحمن الرحيم
بركة من الله وأمر
قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري في سنة ست وثلثمئة ، قال : الحمد لله الذي حَجَّت الألبابَ بدائعُ حِكَمه ، وخَصَمت العقولَ لطائفُ حُججه (1) وقطعت عذرَ الملحدين عجائبُ صُنْعه ، وهَتفتْ في أسماع العالمينَ ألسنُ أدلَّته ، شاهدةٌ أنه الله الذي لاَ إله إلا هو ، الذي لاَ عِدْلَ له معادل (2) ولا مثلَ له مماثل ، ولا شريكَ له مُظاهِر ، ولا وَلدَ له ولا والد ، ولم يكن له صاحبةٌ ولا كفوًا أحدٌ ؛ وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة ، والعزيز الذي ذلت لعزّته الملوكُ الأعزّة ، وخشعت لمهابة سطوته ذَوُو المهابة ، وأذعنَ له جميعُ الخلق بالطاعة طوْعًا وَكَرْهًا ، كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [سورة الرعد : 15]. فكل موجود إلى وَحدانيته داع ، وكل محسوس إلى رُبوبيته هاد ، بما وسَمهم به من آثار الصنعة ، من نقص وزيادة ، وعجز وحاجة ، وتصرف في عاهات عارضة ، ومقارنة أحداث لازمة ، لتكونَ له الحجة البالغة.
ثم أرْدف ما شهدتْ به من ذلك أدلَّتُه ، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته ، برسلٍ ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ، دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحّته ، وثبتت في العقول حجته ، { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [سورة النساء : 165]
__________
(1) حاجه يحاجه : نازعه الحجة ، وحجه يحجه : غلبه على حجته. وخاصمه : جادله بالحجة والبرهان ، وخصمه : غلبه وظهرت حجته على حجته. واللطائف : جمع لطيفة ، وكل شيء دقيق محكم وغامض خفي ، يحتاج إلى الرفق والتأني في إدراكه ، فهو لطيف.
(2) العدل (بكسر العين وفتحها وسكون الدال) والعديل : النظير والمثيل. وعادله : ساواه وماثله.

(1/3)


وليذَّكَّر أولو النهي والحلم. فأمدَّهم بعوْنه ، وأبانهم من سائر خلقه ، بما دل به على صدقهم من الأدلة ، وأيدهم به من الحجج البالغة والآي المعجزة ، لئلا يقول القائل منهم (1) { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } [سورة المؤمنون : 33 - 34] فجعلهم سفراءَ بينه وبين خلقه ، وأمناءه على وحيه ، واختصهم بفضله ، واصطفاهم برسالته ، ثم جعلهم - فيما خصهم به من مواهبه ، ومنّ به عليهم من كراماته - مراتبَ مختلفة ، ومنازل مُفترقة ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، متفاضلات متباينات. فكرَّم بعضهم بالتكليم والنجوى ، وأيَّد بعضهم برُوح القدس ، وخصّه بإحياء الموتى ، وإبراء أولى العاهة والعمى ، وفضَّل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، من الدرجات بالعليا ، ومن المراتب بالعُظمى. فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل (2) وخصه من درجات النبوّة بالحظ الأجزَل ، ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر. وابتعثه بالدعوة التامة ، والرسالة العامة ، وحاطه وحيدًا ، وعصمه فريدًا ، من كل جبار عاند ، وكل شيطان مارد (3) حتى أظهر به الدّين ، وأوضح به السبيل ، وأنهج به معالم الحق ، وَمَحق به منار الشِّرك. وزهق به الباطلُ ، واضمحل به الضلالُ وخُدَعُ الشيطان وعبادةُ الأصنام والأوثان (4) مؤيدًا بدلالة على الأيام باقية ، وعلى الدهور والأزمان ثابتة ، وعلى مَرِّ الشهور والسنين دائمة ، يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقًا ، وعلى مرّ الليالي والأيام
__________
(1) في المطبوع : " القائل فيهم " ، ومثل هذا التبديل كثير في المطبوع ، سأغفل منه ما شئت لكثرته ، وطلبا للاختصار في التعليق بما لا غناء فيه.
(2) الأقسام : جمع قسم (بكسر فسكون) ، وهو الحظ والنصيب من الخير.
(3) الجبار العنيد والعاند : الذي جار ومال عن طريق الحق ، ثم عتا وطغا وجاوز قدره. والمارد : الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية ، فتطاول عتوا وتجبرًا.
(4) في المخطوطة : " وجدع " بالجيم مضمومة ، من جدع الأنف ، وهو قطعها ، كناية عن الإذلال. ولا أظنها جيدة هنا. والخدع جمع خدعة (بضم فسكون) : وهي ما يخدع به من المكر والختل.

(1/4)


ائتلاقًا ، خِصِّيصَى من الله له بها دون سائر رسله (1) - الذين قهرتهم الجبابرة ، واستذلَّتهم الأمم الفاجرة ، فتعفَّتْ بعدهم منهم الآثار ، وأخملت ذكرهم الليالي والأيام - ودون من كان منهم مُرْسلا إلى أمة دون أمة ، وخاصّة دون عامةٍ ، وجماعة دون كافَّة.
فالحمدُ لله الذي كرمنا بتصديقه ، وشرّفنا باتِّباعه ، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أزكى صلواته ، وأفضلَ سلامه ، وأتمَّ تحياته.
ثم أما بعد (2) فإنّ من جسيم ما خصّ الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة ، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظَه ما حفظ عليهم - جلّ ذكره وتقدست أسماؤه - من وحيه وتنزيله ، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة ، وحجةً بالغة ، أبانه به من كل كاذب ومفترٍ ، وفصَل به بينهم وبين كل جاحد ومُلحِد ، وفرَق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها ، من جِنِّها وإنسها وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا (3) . فجعله لهم في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا ، وفي سُدَف الشُّبَه شهابًا لامعًا (4) وفي مضَلة المسالك دليلا هاديًا ، وإلى سبل النجاة والحق حاديًا ، { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [سورة المائدة : 16]. حرسه بعين
__________
(1) في المطبوع : " تخصيصًا " ، وهو تصرف من الطابعين. خصه بالشيء يخصه خصا وخصوصية (بفتح الخاء وضمها) وخصيصى : أفرده به دون غيره.
(2) حذف الطابعون قوله : " ثم " ، ليجعلوا كلام الطبري دارجًا على ما ألفوا من الكلام.
(3) يضمن ما جاء في سورة البقرة : 23 ، ويونس : 38 ، والإسراء : 88.
(4) السدف : جمع سدفة ، وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء ، تكون في أول الليل وآخره ، ما بين الظلمة إلى الشفق ، وما بين الفجر إلى الصلاة.

(1/5)


منه لاَ تنام ، وحاطه برُكن منه لاَ يضام ، لاَ تَهِي على الأيام دعائمه ، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه ، ولا يجوز عن قصد المحجَّة تابعه (1) ولا يضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه. من اتبعه فاز وهُدِى ، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى ، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يَئِلون ، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون (2) وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون ، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون ، وفصْل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون ، وعن الرضى به يصدرون ، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون.
اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في مُحْكَمه ومُتَشابهه ، وحلاله وحرامه ، وعامِّه وخاصِّه ، ومجمَله ومفسَّره ، وناسخه ومنسوخه ، وظاهره وباطنه ، وتأويل آية وتفسير مُشْكِله. وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه ، والثبات على التسليم لمتشابهه. وأوزعنا الشكر على ما أنعمتَ به علينا من حفظه والعلم بحدوده. إنك سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما.
اعلموا عبادَ الله ، رحمكم الله ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية ، وبُلِغت في معرفته الغاية ، ما كان لله في العلم به رضًى ، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى ، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذي لا ريب فيه ، وتنزيله الذي لا مِرْية فيه ، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر تاليه ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيلٌ من حكيم حَميد (3) .
ونحن - في شرح تأويله ، وبيان ما فيه من معانيه - منشئون إن شاء الله ذلك ، كتابًا مستوعِبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه ، جامعًا ، ومن سائر الكتب
__________
(1) المحجة : الطريق. والقصد : استقامة الطريق وسهولته.
(2) وأل يئل وألا ووؤولا : لجأ طلبًا للنجاة. والموئل : الملجأ والمنجى. والمعقل : الحصن المنيع في رأس الجبل ، وعقل إليه يعقل عقلا وعقولا : لجأ إليه وامتنع به. وفي المطبوعة " يعتقلون " ، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة. ولم أجد " اعتقل " بمعنى عقل. وإن صحت في قياس العربية.
(3) تضمين آية سورة فصلت : 42 .

(1/6)


غيره في ذلك كافيًا. ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه (1) واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ. ومُبيِّنو عِلَل كل مذهب من مذاهبهم ، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك ، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك ، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه.
والله نسألُ عونه وتوفيقه لما يقرب من محَابِّهِ ، ويبْعد من مَساخِطه. وصلى الله على صَفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
وأولُ ما نبدأ به من القِيل في ذلك : الإبانةُ عن الأسباب التي البدايةُ بها أولى ، وتقديمها قبل ما عداها أحْرى. وذلك : البيانُ عما في آي القرآن من المعاني التي من قِبَلها يدخل اللَّبْس على من لم يعان رياضةَ العلوم العربية ، ولم تستحكم معرفتُه بتصاريف وجوه منطق الألسُن السليقية الطبيعية.
__________
(1) في المطبوعة " عليه الأمة " ، وهو تصرف لا خير فيه. والهاء في " منه " راجعة إلى كتاب الله.

(1/7)


(القولُ في البيانِ عن اتفاق معاني آي القرآن ، ومعاني منطِق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان - والدّلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة - مع الإبانةِ عن فضْل المعنَى الذي به بَايَن القرآنُ سائرَ الكلام)
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ ، رحمه الله :
إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده ، وجسيم مِنَّته على خلقه ، ما منحهم من فَضْل البيان الذي به عن ضمائر صُدورهم يُبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يَدُلّون ، فذَلَّل به منهم الألسن (1) وسهَّل به عليهم المستصعب. فبِهِ إياه يُوَحِّدون ، وإيَّاه به يسَبِّحون ويقدِّسون ، وإلى حاجاتهم به يتوصّلون ، وبه بينهم يتَحاورُون ، فيتعارفون ويتعاملون.
ثم جعلهم ، جلّ ذكره - فيما منحهم من ذلك - طبقاتٍ ، ورفع بعضهم فوق بعض درجاتٍ : فبَيْنَ خطيب مسْهِب ، وذَلِقِ اللسان مُهْذِب ، ومفْحَمٍ (2) عن نفسه لا يُبين ، وَعىٍّ عن ضمير قلبه لا يعبَر. وجعل أعلاهم فيه رُتبة ، وأرفعهم فيه درجةً ، أبلغَهم فيما أرادَ به بَلاغًا ، وأبينَهم عن نفسه به بيانَا. ثم عرّفهم في تنزيله ومحكم آيِ كتابه فضلَ ما حباهم به من البيان ، على من
__________
(1) ذلل الشيء : لينه وسهله ونفى عنه جفوته وصعوبته.
(2) أسهب الرجل : أكثر الكلام ، فإذا أكثر الكلام في خطأ قالوا : رجل مسهب (بفتح الهاء) ، وإذا أكثر وأصاب فهو مسهب (بكسر الهاء). وذلق اللسان : فصيح طليق لا يتوقف. وقوله " مهذب " : من أهذب الطائر في طيرانه ، والفرس في عدوه ، والمتكلم في كلامه : أسرع وتابع ، وفي حديث أبي ذر " فجعل يهذبُ الركوع " أي يسرع فيه ويتابعه. يقال : كلمنى فلان فأفحمته : أسكته فلم يطق جوابًا وانقطع ، فهو مفحم. وفي المطبوعة " ومعجم عن نفسه.. "

(1/8)


فضّلهم به عليه من ذى البَكَم والمُستَعْجِم اللسان (1) فقال تعالى ذكرُه : { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } [سورة الزخرف : 18]. فقد وَضَحَ إذا لذوي الأفهام ، وتبين لأولي الألباب ، أنّ فضلَ أهل البيان على أهل البَكَم والمستعجمِ اللسان ، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه.
فإذْ كان ذلك كذلك - وكان المعنى الذي به باينَ الفاضلُ المفضولَ في ذلك ، فصار به فاضلا والآخرُ مفضولا هو ما وصفنا من فضْل إبانة ذى البيان ، عما قصّر عنه المستعجمُ اللسان ، وكان ذلك مختلفَ الأقدار ، متفاوتَ الغايات والنهايات - فلا شك أن أعلى منازل البيان درجةً ، وأسنى مراتبه مرتبةً ، أبلغُه في حاجة المُبِين عن نفسه ، وأبينُه عن مراد قائله ، وأقربُه من فهم سامعه. فإن تجاوز ذلك المقدار ، وارتفع عن وُسْع الأنام ، وعجز عن أن يأتي بمثله جميعُ العباد ، كان حجةً وعَلَمًا لرسل الواحد القهار - كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبرص وذوي العمى ، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طبّ المتطببين (2) وأرفع مراتب عِلاج المعالجين ، إلى ما يعجز عنه جميع العالَمِين. وكالذي كان لها حجةً وعَلَمًا قطعُ مسافة شهرين في الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وُسع الأنام ، وتعذّر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، ولليسير منه فاعلين.
فإذْ كان ما وصفْنا من ذلك كالذي وصفْنا ، فبيّنٌ أنْ لا بيان أبْيَنُ ، ولا حكمة أبلغُ ، ولا منطقَ أعلى ، ولا كلامَ أشرفُ - من بيان ومنطق تحدّى به
__________
(1) كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. استعجمت عليه قراءته : التبست عليه فلم يتهيأ له أن يمضي فيها ، فسكت وانقطع عن القراءة.
(2) مقادير : جمع مقدار ، وهو القوة ، ومثله القدر والقدرة والمقدرة.

(1/9)


امرؤ قومًا في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة ، وقيلِ الشعرِ والفصَاحة ، والسجع والكهانة ، على كل خطيب منهم وبليغ (1) وشاعر منهم وفصيح ، وكلّ ذي سجع وكهانة - فسفَّه أحلامهم ، وقصَّر بعقولهم (2) وتبرأ من دينهم ، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به ، والإقرار بأنه رسولٌ إليهم من ربهم. وأخبرهم أن دلالته على صدْق مقالته ، وحجَّتَه على حقيقة نبوّته - ما أتاهم به من البيان ، والحكمة والفرقان ، بلسان مثل ألسنتهم ، ومنطق موافقةٍ معانيه معانيَ منطقهم. ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عَجَزَة ، ومن القدرة عليه نقَصَةٌ. فأقرّ جميعُهم بالعجز ، وأذعنوا له بالتصديق ، وشهدوا على أنفسهم بالنقص. إلا من تجاهل منهم وتعامى ، واستكبر وتعاشى ، فحاول تكلُّف ما قد علم أنه عنه عاجز ، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر. فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترًا ، ومن عِيّ لسانه ما كان مصُونًا ، فأتى بما لا يعجِزُ عنه الضعيف الأخرق ، والجاهل الأحمق ، فقال : " والطاحنات طحنًا ، والعاجنات عجنًا ، فالخابزات خبزًا ، والثاردات ثَرْدًا ، واللاقمات لَقْمًا " ! (3) ونحو ذلك من الحماقات المشبهةِ دعواه الكاذبة.
فإذْ كان تفاضُلُ مراتب البيان ، وتبايُنُ منازل درجات الكلام ، بما وصفنا قبل - وكان الله تعالى ذكرُه وتقدست أسماؤه ، أحكمَ الحكماء ، وأحلمَ الحلماء ،
__________
(1) في المطبوعة : " كل خطيب.. " بحذف " على " ، وفي المخطوطة " على خطيب.. " بحذف " كل " . وكلتاهما لا يستقيم بها كلام. والصواب ما أثبتناه. وأراد الطبري أنهم رؤساء صناعة الخطب والبلاغة... على كل خطيب منهم وبليغ " . يعني أن الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن من العرب ، كانوا رؤساء البيان والبلاغة على كل مبين وبليغ من سائر العرب.
(2) سفه أحلامهم : نسبهم إلى السفه ، وهو خفة الحلم واضطراب الرأي وضعفه ، وهو باب من الجهل. وفي المطبوعة : " وقصر معقولهم " والمعقول مصدر كالعقل ، يقال : ما لفلان معقول ، أي ما له عقل. وكأنه أراد بقوله " قصر " : نسبهم إلى قصر العقل وقلته. وأما قوله " قصر بعقولهم " ، فكأنه ضمن " قصر " معنى استخف بها ، فعداه بالباء ، أي عاب عقولهم واستقصرها واستخف بها. وأنا في شك من صواب هذا الحرف.
(3) من هذيان مسيلمة الكذاب لعنه الله. انظر تاريخ الطبري 3 : 245 وسواه.

(1/10)


- كان معلومًا أن أبينَ البيان بيانُه ، وأفضلَ الكلام كلامه ، وأن قدرَ فضْل بيانه ، جلّ ذكره ، على بيان جميع خلقه ، كفضله على جميع عباده.
فإذْ كان كذلك - وكان غيرَ مبين منّا عن نفسه مَنْ خاطبَ غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب - كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطبَ جل ذكره أحدٌا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطَبُ ، ولا يرسلَ إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسَلَ إليه ، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه ، فحالهُ - قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعدَه - سواءٌ ، إذ لم يفدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبل ذلك جاهلا. والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالةً لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه ، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث ، والله تعالى عن ذلك مُتَعالٍ. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [سورة إبراهيم : 4]. وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [سورة النحل : 64]. فغير جائز أن يكونَ به مهتديًا ، منْ كانَ بما يُهْدَى إليه جاهلا.
فقد تبين إذًا - بما عليه دللنا من الدِّلالة - أن كلّ رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم ، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه ، وكلّ كتاب أنزله على نبي ، ورسالة أرسلها إلى أمة ، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه. فاتضح بما قلنا ووصفنا ، أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بلسان محمد صلى الله عليه وسلم. وإذْ كان لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربيًّا ، فبيِّنٌ أن القرآن عربيٌّ. وبذلك أيضًا نطق محكم تنزيل ربنا ، فقال جل ذكره : { إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [سورة يوسف : 2]. وقال : { وَإِنَّهُ

(1/11)


لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [سورة الشعراء : 192 - 195].
وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلنا - بما عليه استشهدنا من الشواهد ، ودللنا عليه من الدلائل - فالواجبُ أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، لمعاني كلام العرب موافقةً ، وظاهرُه لظاهر كلامها ملائمًا ، وإن باينه كتابُ الله بالفضيلة التي فضَلَ بها سائرَ الكلام والبيان ، بما قد تقدّم وَصْفُنَاهُ.
فإذْ كان ذلك كذلك ، فبيِّن - إذْ كان موجودًا في كلام العرب الإيجازُ والاختصارُ ، والاجتزاءُ بالإخفاء من الإظهار ، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال ، واستعمالُ الإطالة والإكثار ، والترداد والتكرار ، وإظهارُ المعاني بالأسماء دون الكناية عنها ، والإسرار في بعض الأوقات ، والخبرُ عن الخاصّ في المراد بالعامّ الظاهر ، وعن العامّ في المراد بالخاصّ الظاهر ، وعن الكناية والمرادُ منه المصرَّح ، وعن الصفة والمرادُ الموصوف ، وعن الموصوف والمرادُ الصفة ، وتقديمُ ما هو في المعنى مؤخر ، وتأخيرُ ما هو في المعنى مقدّم ، والاكتفاءُ ببعض من بعض ، وبما يظهر عما يحذف ، وإظهارُ ما حظه الحذف - (1) أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ، في كلّ ذلك له نظيرًا ، وله مِثْلا وشبيهًا.
ونحن مُبَيِّنو جميع ذلك في أماكنه ، إن شاء الله ذلك وأمدّ منه بعونٍ وقوّة.
__________
(1) قوله : " أن يكون.. " مبتدأ قوله " فبين " ، وما بينهما اعتراض طويل ؛ وهذا دأب الطبري أبدًا ، حتى كأنه لم يكن يخشى على قارئ أن يسوء فهمه أو تكل فطنته.

(1/12)


القول في البَيَان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب
وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم
قال أبو جعفر : إن سألنا سائل فقال : إنك ذكرت أنه غيرُ جائز أن يخاطب الله تعالى ذكرهُ أحدًا من خلقه إلا بما يفهمه ، وأن يرسل إليه رسالة إلا باللسان الذي يفقهه..
1 - فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد بُن حُميد الرازي ، قال : حدثنا حَكّام بن سَلْم ، قال : حدثنا عبْسة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص عن أبي موسى : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } [سورة الحديد : 28] ، قال : الكفلان : ضعفان من الأجر ، بلسان الحبشة (1) .
2 - وفيما حدثكم به ابن حُمَيْد ، قال : حدثنا حكام ، عن عَنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } [سورة المزمل : 6] قال : بلسان الحبشة إذا قامَ الرجلُ من الليل قالوا : نَشأ (2) .
3 - وفيما حدّثكم به ابن حميد قال : حدّثنا حكام ، قال : حدثنا عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } قال : سبِّحي ، بلسان الحبشة (3) ؟
قال أبو جعفر : وكل ما قلنا في هذا الكتاب " حدّثكم " فقد حدثونا به.
__________
(1) الخبر 1 - يأتي بهذا الإسناد في تفسير سورة الحديد : 28 وفي إسناده هناك خطأ.
(2) الخبر 2 - يأتي بإسناده في تفسير سورة المزمل : 6
(3) الخبر 3 - يأتي بإسناده في تفسير سورة سبأ : 10

(1/13)


4 - وفيما حدّثكم به محمد بن خالد بن خِداش الأزديّ ، قال : حدثنا سلم ابن قتيبة ، قال : حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل عن قوله : { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } [سورة المدثر : 51] قال : هو بالعربية الأسد ، وبالفارسية شار ، وبالنبطية أريا ، وبالحبشية قسورة (1) .
5 - وفيما حدثكم به ابن حميد قال : حدّثنا يعقوب القمّى ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جُبَير قال : قالت قريش : لولا أنزل هذا القرآن أعجميٌّا وعربيًّا ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : { لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } [سورة فصلت : 44] فأنزل الله بعد هذه الآية في القرآن بكل لسان فيه. { حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } [سورة هود : 82 ، وسورة الحجر : 74] قال : فارسية أعربت " سنك وكل (2) .
6 - وفيما حدثكم به محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : في القرآن من كل لسان (3) .
وفيما أشبه ذلك من الأخبار التي يطولُ بذكرها الكتاب ، مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب ؟
قيل له : إنّ الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا - من أجل أنهم لم يقولوا : هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلامًا ، ولا كان ذاك
__________
(1) الخبر 4 - يأتي بإسناده في تفسير سورة المدثر : 51
(2) الخبر 5 - يأتي بإسناده في تفسير سورة فصلت : 44. ونص الخبر هناك : " فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان فيه.. " وهي أجود. وفي الدر المنثور 5 : 367 : " وأنزل الله تعالى بعد هذه الآية فيه بكل لسان. حجارة.. " . ثم يأتي بإسناده مختصرًا في تفسير سورة هود : 82. وانظر سائر ما روى في " سجيل " في تفسير سورة الفيل : 4 . وقوله " حجارة من سجيل " .. كلام مستأنف ، ضربه مثلا لما جاء في القرآن من الألسنة الأخرى.
(3) الخبر 6 - لم أجده في مكان آخر بعد. وهو في الدر المنثور 5 : 367 وفيه : " بكل لسان " .

(1/14)


لها منطقًا قبل نزول القرآن ، ولا كانت بها العرب عارفةً قبل مجيء الفرقان - فيكون ذلك قولا لقولنا خِلافًا (1) . وإنما قال بعضهم : حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا ، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا. ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف بجنسين منها ؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة ، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرْطاس ، وغير ذلك - مما يتعب إحصاؤه وُيمِلّ تعداده ، كرهنا إطالة الكتاب بذكره - مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها.
فلو أن قائلا قال - فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبِرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية ، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره - : ذلك كله فارسي لا عربي ، أو ذلك كله عربي لا فارسي ، أو قال : بعضه عربي وبعضه فارسي ، أو قال : كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به ، أو قال : كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهَلا (2) لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم ، ولا العجم أحقَّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب ، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين.
وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين ، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر ، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم ، ويزيل الشكّ ، ويقطع العذرَ صحتُه.
__________
(1) خلاف : مخالف ، وسيكثر مجيئها في كلام الطبري.
(2) قوله : " كان مستجهلا " ، جواب قوله : " لو أن قائلا قال.. " . والفصل في عبارة الطبري يكون أطول من هذا ، كما سيمر بك. واستجهل فلانًا : عده جاهلا ، أو وجده جاهلا. والجهل هنا : فساد الرأي واضطرابه ، لأنه مبني على التحكم المحض ، كما ترى في رد الطبري.

(1/15)


بل الصواب في ذلك عندنا : أن يسمَّى : عربيًّا أعجميًّا ، أو حبشيًّا عربيًّا ، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين - في بيانها ومنطقها - استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما ، بأولى أن يكون إليها منسوبًا - منه (1) .
فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها ، ووُجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم ، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها ، سبيلُ ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد ، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس - اجتماعٌ واقترانٌ (2) .
وذلك هو معنى من روينا عنه القولَ في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب ، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة ، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الفرس ، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم. لأنّ من نسب شيئًا من ذلك إلى ما نسبه إليه ، لم ينفِ - بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه - أن يكون عربيًّا ، ولا من قال منهم : هو عربيّ ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبةَ إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها. وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي ، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني ، كقول القائل : فلان قائم ، فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد ، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما. فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى. وذلك كقول القائل فلان قائم مكلِّمٌ فلانًا ، فليس في تثبيت القيام له ما دلَّ على نفي كلام آخر ،
__________
(1) قوله " منه " ، متعلق بقوله " بأولى " ، أي " بأولى منه.. "
(2) في المطبوعة " باجتماع وافتراق " . وأراد الطبري بقوله " اجتماع واقتران " أي أن يقال هو : " عربي أعجمي ، أو حبشي عربي " ، كما مر آنفا في كلامه. وسياق عبارته بعد حذف التفسير والاعتراض من كلامه هو هذا : " فسبيل إضافته إلى كل جنس منها ، سبيل ما وصفنا.. اجتماع واقتران " . أي أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين.

(1/16)


لجواز اجتماع ذلك في حالٍ واحدٍ من شخص واحد. فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به.
فكذلك ما قلنا - في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها - غيرُ مستحيل أن يكون عربيًّا بعضها أعجميًّا ، وحبشيًّا بعضها عربيًّا ، إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأمتين. فناسِبُ ما نَسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقٌّ غيرُ مبطل.
فإن ظن ذو غباءٍ أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيلٌ - كما هو مستحيل في أنساب بني آدم - فقد ظنّ جهلا. وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر ، لقول الله تعالى ذكره : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } [سورة الأحزاب : 5]. وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان ، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفًا استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام في أجناس من الأمم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ومعنى واحد ، كان ذلك منسوبًا إلى كل جنس من تلك الأجناس ، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره. كما لو أنّ أرضًا بين سَهل وجبل ، لها هواء السهل وهواء الجبل ، أو بين برٍّ وبحرٍ ، لها هواء البر وهواءُ البحر - لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية (1) . أو بأنها بَرِّية بِحْرية ، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى. ولو أفردَ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى ، كان صادقًا محقًّا.
وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب.
وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك ، هو معنى قول من قال : في القرآن من كل لسان - عندنا بمعنى ، والله أعلم : أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به ، نظيرَ ما وصفنا من القول فيما مضى.
__________
(1) النسبة إلى سهل (بفتح فسكون) : سهلى ، بضم السين ، على غير القياس.

(1/17)


وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهّم على ذي فطرة صحيحة ، مقرّ بكتاب الله ، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله - أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسي لا عربيّ ، وبعضه نبطي لا عربيّ ، وبعضه روميّ لا عربيّ ، وبعضه حبشي لا عربي (1) ، بعد ما أخبر الله تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآنًا عربيًّا. لأن ذلك إنْ كان كذلك ، فليس قولُ القائل : القرآن حبشيٌّ أو فارسيٌّ ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضُه بلسانه دون العرب - بأولى بالتطويل من قول القائل (2) : هو عربي. ولا قولُ القائل : هو عربيٌّ بأولى بالصّحة والصواب من
__________
(1) في المطبوع والمخطوط " وبعضه عربي لا فارسي " مكان " وبعضه رومي لا عربي " ، وهو فاسد المعنى فآثرت أن أثبت ما يقتضيه سياق الكلام. وقد ذكر الروم آنفًا في ص 16 .
(2) في المطبوعة : " بالتطول " وأراد الطبري بقوله " التطويل " نسبة القول إلى التزيد والسعة في الكلام ، حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات سائر الصفات الأخرى. وكلام الطبري يحتاج إلى فضل بيان - من أول قوله : " وذلك أنه غير جائز أن يتوهم.. " إلى قوله : " ولا جائز نسبته إلى كلام العرب " . فأقول :
أراد الطبري أن يقول : إنه لا يستقيم في العقل أن يكون الرجل مؤمنًا بكتاب الله ، عارفًا بمعانيه وحدوده ، مقرًا بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل القرآن " قرآنا عربيا " ، ولم يجعله أعجميا بقوله " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " - ثم يعتقد مع ذلك : أن بعض القرآن فارسي لا عربي ، وبعضه نبطي لا عربي ، وبعضه رومي لا عربي ، وبعضه حبشي لا عربي. فإنه إن فعل ، فقد نفى عن بعض القرآن أنه عربي ، والله يصف القرآن كله بأنه عربي. وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمي ، والله تعالى ينفي عن جميعه أنه أعجمي.
وخبر الله تعالى عن كتابه أنه جعله " قرآنا عربيا " صفة شاملة لا يجوز لأحد أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض. ولو جاز لأحد أن يخصص شمولها من عند نفسه فيقول : " بعض القرآن حبشي لا عربي ، أو فارسي لا عربي.. " ، لجاز أيضًا لقائل أن يقول من عند نفسه : " القرآن حبشي أو فارسي أو رومي ، أو أعجمي " .
وحجة الطبري في ذلك : أن الذي يخصص شمول الصفة من عند نفسه على بعض القرآن بأنه عربي ، ويقول إن بعضه الآخر يوصف بأنه حبشي أو فارسي أو رومي - يدعى أن وصف القرآن بأنه عربي ، محمول على تغليب إحدى الصفات على سائر الصفات الأخرى. ولو جاز ذلك ، لجاز لقائل أن يقول : " القرآن حبشي أو فارسي أو رومي " ، لأنه فعل مثله ، فغلب إحدى الصفات على الصفات الأخرى.
وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال : " القرآن حبشي أو فارسي " ، لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع في الكلام والتزيد في الصفة ، من القائل : " القرآن عربي " ، لأنه اقتصر أيضًا على صفة بعضه ، فتوسع في الكلام وتزيد في الصفة.
وإذا كان ما في القرآن من فارسي ورومي ونبطي وحبشي ، نظير ما فيه من عربي ، فليس قول القائل : " القرآن عربي " ، أولى بالصحة والصواب من قول القائل : " القرآن فارسي أو حبشي " ، فكلاهما أطلق صفة أحد النظيرين على الآخر. وإذا جاز لأحدهما أن يفعل ذلك مصيبًا في قوله ، جاز للآخر مثله مصيبًا في قوله.
وهذا فساد من القول وتناقض ، ومخالف لقوله تعالى : " ولو جعلناه قرآنًا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " ، فهذه شهادة من الله تعالى بأنه لم يجعله أعجميًا ، كشهادته سبحانه بأنه جعله " قرآنًا عربيا " . وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال : " القرآن حبشي أو فارسي " . كما يقال : " القرآن عربي " سواء. فناقض هذا قول الله سبحانه. وهذا قول " غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة ، مقر بكتاب الله ، ممن قرأ القرآن ، وعرف حدود الله " كما قال الطبري رحمه الله.
وإذن فقول القائل من السلف : " في القرآن من كل لسان " ، ليس يعني به أن فيه ما ليس بعربي مما لا يجوز أن ينسب إلى لسان العرب - بل معناه أن فيه ألفاظًا استعملتها العرب ، وهذه الألفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو الروم أو الحبش ، على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى واحد ، لا على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية ، أو رومية غير عربية. فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعانيه وبحدوده ، لا يدخلون الفساد في أقوالهم ، مناقضين شهادة الله لكتابه بأنه عربي غير أعجمي.

(1/18)


قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرنا. إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه ، نظيرَ الذي فيه من لسان العرب.
وإذا كان ذلك كذلك ، فبيِّن إذًا خطأ من زعم أن القائل من السلف : في القرآن من كل لسان ، إنما عنى بقيله ذلك ، أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب.
ويقال لمن أبى ما قلنا - ممن زعم أن الأحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها ، إنما هي كلام أجناس من الأمم سوى العرب ، وقعت إلى العرب فعرَّبته - : ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك ، من الوجه الذي يجب التسليم له ، فقد علمتَ من خالفك في ذلك ، فقال فيه خلاف قولك ؟ وما الفرقُ بينك وبين من عارضك في ذلك فقال : هذه الأحرف ، وما أشبهها من الأحرف غيرها ، أصلها عربي ، غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها - من الوجه الذي يجبُ التسليم له ؟
فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
فإن اعتلَّ في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها ، طولبَ

(1/19)


- مطالبَتنا من تأوَّل عليهم في ذلك تأويله - بالذي قد تقدم بيانه. وقيل له : ما أنكرتَ أن يكون من نسب شيئًا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الأمم سوى العرب ، إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق ، من غير نَفيٍ منه عنه النسبة الأخرى ؟ ثم يقال له : أرأيتَ من قال لأرض سُهْلية جبلية : هي سُهلية ، ولم ينكر أن تكون جبلية ، أو قال : هي جبلية ، ولم يدفعْ أن تكون سُهْلية ، أنافٍ عنها أن تكون لها الصفة الأخرى بقيله ذلك ؟
فإن قال : نعم! كابر عَقْلَه. وإن قال : لا قيل له : فما أنكرت أن يكون قولُ من قال في سجّيل : هي فارسية ، وفي القسطاس : هي رومية - نظيرَ ذلك ؟ وسأل الفرقَ بين ذلك ، فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزِم في الآخر مثله.

(1/20)


القول في اللغة
التي نزل بها القرآن من لغات العرب
قال أبو جعفر :
قد دللنا ، على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه ، (1) على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الأمم ، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغاتها.
فنقول الآن - إذ كان ذلك صحيحًا - في الدّلالة عليه بأيِّ ألسن العرب أنزل : أبألسن جميعها أم بألسن بعضها ؟ إذ كانت العرب ، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم عرب ، فهم مختلفو الألسن بالبيان ، متباينو المنطق والكلام. وإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ذكرُه قد أخبر عبادَه أنه قد جعلَ القرآن عربيًّا وأنه أنزل بلسانٍ عربيّ مبين ، ثم كان ظاهرُه محتملا خصوصًا وعُمومًا - لم يكن لنا السبيلُ إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه ، إلا ببيان مَنْ جعل إليه بيانَ القرآن ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذ كان ذلك كذلك - (2) وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم
7 - بما حدثنا به خلاد بن أسلم ، قال : حدثنا أنس بن عياض ، عن أبي حازم ، عن أبي سلمة ، قال - : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة - : أن رسول
__________
(1) هكذا في المطبوع والمخطوط : " على أن الله جل ثناؤه " ، والأجود أن تكون " بأن الله جل ثناؤه " ، أي : " قد دللنا على صحة القول... بأن الله جل ثناؤه " ، والباء وما بعدها متعقلة بالقول.
(2) جوابُ قوله : " فإذ كان ذلك كذلك " ، يأتي في ص : 48 س 20 وهو قوله : " صح وثبت أن الذي نزل به القرآن

(1/21)


الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآنُ على سبعة أحرف ، فالمِراءُ في القرآن كفرٌ - ثلاث مرات - فما عرْفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردُّوه إلى عالمه (1) .
8 - حدثني عبيد بن أسباط بن محمد ، قال : حدثنا أبي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، عليمٌ حكيم ، غفورٌ رحيم (2) .
9 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثني عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلَه.
10 - حدثنا محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن واصل بن حيّان ، عمَّن ذكره ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطنٌ ، ولكل حرف حَدٌّ ، ولكل حدٍّ مُطَّلَع (3) .
__________
(1) الحديث 7 - رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (رقم 7976 ج2 ص 300 طبعة الحلبي) عن أنس بن عياض. ورواه ابن حبان في صحيحه (رقم : 73 بشرح أحمد محمد شاكر) عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أنس بن عياض. ونقله ابن كثير في التفسير 2 : 102 عن مسند أبي يعلى ، وفي فضائل القرآن : 63 عن مسند أحمد. وهو في مجمع الزوائد 7 : 151 . ونسبه ابن كثير في الفضائل للنسائي. والظاهر أنه يريد كتاب التفسير للنسائي.
(2) الحديث 8 ، 9 - رواه أحمد في المسند (8372 ج2 ص 332 حلبي) عن محمد بن بشر ، و (9676 ج 2 ص 440) عن ابن نمير ، كلاهما عن محمد بن عمرو ، وهو محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 151 جعله رواية أخرى للحديث الأول ، ثم قال : " رواه كله أحمد بإسنادين ، ورجال أحدهما رجال الصحيح. ورواه البزار بنحوه " . وسيأتي حديث آخر لأبي هريرة ، برقم : 45.
(3) الحديث 10 ، 11 - هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين ، أما أحدهما فلانقطاعه بجهالة راويه : " عمن ذكره عن أبي الأحوص " . وأما الآخر فمن أجل " إبراهيم الهجري " راويه عن أبي الأحوص. و " مغيرة " في الإسناد الأول : هو ابن مقسم الضبي ، وهو ثقة. و " واصل بن حيان " هو الأحدب ، وهو ثقة. و " أبو الأحوص " : هو الجشمي ، واسمه : عوف بن مالك بن نضلة ، وهو تابعي ثقة معروف. و " مهران " في الإسناد الثاني : هو ابن أبي عمر العطار الرازي ، وهو ثقة ، ولكن في روايته عن الثوري اضطراب. وشيخه سفيان هنا : هو الثوري الإمام. و " إبراهيم الهجري " هو إبراهيم بن مسلم.
والحديث بهذا اللفظ الذي هنا ، ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم : 2727 ، ونسبه للطبراني في المعجم الكبير ، ورمز له بعلامة الحسن ، ولا ندري إسناده عند الطبراني. وأما أوله ، دون قوله " ولكل حرف حد " إلخ ، فإنه صحيح ثابت ، رواه ابن حبان في صحيحه رقم : 74 . وانظر مجمع الزوائد 7 : 152 ، 153 . وقوله " مطلع " : هو بتشديد الطاء وفتح اللام ، قال في النهاية : " أي لكل حد مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ، والمطلع : مكان الاطلاع من موضع عال " . ثم قال : " ويجوز أن يكون : لكل حد مطلع ، بوزن مصعد ومعناه " . وسيأتي شرح ألفاظ هذا الحديث ص 24 - 25 بولاق ، بعد الحديث 70.

(1/22)


11 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا مهران ، قال : حدثنا سفيان ، عن إبراهيم الهَجَريّ ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
12 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال : حدثنا عاصم ، عن زِرٍّ ، عن عبد الله ، قال : اختلفَ رجلان في سورةٍ ، فقال هذا : أقرَأني النبي صلى الله عليه وسلم. وقال هذا : أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك ، قال فتغير وجههُ ، وعنده رجلٌ فقال : اقرأوا كما عُلِّمتم - فلا أدري أبشيء أمِرَ أم شيء ابتدعه من قِبَل نفسه - فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافُهم على أنبيائهم. قال : فقام كلّ رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه. نحو هذا ومعناه (1)
13 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش - وحدثني أحمد بن منيع ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن الأعمش - عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، قال : قال عبد الله بن مسعود : تمارينا في سورة من القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون أو ست وثلاثون آية. قال : فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدنا عليًّا يُنَاجِيه ،
__________
(1) الحديث 12 - إسناده صحيح. وهو مختصر. ورواه أحمد في المسند مطولا رقم : 3981 عن يحيى بن آدم عن أبي بكر ، وهو ابن عياش ، بهذا الإسناد. ورواه من طرق أخرى مختصرًا أيضًا. ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 223 - 244 بأطول مما هنا ، بإسنادين : من طريق إسرائيل عن عاصم ، ومن طريق أبي عوانة عن عاصم. وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الحافظ في الفتح 9 : 23 ، ونسبه لابن حبان والحاكم.

(1/23)


قال : فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة. قال : فاحمرَّ وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنما هلكَ من كان قبلكم باختلافهم بينهم. قال : ثم أسرّ إلى عليّ شيئًا ، فقال لنا علي : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرُكم أن تقرأوا كما عُلِّمتم (1) .
14 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن عيسى بن قرطاس ، عن زيد القصار ، عن زيد بن أرقم ، قال : كنا معهُ في المسجد فحدثنا ساعة ثم قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقرأني عبد الله بن مسعود سورة ، أقرأنيها زيدٌ وأقرأنيها أبيّ بن كعب ، فاختلفت قراءتهم ، فبقراءةِ أيِّهم آخُذُ ؟ قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وعليٌّ إلى جنبه ، فقال علي : ليقرأ كل إنسان كما عُلِّم ، كلٌّ حسنٌ جميل (2) .
15 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير : أن المِسْوَر بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه : أنهما سمعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورةَ الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة ، فتصبَّرت حتى سلَّم ، فلما سلّم
__________
(1) الحديث 13 - إسناداه صحيحان أيضًا ، وهو رواية أخرى للحديث قبله. ولم نجده بهذا الإسناد واللفظ في موضع آخر.
(2) الحديث 14 - هذا حديث لا أصل له ، رواه رجل كذاب ، هو " عيسى بن قرطاس " ، قال فيه ابن معين : " ضعيف ليس بشيء ، لا يحل لأحد أن يروى عنه " . وقال ابن حبان : " يروى الموضوعات عن الثقات ، لا يحل الاحتجاج به " . وقد اخترع هذا الكذاب شيخًا له روى عنه ، وسماه " زيد القصار " ! لم نجد لهذا الشيخ ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع. وهذا الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 153 - 154 ، وقال : " رواه الطبراني ، وفيه عيسى بن قرطاس ، وهو متروك " . ومن العجب أن يذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح 9 : 23 ، وينسبه للطبري والطبراني ، ثم يسكت عن بيان علته وضعفه! غفر الله لنا وله.

(1/24)


لبَّبته بردائه فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتُك تقرؤها ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت : كذبت ، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتُك تقرؤها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنيها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسله يا عمر ، اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا أنزلتْ. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ يا عمر. فققرأتُ القراءة التي أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فققال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا أنزلتْ. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ما تيسر منها (1) .
16 - حدثني أحمد بن منصور ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا حرب بن ثابت من بني سُلَيم ، قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فغيَّر عليه ، فقال : لقد قرأتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يغيِّر عليَّ. قال : فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى! قال : فوقع في صدر عمرَ شيء ، فعرف
__________
(1) الحديث 15 - رواه أحمد في المسند رقم : 296 عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، وهو ابن شهاب ، بهذا الإسناد نحوه. ورواه أيضًا رقم : 297 عن الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري ، به. ورواه بأسانيد أخر ، مطولا ومختصرًا : 158 ، 277 ، 278 ، 2375. ورواه البخاري 9 : 21 - 23 من فتح الباري ، مطولا بنحو مما هنا ، من طريق الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن : 72 عن رواية البخاري ، ثم ذكر أنه رواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ، من طرق عن الزهري. وفي تيسير الوصول 1 : 190 " أخرجه الستة " ، وفيه مكان " وتصبرت " ، و " تربصت به " وقوله : " كدت أساوره " أي كدت أواثبه وأبطش به. وقوله " فتصبرت حتى سلم " . موافق لرواية البخاري ، وفي المسند : " فنظرت حتى سلم " أي انتظرت.

(1/25)


النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في وجهه ، قال : فضربَ صدره وقال : ابعَدْ شيطانًا - قالها ثلاثًا - ثم قال : يا عمرُ ، إن القرآن كلَّه صواب ، ما لم تجعلْ رحمةً عذابًا أو عذابا رحمةً (1) .
17 - حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي ، قال : حدثنا عبد الله بن ميمون ، قال : حدثنا عبيد الله (2) - يعني ابن عمر - عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ القرآن ، فسمع آية على غير ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى به عمرُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن هذا قرأ آية كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شافٍ كافٍ (3) .
__________
(1) الحديث 16 - رواه أحمد في المسند (16437 ج 4 ص 30 طبعة الحلبي) عن عبد الصمد ، وهو ابن عبد الوارث ، بهذا الإسناد ، نحوه. ونقله الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن : 73 ، وقال : " وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت ، لا نعرف أحدًا جرحه " . ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 150 - 151 ، وقال : " رواه أحمد ، ورجاله ثقات " . وذكره الحافظ في الفتح 9 : 22 - 23 ، ونسبه للطبري فقط ، فقصر إذ لم ينسبه للمسند.
وإسناده يحتاج إلى بحث :
فأولا - " حرب بن ثابت " : ثبت في نسخ الطبري هنا " حرب بن أبي ثابت " ، وهو خطأ صرف من الناسخين. صوابه " حرب بن ثابت " ، وهو " المنقري " ، ترجمه البخاري في التاريخ الكبير : 2\ 1\ 58 ، قال : " حرب بن أبي حرب أبو ثابت ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ، قاله عبد الصمد. وقال موسى : حدثنا حرب بن ثابت المنقري. يعد في البصريين " .
وترجمه ابن حبان في الثقات 443 - 444 ، قال : " حرب بن ثابت المنقري ، من أهل البصرة ، يروي عن الحسن ومروان الأصفر ، روى عنه عبد الصمد ، كأنه : حرب بن أبي حرب الذي ذكرناه " . وقد ذكر قبله ترجمة " حرب بن أبي حرب ، يروي عن شريح ، روى عنه حصين أبو حبيب " .
والحافظ ابن حجر حين ترجم لحرب بن ثابت ، أشار إلى كلام ابن حبان هذا ، وعقب عليه بأنه " واحد ، جعله اثنين ، ثم شك فيه " !! ولم ينصفه في هذا ، فإنهما اثنان يقينًا ، فصل بينهما البخاري في الكبير ، فجعل الذي يروى عن شريح برقم : 226 ، غير الذي نقلنا كلامه عنه برقم : 227 .
وأما الذي جعل الراوي راويين فإنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\ 1\ 252 ذكر ثلاث تراجم ، بالأرقام : 1121 ، 1123 ، 1125 ، فالأخير هو الذي روى عن شريح ، والأولان هما شخص واحد ، وهم فيه ابن أبي حاتم.
وقد نسب " حرب بن ثابت " هذا في التعجيل : 91 - 92 بأنه " البكري " ، وكذلك في الإكمال للحسيني : 23 . وأنا أرجح أن هذا خطأ من الناسخين ، أصله " البصري " ، فإن نسبته فيما أشرنا إليه من تراجمه " المنقري " ، وهو من أهل البصرة ، فعن ذلك رجحت أن صوابه " البصري " .
وثانيًا - " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة " : هكذا رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن حرب بن ثابت المنقري. ولكن بعض العلماء شك في صحة هذا ، فقال البخاري في الكبير في ترجمة حرب : " وقال مسلم : حدثنا حرب بن ثابت سمع إسحاق بن عبد الله " فهذه رواية البخاري عن شيخه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي عن حرب بن ثابت " أنه سمع إسحاق بن عبد الله " . وهي تؤكد صحة ما رواه عبد الصمد. ولكن قال البخاري عقب ذلك : " حدثني إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا عبد الصمد قال : حدثنا حرب أبو ثابت قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. ويقال : إسحاق هذا ليس بابن أبي طلحة ، وهم فيه عبد الصمد من حفظه ، وأصله صحيح " ، فهذه إشارة إلى هذا الحديث..
ولكنه قال في التاريخ الكبير 1\ 1\ 382 في ترجمة " إسحاق الأنصاري " : " إسحاق الأنصاري. حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حرب بن ثابت المنقري قال : حدثني إسحاق الأنصاري عن أبيه عن جده ، وكانت له صحبة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القرآن كله صواب : وقال عبد الصمد : حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله. وقال بعضهم : لقن عبد الصمد ، فقالوا : ابن عبد الله بن أبي طلحة ، ولم يكن في كتابه : ابن عبد الله " .
فهذه إشارة أخرى من البخاري لهذا الحديث أيضًا ، كعادته في تاريخه ، في الإشارة إلى الأحاديث التي يريد أن يرشد إلى مواطن البحث فيها.
وقد أشار البخاري في الموضعين إلى قول من شك في أن " إسحاق الأنصاري " راوي هذا الحديث غير " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري " الثقة المعروف بروايته عن أبيه " عبد الله " عن جده " أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الصحابي الكبير " أحد النقباء ، الذي شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأتى بقوله هذا مجهلا إياه ممرضًا ، بقوله مرة : " ويقال " ، ومرة : " وقال بعضهم " . ثم عقب على هذا التمريض في المرة الأولى بقوله : " وأصله صحيح " ، يعني أصل الحديث. فهو تصريح منه بصحة الحديث ، وبرفض قول هذا القائل الذي شك فيه.
وقد وافقه على ذلك زميله وصنوه أبو حاتم الرازي ، فقال ابنه في الجرح والتعديل ، في ترجمة " إسحاق الأنصاري " 1\ 1\ 239 - 240 : " سمعت أبي يقول : يرون أنه : إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري " .
وسبقهما إلى ذلك شيخهما إمام المحدثين ، الإمام أحمد بن حنبل ، فأثبت هذا الحديث في مسند " أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري " دون شك أو تردد. فصح الحديث ، والحمد لله.
(2) هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وليس هو ابن عمر بن الخطاب.
(3) الحديث 17 - إسناده ضعيف جدا ، من أجل " عبد الله بن ميمون " . أما " عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي " شيخ الطبري ، فالظاهر أنه ثقة ، ولكني لم أجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم : 2\ 2\ 335 ، قال : " نزيل بيت المقدس ، روى عن سفيان بن عيينة ، سمع منه أبي ببيت المقدس " . ولم يذكر فيه جرحًا. وأما علة الحديث فهو " عبد الله بن ميمون بن داود القداح " ، وهو ضعيف جدًا ، قال البخاري : " ذاهب الحديث " ، وقال أبو حاتم والترمذي : " منكر الحديث " ، وقال أبو حاتم : " يروي عن الأثبات الملزقات ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد " ، وقال الحاكم : " روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث موضوعة " . وأما شيخه " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب " ، فإنه إمام ثقة معروف ، وهو أحد الفقهاء السبعة.
ومعنى الحديث في ذاته صحيح ، كأنه مختصر من معنى حديث عمر بن الخطاب ، الذي مضى برقم : 15 . ولكن هذا القداح ألزقه بعبيد الله بن عمر ، وجعله من حديث نافع عن ابن عمر. ولا أصل لهذا ، ولم نجده قط من حديث ابن عمر.
ولم يحسن الحافظ ابن حجر ، إذ أشار إلى هذا الحديث في الفتح 9 : 23 ، ونسبه للطبري ، دون أن يذكر ضعف إسناده.

(1/26)


18 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن علي بن أبي علي ، عن زبيد ، عن علقمة النخعي ، قال : لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودّعهم ، ثم قال : لا تنازَعُوا في القرآن ، فإنه لا يختلفُ ولا يتلاشى ، ولا يتغير لكثرة الرد. وإن شريعة الإسلام وحدودَه وفرائضه فيه واحدة ، ولو كان شيء من الحرفين ينهَى عن شيء يأمر به الآخر ، كان ذلك الاختلافَ. ولكنه جامعٌ ذلك كله ، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ، ولا شيء من شرائع الإسلام. ولقد رأيتُنا نتنازع فيه عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأمرنا فنقرأ عليه ، فيخبرنا أن كلَّنا محسنٌ. ولو أعلمُ أحدًا أعلم بما أنزل الله على رسوله منى لطلبته ، حتى أزدادَ علمَه إلى علمي. ولقد قرأتُ من لسانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، وقد كنت علمت أنه يُعْرَض عليه القرآنُ في كل رمضان ، حتى كانَ عامُ قُبض ، فعرض عليه مرّتين ، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني محسنٌ. فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنَّها رغبة عنها ، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يَدعنَّه رغبة عنه ، فإنه من جحد بآية جحد به كله (1) .
__________
(1) الحديث 18 - إسناده ضعيف جدًا ، غاية في الضعف. لعلتين :
أولاهما : " علي بن أبي علي " ، وهو " اللهبي " ، من ولد أبي لهب. قال البخاري في التاريخ الصغير : 196 ، وفي الضعفاء : 25 : " منكر الحديث ، لم يرضه أحمد " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل : 3\ 1\ 197 : " سألت أبي عن علي بن أبي علي اللهبي ؟ فقال : منكر الحديث ، تركوه " . وقال : " سئل أبو زرعة عن علي بن أبي علي الهاشمي ؟ فقال : هو من ولد أبي لهب ، وهو مديني ضعيف الحديث ، منكر الحديث " . وقال ابن حبان في الضعفاء : 315 " يروي عن الثقات الموضوعات ، وعن الأثبات المقلوبات ، لا يجوز الاحتجاج به " .
وثانيتهما : أن " زبيد بن الحرث اليامي " لم يدرك علقمة ولم يرو عنه ، إنما يروي عن الطبقة الراوية عن علقمة ، فروايته عنه هنا منقطعة ، إن صح الإسناد إليه فيها ، ولم يصح قط.
وقد جاء نحو هذا الحديث عن ابن مسعود ، من وجه آخر ضعيف أيضًا : فرواه أحمد في المسند رقم : 3845 مطولا ، من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن عابس ، قال : " حدثنا رجل من همدان ، من أصحاب عبد الله ، وما سماه لنا " إلخ. وهذا مجهول الراوي عن ابن مسعود ، فلا يكون صحيحًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا 7 : 153 ، وقال : " رواه الإمام أحمد في حديث طويل ، والطبراني ، وفيه من لم يسم ، وبقية رجاله رجال الصحيح " .
قال أخي السيد محمود محمد شاكر : ولفظ المسند : " إن هذا القرآن لا يختلف ، ولا يستشن ، ولا يتفه لكثرة الرد " . و " استشن " : بلى وصار خلقًا كالشن البالي ، وهو القربة البالية. وقوله " لا يتفه " : لا يصير تافهًا ، التافه : الحقير. وكل كلام رددت قراءته نفدت معانيه وضعف أثره إلا القرآن. وأما قوله في رواية الطبري هنا " ولا يتلاشى " ، فقد قال أهل اللغة إنه مولد من " لا شيء " ، كأنه اضمحل حتى صار إلى لا شيء. ومجيئه في هذا الحبر غريب.
أقول : وإذ تبين أن راويه " علي بن أبي علي اللهبي " ممن يصطنع الأحاديث ويروي عن الثقات الموضوعات ، كما قال ابن حبان ، فلا يبعد أن يقول هذه الكلمة المولدة من عند نفسه. وهو متأخر أدرك عصر التوليد ، فقد أرخه البخاري في باب من مات بين سنتي 170 - 180 .

(1/28)


19 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وَهب ، قال : أخبرني يونس - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا رِشْدينُ بن سعد ، عن عُقيل بن خالد - جميعًا عن ابن شهاب ، قال : حدثني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريلُ على حرف ، فراجعته ، فلم أزَل أستزيده فيزيدني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف. قال ابن شهاب : بلغني أن تلك السبعة الأحرف ، إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا ، لا يختلفُ في حلال ولا حرام (1) .
__________
(1) الحديث 19 - هو بإسنادين : أحدهما صحيح ، والآخر ضعيف :
الإسناد الأول : عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس ، وهو ابن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري. وهو إسناد صحيح جدًا.
والثاني : عن أبي كريب عن رشدين ، وهو ابن سعد ، عن عقيل بن خالد عن الزهري. وهو إسناد ضعيف ، لضعف رشدين بن سعد ، وكان رجلا صالحًا فيه غفلة ، وكثر خطؤه فغلبت المناكير في أخباره. ولكنه في هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عقيل بن خالد ، كما سيأتي.
و " رشدين " : بكسر الراء والدال المهملتين بينهما شين معجمة ساكنة. و " عقيل " بضم العين المهملة.
والحديث رواه مسلم 1 : 225 عن حرملة عن ابن وهب عن يونس ، مثل الإسناد الأول هنا. ورواه البخاري 6 : 222 فتح الباري ، من طريق سليمان بن بلال عن يونس أيضًا.
ورواه البخاري 9 : 20 - 21 ، عن سعيد بن عفير عن الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري.
وسيأتي أيضًا بإسناد صحيح ، برقم : 22 ، من رواية نافع بن يزيد عن عقيل بن خالد عن الزهري.
وهذان الإسنادان يؤيدان الإسناد الثاني هنا ، أعني رواية رشدين بن سعد عن عقيل. ولذلك قلت إن رشدين - على ضعفه - لم ينفرد بروايته عن عقيل.
وقول ابن شهاب الزهري : " بلغني أن تلك الأحرف السبعة " إلخ : لم يذكره البخاري ، وذكره مسلم في روايته. وهو مرسل غير متصل ، فهو ضعيف الإسناد. ولذلك أعرض البخاري عن ذكره.
ثم إن الحديث رواه أيضًا أحمد ، بنحوه ، في المسند رقم : 2860 عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. ورواه مسلم 1 : 225 ، عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق ، ولكنه لم يسق لفظه بل أحاله على رواية يونس عن الزهري.
ورواه أحمد أيضًا مختصرًا رقم : 2375 ، 2717 ، من رواية ابن أخي الزهري عن عمه.
ونقله ابن كثير في فضائل القرآن : 53 عن إحدى روايتي البخاري ، ثم أشار إلى روايته الأخرى وروايتي مسلم ورواية الطبري هذه.

(1/29)


20 - حدثني محمد بن عبد الله بن أبي مخلد الواسطي ، ويونس بن عبد الأعلى الصدفيّ ، قالا حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله ، أخبره أبوه : أن أم أيوب أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، أيَّها قرأتَ أصبْتَ (1) .
21 - حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي ، قال : أنبأنا شَريك ، عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صُرَد ، يرفعه ، قال : أتاني ملَكان ، فقال أحدهما : اقرأ. قال : على كم ؟ قال : على حرف ، قال : زِدْهُ. حتى انتهى به إلى سبعة أحرف (2)
__________
(1) الحديث 20 - رواه أحمد في المسند (6 : 433 ، 462 - 463 من طبعة الحلبي) ، عن سفيان بن عيينة ، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن : 64 عن المسند ، وقال : " وهذا إسناد صحيح ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة " . ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 154 ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله ثقات " . فقصر إذ لم ينسبه للمسند أولا. ولفظ المسند " أيها قرأت أجزأك " . ولفظ الطبراني موافق للفظ الطبري هنا.
و " عبيد الله " ، في الإسناد : هو عبيد الله بن أبي يزيد المكي ، وهو ثقة معروف. وأبوه " أبو يزيد المكي " : ذكره ابن حبان في الثقات.
وسيأتي الحديث مكررًا ، برقمي : 23 ، 24 .
(2) الحديث 21 - الحديث في ذاته صحيح ، لأن معناه سيأتي مرارًا ، ضمن أحاديث لأبي بن كعب ، وقد كررها الطبري بأسانيد متعددة ، بالأرقام الآتية : 25 - 39 . وسيأتي بحثها في مواضعها إن شاء الله.
وأما هذا الإسناد بعينه ، فهكذا ورد في الطبري ، من حديث سليمان بن صرد. ونقل الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 153 نحوه ، من حديث سليمان بن صرد ، وقال : " رواه الطبراني ، وفيه جعفر ، ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات " . وليس إسناد الطبراني بين أيدينا حتى نستطيع القول فيه. ولعل اسم " جعفر " - الذي لم يعرفه الهيثمي في إسناده - محرف عن شيء آخر.
ونقل ابن كثير في الفضائل : 61 هذا الحديث عن هذا الموضع من الطبري ، ثم قال : " ورواه النسائي في اليوم والليلة : عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق عن العوام بن حوشب عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد ، قال : أتى أبي بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين اختلفا في القراءة ، فذكر الحديث. وهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن العوام عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن أبي : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجلين ، فذكره " .
وهذان الإسنادان اللذان ذكرهما ابن كثير صحيحان ، يدلان على أن سليمان بن صَرد إنما سمع هذا الحديث من أبي بن كعب.
وليس الخطأ الذي وقع في إسناد الطبري هنا ، بحذف " أبي بن كعب " - خطأ شريك بن عبد الله النخعي راويه عن أبي إسحاق السبيعي. إنما الخطأ - فيما أرجح - إما من إسماعيل بن موسى السدي شيخ الطبري ، وإما من الطبري نفسه. فإن الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل ، في مسند أبيه (5 : 125 طبعة الحلبي) عن محمد بن جعفر الوركاني عن أبي إسحاق عن سليمان عن أبي بن كعب - مختصرًا كما هنا. وسيأتي الحديث مطولا ، من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب رقم : 25 .

(1/30)


22 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا نافع بن يزيد ، قال : حدثني عُقَيْل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريل القرآنَ على حرف ، فاستزدته فزادني ، ثم استزدته فزادني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف (1) .
23 - حدثني الربيع بن سليمان ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، أنه سمع أم أيوب تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوَه - يعني نحو حديث ابن أبي مخلد (2) .
__________
(1) الحديث 22 - هذا إسناد صحيح. قد مضى برقم : 19 ، بإسنادين آخرين ، وبينا تخريجه هناك.
و " ابن البرقي " ، شيخ الطبري : هو " أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم " المصري الحافظ ، توفي سنة 270 . وله ترجمة في تذكرة الحفاظ 2 : 135.
و " ابن أبي مريم " : هو " سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم " المصري ، عرف بابن أبي مريم. مترجم في التهذيب.
(2) الحديث 23 - هذا إسناد صحيح. فالربيع بن سليمان : هو المرادي المؤذن ، صاحب الشافعي وراوية كتبه. وأسد بن موسى المرواني الأموي المصري : يقال له " أسد السنة " ، ثقة من الثقات ، قال البخاري في التاريخ الكبير : 1\ 2\ 50 : " مشهور الحديث " . والحديث مكرر رقم : 20 ، كما أشار إلى ذلك الطبري بالإحالة عليه. وسيأتي عقب هذا بإسناد آخر.

(1/31)


24 - حدثنا الربيع ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا أبو الربيع السمان ، قال : حدثني عُبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن أم أيوب ، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : نزل القرآن على سبعة أحرف ، فما قرأتَ أصبتَ (1) .
25 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثني يحيى بن آدم ، قال : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن فلان العَبْدي - قال أبو جعفر : ذَهب عنى اسمه - ، عن سليمان بن صُرَد ، عن أبيّ بن كعب ، قال : رحت إلى المسجد ، فسمعت رجلا يقرأ ، فقلت : من أقرأك ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : استقرئْ هذا. قال : فقرأ ، فقال : أحسنت. قال فقلت : إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال : وأنتَ قد أحسنتَ. قال : فقلت : قد أحسنتَ! قد أحسنتَ! قال : فضرب بيده على صدري ، ثم قال : اللهم أذهِبْ عن أبيٍّ الشكّ. قال : ففِضْتُ عرَقًا ، وامتلأ جوْفي فرَقًا - ثم قال : إن الملَكين أتياني ، فقال أحدهما اقرأ القرآن على حرف. وقال الآخر : زده. قال : فقلت : زدْني. قال : اقرأه على حرفين. حتى بلغَ سبعةَ أحرف ، فقال : اقرأ على سبعة أحرف (2) .
__________
(1) الحديث 24 - وأما هذا فإسناد ضعيف جدا ، فأبو الربيع السمان ، واسمه : أشعث بن سعيد البصري ، ضعيف جدا ، كان شعبة يرميه بالكذب. والحديث مضى بإسنادين صحيحين ، رقم : 20 ، 23 .
(2) الحديث 25 - مضى بعض معناه مختصرًا ، وأشرنا إلى هذا ، في الحديث رقم : 21 ، وأن سليمان بن صرد ، راويه هناك ، إنما رواه عن أبي بن كعب.
وهذا الإسناد نسي فيه أبو جعفر الطبري اسم " فلان العبدي " ، كما قال هو هنا.
وقد نقله ابن كثير في الفضائل : 61 عن هذا الموضع من تفسير الطبري ، ثم أشار إلى بعض رواياته الأخر التي سمى فيها " فلان العبدي " هذا باسمه ، وأراد أن يجمع بين هذه الروايات والرواية الماضية رقم : 21 ، التي فيها أن الحديث من رواية سليمان بن صرد دون ذكر أبي بن كعب ، فقال : " فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب ، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك " .
والصحيح ما ذهبنا إليه هناك ، من أنه من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب.
وهذا الحديث المطول - الذي هنا - رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه 5 : 124 من طبعة الحلبي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سقير العبدي عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ، بنحوه بمعناه.
فعرفنا من رواية عبد الله بن أحمد أن اسم هذا الراوي " العبدي " : " سقير " . وهو بضم السين المهملة وفتح القاف ، كما ضبطه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري في كتاب المؤتلف : 65 ، وكذلك أثبته الذهبي في المشتبه : 266. وفي اسمه خلاف قديم ، ولكن هذا هو الراجح الصحيح.
فقد ترجمه البخاري في التاريخ الكبير 2\ 2\ 331 في حرف الصاد ، باسم " صقير " ، وإن وقع فيه خطأ من النساخ ، فرسم " صعير " بالعين بدل القاف. وقد حقق مصححه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني ذلك بالهامش ، ونقل أن الأمير ابن ماكولا ضبطه " سقير " أيضًا.
وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\ 1\ 318 في حرف السين ، باسم " سقير العبدي " ، ثم أعاده في حرف الصاد 2\ 1\ 452 باسم " صقر العبدي ، ويقال : صقير العبدي " ، فجاء بقول ثالث.
وترجمه الحسيني في الإكمال : 45 ، فقال : " سقير العبدي ، عن سليمان بن صرد الخزاعي ، وعنه أبو إسحاق السبيعي : ليس بالمشهور " . وتعقبه الحافظ في التعجيل : 157 ، فقال : " لم يصب في ذلك ، فقد ذكروه في حرف الصاد المهملة ، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه قدحًا ، وذكره ابن حبان في الثقات " ، وهو في الثقات : 226 ، باسم " صقير العبدي " .
فإذ تبين أن " العبدي " هذا تابعي ثقة ، بتوثيق البخاري أن لم يجرحه ، وبذكر ابن حبان إياه في الثقات - كان هذا الإسناد صحيحًا.
ثم إن سقيرًا العبدي لم ينفرد بروايته عن سليمان بن صرد. فقد رواه عنه تابعي آخر ، ثقة معروف ، من مشهوري التابعين ، وهو يحيى بن يعمر.
فرواه أحمد في المسند 5 : 124 عن عبد الرحمن بن مهدي ، وعن بهز ، ورواه ابنه عبد الله بن أحمد عن هدبة بن خالد القيسي ، ورواه أبو داود في السنن رقم : 1477 ج 2 ص 102 عن أبي الوليد الطيالسي - : كلهم عن همام بن يحيى عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ، بنحوه مختصرًا. وهذه أسانيد صحاح على شرط الشيخين.
وسيأتي عقب هذا بأسانيد كثيرة ، من أوجه مختلفة ، عن أبي بن كعب بالأرقام 26 - 39 ، 46 .

(1/32)


26 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي - وحدّثنا أبو كرَيب ، قال : حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني - جميعًا عن حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه ، قال : ما حاك في صدري شيءٌ منذ أسلمتُ ، إلا أني قرأتُ آيةً ، فقرأها رجل غيرَ قراءتي ، فقلت : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الرجل : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فقلت : أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى. قال الرجل : ألم تُقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى ، إن جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياني ، فقعد جبريل عن يميني ، وميكائيل عن يساري ، فقال جبريل : اقرإ القرآن على حرف واحد. وقال ميكائيل : استزدْه ، قال جبريل : اقرإ القرآن على حرفين. فقال ميكائيل :

(1/33)


استزده. حتى بلغ ستةً أو سبعةً - الشك من أبي كريب - وقال ابن بشار في حديثه : حتى بلغ سبعةَ أحرف - ولم يَشكّ فيه - وكلٌّ شافٍ كافٍ. ولفظ الحديث لأبي كريب (1) .
27 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن أبيّ بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال في حديثه : حتى بلغ ستة أحرف ، قال : اقرأه على سبعة أحرف ، كلٌّ شافٍ كافٍ (2) .
28 - حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا حماد
__________
(1) الحديث 26 - هذا بإسنادين : " محمد بن بشار عن ابن أبي عدي " ، و " أبو كريب عن محمد بن ميمون الزعفراني " ، كلاهما عن حميد الطويل. فالإسناد الأول صحيح على شرط الشيخين دون خلاف. والإسناد الثاني فيه " محمد بن ميمون الزعفراني " ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما ، وضعفه البخاري والنسائي وغيرهما.
والحديث صحيح بكل حال ، إذ لم ينفرد بروايته هذان :
فقد رواه أحمد في المسند 5 : 114 ، 122 طبعة الحلبي ، مختصرًا قليلا ، عن يحيى بن سعيد ، وهو القطان عن حميد الطويل ، بهذا الإسناد. ثم رواه ابنه عبد الله بن أحمد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن بشر بن المفضل ، وعن سويد بن سعيد عن المعتمر بن سليمان ، كلاهما عن حميد الطويل ، بمعناه.
ورواه أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام - فيما نقل عنه ابن كثير في الفضائل : 54 عن يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد ، كلاهما عن حميد ، بهذا الإسناد مطولا.
وسيأتي عقب هذا ، رقم : 27 ، من رواية يحيى بن أيوب عن حميد.
وقال ابن كثير ، بعد نقله رواية أبي عبيد : " وقد رواه النسائي من حديث يزيد ، وهو ابن هارون ، ويحيى بن سعيد القطان ، كلاهما عن حميد الطويل عن أنس عن أبي بن كعب ، بنحوه. وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمد بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب ، كلهم عن حميد ، به " وهذا إشارة منه إلى أسانيد الطبري الثلاثة هنا. وهي كلها أسانيد صحاح.
(2) الحديث 27 - هو مكرر الحديث قبله. وقد أشرنا إليه في تخريجه.

(1/34)


بن سلمة ، عن حُميد ، عن أنس بن مالك ، عن عُبادة بن الصّامت ، عن أبيّ بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف (1) .
29 - حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسين بن علي ، وأبو أسامة ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زِرّ ، عن أبيّ ، قال : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المِرَاءِ فقال : إني بُعثتُ إلى أمة أمِّيِّين ، منهم الغلامُ والخادمُ والشيخ العاسِي والعجوز ، فقال جبريل : فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف (2) . ولفظ الحديث لأبي أسامة.
__________
(1) الحديث 28 - وهذا إسناد صحيح أيضًا ، إلا أن حماد بن سلمة زاد " عبادة بن الصامت " بين أنس وأبي بن كعب. وسنبين ذلك ، إن شاء الله.
ومحمد بن مرزوق ، شيخ الطبري : هو محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي ، نسب إلى جده. وهو ثقة ، روى عنه مسلم في صحيحه والترمذي وابن ماجة وغيرهم. وشيخه أبو الوليد : هو الطيالسي ، واسمه : هشام بن عبد الملك ، إمام حافظ حجة.
والحديث رواه أحمد في المسند 5 : 114 طبعة الحلبي ، هكذا مختصرًا ، عن عفان عن حماد بن سلمة ، بهذا الإسناد. ثم رواه بالإسناد نفسه مطولا ، بنحو الرواية الماضية ، في 26 ، 27 ، ثم رواه عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس : " أن أبيا قال " - فأشار إلى تلك الرواية ، ثم قال : " ولم يذكر فيه عبادة " .
فالظاهر - عندي - أن حماد بن سلمة هو الذي انفرد بزيادة " عبادة " في الإسناد. ولعل هذا سهو منه ، فقد رواه الرواة الذين ذكرنا من قبل ، دون هذه الزيادة ، وهم أكثر منه عددًا وأحفظ وأشد إتقانًا.
وأيا ما كان فالحديث صحيح ، سواء أسمعه أنس من أبي بن كعب مباشرة ، أم سمعه من عبادة بن الصامت عن أبي.
(2) الحديث 29 - وهذا إسناد صحيح أيضًا. حسين بن علي : هو الجعفي. أبو أسامة : هو حماد بن أسامة. زائدة : هو ابن قدامة. عاصم : هو ابن بهدلة ، وهو ابن أبي النجود. زر : هو ابن حبيش.
والحديث رواه أحمد في المسند 5 : 132 عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة ، وعن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زائدة أيضًا. ونقله ابن كثير في الفضائل : 59 عن الرواية الأولى من المسند.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم : 543 عن حماد بن سلمة. ورواه الترمذي 4 : 61 من طريق شيبان ، وهو ابن عبد الرحمن النحوي ، كلاهما عن عاصم ، بهذا الإسناد ، نحوه. قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح. وقد روى عن أبي بن كعب من غير وجه " .
" أحجار المراء " ، بكسر الميم وتخفيف الراء وبالمد : موضع بقباء ، خارج المدينة ، وقال مجاهد : " هي قباء " ، كما في النهاية لابن الأثير 1 : 203 ، 4 : 91 ، والقاموس وشرحه 3 : 127 ، ووفاء الوفا للسمهودي 2 : 244. ولم نجد في ذلك خلافًا ، إلا ما ذهب إليه أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم : 117 ، إذ زعم أنه " موضع بمكة ، على لفظ جمع " حجر " كانت قريش تتمارى عندها ، وهي صفي السباب " ، ثم ذكر هذا الحديث شاهدًا ؛ وأنا أرجح أنه وهم منه ، انتقل ذهنه بمناسبة تقارب معنيي اللفظين إلى الظن باتحاد المكانين. فإن " صفي السباب " " موضع بمكة كانت قريش تتمارى عندها " كما قال أبو عبيد نفسه في مادة " صفي " : 838 ، فانتقل ذهنه فقال عقب ذلك : " وهو الموضع المعروف بأحجار المراء " !! و " المراء " : من المماراة ، و " الصفي " ، بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء : جمع " صفا " ، و " الصفا " : جمع " صفاة " ، وهي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئًا.
ومما يؤيد اليقين بما أخطأ فيه أبو عبيد : أن في بعض روايات هذا الحديث الآتية : " عند أضاة بني غفار " ، وهي موضع بالمدينة يقينًا. وقد بين أبو عبيدة نفسه ذلك في : 164 ، وذكر الحديث بالرواية الآتية أيضًا شاهدًا عليه.
وقوله " والشيخ العاسي " ، في مطبوعة الطبري " والشيخ الفاني " ، وفي المخطوطة " العاشي " ، وفي المسند " العاصي " . وكلها بمعنى. و " عسا الشيخ " : إذا كبر وأسن وضعف بصره ويبس جلده وصلب. ومثله " عصا " . وقال الأزهري : عصا : إذا صلب ، كأنه أراد " عسا " بالسين ، فقلبها صادًا " . (اللسان : عصا).

(1/35)


30 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا ابن نُمير ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد - وحدثنا عبد الحميد بن بيان القَنَّاد ، قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل - عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي لَيْلى ، عن جده ، عن أبيّ بن كعب ، قال : كنت في المسجد ، فدخل رجلٌ يصلي ، فقرأ قراءة أنكرتُها عليه ، ثم دخل رجلٌ آخر ، فقرأ قراءةً غيرَ قراءة صاحبه ، فدخلنا جميعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقلت : يا رسول الله ، إن هذا قرأ قراءةً أنكرتُها عليه ، ثم دخل هذا فقرأ قراءةً غيرَ قراءة صاحبه. فأمرهُما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ ، فحسَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنَهُما ، فوقع في نفسي من التكذيب ، ولا إذْ كنت في الجاهلية! فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غَشيني ، ضربَ في صدري ، فَفِضت عرَقًا ، كأنما أنظر إلى الله فَرَقًا. فقال لي : يا أبيّ ، أرْسِلَ إليّ أن اقرإ القرآنَ على حرف ،

(1/36)


فرددت عليه : أنْ هَوِّن على أمتي ، فردّ عليّ في الثانية : أن اقرإ القرآن على حرف. فرددت عليه أن هونَ على أمتي ، فردّ عليّ في الثالثة ، أن اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة رَدَدتُكَها مَسألة تسألُنيها فقلت : اللهم اغفر لأمتي ، اللهم اغفر لأمتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم. إلا أن ابن بيانَ قال في حديثه : فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : قد أصبتم وأحسنتم. وقال أيضًا : فارفضَضت عرقًا (1) .
31 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا محمد بن فُضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وقال : قال لي : أعيذُك بالله من الشك والتكذيب. وقال أيضًا : إن الله أمرني أقرأ القرآن على حرفٍ ، فقلت : اللهمَّ ربّ خفف عن أمتي. قال : اقرأه على حرفين. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرفٍ ، من سبعة أبوابٍ من الجنة ، كلها شافٍ كافٍ (2) .
32 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى - [و] عن ابن أبي ليلى عن الحكم - عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ قال : دخلتُ المسجدَ فصليتُ ، فقرأتُ النحل ،
__________
(1) الحديث 30 - إسناداه صحيحان. وعبد الحميد بن بيان القناد ، شيخ الطبري في الإسناد الثاني : ثقة من شيوخ مسلم ، ويقال له أيضًا " السكري " . و " القناد " : نسبة إلى " القند " بفتح القاف وسكون النون ، وهو السكر المصنوع من عسل القصب.
والحديث رواه مسلم 1 : 225 عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن إسماعيل بن أبي خالد ، بهذا الإسناد ، نحوه. ثم رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن إسماعيل.
ورواه أحمد في المسند 5 : 127 طبعة الحلبي عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل. ورواه ابنه عبد الله في المسند أيضًا 5 : 128 - 129 ، عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله ، وهو الطحان ، عن إسماعيل. ونقله ابن كثير في الفضائل : 55 عن رواية أحمد. ارفضاض العرق : تتابع سيلانه.
(2) الحديث 31 - إسناده صحيح أيضًا. وهو مكرر الحديث قبله.
ونقله ابن كثير في الفضائل : 55 عن الطبري في هذا الموضع ، واقتصر فيه على آخره ، من أول قوله " إن الله أمرني " . ولكن وقع فيه خطأ في الإسناد " عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن جده " ! فزيادة " عن أبيه " خطأ ناسخ أو طابع ، ليست في الطبري ، ولا موضع لها ، لأن عيسى روى هذا الحديث عن جده مباشرة ، كما في الإسناد الماضي.
وقوله " أمرني أقرأ القرآن " : هو على تقدير " أن " ، وهي ثابتة في المطبوعة وابن كثير ، ومحذوفة في المخطوطة.

(1/37)


ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي ، ثم جاء رجل آخر فقرأ خِلافَ قراءتِنا ، فدخل نفسي من الشكّ والتكذيب أشدُّ مما كنتُ في الجاهلية ، فأخذتُ بأيديهما فأتيتُ بهما النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، استقرئ هذين. فقرأ أحدُهما ، فقال : أصبتَ. ثم استقرأ الآخر ، فقال : أصبتَ. فدخل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهلية من الشكّ والتكذيب ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ، وقال : أعاذك الله من الشكّ ، وأخْسَأ عنك الشيطانَ. قال إسماعيل : ففِضْتُ عرقًا - ولم يقله ابنُ أبي ليلى - قال : فقال : أتاني جبريلُ فقال : اقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : إن أمتي لا تستطيعُ. حتى قال سبع مرات ، فقال لي : اقرأ على سبعة أحرفٍ ، ولك بكل ردة رُدِدتها مسألة. قال : فاحتاجَ إليّ فيها الخلائق ، حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم (1) .
33 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبد الله ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيٍّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه (2) .
34 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، قال : حدثنا عبد الصمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن جُحادة ، عن الحكم - هو ابن عُتَيْبة - عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، قال : أتى جبريلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو عند أضَاة بني غِفار فقال : إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على سبعة أحرفٍ ، فمن قرأ منها حرفًا فهو كما قرأ (3) .
__________
(1) الحديث 32 - هو بإسنادين ، أحدهما متصل صحيح ، والآخر ظاهره الاتصال. وسنبين ذلك تفصيلا ، إن شاء الله.
وقد وقع هنا في نسخ الطبري خطأ من الناسخين ، بحذف واو العطف قبل قوله " عن ابن أبي ليلى عن الحكم " . ولذلك زدناها بعلامة الزيادة [و]. بأنا على يقين أن حذفها يجعله إسنادًا واحدًا ، ويكون إسنادًا مضطربًا لا يفهم.
والذي أوقع الناسخين في الخطأ ، والذي يوقع القارئ في الاشتباه والاضطراب ، تكرار " عن ابن أبي ليلى " في الإسناد. وهما اثنان ، بل ثلاثة : فالأول صرح باسمه فيه ، وهو : " عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، والثاني : " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " عم عيسى ، والثالث : " عبد الرحمن بن أبي ليلى " التابعي.
فالطبري روى هذا الحديث عن أبي كريب محمد بن العلاء عن وكيع بن الجراح. ثم يفترق الإسنادان فوق وكيع :
فرواه وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد " عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى " ، وهو " عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " .
ورواه وكيع أيضًا " عن ابن أبي ليلى " ، وهو " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، عن الحكم ، وهو " الحكم بن عتيبة " .
ثم يجتمع الإسنادان مرة أخرى :
فيرويه " عبد الله بن عيسى " عن جده " عبد الرحمن بن أبي ليلى " عن أبي بن كعب ، كالإسنادين الماضيين 30 ، 31 . وهو إسناد متصل.
ويرويه الحكم بن عتيبة عن " ابن أبي ليلى " ، وهو " عبد الرحمن " عن أبي بن كعب ، وهذا إسناد ظاهره الاتصال ، إلا أن فيه شبهة الانقطاع ، لأن الحكم بن عتيبة وإن كان يروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كثيرًا ، إلا أنه في هذا الحديث بعينه رواه عنه بواسطة مجاهد ، كما سيأتي في الأسانيد رقم : 34 - 37 ، وفيما سنذكر هناك إن شاء الله من التخريج.
ومن المحتمل جدًا أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن بن أبي ليلى نفسه ، وسمعه من مجاهد عنه ، فرواه على الوجهين. وهذا كثير في الرواية ، معروف مثله عند أهل العلم.
وإذا لم يكن الحكم سمعه من " عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، فتكون الرواية التي هنا - كالرواية التالية رقم : 33 - خطأ من " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، فإنه وإن كان فقيها صدوقًا ، إلا أنه " كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث " ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره.
وليعلم أن " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " كان أصغر من ابن أخيه " عبد الله بن عيسى ابن أبي ليلى " ، وكان يروي عنه ، ولا يروي عن أبيه " عبد الرحمن " إلا بالواسطة ، وأما ابن أخيه " عبد الله بن عيسى " فقد أدرك جده وروى عنه مباشرة.
وعلى كل حال فالحديث صحيح بالروايات المتصلة ، ولا تؤثر في صحته رواية محمد بن عبد الرحمن إن ظهر عدم اتصالها.
(2) الحديث 33 - إسناده كالإسناد قبله : " ابن أبي ليلى " ، هو " محمد بن عبد الرحمن " يرويه عن أبيه " عبد الرحمن " بواسطة " الحكم بن عتيبة " .
وأما " عبد الله " شيخ أبي كريب ، فالظاهر عندي أنه " عبد الله بن نمير " ، إذ روايته عن محمد بن عبد الرحمن أبي ليلى ثابتة عندي في المسند في حديث آخر ، هو الحديث رقم : 2809 هناك.
(3) الحديث 34 - إسناده صحيح. عبد الصمد : هو ابن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان البصري وهو وأبوه من الأعلام الثقات. محمد بن جحادة - بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة ، ثقة عابد زاهد من أتباع التابعين.
وهذا الحديث مختصر ، وسيأتي عقبه مطولا بثلاثة أسانيد رقم : 35 ، 36 ، 37 ، من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة. وسيأتي مطولا أيضًا رقم : 46 من طريق عبد الوارث عن محمد بن جحادة. ورواه أحمد في المسند 5 : 128 ، مطولا أيضًا ، من طريق عبد الوارث.

(1/38)


35 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ ابن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غِفار ، قال : فأتاه جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على حرفٍ. قال : أسألُ الله مُعَافاته ومغفرتَه ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. قال : ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآنَ على ثلاثة أحرف. قال : أسأل اللهُ معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآنَ على سبعة أحرف ، فأيَّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا (1) .
36 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عند أضاة بني غفار - فذكر نحوه (2) .
37 - حدثنا أبو كريب ، قال حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا شعبة - وحدثنا الحسن بن عرَفة ، قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا شعبة - عن الحكم ،
__________
(1) الحديث 35 - رواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم : 558 ، عن شعبة. ورواه أحمد في المسند 5 : 127 - 128 ، عن محمد بن جعفر عن شعبة. ورواه مسلم 1 : 225 - 226 ، عن محمد بن المثنى وغيره عن محمد بن جعفر. ورواه أبو داود السجستاني في السنن رقم : 1478\ 2 : 102 عن محمد بن المثنى أيضًا.
ونقله ابن كثير في الفضائل 58 - 59 عن هذا الموضع من تفسير الطبري. وقال : " وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، من رواية شعبة ، به " .
(2) الحديث 36 - هو مكرر الحديث قبله.

(1/40)


عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه (1) .
38 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب أنه قال : سمعتُ رجلا يقرأ في سورة النحل قراءةً تخالِفُ قراءتي ، ثم سمعت آخر يقرؤها قراءةً تخالف ذلك ، فانطلقتُ بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل ، فسألتُهما : من أقرأهما ؟ فقالا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت : لأذهبن بكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحدهما : اقرأ. فقرأ ، فقال : أحسنتَ. ثم قال للآخر : اقرأ. فقرأ ، فقال : أحسنتَ. قال أبيّ : فوجدتُ في نفسي وسوسة الشيطان ، حتى احمرّ وجهي ، فعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي ، فضرب بيده في صدري ، ثم قال : اللهمّ أخْسئ الشيطانَ عنه! يا أبيّ ، أتاني آتٍ من ربي فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ. فقلت : ربِّ خفف عني. ثم أتاني الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك ، وقلت مثله. ثم أتاني الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآنَ على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة مسألة. فقلت : يا رب اغفر لأمتي ، يا رب اغفر لأمتي. واختبأتُ الثالثة شفاعةً لأمتي يوم القيامة (2) .
__________
(1) الحديث 37 - هو مكرر ما قبله أيضًا. وهو بإسنادين عن شعبة. و " شبابة " في الإسناد الثاني : هو شبابة بن سوار الفزاري المدائني ، وهو ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
(2) الحديث 38 - هذا الإسناد نقله ابن كثير في الفضائل : 56 - 57 ، وقال : " إسناد صحيح " . وأشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح 9 : 21 . وعبيد الله ، الراوي عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى : هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وهو إمام ثقة حجة ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكان أحمد بن حنبل يقدمه على مالك وعلى غيره في الرواية عن نافع ، ويقول : " عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية " . وفي ترجمته في التهذيب 7 : 40 : " وقال الحربي : لم يدرك عبد الرحمن بن أبي ليلى " . وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربي ، فإن عبد الرحمن مات سنة 82 أو 83 ، وعبيد الله مات سنة 144 أو 145 ، فالمعاصرة ثابتة ، وهي كافية في إثبات اتصال الرواية ، إذا لم يكن الراوي مدلسًا ، وما كان عبيد الله ذلك قط. ولذلك جزم ابن كثير بصحة الإسناد.
وقوله في المرة الأولى " رب خفف عنى " ، في الفضائل لابن كثير " رب خفف عن أمتي " .

(1/41)


39 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصَّنعاني ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عُبيد الله بن عمر ، عن سيَّارٍ أبي الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، رَفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ذكر أن رَجُلين اختصما في آية من القرآن ، وكلٌّ يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ، فتقارآ إلى أبيّ ، فخالفهما أبيّ ، فتقارَؤُا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، اختلفنا في آية من القرآن ، وكلنا يزعم أنك أقرأته. فقال لأحدهما : اقرأ. قال : فقرأ ، فقال : أصبتَ. وقال للآخر : اقرأ. فقرأ خلافَ ما قرأ صاحبُه ، فقال : أصبتَ. وقال لأبيّ : اقرأ. فقرأ فخالفهما ، فقال : أصبتَ. قال أبيّ : فدخلني من الشكّ في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دَخل فيّ من أمر الجاهلية ، قال : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في وجهي ، فرفع يدَه فضرب صدري ، وقال : استعذْ بالله من الشيطان الرجيم ، قال : ففِضْتُ عرَقًا ، وكأني أنظرُ إلى الله فَرَقًا. وقال : إنه أتاني آتٍ من ربيّ فقال : إن ربَّك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. قال : ثم جاء فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. قال : ثم جاء الثالثة فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. قال : ثم جاءني الرابعة فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة مسألة. قال : قلت : ربِّ اغفر لأمتي ، رب اغفر لأمتي ، واختبأت الثالثة شفاعةً

(1/42)


لأمتي ، حتى إن إبراهيم خليلَ الرحمن ليرغبُ فيها (1) .
40 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا زيد بن الحُبَاب ، عن حمّاد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال جبريل : اقرأوا القرآنَ على حرف. فقال ميكائيل : استزده. فقال : على حرفين. حتى بلغَ ستة أو سبعة أحرف ، فقال : كلها شافٍ كافٍ ، ما لم يختم آيةَ عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب. كقولك : هلمَّ وتعالَ (2) .
41 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني سليمان بن بلال ، عن يزيد بن خصيفة ، عن بُسر بن سعيد : أن أبا جُهيم الأنصاري أخبره : أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ، فقال هذا : تلقَّيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر : تلقَّيتها من رسول الله صلى الله
__________
(1) الحديث 39 - وهذا إسناد صحيح إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى ، ولكنه مرسل ، إذ لم يذكر ابن أبي ليلى عمن رواه من الصحابة. وهو مؤيد بروايات ابن أبي ليلى الماضية عن أبي بن كعب ، فهو كالمتصل معنى.
و " سيار أبو الحكم " : هو العنزي الواسطي ، ثقة ثبت صدوق في كل المشايخ ، كما قال أحمد ابن حنبل ، مات سنة 122. وفي التاريخ الكبير للبخاري : 2\ 2\ 162 : " قال ابن عيينة : شيع سيار أبو الحكم عبيد الله بن عمر من الكوفة إلى المدينة ، فأمر له بألف درهم ، فقال : لم أشيعك لهذا ، ولكن قلت : رجل صالح ، فأردت أن أشيعك " .
(2) الحديث 40 - سيأتي مرة أخرى ، بهذا الإسناد واللفظ ، برقم : 47.
ورواه أحمد في المسند 5 : 51 طبعة الحلبي ، عن عفان عن حماد بن سلمة ، بنحوه. ورواه أيضًا 5 : 41 عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة ، بشيء من الاختصار.
ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 151 ، وقال : " رواه أحمد ، والطبراني بنحوه ، إلا أنه قال : واذهب وأدبر. وفيه علي بن زيد بن جدعان ، وهو سيء الحفظ ، وقد توبع ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح " .
ونقله ابن كثير في الفضائل : 62 - 63 عن الرواية المختصرة من المسند ، ثم قال : " وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن الحباب عن حماد بن سلمة ، به. وزاد في آخره : كقولك هلم وتعال " . وهذه الزيادة ثابتة في الرواية المطولة في المسند 5 : 51 بلفظ : " نحو قولك : تعال ، وأقبل ، وهلم ، واذهب ، وأسرع ، واعجل " .

(1/43)


عليه وسلم ، فسألا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلا تمَارَوْا في القرآن ، فإنَ المِراء فيه كفرٌ (1) .
42 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، قال : قال
__________
(1) الحديث 41 - رواه أحمد في المسند رقم : 17615 (4 : 169 - 170 حلبي) ، عن أبي سلمة الخزاعي عن سليمان بن بلال ، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير في الفضائل 64 - 65 عن المسند ، وقال : " وهذا إسناد صحيح أيضًا ، ولم يخرجوه " ، يعني أصحاب الكتب الستة. ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 151 وقال : " رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح " .
ونقله ابن كثير قبل ذلك ، عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، قال : " حدثنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن مسلم بن سعيد مولى الحضرمي - وقال غيره : عن بسر بن سعيد - عن أبي جهيم الأنصاري : أن رجلين اختلفا " ، إلخ. ثم قال ابن كثير : " وهكذا رواه أبو عبيد على الشك! وقد رواه الإمام أحمد على الصواب " ، ثم نقل رواية المسند.
وما كانت رواية أبي عبيد على الشك ، كما زعم ابن كثير ، إنما للحديث طريقان : إسماعيل ابن جعفر ، يرويه عن يزيد بن خصيفة عن " مسلم بن سعيد " . وسليمان بن بلال ، يرويه عن يزيد ابن خصيفة عن " بسر بن سعيد " ، وهو أخو مسلم بن سعيد. فأشار أبو عبيد أثناء الإسناد إلى الرواية الأخرى ، دون أن يذكر إسنادها.
وقد ذكر البخاري الروايتين في التاريخ الكبير : 4\ 1\ 262 ، في ترجمة " مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي " ، فأشار إلى أنه روى هذا الحديث عن أبي جهيم ، وقال : " قاله إسماعيل ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة. وقال سليمان بن بلال عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم " . فأثبت بذلك الروايتين ، لم يجعل إحداهما علة للأخرى. فيكون يزيد بن خصيفة سمع الحديث من الأخوين : مسلم وبسر ، ابني سعيد.
ومن عجب أن الحافظ أشار في الإصابة 7 : 35 إلى رواية هذا الحديث من طريق مسلم ابن سعيد ، ونسبها للبغوي فقط ، ثم لم يشر إلى رواية بسر بن سعيد ، فأبعد جدًا!!
و " أبو جهيم الأنصاري " هذا : اسمه " عبد الله بن الحرث بن الصمة " ، وقيل في اسمه أقوال أخر. ووقع في هذا الحديث في مطبوعة الطبري ومجمع الزوائد والفضائل لابن كثير " عن أبي جهم " ، وهو خطأ مطبعي في غالب الظن ، لأنه ثابت في المسند " أبو جهيم " . وقال الحافظ في الفتح 1 : 374 - 375 ، في حديث آخر له عند البخاري : " وقع في مسلم [يعني صحيح مسلم] : دخلنا على أبي الجهم ، بإسكان الهاء ، والصواب أنه بالتصغير ، وفي الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم ، وهو صاحب الأنبجانية ، وهو غير هذا ، لأنه قرشي ، وهذا أنصاري ، ويقال بحذف الألف واللام في كل منهما ، وبإثباتهما " .
وقد أشار الحافظ إلى هذا الحديث في الفتح 9 : 23 ، ونسبه لأحمد وأبي عبيد والطبري. ووقع فيه في هذا الموضع " أبي جهم " ، بدون تصغير ، وهو خطأ مطبعي أيضًا.
و " بسر بن سعيد " : بضم الباء وسكون السين المهملة. ووقع في مطبوعة الطبري " بشر " ، وهو خطأ مطبعي.

(1/44)


النبي صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شافٍ كافٍ (1) .
43 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن أبي عيسى بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمِرتَ أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، كلٌّ كافٍ شافٍ (2) .
44 - حدثنا أحمد بن حازم الغِفاري ، قال : حدثنا أبو نُعيم ، قال : حدثنا أبو خَلْدة ، قال : حدثني أبو العالية ، قال : قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل خمسٍ رَجلٌ ، فاختلفوا في اللغة ، فرضي قراءتهم كلِّهم ، فكان بنو تميم أعرَبَ القوم (3) .
45 - حدثنا عمرو بن عثمان العثماني ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ، قال : حدثنا أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي
__________
(1) الحديث 42 - يونس : هو ابن عبد الأعلى. سفيان : هو ابن عيينة. وهذا حديث مرسل ، لأن عمرو بن دينار تابعي ، فروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة.
(2) الحديث 43 - هذا إسناد مشكل ، لم أجد له وجهًا يعرف. فظاهره أن " أبا عيسى بن عبد الله بن مسعود " يروي عن أبيه عن جده ، فالجد ظاهرًا أنه " مسعود " ، ولكنه صرح بأنه " عبد الله بن مسعود " ! فيكون " أبو عيسى " ليس ابن " عبد الله بن مسعود " ، بل ابن ابنه ، نسب إلى جده. ولا بأس بذلك إن كان له أصل. ولكن ليس في الرواة الذين تراجمهم عندنا من يسمى أو يكنى " أبا عيسى " ، من ذرية ابن مسعود. ولا نعرف لابن مسعود من الولد إلا اثنين : عبد الرحمن ، وفي سماعه من أبيه خلاف ، والراجح أنه سمع منه. وأبو عبيدة ، واسمه " عامر " ، ولم يسمع من أبيه ، تركه صغيرًا.
فهذا إسناد محرف يقينًا ، ما صوابه ؟ لا ندري. ولا نستطيع أن نتخيل فيه احتمالات لتصحيحه. الرواية أمانة ، لا تؤخذ بالرأي ولا بالقياس ولا بالخيال.
وأما لفظ الحديث ، فقد ذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير. بهذا اللفظ 1 : 260 من الفتح الكبير ، ونسبه لابن جرير عن ابن مسعود. ولم نجده في موضع آخر من الدواوين التي فيها الروايات بالإسناد. وقد يوفق الله غيرنا لوجوده ، إن شاء الله.
(3) الحديث 44 - هذا مرسل ، لأن أبا العالية تابعي ، يروى عن الصحابة ، وأبو العالية : هو رفيع ، بضم الراء ، بن مهران ، بكسر الميم ، الرياحي ، بكسر الراء وتخفيف الياء الأولى. وأبو خلدة بفتح الخاء وسكون اللام : هو خالد بن دينار السعدي.

(1/45)


هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ولا حرَج ، ولكن لا تختموا ذكرَ رحمة بعذابٍ ، ولا ذكر عذابٍ برحمة (1) .
46 - حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو مَعْمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا محمد بن جُحادة عن الحكَم ابن عُتيبة ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، قال : أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم جبريلُ ، وهو بأضاة بني غِفَار ، فقال : إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على حرف واحد. قال : فقال : أسأل الله مغفرَته ومعافاته - أو قال : ومعافاته ومغفرته - سل الله لهم التخفيف ، فإنهم لا يُطيقون ذلك. فانطلقَ ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال : أسأل الله مغفرَته ومعافاته - أو قال : معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، فسل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرُك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال : أسأل الله مغفرته ومعافاته - أو قال : معافاته ومغفرَته - إنهم لا يطيقون ذلك ، سل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ (2) .
قال أبو جعفر (3) صحّ وثبتَ أنّ الذي نزل به القرآن من ألسن العرب
__________
(1) الحديث 45 - ابن أبي أويس : هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني ، ابن أخت مالك بن أنس ونسيبه. أخوه : هو أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله. والمقبري : هو سعيد بن أبي سعيد.
وهذا الحديث ، بهذا الإسناد واللفظ ، لم أجده في موضع آخر ، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد مضى لأبي هريرة حديثان بثلاثة أسانيد ، بالأرقام : 7 - 9.
(2) الحديث 46 - مضى الحديث مختصرًا ، رقم : 34 ، من طريق محمد بن جحادة. وأشرنا إليه هناك.
(3) هذا جواب قوله في أول الباب ، ص 21 س 14 : " فإذ كان ذلك كذلك ، وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم ، بما حدثنا به خلاد بن أسلم.. صح وثبت " ، إلخ. وقد نقل ابن كثير في فضائل القرآن 69 - 70 بعض كلام الطبري هنا ، واختصره اختصارًا.

(1/46)


البعضُ منها دون الجميع ، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتِها أكثرُ من سبعة ، بما يُعْجَزُ عن إحصائه.
فإن قال : وما برهانك على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، وقوله : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " ، هو ما ادَّعيتَ - من أنه نزل بسبع لغات ، وأمِرَ بقراءته على سبعة ألسُن - دون أن يكونَ معناهُ ما قاله مخالفوك ، من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقَصَص وَمثَل ونحو ذلك من الأقوال ؟ فقد علمتَ قائلَ ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة.
قيل له : إنّ الذين قالوا ذلك لم يدَّعوا أن تأويلَ الأخبار التي تقدم ذكرُناها ، هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره ، فيكونَ ذلك لقولنا مخالفًا ، وإنما أخْبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجهٍ. والذي قالوه من ذلك كما قالوا.
وقد رَوَينا - بمثل الذي قالوا من ذلك - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من أصحابه ، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضها ، ونستقصى ذكر باقيها ببيانه ، إذا انتهينا إليه ، إن شاء الله.
فأما الذي تقدم ذكرُناه من ذلك ، فخبر أبيّ بن كعب ، من رواية أبي كُريب ، عن ابن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، الذي ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرفٍ ، من سبعة أبواب من الجنة " .
والسبعة الأحرف : هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة. والأبواب السبعة من الجنة : هي المعاني التي فيها ، من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثَل ، التي إذا عَمل بها العامل ، وانتهى إلى حدودها المنتهى ، استوجب به الجنة. وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين ، خلافٌ لشيء مما قلناه.

(1/47)


والدلالةُ على صحة ما قلناه - من أنّ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، إنما هو أنه نزل بسبع لغات ، كما تقدم ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وسائر من قدمنا الرواية عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الباب - أنهم تمارَوْا في القرآن ، فخالف بعضهم بعضًا في نفْس التلاوة ، دون ما في ذلك من المعاني ، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1) فاستقرأ كلَّ رجل منهم ، ثم صَوَّب جميعَهُم في قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضُهم لتصويبه إياهم ، فقال صلى الله عليه وسلم للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعَهم : " إنَ الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " .
ومعلوم أن تمارِيهم فيما تمارَوْا فيه من ذلك ، لو كان تماريًا واختلافًا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلا أن يُصوِّب جميعهم ، ويأمرَ كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه. لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا ، وجبَ أن يكون الله جلّ ثناؤه قد أمرَ بفعل شيء بعينه وفَرَضَه ، في تلاوة من دلّت تلاوته على فرضه - ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزَجر عنه ، في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعلَ ذلك الشيء بعينه ، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فِعْلَه ، ولمن شاء منهم أن يتركه تَرْكَه (2) في تلاوة من دَلت تلاوته على التخيير!
وذلك من قائله إنْ قاله ، إثباتُ ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله وحُكْم كتابه فقال : { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [سورة النساء : 82].
__________
(1) في المخطوطة : " وأنهم اختلفوا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم " . وكل صواب.
(2) أي : جعل له فعله ، وجعل له تركه. و " جعل " هنا ، بمعنى : أباح وأذن.

(1/48)


وفي نفْي الله جلّ ثناؤه ذلك عن حُكْم كتابه ، أوضحُ الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بحكمٍ واحدٍ متفق في جميع خلقه ، لا بأحكام فيهم مختلفة.
وفي صحة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادَّعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم. لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمرَ جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضى قراءة كل قارئ منهم - على خلافها قراءةَ خصومه ومنازعيه فيها - وصوَّبها. ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اختلفت فيه المعاني ، وكان قولُه صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " إعلامًا منه لهم أنه نزل بسبعة أوجُهٍ مختلفة ، وسبعة معان مفترقة - كان ذلك إثباتًا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف ، ونفيًا لما قد أوجب له من الائتلاف. مع أنّ في قيام الحجة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ، ولا أذن بذلك لأمته - ما يُغْنى عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفيٌّ عن كتاب الله.
وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله ، وجوبُ صحة القول الذي قلناه ، في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلَوْه من القرآن ، وفسادِ تأويل قول من خالف قولنا في ذلك.
وأحْرى أنّ الذين تمارَوْا فيما تمارَوْا فيه من قراءتهم فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن منكَرًا عند أحد منهم أن يأمرَ الله عبادَه جلّ ثناؤه في كتابه وتنزيله بما شاء ، وينهى عما شاء ، ويعِدَ فيما أحبَّ من طاعاته ، ويوعِدَ على معاصيه ، ويحْتِمَ لنبيه ويعظه فيه (1) ويضربَ فيه لعباده الأمثال - فيُخاصمَ
__________
(1) في المطبوعة " ويحتج لنبيه " ، بدل " ويحتم " . وفي إحدى المخطوطات " ويعظ " ، بغير الضمير وبغير " فيه " . وأما الأخرى فليس فيها " ويعظه فيه " ، بل " ويحتم لنبيه صلى الله عليه وسلم " . و " حتم الأمر " : قضاه ، أي : يقضى لنبيه ويكتب له وعليه.

(1/49)


غيرَه على إنكاره سماعَ ذلك من قارئه (1) . بل على الإقرار بذلك كلِّه كان إسلامُ من أسلم منهم. فما الوجهُ الذي أوجبَ له إنكارَ ما أنكر ، إن لم يكن كان ذلك اختلافًا منهم في الألفاظ واللغات ؟
وبعد ، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصًّا. وذلك الخبر الذي ذكرنا :
47 - أن أبا كُريب حدثنا قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد ابن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال جبريل : اقرإ القرآنَ على حرف. قال ميكائيل عليه السلام : استزدْه. فقال : على حرفين. حتى بلغ ستَّة أو سبعةَ أحرف ، فقال : كلها شافٍ كافٍ ، ما لم يختم آيةَ عذاب بآية رحمة ، أو آيةَ رحمة بآية عذاب ، كقولك : هلمَّ وتعال (2) .
فقد أوضح نصُّ هذا الخبر أنّ اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف ألفاظ ، كقولك " هلم وتعال " باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبةٍ اختلافَ أحكامٍ.
وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبارُ عن جماعة من السَّلَف والخلف.
48 - حدثني أبو السائب سَلْمُ بن جُنادة السُّوَائي ، قال : حدثنا أبو معاوية - وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عديّ عن شعبة - جميعًا عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : قال عبد الله : إني قد سمعت إلى القَرَأةِ ، فوجدتُهم متقاربين فاقرأوا كما عُلِّمتم ، وإياكم والتنطع ، فإنما هو كقول أحدكم : هلم وتعال (3) .
__________
(1) يقول : " لم يكن منكرًا عند أحد منهم.. فيخاصم غيره " . فأطال الفصل.
(2) الحديث 47 - مضى الحديث بهذا الإسناد ، رقم : 40. فتلك إشارته بقوله هنا : " وذلك الخبر الذي ذكرنا أن أبا كريب حدثنا " ، إلخ.
(3) الحديث 48 - أبو السائب سلم بن جنادة السوائي الكوفي ، شيخ الطبري : ثقة حجة لا شك فيه ، روى عنه البخاري في غير كتاب (الجامع الصحيح) ، والترمذي وابن ماجة وأبو حاتم ، وهو قديم الولاد ، ولد سنة 174 ، ومات سنة 254. وله ترجمة في تاريخ بغداد 9 : 147 - 148 ، والتهذيب 4 : 128 - 129 ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم : 2\ 1\ 269. و " سلم " بفتح السين وسكون اللام ، ووقع في نسخ الطبري " سالم " ، وهو تحريف. و " جنادة " : بضم الجيم وتخفيف النون. و " السوائي " : بضم السين وتخفيف الواو وبعد الألف همزة ، نسبة إلى " بني سواءة بن عامر بن صعصعة " .
وأبو معاوية : هو محمد بن خازم الضرير ، ولد سنة 113 ، ومات سنة 195. فهذا الإسناد الأول عال جدًا. وذلك أن الطبري روى أثر ابن مسعود هذا بإسنادين :
رواه عن سلم بن جنادة عن أبي معاوية عن الأعمش. ثم رواه عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن شعبة عن الأعمش.
وهذا الأثر عن ابن مسعود لم نجده في غير هذا الكتاب ، إلا ما ذكره صاحب اللسان بغير إسناد ، كما سنشير إليه بعد ، إن شاء الله.
وقوله " قد سمعت إلى القرأة فوجدتهم متقاربين " ، في المطبوعة " قد سمعت القراء " . و " القراء " : جمع " قارئ " ، كما هو واضح ، ولكن الذي في المخطوطة " إلى القرأة " ، بزيادة " إلى " وبلفظ " القرأة " ، بفتح الراء والهمزة ثم الهاء في آخره ، وهو جمع " قارئ " أيضًا ، ففي اللسان " رجل قارئ ، من قوم قراء ، وقرأة ، وقارئين " . وهذا الجمع قياسي ، مثل " كاتب وكتبة " . وانظر همع الهوامع للسيوطي 2 : 177 ، 178. وهذا الأثر ذكره صاحب اللسان 1 : 124 ، قال : " وروى عن ابن مسعود : تسمعت للقرأة ، فإذا هم متقارئون. حكاه اللحياني ولم يفسره. قال ابن سيدة : وعندي أن الجن كانوا يرومون القراءة " ! وهكذا وقع الخطأ لهم قديمًا ، جعلوها " متقارئون " بالهمزة ، ثم فسرها ابن سيدة هذا التفسير العجيب. وهي واضحة في الطبري " متقاربين " بالباء. والسياق نفسه لا يدل إلا على صحة هذا وخطأ ما وقع في اللسان.
وكلمة " القرأة " ستأتي في مخطوطة الطبري كثيرا بهذا الرسم ، ثم يغيرها مصححو المطبوعة " القراء " ، دون حاجة إلى هذا التغيير!

(1/50)


49 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عمن سمع ابنَ مسعود يقول : من قرأ منكم على حرف فلا يتحوَّلَنَّ ، ولو أعلمُ أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله لأتيتُه (1) .
50 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن عابس ، عن رجل من أصحاب عبد الله ، عن
__________
(1) الحديث 49 - أبو داود : هو الطيالسي. وأبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني التابعي المعروف ، واسمه " عمرو بن عبد الله " ، وهذا الإسناد ضعيف ، لإبهام شيخ أبي إسحاق الذي حدثه عن ابن مسعود. وقد مضى نحو معناه ضمن حديث متصل ، عن ابن مسعود ، رقم : 18 . وانظر الإسناد التالي لهذا.

(1/51)


عبد الله بن مسعود ، قال : من قرأ على حرف فلا يتحوّلنّ منه إلى غيره (1) .
فمعلوم أنّ عبد الله لمَ يعْن بقوله هذا : من قرأ ما في القرآن من الأمر والنهي فلا يتحولنّ منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد ، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد فلا يتحولنَّ منه إلى قراءة ما فيه من القَصص والمثَل. وإنما عنى رحمة الله عليه أنّ من قرأ بحَرْفه - وحرْفُه : قراءته ، وكذلك تقول العرب لقراءة رجل : حرفُ فلان ، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطَّعة : حرف ، كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر : كلمة فلان - فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه. ومن قرأ بحرف أبيّ ، أو بحرف زيد ، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الأحرف السبعة - فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه ، فإن الكفرَ ببعضه كفرٌ بجميعه ، والكفرُ بحرف من ذلك كفرٌ بجميعه يعني بالحرف ما وصفنا من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة.
51 - وقد حدثنا يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، قال : قرأ أنس هذه الآية : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا } [سورة المزمل : 6] فقال له بعض القوم : يا أبا حَمزة ، إنما هي " وأقْوَمُ " فقال : أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهَيأ ، واحدٌ (2) .
__________
(1) الحديث 50 - عبد الرحمن بن عابس : تابعي أيضًا. وقد أبهم الرجل الذي حدثه عن ابن مسعود ، فكان الإسناد ضعيفًا.
وهذا الأثر رواه أحمد في المسند رقم : 3845 ضمن حديث طويل ، عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن بن عابس ، قال : " حدثنا رجل من همدان ، من أصحاب عبد الله ، وما سماه لنا " إلخ.
(2) الحديث 51 - أبو أسامة : هو حماد بن أسامة الكوفي الحافظ. وهذا الأثر سيأتي بهذا الإسناد ، وبإسناد آخر ، في تفسير سورة " المزمل : 29 : 82 " . ونقله السيوطي في الدر المنثور 6 : 278 ، ونسبه أيضًا لأبي يعلى ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 156 ، ونسبه للبزار وأبي يعلى ، وقال : " ولم يقل الأعمش : سمعت أنسًا. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ، ورجال البزار ثقات " .
وقوله " وأهيأ " بدله في مطبوعة الطبري " وأهدى " ، والظاهر أنه من تصرف المصححين ، لأن ما أثبتنا هو الثابت في المخطوطة وفي رواية الطبري الآتية بالإسناد نفسه وفي الدر المنثور ومجمع الزوائد.

(1/52)


52 - حدثني محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد : أنه كان يقرأ القرآنَ على خمسة أحرُفٍ.
53 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن سالم : أن سعيدَ بن جُبَيرٍ كان يقرأ القرآن على حرفين.
54 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مُغِيرة ، قال : كان يزيدُ بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف (1) .
أفترى الزاعمَ أن تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآنُ على سبعة أحرف " ، إنما هو أنه أنزل على الأوجه السبعة التي ذكرنا ، من الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - كان يرى أنّ مجاهدًا وسعيدَ ابن جبير لم يقرآ من القرآن إلا ما كان من وجهيه أو وجوهه الخمسة دون سائر معانيه ؟ لئن كانَ ظن ذلك بهما ، لقد ظنَ بهما غير الذي يُعرفان به من منازلهما من القرآن ، ومعرفتهما بآي الفرقان!
55 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُليَّة ، قال حدثنا أيوب ، عن محمد ، قال : نُبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له جبرائيل : اقرإ القرآن على حرفين. فقال له ميكائيل : استزده. فقال : اقرإ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل : استزده. قال : حتى بلغ سبعة أحرف ، قال محمد : لا تختلفُ في حلال ولا حرام ، ولا أمرٍ ولا نهي ،
__________
(1) الأثر 54 - يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ، أمير المؤمنين ، عرف باسم " يزيد الناقص " ، وكان رجلا صالحًا. وهو الذي قيل في المثل : " الأشج والناقص أعدلا بني مروان " ، فهو الناقص ، لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده سلفه في أعطياتهم ، والأشج : هو عمر بن عبد العزيز. ويزيد هذا هو الذي قتل ابن عمه الفاسق المستهتر : الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، سنة 126 ، وولى الخلافة بعده. انظر ترجمته في تاريخ ابن كثير 10 : 16 - 17 ، والتاريخ الكبير للبخاري 4\ 2\ 366 - 367 .
ومغيرة ، راوي هذا عن يزيد : هو مغيرة بن مقسم ، بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين ، الضبي. وهو ثقة معروف كثير الحديث ، مات سنة 133.

(1/53)


هو كقولك : تعال وهلم وأقبل ، قال : وفي قراءتنا { إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } [سورة يس : 29 ، 53] ، في قراءة ابن مسعود (إن كانت إلا زقية واحدة) (1) .
56 - وحدثني يعقوب قال : حدثنا ابن عُلية ، قال : حدثنا شُعيب - يعني ابن الحَبْحَاب - قال : كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل : " ليس كما يقرأ " وإنما يقول : أما أنا فأقرأ كذا وكذا. قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي ، فقال : أرى صاحبك قد سمع : " أنّ من كفَر بحرفٍ منه فقدْ كفر به كله " .
57 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سعيد بن المسيّب : أن الذي ذكر الله تعالى ذكره [أنه قال] { إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } [سورة النحل : 103] إنما افتُتِن أنه كان يكتب الوحيَ ، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : سميعٌ عليمٌ ، أو عزيزٌ حكيمٌ ، أو غير ذلك من خواتم الآي ، ثم يشتغل عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عَلى الوحي ، فيستفهمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيقول : أعزيز حكيمٌ ، أو سميعٌ عليم أو عزيز عليم ؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيّ ذلك كتبت فهو كذلك. ففتنه ذلك ، فقال : إن محمدًا وكَلَ ذلك إليّ ، فأكتبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة (2) .
__________
(1) الحديث 55 - محمد : هو ابن سيرين التابعي ، فالحديث مرسل. ثم هو لم يدرك ابن مسعود ، فحكايته عنه قراءته منقطعة.
(2) الحديث 57 - هذا الحديث ذكره الطبري مرة أخرى بهذا اللفظ نفسه في تفسير سورة النحل : 103 ، بغير هذه الزيادة التي وضعناها بين القوسين. وهو بغير هذه الزيادة يوهم أن الذي نزل فيه " إنما يعلمه بشر " ، هو كاتب الوحي الذي افتتن. مع أنه أراد إن الذي قال " إنما يعلمه بشر " هو كاتب الوحي الذي افتتن : وصدر كلام الطبري في تفسير سورة النحل يقطع بذلك قال : " وقيل إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عن الإسلام. ذكر من قال ذلك.. " ثم روى هذا الخبر ، فنفى ما قدمه هذا الوهم الذي يشكل على قارئه في هذا المكان. وكاتب الوحي الذي ارتد هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي ، وهو ليس بأعجمي ، وإنما قالوا إنه هو الذي ذكره الله تعالى في قوله. " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " [سورة الأنعام : 93] وأما المعنى بقوله " إنما يعلمه بشر " فقد اختلفوا في تحقيقه ، قالوا : قين بمكة نصراني يقال له بلعام ، أو يعيش غلام لبني المغيرة ، أو جبر النصراني غلام بني بياضة.
وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور 4 : 131 وقال في صدره : " إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال : إنما يعلمه... " ، فأثبتنا الزيادة منه لذلك.

(1/54)


58 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال : من كفر بحرف من القرآن ، أو بآية منه ، فقد كفر به كله (1) .
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإذْ كان تأويلُ قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " عندك ، ما وصفت ، بما عليه استشهدتَ ، فأوْجِدنا حرفًا في كتاب الله مقروءًا بسبع لغات ، فنحقق بذلك قولك. وإلا فإن لم تجد ذلك كذلك : كانَ معلومًا بِعَدَ مِكَهُ (2) - صحةُ قول من زعم أن تأويل ذلك : أنه نزل بسبعة معان ، وهو الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - وفسادُ قولك. أو تقولَ في ذلك : إن الأحرف السبعة لغاتٌ في القرآن سبعٌ ، متفرقة في جميعه ، من لغات أحياءٍ من قبائل العرب مختلفة الألسن - كما كان يقوله بعض من لم يُنعم النظرَ في ذلك (3) . فتصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فسادَه ذُو عقل ، ولا يلتبس خَطؤه على ذي لُب.
وذلك أنّ الأخبار التي بها احتججتَ لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، هي الأخبار التي رويتها عن عُمرَ بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، رحمة الله عليهم ، وعمن رويتَ ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم تماروْا في تلاوة
__________
(1) الخبر 58 - مثله في حديث المسند رقم : 3845 ، وما مر آنفًا برقم : 18.
(2) العدم : فقدان الشيء وذهابه ، وعدم الشيء : فقده فلم يعثر عليه.
(3) في المطبوعة " لم يمعن " ، غيرها المصححون هنا وفي مواضع ستأتي !! وأنعم النظر : بالغ فيه وأدقه.

(1/55)


بعض القرآن ، فاختلفوا في قراءتهُ دون تأويله ، وأنكر بعضٌ قراءةَ بعض ، مع دعوى كل قارئ منهم قراءةً منها : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ. ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، أن صوَّب قراءة كل قارئ منهم ، على خلافها قراءةَ أصحابه الذين نازعوه فيها ، وأمرَ كل امرئ منهم أن يقرأ كما عُلِّم ، حتى خالط قلبَ بعضهم الشكُّ في الإسلام ، لما رأى من تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءةَ كل قارئ منهم على اختلافها. ثم جَلاهُ الله عنه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له : أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، عندك - كما قال هذا القائل - متفرقةً في القرآن ، مثبتةً اليوم في مصاحف أهل الإسلام ، فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر كلا أن يقرأ كما عُلم. لأن الأحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن ، فغير مُوجب حرفٌ من ذلك اختلافًا بين تاليه (2) لأن كل تالٍ فإنما يتلو ذلك الحرفَ تلاوةً واحدةً على ما هو به في المصحف ، وعلى ما أنزل.
وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل وجه اختلاف الذين رُوى عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة ، وفسد معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم كلَّ قارئ منهم أن يقرأه على ما عُلم. إذْ كان لا معنى هنالك يُوجب اختلافًا في لفظ ، ولا افتراقًا في معنى. وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلافٌ بين القوم ، والمعلِّم واحدٌ ، والعلم واحدٌ غير ذي أوجه ؟ وفي صحة الخبر عن الذين رُوى عنهم الاختلافُ في حروف القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى
__________
(1) في المخطوطة : " ثم اختلفوا إلى رسول الله " ، وهما سواء.
(2) هي " تالين " جمع " تال " ، مضافة إلى الضمير ، فحذفت النون.

(1/56)


رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، على ما تقدم وَصْفُنَاهُ - أبينُ الدلالة على فساد القول بأن الأحرُف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن ، لا أنها لغاتٌ مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني.
مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل - في تأويله قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، وادّعائه أنّ معنى ذلك أنها سبعُ لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جَمع بين قِيله ذلك ، واعتلالِه لقيلِه ذلك بالأخبار التي رويت عمن رُوِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال : هو بمنزلة قولك تعالَ وهلم وأقبل ؛ وأن بعضهم قال : هو بمنزلة قراءة عبد الله " إلازقيةً " ، وهي في قراءتنا " إلا صَيْحَة " وما أشبه ذلك من حُججه - (1) علم أن حججه مفسدةٌ في ذلك مقالتَه ، وأن مقالته فيه مُضادةٌ حججه.
لأن الذي نزل به القرآن عندَه إحدى القراءتين - : إما " صيحة " ، وإما " زَقية " وإما " تعالَ " أو " أقبل " أو " هلم " - لا جميع ذلك. لأن كلّ لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن ، غيرُ الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى.
وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل اعتلاله لقوله بقول من قال : ذلك بمنزله " هلم " و " تعال " و " أقبل " ، لأنّ هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة ، يجمعها في التأويل معنى واحد. وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله ، اجتماعَ اللغات السبع في حرف واحد من القرآن. فقد تبين بذلك إفسادُ حجته لقوله بقوله ، وإفساد قوله لحجته (2) .
قيل له : ليس القولُ في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفتَ. بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن ، هنّ لغات سبع ، في حرف واحد ، وكلمة واحدة ،
__________
(1) جواب قوله : " .. إذا تدبر قول هذا القائل.. علم.. "
(2) انتهى اعتراض المعترض الذي بدأ في ص : 55 ، ويليه جواب الطبري فيما اعترض به.

(1/57)


باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني ، وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذي رَوَينا آنفًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك : " هلمّ وتعالَ وأقبل " ، وقوله " ما ينظرون إلا زَقيةً " ، و " إلا صيحة " .
فإن قال : ففي أيّ كتاب الله نجدُ حرفًا واحدًا مقروءًا بلغات سبع مختلفات الألفاظ ، متفقات المعنى ، فنسلم لك صحةَ ما ادّعيت من التأويل في ذلك ؟
قيل : إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم ، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرناها. وهو ما وصفنا ، دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك ، للعلل التي قد بَيَّنا.
فإن قال : فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة ، إن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ ، وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وأمر بالقراءة بهنّ ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ أنسخت فرُفعت ، فما الدلالة على نسخها ورَفعها ؟ أم نسيتهن الأمة ، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه ؟ أم ما القصةُ في ذلك ؟
قيل له : لم تنسخ فترفع ، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن ، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت ، إذا هي حَنثتْ في يمين وهي مُوسرة ، أن تكفر بأيِّ الكفارات الثلاث شاءت : إما بعتق ، أو إطعام ، أو كسوة. فلو أجمعَ جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث ، دون حَظرها التكفيرَ بأي الثلاث شاءَ المكفِّر ، كانت مُصيبةً حكمَ الله ، مؤديةً في ذلك الواجبَ عليها من حق الله. فكذلك الأمة ، أمرت بحفظ القرآن وقراءته ، وخُيِّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت : فرأت

(1/58)


- لعلة من العلل أوجبتْ عليها الثباتَ على حرف واحد - قراءتَهُ بحرف واحدٍ ، ورفْضَ القراءة بالأحرف الستة الباقية ، ولم تحْظُرْ قراءته بجميع حروفه على قارئه ، بما أذن له في قراءته به.
فإن قال : وما العلة التي أوجبت عليها الثباتَ على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية ؟
59 - قيل : حدثنا أحمد بن عَبْدةَ الضَّبي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْدي ، عن عُمارة بن غزِيَّة ، عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ابن ثابت ، عن أبيه زيد ، قال : لما قُتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة ، دخل عمرُ بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله فقال : إنّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافتَ الفَراش في النار ، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يُقتَلوا - وهمْ حملةُ القرآن - فيضيعَ القرآن ويُنسَى. فلو جمعتَه وكتبتَه! فنفر منها أبو بكر وقال : أفعل ما لم يفعلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم! فتراجعا في ذلك. ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت ، قال زيد : فدخلت عليه وعُمر مُحْزَئِلٌ (1) فقال أبو بكر : إن هذا قد دَعاني إلى أمر فأبيتُ عليه ، وأنت كاتبُ الوحي. فإنْ تكن معه اتبعتكما ، وإن توافِقْني لا أفعل. قال : فاقتصَّ أبو بكر قولَ عمر ، وعمر ساكت ، فنفرت من ذلك وقلت : نفعلُ ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم! إلى أن قال عمر كلمة : " وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ " قال : فذهبنا ننظر ، فقلنا : لا شيء والله! ما علينا في ذلك شيء! قال زيد : فأمرني أبو بكر فكتبته في قطَع الأدَم وكِسَرِ الأكتاف والعُسُب (2) .
__________
(1) احزأل الرجل : اجتمع وتحفز ورفع صدره كالمتهيء لأمر ، فهو محزئل : منضم بعضه إلى بعض ، جالس جلسة المستوفز.
(2) الأدم جمع أديم : وهو الجلد المدبوغ ، كانوا يكتبون فيه. والكسر جمع كسرة (بكسر فسكون) : وهي القطعة المكسورة من الشيء. والأكتاف جمع كتف : وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب ، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم يومئذ. والعسب جمع عسيب وهو : جريد النخل إذا نحى عنه خوصه.

(1/59)


فلما هلك أبو بكر وكانَ عُمر (1) كتبَ ذلك في صحيفة واحدةٍ ، فكانت عنده. فلما هلك ، كانت الصحيفةُ عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن حذيفة بن اليمان قدِم من غزوة كان غزاها بِمَرْج أرْمينِية (2) فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال : " يا أمير المؤمنين : أدرِكِ الناس! فقال عثمان : " وما ذاك ؟ " قال غزوت مَرْج أرمينية ، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام ، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبيّ بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق ، فتكفرهم أهلُ العراق. وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام ، فتكفِّرهم أهلُ الشام. قال زيد : فأمرني عثمان بن عفان أكتبُ له مُصْحفًا ، وقال : إنّي مدخلٌ معك رجلا لبيبًا فصيحًا ، فما اجتمعتما عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ. فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص ، قال : فلما بلغنا { إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } [سورة البقرة : 248] قال : زيد فقلت : " التابوه " وقال أبان بن سعيد : " التابوت " ، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب : " التابوت " قال : فلما فرغتُ عرضته عَرْضةً ، فلم أجد فيه هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [سورة الأحزاب : 23] قال : فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها ، فلم أجدْها عند أحد منهم ، ثم استعرضتُ الأنصارَ أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم ، ، حتى وجدُتها عند خُزيمة بن ثابت ، فكتبتها ، ثم عرَضته عَرضَةً أخرى ، فلم أجد فيه هاتين الآيتين : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
__________
(1) قوله " وكان عمر " ، أي ولي الأمر من بعده. وقال ابن حجر في فتح الباري 9 : 13 وذكر جمع القرآن في الورق والصحف على عهد أبي بكر ، ثم قال : " هذا كله أصح مما وقع في رواية عمارة بن غزية.. "
(2) في المطبوعة " في فرج أرمينية " ، وكذلك التي تليها. والمرج : أرض واسعة كثيرة النبت تمرج فيها الدواب ، أي تذهب وتجيء. وقد أضيف " مرج " إلى كثير من المواضع والبلاد. وأرض أرمينية واسعة خصيبة. وذكر ابن حجر في الفتح 9 : 14 رواية " فتح أرمينية " و " فرج.. " ولم يذكر " مرج " ، وذكرها أبو عمرو الداني في كتابه " المقنع " : 4 قال : " وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية " .

(1/60)


عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [سورة التوبة : 128 ، 129] فاستعرضت المهاجرين ، فلم أجدها عند أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصارَ أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم ، حتى وجدتها مع رَجل آخر يدعى خُزيمة أيضًا ، فأثبتها في آخر " براءة " ، ولو تمَتْ ثلاثَ آيات لجعلتها سورة على حِدَةٍ. ثم عرضته عرضةً أخرى ، فلم أجد فيه شيئًا ، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة ، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته إياها ، فعرض المصحف عليها ، فلم يختلفا في شيء. فردَّها إليها ، وطابت نفسه ، وأمرَ الناس أن يكتبوا مصاحفَ. فلما ماتت حفصةُ أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة ، فأعطاهم إياها فغسلتْ غسلا (1) .
60 - وحدثني أيضًا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا نعيم بن حماد قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عُمارة بن غَزِية ، عن ابن شهاب ، عن خارجة ابن زيد ، عن أبيه زيد بن ثابت ، بنحوه سواء.
61 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَية ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قِلابة ، قال : لما كان في خلافة عثمان ، جعل المعلِّم يعلِّم قراءة
__________
(1) الحديث 59 ، 60 - قال ابن حجر في فتح الباري 9 : 9 - 19 ، وذكر رواية الطبري مفرقة في شرح الباب في أول " باب جمع القرآن " ، في شرح حديث جمع القرآن الذي رواه البخاري من طريق ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت : " هذا هو الصحيح عن الزهري ، أن قصة زيد ابن ثابت مع أبي بكر وعمر ، عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت ، وقصة حذيفة مع عثمان عن أنس ابن مالك ، وقصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق عن خارجة بن زيد ابن ثابت عن أبيه. وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري ، فأدرج قصة آية سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق " ، ثم قال عن هذا الخبر الذي رواه الطبري : " وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال : عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه ، وساق القصص الثلاث بطولها : قصة زيد مع أبي بكر وعمر ، ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضًا ، ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب. أخرجه الطبري. وبين الخطيب في " المدرج " أن ذلك وهم منه ، وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض " .

(1/61)


الرجل ، والمعلم يعلم قراءةَ الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين - قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال - : حتى كفر بعضهم بقراءة بعض. فبلغ ذلك عثمان ، فقام خطيبًا فقال : " أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون ، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا. اجتمعوا يا أصحابَ محمد ، فاكتبوا للناس إمامًا " . قال أبو قلابة ، فحدثني أنس بن مالك قال : كنت فيمن يملى عليهم ، قال : فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعلهُ أن يكون غائبًا أو في بعض البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ، ويَدعون موضعها ، حتى يجيءَ أو يُرْسَلَ إليه. فلما فرغ من المصحف ، كتب عثمان إلى أهل الأمصار : " إني قد صَنعتُ كذا وكذا ، ومحوتُ ما عندي ، فامحوا عندكم " (1) .
62 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس قال : قال ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري : أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينيةَ أهلُ الشام وأهل العراق ، فتذاكرُوا القرآن ، واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة. فركبَ حُذيفةُ بن اليمان - لما رأى اختلافهم في القرآن - إلى عثمان ، فقال : " إنّ الناس قد اختلفوا في القرآن ، حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم مثلُ ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف " . قال : ففزع لذلك فزعًا شديدًا ، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها ، فنسخ منها مصاحف ، فبعث بها إلى الآفاق (2) .
__________
(1) الخبر 61 - ذكر ابن حجر في الفتح 9 : 15 أن ابن أبي داود أخرجه في المصاحف من طريق أبي قلابة ، وذكر صدر الخبر ، ثم ذكر سائره في ص : 18. وفي المخطوطة مكان " ويدعون موضعها " و " يتركون موضعها " . وهو في كتاب المصاحف ص 21 - 22 ، رواه عن زياد بن أيوب عن إسماعيل ، يعني ابن علية ، بهذا الإسناد. وفيه " ويدعون موضعها " .
(2) الخبر 62 - خرج ابن حجر في الفتح 9 : 14 وما بعدها رواية يونس عن ابن شهاب عن أنس. وقال : " أخرجها ابن أبي داود.. مطولة " . وهي في كتاب المصاحف ص 21.

(1/62)


63 - حدثني سعيد بن الربيع ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، قال : قُبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع ، وإنما كان في الكرانيف والعسب (1) .
64 - حدثنا سعيد بن الربيع قال : حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن صعصعة أنّ أبا بكر أوَلُ من وَرَّث الكلالةَ وجمعَ المصحف (2) .
قال أبو جعفر : وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتابُ ، والآثار الدالة على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بن عفان رحمة الله عليه ، جمع المسلمين - نظرًا منه لهم ، وإشفاقًا منه عليهم ، ورأفة منه بهم ، حِذارَ الردّةِ من بعضهم بعدَ الإسلامَ ، والدّخولِ في الكفر بعد الإيمان ، إذ ظهر من بعضهم بمحضَره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ، مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم النهيَ عن التكذيب بشيء منها ، وإخباره إياهم أنّ المِراء فيها كفر - فحملهم رحمةُ الله عليه ، إذْ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره ، ولحَدَاثة عهدهم بنزول القرآن ، وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بما أمِنَ عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن - على حرف واحد (3) .
وجمعهم على مصحف واحد ، وحرف واحد ، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي
__________
(1) الحديث 63 - ذكر ابن حجر في الفتح 9 : 9 رواية سفيان عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت ، وأتمها في ص : 11 باختلاف في اللفظ. والكرانيف جمع كرنافة : وهي أصول السعف الغلاظ العراض التي إذا يبست صارت أمثال الأكتاف. وكانوا يكتبون فيها قبل الورق.
(2) الخبر 64 - صعصعة : هو ابن صوحان ، بضم الصاد. وهو تابعي قديم ، كان مسلمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره. وهذا الخبر لم نجده في موضع آخر. وأما " الكلالة " ، فقد اختلف في تفسيرها ، والجمهور على أنه : من مات وليس له ولد ولا والد. كما قال الحافظ في الفتح 12 : 21 . وهو الذي اختاره الطبري ، فيما سيأتي في تفسير الآية 12 من سورة النساء ، 176 منها ج 4 ص 191 - 194 ، وج 6 ص 28 - 31 من طبعة بولاق.
(3) قوله " على حرف واحد " ، متعلق بقوله آنفًا : " فحملهم رحمة الله عليه " وقوله " فحملهم " معطوف على قوله أولا : " جمع المسلمين "

(1/63)


جمعهم عليه. وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه ، أن يخرقه (1) . فاستوسقتْ له الأمة على ذلك بالطاعة (2) ورأت أنّ فيما فعلَ من ذلك الرشدَ والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامُها العادلُ في تركها ، طاعةً منها له ، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدَها من سائر أهل ملتها ، حتى دَرَست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيلَ لأحد اليوم إلى القراءة بها ، لدثورها وعُفُوِّ آثارها ، وتتابعِ المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منها صحتَها وصحةَ شيء منها (3) ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها. فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناصحُ ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
فإن قال بعضُ من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم تَركُ قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم بقراءتها ؟
قيل : إن أمرَه إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمرَ إباحة ورخصة. لأنّ القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم ، لوجب أن يكونَ العلمُ بكل حرف من تلك الأحرف السبعة ، عند من تقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبرهُ العذر ، ويزيل الشك من قَرَأةٍ الأمة (4) . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجبُ بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة.
__________
(1) في الموضعين من المطبوعة " وحرق " بالحاء المهملة و " يحرقه " وقال ابن حجر في الفتح 9 : 18 في شرح حديث البخاري : " في رواية الأكثر " أن يخرق " بالخاء المعجمة ، وللمروزي بالمهملة ، ورواه الأصيلي بالوجهين ، والمعجمة أثبت " . وخرق الكتاب أو الثوب : شققة ومزقه.
(2) في المطبوع والمخطوط " فاستوثقت " . ونقله ابن كثير في الفضائل : 70 " فاستوسقت " وهو الصواب. واستوسق القوم : اجتمعوا وانضموا. وفي حديث النجاشي : " واستوسق عليه أمر الحبش " أي اجتمعوا على طاعته. واستوسق لفلان الأمر : إذا أمكنه واجتمع له.
(3) قوله " من غير جحود منها " ، أي من الأمة ، وكذلك الضمائر فيما بعدها.
(4) في المطبوع : " من قراءة الأمة " ، والقرأة : جمع قارئ ، وانظر ما مضى : 51 في التعليق وما سيأتي : 109 تعليق : 1.

(1/64)


وإذْ كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقلَ جميع القراآت السبع ، تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا. إذْ كانَ الذي فعلوا من ذلك ، كان هو النَّظرَ للإسلام وأهله. فكان القيامُ بفعل الواجب عليهم ، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه ، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة ، من ذلك (1) .
وأما ما كانَ من اختلاف القراءة في رفع حرفٍ وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرفٍ وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتّفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " - بمعزل (2) . لأنه معلوم أنه لا حرفَ من حروف القرآن - مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى - يوجب المراء به كفرَ الممارى به في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراءِ فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه ، وتظاهرتْ عنه بذلك الرواية (3) على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب (4) .
فإن قال لنا قائل : فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن ؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب ؟
__________
(1) قوله " من ذلك " ، أي من الجناية على الإسلام.
(2) أي " فمن معنى قول النبي.. بمعزل " .
(3) قوله " وتظاهرت " هي في المخطوطة مهملة ولا تكاد تقرأ على وجه مرضي.
(4) نقل ابن حجر في الفتح 9 : 27 عن الإمام الحافظ أبي شامة قال : " ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل " . وقال ابن عمار أيضًا : " لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ، وليته إذ اقتصر نقص على السبعة أو زاد ليزيل الشبهة " . وقال الإمام ابن الجزري في النشر 1 : 33 : " أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب : أبو عبيد القاسم بن سلام ، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة وتوفى سنة 224 " ... ثم قال في ص 34 : " وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط وتوفي سنة 324 " . ثم قال في ص 35 : " وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة ، وأن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي قراءة هؤلاء السبعة ، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير.. " .

(1/65)


قلنا : أما الألسن الستة التي قد نزلت القراءة بها ، فلا حاجة بنا إلى معرفتها ، لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليومَ بها مع الأسباب التي قدمنا ذكرها. وقد قيل إن خمسة منها لعَجُر هوَازن ، واثنين منها لقريش وخزاعة. رُوي جميعُ ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. وذلك أن الذي رَوَى عنه : " أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن " ، الكلبي عن أبي صالح ، وأنّ الذي روى عنه : " أن اللسانين الآخرين لسانُ قريش وخزاعة " ، قتادة ، وقتادة لم يلقَه ولم يسمع منه (1) .
65 - حدثني بذلك بعض أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر الخزاعي ، قال : حدثنا الهيثم بن عدي ، عن سعيد بن أبي عَروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآنُ بلسانُ قريش ولسان خزاعة ، وذلك أن الدار واحدةٌ.
66 - وحدثني بعض أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الأسود الدُّثَلي ، قال : نزل القرآن بلسان الكَعبين : كعب بن عمرو وكعب بن لؤيّ. فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم : ألا تعجبُ من هذا الأعمى! يَزعم أنّ القرآن نزل بلسان الكعبين ؛ وإنما أنزل بلسان قريش! (2)
__________
(1) انظر ما استوعبه ابن حجر في شرح هذا الباب كله في فتح الباري 9 : 30 ، وابن الجزري في النشر 1 : 19 - 53 ، وفضائل القرآن لابن كثير : 54 - 80 .
(2) الأثر 66 - وهذا الأثر منقطع أيضًا ، فإن قتادة ولد سنة 61. وأبو الأسود الدئلي مات سنة 69.
وروى الخطيب في تاريخ بغداد 5 : 173 - 174 ، نحو هذا مرفوعًا ، بإسناده ، من طريق " أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثني أبي عن سهل بن شعيب عن ابن سفيان الأسلمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزل القرآن على لغة الكعبين : كعب بن لؤي ، وهو أبو قريش ، وكعب بن عمرو ، وهو أبو خزاعة " .
وهذا إسناد مظلم!! أحمد بن عبد الجبار : ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1\1 : 62 ، وقال : " كتبت عنه ، وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه " ، ثم روى عن أبيه أبي حاتم قال : " ليس بقوي " . وأما عبد الجبار ، والد أحمد هذا ، فلم أجد له ترجمة قط. وأما سهل ابن شعيب ، فترجمه ابن أبي حاتم أيضًا ج 2\1 : 199 ، وذكر أنه يروى " عن الشعبي وعبيد الله ابن عبد الله الكندي " ، ولم يذكره بجرح ولا تعديل. ولم أجد له ترجمة غيرها. وأما " ابن سفيان الأسلمي " ، فما عرفت من هو ؟ وما أظنه من طبقة الصحابة ، إذ لم يدرك ذلك سهل بن شعيب ، وإن كان منهم كان الإسناد منقطعًا.

(1/66)


قال أبو جعفر : والعجز من هوازن : سعد بن بكر ، وجشم بن بكر ، ونصر ابن معاوية ، وثقيف (1) .
وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ، إذْ ذكرَ نزول القرآن على سبعة أحرفٍ : إن كلها شافٍ كافٍ - فإنه كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [سورة يونس : 57] ، جعله الله للمؤمنين شفاءً ، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وَساوس الشيطان وَخطراته ، فيَكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته.
__________
(1) في الأصل " وخيثم بن بكر " ، وكذلك في فضائل القرآن : 67 وهو خطأ. قال ابن كثير في عقب هذا " وهم عليا هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفل تميم ، يعني بني دارم " .

(1/67)


القول في البيان
عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآنمن سبعةِ أبوابِ الجنة " ، وذكر الأخبار الواردة بذلك (1)
قال أبو جعفر : اختلفت النقلة في ألفاظ الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
67 - فروى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف : زاجرٌ وآمرٌ (2) وحلالٌ وحرامٌ ، ومحكم ومتشابه ، وأمثال ، فأحِلُّوا حلاله وحَرِّموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نُهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا : آمنّا به كلٌّ من عند ربنا.
حدثني بذلك يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني حَيوَة بن شريح ، عن عقيل بن خالد ، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) .
__________
(1) في المطبوعة : " المروية بذلك " .
(2) في المطبوعة " زجر وأمر " ، والصواب من المخطوطة وفضائل القرآن 66 ، وفتح الباري 9 : 26.
(3) الحديث 67 - قال ابن حجر في الفتح 9 : 26 وذكر الخبر السالف بهذا الإسناد فقال : " قال ابن عبد البر هذا حديث لا يثبت ، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ، ولم يلق ابن مسعود " ، ثم قال : " وصحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم ، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري مرسلا ، وقال : هذا مرسل جيد " . وانظر فضائل القرآن 66. وانظر مسند أحمد في الحديث : 4252 عن فلفلة الجعفي عن ابن مسعود : " إن القرآن نزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف - أو قال : حروف - وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد " .

(1/68)


ورُوي عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلا غيرُ ذلك :
68 - حدثنا محمد بن بشار ، قال حدثنا عباد بن زكريا ، عن عوف ، عن أبي قِلابة ، قال : بلغَني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآنُ على سبعة أحرفٍ ، أمرٍ وزجرٍ وترغيبٍ وترهيب وجدل وقصص ومثل (1) .
69 - وروى عن أبيّ ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ما حدثني به أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيّ بن كعب ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ ، فقلت : ربّ خففْ عن أمَّتي. قال : اقرأهُ على حرفين. فقلت : رب خفف عن أمتي. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سَبْعة أبواب من الجنة ، كلها شافٍ كافٍ (2) .
وروى عن ابن مسعود من قِيلِه خلافُ ذلك كله.
70 - وهو ما حدثنا به أبو كرُيب ، قال : حدثنا المحاربي ، عن الأحوص بن حكيم ، عن ضَمْرة بن حبيب ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إنّ الله أنزلَ القرآن على خمسة أحرف : حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. فأحِلَّ الحلال ، وحَرِّمِ الحرام ، واعملْ بالمحكم ، وآمن بالمتشابه ، واعتبر بالأمثال (3) .
__________
(1) الحديث 68 - هذا حديث مرسل ، فلا تقوم به حجة.
(2) الحديث 69 - هذا إسناد صحيح. وهو أحد روايات الحديث رقم : 31 الماضي ، وقد أشار الحافظ إلى هذه الرواية ، في الفتح 9 : 21. ووقع في الإسناد في نسخ الطبري هنا " عبيد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، وهو خطأ ، صوابه " عبد الله " ، كما في الرواية الماضية. وليس في الرواة الذين رأينا تراجمهم " عبيد الله بن عيسى... " . ثم هنا أيضًا " عن أبيه عن جده " ، وأخشى أن يكون خطأ أيضًا ، إذ الحديث رواه عبد الله بن عيسى عن جده مباشرة ، كما مضى ، وكما في رواية مسلم في صحيحه 1 : 225 لذلك الحديث.
(3) الخبر 70 - هذا موقوف على ابن مسعود ، من كلامه ، كما صرح بذلك الطبري هنا بقوله " وروى عن ابن مسعود من قيله " . وذكره ابن كثير في الفضائل : 66 بعد الحديث 67 الماضي ، جعله رواية أخرى له ، قال : " ثم رواه عن أبي كريب... عن ابن مسعود ، من كلامه. وهو أشبه " .

(1/69)


وكل هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متقاربة المعاني ، لأن قول القائل : فلان مقيم على باب من أبواب هذا الأمر ، وفلان مقيم على وَجْه من وجوه هذا الأمر ، وفلان مُقيمٌ على حرفٍ من هذا الأمر - سواءٌ. ألا ترى أن الله جَلّ ثناؤه وصف قوماٌ عَبدوه على وجه من وجُوه العبادات ، فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف فقال : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } [سورة الحج : 11] ، يعني أنهم عبدوه على وجه الشك ، لا على اليقين والتسليم لأمره.
فكذلك روايةُ من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نزل القرآن من سبعة أبواب " و " نزل على سبعة أحرف " سواءٌ ، معناهما مؤتلف ، وتأويلهما غير مُختلف في هذا الوجه.
ومعنى ذلك كله ، الخبرُ منه صلى الله عليه وسلم عما خصه الله به وأمتَه ، من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أحدًا في تنزيله.
وذلك أنّ كل كتاب تقدَّم كتابَنا نزولُه على نبيّ من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ، فإنما نزل بلسان واحد ، متى حُوِّل إلى غير اللسان الذي نزل به ، كان ذلك له ترجمة وتفسيرًا (1) لا تلاوةً له على ما أنزلهُ الله.
وأنزل كتابنا بألسُن سبعة ، بأيِّ تلك الألسن السَّبعة تلاه التالي ، كان لهُ تاليًا على ما أنزله الله لا مترجِمًا ولا مفِّسرًا ، حتى يحوِّله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها ، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينئذٍ - إذا أصاب معناه - مُترجمًا له. كما كان التالي
__________
(1) يستعمل الطبري " الترجمة " وما يشتق منها بمعنى البيان والتفسير والشرح ، لا بمعنى نقل الكلام من لسان إلى لسان يباينه. والترجمة التي يشير إليها هنا هي ما مضى في خبر الأحرف التي نزل بها القرآن من مثل قولك " هلم. وأقبل " فإذا كان الكتاب الأول قد نزل وفيه ، " هلم " كان القارئ إذا قرأ " أقبل " ، وهي بمعناها ، مفسرًا للكتاب لا تاليًا له. انظر ما سيأتي : 32 ، 57 ، 67 ، 75 من مطبوعة بولاق.

(1/70)


لبعض الكتب التي أنزلها الله بلسان واحد - إذا تلاه بغير اللسان الذي نزل به - له مُترجِمًا ، لا تاليًا على ما أنزله الله به.
فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : كانَ الكتابُ الأول ، نزل على حَرفٍ واحدٍ ، ونزل القرآن على سبعة أحرف.
وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الكتاب الأول نزل من باب واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب " ، فإنه صلى الله عليه وسلم عنى بقوله : " نزل الكتاب الأول من باب واحد " ، والله أعلم ، ما نزل من كتب الله على من أنزله من أنبيائه ، خاليًا من الحدود والأحكام والحلال والحرام ، كزبور داود ، الذي إنما هو تذكير ومواعظ ، وإنجيل عيسى ، الذي هو تمجيدٌ ومحامد وحضٌّ على الصفح والإعراض - دون غيرها من الأحكام والشرائع - وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعَها كتابُنا ، الذي خَصَّ الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّته. فلم يكن المتعبَّدون بإقامته يجدون لِرضَى الله تعالى ذكره مطلبًا ينالون به الجنة ، ويستوجبون به منه القُرْبَة ، إلا من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابهُم ، وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب.
وخص الله نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه ، بأن أنزل عليهم كتابَه على أوجه سبعةٍ من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ، ويدركون بها الفوز بالجنة ، إذا أقاموها (1) فكُلّ وجه من أوجُهه السبعة بابٌ من أبواب الجنة التي نزل منها القرآن. لأن العامل بكل وجه من أوجُهه السبعة ، عاملٌ في باب من أبواب الجنة ، وطالب من قِبَله الفوز بها. والعملُ بما أمر الله جل ذكره في كتابه ، بابٌ من أبواب الجنة ، وتركُ ما نهى الله عنه فيه ؛ بابٌ آخر ثانٍ من أبوابها ؛ وتحليلُ ما أحلّ الله فيه ، بابٌ ثالث من أبوابها ؛ وتحريمُ ما حرَّم الله فيه ، باب رابعٌ من أبوابها ؛
__________
(1) في المطبوعة : " فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الذي نزل منه القرآن " . وهو تغيير لا جدوى فيه.

(1/71)


والإيمانُ بمحكمه المبين ، باب خامسٌ من أبوابها ؛ والتسليمُ لمتشابهه الذي استأثر الله بعلمه وحَجَب علمه عن خلقه والإقرارُ بأن كل ذلك من عند رّبه ، باب سادسٌ من أبوابها ؛ والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته ، باب سابعٌ من أبوابها.
فجميع ما في القرآن - من حروفه السبعة ، وأبوابه السبعة التي نزل منها - جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا ، ولهم إلى الجنة قائدًا. فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة " .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في القرآن : " إن لكلّ حرف منه حدًّا " ، يعني (1) لكل وجه من أوجهه السبعة حد حدّه الله جل ثناؤه ، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه.
وقوله صلى الله عليه وسلم : " وإن لكل حرف منها ظَهرًا وبطنًا " ، فظهره : الظاهر في التلاوة ، وبطنه : ما بطن من تأويله (2) .
وقوله : " وإن لكلّ حدٍّ من ذلكُ مطَّلَعًا " ، فإنه يعني أنّ لكل حدٍّ من حدود الله التي حدَّها فيه - من حلالٍ وحرامٍ ، وسائر شرائعه - مقدارًا من ثواب الله وعقابه ، يُعاينه في الآخرة ، ويَطَّلع عليه ويلاقيه في القيامة. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لو أنّ لي ما في الأرض من صفراءَ وبيضاءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطَّلَع " ، يعني بذلك ما يطَّلع عليه ويهجُم عليه من أمر الله بعد وفاته.
__________
(1) انظر ما مضى في خبر عبد الله بن مسعود. الحديث رقم : 10 والتعليق عليه.
(2) الظاهر : هو ما تعرفه العرب من كلامها ، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام. والباطن : هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه. ولم يرد الطبري ما تفعله طائفة الصوفية وأشباههم في التلعب بكتاب الله وسنة رسوله ، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن ، وادعائهم أن لألفاظه " ظاهرًا " هو الذي يعلمه علماء المسلمين ، و " باطنًا " يعلمه أهل الحقيقة ، فيما يزعمون.

(1/72)


(القول في الوجوه التي من قبلها يُوصَل إلى معرفة تأويل القرآن)
قال أبو جعفر : قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي ، وأنه نزل بألسُن بعض العرب دونَ ألسن جميعها ، وأن قراءة المسلمين اليوم - ومصاحفَهم التي هي بين أظهرهم - ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها. وقلنا - في البيان عمّا يحويه القرآنُ من النور والبرهان ، والحكمة والتِّبْيان (1) التي أودعها الله إياه : من أمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، ووعده ووعيده ، ومحكمه ومتشابهه ، ولطائف حُكمه - ما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه.
ونحن قائلون في البيان عن وُجوه مطالب تأويله :
قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [سورة النحل : 44] ، وقال أيضًا جل ذكره : { وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [سورة النحل : 64] ، وقال : { هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ } [سورة آل عمران : 7].
فقد تبين ببيان الله جلّ ذكره :
__________
(1) في المطبوعة : " والبيان " .

(1/73)


أنّ مما أنزل الله من القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك تأويل جميع ما فيه : من وجوه أمره - واجبه ونَدْبِه وإرْشاده - ، وصنوفِ نَهيه ، ووظائف حقوقه وحدوده ، ومبالغ فرائضه ، ومقادير اللازم بعضَ خَلْقه لبعض ، وما أشبه ذلك من أحكام آية ، التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمَّته. وهذا وجهٌ لا يجوز لأحد القول فيه ، إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له تأويلَه (1) بنصٍّ منه عليه ، أو بدلالة قد نصَبها ، دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله.
وأنّ منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار. وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة ، وأوقات آتية ، كوقت قيام الساعة ، والنفخ في الصور ، ونزول عيسى بن مريم ، وما أشبه ذلك : فإن تلك أوقاتٌ لا يعلم أحدٌ حدودَها ، ولا يعرف أحدٌ من تأويلها إلا الخبرَ بأشراطها ، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. وبذلك أنزل ربُّنا محكم كتابه (2) فقال : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [سورة الأعراف : 187]. وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئًا من ذلك ، لم يدلّ عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته كالذي روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ، إذ ذكر الدجّال : إنْْ يخرجْ وأنا فيكُم ، فأنا حَجِيجُه ، وإن يخرجْ بعدي ، فالله خليفتي عليكم " (3) وما أشبه
__________
(1) في المطبوعة : " له بتأويله " .
(2) في المطبوعة : " وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه " ، وهو تغيير وزيادة لغير فائدة.
(3) قال ابن حجر في الفتح 13 : 84 في شرح حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري ، وذكر الدجال فقال : " وما من نبي إلا أنذره قومه " ، قال : " في بعض طرقه : إن يخرج فيكم فأنا حجيجه " . وهو إشارة إلى حديث النواس بن سمعان ، مطولا ، في صحيح مسلم 2 : 376 ، وفيه : " إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم ، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم " . وانظر أيضًا مجمع الزوائد 7 : 347 - 348 ، 350 - 351 .
وقوله " حجيجه " أي محاجه ومغالبه بإظهار الحجة عليه.

(1/74)


ذلك من الأخبار - التي يطُول باستيعابها الكتاب - الدالّةِ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علمُ أوقاتِ شيء منه بمقادير السِّنين والأيام ، وأن الله جل ثناؤه إنما كان عرَّفه مجيئه بأشراطه ، ووقَّته بأدلته.
وأن منه ما يعلم تأويلَه كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك : إقامةُ إعرابه ، ومعرفةُ المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها ، فإنّ ذلك لاَ يجهله أحدٌ منهم. وذلك كسامعٍ منهم لو سمع تاليًا يتلو : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ } [سورة البقرة : 11 ، 12] ، لم يجهلْ أنّ معنى الإفساد هو ما ينبغي تركهُ مما هو مضرَّة ، وأن الإصلاحَ هو ما ينبغي فِعله مما فعلهُ منفعةٌ ، وإنْ جَهِل المعانيَ التي جعلها الله إفسادًا ، والمعانيَ التي جَعلها الله إصْلاحًا. فالذي يعلمه ذو اللسان - الذي بلسانه نزل القرآنُ - من تأويل القرآن ، هو ما وصفتُ : مِنْ معرفة أعيان المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة ، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي خص الله بعلمها نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، فلا يُدرَك علمُهُ إلا ببيانِه ، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه.
وبمثل ما قُلنا من ذلك رُوي الخبر عن ابن عباس :
71 - حدثنا محمد بن بشّار ، قال : حدثنا مؤمَّل ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، قال : قال ابن عباس : التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ : وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها ، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره.
قال أبو جعفر : وهذا الوجهُ الرابع الذي ذكره ابن عباس : مِنْ أنّ أحدًا

(1/75)


لاَ يُعذر بجهالته ، معنى غيرُ الإبانة عن وُجوه مَطالب تأويله. وإنما هو خبرٌ عن أنّ من تأويله ما لاَ يجوز لأحد الجهل به. وقد روى بنحو ما قلنا في ذلك أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ في إسناده نظر.
72 - حدثني يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت عمرو بن الحارث يحدث ، عن الكلبيّ ، عن أبي صالح ، مولى أمّ هانئ ، عن عبد الله بن عباس : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآن على أربعة أحرفٍ : حلالٌ وحرامٌ لاَ يُعذَر أحدٌ بالجهالة به ، وتفسيرٌ تفسِّره العرب ، وتفسيرٌ تفسِّره العلماء ، ومتشابهٌ لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره ، ومن ادَّعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب (1) .
__________
(1) الحديث 72 - إنما قال الطبري " فيه نظر " - : لأن الذي رواه هو الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وقد رد الطبري آنفًا خبرًا روى بمثل هذا الإسناد فقال : إنه ليس من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. انظر ص : 66.

(1/76)


ذكر بعض الأخبار
التي رُويت بالنهي عن القولِ في تأويل القرآن بالرَّأي
73 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : حدثنا شَريك ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس : أن النبي

(1/77)


صلى الله عليه وسلم قال : من قالَ في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار (1) .
74 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الأعلى - هو ابن عامر الثعلبي - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من قال في القرآن برأيه - أو بما لا يعلم - فليتبوأ مقعدَه من النار.
75 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن بشر ، وَقبِيصة ، عن سفيان ، عن عبد الأعلى ، قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعدَه من النار.
76 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا الحكم بن بَشير ، قال : حدثنا عمرو بن قيس المُلائي ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار.
77 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن ليث ، عن بكر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : من تكلَّم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار.
78 - وحدثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة السُّوَائي ، قال : حدثنا حفص ابن غياث ، عن الحسن بن عُبيد الله ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أيُّ أرْضٍ تُقِلُّني ، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني ، إذا قلتُ في القرآن ما لا أعلم (2) !
79 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق : أيُّ أرضٍ تُقِلُّني ، وأيُّ سماءٍ تظلّني ، إذا قلتُ في القرآن برأيي - أو : بما لا أعلم.
قال أبو جعفر : وهذه الأخبار شاهدةٌ لنا على صحة ما قُلنا : من أنّ ما كان مِن تأويل آيِ القرآن الذي لا يُدرَك علمه إلا بنَصِّ بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بنَصْبه الدلالة عليه - فغير جائز لأحد القِيلُ فيه برأيه. بل القائلُ في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كانَ من فِعله ، بقيله فيه برأيه ، لأن إصابته ليستْ إصابة مُوقن أنه محقٌّ ، وإنما هو إصابة خارصٍ وظانً. والقائل
__________
(1) الأحاديث 73 - 76 - تدور هذه الأحاديث كلها على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ، وقد تكلموا فيه. " قال أحمد : ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ، ربما رفع الحديث وربما وقفه. وقال ابن عدي : يحدث بأشياء لا يتابع عليها ، وقد حدث عنه الثقات. وقال يعقوب بن سفيان : في حديثه لين وهو ثقة. وقال الدارقطني : يعتبر به. وحسن له الترمذي ، وصحح له الحاكم ، وهو من تساهله. وصحح الطبري حديثه في الكسوف " . تهذيب التهذيب 6 : 94 - 95. وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن عبد الأعلى : 2069 ، ورواه أيضًا من طريق أبي عوانة عن عبد الأعلى رقم : 3025 ، بلفظ : " من كذب على القرآن بغير علم " . وقلنا في شرح المسند : " إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى الثعلبي " ورواه أحمد أيضًا من أوجه أخر ، كلها من رواية عبد الأعلى. وقال ابن كثير في التفسير 1 : 11 : " هكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري ، به. ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن عبد الأعلى ، به ، مرفوعًا وقال الترمذي : هذا حديث حسن " . وأخشى أن يكون قول ابن جرير بعد : " وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا... " ، دالا على أنه يصحح حديثه هذا كما صحح حديثه في الكسوف.
(2) الخبر 78 - في المخطوطة والمطبوعة : " سالم بن جنادة " ، وهو خطأ. وفي المخطوطة " أبي نعم " مكان " أبي معمر " ، وهو خطأ. وأبو معمر هو : عبد الله بن سخبرة الأزدي ، تابعي ثقة ، أرسل الحديث عن أبي بكر. وإبراهيم الذي حدث عنه هو : إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي.
وقوله " تقلني " : أي تحملني. أقل الشيء واستقله : رفعه وحمله. وانظر طرق هذا الخبر في تفسير ابن كثير 1 : 12 .

(1/78)


في دين الله بالظنّ ، قائلٌ على الله ما لم يعلم. وقد حرَّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده ، فقال : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [سورة الأعراف : 33]. فالقائل في تأويل كتاب الله ، الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي جعل الله إليه بيانه - قائلٌ بما لا يعلمُ وإن وافق قيله ذلك في تأويله ، ما أراد الله به من معناه. لأن القائل فيه بغير علم ، قائلٌ على الله ما لا علم له به. وهذا هو معنى الخبر الذي : -
80 - حدثنا به العباس بن عبد العظيم العبري ، قال : حدثنا حبَّان بن هلال ، قال : حدثنا سهيل أخو حزم ، قال : حدثنا أبو عمران الجونيّ (1) عن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال في القرآن برأيه فأصاب ، فقد أخطأ (2) .
يعني صلى الله عليه وسلم أنه أخطأ في فعله ، بقيله فيه برأيه ، وإن وافق قِيلُه ذلك عينَ الصَّواب عند الله. لأن قِيله فيه برأيه ، ليس بقيل عالم أنّ الذي قال فيه من قول حقٌّ وصوابٌ. فهو قائل على الله ما لا يعلم ، آثم بفعله ما قد نُهىَ عنه وحُظِر عليه.
__________
(1) في المطبوعة " سهيل بن أبي حزم " ، وهو نفسه " سهيل أخو حزم " . وإنما قيل " سهيل أخو حزم " تعريفًا له بأخيه " حزم بن أبي حزم القطعي " ، إذ كان أوثق منه وأشهر. و " سهيل " هذا قال البخاري في التاريخ الكبير 2\ 2 : 107 : " ليس بالقوي عندهم " ، وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\ 1 : 247 - 248 عن أبيه ، قال : " سهيل بن أبي حزم : ليس بالقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به ، وحزم أخوه أتقن منه " . وفي المطبوعة أيضًا " أبو عمران الجويني " ، وهو خطأ ، وأبو عمران هو : عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري.
(2) الحديث 80 - قال ابن كثير في التفسير 1 : 11 - 12 ، ونقل الخبر عن الطبري : " وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطعي. وقال الترمذي : غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل " .

(1/79)


ذكر الأخبار التي رُويت
في الحضّ على العلم بتفسير القرآن ، ومن كان يفسِّره من الصَّحابة
81 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال سمعت أبي يقول : حدثنا الحسين بن واقد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن شَقيق ، عن ابن مسعود ، قال : كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ ، والعملَ بهنَّ (1) .
82 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جَرير ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا : أنهم كانوا يستقرِئون من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا (2) .
83 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا جابر بن نوح ، قال : حدثنا الأعمش ، عن مُسْلم ، عن مَسْروق ، قال : قال عبد الله : والذي لا إله غيره ، ما نزلتْ آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلتْ ؟ وأينَ أنزلت ؟ ولو أعلم مكانَ أحدٍ أعلمَ بكتاب الله مِنّى تنالُه المطايا لأتيته (3) .
__________
(1) الحديث 81 - هذا إسناد صحيح. وهو موقوف على ابن مسعود ، ولكنه مرفوع معنى ، لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير.
(2) الحديث 82 - هذا إسناد صحيح متصل. أبو عبد الرحمن : هو السلمي ، واسمه عبد الله بن حبيب ، وهو من كبار التابعين. وقد صرح بأنه حدثه الذين كانوا يقرئونه ، وأنهم " كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم " ، فهم الصحابة. وإبهام الصحابي لا يضر ، بل يكون حديثه مسندًا متصلا.
(3) الحديث 83 - أخرجه البخاري ، انظر فتح الباري 9 : 45 - 46 ، ولفظه " تبلغه الإبل لركبت إليه " .

(1/80)


84 - وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : كان عبدُ الله يقرأ علينا السُّورة ، ثم يحدِّثنا فيها ويفسِّرها عامَّةَ النهار (1) .
85 - حدثني أبو السائب سلم بن جُنادة (2) قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : استعمل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحج ، قال : فخطب الناسَ خطبة لو سمعها الترك والرُّوم لأسلموا ، ثم قرأ عليهم سُورة النور ، فجعل يفسرها.
86 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، قال : قرأ ابنُ عباسٍ سورة البقرة ، فجعل يُفسِّرها ، فقال رجل : لو سمعتْ هذا الديلمُ لأسلمتْ (3) .
87 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو يمَان : عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد بنُ جبير ، قال : من قرأ القرآنَ ثم لم يُفسِّره ، كان كالأعمى أو كالأعرابي (4) .
__________
(1) الحديث 84 - شيخ الطبري : هو يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. مترجم في التهذيب. وجده " محمد " ، وجد أبيه " أبو عبيدة " واسمه " عبد الملك بن معن " - مترجمان فيه أيضًا. ولم نجد ترجمة لأبيه " إبراهيم بن محمد " .
(2) في المخطوط والمطبوع " سالم " ، وانظر ما سلف ص : 87 رقم : 1
(3) الخبران 85 - 86 - ذكرهما الحافظ ابن حجر في الإصابة 4 : 93 : فذكر أولهما " في رواية أبي العباس السراج من طريق أبي معاوية عن الأعمش " . وذكر ثانيهما من رواية " يعقوب بن سفيان عن قبيصة عن سفيان " ، وهو الثوري.
(4) الأثر 87 - أشعث بن إسحاق بن سعد بن مالك بن عامر القمي : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. وله ترجمة في الكبير للبخاري 1\1 : 428 ، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1\1 : 269. وشيخه " جعفر " : هو جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي. وأما الراوي عن أشعث ، فقد ذكر هنا باسم " أبو يمان " ، و " أبو اليمان " هو الحكم بن نافع ، وهو من هذه الطبقة ، ولكن لم يذكر أنه يروى عن " أشعث " . والراجح عندنا أن صوابه " حدثنا ابن يمان " . وابن يمان : هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي ، وقد ذكر في الرواة عن أشعث ، وترجمه البخاري في الكبير 4\2 : 313 وقال : " سمع سفيان الثوري وأشعث القمي " .

(1/81)


88 - وحدثنا أبو كُريب ، قال : ذكر أبو بكر بن عياش : الأعمش ، قال : قال أبو وائل : وَلى ابنُ عباس الموسمَ ؛ فخطبهم ، فقرأ على المنبر سُورة النور ، والله لو سَمعها الترك لأسلموا. فقيل له : حدِّثنا به عن عاصم ؟ فسكت (1) .
89 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعتُ الأعمش ، عن شقيق ، قال : شهدت ابن عباس وَولىَ الموسم ، فقرأ سورة النور على المنبر ، وفسرها ، لو سمعت الروم لأسلمت (2) !
قال أبو جعفر : وفي حَثِّ الله عز وجلّ عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات (3) - بقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } [سورة ص : 29] وقوله : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [سورة الزمر : 27 ، 28] وما أشبه ذلك من آي القرآن ، التي أمر الله عبادَه وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن ، والاتِّعاظ بمواعظه - ما يدلّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيه.
لأنه محالٌ أن يُقال لمن لا يفهمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويلَه : " اعتبرْ بما لا فَهْم لك به ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام " - إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه ، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به. فأما قبلَ ذلك ، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل. كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلامَ العرب ولا يفهمونه ،
__________
(1) الخبر 88 - يريد : أن أبا بكر بن عياش قال : " الأعمش " ، ولم يقل : " حدثنا الأعمش " ولم يذكر من الذي حدثه عنه. ففهم السامعون أنه دلس شيخه الذي رواه عنه عن الأعمش ، وظنوا أنه عاصم بن أبي النجود ، فقالوا له " حدثنا به عن عاصم " ، فأبى وسكت. فلعله سمعه من شيخ آخر ضعيف.
(2) الخبر 89 - ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي.
(3) في المطبوعة " المواعظ والتبيان " .

(1/82)


لو أنشِد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتَ أمثالٍ ومواعظ وحِكم : " اعتبر بما فيها من الأمثال ، وادّكر بما فيها من المواعظ " - إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلامِ العرب ومعرفتِه ، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم (1) . فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق ، فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبَر. بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به ، إلا بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها.
فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ ، لا يجوز أن يقال : " اعتبرْ بها " إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا ، وبكلام العرب عارفًا ؛ وإلا بمعنى الأمر - لمن كان بذلك منهُ جاهلا - أنْ يعلم معاني كلام العرب ، ثم يتدبَّره بعدُ ، ويتعظ بحِكمَه وصُنوف عِبَرِه.
فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله - كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلا. وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون ، صحَّ أنهم - بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه ، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا - عارفون. وإذْ صَحَّ ذلك فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين - من كتاب الله وتنزيلِه - ما لم يحجب عن خَلقه تأويله.
__________
(1) في المخطوط والمطبوع : " نبهه عليه " ، وهو لا يستقيم لاضطراب الضمائر. وقد أعاد الطبري ضمائر هذه الجملة مرة على " بعض " من قوله " بعض أصناف الأمم " فذكر وأفرد. وذلك قوله " أنشد.. واعتبر.. وادكر " . ثم أعاد الضمير في سائر الجمل على " أصناف الأمم.. " فأنث وجمع ، وذلك قوله " نبهها.. وهي جاهلة.. فمحال أمرها.. " .

(1/83)


ذكر الأخبار
التي غلِطَ في تأويلها منكر والقول في تأويل القرآن
فإن قال لنا قائل : فما أنت قائلٌ فيما : -
90 - حدثكم به العباس بن عبد العظيم ، قال : حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة ، قال : حدثني جعفر بن محمد الزبيري ، قال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُفسِّر شيئًا منَ القرآن إلا آيًا بعَددٍ ، علَّمهنّ إياه جبريلُ.
91 - حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي ، قال : أخبرنا مَعْن ، عن جعفر بن خالد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفسر شيئًا من القرآن ، إلا آيًا بعَددٍ ، علمهنّ إياه جبريل عليه السلام (1) .
__________
(1) الحديث 90 ، 91 - هو بإسنادين ، ونقلهما ابن كثير في التفسير 1 : 14 - 15 عن الطبري ، وقال : " حديث منكر غريب. وجعفر هذا : هو ابن محمد بن خالد بن الزبير العوام القرشي الزبيري ، قال البخاري : لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث " . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 303 ، وقال : " رواه أبو يعلى ، والبزار بنحوه. وفيه راو لم يتحرر اسمه عند واحد منهما ، وبقية رجاله رجال الصحيح. أما البزار فقال : عن حفص أظنه ابن عبد الله عن هشام بن عروة. وقال أبو يعلى : عن فلان بن محمد بن خالد عن هشام " . أما ما ذكر عن البزار ، فإنه لم يقع له الراوي بنسبه ، ووقع له باسم " حفص " فظنه " ابن عبد الله " ، ولعله تصحف عليه في نسخته عن " جعفر " أو تصحف من الناسخين ، فظنه " جعفر بن عبد الله بن زيد بن أسلم " . و " جعفر بن عبد الله " هذا : مترجم في التهذيب ، وذكر أنه وقع اسمه في بعض نسخ مسند مالك للنسائي " حفص بن عبد الله " . وأيا ما كان فقد بان خطأ البزار في ظنه ، وأن الراوي هو " جعفر بن محمد بن خالد الزبيري " .
و " جعفر الزبيري " ، راوي هذا الحديث : ذكر في الإسناد الثاني منسوبًا إلى جده ، وهو جعفر بن محمد بن خالد ، كما بينه ابن كثير ، وكما ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1\1 : 487 - 488 ، وابن حجر في لسان الميزان 2 : 124. وترجمه البخاري في الكبير 1\2 : 189 منسوبًا لجده ، ثم قال : " قال لي خالد بن مخلد : حدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام... وقال معن : عن جعفر بن خالد " .
والراجح عندي أنه " جعفر بن محمد بن خالد " ، لما ذكرنا ، ولأن ابن سعد ترجم لجده " خالد بن الزبير " 5 : 137 ، وذكر أولاده ، وفيهم " محمد الأكبر " و " محمد الأصغر " ، ولم يذكر أن له ولدًا اسمه " جعفر " .
وسيأتي أن يعل الطبري نفسه هذين الإسنادين بأن جعفرًا راويهما " ممن لا يعرف في أهل الآثار " . ص : 89 وقد نقل ابن كثير أن البخاري قال فيه : " لا يتابع في حديثه " ، وكذلك نقل الذهبي عنه في الميزان ، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان. ولكن البخاري ترجم له في التاريخ الكبير ، فلم يقل شيئًا من هذا ولم يذكر فيه جرحًا ، وكذلك ابن أبي حاتم لم يذكر فيه جرحًا ، ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء. ونقل ابن حجر أن ابن حبان ذكره في الثقات. وأن يذكره البخاري في التاريخ دون جرح أمارة توثيقه عنده. وهذان كافيان في الاحتجاج بروايته. ولئن لم يعرفه الطبري في أهل الآثار لقد عرفه غيره.
وفي الإسناد الأول من هذين " محمد بن خالد ابن عثمة " ، وقد ترجمه البخاري في الكبير 1\1 : 73 - 74 ، وقال : " محمد بن خالد ، ويقال : ابن عثمة ، وعثمة أمه " ، ونحو ذلك في الجرح والتعديل 3\2 : 243 ، فينبغي أن ترسم " ابن " بالألف ، وهي مرفوعة تبعًا لرفع " محمد " وأمه " عثمة " بفتح العين المهملة وسكون الثاء المثلثة. ومحمد بن خالد هذا : ثقة.
وقوله في الروايتين " إلا آيًا بعدد " غيره مصححو المطبوعة " آيا تعد " . وفعلوا ذلك في حيث كرر لفظ الحديث بعد.

(1/84)


92 - وحدثنا أحمد بن عَبدة الضبي ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عُبيد الله بن عمر ، قال : لقد أدركت فقهاء المدينة ، وإنهم ليغلظون القول في التفسير (1) منهم : سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيَّب ، ونافع.
93 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا بشر بن عمر ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن ، فقال : لا أقول في القرآن شيئًا.
94 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن ، قال : أنا لا أقول في القرآن شيئًا.
__________
(1) في المطبوعة : " ليعظمون القول " ، وهما سواء.

(1/85)


95 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت الليث يحدث ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيَّب : أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن (1) .
96 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، قال : حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عَبِيدة السلماني عن آيةٍ ، قال : عليك بالسَّداد ، فقد ذهب الذين علمُوا فيمَ أنزل القرآن.
97 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابنُ عليَة ، عن أيوب وابن عون ، عن محمد ، قال : سألت عَبِيدة عن آية من القرآن فقال : ذهبَ الذين كانوا يعلَمون فيمَ أنزل القرآن ، اتّق الله وعليك بالسَّداد.
98 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مُليكة : أنّ ابن عباس سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ، فأبى أن يقول فيها.
99 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن مهدي بن ميمون ، عن الوليد بن مسلم ، قال : جاءَ طلْق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله ، فسأله عن آية من القرآن ، فقال له : أحَرِّج عليك إن كنت مُسلمًا ، لمَّا قمت عنى - أو قال : أن تجالسني.
100 - حدثني عباس بن الوليد ، قال : أخبرني أبي ، قال : حدثنا عبد الله ابن شَوْذَب ، قال : حدثني يزيد بن أبي يزيد ، قال : كنا نسأل سعيدَ بن المسيَّب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سَكَتَ كأن لم يسمع.
101 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن عمرو بنُ مرة ، قال : سأل رجلٌ سعيد بن المسيب عن آية من القرآن ،
__________
(1) في المخطوطة : " إلا في المعلوم من التفسير " ، والمعنى قريب.

(1/86)


فقال : لا تسألني عن القرآن ، وسَل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه - يعني عكرمة.
102 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا سعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن عبد الله بن أبي السَّفَر ، قال : قال الشعبي : والله مَا مِن آية إلا قد سألتُ عنها ، ولكنها الروايةُ عن الله (1) .
103 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن صالح - يعني ابن مسلم - قال : حدثني رجل ، عن الشعبي ، قال : ثلاثٌ لا أقول فيهن حتى أموت : القرآن ، والروح ، والرأي (2) .
وما أشبه ذلك من الأخبار ؟ (3) .
قيل له : أما الخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يفسِّر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ ، فإن ذلك مصحِّح ما قلنا من القول في الباب الماضي قَبْل ، وهو : أنّ من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه (4) وحلاله وحرامه ، وحدوده وفرائضه ، وسائر معاني شرائع دينه ، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل ، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن ، من سائر حُكْمه الذي جعلَ الله بيانه لخلقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يعلمه رسول الله
__________
(1) الأخبار السالفة جميعًا نقلها ابن كثير عن الطبري في تفسيره 1 : 13 - 14 .
(2) الأثر 103 - صالح بن مسلم : هو البكري ، وهو ثقة من الطبقة العليا ، كما قال يحيى بن سعيد القطان ، فيما نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\1 : 413. وترجمه البخاري في الكبير أيضًا 2\2 : 291. وهو من الرواة عن الشعبي ، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة ، وستأتي رواية له عن الشعبي رقم 114.
(3) هذا آخر السؤال الذي بدأ منذ ص : 84 .
(4) في المطبوعة " وذلك يفصل " . والإشارة في قوله " وذلك " إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/87)


صلى الله عليه وسلم إلا بتعليم الله إيَّاه ذلك بوحْيه إليه ، إما مع جبريل ، أو مع من شاء من رُسله إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسِّرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه ، وهنَّ لا شك آيٌ ذوات عَددٍ.
ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله ، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده ، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
فأما ما لا بُدَّ للعباد من علم تأويله ، فقد بيّن لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل. وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم فقال له جل ذكره : { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [سورة النحل : 44].
ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا

(1/88)


يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ - هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل الغياء ، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه ، كان إنما أُنزلَ إليه صلى الله عليه وسلم الذكرُ ليَترك للناس بيانَ ما أنزل إليهم ، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم.
وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ببلاغ ما أنزل إليه ، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم ، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به ، وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله (1) : كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - (2) ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه.
هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده ، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار ، وهو : جعفر بن محمد الزبيري.
وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين ، بإحجامه عن التأويل ، فإنّ فِعلَ من فعل ذلك منهم ، كفعل من أحجم منهم عن الفُتيا في النَّوازل والحوادث ، مع إقراره بأنّ الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه ، إلا بعد إكمال الدين به لعباده ، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة حُكمًا موجودًا بنصٍّ أو دلالة. فلم يكن إحجامُه عن القول في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهُرِ عباده ، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ في اجتهاده ما كلَّف الله العلماء من عباده فيه.
فكذلك معنى إحجام مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السَّلف ، إنما كان إحجامه عنه حِذارًا أن لا يبلغ أداءَ ما كلِّف من إصابة صوابِ القول فيه ، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة ، غير موجود بين أظهرهم.
__________
(1) في المطبوعة " قد بلغ فأدى.. " و " لقيله " .
(2) سياق عبارته من أول هذه الفقرة هو : " وفي أمر الله جل ثناؤه.. وفي قيام الحجة.. ، وفي صحة الخبر.. ما ينبئ.. "

(1/89)


{ذكر الأخبار}
{عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير}
{ومن كان منهم مذمومًا علمه به}
104 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن سليمان ، عن مسلم ، قال : قال عبد الله : نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس.
105 - حدثني يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس.
106 - وحدثني محمد بن بشار ، قال : حدثنا جعفر بن عون ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق عن عبد الله ، بنحوه.
107 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا طَلق بن غنام ، عن عثمان المكي ، عن ابن أبي مُليكة قال : رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحُه ، فيقول له ابن عباس : " اكتب " ، قال : حتى سأله عن التفسير كلِّه (1) .
108 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا المحَاربي ، ويونس بن بُكير قالا حدثنا محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، قال : عرضتُ المصحفَ على ابن عباس ثلاث عَرْضات ، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقِفه عند كل آية منه وأسألُه عنها.
__________
(1) الخبر 107 - في المطبوعة : " ومع الواحد " وهو تصحيف. وقد نقله ابن كثير في التفسير 1 : 10 .

(1/90)


109 - وحدثني عبيد الله بن يوسف الجُبَيْريّ ، عن أبي بكر الحنفي ، قال : سمعت سفيان الثوري يقول : إذا جاءك التفسير عن مجاهدٍ فحسبُكَ به.
110 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا سليمان أبو داود ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن مَيْسَرة ، قال : لم يلق الضحّاكُ ابنَ عباس ، وإنما لقي سعيدَ ابن جبير بالرّيّ ، وأخذ عنه التفسير.
111 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن مُشَاش ، قال : قلت للضحاك : سمعتَ من ابن عباس شيئًا ؟ قال : لا
112 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال حدثنا زكريا ، قال : كان الشعبي يمرّ بأبي صالح باذان ، فيأخُذ بأذنه فيعرُكُها ويقول : تُفسِّر القرآنَ وأنتَ لا تقرأ القرآن! (1)
113 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شَبُّويه ، قال : حدثنا علي بن الحسين ابن واقد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثني سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس : { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ } [سورة غافر : 20] قال : قادر على أن يجزىَ بالحسنة الحسنة (2) وبالسيئة السيئة { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [سورة غافر : 20] ، قال الحسين : فقلت للأعمش : حدَّثني به الكلبي ، إلا أنه قال : إنّ الله قادرٌ أن يجزىَ بالسيئة السيئة وبالحسنة عَشْرًا ، فقال الأعمش : لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني إلا بخفير (3) .
__________
(1) الأثر 112 - أبو صالح باذان ، ويقال " باذام " : هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، وهو تابعي ثقة ، ومن تكلم فيه فإنما تكلم لكثرة كلامه في التفسير ، وفي رواية الكلبي عنه. انظر شرح المسند في الحديث 2030 ، وهذا الخبر الذي هنا نقله ابن حجر في التهذيب في ترجمته 1 : 417 عن زكريا ، وهو ابن أبي زائدة. وعرك الأديم والأذن : أخذهما بين يديه أو إصبعيه ودلكهما دلكًا شديدًا.
(2) في المخطوطة : " قادر على أن لا يجزى " وهو خطأ.
(3) الخبر 113 - يأتي هذا الخبر في تفسير سورة غافر : 20 . ونصه هناك : " ما خرج مني إلا بحقير " ، والذي كان هنا في المطبوعة " ما خرج مني بحقير " ، والصواب ما أثبتناه. و " الخفير " : مجير القوم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده. وراوى هذا الخبر - علي بن الحسين بن واقد : ضعفه أبو حاتم ، وقال البخاري : " كنت أمر عليه طرفى النهار ، ولم أكتب عنه " . وأبوه حسين بن واقد : ثقة.

(1/91)


114 - حدثني سليمان عبد الجبار ، قال : حدثنا علي بن حَكيم الأوْديّ ، قال : حدثنا عبد الله بن بُكَير ، عن صالح بن مسلم ، قال : مرّ الشعبي على السُّدِّي وهو يفسر ، فقال : لأن يُضرب على استِك بالطبل ، خيرٌ لك من مجلسك هذا (1) .
115 - حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدَثني علي بن حَكيم ، قال : حدثنا شَريك ، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي ، قال : كنت مع إبراهيم ، فرأى السُّدِّي ، فقال : أمَا إنه يُفسِّر تَفسير القوم.
116 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سمعتُ سعيد بن بَشِير ، يقول عن قتادة ، قال : ما أرى أحدًا يجري مع الكلبيّ في التفسير في عِنَان.
قال أبو جعفر : قد قلنا فيما مَضى من كتابنا هذا في وُجوه تأويل القرآن ، وأن تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلاثة :
أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه ، وهو الذي استأثر الله بعلمه ، وحَجبَ علمه عن جميع خلقه ، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة ، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة ، مثل : وقت قيام الساعة ، ووقت نزول عيسى بن مريم ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، والنفخ في الصور ، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني : ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته ، وهو ما فيه مما بعباده إلى
__________
(1) الأثر 114 - صالح بن مسلم : مضت ترجمته في الحديث 103 .

(1/92)


علم تأويله الحاجةُ ، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويلَه.
والثالث منها : ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن ، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه ، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قِبَلهم.
فإذ كان ذلك كذلك ، فأحقُّ المفسرين بإصابة الحق - في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلم تَأويله للعباد السبيلُ - أوضحُهم حُجة فيما تأوّل وفسَّر ، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته (1) من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه : إمَّا من جهة النقل المستفيض ، فيما وُجِد فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيض ، وإمَّا من جهة نقل العدول الأثبات ، فيما لم يكن فيه عنه النَّقلُ المستفيض ، أو من جهة (2) الدلالة المنصوبة على صحته ؛ وأصحُّهم برهانًا (3) - فيما ترجَم وبيّن من ذلك - ممَا كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان : (4) إمّا بالشواهد من أشعارهم السائرة ، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة ، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر ، بعد أن لا يكون خارجًا تأويلُه وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك ، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة ، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.
__________
(1) سياق عبارته " أوضحهم حجة.. من أخبار رسول الله.. " وما بينهما فصل.
(2) كل ما جاء في هذه العبارة من قوله " جهة " ، فمكانه في المطبوعة " وجه " .
(3) في المطبوعة : " وأوضحهم برهانا " ، وليست بشيء. وقوله : " وأصحهم برهانًا " معطوف على قوله آنفًا " أوضحهم حجة " .
(4) ترجم : فسر وبين ، كما مضى آنفًا في ص : 70 رقم : 1 .

(1/93)


القول في تأويل أسماء القرآن وسُوَره وآيهِ
قال أبو جعفر : إنّ الله تعالى ذكرهُ سمَّى تنزيله الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم أسماء أربعة :
منهن : " القرآن " ، فقال في تسميته إياه بذلك في تَنزيله : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } [سورة يوسف : 3] ، وقال : { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [سورة النمل : 76].
ومنهنّ : " الفرقان " ، قال جل ثناؤه في وحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم يُسمِّيه بذلك : { تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [سورة الفرقان : 1].
ومنهن : " الكتاب " : قال تباركَ اسمهُ في تسميته إياه به : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا } [سورة الكهف : 1].
ومنهنّ : " الذكر " ، قال تعالى ذكره في تسميته إياه به : { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [سورة الحجر : 9].
ولكلّ اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب ، معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخر ووجهه.
فأما " القرآن " ، فإن المفسرين اختلفوا في تأويله. والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس : من التلاوة والقراءة ، وأن يكون مصدرًا من قول القائل :

(1/94)


قرأت ، كقولك " الخُسران " من " خَسِرت " ، و " الغُفْران " من " غفر الله لك " ، و " الكُفران " من " كفرتُك " ، " والفرقان " من " فَرَق الله بين الحق والباطل " .
117 - وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي حدثني ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } يقول : بيَّناه ، { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } [سورة القيامة : 18] يقول : اعمل به (1) .
ومعنى قول ابن عباس هذا : فإذا بيَّناه بالقراءة ، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ، ما : -
118 - حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عباس : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [سورة القيامة : 17] قال : أن نُقرئك فلا تنسى { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } عليك { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } يقول : إذا تُلي عليك فاتَّبعْ ما فيه (2) .
قال أبو جعفر : فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابن عباس : أنّ معنى " القرآن " عنده القراءة ، فإنه مصدر من قول القائل : قَرأتُ ، على ما بيَّناه.
وأما على قول قتادة ، فإن الواجب أن يكون مصدرًا ، من قول القائل : قرأتُ الشيء ، إذا جمعتَهُ وضممتَ بعضه إلى بعض ، كقولك : " ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلًى قطُّ " (3) تريد بذلك أنها لم تضمُمْ رحمًا على ولد ، كما قال عَمرو بن كلثوم التغلبيّ :
__________
(1) الأثر 117 - سيأتي في تفسير سورة القيامة : 17 - 18 ، وفي إسناده هناك خطأ ، ذلك أنه قال : " حدثنا علي قال حدثنا أبو صالح.. " وصوابه : " حدثنا يحيى قال حدثنا أبو صالح " . وأبو صالح هو : عبد الله بن صالح المبين في إسنادنا هذا.
(2) الأثر 118 - سيأتي أيضا في تفسير هذه الآية من سورة القيامة.
(3) السلى : الجلدة الرقيقة التي يكون الولد في بطن أمه ملفوفًا فيها ، وهو في الدواب والإبل : السلى ، وفي الناس : المشيمة.

(1/95)


تُرِيكَ - إذَا دَخَلْتَ على خَلاء ، ... وَقَدْ أمِنَت عُيُونَ الكاشِحِينا - (1)
ذِرَاعَىْ عَيْطَلٍ ، أدْماءَ ، بِكْرٍ ، ... هِجَانِ الّلوْن ، لَمْ تَقْرَأ جَنِينا (2)
يعني بقوله : " لم تقرأ جنينًا " ، لم تضمُمْ رحمًا على ولد.
119 - وذلك أن بشر بن مُعاذ العَقَديّ حدثنا قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال : حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادةَ في قوله تعالى : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } يقول : حفظه وتأليفه ، { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } اتَّبع حلاله ، واجتنب حرامه.
120 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة بمثله. (3)
فرأى قتادة أن تأويلَ " القرآن " : التأليفُ.
قال أبو جعفر : ولكلا القولين - أعنى قولَ ابن عباس وقول قتادة - اللذين حكيناهما ، وجهٌ صحيح في كلام العرب. غيرَ أنّ أولى قولَيْهما بتأويل قول الله تعالى : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } قول ابن عباس.
لأن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه في غير آيةٍ من تنزيله باتباع ما أوحى إليه ، ولم يرخِّص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ له. فكذلك قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحى إليه في تنزيله.
__________
(1) من معلقته المشهورة. والضمير في قوله : " تريك " إلى أم عمرو صاحبته. والكاشح : العدو المضمر العداوة ، المعرض عنك بكشحه. وقوله : " على خلاء " ، أي على غرة وهي خالية متبذلة.
(2) العيطل : الناقة الطويلة العنق في حسن منظر وسمن. والأدماء : البيضاء مع سواد المقلتين ، وخير الإبل الأدم ، والعرب تقول : " قريش الإبل أدمها وصهبها " ، يعنون أنها في الإبل كقريش في الناس فضلا. ووصفها بأنها بكر ، لأن ذلك أحسن لها ، وهي في عهدها ذلك ألين وأسمن. وهجان اللون : بيضاء كريمة. وسيأتي هذا البيت الثاني في تفسير الطبري 29 : 118 " بولاق " .
(3) الأثر 119 ، 120 - سيأتي بإسناديه في تفسير سورة القيامة.

(1/96)


ولو وَجب أنْ يكون معنى قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه - لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ولا فرضُ { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ } [سورة المدثر : 1 ، 2] قبل أن يؤلَّف إلى ذلك غيرُه من القرآن. وذلك ، إنْ قاله قائل ، خروجٌ من قول أهل المِلَّة.
وإذ صَحَّ أن حكم كلّ آية من آي القرآن كانَ لازمًا النبيَّ صلى الله عليه وسلم اتباعُه والعملُ به ، مؤلَّفة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلَّفة - صحّ ما قال ابن عباس في تأويل قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أنه يعني به : فإذا بيَّناه لك بقراءتنا ، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا - دون قول من قال : معناه ، فإذا ألَّفناه فاتَّبع ما ألفناه.
وقد قيل إن قول الشاعر :
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِه ... يُقَطِّع الَّليلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنَا (1)
يعني به قائله : تسبيحًا وقراءةٌ.
فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يسمى " قرآنًا " بمعنى القراءة ، وإنما هو مقروء ؟
قيل : كما جاز أن يسمى المكتوب " كتابًا " ، بمعنى : كتاب الكاتب ، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته :
تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى ، وفيها ... كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاءُ (2)
__________
(1) البيت لحسان بن ثابت ، ديوانه : 410 ، وضحى : ذبح شاته ضحى النحر ، وهي الأضحية. واستعاره حسان لمقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 ، رضي الله عنهما. والعنوان : الأثر الذي يظهر فتستدل به على الشيء.
(2) لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي بين يدي. وتنصب " مثل " على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف ، وتقديره : " كتاب لاصق لصوقًا مثل ما لصق الغراء "

(1/97)


يريد : طلاقًا مكتوبًا ، فجعل " المكتوب " كتابًا.
وأما تأويل اسمه الذي هو " فُرْقان " ، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة ، هي في المعاني مؤتلفة.
121 - فقال عكرمة ، فيما حدثنا به ابن حُميد ، قال : حدثنا حَكَّام بن سَلْم ، عن عَنْبسة ، عن جابر ، عن عكرمة : أنه كان يقول : هو النَّجاة.
وكذلك كان السُّدِّيّ يتأوَّلهُ.
122 - حدثنا بذلك محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أحمد بن المُفَضَّل ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدِّي - وهو قول جماعة غيرهما.
وكان ابن عباس يقول : " الفرقان " : المخرَجُ.
123 - حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس.
وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله بذلك.
124 - حدثنا بذلك ابن حُميد ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن جابر ، عن مجاهد (1) .
وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل : { يَوْمَ الْفُرْقَانِ } [سورة الأنفال : 41] يومٌ فَرَقَ الله فيه بين الحقّ والباطل.
125 - حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثني أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد (2) .
وكل هذه التأويلات في معنى " الفرقان " - على اختلاف ألفاظها - متقاربات المعاني. وذلك أنّ من جُعِل له مخرجٌ من أمر كان فيه ، فقد جُعل
__________
(1) الآثار السالفة كلها مروية في تفسير آية الأنفال : 29 .
(2) الأثر 125 - يأتي في تفسير آية الأنفال : 41

(1/98)


له ذلك المخرجُ منه نجاةٌ. وكذلك إذا نُجِّي منه ، فقد نُصِر على من بَغَاه فيه سُوءًا ، وفُرِق بينه وبين باغيه السُّوءَ.
فجميع ما روينا - عمن روينا عنه - في معنى " الفرقان " ، قولٌ صحيح المعاني ، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك.
وأصل " الفُرْقان " عندنا : الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما. وقد يكون ذلك بقضاءٍ ، واستنقاذٍ ، وإظهار حُجَّة ، ونَصْرٍ (1) وغير ذلك من المعاني المفرِّقة بين المحقّ والمبطِل. فقد تبين بذلك أنّ القرآن سُمّي " فرقانًا " ، لفصله - بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معاني حُكمه - بين المحق والمبطل. وفرقانُه بينهما : بنصره المحقّ ، وتخذيله المبطل ، حُكمًا وقضاءً.
وأما تأويل اسمه الذي هو " كتابٌ " : فهو مصدر من قولك " كتبت كتابًا " كما تقولُ : قمت قيامًا ، وحسبت الشيء حسابًا. والكتابُ : هو خطُّ الكاتب حروفَ المعجم مجموعةً ومفترقة. وسُمي " كتابًا " ، وإنما هو مكتوب ، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به :
وفيها كِتابٌ مثلَ ما لَصِقَ الغِراءُ
يعني به مكتوبًا.
وأما تأويل اسمه الذي هو " ذِكْرٌ " ، فإنه محتمل معنيين : أحدهما : أنه ذكرٌ من الله جل ذكره ، ذكَّر به عباده ، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه ، وسائرَ ما أودعه من حُكمه. والآخر : أنه ذكرٌ وشرف وفخرٌ لمن آمن به وصدَّق بما فيه ، كما قال جل ثناؤه : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } [سورة الزخرف : 44] ، يعني به أنه شرفٌ له ولقومه.
__________
(1) في المطبوعة : " وتصرف " مكان " ونصر " ، وهو خطأ محض.

(1/99)


ثم لسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
126 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا أبو العوَّام - وحدثني محمد بن خلف العَسْقلاني ، قال : حدثنا رَوَّاد بن الجرّاح ، قال : حدثنا سعيد بن بَشير ، جميعًا - عن قتادة ، عن أبي المَليح ، عن واثلة بن الأسْقَع : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعطِيتُ مكان التوراةِ السبعَ الطُّوَل ، وأعطيت مكان الزَّبور المِئِين ، وأعطيتُ مكان الإنجيل المَثَاني ، وفُضِّلت بالمفصَّل (1) .
127 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلية ، عن خالد الحذَّاء ، عن أبي قِلابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطِيتُ السبعَ الطُّوَل مكان التوراة ، وأعطيت المثانِيَ مكانَ الزَّبور ، وأعطيت المئين مكانَ الإنجيل ، وفُضِّلت بالمفصَّل (2) . قال خالد : كانوا يسمُّون المفصَّل : العربيَّ. قال خالد : قال بعضهم : ليس في العربيّ سجدةٌ.
__________
(1) الحديث 126 - رواه الطبري هنا بإسنادين ، أحدهما صحيح ، والآخر ضعيف : فرواه من طريق أبي داود الطيالسي عن أبي العوام ، وهذا إسناد صحيح. ورواه من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير ، وهذا إسناد ضعيف - كلاهما عن قتادة.
أما طريق الطيالسي ، فإنه في مسنده رقم 1012 ، ورواه أحمد في المسند رقم 17049 (4 : 107 طبعة الحلبي) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 158 ، ونسبه أيضًا للطبراني " بنحوه " . وأبو العوام ، في الإسناد الأول : هو " عمران بن داور " بفتح الدال وبعد الألف واو مفتوحة وآخره راء - " القطان " ، وهو ثقة.
وأما الطريق الثاني ، ففي إسناده " رواد بن الجراح العسقلاني " ، وهو صدوق ، إلا أنه تغير حفظه في آخر عمره ، كما قال أبو حاتم ، فيما نقله عنه ابنه في الجرح والتعديل 1\2 : 524 ، وقال البخاري في الكبير 2\1 : 307 : " كان قد اختلط ، لا يكاد أن يقوم حديثه " . و " رواد " بفتح الراء وتشديد الواو وآخره دال. ووقع في الأصول هنا " داود " ، وهو خطأ. وفي إسناده أيضًا " سعيد بن بشير " ، وهو صدوق يتكلمون في حفظه. ولكن لم ينفرد " رواد " بروايته عن سعيد ، فقد ذكره ابن كثير في التفسير 1 : 64 من كتاب أبي عبيد : عن هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب عن سعيد بن بشير ، وقال ابن كثير : " هذا حديث غريب ، وسعيد بن بشير : فيه لين " ، وهو تعليل غير محرر! فإن سعيد بن بشير لم ينفرد به - كما هو ظاهر - بل تأيدت روايته برواية الطيالسي عن أبي العوام عمران بن داور ، وهو إسناد صحيح ، كما قلنا. وسيأتي بإسناد ثالث ، رقم 129.
(2) الحديث 127 - هذا خبر مرسل عن أبي قلابة.

(1/100)


128 - وحدثنا محمد بن حميد ، قال حدثنا حَكَّام بن سَلْم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عاصم ، عن المسيَّب ، عن ابن مسعود قال : الطُّوَل كالتوراة ، والمئون كالإنجيل ، والمثاني كالزَّبور ، وسائر القرآن بعدُ فَضْلٌ على الكتب (1) .
129 - حدثني أبو عُبيد الوَصَّابي ، قال : حدثنا محمد بن حفص ، قال : أنبأنا أبو حميد ، حدثنا الفزاري ، عن ليث بن أبي سُلَيم ، عن أبي بُرْدة ، عن أبي المَلِيح ، عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال أعطاني ربيّ مكانَ التوراة السبعَ الطول ، ومكان الإنجيل المثاني ، ومكان الزَّبور المئين ، وفضّلني ربي بالمفصَّل (2) .
قال أبو جعفر : والسبع الطُّوَل : البقرةُ ، وآل عِمْران ، والنساء ، والمائدة ،
__________
(1) الخبر 128 - لم نجد خبر ابن مسعود هذا. و " عاصم " : هو ابن أبي النجود ، بفتح النون ، وهو عاصم بن بهدلة. و " المسيب " : هو ابن رافع الأسدي ، وهو تابعي ثقة ، ولكنه لم يلق ابن مسعود ، إنما يروى عن مجاهد ونحوه ، كما قال أبو حاتم. انظر التهذيب 10 : 153 ، والمراسيل لابن أبي حاتم : 76 ، وشرح المسند ، في الحديث : 3676.
(2) الحديث 129 - هذا إسناد آخر للحديث الماضي 126 ، وهو إسناد مشكل ، لم تستبن لنا حقيقته :
فأوله " أبو عبيد الوصابي حدثنا محمد بن حفص " ! كذا وقع في الأصول. وأخشى أن يكون خطأ ، بل لعله الراجح عندي ، فإن أبا عبيد الوصابي : هو محمد بن حفص نفسه ، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3\2 : 237 ، قال : " محمد بن حفص الوصابي الحمصي أبو عبيد ، روى عن محمد بن حمير وأبي حيوة شريح بن يزيد. أدركته وأردت قصده والسماع منه ، فقال لي بعض أهل حمص : ليس بصدوق ، ولم يدرك محمد بن حمير ، فتركته " . وترجمه الحافظ في لسان الميزان 5 : 146 بنحو هذا ، وزاد أن ابن مندة ضعفه ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات. وكذلك ذكره الدولابي في الكنى 2 : 75 ، 76 باسمه وكنيته ، وروى حديثًا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عبيد هذا.
ثم " أبو حميد " الراوي عنه محمد بن حفص : لم أستطع أن أعرف من هو ؟ وكذلك " الفزاري " شيخ أبي حميد ، وقد يكون هو أبا إسحاق الفزاري.
وأما أبو بردة : فهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ، وهو يروي في هذا الإسناد عن أبي المليح بن أسامة الهذلي ، وكلاهما تابعي ، إلا أن أبا بردة أكبر من أبي المليح ، فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وفي مجمع الزوائد 7 : 158 حديث نحو هذا من حديث أبي أمامة ، قال الهيثمي : " رواه الطبراني ، وفيه ليث بن أبي سليم ، وقد ضعفه جماعة ، ويعتبر بحديثه ، وبقية رجاله رجال الصحيح " .

(1/101)


والأنعام ، والأعراف ، ويونس ، ، في قول سعيد بن جبير (1) .
130 - حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هُشيم ، عن أبي بِشر ، عن سعيد بن جبير.
وقد روي عن ابن عباس قولٌ يدلّ على موافقته قولَ سعيد هذا.
131 - وذلك ما حدثنا به محمد بن بَشَّار ، قال : حدثنا ابن أبي عَديّ ، ويحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر ، وسهل بن يوسف ، قالوا : حدثنا عَوْف ، قال : حدثني يزيد الفارسيّ ، قال : حدثني ابن عباس : قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عَمَدْتُم إلى الأنفال ، وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطرًا : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ووضعتموهما في السبع الطُّوَل ؟ ما حملكم على ذلك ؟ قال عثمان : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا يأتي عليه الزمانُ وهو تُنزل عليه السُّورُ ذواتُ العَدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ببعض من كان يكتبُ فيقول : ضَعُوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءةُ من آخر القرآن نزولا وكانت قِصَّتُها شبيهةً بقصتها ، فظننت أنها منها. فقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيِّن لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنتُ بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ووضعتهما في السبَّع الطُّوَل " (2) .
فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه ، أنه لم يكن تَبيَّن له أنَّ
__________
(1) انظر تفسير ابن كثير في أول سورة البقرة 1 : 64. و " الطول " ، بضم الطاء وفتح اللام : جمع " الطولى " ، مثل " الكبر " و " الكبرى " .
(2) الخبر 131 - رواه أحمد بن حنبل في المسند عن يحيى بن سعيد ، وعن إسماعيل بن إبراهيم ، وعن محمد بن جعفر ، كلهم عن عوف الأعرابي ، بهذا الإسناد ، مطولا ، برقمي : 399 ، 499 وهو حديث ضعيف جدًا ، فصلت طرقه ، ووجه ضعفه ، في شرح المسند : 399.

(1/102)


الأنفال وبراءةَ من السبع الطُّوَل ، ويصرِّح عن ابن عباس انه لم يكن يَرى ذلك منها.
وإنما سميت هذه السور السبعَ الطُّوَل ، لطولها على سائر سُوَر القرآن.
وأما " المئون : فهي ما كان من سور القرآن عددُ آية مئة آية ، أو تزيد عليها شيئا أو تنقص منها شيئا يسيًرا.
وأما " المثاني : فإنها ما ثَنيَّ المئين فتلاها ، وكان المئون لها أوائلَ ، وكان المثاني لها ثواني. وقد قيل : إن المثاني سميت مثاني ، لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثالَ والخبرَ والعبرَ ، وهو قول ابن عباس.
132 - حدثنا بذلك أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن عبد الله بن عثمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس.
وروى عن سعيد بن جبير ، أنه كان يقول : إنما سميت مثاني لأنها ثنيت فيها الفرائضُ والحدود.
133 - حدثنا بذلك محمد بن بَشَّار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جُبير.
وقد قال جماعة يكثر تعدادهم : القرآن كله مَثانٍ.
وقال جماعة أخرى : بل المثاني فاتحة الكتاب ، لأنها تُثْنَى قراءتُها في كل صلاة.
وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعللَهم ، والصوابَ من القول فيما اختلفوا فيه من ذلك ، إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [سورة الحجر : 87] إن شاء الله ذلك.
وبمثل ما جاءتْ به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسماء سور القرآن التي ذُكرَتْ ، جاء شعرُ الشعراء. فقال بعضهم :

(1/103)


حَلفتُ بالسَّبع اللّواتي طُوِّلتْ ... وبِمِئينَ بعدَها قد أُمْئِيَت (1)
وبمَثَانٍ ثُنِّيتْ فكُرِّرتْ ... وبالطَّواسِينِ التي قد ثُلِّثَتْ (2)
وبالحَوامِيم اللَّوَاتِي سُبِّعتْ ... وبالمفصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلتْ (3)
قال أبو جعفر رحمة الله عليه : وهذه الأبيات تدل على صحّة التأويل الذي تأوَّلناه في هذه الأسماء.
وأما " المفصَّل " : فغنها سميت مفصَّلا لكثرة الفصول التي بين سورَها ب " بسم الله الرحمن الرحيم " .
قال أبو جعفر : ثم تسمى كل سورة من سور القرآن " سورة " ، وتجمع سُوَرًا " ، على تقدير " خُطبة وخُطب " ، " وغُرفة وغُرَف " .
والسورة ، بغير همز : المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سُور المدينة ، سمي بذلك الحائطُ الذي يحويها ، لارتفاعه على ما يحويه. غير أن السُّورة من سُور المدينة لم يسمع في جمعها " سُوَر " ، كما سمع في جمع سورة من القرآن " سور " . قال العجاج في جمع السُّورة من البناء :
فرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ ... سُرْتُ إليه في أعالي السُّورِ (4)
فخرَج تقدير جمعها على تقدير جَمع بُرَّة وبُسْرة ، لأن ذلك يجمع بُرًّا وبُسرًا. وكذلك لم يسمع في جمع سورة من القرآن سُوْرٌ ، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس ، إذا أريد به جميعُ القرآن. وإنما تركوا - فيما نرى - جمعه كذلك ، لأن كل جمع كان بلفظ الواحد المذكَّر مثل : بُرّ وشعير وقَصَب وما أشبه ذلك ، فإن
__________
(1) الأبيات في مجاز القرآن لأبي عبيدة : 7. أمأيت لك الشيء : أكملت لك عدته حتى بلغ المئة.
(2) الطواسين التي ثلثت ، يعني طسم الشعراء ، وطس النمل ، وطسم القصص.
(3) الحواميم التي سبعت : سبع سور من سورة غافر إلى سورة الأحقاف.
(4) ديوانه : 27 . والسرادق : كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه ، من مضرب أو خباء أو بناء. ويعني حريم الملك. ومحجور : محرم ممنوع لا يوطأ إلا بإذن. وسار الحائط يسوره وتسوره : علاه وتسلقه. " سرتُ إليه " : تسلقته.

(1/104)


جِماعَه يجري مجرى الواحد من الأشياء غيره (1) . لأن حكم الواحد منه منفردًا قَلَمَّا يُصاب ، فجرى جماعه مجرى من الأشياء غيره (2) ثم جُعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه ، فقيل : بُرَّة وشعيرة وقصبة ، يراد به قطعة منه (3) . ولم تكن سور القرآن موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرّ والشعير وسور المدينة ، بل كلّ سورة منها موجودةٌ منفردة بنفسها ، انفرادَ كل غُرْفة من الغُرف وخُطبة من الخطب ، فجُعِل جمعُها جمع الغُرَف والخطب ، المبنيِّ جمعها من واحدها.
ومن الدلالة على أنّ معنى السورة : المنزلةُ من الارتفاع ، قول نابغة بني ذُبيان :
أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أعطاكَ سُورَةً ... تَرَى كلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ (4)
يعني بذلك : أنّ الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التي قصَّرت عنها منازلُ الملوك.
وقد همز بعضهم السورةَ من القرآن. وتأويلُها ، في لغة من هَمَزها ، القطعةُ التي قد أفضِلت من القرآن عما سواها وأبقيت. وذلك أن سؤر كل شيء : البقية منه تَبقى بعدَ الذي يُؤخذ منه ، ولذلك سميت الفضْلة من شراب الرجل - يشرَبُه ثم يُفضلها فيبقيها في الإناء - سُؤْرًا. ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة ، يصف امرأةً فارقته فأبقت في قلبه من وجْدِها بقية :
فبَانَتْ ، وقد أَسْأَرتْ في الفُؤادِ ... صَدْعًا ، على نَأيِهَا ، مُسْتَطِيَرا (5)
__________
(1) في المطبوعة : " فإن جماعه كالواحد " . وفي المخطوطة " فإن جماعه مجرى الواحد " ، سقط من الناسخ قوله " يجري... " .
(2) في المطبوعة " مفردا " مكان " منفردا " .
(3) يعني أنه اسم جنس ، سبق الجمع الواحد. لأنه لم يوضع للآحاد ، وإنما وضع لجملته مجتمعًا ، وهو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء.
(4) ديوانة : 57 ، ويأتي في تفسير الطبري : 215 (بولاق). يتذبذب : يضطرب ويحار. والذبذبة : تردد الشيء المعلق في الهواء يمنة ويسرة. يقول : أعطاك الله من المنزلة الرفيعة ، ما لو رامه ملك وتسامى إليه ، بقى معلقًا دونها حائرًا يضطرب ويتردد ، لا يطيق أن يبلغها.
(5) ديوانه : 67 ، ويأتي في تفسير للطبري 29 : 129 (بولاق). استطار الصدع في الزجاجة وغيرها : تبين فيها من أولها إلى آخرها ، وفشا وامتد.

(1/105)


وقال الأعشى في مثل ذلك :
بَانَتْ ، وقد أَسْأَرْت في النَّفس حَاجتَهَا ، ... بعدَ ائتِلاف; وخيرُ الوُدِّ ما نَفَعَا (1)
وأما الآية من آي القرآن ، فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب :
أحدهُما : أن تكون سمِّيت آية ، لأنها علامةٌ يُعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها ، كالآية التي تكون دلالةً على الشيء يُستدلْ بها عليه ، كقول الشاعر :
ألِكْنى إليها ، عَمْرَك اللهُ يا فَتى ، ... بآيةِ ما جَاءتْ إلينا تَهَادِيَا (2)
يعني : بعلامة ذلك (3) . ومنه قوله جل ذكرُه : { رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ } [سورة المائدة : 114] أي علامةً منك لإجابتك دُعاءنا وإعطائك إيَّانا سُؤلَنا.
والآخر منهما : القصةُ ، كما قال كعب بن زهير بن أبي سُلمى :
ألا أبْلغا هذا المُعَرِّض آيَةً : ... أَيْقَظانَ قالَ القولَ إذْ قَالَ ، أمْ حَلَم (4)
يعني بقوله " آية " : رسالةً منّي وخبرًا عني.
فيكون معنى الآيات : القصص ، قصةٌ تتلو قصةً ، بفُصُول ووُصُول.
__________
(1) ديوانه : 73 . " بعد ائتلاف " : أي بعد ما كنا فيه من جمّاع وألفة.
(2) الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس ، ديوانه : 19 ، ويأتي في تفسير الطبري 1 : 156 (بولاق) ألكنى إليها : أبلغها رسالة مني ، والرسالة : الألوك والمألكة. وتهادى في مشيه : تمايل دلالا أو ضعفًا.
(3) في المخطوطة : " بعلامة دلت " ، وهو خطأ.
(4) ديوانه : 64 ، وروايته : " أنه أيقظان " . وقد استظهرت في شرح كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام : 89 ، أن الصواب " آية " ، كما جاء في مخطوطة الطبقات ، وشرح الطبري دال على صواب ما استظهرت. وأهملت كتب اللغة تفسير هذا الحرف على وجهه ، مع مجيئه في شعر كعب وغيره ، كقول حجل بن نضلة :
أبلغْ معاويةَ الممزَّق آيَةً ... عنِّي ، فلستُ كبَعض من يتَقَوَّلُ

(1/106)


{القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب}
قال أبو جعفر : صَحَّ الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما : -
134 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : هي أمّ القرآن ، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني (1) .
فهذه أسماءُ فاتحة الكتاب.
وسمّيت " فاتحة الكتاب " ، لأنها يُفتتح بكتابتها المصاحف ، ويُقرأ بها في الصلوات ، فهي فَواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة.
وسمّيت " أم القرآن " لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها ، وتأخُّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيهٌ بمعنى فاتحة الكتاب. وإنما قيل لها - بكونها كذلك - أمَّ القرآن ، لتسمية العرب كل جامع أمرًا - أو مقدِّمٍ لأمر إذا كانت له توابعُ تتبعه ، هو لها إمام جامع - " أمًّا " . فتقول للجلدة التي تجمع الدُّماغ : " أم الرأس " (2) . وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش - " أمًّا " . ومن ذلك قول ذي الرُّمة ، يصف رايةً معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحبُه :
__________
(1) الحديث 134 - رواه أحمد في المسند : 9787 (3 : 448 طبعة الحلبي). والبخاري 8 : 289 فتح الباري - كلاهما من طريق ابن أبي ذئب ، بهذا الإسناد. ولفظ أحمد : " قال في أم القرآن : هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم " . ولفظ البخاري : " أم القرآن : هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم " . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 21 ، من روايتي المسند والطبري. وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 3 ، ونسبه أيضًا للدارمي وأبي داود والترمذي وابن المنذر وغيرهم. وسيذكره الطبري مرة أخرى ، في تفسير الآية 87 من سورة الحجر (14 : 40 - 41 من طبعة بولاق) ، بهذا الإسناد.
(2) في المخطوطة : " تلي للدماغ " ، وهذه أجود.

(1/107)


وَأَسَمْرَ ، قَوَّامٍ إذَا نَام صُحْبَتِي ، ... خَفِيفِ الثِّيابِ لا تُوَارِي لَهُ أَزْرَا (1)
عَلَى رَأْسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بِهَا ، ... جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لَهَا أمْرَا (2)
إذَا نزلتْ قِيلَ : انزلُوا ، وإذا غدَتْ ... غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهَا فَخْرَا (3)
يعني بقوله : " على رأسه أمٌّ لنا " ، أي على رأس الرمح رايةٌ يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدوّ. وقد قيل إن مكة سميت " أمّ القُرى " ، لتقدُّمها أمامَ جميعِها ، وجَمْعِها ما سواها. وقيل : إنما سُميت بذلك ، لأن الأرض دُحِيَتْ منها فصارت لجميعها أمًّا. ومن ذلك قولُ حُميد بن ثَوْر الهلاليّ :
إذا كانتِ الخمسُونَ أُمَّكَ ، لَم يكنْ ... لِدَائك ، إلا أَنْ تَمُوت ، طَبِيبُ (4)
لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها من العدد ، فسماها أمًّا للذي قد بلغها.
__________
(1) ديوانه : 183 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبري أجودهما. أسمر : يعني رمحًا أسمر القناة. قوام : يظل الليل قائمًا ساهرًا. خفيف الثياب : يعني اللواء. والأزر : الظهر. يقول : رمح أسمر عاري الثياب ، لا يواري اللواء ظهره كما يواري الثوب ظهر اللابس.
(2) في الديوان : " يهتدي " ، والصواب " نهتدي " . وأمه التي ذكر ، هي اللواء ، ويقال للواء وما لف على الرمح منه : أم الرمح. وجماع أمور : أي تجمعها فتجتمع عليها ، وفي الحديث : " حدثني بكلمة تكون جماعًا. قال : اتق الله فيما تعلم " . والأمور جمع أمر : يعني شئونًا عظامًا. وأما قوله : لا نعاصي لها أمرًا. فهو من الأمر نقيض النهي.
(3) " نزلت " يعني الراية. و " غدت " : سارت غدوة. وفي المطبوعة " ذات تزريق " وهو خطأ. والبزريق : الموكب الضخم فيه جماعات الناس. وقوله : " ننال بها فخرًا " أي نغزو في ظلالها ، فنظهر على عدونا ونظفر ونغنم ، وذلك هو الفخر. وفي الديوان : " تخال بها فخرًا " وفي المخطوطة : " تخال لها " ، كأنه من صفة الراية نفسها ، تهتز وتميل فخرًا وتيهًا لكثرة أتباعها من الغزاة والفرسان.
(4) الشعر ليس لحميد بن ثور ، ولا هو في ديوانه ، بل هو لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب ، مولى بني تيم ثم من بني سليم ، من أهل الكوفة ، من شعراء الدولة العباسية. أحد الخلعاء المجان الوصافين للخمر ، كان صديقا لإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ، ونديمًا لهما. ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم ، واتصل بيزيد بن مزيد ، فلم يزل منقطعًا إليه حتى مات يزيد. الأغاني 18 : 115. وهذا البيت من قصيدة له ، روى بعض أبياتها الجاحظ في البيان 3 : 195 ، وابن قتيبة في عيون الأخبار 2 : 322 ، والراغب في محاضرات الأدباء 2 : 198 ، ومجموعة المعاني : 124 ، والشعر فيها جميعًا منسوب لأبي محمد التيمي ، وهو :
إذا كانت السبعون سنّك ، لم يكُن ... لدائِك ، إلا أن تَموتَ ، طبيبُ وإن امرأً قد س ... إلى مَنْهلٍ ، مِن وِرْدِه لقريبُ إذا ما خلوتَ الدَّ ... خلوتُ ، ولكن قلْ عليَّ رقيبُ إذا مَا انقَضَى القَرْن ... وخُلِّفْت في قرنٍ فأنت غريبُ
وللبيت الثاني قصة في أمالي القالي 3 : 1 ، وانظر زهر الآداب 3 : 221 ، وذكر البيت الثاني والرابع وقال : " قال دعبل : وتزعم الرواة أنه لأعرابي من بني أسد " . واختلفوا في رواية قوله : " السبعون سنك " ، ففيها " الخمسون " ، و " الستون " . ولم أجد روايته " أمك " مكان " سنك " إلا في كتاب الطبري وحده.

(1/108)


وأما تأويل اسمها أنها " السَّبْعُ " ، فإنها سبعُ آيات ، لا خلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك.
وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات. فقال عُظْمُ أهل الكوفة : صارت سبع آيات ب { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين. وقال آخرون : هي سبع آيات ، وليس منهن { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ولكن السابعة " أنعمت عليهم " . وذلك قول عُظْم قَرَأةِ أهل المدينة ومُتْقنيهم (1) .
قال أبو جعفر : وقد بيَّنا الصواب من القول عندنا في ذلك في كتابنا : (اللطيف في أحكام شرائع الإسلام) بوجيز من القول ، ونستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين في كتابنا : (الأكبر في أحكام شرائع الإسلام) إن شاء الله ذلك.
وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم آياتها السبعَ بأنهن مَثان ، فلأنها تُثْنَى قراءتها في كل صلاة وتطوُّع ومكتوبة. وكذلك كان الحسن البصري يتأوّل ذلك.
135 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُليَة ، عن أبي رَجاء ، قال سألت الحسن عن قوله : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }
__________
(1) في المطبوعة : " أعظم أهل الكوفة... " ثم " أعظم قراء أهل المدينة " . وهو تغيير. وعظم الشيء أو الناس : معظمهم وأكثرهم. و " قرأة " جمع قارئ. وانظر ما سلف : 51 - 52 التعليق رقم : 3 و ص 64 تعليق رقم : 4 . وفي المطبوعة " ومتفقهيهم " ، غيروه أيضًا.

(1/109)


[سورة الحجر : 87] قال : هي فاتحة الكتاب. ثم سئل عنها وأنا أسمع فقرأها : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } حتى أتى على آخرها ، فقال : تُثْنَى في كل قراءة - أو قال - في كل صلاة. الشك من أبي جعفر الطبري (1) .
والمعنى الذي قلنا في ذلك قصد أبو النجم العجلي بقوله :
الحمدُ لله الذي عَافَانِي ... وكلَّ خَيْر بعدَهُ أَعْطانِي
مِنَ القُرَآن ومِنَ المَثَاني (2)
وكذلك قول الراجز الآخر :
نَشَدْتُكم بِمُنزل الفُرقانِ ... أمِّ الكِتَاب السَّبع من مَثَانِي (3)
ثُنِّينَ مِنْ آيٍ من القُرْآنِ ... والسَّبعِ سبعِ الطُّوَل الدَّوانِي (4)
وليس في وجوب اسم " السبع المثاني " لفاتحة الكتاب ، ما يدفع صحة وجوب اسم " المثاني " للقرآن كله ، ولما ثَنَّىالمئين من السور (5) . لأن لكلٍّ وجهًا ومعنًى مفهومًا ، لا يَفْسُد - بتسميته بعضَ ذلك بالمثاني - تسميةُ غيره بها.
فأما وجه تسمية ما ثَنَّى المئينَ من سور القرآن بالمثاني ، فقد بينا صحته ، وسندُلّ على صحة وجه تسمية جميع القرآن به عند انتهائنا إليه في سورة الزُّمَر ، إن شاء الله.
__________
(1) الأثر 135 - سيأتي في تفسير الآية : 87 سورة الحجر 14 : 38 - 39 (بولاق) ، بهذا الإسناد ، بلفظ " في كل قراءة " ، ولم يشك الطبري هناك. و " أبو رجاء " ، في هذا الإسناد : هو " محمد بن سيف الأزدي الحداني البصري " ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي وغيرهم.
(2) اللسان (ثنى) : ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 7. وقوله " بعده " الضمير عائد بالتذكير إلى معنى العافية في البيت السالف. ورواية اللسان وأبي عبيدة " وكل خير صالح " ، ثم روى الأخير :
" رب مثاني الآي والقرآن "
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة : 7 " أم الكتاب " بدل من " الفرقان " .
(4) في المطبوعة " تبين " ولا معنى لها ، ومكان هذه الكلمة بياض في المخطوطة. و " ثنين " : كررن مرة بعد مرة. وقوله " الدواني " مكانها بياض في المخطوطة. وكأنه أراد جمع دانية ، ووصفها بأنها " دواني " ، أي قطوفها دانية.
(5) في المطبوعة : " وجود " مكان " وجوب " في الموضعين السالفين. وفي المطبوعة " ولما يثنى من السور " ، وهي في المخطوطة : " ولما هي المئين... " وكلتاهما خطأ. وقد سلف في ص : 103 قوله : " وأما المثاني ، فإنها ما ثنى المئين فتلاها ، وكان المئون لها أوائل ، وكان المثاني لها ثواني " وثنى : أتى ثانيًا له.

(1/110)


القول في تأويل الاستعاذة
تأويل قوله : { أَعُوذُ } .
قال أبو جعفر : والاستعاذة : الاستجارة. وتأويل قول القائل : { أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه - من الشيطان أن يضرَّني في ديني ، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي.
تأويل قوله : { مِنَ الشَّيْطَانِ }
قال أبو جعفر : والشيطان ، في كلام العرب : كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء. وكذلك قال ربّنا جل ثناؤه : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ } [سورة الأنعام : 112] ، فجعل من الإنس شياطينَ ، مثلَ الذي جعل من الجنّ.
وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ، وركب بِرذَوْنًا فجعل يتبختر به ، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا ، فنزل عنه ، وقال : ما حملتموني إلا على شيطانٍ! ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نَفسي.
136 - حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر (1) .
قال أبو جعفر : وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا ، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله ، وبُعدِه من الخير. وقد قيل : إنه أخذ من
__________
(1) الأثر : 136 نقله ابن كثير في التفسير 1 : 32 من رواية ابن وهب ، بهذا الإسناد. وقال " إسناده صحيح " . وذكر الطبري في التاريخ 4 : 160 نحو معناه بسياق آخر ، بدون إسناد.

(1/111)


قول القائل : شَطَنَتْ دَاري من دارك - يريد بذلك : بَعُدت. ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان :
نأتْ بِسُعَادَ عَنْك نَوًى شَطُونُ ... فبانَت ، والفؤادُ بها رَهِينُ (1)
والنوى : الوجه الذي نَوَتْه وقصَدتْه. والشَّطونُ : البعيد. فكأن الشيطان - على هذا التأويل - فَيعَال من شَطَن. ومما يدلّ على أن ذلك كذلك ، قولُ أميّة ابن أبي الصّلت :
أَيُّمَا شاطِن عَصَاه عَكاهُ ... ثُم يُلْقَى في السِّجْن والأكْبَالِ (2)
ولو كان فَعلان ، من شاطَ يشيط ، لقال أيُّما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطنٍ ، لأنه من " شَطَن يَشْطُنُ ، فهو شاطن " .
تأويل قوله : (الرَّجِيمِ).
وأما الرجيم فهو : فَعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كفٌّ خضيبٌ ، ولحيةٌ دهين ، ورجل لَعينٌ ، يريد بذلك : مخضوبة ومدهونة وملعون. وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم. وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم الرَّميُ ، بقول كان أو بفعل. ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه : { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ } [سورة مريم : 46].
وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان رجيمٌ ، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته ، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب (3)
__________
(1) زيادات ديوانه : 20 .
(2) ديوانه : 51 ، واللسان (شطن) و (عكا). وعكاه في الحديد والوثاق : شده شدًّا وثيقًا. والأكبال جمع كبل : وهو القيد من الحديد. وأظنه أراد هنا البيت في السجن المضبب بالحديد ، من قولهم : كبله كبلا : حبسه في سجن. هذا ما أستظهره من سياق الشعر.
(3) الشهب ، جمع شهاب : وهو الشعلة من النار ، ثم استعير للكوكب الذي ينقض بالليل. والثواقب ، جمع ثاقب : وهو المضيء المشتعل.

(1/112)


وقد رُوي عن ابن عباس ، أن أول ما نزل جبريلُ على النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّمه الاستعاذة.
137 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سَعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريلُ على محمد قال : " يا محمد استعذ ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : قل : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ثم قال : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1]. قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل (1) .
فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه.
__________
(1) الحديث 137 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 30 عن هذا الموضع من الطبري ، وقال : " وهذا الأثر غريب! وإنما ذكرناه ليعرف ، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا " . وسيرويه الطبري بعد ذلك ، برقمي 138 ، 139 ، بهذا الإسناد نفسه ، بأطول مما هنا. وسنذكر الضعف الذي أشار إليه ابن كثير : وقوله " استعذ " ليست في المطبوعة.
أما عثمان بن سعيد ، فهو الزيات الأحول ، مترجم في التهذيب ، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3\ 1\ 152 ، وروى عن أبيه أنه قال : " لا بأس به " . وأما بشر بن عمارة ، فهو الخثعمي الكوفي ، وهو ضعيف ، قال البخاري في التاريخ الكبير 1\ 2\ 81 " تعرف وتنكر " ، وقال النسائي في الضعفاء : ص 6 " ضعيف " ، وقال الدارقطني : " متروك " ، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين : ص 125 رقم 132 : " كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد ، ولم يكن يعلم الحديث ولا صناعته " ، وأما شيخه أبو روق - بفتح الراء وسكون الواو - فهو عطية بن الحارث الهمداني ، وهو ثقة ، وقال أحمد والنسائي : " لا بأس به " .
وأما الانقطاع الذي أشار إليه ابن كثير ، فمن أجل اختلافهم في سماع الضحاك بن مزاحم الهلالي من ابن عباس. وقد رجحنا في شرح المسند : 2262 سماعه منه.
وكفى ببشر بن عمارة ضعفًا في الإسناد ، إلى نكارة السياق الذي رواه وغرابته!!

(1/113)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

القول في تأويل
(بسم الله الرحمن الرحيم)
القول في تأويل قوله : { بِسْمِ } .
قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته (1) ، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه ، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها (2) ، وسبيلا يتَّبعونه عليها ، فبه افتتاح أوائل منطقهم (3) ، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل : " بسم الله " ، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.
وذلك أن الباء من " بسم الله " مقتضية فعلا يكون لها جالبًا ، ولا فعلَ معها ظاهرٌ ، فأغنت سامعَ القائل " بسم الله " معرفتُه بمراد قائله ، عن إظهار قائل ذلك مُرادَه قولا إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرًا ، قد أحضرَ منطقُه به - إمّا معه ، وإمّا قبله بلا فصْلٍ - ما قد أغنى سامِعَه عن دلالةٍ شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح قِيلَه به (4) . فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه ، نظيرَ استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له : ما أكلت اليوم ؟ فقال : " طعامًا " - عن أن يكرّر المسئُولُ مع قوله " طعامًا " ، أكلت ، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه (5) ، بتقدُّم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذًا أنّ قول
__________
(1) تقدم إليه بشيء : أمره بفعله أو إتيانه .
(2) يقول : جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها . فقدم قوله " منه لجميع خلقه " .
(3) في المطبوعة : " في افتتاح . . . " والضمير في " فبه " عائد إلى " ما أدبه به " .
(4) في المطبوعة : " من إظهار " ، " من دلالة شاهدة " .
(5) معناه : أي ما يعنيه ويقصده .

(1/114)


القائل إذا قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تاليًا سورةً ، أن إتباعه " بسم الله الرحمن الرحيم " تلاوةَ السورة ، يُنبئ عن معنى قوله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهومٌ به أنه مريد بذلك : أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك قوله : " بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبئ عن معنى مراده بقوله " بسم الله " ، وأنه أراد بقِيلِه " بسم الله " ، أقوم باسم الله ، وأقعد باسم الله. وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك ، هو معنى قول ابن عباس الذي : -
138 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشرُ بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : إنَّ أول ما نزل به جبريلُ على محمد ، قال : " يا محمد ، قُل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ثم قال : " قل بسم الله الرحمن الرحيم " . قال : قال له جبريل : قل بسم الله يا محمد ، يقول : اقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله. (1)
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإن كان تأويلُ قوله " بسم الله " ما وصفتَ ، والجالبُ الباءَ في " بسم الله " ما ذكرتَ ، فكيف قيل " بسم الله " ، بمعنى أقرأ باسم الله " ، أو أقوم أو أقعد باسم الله ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ الله ، فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه ، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا فبالله قيامُه وقعودُه وفعلُه. وهَلا - إذْ كان ذلك كذلك - قيل " بسم الله الرحمن الرحيم " ولم يَقُل " بسم الله " ؟ فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم ، أو أقرأ بالله - أوضحُ معنى لسامعه من قوله " بسم الله " ، إذ كان قوله أقوم " أقوم أو أقعد باسم الله " ، يوهم سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله.
قيل له ، وبالله التوفيق : إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّمته في نفسك. وإنما معنى قوله " بسم الله " : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء ،
__________
(1) الحديث 138 - مضى مختصرًا ، بهذا الإسناد 137 . وفصلنا القول فيه هناك .

(1/115)


أو أقرأ بتسميتي اللهَ ، أو أقوم وأقعد بتسميتي اللهَ وذكرِه - لا أنه يعني بقِيلِه " بسم الله " : أقوم بالله ، أو أقرأ بالله ، فيكونَ قولُ القائل : أقرأ بالله ، أو أقوم أو أقعد بالله - أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله " بسم الله " .
فإن قال : فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ ، فكيف قيل : " بسم الله " وقد علمتَ أنّ الاسم اسمٌ ، وأن التسمية مصدرٌ من قولك سَمَّيت ؟
قيل : إن العربَ قد تخرج المصادرَ مبهمةً على أسماء مختلفة ، كقولهم : أكرمتُ فلانًا كرامةً ، وإنما بناءُ مصدر " أفعلتُ " - إذا أخرج على فعله - " الإفعالُ " . وكقولهم : أهنت فلانًا هَوانًا ، وكلّمته كلامًا. وبناء مصدر : " فعَّلت " التفعيل. ومن ذلك قول الشاعر :
أَكُفْرًا بعد رَدِّ المَوْتِ عَنِّي... وبعد عَطَائِكَ المِئَةَ الرِّتَاعَا (1)
يريد : إعطائك. ومنه قول الآخر :
وَإن كانَ هذا البُخْلُ منْك سَجيةً... لقد كُنْتُ في طَولِي رَجَاءكَ أَشْعَبَا (2)
يريد : في إطالتي رجاءك. ومنه قول الآخر :
أَظُلَيْمُ إن مُصَابَكم رَجُلا... أَهْدَى السّلامَ تحيَّةً ظُلْمُ (3)
يريد : إصابتكم. والشواهد في هذا المعنى تكثُرُ ، وفيما ذكرنا كفاية ، لمن وُفِّق لفهمه.
__________
(1) الشعر للقطامي ديوانه : 41 ، ويأتي في تفسير آية سورة يوسف : 12 (ج 12 ص 94 بولاق) . يقول لزفر بن الحارث الكلابي ، وكان أسره في حرب ، فمن عليه وأعطاه مئة من الإبل ، ورد عليه ماله . يقول : أأكفر بما وليتني ، وقد أعطيت ما أعطيت . والعطاء بمعنى الإعطاء ، ولذلك نصب به " المئة " . والرتاع جمع راتع : يعني الإبل ترتع في مرعى خصيب تذهب فيه وتجيء .
(2) لم أجد البيت . وأشعب : الطماع الذي يضرب به المثل في الطمع المستعر .
(3) الشعر للحارث بن خالد المخزومي ، الأغاني 9 : 225 - 226 ، وهذا البيت الذي من أجله أشخص الواثق إليه أبا عثمان المازني النحوي ، وله قصة . انظر الأغاني 9 : 234 وغيره ، وفي المطبوعة : " أظلوم " ، والصواب من المخطوطة ، والأغاني وأمالي الشجري 1 : 107 وغيرها . وهذه الشواهد السالفة استشهاد من الطبري على أن الأسماء تقوم مقام المصادر فتعمل عملها في النصب . وظليم : هي أم عمران ، زوجة عبد الله بن مطيع ، وكان الحارث ينسب بها ، فلما مات زوجها تزوجها .

(1/116)


فإذْ كان الأمر - على ما وصفنا ، من إخراج العرب مصادرَ الأفعال على غير بناء أفعالها - كثيرًا ، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودًا فاشيًا (1) ، فبيِّنٌ بذلك صوابُ ما قلنا من التأويل في قول القائل " بسم الله " ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله ، قبل فعلي ، أو قبل قولي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، إنما معناه : أقرأ مبتدئًا بتسمية الله ، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله. فجُعِل " الاسمُ " مكان التسمية ، كما جُعل الكلامُ مكان التكليم ، والعطاءُ مكان الإعطاء.
وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك ، رُوِي الخبر عن عبد الله بن عباس.
139 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أوّل ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : " يا محمد ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : " قل : بسم الله الرحمن الرحيم " .
قال ابن عباس : " بسم الله " ، يقول له جبريلُ : يا محمد ، اقرأ بذكر الله ربِّك ، وقم واقعد بذكر الله. (2)
وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل مفتتحًا قراءته : " بسم الله الرحمن الرحيم " : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وأفتتح القراءة بتسمية الله ، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى - ويوضح فسادَ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم أوّلِ كلِّ شيء (3) ، مع أن العباد
__________
(1) أراد بقوله : " تصديرها " : أي جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الأفعال ، وذلك كقولك : ذهب ذهابًا ، فذهب صدرت عن قولك " ذهاب " ، ويعمل عندئذ عمل الفعل . وعنى أنهم يخرجون المصدر على وزن الاسم فيعمل عمله ، كقولك " الكلام " هو اسم ما تتكلم به ، ولكنهم قالوا : كلمته كلامًا ، فوضعوه موضع التكليم ، وأخرجوا من " كلم " مصدرًا على وزن اسم ما تتكلم به ، وهو الكلام ، فكان المصدر : " كلامًا " .
(2) الحديث 139 - مضى هذا الخبر وتخريجه ، برقم 137 .
(3) قوله : " يوضح " ساقطة من المطبوعة . وفيها مكان : " أول كل . . . " ، " في كل . . " .

(1/117)


إنما أُمِروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورِهم بتسمية الله ، لا بالخبر عن عظمته وصفاته ، كالذي أمِروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد ، وعند المَطعم والمَشرب ، وسائر أفعالهم. وكذلك الذي أمِروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله ، وصدور رسائلهم وكتبهم.
ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة ، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام (1) " بالله " ، ولم يقل " بسم الله " ، أنه مخالف - بتركه قِيلَ : " بسم الله " ما سُنَّ له عند التذكية من القول. وقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقوله " بسم الله " " بالله " ، كما قال الزاعم أن اسمَ الله في قول الله : " بسم الله الرحمن الرحيم " هو الله. لأن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحتَه " بالله " ، قائلا ما سُنَّ له من القول على الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أنّ قائلَ ذلك تارك ما سُنَّ له من القول على ذبيحته - إذْ لم يقل " بسم الله " - دليلٌ واضح على فساد ما ادَّعى من التأويل في قول القائل : " بسم الله " ، أنه مراد به " بالله " ، وأن اسم الله هو الله.
وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم : أهُوَ المسمى ، أمْ غيرُه ، أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به ، وإنما هذا موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله : أهو اسمٌ ، أم مصدر بمعنى التسمية (2) ؟
__________
(1) التذكية : النحر والذبح . ذكيت الشاة تذكية : ذبحتها .
(2) استجاد أبو جعفر رضي الله عنه خير الرأي لحجته . والذي كتبه قبل ، وما يأتي بعد ، من أقوم ما قيل في شرح هذا الموضع الذي لجت فيه العقول والأقلام . وبيان ما قال أبو جعفر : إن قولك " اسم " في " بسم الله " ، إنما هو اسم مصدر (أو اسم حدث) ، أي هو في الأصل اسم لما تفعل من تسميتك الشيء ، مثل " الكلام " اسم حدث لما تفعل من التكليم ، ومثل " العطاء " اسم حدث لما تفعل من الإعطاء ، ومثل " الغسل " ، اسم حدث لما تفعل من الاغتسال . وكأن أصله من قولك " سموت الشيء سموا " ، فأماتوا فعله الثلاثي وبقي مصدره ، " سمو " ، فحذفوا واوه المتطرفة ، فصار " سم " فأعاضوه منها ألفًا في أوله ، فصار " اسم " ، كما كان قولك : " كلام " من فعل ثلاثي هو " كلم كلامًا " ، على مثال " ذهب ذهابًا " ، فأماتوا الفعل الثلاثي وبقي مصدره " كلام " ، فجعلوه اسم حدث لما تفعل من التكليم ، ثم أخرجوا مصدر الرباعي على مخرج اسم هذا الحدث ، فقالوا : " كلم يكلم كلامًا " ، بمعنى " كلم يكلم تكليمًا " .
فكذلك فعلوا في قولهم " سمى يسمى تسمية " : أخرجوا لهذا الرباعي مصدرًا على مخرج اسم الحدث وهو " اسم " ، فقالوا : " سمى يسمى اسمًا " ؛ بمعنى " سمى يسمى تسمية " . فقولك " كلام " بمعنى " تكليم " وقولك " اسم " بمعنى " تسمية " صُدِّرا على مخارج أسماء الأحداث . وإذن فالمضاف إلى اسمه تعالى في قولك " بسم الله " وأشباهها ، إنما هو مصدر صدر على مخرج اسم الحدث ، وهو اسم ، من فعل رباعي هو " سمى يسمي " ، فكان بمعنى مصدره وهو " تسمية " . وهو في هذا المكان وأمثاله بمعنى المصدر " تسمية " ، لا بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية . (انظر : 123 - 124 ، كلام الطبري في " أله " ) .
وهذا الذي قاله أبو جعفر رضي الله عنه أبرع ما قيل في شرح هذا الحرف من كلام العرب . وقد أحسن النظر وأدقه ، حتى خفي على جلة العلماء الذين تكلموا في شرح معنى " اسم " في " بسم الله " وأشباهها ، فأغفلوه إغفالا لخفائه ووعورة مأتاه ، وإلفهم للكلام في الذي افتتحوه من القول في " الاسم " ، أهو المسمى أم غيره ، أم هو صفة له ، وما رسمه وما حده ؟ وهذا باب غير الذي نحن فيه ، فخلطوا فيه خلطًا ، فجاء الطبري فمحص الحق تمحيصًا ، وهو أرجح الآراء عندنا وأولاها بالتقديم ، لمن وفق لفهمه ، كما يقول أبو جعفر غفر الله له . وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى وضوحًا وبيانًا . ولولا خوف الإطالة ، لأتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبري الذي أغفلوه ، على كل رأي سبقه أو أتى بعده .

(1/118)


فإن قال قائل : فما أنت قائلٌ في بيت لبيد بن ربيعة :
إلَى الحَوْلِ ، ثم اسْمُ السَّلام عليكُمَا ، ... ومن يَبْكِ حَوْلا كاملا فَقَد اعتَذَرْ (1)
فقد تأوله مُقدَّم في العلم بلغة العرب ، أنه معني به : ثم السلام عليكما ، وأن اسمَ السلام هو السلام ؟ (2)
قيل له : لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأوّل ، لجاز أن يقال : رأيتُ اسم زيد ، وأكلتُ اسمَ الطعام ، وشربتُ اسمَ الشراب ؛ وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد : " ثمّ اسم السلام
__________
(1) ديوانه ، القصيدة رقم : 21 ، والخزانة 2 : 217 ، ثم يأتي في تفسير آية سورة التوبة : 90 (10 : 144 بولاق) ، وآية سورة الرعد : 35 (13 : 109) والشعر يقوله لابنتيه ، إذ قال : تَمَنَّى ابنتَايَ أن يعيشَ أبُوهما ... وهَلْ أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ!
ثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد : فقُومَا فقولاَ بالذي قد علمتُما ... ولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تَحْلِقا شَعَرْ
وقولاَ : هو المرءُ الّذي لا خليلَه ... أَضاعَ ، ولا خانَ الصديقَ ، ولا غَدَرْ
فقوله " إلى الحول . . " أي افعلا ذلك إلى أن يحول الحول . والحول : السنة كاملة بأسرها . وقوله " اعتذر " هنا بمعنى أعذر : أي بلغ أقصى الغاية في العذر .
(2) هذا المقدم في العلم بلغة العرب ، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى ، في كتابه مجاز القرآن : 16 . وقد وقع بين ماضغى أسد! وهذا الذي يأتي كله تقريع مرير من أبي جعفر لأبي عبيدة .

(1/119)


عليكما " ، أنه أراد : ثم السلام عليكما ، وادِّعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافتَه إلى السلام إنما جاز ، إذْ كان اسم المسمَّى هو المسمَّى بعينه.
ويُسأل القائلون قولَ من حكينا قولَه هذا ، فيقال لهم : أتستجيزون في العربية أن يقال : " أكلتُ اسمَ العسل " ، يعني بذلك : أكلت العسل ، كما جاز عندكم : اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون : السلامُ عليك ؟
فإن قالوا : نعم ! خرجوا من لسان العرب ، وأجازوا في لغتها ما تخطِّئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا : لا سئلوا الفرقَ بينهما : فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا أُلزموا في الآخر مثله.
فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟
قيل له : يحتمل ذلك وجهين ، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله.
أحدُهما : أن " السلام " اسمٌ من أسماء الله ، فجائز أن يكون لبيد عنَى بقوله : " ثم اسم السلام عليكما " ، ثم الزما اسمَ الله وذكرَه بعد ذلك ، وَدَعَا ذكري والبكاءَ عليّ ؛ على وجه الإغراء. فرفعَ الاسم ، إذْ أخّر الحرفَ الذي يأتي بمعنى الإغراء. (1) وقد تفعَلُ العرب ذلك ، إذا أخّرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به ، وإن كانت قد تنصبُ به وهو مؤخَّر. ومن ذلك قول الشاعر :
يَا أَيُّها المائحُ دَلوِي دُونَكا!... إني رأيتُ النَّاس يَحْمدُونَكا! (2)
فأغرَى ب " دونك " ، وهي مؤخرة ، وإنما معناه : دونَك دلوي. فذلك قول لبيد :
* إلى الحوْلِ ، ثمَّ اسمُ السَّلامُ عَلَيْكُمَا *
يعني : عليكما اسمَ السلام ، أي : الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجدَ بي ، لأن من بكى حَوْلا على امرئ ميّت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه.
__________
(1) في المطبوعة : " إذا وأخر " . وقوله " فرفع الاسم " ، يعني ما في قول لبيد " ثم اسم " ، وكان حقه أن ينصب على الإغراء لو قال : " ثم عليكما اسم السلام " بتقديم الإغراء .
(2) هذا رجز في خبر طويل ، الخزانة 3 : 17 قيل هزءًا برجل ألقوه في بئر ثم رجزوا به . والمائح : هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها ، فيلقي الدلاء فيملؤها بيده ويميح لأصحابه .

(1/120)


والوجه الآخر منهما : ثم تسميتي اللهَ عليكما ، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه : " اسم الله عليك " يعوِّذه بذلك من السوء ، فكأنه قال : ثم اسمُ الله عليكما من السوء ، وكأنّ الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد. (1)
ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أنّ معناه : ثم السلام عليكما ، أترَى ما قلنا - من هذين الوجهين - جائزًا ، أو أحدهما ، أو غيرَ ما قلتَ فيه ؟
فإن قال : لا ! أبان مقدارَه من العلم بتصاريف وُجوه كلام العرب ، وأغنى خصمه عن مناظرته.
وإن قال : بَلَى !
قيل له : فما برهانك على صحة ما ادَّعيت من التأويل أنه الصوابُ ، دون الذي ذكرتَ أنه محتملُه - من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك.
وأما الخبر الذي : -
140 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك [وهو يلقب بزبريق] قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومِسْعَرِ بن كِدَام ، عن عطية ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّه إلى الكتَّاب ليعلِّمه ، فقال له المعلم : اكتب " بسم " فقال له عيسى : وما " بسم " ؟ فقال له المعلم : ما أدري ! فقال عيسى : الباء بهاءُ الله ، والسين : سناؤه ، والميم : مملكته. (2)
__________
(1) الأول بغير شك أولى الأقوال بالصواب . فإنه كان قد أمر ابنتيه - كما قدمنا في أبياته السالفة ، أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه ورثائه ، وأن تفعلا ذلك منذ يموت إلى أن يحول عليه الحول ، فلا معنى بعد أن يلقي السلام عليهما ، أي تحية المفارق ، بعد الحول ، فقد فارقهما منذ حول كامل . وأولى به أن يدعو لهما ، أو يستكفهما عما أمرهما به ، إذ قضتا ما أمرهما على الوجه الذي أحب ، " ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر " ، كأنه قال : كفا عندئذ عما أمرتكما ، فإن من بكى حولا فقد بلغ أقصى ما يسعه العذر . فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبري عامة ، وإلى الجزم بأن معنى " ثم اسم السلام عليكما " هو : الزما ذكر الله ، ودعا ذكرى ، والبكاء علي ، والوجد بي .
(2) الحديث 140 - هذا حديث موضوع ، لا أصل له . وهو أطول من هذا ، وسيأتي بعضه برقمي 145 ، 147 ، فصل الطبري كل قسم منه في موضعه ، وفيه زيادة أخرى ، في تفسير كلمات " أبجد هوز " . إلخ . رواه بطوله ابن حبان الحافظ ، في كتاب المجروحين ، في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد الله التيمي ، رقم : 44 ص85 ، وقال في إسماعيل هذا : " كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات ، وما لا أصل له عن الأثبات ، لا تحل الرواية عنه ، ولا الاحتجاج به بحال " . ثم ضرب مثلا من أكاذيبه ، فروى الحديث بطوله ، عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك ، بالإسناد الثاني الذي هنا ، من حديث أبي سعيد الخدري . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 35 نقلا عن ابن مردويه ، من حديث أبي سعيد وحده ، جمع فيه الأقسام الثلاثة التي فرقت هنا . ثم أشار إلى رواية الطبري إياه . ثم قال : " وهذا غريب جدا ، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات " ! وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب ، فتسقط روايته بمرة ، ولا يحتاج إلى هذا التردد . وأما السيوطي ، فقد ذكره في الدر المنثور 1 : 8 ، ونسبه لابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي ، ولم يغفل عن علته ؛ فذكر أنه " بسند ضعيف جدا " . وترجم الذهبي في الميزان 1 : 117 ، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان 1 : 441 - 442 لإسماعيل بن يحيى هذا ، وفي ترجمته : " قال صالح بن محمد جزرة : كان يضع الحديث . وقال الأزدي : ركن من أركان الكذب ، لا تحل الرواية عنه . . . وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم : كذاب " . وقال ابن حجر : " مجمع على تركه " . وذكر هو والذهبي هذا الحديث مثالا من أكاذيبه .
ثم إن إسناده الأول ، الذي رواه إسماعيل بن يحيى عن أبي مليكة ، فيه أيضًا راو مجهول ، وهو " من حدثه عن ابن مسعود " . وإسناده الثاني ، الذي رواه إسماعيل هذا عن مسعر بن كدام ، فيه أيضًا " عطية بن سعد بن جنادة العوفي " ، وهو ضعيف ، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما .
والزيادة بين قوسين ، في لقب إبراهيم بن العلاء من المخطوطة . و " زبريق " : بكسر الزاي والراء بينهما ياء موحدة ساكنة . وهو لقب إبراهيم ، فيما قيل . والصحيح أنه لقب أبيه ، فقد قال البخاري في ترجمته في الكبير 1 / 1 / 307 : " زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 121 : " إبراهيم بن العلاء . . . يعرف بابن الزبريق " .

(1/121)


فأخشى أنْ يكون غلطًا من المحدِّث ، وأن يكون أراد [ ب س م ] ، على سبيل ما يعلَّم المبتدئ من الصبيان في الكتّاب حروف أبي جاد ، فغلط بذلك ، فوصَله ، فقال : " بسم " ، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي " بسم الله الرحمن الرحيم " ، على ما يتلوه القارئ في كتاب الله ، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها ، إذا حُمِل تأويله على ذلك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { اللَّهِ } .
قال أبو جعفر : وأما تأويل قول الله تعالى ذكره " الله " ، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس - : هو الذي يَألَهه كل شيء ، ويعبده كل خلْقٍ.

(1/122)


141 - وذلك أنّ أبا كريب حدثنا ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : " الله " ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين. (1)
فإن قال لنا قائل : فهل لذلك في " فعل ويفعل " أصل كان منه بناءُ هذا الاسم ؟
قيل : أمّا سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالا.
فإن قال : وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة ، وأنّ الإله هو المعبود ، وأنّ له أصلا في " فعل ويفعل " .
قيل : لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل (2) - يصف رجلا بعبادة ، وبطلب مما عند الله جل ذكره : " تألَّه فلان " - بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج :
للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ (3) سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
يعني : من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.
ولا شك أنّ " التألُّه " ، التفعُّل من : " ألَه يأله " ، وأن معنى " أله " - إذا نُطق به : - عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب " فعل يفعل " يغير زيادة.
142 - وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع ، قال حدثنا أبي ، عن نافع بن عُمر ، عن عَمرو بن دينار ، عن ابن عباس : أنه قرأ(وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [سورة الأعراف : 127] قال : عبادتَك ، ويقال : إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد.
__________
(1) الحديث 141 - إسناد هذا الخبر ضعيف ، كما فصلنا القول فيه ، في إسناد الخبر 137 . وهذا الذي هنا نقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 8 مع باقيه الآتي برقم 148 بالإسناد نفسه . ونسبه السيوطي لابن جرير (وكتب فيه : ابن جريج ، خطأ مطبعيا) ، وابن أبي حاتم .
(2) قوله " لا تمانع " ، أي لا اختلاف بينهم ، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر . وسيأتي مثله في ص : 126 .
(3) ديوانه : 165 . المده : جمع ماده . ومده فلانًا يمدهه مدهًا : نعت هيئته وجماله وأثنى عليه ومدحه . و " استرجعن " : قلن " إنا لله وإنا إليه راجعون . يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر الدنيا ، بعد الذي كان من شبابه وجماله وصبوته!

(1/123)


143 - حدثنا سفيان ، قال : حدثنا ابن عُيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن ابن عباس : (وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك) ، قال : إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد (1)
وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد.
144 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : أخبرني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : قوله " ويذرَكَ وإلاهتك " قال : وعبادتَك (2) ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول القائل : ألَه اللهَ فلانٌ إلاهةً ، كما يقال : عَبَد الله فلانٌ عبادةً ، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا : أنّ " أله " عَبد ، وأن " الإلاهة " مصدرُه.
فإن قال : فإن كان جائزًا أن يقال لمن عبد الله : ألهه - على تأويل قول ابن عباس ومجاهد - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقال ، إذا أراد المخبر الخبرَ عن استيجاب الله ذلك على عَبْده ؟
__________
(1) الخبران 142 ، 143 - إسنادهما ضعيفان ، من أجل " سفيان بن وكيع بن الجراح " ، شيخ الطبري فيهما ، وسفيان هذا : ضعيف ، كان أبوه إمامًا حجة ، وكان هو رجلا صالحًا ، ولكن وراقه أفسد عليه حديثه ، وأدخل عليه ما ليس من روايته . ونصحه العلماء أن يدعه فلم يفعل ، فمن أجل ذلك تركوه . قال ابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم 470 ص238 - 239 : " فمن أجل إصراره على ما قيل له استحق الترك " .
وهذان الخبران ، سيذكرهما الطبري في تفسير آية سورة الأعراف : 127 (9 : 18 بولاق) ، وهناك شيء من التحريف في أحدهما . ونقل معناهما السيوطي في الدر المنثور 3 : 107 .
والقراءة الصحيحة المعروفة : {ويذرك وآلهتك} . وأما هذه القراءة " وإلاهتك " ، فقد نقلها صاحب إتحاف البشر : 229 عن ابن محيصن والحسن . ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة : 45 عن علي وابن مسعود وابن عباس . وذكرها أبو حيان في البحر 4 : 367 عن هؤلاء الثلاثة " وأنس وجماعة غيرهم " .
(2) الخبر 144 - الحسين بن داود : اسمه " الحسين " ولقبه " سنيد " ، بضم السين المهملة وفتح النون . واشتهر بهذا اللقب ، وترجم به في التهذيب 4 : 244 - 245 ، وفي الجرح والتعديل 3 / 1 / 326 . وحجاج : هو ابن محمد المصيصي ، من شيوخ الإمام أحمد . وهذا الأثر عن مجاهد ، سيرويه الطبري في تفسير آية الأعراف (9 : 18 بولاق) - بإسناد آخر .

(1/124)


قيل : أما الروايةُ فلا رواية فيه عندنا ، ولكن الواجب - على قياس ما جاء به الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : -
145 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه عن ابن مسعود - ومِسْعَر بن كِدَام ، عن عطية العَوْفي ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ عيسى أسلمَتْه أمه إلى الكتّاب ليعلّمه فقال له المعلم اكتب " الله " فقال له عيسى : " أتدري ما الله ؟ الله إلهُ الآلهة (1) " .
- أن يقال (2) ، الله جل جلاله ألَهَ العبدَ ، والعبدُ ألَهَه. وأنْ يكون قولُ القائل " الله " - من كلام العرب أصله " الإله " .
فإن قال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، مع اختلاف لفظيهما ؟
قيل : كما جاز أن يكون قوله : (لكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي) [سورة الكهف : 38] أصله : لكن أنا ، هو الله ربي ، كما قال الشاعر :
وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْف ، أَيْ أَنتَ مُذْنبٌ... وتَقْلينَني ، لكِنَّ إياكِ لا أَقْلِي (3)
يريد : لكن أنا إياك لا أقلي ، فحذَف الهمزة من " أنا " فالتقت نون " أنا " " ونون " لكنْ " وهي ساكنة ، فأدغمت في نون " أنا " فصارتا نونًا مشددة. فكذلك " الله " أصله " الإله " ، أسقطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم ، فالتقت اللام التي هي عين الاسم ، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة ، فأدغمت في
__________
(1) الحديث 145 - هو حديث لا أصل له . وهو جزء من الحديث الموضوع الذي روى الطبري بعضه فيما مضى 140 ، بهذا الإسناد . وفصلنا القول فيه هناك .
(2) قوله : " أن يقال " من تمام قوله في السطر الثالث " ولكن الواجب - " خبر لكن .
(3) الأضداد لابن الأنباري : 163 ، والخزانة 4 : 490 ، وقال : " لم أقف على تتمته وقائله ، مع أنه مشهور ، قلما خلا منه كتاب نحوي ، والله أعلم " .

(1/125)


الأخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله(لكنَّ هوَ الله رَبي).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
قال أبو جعفر : وأما " الرحمن " ، فهو فَعلان ، من رَحم ، و " الرحيم " فعيل منه. والعرب كثيرًا ما تبني الأسماء من " فَعِل يفْعَل " على " فعلان " ، كقولهم من غَضِب : غَضبان ، ومن سَكر : سكران ، ومن عَطش : عطشان. فكذلك قولهم " رَحمن " من رَحِمَ ، لأن " فعِلَ " منه : رَحم يرْحم. وقيل " رحيم " ، وإن كانت عَين " فعِل " منها مكسورة ، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم - على " فعيل " ، وإن كانت عين " فعل " منها مكسورةً أو مفتوحةً ، كما قالوا من " علم " عالم وعليم ، ومن " قدَر " قادر وقدير. وليس ذلك منها بناء على أفعالها ، لأن البناء من " فَعِل يفْعَل " و " فعَل يفعِل " فاعلٌ. فلو كان " الرحمن والرحيم " خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما " الراحم " .
فإن قال قائل : فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجهُ تكرير ذلك ، وأحدهما مؤدٍّ عن معنى الآخر ؟
قيل له : ليس الأمر في ذلك على ما ظننتَ ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها.
فإن قال : وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى ؟
قيل : أما من جهة العربية ، فلا تَمانُع (1) بين أهل المعرفة بلغات العرب ، أنّ قول القائل : " الرحمن " - عن أبنية الأسماء
__________
(1) لا تمانع : أي لا اختلاف بينهم ، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر .

(1/126)


من " فَعِل يفعَل " - أشدُّ عدولا من قوله " الرّحيم " . ولا خلاف مع ذلك بينهم ، أنّ كل اسم كان له أصل في " فَعِلَ يفعَل " - ثم كان عن أصله من " فَعِل يفعَلُ " أشد عدولا - أنّ الموصوف به مفضَّل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من " فَعِل يفعَل " ، إذا كانت التسمية به مدحًا أو ذمًّا. فهذا ما في قول القائل " الرحمن " ، من زيادة المعنى على قوله " الرحيم " في اللغة.
وأما من جهة الأثر والخبر ، ففيه بين أهل التأويل اختلاف : -
146 - فحدثني السري بن يحيى التميمي ، قال : حدثنا عثمان بن زفر ، قال : سمعت العَرْزَمي يقول : " الرحمن الرحيم " ، قال : الرحمن بجميع الخلق ، الرّحيم ، قال : بالمؤمنين. (1)
147 - حدثنا إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية العَوفي ، عن أبي سعيد - يعني الخدريّ - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنّ عيسى ابن مريم قال : الرحمن رَحمنُ الآخرة والدنيا ، والرحيم رحيمُ الآخرة " . (2)
فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو " رحمن " ، وتسميته باسمه الذي هو " رحيم " ، واختلاف معنى الكلمتين - وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق ، فدلّ أحدهما على أنّ ذلك في الدنيا ، ودلّ الآخر على أنه في الآخرة.
فإن قال : فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة ؟
__________
(1) الأثر 146 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 40 عن هذا الموضع . و " السري بن يحيى ابن السري التميمي الكوفي " ، شيخ الطبري ، لم نجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 285 ، وقال : " لم يقض لنا السماع منه ، وكتب إلينا بشيء من حديثه ، وكان صدوقًا " . و " العرزمي " المرويُّ عنه هذا الكلام هنا : ضعيف جدا ، قال الإمام أحمد في المسند 6938 : " لا يساوي حديثه شيئًا " . وهو " محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي " . وأما عمه " عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي " ، فإنه تابعي ثقة ، ولكنه قديم ، مات سنة 145 ، فلم يدركه " عثمان بن زفر " المتوفى سنة 218 . و " العرزمي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها زاي ، نسبة إلى " عرزم " . ووقع هنا في الطبري وابن كثير " العرزمي " ، بتقديم الزاي على الراء ، وهو تصحيف .
(2) الحديث 147 - هذا إسناد ضعيف ، بل إسنادان ضعيفان ، كما فصلنا فيما مضى : 140 ، 145 .

(1/127)


قيل : لجميعهما عندنا في الصحة مخرج ، فلا وجه لقول قائل : أيُّهما أولى بالصحة ؟ وذلك أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن ، دون الذي في تسميته بالرحيم : هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه ، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه ، إما في كل الأحوال ، وإما في بعض الأحوال. فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه ، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة ، أو فيهما جميعًا.
فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خصّ عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته ، والإيمان به وبرسله ، واتباع أمره واجتناب معاصيه ، مما خُذِل عنه من أشرك به ، وكفر وخالف ما أمره به ، وركب معاصيَه ؛ وكان مع ذلك قد جعلَ ، جَلَّ ثناؤه ، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين ، لمن آمن به ، وصدّق رسله ، وعمل بطاعته ، خالصًا ، دون من أشرك وكفر به - (1) كان بيِّنًا إن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم ، في البَسْط في الرزق ، وتسخير السحاب بالغَيْثِ ، وإخراج النبات من الأرض ، وصحة الأجسام والعقول ، وسائر النعم التي لا تُحصى ، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون.
فربُّنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خلقه في الدنيا والآخرة ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرة. فأما الذي عمّ جميعَهم به في الدنيا من رحمته فكان رَحمانًا لهم به ، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه ، كما قال جل ثناؤه : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوهَا) [سورة إبراهيم : 34 ، وسورة النحل : 18].
وأما في الآخرة ، فالذي عمّ جميعهم به فيها من رحمته ، فكان لهم رحمانًا ، تسويته
__________
(1) جواب قوله " فإذ كان صحيحًا . . . " وما بينهما فصل .

(1/128)


بين جميعهم جل ذكرُه في عَدله وقضائه ، فلا يظلم أحدًا منهم مِثْقال ذَرّة ، وإن تَكُ حسنةً يُضاعفها ويُؤتِ من لَدُنْهُ أجرًا عظيما ، وتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعَهم برحمته ، الذي كان به رحمانًا في الآخرة.
وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته ، الذي كان به رحيما لهم فيها ، كما قال جل ذكره : (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [سورة الأحزاب : 43] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم ، فخصّهم به ، دونَ من خذَله من أهل الكفر به.
وأمَّا ما خصّهم به في الآخرة ، فكان به رحيما لهم دون الكافرين ، فما وصفنا آنفًا مما أعدَّ لهم دون غيرهم من النعيم ، والكرامة التي تقصرُ عنها الأمانيّ.
وأما القول الآخر في تأويله فهو ما : -
148 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : الرحمن ، الفعلان من الرحمة ، وهو من كلام العرب. قال : الرّحمن الرحيم : الرقيقُ الرفيقُ بمن أحبَّ أن يرحمه ، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنُف عليه. (1) وكذلك أسماؤه كلها.
وهذا التأويل من ابن عباس ، يدل على أن الذي به ربُّنا رحمن ، هو الذي به رحيم ، وإن كان لقوله " الرحمن " من المعنى ، ما ليس لقوله " الرحيم " . لأنه جعل معنى " الرحمن " بمعنى الرقيق على من رقَّ عليه ، ومعنى " الرحيم " بمعنى الرفيق بمن رفق به.
والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرْزَمي (2) ، أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس. وإن
__________
(1) الحديث 148 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 41 عن هذا الموضع ، وقد مضى الكلام في هذا الإسناد ، وبيان ضعفه : 137 ، 141 . والذي في الدر المنثور 1 : 8 - 9 " على من أحب أن يضعف عليه العذاب " ، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع .
(2) إشارة إلى ما مضى : 146 ، ووقع في الأصول هنا " العرزمي " أيضًا ، بتقديم الزاي ، وهو خطأ ، كما بينا من قبل .

(1/129)


كان هذا القول موافقًا معناه معنى ذلك ، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم ، وأن للرحيم تأويلا غيرَ تأويل الرحمن.
والقول الثالث في تأويل ذلك ما : -
149 - حدثني به عمران بن بَكَّار الكلاعي ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال : حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللَّخمي من أهلِ فلَسْطين ، قال : سمعت عطاء الخراساني يقول : كان الرحمن ، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ. (1)
والذي أراد ، إن شاء الله ، عطاءٌ بقوله هذا : أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمَّى بها أحد من خَلْقِه ، فلما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه ، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه " الرحمنُ الرحيمُ " ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه ، إذ كان لا يسمَّى أحد " الرحمن الرحيم " ، فيجمع له هذان الاسمان ، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما ، أو يتسمَّى رَحمن. فأما " رحمن رحيم " ، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ ، ولا يجمعان لأحد غيره. فكأنّ معنى قول عطاء هذا : أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن ، بين اسمه واسم غيره من خلقِه ، اختلف معناهما أو اتفقا.
والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى ، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين ، إبانةً لها من خلقه ، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه ، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.
__________
(1) الأثر 149 - نقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 9 ونسبه للطبري وحده . وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم ، وهو ثقة ، وضعفه بعض الأئمة . وهو كثير الرواية عن التابعين ، وكثير الإرسال عن الصحابة ، في سماعه منهم خلاف . وأما الراوي عنه " أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي " ، فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع ، إلا قول الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 110 : " أبو الأزهر الفلسطيني نصر بن عمرو اللخمي ، روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي " .

(1/130)


وقد زعم بعضُ أهل الغَباء أنّ العرب كانت لا تعرف " الرحمن " ، ولم يكن ذلك في لغتها (1) ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) [سورة الفرقان : 60] ، إنكارًا منهم لهذا الاسم ، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ، أوْ : لا وكأنه لم يتْلُ من كتاب الله قول الله( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ) - يعني محمدًا - (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [سورة البقرة : 146] وهم مع ذلك به مكذِّبون ، ولنبوته جاحدون! فيَعلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُه ، واستحكمتْ لديهم معرفتُه. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء :
أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا... أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا (2)
وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي : (3)
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ... وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ (4)
__________
(1) لا يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه ، ويتبجحون بذكره في محاضراتهم وكتبهم ، نقلا عن الذين يتتبعون ما سقط من الأقوال ، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق . ورد الطبري مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة .
(2) لم أجد قائل البيت . واستشهد به ابن سيده في المخصص 17 : 152 ، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي ، وادعى أن البيت مصنوع ، وأن " بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة ، صنعه ولفقه ، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى ، وركاكته تنادي جهارًا بصحة وضعه وصنعته ، والصواب وهو الحق المجمع عليه ، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه ، هو الشنفرى الأزدي ، وهذا البيت ليس في شعره " ، وأنه ملفق من قول الشنفرى : أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي ، والتَلهُّفُ ضَلَّةٌ ... بما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَاةِ هَجِينَهَا
والشنقيطي رحمه الله كان كثير الاستطالة ، سريعًا إلى المباهاة بعلمه وروايته . والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم . وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته : إيجاد الشواهد المعدومة ، لدعاوى مجردة . وليس في البيت ركاكة ولا صنعة .
(3) في المخطوطة والمطبوعة : " الطهوي " مكان السعدي ، وهو خطأ . ليس سلامة طهويا .
(4) ديوانه : 19 ، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء : 131 في نسب الشاعر : سلامة بن جندل بن عبد الرحمن " ، وهذه رواية ابن سلام ، وغيره يقول : " ابن عبد " ، فإن صحت رواية ابن سلام ، فهي دليل آخر قوي على فساد دعوى الشنقيطي .

(1/131)


وقد زعم أيضًا بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل ، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير ، أنّ " الرحمن " مجازه : ذو الرحمة ، و " الرحيم " مجازه : الرّاحم (1) ، ثم قال : قد يقدِّرون اللفظين من لفظٍ والمعنى واحد ، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال : وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا : ندمان ونَديم ، ثم استشهد ببيتِ بُرْج بن مُسْهِر الطائي :
وَنَدْمَانٍ يزيدُ الكأسَ طِيبًا ، ... سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ (2)
واستشهد بأبياتٍ نظائره في النَّديم والنَّدمان ، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله : الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم الراحم ، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيَيْهما على صحته. ثم مثّل ذلك باللَّفظين يأتيان بمعنى واحد ، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين ، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ.
ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثَبت أن له الرحمة ، وصحَّ أنها له صفة ؛ وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم ، أو قد رحم فانقضى ذلك منه ، أو هو فيه.
ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة ، كالدلالة على أنها له صفة ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمة. فأين معنى " الرحمن الرحيم " على تأويله ، من معنى الكلمتين يأتيان مقدَّرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه ، كان واضحًا عوارُه.
وإن قال لنا قائل : ولم قدّم اسمَ الله الذي هو " الله " ، على اسمه الذي هو " الرحمن " ، واسمه الذي هو " الرحمن " ، على اسمه الذي هو " الرحيم " ؟
قيل : لأن من شأن العرب ، إذا أرادوا الخبر عن مُخبَر عنه ، أن يقدِّموا اسمه ، ثم يتبعوه صفاتِه ونعوتَه. وهذا هو الواجب في الحُكم : أن يكون الاسم مقدَّمًا قبل نعته وصِفَته ، ليعلم السامع الخبرَ ، عمَّن الخبرُ. فإذا كان ذلك كذلك -
__________
(1) الذي عناه الطبري ، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه " مجاز القرآن " : 21 ، وقد نقل أكثر كلامه الآتي بنصه .
(2) حماسة أبي تمام 3 : 135 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 62 .

(1/132)


وكانَ لله جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها ، خَصَّ بها نفسه دونهم ، وذلك مثلُ " الله " و " الرحمن " و " الخالق " ؛ وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمِّيَ بعضهم بعضًا بها ، وذلك : كالرحيم والسميع والبصير والكريم ، وما أشبه ذلك من الأسماء - كان الواجب أن تقدَّم أسماؤه التي هي له خاصة دون جميع خلقه ، ليعرف السامعُ ذلك مَنْ تَوجَّه إليه الحمد والتمجيدُ ، ثم يُتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره ، بعد علم المخاطب أو السامع من توجَّه إليه ما يتلو ذلك من المعاني. فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو " الله " ، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من الوجوه ، لا من جهة التسمِّي به ، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بينَّا أن معنى " الله " تعالى ذكره المعبود (1) ، ولا معبودَ غيرُه جل جلاله ، وأن التسمِّي به قد حرّمه الله جل ثناؤه ، وإن قصد المتسمِّي به ما يقصدُ المتسمِّي بسعيد وهو شقي ، وبحسَنٍ وهو قبيح.
أوَلا تَرى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه : (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ) فاستكبر ذلك من المقرِّ به ، وقال تعالى في خُصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن : ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [سورة الإسراء : 110]. ثم ثنَّى باسمه ، الذي هو الرحمن ، إذ كان قد مَنع أيضًا خلقه التسمي به ، وإن كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه. وذلك أنه قد يجوز وصْف كثير ممّن هو دون الله من خلقه ، ببعض صفات الرحمة. وغير جائز أن يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه. فلذلك جاء الرحمن ثانيًا لاسمه الذي هو " الله " .
وأما اسمه الذي هو " الرحيم " فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به. والرحمة من صفاته جل ذكره ، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعًا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هنّ توابعُها ، بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الذي هو " الله " ، على اسمه الذي هو " الرحمن " ، واسمه الذي هو " الرحمن " على اسمه الذي هو " الرحيم " . (2)
وقد كان الحسنُ البصريّ يقول في " الرحمن " مثل ما قلنا ، أنه من أسماء الله التي مَنَعَ التسميَ بها العبادَ. (3)
150 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : " الرحمن " اسمٌ ممنوع. (4)
مع أن في إجماع الأمة من منع التسمِّي به جميعَ الناس ، ما يُغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره.
__________
(1) في المطبوعة : " أن معنى الله هو المعبود " .
(2) هذا الاحتجاج من أجود ما قيل ، ودقته تدل على حسن نظر أبي جعفر فيما يعرض له . وتفسيره كله شاهد على ذلك . رحمة الله عليه .
(3) غيروه في المطبوعة : " لعباده " .
(4) الأثر 150 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 41 - 42 عن هذا الموضع . والسيوطي في الدر المنثور 1 : 9 ، ونسبه للطبري وحده . و " عوف " الراويه عن الحسن : هو عوف بن أبي جميلة العبدي ، المعروف بابن الأعرابي ، وهو ثقة ثبت .

(1/133)


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

(القول في تأويل فاتحة الكتاب)
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } :
قال أبو جعفر : ومعنى(الْحَمْدُ لِلَّهِ) : الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه ، ودون كلِّ ما برَأَ من خلقه (1) ، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يُحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وَغذَاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم لذلك عليه ، ومع ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدِّية إلى دوام الخلود في دار المُقام في النعيم المقيم. فلربِّنا الحمدُ على ذلك كله أولا وآخرًا.
وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جلّ ذكره وتقدَّست أسماؤه : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، جاء الخبرُ عن ابن عباس وغيره : -
151 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما : قل يا محمد " الحمد لله " قال ابن عباس : " الحمد لله " : هو الشكر لله ، والاستخذاء لله ، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه ، وغير ذلك. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " ما يرى " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير 1 : 42 .
(2) الحديث 151 - هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في 137 . و " محمد بن العلاء " شيخ الطبري : هو " أبو كريب " نفسه في الإسناد السابق ، مرة يسميه ومرة يكنيه . وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير 1 : 43 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير 1 : 10 ، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره .

(1/135)


152 - وحدثني سعيد بن عمرو السَّكُوني ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حَبيب ، عن الحكم بن عُمَير - وكانت له صحبة - قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إذا قلت " الحمد لله ربِّ العالمين " ، فقد شكرت الله ، فزادك. (1)
__________
(1) الحديث 152 - نقله ابن كثير 1 : 43 بإسناد الطبري هذا ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي " بسند ضعيف " . وإسناده ضعيف حقًا ، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة ، كما سنذكر :
أما بقية بن الوليد ، فالحق أنه ثقة ، وإنما نعوا عليه التدليس ، ولا موضع له هنا ، فإنه صرح بالتحديث .
ولكن عيسى بن إبراهيم ، وهو القرشي الهاشمي ، كل البلاء منه في هذا الحديث ، وفي أحاديث من نحوه ، رواها بهذا الإسناد . وقد قال فيه البخاري في الضعفاء : 27 : " منكر الحديث " ، وكذلك النسائي : 22 . وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 271 - 272 ، وروى عن أبيه قال : " متروك الحديث " ، وعن ابن معين : " ليس بشيء " ، وقال ابن حبان في الضعفاء ، الورقة 163 : " لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد " . وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب .
وشيخه " موسى بن أبي حبيب " مثله : ضعيف تالف ، وقال الذهبي في الميزان : " ضعفه أبو حاتم ، وخبره ساقط . وله عن الحكم بن عمير ، رجل قيل : له صحبة . والذي أراه أنه لم يلقه . وموسى - مع ضعفه - فمتأخر عن لقي صحابي كبير " . فالبلاء من هذين أو من أحدهما .
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه " الحكم بن عمير " ، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 2 / 125 ، قال : " الحكم بن عمير : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يذكر السماع ولا لقاء ، أحاديث منكرة ، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ، وهو شيخ ضعيف الحديث ، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم ، وهو ذاهب الحديث ، سمعت أبي يقول ذلك " .
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان ، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم ، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم - كما ترى - غير ذلك . وتعقبه الحافظ في لسان الميزان 2 : 337 وأثبت أنه صحابي ، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم ، وأن الدار قطني قال : " كان بدريًا " .
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص 54) في طبقة الصحابة ، وقال : " يقال إن له صحبة " . ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان ، ولكن سها فزعم أنه ذكره " في ثقات التابعين " .
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب ، رقم 476 : باسم " الحكم بن عمرو الثمالي ، وثمالة في الأزد ، شهد بدرًا ، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم ، لا تصح " . وتسمية أبيه باسم " عمرو " خطأ قديم في نسخ الاستيعاب ، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة 1 : 26 ، وأشار إلى الغلط فيه ، ثم ترجمه على الصواب : " الحكم بن عمير الثمالي ، من الأزد ، وكان يسكن حمص " . وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة 2 : 30 تحقيقًا جيدًا .

(1/136)


قال : وقد قيل : إنّ قول القائل " الحمد لله " ، ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحُسنى ، وقوله : " الشكر لله " ، ثناء عليه بنعمه وأياديه.
وقد رُوي عن كعب الأحبار أنه قال : " الحمد لله " ، ثناءٌ على الله. ولم يبيّن في الرواية عنه ، من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك.
153 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثني عمر بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، قال : أخبرني السلولي ، عن كعب ، قال : من قال " الحمد لله " ، فذلك ثناء على الله. (1)
154 - حدثني علي بن الحسن الخرّاز ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجَرْمي ، قال : حدثنا محمد بن مصعب القُرْقُساني ، عن مُبارك بن فَضالة ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس شيءٌ أحبَّ إليه الحمد ، من الله تعالى ، ولذلك أثنى على نَفسه فقال : " الحمد لله " (2) .
__________
(1) الخبر 153 - هذا الإسناد صحيح ، وسواء صح أم ضعف ، فلا قيمة له ، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار . وما كان كلام كعب حجة قط ، في التفسير وغيره . و " الصدفي " : بفتح الصاد والدال المهملتين ، نسبة إلى " الصدف " بفتح الصاد وكسر الدال ، وهي قبيلة من حمير ، نزلت مصر . و " السلولي " ، هو : عبد الله بن ضمرة السلولي ، تابعي ثقة .
وهذا الخبر - عن كعب - ذكره ابن كثير 1 : 43 دون إسناد ولا نسبة . وذكر السيوطي 1 : 11 ونسبه للطبري وابن أبي حاتم .
(2) الحديث 154 - إسناده صحيح . علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز ، شيخ الطبري : ثقة ، مترجم في تاريخ بغداد 11 : 374 - 375 . و " الخراز " : ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي . وفي تاريخ بغداد " الخزاز " بزاءين ، ولم نستطع الترجيح بينهما . مسلم بن عبد الرحمن الجرمي : مترجم في لسان الميزان 6 : 32 باسم " مسلم بن أبي مسلم " فلم يذكر اسم أبيه ، وهو هو . ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 100 ، قال : " مسلم بن أبي مسلم الجرمي ، وهو مسلم بن عبد الرحمن " ، وقال : " كان ثقة ، نزل طرسوس ، وبها كانت وفاته " . و " الجرمي " : رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان " الحرمي " بدون نقط . ولكنهم لم ينصوا على ضبطه . وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط ، والجادة في هذا الرسم " الجرمي " بالجيم ، وبذلك رسم في تاريخ بغداد ، فعن هذا أو ذاك رجحناه . و " محمد بن مصعب القرقساني " ، و " مبارك بن فضالة " : مختلف فيهما . وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند : الأول في 3048 ، والثاني في 521 . و " الحسن " : هو البصري ، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان ، في الحديث 132 أنه سمع من الأسود بن سريع .
وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور 1 : 12 عن تفسير الطبري . ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا 15650 (3 : 435 حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع ، قال : " قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ؟ قال : أما إن ربك يحب الحمد " . وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات أثبات . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 43 عن المسند . وكذلك ذكره السيوطي ، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما .
ورواه أحمد أيضًا 15654 ، والبخاري في الأدب المفرد : 51 ، بنحوه ، في قصة مطولة ، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع .
ومعناه ثابت صحيح ، من حديث ابن مسعود ، في المسند 4153 : " لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه " . ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما .

(1/137)


قال أبو جعفر : ولا تَمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم (1) ، لقول القائل : " الحمد لله شكرًا " - بالصحة. فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر ، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد. لأن ذلك لو لم يكن كذلك ، لما جاز أن يُقال " الحمد لله شكرًا " ، فيُخْرِج من قول القائل " الحمد لله " مُصَدَّرَ : " أشكُرُ " ، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه. (2)
فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد ؟ وهلا قيل : حمدًا لله رب العالمين ؟
قيل : إن لدخول الألف واللام في الحمد ، معنى لا يؤديه قول القائل " حَمْدًا " ، بإسقاط الألف واللام. وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه (3) : جميعُ المحامد والشكرُ الكامل لله. ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله ، دون المحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل : " حمدًا لله " أو " حمدٌ لله " :
__________
(1) انظر ما كتبناه آنفًا : 126 عن معنى " لا تمانع " .
(2) تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن " الحمد والشكر " بمعنى ، وأن أحدهما يوضع موضع الآخر ، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضًا . انظر القرطبي 1 : 116 ، وابن كثير 1 : 42 ، وأخطأ النقل عن القرطبي ، فظنه استدل لصحة قول الطبري ، وهو وهم . والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه . وقوله " مصدر أشكر " ، وقوله " أن يصدر من الحمد " ، يعني به المفعول المطلق . وانظر ما مضى : 117 ، تعليق : 1 .
(3) في المطبوعة : " مبني على أن معناه " ، أدخلوا عليه التبديل .

(1/138)


أحمد الله حمدًا ، وليس التأويل في قول القائل : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، تاليًا سورةَ أم القرآن : أحمدُ الله ، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ ، من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا ، والعاجل والآجل.
ولذلك من المعنى ، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دون نصبها ، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك : أحمد الله حمدًا. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب ، لكان عندي مُحيلا معناه ، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك ، إذا تعمَّد قراءتَه كذلك ، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله.
فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله " الحمد لله " ؟ أحَمِد الله نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها ، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فما وجه قوله تعالى ذكره إذًا( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ ؟ أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا .
قيل : بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهلٌ ، ثم علَّم ذلك عباده ، وفرض عليهم تلاوته ، اختبارًا منه لهم وابتلاءً ، فقال لهم قولوا : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقولوا : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). فقوله(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه ، وذلك موصول بقوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وكأنه قال : قولوا هذا وهذا.
فإن قال : وأين قوله : " قولوا " ، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ ؟
قيل : قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة ،

(1/139)


ولم تَشكَّك أنّ سامعها يعرف ، بما أظهرت من منطقها ، ما حذفت - (1) حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها ، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت ، قولا أو تأويلَ قولٍ ، كما قال الشاعر :
وأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا... إذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِيرُ (2)
فَقَالَ السّائلون لِمَنْ حَفَرْتُمْ?... فَقَالَ المُخْبِرُون لَهُمْ : وزيرُ (3)
قال أبو جعفر : يريد بذلك ، فقال المخبرون لهم : الميِّتُ وزيرٌ ، فأسقَط الميت ، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك. وكذلك قول الآخر :
وَرأَيتِ زَوْجَكِ في الوغَى... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (4)
وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد ، وإنما أراد : وحاملا رمحًا ، ولكن لما كان معلومًا معناه ، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه ، عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه : " مُصاحَبًا مُعافًى " ، يحذفون " سر ، واخرج " ، إذ كان معلومًا معناه ، وإن أسقط ذكره.
فكذلك ما حُذف من قول الله تعالى ذكره : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، لمَّا عُلم بقوله جل وعزّ : (إيّاكَ نَعبُد) ما أراد بقوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ،
__________
(1) سياق الكلام : " أن العرب من شأنها . . . حذف " وما بينهما فصل .
(2) تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون : 87 (18 : 27 بولاق) . ، ونسبهما لبعض بني عامر ، وكذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 170 وهما في البيان والتبيين 3 : 184 منسوبان للوزيري ، ولم أعرفه ، وفيها اختلاف في الرواية . الرمس : القبر المسوى عليه التراب . يقول : أصبح قبرا يزار أو يناح عليه . ورواه الجاحظ : " سأصير ميتًا " ، وهي لا شيء . والنواعج جمع ناعجة : وهي الإبل السراع ، نعجت في سيرها ، أي سارت في كل وجه من نشاطها . وفي البيان ومعاني الفراء " النواجع " ، وليست بشيء .
(3) رواية الجاحظ : " فقال السائلون : من المسجى " . وفي المعاني " السائرون " .
(4) يأتي في تفسير آيات سورة البقرة : 7 / وسورة آل عمران : 49 / وسورة المائدة : 53 / وسورة الأنعام : 99 / وسورة الأنفال : 14 / وسورة يونس : 71 / وسورة الرحمن : 22 . وهو بيت مستشهد به في كل كتاب .

(1/140)


من معنى أمره عبادَه ، أغنتْ دلالةُ ما ظُهِر عليه من القول عن إبداء ما حُذف.
وقد روينا الخبرَ الذي قدمنا ذكره مبتَدأ في تأويل قول الله : (1) (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، عن ابن عباس ، وأنه كان يقول : إن جبريل قال لمحمد : قل يا محمد : " الحمد لله رب العالمين " ، وبيّنا أن جبريل إنما علّم محمدًا ما أُمِر بتعليمه إياه (2) . وهذا الخبر يُنبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { رَبِّ } .
قال أبو جعفر : قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو " الله " ، في " بسم الله " ، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع.
وأما تأويل قوله(رَبِّ) ، فإن الرّب في كلام العرب منصرفٌ على معان : فالسيد المطاع فيها يدعَى ربًّا ، ومن ذلك قول لَبِيد بن ربيعة :
وأَهْلكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَة وابنَه... ورَبَّ مَعدٍّ ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرِ (3)
يعني بربِّ كندة : سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان :
تَخُبُّ إلى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنالَهُ... فِدًى لكَ من رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي (4)
والرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا ، ومنه قول الفرزدق بن غالب :
__________
(1) في المطبوعة : " في تنزيل قول الله " .
(2) انظر ما مضى آنفًا لحديث رقم : 151 .
(3) ديوانه القصيدة : 15 / 32 . وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس . ورب معد : حذيفة بن بدر ، كما يقول شارح ديوانه ، وأنا في شك منه ، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة . ولبيد يذكر خبتًا وعرعرًا ، وهما موضعان غيره .
(4) ديوانه : 89 ، والمخصص 7 : 154 . الطريف والطارف : المال المستحدث ، خلاف التليد والتالد : وهو العتيق الذي ولد عندك .

(1/141)


كانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ... سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ (1)
يعني بذلك : في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل : إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان ؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها ، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة :
فكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني ، فَضِعْتُ رُبُوبُ (2)
يعنى بقوله : " أفضتْ إليك " أي وصلتْ إليك رِبَابتي ، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه ، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ (3) ، فضيَّعوا أمري وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب : واحدهم ربٌّ . والمالك للشيء يدعى رَبَّه. وقد يتصرف أيضًا معنى " الربّ " في وجوه غير ذلك ، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة.
فربّنا جلّ ثناؤه : السيد الذي لا شِبْه لهُ ، ولا مثل في سُؤدده ، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ، والمالك الذي له الخلق والأمر.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جلّ ثناؤه(رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، جاءت الرواية عن ابن عباس : -
155 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
__________
(1) ديوانه : 25 . سلأ السمن يسلؤه : طبخه وعالجه فأذاب زبده . والسلاء ، بكسر السين : السمن . وحقن اللبن في الوطب ، والماء في السقاء : حبسه فيه وعبأه . رب نحى السمن يربه : دهنه بالرب ، وهو دبس كل ثمرة ، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ، فتطيب رائحته ، ويمنع السمن أن يرشح ، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه . وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن . وأديم مربوب : جدا قد أصلح بالرب . يقول : فعلوا فعل هذه الحمقاء ، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله .
(2) ديوانه : 29 ، ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 79 ، (3 : 233 بولاق) والمخصص 17 : 154 ، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان ، وهو الحارث الأعرج المشهور . قال ابن سيده : " ربوب : جمع رب ، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري ، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك ، كأنه قال : الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه " . وقال الطبري فيما سيأتي : " يعني بقوله : ربتني : ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ، ولكنهم أضاعوني فضعت " . والربابة : المملكة ، وهي أيضًا الميثاق والعهد . وبها فسر هذا البيت ، وأيدوه برواية من روى بدل " ربابتي " ، " أمانتي " . والأول أجود .
(3) في المطبوعة : " من الملوك الذين كانوا " ، غيروه ليوافق ما ألفوا من العبارة .

(1/142)


بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : " يا محمد قل : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) " ، قال ابن عباس : يقول : قل الحمد لله الذي له الخلق كله - السمواتُ كلهن ومن فيهنّ ، والأَرَضُون كلُّهنّ ومن فيهنّ وما بينهن ، مما يُعلم ومما لا يُعلم. يقول : اعلم يا محمد أن ربَّك هذا لا يشبهه شيء. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { الْعَالَمِينَ } .
قاله أبو جعفر : والعالَمون جمع عالَم ، والعالَم : جمعٌ لا واحدَ له من لفظه ، كالأنام والرهط والجيش ، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه.
والعالم اسم لأصناف الأمم ، وكل صنف منها عالَمٌ ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم ، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم ، وكذلك سائر أجناس الخلق ، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل : عالمون ، وواحده جمعٌ ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج :
* فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ * (2)
فجعلهم عالمَ زمانه. وهذا القول الذي قلناه ، قولُ ابن عباس وسعيد بن جبير ، وهو معنى قول عامّة المفسرين.
__________
(1) الحديث 155 - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ، برقم 137 . وهذا الحديث في ابن كثير 1 : 44 ، والدر المنثور 1 : 13 ، والشوكاني 1 : 11 . ونسبه الأخيران أيضًا لابن أبي حاتم . وفي المطبوع وابن كثير " والأرض ومن فيهن " .
(2) ديوانه : 60 ، وطبقات فحول الشعراء : 64 ، وخندف : أم بني إلياس بن مضر ، مدركة وطابخة ، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى .

(1/143)


156 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، الحمد لله الذي له الخلق كله : السموات والأرضون ومَن فيهنّ ، وما بينهن ، مما يُعلم ولا يعلم. (1)
157 - وحدثني محمد بن سنان القَزَّاز ، قال حدثنا أبو عاصم ، عن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : (رب العالمين) : الجن والإنس. (2)
158 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، في قول الله جل وعزّ(رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : ربِّ الجن والإنس. (3)
159 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير : قوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : الجنّ والإنس. (4)
__________
(1) الحديث 156 - هو مختصر مما قبله : 155 .
(2) الخبر 157 - إسناد صحيح . محمد بن سنان القزاز ، شيخ الطبري : تكلموا فيه من أجل حديث واحد . والحق أنه لا بأس به ، كما قال الدارقطني . وهو مترجم في التهذيب ، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد 5 : 343 - 346 . أبو عاصم : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد ، الحافظ الحجة . شبيب : هو ابن بشر البجلي ، ووقع في التهذيب 4 : 306 " الحلبي " وهو خطأ مطبعي ، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري 2 / 2 / 232 / 233 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 357 - 358 والتقريب وغيرها ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين .
(3) الخبر 158 - إسناده حسن على الأقل ، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره ، وقيس بن الربيع قديم ، لعله سمع منه قبل الاختلاط ، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح . ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع " حدثنا مصعب " ، وصوابه من المخطوطة " حدثنا محمد بن مصعب " ، وهو القرقساني ، كما مضى في الإسناد 154 .
(4) الخبر 159 - إسناده حسن كالذي قبله . وأبو أحمد الزبيري : هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي ، من الثقات الكبار ، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ . وقيس : هو ابن الربيع . وهذه الأخبار الثلاثة 157 - 159 ، ولفظها واحد ، ذكرها ابن كثير 1 : 44 خبرًا واحدًا دون إسناد . وذكرها السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 خبرًا واحدًا ونسبه إلى " الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم وصححه ، عن ابن عباس " .

(1/144)


160 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرْقي ، قال : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لَهِيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال : ابن آدم ، والجن والإنس ، كل أمة منهم عالمٌ على حِدَته. (1)
161 - حدثني محمد بن حُميد ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : الإنس والجن. (2)
162 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد بمثله. (3)
163 - حدثنا بشر بن معاذ العَقَدي ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد ، عن قتادة : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال : كلّ صنف عالم. (4)
__________
(1) الأثر 160 - أحمد بن عبد الرحيم البرقي : اشتهر بهذا ، منسوبًا إلى جده ، وكذلك أخوه " محمد " وهو : أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم . وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم 22 باسم " ابن البرقي " . ابن أبي مريم : هو سعيد . ابن لهيعة هو عبد الله . عطاء بن دينار المصري : ثقة ، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 332 وفي المراسيل : 58 عن أحمد بن صالح ، قال : " عطاء بن دينار ، هو من ثقات أهل مصر ، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير - : صحيفة ، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير " . وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم ، قال : " هو صالح الحديث ، إلا أن التفسير أخذه من الديوان ، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن ، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه ، فوجده عطاء بن دينار في الديوان ، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير " .
(2) الأثر 161 - إسناده إلى مجاهد ضعيف . لأن سفيان ، وهو الثوري ، لم يسمع من مجاهد ؛ لأن الثوري ولد سنة 97 ، ومجاهد مات سنة 100 أو بعدها بقليل ، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر ، راويها عن الثوري ، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي 11 .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد . وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد .
(3) الأثر 162 - إسناده ضعيف ، لإبهام الرجل راويه عن مجاهد . وهو يدل على غلط مهران في الإسناد قبله ، إذ جعله عن الثوري عن مجاهد مباشرة ، دون واسطة .
(4) الأثر 163 - سعيد : هو ابن أبي عروبة ، وقد مضى أثر آخر عن قتادة بهذا الإسناد. 119 وهذا الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، وفي نسبته هناك خطأ مطبعي : " ابن جريج " بدل " ابن جرير " . وكلام ابن جريج سيأتي 165 مرويًا عنه لا راويًا .

(1/145)


الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)

164 - حدثني أحمد بن حازم الغِفَاري ، قال : حدثنا عُبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر ، عن ربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : الإنس عالَمٌ ، والجنّ عالم ، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم ، أو أربعةَ عشر ألف عالم - هو يشكّ - من الملائكة على الأرض ، وللأرض أربع زوايا ، في كل زاوية ثلاثة آلافِ عالم وخمسمائة عالَمٍ ، خلقهم لعبادته. (1)
165 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جُريج ، في قوله : (رَبِّ الَعَالَمِينَ) قال : الجن والإنس. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
قال أبو جعفر : قد مضى البيانُ عن تأويل قوله(الرحمن الرحيم) ، في تأويل(بسم الله الرحمن الرحيم) ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
ولم نَحْتَجْ إلى الإبانة عن وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ، إذْ كنا لا نرى أن
__________
(1) الأثر 164 - أبو جعفر : هو الرازي التميمي ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم ، وقال ابن عبد البر : " هو عندهم ثقة ، عالم بتفسير القرآن " . وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد 11 : 143 - 147 . وهذا الأثر عن أبي العالية ذكره ابن كثير 1 : 45 والسيوطي 1 : 13 بأطول مما هنا قليلا ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، وقال ابن كثير : " وهذا كلام غريب ، يحتاج مثله إلى دليل صحيح " . وهذا حق .
(2) الأثر 165 - سبق الكلام على هذا الإسناد 144 . وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد .

(1/146)


" بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب - آيةٌ ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسألةٌ بأن يقول : ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ، وقد مضى وصفُ الله عزّ وجلّ به نفسه في قوله " بسم الله الرحمن الرحيم " ، مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأخرى ، ومجاورتها صَاحِبتها ؟ بل ذلك لنا حُجة على خطأ دعوى من ادَّعى أن " بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب آية. إذ لو كان ذلك كذلك ، لكان ذلك إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحدٍ مرتين من غير فَصْل يَفصِل بينهما. وغيرُ موجودٍ في شيء من كتاب الله آيتان مُتجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد ، لا فصلَ بينهما من كلام يُخالف معناه معناهما. وإنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة ، مع فُصولٍ تفصِل بين ذلك ، وكلامٍ يُعترضُ به معنى الآيات المكررات أو غير ألفاظها ، ولا فاصِلَ بين قول الله تبارك وتعالى اسمه " الرحمن الرحيم " من " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وقولِ الله : " الرحمن الرحيم " ، من " الحمدُ لله ربّ العالمين " .
فإن قال : فإن " الحمدُ لِله رَبِّ العالَمين " فاصل من ذلك. (1)
قيل : قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل ، وقالوا : إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم ، وإنما هو : الحمد لله الرحمن الرحيم رَبّ العالمين مَلِك يوم الدين. واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله : " مَلِك يوم الدين " ، فقالوا : إن قوله " ملِكِ يوم الدين " تعليم من الله عبدَه أنْ يصفَه بالمُلْك في قراءة من قرأ ملِك ، وبالمِلْك في قراءة من قرأ " مالك " . قالوا : فالذي هو أولى أن يكونَ مجاورَ وصفه بالمُلْك أو المِلْك ، ما كان نظيرَ ذلك من الوصف ؛ وذلك هو قوله : " ربّ العالمين " ، الذي هو خبر عن مِلْكه جميع أجناس الخلق ؛ وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة والألُوهة ما كان له نظيرًا في المعنى من الثناء عليه ، وذلك قوله : (الرحمن الرحيم).
فزعموا أنّ ذلك لهم دليلٌ على أن قوله " الرحمن الرحيم " بمعنى التقديم قبل " رب العالمين " ، وإن كان في الظاهر مؤخرًا. وقالوا : نظائرُ ذلك - من التقديم الذي هو بمعنى التأخير ، والمؤخَّر الذي هو بمعنى التقديم - في كلام العرب أفشى ، وفي منطقها أكثر ، من أن يُحصى. من ذلك قول جرير بن عطية :
__________
(1) في المطبوعة : " فاصل بين ذلك " ، والذي في المخطوطة عربية جيدة .

(1/147)


مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

طَافَ الخَيَالُ - وأَيْنَ مِنْكَ? - لِمَامَا... فَارْجِعْ لزَوْرِكَ بالسَّلام سَلاما (1)
بمعنى طاف الخيال لمامًا ، وأين هو منك ؟ وكما قال جل ثناؤه في كتابه : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا ) [سورة الكهف : 1] بمعنى (2) : الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيِّمًا ولم يجعل له عوجًا ، وما أشبه ذلك. ففي ذلك دليل شاهدٌ على صحة قول من أنكر أن تكون - ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من فاتحة الكتاب - آيةً (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .
قال أبو جعفر : القرَّاء مختلفون في تلاوة( ملك يَوْمِ الدِّينِ ). فبعضهم يتلوه " مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ " ، وبعضهم يتلوه(مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وبعضهم يتلوه(مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) بنصب الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه في ذلك قراءةٌ في " كتاب القراآت " ، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه ، والعلة الموجبة صحّة ما اخترنا من القراءة فيه ، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع ، إذ كان الذي قَصَدْنا له ، في كتابنا هذا ، البيانَ عن وجوه تأويل آي القرآن ، دون وجوه قراءتها.
ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب ، أن المَلِك من " المُلْك "
__________
(1) ديوانه : 541 ، والنقائض : 38 . طاف الخيال : ألم بك في الليل ، واللمام : اللقاء اليسير . والزور : الزائر ، يقال للواحد والمثنى والجمع : زور . " فارجع لزورك " ، يقول : رد عليه السلام كما سلم عليك .
(2) في المطبوعة : " المعنى : الحمد لله . . . "
(3) وهكذا ذهب أبو جعفر رحمه الله إلى أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست آية من الفاتحة ، واحتج لقوله بما ترى . وليس هذا موضع بسط الخلاف فيه ، والدلالة على خلاف ما قال ابن جرير .
وقد حققت هذه المسألة ، أقمت الدلائل الصحاح - في نظري وفقهي - على أنها آية من الفاتحة - : في شرحي لسنن الترمذي 2 : 16 - 25 . وفي الإشارة إليه غنية هنا . أحمد محمد شاكر .

(1/148)


مشتق ، وأن المالك من " المِلْك " مأخوذٌ. فتأويل قراءةِ من قرأ ذلك : (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، أن لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه ، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك ، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية (1) . فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة (2) ، وأنّ له - من دُونهم ، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء ، والعزة والبهاء ، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله : ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [سورة غافر : 16]. فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا ، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار ، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار.
وأما تأويلُ قراءة من قرأ : (مالك يوم الدين) ، فما : -
166 - حدثنا به أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، يقول : لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا. ثم قال : ( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) [سورة النبأ : 38] وقال : ( وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ) [سورة طه : 108] . وقال : ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى ) (3) [سورة الأنبياء : 28].
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ، وأصحُّ القراءتين في التلاوة عندي ،
__________
(1) الجبرية والجبروت واحد ، وهو من صفات الله العلي . الجبار : القاهر فوق عباده ، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي ، سبحانه وتعالى .
(2) الصغرة جمع صاغر : وهو الراضي بالذل المقر به . والأذلة جمع ذليل .
(3) الخبر 166 - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد 137 . وهذا الخبر ، مع باقيه الآتي 167 نقله ابن كثير 1 : 46 دون إسناد ولا نسبة ، ونقله السيوطي 1 : 14 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . وقال ابن كثير : " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف . وهو ظاهر " .

(1/149)


التأويلُ الأول ، وهي قراءةُ من قرأ " مَلِكِ " بمعنى " المُلك " . لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك ، إيجابًا لانفراده بالمِلْك ، وفضيلة زيادة المِلك على المالك (1) ، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا .
وبعدُ ، فإن الله جلّ ذكره ، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله(ملِكِ يوم الدين) أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم ، ومُصلحُهم ، والناظرُ لهم ، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة ، بقوله : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ).
وإذْ كان جلّ ذكره قد أنبأهم عن مِلْكه
__________
(1) في المخطوطة : " الملك على الملك " ، وهما سواء .

(1/150)


إيَّاهم كذلك بقوله : (ربِّ العالمين) ، فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَع ذلك ما لم يحْوِه قوله(ربِّ العالمين الرَّحمن الرحيم) ، مع قرب ما بين الآيتين من المواصَلة والمجاورة ، إذْ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تشبهها حِكمةٌ ، وكان في إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه(مالِكِ يوم الدين) ، إعادةُ ما قد مضى من وصفه به في قوله(ربِّ العالمين) ، مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين. وكان في إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة ، لا تفيد سامع ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجة. والذي لم يحْوِه من صفاته جلّ ذكره ما قبل قوله : (مالك يوم الدين) ، المعنى الذي في قوله : (مَلِك يوم الدين) ، وهو وصْفه بأنه الملِك.
فبيِّن إذًا أن أولى القراءتين بالصواب ، وأحقّ التأويلين بالكتاب ، قراءة من قرأه( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين ، دون قراءة من قرأ(مالك يوم الدين) الذي بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء ، متفرِّدًا به دون سائر خلقه.
فإن ظنّ ظانّ أن قوله(رَبّ العَالمين) نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون الآخرة ، يوجبُ وصْلَ ذلك بالنبأ عن نفسه أنه : مَنْ مَلَكهم في الآخرة على نحو مِلْكه إياهم في الدنيا بقوله(مالك يوم الدين) - فَقد أغفلَ وظنَّ خطأ (1) .
وذلك أنه لو جاز لِظانّ أنْ يظنّ أن قوله(ربّ العالمين) محصورٌ معناه على الخبر عن ربوبِيَّة عالم الدنيا دُونَ عالم الآخرة ، مع عدم الدلالة على أن مَعنى ذلك كذلك في ظاهر التنزيل ، أو في خبرٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقولٍ ، أو بحجّة موجودة في المعقول - لجاز لآخر أن يظنّ أن ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نزل قوله(رب العالمين) ، دون سائر ما يحدث بعدَه في الأزمنة الحادثة من العالمين. إذْ كان صحيحًا بما قد قدّمنا من البيان ، أنّ عالمَ كل زمان غير عالم الزمان الذي بعده.
فإن غَبِيَ - عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا - ذو غباء ، فإنّ في قول الله جل ثناؤه : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [سورة الجاثية : 16] دلالةً واضحةً على أنّ عالم كلّ زمان ، غيرُ عالم الزمان الذي كان قَبله ، وعالم الزمان الذي بعدَه ، إذْ كان الله جلّ ثناؤه قد فضّل أمّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الخالية ، وأخبرهم بذلك في قوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) الآية [سورة آل عمران : 110]. فمعلومٌ بذلك أن بَني إسرائيل في عصر نبينا لم يكونوا - مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم - أفضلَ العالمين ، بل كانَ أفضلَ العالمين في ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة ، المؤمنون به المتَّبِعون منهاجهُ ، دون من سِواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه.
وإذْ كان بيِّنًا فساد تأويل متأوِّلٍ لو تأوّل قوله(ربّ العالمين) أنه معنيٌّ به
__________
(1) قوله " أغفل " ، فعل لازم غير متعد . ومعناه : دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما ، وهي عربية معرقة ، وإن لم توجد في المعاجم ، وهي كقولهم : أنجد ، دخل نجدًا ، وأشباهها . وحسبك بها عربية أنها لغة الشافعي ، أكثر من استعمالها في الرسالة والأم . من ذلك قوله في الرسالة : 42 رقم : 136 : " وبالتقليد أغفل من أغفل منهم " .

(1/151)


أن الله ربُّ عَالمي زَمن نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، دون عالمي سائر الأزمنة غيره - كان واضحًا فساد قول من زعم أنّ تأويلَهُ : ربُّ عالَمِ الدنيا دُون عالَمِ الآخرة ، وأنّ " مالك يوم الدين " استحقَّ الوصلَ به ليُعلَم أنه في الآخرة من مِلْكِهم ورُبُوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا.
ويُسْأل زاعم ذلك ، الفرقَ بينه وبين متحكم مثله - في تأويل قوله(رب العالمين) ، تحكَّم فقال : إنه إنما عنى بذلك أنه ربّ عالمي زمان محمّد صلى الله عليه وسلم ، دون عالمي غيره من الأزمان الماضية قبله ، والحادثة بعده ، كالذي زعم قائل هذا القول : أنه عَنى به عالمي الدنيا دُون عالمي الآخرة - من أصل أو دلالة (1) . فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله.
وأما الزاعم أن تأويل قوله(مالك يوم الدين) أنه الذي يملكُ إقامة يَوم الدين ، فإن الذي ألزمْنا قَائلَ هذا القول الذي قبله - له لازمٌ. إذْ كانت إقامةُ القيامة ، إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك ، في الدار التي أعَدّ الله لهم فيها ما أعدّ. وُهمُ العالَمون الذين قد أخبر جلّ ذكره عنهم أنه ربُّهم في قوله(ربّ العالمين ).
وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ(مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ، فإنه أراد : يا مالك يوم الدين ، فنصَبه بنيّة النداء والدعاء ، كما قال جلّ ثناؤه : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) [سورة يوسف : 29] بتأويل : يا يوسف أعرضْ عن هذا ، وكما قال الشاعر من بني أسد ، وهو شعر - فيما يقال - جاهلي :
إنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَني بِهَا كَذِبًا... جَزْءُ ، فلاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلا (2)
__________
(1) سياق العبارة : " ويسأل زاعم ذلك ، الفرق . . . من أصل أو دلالة " ، وما بينهما فصل .
(2) الشعر لجاهلي مخضرم هو حضرمي بن عامر الأسدي ، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني أسد فأسلموا جميعًا . وسبب قوله هذا الشعر : أن إخوته كانوا تسعة ، فجلسوا على بئر فانخسفت بهم ، فورثهم ، فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع ، وقال له : من مثلك ؟ مات إخوتك فورثتهم ، فأصبحت ناعمًا جذلا . وما كاد ، حتى جلس جزء وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته ونجا هو ، فبلغ ذلك حضرميًا فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كلمة وافقت قدرًا وأبقت حقدًا . يعني قوله لجزء : " فلاقيت مثلها عجلا " . وأزننته بشيء : اتهمته به . انظر أمالي القالي 1 : 67 ، والكامل 1 : 41 - 42 وغيرهما .

(1/152)


يريد : يا جزءُ ، وكما قال الآخر :
كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَنْكِحُونَهَا ، ... بَني شَاب قَرْنَاها تَصُرُّ وتَحْلبُ (1)
يريد : يا بني شابَ قرْناها. وإنما أوْرطه في قراءة ذلك - بنصب الكاف من " مالك " ، على المعنى الذي وصفتُ - حيرتهُ في توجيه قَوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وِجْهَته ، مع جر(مالك يوم الدين) وخفضِه. فظنّ أنّه لا يصحّ معنى ذلك بعد جرِّه(مالك يوم الدين) ، فنصب : " مالكَ يوم الدين " ليكون(إياك نعبد) له خطابًا. كأنه أراد : يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نَستعين . ولو كان عَلم تأويل أول السورة ، وأن " الحمدُ لله رَبّ العالمين " أمرٌ من الله عبدَه بقيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس : أن جبريلَ قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ذكره : قل يا محمد ، (الحمدُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَالكِ يوم الدين) ، وقل أيضًا يا محمد : (إياك نَعبد وإياك نَستعين) (2) - وكان عَقَل (3) عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكَت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القولَ ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب ، وتخبرَ عن الغائب ثم تعودَ إلى الخطاب ، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب ، كقولهم للرجل : قد قلتُ لأخيك : لو قمتَ لقمتُ ، وقد قلتُ لأخيك : لو قام لقمتُ (4) - لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وجْهتُه من جر " مالك يوم الدين " .
__________
(1) نسبه في اللسان (قرن) ومجاز القرآن : 100 إلى رجل من بني أسد والبيت في سيبويه 1 : 295 / 2 : 7 ، 65 ، وهو شاهد مشهور . " وبني شاب قرناها " يعني قومًا ، يقول : بني التي يقال لها : شاب قرناها ، أي يا بني العجوز الراعية ، لا هم لها إلا أن تصر ، أي تشد الصرار على الضرع حتى تجتمع الدرة ، ثم تحلب . وذلك ذم لها . والقرن : الضفيرة .
(2) انظر : 151 ، 155 .
(3) عطف على قوله : " ولو كان علم . . . " .
(4) جواب " لو كان علم . . . وكان عقل " .

(1/153)


ومن نظير " مالك يوم الدين " مجرورًا ، ثم عَوْده إلى الخطاب بـ " إياك نعبد " ، لما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبي كبير الهُذَلي :
يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ (1)
فرجعَ إلى الخطاب بقوله : " وبياضُ وَجْهك " ، بعد ما قد مضى الخبرُ عن خالد على معنى الخبر عن الغائب.
ومنه قول لبيد بن ربيعة :
بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا (2)
فرجع إلى مخاطبة نفسه ، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب.
ومنه قول الله ، وهو أصدق قيلٍ وأثبتُ حجةٍ : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [سورة يونس : 22] ، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب ، ولم يقل : وَجرَين بكم . والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
فقراءة : " مالكَ يوم الدين " محظورة غير جائزة ، لإجماع جميع الحجة من القرّاء وعلماء الأمة على رَفض القراءة بها.
* * *
__________
(1) ديوان الهذليين 2 : 101 . في المطبوعة : " جلدة " وهو خطأ وقوله " جدة " يعني شبابه الجديد . والجدة : نقيض البلى . والتراب الأعفر : الأبيض ، قل أن يطأه الناس لجدبه . وخالد : صديق له من قومه ، يرثيه .
(2) القسم الثاني من ديوانه : 46 ، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء : ص 50 وذكر البيت وبيتًا معه ، أنهما قد رويا عن الشعبي (ابن سعد 6 : 178) ، وهما يحملان على لبيد ، ثم قال : " ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث ، ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك لا تستقصي " . أجهش بالبكاء : تهيأ له وخنقه بكاؤه .

(1/154)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { يَوْمِ الدِّينِ } .
قال أبو جعفر : والدين في هذا الموضع ، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال ، كما قال كعب بن جُعَيْل :
إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُم... ودِنَّاهُمُ مِثْلَ ما يُقْرِضُونَا (1)
وكما قال الآخر :
وَاعْلَمْ وأَيْقِنْ أنَّ مُلْككَ زائلٌ... واعلمْ بأَنَّكَ مَا تدِينُ تُدَانُ (2)
يعني : ما تَجْزِي تُجازى.
ومن ذلك قول الله جل ثناؤه( كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) - يعني : بالجزاء - ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ) [سورة الانفطار : 9 ، 10] يُحصون ما تعملون من الأعمال ، وقوله تعالى( فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) [سورة الواقعة : 86] ، يعني غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسَبين.
وللدين معانٍ في كلام العرب ، غير معنى الحساب والجزاء ، سنذكرها في أماكنها إن شاء الله.
__________
(1) الكامل للمبرد 1 : 191 ، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم 1 : 52 ، المخصص 17 : 155 .
(2) الكامل للمبرد 1 : 192 منسوبًا إلى يزيد بن أبي الصعق الكلابي ، وكذلك في جمهرة الأمثال للعسكري : 196 ، والمخصص 17 : 155 ، وفي اللسان (زنأ) و (دان) منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلابي ، وفي الخزانة 4 : 230 إلى بعض الكلابيين . يقولون : إن الحارث بن أبي شمر الغساني كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها ، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابي ، وكان أبوها غائبًا ، فلما قدم أخبر . فوفد إليه فوقف بين يديه وقال : يَا أَيُّهَا المَلِكُ المُقِيتُ ! أمَا تَرى ... لَيْلاً وصُبْحًا كَيْف يَخْتَلِفَانِ ?
هَلْ تَسْتَطِيعُ الشَّمْسَ أن تَأتِي بها ... لَيْلاً ? وهل لَكَ بِالْمَلِيك يَدَانِ?
يَا حَارِ ، أيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/155)


وبما قُلنا في تأويل قوله(يوم الدين) جاءت الآثار عن السلف من المفسِّرين ، مع تصحيح الشواهد تأويلَهم الذي تأوّلوه في ذلك.
167 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : (يَوْمِ الدِّينِ) ، قال : يوم حساب الخلائق ، وهو يوم القيامة ، يدينهم بأعمالهم ، إن خيرًا فخيرًا ، وإن شرًّا فشرًّا ، إلا من عَفا عنه ، فالأمرُ أمرُه. ثم قال : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) [سورة الأعراف : 54] . (1)
168 - وحدثني موسى بن هارون الهَمْدَاني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القَنَّاد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، هو يوم الحساب. (2)
169 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
__________
(1) الخبر 167 - سبق تخريجه في الخبر 166 .
(2) الخبر 168 - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري ، إن لم يكن أكثرها ، فلا يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا الإسناد . وقد عرض الطبري نفسه في (ص 121 بولاق ، سطر : 28 وما بعده) ، فقال ، وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا الإسناد : " فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كان بإسناده مرتابًا . . . . " . ولم يبين علة ارتيابه في إسناده ، وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به . ولكنه لم يجعلها حجة قط .
بيد أني أراه إسنادا يحتاج إلى بحث دقيق . ولأئمة الحديث كلام فيه وفي بعض رجاله . وقد تتبعت ما قالوا وما يدعو إليه بحثه ، ما استطعت ، وبدا لي فيه رأي ، أرجو أن يكون صوابًا ، إن شاء الله . وما توفيقي إلا بالله :
أما شيخ الطبري ، وهو " موسى بن هارون الهمداني " : فما وجدت له ترجمة ، ولا ذكرًا في شيء مما بين يدي من المراجع ، إلا ما يرويه عنه الطبري أيضًا في تاريخه ، وهو أكثر من خمسين موضعًا في الجزئين الأول والثاني منه . وما بنا حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل ، فإن هذا التفسير الذي يرويه عن عمرو بن حماد ، معروف عند أهل العلم بالحديث . وما هو إلا رواية كتاب ، لا رواية حديث بعينه .
" وعمرو بن حماد " : هو عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، وقد ينسب إلى جده ، فيقال عمرو بن طلحة ، وهو ثقة ، روى عنه مسلم في صحيحه ، وترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 285 ، وقال : " وكان ثقة إن شاء الله " مات سنة 222 . وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 228 ، وروى عن أبيه ويحيى بن معين أنهما قالا فيه : " صدوق " .
أسباط بن نصر الهمداني : مختلف فيه ، وضعفه أحمد ، وذكره ابن حبان في الثقات : 410 ، ةترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 53 فلم يذكر فيه جرحًا ، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 332 ، وروى عن يحيى بن معين قال : " أسباط بن نصر ثقة " . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند ، في الحديث 1286 .
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي : هو السدي الكبير ، قرشي بالولاء ، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ، من بني عبد مناف ، كما نص على ذلك البخاري في تاريخيه : الصغير : 141 - 142 ، والكبير 1 / 1 / 361 ، وهو تابعي ، سمع أنسًا ، كما نص على ذلك البخاري أيضًا ، وروى عن غيره من الصحابة ، وعن كثير من التابعين . وهو ثقة . أخرج له مسلم في صحيحه ، وثقه أحمد بن حنبل ، فيما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 184 ، وروى أيضًا عن أحمد ، قال : " قال لي يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي : السدي ضعيف ، فغضب عبد الرحمن ، وكره ما قال " : وفي الميزان والتهذيب " أن الشعبي قيل له : إن السدي قد أعطي حظًا من علم القرآن ، فقال : قد أعطي حظًا من جهل بالقرآن! " . وعندي أن هذه الكلمة من الشعبي قد تكون أساسا لقول كل من تكلم في السدي بغير حق . ولذلك لم يعبأ البخاري بهذا القول من الشعبي ، ولم يروه ، بل روى في الكبير عن مسدد عن يحيى قال : " سمعت ابن أبي خالد يقول : السدي أعلم بالقرآن من الشعبي " . وروى في تاريخيه عن ابن المديني عن يحيى ، وهو القطان ، قال : " ما رأيت أحدًا يذكر السدي إلا بخير ، وما تركه أحد " . وفي التهذيب : " قال العجلي : ثقة عالم بالتفسير راوية له " . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند 807 . وتوفي السدي سنة 127 .
و " السدي " : بضم السين وتشديد الدال المهملتين ، نسبة إلى " السدة " ، وهي الباب ، لأنه كان يجلس إلى سدة الجامع بالكوفة ، ويبيع بها المقانع .
أبو مالك : هو الغفاري ، واسمه غزوان . وهو تابعي كوفي ثقة . ترجمه البخاري في الكبير 4 / 1 / 108 ، وابن سعد في الطبقات 6 : 206 ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 2 / 55 ، وروى توثيقه يحيى بن معين .
أبو صالح : هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، واسمه باذام ، ويقال باذان . وهو تابعي ثقة ، رجحنا توثيقه في شرح المسند 2030 ، وترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 144 ، وروى عن محمد بن بشار ، قال : " ترك ابن مهدي حديث أبي صالح " . وكذلك روى ابن أبي حاتم في ترجمته في الجرح والتعديل 1 / 1 / 431 - 432 عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي . ولكنه أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان ، قال : " لم أرَ أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ ، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا ، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان " . وروى أيضًا عن يحيى بن معين ، قال : " أبو صالح مولى أم هانئ ليس به بأس ، فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء ، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس ، لأن الكلبي يحدث به مرة من رأيه ، ومرة عن أبي صالح ، ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس " . يعني بهذا أن الطعن فيما يروي عنه هو في رواية الكلبي ، كما هو ظاهر .
هذا عن القسم الأول من هذا الإسناد . فإنه في حقيقته إسنادان أو ثلاثة . أولهما هذا المتصل بابن عباس .
والقسم الثاني ، أو الإسناد الثاني : " وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود " . والذي يروي عن مرة الهمداني : هو السدي نفسه .
ومرة : هو ابن شراحيل الهمداني الكوفي ، وهو تابعي ثقة ، من كبار التابعين ، ليس فيه خلاف بينهم .
والقسم الثالث ، أو الإسناد الثالث : " وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " .
وهذا أيضًا من رواية السدي نفسه عن ناس من الصحابة .
فالسدي يروي هذه التفاسير لآيات من القرآن : عن اثنين من التابعين عن ابن عباس ، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود ، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة .
وللعلماء الأئمة الأقدمين كلام في هذا التفسير ، بهذه الأسانيد ، قد يوهم أنه من تأليف من دون السدي من الرواة عنه ، إلا أني استيقنت بعدُ ، أنه كتاب ألفه السدي .
فمن ذلك قول ابن سعد في ترجمة " عمرو بن حماد القناد " 6 : 285 : " صاحب تفسير أسباط بن نصر عن السدي " . وقال في ترجمة " أسباط بن نصر " 6 : 261 : " وكان راوية السدي ، روى عنه التفسير " . وقال قبل ذلك في ترجمة " السدي " 6 : 225 : " إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، صاحب التفسير " . وقال قبل ذلك أيضًا ، في ترجمة " أبي مالك الغفاري " 6 : 206 : " أبو مالك الغفاري صاحب التفسير ، وكان قليل الحديث " .
ولكن الذي يرجح أنه كتاب ألفه السدي ، جمع فيه التفسير ، بهذه الطرق الثلاث ، قول أحمد بن حنبل في التهذيب 1 : 314 ، في ترجمة السدي : " إنه ليحسن الحديث ، إلا أن هذا التفسير الذي يجئ به ، قد جعل له إسنادًا ، واستكلفه " . وقول الحافظ في التهذيب أيضًا 1 : 315 : " قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما ، في تفاسيرهم ، تفسير السدي ، مفرقًا في السور ، من طريق أسباط بن نصر عنه " .
وقول السيوطي في الإتقان 2 : 224 فيما نقل عن الخليل في الإرشاد : " وتفسير إسماعيل السدي ، يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس . وروى عن السدي الأئمة ، مثل الثوري وشعبة . ولكن التفسير الذي جمعه ، رواه أسباط بن نصر . وأسباط لم يتفقوا عليه . غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي " . ثم قال السيوطي : " وتفسير السدي ، [الذي] أشار إليه ، يورد منه ابن جرير كثيرًا ، من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، و [عن] ناس من الصحابة . هكذا . ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا ، لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد . والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ، ويصححه ، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس ، فقط ، دون الطريق الأول ، وقد قال ابن كثير : إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة " .
وأول ما نشير إليه في هذه الأقوال : التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر والسيوطي ، في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرقًا في تفسيره ، كما صنع الطبري ، في نقل الحافظ ، وأنه أعرض عنه ، في نقل السيوطي . ولست أستطيع الجزم في ذلك بشيء ، إذ لم أرَ تفسير ابن أبي حاتم . ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر ، بأنه أكثر تثبتًا ودقة في النقل من السيوطي .
ثم قد صدق السيوطي فيما نقل عن الحاكم . فإنه يروي بعض هذا التفسير في المستدرك ، بإسناده ، إلى أحمد بن نصر : " حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " . ثم يصححه على شرط مسلم ، ويوافقه الذهبي في تلخيصه . من ذلك في المستدرك 2 : 258 ، 260 ، 273 ، 321 .
والحاكم في ذلك على صواب ، فإن مسلمًا أخرج لجميع رجال هذا الإسناد . من عمرو بن حماد بن طلحة القناد إلى مرة الهمداني . ولم يخرج لأبي صالح باذام ولا لأبي مالك الغفاري ، في القسم الأول من الإسناد الذي روى به السدي تفاسيره .
أما كلمة الإمام أحمد بن حنبل في السدي " إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به ، قد جعل له إسنادًا واستكلفه " فإنه لا يريد ما قد يفهم من ظاهرها : أنه اصطنع إسنادا لا أصل له ؛ إذ لو كان ذلك ، لكان - عنده - كذابًا وضاعًا للرواية . ولكنه يريد - فيما أرى ، والله أعلم - أنه جمع هذه التفاسير ، من روايته عن هؤلاء الناس : عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، ثم ساقها كلها مفصلة ، على الآيات التي ورد فيها شيء من التفسير ، عن هذا أو ذاك أو أولئك ، وجعل لها كلها هذا الإسناد ، وتكلف أن يسوقها به مساقًا واحدًا .
أعني : أنه جمع مفرق هذه التفاسير في كتاب واحد ، جعل له في أوله هذه الأسانيد . يريد بها أن ما رواه من التفاسير في هذا الكتاب ، لا يخرج عن هذه الأسانيد . ولا أكاد أعقل أنه يروي كل حرف من هذه التفاسير عنهم جميعا . فهو كتاب مؤلف في التفسير ، مرجع فيه إلى الرواية عن هؤلاء ، في الجملة ، لا في التفصيل .
إنما الذي أوقع الناس في هذه الشبهة ، تفريق هذه التفاسير في مواضعها ، مثل صنيع الطبري بين أيدينا ، ومثل صنيع ابن أبي حاتم ، فيما نقل الحافظ ابن حجر ، ومثل صنيع الحاكم في المستدرك . فأنا أكاد أجزم أن هذا التفريق خطأ منهم ، لأنه يوهم القارئ أن كل حرف من هذه التفاسير مروي بهذه الأسانيد كلها ، لأنهم يسوقونها كاملة عند كل إسناد ، والحاكم يختار منها إسنادًا واحدًا يذكره عند كل تفسير منها يريد روايته . وقد يكون ما رواه الحاكم - مثلا - بالإسناد إلى ابن مسعود ، ليس مما روى السدي عن ابن مسعود نصًا . بل لعله مما رواه من تفسير ابن عباس ، او مما رواه ناس من الصحابة ، روى عن كل واحد منهم شيئًا ، فأسند الجملة ، ولم يسند التفاصيل .
ولم يكن السدي ببدع في ذلك ، ولا يكون هذا جرحًا فيه ولا قدحًا . إنما يريد إسناد هذه التفاسير إلى الصحابة ، بعضها عن ابن عباس ، وبعضها عن ابن مسعود ، وبعضها عن غيرهما منهم . وقد صنع غيره من حفاظ الحديث وأئمته نحوًا مما صنع ، فما كان ذلك بمطعن فيهم ، بل تقبلها الحفاظ بعدهم ، وأخرجوها في دواوينهم . ويحضرني الآن من ذلك صنيع معاصره : ابن شهاب الزهري الإمام . فقد روى قصة حديث الإفك ، فقال : " أخبرني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله مما قالوا . وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصًا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني ، وبعض حديثهم يصدق بعضا " ، إلخ .
فذكر الحديث بطوله . وهو في صحيح مسلم 2 : 333 - 335 . وسيأتي في تفسير الطبري (18 : 71 - 74 بولاق) . ورواه الإمام أحمد والبخاري في صحيحه ، كما في تفسير ابن كثير 6 : 68 - 73 . ثم قال ابن كثير : " وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك ، قال : " وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة " . وإسناد ابن إسحاق الأخير في الطبري أيضًا . والإسنادان كلاهما رواهما ابن إسحاق عن الزهري ، في السيرة (ص 731 من سيرة ابن هشام) .
والمثل على ذلك كثيرة ، يعسر الآن تتبعها .
وقد أفادنا هذا البحث أن تفسير السدي من أوائل الكتب التي ألفت في رواية الأحاديث والآثار .
وهو من طبقة عالية ، من طبقة شيوخ مالك من التابعين .
وبعد : فأما هذا الخبر بعينه ، فقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 ، بالإسناد الذي أشرنا إليه ، من رواية السدي عن مرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . وافقه الذهبي . ونقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 14 عن ابن جرير والحاكم ، وصححه ، عن ابن مسعود وناس من الصحابة " .

(1/156)


إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

مَعمر ، عن قتادة في قوله : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال : يوم يَدينُ الله العبادَ بأعمالهم. (1)
170 - وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، (مالك يوم الدين) قال : يوم يُدان الناس بالحساب. (2)
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } .
قال أبو جعفر : وتأويل قوله(إيَّاكَ نعبُدُ) : لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك.
171 - كما حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ، إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك (3) .
__________
(1) الأثر 169 - نقله السيوطي 1 : 14 ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد . وهو ظاهر في رواية الطبري هذه - أنه من مصنف عبد الرزاق . ونسبه الشوكاني 1 : 12 لهما وللطبري .
(2) الأثر 170 - مضى الكلام على هذا الإسناد : 144 . وأما لفظه فلم يذكره أحد منهم .
(3) الخبر 171 - إسناده ضعيف ، بيناه في : 137 . وهذا الخبر والذي بعده 172 جمعهما السيوطي 1 : 14 ، ونسبهما أيضًا لابن أبي حاتم .

(1/157)


وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا. وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف - وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة - لأنّ العبودية ، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة ، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام ، وذلّلته السابلة : معبَّدًا . ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد :
تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت... وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ (1)
يعني بالموْر : الطريق. وبالمعبَّد : المذلَّل الموطوء (2) . ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج : معبَّد. ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه. والشواهد على ذلك - من أشعار العرب وكلامها - أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) : وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها - لا أحدًا سواك ، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك ، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة.
172 - كالذي حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ،
__________
(1) ديوان الستة الجاهليين : 31 . يصف ناقته . تباري : تجاريها وتسابقها . والعتاق جمع عتيق : وهو الكريم المعرق في كرم الأصل . وناجيات : مسرعات في السير ، من النجاء ، وهو سرعة السير . والوظيف : من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوظيف هنا : الخف .
(2) في المخطوطة : " الموطن " ، وهو قريب المعنى .

(1/161)


قال : حدثني بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، قال : إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها (1) .
فإن قال قائل : وما معنى أمر الله عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته ؟ أوَ جائزٌ ، وقد أمرهم بطاعته ، أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه : إياك نستعين على طاعتك ، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ ، وذلك هو الطاعة. فما وجهُ مسألة العبد ربَّه ما قد أعطاه إياه ؟
قيل : إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما الداعي ربَّه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه ، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عُمره على ما كلّفه من طاعته ، دون ما قد تَقضَّى ومَضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره . وجازت مسألةُ العبد ربَّه ذلك ، لأن إعطاء الله عبدَه ذلك - مع تمكينه جوارحَه لأداء ما كلَّفه من طاعته ، وافترض عليه من فرائضه ، فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل به عليه ، ولُطْف منه لَطَف له فيه. وليس في تَركه التفضُّلَ على بعض عبيده بالتوفيق - مع اشتغال عبده بمعصيته ، وانصرافه عن مَحبته ، ولا في بَسطه فضلَه على بعضهم ، مع إجهاد العبد نفسه في مَحبته ، ومسارعته إلى طاعته - فسادٌ في تدبير ، ولا جَور في حكم ، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله في أمرِه عبدَه بمسألته عَونَه على طاعته (2) .
وفي أمر الله جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، بمعنى مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة ، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض من أهل القدر (3) ، الذين أحالوا أن يأمُرَ الله أحدًا من عبيده بأمرٍ ، أو يكلّفه
__________
(1) الخبر 172 - هو بالإسناد الضعيف قبله . وأشرنا إليه هناك .
(2) في المطبوعة : " حكم الله وأمره عبده " ، وفي المخطوطة : " حكم الله امره " بغير واو . والذي أثبتناه أصوب . والحكم : الحكمة ، كما مر مرارًا
(3) أهل القدر : هم نفاة القدر لا مثبتوه . والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية . يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان (أي رد إليه) ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده .

(1/162)


فرضَ عمل ، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعلِه وعلى تركِه. ولو كانَ الذي قالوا من ذلك كما قالوا ، لبطلت الرَّغبة إلى الله في المعونة على طاعته. إذ كان - على قولهم ، مع وجود الأمر والنهي والتكليف - حقًّا واجبًا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه ، سأله عبدُه أو تركَ مسألة ذلك . بل تَرك إعطائه ذلك عندهم منه جَورٌ. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا ، لكان القائل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور.
وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا - على تصويب قول القائل : " اللهم إنا نستعينك " ، وتخطئَتِهم قول القائل : " اللهم لا تَجُرْ علينا " - دليل واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم. إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم : " اللهم إنّا نستعينك - اللهم لا تترك مَعونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ منك.
فإن قال قائل : وكيف قيل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، فقُدِّم الخبرُ عن العِبادة ، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها ؟ وإنما تكون العِبادة بالمعونة ، فمسألةُ المعونة كانت أحقَّّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل والعبادةُ بها.
قيل : لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه ، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان ، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل - كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه . كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها : " قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ " ، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك ، أو قلتَ : أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي " ، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة. لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن ، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قول القائل : اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك ، وقوله : اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ.

(1/163)


قال أبو جعفر : وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذي معناه التأخيرُ ، كما قال امرؤ القيس :
ولَوْ أَنّ مَا أسْعَى لأَدْنَى مَعِيشةٍ... كَفاني ، ولم أطلُبْ ، قليلٌ من المالِ (1)
يريد بذلك : كفاني قليلٌ من المال ولم أطلب كثيرًا. وذلك - من معنى التقديم والتأخير ، ومن مشابهة بيت امرئ القيس - بمعْزِل. من أجل أنّه قد يكفيه القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ ، فليس وُجودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له تركَ طلب الكثير ، فيكونَ نظيرَ العبادة التي بوجُودها وجود المعونة عليها ، وبوجود المعونة عليها وُجُودها ، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالا على الآخر ، فيعتدلَ في صحة الكلام تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبه ، أن يكونَ موضوعًا في درجته ومرتَّبًا في مرتَبتِه.
فإن قال : فما وجْه تكراره : " إياك " مع قوله : " نستعين " ، وقد تقدَّم ذلك قَبْل " نعبد " ؟ وهلا قيل : " إياك نعبُدُ ونستعين " ، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ ، هو المخبر عنه أنه المستعانُ ؟
قيل له : إن الكاف التي مع " إيَّا " ، هي الكاف التي كانت تصل بالفعل - أعني بقوله : " نعبد " - لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل. وهي كنايةُ اسم المخاطبِ المنصوب بالفعل ، فكُثِّرت بـ " إيّا " متقدِّمةً ، إذْ كان الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد.
فلمّا كانت الكاف من " إياكَ " هي كنايةَ اسم المخاطَب التي كانت تكون كافًا وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل ، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ فعل اتصلتْ به ، فيقال : " اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك " ، وكان ذلك أفصحَ في كلام العرب من أن يقال : " اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد " - كان كذلك ، إذا قدِّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولةً بـ " إيّا " ، كان الأفصح إعادَتها مع كل فعل. كما كان الفصيحُ من الكلام إعادَتها مع
__________
(1) ديوانه 1 : 71 .

(1/164)


كل فعل ، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به ، وإن كان تركُ إعادتها جائزًا.
وقد ظنّ بعضُ من لم يُنعم النظرَ (1) أنّ إعادة " إياك " مع " نستعين " ، بعد تقدّمها في قوله : " إياك نستعين " ، بمعنى قول عدي بن زيد العِبَاديّ :
وجَاعِل الشَّمس مِصْرًا لا خَفَاءَ بِه... بَيْن النَّهارِ وَبيْنَ اللَّيل قد فَصَلا (2)
وكقول أعشى هَمْدان :
بَيْنَ الأشَجِّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ... بَخْ بَخْ لوَالِدِهِ وللمَولُودِ (3)
وذلك من قائله جهل ، من أجل أن حظ " إيّاك " أن تكون مكررة مع كل فعل ، لما وصفنا آنفًا من العلة ، وليس ذلك حُكم " بين " لأنها لا تكون - إذ اقتضت اثنين - إلا تكريرًا إذا أعيدت ، إذْ كانت لا تنفَرد بالواحد. وأنها لو أفْرِدت بأحد الاسمين ، في حال اقتضائها اثنين ، كان الكلام كالمستحيل. وذلك أنّ قائلا لو قال : " الشمس قد فَصَلت بين النهار " ، لكان من الكلام خَلْفًا (4) لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه ، من تمامه الذي يقتضيه " بين " .
ولو قال قائل : " اللهمّ إياك نعبد " ، لكان ذلك كلامًا تامًّا. فكان معلومًا بذلك أنّ حاجةَ كلِّ كلمةٍ - كانت نظيرةَ " إياك نعبد " - إلى " إياك " كحاجة
__________
(1) في المطبوعة : " لم يمعن النظر " ، بدلوها ، كما فعلوا في ص : 55 ، تعليق : 3 .
(2) في اللسان (مصر) منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت . واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد . والمصر : الحاجز والحد بين الشيئين . يقول : جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار .
(3) ديوان الأعشين : 323 ، والأغاني 6 : 46 ، 61 . وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح ، كان أحد الفقهاء القراء ، ثم ترك ذلك وقال الشعر . يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان خرج على الحجاج ، فخرج معه الفقهاء والقراء ، فلما أسر الحجاج الأعشى ، قال له : ألست القائل : وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا! وقتله . الأشج : هو الأشعث والد عبد الحمن ، وقيس جده . وبخ بخ : كلمة للتعظيم والتفخيم . وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار " بين " ، مع غير الضمير المتصل ، ومثلهما كثير . وأهل عصرنا يخطئون من يقوله ، وهم في شرك الخطأ .
(4) الخلف (بفتح فسكون) : الرديء من القول . يقال هذا خلف من القول ، أي رديء . وفي المثل : " سكت ألفًا ونطق خلفًا " ، يقال للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ . أي سكت دهرًا طويلًا ، ثم تكلم بخطأ . كنى بالألف عن الزمن الطويل ، ألف ساعة مثلا .

(1/165)


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

" نُعْبد " إليها (1) وأنّ الصواب أن تكونَ معها " إياك " ، إذْ كانت كل كلمة منها جملةَ خبرِ مبتدأ ، وبيّنًا حُكم مخالفة ذلك حُكم " بين " فيما وَفّق بينهما الذي وصفنا قوله.
* * *
القول في تأويل قوله : { اهْدِنَا } .
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، في هذا الموضع عندنا : وَفِّقْنا للثبات عليه ، كما رُوي ذلك عن ابن عباس : -
173 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليه : " قل ، يا محمد ، اهدنا الصراط المستقيمَ " . يقول : ألهمنا الطريق الهادي (2) .
وإلهامه إياه ذلك ، هو توفيقه له ، كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظيرُ معنى قوله : " إياك نستعين " ، في أنه مَسألةُ العبد ربَّه التوفيقَ للثبات على العمل بطاعته ، وإصابة الحق والصواب فيما أمَره به ونهاه عنه ، فيما يَستَقبِلُ من عُمُره ، دون ما قد مضى من أعماله ، وتقضَّى فيما سَلف من عُمُره . كما في قوله : " إياك نستعين " ، مسألةٌ منه ربَّه المعونةَ على أداء ما قد كلَّفه من طاعته ، فيما بقي من عُمُره.
فكانَ معنى الكلام : اللهمّ إياك نعبدُ وحدَك لا شريك لك ، مخلصين لك العبادةَ دونَ ما سِواك من الآلهة والأوثان ، فأعِنَّا على عبادتك ، ووفِّقنا لما
__________
(1) يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية ، فلذلك وجب تكرارها . سياق العبارة : " فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة . . . وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها . . . وكان بينًا . . . " إلى آخر الفقرة .
(2) يأتي بتمامه وتخريجه برقم 179 .

(1/166)


وفَّقت له مَن أنعمتَ عليه من أنبيائك وأهل طاعتك ، من السبيل والمنهاج.
فإن قال قائل : وأنَّى وَجدتَ الهدايةَ في كلام العرب بمعنى التَّوفيق ؟
قيل له : ذلك في كلامها أكثرُ وأظهر من أن يُحصى عددُ ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد . فمن ذلك قول الشاعر :
لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ (1)
يعنى به : وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر :
ولا تُعْجِلَنِّي هدَاَك المليكُ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا (2)
فمعلوم أنه إنما أراد : وفقك الله لإصابة الحق في أمري.
ومنه قول الله جل ثناؤه : ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) في غير آيه من تنزيله. وقد عُلم بذلك ، أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضه. وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه ، وقد عمَّ بالبيان جميع المكلَّفين من خلقه ؟ ولكنه عَنى جلّ وعزّ أنه لا يُوفِّقهم ، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم.
وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله : (اهدِنا) : زدْنا هدايةٍ.
وليس يخلُو هذا القولُ من أحد أمرين : إما أن يكون ظنَّ قائلُه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بمسألة الزيادة في البيان ، أو الزيادةَ في المعونة والتوفيق .
فإن كان ظن أنه أُمِر بمسألة رَبِّه الزيادة في البيان ، فذلك ما لا وجه له ؛ لأن الله جلّ ثناؤه لا يكلِّف عبدًا فرضًا من فرائضه ، إلا بعد تبيينه له وإقامةِ الحجة عليه به. ولو كان مَعنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ ، لكانَ قد أمِر أن يدعو ربَّه أن يبين له ما فَرض عليه ، وذلك من الدعاء خَلفٌ (3) ، لأنه لا يفرض فرضًا إلا مبيَّنًا
__________
(1) لم أعرف نسبة البيت ، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة . أمالي المرتضى 1 : 160 .
(2) نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر : 253 ، وقال : " أول من قال ذلك طرفة بن العبد ، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند " ، وليس في ديوانه ، وانظر أمثال الميداني 2 : 125 .
(3) أي رديء من القول . انظر ما سلف ص 165 رقم : 1 .

(1/167)


لمن فرضَه عليه. أو يكون أمِر أن يدعوَ ربَّه أن يفرض عليه الفرائضَ التي لم يفرضْها.
وفي فساد وَجه مسألة العبد ربَّه ذلك ، ما يوضِّح عن أن معنى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، غير معنى : بيِّن لنا فرائضَك وحدودَك.
أو يكون ظنّ أنه أمِر بمسألة ربه الزيادةَ في المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك كذلك ، فلن تخلوَ مسألتُه تلك الزيادةَ من أن تكون مسألةً للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله ، أو على ما يحدُث.
وفي ارتفاع حاجةِ العبد إلى المعونة على ما قد تقضَّى من عمله (1) ، ما يُعلِمُ أنّ معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما يحدث من عمله. وإذْ كانَ ذلك كذلك ، صارَ الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك : من أنه مسألة العبد ربَّه التوفيقَ لأداء ما كُلِّف من فرائضه ، فيما يَستقبل من عُمُره.
وفي صحة ذلك ، فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلَّف فرضًا ، فقد أعطي من المعونة عليه ، ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجتُه إلى ربِّه (2) . لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا في ذلك ، لبطَلَ معنى قول الله جل ثناؤه : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ). وفي صحة معنى ذلك ، على ما بيَّنا ، فسادُ قولهم.
وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) : أسْلِكنا طريق الجنة في المعاد ، أيْ قدِّمنا له وامض بنا إليه ، كما قال جلّ ثناؤه : ( فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) [سورة الصافات : 23] ، أي أدخلوهم النار ، كما تُهْدَى المرأة إلى زوجها ، يُعني بذلك أنها تُدخَل إليه ، وكما تُهدَى الهديَّة إلى الرجل ، وكما تَهدِي الساقَ القدمُ ، نظير قَول طَرفة بن العبد :
__________
(1) ارتفع الأمر : زال وذهب ، كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع . ومنه : ارتفع الخلاف بينهما .
(2) انظر ص : 162 التعليق رقم 2 .

(1/168)


لَعبتْ بَعْدِي السُّيُولُ بهِ... وجَرَى في رَوْنَقٍ رِهمُهْ (1)
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ... حَيْثُ تَهْدِي سَاقَه قَدَمُهْ (2)
أي تَرِدُ به الموارد.
وفي قول الله جل ثناؤه( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل ، مع شهادة الحجة من المفسِّرين على تخطئته. وذلك أنّ جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى " الصراط " في هذا الموضع ، غيرُ المعنى الذي تأوله قائل هذا القول ، وأن قوله : " إياك نستعينُ " مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله " اهْدِنا " إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما بقي من عُمُره.
والعربُ تقول : هديتُ فلانًا الطريقَ ، وهَديتُه للطريق ، وهديتُه إلى الطريق ، إذا أرشدتَه إليه وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن ، قال الله جلّ ثناؤه : ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ) [سورة الأعراف : 43] ، وقال في موضع آخر : ( اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [سورة النحل : 121] ، وقال : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ).
وكل ذلك فاش في منطقها ، موجودٌ في كلامها ، من ذلك قول الشاعر :
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ، ... رَبَّ العِباد ، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (3)
__________
(1) ديوان الستة الجاهليين : 234 ، 237 ، والبيت الأول في فاتحة الشعر ، والأخير خاتمته . والضمير في قوله : " لعبت " للربع ، في أبيات سلفت . ورونق السيف والشباب والنبات : صفاؤه وحسنه وماؤه . ويروى : " في ريق " . وريق الشباب : أوله والتماعه ونضرته . وعنى نباتًا نضيرًا كأنه يقول : في ذي رنق ، أو في ذي ريق . والرهم - بكسر الراء - جمع رهمة : وهي المطرة الضعيفة المتتابعة ، وهي مكرمة للنبات . يقول : أعشبت الأرض ، وجرى ماء السماء في النبت يترقرق . والضمير في " رهمه " عائد على الغيث ، غائب كمذكور .
(2) يقول : حيث سار الفتى عاش بعقله وتدبيره واجتهاده .
(3) يأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 121 ، وآية سورة القصص : 88 . وسيبويه 1 : 17 ، والخزانة 1 : 486 ، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . قال الشنتمري : " أراد من ذنب ، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب " والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع . فلذلك قال : " لست محصيه " . والوجه : القصد والمراد ، وهو بمعنى التوجه " .

(1/169)


يريد : أستغفر الله لذنْب ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) [سورة غافر : 55] .
ومنه قول نابغة بني ذُبْيان :
فَيَصِيدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ... قَبْلَ الوَنَى وَالأَشْعَبَ النَبَّاحَا (1)
يريد : فيصيدُ لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم ، وفيما ذكرنا منه كفاية.
* * *
القول في تأويل قوله : { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } .
قال أبو جعفر : أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن " الصراط المستقيم " ، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب ، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفي :
أميرُ المؤمنين عَلَى صِرَاطٍ... إذا اعوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقيمِ (2)
يريد على طريق الحق. ومنه قول الهُذلي أبي ذُؤَيْب :
صَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بالخَيْلِ حَتّى... تركْنَاها أَدَقَّ مِنَ الصِّرَاطِ (3)
__________
(1) البيت ليس في ديوانه . ومن القصيدة أبيات فيه : 23 ، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد : 23 ، يصف فرسًا . والعير : حمار الوحش . والحضر : العدو الشديد ، وحمار الوحش شديد العدو . والونى : التعب والفترة في العدو أو العمل . والأشعب : الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة . ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا ، فهو نباح ، إذا كثر صياحه ، من المرح والنشاط . والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب ، نبح (الحيوان 1 : 349) . يصف فرسه بشدة العدو ، يلحق العير المدل بحضره ، والظبي المستحكم السريع ، فيصيدها قبل أن يناله تعب .
(2) ديوانه : 507 ، يمدح هشام بن عبد الملك . والموارد جمع موردة : وهي الطرق إلى الماء . يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم ، كما يسلكون الموارد إلى الماء .
(3) ليس في ديوانه ، ونسبه القرطبي في تفسيره 1 : 128 لعامر بن الطفيل ، وليس في ديوانه ، فإن يكن هذليا ، فلعله من شعر المتنخل ، وله قصيدة في ديوان الهذليين 2 : 18 - 28 ، على هذه القافية . ولعمرو بن معد يكرب أبيات مثلها رواها القالي في النوادر 3 : 191 .

(1/170)


ومنه قول الراجز :
* فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القَاصدِ (1) *
والشواهد على ذلك أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا غنًى عما تركنا.
ثم تستعيرُ العرب " الصراط " فتستعمله في كل قولٍ وعمل وُصِف باستقامة أو اعوجاج ، فتصفُ المستقيمَ باستقامته ، والمعوجَّ باعوجاجه.
والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي ، أعني : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، أن يكونا معنيًّا به : وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك ، من قولٍ وعملٍ ، وذلك هو الصِّراط المستقيم. لأن من وُفّق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء ، فقد وُفّق للإسلام ، وتصديقِ الرسلِ ، والتمسكِ بالكتاب ، والعملِ بما أمر الله به ، والانزجار عمّا زَجره عنه ، واتّباع منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ ، وكل ذلك من الصراط المستقيم.
وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم (2) . يشمل معاني جميعهم في ذلك ، ما اخترنا من التأويل فيه.
ومما قالته في ذلك ، ما رُوي عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال ، وذكر القرآن ، فقال : هو الصراط المستقيم.
174 - حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : حدثنا حسين الجُعْفي ، عن حمزة الزيات ، عن أبي المختار الطائي ، عن ابن أخي الحارث ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) .
__________
(1) رواه القرطبي في تفسيره 1 : 128 " الصراط الواضح " .
(2) تراجمة القرآن : جمع ترجمان : وأراد المفسرين ، وانظر ما مضى : 70 تعليق : 1
(3) الحديث 174 - إسناده ضعيف جدًا . موسى بن عبد الرحمن المسروقي : ثقة ، روى عنه الترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مات سنة 258 ، مترجم في التهذيب . حسين الجعفي : هو حسين بن علي بن الوليد ، ثقة معروف ، روى عنه أحمد ، وابن معين ، وغيرهم ، بل روى عنه ابن عيينة وهو أكبر منه . وأخرج له أصحاب الكتب الستة . حمزة الزيات : هو حمزة بن حبيب ، القارئ المعروف . وتكلم في رواية بعضهم ، والحق أنه ثقة ، وأخرج له مسلم في صحيحه . أبو المختار الطائي : قيل اسمه : سعد ، وهو مجهول ، جهله المديني وأبو زرعة . ابن أخي الحارث الأعور : أشد جهالة من ذلك ، لم يسم هو ولا أبوه . عمه الحارث : هو ابن عبد الله الأعور الهمداني ، وهو ضعيف جدا . وقد اختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا ، حتى وصفه الشعبي وغيره بأنه " كان كذابًا " ، وقد رجحت في شرح الحديث 565 وغيره من المسند أنه ضعيف جدا .
وأما متن الحديث : فقد رواه - بمعناه - ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة عن يحيى بن يمان عن حمزة الزيات ، بهذا الإسناد ، فيما نقل ابن كثير 1 : 50 ووقع فيه تحريف الإسناد هناك . وهو جزء من حديث طويل ، في فضل القرآن - رواه الترمذي (4 : 51 - 52 من تحفة الأحوذي) ، عن عبد بن حميد عن حسين الجعفي ، بهذا الإسناد . وقال الترمذي : " هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات ، وإسناده مجهول ، وفي حديث الحارث مقال " . كذلك رواه الدارمي في سننه 2 : 435 عن محمد بن يزيد الرفاعي عن حسين الجعفي . ونقله السيوطي 1 : 15 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في شعب الإيمان . وأشار إليه الذهبي في الميزان 3 : 380 في ترجمة أبي المختار الطائي ، قال : " حديثه في فضائل القرآن منكر " . ونقله ابن كثير في الفضائل : 14 - 15 عن الترمذي ، ونقل تضعيفه إياه ، ثم قال : " لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات ، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور . فبرئ حمزة من عهدته ، على أنه وإن كان ضعيف الحديث ، فإنه إمام في القراءة . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور ، وقد تكلموا فيه ، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ، أما أنه تعمد الكذب في الحديث - فلا . وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وقد وهم بعضهم في رفعه ، وهو كلام حسن صحيح " .
وسيأتي 175 ، 176 بإسنادين آخرين ، موقوفًا ، من كلام علي رضي الله عنه .
ورواية ابن إسحاق - التي أشار إليها ابن كثير - هي حديث أحمد في المسند : 565 . عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق . وقد ضعفنا إسناده هناك ، بالحارث الأعور ، وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب . وليس فيه الحرف الذي هنا ، في تفسير " الصراط المستقيم " .

(1/171)


175 - وحُدِّثْتُ عن إسماعيل بن أبي كريمة ، قال : حدثنا محمد بن سَلمة ، عن أبي سِنان ، عن عمرو بن مُرّة ، عن أبي البَخْتريّ ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله (1) .
__________
(1) الحديث 175 - هو الحديث السابق بإسناد آخر . وهذا الإسناد جيد إلى الحارث الأعور ، ثم يضعف به الحديث جدا ، كما قلنا من قبل .
ومحمد بن سلمة : هو الباهلي الحراني ، وهو ثقة ، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره ، وأخرج له مسلم في صحيحه ، مات سنة 191 . وشيخه أبو سنان : وهو سعيد بن سنان الشيباني ، وهو ثقة ، ومن تكلم فيه إنما يكون من جهة خطئه بعض الخطأ ، وقال أبو داود : " ثقة من رفعاء الناس " ، وأخرج له مسلم في الصحيح . وعمرو بن مرة : هو المرادي الجملي ، ثقة مأمون بلا خلاف ، قال مسعر : " عمرو من معادن الصدق " . وأبو البختري - بفتح الباء الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة : هو سعيد بن فيروز الطائي الكوفي ، تابعي ثقة معروف .

(1/172)


176 - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزُّبيري ، قال : حدثنا حمزة الزيات ، عن أبي المختار الطائي ، عن أبن أخي الحارث الأعور ، عن الحارث ، عن عليّ ، قال : " الصِّراطُ المستقيم : كتاب الله تعالى ذكره (1) " .
177 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان - ح - وحدثنا محمد بن حُميد الرازي ، قال. حدثنا مِهْران ، عن سفيان ، عن منصور عن أبي وائل ، قال : قال عبد الله : " الصِّراطُ المستقيم " كتابُ الله (2) " .
178 - حدثني محمود بن خِدَاشِ الطالَقاني ، قال : حدثنا حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسِي ، قال : حدثنا علي والحسن ابنا صالح ، جميعًا ، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل ، عن جابر بن عبد الله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : الإسلام ، قال : هو أوسع مما بين السماء والأرض (3) .
__________
(1) الخبر 176 - هو الحديث السابق بالإسنادين قبله ، بمعناه . ولكنه هنا موقوف على ابن أبي طالب . والإسناد إليه منهار انهيار الإسناد 174 ، من أجل الحارث الأعور وابن أخيه . أما من دونهما ، فأبو المختار الطائي وحمزة مضيا في 174 ، وأبو أحمد الزبيري وأحمد بن إسحاق مضيا في 159 .
(2) الخبر 177 - هذا موقوف من كلام عبد الله بن مسعود . وقد رواه الطبري بإسنادين إلى سفيان ، وهو الثوري . أما أولهما : أحمد بن إسحاق عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري - فإسناده صحيح ، لا كلام فيه . وأما ثانيهما : محمد بن حميد الرازي عن مهران ، وهو ابن أبي عمر العطار - فقد بينا في الإسناد 11 أن في رواية مهران عن الثوري اضطرابًا ، ولكنه هنا تابعه عن روايته حافظ ثقة ، هو أبو أحمد الزبيري . وقد رواه الثوري عن منصور ، وهو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة ثبت حجة ، لا يختلف فيه أحد . وأبو وائل : هو شقيق بن سلمة الأسدي ، من كبار التابعين الثقات ، قال ابن معين : " ثقة لا يسأل عن مثله " .
وهذا الخبر ، رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 من طريق عمر بن سعد أبي داود الحضري عن الثوري ، بهذا الإسناد . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . وذكره السيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 .
(3) الخبر 178 - وهذا موقوف على جابر بن عبد الله . وإسناده صحيح : محمود بن خداش بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين معجمة - الطالقاني : ثقة من أهل الصدق ، مات يوم الأربعاء 14 شعبان سنة 250 ، كما في التاريخ الصغير للبخاري : 247 . وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي : ثقة ثبت عاقل ، روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ . والحسن وعلي ابنا صالح بن صالح بن حي : ثقتان ، وهما أخوان توأم . ومن تكلم في الحسن تكلم بغير حجة ، وقد وثقناه في المسند : 2403 . وأخاه فيه : 220 . وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ، وأمه زينب الصغرى بنت علي بن أبي طالب : تابعي ثقة ، ولا حجة لمن تكلم فيه .
والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 - 259 ، من طريق أبي نعيم عن الحسن بن صالح - وحده - بهذا الإسناد . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وذكره ابن كثير 1 : 50 ، والسيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13

(1/173)


179 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : قل يا محمد :

(1/174)


( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) يقول : ألهمنا الطريقَ الهادي ، وهو دين الله الذي لا عوج له (1) .
180 - حدثنا موسى بن سهل الرازي ، قال : حدثنا يحيى بن عوف ، عن الفُرَات بن السائب ، عن ميمون بن مِهْران ، عن ابن عباس ، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : ذلك الإسلام (2) .
181 - حدثني محمود بن خِدَاش ، قال : حدثنا محمد بن ربيعة الكِلابي ، عن إسماعيل الأزرق ، عن أبي عُمر البزّار ، عن ابن الحنفية ، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : هو دين الله الذي لا يقبل من العِباد غيرَه (3) .
182 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدّثنا عَمرو بن طلحة القنَّاد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدِّي - في خبر ذكره - عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : هو الإسلام (4)
183 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : قال ابن عباس في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : الطريق (5) .
184 - حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف الآمُلي ، قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا حمزة بن المغيرة ، عن عاصم ، عن أبي العالية ، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحباه من بعدِه أبو بكر وعمر. قال : فذكرتُ ذلك للحسن ، فقال : صدَق أبو العالية ونصح (6)
__________
(1) الحديث 179 - إسناده ضعيف ، سبق بيان ضعفه : 137 . وهذا اللفظ نقله ابن كثير 1 : 50 دون إسناد ولا نسبة . ونقله السيوطي 1 : 14 مختصرًا ، ونسبه للطبري فقط .
(2) الخبر 180 - إسناده ضعيف جدا ، على ما فيه من جهلنا بحال بعض رجاله : فموسى بن سهل الرازي ، شيخ الطبري : لم نجزم بأي الرجال هو ؟ ولعله " موسى بن سهل بن قادم ، ويقال ابن موسى أبو عمر الرملي ، نسائي الأصل " . فهو شيخ للطبري مترجم في التهذيب 10 : 347 ، ولكنه لم ينسب " رازيا " . وكتب في المخطوطة : " سهل بن موسى " ! ولم نجد هذه الترجمة أيضًا ، ونرجح أنه خطأ من الناسخ . . ويحيى بن عوف : لم نجد ترجمة بهذا الاسم قط فيما لدينا من مراجع . واما علة الإسناد ، فهو " الفرات بن السائب الجزري " ، وهو ضعيف جدا ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 130 : " تركوه ، منكر الحديث " ، وكذلك قال الأئمة فيه ، وقال ابن حبان في المجروحين (في الورقة 187) : كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ، ويأتي بالمعضلات عن الثقات ، لا يجوز الاحتجاج به ، ولا الرواية عنه ، ولا كتبة الحديث إلا على سبيل الاختبار " . وأما ميمون بن مهران فتابعي ثقة معروف ، فقيه حجة .
وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 50 مجهلا بلفظ " وقيل : هو الإسلام " . ونقله السيوطي 1 : 15 منسوبا لابن جريج فقط ، على خطأ مطبعي فيه " ابن جريج " !
(3) الأثر 181 - ابن الحنفية : هو محمد بن علي بن أبي طالب ، والحنفية أمه ، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة ، عرف بالنسبة إليها . وهذا الإسناد إليه ضعيف : محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي : ثقة من شيوخ أحمد وابن معين . وإسماعيل الأزرق : هو إسماعيل بن سلمان ، وهو ضعيف ، قال ابن معين : " ليس حديثه بشيء " ، وقال ابن نمير والنسائي : " متروك " ، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص 78 رقم 35) : " ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير " . وأبو عمر البزار : هو دينار بن عمر الأسدي الكوفي الأعمى ، وهو ثقة . والأثر ذكره ابن كثير 1 : 51 دون نسبة ولا إسناد .
(4) الخبر 182 - هذا من تفسير السدي ، وقد سبق شرح إسناده 168 . وقد نقله ابن كثير 1 : 50 والسويطي 1 : 15 .
(5) الخبر 183 - نقله السيوطي 1 : 14 منسوبا للطبري وابن المنذر . وقد سبق أول هذا الإسناد : 144 ، وهو هنا منقطع ، لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس ، إنما يروي عن الرواة عنه .
(6) الأثر 184 - عبد الله بن كثير أبو صديف الآملي ، شيخ الطبري : لم أعرف من هو ، ولم أجد له ذكرًا ، وأخشى أن يكون فيه تحريف . هاشم بن القاسم : هو ابو النضر - بالنون والصاد المعجمة - الحافظ الخراساني الإمام ، شيخ الأئمة : أحمد وابن راهويه وابن المديني وابن معين وغيرهم .
حمزة بن المغيرة بن نشيط - بفتح النون وكسر الشين المعجمة - الكوفي العابد : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 2 / 1 / 44 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 214 - 215 ، وذكره ابن حبان في الثقات 443 ، قال : " حمزة بن المغيرة العابد ، من أهل الكوفة . يروي عن عاصم الأحول عن أبي العالية (اهدنا الصراط المستقيم) ، قال : هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه . روى عنه أبو النضر هاشم بن القاسم " . ووقع هنا : في الأصول " حمزة بن أبي المغيرة " . وهو خطأ من الناسخين .
عاصم : هو ابن سليمان الأحول ، تابعي ثقة ثبت . أبو العالية : هو الرياحي - بكسر الراء وتخفيف الياء ، واسمه : رفيع - بالتصغير - ابن مهران ، من كبار التابعين الثقات ، مجمع على توثيقه .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 51 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . والسيوطي 1 : 15 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن عدي وابن عساكر . وأبو العالية لم يقله من قبل نفسه : فقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 259 من طريق أبي النضر بهذا الإسناد إلى " أبي العالية عن ابن عباس " . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . واختصره السيوطي ونسبه للحاكم فقط .

(1/175)


185 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : " اهدنا الصراط المستقي " ، قال : الإسلام (1) .
186 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، أنّ عبد الرحمن بن جُبير ، حدّثه عن أبيه ، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا " . والصِّراط : الإسلامُ.
187 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا الليث ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير ، عن أبيه ، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله (2) .
__________
(1) الأثر 185 - هذا من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقد نقله ابن كثير 1 : 51 دون نسبة . وعبد الرحمن بن زيد : متأخر ، من أتباع التابعين ، مات سنة 182 . وهو ضعيف جدا ، بينت ضعفه في حديث المسند : 5723 ، ويكفي منه قول ابن خزيمة : " ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه ، لسوء خفظه ، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف ، ليس من أحلاس الحديث " .
(2) الحديث 186 ، 187 - رواه الطبري عن شيخه " المثنى " بإسنادين ، أولهما أعلى من الثاني درجة : بين المثنى وبين معاوية بن صالح في أولهما شيخ واحد ، وفي ثانيهما شيخان .
أما المثنى شيخ الطبري : فهو المثنى بن إبراهيم الآملي ، يروي عنه الطبري كثيرا في التفسير والتاريخ . وأبو صالح ، في الإسناد الأول : هو عبد الله بن صالح المصري ، كاتب الليث بن سعد ، صحبه عشرين سنة . وهو ثقة ، ومن تكلم فيه ، في بعض حديثه عن الليث ، تكلم بغير حجة . وله ترجمة في التهذيب جيدة ، وكذلك في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 2 / 86 - 87 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 351 - 353 . ولد عبد الله بن صالح سنة 137 ومات سنة 222 . ووقع تاريخ مولده في التهذيب (173) وهو خطأ مطبعي ، صوابه في تذكرة الحفاظ . وآدم العسقلاني ، في الإسناد الثاني : هو آدم بن أبي إياس ، وهو ثقة مأمون متعبد ، من خيار عباد الله ، كما قال أبو حاتم . الليث : هو ابن سعد ، إمام أهل مصر . معاوية بن صالح ، في الإسنادين : هو الحمصي ، أحد الأعلام وقاضي الأندلس ، ثقة ، من تكلم فيه أخطأ . عبد الرحمن بن جبير بن نفير - بالتصغير فيهما - الحضرمي الحمصي : تابعي ثقة . وأبوه : من كبار التابعين ، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم . وهو ثقة مشهور بالعلم ، وقد ذكره الطبري في طبقات الفقهاء . النواس - بفتح النون وتشديد الواو - بن سمعان الكلابي : صحابي معروف .
وهذا الحديث مختصر من حديث طويل ، رواه احمد في المسند : 17711 (ج 4 ص 182 حلبي) عن الحسن بن سوار عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح ، به . ونقله ابن كثير 1 : 51 من رواية المسند ، قال : " وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد ، به . ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر بن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ، به . وهو إسناد حسن صحيح " . ونسبه السيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 أيضًا للحاكم " وصححه " ، ولغيره .

(1/176)


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

قال أبو جعفر : وإنما وصفه الله بالاستقامة ، لأنه صواب لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء ، أنه سمّاه مستقيمًا ، لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلافٌ ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه.
* * *
القول في تأويل قوله : : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } .
وقوله( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، إبانةٌ عن الصراط المستقيم ، أيُّ الصراط هو ؟ إذْ كان كلّ طريق من طرُق الحق صراطًا مستقيمًا. فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد : اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، بطاعتك وعبادتك ، من مَلائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين.
وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ

(1/177)


صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) [سورة النساء : 66 - 69].
قال أبو جعفر : فالذي أمِر محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأمّتُه أن يسألوا ربَّهم من الهداية للطريق المستقيم ، هي الهداية للطريق الذي وَصف الله جلّ ثناؤه صفتَه. وذلك الطريق ، هو طريق الذي وَصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله ، ووعد من سَلكه فاستقام فيه طائعًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يورده مواردهم ، والله لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك رُوِي الخبر عن ابن عباس وغيره.
188 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " صراطَ الذين أنعمت عليهم " يقول : طَريقَ من أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، الذين أطاعوك وعبَدُوك (1) .
189 - حدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر عن ربيع : " صراط الذين أنعمتَ عليهم " ، قال : النبيّون (2) .
190 - حدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : " أنعمت عليهم " قال : المؤمنين (3) .
191 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : قال وكيع : " أنعمت عليهم " ، المسلمين (4) .
__________
(1) الخبر 188 - ضعف هذا الإسناد مفصل في : 137 . وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 52 . وانظر أيضًا : 179 .
(2) الأثر 189 - ربيع : هو ابن أنس البكري . وسبق شرح هذا الإسناد إليه : 164 . والأثر نقله ابن كثير 1 : 53 ، والسيوطي 1 : 16 .
(3) الخبر 190 - هذا كالخبر 183 منقطع بين ابن جريج وابن عباس . وقد نقله ابن كثير 1 : 53 ، والسيوطي 1 : 16 ، ولكن وقع فيه " ابن حميد " بدل " ابن جرير " .
(4) الأثر 191 - وهذا نقله ابن كثير أيضًا 1 : 53 .

(1/178)


192 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله " صراط الذين أنعمت عليهم " ، قال : النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه (1) .
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم ، وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول : " صراط الذين أنعمت عليهم " ، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟
فإن قال قائل : وأين تمام هذا الخبر ؟ وقد علمتَ أنّ قول القائل لآخر : " أنعمت عليك " ، مقتضٍ الخبرَ عمَّا أنعمَ به عليه ، فأين ذلك الخبرُ في قوله : " صراط الذين أنعمت عليهم " ؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟
قيل له : قد قدّمنا البيان - فيما مضى من كتابنا هذا - عن إجراء العرب في منطقها ببعضٍ من بعض ، إذا كان البعضُ الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيًا منه. فقوله : " صراط الذين أنعمتَ عليهم " من ذلك . لأن أمرَ الله جل ثناؤه عبادَه بمسألته المعونةَ ، وطلبهم منه الهدايةَ للصراط المستقيم ، لما كان متقدّمًا قولَه : " صراطَ الذين أنعمت عليهم " ، الذي هو إبانةٌ عن الصراط المستقيم وإبدالٌ منه - كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمَرنا بمسألته الهدايةَ لطريقهم ، هو المنهاجُ القويمُ والصراطُ المستقيم ، الذي قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفًا ، فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين - مغنيًا عن تكراره.
كما قال نابغة بني ذبيان :
كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بشَنِّ (2)
__________
(1) الأثر 192 - مضى هذا الإسناد : 185 . وأما نص الأثر ، فهو عند ابن كثير 1 : 53 . وقال بعد هذه الروايات : " والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل " . يعني الخبر 188 .
(2) ديوانه : 58 ، سيبويه 1 : 375 ، مجاز القرآن : 101 الخزانة 2 : 314 ، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري . بنو أقيش : هم بنو أقيش بن عبيد . وقيل : فخذ من أشجع . وقيل : حي من اليمن في إبلهم نفار شديد . وقيل : هم حي من الجن يزعمون . وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت . والشن : القربة البالية . يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع ، كأنه جمل شديد النفار ، إذا سمع صوت شن يقعقع به

(1/179)


يريد : كأنك من جمال بني أقيش ، جملٌ يُقعقع خلف رجليه بشنّ ، فاكتفى بما ظهر من ذكر " الجمال " الدال على المحذوف ، من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب :
تَرَى أَرْباقَهُمْ مُتَقَلِّدِيها... إِذا صَدِئَ الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ (1)
يريد : متقلديها هم ، فحذف " هم " ، إذ كان الظاهرُ من قوله أرباقَهُم ، دالا عليها.
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله : " صراط الذين أنعمت عليهم " .
* * *
القول في تأويل قوله : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } .
قال أبو جعفر : والقرَأةُ مجمعةٌ على قراءة " غير " بجر الراء منها (2) . والخفضُ يأتيها من وجهين :
أحدهما : أن يكون " غير " صفة لِ " الذين " ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان " الذين " خفضًا ، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكون " غير " نعتًا لِـ " الذين " ، و " الذين " معرفة و " غير " نكرة ، لأن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء
__________
(1) ديوانه : 131 والنقائض : 773 ، ويأتي في تفسير آية سورة الشعراء : 4 (19 : 38 بولاق) ، وهو هناك " على الكتاب " ، وهو خطأ . يهجو جريرا وقومه بني كليب بن يربوع . الأرباق : جمع ربق ، والربق جمع ربقة : وهو الحبل تشد به الغنم الصغار لئلا ترضع . وتقالد السيف : وضع نجاده على منكبه . والكماة ، جمع كمى : وهو البطل الشديد البأس . يصف بني كليب بأنهم رعاء أخساء بخلاء ، لا هم لهم إلا رعية الغنم ، والأبطال في الحرب يصلون حرها الأيام الطوال حتى يصدأ حديد الدروع على أبدانهم من العرق .
(2) في المطبوعة " والقراء مجمعة " ، والقَرَأَة : جمع قارئ . انظر ما مضى : 51 في التعليق ، و 64 تعليق : 4 و : 109 تعليق : 1 .

(1/180)


التي هي أماراتٌ بين الناس ، مثل : زيد وعمرو ، وما أشبه ذلك (1) ؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات ، مثل : الرجل والبعير ، وما أشبه ذلك. فلما كان " الذين " كذلك صفتُها ، وكانت " غير " مضافةً إلى مجهول من الأسماء ، نظيرَ " الذين " ، في أنه معرفة غير موقتة ، كما " الذين " معرفة غير مؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون " غير المغضوب عليهم " نعتًا لِ " الذين أنعمت عليهم " كما يقال : " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل " ، يراد : لا أجلس إلا إلى مَن يعلم ، لا إلى مَن يجهل.
ولو كان " الذين أنعمت عليهم " مَعرفة موقتة. كان غير جائز أن يكون " غير المغضوب عليهم " لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة مؤقَّتة بنكرة - أن تُلْزِم نَعتها النكرةَ إعرابَ المعرفة المنعوت بها ، إلا على نية تكرير ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأ في كلامهم أن يقال : " مررت بعبد الله غير العالم " ، فتخفض " غير " ، إلا على نية تكرير الباء التي أعرَبتْ عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مَرَرتُ بعبد الله ، مررت بغيرِ العالم . فهذا أحد وجهي الخفض في : " غير المغضوب عليهم " .
والوجهُ الآخر من وجهي الخفض فيها : أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وُجِّه إلى ذلك ، كانت " غير " مخفوضةً بنية تكرير " الصراط " الذي خُفِض " الذين " عليها ، فكأنك قلت : صراطَ الذين أنعمت عليهم ، صراطَ غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في " غير المغضوب عليهم " ، وإن اختلفا باختلاف مُعرِبَيْهما ، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أنَّ من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق ، فقد سلم من غضب رَبه ونجا من الضلال في دينه.
فسواءٌ - إذ كان سَبب قوله : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت
__________
(1) يعني بقوله : " المعرفة المؤقتة " المعرفة المحددة ، وهو العلم الشخصي الذي يعين مسماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد . فقولك " زيد " يعين تعيينًا مطلقًا أو محددًا . والمعرف بالألف واللام إنما يعين مسماه ما دامت فيه " ال " ، فإذا فارقته فارقه التعيين . وانظر معاني الفراء 1 : 7 .

(1/181)


عليهم " غيرَ جائزٍ أن يرتاب ، مع سماعه ذلك من تاليه ، في أن الذين أنْعم الله عليهم بالهداية للصِّراط غيرُ غاضب ربُّهم عليهم ، مع النعمة التي قد عظمت مِنَّته بها عليهم في دينهم ؛ ولا أن يكونوا ضُلالا وقد هداهم الحقَّ ربُّهم. إذْ كان مستحيلا في فِطَرِهم اجتماعُ الرضَى من الله جلّ ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة ، واجتماعُ الهدى والضلال له في وقت واحد - أوُصِف (1) القوم ؛ معَ وَصْف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم ، وإنعامه عَليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم ، بأنهم غيرُ مغضوب عليهم ولا هم ضَالُّون ؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصِّفة الظاهرة التي وُصفوا بها ، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك ، وإن لم يصرِّح وصفَهُم به.
هذا ، إذا وجَّهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير " الصراطِ " الخافضِ " الذين " ، ولم نجعل " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " من صفة " الذين أنعمت عليهم " ، بل إذا حملناهم غيرَهم. وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَمًا عليهما في أدْيانهم.
فأمّا إذا وجهنا " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " إلى أنها من نَعت ، " الذين أنعمت عليهم " . فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال ، إذْ كان الصريحُ من معناه قد أغنى عن الدليل.
وقد يجوز نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ، وإن كنتُ للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القُرّاء . وإنَّ ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا ، فرأيٌ للحق مخالف. وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المسلمين مُتجانفٌ. وإن كان له - لو كانت جائزًا القراءةُ به (2) - في الصواب مخرجٌ.
__________
(1) سياق العبارة : " سواء . . . أوصف القوم . . . أم لم يوصفوا " ، وما بين هذين فصل طويل كدأب أبي جعفر في بيانه .
(2) في المطبوعة : " لو كانت القراءة جائزة به " ، بدلوه ليوافق عبارتهم ، دون عبارة الطبري

(1/182)


وتأويل وجه صوابه إذا نصبتَ : أن يوجَّه إلى أن يكون صفةً للهاء والميم اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين " . لأنها وإن كانت مخفوضة بِ " على " ، فهي في محل نصب يقوله : " أنعمت " . فكأن تأويل الكلام - إذا نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم " - : صراطَ الذين هَدَيتهم إنعامًا منك عليهم ، غيرَ مغَضوبٍ عليهم ، أي لا مغضوبًا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ ، كالنصب في " غير " في قولك : مررت بعبد الله غيرَ الكريم ولا الرشيدِ ، فتقطع " غيرَ الكريم " من " عبد الله " ، إذْ كان " عبدُ الله " معرفة مؤقتة ، و " غير الكريم " نكرة مجهولة.
وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يزعم أنّ قراءة مَنْ نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ، على وَجه استثناءِ " غير المغضوب عليهم " من معاني صفة " الذين أنعمت عليهم " ، كأنه كان يرى أنّ معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا : اهدنا الصراط المستقيم ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم ، إلا المغضوبَ عَليهم - الذين لم تُنعم عليهم في أديانهم ولم تَهْدهم للحق - فلا تجعلنا منهم. كما قال نابغة بني ذبيان :
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالا أُسَائِلُها... عَيَّت جَوابًا ، ومَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ (1) إلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهُا ... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ (2)
__________
(1) ديوانه : 23 ، ويأتي في تفسير آية البقرة : 35 (1 : 186 بولاق) ، وآية النساء : 114 (5 : 178) ، وآية يونس : 98 (11 : 117) وآية سورة الليل : 20 (30 : 146) . يقال : لقيته أصيلالا وأصيلانًا ، إذا لقيته بالعشي . وذلك أن الأصيل هو العشي ، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأصلان (بضم فسكون) ، ثم صغروا الجمع فقالوا : أصيلان ، ثم أبدلوا من النون لامًا . فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم ، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه . وعى في منطقه : عجز عن الكلام .
(2) أواري جمع آري (مشدد الياء) : وهو محبس الدابة ومأواها ومربطها ، من قولهم : تأرى بالمكان أقام وتحبس . ولأيا : بعد جهد ومشقة وإبطاء . والنؤى : حفرة حول الخباء تعلى جوانبها بالتراب ، فتحجز الماء لا يدخل الخباء ، والمظلومة : يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم ، وليس بموضع تحويض لبعدها عن مواطئ السابلة . فلذلك سماها مظلومة ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه . والجلد : الأرض الصلبة ، يعني أنها لا تنبت شيئًا فلا يرعاها أحد .

(1/183)


والأواريُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَاد " أحد " في شيء. فكذلك عنده ، استثنى " غير المغضوب عليهم " من " الذين أنعمت عليهم " ، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء.
وأما نحِويُّو الكوفيين ، فأنكروا هذا التأويل واستخفُّوه (1) ، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة ، لكان خطأ أن يقال : " ولا الضالين " .
لأن " لا " نفي وجحد ، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا : لم نجد في شيء من كلام العرب استثناءً يُعطف عليه بجحد ، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء ، وبالجحد على الجحد ، فيقولون في الاستثناء : قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك.
وفي الجحد : ما قام أخوك ولا أبوك . وأما : قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا : فلما كان ذلك معدومًا في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزولُه ، علمنا - إذ كان قولُه " ولا الضالين " معطوفًا على قوله " غير المغضوب عليهم " - أن " غير " بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء ، وأن تأويل من وجَّهها إلى الاستثناء خطأ.
فهذه أوجه تأويل " غير المغضوب عليهم " ، باختلاف أوجه إعراب ذلك.
وإنما اعترضْنا بما اعترضنا في ذلك من بَيان وُجوه إعرابه - وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويل آي القرآن - لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله. فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه ، لتنكشف لطالب تأويله وُجوه تأويله ، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصَّوابُ من القول في تأويله وقراءته عندنا ، القول الأول ، وهو قراءةُ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) بخفض الراء من " غير " . بتأويل أنها صفة لِ " الذين أنعمت عليهم " ونعتٌ لهم - لما قد قدمنا من البيان - إن شئتَ ، وإن شئت فبتأويلِ تكرار " صراط " . كلُّ ذلك صوابٌ حَسنٌ.
__________
(1) في المطبوعة : " واستخطئوه " ، واستخفوه : رأوه خفيفا لا وزن له .

(1/184)


فإن قال لنا قائل : فمنْ هؤلاء المغضوبُ عليهم ، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم ؟
قيل : هم الذين وصفهم الله جَلّ ثناؤه في تنزيله فقال : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) [سورة المائدة : 60] . فأعلمنا جلّ ذكره ثَمَّة (1) ، ما أحَلَّ بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا ، منّهً منه علينا ، وجه السبيل إلى النجاة من أن يَحِلَّ بنا مثل الذي حَلّ بهم من المَثُلات ، ورأفة منه بنا (2) .
فإن قيل : وما الدليلُ على أنهم أولاء الذين وصفَهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت ؟ قيل :
193 - حدثني أحمد بن الوليد الرملي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عديّ بن حاتم ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : المغضوبُ عليهم ، اليهود (3) .
194 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، قال : سمعت عباد بن حُبيش يحدث ، عن عدي بن حاتم ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ المغضوبَ عليهم اليهود (4) .
__________
(1) بدلوها في المطبوعة إلى " بمنه " ؛ وثم وثمة (بفتح الثاء) : إشارة للبعيد بمنزلة " هنا " للقريب .
(2) المثلات جمع مثلة (بفتح فضم ففتح) : وهي العقوبة والتنكيل .
(3) الحديث 193 - هذا إسناد صحيح ، وسيأتي بعض هذا الحديث أيضًا بهذا الإسناد 207 . وتخريجه سيأتي في 195 .
(4) الحديث 194 - وهذا إسناد صحيح أيضًا . عباد بن حبيش ، بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ولآخره شين معجمة ، الكوفي ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 78 . وبعض الحديث سيأتي أيضًا 208 بهذا الإسناد .

(1/185)


195 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن مُرِّي بن قَطَريّ ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله جلّ وعزّ " غير المغضوب عليهم " قال : هم اليهود (1) .
196 - حدثنا حُميد بن مَسْعَدة السّامي ، قال : حدثنا بشر بن المفضَّل ، قال : حدثنا الجُرَيْري ، عن عبد الله بن شَقِيق : أنّ رُجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ واديَ القُرَى ، فقال : مَنْ هؤلاء الذين تحاصرُ يا رسول الله ؟ قال : هؤلاء المغضوب عليهم ، اليهود (2) .
__________
(1) الحديث 195 - وهذا إسناد صحيح أيضًا . مري بن قطري الكوفي : ذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 57 ، وقال : " سمع عدي بن حاتم ، روى عنه سماك بن حرب ، يعد في الكوفيين " . و " مري " : بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء . و " قطري " بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة . وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه 209 .
وهذا الحديث عن عدي بن حاتم : أصله قصة مطولة في إسلامه . فرواه - بطوله - أحمد في المسند 4 : 378 - 379 عن محمد بن جعفر عن شعبة ، بالإسناد السابق 194 . . ورواه الترمذي 4 : 67 من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي . وقال : " هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب . وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم - الحديث بطوله " . وروى بعضه الطيالسي في مسنده : 1040 عن عمرو بن ثابت " عمن سمع عدي بن حاتم " . وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري ، كلاهما عن عدي ، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا ، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي . وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر . وذكره ابن كثير 1 : 54 من رواية أحمد في المسند ، وأشار إلى رواية الترمذي ، وإلى روايات الطبري هنا ، ثم قال : " وقد روى حديث عدي هذا من طرق ، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها " . وذكره الحافظ في الإصابة ، في ترجمة عدي 2 : 229 من رواية أحمد والترمذي . وذكر السيوطي منه 1 : 16 تفسير الحرفين ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه . وكذلك صنع الشوكاني 1 : 15 .
(2) الحديث 196 - حميد بن مسعدة السامي ، شيخ الطبري : هو " السامي " بالسين المهملة ، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب . وهو نسبة إلى " سامة بن لؤي بن غالب " . ووقع في نسخ الطبري - هنا وفيما يأتي 210 - " الشامي " بالمعجمة ، وهو تصحيف . و " الجريري " ، بضم الجيم : هو سعيد بن إياس البصري . و " عبد الله بن شقيق العقيلي " ، بضم العين وفتح القاف : تابعي كبير ثقة . وهذا الإسناد مرسل ، لقول عبد الله بن شقيق : " أن رجلا " . وسيأتي مرسلا أيضًا 197 ، 199 ولكنه سيأتي موصولا 198 .

(1/186)


197 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَّية ، عن سعيد الجُرَيْري ، عن عروة ، عن عبد الله بن شَقيق : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه.
198 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن بُدَيْل العقيلي ، قال : أخبرني عبد الله بن شَقيق : أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي القُرَى ، وهو عَلى فَرسه ، وسأله رجل من بني القَين فقال : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ - قال : المغضوبُ عليهم. وأشار إلى اليهود (1) .
199 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا خالد الواسطي ، عن خالد الحَذَّاء ، عن عبد الله بن شقيق ، أنّ رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه
200 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " غير المغضوب عليهم " ، يعني اليهودَ الذين غَضب الله عليهم (2) .
__________
(1) الحديث 198 - بديل ، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة : هو ابن ميسرة العقيلي ، وهو تابعي ثقة . وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح . لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره " من سمع النبي صلى الله عليه وسلم " ، وجهالة الصحابي لا تضر ، كما هو معروف . والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة ، فهي مقبولة .
وقد ذكر ابن كثير 1 : 54 - 55 هذه الرواية الموصولة ، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة ، ثم قال : " ووقع في رواية عروة تسمية : عبد الله بن عمرو ، فالله أعلم " . ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها . ثم قال ابن كثير : " وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم ، قال : اليهود ، قلت : الضالين ؟ قال : النصارى " . وأشار الحافظ في الفتح 8 : 122 إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر " بإسناد حسن " . وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم " - رواها أحمد . وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي 1 : 16 ، والشوكاني 1 : 14 - 15 . وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد 210 ، 211 ، 212 ، 213 . وسيأتي في 211 بيان من عروة الذي في الإسناد 197 .
(2) الأثر 200 - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه . وسيأتي باقيه 215 .

(1/187)


201 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن طلحة ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " غير المغضوب عليهم " ، هم اليهود (1) .
202 - حدثنا ابن حميد الرازي ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد ، قال : " غير المغضوب عليهم " ، قال : هم اليهود.
203 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن ربيع : " غير المغضوب عليهم " ، قال : اليهود.
204 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : " غير المغضوب عليهم " قال : اليهود.
205 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : " غير المغضوب عليهم " ، اليهود.
206 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني ابن زيد ، عن أبيه ، قال : " المغضوب عليهم " ، اليهود (2) .
قال أبو جعفر : واختُلِف في صفة الغضب من الله جلّ ذكره :
فقال بعضهم : غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه ، إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه ، إمّا في دنياه ، وإمّا في آخرته ، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال : ( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) [سورة الزخرف : 55] .
وكما قال : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
__________
(1) الخبر 201 - ابن كثير 1 : 55 ، والدر المنثور 1 : 16 ، والشوكاني 1 : 15 . وسيأتي باقيه : 217 .
(2) الآثار 202 - 206 : في ابن كثير ، والدر المنثور ، الشوكاني ، كالذي مضى . وسيأتي باقيها : 214 ، 216 ، 218 ، 219 ، 220 .

(1/188)


وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ) [ سورة المائدة : 60 ].
وقال بعضهم : غضب الله على من غضب عليه من عباده ، ذم منه لهم ولأفعالهم ، وشتم لهم منه بالقول.
وقال بعضهم : الغضب منه معنى مفهوم ، كالذي يعرف من معاني الغضب ، غير أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات (1) - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات ، ولكنه له صفة ، كما العلم له صفة ، والقدرة له صفة ، على ما يعقل من جهة الإثبات ، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد ، التي هي معارف القلوب ، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها (2) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَلا الضَّالِّينَ } .
قال أبو جعفر : كان بعض أهل البصرة يزعم أن " لا " مع " الضالين " أدخلت تتميما للكلام ، والمعنى إلغاؤها ، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج :
__________
(1) الإثبات : مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى كما وصف نفسه ، وإثبات القدر بلا تأويل ، خلافا لأهل القدر ، وهم نفاته ، وللجهمية والمعطلة للصفات .
(2) بعد هذا الموضع من نسخة دار الكتب المصرية رقم : 100 تفسير ، ما نصه :
" وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا .
- على الأصل المنقول منه -
سمعت وأحمد ومحمد والحسن بني عبد الله بن أحمد الفرغاني في يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلثمائة . ومحمد بن محمد الطوسي " .

(1/189)


فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ (1)
ويتأوله بمعنى : في بئر حور سرى ، أي في بئر هلكة ، وأن " لا " بمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم :
فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا (2)
وهو يريد : فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص :
وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لا أُحِبَّه... وَللَّهْوُ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ (3)
يريد : وَيلحينني في اللهو أن أحبه ، وبقوله تعالى : (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ) [سورة الأعراف : 12] ، يريد أن تسجد. وحُكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول " غير " التي " مع " المغضوب عليهم " ، أنها بمعنى " سوى (4) . فكأنّ معنى الكلام كانَ عنده : اهدنا الصراط المستقيمَ ، صراط الذين أنعمتَ عليهم ، الذين همُ سوى المغضوب والضالين.
وكان بعضُ نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله (5) ، ويزعمُ أن " غير "
__________
(1) ديوانه : 16 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 8 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 25 والخزانة 2 : 95 ، وأمالي الشجري 2 : 231 ، والأضداد لابن الأنباري : 186 . والقائل بأنها زائدة من البصريين هو أبو عبيدة .
(2) نسبه شارح القاموس عن الصاغاني لأبي النجم وقال : روايته : " إذا رأت ذا الشيبة القفندرا "
وضبطوا " الشمط " بفتح الميم ، أي الشيب ، وجائز أن يكون أبو النجم قاله " الشمط " بكسر الميم على أنه فرح ، طرح ألف " أشمط " ، كما فعلوا في أشعث وشعث . وأحدب وحدب ، وأتعس وتعس ، وأحول وحول ، في الصفات المشبهة من العيوب الظاهرة والحلي . وانظر الفائق للزمخشري 2 : 326 فقد عدد ألفاظًا غيرها . وكأن الصاغاني أبى من رواية " الشمط " بفتحتين ، لأن القفندر : هو الصغير الرأس القبيح المنظر .
والبيت برواية البري في مجاز القرآن لأبي عبيدة : 26 ، والأضداد لابن الأنباري : 185 ، واللسان ( قفندر ) ، ثم انظر أمالي الشجري 2 : 231 ، وغيرها .
(3) الكامل 1 : 49 ، والأضداد لابن الأنباري : 186 ، ولحاه يلحاه لحيًا : عذله ولامه .
(4) هو أبو عبيدة كما أسلفنا في أول هذه الفقرة . وأشار إليه الفراء في معاني القرآن : 8 بقوله : " وقد قال بعض من لا يعرف العربية . . . " ، وكذلك فعل الطبري من قبل في مواضع . وانظر اللسان (غير) .
(5) يعني الفراء الكوفي في كتابه معاني القرآن : 8 ، أو غيره من كتبه .

(1/190)


التي " مع المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى سوى ، لكان خطأ أن يعطف عليها بـ " لا " ، إذْ كانت " لا " لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل : " عندي سِوَى أخيك ولا أبيك " ، لأن سِوَى ليست من حروف النفي والجحود. ويقول : لما كان ذلك خطأ في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصحِ اللغات من لغات العرب ، كان معلومًا أن الذي زَعمه القائل : أن " غير " مع " المغضوب عليهم " بمعنى : سوى المغضوب عليهم ، خطأ. إذ كان قد كرّ عليه الكلامَ بـ " لا " . وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي بمعنى الجحد. إذْ كان صحيحًا في كلام العرب ، وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعملا فيهم : " أخوك غير مُحسِن ولا مُجْمِل " ، يراد بذلك أخوك لا محسن ، ولا مجمل ، ويَستنكرُ أن تأتي " لا " بمعنى الحذف في الكلام مُبتدأً ، ولمَّا يتقدمها جحد. ويقول : لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مُبتدأ ، قبل دلالة تدلّ ذلك من جحد سابق ، لصحَّ قول قائل قال : " أردْتُ أن لا أكرم أخاك " ، بمعنى : أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول : ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك ، دلالةٌ واضحة على أنَّ " لا " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف ، ولَمَّا يتقدَّمها جحد. وكان يتأوّل في " لا " التي في بيت العجاج ، الذي ذكرنا أن البصْريّ استشهد به ، بقوله : إنها جَحْدٌ صحيح ، وأنّ معنى البيت : سَرَى في بئر لا تُحيرُ عليه خيرًا ، ولا يتبيَّن له فيها أثرُ عملٍ ، وهو لا يشعُر بذلك ولا يدري به (1) . من قولهم : " طحنت الطَّاحنة فما أحارت شيئًا " ، أي لم يتبيَّن لها أثرُ عملٍ. ويقول في سائر الأبيات الأخر ، أعني مثل بَيت أبي النجم : :
فما ألُوم البيضَ أن لا تسخَرَا
إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف ، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام ، فكان الكلام الآخر مُواصِلا للأول ، كما قال الشاعر :
__________
(1) عبارة الفراء في معاني القرآن : " كأنك قلت : إلى غير رشد توجه وما درى " .

(1/191)


مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُ... وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ (1)
فجازَ ذلك ، إذْ كان قد تقدَّم الجحدُ في أوّل الكلام.
قال أبو جعفر : وهذا القولُ الآخر أولى بالصواب من الأول ، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلام العرب ابتداءُ الكلام من غير جحد تقدَّمه بـ " لا " التي معناها الحذف ، ولا جائزٍ العطفُ بها على " سوى " ، ولا على حرف الاستثناء. وإنما لِـ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة : أحدها الاستثناء ، والآخر الجحد ، والثالث سوى. فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الإلغاء مُبتدأ (2) ، وفسدَ أن يكون عطفًا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء ، ولم يَجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى " سوى " ، وكانت " لا " موجودة عطفًا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قَبلها - صحَّ (3) وثبت أن لا وجهَ لـ " غير " ، التي مع " المغضوب عليهم " ، يجوز توجيهها إليه على صحَّة إلا بمعنى الجحد والنفي ، وأن لا وَجه لقوله : " ولا الضالين " ، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم " .
فتأويلُ الكلام إذًا - إذْ كان صحيحًا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا - اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.
فإن قال لنا قائل : ومَن هؤلاء الضَّالُّون الذين أمرنا اللهُ بالاستعاذة بالله أن يَسْلُكَ بنا سبيلهم ، أو نَضِلَّ ضلالهم ؟
قيل : هم الذين وصَفهم الله في تنزيله فقال : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
__________
(1) الشعر لجرير يهجو الأخطل ، ديوانه 263 ، ونقائض جرير والأخطل : 174 ، وأضداد ابن الأنباري : 186 ، ثم تفسير آية سورة البقرة : 158 .
(2) في المخطوطة : " فإذا ثبت خط أن لا يكون بمعنى الإلغاء " غير منقوطة ، ولم يحسن طابعو المطبوعة قراءتها فجعلوها : " فإذا بطل حظ لا أن تكون بمعنى الإلغاء " . وقد صححنا ما في المخطوطة من تقديم " لا " على " يكون " .
(3) جواب قوله " فإذا ثبت خطأ . . . " .

(1/192)


وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [سورة المائدة : 77].
فإن قال : وما برهانك على أنهم أولاء ؟
قيل :
207 - حدثنا أحمد بن الوليد الرملي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشَّعبي ، عن عدي بن أبي حاتم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولا الضالين " قال : النصارى (1) .
208 - حدثنا محمد بن المثنى ، أنبأنا محمد بن جعفر ، أنبأنا شعبة ، عن سِمَاك ، قال : سمعت عبّاد بن حُبيش يحدث ، عن عدي بن حاتم ، قال : قالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الضَّالين : النَّصارى " .
209 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مُصْعَب ، عن حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن مُرّيّ بن قَطَريّ ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله : " ولا الضالين " ، قال : النصارى هم الضالون .
210 - حدثنا حُميد بن مَسعدة السَّامي ، قال : حدثنا بشر بن المفضَّل ، قال : حدثنا الجريري ، عن عبد الله بن شقيق : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ واديَ القُرَى قال : قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الضّالون : النصارى .
211 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابنُ عُلَيَّة ، عن سعيد الجُرَيري ، عن عروة ، يعني ابن عبد الله بن قيس ، عن عبد الله بن شقيق ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه (2) .
__________
(1) هذه الأحاديث والأخبار والآثار 207 - 220 ، في تفسير (الضالين) ، سبقت أوائلها في تفسير (المغضوب عليهم) ، مع تخريجها ، في الأرقام 193 - 206 ، مع شيء من التقديم والتأخير .
(2) الحديث 211 - سبق هذا الإسناد 197 ولم ينسب فيه " عروة " هذا ، وفي التعليق على الحديث 198 إشارة ابن كثير إلى رواية " عروة " ، ولم يذكر نسبه أيضًا . وقد بين الطبري هنا أنه " عروة بن عبد الله بن قيس " . وأنا أرجح أن كلمة " قيس " محرفة من الناسخين عن كلمة " قشير " .
فإني لم أجد في التراجم قط من يسمى " عروة بن عبد الله بن قيس " ، ويبعد جدا أن لا يذكروه ، وهو يروي عن رجل من كبار التابعين . والذي في هذه الطبقة ، هو " عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الكوفي " ، مترجم في التهذيب 7 : 186 ، والتاريخ الكبير للبخاري 4 / 1 / 34 ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3 / 1 / 397 ، والثقات لابن حبان : 574 ، والكنى للدولابي 2 : 135 . وذكر الأخيران قولا آخر في اسم جده ، أنه " بشير " . و " أبو مهل " : بفتح الميم والهاء ، كما ذكره الذهبي في المشتبه : 508 .

(1/193)


212 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن بُدَيْل العُقَيلي ، قال : أخبرني عبد الله بن شقيق ، أنه أخبره من سَمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القَين ، فقال : يا رسولَ الله ، من هؤلاء ؟ - قال : هؤلاء الضَّالون " ، يعني النصارى.
213 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا خالد الواسطي ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الله بن شقيق ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو محاصرٌ وادي القُرى وهو على فرس : من هؤلاء ؟ قال : الضالّون. يعني النصارى.
214 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد : " ولا الضالين " قال : النصارى.
215 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " ولا الضالين " قال : وَغير طريقِ النَّصارى الذين أضلَّهم الله بِفرْيَتهمْ عليه. قال : يقول : فألهِمنا دينك الحق ، وهو لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، حتى لا تغضَبَ علينا كما غضبتَ على اليهود ، ولا تضلَّنا كما أضللتَ النصارى فتعذّبنا بما تعذِّبهم به. يقول امنعْنا من ذلك برفْقِك ورَحمتك وقدرتك.
216 - حدثنا القاسم ، ق