اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 27 مايو 2022

مجلد 1. {تفسير الطبري}جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، [ 224 - 310 هـ ]

 

مجلد 1.جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، [ 224 - 310 هـ ]


بسم الله الرحمن الرحيم
بركة من الله وأمر
الحمد لله رب العالمين الرحمنِ الرحيم مَلِكِ يومِ الدين
والحمد لله الذي خلق السمواتِ والأرضَ وجعل الظلماتِ والنورَ.
والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعلْ له عِوَجًا.
والحمد لله الذي له ما في السمواتِ والأرضِ ، وله الحمد في الآخرة ، وهو الحكيمُ الخبيرُ.
والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنَّا لنهتديَ لولا أنْ هدانا الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمدٍ ، رسول الله وخيرته من خلقه ، خاتم النبيين ، وأشرف المرسلين.
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإِحسانٍ إلى يوم الدين.
" فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون ، وغَفَل عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه في الأوَّلين والآخرين. أفضلَ وأكثرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه. وزكَّانا وإياكم بالصلاة عليه ، أفضلَ ما زكَّى أحدًا من أمته بصلاته عليه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته " (1)
__________
(1) اقتباس من كلام الشافعي ، في كتابه (الرسالة) ، رقم 39 ، بتحقيقنا.

(1/5)


أما بعد :
فإن هذا التفسير الجليل ، باكورة عمل عظيم ، تقوم به (دار المعارف بمصر) ، لإحياء (تُراث الإسلام) ، وإخراج نفائس الكنوز. التي بقيتْ لنا من آثار سلفنا الصالح ، وعلمائنا الأفذاذ. الذين خدموا دينَهم ، وعُنُوا بكتاب ربّهم ، وسنّة نبيّهم ، وحفظِ لغتهم ، بما لم تصنعه أمةٌ من الأمم ، ولم يبلغْ غيرُهم مِعْشارَ ما وفّقهم الله إليه.
فكان أَوّلَ ما اخترنا ، باكورةً لهذا المشروع الخطير : كتابُ (تفسير الطبري). وما بي من حاجةٍ لبيان قيمته العلمية ، وما فيه من مزايا يندر أَن توجدَ في تفسيرٍ غيرِه. وهو أعظم تفسير رأيناه ، وأعلاه وأثبتُه. استحقَّ به مؤلفُه الحجةُ أن يسمَّى (إمامَ المفسّرين).
وكنتُ أخشى الإقدامَ على الاضطلاع بإِخراجه وأُعْظِمُه ، عن علمٍ بما يكتنفُ ذلك من صعوباتٍ ، وما يقوم دونَه من عقباتٍ ، وعن خبرةٍ بالكتاب دهرًا طويلا أربعين سنةً أو تزيد.
لولا أنْ قوَّى من عزمي ، وشدَّ من أزْري ، أخي الأصغر ، الأستاذ محمود محمد شاكر. وهو - فيما أعلم - خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء ، وأن يقوم بهذا العمل حقَّ القيام ، أو قريبًا من ذلك. لا أعرف أحدًا غيرَه له أهلا.
وما أريد أن أشهدَ لأخي أو أُثْنيَ عليه. ولكني أقرّ بما أعلم ، وأشهد بما أَسْتَيْقن.

(1/6)


وقد أَبَى أخي السيد محمود إلا أن يُلْقِيَ عليّ بعضَ العبء ، بالتعاون معه في مراجعة الكتاب ، وبتخريج أحاديثه ، ودَرْس أسانيده. وهذا - وحدَه - عملٌ فوقَ مقدوري. ولكنّي لم أستطع التخليَ عنه ، فقبلتُ وعملتُ ، متوكلا على الله ، مستعينًا به.
وأسأل الله سبحانه الهدى والسداد ، والرعاية والتوفيق. إنه سميع الدعاء. كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه القاهرة يوم الجمعة 4 جمادى الآخرة سنة 1374

(1/7)


بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
{ تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا * قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }
* * *
{ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا }
* * *
والحمد لله الذي أرسلَ رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهُدَى ودِينِ

(1/8)


الحقِّ ليُظْهِرَه عَلَى الدِّين كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْركونَ. { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }
* * *
اللَّهُمّ إِنّا نبرأُ إليك من كُلِّ حَوْلٍ وقوَّةٍ ، ونستَعينك ونَسْتَهديك ، ونعوذُ برضاكَ من غَضَبِك ، فاغفر لَنا وارْحَمنا وتبْ علينا إنّك أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيم. ربَّنا وَلا تجعلنَا من الذين فرَّقُوا دِينَهم وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون.
* * *
اللّهُمَّ اجعلنا مسلمِينَ لك ، وَافِين لك بالميثاق الذي أخذتَ علينا : أن نكون قوّامين بالقِسْط شُهَداءَ على الناس ، اللهُمَّ اهدنا صراطَك المستقيم ، صراطَ الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء ، الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا ، وعلموا أنك أنت الجبّارُ الذي خَضَعتْ لجَبرُوتِه الجبَابرة ، والعزيزُ الذي ذلّتْ لعزَّته الملوكُ الأعِزَّة ، وخَشَعت لمهَابة سَطْوتِه ذوُو المهابة ، فلم يُرهِبْهم بغيُ باغٍ ولا ظُلْم سفّاحٍ ظالم : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } { وَلا تحْسَبَنَّ اللَّهَ

(1/9)


غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ }
* * *
اللّهُم اغفر لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، وتغمّده برحمتك ، واجعله من السابقين المقرَّبين في جنّات النعيم ، فقد كان - ما عَلِمْنا - من الذين بَيَّنوا كتابَك للناس ولم يكتموه ، ولم يشتَرُوا به ثَمَنًا قليلا من مَتاع هذه الحياةِ الدنيا ؛ ومن الذين أدَّوْا ما لزمهم من حقِّك ، وذادُوا عن سنة نبِّيك ؛ ومن الذين ورَّثوا الخلَفَ من بعدهم علم ما عَلموا ، وحَمَّلوهم أمانةَ ما حَمَلوا ، وخلعُوا لك الأندادَ ، وكفَروا بالطاغوتِ ، ونَضَحوا عن دينك ، وذبُّوا عن شريعتك ، وأفضَوْا إليك ربَّنا وهمْ بميثاقك آخذون ، وعلى عهدك محافظون ، يرجون رَحْمتَك ويخافُون عذابَك. فاعفُ اللهمّ عنا وعنهم ، واغفر لنَا ولهم ، وارحمنا وارحمهم ، أنت مولانَا فانصرنَا على القومِ الكافرين.
* * *
كان أبو جعفر رضي الله عنه يقول : " إِنّي لأعجبُ مَمنْ قرأ القرآن ولم يعلَم تأويلَه ، كيف يلتذُّ بقراءته ؟ " . ومنذ هداني الله إلى الاشتغال بطلب العلم ، وأنا أصاحب أبا جعفر في كتابيه : كتاب التفسير ، وكتاب التاريخ. فقرأتُ تفسيره صغيرًا وكبيرًا ، وما قرأتُه مرَّةً إلا وأنا أسمعُ صوته يتخطّى إليّ القرون : إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله ، كيف يلتذُّ بقراءته ؟ فكنتُ أجدُ في تفسيره مصداقَ قوله رضي الله عنه.

(1/10)


بيد أني كنتُ أجدُ من المشقّة في قراءتِه ما أجد.
كان يستوقفني في القراءةِ ، كثرةُ الفُصُول في عبارته ، وتباعُد أطراف الجُمَل. فلا يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثًا. وكان سبب ذلك أنّنا ألفنَا نهجًا من العبارة غيرَ الذي انتهج أبو جعفر ، ولكن تبيَّن لي أيضًا أن قليلا من الترقيم في الكتابِ ، خليقٌ أن يجعَل عبارته أبينَ. فلما فعلتُ ذلك في أنحاءٍ متفرقة من نسختي ، وعدتُ بعدُ إلى قراءتِها ، وجدتُها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقّة. ولما راجعتُ كتب التفسير ، وجدتُ بعضَهم ينقلُ عَنْه ، فينسبُ إليه ما لم أجده في كتابه ، فتبيَّنَ لي أن سبب ذلك هو هذه الجمل التي شقّت عليَّ قراءتها. يقرؤها القارئ ، فربّما أخطأ مُرادَ أبي جعفرٍ ، وربَّما أصابَ. فتمنَّيت يومئذٍ أن ينشر هذا الكتاب الجليلُ نشرةً صحيحة محقّقة مرقّمةً ، حتى تسهُل قراءتُها على طالب العلم ، وحتى تجنّبه كثيرًا من الزَّلل في فهم مُرَاد أبي جعفر.
ولكنْ تبيَّن لي على الزمن أن ما طبع من تفسير أبي جعفر ، كانَ فيه خطأ كثير وتصحيفٌ وتحريف ، ولما راجعتُ التفاسير القديمة التي تنقلُ عَنْه ، وجدتُهم يتخطّونَ بعض هذه العبارات المصحفة أو المحرفة ، فعلمتُ أن التصحيف قديم في النسخ المخطوطة. ولا غرو ، فهو كتابٌ ضخْمٌ لاَ يكادُ يسلُم كلّ الصواب لناسخه. وكان للذين طبعوه عذرٌ قائمٌ ، وهو سقم مخطوطاته التي سلمت من الضياع ، وضخامة الكتاب ، واحتياجه إلى مراجعة مئات من الكتب ، مع الصبْر على المشقة والبَصَر بمواضع

(1/11)


الخَلَل. فأضمرتُ في نَفْسي أن أنشُر هذا الكتابَ ، حتى أؤدّي بعض حقِّ الله عليَّ ، وأشكرُ به نعمةً أنالُها - أنَا لَهَا غيرُ مستحقّ - من ربٍ لاَ يؤدّي عبدٌ من عباده شكرَ نعمة ماضيةٍ من نعمه ، إلا بنعْمة منه حادثةٍ توجِب عليه أن يؤدّي شكرها ، هي إقدارُه على شكر النعمة التي سلفت ؛ كما قال الشافعي رضي الله عنه.
وتصرَّم الزَّمن ، وتفانت الأيّامُ ، وأنا مستهلَكٌ فيما لاَ يُغْني عنّي شيئًا يوم يقوم الناس لربّ العالمين. حتَّى أيقظَنِي عدوانُ العادِين ، وظُلْم الظّالمين ، وطغيانُ الجبابرة المتكبّرين ، فعقدت العزمَ على طبع هذا التفسير الإمامِ ، أتقرَّبُ به إلى ربِّ العالمين ، ملك يوم الدين.
وأفضيتُ بما في نفسي إلى أخي الأكبر السيد أحمد محمد شاكر - أطال الله بقاءه ، وأقبسني من علمه - فرأى أن تنشره " دار المعارف " ، باكورةَ أعمالها في نشر (تُراث الإسلام). ولم يمض إلا قليل حتى أعدَّت الدار عُدّتها لنشر هذا الكتاب الضخم ، مشكورةً على ما بذلته في إحياء الكتاب العربيّ.
وكنت أحبُّ أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في كلّ صغيرةٍ وكبيرة ، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله. وليتَه فَعَل ، حتى أستفيد من علمهِ وهدايته ، وأتجنّبَ ما أخاف من الخطإ والزلل ، في كتابٍ قال فيه أبو عمر الزاهد ، غلام ثعلب : " قابلتُ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره ، فما وجدتُ فيه حرفًا خطأً في نحو أو لغة " . وأنَّى لمثلي أن يحقّق كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر!

(1/12)


ونحن أهل زمانِ أُوتوا من العجز والتهاون ، أَضعافَ ما أُوتي أسلافُهم من الجدّ والقدرة!
فتفضل أخي أن ينظُرَ في أسانيد أبي جعفر ، وهي كثيرة جدًّا ، فيتكلّم عن بعض رجالها ، حيثُ يتطلب التحقيق ذلك ، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن وجدَ بعد ذلك فراغًا نَظَر في عملي وراجعه واستدرك عليه. فشكرتُ له هذه اليدَ التي طوّقني بِها ، وكم له عندي من يدٍ لاَ أملك جزاءَها ، عنْد الله جزاؤها وجزاءُ كلّ معروفٍ. وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطايَ صغيرًا ، وأعانني كبيرًا.
وتوليتُ تصحيحَ نصّ الكتاب ، وضبطه ، ومقابلته على ما بين أيدينا من مخطوطاته ومطبوعاته ، ومراجعته على كتب التفسير التي نقلت عنه. وعلّقتُ عليه ، وبيّنت ما استغلقَ من عبارته ، وشرحتُ شواهده من الشعر. وبذلتُ جُهْدي في ترقيمه وتفصيله. فكلّ ما كان في ذلك من إحسانٍ فمن الله ، وكلّ ما فيه من زَلَلٍ فمنّي ومن عجزي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبري ، لاَ تكادُ تُوجَد ، والذي مِنْها في دار الكتب أجزاءٌ مفردة من الجزء الأوّل ، والجزء السادس عشر ، ومنها مخطوطة واحدة كانت في خمسة وعشرين مجلَّدًا ضاع منها الجزء الثاني والثالث ، وهي قديمةً غير معروفة التاريخ. وهي على ما فيها تكادُ تكون أصحّ النسخ. وهي محفوظة بالدار برقم : 100 تفسير.

(1/13)


فجعلتها أمًّا لنشر هذا الكتاب. أما سائر المخطوطات فهي سقيمة رديئة ، لم تنفع في كثير ولا قليل ، فضْلا عن أنها قطع صغيرة منه.
فنهجتُ نهجًا آخر في تصحيح هذا التفسير ، وذلك بمراجعة ما فيه من الآثار على كتاب " الدرّ المنثور " للسيوطي ، " وفتح القدير " للشوكاني ، فهما يكثران النقل عن تفسير أبي جعفر. أما ابن كثير في تفسيره ، فإنه لم يقتصر على نقل الآثار ، بل نقل بعض كلام أبي جعفر بنَصِّه في مواضع متفرقة ، وكذلك نقل أبو حيان والقرطبي في مواضع قليلة من تفسيريهما. فقابلتُ المطبوع والمخطوط من تفسير أبي جعفر على هذه الكتب. وكنت في هذا الجزء الأوَّل من التفسير أذكر مرجع كلّ أثرٍ في هذه الكتب ، ثم وجدتُ أن ذلك يطيل الكتاب على غير جدوى ، فبدأت منذ الجزء الثاني أغفل ذكر المراجع ، إِلا عند الاختلاف ، أو التصحيح ، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع.
وراجعتُ كثيرًا ممّا في التفسير من الآثار ، على سائر الكتب التي هي مظّنة لروايتها ، وبخاصّة تاريخ الطبري نَفْسِه ، ومن في طبقته من أصحاب الكتب التي تروي الآثار بالأسانيد. وبذلك استطعتُ أن أحرّر أكثرها في الطبري تحريرًا أرجو أن يكون حسنًا مقبولا.
أمّا ما تكلّم فيه من النحو واللغة ، فقد راجعته على أصوله ، من ذلك " مَجاز القرآن " لأبي عبيدة ، " ومعاني القرآن " للفراء ، وغيرهما ممّن يذكر أقوال أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين.
وأما شواهدُه فقد تتبعتُ ما استطعتُ منها في دواوين العربِ ، ونسبت

(1/14)


ما لم يكن منها منسوبًا ، وشرحتُها ، وحققت ما يَحتاجُ إلى تحقيق من قصائدها ، مختصرًا في ذلك ما استطعت.
وقد رأيتُ في أثناء مراجعاتي أنّ كثيرًا ممن نقل عن الطبري ، ربّما أخطأ في فهم مُرَاد الطبري ، فاعترض عليه ، لمّا استغلقَ عليه بعضُ عبارته. فقيدت بعضَ ما بدا لي خلالَ التعليق ، ولم أستوعِبْ ذلك استيعَابًا مخافة الإطالة ، وتركت كثيرًا مما وقفتُ عليه من ذلك في الجزء الأوّل ، ولكني أرجو أنْ أستدرِك ما فاتني من ذلك في الأجزاء الباقية من التفسير إن شاء الله ربُّنَا سبحانه.
وبيّنتُ ما وقفتُ عليه من اصطلاح النحاة القدماء وغيرهم ، ممّا استعمله الطبري ، وخالفَه النحاةُ وغيرهم في اصطلاحهم ، بعد ذلك ، إلى اصطلاح مُسْتَحدَث. وربّما فاتني من ذلك شيءٌ ، ولكني أرجو أنْ أبيّن ذلك فيما يأتي من الأجزاء. وقد وضعتُ فهرسًا خاصًّا بالمصطلحات ، في آخر كلّ جزءٍ ، حتى يتيسّر لطالب ذلك أن يجدَ ما استبهَمَ عليه من الاصطلاح في موضع ، في جزءٍ آخر من الكتاب.

(1/15)


وكنتُ أحبُّ أن أبيّن ما انفردَ به الطبريّ من القول في تأويل بعض الآياتِ ، وأشرح ما أَغْفَله المفسّرون غيرُه ، ولكني خفتُ أن يكونَ ذلك سببًا في زيادة الكتاب طولا على طوله ؛ مع أني أَرَى أن هذا أمرٌ يكشف عن كتاب الطبري ، ويزيدنا معرفة بالطبري المفسّر ، وبمنهجه الذي اشتقّه في التفسير ، ولم اختلف المفسّرون من بعده ، فأغفلوا ما حرصَ هو على بيانه ؟
وكنتُ أحبُّ أيضًا أن أُسَهِّل على قارئ كتابه ، فأجعل في آخرِ الآياتِ المتتابعة التي انتهى من تفسيرها ، مُلَخَّصًا يجمَعُ ما تفرَّق في عشراتٍ من الصفحاتِ. وذلك أني رأيتُ نفسي قديمًا ، ورأيت المفسِّرين الذين نقلوا عَنْهُ ، كانوا يقرأون القطعة من التفسير مفصولةً عمَّا قبلها ، أو كانوا يقرأونه متفرِّقًا. وهذه القراءةُ ، كما تبيِّن لي ، كانتْ سببًا في كثيرٍ من الخَلْط في معرفة مُرَادِ الطبري ، وفي نسبة أقوالٍ إليه لم يقلْها. لأنَّه لما خاف التكرار لطول الكتابِ ، اقتصَر في بعض المواضِع على ما لاَ بُدَّ منه ، ثقَةً منه بأنّه قد أبان فيما مضى من كتابه عن نهجه في تفسير الآيات المتصلة المعاني. والقارئ الملتمِس لمعنى آيةٍ من الآياتِ ، ربَّما غَفَل عن هذا الترابُط بين الآية التي يقرؤها ، والآيات التي سبقَ للطبري فيها بيانٌ يتّصل كل الاتصال ببيانه عن هذه الآية. ولكني حين بدأت أفعل ذلك ، وجدت الأمر شاقًا عسيرًا ، وأنه يحتاجُ إِلى تكرار بعضِ ما مضى ، وإلى إِطالةٍ في البيانِ. وهذا شيءٌ يزيدُ التفسيرَ طولا وضخامة.
ولمَّا رأيتُ أن كثيرًا من العلماء كان يعيبُ على الطبري أنه حشَدَ في كتابِهِ كثيرًا من الرواية عن السالفين ، الذين قرأوا الكُتُب ، وذكروا في معاني القرآنِ ما ذكروا من الرواية عن أهل الكتابَيْن السالِفَيْن : التَّوراة والإنجيل - أحببتُ أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الرواياتِ روايةً روايةً ، وأبيّن كيف أخطأ الناسُ في فهم مقصده ، وأنّه لم يَجْعل هذه الروايات قطُّ مهيمنةً على كتاب الله الذي لاَ يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه. وأحببتُ أن أبيّن عند كُلِّ روايةٍ مقالة الطبريّ في إِسنادِها ، وأنه إسنادٌ لاَ تقوم به حُجَّةٌ في دين الله ، ولا في تفسير كتابه ،

(1/16)


وأن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلالِ بالشِّعر القديم ، على فهم معنى كلمة ، أو للدلالة على سياقِ جملة. وقد علقتُ في هذا الجزء 1 : 454 ، 458 وغيرهما من المواضع تعليقًا يبينُ عن نهج للطبري في الاستدلال بهذه الآثار ، وتركتُ التعليقَ في أماكنَ كثيرة جدًّا ، اعتمادًا على هذا التعليق. ورأيتُ أن أدَعَ ذلك حتى أكتب كتابًا عن " الطبري المفسِّر " بعد الفراغ من طبع هذا التفسير. لأني رأيتُ هناكَ أشياء كثيرةً ، ينبغي بيانُها ، عن نهج الطبري في تفسيره. ورأيتني يجدّ لي كُلَّ يوم جديدٌ في معرفة نهجه ، كلَّما زدتُ معرفةً بكتابه ، وإلفًا لطريقته. فاسأل الله أن يعنيني أن أفردَ له كتابًا في الكلام عن أسلوبه في التفسير ، مع بيان الحجّة في موضع موضعٍ ، على ما تبيّن لي من أسلوبه فيه. ورحمَ الله أبا جعفر ، فإنه ، كما قال ، كان حدَّث نفسه بهذا التفسيرِ وهو صبيٌّ ، واستخار الله في عمله ، وسأله العونَ على ما نواه ، ثلاثَ سنين قبل أن يعمله ، فأعانه الله سبحانه. ثم لما أراد أن يملي تفسيره قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدرُه ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة. فقالوا : هذا ممّا تفنَى فيه الأعمارُ قبل تمامه! فاختصره لهم في ثلاثة آلاف ورقةٍ. فكان هذا الاختصار سببًا في تركه البيانَ عمّا نجتهد نحنُ في بيانه عند كل آية. وهذا الاختصارُ بيّنٌ جدًّا لمن يتتبّع هذا التفسيرَ من أولِه إِلى آخره.
هذا وقد كنتُ رأيتُ أن أكتب ترجمةً للطبري أجْعَلُها مقدّمَةً للتفسير. ولكنّي وجدت الكتابة عن تفسيره في هذه الترجمة ، لن تتيسّر لي

(1/17)


إلا بعد الفراغ من كتابه ، وكشف النقاب عمّا استبهم من منهاجِه في تفسيره. فأعرضتُ عن ذلك ، وقلت أجمع ترجمةً للطبري ، فجمعتُ كُلّ ما في الكتب المطبوعة والمخطوطة من ترجمة وأخبار ، وما قيل في تصانيفه وتعدادها ، فإذا هي قد تجاوزت ما يمكن أن يكونَ ترجمةً في صدر هذا التفسير ، فآثرتُ أن أفردها كتابًا قائمًا بنفسه ، سوف يخرجُ قريبًا بعون الله سبحانه.
أمّا الفهارسُ ، فإِنّي كنت أريدُ أن أدعَها حتى أفرغَ من الكتاب كُلِّه ، فأصدرها في مجلداتٍ مستقلّة ، ولكن الكتابَ كبيرٌ ، وحاجةُ الناسِ ، وحاجتي أنَا ، إلى مراجعة بعضه على بعض ، وربط أوّله بآخره أوجبتْ أن أتعجَّل فأُفرد بعض الفهارس مع كُلّ جزء. فجعلت فهرسًا للآيات التي استدلّ بها في غير موضعها من التفسير. فقد تبيّن لي أنّه ربّما ذكر في تفسير الآية في هذا الموضع ، قولا في الآية لم يذكرُه في موضعها من تفسير السورة التي هي منها.
وأفردت فهرسًا ثانيًا لألفاظ اللغة ، لأنه كثير الإحالة على ما مضى في كتابه ، وليكون هذا الفهرس مرجعًا لكل اللُّغَة التي رواها الطبري ، وكثير منها ممّا لم يرد في المعاجم ، أو جاء بيانه عن معانيها أجودَ من بيان أصحاب المعاجم. وهو فهرسٌ لاَ بُدَّ أن يتم عند كُلّ جزء ، حتى لاَ يسقط عليّ شيءٌ من لغة الطبري.
وأفردت فهرسًا ثالثًا لمباحث العربيّة ، لأنّه كثيرًا ما يحيلُ على هذه المواضِع ، ولأنّ فيها نفعًا عظيمًا تبيّنتُه وأنا أعمل في هذا التفسير. وزدت

(1/18)


فهرسًا رابعًا للمصطلحات القديمة التي استحدث الناسُ غيرها ، ليسْهُل على قارئ كتابه أن يجد تفسيرها في موضعها ، فإِني لم أفسِّرها عند كُلّ موضع ذكرتْ فيه ، لكثرة تكرارها في الكتاب. وفهرسًا خامسًا ، هو ردوده على الفرق وأصحاب الأهواءِ.
وأفردتُ فهرسًا سادسًا للرجال الذي تكَلَّم عنهم أخي السيد أحمد في المواضع المتفرقة من التفسير ، حتى يسهلُ على من يريد أن يحقّق إسنادًا أن يجد ضالّته. فإِنّه حفظه الله ، لم يلتزم الكتابة على الرجال عند كُلّ إِسنادٍ. وهذا فهرسٌ لاَ بُدّ منه مع كُلِّ جزءٍ حتى لاَ تتكرّر الكتابة على الرجال في مواضع مختلفة من الكتاب ، ولتصحيح أسماء الرجال حيث كانوا من التفسير.
أما الفهرس العام للكتاب ، فقد اقتصرت فيه على ذِكْرِ ما سوى ذلك ، ولم أذكر فيه بدأه في تفسير كُلّ آية ، لأنّ آيات المصحف مرقمة ، وأثبتنا أرقام الآيات في رأس الصفحات. فمن التمس تفسير آية ، فليستخرج رقمها من المصحف ، وليطلبْ رقمها في تفسير الطبري من رؤوس الصفحات.
* * *
هذا ، وقد تركتُ أن أصْنَع للشعر فهرسًا مع كلِّ جزءٍ ، فإني سأجعلُ لَهُ فهرسًا مفردًا بعد تمام طبع الكتابِ ، على نمط اخترتُه لصناعته.
وأمَّا فهارس الكتاب عامَّة ، فستكون بعد تمام الكتاب كله. وهي تشتمل فهارس أسانيد الطبري ، على طراز أرجُو أن أكون موفقًا في اختياره وعمله. ثم فهرس الأعلام ، وفهرس الأماكن ، وفهرسُ المعاني ،

(1/19)


والفهارس الجامعة لما أفردتُه من الفهارس مع كلِّ جزء. وهذا شيءٌ لاَ بُدَّ منه ، لضبط ما في التفسير من مناحي العلم المختلفة ، وليتيسّر على الطالب أن يجد بُغْيته حيث شاء من كتاب الطبري ، لأنّه كثير الإحالة في كتابه على ما مضى منه.
* * *
وبعد ، فقد بذلتُ جهدي ، وتحرَّيتُ الصوابَ ما استطعتُ ، وأردتُ أن أجعَلَ نشرَ هذا الكتابِ الإمامِ في التفسير ، زُلْفَى إِلى اللهِ خالصةً. ولكن كيف يخلُص في زماننا عملٌ من شائبة تشوبهُ! فأسألُ الله أن يتقبَّل مني ما أخلصتُ فيه ، وأن يغفر لي ما خالطه مِنْ أمرِ هذه الدنيا ، وأن يتغمّدني برحمته يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ، إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وأضرع إليه أن يغفر لَنَا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان ، وآخرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين. محمود محمد شاكر

(1/20)


بسم الله الرحمن الرحيم
بركة من الله وأمر
قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري في سنة ست وثلثمئة ، قال : الحمد لله الذي حَجَّت الألبابَ بدائعُ حِكَمه ، وخَصَمت العقولَ لطائفُ حُججه (1) وقطعت عذرَ الملحدين عجائبُ صُنْعه ، وهَتفتْ في أسماع العالمينَ ألسنُ أدلَّته ، شاهدةٌ أنه الله الذي لاَ إله إلا هو ، الذي لاَ عِدْلَ له معادل (2) ولا مثلَ له مماثل ، ولا شريكَ له مُظاهِر ، ولا وَلدَ له ولا والد ، ولم يكن له صاحبةٌ ولا كفوًا أحدٌ ؛ وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة ، والعزيز الذي ذلت لعزّته الملوكُ الأعزّة ، وخشعت لمهابة سطوته ذَوُو المهابة ، وأذعنَ له جميعُ الخلق بالطاعة طوْعًا وَكَرْهًا ، كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [سورة الرعد : 15]. فكل موجود إلى وَحدانيته داع ، وكل محسوس إلى رُبوبيته هاد ، بما وسَمهم به من آثار الصنعة ، من نقص وزيادة ، وعجز وحاجة ، وتصرف في عاهات عارضة ، ومقارنة أحداث لازمة ، لتكونَ له الحجة البالغة.
ثم أرْدف ما شهدتْ به من ذلك أدلَّتُه ، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته ، برسلٍ ابتعثهم إلى من يشاء من عباده ، دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحّته ، وثبتت في العقول حجته ، { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [سورة النساء : 165]
__________
(1) حاجه يحاجه : نازعه الحجة ، وحجه يحجه : غلبه على حجته. وخاصمه : جادله بالحجة والبرهان ، وخصمه : غلبه وظهرت حجته على حجته. واللطائف : جمع لطيفة ، وكل شيء دقيق محكم وغامض خفي ، يحتاج إلى الرفق والتأني في إدراكه ، فهو لطيف.
(2) العدل (بكسر العين وفتحها وسكون الدال) والعديل : النظير والمثيل. وعادله : ساواه وماثله.

(1/3)


وليذَّكَّر أولو النهي والحلم. فأمدَّهم بعوْنه ، وأبانهم من سائر خلقه ، بما دل به على صدقهم من الأدلة ، وأيدهم به من الحجج البالغة والآي المعجزة ، لئلا يقول القائل منهم (1) { مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } [سورة المؤمنون : 33 - 34] فجعلهم سفراءَ بينه وبين خلقه ، وأمناءه على وحيه ، واختصهم بفضله ، واصطفاهم برسالته ، ثم جعلهم - فيما خصهم به من مواهبه ، ومنّ به عليهم من كراماته - مراتبَ مختلفة ، ومنازل مُفترقة ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، متفاضلات متباينات. فكرَّم بعضهم بالتكليم والنجوى ، وأيَّد بعضهم برُوح القدس ، وخصّه بإحياء الموتى ، وإبراء أولى العاهة والعمى ، وفضَّل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، من الدرجات بالعليا ، ومن المراتب بالعُظمى. فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل (2) وخصه من درجات النبوّة بالحظ الأجزَل ، ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر. وابتعثه بالدعوة التامة ، والرسالة العامة ، وحاطه وحيدًا ، وعصمه فريدًا ، من كل جبار عاند ، وكل شيطان مارد (3) حتى أظهر به الدّين ، وأوضح به السبيل ، وأنهج به معالم الحق ، وَمَحق به منار الشِّرك. وزهق به الباطلُ ، واضمحل به الضلالُ وخُدَعُ الشيطان وعبادةُ الأصنام والأوثان (4) مؤيدًا بدلالة على الأيام باقية ، وعلى الدهور والأزمان ثابتة ، وعلى مَرِّ الشهور والسنين دائمة ، يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقًا ، وعلى مرّ الليالي والأيام
__________
(1) في المطبوع : " القائل فيهم " ، ومثل هذا التبديل كثير في المطبوع ، سأغفل منه ما شئت لكثرته ، وطلبا للاختصار في التعليق بما لا غناء فيه.
(2) الأقسام : جمع قسم (بكسر فسكون) ، وهو الحظ والنصيب من الخير.
(3) الجبار العنيد والعاند : الذي جار ومال عن طريق الحق ، ثم عتا وطغا وجاوز قدره. والمارد : الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية ، فتطاول عتوا وتجبرًا.
(4) في المخطوطة : " وجدع " بالجيم مضمومة ، من جدع الأنف ، وهو قطعها ، كناية عن الإذلال. ولا أظنها جيدة هنا. والخدع جمع خدعة (بضم فسكون) : وهي ما يخدع به من المكر والختل.

(1/4)


ائتلاقًا ، خِصِّيصَى من الله له بها دون سائر رسله (1) - الذين قهرتهم الجبابرة ، واستذلَّتهم الأمم الفاجرة ، فتعفَّتْ بعدهم منهم الآثار ، وأخملت ذكرهم الليالي والأيام - ودون من كان منهم مُرْسلا إلى أمة دون أمة ، وخاصّة دون عامةٍ ، وجماعة دون كافَّة.
فالحمدُ لله الذي كرمنا بتصديقه ، وشرّفنا باتِّباعه ، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أزكى صلواته ، وأفضلَ سلامه ، وأتمَّ تحياته.
ثم أما بعد (2) فإنّ من جسيم ما خصّ الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة ، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظَه ما حفظ عليهم - جلّ ذكره وتقدست أسماؤه - من وحيه وتنزيله ، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة ، وحجةً بالغة ، أبانه به من كل كاذب ومفترٍ ، وفصَل به بينهم وبين كل جاحد ومُلحِد ، وفرَق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها ، من جِنِّها وإنسها وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا (3) . فجعله لهم في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا ، وفي سُدَف الشُّبَه شهابًا لامعًا (4) وفي مضَلة المسالك دليلا هاديًا ، وإلى سبل النجاة والحق حاديًا ، { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [سورة المائدة : 16]. حرسه بعين
__________
(1) في المطبوع : " تخصيصًا " ، وهو تصرف من الطابعين. خصه بالشيء يخصه خصا وخصوصية (بفتح الخاء وضمها) وخصيصى : أفرده به دون غيره.
(2) حذف الطابعون قوله : " ثم " ، ليجعلوا كلام الطبري دارجًا على ما ألفوا من الكلام.
(3) يضمن ما جاء في سورة البقرة : 23 ، ويونس : 38 ، والإسراء : 88.
(4) السدف : جمع سدفة ، وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء ، تكون في أول الليل وآخره ، ما بين الظلمة إلى الشفق ، وما بين الفجر إلى الصلاة.

(1/5)


منه لاَ تنام ، وحاطه برُكن منه لاَ يضام ، لاَ تَهِي على الأيام دعائمه ، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه ، ولا يجوز عن قصد المحجَّة تابعه (1) ولا يضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه. من اتبعه فاز وهُدِى ، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى ، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يَئِلون ، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون (2) وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون ، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون ، وفصْل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون ، وعن الرضى به يصدرون ، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون.
اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في مُحْكَمه ومُتَشابهه ، وحلاله وحرامه ، وعامِّه وخاصِّه ، ومجمَله ومفسَّره ، وناسخه ومنسوخه ، وظاهره وباطنه ، وتأويل آية وتفسير مُشْكِله. وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه ، والثبات على التسليم لمتشابهه. وأوزعنا الشكر على ما أنعمتَ به علينا من حفظه والعلم بحدوده. إنك سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما.
اعلموا عبادَ الله ، رحمكم الله ، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية ، وبُلِغت في معرفته الغاية ، ما كان لله في العلم به رضًى ، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى ، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذي لا ريب فيه ، وتنزيله الذي لا مِرْية فيه ، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر تاليه ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيلٌ من حكيم حَميد (3) .
ونحن - في شرح تأويله ، وبيان ما فيه من معانيه - منشئون إن شاء الله ذلك ، كتابًا مستوعِبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه ، جامعًا ، ومن سائر الكتب
__________
(1) المحجة : الطريق. والقصد : استقامة الطريق وسهولته.
(2) وأل يئل وألا ووؤولا : لجأ طلبًا للنجاة. والموئل : الملجأ والمنجى. والمعقل : الحصن المنيع في رأس الجبل ، وعقل إليه يعقل عقلا وعقولا : لجأ إليه وامتنع به. وفي المطبوعة " يعتقلون " ، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة. ولم أجد " اعتقل " بمعنى عقل. وإن صحت في قياس العربية.
(3) تضمين آية سورة فصلت : 42 .

(1/6)


غيره في ذلك كافيًا. ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه (1) واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ. ومُبيِّنو عِلَل كل مذهب من مذاهبهم ، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك ، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك ، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه.
والله نسألُ عونه وتوفيقه لما يقرب من محَابِّهِ ، ويبْعد من مَساخِطه. وصلى الله على صَفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
وأولُ ما نبدأ به من القِيل في ذلك : الإبانةُ عن الأسباب التي البدايةُ بها أولى ، وتقديمها قبل ما عداها أحْرى. وذلك : البيانُ عما في آي القرآن من المعاني التي من قِبَلها يدخل اللَّبْس على من لم يعان رياضةَ العلوم العربية ، ولم تستحكم معرفتُه بتصاريف وجوه منطق الألسُن السليقية الطبيعية.
__________
(1) في المطبوعة " عليه الأمة " ، وهو تصرف لا خير فيه. والهاء في " منه " راجعة إلى كتاب الله.

(1/7)


(القولُ في البيانِ عن اتفاق معاني آي القرآن ، ومعاني منطِق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان - والدّلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة - مع الإبانةِ عن فضْل المعنَى الذي به بَايَن القرآنُ سائرَ الكلام)
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ ، رحمه الله :
إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده ، وجسيم مِنَّته على خلقه ، ما منحهم من فَضْل البيان الذي به عن ضمائر صُدورهم يُبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يَدُلّون ، فذَلَّل به منهم الألسن (1) وسهَّل به عليهم المستصعب. فبِهِ إياه يُوَحِّدون ، وإيَّاه به يسَبِّحون ويقدِّسون ، وإلى حاجاتهم به يتوصّلون ، وبه بينهم يتَحاورُون ، فيتعارفون ويتعاملون.
ثم جعلهم ، جلّ ذكره - فيما منحهم من ذلك - طبقاتٍ ، ورفع بعضهم فوق بعض درجاتٍ : فبَيْنَ خطيب مسْهِب ، وذَلِقِ اللسان مُهْذِب ، ومفْحَمٍ (2) عن نفسه لا يُبين ، وَعىٍّ عن ضمير قلبه لا يعبَر. وجعل أعلاهم فيه رُتبة ، وأرفعهم فيه درجةً ، أبلغَهم فيما أرادَ به بَلاغًا ، وأبينَهم عن نفسه به بيانَا. ثم عرّفهم في تنزيله ومحكم آيِ كتابه فضلَ ما حباهم به من البيان ، على من
__________
(1) ذلل الشيء : لينه وسهله ونفى عنه جفوته وصعوبته.
(2) أسهب الرجل : أكثر الكلام ، فإذا أكثر الكلام في خطأ قالوا : رجل مسهب (بفتح الهاء) ، وإذا أكثر وأصاب فهو مسهب (بكسر الهاء). وذلق اللسان : فصيح طليق لا يتوقف. وقوله " مهذب " : من أهذب الطائر في طيرانه ، والفرس في عدوه ، والمتكلم في كلامه : أسرع وتابع ، وفي حديث أبي ذر " فجعل يهذبُ الركوع " أي يسرع فيه ويتابعه. يقال : كلمنى فلان فأفحمته : أسكته فلم يطق جوابًا وانقطع ، فهو مفحم. وفي المطبوعة " ومعجم عن نفسه.. "

(1/8)


فضّلهم به عليه من ذى البَكَم والمُستَعْجِم اللسان (1) فقال تعالى ذكرُه : { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } [سورة الزخرف : 18]. فقد وَضَحَ إذا لذوي الأفهام ، وتبين لأولي الألباب ، أنّ فضلَ أهل البيان على أهل البَكَم والمستعجمِ اللسان ، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه ، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه.
فإذْ كان ذلك كذلك - وكان المعنى الذي به باينَ الفاضلُ المفضولَ في ذلك ، فصار به فاضلا والآخرُ مفضولا هو ما وصفنا من فضْل إبانة ذى البيان ، عما قصّر عنه المستعجمُ اللسان ، وكان ذلك مختلفَ الأقدار ، متفاوتَ الغايات والنهايات - فلا شك أن أعلى منازل البيان درجةً ، وأسنى مراتبه مرتبةً ، أبلغُه في حاجة المُبِين عن نفسه ، وأبينُه عن مراد قائله ، وأقربُه من فهم سامعه. فإن تجاوز ذلك المقدار ، وارتفع عن وُسْع الأنام ، وعجز عن أن يأتي بمثله جميعُ العباد ، كان حجةً وعَلَمًا لرسل الواحد القهار - كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبرص وذوي العمى ، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طبّ المتطببين (2) وأرفع مراتب عِلاج المعالجين ، إلى ما يعجز عنه جميع العالَمِين. وكالذي كان لها حجةً وعَلَمًا قطعُ مسافة شهرين في الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وُسع الأنام ، وتعذّر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، ولليسير منه فاعلين.
فإذْ كان ما وصفْنا من ذلك كالذي وصفْنا ، فبيّنٌ أنْ لا بيان أبْيَنُ ، ولا حكمة أبلغُ ، ولا منطقَ أعلى ، ولا كلامَ أشرفُ - من بيان ومنطق تحدّى به
__________
(1) كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. استعجمت عليه قراءته : التبست عليه فلم يتهيأ له أن يمضي فيها ، فسكت وانقطع عن القراءة.
(2) مقادير : جمع مقدار ، وهو القوة ، ومثله القدر والقدرة والمقدرة.

(1/9)


امرؤ قومًا في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة ، وقيلِ الشعرِ والفصَاحة ، والسجع والكهانة ، على كل خطيب منهم وبليغ (1) وشاعر منهم وفصيح ، وكلّ ذي سجع وكهانة - فسفَّه أحلامهم ، وقصَّر بعقولهم (2) وتبرأ من دينهم ، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به ، والإقرار بأنه رسولٌ إليهم من ربهم. وأخبرهم أن دلالته على صدْق مقالته ، وحجَّتَه على حقيقة نبوّته - ما أتاهم به من البيان ، والحكمة والفرقان ، بلسان مثل ألسنتهم ، ومنطق موافقةٍ معانيه معانيَ منطقهم. ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عَجَزَة ، ومن القدرة عليه نقَصَةٌ. فأقرّ جميعُهم بالعجز ، وأذعنوا له بالتصديق ، وشهدوا على أنفسهم بالنقص. إلا من تجاهل منهم وتعامى ، واستكبر وتعاشى ، فحاول تكلُّف ما قد علم أنه عنه عاجز ، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر. فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترًا ، ومن عِيّ لسانه ما كان مصُونًا ، فأتى بما لا يعجِزُ عنه الضعيف الأخرق ، والجاهل الأحمق ، فقال : " والطاحنات طحنًا ، والعاجنات عجنًا ، فالخابزات خبزًا ، والثاردات ثَرْدًا ، واللاقمات لَقْمًا " ! (3) ونحو ذلك من الحماقات المشبهةِ دعواه الكاذبة.
فإذْ كان تفاضُلُ مراتب البيان ، وتبايُنُ منازل درجات الكلام ، بما وصفنا قبل - وكان الله تعالى ذكرُه وتقدست أسماؤه ، أحكمَ الحكماء ، وأحلمَ الحلماء ،
__________
(1) في المطبوعة : " كل خطيب.. " بحذف " على " ، وفي المخطوطة " على خطيب.. " بحذف " كل " . وكلتاهما لا يستقيم بها كلام. والصواب ما أثبتناه. وأراد الطبري أنهم رؤساء صناعة الخطب والبلاغة... على كل خطيب منهم وبليغ " . يعني أن الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن من العرب ، كانوا رؤساء البيان والبلاغة على كل مبين وبليغ من سائر العرب.
(2) سفه أحلامهم : نسبهم إلى السفه ، وهو خفة الحلم واضطراب الرأي وضعفه ، وهو باب من الجهل. وفي المطبوعة : " وقصر معقولهم " والمعقول مصدر كالعقل ، يقال : ما لفلان معقول ، أي ما له عقل. وكأنه أراد بقوله " قصر " : نسبهم إلى قصر العقل وقلته. وأما قوله " قصر بعقولهم " ، فكأنه ضمن " قصر " معنى استخف بها ، فعداه بالباء ، أي عاب عقولهم واستقصرها واستخف بها. وأنا في شك من صواب هذا الحرف.
(3) من هذيان مسيلمة الكذاب لعنه الله. انظر تاريخ الطبري 3 : 245 وسواه.

(1/10)


- كان معلومًا أن أبينَ البيان بيانُه ، وأفضلَ الكلام كلامه ، وأن قدرَ فضْل بيانه ، جلّ ذكره ، على بيان جميع خلقه ، كفضله على جميع عباده.
فإذْ كان كذلك - وكان غيرَ مبين منّا عن نفسه مَنْ خاطبَ غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب - كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطبَ جل ذكره أحدٌا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطَبُ ، ولا يرسلَ إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسَلَ إليه ، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه ، فحالهُ - قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعدَه - سواءٌ ، إذ لم يفدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبل ذلك جاهلا. والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالةً لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه ، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث ، والله تعالى عن ذلك مُتَعالٍ. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [سورة إبراهيم : 4]. وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [سورة النحل : 64]. فغير جائز أن يكونَ به مهتديًا ، منْ كانَ بما يُهْدَى إليه جاهلا.
فقد تبين إذًا - بما عليه دللنا من الدِّلالة - أن كلّ رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم ، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه ، وكلّ كتاب أنزله على نبي ، ورسالة أرسلها إلى أمة ، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه. فاتضح بما قلنا ووصفنا ، أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بلسان محمد صلى الله عليه وسلم. وإذْ كان لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربيًّا ، فبيِّنٌ أن القرآن عربيٌّ. وبذلك أيضًا نطق محكم تنزيل ربنا ، فقال جل ذكره : { إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [سورة يوسف : 2]. وقال : { وَإِنَّهُ

(1/11)


لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [سورة الشعراء : 192 - 195].
وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلنا - بما عليه استشهدنا من الشواهد ، ودللنا عليه من الدلائل - فالواجبُ أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، لمعاني كلام العرب موافقةً ، وظاهرُه لظاهر كلامها ملائمًا ، وإن باينه كتابُ الله بالفضيلة التي فضَلَ بها سائرَ الكلام والبيان ، بما قد تقدّم وَصْفُنَاهُ.
فإذْ كان ذلك كذلك ، فبيِّن - إذْ كان موجودًا في كلام العرب الإيجازُ والاختصارُ ، والاجتزاءُ بالإخفاء من الإظهار ، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال ، واستعمالُ الإطالة والإكثار ، والترداد والتكرار ، وإظهارُ المعاني بالأسماء دون الكناية عنها ، والإسرار في بعض الأوقات ، والخبرُ عن الخاصّ في المراد بالعامّ الظاهر ، وعن العامّ في المراد بالخاصّ الظاهر ، وعن الكناية والمرادُ منه المصرَّح ، وعن الصفة والمرادُ الموصوف ، وعن الموصوف والمرادُ الصفة ، وتقديمُ ما هو في المعنى مؤخر ، وتأخيرُ ما هو في المعنى مقدّم ، والاكتفاءُ ببعض من بعض ، وبما يظهر عما يحذف ، وإظهارُ ما حظه الحذف - (1) أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ، في كلّ ذلك له نظيرًا ، وله مِثْلا وشبيهًا.
ونحن مُبَيِّنو جميع ذلك في أماكنه ، إن شاء الله ذلك وأمدّ منه بعونٍ وقوّة.
__________
(1) قوله : " أن يكون.. " مبتدأ قوله " فبين " ، وما بينهما اعتراض طويل ؛ وهذا دأب الطبري أبدًا ، حتى كأنه لم يكن يخشى على قارئ أن يسوء فهمه أو تكل فطنته.

(1/12)


القول في البَيَان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب
وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم
قال أبو جعفر : إن سألنا سائل فقال : إنك ذكرت أنه غيرُ جائز أن يخاطب الله تعالى ذكرهُ أحدًا من خلقه إلا بما يفهمه ، وأن يرسل إليه رسالة إلا باللسان الذي يفقهه..
1 - فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد بُن حُميد الرازي ، قال : حدثنا حَكّام بن سَلْم ، قال : حدثنا عبْسة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص عن أبي موسى : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } [سورة الحديد : 28] ، قال : الكفلان : ضعفان من الأجر ، بلسان الحبشة (1) .
2 - وفيما حدثكم به ابن حُمَيْد ، قال : حدثنا حكام ، عن عَنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } [سورة المزمل : 6] قال : بلسان الحبشة إذا قامَ الرجلُ من الليل قالوا : نَشأ (2) .
3 - وفيما حدّثكم به ابن حميد قال : حدّثنا حكام ، قال : حدثنا عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } قال : سبِّحي ، بلسان الحبشة (3) ؟
قال أبو جعفر : وكل ما قلنا في هذا الكتاب " حدّثكم " فقد حدثونا به.
__________
(1) الخبر 1 - يأتي بهذا الإسناد في تفسير سورة الحديد : 28 وفي إسناده هناك خطأ.
(2) الخبر 2 - يأتي بإسناده في تفسير سورة المزمل : 6
(3) الخبر 3 - يأتي بإسناده في تفسير سورة سبأ : 10

(1/13)


4 - وفيما حدّثكم به محمد بن خالد بن خِداش الأزديّ ، قال : حدثنا سلم ابن قتيبة ، قال : حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل عن قوله : { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } [سورة المدثر : 51] قال : هو بالعربية الأسد ، وبالفارسية شار ، وبالنبطية أريا ، وبالحبشية قسورة (1) .
5 - وفيما حدثكم به ابن حميد قال : حدّثنا يعقوب القمّى ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جُبَير قال : قالت قريش : لولا أنزل هذا القرآن أعجميٌّا وعربيًّا ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : { لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } [سورة فصلت : 44] فأنزل الله بعد هذه الآية في القرآن بكل لسان فيه. { حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } [سورة هود : 82 ، وسورة الحجر : 74] قال : فارسية أعربت " سنك وكل (2) .
6 - وفيما حدثكم به محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، قال : في القرآن من كل لسان (3) .
وفيما أشبه ذلك من الأخبار التي يطولُ بذكرها الكتاب ، مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب ؟
قيل له : إنّ الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا - من أجل أنهم لم يقولوا : هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلامًا ، ولا كان ذاك
__________
(1) الخبر 4 - يأتي بإسناده في تفسير سورة المدثر : 51
(2) الخبر 5 - يأتي بإسناده في تفسير سورة فصلت : 44. ونص الخبر هناك : " فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان فيه.. " وهي أجود. وفي الدر المنثور 5 : 367 : " وأنزل الله تعالى بعد هذه الآية فيه بكل لسان. حجارة.. " . ثم يأتي بإسناده مختصرًا في تفسير سورة هود : 82. وانظر سائر ما روى في " سجيل " في تفسير سورة الفيل : 4 . وقوله " حجارة من سجيل " .. كلام مستأنف ، ضربه مثلا لما جاء في القرآن من الألسنة الأخرى.
(3) الخبر 6 - لم أجده في مكان آخر بعد. وهو في الدر المنثور 5 : 367 وفيه : " بكل لسان " .

(1/14)


لها منطقًا قبل نزول القرآن ، ولا كانت بها العرب عارفةً قبل مجيء الفرقان - فيكون ذلك قولا لقولنا خِلافًا (1) . وإنما قال بعضهم : حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا ، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا. ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف بجنسين منها ؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة ، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرْطاس ، وغير ذلك - مما يتعب إحصاؤه وُيمِلّ تعداده ، كرهنا إطالة الكتاب بذكره - مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها.
فلو أن قائلا قال - فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبِرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية ، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره - : ذلك كله فارسي لا عربي ، أو ذلك كله عربي لا فارسي ، أو قال : بعضه عربي وبعضه فارسي ، أو قال : كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به ، أو قال : كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهَلا (2) لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم ، ولا العجم أحقَّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب ، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين.
وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين ، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر ، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم ، ويزيل الشكّ ، ويقطع العذرَ صحتُه.
__________
(1) خلاف : مخالف ، وسيكثر مجيئها في كلام الطبري.
(2) قوله : " كان مستجهلا " ، جواب قوله : " لو أن قائلا قال.. " . والفصل في عبارة الطبري يكون أطول من هذا ، كما سيمر بك. واستجهل فلانًا : عده جاهلا ، أو وجده جاهلا. والجهل هنا : فساد الرأي واضطرابه ، لأنه مبني على التحكم المحض ، كما ترى في رد الطبري.

(1/15)


بل الصواب في ذلك عندنا : أن يسمَّى : عربيًّا أعجميًّا ، أو حبشيًّا عربيًّا ، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين - في بيانها ومنطقها - استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما ، بأولى أن يكون إليها منسوبًا - منه (1) .
فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها ، ووُجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم ، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها ، سبيلُ ما وصفنا - من الدرهم والدينار والدواة والقلم ، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد ، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس - اجتماعٌ واقترانٌ (2) .
وذلك هو معنى من روينا عنه القولَ في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب ، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة ، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الفرس ، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم. لأنّ من نسب شيئًا من ذلك إلى ما نسبه إليه ، لم ينفِ - بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه - أن يكون عربيًّا ، ولا من قال منهم : هو عربيّ ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبةَ إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها. وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي ، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني ، كقول القائل : فلان قائم ، فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد ، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما. فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى. وذلك كقول القائل فلان قائم مكلِّمٌ فلانًا ، فليس في تثبيت القيام له ما دلَّ على نفي كلام آخر ،
__________
(1) قوله " منه " ، متعلق بقوله " بأولى " ، أي " بأولى منه.. "
(2) في المطبوعة " باجتماع وافتراق " . وأراد الطبري بقوله " اجتماع واقتران " أي أن يقال هو : " عربي أعجمي ، أو حبشي عربي " ، كما مر آنفا في كلامه. وسياق عبارته بعد حذف التفسير والاعتراض من كلامه هو هذا : " فسبيل إضافته إلى كل جنس منها ، سبيل ما وصفنا.. اجتماع واقتران " . أي أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين.

(1/16)


لجواز اجتماع ذلك في حالٍ واحدٍ من شخص واحد. فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به.
فكذلك ما قلنا - في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها - غيرُ مستحيل أن يكون عربيًّا بعضها أعجميًّا ، وحبشيًّا بعضها عربيًّا ، إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأمتين. فناسِبُ ما نَسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقٌّ غيرُ مبطل.
فإن ظن ذو غباءٍ أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيلٌ - كما هو مستحيل في أنساب بني آدم - فقد ظنّ جهلا. وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر ، لقول الله تعالى ذكره : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } [سورة الأحزاب : 5]. وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان ، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفًا استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام في أجناس من الأمم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ومعنى واحد ، كان ذلك منسوبًا إلى كل جنس من تلك الأجناس ، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره. كما لو أنّ أرضًا بين سَهل وجبل ، لها هواء السهل وهواء الجبل ، أو بين برٍّ وبحرٍ ، لها هواء البر وهواءُ البحر - لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية (1) . أو بأنها بَرِّية بِحْرية ، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى. ولو أفردَ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى ، كان صادقًا محقًّا.
وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب.
وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك ، هو معنى قول من قال : في القرآن من كل لسان - عندنا بمعنى ، والله أعلم : أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به ، نظيرَ ما وصفنا من القول فيما مضى.
__________
(1) النسبة إلى سهل (بفتح فسكون) : سهلى ، بضم السين ، على غير القياس.

(1/17)


وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهّم على ذي فطرة صحيحة ، مقرّ بكتاب الله ، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله - أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسي لا عربيّ ، وبعضه نبطي لا عربيّ ، وبعضه روميّ لا عربيّ ، وبعضه حبشي لا عربي (1) ، بعد ما أخبر الله تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآنًا عربيًّا. لأن ذلك إنْ كان كذلك ، فليس قولُ القائل : القرآن حبشيٌّ أو فارسيٌّ ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضُه بلسانه دون العرب - بأولى بالتطويل من قول القائل (2) : هو عربي. ولا قولُ القائل : هو عربيٌّ بأولى بالصّحة والصواب من
__________
(1) في المطبوع والمخطوط " وبعضه عربي لا فارسي " مكان " وبعضه رومي لا عربي " ، وهو فاسد المعنى فآثرت أن أثبت ما يقتضيه سياق الكلام. وقد ذكر الروم آنفًا في ص 16 .
(2) في المطبوعة : " بالتطول " وأراد الطبري بقوله " التطويل " نسبة القول إلى التزيد والسعة في الكلام ، حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات سائر الصفات الأخرى. وكلام الطبري يحتاج إلى فضل بيان - من أول قوله : " وذلك أنه غير جائز أن يتوهم.. " إلى قوله : " ولا جائز نسبته إلى كلام العرب " . فأقول :
أراد الطبري أن يقول : إنه لا يستقيم في العقل أن يكون الرجل مؤمنًا بكتاب الله ، عارفًا بمعانيه وحدوده ، مقرًا بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل القرآن " قرآنا عربيا " ، ولم يجعله أعجميا بقوله " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " - ثم يعتقد مع ذلك : أن بعض القرآن فارسي لا عربي ، وبعضه نبطي لا عربي ، وبعضه رومي لا عربي ، وبعضه حبشي لا عربي. فإنه إن فعل ، فقد نفى عن بعض القرآن أنه عربي ، والله يصف القرآن كله بأنه عربي. وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمي ، والله تعالى ينفي عن جميعه أنه أعجمي.
وخبر الله تعالى عن كتابه أنه جعله " قرآنا عربيا " صفة شاملة لا يجوز لأحد أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض. ولو جاز لأحد أن يخصص شمولها من عند نفسه فيقول : " بعض القرآن حبشي لا عربي ، أو فارسي لا عربي.. " ، لجاز أيضًا لقائل أن يقول من عند نفسه : " القرآن حبشي أو فارسي أو رومي ، أو أعجمي " .
وحجة الطبري في ذلك : أن الذي يخصص شمول الصفة من عند نفسه على بعض القرآن بأنه عربي ، ويقول إن بعضه الآخر يوصف بأنه حبشي أو فارسي أو رومي - يدعى أن وصف القرآن بأنه عربي ، محمول على تغليب إحدى الصفات على سائر الصفات الأخرى. ولو جاز ذلك ، لجاز لقائل أن يقول : " القرآن حبشي أو فارسي أو رومي " ، لأنه فعل مثله ، فغلب إحدى الصفات على الصفات الأخرى.
وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال : " القرآن حبشي أو فارسي " ، لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع في الكلام والتزيد في الصفة ، من القائل : " القرآن عربي " ، لأنه اقتصر أيضًا على صفة بعضه ، فتوسع في الكلام وتزيد في الصفة.
وإذا كان ما في القرآن من فارسي ورومي ونبطي وحبشي ، نظير ما فيه من عربي ، فليس قول القائل : " القرآن عربي " ، أولى بالصحة والصواب من قول القائل : " القرآن فارسي أو حبشي " ، فكلاهما أطلق صفة أحد النظيرين على الآخر. وإذا جاز لأحدهما أن يفعل ذلك مصيبًا في قوله ، جاز للآخر مثله مصيبًا في قوله.
وهذا فساد من القول وتناقض ، ومخالف لقوله تعالى : " ولو جعلناه قرآنًا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " ، فهذه شهادة من الله تعالى بأنه لم يجعله أعجميًا ، كشهادته سبحانه بأنه جعله " قرآنًا عربيا " . وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال : " القرآن حبشي أو فارسي " . كما يقال : " القرآن عربي " سواء. فناقض هذا قول الله سبحانه. وهذا قول " غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة ، مقر بكتاب الله ، ممن قرأ القرآن ، وعرف حدود الله " كما قال الطبري رحمه الله.
وإذن فقول القائل من السلف : " في القرآن من كل لسان " ، ليس يعني به أن فيه ما ليس بعربي مما لا يجوز أن ينسب إلى لسان العرب - بل معناه أن فيه ألفاظًا استعملتها العرب ، وهذه الألفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو الروم أو الحبش ، على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى واحد ، لا على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية ، أو رومية غير عربية. فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعانيه وبحدوده ، لا يدخلون الفساد في أقوالهم ، مناقضين شهادة الله لكتابه بأنه عربي غير أعجمي.

(1/18)


قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرنا. إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه ، نظيرَ الذي فيه من لسان العرب.
وإذا كان ذلك كذلك ، فبيِّن إذًا خطأ من زعم أن القائل من السلف : في القرآن من كل لسان ، إنما عنى بقيله ذلك ، أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب.
ويقال لمن أبى ما قلنا - ممن زعم أن الأحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها ، إنما هي كلام أجناس من الأمم سوى العرب ، وقعت إلى العرب فعرَّبته - : ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك ، من الوجه الذي يجب التسليم له ، فقد علمتَ من خالفك في ذلك ، فقال فيه خلاف قولك ؟ وما الفرقُ بينك وبين من عارضك في ذلك فقال : هذه الأحرف ، وما أشبهها من الأحرف غيرها ، أصلها عربي ، غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها - من الوجه الذي يجبُ التسليم له ؟
فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
فإن اعتلَّ في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها ، طولبَ

(1/19)


- مطالبَتنا من تأوَّل عليهم في ذلك تأويله - بالذي قد تقدم بيانه. وقيل له : ما أنكرتَ أن يكون من نسب شيئًا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الأمم سوى العرب ، إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق ، من غير نَفيٍ منه عنه النسبة الأخرى ؟ ثم يقال له : أرأيتَ من قال لأرض سُهْلية جبلية : هي سُهلية ، ولم ينكر أن تكون جبلية ، أو قال : هي جبلية ، ولم يدفعْ أن تكون سُهْلية ، أنافٍ عنها أن تكون لها الصفة الأخرى بقيله ذلك ؟
فإن قال : نعم! كابر عَقْلَه. وإن قال : لا قيل له : فما أنكرت أن يكون قولُ من قال في سجّيل : هي فارسية ، وفي القسطاس : هي رومية - نظيرَ ذلك ؟ وسأل الفرقَ بين ذلك ، فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزِم في الآخر مثله.

(1/20)


القول في اللغة
التي نزل بها القرآن من لغات العرب
قال أبو جعفر :
قد دللنا ، على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه ، (1) على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الأمم ، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغاتها.
فنقول الآن - إذ كان ذلك صحيحًا - في الدّلالة عليه بأيِّ ألسن العرب أنزل : أبألسن جميعها أم بألسن بعضها ؟ إذ كانت العرب ، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم عرب ، فهم مختلفو الألسن بالبيان ، متباينو المنطق والكلام. وإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ذكرُه قد أخبر عبادَه أنه قد جعلَ القرآن عربيًّا وأنه أنزل بلسانٍ عربيّ مبين ، ثم كان ظاهرُه محتملا خصوصًا وعُمومًا - لم يكن لنا السبيلُ إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه ، إلا ببيان مَنْ جعل إليه بيانَ القرآن ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذ كان ذلك كذلك - (2) وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم
7 - بما حدثنا به خلاد بن أسلم ، قال : حدثنا أنس بن عياض ، عن أبي حازم ، عن أبي سلمة ، قال - : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة - : أن رسول
__________
(1) هكذا في المطبوع والمخطوط : " على أن الله جل ثناؤه " ، والأجود أن تكون " بأن الله جل ثناؤه " ، أي : " قد دللنا على صحة القول... بأن الله جل ثناؤه " ، والباء وما بعدها متعقلة بالقول.
(2) جوابُ قوله : " فإذ كان ذلك كذلك " ، يأتي في ص : 48 س 20 وهو قوله : " صح وثبت أن الذي نزل به القرآن

(1/21)


الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآنُ على سبعة أحرف ، فالمِراءُ في القرآن كفرٌ - ثلاث مرات - فما عرْفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردُّوه إلى عالمه (1) .
8 - حدثني عبيد بن أسباط بن محمد ، قال : حدثنا أبي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، عليمٌ حكيم ، غفورٌ رحيم (2) .
9 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثني عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلَه.
10 - حدثنا محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن واصل بن حيّان ، عمَّن ذكره ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطنٌ ، ولكل حرف حَدٌّ ، ولكل حدٍّ مُطَّلَع (3) .
__________
(1) الحديث 7 - رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (رقم 7976 ج2 ص 300 طبعة الحلبي) عن أنس بن عياض. ورواه ابن حبان في صحيحه (رقم : 73 بشرح أحمد محمد شاكر) عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أنس بن عياض. ونقله ابن كثير في التفسير 2 : 102 عن مسند أبي يعلى ، وفي فضائل القرآن : 63 عن مسند أحمد. وهو في مجمع الزوائد 7 : 151 . ونسبه ابن كثير في الفضائل للنسائي. والظاهر أنه يريد كتاب التفسير للنسائي.
(2) الحديث 8 ، 9 - رواه أحمد في المسند (8372 ج2 ص 332 حلبي) عن محمد بن بشر ، و (9676 ج 2 ص 440) عن ابن نمير ، كلاهما عن محمد بن عمرو ، وهو محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 151 جعله رواية أخرى للحديث الأول ، ثم قال : " رواه كله أحمد بإسنادين ، ورجال أحدهما رجال الصحيح. ورواه البزار بنحوه " . وسيأتي حديث آخر لأبي هريرة ، برقم : 45.
(3) الحديث 10 ، 11 - هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين ، أما أحدهما فلانقطاعه بجهالة راويه : " عمن ذكره عن أبي الأحوص " . وأما الآخر فمن أجل " إبراهيم الهجري " راويه عن أبي الأحوص. و " مغيرة " في الإسناد الأول : هو ابن مقسم الضبي ، وهو ثقة. و " واصل بن حيان " هو الأحدب ، وهو ثقة. و " أبو الأحوص " : هو الجشمي ، واسمه : عوف بن مالك بن نضلة ، وهو تابعي ثقة معروف. و " مهران " في الإسناد الثاني : هو ابن أبي عمر العطار الرازي ، وهو ثقة ، ولكن في روايته عن الثوري اضطراب. وشيخه سفيان هنا : هو الثوري الإمام. و " إبراهيم الهجري " هو إبراهيم بن مسلم.
والحديث بهذا اللفظ الذي هنا ، ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم : 2727 ، ونسبه للطبراني في المعجم الكبير ، ورمز له بعلامة الحسن ، ولا ندري إسناده عند الطبراني. وأما أوله ، دون قوله " ولكل حرف حد " إلخ ، فإنه صحيح ثابت ، رواه ابن حبان في صحيحه رقم : 74 . وانظر مجمع الزوائد 7 : 152 ، 153 . وقوله " مطلع " : هو بتشديد الطاء وفتح اللام ، قال في النهاية : " أي لكل حد مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ، والمطلع : مكان الاطلاع من موضع عال " . ثم قال : " ويجوز أن يكون : لكل حد مطلع ، بوزن مصعد ومعناه " . وسيأتي شرح ألفاظ هذا الحديث ص 24 - 25 بولاق ، بعد الحديث 70.

(1/22)


11 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا مهران ، قال : حدثنا سفيان ، عن إبراهيم الهَجَريّ ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
12 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال : حدثنا عاصم ، عن زِرٍّ ، عن عبد الله ، قال : اختلفَ رجلان في سورةٍ ، فقال هذا : أقرَأني النبي صلى الله عليه وسلم. وقال هذا : أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك ، قال فتغير وجههُ ، وعنده رجلٌ فقال : اقرأوا كما عُلِّمتم - فلا أدري أبشيء أمِرَ أم شيء ابتدعه من قِبَل نفسه - فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافُهم على أنبيائهم. قال : فقام كلّ رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه. نحو هذا ومعناه (1)
13 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش - وحدثني أحمد بن منيع ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن الأعمش - عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، قال : قال عبد الله بن مسعود : تمارينا في سورة من القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون أو ست وثلاثون آية. قال : فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدنا عليًّا يُنَاجِيه ،
__________
(1) الحديث 12 - إسناده صحيح. وهو مختصر. ورواه أحمد في المسند مطولا رقم : 3981 عن يحيى بن آدم عن أبي بكر ، وهو ابن عياش ، بهذا الإسناد. ورواه من طرق أخرى مختصرًا أيضًا. ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 223 - 244 بأطول مما هنا ، بإسنادين : من طريق إسرائيل عن عاصم ، ومن طريق أبي عوانة عن عاصم. وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الحافظ في الفتح 9 : 23 ، ونسبه لابن حبان والحاكم.

(1/23)


قال : فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة. قال : فاحمرَّ وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إنما هلكَ من كان قبلكم باختلافهم بينهم. قال : ثم أسرّ إلى عليّ شيئًا ، فقال لنا علي : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرُكم أن تقرأوا كما عُلِّمتم (1) .
14 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن عيسى بن قرطاس ، عن زيد القصار ، عن زيد بن أرقم ، قال : كنا معهُ في المسجد فحدثنا ساعة ثم قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقرأني عبد الله بن مسعود سورة ، أقرأنيها زيدٌ وأقرأنيها أبيّ بن كعب ، فاختلفت قراءتهم ، فبقراءةِ أيِّهم آخُذُ ؟ قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وعليٌّ إلى جنبه ، فقال علي : ليقرأ كل إنسان كما عُلِّم ، كلٌّ حسنٌ جميل (2) .
15 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير : أن المِسْوَر بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه : أنهما سمعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورةَ الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة ، فتصبَّرت حتى سلَّم ، فلما سلّم
__________
(1) الحديث 13 - إسناداه صحيحان أيضًا ، وهو رواية أخرى للحديث قبله. ولم نجده بهذا الإسناد واللفظ في موضع آخر.
(2) الحديث 14 - هذا حديث لا أصل له ، رواه رجل كذاب ، هو " عيسى بن قرطاس " ، قال فيه ابن معين : " ضعيف ليس بشيء ، لا يحل لأحد أن يروى عنه " . وقال ابن حبان : " يروى الموضوعات عن الثقات ، لا يحل الاحتجاج به " . وقد اخترع هذا الكذاب شيخًا له روى عنه ، وسماه " زيد القصار " ! لم نجد لهذا الشيخ ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع. وهذا الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 153 - 154 ، وقال : " رواه الطبراني ، وفيه عيسى بن قرطاس ، وهو متروك " . ومن العجب أن يذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح 9 : 23 ، وينسبه للطبري والطبراني ، ثم يسكت عن بيان علته وضعفه! غفر الله لنا وله.

(1/24)


لبَّبته بردائه فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتُك تقرؤها ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت : كذبت ، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتُك تقرؤها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنيها ، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسله يا عمر ، اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا أنزلتْ. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ يا عمر. فققرأتُ القراءة التي أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فققال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا أنزلتْ. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ما تيسر منها (1) .
16 - حدثني أحمد بن منصور ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثنا حرب بن ثابت من بني سُلَيم ، قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فغيَّر عليه ، فقال : لقد قرأتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يغيِّر عليَّ. قال : فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى! قال : فوقع في صدر عمرَ شيء ، فعرف
__________
(1) الحديث 15 - رواه أحمد في المسند رقم : 296 عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، وهو ابن شهاب ، بهذا الإسناد نحوه. ورواه أيضًا رقم : 297 عن الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري ، به. ورواه بأسانيد أخر ، مطولا ومختصرًا : 158 ، 277 ، 278 ، 2375. ورواه البخاري 9 : 21 - 23 من فتح الباري ، مطولا بنحو مما هنا ، من طريق الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن : 72 عن رواية البخاري ، ثم ذكر أنه رواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ، من طرق عن الزهري. وفي تيسير الوصول 1 : 190 " أخرجه الستة " ، وفيه مكان " وتصبرت " ، و " تربصت به " وقوله : " كدت أساوره " أي كدت أواثبه وأبطش به. وقوله " فتصبرت حتى سلم " . موافق لرواية البخاري ، وفي المسند : " فنظرت حتى سلم " أي انتظرت.

(1/25)


النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في وجهه ، قال : فضربَ صدره وقال : ابعَدْ شيطانًا - قالها ثلاثًا - ثم قال : يا عمرُ ، إن القرآن كلَّه صواب ، ما لم تجعلْ رحمةً عذابًا أو عذابا رحمةً (1) .
17 - حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي ، قال : حدثنا عبد الله بن ميمون ، قال : حدثنا عبيد الله (2) - يعني ابن عمر - عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ القرآن ، فسمع آية على غير ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى به عمرُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن هذا قرأ آية كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شافٍ كافٍ (3) .
__________
(1) الحديث 16 - رواه أحمد في المسند (16437 ج 4 ص 30 طبعة الحلبي) عن عبد الصمد ، وهو ابن عبد الوارث ، بهذا الإسناد ، نحوه. ونقله الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن : 73 ، وقال : " وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت ، لا نعرف أحدًا جرحه " . ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 150 - 151 ، وقال : " رواه أحمد ، ورجاله ثقات " . وذكره الحافظ في الفتح 9 : 22 - 23 ، ونسبه للطبري فقط ، فقصر إذ لم ينسبه للمسند.
وإسناده يحتاج إلى بحث :
فأولا - " حرب بن ثابت " : ثبت في نسخ الطبري هنا " حرب بن أبي ثابت " ، وهو خطأ صرف من الناسخين. صوابه " حرب بن ثابت " ، وهو " المنقري " ، ترجمه البخاري في التاريخ الكبير : 2\ 1\ 58 ، قال : " حرب بن أبي حرب أبو ثابت ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ، قاله عبد الصمد. وقال موسى : حدثنا حرب بن ثابت المنقري. يعد في البصريين " .
وترجمه ابن حبان في الثقات 443 - 444 ، قال : " حرب بن ثابت المنقري ، من أهل البصرة ، يروي عن الحسن ومروان الأصفر ، روى عنه عبد الصمد ، كأنه : حرب بن أبي حرب الذي ذكرناه " . وقد ذكر قبله ترجمة " حرب بن أبي حرب ، يروي عن شريح ، روى عنه حصين أبو حبيب " .
والحافظ ابن حجر حين ترجم لحرب بن ثابت ، أشار إلى كلام ابن حبان هذا ، وعقب عليه بأنه " واحد ، جعله اثنين ، ثم شك فيه " !! ولم ينصفه في هذا ، فإنهما اثنان يقينًا ، فصل بينهما البخاري في الكبير ، فجعل الذي يروى عن شريح برقم : 226 ، غير الذي نقلنا كلامه عنه برقم : 227 .
وأما الذي جعل الراوي راويين فإنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\ 1\ 252 ذكر ثلاث تراجم ، بالأرقام : 1121 ، 1123 ، 1125 ، فالأخير هو الذي روى عن شريح ، والأولان هما شخص واحد ، وهم فيه ابن أبي حاتم.
وقد نسب " حرب بن ثابت " هذا في التعجيل : 91 - 92 بأنه " البكري " ، وكذلك في الإكمال للحسيني : 23 . وأنا أرجح أن هذا خطأ من الناسخين ، أصله " البصري " ، فإن نسبته فيما أشرنا إليه من تراجمه " المنقري " ، وهو من أهل البصرة ، فعن ذلك رجحت أن صوابه " البصري " .
وثانيًا - " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة " : هكذا رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن حرب بن ثابت المنقري. ولكن بعض العلماء شك في صحة هذا ، فقال البخاري في الكبير في ترجمة حرب : " وقال مسلم : حدثنا حرب بن ثابت سمع إسحاق بن عبد الله " فهذه رواية البخاري عن شيخه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي عن حرب بن ثابت " أنه سمع إسحاق بن عبد الله " . وهي تؤكد صحة ما رواه عبد الصمد. ولكن قال البخاري عقب ذلك : " حدثني إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا عبد الصمد قال : حدثنا حرب أبو ثابت قال : حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. ويقال : إسحاق هذا ليس بابن أبي طلحة ، وهم فيه عبد الصمد من حفظه ، وأصله صحيح " ، فهذه إشارة إلى هذا الحديث..
ولكنه قال في التاريخ الكبير 1\ 1\ 382 في ترجمة " إسحاق الأنصاري " : " إسحاق الأنصاري. حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حرب بن ثابت المنقري قال : حدثني إسحاق الأنصاري عن أبيه عن جده ، وكانت له صحبة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القرآن كله صواب : وقال عبد الصمد : حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله. وقال بعضهم : لقن عبد الصمد ، فقالوا : ابن عبد الله بن أبي طلحة ، ولم يكن في كتابه : ابن عبد الله " .
فهذه إشارة أخرى من البخاري لهذا الحديث أيضًا ، كعادته في تاريخه ، في الإشارة إلى الأحاديث التي يريد أن يرشد إلى مواطن البحث فيها.
وقد أشار البخاري في الموضعين إلى قول من شك في أن " إسحاق الأنصاري " راوي هذا الحديث غير " إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري " الثقة المعروف بروايته عن أبيه " عبد الله " عن جده " أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الصحابي الكبير " أحد النقباء ، الذي شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأتى بقوله هذا مجهلا إياه ممرضًا ، بقوله مرة : " ويقال " ، ومرة : " وقال بعضهم " . ثم عقب على هذا التمريض في المرة الأولى بقوله : " وأصله صحيح " ، يعني أصل الحديث. فهو تصريح منه بصحة الحديث ، وبرفض قول هذا القائل الذي شك فيه.
وقد وافقه على ذلك زميله وصنوه أبو حاتم الرازي ، فقال ابنه في الجرح والتعديل ، في ترجمة " إسحاق الأنصاري " 1\ 1\ 239 - 240 : " سمعت أبي يقول : يرون أنه : إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري " .
وسبقهما إلى ذلك شيخهما إمام المحدثين ، الإمام أحمد بن حنبل ، فأثبت هذا الحديث في مسند " أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري " دون شك أو تردد. فصح الحديث ، والحمد لله.
(2) هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وليس هو ابن عمر بن الخطاب.
(3) الحديث 17 - إسناده ضعيف جدا ، من أجل " عبد الله بن ميمون " . أما " عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي " شيخ الطبري ، فالظاهر أنه ثقة ، ولكني لم أجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم : 2\ 2\ 335 ، قال : " نزيل بيت المقدس ، روى عن سفيان بن عيينة ، سمع منه أبي ببيت المقدس " . ولم يذكر فيه جرحًا. وأما علة الحديث فهو " عبد الله بن ميمون بن داود القداح " ، وهو ضعيف جدًا ، قال البخاري : " ذاهب الحديث " ، وقال أبو حاتم والترمذي : " منكر الحديث " ، وقال أبو حاتم : " يروي عن الأثبات الملزقات ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد " ، وقال الحاكم : " روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث موضوعة " . وأما شيخه " عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب " ، فإنه إمام ثقة معروف ، وهو أحد الفقهاء السبعة.
ومعنى الحديث في ذاته صحيح ، كأنه مختصر من معنى حديث عمر بن الخطاب ، الذي مضى برقم : 15 . ولكن هذا القداح ألزقه بعبيد الله بن عمر ، وجعله من حديث نافع عن ابن عمر. ولا أصل لهذا ، ولم نجده قط من حديث ابن عمر.
ولم يحسن الحافظ ابن حجر ، إذ أشار إلى هذا الحديث في الفتح 9 : 23 ، ونسبه للطبري ، دون أن يذكر ضعف إسناده.

(1/26)


18 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن علي بن أبي علي ، عن زبيد ، عن علقمة النخعي ، قال : لما خرج عبد الله بن مسعود من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودّعهم ، ثم قال : لا تنازَعُوا في القرآن ، فإنه لا يختلفُ ولا يتلاشى ، ولا يتغير لكثرة الرد. وإن شريعة الإسلام وحدودَه وفرائضه فيه واحدة ، ولو كان شيء من الحرفين ينهَى عن شيء يأمر به الآخر ، كان ذلك الاختلافَ. ولكنه جامعٌ ذلك كله ، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ، ولا شيء من شرائع الإسلام. ولقد رأيتُنا نتنازع فيه عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأمرنا فنقرأ عليه ، فيخبرنا أن كلَّنا محسنٌ. ولو أعلمُ أحدًا أعلم بما أنزل الله على رسوله منى لطلبته ، حتى أزدادَ علمَه إلى علمي. ولقد قرأتُ من لسانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة ، وقد كنت علمت أنه يُعْرَض عليه القرآنُ في كل رمضان ، حتى كانَ عامُ قُبض ، فعرض عليه مرّتين ، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني محسنٌ. فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنَّها رغبة عنها ، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يَدعنَّه رغبة عنه ، فإنه من جحد بآية جحد به كله (1) .
__________
(1) الحديث 18 - إسناده ضعيف جدًا ، غاية في الضعف. لعلتين :
أولاهما : " علي بن أبي علي " ، وهو " اللهبي " ، من ولد أبي لهب. قال البخاري في التاريخ الصغير : 196 ، وفي الضعفاء : 25 : " منكر الحديث ، لم يرضه أحمد " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل : 3\ 1\ 197 : " سألت أبي عن علي بن أبي علي اللهبي ؟ فقال : منكر الحديث ، تركوه " . وقال : " سئل أبو زرعة عن علي بن أبي علي الهاشمي ؟ فقال : هو من ولد أبي لهب ، وهو مديني ضعيف الحديث ، منكر الحديث " . وقال ابن حبان في الضعفاء : 315 " يروي عن الثقات الموضوعات ، وعن الأثبات المقلوبات ، لا يجوز الاحتجاج به " .
وثانيتهما : أن " زبيد بن الحرث اليامي " لم يدرك علقمة ولم يرو عنه ، إنما يروي عن الطبقة الراوية عن علقمة ، فروايته عنه هنا منقطعة ، إن صح الإسناد إليه فيها ، ولم يصح قط.
وقد جاء نحو هذا الحديث عن ابن مسعود ، من وجه آخر ضعيف أيضًا : فرواه أحمد في المسند رقم : 3845 مطولا ، من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن عابس ، قال : " حدثنا رجل من همدان ، من أصحاب عبد الله ، وما سماه لنا " إلخ. وهذا مجهول الراوي عن ابن مسعود ، فلا يكون صحيحًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا 7 : 153 ، وقال : " رواه الإمام أحمد في حديث طويل ، والطبراني ، وفيه من لم يسم ، وبقية رجاله رجال الصحيح " .
قال أخي السيد محمود محمد شاكر : ولفظ المسند : " إن هذا القرآن لا يختلف ، ولا يستشن ، ولا يتفه لكثرة الرد " . و " استشن " : بلى وصار خلقًا كالشن البالي ، وهو القربة البالية. وقوله " لا يتفه " : لا يصير تافهًا ، التافه : الحقير. وكل كلام رددت قراءته نفدت معانيه وضعف أثره إلا القرآن. وأما قوله في رواية الطبري هنا " ولا يتلاشى " ، فقد قال أهل اللغة إنه مولد من " لا شيء " ، كأنه اضمحل حتى صار إلى لا شيء. ومجيئه في هذا الحبر غريب.
أقول : وإذ تبين أن راويه " علي بن أبي علي اللهبي " ممن يصطنع الأحاديث ويروي عن الثقات الموضوعات ، كما قال ابن حبان ، فلا يبعد أن يقول هذه الكلمة المولدة من عند نفسه. وهو متأخر أدرك عصر التوليد ، فقد أرخه البخاري في باب من مات بين سنتي 170 - 180 .

(1/28)


19 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وَهب ، قال : أخبرني يونس - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا رِشْدينُ بن سعد ، عن عُقيل بن خالد - جميعًا عن ابن شهاب ، قال : حدثني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريلُ على حرف ، فراجعته ، فلم أزَل أستزيده فيزيدني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف. قال ابن شهاب : بلغني أن تلك السبعة الأحرف ، إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا ، لا يختلفُ في حلال ولا حرام (1) .
__________
(1) الحديث 19 - هو بإسنادين : أحدهما صحيح ، والآخر ضعيف :
الإسناد الأول : عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس ، وهو ابن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري. وهو إسناد صحيح جدًا.
والثاني : عن أبي كريب عن رشدين ، وهو ابن سعد ، عن عقيل بن خالد عن الزهري. وهو إسناد ضعيف ، لضعف رشدين بن سعد ، وكان رجلا صالحًا فيه غفلة ، وكثر خطؤه فغلبت المناكير في أخباره. ولكنه في هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عقيل بن خالد ، كما سيأتي.
و " رشدين " : بكسر الراء والدال المهملتين بينهما شين معجمة ساكنة. و " عقيل " بضم العين المهملة.
والحديث رواه مسلم 1 : 225 عن حرملة عن ابن وهب عن يونس ، مثل الإسناد الأول هنا. ورواه البخاري 6 : 222 فتح الباري ، من طريق سليمان بن بلال عن يونس أيضًا.
ورواه البخاري 9 : 20 - 21 ، عن سعيد بن عفير عن الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري.
وسيأتي أيضًا بإسناد صحيح ، برقم : 22 ، من رواية نافع بن يزيد عن عقيل بن خالد عن الزهري.
وهذان الإسنادان يؤيدان الإسناد الثاني هنا ، أعني رواية رشدين بن سعد عن عقيل. ولذلك قلت إن رشدين - على ضعفه - لم ينفرد بروايته عن عقيل.
وقول ابن شهاب الزهري : " بلغني أن تلك الأحرف السبعة " إلخ : لم يذكره البخاري ، وذكره مسلم في روايته. وهو مرسل غير متصل ، فهو ضعيف الإسناد. ولذلك أعرض البخاري عن ذكره.
ثم إن الحديث رواه أيضًا أحمد ، بنحوه ، في المسند رقم : 2860 عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. ورواه مسلم 1 : 225 ، عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق ، ولكنه لم يسق لفظه بل أحاله على رواية يونس عن الزهري.
ورواه أحمد أيضًا مختصرًا رقم : 2375 ، 2717 ، من رواية ابن أخي الزهري عن عمه.
ونقله ابن كثير في فضائل القرآن : 53 عن إحدى روايتي البخاري ، ثم أشار إلى روايته الأخرى وروايتي مسلم ورواية الطبري هذه.

(1/29)


20 - حدثني محمد بن عبد الله بن أبي مخلد الواسطي ، ويونس بن عبد الأعلى الصدفيّ ، قالا حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله ، أخبره أبوه : أن أم أيوب أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، أيَّها قرأتَ أصبْتَ (1) .
21 - حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي ، قال : أنبأنا شَريك ، عن أبي إسحاق ، عن سليمان بن صُرَد ، يرفعه ، قال : أتاني ملَكان ، فقال أحدهما : اقرأ. قال : على كم ؟ قال : على حرف ، قال : زِدْهُ. حتى انتهى به إلى سبعة أحرف (2)
__________
(1) الحديث 20 - رواه أحمد في المسند (6 : 433 ، 462 - 463 من طبعة الحلبي) ، عن سفيان بن عيينة ، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن : 64 عن المسند ، وقال : " وهذا إسناد صحيح ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة " . ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 154 ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله ثقات " . فقصر إذ لم ينسبه للمسند أولا. ولفظ المسند " أيها قرأت أجزأك " . ولفظ الطبراني موافق للفظ الطبري هنا.
و " عبيد الله " ، في الإسناد : هو عبيد الله بن أبي يزيد المكي ، وهو ثقة معروف. وأبوه " أبو يزيد المكي " : ذكره ابن حبان في الثقات.
وسيأتي الحديث مكررًا ، برقمي : 23 ، 24 .
(2) الحديث 21 - الحديث في ذاته صحيح ، لأن معناه سيأتي مرارًا ، ضمن أحاديث لأبي بن كعب ، وقد كررها الطبري بأسانيد متعددة ، بالأرقام الآتية : 25 - 39 . وسيأتي بحثها في مواضعها إن شاء الله.
وأما هذا الإسناد بعينه ، فهكذا ورد في الطبري ، من حديث سليمان بن صرد. ونقل الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 153 نحوه ، من حديث سليمان بن صرد ، وقال : " رواه الطبراني ، وفيه جعفر ، ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات " . وليس إسناد الطبراني بين أيدينا حتى نستطيع القول فيه. ولعل اسم " جعفر " - الذي لم يعرفه الهيثمي في إسناده - محرف عن شيء آخر.
ونقل ابن كثير في الفضائل : 61 هذا الحديث عن هذا الموضع من الطبري ، ثم قال : " ورواه النسائي في اليوم والليلة : عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق عن العوام بن حوشب عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد ، قال : أتى أبي بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين اختلفا في القراءة ، فذكر الحديث. وهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن العوام عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن أبي : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجلين ، فذكره " .
وهذان الإسنادان اللذان ذكرهما ابن كثير صحيحان ، يدلان على أن سليمان بن صَرد إنما سمع هذا الحديث من أبي بن كعب.
وليس الخطأ الذي وقع في إسناد الطبري هنا ، بحذف " أبي بن كعب " - خطأ شريك بن عبد الله النخعي راويه عن أبي إسحاق السبيعي. إنما الخطأ - فيما أرجح - إما من إسماعيل بن موسى السدي شيخ الطبري ، وإما من الطبري نفسه. فإن الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل ، في مسند أبيه (5 : 125 طبعة الحلبي) عن محمد بن جعفر الوركاني عن أبي إسحاق عن سليمان عن أبي بن كعب - مختصرًا كما هنا. وسيأتي الحديث مطولا ، من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب رقم : 25 .

(1/30)


22 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : حدثنا نافع بن يزيد ، قال : حدثني عُقَيْل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريل القرآنَ على حرف ، فاستزدته فزادني ، ثم استزدته فزادني ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف (1) .
23 - حدثني الربيع بن سليمان ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، أنه سمع أم أيوب تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوَه - يعني نحو حديث ابن أبي مخلد (2) .
__________
(1) الحديث 22 - هذا إسناد صحيح. قد مضى برقم : 19 ، بإسنادين آخرين ، وبينا تخريجه هناك.
و " ابن البرقي " ، شيخ الطبري : هو " أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم " المصري الحافظ ، توفي سنة 270 . وله ترجمة في تذكرة الحفاظ 2 : 135.
و " ابن أبي مريم " : هو " سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم " المصري ، عرف بابن أبي مريم. مترجم في التهذيب.
(2) الحديث 23 - هذا إسناد صحيح. فالربيع بن سليمان : هو المرادي المؤذن ، صاحب الشافعي وراوية كتبه. وأسد بن موسى المرواني الأموي المصري : يقال له " أسد السنة " ، ثقة من الثقات ، قال البخاري في التاريخ الكبير : 1\ 2\ 50 : " مشهور الحديث " . والحديث مكرر رقم : 20 ، كما أشار إلى ذلك الطبري بالإحالة عليه. وسيأتي عقب هذا بإسناد آخر.

(1/31)


24 - حدثنا الربيع ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا أبو الربيع السمان ، قال : حدثني عُبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن أم أيوب ، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : نزل القرآن على سبعة أحرف ، فما قرأتَ أصبتَ (1) .
25 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثني يحيى بن آدم ، قال : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن فلان العَبْدي - قال أبو جعفر : ذَهب عنى اسمه - ، عن سليمان بن صُرَد ، عن أبيّ بن كعب ، قال : رحت إلى المسجد ، فسمعت رجلا يقرأ ، فقلت : من أقرأك ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : استقرئْ هذا. قال : فقرأ ، فقال : أحسنت. قال فقلت : إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال : وأنتَ قد أحسنتَ. قال : فقلت : قد أحسنتَ! قد أحسنتَ! قال : فضرب بيده على صدري ، ثم قال : اللهم أذهِبْ عن أبيٍّ الشكّ. قال : ففِضْتُ عرَقًا ، وامتلأ جوْفي فرَقًا - ثم قال : إن الملَكين أتياني ، فقال أحدهما اقرأ القرآن على حرف. وقال الآخر : زده. قال : فقلت : زدْني. قال : اقرأه على حرفين. حتى بلغَ سبعةَ أحرف ، فقال : اقرأ على سبعة أحرف (2) .
__________
(1) الحديث 24 - وأما هذا فإسناد ضعيف جدا ، فأبو الربيع السمان ، واسمه : أشعث بن سعيد البصري ، ضعيف جدا ، كان شعبة يرميه بالكذب. والحديث مضى بإسنادين صحيحين ، رقم : 20 ، 23 .
(2) الحديث 25 - مضى بعض معناه مختصرًا ، وأشرنا إلى هذا ، في الحديث رقم : 21 ، وأن سليمان بن صرد ، راويه هناك ، إنما رواه عن أبي بن كعب.
وهذا الإسناد نسي فيه أبو جعفر الطبري اسم " فلان العبدي " ، كما قال هو هنا.
وقد نقله ابن كثير في الفضائل : 61 عن هذا الموضع من تفسير الطبري ، ثم أشار إلى بعض رواياته الأخر التي سمى فيها " فلان العبدي " هذا باسمه ، وأراد أن يجمع بين هذه الروايات والرواية الماضية رقم : 21 ، التي فيها أن الحديث من رواية سليمان بن صرد دون ذكر أبي بن كعب ، فقال : " فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب ، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك " .
والصحيح ما ذهبنا إليه هناك ، من أنه من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب.
وهذا الحديث المطول - الذي هنا - رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه 5 : 124 من طبعة الحلبي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سقير العبدي عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ، بنحوه بمعناه.
فعرفنا من رواية عبد الله بن أحمد أن اسم هذا الراوي " العبدي " : " سقير " . وهو بضم السين المهملة وفتح القاف ، كما ضبطه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري في كتاب المؤتلف : 65 ، وكذلك أثبته الذهبي في المشتبه : 266. وفي اسمه خلاف قديم ، ولكن هذا هو الراجح الصحيح.
فقد ترجمه البخاري في التاريخ الكبير 2\ 2\ 331 في حرف الصاد ، باسم " صقير " ، وإن وقع فيه خطأ من النساخ ، فرسم " صعير " بالعين بدل القاف. وقد حقق مصححه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني ذلك بالهامش ، ونقل أن الأمير ابن ماكولا ضبطه " سقير " أيضًا.
وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\ 1\ 318 في حرف السين ، باسم " سقير العبدي " ، ثم أعاده في حرف الصاد 2\ 1\ 452 باسم " صقر العبدي ، ويقال : صقير العبدي " ، فجاء بقول ثالث.
وترجمه الحسيني في الإكمال : 45 ، فقال : " سقير العبدي ، عن سليمان بن صرد الخزاعي ، وعنه أبو إسحاق السبيعي : ليس بالمشهور " . وتعقبه الحافظ في التعجيل : 157 ، فقال : " لم يصب في ذلك ، فقد ذكروه في حرف الصاد المهملة ، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه قدحًا ، وذكره ابن حبان في الثقات " ، وهو في الثقات : 226 ، باسم " صقير العبدي " .
فإذ تبين أن " العبدي " هذا تابعي ثقة ، بتوثيق البخاري أن لم يجرحه ، وبذكر ابن حبان إياه في الثقات - كان هذا الإسناد صحيحًا.
ثم إن سقيرًا العبدي لم ينفرد بروايته عن سليمان بن صرد. فقد رواه عنه تابعي آخر ، ثقة معروف ، من مشهوري التابعين ، وهو يحيى بن يعمر.
فرواه أحمد في المسند 5 : 124 عن عبد الرحمن بن مهدي ، وعن بهز ، ورواه ابنه عبد الله بن أحمد عن هدبة بن خالد القيسي ، ورواه أبو داود في السنن رقم : 1477 ج 2 ص 102 عن أبي الوليد الطيالسي - : كلهم عن همام بن يحيى عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب ، بنحوه مختصرًا. وهذه أسانيد صحاح على شرط الشيخين.
وسيأتي عقب هذا بأسانيد كثيرة ، من أوجه مختلفة ، عن أبي بن كعب بالأرقام 26 - 39 ، 46 .

(1/32)


26 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي - وحدّثنا أبو كرَيب ، قال : حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني - جميعًا عن حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه ، قال : ما حاك في صدري شيءٌ منذ أسلمتُ ، إلا أني قرأتُ آيةً ، فقرأها رجل غيرَ قراءتي ، فقلت : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الرجل : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فقلت : أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى. قال الرجل : ألم تُقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى ، إن جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياني ، فقعد جبريل عن يميني ، وميكائيل عن يساري ، فقال جبريل : اقرإ القرآن على حرف واحد. وقال ميكائيل : استزدْه ، قال جبريل : اقرإ القرآن على حرفين. فقال ميكائيل :

(1/33)


استزده. حتى بلغ ستةً أو سبعةً - الشك من أبي كريب - وقال ابن بشار في حديثه : حتى بلغ سبعةَ أحرف - ولم يَشكّ فيه - وكلٌّ شافٍ كافٍ. ولفظ الحديث لأبي كريب (1) .
27 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن أبيّ بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال في حديثه : حتى بلغ ستة أحرف ، قال : اقرأه على سبعة أحرف ، كلٌّ شافٍ كافٍ (2) .
28 - حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا حماد
__________
(1) الحديث 26 - هذا بإسنادين : " محمد بن بشار عن ابن أبي عدي " ، و " أبو كريب عن محمد بن ميمون الزعفراني " ، كلاهما عن حميد الطويل. فالإسناد الأول صحيح على شرط الشيخين دون خلاف. والإسناد الثاني فيه " محمد بن ميمون الزعفراني " ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما ، وضعفه البخاري والنسائي وغيرهما.
والحديث صحيح بكل حال ، إذ لم ينفرد بروايته هذان :
فقد رواه أحمد في المسند 5 : 114 ، 122 طبعة الحلبي ، مختصرًا قليلا ، عن يحيى بن سعيد ، وهو القطان عن حميد الطويل ، بهذا الإسناد. ثم رواه ابنه عبد الله بن أحمد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن بشر بن المفضل ، وعن سويد بن سعيد عن المعتمر بن سليمان ، كلاهما عن حميد الطويل ، بمعناه.
ورواه أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام - فيما نقل عنه ابن كثير في الفضائل : 54 عن يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد ، كلاهما عن حميد ، بهذا الإسناد مطولا.
وسيأتي عقب هذا ، رقم : 27 ، من رواية يحيى بن أيوب عن حميد.
وقال ابن كثير ، بعد نقله رواية أبي عبيد : " وقد رواه النسائي من حديث يزيد ، وهو ابن هارون ، ويحيى بن سعيد القطان ، كلاهما عن حميد الطويل عن أنس عن أبي بن كعب ، بنحوه. وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمد بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب ، كلهم عن حميد ، به " وهذا إشارة منه إلى أسانيد الطبري الثلاثة هنا. وهي كلها أسانيد صحاح.
(2) الحديث 27 - هو مكرر الحديث قبله. وقد أشرنا إليه في تخريجه.

(1/34)


بن سلمة ، عن حُميد ، عن أنس بن مالك ، عن عُبادة بن الصّامت ، عن أبيّ بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف (1) .
29 - حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسين بن علي ، وأبو أسامة ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زِرّ ، عن أبيّ ، قال : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المِرَاءِ فقال : إني بُعثتُ إلى أمة أمِّيِّين ، منهم الغلامُ والخادمُ والشيخ العاسِي والعجوز ، فقال جبريل : فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف (2) . ولفظ الحديث لأبي أسامة.
__________
(1) الحديث 28 - وهذا إسناد صحيح أيضًا ، إلا أن حماد بن سلمة زاد " عبادة بن الصامت " بين أنس وأبي بن كعب. وسنبين ذلك ، إن شاء الله.
ومحمد بن مرزوق ، شيخ الطبري : هو محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي ، نسب إلى جده. وهو ثقة ، روى عنه مسلم في صحيحه والترمذي وابن ماجة وغيرهم. وشيخه أبو الوليد : هو الطيالسي ، واسمه : هشام بن عبد الملك ، إمام حافظ حجة.
والحديث رواه أحمد في المسند 5 : 114 طبعة الحلبي ، هكذا مختصرًا ، عن عفان عن حماد بن سلمة ، بهذا الإسناد. ثم رواه بالإسناد نفسه مطولا ، بنحو الرواية الماضية ، في 26 ، 27 ، ثم رواه عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس : " أن أبيا قال " - فأشار إلى تلك الرواية ، ثم قال : " ولم يذكر فيه عبادة " .
فالظاهر - عندي - أن حماد بن سلمة هو الذي انفرد بزيادة " عبادة " في الإسناد. ولعل هذا سهو منه ، فقد رواه الرواة الذين ذكرنا من قبل ، دون هذه الزيادة ، وهم أكثر منه عددًا وأحفظ وأشد إتقانًا.
وأيا ما كان فالحديث صحيح ، سواء أسمعه أنس من أبي بن كعب مباشرة ، أم سمعه من عبادة بن الصامت عن أبي.
(2) الحديث 29 - وهذا إسناد صحيح أيضًا. حسين بن علي : هو الجعفي. أبو أسامة : هو حماد بن أسامة. زائدة : هو ابن قدامة. عاصم : هو ابن بهدلة ، وهو ابن أبي النجود. زر : هو ابن حبيش.
والحديث رواه أحمد في المسند 5 : 132 عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة ، وعن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زائدة أيضًا. ونقله ابن كثير في الفضائل : 59 عن الرواية الأولى من المسند.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم : 543 عن حماد بن سلمة. ورواه الترمذي 4 : 61 من طريق شيبان ، وهو ابن عبد الرحمن النحوي ، كلاهما عن عاصم ، بهذا الإسناد ، نحوه. قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح. وقد روى عن أبي بن كعب من غير وجه " .
" أحجار المراء " ، بكسر الميم وتخفيف الراء وبالمد : موضع بقباء ، خارج المدينة ، وقال مجاهد : " هي قباء " ، كما في النهاية لابن الأثير 1 : 203 ، 4 : 91 ، والقاموس وشرحه 3 : 127 ، ووفاء الوفا للسمهودي 2 : 244. ولم نجد في ذلك خلافًا ، إلا ما ذهب إليه أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم : 117 ، إذ زعم أنه " موضع بمكة ، على لفظ جمع " حجر " كانت قريش تتمارى عندها ، وهي صفي السباب " ، ثم ذكر هذا الحديث شاهدًا ؛ وأنا أرجح أنه وهم منه ، انتقل ذهنه بمناسبة تقارب معنيي اللفظين إلى الظن باتحاد المكانين. فإن " صفي السباب " " موضع بمكة كانت قريش تتمارى عندها " كما قال أبو عبيد نفسه في مادة " صفي " : 838 ، فانتقل ذهنه فقال عقب ذلك : " وهو الموضع المعروف بأحجار المراء " !! و " المراء " : من المماراة ، و " الصفي " ، بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء : جمع " صفا " ، و " الصفا " : جمع " صفاة " ، وهي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئًا.
ومما يؤيد اليقين بما أخطأ فيه أبو عبيد : أن في بعض روايات هذا الحديث الآتية : " عند أضاة بني غفار " ، وهي موضع بالمدينة يقينًا. وقد بين أبو عبيدة نفسه ذلك في : 164 ، وذكر الحديث بالرواية الآتية أيضًا شاهدًا عليه.
وقوله " والشيخ العاسي " ، في مطبوعة الطبري " والشيخ الفاني " ، وفي المخطوطة " العاشي " ، وفي المسند " العاصي " . وكلها بمعنى. و " عسا الشيخ " : إذا كبر وأسن وضعف بصره ويبس جلده وصلب. ومثله " عصا " . وقال الأزهري : عصا : إذا صلب ، كأنه أراد " عسا " بالسين ، فقلبها صادًا " . (اللسان : عصا).

(1/35)


30 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا ابن نُمير ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد - وحدثنا عبد الحميد بن بيان القَنَّاد ، قال : حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن إسماعيل - عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي لَيْلى ، عن جده ، عن أبيّ بن كعب ، قال : كنت في المسجد ، فدخل رجلٌ يصلي ، فقرأ قراءة أنكرتُها عليه ، ثم دخل رجلٌ آخر ، فقرأ قراءةً غيرَ قراءة صاحبه ، فدخلنا جميعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقلت : يا رسول الله ، إن هذا قرأ قراءةً أنكرتُها عليه ، ثم دخل هذا فقرأ قراءةً غيرَ قراءة صاحبه. فأمرهُما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ ، فحسَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنَهُما ، فوقع في نفسي من التكذيب ، ولا إذْ كنت في الجاهلية! فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غَشيني ، ضربَ في صدري ، فَفِضت عرَقًا ، كأنما أنظر إلى الله فَرَقًا. فقال لي : يا أبيّ ، أرْسِلَ إليّ أن اقرإ القرآنَ على حرف ،

(1/36)


فرددت عليه : أنْ هَوِّن على أمتي ، فردّ عليّ في الثانية : أن اقرإ القرآن على حرف. فرددت عليه أن هونَ على أمتي ، فردّ عليّ في الثالثة ، أن اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة رَدَدتُكَها مَسألة تسألُنيها فقلت : اللهم اغفر لأمتي ، اللهم اغفر لأمتي ، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم. إلا أن ابن بيانَ قال في حديثه : فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : قد أصبتم وأحسنتم. وقال أيضًا : فارفضَضت عرقًا (1) .
31 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا محمد بن فُضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، وقال : قال لي : أعيذُك بالله من الشك والتكذيب. وقال أيضًا : إن الله أمرني أقرأ القرآن على حرفٍ ، فقلت : اللهمَّ ربّ خفف عن أمتي. قال : اقرأه على حرفين. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرفٍ ، من سبعة أبوابٍ من الجنة ، كلها شافٍ كافٍ (2) .
32 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى - [و] عن ابن أبي ليلى عن الحكم - عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ قال : دخلتُ المسجدَ فصليتُ ، فقرأتُ النحل ،
__________
(1) الحديث 30 - إسناداه صحيحان. وعبد الحميد بن بيان القناد ، شيخ الطبري في الإسناد الثاني : ثقة من شيوخ مسلم ، ويقال له أيضًا " السكري " . و " القناد " : نسبة إلى " القند " بفتح القاف وسكون النون ، وهو السكر المصنوع من عسل القصب.
والحديث رواه مسلم 1 : 225 عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن إسماعيل بن أبي خالد ، بهذا الإسناد ، نحوه. ثم رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن إسماعيل.
ورواه أحمد في المسند 5 : 127 طبعة الحلبي عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل. ورواه ابنه عبد الله في المسند أيضًا 5 : 128 - 129 ، عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله ، وهو الطحان ، عن إسماعيل. ونقله ابن كثير في الفضائل : 55 عن رواية أحمد. ارفضاض العرق : تتابع سيلانه.
(2) الحديث 31 - إسناده صحيح أيضًا. وهو مكرر الحديث قبله.
ونقله ابن كثير في الفضائل : 55 عن الطبري في هذا الموضع ، واقتصر فيه على آخره ، من أول قوله " إن الله أمرني " . ولكن وقع فيه خطأ في الإسناد " عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن جده " ! فزيادة " عن أبيه " خطأ ناسخ أو طابع ، ليست في الطبري ، ولا موضع لها ، لأن عيسى روى هذا الحديث عن جده مباشرة ، كما في الإسناد الماضي.
وقوله " أمرني أقرأ القرآن " : هو على تقدير " أن " ، وهي ثابتة في المطبوعة وابن كثير ، ومحذوفة في المخطوطة.

(1/37)


ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي ، ثم جاء رجل آخر فقرأ خِلافَ قراءتِنا ، فدخل نفسي من الشكّ والتكذيب أشدُّ مما كنتُ في الجاهلية ، فأخذتُ بأيديهما فأتيتُ بهما النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، استقرئ هذين. فقرأ أحدُهما ، فقال : أصبتَ. ثم استقرأ الآخر ، فقال : أصبتَ. فدخل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهلية من الشكّ والتكذيب ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ، وقال : أعاذك الله من الشكّ ، وأخْسَأ عنك الشيطانَ. قال إسماعيل : ففِضْتُ عرقًا - ولم يقله ابنُ أبي ليلى - قال : فقال : أتاني جبريلُ فقال : اقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : إن أمتي لا تستطيعُ. حتى قال سبع مرات ، فقال لي : اقرأ على سبعة أحرفٍ ، ولك بكل ردة رُدِدتها مسألة. قال : فاحتاجَ إليّ فيها الخلائق ، حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم (1) .
33 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبد الله ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيٍّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه (2) .
34 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، قال : حدثنا عبد الصمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن جُحادة ، عن الحكم - هو ابن عُتَيْبة - عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، قال : أتى جبريلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو عند أضَاة بني غِفار فقال : إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على سبعة أحرفٍ ، فمن قرأ منها حرفًا فهو كما قرأ (3) .
__________
(1) الحديث 32 - هو بإسنادين ، أحدهما متصل صحيح ، والآخر ظاهره الاتصال. وسنبين ذلك تفصيلا ، إن شاء الله.
وقد وقع هنا في نسخ الطبري خطأ من الناسخين ، بحذف واو العطف قبل قوله " عن ابن أبي ليلى عن الحكم " . ولذلك زدناها بعلامة الزيادة [و]. بأنا على يقين أن حذفها يجعله إسنادًا واحدًا ، ويكون إسنادًا مضطربًا لا يفهم.
والذي أوقع الناسخين في الخطأ ، والذي يوقع القارئ في الاشتباه والاضطراب ، تكرار " عن ابن أبي ليلى " في الإسناد. وهما اثنان ، بل ثلاثة : فالأول صرح باسمه فيه ، وهو : " عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، والثاني : " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " عم عيسى ، والثالث : " عبد الرحمن بن أبي ليلى " التابعي.
فالطبري روى هذا الحديث عن أبي كريب محمد بن العلاء عن وكيع بن الجراح. ثم يفترق الإسنادان فوق وكيع :
فرواه وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد " عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى " ، وهو " عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " .
ورواه وكيع أيضًا " عن ابن أبي ليلى " ، وهو " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، عن الحكم ، وهو " الحكم بن عتيبة " .
ثم يجتمع الإسنادان مرة أخرى :
فيرويه " عبد الله بن عيسى " عن جده " عبد الرحمن بن أبي ليلى " عن أبي بن كعب ، كالإسنادين الماضيين 30 ، 31 . وهو إسناد متصل.
ويرويه الحكم بن عتيبة عن " ابن أبي ليلى " ، وهو " عبد الرحمن " عن أبي بن كعب ، وهذا إسناد ظاهره الاتصال ، إلا أن فيه شبهة الانقطاع ، لأن الحكم بن عتيبة وإن كان يروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كثيرًا ، إلا أنه في هذا الحديث بعينه رواه عنه بواسطة مجاهد ، كما سيأتي في الأسانيد رقم : 34 - 37 ، وفيما سنذكر هناك إن شاء الله من التخريج.
ومن المحتمل جدًا أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن بن أبي ليلى نفسه ، وسمعه من مجاهد عنه ، فرواه على الوجهين. وهذا كثير في الرواية ، معروف مثله عند أهل العلم.
وإذا لم يكن الحكم سمعه من " عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، فتكون الرواية التي هنا - كالرواية التالية رقم : 33 - خطأ من " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، فإنه وإن كان فقيها صدوقًا ، إلا أنه " كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث " ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره.
وليعلم أن " محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " كان أصغر من ابن أخيه " عبد الله بن عيسى ابن أبي ليلى " ، وكان يروي عنه ، ولا يروي عن أبيه " عبد الرحمن " إلا بالواسطة ، وأما ابن أخيه " عبد الله بن عيسى " فقد أدرك جده وروى عنه مباشرة.
وعلى كل حال فالحديث صحيح بالروايات المتصلة ، ولا تؤثر في صحته رواية محمد بن عبد الرحمن إن ظهر عدم اتصالها.
(2) الحديث 33 - إسناده كالإسناد قبله : " ابن أبي ليلى " ، هو " محمد بن عبد الرحمن " يرويه عن أبيه " عبد الرحمن " بواسطة " الحكم بن عتيبة " .
وأما " عبد الله " شيخ أبي كريب ، فالظاهر عندي أنه " عبد الله بن نمير " ، إذ روايته عن محمد بن عبد الرحمن أبي ليلى ثابتة عندي في المسند في حديث آخر ، هو الحديث رقم : 2809 هناك.
(3) الحديث 34 - إسناده صحيح. عبد الصمد : هو ابن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان البصري وهو وأبوه من الأعلام الثقات. محمد بن جحادة - بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة ، ثقة عابد زاهد من أتباع التابعين.
وهذا الحديث مختصر ، وسيأتي عقبه مطولا بثلاثة أسانيد رقم : 35 ، 36 ، 37 ، من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة. وسيأتي مطولا أيضًا رقم : 46 من طريق عبد الوارث عن محمد بن جحادة. ورواه أحمد في المسند 5 : 128 ، مطولا أيضًا ، من طريق عبد الوارث.

(1/38)


35 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ ابن كعب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غِفار ، قال : فأتاه جبريل فقال : إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على حرفٍ. قال : أسألُ الله مُعَافاته ومغفرتَه ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. قال : ثم أتاه الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآنَ على ثلاثة أحرف. قال : أسأل اللهُ معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآنَ على سبعة أحرف ، فأيَّما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا (1) .
36 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عند أضاة بني غفار - فذكر نحوه (2) .
37 - حدثنا أبو كريب ، قال حدثنا موسى بن داود ، قال : حدثنا شعبة - وحدثنا الحسن بن عرَفة ، قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا شعبة - عن الحكم ،
__________
(1) الحديث 35 - رواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم : 558 ، عن شعبة. ورواه أحمد في المسند 5 : 127 - 128 ، عن محمد بن جعفر عن شعبة. ورواه مسلم 1 : 225 - 226 ، عن محمد بن المثنى وغيره عن محمد بن جعفر. ورواه أبو داود السجستاني في السنن رقم : 1478\ 2 : 102 عن محمد بن المثنى أيضًا.
ونقله ابن كثير في الفضائل 58 - 59 عن هذا الموضع من تفسير الطبري. وقال : " وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، من رواية شعبة ، به " .
(2) الحديث 36 - هو مكرر الحديث قبله.

(1/40)


عن مجاهد ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه (1) .
38 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب أنه قال : سمعتُ رجلا يقرأ في سورة النحل قراءةً تخالِفُ قراءتي ، ثم سمعت آخر يقرؤها قراءةً تخالف ذلك ، فانطلقتُ بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل ، فسألتُهما : من أقرأهما ؟ فقالا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت : لأذهبن بكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحدهما : اقرأ. فقرأ ، فقال : أحسنتَ. ثم قال للآخر : اقرأ. فقرأ ، فقال : أحسنتَ. قال أبيّ : فوجدتُ في نفسي وسوسة الشيطان ، حتى احمرّ وجهي ، فعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي ، فضرب بيده في صدري ، ثم قال : اللهمّ أخْسئ الشيطانَ عنه! يا أبيّ ، أتاني آتٍ من ربي فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ. فقلت : ربِّ خفف عني. ثم أتاني الثانية فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك ، وقلت مثله. ثم أتاني الرابعة فقال : إن الله يأمرك أن تقرأ القرآنَ على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة مسألة. فقلت : يا رب اغفر لأمتي ، يا رب اغفر لأمتي. واختبأتُ الثالثة شفاعةً لأمتي يوم القيامة (2) .
__________
(1) الحديث 37 - هو مكرر ما قبله أيضًا. وهو بإسنادين عن شعبة. و " شبابة " في الإسناد الثاني : هو شبابة بن سوار الفزاري المدائني ، وهو ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
(2) الحديث 38 - هذا الإسناد نقله ابن كثير في الفضائل : 56 - 57 ، وقال : " إسناد صحيح " . وأشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح 9 : 21 . وعبيد الله ، الراوي عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى : هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وهو إمام ثقة حجة ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكان أحمد بن حنبل يقدمه على مالك وعلى غيره في الرواية عن نافع ، ويقول : " عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية " . وفي ترجمته في التهذيب 7 : 40 : " وقال الحربي : لم يدرك عبد الرحمن بن أبي ليلى " . وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربي ، فإن عبد الرحمن مات سنة 82 أو 83 ، وعبيد الله مات سنة 144 أو 145 ، فالمعاصرة ثابتة ، وهي كافية في إثبات اتصال الرواية ، إذا لم يكن الراوي مدلسًا ، وما كان عبيد الله ذلك قط. ولذلك جزم ابن كثير بصحة الإسناد.
وقوله في المرة الأولى " رب خفف عنى " ، في الفضائل لابن كثير " رب خفف عن أمتي " .

(1/41)


39 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصَّنعاني ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عُبيد الله بن عمر ، عن سيَّارٍ أبي الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، رَفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ذكر أن رَجُلين اختصما في آية من القرآن ، وكلٌّ يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ، فتقارآ إلى أبيّ ، فخالفهما أبيّ ، فتقارَؤُا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، اختلفنا في آية من القرآن ، وكلنا يزعم أنك أقرأته. فقال لأحدهما : اقرأ. قال : فقرأ ، فقال : أصبتَ. وقال للآخر : اقرأ. فقرأ خلافَ ما قرأ صاحبُه ، فقال : أصبتَ. وقال لأبيّ : اقرأ. فقرأ فخالفهما ، فقال : أصبتَ. قال أبيّ : فدخلني من الشكّ في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دَخل فيّ من أمر الجاهلية ، قال : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في وجهي ، فرفع يدَه فضرب صدري ، وقال : استعذْ بالله من الشيطان الرجيم ، قال : ففِضْتُ عرَقًا ، وكأني أنظرُ إلى الله فَرَقًا. وقال : إنه أتاني آتٍ من ربيّ فقال : إن ربَّك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. قال : ثم جاء فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. قال : ثم جاء الثالثة فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت : رب خفف عن أمتي. قال : ثم جاءني الرابعة فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ، ولك بكل رَدّة مسألة. قال : قلت : ربِّ اغفر لأمتي ، رب اغفر لأمتي ، واختبأت الثالثة شفاعةً

(1/42)


لأمتي ، حتى إن إبراهيم خليلَ الرحمن ليرغبُ فيها (1) .
40 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا زيد بن الحُبَاب ، عن حمّاد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال جبريل : اقرأوا القرآنَ على حرف. فقال ميكائيل : استزده. فقال : على حرفين. حتى بلغَ ستة أو سبعة أحرف ، فقال : كلها شافٍ كافٍ ، ما لم يختم آيةَ عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب. كقولك : هلمَّ وتعالَ (2) .
41 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني سليمان بن بلال ، عن يزيد بن خصيفة ، عن بُسر بن سعيد : أن أبا جُهيم الأنصاري أخبره : أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ، فقال هذا : تلقَّيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر : تلقَّيتها من رسول الله صلى الله
__________
(1) الحديث 39 - وهذا إسناد صحيح إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى ، ولكنه مرسل ، إذ لم يذكر ابن أبي ليلى عمن رواه من الصحابة. وهو مؤيد بروايات ابن أبي ليلى الماضية عن أبي بن كعب ، فهو كالمتصل معنى.
و " سيار أبو الحكم " : هو العنزي الواسطي ، ثقة ثبت صدوق في كل المشايخ ، كما قال أحمد ابن حنبل ، مات سنة 122. وفي التاريخ الكبير للبخاري : 2\ 2\ 162 : " قال ابن عيينة : شيع سيار أبو الحكم عبيد الله بن عمر من الكوفة إلى المدينة ، فأمر له بألف درهم ، فقال : لم أشيعك لهذا ، ولكن قلت : رجل صالح ، فأردت أن أشيعك " .
(2) الحديث 40 - سيأتي مرة أخرى ، بهذا الإسناد واللفظ ، برقم : 47.
ورواه أحمد في المسند 5 : 51 طبعة الحلبي ، عن عفان عن حماد بن سلمة ، بنحوه. ورواه أيضًا 5 : 41 عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة ، بشيء من الاختصار.
ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 151 ، وقال : " رواه أحمد ، والطبراني بنحوه ، إلا أنه قال : واذهب وأدبر. وفيه علي بن زيد بن جدعان ، وهو سيء الحفظ ، وقد توبع ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح " .
ونقله ابن كثير في الفضائل : 62 - 63 عن الرواية المختصرة من المسند ، ثم قال : " وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن الحباب عن حماد بن سلمة ، به. وزاد في آخره : كقولك هلم وتعال " . وهذه الزيادة ثابتة في الرواية المطولة في المسند 5 : 51 بلفظ : " نحو قولك : تعال ، وأقبل ، وهلم ، واذهب ، وأسرع ، واعجل " .

(1/43)


عليه وسلم ، فسألا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلا تمَارَوْا في القرآن ، فإنَ المِراء فيه كفرٌ (1) .
42 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، قال : قال
__________
(1) الحديث 41 - رواه أحمد في المسند رقم : 17615 (4 : 169 - 170 حلبي) ، عن أبي سلمة الخزاعي عن سليمان بن بلال ، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير في الفضائل 64 - 65 عن المسند ، وقال : " وهذا إسناد صحيح أيضًا ، ولم يخرجوه " ، يعني أصحاب الكتب الستة. ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 151 وقال : " رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح " .
ونقله ابن كثير قبل ذلك ، عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، قال : " حدثنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن مسلم بن سعيد مولى الحضرمي - وقال غيره : عن بسر بن سعيد - عن أبي جهيم الأنصاري : أن رجلين اختلفا " ، إلخ. ثم قال ابن كثير : " وهكذا رواه أبو عبيد على الشك! وقد رواه الإمام أحمد على الصواب " ، ثم نقل رواية المسند.
وما كانت رواية أبي عبيد على الشك ، كما زعم ابن كثير ، إنما للحديث طريقان : إسماعيل ابن جعفر ، يرويه عن يزيد بن خصيفة عن " مسلم بن سعيد " . وسليمان بن بلال ، يرويه عن يزيد ابن خصيفة عن " بسر بن سعيد " ، وهو أخو مسلم بن سعيد. فأشار أبو عبيد أثناء الإسناد إلى الرواية الأخرى ، دون أن يذكر إسنادها.
وقد ذكر البخاري الروايتين في التاريخ الكبير : 4\ 1\ 262 ، في ترجمة " مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي " ، فأشار إلى أنه روى هذا الحديث عن أبي جهيم ، وقال : " قاله إسماعيل ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة. وقال سليمان بن بلال عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم " . فأثبت بذلك الروايتين ، لم يجعل إحداهما علة للأخرى. فيكون يزيد بن خصيفة سمع الحديث من الأخوين : مسلم وبسر ، ابني سعيد.
ومن عجب أن الحافظ أشار في الإصابة 7 : 35 إلى رواية هذا الحديث من طريق مسلم ابن سعيد ، ونسبها للبغوي فقط ، ثم لم يشر إلى رواية بسر بن سعيد ، فأبعد جدًا!!
و " أبو جهيم الأنصاري " هذا : اسمه " عبد الله بن الحرث بن الصمة " ، وقيل في اسمه أقوال أخر. ووقع في هذا الحديث في مطبوعة الطبري ومجمع الزوائد والفضائل لابن كثير " عن أبي جهم " ، وهو خطأ مطبعي في غالب الظن ، لأنه ثابت في المسند " أبو جهيم " . وقال الحافظ في الفتح 1 : 374 - 375 ، في حديث آخر له عند البخاري : " وقع في مسلم [يعني صحيح مسلم] : دخلنا على أبي الجهم ، بإسكان الهاء ، والصواب أنه بالتصغير ، وفي الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم ، وهو صاحب الأنبجانية ، وهو غير هذا ، لأنه قرشي ، وهذا أنصاري ، ويقال بحذف الألف واللام في كل منهما ، وبإثباتهما " .
وقد أشار الحافظ إلى هذا الحديث في الفتح 9 : 23 ، ونسبه لأحمد وأبي عبيد والطبري. ووقع فيه في هذا الموضع " أبي جهم " ، بدون تصغير ، وهو خطأ مطبعي أيضًا.
و " بسر بن سعيد " : بضم الباء وسكون السين المهملة. ووقع في مطبوعة الطبري " بشر " ، وهو خطأ مطبعي.

(1/44)


النبي صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شافٍ كافٍ (1) .
43 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال ، عن أبي عيسى بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمِرتَ أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ، كلٌّ كافٍ شافٍ (2) .
44 - حدثنا أحمد بن حازم الغِفاري ، قال : حدثنا أبو نُعيم ، قال : حدثنا أبو خَلْدة ، قال : حدثني أبو العالية ، قال : قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل خمسٍ رَجلٌ ، فاختلفوا في اللغة ، فرضي قراءتهم كلِّهم ، فكان بنو تميم أعرَبَ القوم (3) .
45 - حدثنا عمرو بن عثمان العثماني ، قال : حدثنا ابن أبي أويس ، قال : حدثنا أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي
__________
(1) الحديث 42 - يونس : هو ابن عبد الأعلى. سفيان : هو ابن عيينة. وهذا حديث مرسل ، لأن عمرو بن دينار تابعي ، فروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة.
(2) الحديث 43 - هذا إسناد مشكل ، لم أجد له وجهًا يعرف. فظاهره أن " أبا عيسى بن عبد الله بن مسعود " يروي عن أبيه عن جده ، فالجد ظاهرًا أنه " مسعود " ، ولكنه صرح بأنه " عبد الله بن مسعود " ! فيكون " أبو عيسى " ليس ابن " عبد الله بن مسعود " ، بل ابن ابنه ، نسب إلى جده. ولا بأس بذلك إن كان له أصل. ولكن ليس في الرواة الذين تراجمهم عندنا من يسمى أو يكنى " أبا عيسى " ، من ذرية ابن مسعود. ولا نعرف لابن مسعود من الولد إلا اثنين : عبد الرحمن ، وفي سماعه من أبيه خلاف ، والراجح أنه سمع منه. وأبو عبيدة ، واسمه " عامر " ، ولم يسمع من أبيه ، تركه صغيرًا.
فهذا إسناد محرف يقينًا ، ما صوابه ؟ لا ندري. ولا نستطيع أن نتخيل فيه احتمالات لتصحيحه. الرواية أمانة ، لا تؤخذ بالرأي ولا بالقياس ولا بالخيال.
وأما لفظ الحديث ، فقد ذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير. بهذا اللفظ 1 : 260 من الفتح الكبير ، ونسبه لابن جرير عن ابن مسعود. ولم نجده في موضع آخر من الدواوين التي فيها الروايات بالإسناد. وقد يوفق الله غيرنا لوجوده ، إن شاء الله.
(3) الحديث 44 - هذا مرسل ، لأن أبا العالية تابعي ، يروى عن الصحابة ، وأبو العالية : هو رفيع ، بضم الراء ، بن مهران ، بكسر الميم ، الرياحي ، بكسر الراء وتخفيف الياء الأولى. وأبو خلدة بفتح الخاء وسكون اللام : هو خالد بن دينار السعدي.

(1/45)


هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ولا حرَج ، ولكن لا تختموا ذكرَ رحمة بعذابٍ ، ولا ذكر عذابٍ برحمة (1) .
46 - حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو مَعْمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا محمد بن جُحادة عن الحكَم ابن عُتيبة ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيّ بن كعب ، قال : أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم جبريلُ ، وهو بأضاة بني غِفَار ، فقال : إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على حرف واحد. قال : فقال : أسأل الله مغفرَته ومعافاته - أو قال : ومعافاته ومغفرته - سل الله لهم التخفيف ، فإنهم لا يُطيقون ذلك. فانطلقَ ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال : أسأل الله مغفرَته ومعافاته - أو قال : معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك ، فسل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرُك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال : أسأل الله مغفرته ومعافاته - أو قال : معافاته ومغفرَته - إنهم لا يطيقون ذلك ، سل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع ، فقال : إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ (2) .
قال أبو جعفر (3) صحّ وثبتَ أنّ الذي نزل به القرآن من ألسن العرب
__________
(1) الحديث 45 - ابن أبي أويس : هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني ، ابن أخت مالك بن أنس ونسيبه. أخوه : هو أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله. والمقبري : هو سعيد بن أبي سعيد.
وهذا الحديث ، بهذا الإسناد واللفظ ، لم أجده في موضع آخر ، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد مضى لأبي هريرة حديثان بثلاثة أسانيد ، بالأرقام : 7 - 9.
(2) الحديث 46 - مضى الحديث مختصرًا ، رقم : 34 ، من طريق محمد بن جحادة. وأشرنا إليه هناك.
(3) هذا جواب قوله في أول الباب ، ص 21 س 14 : " فإذ كان ذلك كذلك ، وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم ، بما حدثنا به خلاد بن أسلم.. صح وثبت " ، إلخ. وقد نقل ابن كثير في فضائل القرآن 69 - 70 بعض كلام الطبري هنا ، واختصره اختصارًا.

(1/46)


البعضُ منها دون الجميع ، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتِها أكثرُ من سبعة ، بما يُعْجَزُ عن إحصائه.
فإن قال : وما برهانك على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، وقوله : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " ، هو ما ادَّعيتَ - من أنه نزل بسبع لغات ، وأمِرَ بقراءته على سبعة ألسُن - دون أن يكونَ معناهُ ما قاله مخالفوك ، من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقَصَص وَمثَل ونحو ذلك من الأقوال ؟ فقد علمتَ قائلَ ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة.
قيل له : إنّ الذين قالوا ذلك لم يدَّعوا أن تأويلَ الأخبار التي تقدم ذكرُناها ، هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره ، فيكونَ ذلك لقولنا مخالفًا ، وإنما أخْبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجهٍ. والذي قالوه من ذلك كما قالوا.
وقد رَوَينا - بمثل الذي قالوا من ذلك - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من أصحابه ، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضها ، ونستقصى ذكر باقيها ببيانه ، إذا انتهينا إليه ، إن شاء الله.
فأما الذي تقدم ذكرُناه من ذلك ، فخبر أبيّ بن كعب ، من رواية أبي كُريب ، عن ابن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، الذي ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرفٍ ، من سبعة أبواب من الجنة " .
والسبعة الأحرف : هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة. والأبواب السبعة من الجنة : هي المعاني التي فيها ، من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثَل ، التي إذا عَمل بها العامل ، وانتهى إلى حدودها المنتهى ، استوجب به الجنة. وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين ، خلافٌ لشيء مما قلناه.

(1/47)


والدلالةُ على صحة ما قلناه - من أنّ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، إنما هو أنه نزل بسبع لغات ، كما تقدم ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وسائر من قدمنا الرواية عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الباب - أنهم تمارَوْا في القرآن ، فخالف بعضهم بعضًا في نفْس التلاوة ، دون ما في ذلك من المعاني ، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1) فاستقرأ كلَّ رجل منهم ، ثم صَوَّب جميعَهُم في قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضُهم لتصويبه إياهم ، فقال صلى الله عليه وسلم للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعَهم : " إنَ الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " .
ومعلوم أن تمارِيهم فيما تمارَوْا فيه من ذلك ، لو كان تماريًا واختلافًا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلا أن يُصوِّب جميعهم ، ويأمرَ كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه. لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا ، وجبَ أن يكون الله جلّ ثناؤه قد أمرَ بفعل شيء بعينه وفَرَضَه ، في تلاوة من دلّت تلاوته على فرضه - ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزَجر عنه ، في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعلَ ذلك الشيء بعينه ، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فِعْلَه ، ولمن شاء منهم أن يتركه تَرْكَه (2) في تلاوة من دَلت تلاوته على التخيير!
وذلك من قائله إنْ قاله ، إثباتُ ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله وحُكْم كتابه فقال : { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [سورة النساء : 82].
__________
(1) في المخطوطة : " وأنهم اختلفوا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم " . وكل صواب.
(2) أي : جعل له فعله ، وجعل له تركه. و " جعل " هنا ، بمعنى : أباح وأذن.

(1/48)


وفي نفْي الله جلّ ثناؤه ذلك عن حُكْم كتابه ، أوضحُ الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بحكمٍ واحدٍ متفق في جميع خلقه ، لا بأحكام فيهم مختلفة.
وفي صحة كون ذلك كذلك ، ما يبطل دعوى من ادَّعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم. لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمرَ جميعهم بالثبوت على قراءته ، ورضى قراءة كل قارئ منهم - على خلافها قراءةَ خصومه ومنازعيه فيها - وصوَّبها. ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اختلفت فيه المعاني ، وكان قولُه صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " إعلامًا منه لهم أنه نزل بسبعة أوجُهٍ مختلفة ، وسبعة معان مفترقة - كان ذلك إثباتًا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف ، ونفيًا لما قد أوجب له من الائتلاف. مع أنّ في قيام الحجة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين ، ولا أذن بذلك لأمته - ما يُغْنى عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفيٌّ عن كتاب الله.
وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله ، وجوبُ صحة القول الذي قلناه ، في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلَوْه من القرآن ، وفسادِ تأويل قول من خالف قولنا في ذلك.
وأحْرى أنّ الذين تمارَوْا فيما تمارَوْا فيه من قراءتهم فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن منكَرًا عند أحد منهم أن يأمرَ الله عبادَه جلّ ثناؤه في كتابه وتنزيله بما شاء ، وينهى عما شاء ، ويعِدَ فيما أحبَّ من طاعاته ، ويوعِدَ على معاصيه ، ويحْتِمَ لنبيه ويعظه فيه (1) ويضربَ فيه لعباده الأمثال - فيُخاصمَ
__________
(1) في المطبوعة " ويحتج لنبيه " ، بدل " ويحتم " . وفي إحدى المخطوطات " ويعظ " ، بغير الضمير وبغير " فيه " . وأما الأخرى فليس فيها " ويعظه فيه " ، بل " ويحتم لنبيه صلى الله عليه وسلم " . و " حتم الأمر " : قضاه ، أي : يقضى لنبيه ويكتب له وعليه.

(1/49)


غيرَه على إنكاره سماعَ ذلك من قارئه (1) . بل على الإقرار بذلك كلِّه كان إسلامُ من أسلم منهم. فما الوجهُ الذي أوجبَ له إنكارَ ما أنكر ، إن لم يكن كان ذلك اختلافًا منهم في الألفاظ واللغات ؟
وبعد ، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصًّا. وذلك الخبر الذي ذكرنا :
47 - أن أبا كُريب حدثنا قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد ابن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال جبريل : اقرإ القرآنَ على حرف. قال ميكائيل عليه السلام : استزدْه. فقال : على حرفين. حتى بلغ ستَّة أو سبعةَ أحرف ، فقال : كلها شافٍ كافٍ ، ما لم يختم آيةَ عذاب بآية رحمة ، أو آيةَ رحمة بآية عذاب ، كقولك : هلمَّ وتعال (2) .
فقد أوضح نصُّ هذا الخبر أنّ اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف ألفاظ ، كقولك " هلم وتعال " باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبةٍ اختلافَ أحكامٍ.
وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبارُ عن جماعة من السَّلَف والخلف.
48 - حدثني أبو السائب سَلْمُ بن جُنادة السُّوَائي ، قال : حدثنا أبو معاوية - وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عديّ عن شعبة - جميعًا عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : قال عبد الله : إني قد سمعت إلى القَرَأةِ ، فوجدتُهم متقاربين فاقرأوا كما عُلِّمتم ، وإياكم والتنطع ، فإنما هو كقول أحدكم : هلم وتعال (3) .
__________
(1) يقول : " لم يكن منكرًا عند أحد منهم.. فيخاصم غيره " . فأطال الفصل.
(2) الحديث 47 - مضى الحديث بهذا الإسناد ، رقم : 40. فتلك إشارته بقوله هنا : " وذلك الخبر الذي ذكرنا أن أبا كريب حدثنا " ، إلخ.
(3) الحديث 48 - أبو السائب سلم بن جنادة السوائي الكوفي ، شيخ الطبري : ثقة حجة لا شك فيه ، روى عنه البخاري في غير كتاب (الجامع الصحيح) ، والترمذي وابن ماجة وأبو حاتم ، وهو قديم الولاد ، ولد سنة 174 ، ومات سنة 254. وله ترجمة في تاريخ بغداد 9 : 147 - 148 ، والتهذيب 4 : 128 - 129 ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم : 2\ 1\ 269. و " سلم " بفتح السين وسكون اللام ، ووقع في نسخ الطبري " سالم " ، وهو تحريف. و " جنادة " : بضم الجيم وتخفيف النون. و " السوائي " : بضم السين وتخفيف الواو وبعد الألف همزة ، نسبة إلى " بني سواءة بن عامر بن صعصعة " .
وأبو معاوية : هو محمد بن خازم الضرير ، ولد سنة 113 ، ومات سنة 195. فهذا الإسناد الأول عال جدًا. وذلك أن الطبري روى أثر ابن مسعود هذا بإسنادين :
رواه عن سلم بن جنادة عن أبي معاوية عن الأعمش. ثم رواه عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن شعبة عن الأعمش.
وهذا الأثر عن ابن مسعود لم نجده في غير هذا الكتاب ، إلا ما ذكره صاحب اللسان بغير إسناد ، كما سنشير إليه بعد ، إن شاء الله.
وقوله " قد سمعت إلى القرأة فوجدتهم متقاربين " ، في المطبوعة " قد سمعت القراء " . و " القراء " : جمع " قارئ " ، كما هو واضح ، ولكن الذي في المخطوطة " إلى القرأة " ، بزيادة " إلى " وبلفظ " القرأة " ، بفتح الراء والهمزة ثم الهاء في آخره ، وهو جمع " قارئ " أيضًا ، ففي اللسان " رجل قارئ ، من قوم قراء ، وقرأة ، وقارئين " . وهذا الجمع قياسي ، مثل " كاتب وكتبة " . وانظر همع الهوامع للسيوطي 2 : 177 ، 178. وهذا الأثر ذكره صاحب اللسان 1 : 124 ، قال : " وروى عن ابن مسعود : تسمعت للقرأة ، فإذا هم متقارئون. حكاه اللحياني ولم يفسره. قال ابن سيدة : وعندي أن الجن كانوا يرومون القراءة " ! وهكذا وقع الخطأ لهم قديمًا ، جعلوها " متقارئون " بالهمزة ، ثم فسرها ابن سيدة هذا التفسير العجيب. وهي واضحة في الطبري " متقاربين " بالباء. والسياق نفسه لا يدل إلا على صحة هذا وخطأ ما وقع في اللسان.
وكلمة " القرأة " ستأتي في مخطوطة الطبري كثيرا بهذا الرسم ، ثم يغيرها مصححو المطبوعة " القراء " ، دون حاجة إلى هذا التغيير!

(1/50)


49 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عمن سمع ابنَ مسعود يقول : من قرأ منكم على حرف فلا يتحوَّلَنَّ ، ولو أعلمُ أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله لأتيتُه (1) .
50 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن عابس ، عن رجل من أصحاب عبد الله ، عن
__________
(1) الحديث 49 - أبو داود : هو الطيالسي. وأبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني التابعي المعروف ، واسمه " عمرو بن عبد الله " ، وهذا الإسناد ضعيف ، لإبهام شيخ أبي إسحاق الذي حدثه عن ابن مسعود. وقد مضى نحو معناه ضمن حديث متصل ، عن ابن مسعود ، رقم : 18 . وانظر الإسناد التالي لهذا.

(1/51)


عبد الله بن مسعود ، قال : من قرأ على حرف فلا يتحوّلنّ منه إلى غيره (1) .
فمعلوم أنّ عبد الله لمَ يعْن بقوله هذا : من قرأ ما في القرآن من الأمر والنهي فلا يتحولنّ منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد ، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد فلا يتحولنَّ منه إلى قراءة ما فيه من القَصص والمثَل. وإنما عنى رحمة الله عليه أنّ من قرأ بحَرْفه - وحرْفُه : قراءته ، وكذلك تقول العرب لقراءة رجل : حرفُ فلان ، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطَّعة : حرف ، كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر : كلمة فلان - فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه. ومن قرأ بحرف أبيّ ، أو بحرف زيد ، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الأحرف السبعة - فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه ، فإن الكفرَ ببعضه كفرٌ بجميعه ، والكفرُ بحرف من ذلك كفرٌ بجميعه يعني بالحرف ما وصفنا من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة.
51 - وقد حدثنا يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، قال : قرأ أنس هذه الآية : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا } [سورة المزمل : 6] فقال له بعض القوم : يا أبا حَمزة ، إنما هي " وأقْوَمُ " فقال : أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهَيأ ، واحدٌ (2) .
__________
(1) الحديث 50 - عبد الرحمن بن عابس : تابعي أيضًا. وقد أبهم الرجل الذي حدثه عن ابن مسعود ، فكان الإسناد ضعيفًا.
وهذا الأثر رواه أحمد في المسند رقم : 3845 ضمن حديث طويل ، عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن بن عابس ، قال : " حدثنا رجل من همدان ، من أصحاب عبد الله ، وما سماه لنا " إلخ.
(2) الحديث 51 - أبو أسامة : هو حماد بن أسامة الكوفي الحافظ. وهذا الأثر سيأتي بهذا الإسناد ، وبإسناد آخر ، في تفسير سورة " المزمل : 29 : 82 " . ونقله السيوطي في الدر المنثور 6 : 278 ، ونسبه أيضًا لأبي يعلى ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 156 ، ونسبه للبزار وأبي يعلى ، وقال : " ولم يقل الأعمش : سمعت أنسًا. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ، ورجال البزار ثقات " .
وقوله " وأهيأ " بدله في مطبوعة الطبري " وأهدى " ، والظاهر أنه من تصرف المصححين ، لأن ما أثبتنا هو الثابت في المخطوطة وفي رواية الطبري الآتية بالإسناد نفسه وفي الدر المنثور ومجمع الزوائد.

(1/52)


52 - حدثني محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد : أنه كان يقرأ القرآنَ على خمسة أحرُفٍ.
53 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن سالم : أن سعيدَ بن جُبَيرٍ كان يقرأ القرآن على حرفين.
54 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مُغِيرة ، قال : كان يزيدُ بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف (1) .
أفترى الزاعمَ أن تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآنُ على سبعة أحرف " ، إنما هو أنه أنزل على الأوجه السبعة التي ذكرنا ، من الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - كان يرى أنّ مجاهدًا وسعيدَ ابن جبير لم يقرآ من القرآن إلا ما كان من وجهيه أو وجوهه الخمسة دون سائر معانيه ؟ لئن كانَ ظن ذلك بهما ، لقد ظنَ بهما غير الذي يُعرفان به من منازلهما من القرآن ، ومعرفتهما بآي الفرقان!
55 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُليَّة ، قال حدثنا أيوب ، عن محمد ، قال : نُبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له جبرائيل : اقرإ القرآن على حرفين. فقال له ميكائيل : استزده. فقال : اقرإ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل : استزده. قال : حتى بلغ سبعة أحرف ، قال محمد : لا تختلفُ في حلال ولا حرام ، ولا أمرٍ ولا نهي ،
__________
(1) الأثر 54 - يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ، أمير المؤمنين ، عرف باسم " يزيد الناقص " ، وكان رجلا صالحًا. وهو الذي قيل في المثل : " الأشج والناقص أعدلا بني مروان " ، فهو الناقص ، لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده سلفه في أعطياتهم ، والأشج : هو عمر بن عبد العزيز. ويزيد هذا هو الذي قتل ابن عمه الفاسق المستهتر : الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، سنة 126 ، وولى الخلافة بعده. انظر ترجمته في تاريخ ابن كثير 10 : 16 - 17 ، والتاريخ الكبير للبخاري 4\ 2\ 366 - 367 .
ومغيرة ، راوي هذا عن يزيد : هو مغيرة بن مقسم ، بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين ، الضبي. وهو ثقة معروف كثير الحديث ، مات سنة 133.

(1/53)


هو كقولك : تعال وهلم وأقبل ، قال : وفي قراءتنا { إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } [سورة يس : 29 ، 53] ، في قراءة ابن مسعود (إن كانت إلا زقية واحدة) (1) .
56 - وحدثني يعقوب قال : حدثنا ابن عُلية ، قال : حدثنا شُعيب - يعني ابن الحَبْحَاب - قال : كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل : " ليس كما يقرأ " وإنما يقول : أما أنا فأقرأ كذا وكذا. قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي ، فقال : أرى صاحبك قد سمع : " أنّ من كفَر بحرفٍ منه فقدْ كفر به كله " .
57 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سعيد بن المسيّب : أن الذي ذكر الله تعالى ذكره [أنه قال] { إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } [سورة النحل : 103] إنما افتُتِن أنه كان يكتب الوحيَ ، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : سميعٌ عليمٌ ، أو عزيزٌ حكيمٌ ، أو غير ذلك من خواتم الآي ، ثم يشتغل عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عَلى الوحي ، فيستفهمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيقول : أعزيز حكيمٌ ، أو سميعٌ عليم أو عزيز عليم ؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيّ ذلك كتبت فهو كذلك. ففتنه ذلك ، فقال : إن محمدًا وكَلَ ذلك إليّ ، فأكتبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة (2) .
__________
(1) الحديث 55 - محمد : هو ابن سيرين التابعي ، فالحديث مرسل. ثم هو لم يدرك ابن مسعود ، فحكايته عنه قراءته منقطعة.
(2) الحديث 57 - هذا الحديث ذكره الطبري مرة أخرى بهذا اللفظ نفسه في تفسير سورة النحل : 103 ، بغير هذه الزيادة التي وضعناها بين القوسين. وهو بغير هذه الزيادة يوهم أن الذي نزل فيه " إنما يعلمه بشر " ، هو كاتب الوحي الذي افتتن. مع أنه أراد إن الذي قال " إنما يعلمه بشر " هو كاتب الوحي الذي افتتن : وصدر كلام الطبري في تفسير سورة النحل يقطع بذلك قال : " وقيل إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عن الإسلام. ذكر من قال ذلك.. " ثم روى هذا الخبر ، فنفى ما قدمه هذا الوهم الذي يشكل على قارئه في هذا المكان. وكاتب الوحي الذي ارتد هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي ، وهو ليس بأعجمي ، وإنما قالوا إنه هو الذي ذكره الله تعالى في قوله. " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " [سورة الأنعام : 93] وأما المعنى بقوله " إنما يعلمه بشر " فقد اختلفوا في تحقيقه ، قالوا : قين بمكة نصراني يقال له بلعام ، أو يعيش غلام لبني المغيرة ، أو جبر النصراني غلام بني بياضة.
وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور 4 : 131 وقال في صدره : " إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال : إنما يعلمه... " ، فأثبتنا الزيادة منه لذلك.

(1/54)


58 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، قال : من كفر بحرف من القرآن ، أو بآية منه ، فقد كفر به كله (1) .
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإذْ كان تأويلُ قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " عندك ، ما وصفت ، بما عليه استشهدتَ ، فأوْجِدنا حرفًا في كتاب الله مقروءًا بسبع لغات ، فنحقق بذلك قولك. وإلا فإن لم تجد ذلك كذلك : كانَ معلومًا بِعَدَ مِكَهُ (2) - صحةُ قول من زعم أن تأويل ذلك : أنه نزل بسبعة معان ، وهو الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - وفسادُ قولك. أو تقولَ في ذلك : إن الأحرف السبعة لغاتٌ في القرآن سبعٌ ، متفرقة في جميعه ، من لغات أحياءٍ من قبائل العرب مختلفة الألسن - كما كان يقوله بعض من لم يُنعم النظرَ في ذلك (3) . فتصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فسادَه ذُو عقل ، ولا يلتبس خَطؤه على ذي لُب.
وذلك أنّ الأخبار التي بها احتججتَ لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، هي الأخبار التي رويتها عن عُمرَ بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، رحمة الله عليهم ، وعمن رويتَ ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم تماروْا في تلاوة
__________
(1) الخبر 58 - مثله في حديث المسند رقم : 3845 ، وما مر آنفًا برقم : 18.
(2) العدم : فقدان الشيء وذهابه ، وعدم الشيء : فقده فلم يعثر عليه.
(3) في المطبوعة " لم يمعن " ، غيرها المصححون هنا وفي مواضع ستأتي !! وأنعم النظر : بالغ فيه وأدقه.

(1/55)


بعض القرآن ، فاختلفوا في قراءتهُ دون تأويله ، وأنكر بعضٌ قراءةَ بعض ، مع دعوى كل قارئ منهم قراءةً منها : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ. ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، أن صوَّب قراءة كل قارئ منهم ، على خلافها قراءةَ أصحابه الذين نازعوه فيها ، وأمرَ كل امرئ منهم أن يقرأ كما عُلِّم ، حتى خالط قلبَ بعضهم الشكُّ في الإسلام ، لما رأى من تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءةَ كل قارئ منهم على اختلافها. ثم جَلاهُ الله عنه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له : أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، عندك - كما قال هذا القائل - متفرقةً في القرآن ، مثبتةً اليوم في مصاحف أهل الإسلام ، فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر كلا أن يقرأ كما عُلم. لأن الأحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن ، فغير مُوجب حرفٌ من ذلك اختلافًا بين تاليه (2) لأن كل تالٍ فإنما يتلو ذلك الحرفَ تلاوةً واحدةً على ما هو به في المصحف ، وعلى ما أنزل.
وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل وجه اختلاف الذين رُوى عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة ، وفسد معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم كلَّ قارئ منهم أن يقرأه على ما عُلم. إذْ كان لا معنى هنالك يُوجب اختلافًا في لفظ ، ولا افتراقًا في معنى. وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلافٌ بين القوم ، والمعلِّم واحدٌ ، والعلم واحدٌ غير ذي أوجه ؟ وفي صحة الخبر عن الذين رُوى عنهم الاختلافُ في حروف القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى
__________
(1) في المخطوطة : " ثم اختلفوا إلى رسول الله " ، وهما سواء.
(2) هي " تالين " جمع " تال " ، مضافة إلى الضمير ، فحذفت النون.

(1/56)


رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، على ما تقدم وَصْفُنَاهُ - أبينُ الدلالة على فساد القول بأن الأحرُف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن ، لا أنها لغاتٌ مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني.
مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل - في تأويله قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، وادّعائه أنّ معنى ذلك أنها سبعُ لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جَمع بين قِيله ذلك ، واعتلالِه لقيلِه ذلك بالأخبار التي رويت عمن رُوِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال : هو بمنزلة قولك تعالَ وهلم وأقبل ؛ وأن بعضهم قال : هو بمنزلة قراءة عبد الله " إلازقيةً " ، وهي في قراءتنا " إلا صَيْحَة " وما أشبه ذلك من حُججه - (1) علم أن حججه مفسدةٌ في ذلك مقالتَه ، وأن مقالته فيه مُضادةٌ حججه.
لأن الذي نزل به القرآن عندَه إحدى القراءتين - : إما " صيحة " ، وإما " زَقية " وإما " تعالَ " أو " أقبل " أو " هلم " - لا جميع ذلك. لأن كلّ لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن ، غيرُ الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى.
وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل اعتلاله لقوله بقول من قال : ذلك بمنزله " هلم " و " تعال " و " أقبل " ، لأنّ هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة ، يجمعها في التأويل معنى واحد. وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله ، اجتماعَ اللغات السبع في حرف واحد من القرآن. فقد تبين بذلك إفسادُ حجته لقوله بقوله ، وإفساد قوله لحجته (2) .
قيل له : ليس القولُ في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفتَ. بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن ، هنّ لغات سبع ، في حرف واحد ، وكلمة واحدة ،
__________
(1) جواب قوله : " .. إذا تدبر قول هذا القائل.. علم.. "
(2) انتهى اعتراض المعترض الذي بدأ في ص : 55 ، ويليه جواب الطبري فيما اعترض به.

(1/57)


باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني ، وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذي رَوَينا آنفًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك : " هلمّ وتعالَ وأقبل " ، وقوله " ما ينظرون إلا زَقيةً " ، و " إلا صيحة " .
فإن قال : ففي أيّ كتاب الله نجدُ حرفًا واحدًا مقروءًا بلغات سبع مختلفات الألفاظ ، متفقات المعنى ، فنسلم لك صحةَ ما ادّعيت من التأويل في ذلك ؟
قيل : إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم ، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرناها. وهو ما وصفنا ، دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك ، للعلل التي قد بَيَّنا.
فإن قال : فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة ، إن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ ، وقد أقرأهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، وأمر بالقراءة بهنّ ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ أنسخت فرُفعت ، فما الدلالة على نسخها ورَفعها ؟ أم نسيتهن الأمة ، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه ؟ أم ما القصةُ في ذلك ؟
قيل له : لم تنسخ فترفع ، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن ، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت ، إذا هي حَنثتْ في يمين وهي مُوسرة ، أن تكفر بأيِّ الكفارات الثلاث شاءت : إما بعتق ، أو إطعام ، أو كسوة. فلو أجمعَ جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث ، دون حَظرها التكفيرَ بأي الثلاث شاءَ المكفِّر ، كانت مُصيبةً حكمَ الله ، مؤديةً في ذلك الواجبَ عليها من حق الله. فكذلك الأمة ، أمرت بحفظ القرآن وقراءته ، وخُيِّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت : فرأت

(1/58)


- لعلة من العلل أوجبتْ عليها الثباتَ على حرف واحد - قراءتَهُ بحرف واحدٍ ، ورفْضَ القراءة بالأحرف الستة الباقية ، ولم تحْظُرْ قراءته بجميع حروفه على قارئه ، بما أذن له في قراءته به.
فإن قال : وما العلة التي أوجبت عليها الثباتَ على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية ؟
59 - قيل : حدثنا أحمد بن عَبْدةَ الضَّبي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْدي ، عن عُمارة بن غزِيَّة ، عن ابن شهاب ، عن خارجة بن زيد ابن ثابت ، عن أبيه زيد ، قال : لما قُتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة ، دخل عمرُ بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله فقال : إنّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمامة تهافتوا تهافتَ الفَراش في النار ، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يُقتَلوا - وهمْ حملةُ القرآن - فيضيعَ القرآن ويُنسَى. فلو جمعتَه وكتبتَه! فنفر منها أبو بكر وقال : أفعل ما لم يفعلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم! فتراجعا في ذلك. ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت ، قال زيد : فدخلت عليه وعُمر مُحْزَئِلٌ (1) فقال أبو بكر : إن هذا قد دَعاني إلى أمر فأبيتُ عليه ، وأنت كاتبُ الوحي. فإنْ تكن معه اتبعتكما ، وإن توافِقْني لا أفعل. قال : فاقتصَّ أبو بكر قولَ عمر ، وعمر ساكت ، فنفرت من ذلك وقلت : نفعلُ ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم! إلى أن قال عمر كلمة : " وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ " قال : فذهبنا ننظر ، فقلنا : لا شيء والله! ما علينا في ذلك شيء! قال زيد : فأمرني أبو بكر فكتبته في قطَع الأدَم وكِسَرِ الأكتاف والعُسُب (2) .
__________
(1) احزأل الرجل : اجتمع وتحفز ورفع صدره كالمتهيء لأمر ، فهو محزئل : منضم بعضه إلى بعض ، جالس جلسة المستوفز.
(2) الأدم جمع أديم : وهو الجلد المدبوغ ، كانوا يكتبون فيه. والكسر جمع كسرة (بكسر فسكون) : وهي القطعة المكسورة من الشيء. والأكتاف جمع كتف : وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب ، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم يومئذ. والعسب جمع عسيب وهو : جريد النخل إذا نحى عنه خوصه.

(1/59)


فلما هلك أبو بكر وكانَ عُمر (1) كتبَ ذلك في صحيفة واحدةٍ ، فكانت عنده. فلما هلك ، كانت الصحيفةُ عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن حذيفة بن اليمان قدِم من غزوة كان غزاها بِمَرْج أرْمينِية (2) فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال : " يا أمير المؤمنين : أدرِكِ الناس! فقال عثمان : " وما ذاك ؟ " قال غزوت مَرْج أرمينية ، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام ، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبيّ بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق ، فتكفرهم أهلُ العراق. وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام ، فتكفِّرهم أهلُ الشام. قال زيد : فأمرني عثمان بن عفان أكتبُ له مُصْحفًا ، وقال : إنّي مدخلٌ معك رجلا لبيبًا فصيحًا ، فما اجتمعتما عليه فاكتباه ، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ. فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص ، قال : فلما بلغنا { إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } [سورة البقرة : 248] قال : زيد فقلت : " التابوه " وقال أبان بن سعيد : " التابوت " ، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب : " التابوت " قال : فلما فرغتُ عرضته عَرْضةً ، فلم أجد فيه هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [سورة الأحزاب : 23] قال : فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها ، فلم أجدْها عند أحد منهم ، ثم استعرضتُ الأنصارَ أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم ، ، حتى وجدُتها عند خُزيمة بن ثابت ، فكتبتها ، ثم عرَضته عَرضَةً أخرى ، فلم أجد فيه هاتين الآيتين : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
__________
(1) قوله " وكان عمر " ، أي ولي الأمر من بعده. وقال ابن حجر في فتح الباري 9 : 13 وذكر جمع القرآن في الورق والصحف على عهد أبي بكر ، ثم قال : " هذا كله أصح مما وقع في رواية عمارة بن غزية.. "
(2) في المطبوعة " في فرج أرمينية " ، وكذلك التي تليها. والمرج : أرض واسعة كثيرة النبت تمرج فيها الدواب ، أي تذهب وتجيء. وقد أضيف " مرج " إلى كثير من المواضع والبلاد. وأرض أرمينية واسعة خصيبة. وذكر ابن حجر في الفتح 9 : 14 رواية " فتح أرمينية " و " فرج.. " ولم يذكر " مرج " ، وذكرها أبو عمرو الداني في كتابه " المقنع " : 4 قال : " وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية " .

(1/60)


عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [سورة التوبة : 128 ، 129] فاستعرضت المهاجرين ، فلم أجدها عند أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصارَ أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم ، حتى وجدتها مع رَجل آخر يدعى خُزيمة أيضًا ، فأثبتها في آخر " براءة " ، ولو تمَتْ ثلاثَ آيات لجعلتها سورة على حِدَةٍ. ثم عرضته عرضةً أخرى ، فلم أجد فيه شيئًا ، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة ، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته إياها ، فعرض المصحف عليها ، فلم يختلفا في شيء. فردَّها إليها ، وطابت نفسه ، وأمرَ الناس أن يكتبوا مصاحفَ. فلما ماتت حفصةُ أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة ، فأعطاهم إياها فغسلتْ غسلا (1) .
60 - وحدثني أيضًا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا نعيم بن حماد قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عُمارة بن غَزِية ، عن ابن شهاب ، عن خارجة ابن زيد ، عن أبيه زيد بن ثابت ، بنحوه سواء.
61 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَية ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قِلابة ، قال : لما كان في خلافة عثمان ، جعل المعلِّم يعلِّم قراءة
__________
(1) الحديث 59 ، 60 - قال ابن حجر في فتح الباري 9 : 9 - 19 ، وذكر رواية الطبري مفرقة في شرح الباب في أول " باب جمع القرآن " ، في شرح حديث جمع القرآن الذي رواه البخاري من طريق ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت : " هذا هو الصحيح عن الزهري ، أن قصة زيد ابن ثابت مع أبي بكر وعمر ، عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت ، وقصة حذيفة مع عثمان عن أنس ابن مالك ، وقصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق عن خارجة بن زيد ابن ثابت عن أبيه. وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري ، فأدرج قصة آية سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق " ، ثم قال عن هذا الخبر الذي رواه الطبري : " وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال : عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه ، وساق القصص الثلاث بطولها : قصة زيد مع أبي بكر وعمر ، ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضًا ، ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب. أخرجه الطبري. وبين الخطيب في " المدرج " أن ذلك وهم منه ، وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض " .

(1/61)


الرجل ، والمعلم يعلم قراءةَ الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين - قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال - : حتى كفر بعضهم بقراءة بعض. فبلغ ذلك عثمان ، فقام خطيبًا فقال : " أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون ، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا. اجتمعوا يا أصحابَ محمد ، فاكتبوا للناس إمامًا " . قال أبو قلابة ، فحدثني أنس بن مالك قال : كنت فيمن يملى عليهم ، قال : فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعلهُ أن يكون غائبًا أو في بعض البوادي ، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ، ويَدعون موضعها ، حتى يجيءَ أو يُرْسَلَ إليه. فلما فرغ من المصحف ، كتب عثمان إلى أهل الأمصار : " إني قد صَنعتُ كذا وكذا ، ومحوتُ ما عندي ، فامحوا عندكم " (1) .
62 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس قال : قال ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري : أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينيةَ أهلُ الشام وأهل العراق ، فتذاكرُوا القرآن ، واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة. فركبَ حُذيفةُ بن اليمان - لما رأى اختلافهم في القرآن - إلى عثمان ، فقال : " إنّ الناس قد اختلفوا في القرآن ، حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم مثلُ ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف " . قال : ففزع لذلك فزعًا شديدًا ، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها ، فنسخ منها مصاحف ، فبعث بها إلى الآفاق (2) .
__________
(1) الخبر 61 - ذكر ابن حجر في الفتح 9 : 15 أن ابن أبي داود أخرجه في المصاحف من طريق أبي قلابة ، وذكر صدر الخبر ، ثم ذكر سائره في ص : 18. وفي المخطوطة مكان " ويدعون موضعها " و " يتركون موضعها " . وهو في كتاب المصاحف ص 21 - 22 ، رواه عن زياد بن أيوب عن إسماعيل ، يعني ابن علية ، بهذا الإسناد. وفيه " ويدعون موضعها " .
(2) الخبر 62 - خرج ابن حجر في الفتح 9 : 14 وما بعدها رواية يونس عن ابن شهاب عن أنس. وقال : " أخرجها ابن أبي داود.. مطولة " . وهي في كتاب المصاحف ص 21.

(1/62)


63 - حدثني سعيد بن الربيع ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، قال : قُبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع ، وإنما كان في الكرانيف والعسب (1) .
64 - حدثنا سعيد بن الربيع قال : حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن صعصعة أنّ أبا بكر أوَلُ من وَرَّث الكلالةَ وجمعَ المصحف (2) .
قال أبو جعفر : وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتابُ ، والآثار الدالة على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بن عفان رحمة الله عليه ، جمع المسلمين - نظرًا منه لهم ، وإشفاقًا منه عليهم ، ورأفة منه بهم ، حِذارَ الردّةِ من بعضهم بعدَ الإسلامَ ، والدّخولِ في الكفر بعد الإيمان ، إذ ظهر من بعضهم بمحضَره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن ، مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم النهيَ عن التكذيب بشيء منها ، وإخباره إياهم أنّ المِراء فيها كفر - فحملهم رحمةُ الله عليه ، إذْ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره ، ولحَدَاثة عهدهم بنزول القرآن ، وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بما أمِنَ عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن - على حرف واحد (3) .
وجمعهم على مصحف واحد ، وحرف واحد ، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي
__________
(1) الحديث 63 - ذكر ابن حجر في الفتح 9 : 9 رواية سفيان عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت ، وأتمها في ص : 11 باختلاف في اللفظ. والكرانيف جمع كرنافة : وهي أصول السعف الغلاظ العراض التي إذا يبست صارت أمثال الأكتاف. وكانوا يكتبون فيها قبل الورق.
(2) الخبر 64 - صعصعة : هو ابن صوحان ، بضم الصاد. وهو تابعي قديم ، كان مسلمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره. وهذا الخبر لم نجده في موضع آخر. وأما " الكلالة " ، فقد اختلف في تفسيرها ، والجمهور على أنه : من مات وليس له ولد ولا والد. كما قال الحافظ في الفتح 12 : 21 . وهو الذي اختاره الطبري ، فيما سيأتي في تفسير الآية 12 من سورة النساء ، 176 منها ج 4 ص 191 - 194 ، وج 6 ص 28 - 31 من طبعة بولاق.
(3) قوله " على حرف واحد " ، متعلق بقوله آنفًا : " فحملهم رحمة الله عليه " وقوله " فحملهم " معطوف على قوله أولا : " جمع المسلمين "

(1/63)


جمعهم عليه. وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه ، أن يخرقه (1) . فاستوسقتْ له الأمة على ذلك بالطاعة (2) ورأت أنّ فيما فعلَ من ذلك الرشدَ والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامُها العادلُ في تركها ، طاعةً منها له ، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدَها من سائر أهل ملتها ، حتى دَرَست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيلَ لأحد اليوم إلى القراءة بها ، لدثورها وعُفُوِّ آثارها ، وتتابعِ المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منها صحتَها وصحةَ شيء منها (3) ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها. فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناصحُ ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
فإن قال بعضُ من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم تَركُ قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم بقراءتها ؟
قيل : إن أمرَه إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمرَ إباحة ورخصة. لأنّ القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم ، لوجب أن يكونَ العلمُ بكل حرف من تلك الأحرف السبعة ، عند من تقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبرهُ العذر ، ويزيل الشك من قَرَأةٍ الأمة (4) . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجبُ بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة.
__________
(1) في الموضعين من المطبوعة " وحرق " بالحاء المهملة و " يحرقه " وقال ابن حجر في الفتح 9 : 18 في شرح حديث البخاري : " في رواية الأكثر " أن يخرق " بالخاء المعجمة ، وللمروزي بالمهملة ، ورواه الأصيلي بالوجهين ، والمعجمة أثبت " . وخرق الكتاب أو الثوب : شققة ومزقه.
(2) في المطبوع والمخطوط " فاستوثقت " . ونقله ابن كثير في الفضائل : 70 " فاستوسقت " وهو الصواب. واستوسق القوم : اجتمعوا وانضموا. وفي حديث النجاشي : " واستوسق عليه أمر الحبش " أي اجتمعوا على طاعته. واستوسق لفلان الأمر : إذا أمكنه واجتمع له.
(3) قوله " من غير جحود منها " ، أي من الأمة ، وكذلك الضمائر فيما بعدها.
(4) في المطبوع : " من قراءة الأمة " ، والقرأة : جمع قارئ ، وانظر ما مضى : 51 في التعليق وما سيأتي : 109 تعليق : 1.

(1/64)


وإذْ كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقلَ جميع القراآت السبع ، تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا. إذْ كانَ الذي فعلوا من ذلك ، كان هو النَّظرَ للإسلام وأهله. فكان القيامُ بفعل الواجب عليهم ، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه ، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة ، من ذلك (1) .
وأما ما كانَ من اختلاف القراءة في رفع حرفٍ وجرِّه ونصبه ، وتسكين حرفٍ وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتّفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " - بمعزل (2) . لأنه معلوم أنه لا حرفَ من حروف القرآن - مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى - يوجب المراء به كفرَ الممارى به في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراءِ فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه ، وتظاهرتْ عنه بذلك الرواية (3) على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب (4) .
فإن قال لنا قائل : فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن ؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب ؟
__________
(1) قوله " من ذلك " ، أي من الجناية على الإسلام.
(2) أي " فمن معنى قول النبي.. بمعزل " .
(3) قوله " وتظاهرت " هي في المخطوطة مهملة ولا تكاد تقرأ على وجه مرضي.
(4) نقل ابن حجر في الفتح 9 : 27 عن الإمام الحافظ أبي شامة قال : " ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل " . وقال ابن عمار أيضًا : " لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ، وليته إذ اقتصر نقص على السبعة أو زاد ليزيل الشبهة " . وقال الإمام ابن الجزري في النشر 1 : 33 : " أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب : أبو عبيد القاسم بن سلام ، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة وتوفى سنة 224 " ... ثم قال في ص 34 : " وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط وتوفي سنة 324 " . ثم قال في ص 35 : " وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة ، وأن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي قراءة هؤلاء السبعة ، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير.. " .

(1/65)


قلنا : أما الألسن الستة التي قد نزلت القراءة بها ، فلا حاجة بنا إلى معرفتها ، لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليومَ بها مع الأسباب التي قدمنا ذكرها. وقد قيل إن خمسة منها لعَجُر هوَازن ، واثنين منها لقريش وخزاعة. رُوي جميعُ ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. وذلك أن الذي رَوَى عنه : " أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن " ، الكلبي عن أبي صالح ، وأنّ الذي روى عنه : " أن اللسانين الآخرين لسانُ قريش وخزاعة " ، قتادة ، وقتادة لم يلقَه ولم يسمع منه (1) .
65 - حدثني بذلك بعض أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر الخزاعي ، قال : حدثنا الهيثم بن عدي ، عن سعيد بن أبي عَروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآنُ بلسانُ قريش ولسان خزاعة ، وذلك أن الدار واحدةٌ.
66 - وحدثني بعض أصحابنا ، قال : حدثنا صالح بن نصر ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الأسود الدُّثَلي ، قال : نزل القرآن بلسان الكَعبين : كعب بن عمرو وكعب بن لؤيّ. فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم : ألا تعجبُ من هذا الأعمى! يَزعم أنّ القرآن نزل بلسان الكعبين ؛ وإنما أنزل بلسان قريش! (2)
__________
(1) انظر ما استوعبه ابن حجر في شرح هذا الباب كله في فتح الباري 9 : 30 ، وابن الجزري في النشر 1 : 19 - 53 ، وفضائل القرآن لابن كثير : 54 - 80 .
(2) الأثر 66 - وهذا الأثر منقطع أيضًا ، فإن قتادة ولد سنة 61. وأبو الأسود الدئلي مات سنة 69.
وروى الخطيب في تاريخ بغداد 5 : 173 - 174 ، نحو هذا مرفوعًا ، بإسناده ، من طريق " أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثني أبي عن سهل بن شعيب عن ابن سفيان الأسلمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزل القرآن على لغة الكعبين : كعب بن لؤي ، وهو أبو قريش ، وكعب بن عمرو ، وهو أبو خزاعة " .
وهذا إسناد مظلم!! أحمد بن عبد الجبار : ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1\1 : 62 ، وقال : " كتبت عنه ، وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه " ، ثم روى عن أبيه أبي حاتم قال : " ليس بقوي " . وأما عبد الجبار ، والد أحمد هذا ، فلم أجد له ترجمة قط. وأما سهل ابن شعيب ، فترجمه ابن أبي حاتم أيضًا ج 2\1 : 199 ، وذكر أنه يروى " عن الشعبي وعبيد الله ابن عبد الله الكندي " ، ولم يذكره بجرح ولا تعديل. ولم أجد له ترجمة غيرها. وأما " ابن سفيان الأسلمي " ، فما عرفت من هو ؟ وما أظنه من طبقة الصحابة ، إذ لم يدرك ذلك سهل بن شعيب ، وإن كان منهم كان الإسناد منقطعًا.

(1/66)


قال أبو جعفر : والعجز من هوازن : سعد بن بكر ، وجشم بن بكر ، ونصر ابن معاوية ، وثقيف (1) .
وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ، إذْ ذكرَ نزول القرآن على سبعة أحرفٍ : إن كلها شافٍ كافٍ - فإنه كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [سورة يونس : 57] ، جعله الله للمؤمنين شفاءً ، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وَساوس الشيطان وَخطراته ، فيَكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته.
__________
(1) في الأصل " وخيثم بن بكر " ، وكذلك في فضائل القرآن : 67 وهو خطأ. قال ابن كثير في عقب هذا " وهم عليا هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفل تميم ، يعني بني دارم " .

(1/67)


القول في البيان
عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآنمن سبعةِ أبوابِ الجنة " ، وذكر الأخبار الواردة بذلك (1)
قال أبو جعفر : اختلفت النقلة في ألفاظ الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
67 - فروى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف : زاجرٌ وآمرٌ (2) وحلالٌ وحرامٌ ، ومحكم ومتشابه ، وأمثال ، فأحِلُّوا حلاله وحَرِّموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نُهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله ، واعملوا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا : آمنّا به كلٌّ من عند ربنا.
حدثني بذلك يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني حَيوَة بن شريح ، عن عقيل بن خالد ، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) .
__________
(1) في المطبوعة : " المروية بذلك " .
(2) في المطبوعة " زجر وأمر " ، والصواب من المخطوطة وفضائل القرآن 66 ، وفتح الباري 9 : 26.
(3) الحديث 67 - قال ابن حجر في الفتح 9 : 26 وذكر الخبر السالف بهذا الإسناد فقال : " قال ابن عبد البر هذا حديث لا يثبت ، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود ، ولم يلق ابن مسعود " ، ثم قال : " وصحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم ، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري مرسلا ، وقال : هذا مرسل جيد " . وانظر فضائل القرآن 66. وانظر مسند أحمد في الحديث : 4252 عن فلفلة الجعفي عن ابن مسعود : " إن القرآن نزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف - أو قال : حروف - وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد " .

(1/68)


ورُوي عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَلا غيرُ ذلك :
68 - حدثنا محمد بن بشار ، قال حدثنا عباد بن زكريا ، عن عوف ، عن أبي قِلابة ، قال : بلغَني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآنُ على سبعة أحرفٍ ، أمرٍ وزجرٍ وترغيبٍ وترهيب وجدل وقصص ومثل (1) .
69 - وروى عن أبيّ ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ما حدثني به أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيّ بن كعب ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ ، فقلت : ربّ خففْ عن أمَّتي. قال : اقرأهُ على حرفين. فقلت : رب خفف عن أمتي. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سَبْعة أبواب من الجنة ، كلها شافٍ كافٍ (2) .
وروى عن ابن مسعود من قِيلِه خلافُ ذلك كله.
70 - وهو ما حدثنا به أبو كرُيب ، قال : حدثنا المحاربي ، عن الأحوص بن حكيم ، عن ضَمْرة بن حبيب ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إنّ الله أنزلَ القرآن على خمسة أحرف : حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. فأحِلَّ الحلال ، وحَرِّمِ الحرام ، واعملْ بالمحكم ، وآمن بالمتشابه ، واعتبر بالأمثال (3) .
__________
(1) الحديث 68 - هذا حديث مرسل ، فلا تقوم به حجة.
(2) الحديث 69 - هذا إسناد صحيح. وهو أحد روايات الحديث رقم : 31 الماضي ، وقد أشار الحافظ إلى هذه الرواية ، في الفتح 9 : 21. ووقع في الإسناد في نسخ الطبري هنا " عبيد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى " ، وهو خطأ ، صوابه " عبد الله " ، كما في الرواية الماضية. وليس في الرواة الذين رأينا تراجمهم " عبيد الله بن عيسى... " . ثم هنا أيضًا " عن أبيه عن جده " ، وأخشى أن يكون خطأ أيضًا ، إذ الحديث رواه عبد الله بن عيسى عن جده مباشرة ، كما مضى ، وكما في رواية مسلم في صحيحه 1 : 225 لذلك الحديث.
(3) الخبر 70 - هذا موقوف على ابن مسعود ، من كلامه ، كما صرح بذلك الطبري هنا بقوله " وروى عن ابن مسعود من قيله " . وذكره ابن كثير في الفضائل : 66 بعد الحديث 67 الماضي ، جعله رواية أخرى له ، قال : " ثم رواه عن أبي كريب... عن ابن مسعود ، من كلامه. وهو أشبه " .

(1/69)


وكل هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متقاربة المعاني ، لأن قول القائل : فلان مقيم على باب من أبواب هذا الأمر ، وفلان مقيم على وَجْه من وجوه هذا الأمر ، وفلان مُقيمٌ على حرفٍ من هذا الأمر - سواءٌ. ألا ترى أن الله جَلّ ثناؤه وصف قوماٌ عَبدوه على وجه من وجُوه العبادات ، فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف فقال : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } [سورة الحج : 11] ، يعني أنهم عبدوه على وجه الشك ، لا على اليقين والتسليم لأمره.
فكذلك روايةُ من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نزل القرآن من سبعة أبواب " و " نزل على سبعة أحرف " سواءٌ ، معناهما مؤتلف ، وتأويلهما غير مُختلف في هذا الوجه.
ومعنى ذلك كله ، الخبرُ منه صلى الله عليه وسلم عما خصه الله به وأمتَه ، من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أحدًا في تنزيله.
وذلك أنّ كل كتاب تقدَّم كتابَنا نزولُه على نبيّ من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ، فإنما نزل بلسان واحد ، متى حُوِّل إلى غير اللسان الذي نزل به ، كان ذلك له ترجمة وتفسيرًا (1) لا تلاوةً له على ما أنزلهُ الله.
وأنزل كتابنا بألسُن سبعة ، بأيِّ تلك الألسن السَّبعة تلاه التالي ، كان لهُ تاليًا على ما أنزله الله لا مترجِمًا ولا مفِّسرًا ، حتى يحوِّله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها ، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينئذٍ - إذا أصاب معناه - مُترجمًا له. كما كان التالي
__________
(1) يستعمل الطبري " الترجمة " وما يشتق منها بمعنى البيان والتفسير والشرح ، لا بمعنى نقل الكلام من لسان إلى لسان يباينه. والترجمة التي يشير إليها هنا هي ما مضى في خبر الأحرف التي نزل بها القرآن من مثل قولك " هلم. وأقبل " فإذا كان الكتاب الأول قد نزل وفيه ، " هلم " كان القارئ إذا قرأ " أقبل " ، وهي بمعناها ، مفسرًا للكتاب لا تاليًا له. انظر ما سيأتي : 32 ، 57 ، 67 ، 75 من مطبوعة بولاق.

(1/70)


لبعض الكتب التي أنزلها الله بلسان واحد - إذا تلاه بغير اللسان الذي نزل به - له مُترجِمًا ، لا تاليًا على ما أنزله الله به.
فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : كانَ الكتابُ الأول ، نزل على حَرفٍ واحدٍ ، ونزل القرآن على سبعة أحرف.
وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الكتاب الأول نزل من باب واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب " ، فإنه صلى الله عليه وسلم عنى بقوله : " نزل الكتاب الأول من باب واحد " ، والله أعلم ، ما نزل من كتب الله على من أنزله من أنبيائه ، خاليًا من الحدود والأحكام والحلال والحرام ، كزبور داود ، الذي إنما هو تذكير ومواعظ ، وإنجيل عيسى ، الذي هو تمجيدٌ ومحامد وحضٌّ على الصفح والإعراض - دون غيرها من الأحكام والشرائع - وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعَها كتابُنا ، الذي خَصَّ الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّته. فلم يكن المتعبَّدون بإقامته يجدون لِرضَى الله تعالى ذكره مطلبًا ينالون به الجنة ، ويستوجبون به منه القُرْبَة ، إلا من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابهُم ، وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب.
وخص الله نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه ، بأن أنزل عليهم كتابَه على أوجه سبعةٍ من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ، ويدركون بها الفوز بالجنة ، إذا أقاموها (1) فكُلّ وجه من أوجُهه السبعة بابٌ من أبواب الجنة التي نزل منها القرآن. لأن العامل بكل وجه من أوجُهه السبعة ، عاملٌ في باب من أبواب الجنة ، وطالب من قِبَله الفوز بها. والعملُ بما أمر الله جل ذكره في كتابه ، بابٌ من أبواب الجنة ، وتركُ ما نهى الله عنه فيه ؛ بابٌ آخر ثانٍ من أبوابها ؛ وتحليلُ ما أحلّ الله فيه ، بابٌ ثالث من أبوابها ؛ وتحريمُ ما حرَّم الله فيه ، باب رابعٌ من أبوابها ؛
__________
(1) في المطبوعة : " فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الذي نزل منه القرآن " . وهو تغيير لا جدوى فيه.

(1/71)


والإيمانُ بمحكمه المبين ، باب خامسٌ من أبوابها ؛ والتسليمُ لمتشابهه الذي استأثر الله بعلمه وحَجَب علمه عن خلقه والإقرارُ بأن كل ذلك من عند رّبه ، باب سادسٌ من أبوابها ؛ والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته ، باب سابعٌ من أبوابها.
فجميع ما في القرآن - من حروفه السبعة ، وأبوابه السبعة التي نزل منها - جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا ، ولهم إلى الجنة قائدًا. فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة " .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في القرآن : " إن لكلّ حرف منه حدًّا " ، يعني (1) لكل وجه من أوجهه السبعة حد حدّه الله جل ثناؤه ، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه.
وقوله صلى الله عليه وسلم : " وإن لكل حرف منها ظَهرًا وبطنًا " ، فظهره : الظاهر في التلاوة ، وبطنه : ما بطن من تأويله (2) .
وقوله : " وإن لكلّ حدٍّ من ذلكُ مطَّلَعًا " ، فإنه يعني أنّ لكل حدٍّ من حدود الله التي حدَّها فيه - من حلالٍ وحرامٍ ، وسائر شرائعه - مقدارًا من ثواب الله وعقابه ، يُعاينه في الآخرة ، ويَطَّلع عليه ويلاقيه في القيامة. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لو أنّ لي ما في الأرض من صفراءَ وبيضاءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطَّلَع " ، يعني بذلك ما يطَّلع عليه ويهجُم عليه من أمر الله بعد وفاته.
__________
(1) انظر ما مضى في خبر عبد الله بن مسعود. الحديث رقم : 10 والتعليق عليه.
(2) الظاهر : هو ما تعرفه العرب من كلامها ، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام. والباطن : هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه. ولم يرد الطبري ما تفعله طائفة الصوفية وأشباههم في التلعب بكتاب الله وسنة رسوله ، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن ، وادعائهم أن لألفاظه " ظاهرًا " هو الذي يعلمه علماء المسلمين ، و " باطنًا " يعلمه أهل الحقيقة ، فيما يزعمون.

(1/72)


(القول في الوجوه التي من قبلها يُوصَل إلى معرفة تأويل القرآن)
قال أبو جعفر : قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي ، وأنه نزل بألسُن بعض العرب دونَ ألسن جميعها ، وأن قراءة المسلمين اليوم - ومصاحفَهم التي هي بين أظهرهم - ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها. وقلنا - في البيان عمّا يحويه القرآنُ من النور والبرهان ، والحكمة والتِّبْيان (1) التي أودعها الله إياه : من أمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، ووعده ووعيده ، ومحكمه ومتشابهه ، ولطائف حُكمه - ما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه.
ونحن قائلون في البيان عن وُجوه مطالب تأويله :
قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [سورة النحل : 44] ، وقال أيضًا جل ذكره : { وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [سورة النحل : 64] ، وقال : { هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ } [سورة آل عمران : 7].
فقد تبين ببيان الله جلّ ذكره :
__________
(1) في المطبوعة : " والبيان " .

(1/73)


أنّ مما أنزل الله من القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك تأويل جميع ما فيه : من وجوه أمره - واجبه ونَدْبِه وإرْشاده - ، وصنوفِ نَهيه ، ووظائف حقوقه وحدوده ، ومبالغ فرائضه ، ومقادير اللازم بعضَ خَلْقه لبعض ، وما أشبه ذلك من أحكام آية ، التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمَّته. وهذا وجهٌ لا يجوز لأحد القول فيه ، إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له تأويلَه (1) بنصٍّ منه عليه ، أو بدلالة قد نصَبها ، دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله.
وأنّ منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار. وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة ، وأوقات آتية ، كوقت قيام الساعة ، والنفخ في الصور ، ونزول عيسى بن مريم ، وما أشبه ذلك : فإن تلك أوقاتٌ لا يعلم أحدٌ حدودَها ، ولا يعرف أحدٌ من تأويلها إلا الخبرَ بأشراطها ، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. وبذلك أنزل ربُّنا محكم كتابه (2) فقال : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [سورة الأعراف : 187]. وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئًا من ذلك ، لم يدلّ عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته كالذي روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ، إذ ذكر الدجّال : إنْْ يخرجْ وأنا فيكُم ، فأنا حَجِيجُه ، وإن يخرجْ بعدي ، فالله خليفتي عليكم " (3) وما أشبه
__________
(1) في المطبوعة : " له بتأويله " .
(2) في المطبوعة : " وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه " ، وهو تغيير وزيادة لغير فائدة.
(3) قال ابن حجر في الفتح 13 : 84 في شرح حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري ، وذكر الدجال فقال : " وما من نبي إلا أنذره قومه " ، قال : " في بعض طرقه : إن يخرج فيكم فأنا حجيجه " . وهو إشارة إلى حديث النواس بن سمعان ، مطولا ، في صحيح مسلم 2 : 376 ، وفيه : " إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم ، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم " . وانظر أيضًا مجمع الزوائد 7 : 347 - 348 ، 350 - 351 .
وقوله " حجيجه " أي محاجه ومغالبه بإظهار الحجة عليه.

(1/74)


ذلك من الأخبار - التي يطُول باستيعابها الكتاب - الدالّةِ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علمُ أوقاتِ شيء منه بمقادير السِّنين والأيام ، وأن الله جل ثناؤه إنما كان عرَّفه مجيئه بأشراطه ، ووقَّته بأدلته.
وأن منه ما يعلم تأويلَه كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك : إقامةُ إعرابه ، ومعرفةُ المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها ، فإنّ ذلك لاَ يجهله أحدٌ منهم. وذلك كسامعٍ منهم لو سمع تاليًا يتلو : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ } [سورة البقرة : 11 ، 12] ، لم يجهلْ أنّ معنى الإفساد هو ما ينبغي تركهُ مما هو مضرَّة ، وأن الإصلاحَ هو ما ينبغي فِعله مما فعلهُ منفعةٌ ، وإنْ جَهِل المعانيَ التي جعلها الله إفسادًا ، والمعانيَ التي جَعلها الله إصْلاحًا. فالذي يعلمه ذو اللسان - الذي بلسانه نزل القرآنُ - من تأويل القرآن ، هو ما وصفتُ : مِنْ معرفة أعيان المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة ، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي خص الله بعلمها نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، فلا يُدرَك علمُهُ إلا ببيانِه ، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه.
وبمثل ما قُلنا من ذلك رُوي الخبر عن ابن عباس :
71 - حدثنا محمد بن بشّار ، قال : حدثنا مؤمَّل ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، قال : قال ابن عباس : التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ : وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها ، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره.
قال أبو جعفر : وهذا الوجهُ الرابع الذي ذكره ابن عباس : مِنْ أنّ أحدًا

(1/75)


لاَ يُعذر بجهالته ، معنى غيرُ الإبانة عن وُجوه مَطالب تأويله. وإنما هو خبرٌ عن أنّ من تأويله ما لاَ يجوز لأحد الجهل به. وقد روى بنحو ما قلنا في ذلك أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ في إسناده نظر.
72 - حدثني يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت عمرو بن الحارث يحدث ، عن الكلبيّ ، عن أبي صالح ، مولى أمّ هانئ ، عن عبد الله بن عباس : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزل القرآن على أربعة أحرفٍ : حلالٌ وحرامٌ لاَ يُعذَر أحدٌ بالجهالة به ، وتفسيرٌ تفسِّره العرب ، وتفسيرٌ تفسِّره العلماء ، ومتشابهٌ لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره ، ومن ادَّعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب (1) .
__________
(1) الحديث 72 - إنما قال الطبري " فيه نظر " - : لأن الذي رواه هو الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وقد رد الطبري آنفًا خبرًا روى بمثل هذا الإسناد فقال : إنه ليس من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. انظر ص : 66.

(1/76)


ذكر بعض الأخبار
التي رُويت بالنهي عن القولِ في تأويل القرآن بالرَّأي
73 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : حدثنا شَريك ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس : أن النبي

(1/77)


صلى الله عليه وسلم قال : من قالَ في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار (1) .
74 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الأعلى - هو ابن عامر الثعلبي - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من قال في القرآن برأيه - أو بما لا يعلم - فليتبوأ مقعدَه من النار.
75 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا محمد بن بشر ، وَقبِيصة ، عن سفيان ، عن عبد الأعلى ، قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعدَه من النار.
76 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا الحكم بن بَشير ، قال : حدثنا عمرو بن قيس المُلائي ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار.
77 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن ليث ، عن بكر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : من تكلَّم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار.
78 - وحدثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة السُّوَائي ، قال : حدثنا حفص ابن غياث ، عن الحسن بن عُبيد الله ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أيُّ أرْضٍ تُقِلُّني ، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني ، إذا قلتُ في القرآن ما لا أعلم (2) !
79 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق : أيُّ أرضٍ تُقِلُّني ، وأيُّ سماءٍ تظلّني ، إذا قلتُ في القرآن برأيي - أو : بما لا أعلم.
قال أبو جعفر : وهذه الأخبار شاهدةٌ لنا على صحة ما قُلنا : من أنّ ما كان مِن تأويل آيِ القرآن الذي لا يُدرَك علمه إلا بنَصِّ بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بنَصْبه الدلالة عليه - فغير جائز لأحد القِيلُ فيه برأيه. بل القائلُ في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كانَ من فِعله ، بقيله فيه برأيه ، لأن إصابته ليستْ إصابة مُوقن أنه محقٌّ ، وإنما هو إصابة خارصٍ وظانً. والقائل
__________
(1) الأحاديث 73 - 76 - تدور هذه الأحاديث كلها على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ، وقد تكلموا فيه. " قال أحمد : ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ، ربما رفع الحديث وربما وقفه. وقال ابن عدي : يحدث بأشياء لا يتابع عليها ، وقد حدث عنه الثقات. وقال يعقوب بن سفيان : في حديثه لين وهو ثقة. وقال الدارقطني : يعتبر به. وحسن له الترمذي ، وصحح له الحاكم ، وهو من تساهله. وصحح الطبري حديثه في الكسوف " . تهذيب التهذيب 6 : 94 - 95. وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن عبد الأعلى : 2069 ، ورواه أيضًا من طريق أبي عوانة عن عبد الأعلى رقم : 3025 ، بلفظ : " من كذب على القرآن بغير علم " . وقلنا في شرح المسند : " إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى الثعلبي " ورواه أحمد أيضًا من أوجه أخر ، كلها من رواية عبد الأعلى. وقال ابن كثير في التفسير 1 : 11 : " هكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري ، به. ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن عبد الأعلى ، به ، مرفوعًا وقال الترمذي : هذا حديث حسن " . وأخشى أن يكون قول ابن جرير بعد : " وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا... " ، دالا على أنه يصحح حديثه هذا كما صحح حديثه في الكسوف.
(2) الخبر 78 - في المخطوطة والمطبوعة : " سالم بن جنادة " ، وهو خطأ. وفي المخطوطة " أبي نعم " مكان " أبي معمر " ، وهو خطأ. وأبو معمر هو : عبد الله بن سخبرة الأزدي ، تابعي ثقة ، أرسل الحديث عن أبي بكر. وإبراهيم الذي حدث عنه هو : إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي.
وقوله " تقلني " : أي تحملني. أقل الشيء واستقله : رفعه وحمله. وانظر طرق هذا الخبر في تفسير ابن كثير 1 : 12 .

(1/78)


في دين الله بالظنّ ، قائلٌ على الله ما لم يعلم. وقد حرَّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده ، فقال : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [سورة الأعراف : 33]. فالقائل في تأويل كتاب الله ، الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي جعل الله إليه بيانه - قائلٌ بما لا يعلمُ وإن وافق قيله ذلك في تأويله ، ما أراد الله به من معناه. لأن القائل فيه بغير علم ، قائلٌ على الله ما لا علم له به. وهذا هو معنى الخبر الذي : -
80 - حدثنا به العباس بن عبد العظيم العبري ، قال : حدثنا حبَّان بن هلال ، قال : حدثنا سهيل أخو حزم ، قال : حدثنا أبو عمران الجونيّ (1) عن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال في القرآن برأيه فأصاب ، فقد أخطأ (2) .
يعني صلى الله عليه وسلم أنه أخطأ في فعله ، بقيله فيه برأيه ، وإن وافق قِيلُه ذلك عينَ الصَّواب عند الله. لأن قِيله فيه برأيه ، ليس بقيل عالم أنّ الذي قال فيه من قول حقٌّ وصوابٌ. فهو قائل على الله ما لا يعلم ، آثم بفعله ما قد نُهىَ عنه وحُظِر عليه.
__________
(1) في المطبوعة " سهيل بن أبي حزم " ، وهو نفسه " سهيل أخو حزم " . وإنما قيل " سهيل أخو حزم " تعريفًا له بأخيه " حزم بن أبي حزم القطعي " ، إذ كان أوثق منه وأشهر. و " سهيل " هذا قال البخاري في التاريخ الكبير 2\ 2 : 107 : " ليس بالقوي عندهم " ، وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\ 1 : 247 - 248 عن أبيه ، قال : " سهيل بن أبي حزم : ليس بالقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به ، وحزم أخوه أتقن منه " . وفي المطبوعة أيضًا " أبو عمران الجويني " ، وهو خطأ ، وأبو عمران هو : عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري.
(2) الحديث 80 - قال ابن كثير في التفسير 1 : 11 - 12 ، ونقل الخبر عن الطبري : " وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطعي. وقال الترمذي : غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل " .

(1/79)


ذكر الأخبار التي رُويت
في الحضّ على العلم بتفسير القرآن ، ومن كان يفسِّره من الصَّحابة
81 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي ، قال سمعت أبي يقول : حدثنا الحسين بن واقد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن شَقيق ، عن ابن مسعود ، قال : كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ ، والعملَ بهنَّ (1) .
82 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جَرير ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا : أنهم كانوا يستقرِئون من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا (2) .
83 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا جابر بن نوح ، قال : حدثنا الأعمش ، عن مُسْلم ، عن مَسْروق ، قال : قال عبد الله : والذي لا إله غيره ، ما نزلتْ آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلتْ ؟ وأينَ أنزلت ؟ ولو أعلم مكانَ أحدٍ أعلمَ بكتاب الله مِنّى تنالُه المطايا لأتيته (3) .
__________
(1) الحديث 81 - هذا إسناد صحيح. وهو موقوف على ابن مسعود ، ولكنه مرفوع معنى ، لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير.
(2) الحديث 82 - هذا إسناد صحيح متصل. أبو عبد الرحمن : هو السلمي ، واسمه عبد الله بن حبيب ، وهو من كبار التابعين. وقد صرح بأنه حدثه الذين كانوا يقرئونه ، وأنهم " كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم " ، فهم الصحابة. وإبهام الصحابي لا يضر ، بل يكون حديثه مسندًا متصلا.
(3) الحديث 83 - أخرجه البخاري ، انظر فتح الباري 9 : 45 - 46 ، ولفظه " تبلغه الإبل لركبت إليه " .

(1/80)


84 - وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : كان عبدُ الله يقرأ علينا السُّورة ، ثم يحدِّثنا فيها ويفسِّرها عامَّةَ النهار (1) .
85 - حدثني أبو السائب سلم بن جُنادة (2) قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : استعمل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحج ، قال : فخطب الناسَ خطبة لو سمعها الترك والرُّوم لأسلموا ، ثم قرأ عليهم سُورة النور ، فجعل يفسرها.
86 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، قال : قرأ ابنُ عباسٍ سورة البقرة ، فجعل يُفسِّرها ، فقال رجل : لو سمعتْ هذا الديلمُ لأسلمتْ (3) .
87 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو يمَان : عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد بنُ جبير ، قال : من قرأ القرآنَ ثم لم يُفسِّره ، كان كالأعمى أو كالأعرابي (4) .
__________
(1) الحديث 84 - شيخ الطبري : هو يحيى بن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. مترجم في التهذيب. وجده " محمد " ، وجد أبيه " أبو عبيدة " واسمه " عبد الملك بن معن " - مترجمان فيه أيضًا. ولم نجد ترجمة لأبيه " إبراهيم بن محمد " .
(2) في المخطوط والمطبوع " سالم " ، وانظر ما سلف ص : 87 رقم : 1
(3) الخبران 85 - 86 - ذكرهما الحافظ ابن حجر في الإصابة 4 : 93 : فذكر أولهما " في رواية أبي العباس السراج من طريق أبي معاوية عن الأعمش " . وذكر ثانيهما من رواية " يعقوب بن سفيان عن قبيصة عن سفيان " ، وهو الثوري.
(4) الأثر 87 - أشعث بن إسحاق بن سعد بن مالك بن عامر القمي : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره. وله ترجمة في الكبير للبخاري 1\1 : 428 ، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1\1 : 269. وشيخه " جعفر " : هو جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي. وأما الراوي عن أشعث ، فقد ذكر هنا باسم " أبو يمان " ، و " أبو اليمان " هو الحكم بن نافع ، وهو من هذه الطبقة ، ولكن لم يذكر أنه يروى عن " أشعث " . والراجح عندنا أن صوابه " حدثنا ابن يمان " . وابن يمان : هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي ، وقد ذكر في الرواة عن أشعث ، وترجمه البخاري في الكبير 4\2 : 313 وقال : " سمع سفيان الثوري وأشعث القمي " .

(1/81)


88 - وحدثنا أبو كُريب ، قال : ذكر أبو بكر بن عياش : الأعمش ، قال : قال أبو وائل : وَلى ابنُ عباس الموسمَ ؛ فخطبهم ، فقرأ على المنبر سُورة النور ، والله لو سَمعها الترك لأسلموا. فقيل له : حدِّثنا به عن عاصم ؟ فسكت (1) .
89 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعتُ الأعمش ، عن شقيق ، قال : شهدت ابن عباس وَولىَ الموسم ، فقرأ سورة النور على المنبر ، وفسرها ، لو سمعت الروم لأسلمت (2) !
قال أبو جعفر : وفي حَثِّ الله عز وجلّ عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات (3) - بقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } [سورة ص : 29] وقوله : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [سورة الزمر : 27 ، 28] وما أشبه ذلك من آي القرآن ، التي أمر الله عبادَه وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن ، والاتِّعاظ بمواعظه - ما يدلّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيه.
لأنه محالٌ أن يُقال لمن لا يفهمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويلَه : " اعتبرْ بما لا فَهْم لك به ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام " - إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه ، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به. فأما قبلَ ذلك ، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل. كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلامَ العرب ولا يفهمونه ،
__________
(1) الخبر 88 - يريد : أن أبا بكر بن عياش قال : " الأعمش " ، ولم يقل : " حدثنا الأعمش " ولم يذكر من الذي حدثه عنه. ففهم السامعون أنه دلس شيخه الذي رواه عنه عن الأعمش ، وظنوا أنه عاصم بن أبي النجود ، فقالوا له " حدثنا به عن عاصم " ، فأبى وسكت. فلعله سمعه من شيخ آخر ضعيف.
(2) الخبر 89 - ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي.
(3) في المطبوعة " المواعظ والتبيان " .

(1/82)


لو أنشِد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتَ أمثالٍ ومواعظ وحِكم : " اعتبر بما فيها من الأمثال ، وادّكر بما فيها من المواعظ " - إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلامِ العرب ومعرفتِه ، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم (1) . فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق ، فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبَر. بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به ، إلا بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها.
فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ ، لا يجوز أن يقال : " اعتبرْ بها " إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا ، وبكلام العرب عارفًا ؛ وإلا بمعنى الأمر - لمن كان بذلك منهُ جاهلا - أنْ يعلم معاني كلام العرب ، ثم يتدبَّره بعدُ ، ويتعظ بحِكمَه وصُنوف عِبَرِه.
فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله - كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلا. وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون ، صحَّ أنهم - بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه ، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا - عارفون. وإذْ صَحَّ ذلك فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين - من كتاب الله وتنزيلِه - ما لم يحجب عن خَلقه تأويله.
__________
(1) في المخطوط والمطبوع : " نبهه عليه " ، وهو لا يستقيم لاضطراب الضمائر. وقد أعاد الطبري ضمائر هذه الجملة مرة على " بعض " من قوله " بعض أصناف الأمم " فذكر وأفرد. وذلك قوله " أنشد.. واعتبر.. وادكر " . ثم أعاد الضمير في سائر الجمل على " أصناف الأمم.. " فأنث وجمع ، وذلك قوله " نبهها.. وهي جاهلة.. فمحال أمرها.. " .

(1/83)


ذكر الأخبار
التي غلِطَ في تأويلها منكر والقول في تأويل القرآن
فإن قال لنا قائل : فما أنت قائلٌ فيما : -
90 - حدثكم به العباس بن عبد العظيم ، قال : حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة ، قال : حدثني جعفر بن محمد الزبيري ، قال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُفسِّر شيئًا منَ القرآن إلا آيًا بعَددٍ ، علَّمهنّ إياه جبريلُ.
91 - حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي ، قال : أخبرنا مَعْن ، عن جعفر بن خالد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفسر شيئًا من القرآن ، إلا آيًا بعَددٍ ، علمهنّ إياه جبريل عليه السلام (1) .
__________
(1) الحديث 90 ، 91 - هو بإسنادين ، ونقلهما ابن كثير في التفسير 1 : 14 - 15 عن الطبري ، وقال : " حديث منكر غريب. وجعفر هذا : هو ابن محمد بن خالد بن الزبير العوام القرشي الزبيري ، قال البخاري : لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث " . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 303 ، وقال : " رواه أبو يعلى ، والبزار بنحوه. وفيه راو لم يتحرر اسمه عند واحد منهما ، وبقية رجاله رجال الصحيح. أما البزار فقال : عن حفص أظنه ابن عبد الله عن هشام بن عروة. وقال أبو يعلى : عن فلان بن محمد بن خالد عن هشام " . أما ما ذكر عن البزار ، فإنه لم يقع له الراوي بنسبه ، ووقع له باسم " حفص " فظنه " ابن عبد الله " ، ولعله تصحف عليه في نسخته عن " جعفر " أو تصحف من الناسخين ، فظنه " جعفر بن عبد الله بن زيد بن أسلم " . و " جعفر بن عبد الله " هذا : مترجم في التهذيب ، وذكر أنه وقع اسمه في بعض نسخ مسند مالك للنسائي " حفص بن عبد الله " . وأيا ما كان فقد بان خطأ البزار في ظنه ، وأن الراوي هو " جعفر بن محمد بن خالد الزبيري " .
و " جعفر الزبيري " ، راوي هذا الحديث : ذكر في الإسناد الثاني منسوبًا إلى جده ، وهو جعفر بن محمد بن خالد ، كما بينه ابن كثير ، وكما ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1\1 : 487 - 488 ، وابن حجر في لسان الميزان 2 : 124. وترجمه البخاري في الكبير 1\2 : 189 منسوبًا لجده ، ثم قال : " قال لي خالد بن مخلد : حدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام... وقال معن : عن جعفر بن خالد " .
والراجح عندي أنه " جعفر بن محمد بن خالد " ، لما ذكرنا ، ولأن ابن سعد ترجم لجده " خالد بن الزبير " 5 : 137 ، وذكر أولاده ، وفيهم " محمد الأكبر " و " محمد الأصغر " ، ولم يذكر أن له ولدًا اسمه " جعفر " .
وسيأتي أن يعل الطبري نفسه هذين الإسنادين بأن جعفرًا راويهما " ممن لا يعرف في أهل الآثار " . ص : 89 وقد نقل ابن كثير أن البخاري قال فيه : " لا يتابع في حديثه " ، وكذلك نقل الذهبي عنه في الميزان ، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان. ولكن البخاري ترجم له في التاريخ الكبير ، فلم يقل شيئًا من هذا ولم يذكر فيه جرحًا ، وكذلك ابن أبي حاتم لم يذكر فيه جرحًا ، ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء. ونقل ابن حجر أن ابن حبان ذكره في الثقات. وأن يذكره البخاري في التاريخ دون جرح أمارة توثيقه عنده. وهذان كافيان في الاحتجاج بروايته. ولئن لم يعرفه الطبري في أهل الآثار لقد عرفه غيره.
وفي الإسناد الأول من هذين " محمد بن خالد ابن عثمة " ، وقد ترجمه البخاري في الكبير 1\1 : 73 - 74 ، وقال : " محمد بن خالد ، ويقال : ابن عثمة ، وعثمة أمه " ، ونحو ذلك في الجرح والتعديل 3\2 : 243 ، فينبغي أن ترسم " ابن " بالألف ، وهي مرفوعة تبعًا لرفع " محمد " وأمه " عثمة " بفتح العين المهملة وسكون الثاء المثلثة. ومحمد بن خالد هذا : ثقة.
وقوله في الروايتين " إلا آيًا بعدد " غيره مصححو المطبوعة " آيا تعد " . وفعلوا ذلك في حيث كرر لفظ الحديث بعد.

(1/84)


92 - وحدثنا أحمد بن عَبدة الضبي ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا عُبيد الله بن عمر ، قال : لقد أدركت فقهاء المدينة ، وإنهم ليغلظون القول في التفسير (1) منهم : سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيَّب ، ونافع.
93 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا بشر بن عمر ، قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن ، فقال : لا أقول في القرآن شيئًا.
94 - حدثنا يونس ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن ، قال : أنا لا أقول في القرآن شيئًا.
__________
(1) في المطبوعة : " ليعظمون القول " ، وهما سواء.

(1/85)


95 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت الليث يحدث ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيَّب : أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن (1) .
96 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، قال : حدثنا سفيان ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عَبِيدة السلماني عن آيةٍ ، قال : عليك بالسَّداد ، فقد ذهب الذين علمُوا فيمَ أنزل القرآن.
97 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابنُ عليَة ، عن أيوب وابن عون ، عن محمد ، قال : سألت عَبِيدة عن آية من القرآن فقال : ذهبَ الذين كانوا يعلَمون فيمَ أنزل القرآن ، اتّق الله وعليك بالسَّداد.
98 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مُليكة : أنّ ابن عباس سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ، فأبى أن يقول فيها.
99 - حدثني يعقوب ، قال : حدثنا ابن علية ، عن مهدي بن ميمون ، عن الوليد بن مسلم ، قال : جاءَ طلْق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله ، فسأله عن آية من القرآن ، فقال له : أحَرِّج عليك إن كنت مُسلمًا ، لمَّا قمت عنى - أو قال : أن تجالسني.
100 - حدثني عباس بن الوليد ، قال : أخبرني أبي ، قال : حدثنا عبد الله ابن شَوْذَب ، قال : حدثني يزيد بن أبي يزيد ، قال : كنا نسأل سعيدَ بن المسيَّب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سَكَتَ كأن لم يسمع.
101 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن عمرو بنُ مرة ، قال : سأل رجلٌ سعيد بن المسيب عن آية من القرآن ،
__________
(1) في المخطوطة : " إلا في المعلوم من التفسير " ، والمعنى قريب.

(1/86)


فقال : لا تسألني عن القرآن ، وسَل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه - يعني عكرمة.
102 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا سعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن عبد الله بن أبي السَّفَر ، قال : قال الشعبي : والله مَا مِن آية إلا قد سألتُ عنها ، ولكنها الروايةُ عن الله (1) .
103 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن صالح - يعني ابن مسلم - قال : حدثني رجل ، عن الشعبي ، قال : ثلاثٌ لا أقول فيهن حتى أموت : القرآن ، والروح ، والرأي (2) .
وما أشبه ذلك من الأخبار ؟ (3) .
قيل له : أما الخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يفسِّر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ ، فإن ذلك مصحِّح ما قلنا من القول في الباب الماضي قَبْل ، وهو : أنّ من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه (4) وحلاله وحرامه ، وحدوده وفرائضه ، وسائر معاني شرائع دينه ، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل ، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن ، من سائر حُكْمه الذي جعلَ الله بيانه لخلقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يعلمه رسول الله
__________
(1) الأخبار السالفة جميعًا نقلها ابن كثير عن الطبري في تفسيره 1 : 13 - 14 .
(2) الأثر 103 - صالح بن مسلم : هو البكري ، وهو ثقة من الطبقة العليا ، كما قال يحيى بن سعيد القطان ، فيما نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2\1 : 413. وترجمه البخاري في الكبير أيضًا 2\2 : 291. وهو من الرواة عن الشعبي ، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة ، وستأتي رواية له عن الشعبي رقم 114.
(3) هذا آخر السؤال الذي بدأ منذ ص : 84 .
(4) في المطبوعة " وذلك يفصل " . والإشارة في قوله " وذلك " إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/87)


صلى الله عليه وسلم إلا بتعليم الله إيَّاه ذلك بوحْيه إليه ، إما مع جبريل ، أو مع من شاء من رُسله إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسِّرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه ، وهنَّ لا شك آيٌ ذوات عَددٍ.
ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله ، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده ، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
فأما ما لا بُدَّ للعباد من علم تأويله ، فقد بيّن لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل. وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم فقال له جل ذكره : { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [سورة النحل : 44].
ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا

(1/88)


يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ - هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل الغياء ، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه ، كان إنما أُنزلَ إليه صلى الله عليه وسلم الذكرُ ليَترك للناس بيانَ ما أنزل إليهم ، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم.
وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ببلاغ ما أنزل إليه ، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم ، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به ، وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله (1) : كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - (2) ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه.
هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده ، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار ، وهو : جعفر بن محمد الزبيري.
وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين ، بإحجامه عن التأويل ، فإنّ فِعلَ من فعل ذلك منهم ، كفعل من أحجم منهم عن الفُتيا في النَّوازل والحوادث ، مع إقراره بأنّ الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه ، إلا بعد إكمال الدين به لعباده ، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة حُكمًا موجودًا بنصٍّ أو دلالة. فلم يكن إحجامُه عن القول في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهُرِ عباده ، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ في اجتهاده ما كلَّف الله العلماء من عباده فيه.
فكذلك معنى إحجام مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السَّلف ، إنما كان إحجامه عنه حِذارًا أن لا يبلغ أداءَ ما كلِّف من إصابة صوابِ القول فيه ، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة ، غير موجود بين أظهرهم.
__________
(1) في المطبوعة " قد بلغ فأدى.. " و " لقيله " .
(2) سياق عبارته من أول هذه الفقرة هو : " وفي أمر الله جل ثناؤه.. وفي قيام الحجة.. ، وفي صحة الخبر.. ما ينبئ.. "

(1/89)


{ذكر الأخبار}
{عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير}
{ومن كان منهم مذمومًا علمه به}
104 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن سليمان ، عن مسلم ، قال : قال عبد الله : نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس.
105 - حدثني يحيى بن داود الواسطي ، قال : حدثنا إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس.
106 - وحدثني محمد بن بشار ، قال : حدثنا جعفر بن عون ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق عن عبد الله ، بنحوه.
107 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا طَلق بن غنام ، عن عثمان المكي ، عن ابن أبي مُليكة قال : رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحُه ، فيقول له ابن عباس : " اكتب " ، قال : حتى سأله عن التفسير كلِّه (1) .
108 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا المحَاربي ، ويونس بن بُكير قالا حدثنا محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، قال : عرضتُ المصحفَ على ابن عباس ثلاث عَرْضات ، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقِفه عند كل آية منه وأسألُه عنها.
__________
(1) الخبر 107 - في المطبوعة : " ومع الواحد " وهو تصحيف. وقد نقله ابن كثير في التفسير 1 : 10 .

(1/90)


109 - وحدثني عبيد الله بن يوسف الجُبَيْريّ ، عن أبي بكر الحنفي ، قال : سمعت سفيان الثوري يقول : إذا جاءك التفسير عن مجاهدٍ فحسبُكَ به.
110 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا سليمان أبو داود ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن مَيْسَرة ، قال : لم يلق الضحّاكُ ابنَ عباس ، وإنما لقي سعيدَ ابن جبير بالرّيّ ، وأخذ عنه التفسير.
111 - حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن مُشَاش ، قال : قلت للضحاك : سمعتَ من ابن عباس شيئًا ؟ قال : لا
112 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا ابن إدريس ، قال حدثنا زكريا ، قال : كان الشعبي يمرّ بأبي صالح باذان ، فيأخُذ بأذنه فيعرُكُها ويقول : تُفسِّر القرآنَ وأنتَ لا تقرأ القرآن! (1)
113 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شَبُّويه ، قال : حدثنا علي بن الحسين ابن واقد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثني سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس : { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ } [سورة غافر : 20] قال : قادر على أن يجزىَ بالحسنة الحسنة (2) وبالسيئة السيئة { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [سورة غافر : 20] ، قال الحسين : فقلت للأعمش : حدَّثني به الكلبي ، إلا أنه قال : إنّ الله قادرٌ أن يجزىَ بالسيئة السيئة وبالحسنة عَشْرًا ، فقال الأعمش : لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني إلا بخفير (3) .
__________
(1) الأثر 112 - أبو صالح باذان ، ويقال " باذام " : هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، وهو تابعي ثقة ، ومن تكلم فيه فإنما تكلم لكثرة كلامه في التفسير ، وفي رواية الكلبي عنه. انظر شرح المسند في الحديث 2030 ، وهذا الخبر الذي هنا نقله ابن حجر في التهذيب في ترجمته 1 : 417 عن زكريا ، وهو ابن أبي زائدة. وعرك الأديم والأذن : أخذهما بين يديه أو إصبعيه ودلكهما دلكًا شديدًا.
(2) في المخطوطة : " قادر على أن لا يجزى " وهو خطأ.
(3) الخبر 113 - يأتي هذا الخبر في تفسير سورة غافر : 20 . ونصه هناك : " ما خرج مني إلا بحقير " ، والذي كان هنا في المطبوعة " ما خرج مني بحقير " ، والصواب ما أثبتناه. و " الخفير " : مجير القوم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده. وراوى هذا الخبر - علي بن الحسين بن واقد : ضعفه أبو حاتم ، وقال البخاري : " كنت أمر عليه طرفى النهار ، ولم أكتب عنه " . وأبوه حسين بن واقد : ثقة.

(1/91)


114 - حدثني سليمان عبد الجبار ، قال : حدثنا علي بن حَكيم الأوْديّ ، قال : حدثنا عبد الله بن بُكَير ، عن صالح بن مسلم ، قال : مرّ الشعبي على السُّدِّي وهو يفسر ، فقال : لأن يُضرب على استِك بالطبل ، خيرٌ لك من مجلسك هذا (1) .
115 - حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدَثني علي بن حَكيم ، قال : حدثنا شَريك ، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي ، قال : كنت مع إبراهيم ، فرأى السُّدِّي ، فقال : أمَا إنه يُفسِّر تَفسير القوم.
116 - حدثنا ابن البرقي ، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سمعتُ سعيد بن بَشِير ، يقول عن قتادة ، قال : ما أرى أحدًا يجري مع الكلبيّ في التفسير في عِنَان.
قال أبو جعفر : قد قلنا فيما مَضى من كتابنا هذا في وُجوه تأويل القرآن ، وأن تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلاثة :
أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه ، وهو الذي استأثر الله بعلمه ، وحَجبَ علمه عن جميع خلقه ، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة ، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة ، مثل : وقت قيام الساعة ، ووقت نزول عيسى بن مريم ، ووقت طلوع الشمس من مغربها ، والنفخ في الصور ، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني : ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته ، وهو ما فيه مما بعباده إلى
__________
(1) الأثر 114 - صالح بن مسلم : مضت ترجمته في الحديث 103 .

(1/92)


علم تأويله الحاجةُ ، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويلَه.
والثالث منها : ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن ، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه ، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قِبَلهم.
فإذ كان ذلك كذلك ، فأحقُّ المفسرين بإصابة الحق - في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلم تَأويله للعباد السبيلُ - أوضحُهم حُجة فيما تأوّل وفسَّر ، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته (1) من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه : إمَّا من جهة النقل المستفيض ، فيما وُجِد فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيض ، وإمَّا من جهة نقل العدول الأثبات ، فيما لم يكن فيه عنه النَّقلُ المستفيض ، أو من جهة (2) الدلالة المنصوبة على صحته ؛ وأصحُّهم برهانًا (3) - فيما ترجَم وبيّن من ذلك - ممَا كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان : (4) إمّا بالشواهد من أشعارهم السائرة ، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة ، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر ، بعد أن لا يكون خارجًا تأويلُه وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك ، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة ، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.
__________
(1) سياق عبارته " أوضحهم حجة.. من أخبار رسول الله.. " وما بينهما فصل.
(2) كل ما جاء في هذه العبارة من قوله " جهة " ، فمكانه في المطبوعة " وجه " .
(3) في المطبوعة : " وأوضحهم برهانا " ، وليست بشيء. وقوله : " وأصحهم برهانًا " معطوف على قوله آنفًا " أوضحهم حجة " .
(4) ترجم : فسر وبين ، كما مضى آنفًا في ص : 70 رقم : 1 .

(1/93)


القول في تأويل أسماء القرآن وسُوَره وآيهِ
قال أبو جعفر : إنّ الله تعالى ذكرهُ سمَّى تنزيله الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم أسماء أربعة :
منهن : " القرآن " ، فقال في تسميته إياه بذلك في تَنزيله : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } [سورة يوسف : 3] ، وقال : { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [سورة النمل : 76].
ومنهنّ : " الفرقان " ، قال جل ثناؤه في وحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم يُسمِّيه بذلك : { تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [سورة الفرقان : 1].
ومنهن : " الكتاب " : قال تباركَ اسمهُ في تسميته إياه به : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا } [سورة الكهف : 1].
ومنهنّ : " الذكر " ، قال تعالى ذكره في تسميته إياه به : { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [سورة الحجر : 9].
ولكلّ اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب ، معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخر ووجهه.
فأما " القرآن " ، فإن المفسرين اختلفوا في تأويله. والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس : من التلاوة والقراءة ، وأن يكون مصدرًا من قول القائل :

(1/94)


قرأت ، كقولك " الخُسران " من " خَسِرت " ، و " الغُفْران " من " غفر الله لك " ، و " الكُفران " من " كفرتُك " ، " والفرقان " من " فَرَق الله بين الحق والباطل " .
117 - وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي حدثني ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } يقول : بيَّناه ، { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } [سورة القيامة : 18] يقول : اعمل به (1) .
ومعنى قول ابن عباس هذا : فإذا بيَّناه بالقراءة ، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ، ما : -
118 - حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عباس : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [سورة القيامة : 17] قال : أن نُقرئك فلا تنسى { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } عليك { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } يقول : إذا تُلي عليك فاتَّبعْ ما فيه (2) .
قال أبو جعفر : فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابن عباس : أنّ معنى " القرآن " عنده القراءة ، فإنه مصدر من قول القائل : قَرأتُ ، على ما بيَّناه.
وأما على قول قتادة ، فإن الواجب أن يكون مصدرًا ، من قول القائل : قرأتُ الشيء ، إذا جمعتَهُ وضممتَ بعضه إلى بعض ، كقولك : " ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلًى قطُّ " (3) تريد بذلك أنها لم تضمُمْ رحمًا على ولد ، كما قال عَمرو بن كلثوم التغلبيّ :
__________
(1) الأثر 117 - سيأتي في تفسير سورة القيامة : 17 - 18 ، وفي إسناده هناك خطأ ، ذلك أنه قال : " حدثنا علي قال حدثنا أبو صالح.. " وصوابه : " حدثنا يحيى قال حدثنا أبو صالح " . وأبو صالح هو : عبد الله بن صالح المبين في إسنادنا هذا.
(2) الأثر 118 - سيأتي أيضا في تفسير هذه الآية من سورة القيامة.
(3) السلى : الجلدة الرقيقة التي يكون الولد في بطن أمه ملفوفًا فيها ، وهو في الدواب والإبل : السلى ، وفي الناس : المشيمة.

(1/95)


تُرِيكَ - إذَا دَخَلْتَ على خَلاء ، ... وَقَدْ أمِنَت عُيُونَ الكاشِحِينا - (1)
ذِرَاعَىْ عَيْطَلٍ ، أدْماءَ ، بِكْرٍ ، ... هِجَانِ الّلوْن ، لَمْ تَقْرَأ جَنِينا (2)
يعني بقوله : " لم تقرأ جنينًا " ، لم تضمُمْ رحمًا على ولد.
119 - وذلك أن بشر بن مُعاذ العَقَديّ حدثنا قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال : حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادةَ في قوله تعالى : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } يقول : حفظه وتأليفه ، { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } اتَّبع حلاله ، واجتنب حرامه.
120 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة بمثله. (3)
فرأى قتادة أن تأويلَ " القرآن " : التأليفُ.
قال أبو جعفر : ولكلا القولين - أعنى قولَ ابن عباس وقول قتادة - اللذين حكيناهما ، وجهٌ صحيح في كلام العرب. غيرَ أنّ أولى قولَيْهما بتأويل قول الله تعالى : { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } قول ابن عباس.
لأن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه في غير آيةٍ من تنزيله باتباع ما أوحى إليه ، ولم يرخِّص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ له. فكذلك قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحى إليه في تنزيله.
__________
(1) من معلقته المشهورة. والضمير في قوله : " تريك " إلى أم عمرو صاحبته. والكاشح : العدو المضمر العداوة ، المعرض عنك بكشحه. وقوله : " على خلاء " ، أي على غرة وهي خالية متبذلة.
(2) العيطل : الناقة الطويلة العنق في حسن منظر وسمن. والأدماء : البيضاء مع سواد المقلتين ، وخير الإبل الأدم ، والعرب تقول : " قريش الإبل أدمها وصهبها " ، يعنون أنها في الإبل كقريش في الناس فضلا. ووصفها بأنها بكر ، لأن ذلك أحسن لها ، وهي في عهدها ذلك ألين وأسمن. وهجان اللون : بيضاء كريمة. وسيأتي هذا البيت الثاني في تفسير الطبري 29 : 118 " بولاق " .
(3) الأثر 119 ، 120 - سيأتي بإسناديه في تفسير سورة القيامة.

(1/96)


ولو وَجب أنْ يكون معنى قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه - لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ولا فرضُ { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ } [سورة المدثر : 1 ، 2] قبل أن يؤلَّف إلى ذلك غيرُه من القرآن. وذلك ، إنْ قاله قائل ، خروجٌ من قول أهل المِلَّة.
وإذ صَحَّ أن حكم كلّ آية من آي القرآن كانَ لازمًا النبيَّ صلى الله عليه وسلم اتباعُه والعملُ به ، مؤلَّفة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلَّفة - صحّ ما قال ابن عباس في تأويل قوله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أنه يعني به : فإذا بيَّناه لك بقراءتنا ، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا - دون قول من قال : معناه ، فإذا ألَّفناه فاتَّبع ما ألفناه.
وقد قيل إن قول الشاعر :
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِه ... يُقَطِّع الَّليلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنَا (1)
يعني به قائله : تسبيحًا وقراءةٌ.
فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يسمى " قرآنًا " بمعنى القراءة ، وإنما هو مقروء ؟
قيل : كما جاز أن يسمى المكتوب " كتابًا " ، بمعنى : كتاب الكاتب ، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته :
تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى ، وفيها ... كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاءُ (2)
__________
(1) البيت لحسان بن ثابت ، ديوانه : 410 ، وضحى : ذبح شاته ضحى النحر ، وهي الأضحية. واستعاره حسان لمقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 ، رضي الله عنهما. والعنوان : الأثر الذي يظهر فتستدل به على الشيء.
(2) لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي بين يدي. وتنصب " مثل " على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف ، وتقديره : " كتاب لاصق لصوقًا مثل ما لصق الغراء "

(1/97)


يريد : طلاقًا مكتوبًا ، فجعل " المكتوب " كتابًا.
وأما تأويل اسمه الذي هو " فُرْقان " ، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة ، هي في المعاني مؤتلفة.
121 - فقال عكرمة ، فيما حدثنا به ابن حُميد ، قال : حدثنا حَكَّام بن سَلْم ، عن عَنْبسة ، عن جابر ، عن عكرمة : أنه كان يقول : هو النَّجاة.
وكذلك كان السُّدِّيّ يتأوَّلهُ.
122 - حدثنا بذلك محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أحمد بن المُفَضَّل ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدِّي - وهو قول جماعة غيرهما.
وكان ابن عباس يقول : " الفرقان " : المخرَجُ.
123 - حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس.
وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله بذلك.
124 - حدثنا بذلك ابن حُميد ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن جابر ، عن مجاهد (1) .
وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل : { يَوْمَ الْفُرْقَانِ } [سورة الأنفال : 41] يومٌ فَرَقَ الله فيه بين الحقّ والباطل.
125 - حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثني أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد (2) .
وكل هذه التأويلات في معنى " الفرقان " - على اختلاف ألفاظها - متقاربات المعاني. وذلك أنّ من جُعِل له مخرجٌ من أمر كان فيه ، فقد جُعل
__________
(1) الآثار السالفة كلها مروية في تفسير آية الأنفال : 29 .
(2) الأثر 125 - يأتي في تفسير آية الأنفال : 41

(1/98)


له ذلك المخرجُ منه نجاةٌ. وكذلك إذا نُجِّي منه ، فقد نُصِر على من بَغَاه فيه سُوءًا ، وفُرِق بينه وبين باغيه السُّوءَ.
فجميع ما روينا - عمن روينا عنه - في معنى " الفرقان " ، قولٌ صحيح المعاني ، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك.
وأصل " الفُرْقان " عندنا : الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما. وقد يكون ذلك بقضاءٍ ، واستنقاذٍ ، وإظهار حُجَّة ، ونَصْرٍ (1) وغير ذلك من المعاني المفرِّقة بين المحقّ والمبطِل. فقد تبين بذلك أنّ القرآن سُمّي " فرقانًا " ، لفصله - بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معاني حُكمه - بين المحق والمبطل. وفرقانُه بينهما : بنصره المحقّ ، وتخذيله المبطل ، حُكمًا وقضاءً.
وأما تأويل اسمه الذي هو " كتابٌ " : فهو مصدر من قولك " كتبت كتابًا " كما تقولُ : قمت قيامًا ، وحسبت الشيء حسابًا. والكتابُ : هو خطُّ الكاتب حروفَ المعجم مجموعةً ومفترقة. وسُمي " كتابًا " ، وإنما هو مكتوب ، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به :
وفيها كِتابٌ مثلَ ما لَصِقَ الغِراءُ
يعني به مكتوبًا.
وأما تأويل اسمه الذي هو " ذِكْرٌ " ، فإنه محتمل معنيين : أحدهما : أنه ذكرٌ من الله جل ذكره ، ذكَّر به عباده ، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه ، وسائرَ ما أودعه من حُكمه. والآخر : أنه ذكرٌ وشرف وفخرٌ لمن آمن به وصدَّق بما فيه ، كما قال جل ثناؤه : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } [سورة الزخرف : 44] ، يعني به أنه شرفٌ له ولقومه.
__________
(1) في المطبوعة : " وتصرف " مكان " ونصر " ، وهو خطأ محض.

(1/99)


ثم لسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
126 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا أبو العوَّام - وحدثني محمد بن خلف العَسْقلاني ، قال : حدثنا رَوَّاد بن الجرّاح ، قال : حدثنا سعيد بن بَشير ، جميعًا - عن قتادة ، عن أبي المَليح ، عن واثلة بن الأسْقَع : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعطِيتُ مكان التوراةِ السبعَ الطُّوَل ، وأعطيت مكان الزَّبور المِئِين ، وأعطيتُ مكان الإنجيل المَثَاني ، وفُضِّلت بالمفصَّل (1) .
127 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلية ، عن خالد الحذَّاء ، عن أبي قِلابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطِيتُ السبعَ الطُّوَل مكان التوراة ، وأعطيت المثانِيَ مكانَ الزَّبور ، وأعطيت المئين مكانَ الإنجيل ، وفُضِّلت بالمفصَّل (2) . قال خالد : كانوا يسمُّون المفصَّل : العربيَّ. قال خالد : قال بعضهم : ليس في العربيّ سجدةٌ.
__________
(1) الحديث 126 - رواه الطبري هنا بإسنادين ، أحدهما صحيح ، والآخر ضعيف : فرواه من طريق أبي داود الطيالسي عن أبي العوام ، وهذا إسناد صحيح. ورواه من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير ، وهذا إسناد ضعيف - كلاهما عن قتادة.
أما طريق الطيالسي ، فإنه في مسنده رقم 1012 ، ورواه أحمد في المسند رقم 17049 (4 : 107 طبعة الحلبي) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 158 ، ونسبه أيضًا للطبراني " بنحوه " . وأبو العوام ، في الإسناد الأول : هو " عمران بن داور " بفتح الدال وبعد الألف واو مفتوحة وآخره راء - " القطان " ، وهو ثقة.
وأما الطريق الثاني ، ففي إسناده " رواد بن الجراح العسقلاني " ، وهو صدوق ، إلا أنه تغير حفظه في آخر عمره ، كما قال أبو حاتم ، فيما نقله عنه ابنه في الجرح والتعديل 1\2 : 524 ، وقال البخاري في الكبير 2\1 : 307 : " كان قد اختلط ، لا يكاد أن يقوم حديثه " . و " رواد " بفتح الراء وتشديد الواو وآخره دال. ووقع في الأصول هنا " داود " ، وهو خطأ. وفي إسناده أيضًا " سعيد بن بشير " ، وهو صدوق يتكلمون في حفظه. ولكن لم ينفرد " رواد " بروايته عن سعيد ، فقد ذكره ابن كثير في التفسير 1 : 64 من كتاب أبي عبيد : عن هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب عن سعيد بن بشير ، وقال ابن كثير : " هذا حديث غريب ، وسعيد بن بشير : فيه لين " ، وهو تعليل غير محرر! فإن سعيد بن بشير لم ينفرد به - كما هو ظاهر - بل تأيدت روايته برواية الطيالسي عن أبي العوام عمران بن داور ، وهو إسناد صحيح ، كما قلنا. وسيأتي بإسناد ثالث ، رقم 129.
(2) الحديث 127 - هذا خبر مرسل عن أبي قلابة.

(1/100)


128 - وحدثنا محمد بن حميد ، قال حدثنا حَكَّام بن سَلْم ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عاصم ، عن المسيَّب ، عن ابن مسعود قال : الطُّوَل كالتوراة ، والمئون كالإنجيل ، والمثاني كالزَّبور ، وسائر القرآن بعدُ فَضْلٌ على الكتب (1) .
129 - حدثني أبو عُبيد الوَصَّابي ، قال : حدثنا محمد بن حفص ، قال : أنبأنا أبو حميد ، حدثنا الفزاري ، عن ليث بن أبي سُلَيم ، عن أبي بُرْدة ، عن أبي المَلِيح ، عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال أعطاني ربيّ مكانَ التوراة السبعَ الطول ، ومكان الإنجيل المثاني ، ومكان الزَّبور المئين ، وفضّلني ربي بالمفصَّل (2) .
قال أبو جعفر : والسبع الطُّوَل : البقرةُ ، وآل عِمْران ، والنساء ، والمائدة ،
__________
(1) الخبر 128 - لم نجد خبر ابن مسعود هذا. و " عاصم " : هو ابن أبي النجود ، بفتح النون ، وهو عاصم بن بهدلة. و " المسيب " : هو ابن رافع الأسدي ، وهو تابعي ثقة ، ولكنه لم يلق ابن مسعود ، إنما يروى عن مجاهد ونحوه ، كما قال أبو حاتم. انظر التهذيب 10 : 153 ، والمراسيل لابن أبي حاتم : 76 ، وشرح المسند ، في الحديث : 3676.
(2) الحديث 129 - هذا إسناد آخر للحديث الماضي 126 ، وهو إسناد مشكل ، لم تستبن لنا حقيقته :
فأوله " أبو عبيد الوصابي حدثنا محمد بن حفص " ! كذا وقع في الأصول. وأخشى أن يكون خطأ ، بل لعله الراجح عندي ، فإن أبا عبيد الوصابي : هو محمد بن حفص نفسه ، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3\2 : 237 ، قال : " محمد بن حفص الوصابي الحمصي أبو عبيد ، روى عن محمد بن حمير وأبي حيوة شريح بن يزيد. أدركته وأردت قصده والسماع منه ، فقال لي بعض أهل حمص : ليس بصدوق ، ولم يدرك محمد بن حمير ، فتركته " . وترجمه الحافظ في لسان الميزان 5 : 146 بنحو هذا ، وزاد أن ابن مندة ضعفه ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات. وكذلك ذكره الدولابي في الكنى 2 : 75 ، 76 باسمه وكنيته ، وروى حديثًا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عبيد هذا.
ثم " أبو حميد " الراوي عنه محمد بن حفص : لم أستطع أن أعرف من هو ؟ وكذلك " الفزاري " شيخ أبي حميد ، وقد يكون هو أبا إسحاق الفزاري.
وأما أبو بردة : فهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ، وهو يروي في هذا الإسناد عن أبي المليح بن أسامة الهذلي ، وكلاهما تابعي ، إلا أن أبا بردة أكبر من أبي المليح ، فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وفي مجمع الزوائد 7 : 158 حديث نحو هذا من حديث أبي أمامة ، قال الهيثمي : " رواه الطبراني ، وفيه ليث بن أبي سليم ، وقد ضعفه جماعة ، ويعتبر بحديثه ، وبقية رجاله رجال الصحيح " .

(1/101)


والأنعام ، والأعراف ، ويونس ، ، في قول سعيد بن جبير (1) .
130 - حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هُشيم ، عن أبي بِشر ، عن سعيد بن جبير.
وقد روي عن ابن عباس قولٌ يدلّ على موافقته قولَ سعيد هذا.
131 - وذلك ما حدثنا به محمد بن بَشَّار ، قال : حدثنا ابن أبي عَديّ ، ويحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر ، وسهل بن يوسف ، قالوا : حدثنا عَوْف ، قال : حدثني يزيد الفارسيّ ، قال : حدثني ابن عباس : قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عَمَدْتُم إلى الأنفال ، وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطرًا : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ووضعتموهما في السبع الطُّوَل ؟ ما حملكم على ذلك ؟ قال عثمان : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممَّا يأتي عليه الزمانُ وهو تُنزل عليه السُّورُ ذواتُ العَدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ببعض من كان يكتبُ فيقول : ضَعُوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءةُ من آخر القرآن نزولا وكانت قِصَّتُها شبيهةً بقصتها ، فظننت أنها منها. فقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيِّن لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنتُ بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ووضعتهما في السبَّع الطُّوَل " (2) .
فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه ، أنه لم يكن تَبيَّن له أنَّ
__________
(1) انظر تفسير ابن كثير في أول سورة البقرة 1 : 64. و " الطول " ، بضم الطاء وفتح اللام : جمع " الطولى " ، مثل " الكبر " و " الكبرى " .
(2) الخبر 131 - رواه أحمد بن حنبل في المسند عن يحيى بن سعيد ، وعن إسماعيل بن إبراهيم ، وعن محمد بن جعفر ، كلهم عن عوف الأعرابي ، بهذا الإسناد ، مطولا ، برقمي : 399 ، 499 وهو حديث ضعيف جدًا ، فصلت طرقه ، ووجه ضعفه ، في شرح المسند : 399.

(1/102)


الأنفال وبراءةَ من السبع الطُّوَل ، ويصرِّح عن ابن عباس انه لم يكن يَرى ذلك منها.
وإنما سميت هذه السور السبعَ الطُّوَل ، لطولها على سائر سُوَر القرآن.
وأما " المئون : فهي ما كان من سور القرآن عددُ آية مئة آية ، أو تزيد عليها شيئا أو تنقص منها شيئا يسيًرا.
وأما " المثاني : فإنها ما ثَنيَّ المئين فتلاها ، وكان المئون لها أوائلَ ، وكان المثاني لها ثواني. وقد قيل : إن المثاني سميت مثاني ، لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثالَ والخبرَ والعبرَ ، وهو قول ابن عباس.
132 - حدثنا بذلك أبو كريب ، قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن عبد الله بن عثمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس.
وروى عن سعيد بن جبير ، أنه كان يقول : إنما سميت مثاني لأنها ثنيت فيها الفرائضُ والحدود.
133 - حدثنا بذلك محمد بن بَشَّار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جُبير.
وقد قال جماعة يكثر تعدادهم : القرآن كله مَثانٍ.
وقال جماعة أخرى : بل المثاني فاتحة الكتاب ، لأنها تُثْنَى قراءتُها في كل صلاة.
وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعللَهم ، والصوابَ من القول فيما اختلفوا فيه من ذلك ، إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [سورة الحجر : 87] إن شاء الله ذلك.
وبمثل ما جاءتْ به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسماء سور القرآن التي ذُكرَتْ ، جاء شعرُ الشعراء. فقال بعضهم :

(1/103)


حَلفتُ بالسَّبع اللّواتي طُوِّلتْ ... وبِمِئينَ بعدَها قد أُمْئِيَت (1)
وبمَثَانٍ ثُنِّيتْ فكُرِّرتْ ... وبالطَّواسِينِ التي قد ثُلِّثَتْ (2)
وبالحَوامِيم اللَّوَاتِي سُبِّعتْ ... وبالمفصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلتْ (3)
قال أبو جعفر رحمة الله عليه : وهذه الأبيات تدل على صحّة التأويل الذي تأوَّلناه في هذه الأسماء.
وأما " المفصَّل " : فغنها سميت مفصَّلا لكثرة الفصول التي بين سورَها ب " بسم الله الرحمن الرحيم " .
قال أبو جعفر : ثم تسمى كل سورة من سور القرآن " سورة " ، وتجمع سُوَرًا " ، على تقدير " خُطبة وخُطب " ، " وغُرفة وغُرَف " .
والسورة ، بغير همز : المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سُور المدينة ، سمي بذلك الحائطُ الذي يحويها ، لارتفاعه على ما يحويه. غير أن السُّورة من سُور المدينة لم يسمع في جمعها " سُوَر " ، كما سمع في جمع سورة من القرآن " سور " . قال العجاج في جمع السُّورة من البناء :
فرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ ... سُرْتُ إليه في أعالي السُّورِ (4)
فخرَج تقدير جمعها على تقدير جَمع بُرَّة وبُسْرة ، لأن ذلك يجمع بُرًّا وبُسرًا. وكذلك لم يسمع في جمع سورة من القرآن سُوْرٌ ، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس ، إذا أريد به جميعُ القرآن. وإنما تركوا - فيما نرى - جمعه كذلك ، لأن كل جمع كان بلفظ الواحد المذكَّر مثل : بُرّ وشعير وقَصَب وما أشبه ذلك ، فإن
__________
(1) الأبيات في مجاز القرآن لأبي عبيدة : 7. أمأيت لك الشيء : أكملت لك عدته حتى بلغ المئة.
(2) الطواسين التي ثلثت ، يعني طسم الشعراء ، وطس النمل ، وطسم القصص.
(3) الحواميم التي سبعت : سبع سور من سورة غافر إلى سورة الأحقاف.
(4) ديوانه : 27 . والسرادق : كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه ، من مضرب أو خباء أو بناء. ويعني حريم الملك. ومحجور : محرم ممنوع لا يوطأ إلا بإذن. وسار الحائط يسوره وتسوره : علاه وتسلقه. " سرتُ إليه " : تسلقته.

(1/104)


جِماعَه يجري مجرى الواحد من الأشياء غيره (1) . لأن حكم الواحد منه منفردًا قَلَمَّا يُصاب ، فجرى جماعه مجرى من الأشياء غيره (2) ثم جُعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه ، فقيل : بُرَّة وشعيرة وقصبة ، يراد به قطعة منه (3) . ولم تكن سور القرآن موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرّ والشعير وسور المدينة ، بل كلّ سورة منها موجودةٌ منفردة بنفسها ، انفرادَ كل غُرْفة من الغُرف وخُطبة من الخطب ، فجُعِل جمعُها جمع الغُرَف والخطب ، المبنيِّ جمعها من واحدها.
ومن الدلالة على أنّ معنى السورة : المنزلةُ من الارتفاع ، قول نابغة بني ذُبيان :
أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أعطاكَ سُورَةً ... تَرَى كلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ (4)
يعني بذلك : أنّ الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التي قصَّرت عنها منازلُ الملوك.
وقد همز بعضهم السورةَ من القرآن. وتأويلُها ، في لغة من هَمَزها ، القطعةُ التي قد أفضِلت من القرآن عما سواها وأبقيت. وذلك أن سؤر كل شيء : البقية منه تَبقى بعدَ الذي يُؤخذ منه ، ولذلك سميت الفضْلة من شراب الرجل - يشرَبُه ثم يُفضلها فيبقيها في الإناء - سُؤْرًا. ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة ، يصف امرأةً فارقته فأبقت في قلبه من وجْدِها بقية :
فبَانَتْ ، وقد أَسْأَرتْ في الفُؤادِ ... صَدْعًا ، على نَأيِهَا ، مُسْتَطِيَرا (5)
__________
(1) في المطبوعة : " فإن جماعه كالواحد " . وفي المخطوطة " فإن جماعه مجرى الواحد " ، سقط من الناسخ قوله " يجري... " .
(2) في المطبوعة " مفردا " مكان " منفردا " .
(3) يعني أنه اسم جنس ، سبق الجمع الواحد. لأنه لم يوضع للآحاد ، وإنما وضع لجملته مجتمعًا ، وهو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء.
(4) ديوانة : 57 ، ويأتي في تفسير الطبري : 215 (بولاق). يتذبذب : يضطرب ويحار. والذبذبة : تردد الشيء المعلق في الهواء يمنة ويسرة. يقول : أعطاك الله من المنزلة الرفيعة ، ما لو رامه ملك وتسامى إليه ، بقى معلقًا دونها حائرًا يضطرب ويتردد ، لا يطيق أن يبلغها.
(5) ديوانه : 67 ، ويأتي في تفسير للطبري 29 : 129 (بولاق). استطار الصدع في الزجاجة وغيرها : تبين فيها من أولها إلى آخرها ، وفشا وامتد.

(1/105)


وقال الأعشى في مثل ذلك :
بَانَتْ ، وقد أَسْأَرْت في النَّفس حَاجتَهَا ، ... بعدَ ائتِلاف; وخيرُ الوُدِّ ما نَفَعَا (1)
وأما الآية من آي القرآن ، فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب :
أحدهُما : أن تكون سمِّيت آية ، لأنها علامةٌ يُعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها ، كالآية التي تكون دلالةً على الشيء يُستدلْ بها عليه ، كقول الشاعر :
ألِكْنى إليها ، عَمْرَك اللهُ يا فَتى ، ... بآيةِ ما جَاءتْ إلينا تَهَادِيَا (2)
يعني : بعلامة ذلك (3) . ومنه قوله جل ذكرُه : { رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ } [سورة المائدة : 114] أي علامةً منك لإجابتك دُعاءنا وإعطائك إيَّانا سُؤلَنا.
والآخر منهما : القصةُ ، كما قال كعب بن زهير بن أبي سُلمى :
ألا أبْلغا هذا المُعَرِّض آيَةً : ... أَيْقَظانَ قالَ القولَ إذْ قَالَ ، أمْ حَلَم (4)
يعني بقوله " آية " : رسالةً منّي وخبرًا عني.
فيكون معنى الآيات : القصص ، قصةٌ تتلو قصةً ، بفُصُول ووُصُول.
__________
(1) ديوانه : 73 . " بعد ائتلاف " : أي بعد ما كنا فيه من جمّاع وألفة.
(2) الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس ، ديوانه : 19 ، ويأتي في تفسير الطبري 1 : 156 (بولاق) ألكنى إليها : أبلغها رسالة مني ، والرسالة : الألوك والمألكة. وتهادى في مشيه : تمايل دلالا أو ضعفًا.
(3) في المخطوطة : " بعلامة دلت " ، وهو خطأ.
(4) ديوانه : 64 ، وروايته : " أنه أيقظان " . وقد استظهرت في شرح كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام : 89 ، أن الصواب " آية " ، كما جاء في مخطوطة الطبقات ، وشرح الطبري دال على صواب ما استظهرت. وأهملت كتب اللغة تفسير هذا الحرف على وجهه ، مع مجيئه في شعر كعب وغيره ، كقول حجل بن نضلة :
أبلغْ معاويةَ الممزَّق آيَةً ... عنِّي ، فلستُ كبَعض من يتَقَوَّلُ

(1/106)


{القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب}
قال أبو جعفر : صَحَّ الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما : -
134 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : هي أمّ القرآن ، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني (1) .
فهذه أسماءُ فاتحة الكتاب.
وسمّيت " فاتحة الكتاب " ، لأنها يُفتتح بكتابتها المصاحف ، ويُقرأ بها في الصلوات ، فهي فَواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة.
وسمّيت " أم القرآن " لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها ، وتأخُّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيهٌ بمعنى فاتحة الكتاب. وإنما قيل لها - بكونها كذلك - أمَّ القرآن ، لتسمية العرب كل جامع أمرًا - أو مقدِّمٍ لأمر إذا كانت له توابعُ تتبعه ، هو لها إمام جامع - " أمًّا " . فتقول للجلدة التي تجمع الدُّماغ : " أم الرأس " (2) . وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش - " أمًّا " . ومن ذلك قول ذي الرُّمة ، يصف رايةً معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحبُه :
__________
(1) الحديث 134 - رواه أحمد في المسند : 9787 (3 : 448 طبعة الحلبي). والبخاري 8 : 289 فتح الباري - كلاهما من طريق ابن أبي ذئب ، بهذا الإسناد. ولفظ أحمد : " قال في أم القرآن : هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي القرآن العظيم " . ولفظ البخاري : " أم القرآن : هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم " . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 21 ، من روايتي المسند والطبري. وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 3 ، ونسبه أيضًا للدارمي وأبي داود والترمذي وابن المنذر وغيرهم. وسيذكره الطبري مرة أخرى ، في تفسير الآية 87 من سورة الحجر (14 : 40 - 41 من طبعة بولاق) ، بهذا الإسناد.
(2) في المخطوطة : " تلي للدماغ " ، وهذه أجود.

(1/107)


وَأَسَمْرَ ، قَوَّامٍ إذَا نَام صُحْبَتِي ، ... خَفِيفِ الثِّيابِ لا تُوَارِي لَهُ أَزْرَا (1)
عَلَى رَأْسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بِهَا ، ... جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لَهَا أمْرَا (2)
إذَا نزلتْ قِيلَ : انزلُوا ، وإذا غدَتْ ... غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهَا فَخْرَا (3)
يعني بقوله : " على رأسه أمٌّ لنا " ، أي على رأس الرمح رايةٌ يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدوّ. وقد قيل إن مكة سميت " أمّ القُرى " ، لتقدُّمها أمامَ جميعِها ، وجَمْعِها ما سواها. وقيل : إنما سُميت بذلك ، لأن الأرض دُحِيَتْ منها فصارت لجميعها أمًّا. ومن ذلك قولُ حُميد بن ثَوْر الهلاليّ :
إذا كانتِ الخمسُونَ أُمَّكَ ، لَم يكنْ ... لِدَائك ، إلا أَنْ تَمُوت ، طَبِيبُ (4)
لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها من العدد ، فسماها أمًّا للذي قد بلغها.
__________
(1) ديوانه : 183 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبري أجودهما. أسمر : يعني رمحًا أسمر القناة. قوام : يظل الليل قائمًا ساهرًا. خفيف الثياب : يعني اللواء. والأزر : الظهر. يقول : رمح أسمر عاري الثياب ، لا يواري اللواء ظهره كما يواري الثوب ظهر اللابس.
(2) في الديوان : " يهتدي " ، والصواب " نهتدي " . وأمه التي ذكر ، هي اللواء ، ويقال للواء وما لف على الرمح منه : أم الرمح. وجماع أمور : أي تجمعها فتجتمع عليها ، وفي الحديث : " حدثني بكلمة تكون جماعًا. قال : اتق الله فيما تعلم " . والأمور جمع أمر : يعني شئونًا عظامًا. وأما قوله : لا نعاصي لها أمرًا. فهو من الأمر نقيض النهي.
(3) " نزلت " يعني الراية. و " غدت " : سارت غدوة. وفي المطبوعة " ذات تزريق " وهو خطأ. والبزريق : الموكب الضخم فيه جماعات الناس. وقوله : " ننال بها فخرًا " أي نغزو في ظلالها ، فنظهر على عدونا ونظفر ونغنم ، وذلك هو الفخر. وفي الديوان : " تخال بها فخرًا " وفي المخطوطة : " تخال لها " ، كأنه من صفة الراية نفسها ، تهتز وتميل فخرًا وتيهًا لكثرة أتباعها من الغزاة والفرسان.
(4) الشعر ليس لحميد بن ثور ، ولا هو في ديوانه ، بل هو لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب ، مولى بني تيم ثم من بني سليم ، من أهل الكوفة ، من شعراء الدولة العباسية. أحد الخلعاء المجان الوصافين للخمر ، كان صديقا لإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ، ونديمًا لهما. ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم ، واتصل بيزيد بن مزيد ، فلم يزل منقطعًا إليه حتى مات يزيد. الأغاني 18 : 115. وهذا البيت من قصيدة له ، روى بعض أبياتها الجاحظ في البيان 3 : 195 ، وابن قتيبة في عيون الأخبار 2 : 322 ، والراغب في محاضرات الأدباء 2 : 198 ، ومجموعة المعاني : 124 ، والشعر فيها جميعًا منسوب لأبي محمد التيمي ، وهو :
إذا كانت السبعون سنّك ، لم يكُن ... لدائِك ، إلا أن تَموتَ ، طبيبُ وإن امرأً قد س ... إلى مَنْهلٍ ، مِن وِرْدِه لقريبُ إذا ما خلوتَ الدَّ ... خلوتُ ، ولكن قلْ عليَّ رقيبُ إذا مَا انقَضَى القَرْن ... وخُلِّفْت في قرنٍ فأنت غريبُ
وللبيت الثاني قصة في أمالي القالي 3 : 1 ، وانظر زهر الآداب 3 : 221 ، وذكر البيت الثاني والرابع وقال : " قال دعبل : وتزعم الرواة أنه لأعرابي من بني أسد " . واختلفوا في رواية قوله : " السبعون سنك " ، ففيها " الخمسون " ، و " الستون " . ولم أجد روايته " أمك " مكان " سنك " إلا في كتاب الطبري وحده.

(1/108)


وأما تأويل اسمها أنها " السَّبْعُ " ، فإنها سبعُ آيات ، لا خلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك.
وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات. فقال عُظْمُ أهل الكوفة : صارت سبع آيات ب { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين. وقال آخرون : هي سبع آيات ، وليس منهن { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ولكن السابعة " أنعمت عليهم " . وذلك قول عُظْم قَرَأةِ أهل المدينة ومُتْقنيهم (1) .
قال أبو جعفر : وقد بيَّنا الصواب من القول عندنا في ذلك في كتابنا : (اللطيف في أحكام شرائع الإسلام) بوجيز من القول ، ونستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين في كتابنا : (الأكبر في أحكام شرائع الإسلام) إن شاء الله ذلك.
وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم آياتها السبعَ بأنهن مَثان ، فلأنها تُثْنَى قراءتها في كل صلاة وتطوُّع ومكتوبة. وكذلك كان الحسن البصري يتأوّل ذلك.
135 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُليَة ، عن أبي رَجاء ، قال سألت الحسن عن قوله : { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }
__________
(1) في المطبوعة : " أعظم أهل الكوفة... " ثم " أعظم قراء أهل المدينة " . وهو تغيير. وعظم الشيء أو الناس : معظمهم وأكثرهم. و " قرأة " جمع قارئ. وانظر ما سلف : 51 - 52 التعليق رقم : 3 و ص 64 تعليق رقم : 4 . وفي المطبوعة " ومتفقهيهم " ، غيروه أيضًا.

(1/109)


[سورة الحجر : 87] قال : هي فاتحة الكتاب. ثم سئل عنها وأنا أسمع فقرأها : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } حتى أتى على آخرها ، فقال : تُثْنَى في كل قراءة - أو قال - في كل صلاة. الشك من أبي جعفر الطبري (1) .
والمعنى الذي قلنا في ذلك قصد أبو النجم العجلي بقوله :
الحمدُ لله الذي عَافَانِي ... وكلَّ خَيْر بعدَهُ أَعْطانِي
مِنَ القُرَآن ومِنَ المَثَاني (2)
وكذلك قول الراجز الآخر :
نَشَدْتُكم بِمُنزل الفُرقانِ ... أمِّ الكِتَاب السَّبع من مَثَانِي (3)
ثُنِّينَ مِنْ آيٍ من القُرْآنِ ... والسَّبعِ سبعِ الطُّوَل الدَّوانِي (4)
وليس في وجوب اسم " السبع المثاني " لفاتحة الكتاب ، ما يدفع صحة وجوب اسم " المثاني " للقرآن كله ، ولما ثَنَّىالمئين من السور (5) . لأن لكلٍّ وجهًا ومعنًى مفهومًا ، لا يَفْسُد - بتسميته بعضَ ذلك بالمثاني - تسميةُ غيره بها.
فأما وجه تسمية ما ثَنَّى المئينَ من سور القرآن بالمثاني ، فقد بينا صحته ، وسندُلّ على صحة وجه تسمية جميع القرآن به عند انتهائنا إليه في سورة الزُّمَر ، إن شاء الله.
__________
(1) الأثر 135 - سيأتي في تفسير الآية : 87 سورة الحجر 14 : 38 - 39 (بولاق) ، بهذا الإسناد ، بلفظ " في كل قراءة " ، ولم يشك الطبري هناك. و " أبو رجاء " ، في هذا الإسناد : هو " محمد بن سيف الأزدي الحداني البصري " ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي وغيرهم.
(2) اللسان (ثنى) : ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 7. وقوله " بعده " الضمير عائد بالتذكير إلى معنى العافية في البيت السالف. ورواية اللسان وأبي عبيدة " وكل خير صالح " ، ثم روى الأخير :
" رب مثاني الآي والقرآن "
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة : 7 " أم الكتاب " بدل من " الفرقان " .
(4) في المطبوعة " تبين " ولا معنى لها ، ومكان هذه الكلمة بياض في المخطوطة. و " ثنين " : كررن مرة بعد مرة. وقوله " الدواني " مكانها بياض في المخطوطة. وكأنه أراد جمع دانية ، ووصفها بأنها " دواني " ، أي قطوفها دانية.
(5) في المطبوعة : " وجود " مكان " وجوب " في الموضعين السالفين. وفي المطبوعة " ولما يثنى من السور " ، وهي في المخطوطة : " ولما هي المئين... " وكلتاهما خطأ. وقد سلف في ص : 103 قوله : " وأما المثاني ، فإنها ما ثنى المئين فتلاها ، وكان المئون لها أوائل ، وكان المثاني لها ثواني " وثنى : أتى ثانيًا له.

(1/110)


القول في تأويل الاستعاذة
تأويل قوله : { أَعُوذُ } .
قال أبو جعفر : والاستعاذة : الاستجارة. وتأويل قول القائل : { أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه - من الشيطان أن يضرَّني في ديني ، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي.
تأويل قوله : { مِنَ الشَّيْطَانِ }
قال أبو جعفر : والشيطان ، في كلام العرب : كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء. وكذلك قال ربّنا جل ثناؤه : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ } [سورة الأنعام : 112] ، فجعل من الإنس شياطينَ ، مثلَ الذي جعل من الجنّ.
وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ، وركب بِرذَوْنًا فجعل يتبختر به ، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا ، فنزل عنه ، وقال : ما حملتموني إلا على شيطانٍ! ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نَفسي.
136 - حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر (1) .
قال أبو جعفر : وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا ، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله ، وبُعدِه من الخير. وقد قيل : إنه أخذ من
__________
(1) الأثر : 136 نقله ابن كثير في التفسير 1 : 32 من رواية ابن وهب ، بهذا الإسناد. وقال " إسناده صحيح " . وذكر الطبري في التاريخ 4 : 160 نحو معناه بسياق آخر ، بدون إسناد.

(1/111)


قول القائل : شَطَنَتْ دَاري من دارك - يريد بذلك : بَعُدت. ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان :
نأتْ بِسُعَادَ عَنْك نَوًى شَطُونُ ... فبانَت ، والفؤادُ بها رَهِينُ (1)
والنوى : الوجه الذي نَوَتْه وقصَدتْه. والشَّطونُ : البعيد. فكأن الشيطان - على هذا التأويل - فَيعَال من شَطَن. ومما يدلّ على أن ذلك كذلك ، قولُ أميّة ابن أبي الصّلت :
أَيُّمَا شاطِن عَصَاه عَكاهُ ... ثُم يُلْقَى في السِّجْن والأكْبَالِ (2)
ولو كان فَعلان ، من شاطَ يشيط ، لقال أيُّما شائط ، ولكنه قال : أيما شاطنٍ ، لأنه من " شَطَن يَشْطُنُ ، فهو شاطن " .
تأويل قوله : (الرَّجِيمِ).
وأما الرجيم فهو : فَعيل بمعنى مفعول ، كقول القائل : كفٌّ خضيبٌ ، ولحيةٌ دهين ، ورجل لَعينٌ ، يريد بذلك : مخضوبة ومدهونة وملعون. وتأويل الرجيم : الملعون المشتوم. وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم الرَّميُ ، بقول كان أو بفعل. ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه : { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ } [سورة مريم : 46].
وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان رجيمٌ ، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته ، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب (3)
__________
(1) زيادات ديوانه : 20 .
(2) ديوانه : 51 ، واللسان (شطن) و (عكا). وعكاه في الحديد والوثاق : شده شدًّا وثيقًا. والأكبال جمع كبل : وهو القيد من الحديد. وأظنه أراد هنا البيت في السجن المضبب بالحديد ، من قولهم : كبله كبلا : حبسه في سجن. هذا ما أستظهره من سياق الشعر.
(3) الشهب ، جمع شهاب : وهو الشعلة من النار ، ثم استعير للكوكب الذي ينقض بالليل. والثواقب ، جمع ثاقب : وهو المضيء المشتعل.

(1/112)


وقد رُوي عن ابن عباس ، أن أول ما نزل جبريلُ على النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّمه الاستعاذة.
137 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سَعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أول ما نزل جبريلُ على محمد قال : " يا محمد استعذ ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : قل : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ثم قال : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1]. قال عبد الله : وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل (1) .
فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه.
__________
(1) الحديث 137 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 30 عن هذا الموضع من الطبري ، وقال : " وهذا الأثر غريب! وإنما ذكرناه ليعرف ، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا " . وسيرويه الطبري بعد ذلك ، برقمي 138 ، 139 ، بهذا الإسناد نفسه ، بأطول مما هنا. وسنذكر الضعف الذي أشار إليه ابن كثير : وقوله " استعذ " ليست في المطبوعة.
أما عثمان بن سعيد ، فهو الزيات الأحول ، مترجم في التهذيب ، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3\ 1\ 152 ، وروى عن أبيه أنه قال : " لا بأس به " . وأما بشر بن عمارة ، فهو الخثعمي الكوفي ، وهو ضعيف ، قال البخاري في التاريخ الكبير 1\ 2\ 81 " تعرف وتنكر " ، وقال النسائي في الضعفاء : ص 6 " ضعيف " ، وقال الدارقطني : " متروك " ، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين : ص 125 رقم 132 : " كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد ، ولم يكن يعلم الحديث ولا صناعته " ، وأما شيخه أبو روق - بفتح الراء وسكون الواو - فهو عطية بن الحارث الهمداني ، وهو ثقة ، وقال أحمد والنسائي : " لا بأس به " .
وأما الانقطاع الذي أشار إليه ابن كثير ، فمن أجل اختلافهم في سماع الضحاك بن مزاحم الهلالي من ابن عباس. وقد رجحنا في شرح المسند : 2262 سماعه منه.
وكفى ببشر بن عمارة ضعفًا في الإسناد ، إلى نكارة السياق الذي رواه وغرابته!!

(1/113)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

القول في تأويل
(بسم الله الرحمن الرحيم)
القول في تأويل قوله : { بِسْمِ } .
قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته (1) ، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه ، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها (2) ، وسبيلا يتَّبعونه عليها ، فبه افتتاح أوائل منطقهم (3) ، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل : " بسم الله " ، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.
وذلك أن الباء من " بسم الله " مقتضية فعلا يكون لها جالبًا ، ولا فعلَ معها ظاهرٌ ، فأغنت سامعَ القائل " بسم الله " معرفتُه بمراد قائله ، عن إظهار قائل ذلك مُرادَه قولا إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرًا ، قد أحضرَ منطقُه به - إمّا معه ، وإمّا قبله بلا فصْلٍ - ما قد أغنى سامِعَه عن دلالةٍ شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح قِيلَه به (4) . فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه ، نظيرَ استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له : ما أكلت اليوم ؟ فقال : " طعامًا " - عن أن يكرّر المسئُولُ مع قوله " طعامًا " ، أكلت ، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه (5) ، بتقدُّم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذًا أنّ قول
__________
(1) تقدم إليه بشيء : أمره بفعله أو إتيانه .
(2) يقول : جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها . فقدم قوله " منه لجميع خلقه " .
(3) في المطبوعة : " في افتتاح . . . " والضمير في " فبه " عائد إلى " ما أدبه به " .
(4) في المطبوعة : " من إظهار " ، " من دلالة شاهدة " .
(5) معناه : أي ما يعنيه ويقصده .

(1/114)


القائل إذا قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تاليًا سورةً ، أن إتباعه " بسم الله الرحمن الرحيم " تلاوةَ السورة ، يُنبئ عن معنى قوله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهومٌ به أنه مريد بذلك : أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك قوله : " بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبئ عن معنى مراده بقوله " بسم الله " ، وأنه أراد بقِيلِه " بسم الله " ، أقوم باسم الله ، وأقعد باسم الله. وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك ، هو معنى قول ابن عباس الذي : -
138 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشرُ بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : إنَّ أول ما نزل به جبريلُ على محمد ، قال : " يا محمد ، قُل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ثم قال : " قل بسم الله الرحمن الرحيم " . قال : قال له جبريل : قل بسم الله يا محمد ، يقول : اقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله. (1)
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإن كان تأويلُ قوله " بسم الله " ما وصفتَ ، والجالبُ الباءَ في " بسم الله " ما ذكرتَ ، فكيف قيل " بسم الله " ، بمعنى أقرأ باسم الله " ، أو أقوم أو أقعد باسم الله ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ الله ، فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه ، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا فبالله قيامُه وقعودُه وفعلُه. وهَلا - إذْ كان ذلك كذلك - قيل " بسم الله الرحمن الرحيم " ولم يَقُل " بسم الله " ؟ فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم ، أو أقرأ بالله - أوضحُ معنى لسامعه من قوله " بسم الله " ، إذ كان قوله أقوم " أقوم أو أقعد باسم الله " ، يوهم سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله.
قيل له ، وبالله التوفيق : إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّمته في نفسك. وإنما معنى قوله " بسم الله " : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء ،
__________
(1) الحديث 138 - مضى مختصرًا ، بهذا الإسناد 137 . وفصلنا القول فيه هناك .

(1/115)


أو أقرأ بتسميتي اللهَ ، أو أقوم وأقعد بتسميتي اللهَ وذكرِه - لا أنه يعني بقِيلِه " بسم الله " : أقوم بالله ، أو أقرأ بالله ، فيكونَ قولُ القائل : أقرأ بالله ، أو أقوم أو أقعد بالله - أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله " بسم الله " .
فإن قال : فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ ، فكيف قيل : " بسم الله " وقد علمتَ أنّ الاسم اسمٌ ، وأن التسمية مصدرٌ من قولك سَمَّيت ؟
قيل : إن العربَ قد تخرج المصادرَ مبهمةً على أسماء مختلفة ، كقولهم : أكرمتُ فلانًا كرامةً ، وإنما بناءُ مصدر " أفعلتُ " - إذا أخرج على فعله - " الإفعالُ " . وكقولهم : أهنت فلانًا هَوانًا ، وكلّمته كلامًا. وبناء مصدر : " فعَّلت " التفعيل. ومن ذلك قول الشاعر :
أَكُفْرًا بعد رَدِّ المَوْتِ عَنِّي... وبعد عَطَائِكَ المِئَةَ الرِّتَاعَا (1)
يريد : إعطائك. ومنه قول الآخر :
وَإن كانَ هذا البُخْلُ منْك سَجيةً... لقد كُنْتُ في طَولِي رَجَاءكَ أَشْعَبَا (2)
يريد : في إطالتي رجاءك. ومنه قول الآخر :
أَظُلَيْمُ إن مُصَابَكم رَجُلا... أَهْدَى السّلامَ تحيَّةً ظُلْمُ (3)
يريد : إصابتكم. والشواهد في هذا المعنى تكثُرُ ، وفيما ذكرنا كفاية ، لمن وُفِّق لفهمه.
__________
(1) الشعر للقطامي ديوانه : 41 ، ويأتي في تفسير آية سورة يوسف : 12 (ج 12 ص 94 بولاق) . يقول لزفر بن الحارث الكلابي ، وكان أسره في حرب ، فمن عليه وأعطاه مئة من الإبل ، ورد عليه ماله . يقول : أأكفر بما وليتني ، وقد أعطيت ما أعطيت . والعطاء بمعنى الإعطاء ، ولذلك نصب به " المئة " . والرتاع جمع راتع : يعني الإبل ترتع في مرعى خصيب تذهب فيه وتجيء .
(2) لم أجد البيت . وأشعب : الطماع الذي يضرب به المثل في الطمع المستعر .
(3) الشعر للحارث بن خالد المخزومي ، الأغاني 9 : 225 - 226 ، وهذا البيت الذي من أجله أشخص الواثق إليه أبا عثمان المازني النحوي ، وله قصة . انظر الأغاني 9 : 234 وغيره ، وفي المطبوعة : " أظلوم " ، والصواب من المخطوطة ، والأغاني وأمالي الشجري 1 : 107 وغيرها . وهذه الشواهد السالفة استشهاد من الطبري على أن الأسماء تقوم مقام المصادر فتعمل عملها في النصب . وظليم : هي أم عمران ، زوجة عبد الله بن مطيع ، وكان الحارث ينسب بها ، فلما مات زوجها تزوجها .

(1/116)


فإذْ كان الأمر - على ما وصفنا ، من إخراج العرب مصادرَ الأفعال على غير بناء أفعالها - كثيرًا ، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودًا فاشيًا (1) ، فبيِّنٌ بذلك صوابُ ما قلنا من التأويل في قول القائل " بسم الله " ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله ، قبل فعلي ، أو قبل قولي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، إنما معناه : أقرأ مبتدئًا بتسمية الله ، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله. فجُعِل " الاسمُ " مكان التسمية ، كما جُعل الكلامُ مكان التكليم ، والعطاءُ مكان الإعطاء.
وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك ، رُوِي الخبر عن عبد الله بن عباس.
139 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أوّل ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : " يا محمد ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : " قل : بسم الله الرحمن الرحيم " .
قال ابن عباس : " بسم الله " ، يقول له جبريلُ : يا محمد ، اقرأ بذكر الله ربِّك ، وقم واقعد بذكر الله. (2)
وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل مفتتحًا قراءته : " بسم الله الرحمن الرحيم " : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وأفتتح القراءة بتسمية الله ، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى - ويوضح فسادَ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم أوّلِ كلِّ شيء (3) ، مع أن العباد
__________
(1) أراد بقوله : " تصديرها " : أي جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الأفعال ، وذلك كقولك : ذهب ذهابًا ، فذهب صدرت عن قولك " ذهاب " ، ويعمل عندئذ عمل الفعل . وعنى أنهم يخرجون المصدر على وزن الاسم فيعمل عمله ، كقولك " الكلام " هو اسم ما تتكلم به ، ولكنهم قالوا : كلمته كلامًا ، فوضعوه موضع التكليم ، وأخرجوا من " كلم " مصدرًا على وزن اسم ما تتكلم به ، وهو الكلام ، فكان المصدر : " كلامًا " .
(2) الحديث 139 - مضى هذا الخبر وتخريجه ، برقم 137 .
(3) قوله : " يوضح " ساقطة من المطبوعة . وفيها مكان : " أول كل . . . " ، " في كل . . " .

(1/117)


إنما أُمِروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورِهم بتسمية الله ، لا بالخبر عن عظمته وصفاته ، كالذي أمِروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد ، وعند المَطعم والمَشرب ، وسائر أفعالهم. وكذلك الذي أمِروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله ، وصدور رسائلهم وكتبهم.
ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة ، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام (1) " بالله " ، ولم يقل " بسم الله " ، أنه مخالف - بتركه قِيلَ : " بسم الله " ما سُنَّ له عند التذكية من القول. وقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقوله " بسم الله " " بالله " ، كما قال الزاعم أن اسمَ الله في قول الله : " بسم الله الرحمن الرحيم " هو الله. لأن ذلك لو كان كما زعم ، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحتَه " بالله " ، قائلا ما سُنَّ له من القول على الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أنّ قائلَ ذلك تارك ما سُنَّ له من القول على ذبيحته - إذْ لم يقل " بسم الله " - دليلٌ واضح على فساد ما ادَّعى من التأويل في قول القائل : " بسم الله " ، أنه مراد به " بالله " ، وأن اسم الله هو الله.
وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم : أهُوَ المسمى ، أمْ غيرُه ، أم هو صفة له ؟ فنطيل الكتاب به ، وإنما هذا موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله : أهو اسمٌ ، أم مصدر بمعنى التسمية (2) ؟
__________
(1) التذكية : النحر والذبح . ذكيت الشاة تذكية : ذبحتها .
(2) استجاد أبو جعفر رضي الله عنه خير الرأي لحجته . والذي كتبه قبل ، وما يأتي بعد ، من أقوم ما قيل في شرح هذا الموضع الذي لجت فيه العقول والأقلام . وبيان ما قال أبو جعفر : إن قولك " اسم " في " بسم الله " ، إنما هو اسم مصدر (أو اسم حدث) ، أي هو في الأصل اسم لما تفعل من تسميتك الشيء ، مثل " الكلام " اسم حدث لما تفعل من التكليم ، ومثل " العطاء " اسم حدث لما تفعل من الإعطاء ، ومثل " الغسل " ، اسم حدث لما تفعل من الاغتسال . وكأن أصله من قولك " سموت الشيء سموا " ، فأماتوا فعله الثلاثي وبقي مصدره ، " سمو " ، فحذفوا واوه المتطرفة ، فصار " سم " فأعاضوه منها ألفًا في أوله ، فصار " اسم " ، كما كان قولك : " كلام " من فعل ثلاثي هو " كلم كلامًا " ، على مثال " ذهب ذهابًا " ، فأماتوا الفعل الثلاثي وبقي مصدره " كلام " ، فجعلوه اسم حدث لما تفعل من التكليم ، ثم أخرجوا مصدر الرباعي على مخرج اسم هذا الحدث ، فقالوا : " كلم يكلم كلامًا " ، بمعنى " كلم يكلم تكليمًا " .
فكذلك فعلوا في قولهم " سمى يسمى تسمية " : أخرجوا لهذا الرباعي مصدرًا على مخرج اسم الحدث وهو " اسم " ، فقالوا : " سمى يسمى اسمًا " ؛ بمعنى " سمى يسمى تسمية " . فقولك " كلام " بمعنى " تكليم " وقولك " اسم " بمعنى " تسمية " صُدِّرا على مخارج أسماء الأحداث . وإذن فالمضاف إلى اسمه تعالى في قولك " بسم الله " وأشباهها ، إنما هو مصدر صدر على مخرج اسم الحدث ، وهو اسم ، من فعل رباعي هو " سمى يسمي " ، فكان بمعنى مصدره وهو " تسمية " . وهو في هذا المكان وأمثاله بمعنى المصدر " تسمية " ، لا بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية . (انظر : 123 - 124 ، كلام الطبري في " أله " ) .
وهذا الذي قاله أبو جعفر رضي الله عنه أبرع ما قيل في شرح هذا الحرف من كلام العرب . وقد أحسن النظر وأدقه ، حتى خفي على جلة العلماء الذين تكلموا في شرح معنى " اسم " في " بسم الله " وأشباهها ، فأغفلوه إغفالا لخفائه ووعورة مأتاه ، وإلفهم للكلام في الذي افتتحوه من القول في " الاسم " ، أهو المسمى أم غيره ، أم هو صفة له ، وما رسمه وما حده ؟ وهذا باب غير الذي نحن فيه ، فخلطوا فيه خلطًا ، فجاء الطبري فمحص الحق تمحيصًا ، وهو أرجح الآراء عندنا وأولاها بالتقديم ، لمن وفق لفهمه ، كما يقول أبو جعفر غفر الله له . وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى وضوحًا وبيانًا . ولولا خوف الإطالة ، لأتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبري الذي أغفلوه ، على كل رأي سبقه أو أتى بعده .

(1/118)


فإن قال قائل : فما أنت قائلٌ في بيت لبيد بن ربيعة :
إلَى الحَوْلِ ، ثم اسْمُ السَّلام عليكُمَا ، ... ومن يَبْكِ حَوْلا كاملا فَقَد اعتَذَرْ (1)
فقد تأوله مُقدَّم في العلم بلغة العرب ، أنه معني به : ثم السلام عليكما ، وأن اسمَ السلام هو السلام ؟ (2)
قيل له : لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأوّل ، لجاز أن يقال : رأيتُ اسم زيد ، وأكلتُ اسمَ الطعام ، وشربتُ اسمَ الشراب ؛ وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد : " ثمّ اسم السلام
__________
(1) ديوانه ، القصيدة رقم : 21 ، والخزانة 2 : 217 ، ثم يأتي في تفسير آية سورة التوبة : 90 (10 : 144 بولاق) ، وآية سورة الرعد : 35 (13 : 109) والشعر يقوله لابنتيه ، إذ قال : تَمَنَّى ابنتَايَ أن يعيشَ أبُوهما ... وهَلْ أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ!
ثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد : فقُومَا فقولاَ بالذي قد علمتُما ... ولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تَحْلِقا شَعَرْ
وقولاَ : هو المرءُ الّذي لا خليلَه ... أَضاعَ ، ولا خانَ الصديقَ ، ولا غَدَرْ
فقوله " إلى الحول . . " أي افعلا ذلك إلى أن يحول الحول . والحول : السنة كاملة بأسرها . وقوله " اعتذر " هنا بمعنى أعذر : أي بلغ أقصى الغاية في العذر .
(2) هذا المقدم في العلم بلغة العرب ، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى ، في كتابه مجاز القرآن : 16 . وقد وقع بين ماضغى أسد! وهذا الذي يأتي كله تقريع مرير من أبي جعفر لأبي عبيدة .

(1/119)


عليكما " ، أنه أراد : ثم السلام عليكما ، وادِّعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافتَه إلى السلام إنما جاز ، إذْ كان اسم المسمَّى هو المسمَّى بعينه.
ويُسأل القائلون قولَ من حكينا قولَه هذا ، فيقال لهم : أتستجيزون في العربية أن يقال : " أكلتُ اسمَ العسل " ، يعني بذلك : أكلت العسل ، كما جاز عندكم : اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون : السلامُ عليك ؟
فإن قالوا : نعم ! خرجوا من لسان العرب ، وأجازوا في لغتها ما تخطِّئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا : لا سئلوا الفرقَ بينهما : فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا أُلزموا في الآخر مثله.
فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟
قيل له : يحتمل ذلك وجهين ، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله.
أحدُهما : أن " السلام " اسمٌ من أسماء الله ، فجائز أن يكون لبيد عنَى بقوله : " ثم اسم السلام عليكما " ، ثم الزما اسمَ الله وذكرَه بعد ذلك ، وَدَعَا ذكري والبكاءَ عليّ ؛ على وجه الإغراء. فرفعَ الاسم ، إذْ أخّر الحرفَ الذي يأتي بمعنى الإغراء. (1) وقد تفعَلُ العرب ذلك ، إذا أخّرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به ، وإن كانت قد تنصبُ به وهو مؤخَّر. ومن ذلك قول الشاعر :
يَا أَيُّها المائحُ دَلوِي دُونَكا!... إني رأيتُ النَّاس يَحْمدُونَكا! (2)
فأغرَى ب " دونك " ، وهي مؤخرة ، وإنما معناه : دونَك دلوي. فذلك قول لبيد :
* إلى الحوْلِ ، ثمَّ اسمُ السَّلامُ عَلَيْكُمَا *
يعني : عليكما اسمَ السلام ، أي : الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجدَ بي ، لأن من بكى حَوْلا على امرئ ميّت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه.
__________
(1) في المطبوعة : " إذا وأخر " . وقوله " فرفع الاسم " ، يعني ما في قول لبيد " ثم اسم " ، وكان حقه أن ينصب على الإغراء لو قال : " ثم عليكما اسم السلام " بتقديم الإغراء .
(2) هذا رجز في خبر طويل ، الخزانة 3 : 17 قيل هزءًا برجل ألقوه في بئر ثم رجزوا به . والمائح : هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها ، فيلقي الدلاء فيملؤها بيده ويميح لأصحابه .

(1/120)


والوجه الآخر منهما : ثم تسميتي اللهَ عليكما ، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه : " اسم الله عليك " يعوِّذه بذلك من السوء ، فكأنه قال : ثم اسمُ الله عليكما من السوء ، وكأنّ الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد. (1)
ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أنّ معناه : ثم السلام عليكما ، أترَى ما قلنا - من هذين الوجهين - جائزًا ، أو أحدهما ، أو غيرَ ما قلتَ فيه ؟
فإن قال : لا ! أبان مقدارَه من العلم بتصاريف وُجوه كلام العرب ، وأغنى خصمه عن مناظرته.
وإن قال : بَلَى !
قيل له : فما برهانك على صحة ما ادَّعيت من التأويل أنه الصوابُ ، دون الذي ذكرتَ أنه محتملُه - من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك.
وأما الخبر الذي : -
140 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك [وهو يلقب بزبريق] قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومِسْعَرِ بن كِدَام ، عن عطية ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّه إلى الكتَّاب ليعلِّمه ، فقال له المعلم : اكتب " بسم " فقال له عيسى : وما " بسم " ؟ فقال له المعلم : ما أدري ! فقال عيسى : الباء بهاءُ الله ، والسين : سناؤه ، والميم : مملكته. (2)
__________
(1) الأول بغير شك أولى الأقوال بالصواب . فإنه كان قد أمر ابنتيه - كما قدمنا في أبياته السالفة ، أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه ورثائه ، وأن تفعلا ذلك منذ يموت إلى أن يحول عليه الحول ، فلا معنى بعد أن يلقي السلام عليهما ، أي تحية المفارق ، بعد الحول ، فقد فارقهما منذ حول كامل . وأولى به أن يدعو لهما ، أو يستكفهما عما أمرهما به ، إذ قضتا ما أمرهما على الوجه الذي أحب ، " ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر " ، كأنه قال : كفا عندئذ عما أمرتكما ، فإن من بكى حولا فقد بلغ أقصى ما يسعه العذر . فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبري عامة ، وإلى الجزم بأن معنى " ثم اسم السلام عليكما " هو : الزما ذكر الله ، ودعا ذكرى ، والبكاء علي ، والوجد بي .
(2) الحديث 140 - هذا حديث موضوع ، لا أصل له . وهو أطول من هذا ، وسيأتي بعضه برقمي 145 ، 147 ، فصل الطبري كل قسم منه في موضعه ، وفيه زيادة أخرى ، في تفسير كلمات " أبجد هوز " . إلخ . رواه بطوله ابن حبان الحافظ ، في كتاب المجروحين ، في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد الله التيمي ، رقم : 44 ص85 ، وقال في إسماعيل هذا : " كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات ، وما لا أصل له عن الأثبات ، لا تحل الرواية عنه ، ولا الاحتجاج به بحال " . ثم ضرب مثلا من أكاذيبه ، فروى الحديث بطوله ، عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك ، بالإسناد الثاني الذي هنا ، من حديث أبي سعيد الخدري . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 35 نقلا عن ابن مردويه ، من حديث أبي سعيد وحده ، جمع فيه الأقسام الثلاثة التي فرقت هنا . ثم أشار إلى رواية الطبري إياه . ثم قال : " وهذا غريب جدا ، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات " ! وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب ، فتسقط روايته بمرة ، ولا يحتاج إلى هذا التردد . وأما السيوطي ، فقد ذكره في الدر المنثور 1 : 8 ، ونسبه لابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي ، ولم يغفل عن علته ؛ فذكر أنه " بسند ضعيف جدا " . وترجم الذهبي في الميزان 1 : 117 ، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان 1 : 441 - 442 لإسماعيل بن يحيى هذا ، وفي ترجمته : " قال صالح بن محمد جزرة : كان يضع الحديث . وقال الأزدي : ركن من أركان الكذب ، لا تحل الرواية عنه . . . وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم : كذاب " . وقال ابن حجر : " مجمع على تركه " . وذكر هو والذهبي هذا الحديث مثالا من أكاذيبه .
ثم إن إسناده الأول ، الذي رواه إسماعيل بن يحيى عن أبي مليكة ، فيه أيضًا راو مجهول ، وهو " من حدثه عن ابن مسعود " . وإسناده الثاني ، الذي رواه إسماعيل هذا عن مسعر بن كدام ، فيه أيضًا " عطية بن سعد بن جنادة العوفي " ، وهو ضعيف ، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما .
والزيادة بين قوسين ، في لقب إبراهيم بن العلاء من المخطوطة . و " زبريق " : بكسر الزاي والراء بينهما ياء موحدة ساكنة . وهو لقب إبراهيم ، فيما قيل . والصحيح أنه لقب أبيه ، فقد قال البخاري في ترجمته في الكبير 1 / 1 / 307 : " زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 121 : " إبراهيم بن العلاء . . . يعرف بابن الزبريق " .

(1/121)


فأخشى أنْ يكون غلطًا من المحدِّث ، وأن يكون أراد [ ب س م ] ، على سبيل ما يعلَّم المبتدئ من الصبيان في الكتّاب حروف أبي جاد ، فغلط بذلك ، فوصَله ، فقال : " بسم " ، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي " بسم الله الرحمن الرحيم " ، على ما يتلوه القارئ في كتاب الله ، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها ، إذا حُمِل تأويله على ذلك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { اللَّهِ } .
قال أبو جعفر : وأما تأويل قول الله تعالى ذكره " الله " ، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس - : هو الذي يَألَهه كل شيء ، ويعبده كل خلْقٍ.

(1/122)


141 - وذلك أنّ أبا كريب حدثنا ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : " الله " ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين. (1)
فإن قال لنا قائل : فهل لذلك في " فعل ويفعل " أصل كان منه بناءُ هذا الاسم ؟
قيل : أمّا سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالا.
فإن قال : وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة ، وأنّ الإله هو المعبود ، وأنّ له أصلا في " فعل ويفعل " .
قيل : لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل (2) - يصف رجلا بعبادة ، وبطلب مما عند الله جل ذكره : " تألَّه فلان " - بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج :
للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ (3) سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
يعني : من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.
ولا شك أنّ " التألُّه " ، التفعُّل من : " ألَه يأله " ، وأن معنى " أله " - إذا نُطق به : - عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب " فعل يفعل " يغير زيادة.
142 - وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع ، قال حدثنا أبي ، عن نافع بن عُمر ، عن عَمرو بن دينار ، عن ابن عباس : أنه قرأ(وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [سورة الأعراف : 127] قال : عبادتَك ، ويقال : إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد.
__________
(1) الحديث 141 - إسناد هذا الخبر ضعيف ، كما فصلنا القول فيه ، في إسناد الخبر 137 . وهذا الذي هنا نقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 8 مع باقيه الآتي برقم 148 بالإسناد نفسه . ونسبه السيوطي لابن جرير (وكتب فيه : ابن جريج ، خطأ مطبعيا) ، وابن أبي حاتم .
(2) قوله " لا تمانع " ، أي لا اختلاف بينهم ، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر . وسيأتي مثله في ص : 126 .
(3) ديوانه : 165 . المده : جمع ماده . ومده فلانًا يمدهه مدهًا : نعت هيئته وجماله وأثنى عليه ومدحه . و " استرجعن " : قلن " إنا لله وإنا إليه راجعون . يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر الدنيا ، بعد الذي كان من شبابه وجماله وصبوته!

(1/123)


143 - حدثنا سفيان ، قال : حدثنا ابن عُيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن ابن عباس : (وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك) ، قال : إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد (1)
وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد.
144 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : أخبرني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : قوله " ويذرَكَ وإلاهتك " قال : وعبادتَك (2) ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول القائل : ألَه اللهَ فلانٌ إلاهةً ، كما يقال : عَبَد الله فلانٌ عبادةً ، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا : أنّ " أله " عَبد ، وأن " الإلاهة " مصدرُه.
فإن قال : فإن كان جائزًا أن يقال لمن عبد الله : ألهه - على تأويل قول ابن عباس ومجاهد - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقال ، إذا أراد المخبر الخبرَ عن استيجاب الله ذلك على عَبْده ؟
__________
(1) الخبران 142 ، 143 - إسنادهما ضعيفان ، من أجل " سفيان بن وكيع بن الجراح " ، شيخ الطبري فيهما ، وسفيان هذا : ضعيف ، كان أبوه إمامًا حجة ، وكان هو رجلا صالحًا ، ولكن وراقه أفسد عليه حديثه ، وأدخل عليه ما ليس من روايته . ونصحه العلماء أن يدعه فلم يفعل ، فمن أجل ذلك تركوه . قال ابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم 470 ص238 - 239 : " فمن أجل إصراره على ما قيل له استحق الترك " .
وهذان الخبران ، سيذكرهما الطبري في تفسير آية سورة الأعراف : 127 (9 : 18 بولاق) ، وهناك شيء من التحريف في أحدهما . ونقل معناهما السيوطي في الدر المنثور 3 : 107 .
والقراءة الصحيحة المعروفة : {ويذرك وآلهتك} . وأما هذه القراءة " وإلاهتك " ، فقد نقلها صاحب إتحاف البشر : 229 عن ابن محيصن والحسن . ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة : 45 عن علي وابن مسعود وابن عباس . وذكرها أبو حيان في البحر 4 : 367 عن هؤلاء الثلاثة " وأنس وجماعة غيرهم " .
(2) الخبر 144 - الحسين بن داود : اسمه " الحسين " ولقبه " سنيد " ، بضم السين المهملة وفتح النون . واشتهر بهذا اللقب ، وترجم به في التهذيب 4 : 244 - 245 ، وفي الجرح والتعديل 3 / 1 / 326 . وحجاج : هو ابن محمد المصيصي ، من شيوخ الإمام أحمد . وهذا الأثر عن مجاهد ، سيرويه الطبري في تفسير آية الأعراف (9 : 18 بولاق) - بإسناد آخر .

(1/124)


قيل : أما الروايةُ فلا رواية فيه عندنا ، ولكن الواجب - على قياس ما جاء به الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : -
145 - حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه عن ابن مسعود - ومِسْعَر بن كِدَام ، عن عطية العَوْفي ، عن أبي سعيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ عيسى أسلمَتْه أمه إلى الكتّاب ليعلّمه فقال له المعلم اكتب " الله " فقال له عيسى : " أتدري ما الله ؟ الله إلهُ الآلهة (1) " .
- أن يقال (2) ، الله جل جلاله ألَهَ العبدَ ، والعبدُ ألَهَه. وأنْ يكون قولُ القائل " الله " - من كلام العرب أصله " الإله " .
فإن قال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، مع اختلاف لفظيهما ؟
قيل : كما جاز أن يكون قوله : (لكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي) [سورة الكهف : 38] أصله : لكن أنا ، هو الله ربي ، كما قال الشاعر :
وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْف ، أَيْ أَنتَ مُذْنبٌ... وتَقْلينَني ، لكِنَّ إياكِ لا أَقْلِي (3)
يريد : لكن أنا إياك لا أقلي ، فحذَف الهمزة من " أنا " فالتقت نون " أنا " " ونون " لكنْ " وهي ساكنة ، فأدغمت في نون " أنا " فصارتا نونًا مشددة. فكذلك " الله " أصله " الإله " ، أسقطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم ، فالتقت اللام التي هي عين الاسم ، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة ، فأدغمت في
__________
(1) الحديث 145 - هو حديث لا أصل له . وهو جزء من الحديث الموضوع الذي روى الطبري بعضه فيما مضى 140 ، بهذا الإسناد . وفصلنا القول فيه هناك .
(2) قوله : " أن يقال " من تمام قوله في السطر الثالث " ولكن الواجب - " خبر لكن .
(3) الأضداد لابن الأنباري : 163 ، والخزانة 4 : 490 ، وقال : " لم أقف على تتمته وقائله ، مع أنه مشهور ، قلما خلا منه كتاب نحوي ، والله أعلم " .

(1/125)


الأخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله(لكنَّ هوَ الله رَبي).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
قال أبو جعفر : وأما " الرحمن " ، فهو فَعلان ، من رَحم ، و " الرحيم " فعيل منه. والعرب كثيرًا ما تبني الأسماء من " فَعِل يفْعَل " على " فعلان " ، كقولهم من غَضِب : غَضبان ، ومن سَكر : سكران ، ومن عَطش : عطشان. فكذلك قولهم " رَحمن " من رَحِمَ ، لأن " فعِلَ " منه : رَحم يرْحم. وقيل " رحيم " ، وإن كانت عَين " فعِل " منها مكسورة ، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم - على " فعيل " ، وإن كانت عين " فعل " منها مكسورةً أو مفتوحةً ، كما قالوا من " علم " عالم وعليم ، ومن " قدَر " قادر وقدير. وليس ذلك منها بناء على أفعالها ، لأن البناء من " فَعِل يفْعَل " و " فعَل يفعِل " فاعلٌ. فلو كان " الرحمن والرحيم " خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما " الراحم " .
فإن قال قائل : فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجهُ تكرير ذلك ، وأحدهما مؤدٍّ عن معنى الآخر ؟
قيل له : ليس الأمر في ذلك على ما ظننتَ ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها.
فإن قال : وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى ؟
قيل : أما من جهة العربية ، فلا تَمانُع (1) بين أهل المعرفة بلغات العرب ، أنّ قول القائل : " الرحمن " - عن أبنية الأسماء
__________
(1) لا تمانع : أي لا اختلاف بينهم ، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر .

(1/126)


من " فَعِل يفعَل " - أشدُّ عدولا من قوله " الرّحيم " . ولا خلاف مع ذلك بينهم ، أنّ كل اسم كان له أصل في " فَعِلَ يفعَل " - ثم كان عن أصله من " فَعِل يفعَلُ " أشد عدولا - أنّ الموصوف به مفضَّل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من " فَعِل يفعَل " ، إذا كانت التسمية به مدحًا أو ذمًّا. فهذا ما في قول القائل " الرحمن " ، من زيادة المعنى على قوله " الرحيم " في اللغة.
وأما من جهة الأثر والخبر ، ففيه بين أهل التأويل اختلاف : -
146 - فحدثني السري بن يحيى التميمي ، قال : حدثنا عثمان بن زفر ، قال : سمعت العَرْزَمي يقول : " الرحمن الرحيم " ، قال : الرحمن بجميع الخلق ، الرّحيم ، قال : بالمؤمنين. (1)
147 - حدثنا إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مُليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام ، عن عطية العَوفي ، عن أبي سعيد - يعني الخدريّ - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنّ عيسى ابن مريم قال : الرحمن رَحمنُ الآخرة والدنيا ، والرحيم رحيمُ الآخرة " . (2)
فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو " رحمن " ، وتسميته باسمه الذي هو " رحيم " ، واختلاف معنى الكلمتين - وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق ، فدلّ أحدهما على أنّ ذلك في الدنيا ، ودلّ الآخر على أنه في الآخرة.
فإن قال : فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة ؟
__________
(1) الأثر 146 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 40 عن هذا الموضع . و " السري بن يحيى ابن السري التميمي الكوفي " ، شيخ الطبري ، لم نجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 285 ، وقال : " لم يقض لنا السماع منه ، وكتب إلينا بشيء من حديثه ، وكان صدوقًا " . و " العرزمي " المرويُّ عنه هذا الكلام هنا : ضعيف جدا ، قال الإمام أحمد في المسند 6938 : " لا يساوي حديثه شيئًا " . وهو " محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي " . وأما عمه " عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي " ، فإنه تابعي ثقة ، ولكنه قديم ، مات سنة 145 ، فلم يدركه " عثمان بن زفر " المتوفى سنة 218 . و " العرزمي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها زاي ، نسبة إلى " عرزم " . ووقع هنا في الطبري وابن كثير " العرزمي " ، بتقديم الزاي على الراء ، وهو تصحيف .
(2) الحديث 147 - هذا إسناد ضعيف ، بل إسنادان ضعيفان ، كما فصلنا فيما مضى : 140 ، 145 .

(1/127)


قيل : لجميعهما عندنا في الصحة مخرج ، فلا وجه لقول قائل : أيُّهما أولى بالصحة ؟ وذلك أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن ، دون الذي في تسميته بالرحيم : هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه ، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه ، إما في كل الأحوال ، وإما في بعض الأحوال. فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه ، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة ، أو فيهما جميعًا.
فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خصّ عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته ، والإيمان به وبرسله ، واتباع أمره واجتناب معاصيه ، مما خُذِل عنه من أشرك به ، وكفر وخالف ما أمره به ، وركب معاصيَه ؛ وكان مع ذلك قد جعلَ ، جَلَّ ثناؤه ، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين ، لمن آمن به ، وصدّق رسله ، وعمل بطاعته ، خالصًا ، دون من أشرك وكفر به - (1) كان بيِّنًا إن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم ، في البَسْط في الرزق ، وتسخير السحاب بالغَيْثِ ، وإخراج النبات من الأرض ، وصحة الأجسام والعقول ، وسائر النعم التي لا تُحصى ، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون.
فربُّنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خلقه في الدنيا والآخرة ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرة. فأما الذي عمّ جميعَهم به في الدنيا من رحمته فكان رَحمانًا لهم به ، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه ، كما قال جل ثناؤه : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوهَا) [سورة إبراهيم : 34 ، وسورة النحل : 18].
وأما في الآخرة ، فالذي عمّ جميعهم به فيها من رحمته ، فكان لهم رحمانًا ، تسويته
__________
(1) جواب قوله " فإذ كان صحيحًا . . . " وما بينهما فصل .

(1/128)


بين جميعهم جل ذكرُه في عَدله وقضائه ، فلا يظلم أحدًا منهم مِثْقال ذَرّة ، وإن تَكُ حسنةً يُضاعفها ويُؤتِ من لَدُنْهُ أجرًا عظيما ، وتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعَهم برحمته ، الذي كان به رحمانًا في الآخرة.
وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته ، الذي كان به رحيما لهم فيها ، كما قال جل ذكره : (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [سورة الأحزاب : 43] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم ، فخصّهم به ، دونَ من خذَله من أهل الكفر به.
وأمَّا ما خصّهم به في الآخرة ، فكان به رحيما لهم دون الكافرين ، فما وصفنا آنفًا مما أعدَّ لهم دون غيرهم من النعيم ، والكرامة التي تقصرُ عنها الأمانيّ.
وأما القول الآخر في تأويله فهو ما : -
148 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : الرحمن ، الفعلان من الرحمة ، وهو من كلام العرب. قال : الرّحمن الرحيم : الرقيقُ الرفيقُ بمن أحبَّ أن يرحمه ، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنُف عليه. (1) وكذلك أسماؤه كلها.
وهذا التأويل من ابن عباس ، يدل على أن الذي به ربُّنا رحمن ، هو الذي به رحيم ، وإن كان لقوله " الرحمن " من المعنى ، ما ليس لقوله " الرحيم " . لأنه جعل معنى " الرحمن " بمعنى الرقيق على من رقَّ عليه ، ومعنى " الرحيم " بمعنى الرفيق بمن رفق به.
والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرْزَمي (2) ، أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس. وإن
__________
(1) الحديث 148 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 41 عن هذا الموضع ، وقد مضى الكلام في هذا الإسناد ، وبيان ضعفه : 137 ، 141 . والذي في الدر المنثور 1 : 8 - 9 " على من أحب أن يضعف عليه العذاب " ، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع .
(2) إشارة إلى ما مضى : 146 ، ووقع في الأصول هنا " العرزمي " أيضًا ، بتقديم الزاي ، وهو خطأ ، كما بينا من قبل .

(1/129)


كان هذا القول موافقًا معناه معنى ذلك ، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم ، وأن للرحيم تأويلا غيرَ تأويل الرحمن.
والقول الثالث في تأويل ذلك ما : -
149 - حدثني به عمران بن بَكَّار الكلاعي ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال : حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللَّخمي من أهلِ فلَسْطين ، قال : سمعت عطاء الخراساني يقول : كان الرحمن ، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ. (1)
والذي أراد ، إن شاء الله ، عطاءٌ بقوله هذا : أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمَّى بها أحد من خَلْقِه ، فلما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه ، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه " الرحمنُ الرحيمُ " ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه ، إذ كان لا يسمَّى أحد " الرحمن الرحيم " ، فيجمع له هذان الاسمان ، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما ، أو يتسمَّى رَحمن. فأما " رحمن رحيم " ، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ ، ولا يجمعان لأحد غيره. فكأنّ معنى قول عطاء هذا : أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن ، بين اسمه واسم غيره من خلقِه ، اختلف معناهما أو اتفقا.
والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى ، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين ، إبانةً لها من خلقه ، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه ، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.
__________
(1) الأثر 149 - نقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 9 ونسبه للطبري وحده . وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم ، وهو ثقة ، وضعفه بعض الأئمة . وهو كثير الرواية عن التابعين ، وكثير الإرسال عن الصحابة ، في سماعه منهم خلاف . وأما الراوي عنه " أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي " ، فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع ، إلا قول الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 110 : " أبو الأزهر الفلسطيني نصر بن عمرو اللخمي ، روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي " .

(1/130)


وقد زعم بعضُ أهل الغَباء أنّ العرب كانت لا تعرف " الرحمن " ، ولم يكن ذلك في لغتها (1) ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) [سورة الفرقان : 60] ، إنكارًا منهم لهذا الاسم ، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ، أوْ : لا وكأنه لم يتْلُ من كتاب الله قول الله( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ) - يعني محمدًا - (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [سورة البقرة : 146] وهم مع ذلك به مكذِّبون ، ولنبوته جاحدون! فيَعلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُه ، واستحكمتْ لديهم معرفتُه. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء :
أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا... أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا (2)
وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي : (3)
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ... وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ (4)
__________
(1) لا يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه ، ويتبجحون بذكره في محاضراتهم وكتبهم ، نقلا عن الذين يتتبعون ما سقط من الأقوال ، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق . ورد الطبري مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة .
(2) لم أجد قائل البيت . واستشهد به ابن سيده في المخصص 17 : 152 ، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي ، وادعى أن البيت مصنوع ، وأن " بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة ، صنعه ولفقه ، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى ، وركاكته تنادي جهارًا بصحة وضعه وصنعته ، والصواب وهو الحق المجمع عليه ، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه ، هو الشنفرى الأزدي ، وهذا البيت ليس في شعره " ، وأنه ملفق من قول الشنفرى : أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي ، والتَلهُّفُ ضَلَّةٌ ... بما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَاةِ هَجِينَهَا
والشنقيطي رحمه الله كان كثير الاستطالة ، سريعًا إلى المباهاة بعلمه وروايته . والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم . وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته : إيجاد الشواهد المعدومة ، لدعاوى مجردة . وليس في البيت ركاكة ولا صنعة .
(3) في المخطوطة والمطبوعة : " الطهوي " مكان السعدي ، وهو خطأ . ليس سلامة طهويا .
(4) ديوانه : 19 ، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء : 131 في نسب الشاعر : سلامة بن جندل بن عبد الرحمن " ، وهذه رواية ابن سلام ، وغيره يقول : " ابن عبد " ، فإن صحت رواية ابن سلام ، فهي دليل آخر قوي على فساد دعوى الشنقيطي .

(1/131)


وقد زعم أيضًا بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل ، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير ، أنّ " الرحمن " مجازه : ذو الرحمة ، و " الرحيم " مجازه : الرّاحم (1) ، ثم قال : قد يقدِّرون اللفظين من لفظٍ والمعنى واحد ، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال : وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا : ندمان ونَديم ، ثم استشهد ببيتِ بُرْج بن مُسْهِر الطائي :
وَنَدْمَانٍ يزيدُ الكأسَ طِيبًا ، ... سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ (2)
واستشهد بأبياتٍ نظائره في النَّديم والنَّدمان ، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله : الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم الراحم ، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيَيْهما على صحته. ثم مثّل ذلك باللَّفظين يأتيان بمعنى واحد ، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين ، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ.
ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثَبت أن له الرحمة ، وصحَّ أنها له صفة ؛ وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم ، أو قد رحم فانقضى ذلك منه ، أو هو فيه.
ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة ، كالدلالة على أنها له صفة ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمة. فأين معنى " الرحمن الرحيم " على تأويله ، من معنى الكلمتين يأتيان مقدَّرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه ، كان واضحًا عوارُه.
وإن قال لنا قائل : ولم قدّم اسمَ الله الذي هو " الله " ، على اسمه الذي هو " الرحمن " ، واسمه الذي هو " الرحمن " ، على اسمه الذي هو " الرحيم " ؟
قيل : لأن من شأن العرب ، إذا أرادوا الخبر عن مُخبَر عنه ، أن يقدِّموا اسمه ، ثم يتبعوه صفاتِه ونعوتَه. وهذا هو الواجب في الحُكم : أن يكون الاسم مقدَّمًا قبل نعته وصِفَته ، ليعلم السامع الخبرَ ، عمَّن الخبرُ. فإذا كان ذلك كذلك -
__________
(1) الذي عناه الطبري ، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه " مجاز القرآن " : 21 ، وقد نقل أكثر كلامه الآتي بنصه .
(2) حماسة أبي تمام 3 : 135 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 62 .

(1/132)


وكانَ لله جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها ، خَصَّ بها نفسه دونهم ، وذلك مثلُ " الله " و " الرحمن " و " الخالق " ؛ وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمِّيَ بعضهم بعضًا بها ، وذلك : كالرحيم والسميع والبصير والكريم ، وما أشبه ذلك من الأسماء - كان الواجب أن تقدَّم أسماؤه التي هي له خاصة دون جميع خلقه ، ليعرف السامعُ ذلك مَنْ تَوجَّه إليه الحمد والتمجيدُ ، ثم يُتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره ، بعد علم المخاطب أو السامع من توجَّه إليه ما يتلو ذلك من المعاني. فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو " الله " ، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من الوجوه ، لا من جهة التسمِّي به ، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بينَّا أن معنى " الله " تعالى ذكره المعبود (1) ، ولا معبودَ غيرُه جل جلاله ، وأن التسمِّي به قد حرّمه الله جل ثناؤه ، وإن قصد المتسمِّي به ما يقصدُ المتسمِّي بسعيد وهو شقي ، وبحسَنٍ وهو قبيح.
أوَلا تَرى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه : (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ) فاستكبر ذلك من المقرِّ به ، وقال تعالى في خُصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن : ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [سورة الإسراء : 110]. ثم ثنَّى باسمه ، الذي هو الرحمن ، إذ كان قد مَنع أيضًا خلقه التسمي به ، وإن كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه. وذلك أنه قد يجوز وصْف كثير ممّن هو دون الله من خلقه ، ببعض صفات الرحمة. وغير جائز أن يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه. فلذلك جاء الرحمن ثانيًا لاسمه الذي هو " الله " .
وأما اسمه الذي هو " الرحيم " فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به. والرحمة من صفاته جل ذكره ، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعًا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هنّ توابعُها ، بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الذي هو " الله " ، على اسمه الذي هو " الرحمن " ، واسمه الذي هو " الرحمن " على اسمه الذي هو " الرحيم " . (2)
وقد كان الحسنُ البصريّ يقول في " الرحمن " مثل ما قلنا ، أنه من أسماء الله التي مَنَعَ التسميَ بها العبادَ. (3)
150 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : " الرحمن " اسمٌ ممنوع. (4)
مع أن في إجماع الأمة من منع التسمِّي به جميعَ الناس ، ما يُغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره.
__________
(1) في المطبوعة : " أن معنى الله هو المعبود " .
(2) هذا الاحتجاج من أجود ما قيل ، ودقته تدل على حسن نظر أبي جعفر فيما يعرض له . وتفسيره كله شاهد على ذلك . رحمة الله عليه .
(3) غيروه في المطبوعة : " لعباده " .
(4) الأثر 150 - نقله ابن كثير في التفسير 1 : 41 - 42 عن هذا الموضع . والسيوطي في الدر المنثور 1 : 9 ، ونسبه للطبري وحده . و " عوف " الراويه عن الحسن : هو عوف بن أبي جميلة العبدي ، المعروف بابن الأعرابي ، وهو ثقة ثبت .

(1/133)


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

(القول في تأويل فاتحة الكتاب)
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } :
قال أبو جعفر : ومعنى(الْحَمْدُ لِلَّهِ) : الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه ، ودون كلِّ ما برَأَ من خلقه (1) ، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يُحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وَغذَاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم لذلك عليه ، ومع ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه ، من الأسباب المؤدِّية إلى دوام الخلود في دار المُقام في النعيم المقيم. فلربِّنا الحمدُ على ذلك كله أولا وآخرًا.
وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جلّ ذكره وتقدَّست أسماؤه : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، جاء الخبرُ عن ابن عباس وغيره : -
151 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليهما : قل يا محمد " الحمد لله " قال ابن عباس : " الحمد لله " : هو الشكر لله ، والاستخذاء لله ، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه ، وغير ذلك. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " ما يرى " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير 1 : 42 .
(2) الحديث 151 - هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في 137 . و " محمد بن العلاء " شيخ الطبري : هو " أبو كريب " نفسه في الإسناد السابق ، مرة يسميه ومرة يكنيه . وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير 1 : 43 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير 1 : 10 ، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره .

(1/135)


152 - وحدثني سعيد بن عمرو السَّكُوني ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حَبيب ، عن الحكم بن عُمَير - وكانت له صحبة - قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إذا قلت " الحمد لله ربِّ العالمين " ، فقد شكرت الله ، فزادك. (1)
__________
(1) الحديث 152 - نقله ابن كثير 1 : 43 بإسناد الطبري هذا ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 11 ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي " بسند ضعيف " . وإسناده ضعيف حقًا ، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة ، كما سنذكر :
أما بقية بن الوليد ، فالحق أنه ثقة ، وإنما نعوا عليه التدليس ، ولا موضع له هنا ، فإنه صرح بالتحديث .
ولكن عيسى بن إبراهيم ، وهو القرشي الهاشمي ، كل البلاء منه في هذا الحديث ، وفي أحاديث من نحوه ، رواها بهذا الإسناد . وقد قال فيه البخاري في الضعفاء : 27 : " منكر الحديث " ، وكذلك النسائي : 22 . وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 271 - 272 ، وروى عن أبيه قال : " متروك الحديث " ، وعن ابن معين : " ليس بشيء " ، وقال ابن حبان في الضعفاء ، الورقة 163 : " لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد " . وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب .
وشيخه " موسى بن أبي حبيب " مثله : ضعيف تالف ، وقال الذهبي في الميزان : " ضعفه أبو حاتم ، وخبره ساقط . وله عن الحكم بن عمير ، رجل قيل : له صحبة . والذي أراه أنه لم يلقه . وموسى - مع ضعفه - فمتأخر عن لقي صحابي كبير " . فالبلاء من هذين أو من أحدهما .
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه " الحكم بن عمير " ، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 2 / 125 ، قال : " الحكم بن عمير : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يذكر السماع ولا لقاء ، أحاديث منكرة ، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ، وهو شيخ ضعيف الحديث ، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم ، وهو ذاهب الحديث ، سمعت أبي يقول ذلك " .
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان ، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم ، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم - كما ترى - غير ذلك . وتعقبه الحافظ في لسان الميزان 2 : 337 وأثبت أنه صحابي ، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم ، وأن الدار قطني قال : " كان بدريًا " .
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص 54) في طبقة الصحابة ، وقال : " يقال إن له صحبة " . ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان ، ولكن سها فزعم أنه ذكره " في ثقات التابعين " .
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب ، رقم 476 : باسم " الحكم بن عمرو الثمالي ، وثمالة في الأزد ، شهد بدرًا ، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم ، لا تصح " . وتسمية أبيه باسم " عمرو " خطأ قديم في نسخ الاستيعاب ، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة 1 : 26 ، وأشار إلى الغلط فيه ، ثم ترجمه على الصواب : " الحكم بن عمير الثمالي ، من الأزد ، وكان يسكن حمص " . وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة 2 : 30 تحقيقًا جيدًا .

(1/136)


قال : وقد قيل : إنّ قول القائل " الحمد لله " ، ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحُسنى ، وقوله : " الشكر لله " ، ثناء عليه بنعمه وأياديه.
وقد رُوي عن كعب الأحبار أنه قال : " الحمد لله " ، ثناءٌ على الله. ولم يبيّن في الرواية عنه ، من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك.
153 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثني عمر بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، قال : أخبرني السلولي ، عن كعب ، قال : من قال " الحمد لله " ، فذلك ثناء على الله. (1)
154 - حدثني علي بن الحسن الخرّاز ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجَرْمي ، قال : حدثنا محمد بن مصعب القُرْقُساني ، عن مُبارك بن فَضالة ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس شيءٌ أحبَّ إليه الحمد ، من الله تعالى ، ولذلك أثنى على نَفسه فقال : " الحمد لله " (2) .
__________
(1) الخبر 153 - هذا الإسناد صحيح ، وسواء صح أم ضعف ، فلا قيمة له ، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار . وما كان كلام كعب حجة قط ، في التفسير وغيره . و " الصدفي " : بفتح الصاد والدال المهملتين ، نسبة إلى " الصدف " بفتح الصاد وكسر الدال ، وهي قبيلة من حمير ، نزلت مصر . و " السلولي " ، هو : عبد الله بن ضمرة السلولي ، تابعي ثقة .
وهذا الخبر - عن كعب - ذكره ابن كثير 1 : 43 دون إسناد ولا نسبة . وذكر السيوطي 1 : 11 ونسبه للطبري وابن أبي حاتم .
(2) الحديث 154 - إسناده صحيح . علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز ، شيخ الطبري : ثقة ، مترجم في تاريخ بغداد 11 : 374 - 375 . و " الخراز " : ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي . وفي تاريخ بغداد " الخزاز " بزاءين ، ولم نستطع الترجيح بينهما . مسلم بن عبد الرحمن الجرمي : مترجم في لسان الميزان 6 : 32 باسم " مسلم بن أبي مسلم " فلم يذكر اسم أبيه ، وهو هو . ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 100 ، قال : " مسلم بن أبي مسلم الجرمي ، وهو مسلم بن عبد الرحمن " ، وقال : " كان ثقة ، نزل طرسوس ، وبها كانت وفاته " . و " الجرمي " : رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان " الحرمي " بدون نقط . ولكنهم لم ينصوا على ضبطه . وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط ، والجادة في هذا الرسم " الجرمي " بالجيم ، وبذلك رسم في تاريخ بغداد ، فعن هذا أو ذاك رجحناه . و " محمد بن مصعب القرقساني " ، و " مبارك بن فضالة " : مختلف فيهما . وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند : الأول في 3048 ، والثاني في 521 . و " الحسن " : هو البصري ، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان ، في الحديث 132 أنه سمع من الأسود بن سريع .
وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور 1 : 12 عن تفسير الطبري . ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا 15650 (3 : 435 حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع ، قال : " قلت : يا رسول الله ، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ؟ قال : أما إن ربك يحب الحمد " . وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات أثبات . وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 43 عن المسند . وكذلك ذكره السيوطي ، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما .
ورواه أحمد أيضًا 15654 ، والبخاري في الأدب المفرد : 51 ، بنحوه ، في قصة مطولة ، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع .
ومعناه ثابت صحيح ، من حديث ابن مسعود ، في المسند 4153 : " لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه " . ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما .

(1/137)


قال أبو جعفر : ولا تَمانُع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم (1) ، لقول القائل : " الحمد لله شكرًا " - بالصحة. فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر ، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد. لأن ذلك لو لم يكن كذلك ، لما جاز أن يُقال " الحمد لله شكرًا " ، فيُخْرِج من قول القائل " الحمد لله " مُصَدَّرَ : " أشكُرُ " ، لأن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يُصَدَّرَ من الحمد غيرُ معناه وغير لفظه. (2)
فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الألف واللام في الحمد ؟ وهلا قيل : حمدًا لله رب العالمين ؟
قيل : إن لدخول الألف واللام في الحمد ، معنى لا يؤديه قول القائل " حَمْدًا " ، بإسقاط الألف واللام. وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه (3) : جميعُ المحامد والشكرُ الكامل لله. ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله ، دون المحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل : " حمدًا لله " أو " حمدٌ لله " :
__________
(1) انظر ما كتبناه آنفًا : 126 عن معنى " لا تمانع " .
(2) تكلم العلماء في نقض ما ذهب إليه أبو جعفر من أن " الحمد والشكر " بمعنى ، وأن أحدهما يوضع موضع الآخر ، وهو ما ذهب إليه المبرد أيضًا . انظر القرطبي 1 : 116 ، وابن كثير 1 : 42 ، وأخطأ النقل عن القرطبي ، فظنه استدل لصحة قول الطبري ، وهو وهم . والذي قاله الطبري أقوى حجة وأعرق عربية من الذين ناقضوه . وقوله " مصدر أشكر " ، وقوله " أن يصدر من الحمد " ، يعني به المفعول المطلق . وانظر ما مضى : 117 ، تعليق : 1 .
(3) في المطبوعة : " مبني على أن معناه " ، أدخلوا عليه التبديل .

(1/138)


أحمد الله حمدًا ، وليس التأويل في قول القائل : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، تاليًا سورةَ أم القرآن : أحمدُ الله ، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ ، من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا ، والعاجل والآجل.
ولذلك من المعنى ، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) دون نصبها ، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك : أحمد الله حمدًا. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب ، لكان عندي مُحيلا معناه ، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك ، إذا تعمَّد قراءتَه كذلك ، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله.
فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله " الحمد لله " ؟ أحَمِد الله نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها ، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فما وجه قوله تعالى ذكره إذًا( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ ؟ أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا .
قيل : بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهلٌ ، ثم علَّم ذلك عباده ، وفرض عليهم تلاوته ، اختبارًا منه لهم وابتلاءً ، فقال لهم قولوا : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقولوا : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). فقوله(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه ، وذلك موصول بقوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وكأنه قال : قولوا هذا وهذا.
فإن قال : وأين قوله : " قولوا " ، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ ؟
قيل : قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة ،

(1/139)


ولم تَشكَّك أنّ سامعها يعرف ، بما أظهرت من منطقها ، ما حذفت - (1) حذفُ ما كفى منه الظاهرُ من منطقها ، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حُذفت ، قولا أو تأويلَ قولٍ ، كما قال الشاعر :
وأَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَكُونُ رَمْسًا... إذَا سَارَ النَّوَاعِجُ لا يَسِيرُ (2)
فَقَالَ السّائلون لِمَنْ حَفَرْتُمْ?... فَقَالَ المُخْبِرُون لَهُمْ : وزيرُ (3)
قال أبو جعفر : يريد بذلك ، فقال المخبرون لهم : الميِّتُ وزيرٌ ، فأسقَط الميت ، إذ كان قد أتى من الكلام بما دلّ على ذلك. وكذلك قول الآخر :
وَرأَيتِ زَوْجَكِ في الوغَى... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (4)
وقد علم أنّ الرمح لا يُتَقَلَّد ، وإنما أراد : وحاملا رمحًا ، ولكن لما كان معلومًا معناه ، اكتفى بما قد ظَهر من كلامه ، عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للمسافر إذا ودَّعوه : " مُصاحَبًا مُعافًى " ، يحذفون " سر ، واخرج " ، إذ كان معلومًا معناه ، وإن أسقط ذكره.
فكذلك ما حُذف من قول الله تعالى ذكره : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، لمَّا عُلم بقوله جل وعزّ : (إيّاكَ نَعبُد) ما أراد بقوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ،
__________
(1) سياق الكلام : " أن العرب من شأنها . . . حذف " وما بينهما فصل .
(2) تأتي في تفسير آية سورة المؤمنون : 87 (18 : 27 بولاق) . ، ونسبهما لبعض بني عامر ، وكذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 170 وهما في البيان والتبيين 3 : 184 منسوبان للوزيري ، ولم أعرفه ، وفيها اختلاف في الرواية . الرمس : القبر المسوى عليه التراب . يقول : أصبح قبرا يزار أو يناح عليه . ورواه الجاحظ : " سأصير ميتًا " ، وهي لا شيء . والنواعج جمع ناعجة : وهي الإبل السراع ، نعجت في سيرها ، أي سارت في كل وجه من نشاطها . وفي البيان ومعاني الفراء " النواجع " ، وليست بشيء .
(3) رواية الجاحظ : " فقال السائلون : من المسجى " . وفي المعاني " السائرون " .
(4) يأتي في تفسير آيات سورة البقرة : 7 / وسورة آل عمران : 49 / وسورة المائدة : 53 / وسورة الأنعام : 99 / وسورة الأنفال : 14 / وسورة يونس : 71 / وسورة الرحمن : 22 . وهو بيت مستشهد به في كل كتاب .

(1/140)


من معنى أمره عبادَه ، أغنتْ دلالةُ ما ظُهِر عليه من القول عن إبداء ما حُذف.
وقد روينا الخبرَ الذي قدمنا ذكره مبتَدأ في تأويل قول الله : (1) (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، عن ابن عباس ، وأنه كان يقول : إن جبريل قال لمحمد : قل يا محمد : " الحمد لله رب العالمين " ، وبيّنا أن جبريل إنما علّم محمدًا ما أُمِر بتعليمه إياه (2) . وهذا الخبر يُنبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { رَبِّ } .
قال أبو جعفر : قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو " الله " ، في " بسم الله " ، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع.
وأما تأويل قوله(رَبِّ) ، فإن الرّب في كلام العرب منصرفٌ على معان : فالسيد المطاع فيها يدعَى ربًّا ، ومن ذلك قول لَبِيد بن ربيعة :
وأَهْلكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَة وابنَه... ورَبَّ مَعدٍّ ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرِ (3)
يعني بربِّ كندة : سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان :
تَخُبُّ إلى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنالَهُ... فِدًى لكَ من رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي (4)
والرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا ، ومنه قول الفرزدق بن غالب :
__________
(1) في المطبوعة : " في تنزيل قول الله " .
(2) انظر ما مضى آنفًا لحديث رقم : 151 .
(3) ديوانه القصيدة : 15 / 32 . وسيد كندة هو حجر أبو امرئ القيس . ورب معد : حذيفة بن بدر ، كما يقول شارح ديوانه ، وأنا في شك منه ، فإن حذيفة بن بدر قتل بالهباءة . ولبيد يذكر خبتًا وعرعرًا ، وهما موضعان غيره .
(4) ديوانه : 89 ، والمخصص 7 : 154 . الطريف والطارف : المال المستحدث ، خلاف التليد والتالد : وهو العتيق الذي ولد عندك .

(1/141)


كانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ... سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ (1)
يعني بذلك : في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل : إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان ؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها ، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة :
فكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني ، فَضِعْتُ رُبُوبُ (2)
يعنى بقوله : " أفضتْ إليك " أي وصلتْ إليك رِبَابتي ، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه ، لمّا خرجتُ من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك عليّ (3) ، فضيَّعوا أمري وتركوا تفقُّده - وهم الرُّبوب : واحدهم ربٌّ . والمالك للشيء يدعى رَبَّه. وقد يتصرف أيضًا معنى " الربّ " في وجوه غير ذلك ، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة.
فربّنا جلّ ثناؤه : السيد الذي لا شِبْه لهُ ، ولا مثل في سُؤدده ، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ، والمالك الذي له الخلق والأمر.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جلّ ثناؤه(رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، جاءت الرواية عن ابن عباس : -
155 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
__________
(1) ديوانه : 25 . سلأ السمن يسلؤه : طبخه وعالجه فأذاب زبده . والسلاء ، بكسر السين : السمن . وحقن اللبن في الوطب ، والماء في السقاء : حبسه فيه وعبأه . رب نحى السمن يربه : دهنه بالرب ، وهو دبس كل ثمرة ، وكانوا يدهنون أديم النحى بالرب حتى يمتنوه ويصلحوه ، فتطيب رائحته ، ويمنع السمن أن يرشح ، من غير أن يفسد طعمه أو ريحه . وإذا لم يفعلوا ذلك بالنحى فسد السمن . وأديم مربوب : جدا قد أصلح بالرب . يقول : فعلوا فعل هذه الحمقاء ، ففسد ما جهدوا في تدبيره وعمله .
(2) ديوانه : 29 ، ويأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 79 ، (3 : 233 بولاق) والمخصص 17 : 154 ، والشعر يقوله للحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان ، وهو الحارث الأعرج المشهور . قال ابن سيده : " ربوب : جمع رب ، أي الملوك الذين كانوا قبلك ضيعوا أمري ، وقد صارت الآن ربابتي إليك - أي تدبير أمري وإصلاحه - فهذا رب بمعنى مالك ، كأنه قال : الذين كانوا يملكون أمري قبلك ضيعوه " . وقال الطبري فيما سيأتي : " يعني بقوله : ربتني : ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه فلم يصلحوه ، ولكنهم أضاعوني فضعت " . والربابة : المملكة ، وهي أيضًا الميثاق والعهد . وبها فسر هذا البيت ، وأيدوه برواية من روى بدل " ربابتي " ، " أمانتي " . والأول أجود .
(3) في المطبوعة : " من الملوك الذين كانوا " ، غيروه ليوافق ما ألفوا من العبارة .

(1/142)


بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : " يا محمد قل : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) " ، قال ابن عباس : يقول : قل الحمد لله الذي له الخلق كله - السمواتُ كلهن ومن فيهنّ ، والأَرَضُون كلُّهنّ ومن فيهنّ وما بينهن ، مما يُعلم ومما لا يُعلم. يقول : اعلم يا محمد أن ربَّك هذا لا يشبهه شيء. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { الْعَالَمِينَ } .
قاله أبو جعفر : والعالَمون جمع عالَم ، والعالَم : جمعٌ لا واحدَ له من لفظه ، كالأنام والرهط والجيش ، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه.
والعالم اسم لأصناف الأمم ، وكل صنف منها عالَمٌ ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم ، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم ، وكذلك سائر أجناس الخلق ، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل : عالمون ، وواحده جمعٌ ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج :
* فَخِنْدِفٌ هامَةُ هَذَا العَالَمِ * (2)
فجعلهم عالمَ زمانه. وهذا القول الذي قلناه ، قولُ ابن عباس وسعيد بن جبير ، وهو معنى قول عامّة المفسرين.
__________
(1) الحديث 155 - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ، برقم 137 . وهذا الحديث في ابن كثير 1 : 44 ، والدر المنثور 1 : 13 ، والشوكاني 1 : 11 . ونسبه الأخيران أيضًا لابن أبي حاتم . وفي المطبوع وابن كثير " والأرض ومن فيهن " .
(2) ديوانه : 60 ، وطبقات فحول الشعراء : 64 ، وخندف : أم بني إلياس بن مضر ، مدركة وطابخة ، وتشعبت منهم قواعد العرب الكبرى .

(1/143)


156 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، الحمد لله الذي له الخلق كله : السموات والأرضون ومَن فيهنّ ، وما بينهن ، مما يُعلم ولا يعلم. (1)
157 - وحدثني محمد بن سنان القَزَّاز ، قال حدثنا أبو عاصم ، عن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : (رب العالمين) : الجن والإنس. (2)
158 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، في قول الله جل وعزّ(رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : ربِّ الجن والإنس. (3)
159 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير : قوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : الجنّ والإنس. (4)
__________
(1) الحديث 156 - هو مختصر مما قبله : 155 .
(2) الخبر 157 - إسناد صحيح . محمد بن سنان القزاز ، شيخ الطبري : تكلموا فيه من أجل حديث واحد . والحق أنه لا بأس به ، كما قال الدارقطني . وهو مترجم في التهذيب ، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد 5 : 343 - 346 . أبو عاصم : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد ، الحافظ الحجة . شبيب : هو ابن بشر البجلي ، ووقع في التهذيب 4 : 306 " الحلبي " وهو خطأ مطبعي ، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري 2 / 2 / 232 / 233 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1 / 357 - 358 والتقريب وغيرها ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين .
(3) الخبر 158 - إسناده حسن على الأقل ، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره ، وقيس بن الربيع قديم ، لعله سمع منه قبل الاختلاط ، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح . ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع " حدثنا مصعب " ، وصوابه من المخطوطة " حدثنا محمد بن مصعب " ، وهو القرقساني ، كما مضى في الإسناد 154 .
(4) الخبر 159 - إسناده حسن كالذي قبله . وأبو أحمد الزبيري : هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي ، من الثقات الكبار ، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ . وقيس : هو ابن الربيع . وهذه الأخبار الثلاثة 157 - 159 ، ولفظها واحد ، ذكرها ابن كثير 1 : 44 خبرًا واحدًا دون إسناد . وذكرها السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 خبرًا واحدًا ونسبه إلى " الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم وصححه ، عن ابن عباس " .

(1/144)


160 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرْقي ، قال : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لَهِيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال : ابن آدم ، والجن والإنس ، كل أمة منهم عالمٌ على حِدَته. (1)
161 - حدثني محمد بن حُميد ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : الإنس والجن. (2)
162 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد بمثله. (3)
163 - حدثنا بشر بن معاذ العَقَدي ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد ، عن قتادة : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال : كلّ صنف عالم. (4)
__________
(1) الأثر 160 - أحمد بن عبد الرحيم البرقي : اشتهر بهذا ، منسوبًا إلى جده ، وكذلك أخوه " محمد " وهو : أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم . وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم 22 باسم " ابن البرقي " . ابن أبي مريم : هو سعيد . ابن لهيعة هو عبد الله . عطاء بن دينار المصري : ثقة ، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 332 وفي المراسيل : 58 عن أحمد بن صالح ، قال : " عطاء بن دينار ، هو من ثقات أهل مصر ، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير - : صحيفة ، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير " . وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم ، قال : " هو صالح الحديث ، إلا أن التفسير أخذه من الديوان ، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن ، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه ، فوجده عطاء بن دينار في الديوان ، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير " .
(2) الأثر 161 - إسناده إلى مجاهد ضعيف . لأن سفيان ، وهو الثوري ، لم يسمع من مجاهد ؛ لأن الثوري ولد سنة 97 ، ومجاهد مات سنة 100 أو بعدها بقليل ، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر ، راويها عن الثوري ، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي 11 .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد . وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد .
(3) الأثر 162 - إسناده ضعيف ، لإبهام الرجل راويه عن مجاهد . وهو يدل على غلط مهران في الإسناد قبله ، إذ جعله عن الثوري عن مجاهد مباشرة ، دون واسطة .
(4) الأثر 163 - سعيد : هو ابن أبي عروبة ، وقد مضى أثر آخر عن قتادة بهذا الإسناد. 119 وهذا الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 13 ، وفي نسبته هناك خطأ مطبعي : " ابن جريج " بدل " ابن جرير " . وكلام ابن جريج سيأتي 165 مرويًا عنه لا راويًا .

(1/145)


الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)

164 - حدثني أحمد بن حازم الغِفَاري ، قال : حدثنا عُبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر ، عن ربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال : الإنس عالَمٌ ، والجنّ عالم ، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم ، أو أربعةَ عشر ألف عالم - هو يشكّ - من الملائكة على الأرض ، وللأرض أربع زوايا ، في كل زاوية ثلاثة آلافِ عالم وخمسمائة عالَمٍ ، خلقهم لعبادته. (1)
165 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جُريج ، في قوله : (رَبِّ الَعَالَمِينَ) قال : الجن والإنس. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
قال أبو جعفر : قد مضى البيانُ عن تأويل قوله(الرحمن الرحيم) ، في تأويل(بسم الله الرحمن الرحيم) ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
ولم نَحْتَجْ إلى الإبانة عن وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ، إذْ كنا لا نرى أن
__________
(1) الأثر 164 - أبو جعفر : هو الرازي التميمي ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم ، وقال ابن عبد البر : " هو عندهم ثقة ، عالم بتفسير القرآن " . وله ترجمة وافية في تاريخ بغداد 11 : 143 - 147 . وهذا الأثر عن أبي العالية ذكره ابن كثير 1 : 45 والسيوطي 1 : 13 بأطول مما هنا قليلا ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، وقال ابن كثير : " وهذا كلام غريب ، يحتاج مثله إلى دليل صحيح " . وهذا حق .
(2) الأثر 165 - سبق الكلام على هذا الإسناد 144 . وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 44 دون نسبة ولا إسناد .

(1/146)


" بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب - آيةٌ ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسألةٌ بأن يقول : ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ، وقد مضى وصفُ الله عزّ وجلّ به نفسه في قوله " بسم الله الرحمن الرحيم " ، مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأخرى ، ومجاورتها صَاحِبتها ؟ بل ذلك لنا حُجة على خطأ دعوى من ادَّعى أن " بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب آية. إذ لو كان ذلك كذلك ، لكان ذلك إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحدٍ مرتين من غير فَصْل يَفصِل بينهما. وغيرُ موجودٍ في شيء من كتاب الله آيتان مُتجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد ، لا فصلَ بينهما من كلام يُخالف معناه معناهما. وإنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة ، مع فُصولٍ تفصِل بين ذلك ، وكلامٍ يُعترضُ به معنى الآيات المكررات أو غير ألفاظها ، ولا فاصِلَ بين قول الله تبارك وتعالى اسمه " الرحمن الرحيم " من " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وقولِ الله : " الرحمن الرحيم " ، من " الحمدُ لله ربّ العالمين " .
فإن قال : فإن " الحمدُ لِله رَبِّ العالَمين " فاصل من ذلك. (1)
قيل : قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل ، وقالوا : إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم ، وإنما هو : الحمد لله الرحمن الرحيم رَبّ العالمين مَلِك يوم الدين. واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله : " مَلِك يوم الدين " ، فقالوا : إن قوله " ملِكِ يوم الدين " تعليم من الله عبدَه أنْ يصفَه بالمُلْك في قراءة من قرأ ملِك ، وبالمِلْك في قراءة من قرأ " مالك " . قالوا : فالذي هو أولى أن يكونَ مجاورَ وصفه بالمُلْك أو المِلْك ، ما كان نظيرَ ذلك من الوصف ؛ وذلك هو قوله : " ربّ العالمين " ، الذي هو خبر عن مِلْكه جميع أجناس الخلق ؛ وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة والألُوهة ما كان له نظيرًا في المعنى من الثناء عليه ، وذلك قوله : (الرحمن الرحيم).
فزعموا أنّ ذلك لهم دليلٌ على أن قوله " الرحمن الرحيم " بمعنى التقديم قبل " رب العالمين " ، وإن كان في الظاهر مؤخرًا. وقالوا : نظائرُ ذلك - من التقديم الذي هو بمعنى التأخير ، والمؤخَّر الذي هو بمعنى التقديم - في كلام العرب أفشى ، وفي منطقها أكثر ، من أن يُحصى. من ذلك قول جرير بن عطية :
__________
(1) في المطبوعة : " فاصل بين ذلك " ، والذي في المخطوطة عربية جيدة .

(1/147)


مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

طَافَ الخَيَالُ - وأَيْنَ مِنْكَ? - لِمَامَا... فَارْجِعْ لزَوْرِكَ بالسَّلام سَلاما (1)
بمعنى طاف الخيال لمامًا ، وأين هو منك ؟ وكما قال جل ثناؤه في كتابه : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا ) [سورة الكهف : 1] بمعنى (2) : الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيِّمًا ولم يجعل له عوجًا ، وما أشبه ذلك. ففي ذلك دليل شاهدٌ على صحة قول من أنكر أن تكون - ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من فاتحة الكتاب - آيةً (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .
قال أبو جعفر : القرَّاء مختلفون في تلاوة( ملك يَوْمِ الدِّينِ ). فبعضهم يتلوه " مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ " ، وبعضهم يتلوه(مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وبعضهم يتلوه(مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) بنصب الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه في ذلك قراءةٌ في " كتاب القراآت " ، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه ، والعلة الموجبة صحّة ما اخترنا من القراءة فيه ، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع ، إذ كان الذي قَصَدْنا له ، في كتابنا هذا ، البيانَ عن وجوه تأويل آي القرآن ، دون وجوه قراءتها.
ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب ، أن المَلِك من " المُلْك "
__________
(1) ديوانه : 541 ، والنقائض : 38 . طاف الخيال : ألم بك في الليل ، واللمام : اللقاء اليسير . والزور : الزائر ، يقال للواحد والمثنى والجمع : زور . " فارجع لزورك " ، يقول : رد عليه السلام كما سلم عليك .
(2) في المطبوعة : " المعنى : الحمد لله . . . "
(3) وهكذا ذهب أبو جعفر رحمه الله إلى أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست آية من الفاتحة ، واحتج لقوله بما ترى . وليس هذا موضع بسط الخلاف فيه ، والدلالة على خلاف ما قال ابن جرير .
وقد حققت هذه المسألة ، أقمت الدلائل الصحاح - في نظري وفقهي - على أنها آية من الفاتحة - : في شرحي لسنن الترمذي 2 : 16 - 25 . وفي الإشارة إليه غنية هنا . أحمد محمد شاكر .

(1/148)


مشتق ، وأن المالك من " المِلْك " مأخوذٌ. فتأويل قراءةِ من قرأ ذلك : (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، أن لله المُلْك يوم الدين خالصًا دون جميع خلقه ، الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكًا جبابرة ينازعونه الملك ، ويدافعونه الانفرادَ بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية (1) . فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذِلّة (2) ، وأنّ له - من دُونهم ، ودون غيرهم - المُلك والكبرياء ، والعزة والبهاء ، كما قال جلّ ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله : ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [سورة غافر : 16]. فأخبر تعالى ذكره أنه المنفرد يومئذ بالمُلك دون ملوك الدنيا ، الذين صارُوا يوم الدّين منْ مُلكهم إلى ذِلّة وصَغار ، ومن دُنياهم في المعاد إلى خسار.
وأما تأويلُ قراءة من قرأ : (مالك يوم الدين) ، فما : -
166 - حدثنا به أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، يقول : لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معهُ حكمًا كمِلْكِهم في الدنيا. ثم قال : ( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) [سورة النبأ : 38] وقال : ( وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ) [سورة طه : 108] . وقال : ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى ) (3) [سورة الأنبياء : 28].
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ، وأصحُّ القراءتين في التلاوة عندي ،
__________
(1) الجبرية والجبروت واحد ، وهو من صفات الله العلي . الجبار : القاهر فوق عباده ، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي ، سبحانه وتعالى .
(2) الصغرة جمع صاغر : وهو الراضي بالذل المقر به . والأذلة جمع ذليل .
(3) الخبر 166 - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد 137 . وهذا الخبر ، مع باقيه الآتي 167 نقله ابن كثير 1 : 46 دون إسناد ولا نسبة ، ونقله السيوطي 1 : 14 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . وقال ابن كثير : " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف . وهو ظاهر " .

(1/149)


التأويلُ الأول ، وهي قراءةُ من قرأ " مَلِكِ " بمعنى " المُلك " . لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك ، إيجابًا لانفراده بالمِلْك ، وفضيلة زيادة المِلك على المالك (1) ، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا .
وبعدُ ، فإن الله جلّ ذكره ، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله(ملِكِ يوم الدين) أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم ، ومُصلحُهم ، والناظرُ لهم ، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة ، بقوله : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ).
وإذْ كان جلّ ذكره قد أنبأهم عن مِلْكه
__________
(1) في المخطوطة : " الملك على الملك " ، وهما سواء .

(1/150)


إيَّاهم كذلك بقوله : (ربِّ العالمين) ، فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَع ذلك ما لم يحْوِه قوله(ربِّ العالمين الرَّحمن الرحيم) ، مع قرب ما بين الآيتين من المواصَلة والمجاورة ، إذْ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تشبهها حِكمةٌ ، وكان في إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه(مالِكِ يوم الدين) ، إعادةُ ما قد مضى من وصفه به في قوله(ربِّ العالمين) ، مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين. وكان في إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة ، لا تفيد سامع ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجة. والذي لم يحْوِه من صفاته جلّ ذكره ما قبل قوله : (مالك يوم الدين) ، المعنى الذي في قوله : (مَلِك يوم الدين) ، وهو وصْفه بأنه الملِك.
فبيِّن إذًا أن أولى القراءتين بالصواب ، وأحقّ التأويلين بالكتاب ، قراءة من قرأه( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين ، دون قراءة من قرأ(مالك يوم الدين) الذي بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء ، متفرِّدًا به دون سائر خلقه.
فإن ظنّ ظانّ أن قوله(رَبّ العَالمين) نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا دون الآخرة ، يوجبُ وصْلَ ذلك بالنبأ عن نفسه أنه : مَنْ مَلَكهم في الآخرة على نحو مِلْكه إياهم في الدنيا بقوله(مالك يوم الدين) - فَقد أغفلَ وظنَّ خطأ (1) .
وذلك أنه لو جاز لِظانّ أنْ يظنّ أن قوله(ربّ العالمين) محصورٌ معناه على الخبر عن ربوبِيَّة عالم الدنيا دُونَ عالم الآخرة ، مع عدم الدلالة على أن مَعنى ذلك كذلك في ظاهر التنزيل ، أو في خبرٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقولٍ ، أو بحجّة موجودة في المعقول - لجاز لآخر أن يظنّ أن ذلك محصور على عالم الزمان الذي فيه نزل قوله(رب العالمين) ، دون سائر ما يحدث بعدَه في الأزمنة الحادثة من العالمين. إذْ كان صحيحًا بما قد قدّمنا من البيان ، أنّ عالمَ كل زمان غير عالم الزمان الذي بعده.
فإن غَبِيَ - عن علم صحة ذلك بما قد قدمنا - ذو غباء ، فإنّ في قول الله جل ثناؤه : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [سورة الجاثية : 16] دلالةً واضحةً على أنّ عالم كلّ زمان ، غيرُ عالم الزمان الذي كان قَبله ، وعالم الزمان الذي بعدَه ، إذْ كان الله جلّ ثناؤه قد فضّل أمّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الخالية ، وأخبرهم بذلك في قوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) الآية [سورة آل عمران : 110]. فمعلومٌ بذلك أن بَني إسرائيل في عصر نبينا لم يكونوا - مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم - أفضلَ العالمين ، بل كانَ أفضلَ العالمين في ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة ، المؤمنون به المتَّبِعون منهاجهُ ، دون من سِواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه.
وإذْ كان بيِّنًا فساد تأويل متأوِّلٍ لو تأوّل قوله(ربّ العالمين) أنه معنيٌّ به
__________
(1) قوله " أغفل " ، فعل لازم غير متعد . ومعناه : دخل في الغفلة والنسيان ووقع فيهما ، وهي عربية معرقة ، وإن لم توجد في المعاجم ، وهي كقولهم : أنجد ، دخل نجدًا ، وأشباهها . وحسبك بها عربية أنها لغة الشافعي ، أكثر من استعمالها في الرسالة والأم . من ذلك قوله في الرسالة : 42 رقم : 136 : " وبالتقليد أغفل من أغفل منهم " .

(1/151)


أن الله ربُّ عَالمي زَمن نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، دون عالمي سائر الأزمنة غيره - كان واضحًا فساد قول من زعم أنّ تأويلَهُ : ربُّ عالَمِ الدنيا دُون عالَمِ الآخرة ، وأنّ " مالك يوم الدين " استحقَّ الوصلَ به ليُعلَم أنه في الآخرة من مِلْكِهم ورُبُوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا.
ويُسْأل زاعم ذلك ، الفرقَ بينه وبين متحكم مثله - في تأويل قوله(رب العالمين) ، تحكَّم فقال : إنه إنما عنى بذلك أنه ربّ عالمي زمان محمّد صلى الله عليه وسلم ، دون عالمي غيره من الأزمان الماضية قبله ، والحادثة بعده ، كالذي زعم قائل هذا القول : أنه عَنى به عالمي الدنيا دُون عالمي الآخرة - من أصل أو دلالة (1) . فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله.
وأما الزاعم أن تأويل قوله(مالك يوم الدين) أنه الذي يملكُ إقامة يَوم الدين ، فإن الذي ألزمْنا قَائلَ هذا القول الذي قبله - له لازمٌ. إذْ كانت إقامةُ القيامة ، إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك ، في الدار التي أعَدّ الله لهم فيها ما أعدّ. وُهمُ العالَمون الذين قد أخبر جلّ ذكره عنهم أنه ربُّهم في قوله(ربّ العالمين ).
وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ(مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ، فإنه أراد : يا مالك يوم الدين ، فنصَبه بنيّة النداء والدعاء ، كما قال جلّ ثناؤه : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) [سورة يوسف : 29] بتأويل : يا يوسف أعرضْ عن هذا ، وكما قال الشاعر من بني أسد ، وهو شعر - فيما يقال - جاهلي :
إنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَني بِهَا كَذِبًا... جَزْءُ ، فلاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلا (2)
__________
(1) سياق العبارة : " ويسأل زاعم ذلك ، الفرق . . . من أصل أو دلالة " ، وما بينهما فصل .
(2) الشعر لجاهلي مخضرم هو حضرمي بن عامر الأسدي ، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من بني أسد فأسلموا جميعًا . وسبب قوله هذا الشعر : أن إخوته كانوا تسعة ، فجلسوا على بئر فانخسفت بهم ، فورثهم ، فحسده ابن عمه جزء بن مالك بن مجمع ، وقال له : من مثلك ؟ مات إخوتك فورثتهم ، فأصبحت ناعمًا جذلا . وما كاد ، حتى جلس جزء وإخوة له تسعة على بئر فانخسفت بإخوته ونجا هو ، فبلغ ذلك حضرميًا فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كلمة وافقت قدرًا وأبقت حقدًا . يعني قوله لجزء : " فلاقيت مثلها عجلا " . وأزننته بشيء : اتهمته به . انظر أمالي القالي 1 : 67 ، والكامل 1 : 41 - 42 وغيرهما .

(1/152)


يريد : يا جزءُ ، وكما قال الآخر :
كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَنْكِحُونَهَا ، ... بَني شَاب قَرْنَاها تَصُرُّ وتَحْلبُ (1)
يريد : يا بني شابَ قرْناها. وإنما أوْرطه في قراءة ذلك - بنصب الكاف من " مالك " ، على المعنى الذي وصفتُ - حيرتهُ في توجيه قَوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وِجْهَته ، مع جر(مالك يوم الدين) وخفضِه. فظنّ أنّه لا يصحّ معنى ذلك بعد جرِّه(مالك يوم الدين) ، فنصب : " مالكَ يوم الدين " ليكون(إياك نعبد) له خطابًا. كأنه أراد : يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نَستعين . ولو كان عَلم تأويل أول السورة ، وأن " الحمدُ لله رَبّ العالمين " أمرٌ من الله عبدَه بقيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس : أن جبريلَ قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ذكره : قل يا محمد ، (الحمدُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَالكِ يوم الدين) ، وقل أيضًا يا محمد : (إياك نَعبد وإياك نَستعين) (2) - وكان عَقَل (3) عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكَت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القولَ ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب ، وتخبرَ عن الغائب ثم تعودَ إلى الخطاب ، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب ، كقولهم للرجل : قد قلتُ لأخيك : لو قمتَ لقمتُ ، وقد قلتُ لأخيك : لو قام لقمتُ (4) - لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وجْهتُه من جر " مالك يوم الدين " .
__________
(1) نسبه في اللسان (قرن) ومجاز القرآن : 100 إلى رجل من بني أسد والبيت في سيبويه 1 : 295 / 2 : 7 ، 65 ، وهو شاهد مشهور . " وبني شاب قرناها " يعني قومًا ، يقول : بني التي يقال لها : شاب قرناها ، أي يا بني العجوز الراعية ، لا هم لها إلا أن تصر ، أي تشد الصرار على الضرع حتى تجتمع الدرة ، ثم تحلب . وذلك ذم لها . والقرن : الضفيرة .
(2) انظر : 151 ، 155 .
(3) عطف على قوله : " ولو كان علم . . . " .
(4) جواب " لو كان علم . . . وكان عقل " .

(1/153)


ومن نظير " مالك يوم الدين " مجرورًا ، ثم عَوْده إلى الخطاب بـ " إياك نعبد " ، لما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبي كبير الهُذَلي :
يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ (1)
فرجعَ إلى الخطاب بقوله : " وبياضُ وَجْهك " ، بعد ما قد مضى الخبرُ عن خالد على معنى الخبر عن الغائب.
ومنه قول لبيد بن ربيعة :
بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا (2)
فرجع إلى مخاطبة نفسه ، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب.
ومنه قول الله ، وهو أصدق قيلٍ وأثبتُ حجةٍ : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [سورة يونس : 22] ، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب ، ولم يقل : وَجرَين بكم . والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
فقراءة : " مالكَ يوم الدين " محظورة غير جائزة ، لإجماع جميع الحجة من القرّاء وعلماء الأمة على رَفض القراءة بها.
* * *
__________
(1) ديوان الهذليين 2 : 101 . في المطبوعة : " جلدة " وهو خطأ وقوله " جدة " يعني شبابه الجديد . والجدة : نقيض البلى . والتراب الأعفر : الأبيض ، قل أن يطأه الناس لجدبه . وخالد : صديق له من قومه ، يرثيه .
(2) القسم الثاني من ديوانه : 46 ، وقال ابن سلام في طبقات فحول الشعراء : ص 50 وذكر البيت وبيتًا معه ، أنهما قد رويا عن الشعبي (ابن سعد 6 : 178) ، وهما يحملان على لبيد ، ثم قال : " ولا اختلاف في أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث ، ويستعان به على السهر عند الملوك والملوك لا تستقصي " . أجهش بالبكاء : تهيأ له وخنقه بكاؤه .

(1/154)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { يَوْمِ الدِّينِ } .
قال أبو جعفر : والدين في هذا الموضع ، بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال ، كما قال كعب بن جُعَيْل :
إِذَا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُم... ودِنَّاهُمُ مِثْلَ ما يُقْرِضُونَا (1)
وكما قال الآخر :
وَاعْلَمْ وأَيْقِنْ أنَّ مُلْككَ زائلٌ... واعلمْ بأَنَّكَ مَا تدِينُ تُدَانُ (2)
يعني : ما تَجْزِي تُجازى.
ومن ذلك قول الله جل ثناؤه( كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) - يعني : بالجزاء - ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ) [سورة الانفطار : 9 ، 10] يُحصون ما تعملون من الأعمال ، وقوله تعالى( فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) [سورة الواقعة : 86] ، يعني غير مجزيِّين بأعمالكم ولا مُحاسَبين.
وللدين معانٍ في كلام العرب ، غير معنى الحساب والجزاء ، سنذكرها في أماكنها إن شاء الله.
__________
(1) الكامل للمبرد 1 : 191 ، ووقعة صفين لنصر بن مزاحم 1 : 52 ، المخصص 17 : 155 .
(2) الكامل للمبرد 1 : 192 منسوبًا إلى يزيد بن أبي الصعق الكلابي ، وكذلك في جمهرة الأمثال للعسكري : 196 ، والمخصص 17 : 155 ، وفي اللسان (زنأ) و (دان) منسوبين إلى خويلد بن نوفل الكلابي ، وفي الخزانة 4 : 230 إلى بعض الكلابيين . يقولون : إن الحارث بن أبي شمر الغساني كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها ، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابي ، وكان أبوها غائبًا ، فلما قدم أخبر . فوفد إليه فوقف بين يديه وقال : يَا أَيُّهَا المَلِكُ المُقِيتُ ! أمَا تَرى ... لَيْلاً وصُبْحًا كَيْف يَخْتَلِفَانِ ?
هَلْ تَسْتَطِيعُ الشَّمْسَ أن تَأتِي بها ... لَيْلاً ? وهل لَكَ بِالْمَلِيك يَدَانِ?
يَا حَارِ ، أيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/155)


وبما قُلنا في تأويل قوله(يوم الدين) جاءت الآثار عن السلف من المفسِّرين ، مع تصحيح الشواهد تأويلَهم الذي تأوّلوه في ذلك.
167 - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : (يَوْمِ الدِّينِ) ، قال : يوم حساب الخلائق ، وهو يوم القيامة ، يدينهم بأعمالهم ، إن خيرًا فخيرًا ، وإن شرًّا فشرًّا ، إلا من عَفا عنه ، فالأمرُ أمرُه. ثم قال : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) [سورة الأعراف : 54] . (1)
168 - وحدثني موسى بن هارون الهَمْدَاني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القَنَّاد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، هو يوم الحساب. (2)
169 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
__________
(1) الخبر 167 - سبق تخريجه في الخبر 166 .
(2) الخبر 168 - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري ، إن لم يكن أكثرها ، فلا يكاد يخلو تفسير آية من رواية بهذا الإسناد . وقد عرض الطبري نفسه في (ص 121 بولاق ، سطر : 28 وما بعده) ، فقال ، وقد ذكر الخبر عن ابن مسعود وابن عباس بهذا الإسناد : " فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كان بإسناده مرتابًا . . . . " . ولم يبين علة ارتيابه في إسناده ، وهو مع ارتيابه قد أكثر من الرواية به . ولكنه لم يجعلها حجة قط .
بيد أني أراه إسنادا يحتاج إلى بحث دقيق . ولأئمة الحديث كلام فيه وفي بعض رجاله . وقد تتبعت ما قالوا وما يدعو إليه بحثه ، ما استطعت ، وبدا لي فيه رأي ، أرجو أن يكون صوابًا ، إن شاء الله . وما توفيقي إلا بالله :
أما شيخ الطبري ، وهو " موسى بن هارون الهمداني " : فما وجدت له ترجمة ، ولا ذكرًا في شيء مما بين يدي من المراجع ، إلا ما يرويه عنه الطبري أيضًا في تاريخه ، وهو أكثر من خمسين موضعًا في الجزئين الأول والثاني منه . وما بنا حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل ، فإن هذا التفسير الذي يرويه عن عمرو بن حماد ، معروف عند أهل العلم بالحديث . وما هو إلا رواية كتاب ، لا رواية حديث بعينه .
" وعمرو بن حماد " : هو عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، وقد ينسب إلى جده ، فيقال عمرو بن طلحة ، وهو ثقة ، روى عنه مسلم في صحيحه ، وترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 285 ، وقال : " وكان ثقة إن شاء الله " مات سنة 222 . وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 1 / 228 ، وروى عن أبيه ويحيى بن معين أنهما قالا فيه : " صدوق " .
أسباط بن نصر الهمداني : مختلف فيه ، وضعفه أحمد ، وذكره ابن حبان في الثقات : 410 ، ةترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 53 فلم يذكر فيه جرحًا ، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 332 ، وروى عن يحيى بن معين قال : " أسباط بن نصر ثقة " . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند ، في الحديث 1286 .
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي : هو السدي الكبير ، قرشي بالولاء ، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة ، من بني عبد مناف ، كما نص على ذلك البخاري في تاريخيه : الصغير : 141 - 142 ، والكبير 1 / 1 / 361 ، وهو تابعي ، سمع أنسًا ، كما نص على ذلك البخاري أيضًا ، وروى عن غيره من الصحابة ، وعن كثير من التابعين . وهو ثقة . أخرج له مسلم في صحيحه ، وثقه أحمد بن حنبل ، فيما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 1 / 184 ، وروى أيضًا عن أحمد ، قال : " قال لي يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهدي : السدي ضعيف ، فغضب عبد الرحمن ، وكره ما قال " : وفي الميزان والتهذيب " أن الشعبي قيل له : إن السدي قد أعطي حظًا من علم القرآن ، فقال : قد أعطي حظًا من جهل بالقرآن! " . وعندي أن هذه الكلمة من الشعبي قد تكون أساسا لقول كل من تكلم في السدي بغير حق . ولذلك لم يعبأ البخاري بهذا القول من الشعبي ، ولم يروه ، بل روى في الكبير عن مسدد عن يحيى قال : " سمعت ابن أبي خالد يقول : السدي أعلم بالقرآن من الشعبي " . وروى في تاريخيه عن ابن المديني عن يحيى ، وهو القطان ، قال : " ما رأيت أحدًا يذكر السدي إلا بخير ، وما تركه أحد " . وفي التهذيب : " قال العجلي : ثقة عالم بالتفسير راوية له " . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند 807 . وتوفي السدي سنة 127 .
و " السدي " : بضم السين وتشديد الدال المهملتين ، نسبة إلى " السدة " ، وهي الباب ، لأنه كان يجلس إلى سدة الجامع بالكوفة ، ويبيع بها المقانع .
أبو مالك : هو الغفاري ، واسمه غزوان . وهو تابعي كوفي ثقة . ترجمه البخاري في الكبير 4 / 1 / 108 ، وابن سعد في الطبقات 6 : 206 ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / 2 / 55 ، وروى توثيقه يحيى بن معين .
أبو صالح : هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب ، واسمه باذام ، ويقال باذان . وهو تابعي ثقة ، رجحنا توثيقه في شرح المسند 2030 ، وترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 144 ، وروى عن محمد بن بشار ، قال : " ترك ابن مهدي حديث أبي صالح " . وكذلك روى ابن أبي حاتم في ترجمته في الجرح والتعديل 1 / 1 / 431 - 432 عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي . ولكنه أيضًا عن يحيى بن سعيد القطان ، قال : " لم أرَ أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ ، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا ، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان " . وروى أيضًا عن يحيى بن معين ، قال : " أبو صالح مولى أم هانئ ليس به بأس ، فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء ، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس ، لأن الكلبي يحدث به مرة من رأيه ، ومرة عن أبي صالح ، ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس " . يعني بهذا أن الطعن فيما يروي عنه هو في رواية الكلبي ، كما هو ظاهر .
هذا عن القسم الأول من هذا الإسناد . فإنه في حقيقته إسنادان أو ثلاثة . أولهما هذا المتصل بابن عباس .
والقسم الثاني ، أو الإسناد الثاني : " وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود " . والذي يروي عن مرة الهمداني : هو السدي نفسه .
ومرة : هو ابن شراحيل الهمداني الكوفي ، وهو تابعي ثقة ، من كبار التابعين ، ليس فيه خلاف بينهم .
والقسم الثالث ، أو الإسناد الثالث : " وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " .
وهذا أيضًا من رواية السدي نفسه عن ناس من الصحابة .
فالسدي يروي هذه التفاسير لآيات من القرآن : عن اثنين من التابعين عن ابن عباس ، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود ، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة .
وللعلماء الأئمة الأقدمين كلام في هذا التفسير ، بهذه الأسانيد ، قد يوهم أنه من تأليف من دون السدي من الرواة عنه ، إلا أني استيقنت بعدُ ، أنه كتاب ألفه السدي .
فمن ذلك قول ابن سعد في ترجمة " عمرو بن حماد القناد " 6 : 285 : " صاحب تفسير أسباط بن نصر عن السدي " . وقال في ترجمة " أسباط بن نصر " 6 : 261 : " وكان راوية السدي ، روى عنه التفسير " . وقال قبل ذلك في ترجمة " السدي " 6 : 225 : " إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، صاحب التفسير " . وقال قبل ذلك أيضًا ، في ترجمة " أبي مالك الغفاري " 6 : 206 : " أبو مالك الغفاري صاحب التفسير ، وكان قليل الحديث " .
ولكن الذي يرجح أنه كتاب ألفه السدي ، جمع فيه التفسير ، بهذه الطرق الثلاث ، قول أحمد بن حنبل في التهذيب 1 : 314 ، في ترجمة السدي : " إنه ليحسن الحديث ، إلا أن هذا التفسير الذي يجئ به ، قد جعل له إسنادًا ، واستكلفه " . وقول الحافظ في التهذيب أيضًا 1 : 315 : " قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما ، في تفاسيرهم ، تفسير السدي ، مفرقًا في السور ، من طريق أسباط بن نصر عنه " .
وقول السيوطي في الإتقان 2 : 224 فيما نقل عن الخليل في الإرشاد : " وتفسير إسماعيل السدي ، يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس . وروى عن السدي الأئمة ، مثل الثوري وشعبة . ولكن التفسير الذي جمعه ، رواه أسباط بن نصر . وأسباط لم يتفقوا عليه . غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي " . ثم قال السيوطي : " وتفسير السدي ، [الذي] أشار إليه ، يورد منه ابن جرير كثيرًا ، من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، و [عن] ناس من الصحابة . هكذا . ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئًا ، لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد . والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ، ويصححه ، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود وناس ، فقط ، دون الطريق الأول ، وقد قال ابن كثير : إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة " .
وأول ما نشير إليه في هذه الأقوال : التناقض بين قولي الحافظ ابن حجر والسيوطي ، في أن ابن أبي حاتم أخرج تفسير السدي مفرقًا في تفسيره ، كما صنع الطبري ، في نقل الحافظ ، وأنه أعرض عنه ، في نقل السيوطي . ولست أستطيع الجزم في ذلك بشيء ، إذ لم أرَ تفسير ابن أبي حاتم . ولكني أميل إلى ترجيح نقل ابن حجر ، بأنه أكثر تثبتًا ودقة في النقل من السيوطي .
ثم قد صدق السيوطي فيما نقل عن الحاكم . فإنه يروي بعض هذا التفسير في المستدرك ، بإسناده ، إلى أحمد بن نصر : " حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " . ثم يصححه على شرط مسلم ، ويوافقه الذهبي في تلخيصه . من ذلك في المستدرك 2 : 258 ، 260 ، 273 ، 321 .
والحاكم في ذلك على صواب ، فإن مسلمًا أخرج لجميع رجال هذا الإسناد . من عمرو بن حماد بن طلحة القناد إلى مرة الهمداني . ولم يخرج لأبي صالح باذام ولا لأبي مالك الغفاري ، في القسم الأول من الإسناد الذي روى به السدي تفاسيره .
أما كلمة الإمام أحمد بن حنبل في السدي " إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به ، قد جعل له إسنادًا واستكلفه " فإنه لا يريد ما قد يفهم من ظاهرها : أنه اصطنع إسنادا لا أصل له ؛ إذ لو كان ذلك ، لكان - عنده - كذابًا وضاعًا للرواية . ولكنه يريد - فيما أرى ، والله أعلم - أنه جمع هذه التفاسير ، من روايته عن هؤلاء الناس : عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، ثم ساقها كلها مفصلة ، على الآيات التي ورد فيها شيء من التفسير ، عن هذا أو ذاك أو أولئك ، وجعل لها كلها هذا الإسناد ، وتكلف أن يسوقها به مساقًا واحدًا .
أعني : أنه جمع مفرق هذه التفاسير في كتاب واحد ، جعل له في أوله هذه الأسانيد . يريد بها أن ما رواه من التفاسير في هذا الكتاب ، لا يخرج عن هذه الأسانيد . ولا أكاد أعقل أنه يروي كل حرف من هذه التفاسير عنهم جميعا . فهو كتاب مؤلف في التفسير ، مرجع فيه إلى الرواية عن هؤلاء ، في الجملة ، لا في التفصيل .
إنما الذي أوقع الناس في هذه الشبهة ، تفريق هذه التفاسير في مواضعها ، مثل صنيع الطبري بين أيدينا ، ومثل صنيع ابن أبي حاتم ، فيما نقل الحافظ ابن حجر ، ومثل صنيع الحاكم في المستدرك . فأنا أكاد أجزم أن هذا التفريق خطأ منهم ، لأنه يوهم القارئ أن كل حرف من هذه التفاسير مروي بهذه الأسانيد كلها ، لأنهم يسوقونها كاملة عند كل إسناد ، والحاكم يختار منها إسنادًا واحدًا يذكره عند كل تفسير منها يريد روايته . وقد يكون ما رواه الحاكم - مثلا - بالإسناد إلى ابن مسعود ، ليس مما روى السدي عن ابن مسعود نصًا . بل لعله مما رواه من تفسير ابن عباس ، او مما رواه ناس من الصحابة ، روى عن كل واحد منهم شيئًا ، فأسند الجملة ، ولم يسند التفاصيل .
ولم يكن السدي ببدع في ذلك ، ولا يكون هذا جرحًا فيه ولا قدحًا . إنما يريد إسناد هذه التفاسير إلى الصحابة ، بعضها عن ابن عباس ، وبعضها عن ابن مسعود ، وبعضها عن غيرهما منهم . وقد صنع غيره من حفاظ الحديث وأئمته نحوًا مما صنع ، فما كان ذلك بمطعن فيهم ، بل تقبلها الحفاظ بعدهم ، وأخرجوها في دواوينهم . ويحضرني الآن من ذلك صنيع معاصره : ابن شهاب الزهري الإمام . فقد روى قصة حديث الإفك ، فقال : " أخبرني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله مما قالوا . وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصًا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني ، وبعض حديثهم يصدق بعضا " ، إلخ .
فذكر الحديث بطوله . وهو في صحيح مسلم 2 : 333 - 335 . وسيأتي في تفسير الطبري (18 : 71 - 74 بولاق) . ورواه الإمام أحمد والبخاري في صحيحه ، كما في تفسير ابن كثير 6 : 68 - 73 . ثم قال ابن كثير : " وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك ، قال : " وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة ، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة " . وإسناد ابن إسحاق الأخير في الطبري أيضًا . والإسنادان كلاهما رواهما ابن إسحاق عن الزهري ، في السيرة (ص 731 من سيرة ابن هشام) .
والمثل على ذلك كثيرة ، يعسر الآن تتبعها .
وقد أفادنا هذا البحث أن تفسير السدي من أوائل الكتب التي ألفت في رواية الأحاديث والآثار .
وهو من طبقة عالية ، من طبقة شيوخ مالك من التابعين .
وبعد : فأما هذا الخبر بعينه ، فقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 ، بالإسناد الذي أشرنا إليه ، من رواية السدي عن مرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . وافقه الذهبي . ونقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 14 عن ابن جرير والحاكم ، وصححه ، عن ابن مسعود وناس من الصحابة " .

(1/156)


إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

مَعمر ، عن قتادة في قوله : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال : يوم يَدينُ الله العبادَ بأعمالهم. (1)
170 - وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، (مالك يوم الدين) قال : يوم يُدان الناس بالحساب. (2)
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } .
قال أبو جعفر : وتأويل قوله(إيَّاكَ نعبُدُ) : لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك.
171 - كما حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ، إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك (3) .
__________
(1) الأثر 169 - نقله السيوطي 1 : 14 ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد . وهو ظاهر في رواية الطبري هذه - أنه من مصنف عبد الرزاق . ونسبه الشوكاني 1 : 12 لهما وللطبري .
(2) الأثر 170 - مضى الكلام على هذا الإسناد : 144 . وأما لفظه فلم يذكره أحد منهم .
(3) الخبر 171 - إسناده ضعيف ، بيناه في : 137 . وهذا الخبر والذي بعده 172 جمعهما السيوطي 1 : 14 ، ونسبهما أيضًا لابن أبي حاتم .

(1/157)


وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا. وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف - وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة - لأنّ العبودية ، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة ، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام ، وذلّلته السابلة : معبَّدًا . ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد :
تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت... وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ (1)
يعني بالموْر : الطريق. وبالمعبَّد : المذلَّل الموطوء (2) . ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج : معبَّد. ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه. والشواهد على ذلك - من أشعار العرب وكلامها - أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) : وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها - لا أحدًا سواك ، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك ، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة.
172 - كالذي حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ،
__________
(1) ديوان الستة الجاهليين : 31 . يصف ناقته . تباري : تجاريها وتسابقها . والعتاق جمع عتيق : وهو الكريم المعرق في كرم الأصل . وناجيات : مسرعات في السير ، من النجاء ، وهو سرعة السير . والوظيف : من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوظيف هنا : الخف .
(2) في المخطوطة : " الموطن " ، وهو قريب المعنى .

(1/161)


قال : حدثني بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، قال : إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها (1) .
فإن قال قائل : وما معنى أمر الله عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته ؟ أوَ جائزٌ ، وقد أمرهم بطاعته ، أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه : إياك نستعين على طاعتك ، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ ، وذلك هو الطاعة. فما وجهُ مسألة العبد ربَّه ما قد أعطاه إياه ؟
قيل : إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما الداعي ربَّه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه ، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عُمره على ما كلّفه من طاعته ، دون ما قد تَقضَّى ومَضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره . وجازت مسألةُ العبد ربَّه ذلك ، لأن إعطاء الله عبدَه ذلك - مع تمكينه جوارحَه لأداء ما كلَّفه من طاعته ، وافترض عليه من فرائضه ، فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل به عليه ، ولُطْف منه لَطَف له فيه. وليس في تَركه التفضُّلَ على بعض عبيده بالتوفيق - مع اشتغال عبده بمعصيته ، وانصرافه عن مَحبته ، ولا في بَسطه فضلَه على بعضهم ، مع إجهاد العبد نفسه في مَحبته ، ومسارعته إلى طاعته - فسادٌ في تدبير ، ولا جَور في حكم ، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله في أمرِه عبدَه بمسألته عَونَه على طاعته (2) .
وفي أمر الله جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، بمعنى مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة ، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض من أهل القدر (3) ، الذين أحالوا أن يأمُرَ الله أحدًا من عبيده بأمرٍ ، أو يكلّفه
__________
(1) الخبر 172 - هو بالإسناد الضعيف قبله . وأشرنا إليه هناك .
(2) في المطبوعة : " حكم الله وأمره عبده " ، وفي المخطوطة : " حكم الله امره " بغير واو . والذي أثبتناه أصوب . والحكم : الحكمة ، كما مر مرارًا
(3) أهل القدر : هم نفاة القدر لا مثبتوه . والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية . يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان (أي رد إليه) ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده .

(1/162)


فرضَ عمل ، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعلِه وعلى تركِه. ولو كانَ الذي قالوا من ذلك كما قالوا ، لبطلت الرَّغبة إلى الله في المعونة على طاعته. إذ كان - على قولهم ، مع وجود الأمر والنهي والتكليف - حقًّا واجبًا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه ، سأله عبدُه أو تركَ مسألة ذلك . بل تَرك إعطائه ذلك عندهم منه جَورٌ. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا ، لكان القائل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور.
وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا - على تصويب قول القائل : " اللهم إنا نستعينك " ، وتخطئَتِهم قول القائل : " اللهم لا تَجُرْ علينا " - دليل واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم. إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم : " اللهم إنّا نستعينك - اللهم لا تترك مَعونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ منك.
فإن قال قائل : وكيف قيل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، فقُدِّم الخبرُ عن العِبادة ، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها ؟ وإنما تكون العِبادة بالمعونة ، فمسألةُ المعونة كانت أحقَّّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل والعبادةُ بها.
قيل : لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه ، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان ، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل - كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه . كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها : " قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ " ، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك ، أو قلتَ : أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي " ، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة. لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن ، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ. فكذلك سواءٌ قول القائل : اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك ، وقوله : اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ.

(1/163)


قال أبو جعفر : وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذي معناه التأخيرُ ، كما قال امرؤ القيس :
ولَوْ أَنّ مَا أسْعَى لأَدْنَى مَعِيشةٍ... كَفاني ، ولم أطلُبْ ، قليلٌ من المالِ (1)
يريد بذلك : كفاني قليلٌ من المال ولم أطلب كثيرًا. وذلك - من معنى التقديم والتأخير ، ومن مشابهة بيت امرئ القيس - بمعْزِل. من أجل أنّه قد يكفيه القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ ، فليس وُجودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له تركَ طلب الكثير ، فيكونَ نظيرَ العبادة التي بوجُودها وجود المعونة عليها ، وبوجود المعونة عليها وُجُودها ، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالا على الآخر ، فيعتدلَ في صحة الكلام تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبه ، أن يكونَ موضوعًا في درجته ومرتَّبًا في مرتَبتِه.
فإن قال : فما وجْه تكراره : " إياك " مع قوله : " نستعين " ، وقد تقدَّم ذلك قَبْل " نعبد " ؟ وهلا قيل : " إياك نعبُدُ ونستعين " ، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ ، هو المخبر عنه أنه المستعانُ ؟
قيل له : إن الكاف التي مع " إيَّا " ، هي الكاف التي كانت تصل بالفعل - أعني بقوله : " نعبد " - لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل. وهي كنايةُ اسم المخاطبِ المنصوب بالفعل ، فكُثِّرت بـ " إيّا " متقدِّمةً ، إذْ كان الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد.
فلمّا كانت الكاف من " إياكَ " هي كنايةَ اسم المخاطَب التي كانت تكون كافًا وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل ، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ فعل اتصلتْ به ، فيقال : " اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك " ، وكان ذلك أفصحَ في كلام العرب من أن يقال : " اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد " - كان كذلك ، إذا قدِّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولةً بـ " إيّا " ، كان الأفصح إعادَتها مع كل فعل. كما كان الفصيحُ من الكلام إعادَتها مع
__________
(1) ديوانه 1 : 71 .

(1/164)


كل فعل ، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به ، وإن كان تركُ إعادتها جائزًا.
وقد ظنّ بعضُ من لم يُنعم النظرَ (1) أنّ إعادة " إياك " مع " نستعين " ، بعد تقدّمها في قوله : " إياك نستعين " ، بمعنى قول عدي بن زيد العِبَاديّ :
وجَاعِل الشَّمس مِصْرًا لا خَفَاءَ بِه... بَيْن النَّهارِ وَبيْنَ اللَّيل قد فَصَلا (2)
وكقول أعشى هَمْدان :
بَيْنَ الأشَجِّ وبَيْنَ قَيْسٍ باذخٌ... بَخْ بَخْ لوَالِدِهِ وللمَولُودِ (3)
وذلك من قائله جهل ، من أجل أن حظ " إيّاك " أن تكون مكررة مع كل فعل ، لما وصفنا آنفًا من العلة ، وليس ذلك حُكم " بين " لأنها لا تكون - إذ اقتضت اثنين - إلا تكريرًا إذا أعيدت ، إذْ كانت لا تنفَرد بالواحد. وأنها لو أفْرِدت بأحد الاسمين ، في حال اقتضائها اثنين ، كان الكلام كالمستحيل. وذلك أنّ قائلا لو قال : " الشمس قد فَصَلت بين النهار " ، لكان من الكلام خَلْفًا (4) لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه ، من تمامه الذي يقتضيه " بين " .
ولو قال قائل : " اللهمّ إياك نعبد " ، لكان ذلك كلامًا تامًّا. فكان معلومًا بذلك أنّ حاجةَ كلِّ كلمةٍ - كانت نظيرةَ " إياك نعبد " - إلى " إياك " كحاجة
__________
(1) في المطبوعة : " لم يمعن النظر " ، بدلوها ، كما فعلوا في ص : 55 ، تعليق : 3 .
(2) في اللسان (مصر) منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت . واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد . والمصر : الحاجز والحد بين الشيئين . يقول : جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار .
(3) ديوان الأعشين : 323 ، والأغاني 6 : 46 ، 61 . وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح ، كان أحد الفقهاء القراء ، ثم ترك ذلك وقال الشعر . يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان خرج على الحجاج ، فخرج معه الفقهاء والقراء ، فلما أسر الحجاج الأعشى ، قال له : ألست القائل : وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا! وقتله . الأشج : هو الأشعث والد عبد الحمن ، وقيس جده . وبخ بخ : كلمة للتعظيم والتفخيم . وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار " بين " ، مع غير الضمير المتصل ، ومثلهما كثير . وأهل عصرنا يخطئون من يقوله ، وهم في شرك الخطأ .
(4) الخلف (بفتح فسكون) : الرديء من القول . يقال هذا خلف من القول ، أي رديء . وفي المثل : " سكت ألفًا ونطق خلفًا " ، يقال للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ . أي سكت دهرًا طويلًا ، ثم تكلم بخطأ . كنى بالألف عن الزمن الطويل ، ألف ساعة مثلا .

(1/165)


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

" نُعْبد " إليها (1) وأنّ الصواب أن تكونَ معها " إياك " ، إذْ كانت كل كلمة منها جملةَ خبرِ مبتدأ ، وبيّنًا حُكم مخالفة ذلك حُكم " بين " فيما وَفّق بينهما الذي وصفنا قوله.
* * *
القول في تأويل قوله : { اهْدِنَا } .
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، في هذا الموضع عندنا : وَفِّقْنا للثبات عليه ، كما رُوي ذلك عن ابن عباس : -
173 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد صلى الله عليه : " قل ، يا محمد ، اهدنا الصراط المستقيمَ " . يقول : ألهمنا الطريق الهادي (2) .
وإلهامه إياه ذلك ، هو توفيقه له ، كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظيرُ معنى قوله : " إياك نستعين " ، في أنه مَسألةُ العبد ربَّه التوفيقَ للثبات على العمل بطاعته ، وإصابة الحق والصواب فيما أمَره به ونهاه عنه ، فيما يَستَقبِلُ من عُمُره ، دون ما قد مضى من أعماله ، وتقضَّى فيما سَلف من عُمُره . كما في قوله : " إياك نستعين " ، مسألةٌ منه ربَّه المعونةَ على أداء ما قد كلَّفه من طاعته ، فيما بقي من عُمُره.
فكانَ معنى الكلام : اللهمّ إياك نعبدُ وحدَك لا شريك لك ، مخلصين لك العبادةَ دونَ ما سِواك من الآلهة والأوثان ، فأعِنَّا على عبادتك ، ووفِّقنا لما
__________
(1) يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية ، فلذلك وجب تكرارها . سياق العبارة : " فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة . . . وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها . . . وكان بينًا . . . " إلى آخر الفقرة .
(2) يأتي بتمامه وتخريجه برقم 179 .

(1/166)


وفَّقت له مَن أنعمتَ عليه من أنبيائك وأهل طاعتك ، من السبيل والمنهاج.
فإن قال قائل : وأنَّى وَجدتَ الهدايةَ في كلام العرب بمعنى التَّوفيق ؟
قيل له : ذلك في كلامها أكثرُ وأظهر من أن يُحصى عددُ ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد . فمن ذلك قول الشاعر :
لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ الله مَسْألتِي... وَلا أكُونَنْ كمن أوْدَى به السَّفَرُ (1)
يعنى به : وفَّقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر :
ولا تُعْجِلَنِّي هدَاَك المليكُ... فإنّ لكلِّ مَقامٍ مَقَالا (2)
فمعلوم أنه إنما أراد : وفقك الله لإصابة الحق في أمري.
ومنه قول الله جل ثناؤه : ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) في غير آيه من تنزيله. وقد عُلم بذلك ، أنه لم يَعْنِ أنه لا يُبيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضه. وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه ، وقد عمَّ بالبيان جميع المكلَّفين من خلقه ؟ ولكنه عَنى جلّ وعزّ أنه لا يُوفِّقهم ، ولا يشرَحُ للحق والإيمان صدورَهم.
وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله : (اهدِنا) : زدْنا هدايةٍ.
وليس يخلُو هذا القولُ من أحد أمرين : إما أن يكون ظنَّ قائلُه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بمسألة الزيادة في البيان ، أو الزيادةَ في المعونة والتوفيق .
فإن كان ظن أنه أُمِر بمسألة رَبِّه الزيادة في البيان ، فذلك ما لا وجه له ؛ لأن الله جلّ ثناؤه لا يكلِّف عبدًا فرضًا من فرائضه ، إلا بعد تبيينه له وإقامةِ الحجة عليه به. ولو كان مَعنى ذلك معنى مسألتِه البيانَ ، لكانَ قد أمِر أن يدعو ربَّه أن يبين له ما فَرض عليه ، وذلك من الدعاء خَلفٌ (3) ، لأنه لا يفرض فرضًا إلا مبيَّنًا
__________
(1) لم أعرف نسبة البيت ، وأخشى أن يكون من أبيات ودقة الأسدي يقولها لمعن بن زائدة . أمالي المرتضى 1 : 160 .
(2) نسبه المفضل بن سلمة في الفاخر : 253 ، وقال : " أول من قال ذلك طرفة بن العبد ، في شعر يعتذر فيه إلى عمرو بن هند " ، وليس في ديوانه ، وانظر أمثال الميداني 2 : 125 .
(3) أي رديء من القول . انظر ما سلف ص 165 رقم : 1 .

(1/167)


لمن فرضَه عليه. أو يكون أمِر أن يدعوَ ربَّه أن يفرض عليه الفرائضَ التي لم يفرضْها.
وفي فساد وَجه مسألة العبد ربَّه ذلك ، ما يوضِّح عن أن معنى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، غير معنى : بيِّن لنا فرائضَك وحدودَك.
أو يكون ظنّ أنه أمِر بمسألة ربه الزيادةَ في المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك كذلك ، فلن تخلوَ مسألتُه تلك الزيادةَ من أن تكون مسألةً للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله ، أو على ما يحدُث.
وفي ارتفاع حاجةِ العبد إلى المعونة على ما قد تقضَّى من عمله (1) ، ما يُعلِمُ أنّ معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما يحدث من عمله. وإذْ كانَ ذلك كذلك ، صارَ الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك : من أنه مسألة العبد ربَّه التوفيقَ لأداء ما كُلِّف من فرائضه ، فيما يَستقبل من عُمُره.
وفي صحة ذلك ، فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنّ كل مأمور بأمرٍ أو مكلَّف فرضًا ، فقد أعطي من المعونة عليه ، ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجتُه إلى ربِّه (2) . لأنه لو كان الأمرُ على ما قالوا في ذلك ، لبطَلَ معنى قول الله جل ثناؤه : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ). وفي صحة معنى ذلك ، على ما بيَّنا ، فسادُ قولهم.
وقد زعم بعضُهم أنّ معنى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) : أسْلِكنا طريق الجنة في المعاد ، أيْ قدِّمنا له وامض بنا إليه ، كما قال جلّ ثناؤه : ( فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) [سورة الصافات : 23] ، أي أدخلوهم النار ، كما تُهْدَى المرأة إلى زوجها ، يُعني بذلك أنها تُدخَل إليه ، وكما تُهدَى الهديَّة إلى الرجل ، وكما تَهدِي الساقَ القدمُ ، نظير قَول طَرفة بن العبد :
__________
(1) ارتفع الأمر : زال وذهب ، كأنه كان موضوعا حاضرا ثم ارتفع . ومنه : ارتفع الخلاف بينهما .
(2) انظر ص : 162 التعليق رقم 2 .

(1/168)


لَعبتْ بَعْدِي السُّيُولُ بهِ... وجَرَى في رَوْنَقٍ رِهمُهْ (1)
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ... حَيْثُ تَهْدِي سَاقَه قَدَمُهْ (2)
أي تَرِدُ به الموارد.
وفي قول الله جل ثناؤه( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل ، مع شهادة الحجة من المفسِّرين على تخطئته. وذلك أنّ جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمِعُون على أنّ معنى " الصراط " في هذا الموضع ، غيرُ المعنى الذي تأوله قائل هذا القول ، وأن قوله : " إياك نستعينُ " مسألةُ العبدِ ربَّه المعونةَ على عبادته. فكذلك قوله " اهْدِنا " إنما هو مسألةُ الثباتِ على الهدى فيما بقي من عُمُره.
والعربُ تقول : هديتُ فلانًا الطريقَ ، وهَديتُه للطريق ، وهديتُه إلى الطريق ، إذا أرشدتَه إليه وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن ، قال الله جلّ ثناؤه : ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ) [سورة الأعراف : 43] ، وقال في موضع آخر : ( اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [سورة النحل : 121] ، وقال : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ).
وكل ذلك فاش في منطقها ، موجودٌ في كلامها ، من ذلك قول الشاعر :
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ، ... رَبَّ العِباد ، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (3)
__________
(1) ديوان الستة الجاهليين : 234 ، 237 ، والبيت الأول في فاتحة الشعر ، والأخير خاتمته . والضمير في قوله : " لعبت " للربع ، في أبيات سلفت . ورونق السيف والشباب والنبات : صفاؤه وحسنه وماؤه . ويروى : " في ريق " . وريق الشباب : أوله والتماعه ونضرته . وعنى نباتًا نضيرًا كأنه يقول : في ذي رنق ، أو في ذي ريق . والرهم - بكسر الراء - جمع رهمة : وهي المطرة الضعيفة المتتابعة ، وهي مكرمة للنبات . يقول : أعشبت الأرض ، وجرى ماء السماء في النبت يترقرق . والضمير في " رهمه " عائد على الغيث ، غائب كمذكور .
(2) يقول : حيث سار الفتى عاش بعقله وتدبيره واجتهاده .
(3) يأتي في تفسير آية سورة آل عمران : 121 ، وآية سورة القصص : 88 . وسيبويه 1 : 17 ، والخزانة 1 : 486 ، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . قال الشنتمري : " أراد من ذنب ، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب " والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع . فلذلك قال : " لست محصيه " . والوجه : القصد والمراد ، وهو بمعنى التوجه " .

(1/169)


يريد : أستغفر الله لذنْب ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) [سورة غافر : 55] .
ومنه قول نابغة بني ذُبْيان :
فَيَصِيدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ... قَبْلَ الوَنَى وَالأَشْعَبَ النَبَّاحَا (1)
يريد : فيصيدُ لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم ، وفيما ذكرنا منه كفاية.
* * *
القول في تأويل قوله : { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } .
قال أبو جعفر : أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن " الصراط المستقيم " ، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب ، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفي :
أميرُ المؤمنين عَلَى صِرَاطٍ... إذا اعوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقيمِ (2)
يريد على طريق الحق. ومنه قول الهُذلي أبي ذُؤَيْب :
صَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بالخَيْلِ حَتّى... تركْنَاها أَدَقَّ مِنَ الصِّرَاطِ (3)
__________
(1) البيت ليس في ديوانه . ومن القصيدة أبيات فيه : 23 ، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد : 23 ، يصف فرسًا . والعير : حمار الوحش . والحضر : العدو الشديد ، وحمار الوحش شديد العدو . والونى : التعب والفترة في العدو أو العمل . والأشعب : الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة . ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا ، فهو نباح ، إذا كثر صياحه ، من المرح والنشاط . والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب ، نبح (الحيوان 1 : 349) . يصف فرسه بشدة العدو ، يلحق العير المدل بحضره ، والظبي المستحكم السريع ، فيصيدها قبل أن يناله تعب .
(2) ديوانه : 507 ، يمدح هشام بن عبد الملك . والموارد جمع موردة : وهي الطرق إلى الماء . يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم ، كما يسلكون الموارد إلى الماء .
(3) ليس في ديوانه ، ونسبه القرطبي في تفسيره 1 : 128 لعامر بن الطفيل ، وليس في ديوانه ، فإن يكن هذليا ، فلعله من شعر المتنخل ، وله قصيدة في ديوان الهذليين 2 : 18 - 28 ، على هذه القافية . ولعمرو بن معد يكرب أبيات مثلها رواها القالي في النوادر 3 : 191 .

(1/170)


ومنه قول الراجز :
* فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّراطِ القَاصدِ (1) *
والشواهد على ذلك أكثرُ من أن تُحصى ، وفيما ذكرنا غنًى عما تركنا.
ثم تستعيرُ العرب " الصراط " فتستعمله في كل قولٍ وعمل وُصِف باستقامة أو اعوجاج ، فتصفُ المستقيمَ باستقامته ، والمعوجَّ باعوجاجه.
والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي ، أعني : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، أن يكونا معنيًّا به : وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك ، من قولٍ وعملٍ ، وذلك هو الصِّراط المستقيم. لأن من وُفّق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء ، فقد وُفّق للإسلام ، وتصديقِ الرسلِ ، والتمسكِ بالكتاب ، والعملِ بما أمر الله به ، والانزجار عمّا زَجره عنه ، واتّباع منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ ، وكل ذلك من الصراط المستقيم.
وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم (2) . يشمل معاني جميعهم في ذلك ، ما اخترنا من التأويل فيه.
ومما قالته في ذلك ، ما رُوي عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال ، وذكر القرآن ، فقال : هو الصراط المستقيم.
174 - حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : حدثنا حسين الجُعْفي ، عن حمزة الزيات ، عن أبي المختار الطائي ، عن ابن أخي الحارث ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) .
__________
(1) رواه القرطبي في تفسيره 1 : 128 " الصراط الواضح " .
(2) تراجمة القرآن : جمع ترجمان : وأراد المفسرين ، وانظر ما مضى : 70 تعليق : 1
(3) الحديث 174 - إسناده ضعيف جدًا . موسى بن عبد الرحمن المسروقي : ثقة ، روى عنه الترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مات سنة 258 ، مترجم في التهذيب . حسين الجعفي : هو حسين بن علي بن الوليد ، ثقة معروف ، روى عنه أحمد ، وابن معين ، وغيرهم ، بل روى عنه ابن عيينة وهو أكبر منه . وأخرج له أصحاب الكتب الستة . حمزة الزيات : هو حمزة بن حبيب ، القارئ المعروف . وتكلم في رواية بعضهم ، والحق أنه ثقة ، وأخرج له مسلم في صحيحه . أبو المختار الطائي : قيل اسمه : سعد ، وهو مجهول ، جهله المديني وأبو زرعة . ابن أخي الحارث الأعور : أشد جهالة من ذلك ، لم يسم هو ولا أبوه . عمه الحارث : هو ابن عبد الله الأعور الهمداني ، وهو ضعيف جدا . وقد اختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا ، حتى وصفه الشعبي وغيره بأنه " كان كذابًا " ، وقد رجحت في شرح الحديث 565 وغيره من المسند أنه ضعيف جدا .
وأما متن الحديث : فقد رواه - بمعناه - ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة عن يحيى بن يمان عن حمزة الزيات ، بهذا الإسناد ، فيما نقل ابن كثير 1 : 50 ووقع فيه تحريف الإسناد هناك . وهو جزء من حديث طويل ، في فضل القرآن - رواه الترمذي (4 : 51 - 52 من تحفة الأحوذي) ، عن عبد بن حميد عن حسين الجعفي ، بهذا الإسناد . وقال الترمذي : " هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات ، وإسناده مجهول ، وفي حديث الحارث مقال " . كذلك رواه الدارمي في سننه 2 : 435 عن محمد بن يزيد الرفاعي عن حسين الجعفي . ونقله السيوطي 1 : 15 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في شعب الإيمان . وأشار إليه الذهبي في الميزان 3 : 380 في ترجمة أبي المختار الطائي ، قال : " حديثه في فضائل القرآن منكر " . ونقله ابن كثير في الفضائل : 14 - 15 عن الترمذي ، ونقل تضعيفه إياه ، ثم قال : " لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات ، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور . فبرئ حمزة من عهدته ، على أنه وإن كان ضعيف الحديث ، فإنه إمام في القراءة . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور ، وقد تكلموا فيه ، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده ، أما أنه تعمد الكذب في الحديث - فلا . وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وقد وهم بعضهم في رفعه ، وهو كلام حسن صحيح " .
وسيأتي 175 ، 176 بإسنادين آخرين ، موقوفًا ، من كلام علي رضي الله عنه .
ورواية ابن إسحاق - التي أشار إليها ابن كثير - هي حديث أحمد في المسند : 565 . عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق . وقد ضعفنا إسناده هناك ، بالحارث الأعور ، وبانقطاعه بين ابن إسحاق ومحمد بن كعب . وليس فيه الحرف الذي هنا ، في تفسير " الصراط المستقيم " .

(1/171)


175 - وحُدِّثْتُ عن إسماعيل بن أبي كريمة ، قال : حدثنا محمد بن سَلمة ، عن أبي سِنان ، عن عمرو بن مُرّة ، عن أبي البَخْتريّ ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله (1) .
__________
(1) الحديث 175 - هو الحديث السابق بإسناد آخر . وهذا الإسناد جيد إلى الحارث الأعور ، ثم يضعف به الحديث جدا ، كما قلنا من قبل .
ومحمد بن سلمة : هو الباهلي الحراني ، وهو ثقة ، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره ، وأخرج له مسلم في صحيحه ، مات سنة 191 . وشيخه أبو سنان : وهو سعيد بن سنان الشيباني ، وهو ثقة ، ومن تكلم فيه إنما يكون من جهة خطئه بعض الخطأ ، وقال أبو داود : " ثقة من رفعاء الناس " ، وأخرج له مسلم في الصحيح . وعمرو بن مرة : هو المرادي الجملي ، ثقة مأمون بلا خلاف ، قال مسعر : " عمرو من معادن الصدق " . وأبو البختري - بفتح الباء الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة : هو سعيد بن فيروز الطائي الكوفي ، تابعي ثقة معروف .

(1/172)


176 - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزُّبيري ، قال : حدثنا حمزة الزيات ، عن أبي المختار الطائي ، عن أبن أخي الحارث الأعور ، عن الحارث ، عن عليّ ، قال : " الصِّراطُ المستقيم : كتاب الله تعالى ذكره (1) " .
177 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان - ح - وحدثنا محمد بن حُميد الرازي ، قال. حدثنا مِهْران ، عن سفيان ، عن منصور عن أبي وائل ، قال : قال عبد الله : " الصِّراطُ المستقيم " كتابُ الله (2) " .
178 - حدثني محمود بن خِدَاشِ الطالَقاني ، قال : حدثنا حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسِي ، قال : حدثنا علي والحسن ابنا صالح ، جميعًا ، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل ، عن جابر بن عبد الله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : الإسلام ، قال : هو أوسع مما بين السماء والأرض (3) .
__________
(1) الخبر 176 - هو الحديث السابق بالإسنادين قبله ، بمعناه . ولكنه هنا موقوف على ابن أبي طالب . والإسناد إليه منهار انهيار الإسناد 174 ، من أجل الحارث الأعور وابن أخيه . أما من دونهما ، فأبو المختار الطائي وحمزة مضيا في 174 ، وأبو أحمد الزبيري وأحمد بن إسحاق مضيا في 159 .
(2) الخبر 177 - هذا موقوف من كلام عبد الله بن مسعود . وقد رواه الطبري بإسنادين إلى سفيان ، وهو الثوري . أما أولهما : أحمد بن إسحاق عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري - فإسناده صحيح ، لا كلام فيه . وأما ثانيهما : محمد بن حميد الرازي عن مهران ، وهو ابن أبي عمر العطار - فقد بينا في الإسناد 11 أن في رواية مهران عن الثوري اضطرابًا ، ولكنه هنا تابعه عن روايته حافظ ثقة ، هو أبو أحمد الزبيري . وقد رواه الثوري عن منصور ، وهو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة ثبت حجة ، لا يختلف فيه أحد . وأبو وائل : هو شقيق بن سلمة الأسدي ، من كبار التابعين الثقات ، قال ابن معين : " ثقة لا يسأل عن مثله " .
وهذا الخبر ، رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 من طريق عمر بن سعد أبي داود الحضري عن الثوري ، بهذا الإسناد . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . وذكره السيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 .
(3) الخبر 178 - وهذا موقوف على جابر بن عبد الله . وإسناده صحيح : محمود بن خداش بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين معجمة - الطالقاني : ثقة من أهل الصدق ، مات يوم الأربعاء 14 شعبان سنة 250 ، كما في التاريخ الصغير للبخاري : 247 . وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي : ثقة ثبت عاقل ، روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ . والحسن وعلي ابنا صالح بن صالح بن حي : ثقتان ، وهما أخوان توأم . ومن تكلم في الحسن تكلم بغير حجة ، وقد وثقناه في المسند : 2403 . وأخاه فيه : 220 . وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ، وأمه زينب الصغرى بنت علي بن أبي طالب : تابعي ثقة ، ولا حجة لمن تكلم فيه .
والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 258 - 259 ، من طريق أبي نعيم عن الحسن بن صالح - وحده - بهذا الإسناد . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وذكره ابن كثير 1 : 50 ، والسيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13

(1/173)


179 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : قل يا محمد :

(1/174)


( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) يقول : ألهمنا الطريقَ الهادي ، وهو دين الله الذي لا عوج له (1) .
180 - حدثنا موسى بن سهل الرازي ، قال : حدثنا يحيى بن عوف ، عن الفُرَات بن السائب ، عن ميمون بن مِهْران ، عن ابن عباس ، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : ذلك الإسلام (2) .
181 - حدثني محمود بن خِدَاش ، قال : حدثنا محمد بن ربيعة الكِلابي ، عن إسماعيل الأزرق ، عن أبي عُمر البزّار ، عن ابن الحنفية ، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : هو دين الله الذي لا يقبل من العِباد غيرَه (3) .
182 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدّثنا عَمرو بن طلحة القنَّاد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدِّي - في خبر ذكره - عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : هو الإسلام (4)
183 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : قال ابن عباس في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال : الطريق (5) .
184 - حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف الآمُلي ، قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا حمزة بن المغيرة ، عن عاصم ، عن أبي العالية ، في قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحباه من بعدِه أبو بكر وعمر. قال : فذكرتُ ذلك للحسن ، فقال : صدَق أبو العالية ونصح (6)
__________
(1) الحديث 179 - إسناده ضعيف ، سبق بيان ضعفه : 137 . وهذا اللفظ نقله ابن كثير 1 : 50 دون إسناد ولا نسبة . ونقله السيوطي 1 : 14 مختصرًا ، ونسبه للطبري فقط .
(2) الخبر 180 - إسناده ضعيف جدا ، على ما فيه من جهلنا بحال بعض رجاله : فموسى بن سهل الرازي ، شيخ الطبري : لم نجزم بأي الرجال هو ؟ ولعله " موسى بن سهل بن قادم ، ويقال ابن موسى أبو عمر الرملي ، نسائي الأصل " . فهو شيخ للطبري مترجم في التهذيب 10 : 347 ، ولكنه لم ينسب " رازيا " . وكتب في المخطوطة : " سهل بن موسى " ! ولم نجد هذه الترجمة أيضًا ، ونرجح أنه خطأ من الناسخ . . ويحيى بن عوف : لم نجد ترجمة بهذا الاسم قط فيما لدينا من مراجع . واما علة الإسناد ، فهو " الفرات بن السائب الجزري " ، وهو ضعيف جدا ، قال البخاري في الكبير 4 / 1 / 130 : " تركوه ، منكر الحديث " ، وكذلك قال الأئمة فيه ، وقال ابن حبان في المجروحين (في الورقة 187) : كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ، ويأتي بالمعضلات عن الثقات ، لا يجوز الاحتجاج به ، ولا الرواية عنه ، ولا كتبة الحديث إلا على سبيل الاختبار " . وأما ميمون بن مهران فتابعي ثقة معروف ، فقيه حجة .
وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 50 مجهلا بلفظ " وقيل : هو الإسلام " . ونقله السيوطي 1 : 15 منسوبا لابن جريج فقط ، على خطأ مطبعي فيه " ابن جريج " !
(3) الأثر 181 - ابن الحنفية : هو محمد بن علي بن أبي طالب ، والحنفية أمه ، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة ، عرف بالنسبة إليها . وهذا الإسناد إليه ضعيف : محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي : ثقة من شيوخ أحمد وابن معين . وإسماعيل الأزرق : هو إسماعيل بن سلمان ، وهو ضعيف ، قال ابن معين : " ليس حديثه بشيء " ، وقال ابن نمير والنسائي : " متروك " ، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص 78 رقم 35) : " ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير " . وأبو عمر البزار : هو دينار بن عمر الأسدي الكوفي الأعمى ، وهو ثقة . والأثر ذكره ابن كثير 1 : 51 دون نسبة ولا إسناد .
(4) الخبر 182 - هذا من تفسير السدي ، وقد سبق شرح إسناده 168 . وقد نقله ابن كثير 1 : 50 والسويطي 1 : 15 .
(5) الخبر 183 - نقله السيوطي 1 : 14 منسوبا للطبري وابن المنذر . وقد سبق أول هذا الإسناد : 144 ، وهو هنا منقطع ، لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس ، إنما يروي عن الرواة عنه .
(6) الأثر 184 - عبد الله بن كثير أبو صديف الآملي ، شيخ الطبري : لم أعرف من هو ، ولم أجد له ذكرًا ، وأخشى أن يكون فيه تحريف . هاشم بن القاسم : هو ابو النضر - بالنون والصاد المعجمة - الحافظ الخراساني الإمام ، شيخ الأئمة : أحمد وابن راهويه وابن المديني وابن معين وغيرهم .
حمزة بن المغيرة بن نشيط - بفتح النون وكسر الشين المعجمة - الكوفي العابد : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 2 / 1 / 44 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 214 - 215 ، وذكره ابن حبان في الثقات 443 ، قال : " حمزة بن المغيرة العابد ، من أهل الكوفة . يروي عن عاصم الأحول عن أبي العالية (اهدنا الصراط المستقيم) ، قال : هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه . روى عنه أبو النضر هاشم بن القاسم " . ووقع هنا : في الأصول " حمزة بن أبي المغيرة " . وهو خطأ من الناسخين .
عاصم : هو ابن سليمان الأحول ، تابعي ثقة ثبت . أبو العالية : هو الرياحي - بكسر الراء وتخفيف الياء ، واسمه : رفيع - بالتصغير - ابن مهران ، من كبار التابعين الثقات ، مجمع على توثيقه .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 51 ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم . والسيوطي 1 : 15 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن عدي وابن عساكر . وأبو العالية لم يقله من قبل نفسه : فقد رواه الحاكم في المستدرك 2 : 259 من طريق أبي النضر بهذا الإسناد إلى " أبي العالية عن ابن عباس " . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . واختصره السيوطي ونسبه للحاكم فقط .

(1/175)


185 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : " اهدنا الصراط المستقي " ، قال : الإسلام (1) .
186 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، أنّ عبد الرحمن بن جُبير ، حدّثه عن أبيه ، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا " . والصِّراط : الإسلامُ.
187 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا الليث ، عن معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير ، عن أبيه ، عن نَوَّاس بن سمعان الأنصاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله (2) .
__________
(1) الأثر 185 - هذا من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقد نقله ابن كثير 1 : 51 دون نسبة . وعبد الرحمن بن زيد : متأخر ، من أتباع التابعين ، مات سنة 182 . وهو ضعيف جدا ، بينت ضعفه في حديث المسند : 5723 ، ويكفي منه قول ابن خزيمة : " ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه ، لسوء خفظه ، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف ، ليس من أحلاس الحديث " .
(2) الحديث 186 ، 187 - رواه الطبري عن شيخه " المثنى " بإسنادين ، أولهما أعلى من الثاني درجة : بين المثنى وبين معاوية بن صالح في أولهما شيخ واحد ، وفي ثانيهما شيخان .
أما المثنى شيخ الطبري : فهو المثنى بن إبراهيم الآملي ، يروي عنه الطبري كثيرا في التفسير والتاريخ . وأبو صالح ، في الإسناد الأول : هو عبد الله بن صالح المصري ، كاتب الليث بن سعد ، صحبه عشرين سنة . وهو ثقة ، ومن تكلم فيه ، في بعض حديثه عن الليث ، تكلم بغير حجة . وله ترجمة في التهذيب جيدة ، وكذلك في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 2 / 86 - 87 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 351 - 353 . ولد عبد الله بن صالح سنة 137 ومات سنة 222 . ووقع تاريخ مولده في التهذيب (173) وهو خطأ مطبعي ، صوابه في تذكرة الحفاظ . وآدم العسقلاني ، في الإسناد الثاني : هو آدم بن أبي إياس ، وهو ثقة مأمون متعبد ، من خيار عباد الله ، كما قال أبو حاتم . الليث : هو ابن سعد ، إمام أهل مصر . معاوية بن صالح ، في الإسنادين : هو الحمصي ، أحد الأعلام وقاضي الأندلس ، ثقة ، من تكلم فيه أخطأ . عبد الرحمن بن جبير بن نفير - بالتصغير فيهما - الحضرمي الحمصي : تابعي ثقة . وأبوه : من كبار التابعين ، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم . وهو ثقة مشهور بالعلم ، وقد ذكره الطبري في طبقات الفقهاء . النواس - بفتح النون وتشديد الواو - بن سمعان الكلابي : صحابي معروف .
وهذا الحديث مختصر من حديث طويل ، رواه احمد في المسند : 17711 (ج 4 ص 182 حلبي) عن الحسن بن سوار عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح ، به . ونقله ابن كثير 1 : 51 من رواية المسند ، قال : " وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد ، به . ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر بن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ، به . وهو إسناد حسن صحيح " . ونسبه السيوطي 1 : 15 ، والشوكاني 1 : 13 أيضًا للحاكم " وصححه " ، ولغيره .

(1/176)


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

قال أبو جعفر : وإنما وصفه الله بالاستقامة ، لأنه صواب لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء ، أنه سمّاه مستقيمًا ، لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلافٌ ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه.
* * *
القول في تأويل قوله : : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } .
وقوله( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، إبانةٌ عن الصراط المستقيم ، أيُّ الصراط هو ؟ إذْ كان كلّ طريق من طرُق الحق صراطًا مستقيمًا. فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد : اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، بطاعتك وعبادتك ، من مَلائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين.
وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ

(1/177)


صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) [سورة النساء : 66 - 69].
قال أبو جعفر : فالذي أمِر محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأمّتُه أن يسألوا ربَّهم من الهداية للطريق المستقيم ، هي الهداية للطريق الذي وَصف الله جلّ ثناؤه صفتَه. وذلك الطريق ، هو طريق الذي وَصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله ، ووعد من سَلكه فاستقام فيه طائعًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يورده مواردهم ، والله لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك رُوِي الخبر عن ابن عباس وغيره.
188 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " صراطَ الذين أنعمت عليهم " يقول : طَريقَ من أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، الذين أطاعوك وعبَدُوك (1) .
189 - حدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر عن ربيع : " صراط الذين أنعمتَ عليهم " ، قال : النبيّون (2) .
190 - حدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : " أنعمت عليهم " قال : المؤمنين (3) .
191 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : قال وكيع : " أنعمت عليهم " ، المسلمين (4) .
__________
(1) الخبر 188 - ضعف هذا الإسناد مفصل في : 137 . وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 52 . وانظر أيضًا : 179 .
(2) الأثر 189 - ربيع : هو ابن أنس البكري . وسبق شرح هذا الإسناد إليه : 164 . والأثر نقله ابن كثير 1 : 53 ، والسيوطي 1 : 16 .
(3) الخبر 190 - هذا كالخبر 183 منقطع بين ابن جريج وابن عباس . وقد نقله ابن كثير 1 : 53 ، والسيوطي 1 : 16 ، ولكن وقع فيه " ابن حميد " بدل " ابن جرير " .
(4) الأثر 191 - وهذا نقله ابن كثير أيضًا 1 : 53 .

(1/178)


192 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله " صراط الذين أنعمت عليهم " ، قال : النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه (1) .
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم ، وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول : " صراط الذين أنعمت عليهم " ، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟
فإن قال قائل : وأين تمام هذا الخبر ؟ وقد علمتَ أنّ قول القائل لآخر : " أنعمت عليك " ، مقتضٍ الخبرَ عمَّا أنعمَ به عليه ، فأين ذلك الخبرُ في قوله : " صراط الذين أنعمت عليهم " ؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟
قيل له : قد قدّمنا البيان - فيما مضى من كتابنا هذا - عن إجراء العرب في منطقها ببعضٍ من بعض ، إذا كان البعضُ الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيًا منه. فقوله : " صراط الذين أنعمتَ عليهم " من ذلك . لأن أمرَ الله جل ثناؤه عبادَه بمسألته المعونةَ ، وطلبهم منه الهدايةَ للصراط المستقيم ، لما كان متقدّمًا قولَه : " صراطَ الذين أنعمت عليهم " ، الذي هو إبانةٌ عن الصراط المستقيم وإبدالٌ منه - كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمَرنا بمسألته الهدايةَ لطريقهم ، هو المنهاجُ القويمُ والصراطُ المستقيم ، الذي قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفًا ، فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين - مغنيًا عن تكراره.
كما قال نابغة بني ذبيان :
كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بشَنِّ (2)
__________
(1) الأثر 192 - مضى هذا الإسناد : 185 . وأما نص الأثر ، فهو عند ابن كثير 1 : 53 . وقال بعد هذه الروايات : " والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل " . يعني الخبر 188 .
(2) ديوانه : 58 ، سيبويه 1 : 375 ، مجاز القرآن : 101 الخزانة 2 : 314 ، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري . بنو أقيش : هم بنو أقيش بن عبيد . وقيل : فخذ من أشجع . وقيل : حي من اليمن في إبلهم نفار شديد . وقيل : هم حي من الجن يزعمون . وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت . والشن : القربة البالية . يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع ، كأنه جمل شديد النفار ، إذا سمع صوت شن يقعقع به

(1/179)


يريد : كأنك من جمال بني أقيش ، جملٌ يُقعقع خلف رجليه بشنّ ، فاكتفى بما ظهر من ذكر " الجمال " الدال على المحذوف ، من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب :
تَرَى أَرْباقَهُمْ مُتَقَلِّدِيها... إِذا صَدِئَ الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ (1)
يريد : متقلديها هم ، فحذف " هم " ، إذ كان الظاهرُ من قوله أرباقَهُم ، دالا عليها.
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله : " صراط الذين أنعمت عليهم " .
* * *
القول في تأويل قوله : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } .
قال أبو جعفر : والقرَأةُ مجمعةٌ على قراءة " غير " بجر الراء منها (2) . والخفضُ يأتيها من وجهين :
أحدهما : أن يكون " غير " صفة لِ " الذين " ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان " الذين " خفضًا ، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكون " غير " نعتًا لِـ " الذين " ، و " الذين " معرفة و " غير " نكرة ، لأن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء
__________
(1) ديوانه : 131 والنقائض : 773 ، ويأتي في تفسير آية سورة الشعراء : 4 (19 : 38 بولاق) ، وهو هناك " على الكتاب " ، وهو خطأ . يهجو جريرا وقومه بني كليب بن يربوع . الأرباق : جمع ربق ، والربق جمع ربقة : وهو الحبل تشد به الغنم الصغار لئلا ترضع . وتقالد السيف : وضع نجاده على منكبه . والكماة ، جمع كمى : وهو البطل الشديد البأس . يصف بني كليب بأنهم رعاء أخساء بخلاء ، لا هم لهم إلا رعية الغنم ، والأبطال في الحرب يصلون حرها الأيام الطوال حتى يصدأ حديد الدروع على أبدانهم من العرق .
(2) في المطبوعة " والقراء مجمعة " ، والقَرَأَة : جمع قارئ . انظر ما مضى : 51 في التعليق ، و 64 تعليق : 4 و : 109 تعليق : 1 .

(1/180)


التي هي أماراتٌ بين الناس ، مثل : زيد وعمرو ، وما أشبه ذلك (1) ؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات ، مثل : الرجل والبعير ، وما أشبه ذلك. فلما كان " الذين " كذلك صفتُها ، وكانت " غير " مضافةً إلى مجهول من الأسماء ، نظيرَ " الذين " ، في أنه معرفة غير موقتة ، كما " الذين " معرفة غير مؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون " غير المغضوب عليهم " نعتًا لِ " الذين أنعمت عليهم " كما يقال : " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل " ، يراد : لا أجلس إلا إلى مَن يعلم ، لا إلى مَن يجهل.
ولو كان " الذين أنعمت عليهم " مَعرفة موقتة. كان غير جائز أن يكون " غير المغضوب عليهم " لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة مؤقَّتة بنكرة - أن تُلْزِم نَعتها النكرةَ إعرابَ المعرفة المنعوت بها ، إلا على نية تكرير ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأ في كلامهم أن يقال : " مررت بعبد الله غير العالم " ، فتخفض " غير " ، إلا على نية تكرير الباء التي أعرَبتْ عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مَرَرتُ بعبد الله ، مررت بغيرِ العالم . فهذا أحد وجهي الخفض في : " غير المغضوب عليهم " .
والوجهُ الآخر من وجهي الخفض فيها : أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وُجِّه إلى ذلك ، كانت " غير " مخفوضةً بنية تكرير " الصراط " الذي خُفِض " الذين " عليها ، فكأنك قلت : صراطَ الذين أنعمت عليهم ، صراطَ غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في " غير المغضوب عليهم " ، وإن اختلفا باختلاف مُعرِبَيْهما ، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أنَّ من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق ، فقد سلم من غضب رَبه ونجا من الضلال في دينه.
فسواءٌ - إذ كان سَبب قوله : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت
__________
(1) يعني بقوله : " المعرفة المؤقتة " المعرفة المحددة ، وهو العلم الشخصي الذي يعين مسماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد . فقولك " زيد " يعين تعيينًا مطلقًا أو محددًا . والمعرف بالألف واللام إنما يعين مسماه ما دامت فيه " ال " ، فإذا فارقته فارقه التعيين . وانظر معاني الفراء 1 : 7 .

(1/181)


عليهم " غيرَ جائزٍ أن يرتاب ، مع سماعه ذلك من تاليه ، في أن الذين أنْعم الله عليهم بالهداية للصِّراط غيرُ غاضب ربُّهم عليهم ، مع النعمة التي قد عظمت مِنَّته بها عليهم في دينهم ؛ ولا أن يكونوا ضُلالا وقد هداهم الحقَّ ربُّهم. إذْ كان مستحيلا في فِطَرِهم اجتماعُ الرضَى من الله جلّ ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة ، واجتماعُ الهدى والضلال له في وقت واحد - أوُصِف (1) القوم ؛ معَ وَصْف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم ، وإنعامه عَليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم ، بأنهم غيرُ مغضوب عليهم ولا هم ضَالُّون ؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصِّفة الظاهرة التي وُصفوا بها ، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك ، وإن لم يصرِّح وصفَهُم به.
هذا ، إذا وجَّهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير " الصراطِ " الخافضِ " الذين " ، ولم نجعل " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " من صفة " الذين أنعمت عليهم " ، بل إذا حملناهم غيرَهم. وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَمًا عليهما في أدْيانهم.
فأمّا إذا وجهنا " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " إلى أنها من نَعت ، " الذين أنعمت عليهم " . فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال ، إذْ كان الصريحُ من معناه قد أغنى عن الدليل.
وقد يجوز نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ، وإن كنتُ للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القُرّاء . وإنَّ ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا ، فرأيٌ للحق مخالف. وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المسلمين مُتجانفٌ. وإن كان له - لو كانت جائزًا القراءةُ به (2) - في الصواب مخرجٌ.
__________
(1) سياق العبارة : " سواء . . . أوصف القوم . . . أم لم يوصفوا " ، وما بين هذين فصل طويل كدأب أبي جعفر في بيانه .
(2) في المطبوعة : " لو كانت القراءة جائزة به " ، بدلوه ليوافق عبارتهم ، دون عبارة الطبري

(1/182)


وتأويل وجه صوابه إذا نصبتَ : أن يوجَّه إلى أن يكون صفةً للهاء والميم اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين " . لأنها وإن كانت مخفوضة بِ " على " ، فهي في محل نصب يقوله : " أنعمت " . فكأن تأويل الكلام - إذا نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم " - : صراطَ الذين هَدَيتهم إنعامًا منك عليهم ، غيرَ مغَضوبٍ عليهم ، أي لا مغضوبًا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ ، كالنصب في " غير " في قولك : مررت بعبد الله غيرَ الكريم ولا الرشيدِ ، فتقطع " غيرَ الكريم " من " عبد الله " ، إذْ كان " عبدُ الله " معرفة مؤقتة ، و " غير الكريم " نكرة مجهولة.
وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يزعم أنّ قراءة مَنْ نصب " غير " في " غير المغضوب عليهم " ، على وَجه استثناءِ " غير المغضوب عليهم " من معاني صفة " الذين أنعمت عليهم " ، كأنه كان يرى أنّ معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا : اهدنا الصراط المستقيم ، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم ، إلا المغضوبَ عَليهم - الذين لم تُنعم عليهم في أديانهم ولم تَهْدهم للحق - فلا تجعلنا منهم. كما قال نابغة بني ذبيان :
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالا أُسَائِلُها... عَيَّت جَوابًا ، ومَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ (1) إلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهُا ... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ (2)
__________
(1) ديوانه : 23 ، ويأتي في تفسير آية البقرة : 35 (1 : 186 بولاق) ، وآية النساء : 114 (5 : 178) ، وآية يونس : 98 (11 : 117) وآية سورة الليل : 20 (30 : 146) . يقال : لقيته أصيلالا وأصيلانًا ، إذا لقيته بالعشي . وذلك أن الأصيل هو العشي ، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأصلان (بضم فسكون) ، ثم صغروا الجمع فقالوا : أصيلان ، ثم أبدلوا من النون لامًا . فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم ، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه . وعى في منطقه : عجز عن الكلام .
(2) أواري جمع آري (مشدد الياء) : وهو محبس الدابة ومأواها ومربطها ، من قولهم : تأرى بالمكان أقام وتحبس . ولأيا : بعد جهد ومشقة وإبطاء . والنؤى : حفرة حول الخباء تعلى جوانبها بالتراب ، فتحجز الماء لا يدخل الخباء ، والمظلومة : يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم ، وليس بموضع تحويض لبعدها عن مواطئ السابلة . فلذلك سماها مظلومة ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه . والجلد : الأرض الصلبة ، يعني أنها لا تنبت شيئًا فلا يرعاها أحد .

(1/183)


والأواريُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَاد " أحد " في شيء. فكذلك عنده ، استثنى " غير المغضوب عليهم " من " الذين أنعمت عليهم " ، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء.
وأما نحِويُّو الكوفيين ، فأنكروا هذا التأويل واستخفُّوه (1) ، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة ، لكان خطأ أن يقال : " ولا الضالين " .
لأن " لا " نفي وجحد ، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا : لم نجد في شيء من كلام العرب استثناءً يُعطف عليه بجحد ، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء ، وبالجحد على الجحد ، فيقولون في الاستثناء : قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك.
وفي الجحد : ما قام أخوك ولا أبوك . وأما : قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا : فلما كان ذلك معدومًا في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزولُه ، علمنا - إذ كان قولُه " ولا الضالين " معطوفًا على قوله " غير المغضوب عليهم " - أن " غير " بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء ، وأن تأويل من وجَّهها إلى الاستثناء خطأ.
فهذه أوجه تأويل " غير المغضوب عليهم " ، باختلاف أوجه إعراب ذلك.
وإنما اعترضْنا بما اعترضنا في ذلك من بَيان وُجوه إعرابه - وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويل آي القرآن - لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله. فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه ، لتنكشف لطالب تأويله وُجوه تأويله ، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصَّوابُ من القول في تأويله وقراءته عندنا ، القول الأول ، وهو قراءةُ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) بخفض الراء من " غير " . بتأويل أنها صفة لِ " الذين أنعمت عليهم " ونعتٌ لهم - لما قد قدمنا من البيان - إن شئتَ ، وإن شئت فبتأويلِ تكرار " صراط " . كلُّ ذلك صوابٌ حَسنٌ.
__________
(1) في المطبوعة : " واستخطئوه " ، واستخفوه : رأوه خفيفا لا وزن له .

(1/184)


فإن قال لنا قائل : فمنْ هؤلاء المغضوبُ عليهم ، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم ؟
قيل : هم الذين وصفهم الله جَلّ ثناؤه في تنزيله فقال : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) [سورة المائدة : 60] . فأعلمنا جلّ ذكره ثَمَّة (1) ، ما أحَلَّ بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا ، منّهً منه علينا ، وجه السبيل إلى النجاة من أن يَحِلَّ بنا مثل الذي حَلّ بهم من المَثُلات ، ورأفة منه بنا (2) .
فإن قيل : وما الدليلُ على أنهم أولاء الذين وصفَهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت ؟ قيل :
193 - حدثني أحمد بن الوليد الرملي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عديّ بن حاتم ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : المغضوبُ عليهم ، اليهود (3) .
194 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، قال : سمعت عباد بن حُبيش يحدث ، عن عدي بن حاتم ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ المغضوبَ عليهم اليهود (4) .
__________
(1) بدلوها في المطبوعة إلى " بمنه " ؛ وثم وثمة (بفتح الثاء) : إشارة للبعيد بمنزلة " هنا " للقريب .
(2) المثلات جمع مثلة (بفتح فضم ففتح) : وهي العقوبة والتنكيل .
(3) الحديث 193 - هذا إسناد صحيح ، وسيأتي بعض هذا الحديث أيضًا بهذا الإسناد 207 . وتخريجه سيأتي في 195 .
(4) الحديث 194 - وهذا إسناد صحيح أيضًا . عباد بن حبيش ، بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ولآخره شين معجمة ، الكوفي ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 78 . وبعض الحديث سيأتي أيضًا 208 بهذا الإسناد .

(1/185)


195 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن مُرِّي بن قَطَريّ ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله جلّ وعزّ " غير المغضوب عليهم " قال : هم اليهود (1) .
196 - حدثنا حُميد بن مَسْعَدة السّامي ، قال : حدثنا بشر بن المفضَّل ، قال : حدثنا الجُرَيْري ، عن عبد الله بن شَقِيق : أنّ رُجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ واديَ القُرَى ، فقال : مَنْ هؤلاء الذين تحاصرُ يا رسول الله ؟ قال : هؤلاء المغضوب عليهم ، اليهود (2) .
__________
(1) الحديث 195 - وهذا إسناد صحيح أيضًا . مري بن قطري الكوفي : ذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 57 ، وقال : " سمع عدي بن حاتم ، روى عنه سماك بن حرب ، يعد في الكوفيين " . و " مري " : بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء . و " قطري " بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة . وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه 209 .
وهذا الحديث عن عدي بن حاتم : أصله قصة مطولة في إسلامه . فرواه - بطوله - أحمد في المسند 4 : 378 - 379 عن محمد بن جعفر عن شعبة ، بالإسناد السابق 194 . . ورواه الترمذي 4 : 67 من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي . وقال : " هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب . وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم - الحديث بطوله " . وروى بعضه الطيالسي في مسنده : 1040 عن عمرو بن ثابت " عمن سمع عدي بن حاتم " . وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري ، كلاهما عن عدي ، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا ، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي . وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر . وذكره ابن كثير 1 : 54 من رواية أحمد في المسند ، وأشار إلى رواية الترمذي ، وإلى روايات الطبري هنا ، ثم قال : " وقد روى حديث عدي هذا من طرق ، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها " . وذكره الحافظ في الإصابة ، في ترجمة عدي 2 : 229 من رواية أحمد والترمذي . وذكر السيوطي منه 1 : 16 تفسير الحرفين ، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه . وكذلك صنع الشوكاني 1 : 15 .
(2) الحديث 196 - حميد بن مسعدة السامي ، شيخ الطبري : هو " السامي " بالسين المهملة ، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب . وهو نسبة إلى " سامة بن لؤي بن غالب " . ووقع في نسخ الطبري - هنا وفيما يأتي 210 - " الشامي " بالمعجمة ، وهو تصحيف . و " الجريري " ، بضم الجيم : هو سعيد بن إياس البصري . و " عبد الله بن شقيق العقيلي " ، بضم العين وفتح القاف : تابعي كبير ثقة . وهذا الإسناد مرسل ، لقول عبد الله بن شقيق : " أن رجلا " . وسيأتي مرسلا أيضًا 197 ، 199 ولكنه سيأتي موصولا 198 .

(1/186)


197 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَّية ، عن سعيد الجُرَيْري ، عن عروة ، عن عبد الله بن شَقيق : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه.
198 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن بُدَيْل العقيلي ، قال : أخبرني عبد الله بن شَقيق : أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بوادي القُرَى ، وهو عَلى فَرسه ، وسأله رجل من بني القَين فقال : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ - قال : المغضوبُ عليهم. وأشار إلى اليهود (1) .
199 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا خالد الواسطي ، عن خالد الحَذَّاء ، عن عبد الله بن شقيق ، أنّ رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه
200 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " غير المغضوب عليهم " ، يعني اليهودَ الذين غَضب الله عليهم (2) .
__________
(1) الحديث 198 - بديل ، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة : هو ابن ميسرة العقيلي ، وهو تابعي ثقة . وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح . لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره " من سمع النبي صلى الله عليه وسلم " ، وجهالة الصحابي لا تضر ، كما هو معروف . والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة ، فهي مقبولة .
وقد ذكر ابن كثير 1 : 54 - 55 هذه الرواية الموصولة ، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة ، ثم قال : " ووقع في رواية عروة تسمية : عبد الله بن عمرو ، فالله أعلم " . ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها . ثم قال ابن كثير : " وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم ، قال : اليهود ، قلت : الضالين ؟ قال : النصارى " . وأشار الحافظ في الفتح 8 : 122 إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر " بإسناد حسن " . وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم " - رواها أحمد . وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي 1 : 16 ، والشوكاني 1 : 14 - 15 . وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد 210 ، 211 ، 212 ، 213 . وسيأتي في 211 بيان من عروة الذي في الإسناد 197 .
(2) الأثر 200 - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه . وسيأتي باقيه 215 .

(1/187)


201 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن طلحة ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " غير المغضوب عليهم " ، هم اليهود (1) .
202 - حدثنا ابن حميد الرازي ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد ، قال : " غير المغضوب عليهم " ، قال : هم اليهود.
203 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن ربيع : " غير المغضوب عليهم " ، قال : اليهود.
204 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : " غير المغضوب عليهم " قال : اليهود.
205 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : " غير المغضوب عليهم " ، اليهود.
206 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني ابن زيد ، عن أبيه ، قال : " المغضوب عليهم " ، اليهود (2) .
قال أبو جعفر : واختُلِف في صفة الغضب من الله جلّ ذكره :
فقال بعضهم : غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه ، إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه ، إمّا في دنياه ، وإمّا في آخرته ، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال : ( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) [سورة الزخرف : 55] .
وكما قال : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
__________
(1) الخبر 201 - ابن كثير 1 : 55 ، والدر المنثور 1 : 16 ، والشوكاني 1 : 15 . وسيأتي باقيه : 217 .
(2) الآثار 202 - 206 : في ابن كثير ، والدر المنثور ، الشوكاني ، كالذي مضى . وسيأتي باقيها : 214 ، 216 ، 218 ، 219 ، 220 .

(1/188)


وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ) [ سورة المائدة : 60 ].
وقال بعضهم : غضب الله على من غضب عليه من عباده ، ذم منه لهم ولأفعالهم ، وشتم لهم منه بالقول.
وقال بعضهم : الغضب منه معنى مفهوم ، كالذي يعرف من معاني الغضب ، غير أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات (1) - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات ، ولكنه له صفة ، كما العلم له صفة ، والقدرة له صفة ، على ما يعقل من جهة الإثبات ، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد ، التي هي معارف القلوب ، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها (2) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَلا الضَّالِّينَ } .
قال أبو جعفر : كان بعض أهل البصرة يزعم أن " لا " مع " الضالين " أدخلت تتميما للكلام ، والمعنى إلغاؤها ، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج :
__________
(1) الإثبات : مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى كما وصف نفسه ، وإثبات القدر بلا تأويل ، خلافا لأهل القدر ، وهم نفاته ، وللجهمية والمعطلة للصفات .
(2) بعد هذا الموضع من نسخة دار الكتب المصرية رقم : 100 تفسير ، ما نصه :
" وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا .
- على الأصل المنقول منه -
سمعت وأحمد ومحمد والحسن بني عبد الله بن أحمد الفرغاني في يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلثمائة . ومحمد بن محمد الطوسي " .

(1/189)


فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ (1)
ويتأوله بمعنى : في بئر حور سرى ، أي في بئر هلكة ، وأن " لا " بمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم :
فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا... لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا (2)
وهو يريد : فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص :
وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لا أُحِبَّه... وَللَّهْوُ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ (3)
يريد : وَيلحينني في اللهو أن أحبه ، وبقوله تعالى : (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ) [سورة الأعراف : 12] ، يريد أن تسجد. وحُكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول " غير " التي " مع " المغضوب عليهم " ، أنها بمعنى " سوى (4) . فكأنّ معنى الكلام كانَ عنده : اهدنا الصراط المستقيمَ ، صراط الذين أنعمتَ عليهم ، الذين همُ سوى المغضوب والضالين.
وكان بعضُ نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله (5) ، ويزعمُ أن " غير "
__________
(1) ديوانه : 16 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 8 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 25 والخزانة 2 : 95 ، وأمالي الشجري 2 : 231 ، والأضداد لابن الأنباري : 186 . والقائل بأنها زائدة من البصريين هو أبو عبيدة .
(2) نسبه شارح القاموس عن الصاغاني لأبي النجم وقال : روايته : " إذا رأت ذا الشيبة القفندرا "
وضبطوا " الشمط " بفتح الميم ، أي الشيب ، وجائز أن يكون أبو النجم قاله " الشمط " بكسر الميم على أنه فرح ، طرح ألف " أشمط " ، كما فعلوا في أشعث وشعث . وأحدب وحدب ، وأتعس وتعس ، وأحول وحول ، في الصفات المشبهة من العيوب الظاهرة والحلي . وانظر الفائق للزمخشري 2 : 326 فقد عدد ألفاظًا غيرها . وكأن الصاغاني أبى من رواية " الشمط " بفتحتين ، لأن القفندر : هو الصغير الرأس القبيح المنظر .
والبيت برواية البري في مجاز القرآن لأبي عبيدة : 26 ، والأضداد لابن الأنباري : 185 ، واللسان ( قفندر ) ، ثم انظر أمالي الشجري 2 : 231 ، وغيرها .
(3) الكامل 1 : 49 ، والأضداد لابن الأنباري : 186 ، ولحاه يلحاه لحيًا : عذله ولامه .
(4) هو أبو عبيدة كما أسلفنا في أول هذه الفقرة . وأشار إليه الفراء في معاني القرآن : 8 بقوله : " وقد قال بعض من لا يعرف العربية . . . " ، وكذلك فعل الطبري من قبل في مواضع . وانظر اللسان (غير) .
(5) يعني الفراء الكوفي في كتابه معاني القرآن : 8 ، أو غيره من كتبه .

(1/190)


التي " مع المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى سوى ، لكان خطأ أن يعطف عليها بـ " لا " ، إذْ كانت " لا " لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل : " عندي سِوَى أخيك ولا أبيك " ، لأن سِوَى ليست من حروف النفي والجحود. ويقول : لما كان ذلك خطأ في كلام العرب ، وكان القرآن بأفصحِ اللغات من لغات العرب ، كان معلومًا أن الذي زَعمه القائل : أن " غير " مع " المغضوب عليهم " بمعنى : سوى المغضوب عليهم ، خطأ. إذ كان قد كرّ عليه الكلامَ بـ " لا " . وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي بمعنى الجحد. إذْ كان صحيحًا في كلام العرب ، وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعملا فيهم : " أخوك غير مُحسِن ولا مُجْمِل " ، يراد بذلك أخوك لا محسن ، ولا مجمل ، ويَستنكرُ أن تأتي " لا " بمعنى الحذف في الكلام مُبتدأً ، ولمَّا يتقدمها جحد. ويقول : لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مُبتدأ ، قبل دلالة تدلّ ذلك من جحد سابق ، لصحَّ قول قائل قال : " أردْتُ أن لا أكرم أخاك " ، بمعنى : أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول : ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك ، دلالةٌ واضحة على أنَّ " لا " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف ، ولَمَّا يتقدَّمها جحد. وكان يتأوّل في " لا " التي في بيت العجاج ، الذي ذكرنا أن البصْريّ استشهد به ، بقوله : إنها جَحْدٌ صحيح ، وأنّ معنى البيت : سَرَى في بئر لا تُحيرُ عليه خيرًا ، ولا يتبيَّن له فيها أثرُ عملٍ ، وهو لا يشعُر بذلك ولا يدري به (1) . من قولهم : " طحنت الطَّاحنة فما أحارت شيئًا " ، أي لم يتبيَّن لها أثرُ عملٍ. ويقول في سائر الأبيات الأخر ، أعني مثل بَيت أبي النجم : :
فما ألُوم البيضَ أن لا تسخَرَا
إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف ، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام ، فكان الكلام الآخر مُواصِلا للأول ، كما قال الشاعر :
__________
(1) عبارة الفراء في معاني القرآن : " كأنك قلت : إلى غير رشد توجه وما درى " .

(1/191)


مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُ... وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ (1)
فجازَ ذلك ، إذْ كان قد تقدَّم الجحدُ في أوّل الكلام.
قال أبو جعفر : وهذا القولُ الآخر أولى بالصواب من الأول ، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلام العرب ابتداءُ الكلام من غير جحد تقدَّمه بـ " لا " التي معناها الحذف ، ولا جائزٍ العطفُ بها على " سوى " ، ولا على حرف الاستثناء. وإنما لِـ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة : أحدها الاستثناء ، والآخر الجحد ، والثالث سوى. فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الإلغاء مُبتدأ (2) ، وفسدَ أن يكون عطفًا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء ، ولم يَجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى " سوى " ، وكانت " لا " موجودة عطفًا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قَبلها - صحَّ (3) وثبت أن لا وجهَ لـ " غير " ، التي مع " المغضوب عليهم " ، يجوز توجيهها إليه على صحَّة إلا بمعنى الجحد والنفي ، وأن لا وَجه لقوله : " ولا الضالين " ، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم " .
فتأويلُ الكلام إذًا - إذْ كان صحيحًا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا - اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.
فإن قال لنا قائل : ومَن هؤلاء الضَّالُّون الذين أمرنا اللهُ بالاستعاذة بالله أن يَسْلُكَ بنا سبيلهم ، أو نَضِلَّ ضلالهم ؟
قيل : هم الذين وصَفهم الله في تنزيله فقال : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
__________
(1) الشعر لجرير يهجو الأخطل ، ديوانه 263 ، ونقائض جرير والأخطل : 174 ، وأضداد ابن الأنباري : 186 ، ثم تفسير آية سورة البقرة : 158 .
(2) في المخطوطة : " فإذا ثبت خط أن لا يكون بمعنى الإلغاء " غير منقوطة ، ولم يحسن طابعو المطبوعة قراءتها فجعلوها : " فإذا بطل حظ لا أن تكون بمعنى الإلغاء " . وقد صححنا ما في المخطوطة من تقديم " لا " على " يكون " .
(3) جواب قوله " فإذا ثبت خطأ . . . " .

(1/192)


وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [سورة المائدة : 77].
فإن قال : وما برهانك على أنهم أولاء ؟
قيل :
207 - حدثنا أحمد بن الوليد الرملي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشَّعبي ، عن عدي بن أبي حاتم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولا الضالين " قال : النصارى (1) .
208 - حدثنا محمد بن المثنى ، أنبأنا محمد بن جعفر ، أنبأنا شعبة ، عن سِمَاك ، قال : سمعت عبّاد بن حُبيش يحدث ، عن عدي بن حاتم ، قال : قالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الضَّالين : النَّصارى " .
209 - حدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مُصْعَب ، عن حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن مُرّيّ بن قَطَريّ ، عن عدي بن حاتم ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله : " ولا الضالين " ، قال : النصارى هم الضالون .
210 - حدثنا حُميد بن مَسعدة السَّامي ، قال : حدثنا بشر بن المفضَّل ، قال : حدثنا الجريري ، عن عبد الله بن شقيق : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ واديَ القُرَى قال : قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الضّالون : النصارى .
211 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابنُ عُلَيَّة ، عن سعيد الجُرَيري ، عن عروة ، يعني ابن عبد الله بن قيس ، عن عبد الله بن شقيق ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه (2) .
__________
(1) هذه الأحاديث والأخبار والآثار 207 - 220 ، في تفسير (الضالين) ، سبقت أوائلها في تفسير (المغضوب عليهم) ، مع تخريجها ، في الأرقام 193 - 206 ، مع شيء من التقديم والتأخير .
(2) الحديث 211 - سبق هذا الإسناد 197 ولم ينسب فيه " عروة " هذا ، وفي التعليق على الحديث 198 إشارة ابن كثير إلى رواية " عروة " ، ولم يذكر نسبه أيضًا . وقد بين الطبري هنا أنه " عروة بن عبد الله بن قيس " . وأنا أرجح أن كلمة " قيس " محرفة من الناسخين عن كلمة " قشير " .
فإني لم أجد في التراجم قط من يسمى " عروة بن عبد الله بن قيس " ، ويبعد جدا أن لا يذكروه ، وهو يروي عن رجل من كبار التابعين . والذي في هذه الطبقة ، هو " عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الكوفي " ، مترجم في التهذيب 7 : 186 ، والتاريخ الكبير للبخاري 4 / 1 / 34 ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3 / 1 / 397 ، والثقات لابن حبان : 574 ، والكنى للدولابي 2 : 135 . وذكر الأخيران قولا آخر في اسم جده ، أنه " بشير " . و " أبو مهل " : بفتح الميم والهاء ، كما ذكره الذهبي في المشتبه : 508 .

(1/193)


212 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن بُدَيْل العُقَيلي ، قال : أخبرني عبد الله بن شقيق ، أنه أخبره من سَمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القَين ، فقال : يا رسولَ الله ، من هؤلاء ؟ - قال : هؤلاء الضَّالون " ، يعني النصارى.
213 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا خالد الواسطي ، عن خالد الحذاء ، عن عبد الله بن شقيق ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو محاصرٌ وادي القُرى وهو على فرس : من هؤلاء ؟ قال : الضالّون. يعني النصارى.
214 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن مجاهد : " ولا الضالين " قال : النصارى.
215 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " ولا الضالين " قال : وَغير طريقِ النَّصارى الذين أضلَّهم الله بِفرْيَتهمْ عليه. قال : يقول : فألهِمنا دينك الحق ، وهو لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، حتى لا تغضَبَ علينا كما غضبتَ على اليهود ، ولا تضلَّنا كما أضللتَ النصارى فتعذّبنا بما تعذِّبهم به. يقول امنعْنا من ذلك برفْقِك ورَحمتك وقدرتك.
216 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : الضالين النصارى.

(1/194)


217 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل السدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " ولا الضالين " ، هم النصارى.
218 - حدثني أحمد بن حازم الغِفاري ، قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر ، عن ربيع : " ولا الضالين " ، النصارى.
219 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد : " ولا الضالين " ، النصارى.
220 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه. قال : الضالين ، النصارى.
* * *
قال أبو جعفر : فكلّ حائدٍ عن قَصْد السبيل ، وسالكٍ غيرَ المنهج القويم ، فضَالٌّ عند العرب ، لإضلاله وَجهَ الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارَى ضُلالا لخطئهم في الحقِّ مَنهجَ السبيل ، وأخذهم من الدِّين في غير الطريق المستقيم.
فإن قال قائل : أوَ ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود ؟
قيل : بلى!
فإن قال : كيف خَصّ النصارَى بهذه الصفة ، وَخصّ اليهودَ بما وصفَهم به من أنهم مغضوب عليهم ؟
قيل : كلا الفريقين ضُلال مغضوبٌ عليهم ، غيرَ أن الله جلّ ثناؤه وَسم كل فريق منهم من صِفَته لعباده بما يعرفونه به ، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسمِّ واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته ، وإن كان له من صفاتِ الذمّ زياداتٌ عليه.
فيظنُّ بعض أهل الغباء من القدريّة أن في وصف الله جلّ ثناؤه النصارى

(1/195)


بالضّلال ، بقوله : " ولا الضالين " ، وإضافته الضَّلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه ، وتركه وصفهم بأنهم المضلَّلون ، كالذي وَصف به اليهود أنهم المغضوبُ عليهم - دلالةً على صحة ما قاله إخوانُه من جهلة القدرية ، جهلا منه بسَعَة كلام العرب وتصاريف وُجوهه.
ولو كان الأمر على ما ظَنّه الغبي الذي وصفنا شأنه ، لوجب أن يكونَ شأنُ كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ ، لا يجوزُ أن يكون فيه سببٌ لغيره ، وأنْ يكون كلُّ ما كان فيه من ذلك لغيره سببٌ ، فالحقُّ فيه أن يكون مضافًا إلى مُسبِّبه ، ولو وَجب ذلك ، لوجبَ أن يكون خطأ قولُ القائل : " تحركت الشجرةُ " ، إذْ حرَّكتها الرياح ؛ و " اضطربت الأرض " ، إذْ حرَّكتها الزلزلة ، وما أشبهَ ذلك من الكلام الذي يطولُ بإحصائه الكتاب.
وفي قول الله جلّ ثناؤه : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ) [سورة يونس : 22] - بإضافته الجريَ إلى الفلك ، وإن كان جريها بإجراء غيرِها إيَّاها - ما دلّ على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله : " ولا الضالين " ، وادّعائه أنّ في نسبة الله جلّ ثناؤه الضلالةَ إلى من نَسبها إليه من النصارى ، تصحيحًا لما ادَّعى المنكرون : أن يكون لله جلّ ثناؤه في أفعال خلقه سببٌ من أجله وُجدت أفعالهم ، مع إبانة الله عزّ ذكره نصًّا في آيٍ كثيرة من تنزيله ، أنه المضلُّ الهادي ، فمن ذلك قوله جل ثناؤه : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) [سورة الجاثية : 23]. فأنبأ جلّ ذكره أنه المضلّ الهادي دون غيره.
ولكنّ القرآن نزلَ بلسان العرب ، على ما قدَّمنا البيان عنه في أول الكتاب ، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وُجد منه - وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد

(1/196)


منه - أحيانًا ، وأحيانًا إلى مسبِّبه ، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيرُه. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا ، ويُوجِده الله جلّ ثناؤه عَيْنًا مُنْشَأةً ؟ بل ذلك أحرى أن يُضاف إلى مكتسبِه ؛ كسبًا له ، بالقوة منه عليه ، والاختيار منه له - وَإلى الله جلّ ثناؤه ، بإيجاد عينِه وإنشائها تدبيرًا. ( مسألة يَسأل عنها أهل الإلحاد الطَّاعنون في القرآن)
إن سألَنا منهم سائل فقال : إنك قد قدَّمتَ في أول كتابك هذا في وصْف البيان : بأنّ أعلاه درجة وأشرفَه مرتبة ، أبلغُه في الإبانة عن حاجة المُبين به عن نفسه ، وأبينُه عن مُراد قائله ، وأقربُه من فهم سامعه. وقلتَ ، مع ذلك : إنّ أوْلى البيان بأن يكون كذلك ، كلامُ الله جل ثناؤه ، لِفَضْله على سائر الكلام وبارتفاع دَرَجته على أعلى درجات البيان (1) ، فما الوجه - إذ كان الأمر على ما وصفت - في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات ؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان ، وذلك قوله : ( مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ) ، إذْ كان لا شك أنّ من عَرف : مَلك يوم الدين ، فقد عَرَفه بأسمائه الحسنى وصفاته المُثْلى. وأنّ من كان لله مطيعًا ، فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه مُتَّبع ، وعن سبيل من غَضِب عليه وضَلَّ مُنْعَدِل. فما في زيادة الآيات الخمس الباقية ، من الحكمة التي لم تَحْوِها الآيتان اللتان ذكرنا ؟
قيل له : إنّ الله تعالى ذكرُه جَمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته - بما أنزل إليه من كتابه - معانيَ لم يجمعْهُنّ بكتاب أنزله إلى نبيّ قبله ، ولا لأمَّة من الأمم قبلهم. وذلك أنّ كُلّ كتاب أنزله جلّ ذكرُه على نبيّ من أنبيائه قبله ، فإنما أنزل ببعض المعاني التي يحوي جميعَها كتابُه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. كالتَّوراة التي هي مواعظ وتفصيل ، والزَّبُور الذي هو تحميد وتمجيد ، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير - لا مُعجزةَ في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتابُ الذي أنزل على نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، يحوي معاني ذلك كله ، ويزيد عليه كثيرًا من المعاني التي سائرُ الكتب غيرِه منها خالٍ.
__________
(1) انظر ما مضى : 9 - 11 .

(1/197)


وقد قدَّمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب (1) .
ومن أشرفِ تلك المعاني التي فَضَل بها كتابُنا سائرَ الكتب قبله ، نظْمُه العجيبُ ورصْفُه الغريب (2) وتأليفُه البديع ؛ الذي عجزتْ عن نظم مثْلِ أصغرِ سورة منه الخطباء ، وكلَّت عن وَصْف شكل بعضه البلغاء ، وتحيَّرت في تأليفه الشُّعراء ، وتبلَّدت - قصورًا عن أن تأتيَ بمثله - لديه أفهامُ الفُهماء ، فلم يجدوا له إلا التسليمَ والإقرار بأنه من عند الواحد القهار. مع ما يحوي ، مَع ذلك ، من المعاني التي هي ترغيب وترهيب ، وأمرٌ وزجرٌ ، وقَصَص وجَدَل ومَثَل ، وما أشبهَ ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.
فمهما يكن فيه من إطالة ، على نحو مَا في أمِّ القرآن (3) ، فلِما وصفتُ قبلُ من أن الله جل ذكره أرادَ أن يجمعَ - برَصْفه العجيب ونظْمِه الغريب ، المنعدِلِ عن أوزان الأشعار ، وسجْع الكُهَّان وخطب الخطباء ورَسائل البلغاء ، العاجز عن رَصْف مثله جميع الأنام ، وعن نظم نظيره كل العباد - الدلالةَ (4) على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه ، تنبيهَ (5) العباد على عَظمته وسلطانه وقدرته وعِظم مَملكته ، ليذكرُوه بآلائه ، ويحمدوه على نعمائه ، فيستحقوا به منه المزيدَ ، ويستوجبوا عليه الثوابَ الجزيل ؛ وبما فيه من نَعْتِ من أنعم عليه بمعرفته ، وتفضَّل عليه بتوفيقه لطاعته ، تعريفَ (6) عباده أن كل ما بهم من نعمة ، في دينهم ودنياهم ، فمنه ، ليصرفوا رَغبتهم إليه ، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دُون ما سواهُ من الآلهة والأنداد ، وبما فيه من ذكره ما أحلّ بمن عَصَاه منْ مَثُلاته ، وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته - ترهيبَ (7) عباده عن ركوب
__________
(1) انظر ما مضى : 71
(2) في المطبوعة " ووصفه " . ورصف الشيء ضم بعضه إلى بعض ونظمه حتى يكون مستويا محكما منضدا .
(3) في المخطوطة : " آية القرآن " غير منقوطة .
(4) " الدلالة " مفعول " أن يجمع . . . " ، ثم عطف عليها بعد ، ما سننبه له .
(5) هذه جميعًا معطوفة على قوله " الدلالة " ، كما ذكرنا آنفًا .
(6) هذه جميعًا معطوفة على قوله " الدلالة " ، كما ذكرنا آنفًا .
(7) هذه جميعًا معطوفة على قوله " الدلالة " ، كما ذكرنا آنفًا .

(1/199)


معاصيه ، والتعرُّضِ لما لا قِبَل لهم به من سَخَطه ، فيسلكَ بهم في النكال والنَّقِمات سبيلَ من ركب ذلك من الهُلاك.
فذلك وَجْه إطالة البيان في سورة أم القرآن ، وفيما كان نظيرًا لها من سائر سور الفرقان. وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة.
* * *
221 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا المحاربي ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبي السائب مولى زُهْرة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال العبد : " الحمد لله ربّ العالمين " ، قال الله : " حمدني عبدي " . وإذا قال : " الرحمن الرحيم " ، قال : " أثنى عليّ عبدي " . وإذا قال : " مالكِ يوم الدين " ، قال : " مجَّدني عبدي. فهذا لي " . وإذا قَال : " إيّاك نَعبُد وإيّاكَ نستعين " إلى أن يختم السورة ، قال : " فذاكَ لهُ (1) .
222 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبي السائب ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قال العبد : " الحمد لله " ، فذكر نحوه ، ولم يرفعه (2) .
223 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنا الوليد بن كثير ، قال : حدثني العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرَقَة ، عن أبي السائب ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله (3) .
224 - حدثني صالح بن مسمار المروزي ، قال : حدثنا زيد بن الحُبَاب ،
__________
(1) الحديث 221 - المحاربي : هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد ، وهو ثقة ، أخرج له الجماعة .
محمد بن إسحاق : هو ابن يسار ، صاحب السيرة ، ثقة معروف ، تكلم فيه بعضهم بغير حجة وبغير وجه . العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة - بضم الحاء وفتح الراء - : تابعي ثقة . أبو السائب مولى زهرة : تابعي ثقة ، قال ابن عبد البر : " أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل " . والحديث رواه الطبري بعد هذا موقوفًا بإسنادين . وسنذكر تخريجه في آخرهما : 223 .
(2) الحديث 222 - عبدة : هو ابن سليمان الكلابي ، من شيوخ أحمد وإسحاق ، قال أحمد : " ثقة ثقة وزيادة ، مع صلاح في بدنه " .
(3) الحديث 223 - أبو أسامة : هو حماد بن أسامة . الوليد بن كثير المخزومي : ثقة ثبت أخرج له الجماعة .
وهذا الحديث - بإسناديه الموقوفين - مرفوع حكمًا ، وإن كان في هاتين الروايتين موقوفًا لفظًا . فإن هذا مما لا يعلم بالرأي ، ولا يدخل فيه مناط الاجتهاد .
ثم إن الرفع زيادة من الثقة ، وهي مقبولة . وفوق هذا كله ، فإنه لم ينفرد برفعه راويه في الإسناد الأول ، وهو المحاربي ، بل ورد بأسانيد أخر مرفوعًا .
وهو قطعة من حديث طويل ، رواه مالك في الموطأ : 84 - 85 عن العلاء بن عبد الرحمن ، بهذا الإسناد مرفوعًا . وكفى بمالك حجة في التوثق من رفعه لفظا فوق رفعه حكمًا . وكذلك رواه مسلم 1 : 166 (4 : 101 - 104 من شرح النووي) ، من طريق مالك ، ومن طريق سفيان بن عيينة ، ومن طريق ابن جريج ، ومن طريق أبي أويس - كلهم عن العلاء عن أبي السائب ، به مرفوعًا . وزاد أبو أويس عن العلاء قال : " سمعت من أبي ومن أبي السائب ، وكانا جليسي أبي هريرة . . . " ، فذكره مرفوعا .
ونسبه السيوطي 1 : 6 لسفيان بن عيينة في تفسيره ، وأبي عبيدة في فضائله ، وابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبخاري في جزء القراءة ، وأصحاب السنن الأربعة ، وابن حبان ، وغيرهم . وذكر ابن كثير 1 : 24 - 25 بعض طرقه مفصلة .

(1/200)


قال : حدثنا عَنْبسة بن سعيد ، عن مُطَرِّف بن طَرِيف ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجلّ : " قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي نِصْفين ، وله ما سَأل " . فإذا قال العبد : " الحمدُ لله ربّ العالمين " قال الله : " حمدَني عَبدي " ، وإذا قال : " الرحمن الرحيم " ، قال : " أثنى عليّ عَبدي " ، وإذا قال : " مالكِ يَومِ الدين " قال : " مجَّدني عَبدي " قال : " هذا لي ، و ما بقي " (1) . " آخرُ تفسيرِ سُورَةِ فَاتِحةُ الكتابِ " .
__________
(1) الحديث 224 - هذا إسناد جيد صحيح . صالح بن مسمار السلمي المروزي : ثقة ، روى عنه مسلم في صحيحه ، وقال أبو حاتم : " صدوق " ، كما في كتاب ابنه 2 / 1 / 415 ، وذكره ابن حبان في الثقات . عنبسة بن سعيد الضريس الرازي قاضي الري : ثقة ، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم ، وصرح البخاري في الكبير 4 / 1 / 35 بأنه يروي عن مطرف . و " الضريس " : بضم الضاد المعجمة وآخره سين مهملة ، كما ضبطه الحافظ في التقريب . مطرف بن طريف : ثقة ثبت ، أخرج له الجماعة . سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة : ثقة لا يختلف فيه ، كما قال ابن عبد البر ، وهو من شيوخ مالك . وروايته عن جابر متصلة ، لأنه يروي عن أبيه " إسحاق بن كعب " يوم الحرة سنة 63 ، وقد عاش جابر بعدها أكثر من عشر سنين .
والحديث ذكره السيوطي 1 : 6 ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما . وذكره ابن كثير 1 : 25 عن هذا الموضع من الطبري - ووقع في إسناده غلط مطبعي - وقال : " وهذا غريب من هذا الوجه " ّ ولعله يريد أنه لم يروه أحد من حديث جابر إلا بهذا الإسناد . وليس من ذلك باس ، وقد ثبت معناه من حديث أبي هريرة ، فهو شاهد قوي لصحته .

(1/201)


الم (1)

تفسير سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ أعنْ
(القول في تفسير السورة التي يُذْكر فيها البقرة)
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : { الم } .
قال أبو جعفر : اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره (1) " ألم " فقالَ بعضُهم : هو اسم من أسماء القرآن.
* ذكرُ من قال ذلك :
225 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ألم " ، قال : اسم من أسماء القرآن.
226 - حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي ، قال : حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : " ألم " ، اسم من أسماء القرآن.
227 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : " ألم " ، اسم من أسماء القرآن.
وقال بعضُهم : هو فَواتحُ يفتح الله بها القرآن.
* ذكر من قال ذلك :
187 - حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : " ألم " ، فواتح يفتح الله بها القرآن.
__________
(1) تراجمة القرآن : مفسروه ، كما مر آنفًا : 170 ، تعليق : 4 وما قبلها 70 ، تعليق : 10

(1/205)


229 - حدثنا أحمد بن حازم الغِفَاري ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجاهد ، قال : " ألم " ، فواتح.
230 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : " ألم " ، و " حم " ، و " ألمص " ، و " ص " ، فواتحُ افتتح الله بها (1) .
231 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثلَ حديث هارون بن إدريس.
وقال آخرون : هو اسم للسورة.
* ذكرُ من قال ذلك :
232 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا عبد الله بن وهب ، قال : سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن قول الله : " ألم ذلك الكتاب " و " ألم تَنزيل " ، و " ألمر تلك " ، فقال : قال أبي : إنما هي أسماء السُّوَر.
وقال بعضهم : هو اسم الله الأعظم.
* ذكر من قال ذلك :
233 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سألت السُّدِّي عن " حم " و " طسم " و " ألم " ، فقال : قال ابن عباس : هو اسْم الله الأعظم.
234 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني أبو النعمان ، قال : حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السُّدِّي ، عن مُرّة الهمداني ، قال : قال عبدُ الله فذكر نحوه.
235 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عُبيد الله بن موسى ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : فواتح السور من أسماء الله.
وقال بعضهم : هو قسمٌ أقسمَ الله به ، وهو من أسمائه.
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) الأثر 230 - إسحاق بن الحجاج : هو الطاحوني المقرئ ، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1/1/ 217 ، وقال : " سمعت أبا زرعة يقول : كتب عبد الرحمن الدشتكي تفسير عبد الرزاق عن إسحاق بن الحجاج " .

(1/206)


236 - حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : هو قَسَم أقسمَ الله به ، وهو من أسماء الله.
237 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَّية ، قال : حدثنا خالد الحذّاء ، عن عكرمة ، قال : " ألم " ، قسم (1) .
__________
(1) الأثر 237 - يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح : هو الدورقي الحافظ البغدادي .

(1/207)


وقال بعضهم : هو حُرُوف مقطَّعةٌ من أسماء وأفعالٍ ، كلُّ حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.
* ذكر من قال ذلك :
238 - حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع - وحدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا أبي عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضُّحَى ، عن ابن عباس : " ألم " قال : أنا الله أعلم (1) .
239 - حُدِّثتُ عن أبي عُبيد ، قال : حدثنا أبو اليقظان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، قال : قوله : " ألم " ، قال : أنا الله أعلم.
240 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القنَّاد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل السُّدِّي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : " ألم " قال : أما " ألم " فهو حَرف اشتُقَّ من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه.
241 - حدثنا محمد بن معْمَر ، قال : حدثنا عباس بن زياد الباهلي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : " ألم " و " حم " و " ن " ، قال : اسم مُقطَّع (2) .
وقال بعضهم هي حروفُ هجاءٍ موضوعٍ.
* ذكر من قال ذلك :
242 - حُدِّثتُ عن منصور بن أبي نُويرة ، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدِّب ، عن خُصَيْف ، عن مجاهد ، قال : فواتح السور كلها " ق " و " ص " و " حم " و " طسم " و " ألر " وغير ذلك ، هجاء موضوع.
وقال بعضهم : هي حروف يشتمل كل حرفٍ منها على معان شتى مختلفة.
* ذكر من قال ذلك :
243 - حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، قال : حدثني أبي ، عن الربيع بن أنس ، في قول الله تعالى ذكره : " ألم " ، قال : هذه الأحرف ، من التسعة والعشرين حرفًا ، دارت فيها الألسُن كلها. ليس منها حرف إلا وهو مِفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبَلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدّةِ قوم وآجالهم. وقال عيسى ابن مريم : " وعجيب ينطقون في أسمائه ، ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون ؟ " . قال : الألف : مفتاح اسمه : " الله " ، واللام : مفتاح اسمه : " لطيف " ، والميم : مفتاح اسمه : " مجيد " . والألف آلاء الله ، واللام لطفه ، والميم : مجده. الألف سنةٌ ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون سنة.
244 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حَكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بنحوه (3) .
وقال بعضُهم : هي حُروف من حساب الجُمَّل - كرهنا ذكْر الذي حُكي ذلك عنه ، إذْ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله. وقد مَضت الروايةُ بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس (4) .
__________
(1) الخبر 238 - رواه الطبري عن شيخين عن وكيع : عن أبي كريب ، وعن سفيان بن وكيع ، كلاهما عن وكيع عن شريك ، وهو ابن عبد الله النخعي القاضي . وجاء الإسناد الثاني منهما في مطبوعة بولاق محرفا : " سفيان بن وكيع قال حدثنا ابن أبي شريك " . وصحح من المخطوطة .
(2) الخبر 241 - محمد بن معمر بن ربعي ، شيخ الطبري : هو المعروف بالبحراني ، وهو ثقة ، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين ، وهو متأخر الوفاة ، مات في العام الذي مات فيه البخاري سنة 256 ، كما ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ 2 : 129 ، وأما شيخه " عباس بن زياد الباهلي " فلم أجد له ترجمة قط .
(3) الأخبار 225 - 244 : ذكرها ابن كثير 1 : 65 - 66 ، بعضها بالإسناد ، وبعضها دون إسناد ، وسردها السيوطي 1 : 22 - 23 مع غيرها من الروايات . ونقل الشوكاني بعضها 1 : 21 .
(4) يشير إلى الروايتين السابقتين : 243 ، 244 .

(1/208)


وقال بعضهم : لكل كتاب سرٌّ ، وسرُّ القرآن فواتحه.
* * *
وأمَّا أهل العربية ، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك. فقال بعضهم : هي حروف من حُرُوف المعجم ، استُغْنِيَ بذكر ما ذُكر منها في أوائل السور عن ذكر بَواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا ؛ كما استغنى المُخبرُ - عمن أخبرَ عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفًا - بذكر " أ ب ت ث " ، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين : قال. ولذلك رُفع( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، لأنّ معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف المقطعة ، ذلك الكتابُ الذي أنزلته إليك مجموعًا لا ريب فيه.
فإن قال قائل : فإن " أ ب ت ث " ، قد صارتْ كالاسم في حروف الهجاء ، كما كان " الحمدُ " اسما لفاتحة الكتاب.
قيل له : لما كان جائزًا أن يقول القائل : ابني في " ط ظ " ، وكان معلومًا بقيله ذلك لو قاله أنَّه يريد الخبر عن ابنه أنَّه في الحروف المقطَّعة - عُلم بذلك أنّ " أ ب ت ث " ليس لها باسْم ، وإن كان ذلك آثَرَ في الذكر من سائرها (1) . قال : وإنما خُولف بين ذكر حُرُوف المعجم في فواتح السور ، فذُكِرت في أوائلها مختلفةً ، وذِكْرِها إذا ذُكرت بأوائلها التي هي " أ ب ت ث " ، مؤتلفةً ، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد - بذكر ما ذكر منها مختلفًا - الدلالةُ على الكلام المتصل ؛ وإذا أريد - بذكر ما ذكر منها مؤتلفًا - الدلالةُ على الحروف المقطعة بأعيانها. واستشهدوا - لإجازة قول القائل : ابني في " ط ظ " وما أشبه ذلك ، من الخبر عنه أنه في حرُوف المعجم ، وأن ذلك من قيله في البيان يَقوم مقام قوله : ابني في " أ ب ت ث " - برجز بعض الرُّجّاز من بني أسد :
لَمَّا رَأيْتُ أمرَهَا في حُطِّي... وفَنَكَتْ في كَذِب ولَطِّ... أَخذْتُ منها بقُرُونٍ
__________
(1) في المطبوعة : " يؤثر في الذكر " . وآثر : يؤثره الناس ويقدمونه .

(1/209)


شُمْطٍ... فلم يَزَلْ صَوْبِي بها ومَعْطِي... حَتى علا الرأسَ دَمٌ يُغَطِّي (1)
فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في " أبي جاد " ، فأقام قوله : " لما رأيت أمرها في حُطِّي " مقامَ خبرِه عنها أنها في " أبي جاد " ، إذْ كان ذاك من قوله ، يدلّ سامعَه على ما يدلُّه عليه قوله : لما رأيت أمرَها في " أبي جاد " .
وقال آخرون : بل ابتدئت بذلك أوائل السُّور ليفتح لاستماعه أسماعَ المشركين - إذ تواصَوْا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له ، تُلي عليهم المؤلَّفُ منه.
وقال بعضهم : الحروفُ التي هي فواتح السُّور حروفٌ يستفتحُ الله بها كلامه.
فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟
قيل (2) : معنى هذا أنه افتتح بها ليُعْلم أن السورة التي قبلها قد انقضت ، وأنه قد أخذ في أخرى ، فجعل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينهما ، وذلك في كلام العرب ، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول :
بل * وبلدةٍ مَا الإنسُ من آهَالِها (3)
ويقول :
لا بَل * مَا هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا (4)
و " بل " ليست من البيت ولا تعد في وزنه ، ولكن يقطع بها كلامًا ويستأنفُ الآخر.
__________
(1) أولها في اللسان (فنك) . فنك في الكذب : مضى فيه ولج ومحك . ولط الحق : جحده ومنعه وخاصم فأحمى الخصومة . والقرون ، جمع قرن : وهو الضفيرة . وشمط ، جمع أشمط : وهو الذي اشتعل رأسه شيبا . صاب يصوب صوبًا : انحدر من علو إلى سفل . وفي المطبوعة : " ضربى " . والمعط : المد والجذب ، وعنى بذلك إصعاده بها وهو يجذب ضفائرها ، وذلك في انحداره بها وصعوده .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟ فإن معنى هذا . . . " ، وهو كلام مضطرب ، والصواب ما أثبتناه .
(3) اللسان (أهل) غير منسوب ، وكأنه لأبي النجم فيما أذكر .
(4) هو للعجاج ، ديوانه : 7 ، ويأتي بعد قليل في : 212 أيضًا و : 223 .

(1/210)


قال أبو جعفر : ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك ، وجهٌ معروفٌ.
فأما الذين قالوا : " ألم " ، اسم من أسماء القرآن ، فلقولهم ذلك وجهان :
أحدهما : أن يكونوا أرادوا أن " ألم " اسم للقرآن ، كما الفُرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك ، كان تأويل قوله( ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، على معنى القسم. كأنه قال : والقرآن ، هذا الكتابُ لا ريب فيه.
والآخر منهما : أن يكونوا أرادوا أنه اسمٌ من أسماء السورة التي تُعرف به ، كما تُعرَف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها ، فيَفهم السامع من القائل يقول : - قرأت اليوم " ألمص " و " ن " - ، أيُّ السُّوَر التي قرأها من سُوَر القرآن (1) ، كما يفهم عنه - إذا قال : لقيتُ اليوم عمرًا وزيدًا ، وهما بزيد وعمرو عارفان - مَن الذي لقي من الناس.
وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، وَنظائر " ألم " " ألر " في القرآن جماعةٌ من السُّور ؟ وإنما تكون الأسماء أماراتٍ إذا كانت مميِّزة بين الأشخاص ، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات.
قيل : إن الأسماء - وإن كانت قد صارت ، لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها ، غيرَ مميِّزة إلا بمعانٍ أخرَ معها من ضَمِّ نسبة المسمَّى بها إليها أو نعته أو صفته ، بما يفرِّق بينه وبين غيره من أشكالها - فإنها وُضعت ابتداءً للتمييز لا شَكَّ. ثم احتيج ، عند الاشتراك ، إلى المعاني المفرِّقة بين المسمَّيْن بها (2) . فكذلك ذلك في أسماء السور. جُعل كلّ اسم - في قول قائل هذه المقالة - أمارةً للمسمى به من السُّور. فلما شارك المسمَّى به فيه غيرَه من سور القرآن ، احتاج المخبر عن
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " أي السورة التي قرأها . . " .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " بين المسمى بها " .

(1/211)


سورةٍ منها أن يضمّ إلى اسمها المسمَّى به من ذلك ، ما يفرِّق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها ، من نعتٍ وصفةٍ أو غير ذلك. فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة ، إذا سماها باسمها الذي هو " ألم " : قرأتُ " ألم البقرة " ، وفي آل عمران : قرأت " ألم آل عمران " ، و " ألم ذلك الكتاب " ، و " ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " . كما لو أراد الخبر عن رَجلين ، اسم كل واحد منهما " عمرو " ، غير أنّ أحدهما تميمي والآخر أزديَّ ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما : لقيت عمرًا التميمي وعمرًا الأزديَّ ، إذْ كان لا يفرُقُ بينهما وبين غيرهما ممن يُشاركهما في أسمائهما ، إلا بنسبتهما كذلك. فكذلك ذلك في قول من تأوَّل في الحروف المقطعة أنها أسماءٌ للسُّور.
وأما الذين قالوا : ذلك فواتحُ يفتتح الله عز وجل بها كلامه ، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمَّن حكينا عنهُ من أهل العربية ، أنه قال : ذلك أدِلَّةٌ على انقضاء سُورة وابتداءٍ في أخرى ، وعلامةٌ لانقطاع ما بينهما ، كما جعلت " بل " في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداء فيها ، وانقضاءِ أخرى قَبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدة ، قالوا :
بل * ما هاجَ أحْزَانًا وشجوًا قد شَجا
و " بل " ليست من البيت ولا داخلةً في وزنه ، ولكن ليَدُلَّ به على قطع كلام وابتداء آخر.
وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطَّعة بعضها من أسماء الله عز وجل ، وبعضُها من صفاته ، ولكل حرف من ذلك معنى غيرُ معنى الحرف الآخر ، فإنهم نَحَوْا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر :
قُلْنَا لها : قِفِي لنا ، قالت : قافْ... لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجاف (1)
__________
(1) الرجز للوليد بن عقبة . الأغاني 5 : 131 ، شرح شواهد الشافية : 271 ، ومشكل القرآن : 238 . الإيجاف : حيث الدابة على سرعة السير ، وهو الوجيف .

(1/212)


يعني بقوله : " قالت قاف " ، قالت : قد وقفتُ. فدلت بإظهار القاف من " وقفت " ، على مرادها من تمام الكلمة التي هي " وقفت " . فصرفوا قوله : " ألم " وما أشبه ذلك ، إلى نحو هذا المعنى. فقال بعضهم : الألف ألف " أنا " ، واللام لام " الله " ، والميم ميم " أعلم " ، وكلُّ حرف منها دال على كلمة تامة. قالوا : فجملة هذه الحروف المقطَّعة إذا ظهر مع كل حرفٍ منهن تَمام حروف الكلمة ، " أنا " الله أعلم " . قالوا : وكذلك سائر جميع ما في أوائل سُور القرآن من ذلك ، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل. قالوا : ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلام العرب أن ينقُصَ المتكلم منهم من الكلمةِ الأحرفَ ، إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها - ويزيدَ فيها ما ليس منها ، إذا لم تكن الزيادة مُلبِّسةً معناها على سامعها - كحذفهم في النقص في الترخيم من " حارثٍ " الثاءَ ، فيقولون : يا حارِ ، ومن " مالك " الكافَ ، فيقولون : يا مالِ ، وأما أشبه ذلك ، وكقول راجزهم :
مَا لِلظليم عَالَ? كَيْفَ لا يَا... يَنْقَذُّ عنه جِلْدُه إذا يَا (1)
كأنه أراد أن يقول : إذا يَفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من " يفعل " ، وكما قال آخر منهم :
بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شرًّا فَا
يريد : فشرًّا.
ولا أُرِيد الشرَّ إلا أن تَا (2)
.
يريد : إلا أن تَشاء ، فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جَميعًا ، من سائر حروفهما ، وما أشبهَ ذلك من الشواهد التي يَطول الكتاب باستيعابه.
__________
(1) شرح شواهد الشافية : 267 . عال : دعاء عليه ، من قولهم " عال عوله " أي ثكلته أمه ، فاختصر . و " يا " في البيت الأول كأنه أراد أن يقول " ينقد عنه . . . " فوقف ، ثم عاد يقول : " ينقد " ، و " يا " في الآخر : أي إذا يعدو هذا العدو .
(2) سيبويه 2 : 62 ، الكامل 1 : 240 ، والموشح : 120 ، وشرح شواهد الشافية : 262 ، ونسبه في 264 للقيم بن أوس .

(1/213)


245 - وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُليَّة ، عن أيوب ، وابن عون ، عن محمد ، قال : لما مات يزيدُ بن معاوية قال لي عَبْدَة : إني لا أراها إلا كائنةً فتنةً ، فافزع منْ ضَيْعَتِكَ والحقْ بأهلك. قلت : فما تأمرني ؟ قال : أحَبُّ إليّ لك أنْ تا - قال أيوبُ وابن عون بَيده تحت خدِّه الأيمن ، يصف الاضطجاع - حتى ترى أمرا تَعرفه (1) .
قال أبو جعفر : يعني بـ " تا " تضطجع ، فَاجتزأ بالتاء من تضطجع. وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام (2) على النحو الذي وصفت :
أقُول إِذْ خَرَّتْ على الكَلكالِ... يَا ناقَتِي ما جُلْتِ من مَجَالِ (3)
يريد : الكَلْكل ، وكما قال الآخر :
إنّ شَكْلِي وَإن شَكْلَك شَتَّى... فَالزْمي الخُصَّ واخْفِضِي تَبْيضِضِّي (4)
.
فزاد ضادًا ، وليست في الكلمة.
قالوا : فكذلك ما نقصَ من تمام حُروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذَكرنا أنها تتمة حروف " ألم " ونظائرها - نظيرُ ما نقص من الكلام الذي حكيناهُ عن العرب في أشعارها وكلامها.
وأما الذين قالوا : كل حرف من " ألم " ونظائرها ، دالُّ على معان شتى -
__________
(1) الأثر 245 - محمد : هو ابن سيرين . وعبدة : لم أوقن من هو ولم أرجح . بل أكاد أوقن أن هذا تحريف ، صوابه " عبيدة " بفتح العين وكسر الباء الموحدة وآخرها هاء . وهو عبيدة بن عمرو - أو ابن قيس - السلماني ، من كبار التابعين ، من طبقة الصحابة ، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يلقه . وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه . وهو مترجم في التهذيب ، وفي ابن سعد 6 : 62 - 64 ، وعند ابن أبي حاتم 3/1/ 91 . وأما يزيد : فهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، مات سنة 64 . وقوله : " قال أيوب . . . " ، أي أشار .
(2) في المطبوعة : " في الكلام " .
(3) اللسان (كلل) ، ومشكل القرآن : 235 . والكلكل : الصدر من البعير وغيره .
(4) اللسان (بيض) (خفض) ، ومشكل القرآن : 234 . يقوله لامرأته . والخص : البيت من قصب . وقوله " اخفضى " من الخفض : وهو الدعة ولين العيش . يقول لها : نحن مختلفان ، فالزمى بيتك وعيشي في دعة وخفض ، يزدك لين العيش بياضًا ونعمة . أما أنا فالرحلة دأبى ، تشقيني وتلوحني .

(1/214)


نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وَجَّهوا ذلك إلى مثل الذي وَجَّهه إليه من قال : هو بتأويل " أنا الله أعلم " ، في أنّ كلَّ حرف منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامة ، استُغْنِيَ بدلالته عَلى تَمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا له مُخالفين في كلِّ حرف من ذلك : أهو من الكلمة التي ادَّعى أنه منها قائلو القول الأول ، أم من غيرها ؟ فقالوا : بل الألف من " ألم " من كلمات شتى ، هي دالةٌ على معاني جميع ذلك وعلى تمامه. قالوا : وإنما أفرِد كلُّ حرف من ذلك ، وقصَّر به عن تمام حروف الكلمة ، أن جميعَ حُروف الكلمة لو أظهِرت ، لم تدلَّ الكلمة التي تُظهر - التي بعضُ هذه الحروف المقطعة بعضٌ لها - إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما. قالوا : وإذْ كان لا دلالة في ذلك ، لو أظهر جميعها ، إلا على معناها الذي هو معنى واحدٌ ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكلّ حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد - لم يَجُز إلا أن يُفرَد الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني ، ليعلمَ المخاطبون به أنّ الله عز وجل لم يقصد قصد مَعنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيء واحد بما خاطبهم به ، وأنه إنما قصد الدلالةَ به على أشياء كثيرة. قالوا : فالألف من " ألم " مقتضيةٌ معانيَ كثيرةً ، منها تمامُ اسم الربّ الذي هو " الله " ، وتمامُ اسم نعماء الله التي هي آلاء الله ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه سنة ، إذا كانت الألف في حساب الجُمَّل واحدًا. واللام مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هو لطيف ، وتمامَ اسم فَضْله الذي هو لُطفٌ ، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه ثلاثون سنة. والميم مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هوَ مجيد ، وتمامَ اسم عظمته التي هي مَجْد ، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه أربعون سنة. فكان معنى الكلام - في تأويل قائل القول الأول - أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوَصْف نفسه بأنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيء ، وَجعل ذلك لعباده مَنهجًا يسلكونه في مُفتتح خطبهم ورسائلهم ومُهِمِّ أمورهم ، وابتلاءً منه لهم ليستوجبوا به عظيمَ الثواب في دار الجزاء ، كما افتتح ب( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، و( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ ) ، [سورة الأنعام : 1] وما أشبه ذلك من السُّور التي جعل مَفاتحها الحمدَ لنفسه ، وكما جعل مفاتحَ بَعضها تعظيم نَفسه وإجلالها بالتسبيح ، كما قال جل ثناؤه : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا ) [سورة الإسراء : 1] ، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن ، التي جعل مفاتحَ بعضها تحميدَ نفسه ، ومفاتحَ بعضها تمجيدَها ، ومفاتح بعضها تعظيمَها وتنزيهها. فكذلك جَعل مفاتحَ السور الأخَر التي أوائلها بعضُ حروف المعجم ، مدائحَ نفسه ، أحيانًا بالعلم ، وأحيانًا بالعدل والإنصاف ، وأحيانًا بالإفضال والإحسان ، بإيجاز واختصار ، ثم اقتصاصَ الأمور بعدَ ذلك.
وعلى هذا التأويل يجبُ أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع ، مرفوعًا بعضُها ببعض ، دون قوله( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، ويكون " ذلك الكتاب " خبرا مبتدأ مُنقطِعًا عن مَعنى " ألم " . وكذلك " ذلك " في تأويل قول قائل هذا القول الثاني ، مرفوعٌ بعضه ببعض ، وإن كان مخالفًا معناهُ معنى قول قائل القول الأول.
وأما الذين قالوا : هنّ حروف من حروف حساب الجُمَّل دون ما خالف ذلك من المعاني ، فإنهم قالوا : لا نعرف للحروف المقطَّعة معنًى يُفهم سوى حساب الجُمَّل ، وسوى تَهَجِّي قول القائل : " ألم " . وقالوا : غيرُ جائز أن يخاطبَ الله جلّ ثناؤه عبادَه إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه. فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله " ألم " لا يُعقَل لها وجهٌ تُوجَّه إليه ، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا ، فبطل أحدُ وَجهيه ، وهو أن يكون مُرادًا بها تهجِّي " ألم " - صحَّ وثبت أنه مرادٌ به الوجه الثاني ، وهو حساب الجُمَّل ؛ لأن قول القائل : " ألم " لا يجوز أن يليَه من الكلام " ذلك الكتاب " ، لاستحالة معنى الكلام وخرُوجه عن المعقول ، إنْ وَلي " ألم " " ذلك الكتاب " .
واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما : -
246 - حدثنا به محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مرَّ

(1/215)


أبو ياسر بن أخْطب برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة( ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) ، فأتى أخَاه حُيَيّ بنَ أخطب من يَهودَ فقال : تعلمون والله (1) ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ ) فقالوا : أنت سمعته ؟ قال : نعم! قال : فمشى حُيَيُّ بن أخطب في أولئك النَّفر من يهودَ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالوا : يا محمد ، ألمْ يذكُرْ لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك " ألم ذلك الكتاب " ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بلى! فقالوا : أجاءك بهذا جبريلُ من عند الله ؟ (2) قال : نعم! قالوا : لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء ، ما نعلمه بيَّن لنبيّ منهم ، ما مدَّة ملكه وما أكْل أمَّته غيرَك! (3) فقال : حُييّ بن أخطب ، وأقبلَ على من كان معه فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدَى وسبعون سنة. أفتدخلون في دين نَبيّ إنما مدّة مُلكه وأكْل أمّته إحدى وسبعون سنة (4) ؟ قال : ثم أقبلَ على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيرُه ؟ قال : نعم ! قال : ماذا ؟ قال : (ألمص). قال : هذه أثقلُ وأطولُ ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مائة وإحدى وستون سنة. هل مَع هذا يا محمَّد غيره ؟ قال : نعم ! قال : ماذا ؟ قال : (ألر). قال : هذه والله أثقلُ وأطولُ. الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة ، فقال : هل مع هذا غيرُه يا محمد ؟ قال : نعم ، (ألمر) ، قال : فهذه والله أثقل وأطولُ ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. ثم قال : لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمَّد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيتَ أم كثيرًا ؟ ثم قاموا عنه. فقال أبو ياسر لأخيه حُيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يُدْريكم لعلَّه قد جُمع هذا كله لمحمد ، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، ومائتان وإحدى وثلاثون ، ومائتان وإحدى وسبعون ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون! فقالوا : لقد تشابه علينا أمره! ويزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (5) .
قالوا : فقد صرّح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل ، وفساد ما قاله مخالفونا فيه.
والصواب من القول عندي في تأويل مفاتِح السور ، التي هي حروف المعجم : أنّ الله جلّ ثناؤه جعلَها حروفًا مقطَّعة ولم يصِل بعضَها ببعض - فيجعلها كسائر الكلام المتّصِل الحروف - لأنه عز ذكره أراد بلفظِه الدلالةَ بكل حرف منه على معان كثيرة ، لا على معنى واحد ، كما قال الربيعُ بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ ، دون ما زاد عليها.
والصوابُ في تأويل ذلك عندي : أنّ كلّ حرف منه يحوي ما قاله الربيع ، وما قاله سائر المفسرين غيرُه فيه - سوى ما ذكرتُ من القول عَمَّن ذكرت عنه من أهل العربية : أنهّ كان يوجِّه تأويلَ ذلك إلى أنّه حروف هجاء ، استُغني
__________
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة : " تعلمون " ، ونص محمد بن إسحاق ، سيرة ابن هشام 2 : 194 . " تعلموا " بتشديد اللام ، أي اعلموا . وهي كثيرة الورود في سيرة ابن هشام وغيره .
(2) الذي في سيرة ابن هشام : " أجاءك بها جبريل من عند الله " .
(3) في المطبوعة ، وفي سائر الكتب التي خرجت الخبر عن الطبري : " ما أجل " .
(4) في المطبوعة " قال ، فقال لهم : أتدخلون . . . " و " أجل أمته " والتصحيح من المخطوطة وابن هشام . والأكل (بضم فسكون) : الرزق . يقال : هو عظيم الأكل في الدنيا ، أي واسع الرزق ، وهو الحظ من الدنيا ، كأنه يؤكل . ويراد به : مدة العمر التي يعيشها الناس في الدنيا يأكلون مما رزقهم الله . فيقال للميت : انقطع أكله ، بمعنى : انقضى عمره .
(5) الحديث 246 - هذا حديث ضعيف الإسناد ، رواه محمد بن إسحاق بهذا الإسناد الضعيف ، وبأسانيد أخر ضعاف :
فرواه في السيرة ، التي هذبها عبد الملك بن هشام النحوي البصري ، ورواها عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق ، وعرفت واشتهرت بأنها " سيرة ابن هشام " . وابن هشام هذا : ثقة ، وثقه ابن يونس وغيره ، مات سنة 218 . وشيخه زياد البكائي : ثقة ، من شيوخ أحمد . و " البكائي " ، بفتح الباء وتشديد الكاف : نسبة إلى " البكاء " ، وهو : ربيعة بن عامر بن صعصعة .
فقال ابن هشام 2 : 194 - 195 (2 : 35 - 37 من الروض الأنف شرح السيرة) : قال ابن إسحاق : وكان ممن نزل فيه القرآن بخاصة من الأحبار وكفار يهود ، الذين كانوا يسألونه ويتعنتونه ، ليلبسوا الحق بالباطل ، فيما ذكر لي عن عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله بن رئاب : أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم . . . " .
فهذا إسناد ضعيف ، جهله ابن إسحاق ، فجاء به معلقًا بصيغة التمريض . وفيه أن الرواية عن ابن عباس وجابر ، معًا .
ورواه البخاري في التاريخ الكبير ، في ترجمة " جابر بن عبد الله بن رئاب " 1/2/ 207 - 208 بثلاثة أسانيد ، بعادته الدقيقة المتقنة ، في الإيجاز والإشارة إلى الأسانيد وعللها :
وأولها : " حدثني عمرو بن زرارة ، قال : حدثنا زياد : قال ابن إسحاق : حدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة ، عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله : أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو (ألم . ذلك الكتاب) " .
فهذه هي إشارة البخاري إلى الإسناد الأول من الثلاثة الأسانيد .
و " زياد " في هذا الإسناد : هو البكائي . فهذا إسناد صحيح إلى ابن إسحاق . ولكن فيه الضعف بجهالة أحد رواته " مولى لزيد بن ثابت " . وهو كإسناد السيرة : عن ابن عباس وجابر معًا . ولعل عمرو ابن زرارة - شيخ البخاري - روى السيرة عن البكائي ، كما رواها عنه ابن هشام .
وثانيها : " وقال سلمة : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد ، عن ابن عباس : (ألم . ذلك الكتاب) - بطوله " .
وهذه إشارة البخاري إلى الإسناد الثاني . يريد أنه رواه سلمة - وهو ابن الفضل الذي في إسناد الطبري هنا - عن ابن إسحاق . ولم يذكر لفظ الحديث ، اكتفاء بهذه الإشارة إليه .
وابن إسحاق - في هذا الإسناد - يرويه عن " محمد بن أبي محمد " ، وهو الأنصاري المدني ، مولى زيد بن ثابت . زعم الذهبي في الميزان أنه " لا يعرف " ! وهو معروف ، ترجمه البخاري في الكبير 1/1/225 فلم يذكر فيه جرحًا ، وذكره ابن حبان في الثقات . وكفى بذلك معرفة وتوثيقًا . ولعله هو " مولى زيد بن ثابت " الذي أبهم في الإسناد الأول . ولكن اضطرب هذا الإسناد على ابن إسحاق ، أو على سلمة بن الفضل - فكانت الرواية فيه : عن عكرمة ، أو سعيد ، يعني ابن جبير ، على الشك . ثم كانت عن ابن عباس ، دون ذكر " جابر بن عبد الله بن رئاب " .
ثالثها : " وعن ابن إسحاق : كان مما نزل فيه القرآن من الأحبار ، فيما حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب : مر أبو ياسر بن أخطب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو (ألم) ، بطوله - في الحساب " .
وهذه الرواية الثالثة ، بالإسناد الذي عند الطبري هنا . تابعة للرواية الثانية ، عن سلمة بن الفضل ، عطفها عليها بقوله " وعن ابن إسحاق " ، ليست تعليقًا جديدًا .
وأشار البخاري - بصنيعه هذا - إلى اضطراب الرواية على سلمة بن الفضل ، بين هذا وذاك . ولذلك ذهب إلى جرح " سلمة " بهذا الاضطراب ، فقال عقب ذلك : " قال علي [يريد به شيخه علي بن المديني ، إمام الجرح والتعديل] : ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديث سلمة " .
وقال في ترجمة سلمة 2/2/85 : " سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازي الأنصاري ، سمع محمد بن إسحاق ، روى عنه عبد الله بن محمد الجعفي . عنده مناكير . يقال : مولاهم . مات بعد التسعين . وهنه علي " ، يعني شيخه ابن المديني . ويعني أن سلمة مات بعد سنة 190 . وقال في التاريخ الصغير ص 217 : " مات سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازي الأنصاري بعد تسعين ومائة . قال علي [يعني ابن المديني] : رمينا بحديثه قبل أن نخرج من الري . وضعفه إسحاق بن إبراهيم " . وقال في ترجمته أيضًا ، في كتاب الضعفاء (ص 16) : " سمع محمد بن إسحاق ، روى عنه عبد الله بن عمر بن أبان ومحمد بن حميد . ولكن عنده مناكير . وفيه نظر " .
وأنا أذهب إلى توثيق سلمة بن الفضل ، فقد وثقه ابن معين ، فيما رواه ابن أبي حاتم في كتابه ، وله عنده ترجمة جيدة وافية 2/1/168 - 169 . وروى أيضًا عن جرير ، قال : " ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق - من سلمة بن الفضل " . وقد رجحت توثيقه أيضًا في شرح المسند : 886 .
وعندي أن هذا الاضطراب إنما هو من ابن إسحاق ، أو لعله رواه بهذه الأسانيد كما سمعه . وكلها ضعيف مضطرب . وأشدها ضعفًا الرواية التي هنا ، والتي أشار إليها البخاري : من رواية الكلبي عن أبي صالح .
ولله در الحافظ ابن كثير ، فقد وضع الحق موضعه ، حين قال في التفسير 1 : 69 - 70 : " وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفن والملاحم - فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطارد! وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته " . ثم نقل هذا الحديث من هذا الموضع من الطبري - ثم قال : " فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك - إن كان صحيحًا : أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها . وذلك يبلغ منه جملة كثيرة . وإن حسبت مع التكرار ، فأطم وأعظم!! " .
ومحمد بن السائب الكلبي : ضعيف جدا ، رمى بالكذب ، بل روى ابن أبي حاتم في الجرح 3/1/270 - 271 في ترجمته ، عن أبي عاصم النبيل ، قال : " زعم لي سفيان الثوري قال : قال لنا الكلبي : ما حدثت عنى عن أبي صالح عن ابن عباس ، فهو كذب ، فلا تروه " . وقال أبو حاتم : " الناس مجتمعون على ترك حديثه ، لا يشتغل به ، هو ذاهب الحديث " .
والطبري نفسه قد ضعفه جدا ، فيما مضى : 66 إذ أشار إلى رواية عن ابن عباس : " روى جميع ذلك عن ابن عباس ، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله " ، ثم ذكر أن الذي روى ذلك " الكلبي عن أبي صالح " . ووصف الحديث : 72 الذي رواه من طريقه ، بأنه " خبر في إسناده نظر " .
فكان عجبًا منه بعد هذا ، أن يحتج بهذه الروايات المتهافتة ، ويرضى هذا التأويل المستنكر ، بحساب الجمل! إذ يختار فيما سيأتي (هذه الصفحة سطر : 8 وما بعدها) ، أن هذه الأحرف تحوي سائر المعاني التي حكاها إلا قولا واحدًا غير هذا المعنى المنكر . بل هو يصرح بعد ذلك ص : 222 سطر : 8 أن من المعاني التي ارتضاها : أنهن " من حروف حساب الجمل " !!
وقد نقل السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور 1 : 22 ، و 2 : 4 - 5 ، ووصفه في الموضع الأول بالضعف . وكذلك نقله الشوكاني 1 : 20 ، وضعفه .
وقوله في آخره : " ويزعمون أن هؤلاء الآيات . . " - هو من تتمة الرواية . وهو من كلام ابن إسحاق حكاية عمن روى عنهم .

(1/217)


بذكر ما ذُكر منه في مفاتيح السور ، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفًا من حروف المعجم ، بتأويل : أن هذه الحروف ، ذلك الكتاب ، مجموعة ، لا ريب فيه - فإنه قول خطأ فاسدٌ ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين وَمن بَعدَهم من الخالفين منْ أهل التفسير والتأويل (1) . فكفى دلالة على خَطئة ، شهادةُ الحجة عليه بالخطأ ، مع إبطال قائل ذلك قولَه الذي حكيناه عنه - إذ صار إلى البيان عن رفع " ذلك الكتاب " - بقوله مرّة إنه مرفوعٌ كلّ واحد منهما بصاحبه ، ومرة أخرى أنه مرفوعٌ بالرّاجع من ذكره في قوله " لا ريب فيه " ومرة بقوله " هدى للمتقين " . وذلك تركٌ منه لقوله : إن " ألم " رافعةٌ " ذلك الكتاب " ، وخروجٌ من القول الذي ادّعاه في تأويل " ألم ذلك الكتاب " ، وأنّ تأويل ذلك : هذه الحروف ذلك الكتاب.
فإن قال لنا قائل : وكيفَ يجوز أن يكون حرفٌ واحدٌ شاملا الدلالةَ على معانٍ كثيرة مختلفة ؟
قيل : كما جاز أن تكون كلمة واحدةٌ تشتمل على معانٍ كثيرة مختلفةٍ ، كقولهم للجماعة من الناس : أمَّة ، وللحين من الزمان : أمَّة ، وللرجل المتعبِّد المطيع لله : أمّة ، وللدين والملة : أمّة. وكقولهم للجزاء والقصاص : دين ، وللسلطان والطاعة : دين ، وللتذلل : دين ، وللحساب : دِينٌ ، في أشباه لذلك كثيرةٍ يطول الكتاب بإحصائها - مما يكون من الكلام بلفظ واحد ، وهو مشتمل على معان كثيرة. وكذلك قول الله جل ثناؤه : " ألم " و " ألر " ، و " ألمص " وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور ، كل حرف منها دالّ على معانٍ شتى ، شاملٌ جميعُها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسِّرُون من الأقوال التي ذكرناها عنهم. وهنّ ، مع ذلك ، فواتح السور ، كما قاله من قال ذلك.
__________
(1) الخالفين جمع خالف . خلف قوم بعد قوم يخلفون خلفًا فهم خالفون : جاءوا بعدهم وتبعوهم على آثارهم . تقول : أنا خاِلفه وخاِلفته : أي جئت بعده .

(1/221)


وليسَ كونُ ذلك من حُروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته ، بمانعها أنْ تكون للسُّور فواتح. لأن الله جلّ ثناؤه قد افتتح كثيرًا من سوَر القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها ، وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها ، فغيرُ مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها.
فالتي ابتُدِئ أوائلُها بحُروف المعجم ، أحدُ مَعاني أوائلها : أنهنّ فواتحُ ما افتتَح بهنّ من سُور القرآن. وهنّ مما أقسم بهن ، لأن أحدَ معانيهن أنّهنّ من حروف أسماء الله تعالى ذكُره وصفاتِه ، على ما قدَّمنا البيان عنها ، ولا شك في صحة معنى القسَم بالله وأسمائه وصفاته. وهنّ من حروف حساب الجُمَّل. وهنّ للسُّور التي افتتحت بهنّ شعارٌ وأسماء. فذلك يحوى مَعانِيَ جميع ما وصفنا ، مما بيَّنا ، من وجوهه. لأن الله جلّ ثناؤه لو أراد بذلك ، أو بشيء منه ، الدلالةَ على معنًى واحد مما يحتمله ذلك (1) ، دون سائر المعاني غيره ، لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إبانةً غيرَ مشكلةٍ. إذْ كان جلّ ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه و سلم ليُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه. وفي تركه صلى الله عليه و سلم إبانةَ ذلك - أنه مرادٌ به من وُجوه تأويله البعضُ دون البعض - أوضحُ الدليل على أنه مُرادٌ به جميعُ وجوهه التي هو لها محتمل. إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجهٌ منها أن يكون من تأويله ومعناه ، كما كان غير مستحيل اجتماعُ المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة ، باللفظ الواحد ، في كلام واحد.
ومن أبىَ ما قلناه في ذلك ، سُئِل الفرقَ بين ذلك ، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد ، مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة ، كالأمّة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول في أحدٍ منْ ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
وكذلك يُسأل كلّ من تأوّل شيئًا من ذلك - على وجهٍ دُون الأوجه الأخَر
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " مما لا يحتمله ذلك " ، وهو محيل لمعناه .

(1/222)


التي وصفنا - عن البرهان على دَعْواه ، من الوَجه الذي يجبُ التسليم له. ثم يُعارَض بقول مُخالفه في ذلك ، ويسأل الفرقَ بينه وبينه : من أصْل ، أو مما يدل عليه أصْل. فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
وأما الذي زعم من النحويين : أنّ ذلك نظيرُ " بل " في قول المنشد شعرًا :
بل * ما هَاج أحزانًا وشجوًا قد شَجَا
وأنه لا معنى له ، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطَّرْح - فإنه أخطأ من وُجُوه شَتَّى (1)
أحدها : أنه وَصفَ الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هوَ من لغتها ، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين. إذْ كانت العرُب - وإن كانت قد كانتْ تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر بـ " بل " - فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئُ شيئًا من الكلام بـ " ألم " و " ألر " و " ألمص " ، بمعنى ابتدائها ذلك بـ " بل " . وإذْ كان ذلك ليس من ابتدائها - وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن ، بما يعرفون من لغاتهم ، ويستعملون بينهم من منطقهم ، في جميع آيه - فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم ، التي افتُتِحت بها أوائل السور ، التي هن لها فواتح ، سَبيلُ سائر القرآن ، في أنه لم يعدلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارفين ، ولها بينهم في منطقهم مستعملين. لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتِهم ومنطقهم ، كان خارجًا عن معنى الإبانة التي وصف الله عزّ وجل بها القرآن ، فقال تعالى ذكره : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) . وأنَّى يكون مُبينًا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين (2) ، في قول قائل هذه المقالة ، ولا يُعْرَف في منطق أحد من المخلوقين ، في قوله ؟ وفي إخبار الله جَلّ ثناؤه عنه أنه عربي مبين ، ما يُكذِّب هذه المقالة ، وينبئ عنه أنّ العربَ كانوا به
__________
(1) انظر ما مضى : 210 .
(2) في المطبوعة : " ما لا يعقله ولا يفقهه " .

(1/223)


عالمين ، وهو لها مُستبينٌ. فذلك أحدُ أوجه خطئه.
والوجه الثاني من خطئه في ذلك : إضافته إلى الله جلّ ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له ، من الكلام الذي سواءٌ الخطابُ فيه به وترك الخطاب به. وذلك إضافة العبث الذي هو منفيٌّ في قول جميع الموحِّدين عن الله - إلى الله تعالى ذكره.
والوجهُ الثالث من خطئه : أن " بل " في كلام العرب مفهومٌ تأويلها ومعناها ، وأنها تُدْخلها في كلامها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تَقضَّى كقولهم : ما جاءني أخوك بل أبوك ; وما رأيتُ عمرًا بل عبد الله ، وما أشبه ذلك من الكلام ، كما قال أعشى بني ثعلبة :
وَلأشْرَبَنَّ ثَمَانِيًا وثَمَانِيًا... وثَلاثَ عَشْرَةَ واثْنَتَينِ وأَرْبَعَا (1)
ومضى في كلمته حتى بلغ قوله :
بالجُلَّسَانِ ، وطَيِّبٌ أرْدَانُهُ... بِالوَنِّ يَضْرِبُ لِي يَكُرُّ الإصْبَعَا (2)
ثم قال :
بَلْ عَدِّ هذا ، فِي قَريضٍ غَيْرِهِ... وَاذكُرْ فَتًى سَمْحَ الخَلِيقةِ أَرْوَعَا
فكأنه قال : دَعْ هذا وخذ في قريض غيره. فـ " بل " إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام ، فأما افتتاحًا لكلامها مُبتدأ بمعنى التطوّل والحذف (3) ، من غير أن يدلّ على معنى ، فذلك مما لا نعلم أحدًا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها ، سوى الذي ذكرتُ قوله ، فيكون ذلك أصلا يشبَّه به حُرُوف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها - لو كانت له مُشبهةً - فكيف وهي من الشبه به بعيدة ؟
* * *
__________
(1) ديوان الأعشى ، زيادات : 248 ، باختلاف في الرواية . وانظر مراجعه هناك .
(2) الجلسان : قبة أو بيت ينثر فيه الورد والريحان للشرب . وقوله : " وطيب أردانه " يعني قينة تغنيهم وتعزف لهم ، طيبة الريح ، تضمخت وتزينت . والأردان جمع ردن (بضم فسكون) : وهو مقدم كم القميص . والون : صنج يضرب بالأصابع . وقوله " يكر " أي يرد إصبعه مرة بعد مرة في ضربه بالصنج ، وأراد به سرعة حركة أصابعها بالصنج . وفي المطبوعة " يكد " بالدال ، وهو خطأ .
(3) انظر ما مضى : 18 تعليق : 2 ، وعنى بالتطول : الزيادة .

(1/224)


ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

القول في تأويل قوله جَل ثناؤه : { ذَلِكَ الْكِتَابُ } .
قال عامّة المفسرين : تأويل قول الله تعالى( ذلك الكتاب ) : هذا الكتاب.
* ذكر من قال ذلك :
247 - حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفيّ ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " ذلك الكتاب " قال : هو هذا الكتاب.
248 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَية ، قال : أخبرنا خالد الحذّاء ، عن عكرمة ، قال : " ذلك الكتاب " : هذا الكتاب.
249 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا الحَكَم بن ظُهَير ، عن السُّدِّي ، في قوله " ذلك الكتاب " قال : هذا الكتاب (1) .
250 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود. قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قوله : " ذلك الكتاب " : هذا الكتاب. قال : قال ابن عباس : " ذلك الكتاب " : هذا الكتاب (2) .
فإن قال قائل : وكيف يجوزُ أن يكون " ذلك " بمعنى " هذا " ؟ و " هذا " لا شكّ إشارة إلى حاضر مُعايَن ، و " ذلك " إشارة إلى غائب غير حاضر ولا مُعايَن ؟
__________
(1) الأثر 249 - الحكم بن ظهير - بضم الظاء المعجمة - الفزاري ، أبو محمد بن أبي ليلى الكوفي : ضعيف جدًا ، رمى بوضع الحديث . قال البخاري في الكبير 1/2/ 342 - 343 : " تركوه منكر الحديث " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح 1/2/ 118 - 119 عن أبي زرعة : " واهي الحديث " . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم 239 : " كان يشتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، يروى عن الثقات الأشياء الموضوعات " .
(2) هذه الآثار جميعًا 247 - 250 ذكرها ابن كثير في تفسيره 1 : 70 ، والدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 21 .

(1/225)


قيل : جاز ذلك ، لأن كل ما تَقضَّى ، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار (1) ، فهو - وإن صار بمعنى غير الحاضر - فكالحاضر عند المخاطب. وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع : " إن ذلك والله لكما قلت " ، و " هذا والله كما قلت " ، و " هو والله كما ذكرت " ، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب ، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى ، ومرة بمعنى الحاضر ، لقُرْب جوابه من كلام مخبره ، كأنه غير مُنْقَضٍ. فكذلك " ذلك " في قوله(ذلك الكتاب) لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ " ذلك الكتاب " " ألم " ، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا ، قال لنبيه صلى الله عليه و سلم : يا محمد ، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك ، الكتابُ. ولذلكَ حسن وضع " ذلك " في مكان " هذا " ، لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله " ألم " من المعاني ، بعد تقضّي الخبر عنه بـ " ألم " ، فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه ، كالحاضر المشار إليه ، فأخبر به بـ " ذلك " لانقضائه ، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب ، وترجمهُ المفسِّرون (2) : أنه بمعنى " هذا " ، لقرب الخبر عنه من انقضائه ، فكانَ كالمشاهَد المشار إليه بـ " هذا " ، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم ، وكما قال جل ذكره : ( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ ) [سورة ص : 48 ، 49] فهذا ما في " ذلك " إذا عنى بها " هذا " .
وقد يحتمل قوله جل ذكره(ذلك الكتاب) أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة ، فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنزلتها إليك ، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه. ثم ترجمه المفسرون (3) بأن معنى " ذلك " " هذا الكتاب " ،
__________
(1) في المطبوعة " وقرب تقضيه " . يريد : أن ذكر ما انقضى ، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه .
(2) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف . انظر ما مضى 70 تعليق 1/93 : 4/ ومواضع أخر .
(3) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف . انظر ما مضى 70 تعليق 1/93 : 4/ ومواضع أخر .

(1/226)


إذْ كانت تلك السُّور التي نزلت قبل سورة البقرة ، من جملة جميع كتابنا هذا ، الذي أنزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.
وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون ، لأنّ ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في " ذلك " .
وقد وَجَّه معنى " ذلك " بعضُهم ، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ :
فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا (1) أقولُ له ، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ : ... تأمَّل خُفاَفًا ، إنني أنا ذلِكَا (2)
كأنه أراد : تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا " ، نظيرُه (3) . أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب ، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر " ذلك " بمعنى الخبر عن الغائب (4) ، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد.
والقول الأول أولى بتأويل الكتاب ، لما ذكرنا من العلل.
وقد قال بعضهم : (ذلك الكتاب) ، يعني به التوراة والإنجيل ، وإذا وُجّه
__________
(1) الأغاني 2 : 329/ 13 : 134 ، 135/16 : 134 ، والخزانة 2 : 470 ، وغيرهما ، ويأتي في الطبري 1 : 314 ، 437 . يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء . ومالك ، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري . والخيل هنا : هم فرسان الغارة ، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة . والصميم : الخالص المحض من كل شيء . وأراد معاوية ومقتله يومئذ . ويقال : " فعلت هذا الأمر عمد عين ، وعمدًا على عين " ، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين . وتيمم : قصد وأمَّ .
(2) " أقول له " ، يعني لمالك بن حِمَار . وأطر الشيء يأطره أطرًا : هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه . وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها ، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله . وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب ، كأنه قال : " أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه " . وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري .
(3) في المطبوعة : " كأنه أراد : تأملني أنا ذلك ، فرأى أن " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا " نظير ما أظهر خفاف من اسمه . . . " ، وهو تغيير لا خبر فيه .
(4) في المطبوعة : " فلذلك أظهر ذلك . . " .

(1/227)


تأويل " ذلك " إلى هذا الوجه ، فلا مؤونة فيه على متأوِّله كذلك ، لأن " ذلك " يكون حينئذ إخبارًا عن غائب على صحة.
* * *
القول في تأويل قوله : { لا رَيْبَ فِيهِ } .
وتأويل قوله : " لا ريب فيه " " لا شك فيه " . كما : -
251 - حدثني هارون بن إدريس الأصم ، قال : حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ابن جُريج ، عن مجاهد : لا ريب فيه ، قال : لا شك فيه.
252 - حدثني سَلام بن سالم الخزاعي ، قال : حدثنا خَلَف بن ياسين الكوفي ، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، عن عطاء ، " لا ريب فيه " : قال : لا شك فيه (1) .
253 - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا الحَكم بن ظُهَير ، عن السُّدِّيّ ، قال : " لا ريب فيه " ، لا شك فيه.
254 - حدثني موسى بن هارون الهَمْداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : " لا ريب فيه " ، لا شك فيه.
255 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ،
__________
(1) الأثر 252 - سلام ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة إلا في تاريخ بغداد 9 : 198 قال : " سلام بن سالم أبو مالك الخزاعي الضرير : حدث عن يزيد بن هارون ، وعمر بن سعيد التنوخي ، وموسى بن إبراهيم المروزي ، والفضل بن جبير الوراق . روى عنه الحسين بن إسماعيل المحاملي " . ليس غير . وأما شيخ سلام في هذا الإسناد " خلف بن ياسين الكوفي " : فلم أجد إلا ترجمة في الميزان 1 : 211 ولسان الميزان 2 : 405 لراو اسمه " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات " ، وهو رجل سخيف كذاب ، لا يشتغل به . لا أدري أهو هذا أم غيره ؟

(1/228)


عن ابن عباس : " لا ريبَ فيه " ، قال : لا شكّ فيه.
256 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : " لا ريب فيه " ، يقول : لا شك فيه.
257 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة : " لا ريب فيه " ، يقول : لا شك فيه.
258 - حُدِّثت عن عَمّار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : قوله " لا ريب فيه " ، يقول : لا شك فيه (1) .
وهو مصدر من قول القائل : رابني الشيء يَريبني رَيبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ :
فقالوا : تَرَكْنَا الحَيَّ قد حَصِرُوا به ، ... فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثَمَّ لَحِيمُ (2)
ويروى : " حَصَرُوا " و " حَصِرُوا " والفتحُ أكثر ، والكسر جائز. يعني بقوله " حصروا به " : أطافوا به. ويعني بقوله " لا ريب " . لا شك فيه. وبقوله " أن قد كان ثَمَّ لَحِيم " ، يعني قتيلا يقال : قد لُحِم ، إذا قُتل.
والهاء التي في " فيه " عائدة على الكتاب ، كأنه قال : لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هُدًى للمتقين.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { هُدًى }
259 - حدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا
__________
(1) هذه الآثار جميعًا 251 - 258 ساقها ابن كثير 1 : 71 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 . وقال ابن كثير بعد سياقتها : " قال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافًا " .
(2) ديوان الهذليين 1 : 232 ، واللسان (حصر) .

(1/229)


سفيان ، عن بَيَان ، عن الشعبي ، " هُدًى " قال : هُدًى من الضلالة (1) .
260 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل السُّدّي ، في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مُرة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ، " هدى للمتقين " ، يقول : نور للمتقين (2) .
والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك : هديتُ فلانًا الطريق - إذا أرشدتَه إليه ، ودللَته عليه ، وبينتَه له - أهديه هُدًى وهداية.
فإن قال لنا قائل : أوَ ما كتابُ الله نورًا إلا للمتّقين ، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين ؟ قيل : ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجل. ولو كان نورًا لغير المتقين ، ورشادًا لغير المؤمنين ، لم يخصُصِ الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدًى ، بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين. ولكنه هدًى للمتقين ، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين ، وَوَقْرٌ في آذان المكذبين ، وعمىً لأبصار الجاحدين ، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين. فالمؤمن به مُهتدٍ ، والكافر به محجوجٌ (3) .
وقوله " هدى " يحتمل أوجهًا من المعاني :
أحدُها : أن يكون نصبًا ، لمعنى القطع من الكتاب ، لأنه نكرة والكتاب معرفة (4) . فيكون التأويل حينئذ : ألم ذلك الكتاب هاديًا للمتقين. و " ذلك " مرفوع بـ " ألم " ، و " ألم " به ، والكتابُ نعت لـ " ذلك " .
وقد يحتمل أن يكون نصبًا ، على القطع من رَاجع ذكر الكتاب الذي في
__________
(1) الأثر 59 - بيان ، بفتح الباء الموحدة والياء التحتية المخففة : هو ابن بشر الأحمسي ، ثقة من الثقات ، كما قال أحمد . وسفيان ، الراوي عنه : هو الثوري . وهذا الأثر نقله السيوطي 1 : 24 ، ونسبه لوكيع والطبري .
(2) الخبر 260 - نقله ابن كثير 1 : 71 ، ونقله السيوطي 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 مع الخبر الآتي 263 ، جعلاه خبرًا واحدًا ، وذكراه عن ابن مسعود فقط .
(3) حجه يحجه فهو محجوج : غلبه بالحجة فهو مغلوب .
(4) يريد بقوله " لمعنى القطع " ، أن يقطع عن نعت الكتاب ، ويصير حالا .

(1/230)


" فيه " ، فيكونُ معنى ذلك حينئذ : ألم الذي لا ريب فيه هاديًا.
وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين ، أعني على وجه القطع من الهاء التي في " فيه " ، ومن " الكتاب " ، على أن " ألم " كلام تام ، كما قال ابن عباس إنّ معناه : أنا الله أعلم. ثم يكون " ذلك الكتاب " خبرًا مستأنفًا ، فيرفع حينئذ " الكتاب " بـ " ذلك " ، و " ذلك " بـ " الكتاب " ، ويكون " هُدًى " قطعًا من " الكتاب " ، وعلى أن يرفع " ذلك " بالهاء العائدة عليه التي في " فيه " ، و " الكتاب " نعتٌ له ؛ والهدى قطع من الهاء التي في " فيه " . وإن جُعِل الهدى في موضع رفع ، لم يجز أن يكون " ذلك الكتاب " إلا خبرًا مستأنفًا ، و " ألم " كلاما تامًّا مكتفيًا بنفسه ، إلا من وجه واحد ، وهو أن يُرفع حينئذ " هُدًى " بمعنى المدح ، كما قال الله جل وعز : ( ألم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ ) [سورة لقمان : 1 - 3] في قراءة من قرأ " رحمةٌ " . بالرفع ، على المدح للآيات.
والرفع في " هدى " حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه : أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ. والآخر : على أن يُجعل مُرافعَ " ذلك " ، و " الكتاب " نعتٌ " لذلك " . والثالث : أن يُجعل تابعًا لموضع " لا ريب فيه " ، ويكون " ذلك الكتاب " مرفوعًا بالعائد في " فيه " . فيكون كما قال تعالى ذكره : ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ) [سورة الأنعام : 92].
وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين ، أنّ " ألم " مرافعُ " ذلك الكتاب " بمعنى : هذه الحروف من حروف المعجم ، ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك (1) . ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه ، وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه ، فزعم أن الرفع في " هُدًى " من وجهين ، والنصبَ من وجهين. وأنّ أحد وَجهي الرفع : أن يكون " الكتابُ " نعتًا لِـ " ذلك " و " الهدى " في موضع رفعٍ خبرٌ لِـ " ذلك " .
__________
(1) يعني بصاحب هذا القول ، الفراء في كتابه معاني القرآن 1 : 10 .

(1/231)


كأنك قلت : ذلك هدًى لا شكّ فيه (1) . قال : وإن جعلتَ " لا ريب فيه " خبرَه ، رفعتَ أيضًا " هدى " ، بجعله تابعًا لموضع " لا ريب فيه " ، كما قال الله جل ثناؤه : ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ) ، كأنه قال : وهذا كتابٌ هُدًى من صفته كذا وكذا. قال : وأما أحدُ وجهي النَّصْب فأن تَجعَل الكتاب خبرًا لـ " ذلك " ، وتنصبَ " هدى " على القطع ، لأن " هدى " نكرة اتصلت بمعرفة ، وقد تمّ خبرُها فنصبْتَها (2) لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت " هدى " على القطع من الهاء التي في " فيه " كأنك قلت : لا شك فيه هاديًا (3) .
قال أبو جعفر : فترك الأصل الذي أصَّله في " ألم " وأنها مرفوعة بـ " ذلك الكتاب " ، ونبذه وراء ظهره. واللازم كان له على الأصل الذي أصَّله ، أن لا يجيز الرَّفع في " هدى " بحالٍ إلا من وَجْه واحدٍ ، وذلك من قِبَلِ الاستئناف ، إذ كان مَدْحًا. فأما على وجه الخبر " لذلك " ، أو على وجه الإتباع لموضع " لا ريب فيه " ، فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ. وذلك أن " ألم " إذا رافعت " ذلك الكتاب " ، فلا شك أن " هدى " غيرُ جائز حينئذٍ أن يكون خبرًا " لذلك " ، بمعنى المرافع له ، أو تابعًا لموضع " لا ريب فيه " ، لأن موضعه حينئذ نصبٌ ، لتمام الخبر قبلَه ، وانقطاعه - بمخالفته إيّاه - عنه.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { لِلْمُتَّقِينَ (2) }
261 - حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن الحسن ، قوله : " للمتقين " قال : اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم ، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم.
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة " ذلك لا شك فيه " ، والتصحيح من معاني القرآن للفراء 1 : 11 .
(2) في المطبوعة " فتنصبها " ، والتصحيح من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 11 - 12 .

(1/232)


262 - حدثنا محمد بن حُميد ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " للمتقين " ، أي الذين يحذَرُون من الله عز وجل عقوبتَه في تَرْك ما يعرفون من الهُدى ، ويرجون رحمَته بالتَّصديق بما جاء به.
263 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : " هدًى للمتقين " ، قال : هم المؤمنون.
264 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا أبو بكر بن عيّاش ، قال : سألني الأعمش عن " المتقين " ، قال : فأجبتُه ، فقال لي : سئل عنها الكَلْبَيّ. فسألتُه ، فقال : الذين يَجتنِبُون كبائِرَ الإثم. قال : فرجَعْت إلى الأعمش ، فقال : نُرَى أنه كذلك. ولم ينكره.
265 - حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، قال حدثنا عمر أبو حفص ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة : " هدى للمتقين " ، هم مَنْ نعتَهم ووصفَهم فأثبت صفتهم ، فقال : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) .
266 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، عن أبي رَوق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " للمتقين " قال : المؤمنين الذين يتَّقُون الشِّرك بي ، ويعملون بطاعتي (1) .
وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه(هدى للمتقين) ، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه ، فتجنبوا
__________
(1) الآثار 261 - 266 ساقها جميعًا ابن كثير في تفسيره 1 : 71 - 72 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 .

(1/233)


الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

معاصِيَه ، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه ، فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وصَفهم بالتقوَى ، فلم يحصُرْ تقواهم إياه على بعضِ ما هو أهلٌ له منهم دون بعض (1) . فليس لأحد من الناس أن يحصُر معنى ذلك ، على وَصْفهم بشيء من تَقوى الله عز وجل دون شيء ، إلا بحجة يجبُ التسليمُ لها. لأن ذلك من صفة القوم - لو كان محصورًا على خاصّ من معاني التقوى دون العامّ منها - لم يدعِ الله جل ثناؤه بيانَ ذلك لعباده : إما في كتابه ، وإما على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم ، إذْ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التقوى.
فقد تبيّن إذًا بذلك فسادُ قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو : الذين اتَّقَوُا الشرك وبرئوا من النِّفاق. لأنه قد يكون كذلك ، وهو فاسقٌ غيرُ مستَحِق أن يكون من المتقين ، إلا أن يكون - عند قائل هذا القول - معنى النفاق : ركوبُ الفواحش التي حَرَّمها الله جل ثناؤه ، وتضييعُ فرائضه التي فرضها عليه. فإن جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمِّي من كان يفعل ذلك منافقًا. فيكون - وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم - مصيبًا تأويلَ قول الله عز وجل " للمتقين " .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ }
267 - حدثنا محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " الذين يؤمنون " ، قال : يصدِّقون.
268 - حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي ، قال : حدثنا أبو صالح ،
__________
(1) في المطبوعة : " وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم " ، ولا فائدة من زيادة " إنما " . ثم جاء في المخطوطة والمطبوعة : " فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض " ؛ وهو كلام مختلط ، وصوابه ما أثبته ، وهو معنى الكلام كما ترى بعد .

(1/234)


قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يؤمنون " : يصدِّقون (1) .
269 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " يؤمنون " : يخشَوْنَ.
270 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن مَعْمَر ، قال : قال الزهري : الإيمانُ العملُ (2) .
271 - حُدِّثْتُ عن عمّار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن العلاء بن المسيَّب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : الإيمان : التَّصْديق (3) .
ومعنى الإيمان عند العرب : التصديق ، فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولا مؤمنًا به ، ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله ، مؤمنًا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه : ( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) [سورة يوسف : 17] ، يعني : وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا. وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان ، الذي هو تصديق القولِ بالعمل. والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرارَ بالله وكتُبه ورسلِه ، وتصديقَ الإقرار بالفعل. وإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بتأويل الآيةِ ، وأشبه بصفة القوم : أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغَيْبِ قولا واعتقادًا وعملا إذ كان جلّ ثناؤه لم يحصُرْهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى ، بل أجمل وصْفهم به ، من غير خُصوصِ شيء من معانيه أخرجَهُ من صفتهم بخبرٍ ولا عقلٍ.
* * *
__________
(1) الأثر 267 - سيأتي باقيه بهذا الإسناد : 272 . ونقلهما ابن كثير 1 : 73 مفرقين . ونقل 268 مع أولهما . ونقل السيوطي 1 : 25 الثلاثة مجتمعة .
(2) الأثران 269 - 270 : ذكرهما ابن كثير 1 : 73
(3) الخبر 271 - عبد الله : هو ابن مسعود . وقد نقل ابن كثير هذا الخبر وحده 1 : 73 ، ثم نقل الخبر الآتي 273 وحده . وفصل إسناد كل واحد منهما . أما السيوطي 1 : 25 فقد جمع اللفظين دون بيان ، وأدخل معهما لفظ الخبر 277! وهو تصرف غير سديد ، لاختلاف الإسنادين أولا ، ولأن 273 ، 277 ليسا عن ابن مسعود وحده ، كما ترى .

(1/235)


القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : { بِالْغَيْبِ }
272 - حدثنا محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " بالغيب " ، قال : بما جاء منه ، يعني : من الله جل ثناؤه.
273 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، " بالغيب " : أما الغيْبُ فما غابَ عن العباد من أمر الجنة وأمرِ النار ، وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن. لم يكن تصديقهُم بذلك - يعني المؤمنين من العرب - من قِبَل أصْل كتابٍ أو عِلْم كان عندَهم.
274 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزّبيري ، قال : حدثنا سفيان ، عن عاصم ، عن زرٍّ ، قال : الغيبُ القرآن (1) .
275 - حدثنا بشر بن مُعَاذ العَقَدي ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة في قوله " الذين يُؤمنون بالغيب " ، قال : آمنوا بالجنّة والنار ، والبَعْث بعدَ الموت ، وبيوم القيامة ، وكلُّ هذا غيبٌ (2) .
276 - حُدِّثت عن عمّار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ،
__________
(1) الأثر 274 - سفيان : هو الثوري ، عاصم : هو ابن أبي النجود - بفتح النون - القارئ . زر ، بكسر الزاي وتشديد الراء : هو ابن حبيش ، بضم الحاء . وهو تابعي كبير إمام . وهذا الأثر عند ابن كثير 1 : 73 - 74 .
(2) الأثر 275 - ذكره ابن كثير والسيوطي أيضًا .

(1/236)


عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، " الذين يؤمنون بالغيب " : آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر ، وجَنّته وناره ولقائه ، وآمنوا بالحياة بعد الموت. فهذا كله غيبٌ (1) .
وأصل الغيب : كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ. وهو من قولك : غاب فُلان يغيبُ غيبًا.
وقد اختلفَ أهلُ التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم ، وفي نَعْتهم وصِفَتهم التي وَصفَهم بها ، من إيمانهم بالغيب ، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيرَه.
فقال بعضُهم : هم مؤمنو العربِ خاصة ، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب.
واستدَلُّوا على صحّة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم ، بالآية التي تتلو هاتين الآيتين ، وهو قول الله عز وجل : ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) . قالوا : فلم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجلّ على محمد صلى الله عليه وسلم ، تدينُ بتصديقِه والإقرار والعملِ به. وإنما كان الكتابُ لأهل الكتابين غيرِها. قالوا : فلما قصّ الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله - بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب - علمنا أن كلَّ صِنفٍ منهم غيرُ الصنف الآخر ، وأن المؤمنين بالغيب نوعٌ غيرُ النوع المصدِّق بالكتابين اللذين أحدهما مُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والآخرُ منهما على مَنْ قَبْلَ رسول الله (2) .
__________
(1) الأثر 276 - ذكره ابن كثير 1 : 73 هكذا : " قال أبو جعفر الرازي عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية . . . " . وذكره السيوطي 1 : 25 هكذا : " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية . . " . فأخشى أن يكون ذكر " عن أبي العالية " سقط من الإسناد من نسخ الطبري ، لثبوته عند هذين الناقلين عنه .
(2) في المخطوطة : " والآخر منهما على من قبله رسول الله " ، والظاهر أن صوابها : " على من قبل رسول الله " ، كما أثبتناها . وأما المطبوعة ففيها : " على من قبله من رسل الله تعالى ذكره " .

(1/237)


قالوا : وإذْ كان ذلك كذلك ، صحَّ ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار ، والثَّواب والعقاب والبعث ، والتصديقِ بالله ومَلائكته وكُتُبه ورسله ، وجميع ما كانت العرب لا تدينُ به في جاهليِّتها ، مما أوجب الله جل ثناؤه على عِبَاده الدَّيْنُونة به - دون غيرهم.
* ذكر من قال ذلك :
277 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حمّاد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : أما( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، فهم المؤمنون من العرب ، ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ). أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار ، وما ذكر الله في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم.( و الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (1) .
وقال بعضهم : بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة ، لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها ، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه و سلم على ذلك منهم في تنزيله ، أنه من عند الله جل وعز ، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها ، لما استقر عندهم - بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه ، من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم - أن جميع ذلك من عند الله.
__________
(1) الخبر 277 - سبق أوله بهذا الإسناد : 273 . ولم يذكره ابن كثير بهذا اللفظ المطول . وقد مضى في شرح 271 أن السيوطي جمع الألفاظ الثلاثة : 271 ، 273 ، 277 في سياقة واحدة!

(1/238)


وقال بعضهم : بل الآيات الأربع من أول هذه السورة ، أنزلت على محمد صلى الله عليه و سلم بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم ، وأهل الكتابين وسواهم (1) . وإنما هذه صفة صنف من الناس ، والمؤمن بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم ، وما أنزل من قبله ، هو المؤمن بالغيب.
قالوا : وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله ، بعد تقضي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب ، لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب ، كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه الإيمان بها ، مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت ، دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل ومن الكتب.
قالوا : فلما كان معنى قوله تعالى ذكره : ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ ) غير موجود في قوله( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) - كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفوهم ، نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب ، ليعلموا ما يرضى الله من أفعال عباده ويحبه من صفاتهم ، فيكونوا به - إن وفقهم له ربهم - [مؤمنين] (2) .
* ذكر من قال ذلك :
278 - حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون المكي ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة " وأهل الكتابين سواهم " ، والصواب أن يقال " وسواهم " . فقد ذكر الطبري ثلاثة أقوال : أما الأول : فهو أن المعنى به العرب خاصة ، والثاني : أن المعنى به أهل الكتاب خاصة ، فيكون الثالث : أن يعني به الصنفين جميعا وسواهم من الناس .
(2) هذه الزيادة بين القوسين واجبة لتمام المعنى . وليست في المطبوعة ولا المخطوطة .

(1/239)


وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين (1) .
279 - حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، بمثله (2) .
280 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا موسى بن مسعود ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثله (3) .
281 - حُدِّثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : أربعُ آياتٍ من فاتحة هذه السورة - يعني سورة البقرة - في الذين آمنوا ، وآيتان في قادة الأحزاب.
وأولى القولين عندي بالصواب ، وأشبههما بتأويل الكتاب ، القولُ الأول ، وهو : أنّ الذين وَصَفهم الله تعالى ذِكره بالإيمان بالغيب ، وبما وصفهم به جَلَّ ثناؤه في الآيتين الأوَّلتَيْن (4) ، غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنزِل على محمد والذي أنزل على مَنْ قبله من الرسل ، لما ذكرت من العلل قبلُ لمن قال ذلك.
ومما يدلّ أيضًا مع ذلك على صحّة هذا القول ، أنه جنَّسَ - بعد وصف المؤمنين بالصِّفتين اللتين وَصَف ، وبعد تصنيفه كلَّ صنف منهما على ما صنَّف الكفار -
__________
(1) الأثر 278 - أبو عاصم : هو النبيل ، الحافظ الكبير . عيسى بن ميمون المكي : هو المعروف بابن داية ، قال ابن عيينة : " كان قارئًا للقرآن . قرأ على ابن كثير " . وثقه أبو حاتم وغيره .
(2) الأثر 279 - هذا إسناد ضعيف ، بضعف سفيان بن وكيع ، ولإبهام الرجل الذي روى عنه سفيان الثوري . ولكن الأثر موصول بالإسنادين اللذين قبله وبعده .
(3) الأثر 280 - موسى بن مسعود : هو أبو حذيفة النهدي ، وهو ثقة ، روى عنه البخاري في صحيحه ، ووثقه ابن سعد والعجلي . وترجمه البخاري في الكبير 4/1/ 295 . شبل : هو ابن عباد المكي القارئ ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما .
وهذا الأثر ، بأسانيده الثلاثة ، ذكره ابن كثير 1 : 80 دون تفصيلها ، قال : " والظاهر قول مجاهد - فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد ، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، أنه قال . . . " .
(4) الأولة : الأولى ، وليست خطأ .

(1/240)


جنْسَيْن (1) فجعل أحدهما مطبوعًا على قلبه ، مختومًا عليه ، مأيوسًا من إيابه (2) والآخرَ منافقًا ، يُرائي بإظهار الإيمان في الظاهر ، ويستسرُّ النفاق في الباطن. فصيَّر الكفار جنسَيْن ، كما صيَّر المؤمنين في أول السورة جِنْسين. ثم عرّف عباده نَعْتَ كلِّ صنف منهم وصِفَتَهم ، وما أعدَّ لكلّ فريق منهم من ثواب أو عقاب ، وَذمّ أهل الذَّم منهم ، وشكرَ سَعْيَ أهل الطاعة منهم.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَيُقِيمُونَ }
وإقامتها : أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليه. كما يقال : أقام القومُ سُوقَهم ، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها ، وكما قال الشاعر :
أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا (3)
282 - وكما حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، " ويقيمون الصلاة " ، قال : الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها.
283 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، " ويقيمون الصلاة " قال : إقامة
__________
(1) سياقه : " جنَّس . . . جنسين " ، وما بينهما فصل ، وجنس الشيء : جعله أجناسًا ، كصنفه أصنافًا .
(2) في المطبوعة : " إيمانه " ، وهي صحيحة المعنى أيضًا . والإياب : الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة . ومنه قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ }
(3) في المطبوعة " فحاسوا " ، وفي المخطوطة " مجآمرا " . وخام في الحرب عن قرنه بخيم خيمًا : جبن ونكص وانكسر . ولم أعرف قائل البيت .

(1/241)


الصلاة تمامُ الرُّكوع والسُّجود ، والتِّلاوةُ والخشوعُ ، والإقبالُ عليها فيها (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الصَّلاةَ }
284 - حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا جُوَيْبر ، عن الضحاك في قوله : " الذين يقيمون الصلاة " : يعني الصلاة المفروضة (2) .
وأما الصلاةُ فإنها في كلام العرب الدُّعاءُ ، كما قال الأعشى :
لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا... وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا (3)
يعني بذلك : دعا لها ، وكقول الأعشى أيضًا (4) .
وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا... وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
__________
(1) الخبران 282 ، 283 - في تفسير ابن كثير 1 : 77 ، والدر المنثور 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 .
(2) الأثر 284 - إسناده ضعيف جدًّا . يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان : قال الذهبي : " محدث مشهور . . . وثقه الدارقطني وغيره . . . والدارقطني من أخبر الناس به " . مات سنة 275 عن 95 سنة . يزيد : هو ابن هارون ، أحد الحفاظ الأعلام المشاهير ، من شيوخ الأئمة أحمد وابن معين وابن راهويه وابن المديني . جويبر - بالتصغير : هو ابن سعيد الأزدي البلخي ، ضعيف جدًّا ، ضعفه يحيى القطان ، فيما روى عنه البخاري في الكبير 1/2/ 256 ، والصغير : 176 ، وقال النسائي في الضعفاء : 8 " متروك الحديث " ، وفي التهذيب 2 : 124 " قال أبو قدامة السرخسي : قال يحيى القطان : تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث . ثم ذكر الضحاك وجويبرًا ومحمد بن السائب . وقال : هؤلاء لا يحتمل حديثهم ، ويكتب التفسير عنهم " .
(3) ديوانه : 200 ، يذكر الخمر في دنها . وزمزم العلج من الفرس : إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم . وفعلهم ذلك هو الزمزمة . " ذبحت " أي بزلت وأزيل ختمها . وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة ، فيخسر .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " وكقول الآخر أيضًا " ، والصواب أنه الأعشى ، وسبق قلم الناسخ .

(1/242)


(1)
وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت " صلاة " ، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله ، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته ، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) }
اختلف المفسرون في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بما : -
285 - حدثنا به ابن حُميد ، قال : حدثنا سَلَمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، " ومما رزقناهم ينفقون " ، قال : يؤتون الزكاة احتسابًا بها.
286 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، " ومما رزقناهم ينفقون " ، قال : زكاةَ أموالهم (2) .
287 - حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا جُوَيْبر ، عن الضحاك ، " ومما رزقناهم يُنفقون " ، قال : كانت النفقات قُرُبات يتقرَّبون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجُهْدهم ، حتى نَزَلت فرائضُ الصدقات : سبعُ آيات في سورة براءَة ، مما يذكر فيهنّ الصدقات ، هنّ المُثْبَتات الناسخات (3) .
وقال بعضهم بما : -
288 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّي في خبر ذَكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب
__________
(1) ديوان الأعشى : 29 . وقوله " وقابلها الريح " أي جعلها قبالة مهب الريح ، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها . ويروى : " فأقبلها الريح " وهو مثله . وارتسم الرجل : كبر ودعا وتعوذ ، مخافة أن يجدها قد فسدت ، فتبور تجارته .
(2) الخبر 286 - في المخطوطة " ابن المثنى " ، وهو خطأ . والخبر ذكره ابن كثير 1 : 77 .
(3) الأثر 287 - ذكره ابن كثير 1 : 77 ، والسيوطي 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 . وقوله " المثبتات " : بفتح الباء ، أي التي أثبت حكمها ولم ينسخ ، ويجوز كسرها ، بمعنى أنها أثبتت الفريضة بعد نسخها ما سبقها في النزول . وبدلها عند السيوطي والشوكاني " الناسخات المبينات " . وليس بشيء

(1/243)


وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

النبي صلى الله عليه وسلم ، " ومما رَزقناهم ينفقون " : هي َنفقَةُ الرّجل على أهله. وهذا قبل أن تنزِل الزكاة (1) .
وأوْلى التأويلات بالآية وأحقُّها بصفة القوم : أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم ، مُؤدِّين ، زكاةً كان ذلك أو نفَقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه ، من أهل وعيال وغيرهم ، ممن تجب عليهم نَفَقتُه بالقرابة والمِلك وغير ذلك. لأن الله جل ثناؤه عَمّ وصفهم إذْ وصَفهم بالإنفاق مما رزقهم ، فمدحهم بذلك من صفتهم. فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم ، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ }
قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت ، وأي أجناس الناس هم (2) . غير أنَّا نذكر ما رُوي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قولٌ :
289 - فحدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، " والذين يؤمنون بما أنزِل إليك وما أنزل من قبلك " : أي يصدِّقونك
__________
(1) الخبر 288 - نقله ابن كثير أيضًا . ونقله السيوطي مختصرًا ، وجعله من كلام ابن مسعود وحده . وقلده الشوكاني دون بحث .
(2) انظر 237 - 241 .

(1/244)


بما جئت به من الله جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين ، لا يفرِّقون بينهم ، ولا يجْحَدون ما جاءوهم به من عند ربهم (1) .
290 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون " : هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (2) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) }
قال أبو جعفر : أما الآخرةُ فإنها صفة للدار ، كما قال جل ثناؤه( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) [سورة العنكبوت : 64]. وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها ، كما تقول للرجل : " أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى ، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة " ، وإنما صارت آخرة للأولى ، لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة ، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها ، فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق ، كما سميت الدنيا " دنيا " لِدُنُوِّها من الخلق.
__________
(1) الخبر 289 - ذكره ابن كثير 1 : 79 مع باقيه الآتي : 291 . وذكره السيوطي 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 بزيادة أخرى على الروايتين ، منسوبًا لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم .
(2) الخبر 290 - وهذا ذكره ابن كثير أيضًا ، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه . وقلده الشوكاني .
وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصه
سمع أحمد ومحمد والحسن ، بنو عبد الله بن أحمد الفرغاني جميعه .
سمع محمد بن محمد الطرسوسي والحسن بنو محمد بن عبدان ، والحسن بن إبراهيم الحناس جميعه . والحمد لله كثيرًا .

(1/245)


وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنزل إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة ، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين : من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان ، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة. كما : -
291 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، ( وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) : أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان ، أي ، لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ، ويكفرون بما جاءك من ربك (1) .
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها - وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين - تعريض من الله عز وجل بذم كفار أهل الكتاب ، الذين زعموا أنهم - بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه - مصدقون ، وهم بمحمد صلى الله عليه مكذبون ، ولما جاء به من التنزيل جاحدون ، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون ، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله : ( ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ). وأخبر جل ثناؤه عباده : أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصة ، دون من كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل
__________
(1) الخبر 291 - هو تتمة الخبر السابق 289 وقد أشرنا إليه هناك .

(1/246)


أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

وبما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه وإلى من قبله من الرسل - بقوله : ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم ، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ }
اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله جل ثناؤه بقوله : " أولئك على هدى من ربهم " : فقال بعضهم : عنى بذلك أهل الصفتين المتقدمتين ، أعني : المؤمنين بالغيب من العرب ، والمؤمنين بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من قبله من الرسل. وإياهم جميعا وصف بأنهم على هدى منه ، وأنهم هم المفلحون.
* ذكر من قال ذلك من أهل التأويل :
292 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أما " الذين يؤمنون بالغيب " ، فهم المؤمنون من العرب ، " والذين يؤمنون بما أنزل إليك " ، المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال : " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " (1) .
وقال بعضهم : بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، وهم الذين يؤمنون
__________
(1) الخبر 292 - نقله ابن كثير 1 : 81 ، والشوكاني 1 : 26 . ونقله السيوطي 1 : 25 مطولا ، جمع معه الأخبار الماضية : 273 ، 277 ، 281 ، جعلها سياقا واحدا ، عن ابن مسعود وحده ، ونسبه للطبري .

(1/247)


بما أنزل إلى محمد ، وبما أنزل إلى من قبله من الرسل.
وقال آخرون : بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبما أنزل إلى من قبله ، وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب.
وعلى هذا التأويل الآخر يحتمل أن يكون( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) في محل خفض ، ومحل رفع.
فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين : أحدهما : من قبل العطف على ما في " يؤمنون بالغيب " من ذكر " الذين " ، والثاني : أن يكون خبر مبتدأ ، أو يكون " أولئك على هدى من ربهم " ، مرافعها.
وأما الخفض فعلى العطف على " المتقين " ، وإذا كانت معطوفة على " الذين " اتجه لها وجهان من المعنى : أحدهما : أن تكون هي و " الذين " الأولى ، من صفة المتقين. وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد " ألم " ، نزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين. والوجه الثاني : أن تكون " الذين " الثانية معطوفة في الإعراب على " المتقين " بمعنى الخفض ، وهم في المعنى صنف غير الصنف الأول. وذلك على مذهب من رأى أن الذين نزلت فيهم الآيتان الأولتان من المؤمنين بعد قوله " ألم " ، غير الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأولتين.
وقد يحتمل أن تكون " الذين " الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الائتناف (1) ، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة. وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الائتناف ، إذ كانت في مبتدأ آية ، وإن كانت من صفة المتقين.
فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه ، والخفض من وجهين.
وأولى التأويلات عندي بقوله( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس ، وأن تكون " أولئك " إشارة إلى الفريقين ، أعني :
__________
(1) في المطبوعة : " الاستئناف " في هذا الموضع والذي يليه . وهما بمعنى .

(1/248)


المتقين ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك ، وتكون " أولئك " مرفوعة بالعائد من ذكرهم في قوله " على هدى من ربهم " ؛ وأن تكون " الذين " الثانية معطوفة على ما قبل من الكلام ، على ما قد بيناه.
وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلات بالآية ، لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود ، ثم أثنى عليهم. فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء ، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات. كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال ، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر ، ويحرم الآخر جزاء عمله. فكذلك سبيل الثناء بالأعمال ، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء.
وأما معنى قوله( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) فإن معنى ذلك : أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد ، بتسديد الله إياهم ، وتوفيقه لهم. كما : -
293 - حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ،

(1/249)


عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، " أولئك على هدى من ربهم " : أي على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) }
وتأويل قوله : " وأولئك هم المفلحون " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنان ، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب. كما : -
294 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي الذين أدْركوا ما طلبوا ، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا.
ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح ، إدراكُ الطَّلِبة والظفر بالحاجة ، قول لبيد بن ربيعة :
اعْقِلِي ، إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ، ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ (2)
يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا ، ومنه قول الراجز :
عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا... جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا (3) تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا!... أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا
يعني : خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك : أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا. والفلاح أيضًا : البقاءُ ، ومنه قول لبيد :
نَحُلُّ بِلادًا ، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا... وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ (4)
يريد البقاء ، ومنه أيضًا قول عَبيد :
أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ... ـعْفِ ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ (5)
يريد : عش وابقَ بما شئت ، وكذلك قول نابغة بني ذبيان :
وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ... وَإِنْ أَثْرَى ، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا (6)
أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً.
* * *
__________
(1) الخبر 293 - ذكره ابن كثير 1 : 81 مع تتمته الآتية : 294 .
(2) ديوانه 2 : 12 ، والخطاب في البيت لصاحبته .
(3) البيت الثاني في اللسان (فركح) . والفركحة : تباعد ما بين الأليتين . والفركاح والمفركح منه ، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى .
(4) ديوانه القصيدة رقم : 14 ، يرثى من هلك من قومه .
(5) ديوانه : 7 ، وفي المطبوعة والديوان " فقد يبلغ " ، وهما روايتان مشهورتان .
(6) من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة ، ليس هذا أحدها . وشعوب : اسم للمنية والموت ، غير مصروف ، لأنها تشعب الناس ، أي تصدعهم وتفرقهم . وشعبته شعوب : أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك .

(1/250)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) }
اختلف أهل التأويل فيمن عُنِي بهذه الآية ، وفيمن نزلَتْ. فكان ابن عباس يقول ، كما : -
295 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " إن الذين كفروا " ، أي بما أنزِل إليك من ربِّك ، وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك (1) .
وكان ابن عباس يرى أنَّ هذه الآية نزلتْ في اليهود الذين كانوا بنَواحي المدينةِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، توبيخًا لهم في جُحودهم نبوَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبِهم به ، مع علمهم به ومعرفتِهم بأنّه رسولُ الله إليهم وإلى الناس كافّة.
296 - وقد حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سَلَمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن صَدر سورة البقرة إلى المائة منها ، نزل في رجال سَمَّاهم بأعيانهم وأنْسَابهم من أحبار يهود ، من المنافقين من الأوس والخزرج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم (2) .
__________
(1) الخبر 295 - ذكره ابن كثير 1 : 82 مع باقيه الآتي : 299 . وساقه السيوطي 1 : 29 بأطول من ذلك ، زاد فيه ما يأتي : 307 ، 311 ، ونسبه أيضًا لابن إسحاق وابن أبي حاتم ، وكذلك نسبه الشوكاني 1 : 28 دون الزيادة الأخيرة .
(2) الخبر 296 - ذكره ابن كثير 1 : 86 بنحوه ، من رواية ابن إسحاق . ونقله السيوطي 1 : 29 بلفظ الطبري ، عنه وعن ابن إسحاق . ونقله الشوكاني موجزًا 1 : 29 . ومن الواضح أن قوله " كرهنا تطويل الكتاب . . " من كلام الطبري نفسه . وانظر ما يأتي : 312 .

(1/251)


وقد رُوِي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر ، وهو ما : -
297 - حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرِصُ أن يؤمن جميعُ الناس ويُتَابعوه على الهدى ، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمنُ إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذّكْر الأول ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول (1) .
وقال آخرون بما : -
298 - حُدِّثت به عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : آيتان في قادةِ الأحزاب : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ، قال : وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) [سورة إبراهيم : 28 ، 29] ، قال : فهم الذين قُتلوا يوم بدر (2) .
وأولى هذه التأويلات بالآية تأويلُ ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير عنه. وإنْ كان لكلِّ قول مما قاله الذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهب.
__________
(1) الخبر 297 - هو في ابن كثير 1 : 82 ، والسيوطي 1 : 28 - 29 ، والشوكاني 1 : 28 ، ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي .
(2) الأثر 298 - هكذا هو في الطبري ، من قول الربيع بن أنس . وذكره ابن كثير 1 : 82 - 83 مختصرًا من رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية ، ولم يذكر من خرجه . ونقله السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 ، بأطول مما هنا بذكر الأثر : 309 معه ، من قول أبي العالية أيضًا ، ونسباه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم . فالظاهر أن الطبري قصر بإسناده أو قصر به شيخه المبهم .

(1/252)


فأما مذهب من تأوَّل في ذلك ما قاله الربيع بن أنس ، فهو أنّ الله تعالى ذكره لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون ، وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم ، ثم كانَ من الكُفّار من قد نَفَعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه ، لإيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة (1) - لم يَجُز أن تكون الآية نزلت إلا في خاصٍّ من الكفار وإذ كان ذلك كذلك - وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه ، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ - عُلم أنهم مِمّن عنَى الله جل ثناؤه بهذه الآية.
وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك ، فهي أنّ قول الله جل ثناؤه( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ، عَقِيبَ خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب ، وعَقِيبَ نعتهم وصِفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأوْلى الأمور بحكمة الله ، أن يُتلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفّارهم ونُعُوتهم ، وذمِّ أسبابهم وأحوالهم (2) ، وإظهارَ شَتْمهم والبراءةَ منهم. لأن مؤمنيهم ومشركيهم - وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم - فإن الجنس يجمع جميعَهم بأنهم بنو إسرائيل.
وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه بأوّل هذه السورة لنبيِّه صلى الله عليه وسلم على مشرِكي اليهود من أحبار بني إسرائيل ، الذين كانوا مع علمهم بنبوّته مُنْكِرين نبوّته - بإظهار نبيِّه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تُسِرُّه الأحبار منهم وتكتُمه ، فيجهلُهُ عظْم اليهود وتعلمُه الأحبار منهم (3) - ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك ، هو الذي أنزل الكتابَ على موسى. إذْ كان ذلك من الأمور التي لم يكنْ محمد
__________
(1) سياق عبارته " فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم . . . لم يجز . . . "
(2) الأسباب جمع سبب : وأراد بها الطرق والوسائل .
(3) عظم اليهود : معظمهم وأكثرهم .

(1/253)


صلى الله عليه وسلم ولا قومُه ولا عشيرتُه يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم ، فيمكنَهم ادّعاء اللَّبس في أمره عليه السلام أنه نبيٌّ ، وأنّ ما جاء به فمن عند الله (1) . وأنَّى يُمكنُ ادّعاء اللَّبس في صدق أمِّيٍّ نشأ بين أمِّيِّين لا يكتب ولا يقرأ ، ولا يحسُب ، فيقال قرأ الكتب فعَلِم ، أو حَسَب (2) فنجَّم ؟ وانبعثَ على أحْبارٍ قُرَّاءٍ كَتَبَة (3) - قد دَرَسوا الكتب ورَأسوا الأمم - يخْبرهم عن مستور عُيوبهم ، ومَصُون علومهم ، ومكتوم أخبارهم ، وخفيّات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم. إنّ أمرَ من كان كذلك لغَيرُ مُشْكِلٍ ، وإنّ صدقَه لبَيِّن.
ومما ينبئ عن صحة ما قُلنا - من أنّ الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) هُم أحبارُ اليهود الذين قُتلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ الله تعالى ذكره نَبأهم ، وتذكيرُه إياهم ما أخَذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمدٍ عليه السلام ، بَعْد اقتصاصه تعالى ذكرُه ما اقتصّ من أمر المنافقين ، واعتراضِه بين ذلك بما اعترضَ به من الخبر عن إبليسَ وآدمَ - في قوله : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) [سورة البقرة : 40 وما بعدها] ، واحتجاجُه لنبيِّه عليهم ، بما احتجَّ به عليهم فيها بعد جُحُودهم نبوّته. فإذْ كان الخبر أوّلا عن مُؤمِني أهل الكتاب ، وآخرًا عن مشركيهم ، فأولى أن يكون وَسطًا : - عنهم. إذْ كان الكلامُ بعضُه لبعض تَبَعٌ ، إلا أن تأتيهم دلالةٌ واضحةٌ بعُدول بعض ذلك عما ابتَدأ به من معانيه ، فيكونَ معروفًا حينئذ انصرافه عنه.
__________
(1) في المطبوعة : " من عند الله " .
(2) يعني بالحساب هنا : حساب سير الكواكب وبروجها ، وبها يعرف المنجم أخبار ما يدّعى من علم الغيب .
(3) في المطبوعة : " وانبعث على أحبار " ، كأنه معطوف على كلام سابق . وليس صحيحًا ، بل هو استئناف كلام جديد .

(1/254)


وأما معنى الكفر في قوله " إن الذين كفروا " فإنه الجُحُود. وذلك أن الأحبار من يَهودِ المدينة جحدوا نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وستَروه عن الناس وكتمُوا أمره ، وهُمْ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
وأصْلُ الكفر عند العرب : تَغطيةُ الشيء ، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا " ، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه ، كما قال الشاعر :
فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا ، بَعْدَ مَا... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ (1)
وقال لبيدُ بن ربيعة :
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا (2)
يعني غَطَّاها. فكذلك الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته ، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) [سورة البقرة : 159] ، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ).
* * *
__________
(1) الشعر لثعلبة بن صعير المازني ، شرح المفضليات : 257 . والضمير في قوله " فتذكرا " للنعامة والظليم . والثقل : بيض النعام المصون ، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون : ثقل . ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد : وضع بعضه فوق بعض ونضده . وعنى بيض النعام ، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض . وذكاء : هي الشمس .
(2) معلقته المشهورة ، ويأتي في تفسير آية سورة المائدة : 12 (6 : 98 بولاق) . ويروى " ظلامها " . وصدره : " يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا "
يعني البقرة الوحشية ، قد ولجت كناسها في أصل شجرة ، والرمل يتساقط على ظهرها .

(1/255)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) }
وتأويل " سواءٌ " : معتدل. مأخوذ من التَّساوي ، كقولك : " مُتَساوٍ هذان الأمران عندي " ، و " هما عِندي سَواءٌ " ، أي هما متعادلان عندي ، ومنه قول الله جل ثناؤه : ( فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ) [سورة الأنفال : 58] ، يعني : أعْلمهم وآذِنْهم بالحرب ، حتى يَستوي علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر. فكذلك قوله " سَواءٌ عليهم " : معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم ، الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون (1) ، وقد خَتمتُ على قلوبهم وسمعهم. ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات :
تُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍر... سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا (2)
يعني بذلك : معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ ، لأنه لا فُتُورَ فيه. ومنه قول الآخر (3)
وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِه... سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا
لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته.
وأما قوله : ( أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ، فإنه ظهرَ به الكلام ظهورَ الاستفهام وهو خبرٌ ; لأنه وَقع مَوقع " أيّ " كما تقول : " لا نُبالي أقمتَ أم
__________
(1) في المطبوعة " كانوا لا يؤمنون " .
(2) ديوانه : 163 ، والكامل للمبرد 1 : 398 ، 399 . يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . أغذ السير وأغذ فيه : أسرع . ورواية ديوانه ، والكامل " تقدت " . وتقدى به بعيره : أسرع على سنن الطريق . والشهباء : فرسه ، للونها الأشهب ، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة .
(3) الشعر لمضرس بن ربعي الفقعسي . حماسة ابن الشجري : 204 .

(1/256)


قعدت " ، وأنت مخبرٌ لا مستفهم ، لوقوع ذلك موقع " أي " . وذلك أنّ معناه إذا قلتَ ذلك : ما نبالي أيّ هذين كان منك. فكذلك ذلك في قوله : " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم " ، لمَّا كان معنى الكلام : سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم - حسُن في موضعه مع سواءٌ : " أفعلتَ أم لم تفعل " .
وكان بعضُ نحوِيِّي البصرة يزعمُ أنّ حرفَ الاستفهام إنما دَخَل مع " سواء " ، وليس باستفهام ، لأن المستفهِم إذا استفهَم غيرَه فقال : " أزيد عندك أم عمرو ؟ " مستثبتٌ صاحبه أيُّهما عنده. فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهام من الآخر. فلما كان قوله : " سَواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرهم " بمعنى التسوية ، أشبه ذلك الاستفهامَ ، إذ أشبهه في التَّسوية. وقد بينّا الصَّواب في ذلك.
فتأويل الكلام إذًا : معتدلٌ يا محمد - على هؤلاء الذين جحدوا نبوَّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها ، وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي ، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن لا يكتموا ذلك ، وأن يبيِّنوه للناس ، وُيخْبرُوهم أنهم يجدُون صِفَتَك في كتبهم - أأنذرتهم أم لم تنذرهم ، فإنهم لا يؤمنون ، ولا يرجعون إلى الحق ، ولا يصدقونَ بك وبما جئتَهم به. كما : -
299 - حدثنا محمد بن حميد قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ، أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العِلْم من ذكرٍ ، وجحدوا ما أخِذ عليهم من الميثاق لك ، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟ (1) .
* * *
__________
(1) الخبر 299 - سبق تخريجه مع الخبر 295 .

(1/257)


خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ }
قال أبو جعفر : وأصلُ الختم : الطَّبْع. والخاتَم هو الطَّابع. يقال منه : ختمتُ الكتابَ ، إذا طبَعْتَه.
فإن قال لنا قائل : وكيف يختِمُ على القلوبِ ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعية والظروف والغلف (1) ؟
قيل : فإن قلوبَ العباد أوعيةٌ لما أُودِعت من العلوم ، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور (2) . فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات ، ومن قِبَلها يوصَل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف.
فإن قال : فهل لذلك من صفةٍ تصفُها لنا فنفهمَها ؟ أهي مثل الختم الذي يُعْرَف لما ظَهَر للأبصار ، أم هي بخلاف ذلك ؟
قيل : قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك ، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم :
300 - فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرَّمْلي ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، قال : أرانا مُجاهدٌ بيَدِه فقال : كانوا يُرَوْنَ أنّ القلبَ في مثل هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذنبَ العبد ذنبًا ضُمّ منه - وقال بإصبعِه الخنصر هكذا (3) - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى هكذا ، حتى ضم أصابعَه كلَّها ، قال : ثم يُطبع عليه بطابَعٍ. قال
__________
(1) الغلف جمع غلاف : وهو الصوان الذي يشتمل على ما أوعيت فيه .
(2) في المخطوطة : " من المعارف بالعلوم " .
(3) قال بإصبعه : أشار بإصبعه .

(1/258)


مُجاهد : وكانوا يُرَوْن أنّ ذلك : الرَّيْنُ (1) .
301 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، قال : القلبُ مثلُ الكفّ ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتى يقبض أصابعه كلها - وكان أصحابنا يُرون أنه الرَّان (2) .
302 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، قال : حدثنا ابن جُريج ، قال : قال مجاهد : نُبِّئت أنِّ الذنوبَ على القلب تحُفّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه ، فالتقاؤُها عليه الطَّبعُ ، والطبعُ : الختم. قال ابن جريج : الختْم ، الخَتْم على القلب والسَّمع (3) .
303 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : حدثني عبد الله بن كَثير ، أنه سمع مجاهدًا يقول : الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع ، والطَّبع أيسر من الأقْفَال ، والأقفال أشدُّ ذلك كله (4) .
__________
(1) الأثر 300 - عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن ، التميمي النهشلي : قال النسائي : " صالح " . وهو من شيوخ الترمذي وابن مندة وغيرهما ، مات سنة 251 ، وروى عنه البخاري أيضًا في التاريخ الصغير : 224 في ترجمة عمه . وعمه " يحيى بن عيسى " . وثقه أحمد والعجلي وغيرهما ، وترجمه البخاري في الصغير ، قال : " حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى ، قال : مات يحيى بن عيسى أبو زكريا التميمي سنة 201 أو نحوها . كوفي الأصل ، وإنما قيل : الرملي ، لأنه حدث بالرملة ومات فيها " ، وترجمه في الكبير أيضًا 4/2 : 296 " يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي ، سمع الأعمش ، وهو التميمي أبو زكريا الكوفي ، سكن الرملة . . . " . ولم يذكر فيه جرحًا .
وهذا الأثر ، سيأتي بهذا الإسناد في تفسير آية سورة المطففين : 14 (30 : 63 بولاق) . وذكره ابن كثير 1 : 82 ، والسيوطي 6 : 326 .
(2) الأثر 301 - سيأتي أيضًا (30 : 63 بولاق) . وأشار إليه ابن كثير 1 : 83 دون أن يذكر لفظه . وكذلك السيوطي 6 : 325 .
(3) الأثر 302 - هذا من رواية ابن جريج عن مجاهد ، والظاهر أنه منقطع ، لأن ابن جريج يروي عن مجاهد بالواسطة ، كما سيأتي في الأثر بعده . وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 83 ، ولكنه محرف فيه من الناسخ أو الطابع .
(4) الأثر 303 - عبد الله بن كثير : هو الداري المكي ، أحد القراء السبعة المشهورين ، وهو ثقة . وقد قرأ القرآن على مجاهد . وقد خلط ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2 : 144 بينه وبين " عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي " . ويظهر من كلام الحافظ في التهذيب 5 : 368 أن هذا الوهم كان من البخاري نفسه ، فلعل ابن أبي حاتم تبعه في وهمه دون تحقيق .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 83 ، وكذلك السيوطي 6 : 326 ، وزاد نسبته إلى البيهقي .

(1/259)


وقال بعضهم : إنما معنى قوله " ختم الله على قُلوبهم " إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن تكبرهم ، وإعراضهم عن الاستماع لِمَا دُعُوا إليه من الحق ، كما يقال : " إنّ فلانًا لأصَمُّ عن هذا الكلام " ، إذا امتنع من سَمَاعه ، ورفع نفسه عن تفهُّمه تكبرًا.
قال أبو جعفر : والحق في ذلك عندي ما صَحَّ بنظيره الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما : -
304 - حدثنا به محمد بن بشار قال : حدثنا صفوان بن عيسى ، قال : حدثنا ابن عَجْلان ، عن القَعْقَاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه ، فإن تاب وَنزع واستغفر ، صَقَلت قلبه ، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه ، فذلك " الرَّانُ " الذي قال الله جل ثناؤه : ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (1) [سورة المطففين : 14].
__________
(1) الحديث 304 - سيأتي في الطبري بهذا الإسناد 30 : 62 بولاق . ورواه هناك بإسناد آخر قبله ، وبإسنادين آخرين بعده : كلها من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع .
محمد بن بشار : هو الحافظ البصري ، عرف بلقب " بندار " بضم الباء وسكون النون . روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من الأئمة . ووقع في المطبوعة هنا " محمد بن يسار " ، وهو خطأ . ابن عجلان ، بفتح العين وسكون الجيم : هو محمد بن عجلان المدني ، أحد العلماء العاملين الثقات . القعقاع بن حكيم الكناني المدني : تابعي ثقة . أبو صالح : هو السمان ، واسمه " ذكوان " . تابعي ثقة ، قال أحمد : " ثقة ثقة ، من أجل الناس وأوثقهم " .
والحديث رواه أحمد في المسند 7939 (2 : 297 حلبي) عن صفوان بن عيسى ، بهذا الإسناد . ورواه الحاكم 2 : 517 من طريق بكار بن قتيبة القاضي عن صفوان . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . ورواه الترمذي 4 : 210 ، وابن ماجه 2 : 291 ، من طريق محمد بن عجلان . قال الترمذي : " هذا حديث حسن صحيح " .
وذكره ابن كثير 1 : 84 من رواية الطبري هذه ، ثم قال : هذا الحديث من هذا الوجه ، قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث بن سعد ، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد ابن مسلم - ثلاثتهم عن محمد بن عجلان ، به . وقال الترمذي : " حسن صحيح " ، ثم ذكره مرة أخرى 9 : 143 من رواية هؤلاء ومن رواية أحمد في المسند . وذكره السيوطي 6 : 325 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن حبان ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وفي متن الحديث هنا ، في المطبوعة " كان نكتة . . . صقل قلبه . . . حتى يغلف قلبه " . وهو في رواية الطبري الآتية ، كما في المخطوطة ، إلا قوله " حتى تغلق قلبه " ، فهي هناك " حتى تعلو قلبه " .

(1/260)


فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله عز وجلّ والطبع (1) ، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك ، ولا للكفر منها مَخْلَص ، فذلك هو الطَّبع. والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله : ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) ، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف ، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم ، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها.
ويقال لقائلي القول الثاني ، الزاعمين أنّ معنى قوله جل ثناؤه " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " ، هو وَصْفُهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دُعوا إليه من الإقرار بالحق تكبُّرًا : أخبرونا عن استكبار الذين وَصَفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة ، وإعراضِهم عن الإقرار بما دُعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللَّواحق به - أفعلٌ منهم ، أم فعلٌ من الله تعالى ذكرُه بهم ؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم - وذلك قولهم - قيل لهم : فإنّ الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي خَتم على قلوبهم وسمْعهم. وكيف يجوز أن يكون إعراضُ الكافرِ عن الإيمان ، وتكبُّره عن الإقرار به - وهو فعله عندكم - خَتمًا من الله على قلبه وسمعه ، وختمهُ على قَلبه وسَمْعه ، فعلُ الله عز وجل دُون الكافر ؟
فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك - لأن تكبُّرَه وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه ، فلما كان الختمُ سببًا لذلك ، جاز أن يسمى مُسَبِّبه به - تركوا قولَهم ، وأوجبوا أنّ الختمَ من الله على قلوب الكفار وأسماعهم ، معنًى غيرُ كفْرِ الكافِر ، وغيرُ تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به. وذلك دخولُ فيما أنكروه (2) .
__________
(1) في المطبوعة : " أغلفتها " في الموضعين ، والتصحيح من المخطوطة وابن كثير .
(2) في المطبوعة : " وذلك دخول فيما أنكروه " .

(1/261)


وهذه الآية من أوْضحِ الدليل على فساد قول المنكرين تكليفَ ما لا يُطاق إلا بمعونة الله ، لأن الله جل ثناؤه أخبرَ أنه ختم على قلوب صِنْف من كُفَّار عباده وأسماعهم ، ثم لم يُسقط التكليف عنهم ، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه ، ولم يعذِرْهُ في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه - بَلْ أخبر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيما على تركِهم طاعتَه فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه ، مع حَتْمه القضاءَ عليهم مع ذلك ، بأنهم لا يؤمنون.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ }
قال أبو جعفر : وقوله( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) خبرٌ مبتدأ بعد تمام الخبر عمَّا ختم الله جلَّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الذين مضت قِصَصهم. وذلك أن " غِشاوةٌ " مرفوعة بقوله " وعلى أبصارهم " ، فذلك دليل على أنه خَبرٌ مبتدأ ، وأن قوله " ختم الله على قلوبهم " ، قد تناهى عند قوله " وعلى سمْعهم " .
وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين :
أحدهما : اتفاق الحجة من القُرَّاء والعلماء على الشهادة بتصحيحها ، وانفرادُ المخالف لهم في ذلك ، وشذوذه عمّا هم على تَخطئته مجمعون. وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدًا على خطئها.
والثاني : أنّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيء من كتاب الله ، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا موجودٍ في لغة أحد من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى : ( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ) ، ثم قال : ( وَجَعَلَ

(1/262)


عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) [سورة الجاثية : 23] ، فلم يدخل البصرَ في معنى الختم. وذلك هو المعروف في كلام العرب ، فلم يَجُزْ لنا ، ولا لأحدٍ من الناس ، القراءةُ بنصب الغِشاوة ، لما وصفتُ من العلّتين اللتين ذكرت ، وإن كان لنَصْبها مخرجٌ معروفٌ في العربية.
وبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ ، رُوي الخبر عن ابن عباس :
305 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي الحسين بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " ، والغشاوة على أبصارهم (1) .
__________
(1) الخبر 305 - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري ، وقد مضى أول مرة 118 ، ولم أكن قد اهتديت إلى شرحه . وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة ، إن صح هذا التعبير! وهو معروف عند العلماء بـ " تفسير العوفي " ، لأن التابعي - في أعلاه - الذي يرويه عن ابن عباس ، هو " عطية العوفي " ، كما سنذكر . قال السيوطي في الإتقان 2 : 224 : " وطريق العوفي عن ابن عباس ، أخرج منها ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، كثيرًا . والعوفي ضعيف ، ليس بواه ، وربما حسن له الترمذي " . وسنشرحه هنا مفصلا ، إن شاء الله :
محمد بن سعد ، الذي يروى عنه الطبري : هو محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي ، من " بني عوف بن سعد " فخذ من " بني عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن وائل " . وهو لين في الحديث ، كما قال الخطيب . وقال الدارقطني : " لا بأس به " . مات في آخر ربيع الآخر سنة 276 . ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 5 : 322 - 323 . والحافظ في لسان الميزان 5 : 174 . وهو غير " محمد بن سعد بن منيع " كاتب الواقدي ، وصاحب كتاب الطبقات الكبير ، فهذا أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين ، قديم الوفاة ، مات في جمادي الآخرة سنة 230 .
أبوه " سعد بن محمد بن الحسن العوفي " : ضعيف جدًّا ، سئل عنه الإمام أحمد ، فقال : " ذاك جهمي " ، ثم لم يره موضعًا للرواية ولو لم يكن ، فقال : " لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه ، ولا كان موضعًا لذاك " . وترجمته عند الخطيب 9 : 136 - 127 ، ولسان الميزان 3 : 18 - 19 .
عن عمه : أي عم سعد ، وهو " الحسين بن الحسن بن عطية العوفي " . كان على قضاء بغداد ، قال ابن معين : " كان ضعيفًا في القضاء . ضعيفًا في الحديث " . وقال ابن سعد في الطبقات : " وقد سمع سماعًا كثيرًا ، وكان ضعيفًا في الحديث " . وضعفه أيضًا أبو حاتم والنسائي . وقال ابن حبان في المجروحين : " منكر الحديث . . ولا يجوز الاحتجاج بخبره " . وكان طويل اللحية جدا ، روى الخطيب من أخبارها طرائف ، مات سنة 201 . مترجم في الطبقات 7/2/ 74 ، والجرح والتعديل 1/2/ 48 ، وكتاب المجروحين لابن حبان ، رقم 228 ص 167 ، وتاريخ بغداد 8 : 29 - 32 ، ولسان الميزان 2 : 278 .
عن أبيه : وهو " الحسن بن عطية بن سعد العوفي " ، وهو ضعيف أيضًا ، قال البخاري في الكبير : " ليس بذاك " ، وقال أبو حاتم : " ضعيف الحديث " . وقال ابن حبان : " يروى عن أبيه ، روى عنه ابنه محمد بن الحسن ، منكر الحديث ، فلا أدري : البلية في أحاديثه منه ، أو من أبيه ، أو منهما معًا ؟ لأن أباه ليس بشيء في الحديث ، وأكثر روايته عن أبيه ، فمن هنا اشتبه أمره ، ووجب تركه " . مترجم في التاريخ الكبير 1/2/ 299 ، وابن أبي حاتم 1/2/ 26 ، والمجروحين لابن حبان ، رقم 210 ص 158 ، والتهذيب .
عن جده : وهو " عطية بن سعد بن جنادة العوفي " ، وهو ضعيف أيضًا ، ولكنه مختلف فيه ، فقال ابن سعد : " كان ثقة إن شاء الله ، وله أحاديث صالحة . ومن الناس من لا يحتج به " ، وقال أحمد : " هو ضعيف الحديث . بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير . وكان الثوري وهشيم يضعفان حديث عطية " . قال : صالح " . وقد رجحنا ضعفه في شرح حديث المسند : 3010 ، وشرح حديث الترمذي : 551 ، وإنما حسن الترمذي ذاك الحديث لمتابعات ، ليس من أجل عطية . وقد ضعفه النسائي أيضًا في الضعفاء : 24 . وضعفه ابن حبان جدًّا ، في كتاب المجروحين ، قال : " . . فلا يحل كتبة حديثه إلا على وجه التعجب " ، الورقة : 178 . وانظر أيضًا : ابن سعد 6 : 212 - 213 والكبير البخاري 4/1/ 8 - 9 . والصغير 126 . وابن أبي حاتم 3/1/ 382 - 383 . والتهذيب .
والخبر نقله ابن كثير 1 : 85 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 29 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم . وكذلك صنع الشوكاني 1 : 28 .

(1/263)


فإن قال قائل : وما وجهُ مخرج النَّصْب فيها ؟
قيل له : أن تنصبها بإضمار " جعل " (1) ، كأنه قال : وجعل على أبصارهم غِشَاوةً ، ثم أسقط " جعل " ، إذْ كان في أول الكلام ما يدُلّ عليه. وقد يحتمل نَصبُها على إتباعهِا موضعَ السمع ، إذ كان موضعه نصبًا ، وإن لم يكن حَسَنًا إعادةُ العامل فيه على " غشاوة " ، ولكن على إتباع الكلام بعضِه بعضًا ، كما قال تعالى ذكره : ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ) ، ثم قال : ( وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ ) ، [سورة الواقعة : 17 - 22] ، فخفَضَ اللحمَ والحورَ على العطف به على الفاكهة ، إتباعًا لآخر الكلام أوّلَه. ومعلومٌ أن اللحمَ لا يطاف به ولا بالحور العين ، ولكن كما قال الشاعر يصف فرسه :
عَلَفْتُهَا تِبْنًا ومَاء بارِدًا... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا (2)
__________
(1) في المطبوعة : " إن نصبها . . " .
(2) لا يعرف قائله ، وأنشده الفراء في معاني القرآن 1 : 14 وقال : " أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه " ، وفي الخزانة 1 : 499 : " رأيت في حاشية صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة ، ففتشت ديوانه فلم أجده " . وسيأتي في تفسير آية سورة المائدة : 109 (7 : 81 بولاق) . وقوله " شتت " من شتا بالمكان : أقام فيه زمن الشتاء ، وهو زمن الجدب ، وهمالة : تهمل دمعها أي تسكبه وتصبه من شدة البرد .

(1/264)


ومعلومٌ أن الماء يُشرَب ولا يعلف به ، ولكنه نَصب ذلك على ما وصفتُ قبلُ ، وكما قال الآخر :
ورأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا (1)
وكان ابن جُريج يقول - في انتهاء الخبر عن الختم إلى قوله " وعلى سَمْعهم " ، وابتداءِ الخبر بعده - بمثل الذي قلنا فيه ، ويتأوّل فيه من كتاب الله( فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) [سورة الشورى : 24].
306 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : حدثنا ابن جُريج ، قال : الختمُ على القلب والسمع ، والغشاوة على البَصَر ، قال الله تعالى ذكره : ( فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) (2) ، وقال : ( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) [سورة الجاثية : 23].
والغشاوة في كلام العرب : الغطاءُ ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص :
تَبِعْتُكَ إذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا (3)
ومنه يقال : تغشَّاه الهم : إذا تجلَّله وركبه ، ومنه قول نابغة بني ذبيان :
__________
(1) مضى تخريج هذا البيت في ص 140 .
(2) الأثر 306 - ساقه ابن كثير في تفسيره 1 : 85 ، والشوكاني 1 : 28 .
(3) الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومي ، ويأتي البيت في تفسير آية سورة الأعراف : 18 (8 : 103 بولاق) ، وروايته هناك : " صحبتك إذ عيني . . أذيمها " ، شاهدًا على " الذام " ، وهو أبلغ في العيب من الذم ، ثم قال أبو جعفر : " وأكثر الرواة على إنشاده : ألومها " ، وخبر البيت : أن عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت ، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق ، فظهرت له منه جفوة ، وأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه ، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده : وما بِيَ إن أقصَيتنِي من ضَرَاعةٍ ... وَلاَ افْتَقَرَتْ نَفْسِي إلى مَنْ يَضِيمُها
(انظر الأغاني 3 : 317) ، وبلغ عبد الملك شعره ، فأرسل إليه من رده إليه .

(1/265)


هَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبيَان مَا حَسَبي... إذَا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشمَط البَرَمَا (1)
يعني بذلك : تجلّله وَخالطه.
وإنما أخبر الله تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الذين كفروا به من أحبار اليهود ، أنه قد خَتَم على قلوبهم وطَبَع عليها - فلا يعقلون لله تبارك وتعالى موعظةً وعظهم بها ، فيما آتاهم من علم ما عندهم من كُتبِه ، وفيما حدَّد في كتابه الذي أوحاه وأنزله إلى نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم - وعلى سمعهم ، فلا يسمَعُون من محمد صلى الله عليه وسلم نبيِّ الله تحذيرًا ولا تذكيرًا ولا حجةً أقامها عليهم بنبوَّته ، فيتذكُروا ويحذروا عقاب الله عز وجلّ في تكذيبهم إياه ، مع علمهم بصدقه وصحّة أمره. وأعلمه مع ذلك أنّ على أبصارهم غشاوةً عن أن يُبصروا سبيل الهُدَى ، فيعلموا قُبْحَ ما هم عليه من الضلالة والرَّدَى.
وبنحو ما قلنا في ذلك ، رُوي الخبر عن جماعة من أهل التأويل :
307 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) ، أيْ عن الهدى أن يُصيبوه أبدًا بغير ما كذبوك به من الحقّ الذي جاءك من ربِّك ، حتى يؤمنوا به ، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك (2) .
308 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول
__________
(1) ديوانه : 52 . والأشمط : الذي شاب رأسه من الكبر ، والبرم : الذي لا يدخل مع القوم في الميسر . قال ابن قتيبة في المعاني الكبير 410 ، 1238 : " وإنما خص الأشمط ، لأنه قد كبر وضعف ، فهو يأتي مواضع اللحم " .
(2) الخبر 307 - ذكره السيوطي 1 : 29 متصلا بما مضى : 295 ، 299 وبما يأتي : 311 . ساقها سياقًا واحدًا .

(1/266)


الله صلى الله عليه وسلم : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " يقول : فلا يعقلون ولا يَسْمعون. ويقول : " وجَعل على أبصارهم غشاوة " يقول : على أعينهم فلا يُبصرون (1) .
وأما آخرون ، فإنهم كانوا يتأولون أنّ الذين أخبر الله عنهم من الكفّار أنه فعل ذلك بهم ، هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر.
309 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : هاتان الآيتان إلى( وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) هم( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) [سورة إبراهيم : 28] ، وهمُ الذين قُتلوا يوم بدر ، فلم يدخل من القادة أحدٌ في الإسلام إلا رجلان : أبو سفيان بن حَرْب ، والحَكَم بن أبي العاص (2) .
310 - وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، عن الحسن ، قال : أما القادةُ فليس فيهم مُجيبٌ ولا ناجٍ ولا مُهْتَدٍ.
وقد دللنا فيما مضى على أوْلى هذين التأويلين بالصواب ، فكرهنا إعادته.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) }
وتأويلُ ذلك عندي ، كما قاله ابن عباس وتأوّله :
__________
(1) الخبر 308 - ساقه ابن كثير 1 : 85 . وذكره السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 عن ابن مسعود فقط .
(2) الأثر 309 - هو تتمة الأثر الماضي : 298 ، كما ساقه السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 . وقد أشرنا إليه هناك .

(1/267)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

311 - حدثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ولهم بما هُمْ عليه من خلافك عذابٌ عظيم. قال : فهذا في الأحبار من يهود ، فيما كذَّبوكِ به من الحق الذي جاءك من رّبك بعد معرفتهم (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) }
قال أبو جعفر : أما قوله : " ومن الناس " ، فإن في " الناس " وجهين :
أحدهما : أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه ، وإنما واحدهم " إنسانٌ " ، وواحدتهم " إنسانة " (2) .
والوجه الآخر : أن يكون أصله " أُناس " أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها ، ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان ، فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون ، كما قيل في( لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ) [سورة الكهف : 38] ، على ما قد بينا في " اسم الله " الذي هو الله (3) . وقد زعم بعضهم أن " الناس " لغة غير " أناس " ، وأنه سمع العرب تصغرهُ " نُوَيْس " من الناس ، وأن الأصل لو كان أناس لقيل في التصغير : أُنَيس ، فرُدَّ إلى أصله.
وأجمعَ جميع أهل التأويل على أنّ هذه الآية نزلت في قوم من أهلِ النِّفاق ، وأن هذه الصِّفة صِفتُهم.
__________
(1) الخبر 311 - هو تتمة الأخبار : 295 ، 299 ، 307 ، ساقها السيوطي 1 : 29 مساقًا واحدًا ، كما أشرنا من قبل . ولكنه حذف من آخره ما بعد قوله " فهذا في الأحبار من يهود " . لعله ظنه من كلام الطبري . والسياق واضح أنه من تتمة الخبر .
(2) في المطبوعة : " واحده إنسان ، وواحدته إنسانة " .
(3) انظر ما مضى ص 125 - 126 .

(1/268)


* ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم :
312 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، يعني المنافقين من الأوْس والخَزْرج ومَنْ كان على أمرهم.
وقد سُمِّي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبيّ بن كعب ، غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم (1) .
313 - حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أنبأنا مَعْمَر ، عن قتادة في قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، حتى بلغ : ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) قال : هذه في المنافقين (2) .
314 - حدثنا محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي نَجِيح ، عن مجاهد ، قال : هذه الآية إلى ثلاث عشرة ، في نَعت المنافقين.
315 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثله.
316 حدثنا سفيان ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله.
__________
(1) الخبر 312 - مضى نحو معناه : 296 ، وأشرنا إلى هذا هناك .
وأسماء المنافقين ، من الأوس والخزرج ، الذين كره الطبري إطالة الكتاب بذكرهم - حفظها علينا ابن هشام ، في اختصاره سيرة ابن إسحاق ، بتفصيل واف : 355 - 361 (طبعة أوربة) ، 2 : 166 - 174 (طبعة الحلبي) ، 2 : 26 - 29 (الروض الأنف) .
(2) الأثر 313 - الحسن بن يحيى ، شيخ الطبري ؛ وقع في الأصول هنا " الحسين " ، وهو خطأ . وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب ، رقم : 257 .

(1/269)


317 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن إسماعيل السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليهِ وسلم : (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) هم المنافقون.
318 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، في قوله : (ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) إلى(فزادهم الله مَرَضًا ولهم عذاب أليم) ، قال : هؤلاء أهلُ النفاق.
319 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) قال : هذا المنافقُ ، يخالِفُ قولُه فعلَه ، وسرُّه علانِيَتَه ومدخلُه مخرجَه ، ومشهدُه مغيبَه (1) .
وتأويل ذلك : أنّ الله جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أمرَهُ في دار هجرته ، واستَقرَّ بها قرارُه ، وأظهرَ الله بها كلمتَه ، وفشا في دور أهلها الإسلام ، وقَهَر بها المسلمون مَنْ فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان ، وذَلّ بها مَن فيها من أهل الكتاب - أظهر أحبارُ يَهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضَّغائن ، وأبدوا له العداوة والشنآنَ ، حسدًا وَبغيًا (2) ، إلا نفرًا منهم هداهم الله للإسلام فأسلَموا ، كما قال جل ثناؤه : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) [سورة البقرة : 109] ، وطابَقَهم سرًّا على مُعاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
__________
(1) الروايات 314 - 319 : ساق بعضها ابن كثير 1 : 86 بين نص وإشارة . وساق بعضها أيضًا السيوطي 1 : 29 . والشوكاني 1 : 29 .
(2) في : المخطوطة " العداوة والشنار " ، وهو خطأ . والشنآن والشناءة : البغض يكشف عنه الغيظ الشديد . شنئ الشيء يشنؤه : أبغضه بغضًا شديدًا .

(1/270)


وَبغْيِهم الغوائِل ، قومٌ - من أرَاهط الأنصار الذين آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَصَروه (1) - وكانوا قد عَسَوْا في شركهم وجاهليِّتِهم (2) قد سُمُّوا لنا بأسمائهم ، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم ، وظاهروهم على ذلك في خَفاءٍ غير جِهارٍ ، حذارَ القتل على أنفسهم ، والسِّباءِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام. فكانوا إذا لَقُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم - حِذارًا على أنفسهم - : إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبَعْث ، وأعطَوْهم بألسنتهم كلمةَ الحقِّ ، ليدرأوا عن أنفسهم حُكم الله فيمن اعتقدَ ما هم عليه مقيمون من الشرك ، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم. وإذا لقُوا إخوانَهم من اليهود وأهل الشّركِ والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، فخلَوْا بهم قَالُوا : ( إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ). فإياهم عَنَى جلّ ذكره بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، يعني بقوله تعالى خبرًا عنهم : آمنّا بالله - : وصدّقنا بالله (3) .
وقد دللنا على أنّ معنى الإيمان : التصديق ، فيما مضى قبل من كتابنا هذا (4) .
وقوله : ( وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ) ، يعني : بالبعث يوم القيامة ، وإنما سُمّى يومُ القيامة " اليومَ الآخر " ، لأنه آخر يوم ، لا يومَ بعده سواه.
فإن قال قائل : وكيف لا يكون بعده يوم ، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء ، ولا زوال ؟
__________
(1) الغوائل جمع غائلة : وهي : النائبة التي تغول وتهلك . وأراهط جمع رهط ، والرهط : عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة ، لا يكون فيهم امرأة . وعنى بهم العدد القليل من بطون الأنصار .
(2) في المطبوعة : " عتوا في جاهليتهم " وكلتاهما صواب . عسا الشيء يعسو : اشتد وصلب وغلظ من تقادم العهد عليه ، وعسا الرجل : كبر . والعاسي : هو الجافي ، ومثله العاتي . وعتا يعتو ، في معناه . وانظر ما مضى ص : 36 ، تعليق .
(3) في المطبوعة " وصدقنا بالله " ، وزيادة الواو خطأ .
(4) انظر ما مضى ص : 234 - 235 .

(1/271)


يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

قيل : إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله ، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده ، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة ، فذلك اليوم هو آخر الأيام. ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه " اليوم الآخر " ، ونعتَه بالعَقِيم. ووصفه بأنه يوم عَقيم ، لأنه لا ليل بعده (1) .
وأما تأويل قوله : " وما هم بمؤمنين " ، ونفيُه عنهم جلّ ذكره اسمَ الإيمان ، وقد أخبرَ عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم : آمَنَّا بالله وباليوم الآخر - فإن ذلك من الله جل وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبَرُوا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث ، وإعلامٌ منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنّ الذي يُبْدونه له بأفواههم خلافُ ما في ضمائر قلوبهم ، وضِدُّ ما في عزائم نفوسهم.
وفي هذه الآية دلالةٌ واضحة على بُطول ما زَعَمتْه الجهميةُ : من أنّ الإيمان هو التصديق بالقول ، دون سائر المعاني غيره. وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم في كتابه من أهل النفاق ، أنهم قالوا بألسنتهم : " آمنا بالله وباليوم الآخر " ، ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين ، إذْ كان اعتقادهم غيرَ مُصَدِّقٍ قِيلَهُم ذلك.
وقوله " وما هم بمؤمنين " ، يعني بمصدِّقين " فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون.
* * *
القول في تأويل جل ثناؤه : { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا }
قال أبو جعفر : وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ ، إظهارُه
__________
(1) وذلك قول ربنا سبحانه في سورة الحج : 55 : { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } .

(1/272)


بلسانه من القول والتصديق ، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب ، ليدْرَأ عن نفسه ، بما أظهر بلسانه ، حكمَ الله عز وجلّ - اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب ، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء. فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله.
فإن قال قائل : وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مُخادِعًا ، وهو لا يظهر بلسانه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً ؟
قيل : لا تمتنعُ العربُ من أنْ تُسمّي من أعطى بلسانه غيرَ الذي هو في ضميره تَقِيَّةً لينجو مما هو له خائف ، فنجا بذلك مما خافه - مُخادِعًا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التَّقيّة. فكذلك المنافق ، سمي مخادعًا لله وللمؤمنين ، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيَّةً ، مما تخلَّص به من القتل والسِّباء والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر مستبطِنٌ. وذلك من فعلِه - وإن كان خِدَاعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ ، لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها ، أنه يُعطيها أمنيَّتها ، وُيسقيها كأسَ سُرورها ، وهو مُورِدُها به حِياض عَطَبها ، ومجَرِّعها به كأس عَذابها ، ومُزِيرُها من غَضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به (1) . فذلك خديعَتُه نفسه ، ظَنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال جل ثناؤه : " وما يخدَعُون إلا أنفسهم ومَا يشعُرُون " ، إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أنَّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفُسهم في إسخاطهم رَّبهم بكُفْرهم وشكِّهم وتكذيبهم - غيرُ شاعرين ولا دارين ، ولكنهم على عَمْيَاء من أمرِهم مُقيمون.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك ، كان ابن زيد يقول.
320 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت عبد الرحمن بن زيد عن قوله الله جل ذكره : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) إلى
__________
(1) في المطبوعة : " ومذيقها من غضب الله " ، وفي المخطوطة : " ومربدها . . . " ، وفي تفسير ابن كثير 1 : 87 " ومز برها . . . " ، والصواب ما أثبتناه ، وأزاره : حمله على الزيارة . وفي حديث طلحة : " . . . حتى أزرته شعوب " ، وشعوب هي المنية ، أي أوردته المنية فزارها . وجعلها زيارة ، وهي هلاك . سخرية بهم واستهزاء ، لقبح غرورهم بربهم ، وفرحهم بما مد لهم من العمر والمال والمتاع .

(1/273)


آخر الآية ، قال : هؤلاء المنافِقُون ، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا ، أنهم مؤمنون بما أظهروا (1) .
وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين : أن الله لا يُعذِّب من عباده إلا من كَفَر به عنادًا ، بعد علمه بوحدانيته ، وبعد تقرُّر صحة ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه مِن تَوْحيده ، والإقرار بكتبه ورُسله - عنده. لأن الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ عن الذين وَصفهم بما وصفهم به من النفاق ، وخِداعهم إياه والمؤمنين - أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل مُقِيمون ، وأنَّهم بخداعهم - الذي يحسبون أنهم به يُخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به - مخدوعون. ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذِّبون من نبوة نبيّه ، واعتقاد الكفر به ، وبما كانوا يَكذِبون في زعمهم أنهم مؤمنون ، وهم على الكفر مُصِرُّون.
فإن قال لنا قائل : قد علمت أن " المُفاعلة " لا تكون إلا من فاعلَيْن ، كقولك : ضاربتُ أخاك ، وجالست أباك - إذا كان كل واحد مجالس صَاحبه ومضاربَه. فأما إذا كان الفعلُ من أحدهما ، فإنما يقال : ضربتُ أخاك ، وجلست إلى أبيك ، فمَنْ خادع المنافق فجاز أن يُقال فيه : خادع الله والمؤمنين ؟
قيل : قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغات العرب (2) : إنّ ذلك حرفٌ جاء بهذه الصورة أعني " يُخَادِع " بصورة " يُفَاعل " ، وهو بمعنى " يَفْعَل " ، في حروفٍ أمثالها شاذةٍ من منطقِ العرب ، نظيرَ قولهم : قاتَلك الله ، بمعنى قَتَلك الله.
وليس القول في ذلك عندي كالذي قال ، بل ذلك من " التفاعل " الذي لا يكون إلا من اثنين ، كسائر ما يُعرف من معنى " يفاعل ومُفاعل " في كل كلام العرب. وذلك : أن المنافق يُخادع الله جل ثناؤه بكَذبه بلسانه - على ما قد تقدّم
__________
(1) الأثر 320 - في الدر المنثور 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 30 بتمامه ، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية برقم : 321 .
(2) يعني أبا عبيدة في كتابه " مجاز القرآن " : 31 .

(1/274)


وصفه - والله تبارك اسمه خادِعُه ، بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاةُ نفسه في آجل مَعادِه ، كالذي أخبر في قوله : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) [سورة آل عمران : 178] ، وبالمعنى الذي أخبرَ أنه فاعلٌ به في الآخرة بقوله : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) [سورة الحديد : 13] ، فذلك نظيرُ سائر ما يأتي من معاني الكلام بـ " يُفاعِل ومُفاعل " . وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول : لا تكون المفاعلة إلا من شيئين ، ولكنه إنما قيل : " يُخادِعون الله " عند أنفسهم ، بظنِّهم أن لا يعاقَبُوا ، فقد علموا خلافَ ذلك في أنفسهم ، بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته ، وما يخدعون إلا أنفسهم. قال : وقد قال بعضُهم : " وما يخدعون " يقول : يخدَعُون أنفسهم بالتَّخْلية بها (1) . وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ }
إن قال قائل : أو ليس المنافقون قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالِهم وذَرَاريهم حتى سلمت لهم دنياهم ، وإن
__________
(1) يعني بقوله " بالتخلية بها " ، أي بالانفراد بها وإخفاء ما يبطنون من الكفر . كأن أراد أن يجعل اشتقاق " يخدعون " من المخدع ، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير ، وأراد الستر الشديد لما يبطنون . وأخلى بفلان يخلى به إخلاء : انفرد به في مكان خال . واستعمل " التخلية " بمعنى أنه حمل على الخلوة ، كأنه حمل نفسه على الخلوة بها والانفراد ، ليخفى ما فيها . وهذا الذي ذكره شرح لبقية الآية الذي سيأتي بعد .

(1/275)


كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم ؟
قيل : خَطأٌ أن يقال إنهم خَدعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك ، أوجبنا لهم حقيقةَ خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين (1) . كما أنَّا لو قلنا : قتل فلان فلانًا ، أوجبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلان. ولكنا نقول : خادَع المنافقون رَبَّهم والمؤمنين ، ولم يَخْدَعوهم بَل خَدعوا أنفسهم ، كما قال جل ثناؤه ، دون غيرها ، نظيرَ ما تقول في رجل قاتَل آخر ، فقتَل نفسَه ولم يقتُل صاحبه : قاتَل فلان فلانًا فلم يقتل إلا نفسه ، فتوجبُ له مقاتَلةَ صاحبه ، وتنفي عنه قتلَه صاحبَه ، وتوجب له قتل نفسه. فكذلك تقول : " خادَعَ المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسه " ، فتثبت منه مخادعةَ ربه والمؤمنين ، وتنفي عنه أن يكونَ خَدع غير نَفسه ، لأن الخادعَ هو الذي قد صحّت الخديعة له ، وَوقع منه فعلُها. فالمنافقون لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم ، لأنّ ما كان لهم من مال وأهلٍ ، فلم يكن المسلمون مَلَكوه عليهم - في حال خِداعهم إياهم عنه بنفاقهم وَلا قَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم ، وإنما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غيرَ الذي في ضمائرهم ، ويحكُم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاهر أمورِهم بحُكْم ما انتسبوا إليه من الملّة ، والله بما يُخْفون من أمورِهم عالم. وإنما الخادع من خَتَل غيرَهُ عن شيئِه ، والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةِ خادعِهِ. فأما والمخادَع عارفٌ بخداعِ صاحبه إياه غير لاحقِه من خداعه إيّاه مكروهٌ ، بل إنما يَتجافى للظَّانّ به أنه له مُخادع ، استدراجًا ، ليبلغ غايةً يتكامل له عليه الحُجَّةُ للعقوبة التي هو بها مُوقع عند بلوغه إياها (2) ، والمُسْتَدرَج غيرُ عالم بحال نفسه عند مستدرِجِه ، ولا عارف باطِّلاعه على ضميره ، وأنّ إمهالَ مستدرِجِه إياه ، تركه معاقبته على جرمه (3) ليبلغ المخاتِل المخادِعُ - من استحقاقه عقوبةَ مستدرِجِه ،
__________
(1) في المطبوعة : " جاءت لهم على المؤمنين " ، وهو خطأ .
(2) في المطبوعة : " التي هو بها موقع " ، وعنى : العقوبة التي هو موقعها به . . .
(3) في المطبوعة : " وأن إمهال مستدرجه ، وتركه إياه معاقبته على جرمه " ، وهو خطأ مفسد للمعنى .

(1/276)


بكثرة إساءته ، وطولِ عِصيانه إياه ، وكثرة صفح المستدرِج ، وطول عفوه عنه أقصى غايةٍ (1) فإنما هو خادع نفسه لا شك ، دون من حدّثته نفسه أنه له مخادعٌ. ولذلك نَفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكونَ خدَعَ غيرَ نفسه ، إذ كانت الصِّفةُ التي وَصَفنا صفتَه.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خِدَاع المنافق ربَّه وأهلَ الإيمان به ، وأنه غير صائر بخداعه ذلك إلى خديعةٍ صحيحة إلا لنفسه دون غيرها ، لما يُوَرِّطها بفعله من الهلاك والعطب - فالواجب إذًا أن يكون الصحيح من القراءة : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ) دون( وما يخادعون ) لأن لفظ " المخادع " غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة ، ولفظ " خادع " موجب تثبيت خديعة على صحة. ولا شك أن المنافق قد أوْجبَ خديعة الله عز وجل لِنَفْسه بما رَكِبَ من خداعه ربَّه ورسولَه والمؤمنين - بنفاقه ، فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ).
ومن الدلالة أيضًا على أن قراءة من قرأ : ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) أولى بالصحة من قراءة من قرأ : ( وما يخادعون ) ، أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يُخادعون الله والمؤمنين في أول الآية ، فمحال أن يَنفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه ، لأن ذلك تضادٌّ في المعنى ، وذلك غير جائزٍ من الله جلّ وعزّ.
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : { وَمَا يَشْعُرُونَ (9) }
يعني بقوله جل ثناؤه " وما يَشعرون " ، وما يَدْرُون. يقال : ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر ، وهو لا يشعر به - إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم - شِعرًا وشعورًا. وقال الشاعر :
__________
(1) سياق هذه العبارة : " ليبلغ المخاتل المخادع . . . أقصى غاية " ، وسياق الذي يليها من صدر الجملة : " فأما والمخادع عارف . . . فإنما هو خادع نفسه . . . " ، وما بينهما فصل طويل .

(1/277)


فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

عَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ... ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا : حَبَّذَا الوَضَحُ (1)
يعني بقوله : لم يَشعر به ، لم يدر به أحد ولم يعلم. فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين : أنهم لا يشعرون بأن الله خادِعُهم ، بإملائه لهم واستدراجِه إياهم ، الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجة والمعذرة ، ومنهم لأنفسهم خديعةٌ ، ولها في الآجل مَضرة. كالذي - :
321 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت ابن زيد عن قوله : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ، قال : ما يشعرون أنهم ضَرُّوا أنفسهم ، بما أسَرُّوا من الكفر والنِّفاق. وقرأ قول الله تعالى ذكره : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) ، قال : هم المنافقون حتى بلغ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ) [سورة المجادلة : 18] ، قد كان الإيمان ينفعهم عندكم (2) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ }
قال أبو جعفر : وأصل المرَض : السَّقم ، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان. فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا ، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره
__________
(1) الشعر للمتنخل الهذلي ، ديوان الهذليين 2 : 31 ، وأمالي القالي 1 : 248 ، وسمط اللآلئ 563 . عقى بالسهم : رمى به في السماء لا يريد به شيئًا ، وأصله في الثأر والدية ، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة ، ويسألونهم قبول الدية . فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك ، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء ، فإن عاد مضرجًا بدم ، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية . وإن رجع كما صعد ، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية . وكل ذلك أبطل الإسلام . وفاء واستفاء : رجع . والوضح : اللبن . يهجوهم بالذلة والدناءة ، فأهدروا دم قتيلهم ، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم ، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية ، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم ، وقالوا في أنفسهم : اللبن أحب إلينا من القود وأنفع .
(2) الأثر 321 - هو تمام الأثر الذي سلف : 320 .

(1/278)


عن مرض قلوبهم ، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب ، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد - استغنى بالخبَر عن القلب بذلك والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم (1) كما قال عُمر بن لَجَأ :
وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ ، لا تَلُمْهَا ، ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا (2)
يريد : وسبَّح أهل المدينة ، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة ، عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسي :
هَلا سَأَلتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ?... إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي (3)
يريد : هلا سألتِ أصحاب الخيل ؟ ومنه قولهم : " يا خَيْلَ الله اركبي " ، يراد : يا أصحاب خيل الله اركبوا. والشواهد على ذلك أكثر من أن يُحصيها كتاب ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) إنما يعني : في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين ، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من عند الله - مَرَض وسُقْم. فاجتزأ بدلالة الخبَر عن قلوبهم على معناه ، عن تصريح الخبر عن اعتقادهم.
والمرضُ الذي ذكر الله جل ثناؤه أنّه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه : هو شكُّهم في أمر محمد وما جاء به من عند الله ، وتحيُّرُهم فيه ، فلا هم به موقنون إيقان إيمان ، ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك ، ولكنهم ، كما وصفهم الله عز وجل ، مُذَبْذَبُونَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء (4) كما يقال : فلانٌ يمَرِّضُ في هذا الأمر ،
__________
(1) في المطبوعة : " والكناية عن تصريح الخبر . . . " ، وقوله : " والكفاية عن تصريح الخبر . . . " معطوف على قوله " الخبر عن مرض ما في قلوبهم . . . "
(2) يأتي البيت في تفسير آية البقرة : 110 (1 : 391 بولاق) .
(3) في معلقته المشهورة .
(4) تضمين آية سورة النساء : 143 .

(1/279)


أي يُضَعِّف العزمَ ولا يصحِّح الروِيَّة فيه.
وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك ، تَظاهر القول في تفسيره من المفسِّرين.
* ذكر من قال ذلك :
322 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " في قلوبهم مرضٌ " ، أي شكٌّ.
323 - وحدِّثت عن المِنْجَاب ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : المرض : النفاق.
324 - حُدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " في قلوبهم مرضٌ " يقول : في قلوبهم شكّ.
325 - حُدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد ، في قوله : " في قلوبهم مَرَضٌ " ، قال : هذا مرض في الدِّين ، وليس مَرَضًا في الأجساد ، قال : وهم المنافقون.
326 - حدثني المثنَّى بن إبراهيم ، قال : حدثنا سُوَيْد بن نصر ، قال : أخبرنا ابنُ المبارك قراءةً ، عن سعيد ، عن قتادة ، في قوله " في قلوبهم مَرَض " قال : في قلوبهم رِيبَة وشك في أمر الله جل ثناؤه.
327 - وحدِّثت عن عمّار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " في قلوبهم مَرَضٌ " قال : هؤلاء أهلُ النفاق ، والمرضُ الذي في قلوبهم : الشك في أمر الله تعالى ذكره.
328 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ) حتى بلغ( فِي

(1/280)


قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال : المرض : الشكّ الذي دخلهم في الإسلام (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا }
قد دللنا آنفًا على أن تأويل المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين ، هو الشكُّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم ، وما هم عليه - في أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر نبوته وما جاء به - مقيمون.
فالمرض الذي أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنَّه زادهم على مرضهم ، نظيرُ ما كان في قلوبهم من الشَّكِّ والحيْرة قبل الزيادة ، فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضِه - التي لم يكن فرضَها قبلَ الزيادة التي زادها المنافقين - من الشك والحيرة ، إذْ شكُّوا وارتَابوا في الذي أحدَث لهم من ذلك - (2) إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم في السَّالف ، من حدوده وفرائضه التي كان فَرَضها قبل ذلك. كما زاد المؤمنين به إلى إيمانهم الذي كانوا عليه قبل ذلك ، بالذي أحدث لهم من الفرائض والحدود إذْ آمنوا به ، إلى إيمانهم بالسالف من حُدُوده وفرائضه - إيمانًا. كالذي قال جل ثناؤه في تنزيله : ( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي
__________
(1) الأخبار : 322 - 328 ، نقلها ابن كثير 1 : 88 ، والسيوطي 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 30 - مع تتمتها الآتية في تفسير بقية الآية ، بالأرقام : 329 ، 336 ، 330 ، 332 ، 331 ، 333 - على هذا التوالي . ولكن 336 لم يذكر فيه " عن ابن عباس " .
و " المنجاب " في 323 ، 336 : هو ابن الحارث بن عبد الرحمن التميمي ، من شيوخ مسلم ، روى عنه في صحيحه ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو بكسر الميم وسكون النون وفتح الجيم وآخره باء موحدة .
(2) سياق العبارة : " فزادهم الله بما أحدث من حدوده . . . من الشك والحيرة . . . إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم . . . " .

(1/281)


قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) [سورة التوبة : 124 ، 125]. فالزيادة التي زِيدَها المنافقون من الرَّجاسة إلى رَجاستهم ، هو ما وصفنا. والتي زِيدَها المؤمنون إلى إيمانهم ، هو ما بيَّنا. وذلك هو التأويل المجمَعُ عليه.
ذكرُ بعض من قال ذلك من أهل التأويل :
329 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " فزادهم الله مَرَضًا " ، قال : شكًّا.
330 - حدثني موسى بن هارون ، قال : أخبرنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدِّيّ ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " فزادَهُم الله مَرَضًا " ، يقول : فزادهم الله رِيبَة وشكًّا.
331 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا سُوَيْد بن نصر ، قال : أخبرتا ابن المبارك قراءةً ، عن سعيد ، عن قتادة : " فزادهم الله مرضًا " ، يقول : فزادهم الله ريبةً وشكًّا في أمْر الله.
332 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : " في قلوبهم مَرَضٌ فزادهم الله مَرَضًا " ، قال : زادهم رِجْسًا ، وقرأ قول الله عز وجل : ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ) قال : شرًّا إلى شرِّهم ، وضلالةً إلى ضلالتهم.
333 - وحدِّثت عن عمّار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " فزادهم الله مَرَضًا " ، قال : زادهم الله شكًّا (1) .
* * *
__________
(1) الأخبار : 329 - 333 : هي تمام الآثار السالفة : 322 - 328 .

(1/282)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
قال أبو جعفر : والأليم : هو المُوجعُ. ومعناه : ولهم عذاب مؤلم. بصرفِ " مؤلم " إلى " أليم " (1) ، كما يقال : ضَرْبٌ وجيعُ بمعنى مُوجع ، والله بَديع السموات والأرض ، بمعنى مُبْدِع. ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي :
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ... يُؤَرِّقنُي وأَصْحَابِي هُجُوعُ (2)
بمعنى المُسْمِع. ومنه قول ذي الرمة :
وَتَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ... يَصُدُّ وُجُوهَهَا وَهَجُ أَلِيمُ (3)
ويروى " يَصُكُّ " ، وإنما الأليم صفةٌ للعذاب ، كأنه قال : ولهم عذاب مؤلم. وهو مأخوذ من الألم ، والألم : الوَجَعُ. كما - :
334 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : الأليم ، المُوجع.
335 - حدثنا يعقوب ، قال : حدثنا هُشيم ، قال : أخبرنا جُوَيْبر ، عن الضحاك قال : الأليمُ ، الموجع (4) .
__________
(1) في المطبوعة : " فصرف مؤلم . . " .
(2) الأصمعيات : 43 ، ويأتي في تفسير آية سورة يونس : 1 (11 : 58 بولاق) . وريحانة : هي بنت معديكرب ، أخت عمرو بن معديكرب ، وهي أم دريد بن الصمة ، وكان أبوه الصمة ، سباها وتزوجها . (الأغاني 10 : 4) .
(3) ديوانه : 592 . وقوله " ونرفع من صدور . . " أي نستحثها في السير ، والإبل إذا أسرعت رفعت من صدورها . وشمردلات جمع شمردلة : وهي الناقة الحسنة الجميلة الخلق الفتية السريعة . وقوله " يصد وجوهها " أي يستقبل وجوهها ويضربها وهج أليم ، فتصد وجوهها أي تلويها كالمعرضة عن لذعته . ورواية ديوانه : " يصك " ، وصكة صكة : ضربة ضربة شديدة . والوهج : حرارة الشمس ، أو حرارة النار من بعيد .
(4) الأثر 335 - يعقوب : هو ابن إبراهيم الدورقي الحافظ . هشيم - بضم الهاء : هو ابن بشير ، بفتح الباء وكسر الشين المعجمة ، بن القاسم ، أبو معاوية الواسطي ، إمام حافظ كبير ، روى عنه الأئمة : أحمد وابن المديني وغيرهما ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : " كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري " . ومعنى هذا الأثر مضمن في الذي بعده : 336 .

(1/283)


336 - وحدِّثت عن المِنْجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشْر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك في قوله " أليم " ، قال : هو العذاب المُوجع. وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) }
اختلفت القَرَأة في قراءة ذلك (2) فقرأه بعضهم : ( بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) مُخَفَّفة الذَّال مفتوحة الياء ، وهي قراءة عُظْم أهل الكوفة. وقرأه آخرون : " يُكَذِّبُونَ " بضم الياء وتشديد الذال ، وهي قراءة عُظْم أهل المدينة والحجاز والبصرة (3) .
وكأنّ الذين قرءوا ذلك ، بتشديد الذال وضم الياء ، رأوا أن الله جل ثناؤه إنما أوجب للمنافقين العذابَ الأليم بتكذيبهم نبيَّه صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وأن الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجب لأحدٍ اليَسير من العذاب ، فكيف بالأليم منه ؟ وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالوا. وذلك : أنّ الله عز وجل أنبأ عن المنافقين في أول النبأ عنهم في هذه السورة ، بأنهم يَكذِبون بدَعْواهم الإيمانَ ، وإظهارهم ذلك بألسنتهم ، خِداعًا لله عز وجلّ ولرسوله وللمؤمنين ، فقال : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا )
__________
(1) الأثر 336 - ذكره السيوطي 1 : 30 . وأشار إليه الشوكاني 1 : 30 .
(2) في المطبوعة : " اختلفت القراء " ، والقَرَأَة : جمع قارئ ، وانظر ما مضى ، 51 تعليق ، وص 64 تعليق : 4 ، وص 109 تعليق : 1 .
(3) في المطبوعة : " قراءة معظم أهل الكوفة " ، و " قراءة معظم أهل المدينة . . . " ، وعظم الناس : معظمهم وأكثرهم . وانظر التعليق السالف ، ثم ص 109 تعليق : 1 .

(1/284)


بذلك من قيلهم ، مع استسرارهم الشكَّ والريبة ، ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) بصنيعهم ذلك( إِلا أَنْفُسَهُمْ ) دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ؛ ( وَمَا يَشْعُرُونَ ) بموضع خديعتهم أنفسَهم ، واستدراج الله عز وجل إيّاهم بإملائه لهم ، ( فِي قُلُوبِهِمْ ) شك النفاق وريبَتُه (1) والله زائدهم شكًّا وريبة بما كانوا يَكذِبون الله ورسوله والمؤمنين بقَوْلهم بألسنتهم آمنَّا بالله وباليوم الآخر ، وهم في قيلهم ذلك كَذَبة ، لاستسرارهم الشَّكَّ والمرض في اعتقادات قلوبهم في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. فأولى في حكمة الله جل جلاله ، أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبَر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم ، دون ما لم يَجْرِ له ذكر من أفعالهم. إذْ كان سائرُ آيات تنزيله بذلك نزل ، وهو : أن يَفتتِح ذكر محاسن أفعالِ قومٍ ، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكره من أفعالهم ، ويفتتح ذِكْر مساوي أفعالِ آخرين ، ثم يختم ذلك بالوعيدِ على ما ابتدأ به ذكرَه من أفعالهم.
فكذلك الصحيح من القول - في الآيات التي افتتح فيها ذِكر بعض مساوى أفعال المنافقين - أنْ يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكرَه من قبائح أفعالهم. فهذا هذا (2) ، مع دلالة الآية الأخرى على صحة ما قلنا ، وشهادتِها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا ، وأنّ الصواب من التأويل ما تأوّلنا ، من أنّ وعيد الله المنافقين في هذه الآية العذابَ الأليمَ على الكذب الجامع معنى الشكّ والتكذيب ، وذلك قولُ الله تبارك وتعالى : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [سورة المنافقون : 1 ، 2]. والآية
__________
(1) في المطبوعة : " في قلوبهم شك ، أي نفاق وريبة " . والذي في المخطوطة أصح .
(2) في المطبوعة : " فهذا مع دلالة الآية الأخرى . . " ، ولم يأت في الجملة خبر قوله " فهذا " ، والذي في المخطوطة هو الصواب .

(1/285)


الأخرى في المجادلة : ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) [سورة المجادلة : 16]. فأخبر جل ثناؤه أنّ المنافقين - بقيلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون - كاذبون. ثم أخبر تعالى ذكره أنّ العذاب المُهينَ لهم ، على ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة على ما قرأه القارِئون في سورة البقرة : " ولهم عذاب أليم بما كانوا يُكَذِّبون " لكانت القراءةُ في السورة الأخرى : " والله يشهدُ إن المنافقين " لمكذِّبون ، ليكون الوعيدُ لهم الذي هو عَقِيب ذلك وعيدًا على التكذيب لا على الكذب. وفي إجماع المسلمين على أنّ الصواب من القراءة في قوله : " والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون " بمعنى الكذب - وأن إيعاد الله تبارك وتعالى فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك من كذبهم - أوضحُ الدّلالة على أن الصحيح من القراءة في سورة البقرة : " بما كانوا يَكْذِبون " بمعنى الكذِب ، وأن الوعيدَ من الله تعالى ذِكره للمنافقين فيها على الكذب - حقٌّ - لا على التكذيب الذي لم يجر له ذِكر - نظيرَ الذي في سورة المنافقين سواءً.
وقد زعم بعضُ نحويِّي البصرة أن " ما " من قول الله تبارك اسمه " بما كانوا يكذبون " ، اسم للمصدر ، كما أنّ " أنْ " و " الفعل " اسمان للمصدر في قولك : أحب أن تَأتيني ، وأن المعنى إنما هو بكَذبِهم وتَكْذِيبهم. قال : وأدخل " كان " ليخبر أنه كان فيما مضى ، كما يقال : ما أحسن ما كان عبدُ الله ، فأنت تعجَبُ من عبد الله لا من كونه ، وإنما وَقع التعجُّب في اللفظ على كوْنه. وكان بعض نحويِّي الكوفة يُنكر ذلك من قوله ويستخطئه ، ويقول : إنما ألغِيَت " كان " في التعجُّب ، لأن الفعل قد تقدَّمها ، فكأنه قال : " حَسَنًا كان زيد " و " حَسَن كان زَيْدٌ " يُبْطِلُ " كان " ، ويُعْمِل مع الأسماء والصِّفات التي بألفاظِ الأسماء ، إذا جاءت قبل " كان " ، ووقعت " كان " بينها وبين الأسماء. وأما العِلَّة في إبطالها إذا أبطِلت في هذه الحال ، فَلِشَبَهِ الصِّفات والأسماء بـ " فعل " و " يفعل " اللتين لا يظهرُ عمل

(1/286)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

" كان " فيهما. ألا ترى أنك تقول : " يقوم كان زيد " ، ولا يظهر عمل " كان " في " يقوم " ، وكذلك " قام كان زيد " . فلذلك أبطل عملها مع " فاعل " تمثيلا بـ " فعل " و " يفعل " ، وأعملت مع " فاعل " أحيانًا لأنه اسم ، كما تعمل في الأسماء. فأما إذا تقدمت " كان " الأسماءَ والأفعالَ ، وكان الاسم والفِعْلُ بعدها ، فخطأ عنده أن تكون " كان " مبطلة. فلذلك أحال قول البصريّ الذي حكيناه ، وتأوّل قول الله عز وجل " بما كانوا يكذبون " أنه بمعنى : الذي يكذبونه.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ }
اختلف أهلُ التأويل في تأويل هذه الآية :
فروُي عن سَلْمان الفارسيّ أنه كان يقول : لم يجئ هؤلاء بعدُ.
337 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عَثَّامُ بن علي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : سمعت المِنْهال بن عَمرو يُحدِّث ، عن عَبَّاد بن عبد الله ، عن سَلْمان ، قال : ما جاء هؤلاء بعدُ ، الَّذين( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (1) .
__________
(1) الخبر 337 - عثام - بفتح العين المهملة وتشديد الثاء المثلثة - بن علي العامري : ثقة ، وثقه أبو زرعة وابن سعد وغيرهما . ترجمه ابن سعد 6 : 273 ، والبخاري في الكبير 4/1/ 93 ، وابن أبي حاتم 3/2/44 . المنهال بن عمرو الأسدي : ثقة ، رجحنا توثيقه في المسند : 714 ، وقد جزم البخاري في الكبير 4/2/ 12 أن شعبة روى عنه ، ورواية شعبة عنه ثابتة في المسند : 3133 . عباد بن عبد الله : هو الأسدي الكوفي ، قال البخاري : " فيه نظر " ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وضعفه ابن المديني ، وذكر ابن أبي حاتم 3/1/82 أنه " سمع عليًّا " . وقد بينت في شرح المسند : 883 أن حديثه حسن . وسلمان : هو سلمان الخير الفارسي الصحابي ، رضي الله عنه . وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 91 ، والسيوطي 1 : 30 ، ونسبه أيضًا لوكيع وابن أبي حاتم ، وذكره الشوكاني 1 : 31 ونسبه لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم ، ولم أجد نسبته لابن إسحاق عند غيره .

(1/287)


338 - حدثني أحمد بن عثمان بن حَكيم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن شَرِيك ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني الأعمش ، عن زيد بن وَهب وغيره ، عن سَلْمان ، أنه قال في هذه الآية : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ، قال : ما جاء هؤلاء بعدُ (1) .
وقال آخرون بما - :
339 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حمّاد ، قال : حدثنا أسْباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ، هم المنافقون. أما " لا تفسدوا في الأرض " ، فإن الفساد ، هو الكفر والعملُ بالمعصية.
340 - وحدِّثت عن عمّار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الرَّبيع : (وإذا قيل لهمْ لا تفسدوا في الأرض) يقول : لا تعْصُوا في الأرض(قالوا إنما نحن مصلحون) ، قال : فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه ، لأن من عَصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته ، فقد أفسدَ في الأرض ، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة (2) .
__________
(1) الخبر 338 - أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي : ثقة ، وثقه النسائي والبزار وغيرهما ، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين ، وهو من الشيوخ القلائل الذين روى عنهم البخاري وهم أحياء ، فإنه مات سنة 260 أو 261 ، والبخاري مات سنة 256 . عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي : ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو حاتم : " واهى الحديث " .
وإسناده عندي حسن ، وقد مضى قبله بإسناد آخر حسن . فكل منهما يقوي الآخر ، وقد نقله ابن كثير 1 : 91 عن الطبري بهذا الإسناد .
(2) الأثر 340 - قوله : " قالوا إنما نحن مصلحون " ، من المخطوطة ، وليس في المطبوعة ، وفي المطبوعة والمخطوطة : " فكان فسادهم على أنفسهم ذلك معصية الله . . . " ، و " على أنفسهم " كأنها زيادة من الناسخ ، وليست فيما نقله ابن كثير عن الطبري .

(1/288)


وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال : إن قولَ الله تبارك اسمه : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ، نزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة.
وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية : " ما جاء هؤلاء بعدُ " ، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ (1) ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ.
وإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا ، لإجماع الحجّة من أهل التأويل على أنّ ذلك صفةُ من كان بين ظَهرَانْي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - من المنافقين ، وأنّ هذه الآيات فيهم نَزَلَتْ. والتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن ، من قولٍ لا دلالةَ على صحته من أصل ولا نظير.
والإفساد في الأرض ، العمل فيها بما نهى الله جلّ ثناؤه عنه ، وتضييعُ ما أمر الله بحفظه ، فذلك جملة الإفساد ، كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبرًا عن قِيلِ ملائكته : ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) [سورة البقرة : 30] ، يعنون بذلك : أتجعل في الأرض من يَعْصِيكَ ويُخالف أمرك ؟ فكذلك صفة أهل النفاق : مُفسدون في الأرض بمعصِيَتهم فيها ربَّهم ، وركوبهم فيها ما نَهاهم عن ركوبه ، وتضييعِهم فرائضَه ، وشكِّهم في دين الله الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملا إلا بالتَّصديق به والإيقان بحقيقته (2) ، وكذبِهم المؤمنين بدَعواهم غير ما هم عليه مقيمُون من الشّك والرَيب ، وبمظاهرتهم أهلَ التكذيب بالله وكُتُبه ورسله على أولياء الله ، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله ، وهم
__________
(1) في المطبوعة : " عمن جاء منهم بعدهم " ، وهو محيل للمعنى ، والصواب من المخطوطة .
(2) في المطبوعة : " بحقيقه " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .

(1/289)


يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. فلم يسقط الله جل ثناؤه عنهم عقوبتَه ، ولا خفَّف عنهم أليمَ ما أعدَّ من عقابه لأهل معصيته - بحُسبانهم أنهم فيما أتَوْا من معاصي الله مصلحون - بل أوجبَ لهم الدَّرْكَ الأسفل من ناره ، والأليمَ من عذابه ، والعارَ العاجلَ بسَبِّ الله إياهم وشَتْمِه لهم ، فقال تعالى : ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ). وذلك من حكم الله جل ثناؤه فيهم ، أدلّ الدليل على تكذيبه تعالى قولَ القائلين : إن عقوباتِ الله لا يستحقها إلا المعاند ربَّه فيما لزمه من حُقُوقه وفروضه ، بعد علمه وثُبوت الحجّة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إيّاه.
* * *
القول في تأويل قوله ثناؤه : { قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) }
وتأويل ذلك كالذي قالهُ ابن عباس ، الذي - :
341 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله : ( إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ، أي قالوا : إنما نريد الإصلاحَ بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.
وخالفه في ذلك غيره.
342 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجّاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ ) ، قال : إذا رَكِبُوا معصيةَ الله فقيل لهم : لا تفعلوا كذا وكذا ، قالوا : إنما نحن على الهدى ، مصلحون (1) .
__________
(1) الخبران 341 ، 342 - ساقهما ابن كثير 1 : 91 ، والسيوطي 1 : 30 والشوكاني 1 : 30

(1/290)


أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

قال أبو جعفر : وأيُّ الأمرين كان منهم في ذلك ، أعني في دعواهم أنهم مُصْلحون ، فهم لا شك أنهم كانوا يحسبون أنهم فيما أتوا من ذلك مصلحون. فسواءٌ بين اليهود والمسلمين كانت دعواهم الإصلاحَ ، أو في أديانهم ، وفيما ركبوا من معصية الله ، وكذِبهم المؤمنينَ فيما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهرُوا مُستبْطِنون ؛ لأنهم كانوا في جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم محسنين ، وهم عند الله مُسيئون ، ولأمر الله مخالفون. لأن الله جل ثناؤه قد كان فرض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين ، وألزمهم التصديق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله ، كالذي ألزم من ذلك المؤمنين. فكان لقاؤهم اليهودَ - على وجه الولاية منهم لهم ، وشكُّهم في نبوَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به أنه من عند الله - أعظمَ الفساد ، وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحًا وهُدًى : في أديانهم أو فيما بين المؤمنين واليهود ، فقال جل ثناؤه فيهم : (ألا إنهم هم المفسدون) دون الذين ينهونهم من المؤمنين عن الإفساد في الأرض ، (ولكن لا يشعرون)
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) }
وهذا القول من الله جل ثناؤه تكذيبٌ للمنافقين في دعواهم. إذا أمِروا بطاعة الله فيما أمرَهم الله به ، ونُهوا عن معصية الله فيما نهاهم الله عنه ، قالوا : إنما نحن مصلحون لا مفسدون ، ونحن على رُشْدٍ وهُدًى - فيما أنكرتموه علينا - دونكم لا ضالُّون. فكذَّبهم الله عز وجل في ذلك من قيلِهم فقال : ألا إنهم هم المفسدون المخالفون أمرَ الله عز وجل ، المتعدُّون حُدُودَه ، الراكبون معصيتَه ، التاركُون فروضَه ، وهم لا يشعرون ولا يَدرُون أنهم كذلك - لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين ،

(1/291)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

وينهَوْنَهُم عن معاصي الله في أرضه من المسلمين.
* * *
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) يعني : وإذا قيل لهؤلاء الذين وَصَفهم الله ونعتَهم بأنهم يقولون : (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) : صَدِّقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله ، كما صدق به الناس. ويعني بِ " الناس " : المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله. كما - :
343 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ) ، يقول : وإذا قيل لهم صدِّقوا كما صدَّق أصحاب محمد ، قولوا : إنَّه نبيٌّ ورسول ، وإنّ ما أنزل عليه حقّ ، وصدِّقوا بالآخرة ، وأنَّكم مبعوثون من بعد الموت (1) .
وإنما أدخِلت الألف واللام في " الناس " ، وهم بعضُ الناس لا جميعُهم ، لأنهم كانوا معروفين عند الذين خُوطبوا بهذه الآية بأعيانهم ، وإنما معناه : آمِنُوا كما آمَن الناس الذين تعرفونهم من أهل اليقين والتصديق بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر. فلذلك أدخِلت الألف واللام فيه ، كما أدخِلَتا في قوله : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
__________
(1) الخبر 343 - نقله السيوطي 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 31 ، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية ، برقمي : 347 ، 348 .

(1/292)


فَاخْشَوْهُمْ ) [سورة آل عمران : 173] ، لأنه أشِير بدخولها إلى ناس معروفين عند مَن خُوطب بذلك.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ }
قال أبو جعفر : والسفهاء جمع سَفِيه ، كما العلماء جمع عليم (1) ، والحكماء جمعُ حكيم. والسفيه : الجاهل ، الضعيفُ الرأي ، القليلُ المعرفة بمواضع المنافع والمضارّ. ولذلك سمى الله عز وجل النِّساء والصبيانَ سفهاء ، فقال تعالى : ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) [سورة النساء : 5] ، فقال عامة أهل التأويل : هم النساء والصبيان ، لضعف آرائهم ، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارِّ التي تصرف إليها الأموال.
وإنما عَنَى المنافقون بقيلهم : أنؤمن كما آمَن السُّفهاء - إذْ دُعوا إلى التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من عند الله ، والإقرار بالبعث فقيل لهم : آمنوا كما آمن [الناس] (2) - أصحابَ محمدٍ وأتباعَه من المؤمنين المصدِّقين به ، من أهل الإيمان واليقين ، والتصديقِ بالله ، وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وفي كتابه ، وباليوم الآخر. فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم : أنؤمن كما آمَن أهل الجهل ، ونصدِّق بمحمد صلى الله عليه وسلم كما صدّق به هؤلاء الذين لا عقولَ لهم ولا أفهام ؟ كالذي - :
344 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدِّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن
__________
(1) في المطبوعة : " كالعلماء . . . " .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " فقال لهم آمنوا كما آمن أصحاب محمد . . . " ، وهو كلام مضطرب والصواب ما أثبتناه . وقوله : " أصحاب محمد " مفعول قوله : " وإنما عنى المنافقون بقيلهم . . " .

(1/293)


عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) ، يعنون أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم.
345 - حدثني المثنّى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
346 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : " قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء " ، قال : هذا قول المنافقين ، يريدون أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم.
347 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) يقولون : أنقول كما تقولُ السفهاء ؟ يعنون أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم ، لخِلافهم لدينهم (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) }
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعتُه لهم ، ووصفُه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب - أنَّهم هُم الجُهَّال في أديانهم ،
__________
(1) الأخبار 344 - 347 : أشار إليها ابن كثير 1 : 92 والسيوطي 1 : 30 والشوكاني 1 : 31 والأخير منها من تتمة الخبر : 343 .

(1/294)


الضعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم ، من الشكّ والريْب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوته ، وفيما جاء به من عند الله ، وأمر البعث ، لإساءَتهم إلى أنفسهم بما أتَوْا من ذلك وهم يحسبون أنَّهم إليها يُحْسِنون. وذلك هو عَيْنُ السَّفه ، لأن السفيه إنما يُفسد من حيث يرى أنه يُصلحُ ، ويُضيع من حيث يَرى أنه يحفظ ، فكذلك المنافق : يَعصي رَبَّه من حيث يرى أنه يطيعُه ، ويكفرُ به من حيث يرى أنه يُؤمن به ، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يُحسن إليها ، كما وصفهم به ربنا جلّ ذكره ، فقال : (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) ، وقال : (ألا إنهم هم السفهاء) - دون المؤمنين المصدّقين بالله وبكتابه ، وبرسوله وثوابه وعقابه - (ولكن لا يعلمون). وكذلك كان ابن عباس يتأول هذه الآية.
348 - حدثنا أبو كُريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس يقول الله جل ثناؤه : ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ) ، يقول : الجهال ، (ولكن لا يعلمون) ، يقول : ولكن لا يعقلون (1) .
وأما وَجْهُ دخول الألف واللام في " السُّفهاء " ، فشبيه بوجه دخولهما في " الناس " في قوله : (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) ، وقد بيَّنا العلة في دخولهما هنالك ، والعلةُ في دخولهما في " السفهاء " نظيرتها في دخولهما في " الناس " هنالك ، سواء.
والدلالةُ التي تدل عليه هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبةَ من الله لا يستحقّها إلا المعاند ربَّه ، بعد علمه بصحة ما عانده فيه - نظيرُ دلالة الآيات الأخَر التي قد تقدم ذكرنا تأويلَها في قوله " ولكن لا يشعرون " ، ونظائر ذلك (2) .
* * *
__________
(1) الخبر 348 - هو تتمة الخبرين : 343 ، 347 .
(2) في المطبوعة : " مع علمه بصحة ما عاند فيه " ، وفيها أيضًا : " . . . ونظير ذلك " .

(1/295)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ }
قال أبو جعفر : وهذه الآية نظيرة الآية الأخرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسولَه والمؤمنين ، فقال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ). ثم أكْذَبهم تعالى ذكره بقوله : ( وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، وأنهم بقيلهم ذلك يخُادعون الله والذين آمنوا. وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون - للمؤمنين المصدِّقين بالله وكتابه ورسوله - بألسنتهم : آمنا وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله ، خِداعًا عن دمائهم وأموالهم وذَرَاريهم ، ودرءًا لهم عنها ، وأنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم وأهل العُتُوّ والشر والخُبث منهم ومن سائر أهل الشرك (1) الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكُفر بالله وبكتابه ورسوله - وهم شياطينهم ، وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطينَ كل شيء مَرَدَتُه - قالوا لهم : " إنا معكم " ، أي إنا معكم على دينكم ، وظُهراؤكم على من خالفكُم فيه ، وأولياؤكم دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، " إنما نحن مستهزِئون " بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه ، كالذي - :
349 - حدثنا محمد بن العلاء (2) قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بِشْر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ) ، قال : كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضهم ، قالوا : إنا على دينكم. وإذا خلوا إلى أصحابهم ، وهم شياطينهم ، قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزئون.
__________
(1) في المخطوطة : " وأنهم إذا خلوا إلى أهل مودتهم " ، والذي في المطبوعة أصح في سياق تفسيره .
(2) " محمد بن العلاء " ، هو " أبو كريب " ، الذي أكثر الرواية عنه فيما مضى وفيما يستقبل .

(1/296)


350 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) قال : إذا خلوا إلى شياطينهم من يهودَ ، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول(قالوا إنا معكم) ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه(إنما نحن مستهزئون).
351 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، أما شياطينهم ، فهم رءوسهم في الكُفر.
352 - حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي (1) قال : حدثنا يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي رؤسائهم في الشرّ(قالوا إنما نحنُ مستهزئون).
353 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا معمر عن قتادة في قوله : (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، قال : المشركون.
354 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، قال : إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفّار.
355 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، عن شِبْل بن عبّاد ، عن عبد الله بن أبي نَجيح ، عن مجاهد : (وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، قال : أصحابِهم من المنافقين والمشركين.
356 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي
__________
(1) بشر بن معاذ العقدي : ثقة معروف ، روى عنه الترمذي : والنسائي وابن ماجه وغيرهم . و " العقدي " : بالعين المهملة والقاف المفتوحين ، نسبة إلى " العقد " : بطن من بجيلة .

(1/397)


جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس(وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، قال : إخوانهم من المشركين ، (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون).
357 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ، قال : إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ قالوا : إنا نحن معكم ، إنما نحن إخوانكم ، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزءوا بالمؤمنين.
358 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : وقال مجاهد : شياطينُهم : أصحابُهم من المنافقين والمشركين (1) .
فإن قال لنا قائل : أرأيتَ قولَه(وإذا خلوا إلى شياطينهم) ؟ فكيف قيل : (خلوا إلى شياطينهم) ، ولم يقل خَلَوْا بشياطينهم ؟ فقد علمتَ أنّ الجاريَ بين الناس في كلامهم : " خلوتُ بفلان " أكثر وأفشَى من : " خلوتُ إلى فلان " ؛ ومن قولك : إن القرآن أفصح البيان!
قيل : قد اختلف في ذلك أهل العلم بلغة العرب. فكان بعض نحويِّي البصرة يقول : يقال " خلوتُ إلى فلان " إذا أريدَ به : خلوتُ إليه في حاجة خاصة. لا يحتَمِل - إذا قيل كذلك - إلا الخلاءَ إليه في قضاء الحاجة. فأما إذا قيل : " خلوت به " احتمل معنيين : أحدهما الخلاء به في الحاجة ، والآخَر في السخرية به. فعلى هذا القول ، ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) ، لا شكّ أفصحُ منه لو قيل " وإذا خلوا بشياطينهم " ، لما في قول القائل : " إذا خلوا بشياطينهم " من التباس المعنى على سامعيه ، الذي هو مُنتفٍ عن قوله : " وإذا خلوا إلى شياطينهم " . فهذا أحد الأقوال.
والقول الآخر : فأن تُوَجِّه معنى (2) قوله(وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، " وإذا
__________
(1) هذه الآثار السالفة : 349 - 358 : ذكر أكثرها ابن كثير في تفسيره 1 : 93 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .
(2) في المطبوعة : " والقول الآخر : أن توجيه معنى قوله " .

(1/198)


خلوا مع شياطينهم " ، إذ كانت حروف الصِّفات يُعاقِبُ بعضُها بعضًا (1) ، كما قال الله مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين : ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ) [سورة الصف : 14] ، يريد : مع الله. وكما توضع " على " في موضع " من " ، و " في " و " عن " و " الباء " ، كما قال الشاعر :
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا (2)
بمعنى عَنِّي.
وأما بعض نحويي أهل الكوفة ، فإنه كان يتأوَّل أن ذلك بمعنى : وإذا لَقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا صَرفوا خَلاءهم إلى شياطينهم - فيزعم أن الجالب لِـ " إلى " ، المعنى الذي دلّ عليه الكلامُ : من انصرافِ المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم ، لا قوله " خَلَوْا " . وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع " إلى " غيرُها ، لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها.
وهذا القول عندي أولى بالصواب ، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره (3) فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ " إلى " في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم ، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها.
* * *
__________
(1) حروف الصفات : هي حرف الجر ، وسميت حروف الجر ، لأنها تجر ما بعدها ، وسميت حروف الصفات ، لأنها تحدث في الاسم صفة حادثة ، كقولك : " جلست في الدار " ، دلت على أن الدار وعاء للجلوس . وقيل : سميت بذلك ، لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات . ويسميها الكوفيون أيضًا : حروف الإضافة ، لأنها تضيف الاسم إلى الفعل ، أي توصله إليه وتربطه به . (همع الهوامع 2 : 19) وتسمى أيضًا حروف المعاني ، كما سيأتي بعد قليل . والمعاقبة : أن يستعمل أحدهما مكان الآخر بمثل معناه .
(2) الشعر للعقيف العقيلي ، يمدح حكيم بن المسيب القشيري . نوادر أبي زيد : 176 ، خزانة الأدب 4 : 247 ، وغيرهما كثير .
(3) حروف المعاني ، هي حروف الصفات ، وحروف الجر ، كما مضى آنفًا ، تعليق : 1

(1/199)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) }
أجمع أهل التأويل جميعًا - لا خلاف بينهم - على أن معنى قوله : (إنما نحن مستهزئون) : إنما نحن ساخرون. فمعنى الكلام إذًا : وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مَرَدتهم من المنافقين والمشركين قالوا : إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، ومعاداتِه ومعاداة أتباعه ، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، بقيلنا لهم إذا لقيناهم : آمَنَّا بالله وباليوم الآخر (1) كما - :
359 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : قالوا : ( إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) ، ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
360 - حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (إنما نحن مستهزئون) ، أي : إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم.
361 - حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة : (إنما نحن مستهزئون) ، إنما نستهزئ بهؤلاء القوم ونَسخَر بهم.
362 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (إنما نحن مستهزئون) ، أي نستهزئ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (2) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " في قيلنا لهم إذا لقيناهم " .
(2) هذه الآثار تتمة الآثار السالفة في تفسير أول الآية

(1/300)


اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ }
قال أبو جعفر : اختُلف في صفة استهزاءِ الله جلّ جلاله ، الذي ذَكر أنه فاعله بالمنافقين ، الذين وَصَف صفتهم. فقال بعضهم : استهزاؤه بهم ، كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعلٌ بهم يوم القيامة في قوله تعالى : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى ) [سورة الحديد : 13 ، 14]. الآية. وكالذي أخبرنا أنَّه فَعَل بالكفار بقوله : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) [سورة آل عمران : 178]. فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جلّ وعزّ وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهل الشرك به - عند قائلي هذا القول ، ومتأوّلي هذا التأويل.
وقال آخرون : بل استهزاؤه بهم ، توبيخُه إياهم ولومه لهم على ما ركِبوا من معاصي الله والكفر به ، كما يقال : " إن فلانًا ليُهْزَأ منه منذ اليوم ، ويُسخر منه " ، يُراد به توبيخُ الناس إياه ولومهم له ، أو إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم (1) ، كما قال عَبِيد بن الأبرص :
سَائِلْ بِنَا حُجْرَ ابْنَ أُمِّ قَطَامِ ، إذْ... ظَلَّتْ بِهِ السُّمْرُ النَّوَاهِلُ تَلْعَبُ (2)
__________
(1) الضمير لله سبحانه وتعالى ، وهو معطوف على قوله " توبيخه إياهم . . " .
(2) ديوانه : 16 ، وأمالي المرتضى 1 : 41 ، وحجر ، أبو امرئ القيس ، وكانت قتلته بنو أسد رهط عبيد بن الأبرص . وأم قطام ، هي أم حجر ملك كندة . والنواهل جمع ناهل وناهلة : والناهل : العطشان ، توصف به الرماح ، كأنها تعطش إلى الدم ، فإذا شرعت في الدم رويت .

(1/301)


فزعموا أن السُّمر - وهي القَنَا - لا لعب منها ، ولكنها لما قتلتْهم وشرَّدتهم ، جَعل ذلك مِنْ فعلها لعبًا بمن فعلت ذلك به. قالوا : فكذلك اسْتهزاءُ الله جل ثناؤه بمن اسْتهزأ به من أهل النفاق والكفر به : إمّا إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم ، وإمّا إملاؤهُ لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتةً ، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا : وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسُّخرية.
وقال آخرون قوله : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) (1) [سورة النساء : 142] على الجواب ، كقول الرجل لمن كان يَخْدَعه إذا ظفر به : " أنا الذي خدعتُك " ، ولم تكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا : وكذلك قوله : ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [سورة آل عمران : 54] ، و " الله يستهزئ بهم " ، على الجواب. والله لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْء ، والمعنى أن المكرَ والهُزْءَ حاق بهم.
وقال آخرون : قوله : ( إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ، وقوله : ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) [سورة النساء : 142] ، وقوله : ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ) [سورة التوبة : 79] ، ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [سورة التوبة : 67] ، وما أشبه ذلك ، إخبارٌ من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء ، ومعاقبهم عقوبةَ الخداع. فأخرج خبرَه عن جزائه إياهم وعقابه لهم ، مُخْرَج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقُّوا العقاب في اللفظ ، وإن اختلف المعنيان. كما قال جل ثناؤه : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) [سورة الشورى : 40] ، ومعلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة ، إذْ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية ، وأن الأخرى عَدلٌ ، لأنها من الله جزاءٌ
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم " ، وهي آية سورة البقرة : 9 ، ولم يرد الطبري إلا آية سورة النساء ، كما يدل عليه سياق كلامه ، وكما ستأتي الآية بعد أسطر .

(1/302)


للعاصي على المعصية ، فهما - وإن اتفق لفظاهما - مختلفا المعنى. وكذلك قوله : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) [سورة البقرة : 194] ، فالعدوان الأول ظلم ، والثاني جزاءٌ لا ظلم ، بل هو عدل ، لأنه عقوبة للظالم على ظلمه ، وإن وافق لفظه لفظ الأول.
وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك ، مما هو خبرٌ عن مكر الله جل وعزّ بقومٍ ، وما أشبه ذلك.
وقال آخرون : إنّ معنى ذلك : أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم قالوا : إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإنما نحن بما نُظهر لهم - من قولنا لهم : صدقنا بمحمد عليه السلام وما جاء به - مستهزئون. يعنون : إنا نُظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حَقٌّ ولا هدًى. قالوا : وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء ، فأخبر الله أنه " يستهزئ بهم " ، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة ، كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا : أن معنى الاستهزاء في كلام العرب : إظهارُ المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يُرضيه (1) ظاهرًا ، وهو بذلك من قِيله وفِعْله به مُورِثه مَساءة باطنًا (2) . وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر.
فإذا كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام - بما أظهروا بألسنتهم ، من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله ، المُدْخِلِهم في عداد من يشمله اسمُ الإسلام (3) ، وإن كانوا لغير ذلك
__________
(1) في المطبوعة : " ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا " .
(2) في المخطوطة : " مورطه مساءة باطنًا " .
(3) في المطبوعة : " المدخل لهم في عداد . . " ، وقوله : " المدخلهم " نعت لقوله : " من الإقرار " .

(1/303)


مستبطنين - (1) أحكامَ المسلمين المصدِّقين إقرارَهم بألسنتهم بذلك ، بضمائر قلوبِهم ، وصحائح عزائمهم ، وحميدِ أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم - معَ علم الله عز وجل بكذبهم ، واطلاعِه على خُبث اعتقادهم ، وشكِّهم فيما ادَّعوا بألسنتهم أنهم به مصدِّقون (2) ، حتى ظنُّوا في الآخرة إذْ حشروا في عِداد من كانوا في عِدادهم في الدنيا ، أنَّهم وارِدُون موْرِدَهم. وداخلون مدخلهم. والله جل جلاله - مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام المُلْحِقَتِهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه ، وتفريقِه بينهم وبينهم - (3) معدٌّ لهم من أليم عقابه ونَكال عذابه ، ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر عباده ، حتى ميز بينهم وبين أوليائه ، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدَّرك الأسفل (4) كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعلِه بهم - وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم ، وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له - كان بهم - بما أظهرَ لهم من الأمور التي أظهرها لهم : من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائِه وهم له أعداء ، وحشرِه إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين - إلى أن ميَّز بينهم وبينهم - مستهزئًا ، وبهم ساخرًا ، ولهم خادعًا ، وبهم ماكرًا (5) . إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل ، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم ، أو عليه فيها غير عادل ، بل ذلك معناه في كل أحواله ، إذا وُجدت الصفات التي قدَّمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس :
363 - حدثنا أبو كُريب قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : " الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " ، قال : يسخر بهم للنقمة منهم (6) .
وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره : الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ " ، إنما هو على وجه الجواب ، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكرٌ ولا خديعة ، فنافُون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه ، وأوجبه لها. وسواءٌ قال قائل : لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخريةٌ بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به ، أو قال : لم يخسف الله بمن أخبر أنه خَسَف به من الأمم ، ولم يُغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك : إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكرَ بقوم مضَوْا قبلنا لم نَرَهُم ، وأخبر عن آخرين أنه خَسَف بهم ، وعن آخرين أنه أغرقهم ، فصدَّقْنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك ، ولم نُفَرِّق بين شيء منه. فما بُرهانُك على تفريقك ما فَرَّقت بينه ، بزعمك : أنه قد أغرقَ وخَسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به ، ولم يمكُرْ بمن أخبر أنه قد مكر به ؟
ثم نعكس القول عليه في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزِم في الآخَر مثله.
فإن لجأ إلى أن يقول : إن الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ ، وذلك عن الله عز وجل منفيٌّ.
قيل له : إن كان الأمر عندك على ما وصفتَ من معنى الاستهزاء ، أفلست
__________
(1) في المطبوعة : " من أحكام المسلمين . . . " ، وهي زيادة خطأ ، وقوله " أحكام " منصوب بقوله " قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام " . . . " أحكام " ، وما بينهما فصل .
(2) في المطبوعة : " أنهم مصدقون " .
(3) سياق العبارة : " والله جل جلاله . . معد لهم . . " .
(4) قوله : " كان معلومًا أنه جواب قوله " فإذا كان ذلك كذلك . . . " ، في أول هذه الفقرة .
(5) أكثر الطبري الفصل بين الكلام في هذه الفقرة ، وسياق العبارة هو كما يلي : " . . . كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم . . . كان بهم . . مستهزئًا ، وبهم ساخرًا . . . " ، وما بين الكلام في هذين الموضعين فصل للبيان .
(6) الخبر 363 - ساقه ابن كثير في تفسيره 1 : 94 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .

(1/304)


تقول : " الله يستهزئ بهم " ، و " سَخِر الله منهم " و " مكر الله بهم " ، وإن لم يكنْ من الله عندك هزء ولا سخرية ؟
فإن قال : " لا " ، كذَّب بالقرآن ، وخرج عن ملة الإسلام.
وإن قال : " بلى " ، قيل له : أفنقول من الوجه الذي قلت : " الله يستهزئ بهم " و " سخر الله منهم " - " يلعب الله بهم " و " يعبث " - ولا لعبَ من الله ولا عبث ؟
فإن قال : " نعم " ! وَصَف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه ، وعلى تخطئة واصفه به ، وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه.
وإن قال : لا أقول : " يلعب الله بهم " ولا " يعبث " ، وقد أقول " يستهزئ بهم " و " يسخر منهم " .
قيل : فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث ، والهزء والسخرية ، والمكر والخديعة. ومن الوجه الذي جازَ قِيلُ هذا ، ولم يَجُزْ قِيلُ هذا ، افترق معنياهُما. فعُلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا ، كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه. وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفق لفهمه.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَيَمُدُّهُمْ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (ويمدهم) ، فقال بعضهم بما - :
364 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس -

(1/306)


وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " يَمُدُّهُمْ " ، يملي لهم.
وقال آخرون بما - :
365 - حدثني به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا سُوَيْد بن نصر ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءةً عن مجاهد : " يمدّهم " ، قال : يزيدُهم (1) .
وكان بعضُ نحوييّ البصرة يتأوَّل ذلك أنه بمعنى : يَمُدُّ لَهُم ، ويزعم أن ذلك نظيرُ قول العرب : الغلامُ يلعَب الكِعَابَ ، يراد به يَلعب بالكعاب. قال : وذلك أنهم قد يقولون : " قد مَددت له وأمددتُ له " في غير هذا المعنى ، وهو قول الله تعالى ذكره : (وَأَمْدَدْنَاهُمْ) [سورة الطور : 22] ، وهذا من : " مددناهم " (2) . قال : ويقال : قد " مَدَّ البحر فهو مادٌّ " و " أَمَدَّ الجرح فهو مُمِدّ " . وحكي عن يونس الجَرْمِيّ أنه كان يقول : ما كان من الشر فهو " مدَدْت " ، وما كان من الخير فهو " أمْدَدت " . ثم قال : وهو كما فسرت لك ، إذا أردت أنك تركته فهو " مَدَدت له " ، وإذا أردت أنك أعطيته قلت : " أمْددت " .
وأما بعضُ نحويي الكوفة فإنه كان يقول : كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو " مَدَدت " بغير ألف ، كما تقول : " مدَّ النهر ، ومدَّه نهرٌ آخر غيره " ، إذا اتصل به فصار منه ، وكلّ زيادة أحدِثتْ في الشيء من غيره فهو بألف ، كقولك : " أمدَّ الجرحُ " ، لأن المدّة من غير الجرح ، وأمدَدتُ الجيش بمَدَدٍ.
وأولى هذه الأقوال بالصواب في قوله : " وَيَمُدُّهُمْ " : أن يكون بمعنى يزيدهم ، على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم ، كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله
__________
(1) الخبران 364 ، 365 - ساقهما ابن كثير 1 : 31 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " وهذا من أمددناهم " ، ولعل الصواب ما أثبتناه . وعنى أن قوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم) من " مددت له " التي هي مثل " أمددت له " ، بعد طرح حرف الجر ، كما مثل في قول العرب " الغلام يلعب الكعاب " أي " يلعب بالكعاب " .

(1/307)


( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [سورة الأنعام : 110] ، يعني نذرُهم ونتركهم فيه ، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم.
ولا وجه لقول من قال : ذلك بمعنى " يَمُدُّ لهم " ، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها (1) أن يستجيزوا قول القائل : " مدَّ النهرَ نهرٌ آخر " ، بمعنى : اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل - من غير تأوُّل منهم. ذلك أن معناه : مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك في قول الله : ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ )
* * *
القول في تأويل قوله : { فِي طُغْيَانِهِمْ }
قال أبو جعفر : و " الطُّغيان " " الفُعْلان " ، من قولك : " طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا " . إذا تجاوز في الأمر حده فبغى. ومنه قوله الله : ( كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) [سورة العلق : 6 ، 7] ، أي يتجاوز حدّه. ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت :
وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا... بَعْدَ طُغْيَانِه ، فَظَلَّ مُشِيرَا (2)
وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ) ،
__________
(1) في المخطوطة : " لأنه لا تتدافع العرب " ، وهما سواء في المعنى .
(2) ديوانه : 34 مع اختلاف في الرواية . والضمير في قوله " ودعا الله " إلى فرعون حين أدركه الغرق . والهاء في قوله " طغيانه " إلى فرعون ، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه . وقوله " لات هنا " ، كلمة تدور في كلامهم يريدون بها : " ليس هذا حين ذلك " ، والتاء في قولهم " لات " صلة وصلت بها " لا " ، أصلها " لا هنا " أي ليس هنا ما أردت ، أي مضى حين ذلك . و " هنا " مفتوحة الهاء مشددة النون ، مثل " هنا " مضمومة الهاء مخففة النون . وقوله : " مشيرًا " ، أي مشيرًا بيده في دعاء ربه أن ينجيه من الغرق .

(1/308)


أنه يُملي لهم ، ويَذَرُهم يَبغون في ضلالهم وكفرهم حيارى يترددون. كما - :
366 - حُدِّثت عن المِنْجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، قال : في كفرهم يترددون.
367 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " في طُغيانهم " ، في كفرهم.
368 - حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة ، ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، أي في ضلالتهم يعمهون.
369 - حُدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " في طغيانهم " ، في ضلالتهم.
370 - وحدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله " في طغيانهم " ، قال : طغيانهم ، كفرهم وضلالتهم (1) .
* * *
القول في تأويل قوله : { يَعْمَهُونَ (15) }
قال أبو جعفر : والعَمَهُ نفسُه : الضَّلال. يقال منه : عَمِه فلان يَعْمه عَمَهانًا وعُمُوهًا ، إذا ضل (2) . ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مَضَلَّة من المهامه :
وَمَخْفَقِ مِن لُهْلُهٍ وَلُهْلُهِ... مِنْ مَهْمَهٍ يَجْتَبْنَهُ فِي مَهْمَهِ...
__________
(1) الأخبار 366 - 370 : ساقها ابن كثير 1 : 95 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .
(2) في ابن كثير 1 : 95 " عمها وعموها " ، والذي في الطبري صحيح : " عمها وعموها وعموهة وعمهانًا " .

(1/309)


أَعْمَى الهُدَى بِالجاهلين العُمَّهِ (1)
و " العُمَّه " جمع عامِهٍ ، وهم الذين يضلّون فيه فيتحيرون. فمعنى قوله إذًا : ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) : في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم دنسُه ، وعلاهم رِجْسُه ، يترددون حيارى ضُلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها ، فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها ، فلا يبصرون رُشْدا ولا يهتدون سبيلا.
وبنحو ما قلنا في " العَمَه " جاء تأويل المتأولين.
371 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " يَعْمَهُون " ، يتمادَوْن في كفرهم.
372 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يَعْمَهُونَ " ، قال : يتمادَوْن.
373 - حدِّثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : " يَعْمَهُونَ " ، قال : يتردَّدون.
374 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : قال ابن عباس : " يَعْمَهُونَ " : المتلدِّد (2) .
__________
(1) ديوانه : 166 . والمخفق : الأرض الواسعة المستوية التي يخفق فيها السراب ، أي يضطرب . ولهله : أرض واسعة يضطرب فيها السراب ، والجمع لهاله . والمهمه : الفلاة المقفرة ليس بها ماء ولا أنيس . وجاب المفازة واجتابها : قطعها سيرًا . وقوله " في مهمه " : أي يقطعنه ويدخلن في مهمه آخر موغلين في الصحراء .
(2) تلدد للرجل فهو متلدد : إذا لبث في مكانه حائرًا متبلدًا يتلفت يمينًا وشمالا .

(1/310)


أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

375 - حدثنا محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال حدثنا ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، قال : يترددون.
376 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثله.
377 - حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله.
378 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا سُوَيْد بن نصر ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة ، عن مجاهد ، مثله.
379 - حُدِّثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، " يَعْمَهُونَ " ، قال : يترددون (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى }
قال أبو جعفر : إن قال قائل : وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالةَ بالهدى ، وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقَهم إيمانٌ فيقال فيهم : باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم حتى استبدلوها منه ؟ وقد علمتَ أن معنى الشراء المفهوم : اعتياضُ شيء ببذل شيء مكانه عِوَضًا منه ، والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة ، لم يكونوا قط على هُدًى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرًا ونفاقًا ؟
__________
(1) الأخبار : 372 - 379 : ساقها السيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 ، وخرجا أثر مجاهد في تفسير الآية : " أي يلعبون ويترددون في الضلالة " .

(1/311)


قيل : قد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فنذكر ما قالوا فيه ، ثم نبين الصحيحَ من التأويل في ذلك إن شاء الله :
380 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، أي الكفرَ بالإيمان.
381 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، يقول : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
382 - حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، استحبوا الضلالة على الهدى.
383 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد في قوله : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، آمنوا ثم كفروا.
384 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذَيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد مثله (1) .
قال أبو جعفر : فكأن الذين قالوا في تأويل ذلك : " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى " - وجَّهوا معنى الشراء إلى أنه أخذ المشترَى مكانَ الثمن المشترَى به ، فقالوا : كذلك المنافق والكافر ، قد أخذَا مكان الإيمان الكفرَ ، فكان ذلك منهما شراءً
__________
(1) الأخبار : 380 - 384 : ساقها ابن كثير في تفسيره 1 : 95 ، 96 ، والسيوطي 1 : 31 ، 32 ، والشوكاني 1 : 33 ، 34 .

(1/312)


للكفر والضلالة اللذَيْن أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى ، وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضًا من الضلالة التي أخذاها.
وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قوله " اشْتَرَوْا " : " استحبُّوا " ، فإنهم لما وَجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفّار في موضع آخر ، فنسبهم إلى استحبابهم الكفرَ على الهدى ، فقال : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) [سورة فصلت : 17] ، صرفوا قوله : ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) إلى ذلك. وقالوا : قد تدخل " الباء " مكان " على " ، و " على " مكان " الباء " ، كما يقال : مررت بفلان ، ومررت على فلان ، بمعنى واحد ، وكقول الله جل ثناؤه : ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) [سورة آل عمران : 75] ، أي على قنطار. فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء : أولئك الذين اختارُوا الضلالةَ على الهدى. وأراهم وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه " اشْتَرَوا " إلى معنى اختاروا ، لأن العرب تقول : اشتريت كذا على كذا ، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه.
ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (1)
فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا... ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ (2)
يعني بالمستراة : المختارة.
وقال ذو الرُّمة ، في الاشتراء بمعنى الاختيار :
يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا... جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ (3)
.
يعني بالشَّراة : المختارة.
__________
(1) في المطبوعة " الاشتراء " بالشين المعجمة ، وهو خطأ ، صوابه بالسين المهملة .
(2) ديوانه : 35 ، وطبقات فحول الشعراء : 36 ، واللسان (سرا) . وفي المطبوعة : " المشتراة " في الموضعين ، والصواب ما أثبتناه . والكاعب : التي كعب ثديها ، أي نهد ، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة . وخدر الجارية : سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ ، وأشاع المال بين القوم : فرقه فيهم . وأراد بالقمار : لعب الميسر ، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور ، يفرقه في الناس من كرمه .
(3) ديوانه : 62 . والضمير في قوله " يذب " لفحل الإبل . ويذب : يدفع ويطرد . والقصايا ، جمع قصية : وهي من الإبل رذالتها ، ضعفت فتخلفت . وجماهير ، جمع جمهور : وهو رملة مشرفة على ما حولها ، تراكم رملها وتعقد . والمدجنات ، من قولهم " سحابة داجنة ومدجنة " ، وهي : المطبقة الكثيفة المطر . والهواضب : التي دام مطرها وعظم قطرها . شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد

(1/313)


وقال آخر في مثل ذلك :
إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الأَمْوَالِ... وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ (1)
قال أبو جعفر : وهذا ، وإن كان وجهًا من التأويل ، فلستُ له بمختار. لأن الله جل ثناؤه قال : ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ، فدل بذلك على أن معنى قوله( أُولَئِكَ الَّذِينَ
__________
(1) البيت الثاني في اللسان (حزر) . وروقة الناس : خيارهم وأبهاهم منظرًا . ويقال : هذا الشيء حزرة نفسي وقلبي : أي خير ما عندي ، وما يتعلق به القلب لنفاسته .

(1/314)


اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس ، من استبدال شيء مكان شيء ، وأخذِ عِوَض على عوض.
وأما الذين قالوا : إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا ، فإنه لا مؤونة عليهم ، لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم. لأن الأمر إذا كان كذلك ، فقد تركوا الإيمان ، واستبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى. وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع ، ولكن دلائل أوّل الآيات في نعوتهم إلى آخرها ، دالّةٌ على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان ، ولا دخلوا في ملّة الإسلام ، أوَما تسمعُ الله جل ثناؤه من لَدُنِ ابتدأ في نعتهم ، إلى أن أتى على صفتهم ، إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم : بدعواهم التصديق بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، خداعًا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم ، واستهزاءً في نفوسهم بالمؤمنين ، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون. يقول الله جل جلاله (1) : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قوله : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ؟ فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا ؟
فإن كان قائل هذه المقالة ظن أنّ قوله : " أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى " هو الدليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر ، فلذلك قيل لهم " اشتروا " - فإن ذلك تأويل غير مسلَّم له ، إذْ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذَ شيء بتركِ آخرَ غيره ، وقد يكون بمعنى الاختيار ، وبغير ذلك من المعاني. والكلمة إذا احتملت وجوهًا ، لم يكن لأحد صرفُ معناها إلى بعضٍ وجوهها دون بعضٍ ، إلا بحجة يجب التسليم لها.
قال أبو جعفر : والذي هو أولى عندي بتأويل الآية ، ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله : ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا ، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه ، بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله : ( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) [سورة البقرة : 108] ؟ وذلك هو معنى الشراء ، لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه. فكذلك المنافقُ والكافر ، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق ، فأضلهما الله ، وسلبهما نورَ الهدى ، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك أن المنافقين - بشرائهم الضلالةَ بالهدى - خسروا ولم يربحوا ، لأن الرابح من التجّار : المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه
__________
(1) في المطبوعة : " لقول الله . . . " .

(1/315)


بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به (1) ، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ. فكذلك الكافر والمنافق ، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى ، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن ، واستبدلا في العاجل : بالرَّشاد الحيرة ، وبالهُدى الضلالةَ ، وبالحفظ الخوفَ ، وبالأمن الرعبَ - مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب ، فخابا وخَسِرا ، ذلك هو الخسران المبين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول.
385 - حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة ، ( فَمَا رَبِحَتْ
__________
(1) في المطبوعة : " يبتاعها " .

(1/316)


تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفُرقة ، ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السُّنة إلى البدعة (1) .
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما وجه قوله : ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ؟ وهل التجارة مما تَرْبَح أو تُوكس ، فيقال : رَبِحت أو وُضِعَت (2) ؟
قيل : إن وجه ذلك على غير ما ظننتَ. وإنما معنى ذلك : فما ربحوا في تجارتهم - لا فيما اشترَوْا ، ولا فيما شرَوْا. ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عَرَبًا فسَلَك في خطابه إياهم وبيانه لهم ، مَسلكَ خطاب بعضهم بعضًا ، وبيانهم المستعمل بينهم (3) . فلما كان فصيحًا لديهم قول القائل لآخر : خاب سعيُك ، ونام ليلُك ، وخسِر بيعُك ، ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله - خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام ، فقال : ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة ، كما النومُ في الليل. فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك ، عن أن يقال : فما ربحوا في تجارتهم ، وإنْ كان ذلك معناه ، كما قال الشاعر :
وشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ... كَهُلْكِ الْفَتَاةِ أَسْلَمَ الْحَيَّ حَاضِرُهُ (4)
يعني بذلك : وشر المنايا منيَّة ميت وَسط أهله ، فاكتفى بفهم سامع قِيلِه مرادَه من ذلك ، عن إظهار ما ترك إظهارَه ، وكما قال رؤبة بن العَجَّاج :
حَارِثُ! قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي... فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي (5)
فوَصف بالنوم الليل ، ومعناه أنه هو الذي نام ، وكما قال جرير بن الخَطَفَى :
وَأَعْوَرَ من نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ... فَأَعْمَى ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ (6)
فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار ، ومرادُه وصفَ النبهانيّ بذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
يعني بقوله جل ثناؤه( وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى ، واستبدالهم الكفرَ بالإيمان ، واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار.
* * *
__________
(1) الأثر 385 - في ابن كثير 1 : 96 ، والسيوطي 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 34 .
(2) وضع في تجارته يوضع وضيعة : غبن فيها وخسر ، ومثله : وكس .
(3) في المخطوطة : " المستعلم بينهم " ، ولعلها سبق قلم .
(4) هو للحطيئة ، من أبيات ليست في ديوانه ، بل في طبقات فحول الشعراء : 95 ، وسيبويه 1 : 109 وأمالي الشريف المرتضى 1 : 38 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبقات أجودهن . " أيقظ الحي " ، يعني أيقظ الحي حاضر الموت ، فقامت البواكي ترن وتندب ، وكأن رواية من روى " أسلم الحي " ، تعني أسلمهم للبكاء .
(5) ديوانه : 142 ، يمدح الحارث بن سليم ، من آل عمرو بن سعد بن زيد مناة .
(6) ديوانه : 206 ، والنقائض : 35 ، والمؤتلف والمختلف : 39 ، 161 ، ومعجم الشعراء 253 ، من شعر في هجاء الأعور النبهاني ، وكان هجا جريرًا ، فأكله جرير . قال أبو عبيدة : " أي هو أعور النهار عن الخيرات ، بصير الليل بالسوءات ، يسرق ويزني " .

(1/317)


مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

القول في تأويل قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) }
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، وقد علمتَ أن " الهاء والميم " من قوله " مثلهم " كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و " الذي " دلالة على واحد من الذكور ؟ فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة ؟ وهلا قيل : مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا ؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد ، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم ، أن يقول : كأنّ هؤلاء ، أو كأنّ أجسامَ هؤلاء ، نخلةٌ ؟
قيل : أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين ، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ ، وفي نظائره (1) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك : ( تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) [سورة الأحزاب : 19] ، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) [سورة لقمان : 28] بمعنى : إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال ، في الطول وتمام الخلق ، بالواحدة من النخيل ، فغير جائز ، ولا في نظائره ، لفرق بينهما.
فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد ، فإنما جاز ، لأن المرادَ من
__________
(1) " وفي نظائره " ، أي هو في نظائره جائز حسن أيضًا . ومثلها ما يأتي بعد أسطر في قوله " ولا في نظائره " ، حذف فيهما جميعًا .

(1/318)


الخبر عن مَثَل المنافقين ، الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة ، وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد ، لا معانٍ مختلفة. فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد ، من الأشياء المختلفة الأشخاص.
وتأويل ذلك : مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا ، كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة ، وأضيف المثَلُ إليهم ، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة :
وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ... خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ (1)
يريد : كخلالة أبي مَرْحب ، فأسقط " خلالة " ، إذ كان فيما أظهرَ من الكلام ، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، لما كان معلومًا عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام ، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة ، وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا. فلما وَصَفنا ، جاز وحَسُنَ قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد ، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى.
وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام ، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة ، والواحدُ بالواحد ، لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين.
ولذلك من المعنى ، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء. فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد ،
__________
(1) الشعر للنابغة الجعدي . اللسان (رحب) و (خلل) . والخلة والخلالة : الصداقة المختصة التي ليس في علاقتها خلل . وأبو مرحب : كنية الظل ، يريد أنها تزول كما يزول الظل ، لا تبقى به مودة .

(1/319)


ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل. فيقال : ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب ، ثم يحذف فيقال : ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب ، - وأنت تعني : إلا كفعل الكلب ، وإلا كفعل الكلاب. ولم يَجُزْ أن تقول : ما هم إلا نخلة ، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام.
وأما قوله : ( اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، فإنه في تأويل : أوقدَ ، كما قال الشاعر :
وَدَاعٍ دَعَا : يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (1)
يريد : فلم يُجبه. فكان معنى الكلام إذًا : مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم ، من قولهم : آمنَّا بالله وباليوم الآخر ، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به ، وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم (2) مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره ، حتى أضاءت له النارُ ما حوله ، يعني : ما حول المستوقِدِ.
وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة : أن " الذي " في قوله : " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " بمعنى الذين ، كما قال جل ثناؤه : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) [سورة الزمر : 33] ، وكما قال الشاعر :
فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (3)
قال أبو جعفر : والقول الأول هو القول ، لما وصفنا من العِلة. وقد أغفل قائل
__________
(1) الشعر لكعب بن سعد الغنوي . الأصمعيات : 14 ، وأمالي القالي 2 : 151 ، وهي من حسان قصائد الرثاء .
(2) سياق عبارته : " مثل استضاءة هؤلاء . . . فيما الله فاعل بهم ، مثل استضاءة . . " .
(3) الشعر للأشهب بن رميلة . الخزانة 2 : 507 - 508 ، والبيان 4 : 55 ، وسيبويه 1 : 96 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 33 ، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض ، في كتابه " مختار أشعار القبائل " . وروايته : " وإن الألى " . ولا شاهد فيه . وهم يقولون إن النون حذفت من " الذين " ، فصارت " الذي " لطول الكلام وللتخفيف ، وهي بمعنى الجمع لا المفرد . وفلج : واد بين البصرة وحمى ضرية ، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها .

(1/320)


ذلك فرقَ ما بين " الذي " في الآيتين وفي البيت. لأن " الذي " في قوله : " والذي جاء بالصدق " ، قد جاءت الدّلالة على أن معناها الجمع ، وهو قوله : ( أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ، وكذلك " الذي " في البيت ، وهو قوله " دماؤهم " . وليست هذه الدلالة في قوله : " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " . فذلك فَرْق ما بين " الذي " في قوله : " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " ، وسائر شواهده التي استشهد بها على أنّ معنى " الذي " في قوله : " كمثل الذي استوْقَدَ نَارًا " بمعنى الجماع. وغير جائز لأحد نقل الكلمة - التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى - إلى غيره ، إلا بحجة يجب التسليم لها.
ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك. فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال :
أحدها - ما :
386 - حدثنا به محمد بن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) أي يُبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه ، فتركهم في ظلمات الكفر ، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر - ما :
387 - حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى آخر الآية : هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام ، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه.( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) يقول : في عذاب.

(1/321)


والثالث : ما -
388 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ، زَعم أنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام مَقدَم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ثم إنهم نافقوا ، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى فأبصره حتى عرف ما يتَّقي ، فبينا هو كذلك ، إذ طَفِئَت ناره ، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق : كان في ظلمة الشرك فأسلم ، فعرف الحلالَ من الحرام ، والخير من الشر ، فبينا هو كذلك إذْ كفَر ، فصار لا يعرف الحلال من الحرام ، ولا الخير من الشرّ. وأما النُّور ، فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وكانت الظلمة نفاقهم. والآخر : ما -
389 - حدثني به محمد بن سعيد ، قال : حدثني أبي سعيد بن محمد (1) قال : حدثني عمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس : قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى " فهم لا يرجعون " ، ضرَبه الله مثلا للمنافق. وقوله : ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) قال : أما النور ، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة ، فهي ضلالتهُم وكفرهم يتكلمون به ، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُزع منهم ، فعتَوْا بعد ذلك.
وقال آخرون : بما -
390 - حدثني به بِشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ، وإن المنافقَ تكلم
__________
(1) في المطبوعة " محمد بن سعيد " ، " سعيد بن محمد " . وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، ومن مراجع التراجم . وانظر شرح هذا السند مفصلا : 305 .

(1/322)


بلا إله إلا الله ، فأضاءت له في الدنيا ، فناكَح بها المسلمين ، وَغازَى بها المسلمين (1) ، ووارثَ بما المسلمين ، وَحقن بها دَمه وماله. فلما كان عند الموت ، سُلبها المنافق ، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ، ولا حقيقة في علمه.
391 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله " هي : لا إله إلا الله ، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا ، وأمنوا في الدنيا ، ونكحوا النساء ، وحقنوا بها دماءهم ، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون.
392 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني أبو تُميلة ، عن عبيد بن سليمان (2) ، عن الضحاك بن مزاحم ، قوله : " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله " ، قال : أما النّور ، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به ، وأما الظلمات ، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما : -
393 - حدثني به محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال : حدثنا ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله " ، قال : أما إضاءة النار ، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم ، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
__________
(1) في المطبوعة : " وعاد بها المسلمين " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير في تفسيره ، والدر المنثور ، كما سيأتي في التخريج .
(2) أبو تميلة ، بضم التاء المثناة وفتح الميم : هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي الحافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم ، ووهم أبو حاتم ، إذ نسب إلى البخاري أنه ذكره في الضعفاء . وما كان ذلك ، والبخاري ترجمه في الكبير 4/2/ 309 ، فلم يذكر فيه جرحًا ، ولم يذكره في كتاب الضعفاء الصغير . وقال الذهبي في الميزان 3 : 305 حين ذكر كلام أبي حاتم : " فلم أر ذلك ، ولا كان ذلك . فإن البخاري قد احتج به " . ووقع في مطبوعة الطبري هنا " أبو نميلة " بالنون ، وهو خطأ مطبعي . و " عبيد بن سليمان " : هو الباهلي الكوفي أبو الحارث ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وذكر ابن أبي حاتم 2/2/408 أنه سأل عنه أباه ، فقال : " لا بأس به " .

(1/323)


394 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، عن شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله " ، أما إضاءة النار ، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم ، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
395 - حدثني القاسم ، قال : حدثني الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، مثله.
396 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : ضَرب مثلَ أهل النفاق فقال : " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا " ، قال : إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدَتها ، فإذا خمدت ذهب نورُها. كذلك المنافق ، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له ، فإذا شك وقع في الظلمة.
397 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد ، في قوله : " كمثل الذي استوقد نارًا " إلى آخر الآية ، قال : هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم ، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا ، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه ، كما ذهب بضوء هذه النار ، فتركهم في ظلمات لا يبصرون (1) .
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة ، والضحاك ، وما رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس. وذلك : أن الله جلّ ثناؤه إنما ضرَب هذا المثل للمنافقين - الذين وَصَف صفتَهم وقص قصصهم ، من لدُن ابتدأ بذكرهم بقوله : " ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هُمْ بمؤمنين " - لا المعلنين بالكفر المجاهرين
__________
(1) الأخبار 386 - 397 : هذه الآثار السالفة جميعًا ، وما سيأتي إلى قوله تعالى (فهم لا يرجعون) بالأرقام 398 - 404 ساقها ابن كثير 1 : 97 - 99 ، والدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وفتح القدير 1 : 35 .

(1/324)


بالشرْك (1) . ولو كان المثل لمن آمنَ إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحًا - على ما ظنّ المتأول قولَ الله جل ثناؤه : ( كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءَتْ ما حولَه ذهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) : أن ضوءَ النار مثلٌ لإيمانهم الذي كان منهم عندَهُ على صحةٍ ، وأن ذهاب نورهم مثلٌ لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة - لم يكن (2) . هناك من القوم خداعٌ ولا استهزاءٌ عند أنفسهم ولا نفاقٌ. وأنَّى يكون خداعٌ ونفاقٌ ممن لم يُبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجبَ لك العلم بحاله التي هو لك عليها ، وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها ؟ إنّ هذا بغير شَكّ من النفاق بَعيدٌ ، ومن الخداع بريءٌ. وإذْ كان القومُ لم تكن لهم إلا حالتان (3) : حالُ إيمان ظاهر ، وحال كفر طاهر ، فقد سقط عن القوم اسمُ النفاق. لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين ، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين. ولا حالةَ هناك ثالثةً كانوا بها منافقين.
وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق ، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم : أن القوم كانوا مؤمنين ، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه ، إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه ، إلى الكفر الذي هو نفاق. وذلك قولٌ إن قاله ، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض ، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه. فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته ، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه.
فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك ، فأولى تأويلات الآية بالآية : مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به ، وقولهم له وللمؤمنين : آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، حتى حُكم لهم بذلك
__________
(1) في المطبوعة : " أي ، لا المعلنين " ، وفي المخطوطة : " المعالنين بالكفر " ، وسياق عبارته " إنما ضرب الله هذا المثل للمنافقين . . لا المعلنين بالكفر " .
(2) السياق : " ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا . . لم يكن هنالك من القوم . . "
(3) في المطبوعة : " فإن كان القوم . . . " ، وهو خطأ .

(1/325)


في عاجل الدنيا بحكم المسلمين : في حَقن الدماء والأموال ، والأمن على الذرية من السِّباء ، وفي المناكحة والموارثة - كمثل استضاءة الموقِد النار بالنارَ ، حتى إذا ارتفق بضيائها ، وأبصرَ ما حوله مُستضيئًا بنوره من الظلمة ، خَمدت النارُ وانطفأت ، (1) فذهب نورُه ، وعاد المستضيء به في ظلمة وَحيْرة.
وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ ، حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم ، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه : ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) [سورة المجادلة : 18] ، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة ، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا (2) : من الكذب والإفك ، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا ، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال ، واستهزاء بأنفسهم وخداع ، إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة ، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا. فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له ، فبقي في ظلمته حيران تائهًا ، يقول الله جل ثناؤه : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " حتى ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله . . . حتى خمدت النار " ، وهي عبارة مختلة ، صوابها ما أثبتناه .
(2) في المطبوعة : " كان به نجاتهم من القتل " ، وهما سواء في المعنى .

(1/326)


مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [سورة الحديد : 13 - 15].
فإن قال لنا قائل : إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله " : خَمدتْ وانطفأتْ ، وليس ذلك بموجود في القرآن. فما دلالتك على أنّ ذلك معناه ؟
قيل : قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار ، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي :
عَصَيْتُ إليهَا الْقَلْبَ ، إِنِّي لأمرِهَا... سَمِيعٌ ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابها! (1)
يعني بذلك : فما أدري أرشدٌ طِلابُها أم غَيٌّ ، فحذف ذكر " أم غيٌّ " ، إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها ، وكما قال ذو الرمة في نعت حمير :
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ، أو حِينَ ، نصَّبتْ... لَهُ مِن خَذَا آذَانِهَا وَهْو جَانح (2)
__________
(1) ديوان الهذليين 1 : 71 ، وسيأتي في تفسير آية آل عمران : 113 (4 : 34 بولاق) ورواية الطبري للبيت في الموضعين لا يستقيم بها معنى ، ورواية ديوانه : عَصَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهِ
ويروى " دعاني إليها . . " ، وهما روايتان صحيحتان . وتمام معنى البيت في الذي يليه : فَقُلْتُ لِقَلْبِي : يَا لَكَ الْخَيْرُ! إِنَّمَا ... يُدَلِّيكَ لِلْمَوْتِ الْجَدِيدِ حِبَابُهَا
فهو يؤامر قلبه ، ولكنه أطاعه .
(2) ديوانه : 108 وسيأتي في تفسير آية يونس : 77 (11 : 101 بولاق) ، وآية سورة النبأ : 10 (30 : 3 بولاق) . يصف عانة حمر ، وقفت ترقب مغيب الشمس ، حتى إذا غربت انطلقت مسرعة إلى مورد الماء الذي تنوى إليه . وقوله : " لبسن الليل " يعني الحمر ، حين غشيهن الليل وهن مترقبات مغيب الشمس . ونصبت : رفعت وأقامت آذانها . وخذيت الأذن خذًّا : استرخت من أصلها مقبلة على الخدين ، وذلك يصيب الحمر في الصيف من حر الشمس والظمأ . ونصبت خذا آذانها ، استعدادًا للعدو إلى الماء . وجنح الليل فهو جانح : أقبل ، وهو من جنح الطائر : إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع . وهو وصف جيد لإقبال الظلام من جانب الأفق . وأراد الطبري أن ذا الرمة أراد أن يقول : أو حين أقبل الليل ، نصبت له من خذا آذانها ، وهو جانح . ولا ضرورة توجب ما قال به من الحذف في هذا البيت .

(1/327)


يعني : أو حين أقبل الليل ، في نظائر لذلك كثيرة ، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله : " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله " ، لمَّا كان فيه وفيما بعدَه من قوله : " ذهب الله بنورهم

(1/328)


صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

وتركهم في ظلمات لا يبصرون " دلالةٌ على المتروك كافيةٌ من ذكره - اختصرَ الكلامَ طلبَ الإيجاز.
وكذلك حذفُ ما حذفَ واختصارُ ما اختصرَ من الخبر عن مَثل المنافقين بَعدَه ، نظير ما اختصرَ من الخبر عن مَثَل المستوقد النارَ. لأن معنى الكلام : فكذلك المنافقون ذَهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون - كما ذهب ضَوء نار هذا المستوقد ، بانطفاء ناره وخمودها ، فبقي في ظلمة لا يُبصر.
و " الهاء والميم " في قوله " ذهب الله بنورهم " ، عائدة على " الهاء والميم " في قوله " مَثَلهم " .
* * *
القول في تأويل قول الله : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) }
قال أبو جعفر : وإذْ كانَ تأويل قول الله جلّ ثناؤه : " ذهبَ الله بنورهم وتَركهم في ظلمات لا يبصرون " ، هو ما وصفنا - من أنّ ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة ، عند هتك أستارهم ، وإظهاره فضائح أسرارهم ، وسَلبه ضياءَ أنوارهم ، من تركهم في ظُلَم أهوال يوم القيامة يترددون ، وفي حَنادسها لا يُبصرون - فبيّنٌ أنّ قوله جل ثناؤه : " صمٌّ بكم عميٌ فَهم لا يرجعون " من المؤخّر الذي معناه التقديم ، وأنّ معنى الكلام : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، صُمٌّ بكم عميٌ فهم لا يرجعون ، مَثلهم كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءتْ ما حوْله ذهبَ الله بنورهم وترَكهم في ظُلمات لا يبصرون ، أو كمثل صَيِّب من السماء.
وإذْ كان ذلك معنى الكلام : فمعلومٌ أن قوله : " صُمٌّ بكمٌ عُميٌ " ، يأتيه الرفع من وجهين ، والنصب من وجهين :
فأما أحدُ وجهي الرفع : فعلى الاستئناف ، لما فيه من الذم. وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم ، فتنصِب وتَرفع ، وإن كان خبرًا عن معرفة ، كما قال الشاعر :
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ... سَمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ (1) النَّازِلِينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ... وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ (2)
فيروي : " النازلون " و " النازلين " ، وكذلك " الطيِّبون " و " الطيِّبين " ، على ما وصفتُ من المدح.
__________
(1) الشعر للخرنق بنت بدر بن هفان ، أخت طرفة لأمه ، أمهما وردة ، ديوانها : 10 ، ترثى زوجها بشر بن عمرو بن مرثد . وسيأتي في تفسير آية سورة غافر : 3 (24 : 27 بولاق) ، وفي سيبويه 1 : 104 ، 246 ، 249 ، وخزانة الأدب 2 : 301 . وقولها " لا يبعدن قومى " : أي لا يهلكن قومي ، تدعو لهم . وفعله : بعد يبعد بعدًا (من باب فرح) : هلك . والعداة جمع عاد ، وهو العدو . والجزر جمع جزور : وهي الناقة التي تنحر . وآفة الجزر : علة هلاكها ، لا يبقون على أموالهم من الكرم .
(2) المعترك : موضع القتال حيث يعتركون ، يطحن بعضهم بعضًا . وإذا ضاق المعترك نزل الفرسان ، وتطاعنوا واقتربوا حتى يعتنق بعضهم بعضًا إذا حمس القتال . والأزر جمع إزار : وهو ما ستر النصف الأسفل ، والرداء : ما ستر الأعلى . ومعاقد الأزر : حيث يعقد لئلا تسقط . وكنت بذلك عن عفتهم وطهارتهم ، لا يقربون فاحشة فيحلون معاقد الأزر .

(1/329)


والوجهُ الآخر : على نية التكرير من " أولئك " ، فيكون المعني حينئذ : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، أولئك صُمٌّ بكم عمي فهم لا يرجعون.
وأمَّا أحد وَجهي النصب : فأن يكون قَطعًا مما في " مهتدين " من ذكر " أولئك " (1) ، لأن الذي فيه من ذكرهم معرفة ، والصم نكرة.
والآخر : أن يكون قطعا من " الذين " ، لأن " الذين " معرفة و " الصم " نكرة (2) .
وقد يجوز النصبُ فيه أيضًا على وجه الذم ، فيكون ذلك وجهًا من النصب ثالثًا.
فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وَجه رواية علي بن أبي طلحة عنه ، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد ، وهو الاستئناف.
وأما النصب فقد يجوز فيه من وجهين : أحدهما : الذم ، والآخرُ : القطع من " الهاء والميم " اللتين في " تركهم " ، أو من ذكرهم في " لا يبصرون " .
وقد بيّنا القولَ الذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك. والقراءةُ التي هي القراءةُ ، الرفعُ دُون النصب (3) . لأنه ليس لأحد خلافُ رسوم مَصَاحف المسلمين. وإذا قُرئ نصبًا كانتْ قراءةً مخالفة رسم مصاحفهم.
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن المنافقين : أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحقّ مهتدين ، بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمعونهما ، لغلبة خِذلان الله عليهم ، بُكمٌ عن القيل بهما فلا ينطقون بهما - والبُكم : الخُرْسُ ، وهو جِماعُ أبكم - عُميٌ عن أن يبصرُوهما فيعقلوهما ، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون.
وبمثل ما قلنا في ذلك قال علماء أهل التأويل :
398 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ،
__________
(1) قطعا : أي حالا ، وانظر ما سلف : 230 تعليق : 4 .
(2) قطعا : أي حالا ، وانظر ما سلف : 230 تعليق : 4 .
(3) في المطبوعة : " والقراءة التي هي قراءة الرفع . . " ، وهو خطأ محض .

(1/330)


عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " صمٌّ بكم عُميٌ " ، عن الخير.
399 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدّثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " صم بكم عُمي " ، يقول : لا يسمعون الهدى ولا يُبصرونه ولا يعقلونه.
400 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " بكم " ، هم الخُرس.
401 - حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله " صم بكْم عُمْي " : صمٌّ عن الحق فلا يسمعونه ، عمي عن الحق فلا يبصرونه ، بُكم عن الحق فلا ينطقون به (1) .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) }
قال أبو جعفر : وقوله " فهم لا يرجعون " ، إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين - الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهدَى ، وَصممِهم عن سمَاع الخير والحق ، وَبكمَهم عن القيل بهما ، وعَماهم عن إبصارهما - (2) أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم ، ولا يتُوبون إلى الإنابة من نفاقهم. فآيَس المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا ، أو يقولوا حقًّا ، أو يَسمعوا داعيًا إلى الهدى ، أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتهم ، كما آيس من تَوبة قادة كفّار أهل الكتاب
__________
(1) هذه الأخبار 398 - 401 : تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية ، بالأرقام : 386 ، 387 ، 388 ، 390 .
(2) سياقه : " إخبار من الله عز وجل . . أنهم لا يرجعون . . " .

(1/331)


والمشركين وأحبارهم ، الذين وَصَفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سَمعهم وغشَّى على أبصارهم.
وبمثل الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
402 - حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة : " فهم لا يَرجعون " ، أي : لا يتوبون ولا يذَّكَّرون.
403 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " فهم لا يَرْجعون " : فهم لا يرجعون إلى الإسلام.
وقد رُوي عن ابن عباس قولٌ يخالف معناه معنى هذا الخبر ، وهو ما : -
404 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " فهم لا يَرْجعون " ، أي : فلا يرجعون إلى الهدَى ولا إلى خير ، فلا يصيبون نَجاةً مَا كانوا على مَا هم عليه (1) .
وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوة بخلافه. وذَلك أن الله جلّ ثناؤه أخبرَ عن القوم أنهم لا يَرجعون - عن اشترائهم الضلالة بالهدى - إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق ، من غير حَصْرٍ منه جلّ ذكره ذلك من حالهم على وقت دون وقت (2) وحال دون حال. وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس ، يُنبئ أنّ ذلك من صفتهم محصورٌ على وقت (3) وهو ما كانوا على أمرهم مقيمين ، وأنّ لهم السبيلَ إلى الرجوع
__________
(1) هذه الأخبار 402 - 404 : تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية . بالأرقام : 401 ، 400 ، 398 .
(2) في المطبوعة : " إلى وقت دون وقت " ، وهو خطأ .
(3) في المطبوعة : " ينبئ عن أن . . " .

(1/332)


أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)

عنه. وذلك من التأويل دعوى بَاطلة (1) ، لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبرٍ تقوم بمثله الحجة فيسلم لها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ }
قال أبو جعفر : والصّيِّب الفَيْعِل من قولك : صَاب المطر يَصوب صَوبًا ، إذا انحدَر وَنزَل ، كما قال الشاعر :
فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلأَكٍ... تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (2)
وكما قال علقمة بن عَبَدَة :
كَأَنَّهمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ (3)
__________
(1) في المخطوطة " دعوى ناظر " ، وصوابها " دعوى باطل " بالإضافة .
(2) ينسب هذا البيت لعلقمة بن عبدة ، وليس له ، ولا هو في ديوانه . وسيأتي في تفسير آية سورة البقرة 30 (1 : 155 بولاق) ، وبغير هذه الرواية ، وهو من أبيات سيبويه 1 : 379 وشرح شواهد الشافية : 287 ، واللسان (ألك) وغيرها ، غير منسوب . ويقال إنه لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح النعمان . وحكى السيرافي أنه لأبي وجزة السعدي ، يمدح عبد الله بن الزبير . وجاء في المخطوطة " ولكن ملأكًا " . وقبل البيت : تعاليتَ أن تُعْزَى إلى الإنْس خَلَّةً ، ... وَلِلإِنْسِ من يعزُوك ، فهو كذوبُ
(3) ديوانه : البيت الأول : 34 ، والثاني قبله : 19 ، وشرح المفضليات : 784 ، 769 ، يمدح بها الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني ، وكان أسر أخاه شأسًا ، فرحل إليه يطلب فكه . ويذكر في هذا البيت يوم عين أباغ ، وفيه غزا الحارث الغساني ، المنذر بن المنذر بن ماء السماء ، فالتقوا بعين أباغ ، فهزم جيش المنذر ، وقتل المنذر يومئذ . وقوله " كأنهم " يعني جيش المنذر . وصاب المطر : انحدر وانصب . وكان وصف الجيش المنهزم في البيت الذي قبله ، بين ساقط قد صرع ، وبين قتيل قد هلك . فشبههم بطير أصابها المطر الغزير وأخذتها الصواعق ، ففزعت ، ولم تستطع أن تنهض فتطير ، فهي تدب تطلب النجاة . والضمير في قوله : " لطيرهن " للصواعق ، أي لطير الصواعق ، وأراد الطير التي أفزعتها الصواعق ، ولبدها المطر .

(1/333)


فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبين مُغَمَّرٍ ، ... سُقِيتِ رَوَايَا الْمُزْنِ حين تَصُوبُ (1)
يعني : حين تنحدر. وهو في الأصل " صَيْوِب " ، ولكن الواو لما سَبقتها ياء ساكنة ، صيرتا جميعًا ياءً مشددةً ، كما قيل : سيِّد ، من ساد يسود ، وجيِّد ، من جاد يجود. وكذلك تفعل العربَ بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة ، تصيِّرهما جميعًا ياءً مشددةً.
وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
405 - حدثني محمد بن إسماعيل الأَحْمَسي ، قال : حدثنا محمد بن عُبيد ، قال : حدثنا هارون بن عَنترة ، عن أبيه (2) ، عن ابن عباس في قوله " أو كصيِّب من السماء " ، قال : القطر.
406 - حدثني عباس بن محمد ، قال : حدثنا حجاج ، قال : قال ابن جُرَيج ، قال لي عطاء : الصيّب ، المطرُ.
407 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قال : الصيّب ، المطرُ.
408 - حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن
__________
(1) هذا البيت في صدر القصيدة . يخاطب صاحبته ، وفي المطبوعة " معمر " وهو خطأ . والمغمر والغمر : الجاهل الذي لم يجرب الأمور ، كأن الجهل غمره وطغا عليه . والشطر الثاني دعاء لها بالخصب والنعمة . والروايا جمع راوية : وهي الدابة التي تحمل مزاد الماء . والمزن : السحاب الأبيض ، شبهه بالروايا حاملات الماء . ورواية ديوانه والمفضليات " سقتك " .
(2) الإسناد 405 - محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي - شيخ الطبري : ثقة ، روى عنه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وغيرهم . له ترجمة في التهذيب . وترجمه ابن أبي حاتم 3/2/ 190 . محمد بن عبيد : هو الطنافسي الأحدب ، وهو ثقة معروف ، روى عنه أحمد ، وإسحاق ، وابن معين ، وغيرهم . هارون بن عنترة بن عبد الرحمن : ثقة ، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما . وترجمه البخاري في الكبير 4/2/ 221 ، فلم يذكر فيه جرحًا ، وابن سعد 6 : 243 . أبوه : هو عنترة بن عبد الرحمن ، وكنيته " أبو وكيع " ، وهو تابعي ، قال البخاري في الكبير 4/1/84 " رأى : عليًّا ، روى عنه ابنه هارون ، وأبو سنان " ، وترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 163 ، وابن أبي حاتم 3/2/35 ، وذكر أنه روى عن عثمان ، وعلي ، وابن عباس ، وأن أبا زرعة سأل عنه فقال : " كوفي ثقة " .

(1/334)


السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الصيّب ، المطرُ.
409 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي سعدٌ ، قال : حدثني عمِّي الحسين ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس ، مثله.
410 - وحدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " أو كصيِّب " ، يقول : المطر.
411 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أنبأنا مَعمر ، عن قتادة ، مثله.
412 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، وعمرو بن علي ، قالا حدّثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : الصيِّب ، الربيعُ (1) .
413 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : الصيِّب ، المطرُ.
414 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : الصيِّبُ ، المطرُ.
415 - حُدِّثت عن المِنجَاب ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الصيِّبُ ، المطر.
416 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد : " أو كصيِّب من السماء " قال : أو كغَيْثٍ من السماء.
417 - حدثنا سَوّار بن عبد الله العنبري ، قال : قال سفيان : الصَّيِّب ، الذي فيه المطر.
__________
(1) في المطبوعة : " الصيب : المطر " . والربيع : المطر في أول الربيع .

(1/335)


418 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا معاوية ، قال : حدثنا ابن جُريج ، عن عطاء ، في قوله : " أو كصيِّب من السماء " ، قال : المطر (1) .
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : مَثَلُ استضاءَةِ المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام ، مع استسرارهم الكفر ، مَثلُ إضاءة موقد نارٍ بضوء ناره ، على ما وصف جل ثناؤه من صفته ، أو كمثل مَطرٍ مُظلمٍ وَدْقُه تحدَّر من السماء (2) ، تحمله مُزنة ظلماء في ليلة مُظلمة. وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه.
فإن قال لنا قائل : أخبرنا عن هذين المثَلين : أهما مثَلان للمنافقين ، أو أحدُهما ؟ فإن يكونا مثلَيْن للمنافقين ، فكيف قيل : " أو كصيِّب " ، و " أو " تأتي بمعنى الشك في الكلام ، ولم يقل " وكصيب " بالواو التي تُلحِق المثَلَ الثاني بالمثَل الأول ؟ أو يكون مَثل القوم أحدهما ، فما وجه ذكر الآخر بِـ " أو " ؟ وقد علمت أنّ " أو " إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشّكّ من المخبِر فيما أخبر عنه ، كقول القائل : " لقيني أخوك أو أبوك " وإنما لقيه أحدُهما ، ولكنه جهل عَيْنَ الذي لقيه منهما ، مع علمه أن أحدهما قد لقيه. وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يُضاف إليه الشك في شيء ، أو عُزُوب عِلم شيء عنه ، فيما أخبَرَ أو تَرك الخبر عنه.
قيل له : إنّ الأمرَ في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه. و " أو " - وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشكّ - فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدلُّ عليه الواو ، إما بسابق من الكلام قبلها ، وإما بما يأتي بعدها ، كقول تَوْبة بن الحُمَيِّر :
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (3)
__________
(1) الأخبار 405 - 418 : ساقها مختصرة ابن كثير 1 : 99 ، والدر المنثور 1 : 33 .
(2) الودق : المطر يخرج من خلل السحاب مسترخيًا .
(3) من قصيدة له ، أمالي القالي 1 : 88 ، 131 ، وأمالي الشريف المرتضى 3 : 146 ، وأمالي الشجري 2 : 317 ، والأضداد لابن الأنباري : 243 ، وغيرها كثير .

(1/336)


ومعلوم أنّ ذلك من توبة على غير وجه الشكّ فيما قال ، ولكن لمّا كانت " أو " في هذا الموضع دالةً على مثل الذي كانت تدل عليه " الواو " لو كانت مكانها ، وضَعها موضعَها ، وكذلك قولُ جرير :
نَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ، ... كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ (1)
وكما قال الآخر :
فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا... بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ (2) عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيا جَمِيعًا... لِشَأْنِهما ، بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاقِ (3)
فقد دلّ بقوله " على المرأين إذْ مَضَيا جميعًا " أنّ بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يُرد أن يقصدَ به أحدَهما دونَ الآخر ، بل أراد أن يبكيهما جميعًا. فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه " أو كصيِّب من السماء " . لمّا كان معلومًا أن " أو " دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه " الواو " لو كانت مكانها - كان سواء نطق فيه ب " أو " أو ب " الواو " . وكذلك وجه حذف " المثل " من قوله " أو كصيب " . لما كان قوله :
__________
(1) ديوانه : 275 ، وسيأتي في تفسيره آية البقرة : 74 (1 : 287 بولاق) ، وآية طه : 40 (16 : 128 بولاق) ، وأمالي الشجري 1 : 317 ، يقولها في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز . وروايته " إذ كانت " ، وفي المطبوعة : " جاء الخلافة " ، وهي رواية سقيمة .
(2) البيتان لمتمم بن نويرة اليربوعي . اللسان (عفق) ، أمالي الشجري ، 2 : 318 ، أمالي المرتضى 3 : 147 ، الأضداد لابن الأنباري : 243 . وفي المطبوعة والمخطوطة " على جبير " ، وهو خطأ محض ، وفي المطبوعة : " عناق " ، وهو خطأ أيضًا . وهذا الشعر يقوله متمم بن نويرة في رثاء بجير بن عبد الله بن الحارث اليربوعي ، وهو بجير بن أبي مليل ، وأخوه عفاق بن أبي مليل . قتل أولهما يوم قشاوة ، قتله لقيم بن أوس (النقائض : 20) ، وقتل عفاق يوم العظالى ، قتله الدعاء ، وقيل قتله الفريس بن مسلمة (النقائض : 583) .
(3) يروى " بحزن واحتراق " و " بشجو واشتياق " . وقوله : " مضيا لشأنهما " أي ، هلكا ولقيا ما يلقى كل حي .

(1/337)


" كمثل الذي استوقد نارًا " دالا على أن معناه : كمثل صيب ، حَذفَ " المثَل " ، واكتفى - بدلالة ما مضى من الكلام في قوله : " كمثل الذي استوقد نارًا " على أن معناه : أو كمثل صيِّب - من إعادة ذكر المثلَ ، طَلبَ الإيجاز والاختصار.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا }
قال أبو جعفر : فأما الظلمات ، فجمعٌ ، واحدها ظُلمة.
أما الرَّعد ، فإنّ أهل العلم اختلفوا فيه :
فقال بعضهم : هو مَلك يَزجُر السحابَ.
* ذكر من قال ذلك :
419 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شُعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، قال : الرعد ، مَلك يَزجُر السحاب بصوته.
420 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عَديّ ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، مثله.
421 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : حدتنا فُضَيْل بن عِيَاض ، عن ليث ، عن مجاهد ، مثله (1) .
422 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هُشيم قال : أنبأنا إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، قال : الرَّعد ، مَلك من الملائكة يُسبِّح (2) .
__________
(1) الإسناد 421 - يحيى بن طلحة اليربوعي : روى عنه الترمذي وغيره ، وذكره ابن حبان في الثقات . وضعفه النسائي ، فقال في الضعفاء : 32 : " ليس بشيء " .
(2) الإسناد 422 - إسماعيل بن سالم الأسدي : ثقة ، روى عنه الثوري وأبو عوانة ، قال ابن سعد 7/2/67 : " كان ثقة ثبتًا " . وأبو صالح : هو السمان .

(1/338)


423 - حدثني نَصر بن عبد الرحمن الأزدي ، قال : حدثنا محمد بن يَعْلَى ، عن أبي الخطاب البصري ، عن شَهر بن حَوشب ، قال : الرّعد ، مَلك موكَّل بالسحاب يَسوقه ، كما يسوق الحادي الإبل ، يُسبِّح. كلما خالفتْ سحابةٌ سحابةً صاح بها ، فإذا اشتد غَضبه طارت النارُ من فيه ، فهي الصواعقُ التي رأيتم (1) .
424 - حدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الرَّعد ، مَلَك من الملائكة اسمه الرعد ، وهو الذي تسمعون صوته.
425 - حُدِّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا عبد الملك بن حسين ، عن السُّدّيّ ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس ، قال : الرعد ، مَلَك يَزجُر السحاب بالتسبيح والتكبير (2) .
426 - وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : الرعد اسم مَلَك ، وصوتهُ هذا تسبيحه ، فإذا اشتد زَجْرُه السحابَ ، اضطرب السحابُ واحتكَّ. فتخرج الصَّواعق من بينه.
427 - حدثنا الحسن ، قال : حدثنا عفان. قال : حدثنا أبو عَوَانة ، عن
__________
(1) الإسناد 423 - نصر بن عبد الرحمن بن بكار التاجي ، شيخ الطبري : ثقة ، روى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما ، مترجم في التهذيب ، وقال " ويقال : الأزدي " ، فكذلك نسب هنا ، وكذلك روى عنه الطبري في التاريخ 2 : 128 ، ونسبه " الأزدي " ، ووقع في المطبوعة " الأودي " بالواو بدل الزاي ، وهو تصحيف . محمد بن يعلى : هو السلمي الكوفي ، ولقبه " زنبور " ، وهو ضعيف ، وقال البخاري " يتكلمون فيه " . أبو الخطاب البصري : لم أعرف من هو ؟ ولكن ذكر الدولابي في الكنى 1 : 167 " أبو الخطاب عبد الله " ، ثم قال : " وروى محمد بن عبد الله بن عمار عن المعافى بن عمران عن عبد الله أبي الخطاب عن شهر بن حوشب " فذكر حديثًا . ولم يبين أكثر من ذلك ، ولم أجد ترجمته .
(2) الإسناد 425 - عبد الملك بن حسين : هو أبو مالك النخعي الواسطي ، اشتهر بكنيته وبها ترجم في التهذيب 12 : 219 ، وترجمه ابن أبي حاتم باسمه 2/2/347 . وهو ضعيف ليس بشيء .

(1/339)


موسى البزار ، عن شهر بن حَوْشب ، عن ابن عباس ، قال : الرعدُ مَلَكٌ يسوق السحاب بالتسبيح ، كما يسوق الحادي الإبل بحُداته.
428 - حدثنا الحسن بن محمد ، قال : حدثنا يحيى بن عَبَّاد ، وشَبابة ، قالا حدثنا شعبة ، عن الحكَم ، عن مجاهد ، قال : الرَّعد مَلكٌ يزجر السحاب.
429 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزُّبيري ، قال : حدثنا عتَّاب بن زياد ، عن عكرمة ، قال : الرعد مَلك في السحاب ، يَجمع السحابَ كما يَجمع الراعي الإبل.
430 - وحدثنا بشر ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : الرعد خَلْقٌ من خَلق الله جل وعز ، سامعٌ مطيعٌ لله جل وعَز.
431 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن عكرمة ، قال : إن الرعد مَلكٌ يُؤمر بإزجاء السحاب فيؤلِّف بينه ، فذلك الصوت تسبيحه.
432 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، قال : الرعد مَلك.
433 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن المغيرة بن سالم ، عن أبيه ، أو غيره ، أن علي بن أبي طالب قال : الرعد : مَلك.
434 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد ، قال : أخبرنا موسى بن سالم أبو جَهْضم ، مولى ابن عباس ، قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْدِ يسألهُ عن الرعد ، فقال : الرعد مَلك (1) .
__________
(1) الخبر 434 - هذا إسناد منقطع : موسى بن سالم أبو جهضم : ثقة ، ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة . " أبو الجلد " : بفتح الجيم وسكون اللام وآخره دال مهملة ، ووقع في الأصول هنا ، وفي الروايات التالية " أبو الخلد " بالخاء بدل الجيم ، وهو تصحيف . وأبو الجلد : هو جيلان - بكسر الجيم - بن أبي فروة ، ويقال : ابن فروة الأسدي البصري ، كما ذكر البخاري في ترجمته في الكبير 1/2/250 . وقال ابن أبي حاتم 1/1/547 : " صاحب كتب التوراة ونحوها " . ثم روى عن أحمد بن حنبل أنه وثقه . وترجمه ابن سعد 7/1/161 ، وقال : " أبو الجلد الجوني ، حي من الأزد ، واسمه : جيلان بن فروة ، وكان ثقة " . وذكره ابن حبان في الثقات : 157 ، والدولابي في الكنى 1 : 139 ، والزبيدي في شرح القاموس (جلد) و (جيل) . وذكره الحافظ في لسان الميزان في الأسماء 2 : 144 ، ووعد بترجمته في الكنى " أبو الجلد " ، ثم لم يفعل ، وروى عنه الطبري أثرًا في التاريخ 2 : 203 . وسيأتي في الخبر : 445 أنه " رجل من أهل هجر " .

(1/340)


435 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا عمر بن الوليد الشَّنّي ، عن عكرمة ، قال : الرعدُ ملكٌ يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل (1) .
436 - حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا الحكَم بن أبان ، عن عكرمة ، قال : كان ابن عباس إذا سمع الرعد ، قال : سُبحان الذي سَبَّحتَ له. قال : وكان يقول : إن الرَّعد مَلكٌ يَنعَق بالغيث كما ينعَقُ الراعي بغنمه (2) .
وقال آخرون : إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب فتصَّاعد ، فيكون منه ذلك الصوت.
* ذكر من قال ذلك :
437 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزُّبيري ، قال : حدثنا بِشر بن إسماعيل ، عن أبي كثير ، قال : كنت عند أبي الجَلد ، إذْ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه ، فكتب إليه : " كتبتَ تَسألني عن الرّعد ، فالرعد الريح (3) .
438 - حدثني إبراهيم بن عبد الله ، قال : حدثنا عِمْران بن مَيسرة ، قال : حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن الفُرات ، عن أبيه (4) قال : كتب ابن عباس
__________
(1) عمر بن الوليد الشني أبو سلمة العبدي : ثقة ، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما ، وقال أبو حاتم : " ما أرى بحديثه بأسًا " . وهو مترجم في التعجيل : 304 ، وابن أبي حاتم 3/1/ 139 . " الشني " : بفتح الشين المعجمة ، كما في المشتبه : 279 . ووقع في المطبوعة بالمهملة ، وهو تصحيف .
(2) الإسناد 436 - سعد بن عبد الله بن عبد الحكم : لم أجد له ترجمة إلا في كتاب ابن أبي حاتم 2/1/ 92 ، وقال : " سمعت منه بمكة وبمصر ، وهو صدوق " .
(3) الإسناد 437 - هو إسناد مشكل . ما وجدت ترجمة " بشر بن إسماعيل " ، وما عرفت من هو . ثم لم أعرف من " أبو كثير " الراوي عن أبي الجلد . وسيأتي هذا الإسناد مرة أخرى : 443 .
(4) الإسناد 438 - عمران بن ميسرة المنقري : ثقة ، من شيوخ البخاري وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم . ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي : ثقة مأمون حجة . الحسن بن الفرات : ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه . أبوه : فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز التميمي ، ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة ، ولكن روايته عن ابن عباس منقطعة ، إنما هو يروى عن التابعين .

(1/341)


إلى أبي الجَلد يسأله عن الرعد ، فقال : الرعد ريح (1) .
قال أبو جعفر : فإن كان الرّعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد ، فمعنى الآية : أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات وصوتُ رَعد. لأن الرعد إن كان مَلَكًا يسوق السَّحاب ، فغير كائن في الصيِّب ، لأن الصيِّب إنما هو ما تحدَّر من صَوْب السحاب ، والرعد إنما هو في جو السماء يَسوق السحاب. على أنه لو كان فيه ثَمَّ لم يكن له صوت مسموع ، فلم يكن هنالك رُعب يُرْعَب به أحد (2) . لأنه قد قيل : إنّ مع كل قطرةٍ من قطر المطر مَلَكًا ، فلا يعدُو الملكُ الذي اسمه " الرعد " ، لو كان مع الصيِّب ، إذا لم يكن مسموعًا صوته ، أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض ، في أن لا رُعب على أحد بكونه فيه. فقد عُلم - إذ كان الأمر على ما وصفنا من قول ابن عباس - أنّ معنى الآية : أو كمثَل غَيث تحدَّر من السماء فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ ، إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس ، وأنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام مِنْ ذكر صوته. وإن كان الرعد ما قاله أبو الجَلد ، فلا شيء في قوله " فيه ظلماتٌ ورَعدٌ " متروك. لأن معنى الكلام حينئذ : فيه ظلمات ورعدٌ الذي هو ما وصفنا صفته.
وأما البَرْق ، فإن أهل العلم اختلفوا فيه : فقال بعضهم بما : -
439 - حدثنا مَطرُ بن محَمد الضَّبّي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، - ح - وحدثني محمد بن بشار ، قال : حدثني عبد الرحمن بن مهدي ، - ح - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزُّبيري ، قالوا جميعًا : حدثنا سفيان الثوري ، عن سَلمة بن كُهيل ، عن سعيد بن أشْوَعَ ، عن ربيعة
__________
(1) الأخبار 419 - 438 جميعًا : لم يذكرها ابن كثير ولا السيوطي في الدر المنثور ، وذكر البغوي في تفسيره 1 : 99 - 100 ، بعضها ، والقرطبي 1 : 187 وما بعدها .
(2) في المطبوعة : " على أنه لو كان فيه يمر ، لم يكن له صوت مسموع ، فلم يكن هناك رعب " وهو من تبديل النساخ .

(1/342)


بن الأبيض ، عن علي ، قال : البرق : مخاريقُ الملائكة (1) .
440 - حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا عبد الملك بن الحسين ، عن أبي مالك ، عن السُّدّيّ ، عن ابن عباس : البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكة ، يزْجرون بها السحاب.
441 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا الحجاج ، قال : حدثنا حماد ، عن المغيرة بن سالم ، عن أبيه ، أو غيره ، أن علي بن أبي طالب قال : الرَّعد الملَك ، والبرق ضَرْبه السحابَ بمخراق من حديد.
وقال آخرون : هو سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحابَ.
* ذكر من قال ذلك :
442 - حدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، بذلك.
وقال آخرون : هو ماء.
* ذكر من قال ذلك :
443 - حُدِّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا بِشر بن إسماعيل ، عن أبي كثِير ، قال : كنت عند أبي الجَلْد ، إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب إليه ، فكتب إليه : " كتبت إليّ تسألني عن البرق ، فالبرق الماء " .
444 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، قال : حدثنا عمران بن مَيسرة ، قال : حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن الفرات ، عن أبيه ، قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْد يسأله عن البرق ، فقال : البرق ماء.
445 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن رجل ، من أهل البصرة من قُرَّائهم ، قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد - رجل من أهل هَجَر - يسأله عن البرق ، فكتب إليه : " كتبت إليّ تسألني عن البرق ، وإنه من الماءِ " .
وقال آخرون : هو مَصْع مَلَك (2) .
446 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، قال : البرق ، مَصْع مَلك (3) .
447 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا هشام ، عن محمد بن مُسلم الطائفي ، قال : بلغني أن البرق مَلكٌ له أربعة أوجه ، وجهُ إنسان ، ووجه ثَور ، ووجه نَسر ، ووجه أسد ، فإذا مَصَع بأجنحته فذلك البرق (4) .
448 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن وهب بن سليمان ، عن شُعيب الجَبَائي قال : في كتاب الله : الملائكة حَمَلة العرش ، لكل مَلك منهم وَجه إنسان وثور وأسد ، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق
__________
(1) الإسناد 439 - سلمة بن كهيل الحضرمي : ثقة معروف ، سعيد بن أشوع : هو سعيد ابن عمرو بن أشوع الكوفي القاضي ، نسب إلى جده . وهو ثقة ، أخرج له الشيخان في الصحيحين ، ربيعة بن الأبيض - الذي روى عن علي - لم أجد له ترجمة إلا في كتاب الثقات لابن حبان : 184 . قال : " ربيعة بن الأبيض ، يروى عن علي بن أبي طالب ، روى عنه ابن أشوع " .
المخاريق جمع مخراق : وهو منديل أو نحوه يلوى فيضرب به ، ويلف فيفزع به ، وهو من لعب الصبيان ، ومنه سمى السيف مخراقًا .
(2) المصع : الضرب بالسيف أو السوط أو غيرهما . والمصاع : المجالدة بالسيف . يعني أن الملك يضرب السحاب بمخراقه .
(3) الإسناد 446 - عثمان بن الأسود بن موسى المكي : ثقة ثبت كثير الحديث ، يروى عن مجاهد ، ويروى عنه سفيان الثوري .
(4) الإسناد 447 - محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي : وثقه ابن معين ، وقال ابن مهدي : " كتبه صحاح " ، وضعفه أحمد بن حنبل ، وأخرج له مسلم في صحيحه حديثًا واحدًا متابعة .

(1/343)


(1) . وقال أميةُ بن أبي الصلت :
رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ... وَالنَّسْرُ لِلأُخْرَى ، وَلَيْثٌ مُرْصِدُ (2)
449 - حدثنا الحسين بن محمد ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : البرق ملك.
450 - وقد حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : الصواعق مَلَك يضربُ السحابَ بالمخاريق ، يُصيب منه من يشاء (3) .
قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد. وذلك أن تكون المخاريقُ التي ذكر عليّ رضي الله عنه أنها هي البرق ، هي السياط التي هي من نور ، التي يُزجي بها الملك السحاب ، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب ، مَصْعَه إياه (4) . وذلك أن المِصَاعَ عند العرب ، أصله : المجالَدَةُ بالسيوف ، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به في حرب وغير حرب ، كما قال أعشى بني ثعلبة ، وهو يصف جَواريَ يلعبن بِحلْيهنَّ ويُجالدْن به (5) .
__________
(1) الأثر 448 - وهب بن سليمان الجندي - بفتح الجيم والنون - اليماني ، قال البخاري في الكبير 4/2/ 169 - 170 : " عن شعيب الجبائي ، قوله ، روى عنه ابن جريج " . ولم أجد له ترجمة عند غيره . شعيب الجبائي : بفتح الجيم والباء الموحدة مخففة ، نسبة إلى " جبأ " ، بوزن " جبل " ، وهو جبل في اليمن قرب الجند ، كما قال ياقوت وغيره . وشعيب هذا ترجمه البخاري في الكبير 2/2/ 219 . وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/ 353 ، قال : " شعيب الجبائي : يماني ، يروى عن الكتب [يريد الكتب المنسوبة لأهل الكتاب من الأساطير] ، روى عنه سلمة بن وهرام " ، ثم جزم ابن أبي حاتم بأنه " شعيب بن الأسود " ، ثم روى بإسناده عن زمعة ، عن شعيب بن الأسود ، قال : أجد في كتاب الله " . وله ترجمة في لسان الميزان 3 : 150 وقال : " أخباري متروك " . ثم ذكر شيئًا مما لا يقبله العقل من كلامه ، وقال : " ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : كان قد قرأ الكتب " .
(2) ديوانه : 25 ، وسيأتي في تفسير آية الرعد : 35 (13 : 109 بولاق) . ورواية ديوانه : " تحت يمنى رجله ، والنسر لليسرى " . قال الطبري في الموضع الآخر : " كأنه قال : تحت رجله ، أو تحت رجله اليمنى " . والضمير في قوله : " رجله " ، يعنى به إسرافيل ، وذكره في شعره قبل . وفي ديوانه ، وفي الموضع الآخر من الطبري : " زحل " ، كأنه يعني البروج ، ولكن استدلال الطبري هنا واضح ، دال على أن روايته " رجل " .
(3) الأخبار 439 - 450 : لم تذكر في ابن كثير ، ولا في الدر المنثور . وانظر البغوي 1 : 99 - 100 ، والقرطبي 1 : 188 .
(4) في المطبوعة : " إزجاء الملك السحاب ، مصعه إياه بها " .
(5) المجالدة : المضاربة بالسيوف وغيرها في المصارعة والقتال ، من الجلد .

(1/345)


إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ... وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ (1)
يقال منه : ماصَعه مصاعًا. وكأن مجاهدًا إنما قال : " مَصْعُ ملك " ، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك ، وإنما الرعد هو المماصع له ، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا.
وقد ذكرنا ما في معنى " الصاعقة " - ما قال شَهر بن حَوشب فيما مضى.
وأما تأويل الآية ، فإن أهل التأويل مُختلفون فيه :
فرُوي عن ابن عباس في ذلك أقوال : أحدها : ما -
451 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات ورَعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت " : أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذَر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم - على مثل ما وصف ، من الذي هو في ظلمة الصيب ، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَرَ الموت ، يكاد البرق يخطفُ أبصارهم - أي لشدة ضوء الحق - كلما أضاءَ لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ، أي يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين (2) .
والآخر : ما -
452 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، " أو كصيِّب من السماء فيه ظُلماتٌ ورَعدٌ وبرق " إلى " إنّ الله عَلى كل شيء قدير " ، أما الصيب فالمطر (3) . كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله ، فيه رعدٌ شديد وصواعقُ وبرقٌ ، فجعلا كلَّما أضاء لهما الصواعقُ جعلا أصابعَهما في آذانهما ، من الفَرَق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما. وإذا لمع البرق مَشيا في ضوئه (4) ، وإذا لم يلمع لم يبصِرا وقاما مكانهما لا يمشيان (5) ، فجعلا يقولان : ليتنا قد أصبحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيدينا في يده. فأصبحا ، فأتياه فأسلما ، ووضعا أيديهما في يده ، وحَسُن إسلامهما. فضرب الله شأن هذين المنافقيْن الخارجيْن مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم ، فَرَقًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيقتَلوا ، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت أموالهم ، ووُلد لهم الغلمان (6) ، وأصابوا غنيمةً أو فتحًا ، مشوْا فيه ، وقالوا : إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دينُ صدق. فاستقاموا عليه ، كما كان ذانك المنافقان يمشيان ، إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا (7) . فكانوا إذا هلكت أموالهم ، ووُلد لهم الجواري ، وأصابهم البلاء (8) ، قالوا : هذا من أجل دين محمد. فارتدوا كفارًا ، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما (9) .
والثالث : ما -
453 - حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس : " أو كصيِّب من السماء " ، كمطر ، " فيه ظلمات ورعدٌ وبرقٌ " إلى آخر الآية ، هو مَثل المنافق في ضوء ما تكلّم بما معه من كتاب الله وعمل ، مُراءَاةً للناس ، فإذا خلا وحده عَمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلماتُ فالضلالةُ ، وأما البرقُ فالإيمان ، وهم أهل الكتاب.
__________
(1) ديوانه : 15 ، وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جواري يلعبن بحليهن ويجالدن بها . وقد أخطأ المعنى . وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ . وذلك أن الأقران جمع قرن : وهو الذي يقارنك في القوة والشجاعة ، وأراد به الرجال ، وينازلن : أراد ما يكون منهن من المداعبة والممارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم . والجون ، جمع جونة : وهي سلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب . ويقال أيضًا : " جؤنة وجؤن " بالهمز . وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء ، يتخذن الزينة والطيب سلاحًا ، فيتصدين للرجال ابتغاء الظفر والغلبة ، والفتنة التي تصرع الألباب والعزائم ، فيقع الرجال أسرى في أيديهن .
(2) الخبر 451 - ذكره السيوطي في الدر المنثور بتمامه 1 : 32 - 33 ، ونسبه أيضًا لابن إسحاق ، وابن أبي حاتم . وفيه وفي المخطوطة " من الخلاف والتخويف منكم " ونقل ابن كثير بعضه 1 : 100 .
(3) في المطبوعة : " وأما الصيب والمطر " ، وهو خطأ .
(4) في الأصول : " مشوا " ، وصححناه من الدر المنثور والشوكاني .
(5) في الأصول : " قاما مكانهما " بغير واو ، وفي إحدى النسخ المخطوطة : " فقاما مكانهما " ، واتفقت سائر الأصول وما نقل في الدر المنثور والشوكاني على حذف الفاء ، والجملة لا تستقيم ، فجعلناها " وقاما " ، وهو صواب العبارة .
(6) في الدر المنثور : " وولدهم ، وأصابوا . . " ، وفي الشوكاني : " وأولادهم وأصابوا . . "
(7) في المخطوطة : " إذا أضاء لهما مشيا ، وإذا أظلم عليهما قاما " . وفي الدر المنثور : " يمشيان إذا أضاء بهما البرق ، وإذا أظلم عليهم قاموا " ، وفي الشوكاني : " يمشيان إذا أضاء لهم البرق ، وإذا أظلم عليهم قاموا " ، وأجودهن ما في المخطوطة ، وما في المطبوعة .
(8) في الدر المنثور والشوكاني : " إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء " .
(9) الحديث 452 - نقل في الدر المنثور 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 36 - 37 ، وسيأتي في ص 354 قول الطبري عن هذا الحديث وعن إسناده : " ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مرتابًا . " وانظر ما كتبه أخي السيد أحمد محمد شاكر في هذا الإسناد فيما مضى في الخبر رقم : 168 .
ويقول أحمد محمد شاكر عفا الله عنه : وحق لأبي جعفر رحمه الله أن يرتاب في إسناده . فإن هذا الإسناد فيه تساهل كثير ، من جهة جمع مفرق التفاسير عن الصحابة في سياق واحد ، تجمعه هذه الأسانيد ، كما بينا آنفًا . فإذا كان الأمر في تفسير معنى آية ، كان سهلا ميسورًا قبوله ، إذ يكون رأيًا أو آراء لبعض الصحابة في معنى الآية ، وما في ذلك بأس . أما إذا ارتفع الخبر إلى درجة الحديث ، بالإخبار عن واقعة معينة أو وقائع ، كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أسباب لنزول بعض الآيات ، أو نحو ذلك ، مما يلحق بالحديث المرفوع لفظًا أو حكمًا - كان قبول هذا الإسناد - إسناد تفسير السدي - محل نظر وارتياب . إذ هو رواية غير معروف مصدرها معرفة محددة : أي هؤلاء الذي قال هذا ؟ وأيهم الذي عبر عنه باللفظ الذي جاء به ؟ نعم ، إن ظاهره أنه عن الصحابة : إما ابن عباس ، وإما ابن مسعود ، وإما " ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " - فقد يقول قائل : إن مرجع الرواية فيه إلى الصحابة ، وسواء أعرف الصحابي الراوي أم أبهم اسمه ، فإن ذلك لا يخرجه عن رواية الصحابة ، وجهالة الصحابي لا تضر ؟ ولكن سياق هذه الروايات المطولة المفصلة ، في التفسير وفي الحوادث المتعلقة بأسباب النزول ، مثل الرواية التي هنا في هذا الموضع ، مع إعراض أئمة الحديث ، الذين خرجوا الروايات الصحيحة ، والروايات المقبولة مما هو دون الصحيح - عن إخراج هذه الرواية ونحوها ، وإعراض مؤرخي السيرة عن روايتها أيضًا ، كل أولئك يوجب الريبة في اتصال مثل هذه الرواية ، وفي الجزم بنسبتها إلى الصحابة . إذ لعلها مما أدرج في الرواية أثناء الحديث بها . والاحتياط في نسبة الحديث المرفوع وما في حكمه واجب .

(1/346)


وإذا أظلم عليهم ، فهو رجلٌ يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يُجاوزه (1) .
والرابع : ما -
454 - حدثني به المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " أو كصيِّب من السماء " ، وهو المطر ، ضرب مَثله في القرآن يقول : " فيه ظلمات " ، يقول : ابتلاء ، " ورعد " يقول فيه تخويف ، " وبرق " ، " يكاد البرق يخطف أبصارهم " (2) ، يقول : يكاد محكم القرآن يدُلّ على عورات المنافقين ، " كلما أضاء لهم مَشوا فيه " . يقول : كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًّا اطمأنوا ، وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر (3) يقول : " وإذا أظلم عَليهم قاموا " ، كقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) [سورة الحج : 11] (4) .
ثم اختلف سائر أهل التأويل بعدُ في ذلك ، نظيرَ ما روي عن ابن عباس من الاختلاف :
455 - فحدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، قال : إضاءة البرق وإظلامُه ، على نحو ذلك المثَل.
456 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثلَه.
__________
(1) الخبر 453 - في الدر المنثور 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 37 ، مع اختلاف يسير في اللفظ .
(2) في الدر المنثور والشوكاني : " رعد وبرق - تخويف " .
(3) في المطبوعة : " قالوا رجعوا إلى الكفر " ، وهو خطأ محض .
(4) الخبر 454 - في الدر المنثور 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 36 ، وبعضه في تفسير ابن كثير 1 : 100 .

(1/349)


457 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثله.
458 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة ، في قول الله : " فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ " إلى قوله " وإذا أظلم عليهم قاموا " ، فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سَلوة من عَيش ، قال : أنا معكم وأنا منكم ، وإذا أصابته شَديدةٌ حَقحقَ والله عندها ، فانقُطعَ به ، فلم يصبر على بلائها ، ولم يَحتسب أجرَها ، ولم يَرْجُ عاقبتها (1) .
459 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا مَعمر ، عن قتادة : " فيه ظلمات ورعد وبرق " ، يقول : أجبنُ قوم (2) لا يسمعون شيئًا إلا إذا ظنوا أنهم هالكون فيه حَذرًا من الموت ، والله مُحيطٌ بالكافرين. ثم ضرب لهم مَثلا آخر فقال : " يكادُ البرقُ يخطف أبصارَهم كلما أضاء لهم مشوا فيه " ، يقول : هذا المنافق ، إذا كثر ماله ، وكثرت ماشيته ، وأصابته عافية قال : لم يُصبني منذُ دخلت في ديني هذا إلا خيرٌ. " وإذا أظلم عليهم قاموا " يقول : إذا ذهبت أموالهم ، وهلكت مواشيهم ، وأصَابهم البلاءُ ، قاموا متحيرين (3) .
460 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " فيه ظلمات ورعد وبرق " ، قال : مَثَلُهم
__________
(1) الأثر 458 - في الدر المنثور 1 : 33 ، وهو جزء من أثر قتادة بتمامه ، ونصه هناك : " فإذا رأى المنافق من الإسلام طمأنينة وعافية ورخاء وسلوة عيش ، قالوا : إنا معكم ومنكم . وإذا رأى من الإسلام شدة وبلاء ، فقحقح عند الشدة ، فلا يصبر لبلائها ، ولم يحتسب أجرها ، ولم يرج عاقبتها " . وقوله في الدر المنثور " قحقح " ، أظنه خطأ ، وإنما هو حقحق كما في أصول الطبري . والحقحقة : أرفع السير وأتعبه للظهر . يريد أنه يسرع إسراعًا في حيرته حتى يهلكه التعب ، وذلك أن المنافق لا يصبر على البلوى صبر المؤمن الراضي بما شاء الله وقدر . وقوله " فانقطع به " بالبناء للمجهول يقال للدابة وللرجل " قطع به وانقطع به " بالبناء للمجهول ، إذا عجز فلم ينهض ، وأتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه ، وانقطع رجاؤه . وفي المخطوطة " فتقطع به " وليست بشيء . وفي المطبوعة : " وإذا أصابته شدة " .
(2) في المطبوعة : " أخبر عن قوم " ، وهو كلام بلا معنى .
(3) الأثر 459 - لم أجده بلفظه ، وأثر قتادة في الدر المنثور 1 : 33 شبيه به في المعنى دون اللفظ .

(1/350)


كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة ، ولها مطر ورَعد وبرق على جادَّة ، فلما أبرقت أبصرُوا الجادَّة فمضوا فيها ، وإذا ذهب البرق تحيَّروا. وكذلك المنافق ، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له ، فإذا شك تحيَّر ووقع في الظلمة ، فكذلك قوله : " كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا " ، ثم قال : في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس ، " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " .
قال أبو جعفر :
461 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان الباهلي ، عن الضحاك بن مُزَاحم ، " فيه ظلمات " ، قال : أما الظلمات فالضلالة ، والبرق الإيمان (1) .
462 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : " فيه ظلمات ورَعد وبرق " ، فقرأ حتى بلغ : " إنّ الله على كل شيء قدير " ، قال : هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين ، كانوا قد استناروا بالإسلام ، كما استنارَ هذا بنور هذا البرق.
463 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جُريج : ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظنّ أنه يُراد به ، وأنه الموت ، كراهيةً له - والمنافق أكرهُ خلق الله للموت - كما إذا كانوا بالبَراز في المطر ، فرُّوا من الصواعق (2) .
464 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا ابن جُريج ، عن عطاء في قوله : " أو كصَيِّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " ، قال : مثَل ضُرِبَ للكافر (3) .
__________
(1) الأثر 461 - في الأصول " أبو نميلة " بالنون ، وهو خطأ ، والصواب " أبو تميلة " بالتاء مصغرًا ، وهو يحيى بن واضح ، كما مضى في : 392 .
(2) في المخطوطة : " كما إذ كانوا بالبر في المطر . . " ، وهو شبيه بالصواب . والبراز : الفضاء من الأرض البعيد الواسع ، ليس به شجر ولا غيره مما يستتر به .
(3) الآثار 460 - 464 : لم أجدها في مكان .

(1/351)


وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه ، فإنها - وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها - متقارباتُ المعاني ، لأنها جميعًا تُنبئ عن أن الله ضَرَب الصيِّب لظاهر إيمان المنافق مَثلا وَمثَّلَ ما فيه من ظلمات لضلالته ، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه (1) ؛ واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه ، لضَعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته (2) ؛ وَمشيَه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه ؛ وقيامَه في الظلام ، لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه (3) .
فتأويل الآية إذًا - إذْ كان الأمر على ما وصفنا - أو مَثَلُ ما استضاء به المنافقون - من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به ، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين ، وهم - مع إظهارهم بألسنتهم ما يُظهرون - بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر ، مكذِّبون ، ولخلاف ما يُظهرون بالألسُن في قلوبهم معتقدون ، على عمًى منهم ، وجهالة بما هم عليه من الضلالة ، لا يدرون أيّ الأمرين اللذين قد شَرَعا لهم [فيه] الهداية (4) ، أفي الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم ، أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وَجِلون ، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكُّون ، في قلوبهم مَرَض فزادهمُ الله مَرَضًا. كمثل غَيثٍ سَرى ليلا في مُزنة ظلماء
__________
(1) في المخطوطة : " بضلالته . . . بنور إيمانه " .
(2) في المطبوعة : " وتحير فؤاده " . والنخب : الجبن وضعف القلب . ورجل نخب ونخيب ومنخوب الفؤاد : جبان لا خير فيه ، كأنه منتزع الفؤاد ، فلا فؤاد له .
(3) في المطبوعة : " باستقامته . . بحيرته في ضلالته . . "
(4) في المخطوطة : " سرعا " غير واضحة ولا منقوطة . ولعل الصواب " شرعا " من قولهم شرعت الإبل الماء : أي دخلته وخاضت فيه لتشرب منه . والمنافق يخوض في الإيمان بلسانه وفي الكفر بقلبه . وزدت ما بين القوسين ليستقيم المعنى . وفي المطبوعة بعد : " الهداية في الكفر الذي كانوا عليه " ، بغير ألف الاستفهام ، وهو خطأ لا يستقيم .

(1/352)


وليلة مظلمة (1) يحدوها رعدٌ ، ويستطير في حافاتها برقٌ شديد لمعانه (2) ، كثير خَطرانه (3) ، يكاد سَنا برقه يَذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه ، وينهبط منها تارات صواعقُ ، تكاد تَدَع النفوس من شدة أهوالها زَواهق.
فالصيِّب مَثلٌ لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق ، والظلمات التي هي فيه لظُلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب. وأما الرعدُ والصواعق ، فلِما هم عليه من الوَجَل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه ، إما في العاجل وإما في الآجل ، أنْ يحلّ بهم ، مع شكهم في ذلك : هل هو كائن أم غير كائن ؟ وهل له حقيقة أم ذلك كذبٌ وباطلٌ ؟ - مثلٌ (4) . فهم من وَجلهم ، أن يَكون ذلك حَقًّا ، يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم ، مخافةً على أنفسهم من الهلاك ونزول النَّقِمَات (5) . وذلك تأويل قوله جل ثناؤه " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت " ، يعني بذلك : يتقون وَعيدَ الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار ، كما يتّقي الخائف أصواتَ الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها ، حَذَرًا على نفسه منها.
وقد ذكرنا الخبرَ الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم
__________
(1) في المطبوعة : " وليل مظلمة " ، وهو خطأ بين .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " يحذوها " بالذال المعجمة ، وهو خطأ . وإنما هو من حداء السائق بإبله : وهو غناؤه لها وزجره إياها ، وهو يسوقها . جعل صوت الرعد حداء للسحاب . واستطار البرق : سطع وشق السحاب وانتشر في جوانب الغمام .
(3) في المخطوطة : " خطواته " غير منقوطة ، وهو تحريف . من قولهم خطر بسيفه أو سوطه يخطر خطرانًا : إذا رفعه مرة ووضعه أخرى ، شبه شقائق البرق بالسوط يلمع مرة ويخفى أخرى .
(4) قوله " مثل " خبر مبتدأ محذوف ، فسياق الجملة كما ترى : أما الرعد والصواعق ، فمثل لما هم عليه من الوجل . .
(5) النقمات : جمع نقمة مثل كلمات وكلمة ، وهي العقوبات .

(1/353)


في آذانهم فَرَقًا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء ، أو يذكروا بشيء فيقتلوا. فإنْ كان ذلك صحيحًا - ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مُرتابًا - فإنّ القولَ الذي رُوي عنهما هو القول (1) . وإن يكن غيرَ صحيح ، فأولى بتأويل الآية ما قلنا ، لأن الله إنما قصّ علينا من خَبرهم في أول مُبتدأ قصتهم (2) ، أنهم يُخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، مع شكّ قلوبهم ومَرَض أفئدتهم في حقيقة ما زَعموا أنهم به مؤمنون ، مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم. وبذلك وصَفَهم في جميع آي القرآن التي ذكرَ فيها صفتهم. فكذلك ذلك في هذه الآية.
وإنما جَعل اللهُ إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتِّقائهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يَتَّقونهم به ، كما يتّقي سامعُ صَوتِ الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه. وذلك من المثَل نظيرُ تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزَل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق. وكذلك قوله " حَذَرَ الموت " ، جعله جلّ ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلِكهم الذي تُوُعِّدوه بساحتهم (3) كما يجعل سامعُ أصوات الصواعق أصَابعه في أذنيه ، حَذَرَ العطب والموت على نفسه ، أنْ تَزهق من شدتها.
وإنما نصَب قوله " حَذَرَ الموت " على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك : " زُرْتك تَكرمةً لك " ، تريد بذلك : من أجل تكرمتك ، وكما قال جلّ ثناؤه ، ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) [سورة الأنبياء : 90] على التفسير للفعل (4) .
وقد رُوي عن قتادة أنه كان يتأول قوله : " حَذَرَ الموت " ، حذرًا من الموت.
__________
(1) انظر الحديث رقم : 452 والتعليق عليه .
(2) في المطبوعة : " قصصهم " ، ولا بأس بها . وبعد ذلك في المخطوطة : " أنهم عارفون يخادعون الله . . " ، ولا معنى لإقحام قوله : " عارفون " .
(3) في المطبوعة : " العقاب المهلك . . " بدلوا لفظ الطبري ، ليوافق ما اعتادوه من الكلام .
(4) قوله " على التفسير للفعل " ، أي أنه مفعول لأجله .

(1/354)


465 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزّاق ، قال : أنبأنا مَعْمَر ، عنه.
وذلك مذهب من التأويل ضعيف ، لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حَذَرًا من الموت ، فيكون معناه ما قال إنه يراد به (1) ، حَذَرًا من الموت ، وإنما جعلوها من حِذَار الموت في آذانهم.
وكان قتادةُ وابنُ جُريج يتأوّلان قوله : " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَر الموت " ، أن ذلك من الله جلّ ثناؤه صفةٌ للمنافقين بالهلع وضعف القلوب وكراهة الموت ، ويتأولان في ذلك قوله : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) [سورة المنافقون : 4].
وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا. وذلك أنه قد كان فيهم من لا تُنكر شجاعته ولا تُدفع بسالته ، كقُزْمان ، الذي لم يَقم مقامه أَحدٌ من المؤمنين بأحُد ، أو دونه (2) . وإنما كانت كراهتُهم شُهود المشاهدِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتركُهم مُعاونته على أعدائه ، لأنهم لم يكونوا في أديانهم مُستبصرين ، ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقين ، فكانوا للحضور معه مَشاهدَه كارهين ، إلا بالتخذيل عنه (3) . ولكن ذلك وَصفٌ من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من حُلول عقوبة الله بهم على نفاقهم ، إما عاجلا وإما آجلا. ثم أخبر جل ثناؤه أنّ
__________
(1) في المطبوعة " مراد به " ، وهما سواء .
(2) هذه الجملة في المخطوطة هكذا : " كقزمان الذي لم يقم مقامه من المؤمنين كثير أحد ودونه " وهي عبارة مبهمة . وقد أثبت ما في المطبوعة ، وجعلت " ودونه " ، " أو دونه " ليستقيم المعنى . ويدل على ذلك أن عدة الذين قتلوا يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلا ، قتل قزمان وحده منهم عشرة ، وقتل علي بن أبي طالب أربعة ، وقتل حمزة بن عبد المطلب ثلاثة ، وقتل عاصم ابن ثابت بن الأقلح رجلين ، وقتل سعد بن أبي وقاص رجلا واحدًا . وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل رجلا صبرًا ، وقتل آخر بيده صلى الله عليه وسلم . وقزمان حليف بني ظفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لمن أهل النار . فلما أبلى يوم أحد ، قيل له : أبشر! قال : بماذا أبشر ؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي! ولولا ذلك ما قاتلت . ولما اشتدت به جراحته وآذته ، أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه .
(3) التخذيل : حمل الرجل على خذلان صاحبه ، وتثبيطه عن نصرته .

(1/355)


المنافقين - الذين نَعتهم الله النعتَ الذي ذكر ، وضرب لهم الأمثال التي وَصَف ، وإن اتقوْا عقابه ، وأشفقوا عَذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حِذَارَ حُلول الوعيد الذي توعدهم به في آي كتابه - غيرُ مُنْجيهم ذلك من نزوله بعَقْوَتهم (1) ، وحُلوله بِساحتهم ، إما عاجلا في الدنيا ، وإما آجلا في الآخرة ، للذي في قلوبهم من مَرَضها ، والشكّ في اعتقادها ، فقال : " والله مُحيطٌ بالكافرين " ، بمعنى جَامِعُهم ، فمُحلٌّ بهم عُقوبته.
وكان مجاهدٌ يتأول ذلك كما : -
466 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم. عن عيسى بن ميمون ، عن عبد الله بن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " والله مُحيط بالكافرين " ، قال : جامعهم في جهنم (2) .
وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما : -
467 - حدثني به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " والله مُحيط بالكافرين " ، يقول : الله منزلٌ ذلك بهم من النِّقمة (3) .
468 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، في قوله : " والله محيط بالكافرين " ، قال : جامِعُهم.
ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم ، والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم ، وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربَه لهم ولشكّهم ومَرَض قلوبهم ، فقال : " يكاد البرق " ، يعني بالبرق ، الإقرارَ الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به من عند ربهم. فجعل البرقَ له مثلا على ما قدَّمنا صفته.
__________
(1) في المطبوعة : " بعقوبتهم " ، وفي بعض المخطوطات : " بعقولهم " ، وكلتاهما خطأ محض . والعقوة : ساحة الدار ، وما كان حولها وقريبًا منها .
(2) الأثر 466 - من تمام أثر في الدر المنثور 1 : 33 .
(3) الخبر 467 - من تمام خبر في الدر المنثور 1 : 32 - 33 .

(1/356)


" يَخطفُ أبصَارهم " ، يعني : يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه ونُور شُعاعه .
469 - كما حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : " يكاد البرقُ يخطف أبصارهم " ، قال : يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل (1) .
قال أبو جعفر : والخطف السلب ، ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخطْفة ، يعني بها النُّهبة (2) . ومنه قيل للخُطاف الذي يُخرج به الدلو من البئر خُطَّاف ، لاختطافه واستلابه ما عَلق به ، ومنه قول نابغة بني ذُبيان :
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ متينةٍ... تَمُدُّ بها أَيدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ (3)
__________
(1) الخبر 469 - لم أجده . والتمع البصر أو غيره : اختلسه واختطفه وذهب به . ومنه الحديث : " إذا كان أحدكم في الصلاة ، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره " ، أي يختلس .
(2) الذي ذكره ابن الأثير في النهاية أن الخطفة : ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية ، لأن كل ما أبين من حي فهو ميت ، وذلك أن النهي عن الخطفة كان لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، رأى الناس يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ويأكلونها . قال : والخطفة المرة الواحدة من الخطف ، فسمى بها العضو المختطف ، وأما النهبة والنهبى ، فاسم لما ينهب ، وجاء بيانها في حديث سنن أبي داود 3 : 88 " فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها ، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيبًا ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النهبى " . وفي الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد ، وأصابوا غنما فانتهبوها ، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه ، فأكفأ قدورنا بقوسه ، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : إن النهبة ليست بأحل من الميتة " .
(3) ديوانه : 41 ، وقبله البيت المشهور : فَإِنَّكَ كَالليلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
خطاطيف : جمع خطاف . وحجن : جمع أحجن ، وهو المعوج الذي في رأسه عقافة . وقال " تمد بها " ولم يقل : تمدها ، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف ، وإنما أراد اليد التي تمتد بها وفيها الخطاطيف ، لأن اليد هي الذي تتبع الشيء حيث ذهب (انظر ما سيأتي من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص 360 س : 6 - 9) وقوله " إليك " متعلق بقوله " نوازع " . ونوازع جمع نازع ونازعة ، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها : جذبها وأخرجها . أي أن هذه الأيدي تجذب ما تشاء إليك ، وترده عليك . والبيت متصل بالذي قبله ، وبيان لقوله " فإنك كالليل الذي هو مدركى " ، أراد تهويل الليل وما يرى فيه ، تتبعه حيث ذهب خطاطيف حجن لا مهرب له منها .

(1/357)


فجعل ضَوءَ البرق وشدة شُعاع نُوره ، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشُعاعِ نوره ، مثلا.
ثم قال تعالى ذكره : " كلما أضاء لهم " ، يعني أن البرق كلما أضاء لهم ، وجعل البرق لإيمانهم مَثلا. وإنما أراد بذلك : أنهم كلما أضاء لهم الإيمان ، وإضاءتُه لهم : أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم ، من النُّصرة على الأعداء ، وإصابةِ الغنائم في المغازي ، وكثرة الفتوح ، ومنافعها ، والثراء في الأموال ، والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم ، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم ما يُظهرونه من الإقرار ، ابتغاءَ ذلك ، ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذَراريهم ، وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ) [سورة الحج : 11].
ويعني بقوله " مشوا فيه " ، مشوا في ضوء البرق. وإنما ذلك مَثلٌ لإقرارهم على ما وصفنا. فمعناه : كلما رأوا في الإيمان ما يُعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا ، ثبتوا عليه وأقاموا فيه ، كما يمشي السائر في ظُلمة الليل وظُلمة الصَّيِّب الذي وصفه جل ثناؤه ، إذا برقت فيها بارقةٌ أبصرَ طريقه فيها.
" وإذا أظلم " ، يعني : ذهب ضوءُ البرق عنهم.
ويعني بقوله " عليهم " ، على السائرين في الصيِّب الذي وَصف جل ذكره. وذلك للمنافقين مثَل. ومعنى إظلام ذلك : أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم - عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضرَّاء ، وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء ، من إخفاقهم في مَغزاهم ، وإنالة عدوّهم منهم (1) ، أو إدبارٍ من
__________
(1) في المطبوعة " وإنالة عدوهم " ، وهو خطأ . والإدالة : الغلبة ، وهي من الدولة في الحرب ، وهو أن يهزم الجيش مرة ، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى . يقال : اللهم أدلنا من عدونا! أي اللهم اجعل لنا الدولة عليه وانصرنا .

(1/358)


يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقهم (1) ، وَثبتوا على ضلالتهم ، كما قام السائر في الصيِّب الذي وصف جل ذكره (2) إذا أظلم وَخفتَ ضوء البرق ، فحارَ في طريقه ، فلم يعرف مَنهجه.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
__________
(1) في المطبوعة : " قاموا على نفاقهم " . وهذه أجود .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " كما قام السائرون في الصيب " ، وهو خطأ ، صوابه من مخطوطة أخرى .

(1/359)


لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ }
قال أبو جعفر : وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم (1) - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين ، أعني قوله : " يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق " ، وقوله : " يكادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه " ، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل. ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك ، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم ، وعيدًا من الله لهم ، كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله : " والله مُحيط بالكافرين " ، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه ، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم ، لإحلال سَخَطه بهم ، وإنزال نِقْمته عليهم ، ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته ، ومخوِّفَهم به عقوبته ، ليتقوا بأسَه ، ويُسارعوا إليه بالتوبة.
470 - كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن حبير ، عن ابن عباس : " ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم " ، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته (2) .
471 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : ثم قال - يعني قال الله - في أسماعهم ، يعني أسماعَ المنافقين ، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس : " ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم " (3) .
قال أبو جعفر : وإنما معنى قوله : " لذهب بسمعهم وأبصارهم " ، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا : ذهبتُ ببصره ، وإذا حذفوا الباء قالوا : أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه : ( آتِنَا غَدَاءَنَا ) [سورة الكهف : 62] ، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل : ائتنا بغدَائنا (4) .
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : " لذهب بسمعهم " فوحَّد ، وقال : " وأبصارهم " فجمع ؟ وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة (5) ، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة ؟ (6)
قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي الكوفة : وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق ، وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ. وكان بعض نحويي البصرة يزعم : أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد ، فإنه بمعنى جماعة (7) . ويحتج في ذلك بقول الله : ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) [سورة إبراهيم : 43] ، يريد : لا ترتد إليهم أطرافهم ، وبقوله : ( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) [سورة القمر : 45] ،
__________
(1) في المخطوطة : " دون سائر أجسامهم " .
(2) الخبر 470 - من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وقد مضى صدره آنفًا : 451 ، 467 .
(3) الأثر 471 - هو من الأثر السالف رقم : 460 .
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 19 . وانظر ما مضى ص 357 تعليق : 3
(5) في المخطوطة : " أن الخبر بالسمع " ، وهذه أجود ، وأجودهن " الخبر عن السمع " كما سيأتي في الذي يلي .
(6) في المطبوعة : " كما الخبر في الأبصار " ، والذي في المخطوطة أجود .
(7) في المخطوطة : " لمعنى جماعة " ، وهي صواب جيد .

(1/360)


يراد به أدْبارُهم. وإنما جاز ذلك عندي ، لأن في الكلام ما يَدُلّ على أنه مُرادٌ به الجمع ، فكان في دلالته على المراد منه ، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة ، مُغنيًا عن جِمَاعه (1) . ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع ، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا ، لما ذكرنا من العلة ، كما قال الشاعر :
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا... فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ (2)
فوحّد البطن ، والمرادُ منه البطون ، لما وصفنا من العلة.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) }
قال أبو جعفر : وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته ، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ. ثم قال : فاتقوني أيُّها المنافقون ، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي ، لا أحِلَّ بكم نقمتي ، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى " قدير " قادر ، كما معنى " عليم " عالم ، على ما وصفتُ فيما
__________
(1) في المطبوعة : " فكان فيه دلالة على المراد منه ، وأدى معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة ، مغنيًا عن جماعة " ، وهو كلام لا معنى له . وفي المخطوطة : " . . على المراد منه واوا معنى الواحد . . " ، وقد صححت قراءتها كما ترى . وقوله " مغنيًا عن جماعه " أي عن جمعه ، والطبري يكثر استعمال " جماع " مكان جمع ، كما مضى وكما سيأتي .
(2) البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها ، سيبويه 1 : 108 ، والخزانة 3 : 379 - 381 ، وانظر أمالي ابن الشجري 1 : 311 ، 2 : 35 ، 38 ، 343 ، وروايته : " في نصف بطنكم " . وفي المخطوطة : " تعيشوا " ، مكان " تعفوا " ، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة . وروايتهم جميعًا " فإن زمانكم . . " .

(1/361)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

تَقدم من نظائره ، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم (1) .
* * *
القول في تأويل قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }
قال أبو جعفر : فأمرَ جل ثناؤه الفريقين - اللذين أخبرَ الله عن أحدهما أنه سواءٌ عليهم أأنذروا أم لم يُنذروا أنهم لا يؤمنون (2) ، لطبْعِه على قلوبهم وعلى سمعهم (3) ، وعن الآخرِ أنه يُخادع اللهَ والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله : آمنّا بالله وباليوم الآخر ، مع استبطانه خلافَ ذلك ، ومرض قلبه ، وشكّه في حقيقة ما يُبدي من ذلك; وغيرهم من سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة ، والخضوع له بالطاعة ، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة. لأنه جلّ ذكره هو خالقهم وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم ، وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم. فقال لهم جل ذكره : فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم ، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفع ولا ضرّ (4) .
وكان ابن عباس : فيما رُوي لنا عنه ، يقول في ذلك نظيرَ ما قلنا فيه ، غير أنه ذُكر عنه أنه كان يقول في معنى " اعبُدوا ربكم " : وحِّدوا ربكم. وقد دللنا - فيما مضى من كتابنا هذا - على أن معنى العبادة : الخضوعُ لله بالطاعة ،
__________
(1) انظر تفسير قوله تعالى : " الرحيم " ، فيما مضى : ص 126 .
(2) في المخطوطة : " أأنذرتهم أم لم تنذرهم " ، وهما سواء في المعنى .
(3) في المطبوعة : " . . وعلى سمعهم وأبصارهم " ، والصواب حذف " وأبصارهم " ، لأنها غير داخلة في معنى الطبع ، كما مضى في تفسير الآية .
(4) في المخطوطة : " على ضرر ولا نفع " ، وهما سواء .

(1/362)


والتذلل له بالاستكانة (1) . والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله - بقوله في تأويل قوله : " اعبدوا ربكم " وحِّدوه ، أي أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه (2) .
472 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله : " يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم " ، للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين ، أي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (3) .
473 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس اعبدُوا ربّكم الذي خَلقكم والذين منْ قبلكم " يقول : خَلقكم وخَلق الذين من قبلكم (4) .
قال أبو جعفر : وهذه الآيةُ من أدلّ دليل على فساد قول من زعم : أنّ تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غيرُ جائز ، إلا بَعد إعطاء الله المكلف المعُونةَ على ما كلَّفه. وذلك أنّ الله أمرَ من وَصفنا ، بعبادته والتوبة من كفره ، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون ، وأنهم عن ضَلالتهم لا يَرْجعون.
* * *
__________
(1) مضى في تفسير قوله تعالى " إياك نعبد " ص : 160 .
(2) في المخطوطة " وحدوه له أفردوا . . " ، وليس لها معنى .
(3) الخبر 472 - في الدر المنثور 1 : 33 ، وابن كثير 1 : 105 ، والشوكاني 1 : 38 . وفي الدر والشوكاني : " من الكفار والمؤمنين " ، ووافق ابن كثير أصول الطبري .
(4) الخبر 473 - في الدر المنثور 1 : 33 ، ولم ينسب إخراجه لابن جرير . وفي المخطوطة : " خلقكم والذين . . " .

(1/363)


القول في تأويل قوله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم ، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه ، وإفرادكُم له العبادة (1) لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم ، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله : " لعلكم تتقون " : تُطيعون.
474 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثني أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " لعلكم تتقون " ، قال : لعلكم تطيعون (2) .
قال أبو جعفر : والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا : لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه ، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم.
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فكيف قال جل ثناؤه : " لعلكم تتقون " ؟ أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه ، حتى قال لهم : لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا ، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ ؟
قيل له : ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ ، وإنما معنى ذلك : اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة (3) ، كما قال الشاعر :
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ ، لَعَلَّنَا... نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ (4) فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ (5)
__________
(1) في المطبوعة : " له بالعبادة " وهو خطأ .
(2) الأثر 474 - في الدر المنثور 1 : 34 .
(3) يريد الطبري أن العرب تستعمل " لعل " مجردة من الشك ، بمعنى لام كي ، كما قال ابن الشجري في أماليه 1 : 51 .
(4) لم أعرف قائلهما ، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري ، فيما أرجح ، في أماليه 1 : 51 .
(5) رواية ابن الشجري " في الملا " . والفلا جمع فلاة : وهي الأرض المستوية ليس فيها شيء والصحراء الواسعة . والملا : الصحراء والمتسع من الأرض - فهما سواء في المعنى .

(1/364)


الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

يريد بذلك : قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن " لعل " في هذا الموضع لو كان شَكًّا ، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا }
وقوله : " الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا " مردود على " الذي " الأولى في قوله " اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم " ، وهما جميعًا من نَعت " ربكم " ، فكأنّه قال : اعبدُوا ربكم الخالقكُم ، والخالقَ الذين من قبلكم ، الجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً (1) وقرارًا يُستقرّ عليها. يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره - بذلك من قِيله - عبادَهُ نعمَه عندهم وآلاءه لديهم (2) ليذْكروا أياديَه عندهم ، فينيبوا إلى طاعته - تعطُّفًا منه بذلك عليهم ، ورأفةً منه بهم ، ورحمةً لهم ، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم ، ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون.
475 - كما حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة (3) ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " الذي جعل لكم الأرض فراشًا " فهي فراشٌ يُمشى عليها ، وهي المهاد والقرار (4) .
476 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة : " الذي جَعل لكم الأرض فراشًا " ، قال : مهادًا لكم.
__________
(1) في المطبوعة : " مهادًا وموطئًا " ، وفي المخطوطة " مهادًا توتطا " ، وكأن الصواب ما أثبتناه . والموطأ : المهيأ الملين الممهد . وسيأتي أن الفراش هو المهاد .
(2) في المطبوعة " زيادة نعمه عندهم ، وآلائه لديهم " ، والصواب ما في المخطوطة . وقوله " عباده " مفعول : " يذكر ربنا . . " .
(3) قوله " وعن مرة " ، ساقطة من المطبوعة ، وهذا هو الصواب .
(4) الخبر 475 - في الدر المنثور 1 : 34 ، والشوكاني 1 : 38 .

(1/365)


477 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " الذي جعل لكم الأرض فراشًا " ، أي مهادًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً }
قال أبو جعفر : وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه ، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت : سَمَاوةٌ (1) ، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل : سَمَا فلان لفلان ، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه ، كما قال الفرزدق :
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ... وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ (2)
وكما قال نابغة بني ذُبيانَ :
سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ ، فَرَأيتُ مِنْهَا... تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ (3)
يريد بذلك : أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت ، فكذلك السماء سُميت للأرض : سماءً ، لعلوها وإشرافها عليها.
__________
(1) في المطبوعة " سماؤه " ، وكلتاهما صواب ، سماء البيت ، وسماوته : سقفه .
(2) ديوانه : 735 ، والنقائض : 600 . ونجران : أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة . وذكر نجران ، على لفظه وأصل معناه ، والنجران في كلام العرب : الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب . وديث البعير : ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته . والمقاول : جمع مقول . والمقول والقيل : الملك من ملوك حمير . يقول : هي أرض عز عزيز ، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم .
(3) ديوانه : 86 ، وروايته : " صفحت بنظرة " . وقوله " صفحت " ، أي تصفحت الوجوه بنظرة ، أو رميت بنظرة متصفحًا . والقرام : ستر رقيق فيه رقم ونقوش . والخدر : خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب ، وهو الهودج . ووضع الشيء : ألقاه . وتحيت : تصغير " تحت " ، وصغر " تحت " ، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا ، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده . وقبله : فَلَوْ كَانَتْ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَنَّتْ ... وَقَدْ رَفَعُوا الْخُدُورَ عَلَى الْخِيَامِ
صَفَحْتُ بنظرةٍ . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرَائِبَ يستضئُ الحليُ فيها ... كَجمْرِ النارِ بُذِّرَ فِي الظَّلامِ

(1/366)


478 - كما حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " والسّماء بناء " ، فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة ، وهي سقف على الأرض. (1)
479 - حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة في قول الله : " والسماءَ بناءً " ، قال : جعل السماء سَقفًا لكَ.
وإنما ذكر تعالى ذكره السماءَ والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم ، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم ، وبهما قوامُ دُنياهم. فأعلمهم أن الذي خَلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم ، هو المستحقّ عليهم الطاعة ، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ ، دون الأصنام والأوثان ، التي لا تضرُّ ولا تنفع.
* * *
القول في تأويل قول الله جلّ ثناؤه : { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ }
يعني تعالى ذكره بذلك أنه أنزل من السماء مطرًا ، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات (2) - رزقًا لهم ، غذاءً وأقواتًا. فنبههم بذلك على قدرته وسُلطانه ، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم ، وأنه هو الذي خلقهم ، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم ، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة.
__________
(1) الخبر 478 - في الدر المنثور 1 : 34 ، جمعه مع الخبر : 475 خبرًا واحدًا .
(2) في المخطوطة : " زرعهم وغروسهم " ، وهما سواء .

(1/367)


ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا ، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم ، وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل ، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا }
قال أبو جعفر : والأنداد جمع نِدّ ، والنِّدّ : العِدْلُ والمِثل ، كما قال حسان بن ثابت :
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ?... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ (1)
يعني بقوله : " ولستَ له بند " ، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند (2) .
480 - كما حدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " فلا تجعلوا لله أندادًا " ، أي عُدَلاء (3) .
481 - حدثني المثنى ، قال : حدثني أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبل ، عن ابن أبي نَحيح ، عن مجاهد : " فلا تجعلوا لله أندادًا " ، أي عُدَلاء (4) .
482 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " فلا تجعلوا لله أندادًا " ، قال : أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله (5) .
__________
(1) ديوانه : 8 ، روايته " بكفء " ، وكذلك في رواية الطبري الآتية (18 : 69 - 70 بولاق) وقصيدة حسان هذه ، يهاجى بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، قبل إسلامه ، وكان هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(2) في المطبوعة : " كان نظيرًا لشيء وشبيهًا " .
(3) الأثر 481 - في الدر المنثور 1 : 35 ، والعدلاء : جمع عديل ، وهو النظير والمثيل ، كالعدل .
(4) الأثر - 481 - في الدر المنثور 1 : 35 ، والعدلاء : جمع عديل ، وهو النظير والمثيل ، كالعدل .
(5) الخبر 482 - في الدر المنثور 1 : 34 - 35 ، والشوكاني 1 : 39 .

(1/368)


483 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد (1) في قول الله : " فلا تَجعلوا لله أندادًا " ، قال : الأنداد : الآلهة التي جعلوها معه ، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
484 - حُدِّثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بِشر ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : " فلا تجعلوا لله أندادًا " ، قال : أشباهًا (2) .
485 - حدثني محمد بن سنان ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن شَبيب ، عن عكرمة : " فلا تجعلوا لله أندادًا " ، أن تقولوا : لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ ، لولا كلبنا صَاح في الدار ، ونحو ذلك (3) .
فنهاهم الله تعالى أن يُشركوا به شيئًا ، وأن يعبدوا غيرَه ، أو يتخذوا له نِدًّا وَعِدلا في الطاعة ، فقال : كما لا شريك لي في خلقكم ، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم ، ونعمي التي أنعمتها عليكم (4) - فكذلك فأفردوا ليَ الطاعة ،
__________
(1) في المطبوعة : " ابن يزيد " ، وهو خطأ .
(2) الخبر 484 - في الدر المنثور 1 : 34 ، والشوكاني 1 : 39 .
(3) الأثر 485 - جاء مثله في خبر عن ابن عباس في ابن كثير 1 : 105 ، والشوكاني 1 : 39 . وفي المطبوعة : " أي تقولوا : لولا كلبنا . . " ، وليست بشيء . وفي المخطوطة " ونحو هذا " مكان " ونحو ذلك " . والخبر الذي في ابن كثير ، ساقه مطولا بالإسناد من تفسير ابن أبي حاتم ، من طريق الضحاك بن مخلد ، وهو أبو عاصم النبيل الذي في هذا الإسناد ، عن شبيب ، وهو ابن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ولعل الطبري قصر بهذا الإسناد ، لأنه يروي مثل هذه الروايات ، بهذا الإسناد إلى عكرمة ، عن ابن عباس ، كما مضى برقم : 157 . وعن ذلك إعراض ابن كثير عن نقل رواية الطبري ، واختياره رواية ابن أبي حاتم . وسياق رواية ابن أبي حاتم - عن ابن عباس - فيها فوائد جمة . ولفظها : " قال : الأنداد ، هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل . وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص . وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت . وقول الرجل : لولا الله وفلان . لا تجعل فيها " فلان " . هذا كله به شرك " . ثم قال ابن كثير : " وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت! قال : أجعلتني لله ندًّا ؟! " . والحديث الذي يشير إليه ابن كثير ، رواه أحمد في المسند بأسانيد صحاح ، عن ابن عباس : 1839 ، 1964 ، 2561 ، 3247 . وكذلك رواه البخاري في الأدب المفرد ص : 116 ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح 11 : 470 للنسائي وابن ماجه .
(4) في المطبوعة : " ونعمتي " بالإفراد .

(1/369)


وأخلصُوا ليَ العبادة ، ولا تجعلوا لي شريكًا ونِدًّا من خلقي ، فإنكم تعلمون أن كلّ نعمةٍ عليكم فمنِّي (1) .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية :
فقال بعضهم : عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب.
وقال بعضهم : عنى بذَلك أهلَ الكتابين ، أهلَ التوراة والإنجيل (2) .
ذكر من قال : عنى بها جميعَ عبَدَة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين :
486 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : نَزَل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنى تعالى ذكره بقوله : " فلا تَجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون " ، أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره ، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه (3) .
487 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة في قوله : " وأنتمْ تعلمون " أي تعلمون أنّ الله خَلقكم وخلق السموات والأرض ، ثم تجعلون له أندادًا (4) .
__________
(1) في المطبوعة : " . . كل نعمة عليكم مني " . وهذه أجود .
(2) في المطبوعة : " أهل الكتابين التوراة والإنجيل " .
(3) الخبر 486 - مضى صدره في رقم : 472 ، وتمامه في ابن كثير 1 : 105 ، والدر المنثور 1 : 34 ، والشوكاني 1 : 39 .
(4) الأثر 487 - في الدر المنثور 1 : 35 .

(1/370)


ذكر من قال : عني بذلك أهلَ الكتابين :
488 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : " فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون " ، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل.
489 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا قَبيصة ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجاهد ، مثله (1) .
490 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " وأنتم تعلمون " ، يقول : وأنتم تعلمون أنّه لا ندّ له في التوراة والإنجيل (2) .
قال أبو جعفر : وأحسَِب أن الذي دَعا مجاهدًا إلى هذا التأويل ، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دُون غيرهم - الظنُّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أنّ اللهَ خالقها ورازقها ، بجحودها وحدانيةَ ربِّها ، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإنّ ذلك لَقولٌ! ولكنّ الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ في كتابه عنها أنها كانت تُقر بوحدانيته ، غير أنها كانت تُشرك في عبادته ما كانت تُشرك فيها ، فقال جل ثناؤه : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [سورة الزخرف : 87] ، وقال : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) [سورة يونس : 31].
__________
(1) الإسناد 489 - قبيصة ، بفتح القاف : هو ابن عقبة بن محمد السوائي الكوفي ، وهو ثقة معروف ، من شيوخ البخاري ، وأخرج له أصحاب الكتب الستة ، تكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري ، بأنه يخطئ في بعض روايته ، بأنه سمع من الثوري صغيرًا ، ولكن لم يجرحه البخاري في الكبير 4/1/177 ، وقال ابن سعد في الطبقات 6 : 281 : " كان ثقة صدوقًا ، كثير الحديث عن سفيان الثوري " . وسأل ابن أبي حاتم (الجرح 3/2/126) أباه عن قبيصة وأبي حذيفة ، فقال : " قبيصة أجل عندي ، وهو صدوق . لم أر أحدًا من المحدثين يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره ، سوى قبيصة بن عقبة ، وعلي بن الجعد ، وأبي نعيم - في الثوري " .
(2) الأثر 490 - ذكره ابن كثير 1 : 105 ، والدر المنثور 1 : 35 ، بنحوه .

(1/371)


فالذي هو أولى بتأويل قوله : " وأنتم تعلمون " - إذْ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانِيَّة الله ، وأنه مُبدعُ الخلق وخالقهم ورازقهم ، نظيرَ الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين ، ولم يكن في الآية دلالة على أنّ الله جل

(1/372)


وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

ثناؤه عني بقوله : " وأنتم تعلمون " أحدَ الحزبين ، بل مُخرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافةً لهم ، لأنه تحدَّى الناس كلهم بقوله : " يا أيها الناس اعبدُوا ربكم " - أن يكون تأويلُهُ ما قاله ابنُ عباس وقتادة ، من أنه يعني بذلك كل مكلف ، عالم بوحدانية الله (1) ، وأنه لا شريكَ له في خلقه ، يُشرِك معه في عبادته غيرَه ، كائنًا من كان من الناس ، عربيًّا كان أو أعجميًّا ، كاتبًا أو أميًّا ، وإن كان الخطابُ لكفار أهل الكتابِ الذين كانوا حَواليْ دَار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأهل النفاق منهم ، وممن بينَ ظَهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النفاق بمقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }
قال أبو جعفر : وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم ، وكفار أهل الكتاب وضُلالهم ، الذين افتتح بقصَصهم قولَه جل ثناؤه : " إنّ الذين كفروا سَواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم " ، وإياهم يخاطب بهذه الآيات ، وضُرباءَهم يَعني بها (2) ، قال الله جلّ ثناؤه : وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين ، في شكٍّ - وهو الريب - مما نزّلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان : أنه من عندي ، وأنّي الذي أنزلته إليه ، فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول ، فأتوا بحجة تدفع حُجته ، لأنكم تعلمون أن حجةَ كلّ ذي نبوّة على صدقه في دعوَاه النبوة : أن يأتي ببرهان يَعجز عن أن يأتيَ بمثله جَميعُ الخلق. ومن حجة محمد صلى الله عليه وسلم على صدقه ، وبُرْهانه على حقيقة نبوته (3) ، وأنّ ما جاء به من عندي - عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم ، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثله. وإذا عَجزتم عن ذلك - وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والذَّرابة (4) - فقد علمتم أن غيركم عما عَجزتم عنه من ذلك أعْجزُ. كما كانَ برهانُ من سَلف من رُسلي وأنبيائي على صدْقه ، وحُجتهُ على نبوته من الآيات ، ما يَعجز عن الإتيان بمثله جميعُ خلقي. فيتقرر حينئذ عندكم أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه ، لأنّ ذلك لو كان منه اختلافًا وتقوُّلا لم تعجزوا وجميع خلقي عن الإتيان بمثله. لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يَعْدُ أن يكون بَشرًا مثلكم ، وفي مثل حالكم في الجسم وبَسطة الخلق وذرَابة اللسان - فيمكن أن يُظنّ به اقتدارٌ على ما عَجزْتم عنه ، أو يتوهم منكم عجزٌ عما اقتدر عليه.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " فأتوا بسورَة من مثله " .
491 - فحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " فأتوا بسورة من مثله " ، يعني : من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا ، لا باطل فيه ولا كذب.
492 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا
__________
(1) في المخطوطة : " من أنه معنى بذلك . . " ، وهما سواء .
(2) في المطبوعة : " وأخبر بأهم نعوتها " ، وهي في المخطوطة " +وحرناهم تعنى بها " غير منقوطة ولا بينة ، فاختار المصححون لها قراءة لا تحمل معنى! والضرباء : جمع ضريب ؛ فلان ضريب فلان : نظيره أو مثله .
(3) في المطبوعة : " وبرهانه على نبوته " .
(4) في المطبوعة : " والدارية " ، ولا معنى لها هنا ، وستأتي بعد أسطر على الصواب . والذرابة : الحدة في كل شيء ، وحدة اللسان وفصاحته ولدده . ذرب الرجل يذرب ذربًا وذرابة : فصح وصار حديد اللسان ، فهو ذرب اللسان (بفتح الذال وكسر الراء) .

(1/373)


مَعمر ، عن قتادة في قوله : " فأتوا بسورة من مثله " ، يقول : بسورة مثلِ هذا القرآن (1) .
493 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن عبد الله بن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " فأتوا بسورة من مثله " ، مثلِ القرآن.
494 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثله.
495 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " فأتوا بسورة مِنْ مثله " ، قال : " مثله " مثلِ القرآن (2) .
فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما (3) : أن الله جلّ ذكره قال لمن حاجَّه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار : فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب ، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.
وقد قال قوم آخرون : إن معنى قوله : " فأتُوا بسورة من مثله " ، من مثل محمد من البشر ، لأن محمدًا بشر مثلكم (4) .
قال أبو جعفر : والتأويل الأول ، الذي قاله مجاهد وقتادة ، هو التأويل الصحيح. لأن الله جَل ثناؤه قال في سُورة أخرى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) [سورة يونس : 38] ، ومعلومٌ أنّ السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه ، فيجوزُ أنْ يقال : فأتُوا بسورة مثل محمد.
فإن قال قائل : إنك ذكرتَ أن الله عني بقوله (5) " ، فأتوا بسورة من مثله " ،
__________
(1) الأثر 492 - في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 .
(2) الآثار 493 - 495 في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 ، وابن كثير 1 : 108 .
(3) في المطبوعة : " اللذين ذكرنا عنهما " .
(4) يعني فأتوا بسورة من عند بشر مثل محمد .
(5) في المطبوعة : " إنك ذكرت " ، بغير فاء .

(1/374)


من مثل هذا القرآن ، فهل للقرآن من مثل فيقال : ائتوا بسورة من مثله ؟
قيل : إنه لم يعنِ به : ائتُوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باينَ بها سائرَ الكلام غيرَه ، وإنما عنى : ائتوا بسورة من مثله في البيان ، لأنّ القرآن أنزله الله بلسان عربيّ ، فكلام العرب لا شك له مثلٌ في معنى العربية. فأمّا في المعنى الذي باين به القرآن سائرَ كلام المخلوقين ، فلا مثلَ له من ذلك الوجه ولا نظيرَ ولا شبيه.
وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم بما احتج به لهُ عليهم من القرآن (1) ، إذْ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان ، إذْ كان القرآن بيانًا مثلَ بيانهم ، وكلامًا نزل بلسانهم ، فقال لهم جلّ ثناؤه : وإن كنتم في رَيب من أنّ ما أنزلتُ على عَبدي من القرآن من عندي ، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية ، إذْ كنتم عربًا ، وهو بيانٌ نظيرُ بيانكم ، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم. فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظيرُ اللسان الذي نزل به القرآن ، فيقدِرُوا أن يقولُوا : كلفتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به ، وإنا لا نقدر على الإتيان به لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به ، فليس لك علينا بهذا حجة (2) . لأنا - وإن عَجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنّا لسنا من أهله (3) - ففي الناس خلقٌ كثير من غير أهل لساننا يقدرُ على أن يأتيَ بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم : ائتوا بسورة مثله ، لأن مثله من الألسن ألسنكم (4) ، وأنتم - إن كان محمدٌ اختلقه وافتراه ، إذا اجتمعتم وتظاهرتُم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم -
__________
(1) في المطبوعة : " بما احتج له عليهم " ، أسقط " به " .
(2) في المطبوعة : " حجة بهذا " على التأخير .
(3) في المطبوعة : " لسنا بأهله " .
(4) في المطبوعة : " ألسنتكم " .

(1/375)


أقدرُ على اختلاقه ورَصْفِه وتأليفه من محمد صلى الله عليه وسلم (1) ، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه ، فلن تعجزوا - وأنتم جميعٌ - عما قدَر عليه محمدٌ من ذلك وهو وحيدٌ (2) ، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أنّ محمدًا افتراه واختلقه ، وأنه من عند غيرِي.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) }
فقال ابن عباس بما :
496 - حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد ، عن ابن عباس : " وادعوا شُهداءكم من دون الله " ، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه ، إن كنتم صادقين.
497 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " وادعوا شُهداءكم " ، ناس يَشهدون.
498 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، مثله.
499 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، قال : قوم يشهدون لكم.
__________
(1) يقول : " وأنتم . . . أقدر على اختلاقه . . " ، مبتدأ وخبر ، وما بينهما فصل . وفي المطبوعة مكان " ورصفه " ، " ووضعه " . والرصف : ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه وإحكامه حتى يستوي . ومنه : كلام رصيف : أي محكم لا اختلاف فيه .
(2) في المطبوعة " وهو وحده " ، وهذه أجود .

(1/376)


500 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " وادعوا شهداءكم " ، قال : ناس يشهدون. قال ابن جُريج : " شهداءكم " عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه ، مثل القرآن (1) .
وذلك قول الله لمن شكّ من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله " فادعوا " ، يعني : استنصروا واستغيثوا (2) ، كما قال الشاعر :
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ... دَعَوْا : يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ (3)
يعني بقوله : " دعوْا يالكعب " ، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (4) .
وأما الشهداء ، فإنها جمعُ شهيد ، كما الشركاء جمع شريك (5) ، والخطباء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهدُ على الشيء لغيره بما يحقِّق دَعواه. وقد يسمَّى به المشاهِدُ للشيء ، كما يقال : فلان جليسُ فلان - يعني به مُجالسَه ، ونديمه - يعني به مُنادِمَه ، وكذلك يقال : شهيده - يعني به مُشاهِدَه.
فإذا كانت " الشهداء " محتملةً أن تكون جمعَ " الشهيد " الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفتُ ، فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو أن يكون معناه : واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله ، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم ، إن كنتم مُحقّين في جُحودكم أنّ ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء ، لتمتحنوا أنفسكم وغيرَكم : هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من
__________
(1) الآثار 496 - 500 : في ابن كثير 1 : 108 بعضها ، والدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 ، وفي المخطوطة في بعض المواضع : " أناس " مكان " ناس " ، وهما سواء .
(2) في المطبوعة : " واستعينوا " ، وهما متقاربتان ، والأولى أجود ، وهي كذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 19 .
(3) البيت للراعي النميري ، اللسان (عزا) . واعتزى : انتسب ، ودعا في الحرب بمثل قوله : يا لفلان ، أو يا للمهاجرين ، أو يا للأنصار ، والاسم العزاء والعزوة ، وهي دعوى المستغيث .
(4) في المطبوعة : " واستعانوا " ، كما سلف في أختها قبل .
(5) في المطبوعة : " كالشركاء " .

(1/377)


مثله ، فيقدرَ محمد على أن يأتي بجميعه من قِبَل نَفسه اختلاقًا ؟
وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك ، فلا وجه له. لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا ثلاثة : أهل إيمان صحيح ، وأهل كفر صحيح ، وأهلَ نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين ، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به ، لو أتوا باختلاق من الرسالة ، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين (1) . فأما أهلُ النفاق والكفر ، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم (2) ، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن (3) ؟
ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) [سورة الإسراء : 88] ، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية ، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به ، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى : " وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين " . يعني بذلك : إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي ، فأتوا بسورة
__________
(1) قوله " من المؤمنين " متعلق بقوله آنفًا " أن لهم شهداء . . " ، يعني شهداء من المؤمنين . ثم فصل ، لأن قوله " على حقيقة ما كانوا يأتون به . . " متعلق أيضًا ، بشهداء .
(2) في المطبوعة : " لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم " . وتترع إلى الشيء : تسرع إليه ، يقال في التسرع إلى الشر وما لا ينبغي . وما في المخطوطة " تتارعوا " صحيح في اشتقاق العربية ، وإن لم تذكره المعاجم ، وهو مثل تسرع وتسارع ، سواء .
(3) في المطبوعة " فمن أي الفرق . . " ، وكلام الطبري استفهام واستنكار . لأن من المحال أن يشهد المؤمنون على هذا الباطل ، والكفار وأهل النفاق يتسرعون إلى الشهادة بالباطل لإبطال الحق ، فكان محالا أن يكون معنى " الشهداء " هنا : الذين يشهدون لهم ، أن ما جاءوا به نظير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى . وصار حتما أن يكون معنى " الشهداء " : الذين يظاهرونهم ويعاونونهم ، كما جاء في الآية التالية .

(1/378)


فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

من مثله ، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم ، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا من البشر أحدٌ ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فإن لم تفعلوا " ، إن لم تأتوا بسورة من مثله ، فقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم (1) ، فتبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعَجزُ جميع خلقي عنه ، وعلمتم أنه من عندي ، ثم أقمتم على التكذيب به.
وقوله : " ولن تفعلوا " ، أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا.
501 - كما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " فإن لم تفعلوا ولنْ تفعلوا " ، أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه (2) .
502 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " ، فقد بَين لكم الحق (3) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وقد تظاهرتم " ، وما في المخطوطة أجود ، وسيأتي بعد قليل بيان ذلك .
(2) الأثر 501 - ذكره السيوطي 1 : 35 بنحوه ، ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير . وكتب فيه خطأ مطبعيًّا " ابن جريج " .
(3) الأثران 501 ، 502 - في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 . ولفظ الطبري في تفسير هذه الآية وفي التي تليها ، وما استدل به من الأثر الأخير ، يدل على أنه يرى أن جواب الشرط محذوف ، لأنه معلوم قد دل عليه السياق ؛ وجواب الشرط " فقد بين لكم الحق ، وأقمتم على التكذيب به وبرسولي " ، ثم قال مستأنفًا : " فاتقوا أن تصلوا النار بتكذيبكم رسولي ، أنه جاءكم بوحيي وتنزيلي ، بعد أن تبين لكم أنه كتابي ومن عندي " .
ولم أجد من تنبه لهذا غير الزمخشري ، فإنه قال في تفسير الآية من كتابه " الكشاف " ما نصه : " فإن قلت : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار ، انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ قلت : إنهم إذا لم يأتوا بها ، وتبين عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإذا صح عندهم صدقه ، ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا ، استوجبوا العقاب بالنار . فقيل لهم : إن استبنتم العجز فاتركوا العناد . فوضع " فاتقوا النار " موضعه ، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث إنه من نتائجه . لأن من اتقى النار ترك المعاندة . ونظيره أن يقول الملك لحشمه : " إن أردتم الكرامة عندي ، فاحذروا سخطي " . يريد : فأطيعوني واتبعوا أمري ، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط . وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة . وفائدته : الإيجاز ، الذي هو حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد ، بإنابة اتقاء النار منابه ، وإبرازه في صورته ، مشيعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها " .
فقد تبين بهذا مراد الطبري ، وأنه أراد أن يبين أن اتقاء النار غير داخل في الشرط ، ولا هو من جوابه ، ليخرج بذلك من أن يكون معنى الكلام : قصر اتقائهم النار ، على عجزهم عن الإتيان بمثله . وتفسير الآتي دال على هذا المعنى تمام الدلالة . وهو من دقيق نظر الطبري رحمه الله وغفر للزمخشري .

(1/379)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله " فاتقوا النار " ، يقول : فاتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم رسولي بما جاءكم به من عندي أنه من وحيي وتنزيلي ، بعدَ تبيُّنكم أنه كتابي ومن عندي ، وقيام الحجة عليكم بأنه كلامي ووحيي ، بعجزكم وعجز جميع خلقي عن أن يأتوا بمثله.
ثم وصف جل ثناؤه النارَ التي حَذرهم صِلِيَّها فأخبرهم أنّ الناس وَقودها ، وأن الحجارة وَقُودها ، فقال : " التي وَقودها الناس والحجارة " ، يعني بقوله : " وَقُودُها " حَطبها ، والعرب تَجعله مصدرًا وهو اسم ، إذا فتحت الواو ، بمنزلة الحطب.
فإذا ضَمت الواو من " الوقود " كان مصدرًا من قول القائل : وَقدَت النارُ فهي تَقِد وُقودًا وقِدَة ووَقَدانًا وَوقْدًا ، يراد بذلك أنها التهبتْ.
فإن قال قائل : وكيف خُصَّت الحجارة فقرنت بالناس ، حتى جعلت لنار جهنم حَطبًا ؟

(1/380)


قيل : إنها حجارةُ الكبريت ، وهي أشد الحجارة - فيما بلغنا - حرًّا إذا أحميت.
503 - كما حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن مسعر ، عن عبد الملك بن مَيسرة الزرَّاد ، عن عبد الرحمن بن سَابط ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله : " وقُودها الناس والحجارة " ، قال : هي حجارة من كبريت ، خَلقها الله يومَ خلق السموات والأرض في السماء الدنيا ، يُعدّها للكافرين.
504 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أنبأنا ابن عُيينة ، عن مِسعر ، عن عبد الملك الزرَّاد ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن مسعود في قوله : " وقودها الناسُ والحجارة " ، قال : حجارة الكبريت ، جعلها الله كما شاء (1) .
__________
(1) الخبر 503 ، 504 - مسعر ، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين : هو ابن كدام - بكسر الكاف وتخفيف الدال ، وهو ثقة معروف ، أحد الأعلام . عبد الملك بن مَيسرة الهلالي الكوفي الزراد ، نسبة إلى عمل الزرود : ثقة كثير الحديث ، من صغار التابعين . عبد الرحمن بن سابط الجمحي المكي : تابعي ثقة . عمرو بن ميمون الأودي : من كبار التابعين المخضرمين ، كان مسلمًا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يره .
وهذا الخبر رواه الطبري بهذين الإسنادين وبالإسناد الآتي : 507 . وفي الأول والثالث أن عبد الملك ابن ميسرة يرويه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون ، وفي الثاني : 504 " عبد الملك الزراد عن عمرو بن ميمون " مباشرة ، بحذف " عبد الرحمن بن سابط " . ولو كان هذا الإسناد وحده لحمل على الاتصال ، لوجود المعاصرة ، فإن عبد الملك الزراد يروي عن ابن عمر المتوفى سنة 74 ، وعمرو بن ميمون مات سنة 74 أو 75 . ولكن هذين الإسنادين : 503 ، 504 دلا على أنه إنما رواه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون .
والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 261 ، من طريق محمد بن عبيد عن مسعر عن عبد الملك الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود . فهذه طريق ثالثة تؤيد الطريقين اللذين فيهما زيادة عبد الرحمن في الإسناد . وقال الحاكم : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وذكره ابن كثير 1 : 1101 - 111 من رواية الطبري ، ونسبه لابن أبي حاتم والحاكم ، ونقل تصحيحه إياه ولم يتعقبه . وذكره السيوطي 1 : 36 وزاد نسبته إلى : عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، والفريابي ، وهناد بن السري في كتاب الزهد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والطبراني في الكبير ، والبيهقي في الشعب .

(1/381)


505 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا النار التي وَقودُها الناس والحجارة " ، أما الحجارة ، فهي حجارةٌ في النار من كَبريت أسْوَد ، يُعذبون به مع النار (1) .
506 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج في قوله : " وقودها الناس والحجارة " ، قال : حجارة من كبريت أسودَ في النار ، قال : وقال لي عمرو بن دينار : حجارةٌ أصلب من هذه وأعظم (2) .
507 - حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن عبد الملك بن مَيسرة ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : حجارةٌ من الكبريت خَلقها الله عنده كيفَ شاء وكما شاء (3) .
* * *
القول في تأويل قوله : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }
قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا ، على أن " الكافر " في كلام العرب ، هو الساتر شيئًا بغطاء (4) ، وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا ، لجحوده آلاءه عنده ، وتغطيته نَعماءَه قِبَله.
فمعنى قوله إذًا : " أعدت للكافرين " ، أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم ، الذي جَعل لهم الأرض فراشًا ، والسماء
__________
(1) الخبر 505 - ذكره ابن كثير 1 : 111 دون أن ينسبه ، والسيوطي 1 : 36 ، ونسبه لابن جرير وحده .
(2) الأثر 506 - في ابن كثير 1 : 111 دون نسبة .
(3) الخبر 507 - سبق تفصيل إخراجه مع 503 ، 504 .
(4) انظر ما مضى : 255 .

(1/382)


بناءً ، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم - المشركينَ معه في عبادته الأندادَ والآلهة (1) ، وهو المتفرد لهم بالإنشاء ، والمتوحِّد بالأقوات والأرزاق (2) .
508 - كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد ، عن ابن عباس : " أعدت للكافرين " ، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر (3) .
* * *
__________
(1) قوله " المشركين " من صفة قوله آنفًا : " للجاحدين " .
(2) في المخطوطة : " بالأشياء " ، وهو خطأ .
(3) الخبر 508 - في ابن كثير 1 : 111 ، والدر المنثور 1 : 36 ، والشوكاني 1 : 41 .

(1/383)


وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

القول في تأويل قوله : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ }
قال أبو جعفر : أما قوله تعالى : " وبشِّر " ، فإنه يعني : أخبرهم. والبشارة أصلها الخبرُ بما يُسَرُّ به المخبَرُ ، إذا كان سابقًا به كل مخبِرٍ سواه.
وهذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه ، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة ، فقال له : يا محمد ، بشِّرْ من صدَّقك أنك رسولي - وأن ما جئتَ به من الهدى والنور فمن عندي ، وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه ، وأوجبتُها في كتابي على لسانك عليه - أن له جنات تجري من تحتها الأنهار ، خاصةً ، دُون من كذَّب بك وأنكرَ ما جئته به من الهدى من عندي وعاندك (1) ، ودون من أظهر تصديقك (2) ، وأقرّ
__________
(1) في المطبوعة : " ما جئت به من الهدى " .
(2) في المخطوطة : " دون من أظهر . . " بحذف الواو ، وهو قريب في المعنى .

(1/383)


أن ما جئته به فمن عندي قولا وجحده اعتقادًا ، ولم يحققه عملا. فإن لأولئك النارَ التي وقُودها الناسُ والحجارة ، مُعدةً عندي. والجنات : جمع جنة ، والجنة : البستان.
وإنما عَنى جلّ ذكره بذكر الجنة : ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها ، دون أرضها - ولذلك قال عز ذكره (1) " : تجري من تحتها الأنهار " . لأنّه معلومٌ أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبرَ عن ماء أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها ، لا أنه جارٍ تحت أرضها. لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض ، فلا حظَّ فيها لعيون منْ فَوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه. على أنّ الذي تُوصف به أنهارُ الجنة ، أنها جارية في غير أخاديد.
509 - كما حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن مُرَّة ، عن أبي عُبيدة ، عن مسروق ، قال : نخل الجنة نَضيدٌ من أصْلها إلى فرعها ، وثمرها أمثالُ القِلال ، كلما نُزعت ثمرة عادتْ مكانها أخرى ، وماؤها يَجري في غير أخدود (2) .
510 - حدثنا مجاهد [بن موسى] ، (3) قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا مِسعر بن كدام ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عُبيدة ، بنحوه.
511 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث ، عن أبي عبيدة - فذكر مثله - قال : فقلت لأبي عُبيدة : من حدّثك ؟ فغضب ، وقال : مسروق.
__________
(1) في المطبوعة : " فلذلك قال . . " ، وما في المخطوطة أجود .
(2) الأثر 509 - في الدر المنثور 1 : 38 . وقال ابن كثير في تفسيره 1 : 113 : " وقد جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود " ، ولم يبين ، وانظر ما سيأتي رقم : 517 .
(3) الإسناد 510 - الزيادة بين القوسين من المخطوطة ، وهو مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي ، أبو علي الختلي (بضم ففتح) ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 4/1/413 ، والصغير : 245 ، والخطيب في تاريخ بغداد 13 : 265 - 266 وابن الأثير في اللباب 1 : 345 . مات مجاهد هذا في رمضان سنة 244 . وشيخه يزيد : هو يزيد بن هارون .

(1/384)


فإذا كان الأمر كذلك ، في أنّ أنهارَها جارية في غير أخاديد ، فلا شكّ أنّ الذي أريدَ بالجنات : أشجارُ الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها ، إذ كانت أنهارُها تجري فوق أرضها وتحتَ غروسها وأشجارها ، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جاريةً تحت أرضها.
وإنما رغَّب الله جل ثناؤه بهذه الآية عبادَه في الإيمان ، وحضّهم على عبادته بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده ، كما حذّرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ - لأهل الكفر به ، الجاعلين معه الآلهةَ والأنداد - من عقابه عن إشراك غيره معه ، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وتَرك طاعته (1) .
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " كلما رُزقوا منها " : من الجنات ، والهاء راجعةٌ على الجنات ، وإنما المعنيّ أشجارها ، فكأنه قال : كلما رُزقوا - من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته - من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا : هذا الذي رُزقنا من قبل.
ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله : " هذا الذي رُزقنا من قَبل " .
فقال بعضهم : تأويل ذلك : هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
512 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
__________
(1) في المخطوطة : " والتفريق لعقوبته " ، ولا معنى لها .

(1/385)


أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا : " هذا الذي رُزقنا من قبل " ، قال : إنهم أتوا بالثمرة في الجنة ، فلما نظروا (1) إليها قالوا : هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا.
513 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، عن سعيد ، عن قتادة : " قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل " ، أي في الدنيا.
514 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " قالوا هذا الذي رزقنا من قبل " ، يقولون : ما أشبهه به.
515 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، مثله.
516 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : " قالوا هذا الذي رزقنا من قَبل " ، في الدنيا ، قال : " وأتوا به مُتشابهًا " ، يعرفونه (2) .
قال أبو جعفر : وقال آخرون : بل تأويلُ ذلك : هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا ، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضًا. ومن علة قائلي هذا القول : أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيءٌ عاد مكانه آخرُ مثله.
517 - كما حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث ، عن أبي عُبيدة ، قال : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرُها مثل القلال ، كلما نُزعت منها ثمرةٌ عادتْ مكانها أخرى (3) .
__________
(1) في الدر المنثور : " فينظروا " ، وفي الشوكاني : " فنظروا " ، وكذلك في المخطوطة .
(2) الآثار 512 - 516 : في تفسير ابن كثير 1 : 113 - 114 ، والدر المنثور 1 : 38 ، والشوكاني 1 : 42 .
(3) انظر الآثار السالفة رقم : 509 - 511 . وفي المخطوطة : " أمثال القلال " كما مر آنفًا .

(1/386)


قالوا : فإنما اشتبهت عند أهل الجنة ، لأن التي عادت ، نظيرةُ التي نُزعت فأكِلت ، في كل معانيها. قالوا : ولذلك قال الله جل ثناؤه : " وأتوا به متشابهًا " ، لاشتباه جميعه في كل معانيه.
وقال بعضهم : بل قالوا : " هذا الذي رزقنا من قبل " ، لمشابهته الذي قبله في اللون ، وإن خالفه في الطعم.
* ذكر من قال ذلك :
518 - حدثنا القاسم بن الحسين ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثنا شيخ من المِصِّيصة ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بأخرى فيقول : هذا الذي أتِينا به من قبل. فيقول الملك : كُلْ ، فاللونُ واحد والطعمُ مختلف (1) .
وهذا التأويل مذهب من تأوّل الآية. غير أنه يدفَع صحته ظاهرُ التلاوة. والذي يدل على صحته ظاهرُ الآية ويحقق صحته ، قول القائلين : إن معنى ذلك : هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا. وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال : " كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا " ، فأخبر جل ثناؤه أنّ مِنْ قِيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقًا ، أن يقولوا : هذا الذي رُزقا من قبلُ. ولم يخصص بأن ذلك من قِيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جلّ ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها ، فلا شكّ أن ذلك من قيلهم في أول رزق رُزقوه من ثمارها أتُوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها ، الذي لم يتقدّمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أنّ ذلك من قيلهم في أوله ، كما هو من قيلهم في أوْسطه وَما يَتلوه (2) - فمعلومٌ أنه مُحال أن يكون من قيلهم لأول رزق رُزقوه من ثمار الجنة : هذا الذي رُزقنا من قبل هذا من ثمار
__________
(1) الأثر 518 - في ابن كثير 1 : 114 ، والدر المنثور 1 : 38 .
(2) في المطبوعة : " في وسطه " .

(1/387)


الجنة! وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رُزقوه من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره : هذا هو الذي رُزقناه من قبل ؟ إلا أن ينسُبهم ذُو غَيَّة وضَلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه (1) ، أو يدفعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك من قيلهم لأول رزق رُزقوه منها مِن ثمارها ، فيدفعَ صحة ما أوجب الله صحّته بقوله : " كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا " ، من غير نَصْب دلالة على أنه معنيّ به حالٌ من أحوال دون حال.
فقد تبيّن بما بيَّنا أنّ معنى الآية : كلما رُزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقًا قالوا : هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا (2) .
فإن سألنا سائل ، فقال : وكيف قال القوم : هذا الذي رُزقنا من قبل ، والذي رُزقوه من قبل قد عُدم بأكلهم إياه ؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له ؟
قيل : إن الأمر على غير ما ذهبتَ إليه في ذلك. وإنما معناه : هذا من النوع الذي رُزقناه من قَبل هذا ، من الثمار والرزق. كالرجل يقول لآخر : قد أعدّ لك فلانٌ من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى. فيقول المقول له ذاك : هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك : أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعدّه له من الطعام هو طعامُه ، لا أنّ أعيانَ ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له ، هو طعامه . بل ذلك مما لا يجوز لسامع سَمعه يقول ذلك ، أن يتوهم أنه أراده أو قصدَه ، لأن ذلك خلافُ مَخرَج كلام المتكلم. وإنما يوجَّه كلام كلّ متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه ، دون المجهول من معانيه. فكذلك ذلك في قوله : " قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل " ، إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبل قد فني وعُدِم. فمعلوم أنهم عَنَوْا بذلك : هذا من النوع الذي رُزقناه من قبل ، ومن جنسه
__________
(1) في المطبوعة مكان قوله : " ذو غية " ، " ذو غرة " ، وفي المخطوطة : " ذو عته " . والعته : نقص العقل ، أو الجنون ، وأجودهن ما أثبته عن كتاب حادي الأرواح لابن قيم الجوزية 1 : 268 ، حيث نقل نص الطبري .
(2) هذا التفصيل الذي ذكره الطبري من جيد النظر في معاني الكلام .

(1/388)


في السِّمَات والألوان (1) - على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا (2) .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا }
قال أبو جعفر : والهاء في قوله : " وأتُوا به مُتشابهًا " عائدة على الرزق ، فتأويله : وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا.
وقد اختلَفَ أهلُ التأويل في تأويل " المتشابه " في ذلك :
فقال بعضهم : تشابهه أنّ كله خيار لا رَذْلَ فيه.
* ذكر من قال ذلك :
519 - حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : أخبرنا النضر بن شُميل ، قال : أخبرنا أبو عامر ، عن الحسن في قوله : " متشابهًا " قال : خيارًا كُلَّها لا رَذل فيها.
520 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَيَّة ، عن أبي رَجاء : قرأ الحسنُ آيات من البقرة ، فأتى على هذه الآية : " وأتُوا به مُتشابهًا " قال : ألم تَروْا إلى ثمار الدنيا كيف تُرذِلُون بعضَه ؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْل.
521 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا مَعمر ، قال : قال الحسن : " وأتوا به متشابهًا " قال : يشبه بعضه بعضًا ، ليس فيه من رَذْل (3) .
522 - حدثنا بشر ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " وأتوا به
__________
(1) في المطبوعة : " في التسميات والألوان " ، وهو خطأ .
(2) يعني بذلك الذي تقدم ، معنى قوله : " وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه ، دون المجهول من معانيه " ، وقد مضى ذكر ذلك في ص 388 .
هذا ، وقد وقع في المطبوعة خطأ بين ، فقد وضع في هذا المكان ما نقلناه إلى حق موضعه في ص 394 من أول قوله : " وقد زعم بعض أهل العربية . . " إلى قوله : " بخروجه عن قول جميع أهل العلم ، دلالة على خطئه " .
(3) في المطبوعة : " ليس فيه مرذول " .

(1/389)


متشابهًا " ، أي خيارًا لا رَذلَ فيه ، وإن ثمار الدنيا يُنقَّى منها ويُرْذَل منها ، وثمار الجنة خيارٌ كله ، لا يُرْذَل منه شيء.
523 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج. قال : ثمر الدنيا منه ما يُرْذَل ، ومنه نَقاوَةٌ ، وثمرُ الجنة نقاوة كله ، يشبه بعضُه بعضًا في الطيب ، ليس منه مرذول (1) .
* * *
وقال بعضهم : تشابُهه في اللون وهو مختلف في الطعم.
* ذكر من قال ذلك :
524 - حدثني موسى ، قال حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " وأتوا به متشابهًا " في اللَّوْن والمرْأى ، وليس يُشبه الطعمَ.
525 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وأتوا به متشابهًا " مِثلَ الخيار.
526 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وأتوا به متشابهًا لونه مختلفًا طعمُه ، مثلَ الخيار من القثّاء.
527 - حُدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " وأتوا به متشابهًا " ، يشبه بعضه بعضًا ويختلف الطعم.
528 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزّاق ، قال : أنبأنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " متشابهًا " ، قال : مشتبهًا في اللون ، ومختلفًا في الطعم.
__________
(1) الآثار : 519 - 523 بعضها في الدر المنثور 1 : 38 ، وبعضها في الشوكاني 1 : 42 .

(1/390)


529 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " وأتوا به متشابهًا " ، مثل الخيار (1) .
* * *
وقال بعضهم : تشابُهه في اللون والطعم.
* ذكر من قال ذلك :
530 - حدثنا ابن وكيع. قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، قوله : " متشابهًا " قال : اللونُ والطعمُ.
531 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الرزّاق ، عن الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، ويحيى بن سعيد : " متشابهًا " قالا في اللون والطعم.
* * *
وقال بعضهم : تشابهه ، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون ، وإن اختلف طعومهما.
* ذكر من قال ذلك :
532 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : " وأتوا به متشابهًا " قال : يشبه ثمر الدنيا ، غيرَ أن ثمر الجنة أطيب.
533 - حدثنا المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : قال حفص بن عمر ، قال : حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله : " وأتوا به متشابهًا " ، قال : يشبه ثمر الدنيا ، غير أن ثمر الجنة أطيبُ.
* * *
وقال بعضهم : لا يُشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا ، إلا الأسماء.
* ذكر من قال ذلك :
534 - حدثني أبو كريب ، قال : حدثنا الأشجعيّ - ح - وحدثنا محمد
__________
(1) الآثار : 524 - 529 بعضها في ابن كثير 1 : 114 - 115 ، والدر المنثور 1 : 38 ، والشوكاني 1 : 42 .

(1/391)


بن بشار ، قال ، حدثنا مؤمَّل ، قالا جميعًا : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي ظَبْيَان ، عن ابن عباس - قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي - : لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا ، إلا الأسماء. وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل ، قال : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.
535 - حدثنا عباس بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن عُبيد ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس ، قال : ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء.
536 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد ، في قوله : " وأتوا به متشابهًا " ، قال : يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا ، التُّفاح بالتفاح والرُّمان بالرمان ، قالوا في الجنة : " هذا الذي رزقنا من قبل " في الدنيا ، " وأتوا به متشابهًا " يعرفونه ، وليس هو مثله في الطعم (1) .
قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ، تأويلُ من قال : وأتوا به متشابهًا في اللون والمنظر ، والطعمُ مختلف. يعني بذلك اشتباهَ ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون ، مختلفًا في الطعم والذوق ، لما قدّمنا من العلة في تأويل قوله : " كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل " وأن معناه : كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا : هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا : فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك ، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا ، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه ، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا ، في اللون والمرأى والمنظر ، وإن اختلفا في الطعم والذوق ، فتباينا ، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا.
وقد دللنا
__________
(1) الآثار : 530 - 536 بعضها في الدر المنثور 1 : 38 ، والشوكاني 1 : 42 .

(1/392)


على فساد قول من زعم أنّ معنى قوله : " قالوا هذا الذي رزقنا من قبل " ، إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثَمر الجنة ببعض (1) . وتلك الدلالة على فساد ذلك القول ، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله : " وأتوا به متشابهًا " ، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم : " هذا الذي رُزقنا من قبل " بقوله : " وأتوا به متشابهًا " .
ويُسأل من أنكر ذلك (2) ، فزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظيرًا لشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه ، فيقال له : أيجوز أن يكون أسماءُ ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائرَ أسماء ما في الدنيا منها ؟
فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله ، لأن الله جل ثناؤه إنما عرّف عبادَه في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأسماء التي يسمى بها ما في الدنيا من ذلك.
وإن قال : ذلك جائز ، بل هو كذلك.
قيل : فما أنكرتَ أن يكون ألوانُ ما فيها من ذلك ، نظيرَ ألوان ما في الدنيا منه (3) ، بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان ، وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المَرآة والمنظر ، فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المَرآة والمنظر ، خلافُ الذي لما في الدنيا منه ، كما كان جائزًا ذلك في الأسماء مع اختلاف المسميات بالفضْل في أجسامها ؟ ثم يُعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله.
وكان أبو موسى الأشعري يقول في ذلك بما :
537 - حدثني به ابن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عديّ ، وعبد الوهاب ، ومحمد بن جعفر ، عن عوف ، عن قَسَامةَ ، عن الأشعري ، قال : إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة ، وعلّمه صَنعةَ كل شيء ، فثمارُكم هذه من ثمار الجنة ، غيرَ أن هذه تغيَّرُ وتلك لا تغيَّرُ (4) .
__________
(1) انظر ما مضى ص 387 وما بعدها .
(2) في المطبوعة : " وسأل من أنكر . . " ، وهو خطأ بين .
(3) في المطبوعة : " نظائر ألوان " .
(4) الحديث 537 - هذا إسناد صحيح . وهو وإن كان موقوفًا لفظًا فإنه مرفوع حكمًا ، لأنه إخبار عن غيب لا يعلم بالرأي ولا القياس . والأشعري : هو أبو موسى ، ولم يكن ممن يحكى عن الكتب القديمة . عوف : هو ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو ثقة ثبت ، أخرج له أصحاب الكتب الستة . قسامة - بفتح القاف وتخفيف السين المهملة : هو ابن زهير المازني التميمي البصري ، وهو ثقة تابعي قديم ، بل ذكره بعضهم في الصحابة فأخطأ . وله ترجمة في الإصابة 5 : 276 وابن سعد 7/1/110 ، وقال : " كان ثقة إن شاء الله ، وتوفي في ولاية الحجاج على العراق " ، وابن أبي حاتم 3/2/147 ، وروى توثيقه عن ابن معين .
والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ 1 : 80 ، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن عوف ، بهذا الإسناد . وذكره ابن القيم في حادي الأرواح 1 : 273 (ص 125 من الطبعة الثانية ، طبعة محمود ربيع سنة 1357) من رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن عقبة بن مكرم العمى الحافظ ، عن ربعى بن إبراهيم بن علية عن عوف ، بهذا الإسناد ، مرفوعًا صراحة : " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 197 - 198 " عن أبي موسى رفعه " ، وقال : " رواه البزار ، والطبراني ، ورجاله ثقات " . وذكره ابن القيم في حادي الأرواح قبل ذلك (ص 30 - 31) ، من رواية " هوذة بن خليفة عن عوف " بهذا الإسناد ، موقوفًا لفظًا . ورواية هوذة بن خليفة : رواها الحاكم في المستدرك 2 : 543 ، ولكن إسنادها عندي أنه مغلوط ، والظاهر أنه غلط من الناسخين . لأن الذي فيه : " هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري ، قال : إن الله لما أخرج آدم " إلخ . ثم قال الحاكم : " صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي! ولا يمكن - فيما أعرف وأعتقد - أن يصحح الحاكم هذا الإسناد ، ثم يوافقه الذهبي ، إن كان على هذا الوجه ، لأن أبا بكر بن أبي موسى الأشعري تابعي ثقة ، فلو كان الإسناد هكذا كان الحديث مرسلا لا حجة فيه ، سواء أرفعه أم قاله من قبل نفسه ، فالظاهر أن الناسخين القدماء للمستدرك أخطئوا في زيادة " أبي بكر بن " ، وأن صوابه : " عن أبي موسى الأشعري " ، كما تبين من نقل ابن القيم رواية هوذة ، وكما تبين من الروايات الأخر التي سقناها . والحمد لله على التوفيق .

(1/393)


(1) وقد زعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله : " وأتوا به متشابهًا " ، أنه متشابهٌ في الفضل ، أي كل واحد منه له من الفضْل في نحوه ، مثلُ الذي للآخر في نحوه.
قال أبو جعفر : وليس هذا قولا نستجيز التشاغلَ بالدلالة على فساده ، لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل. وحسبُ قولٍ - بخروجه عن قول جميع أهل العلم - دلالةٌ على خطئه.
* * *
__________
(1) هذه الفقرة كلها من أول قوله : " وقد زعم بعض أهل العربية . . " كانت في المطبوعة في الموضع الذي أشرنا إليه آنفًا ص 389 .

(1/394)


القول في تأويل قوله : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ }
قال أبو جعفر : والهاء والميم اللتان في " لهم " عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، والهاء والألف اللتان في " فيها " عائدتان على الجنات. وتأويل ذلك : وبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات فيها أزواجٌ مطهرة.
والأزواج جمع زَوْج ، وهي امرأة الرجل. يقال : فلانة زَوْجُ فلان وزوجته.
وأما قوله : " مطهَّرة " فإن تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ ، مما يكون في نساء أهل الدنيا ، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره.
538 - كما حدثنا به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أما أزواجٌ مطهرة ، فإنهن لا يحضْن ولا يُحْدِثن ولا يتنخَّمن.
539 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : " أزْواج مطهرة " . يقول : مطهرة من القذَر والأذى.
540 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا يحيى القطان (1) ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ولهم فيها أزواجٌ مطهرة " قال : لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَمذِين.
541 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزُّبيري ، قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه - إلا أنه زَاد فيه : ولا يُمنِين ولا يحضْنَ.
__________
(1) في المخطوطة : " يحيى العطار " ، وهو خطأ .

(1/395)


542 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى ذكره : " ولهم فيها أزواج مطهرة " قال : مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبُزاق والمنيّ والولد.
543 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا سويد بن نصر ، قال : حدثنا ابنُ المبارك ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد ، مثله.
544 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : لا يَبُلْنَ ولا يتغوّطنَ ولا يحضْنَ ولا يلدن ولا يُمْنِين ولا يبزُقنَ.
545 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوَ حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم.
546 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، عن سعيد ، عن قتادة : " ولهم فيها أزواج مطهرة " ، إي والله من الإثم والأذى.
547 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ولهم فيها أزواجٌ مطهرة " ، قال : طهّرهن اللهُ من كل بول وغائط وقذَر ، ومن كل مأثم.
548 - حُدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن قتادة ، قال مطهرة من الحيض والحبَل والأذى.
549 - حُدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : المطهرة من الحيض والحبَل.
550 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد : " ولهم فيها أزواجٌ مطهَّرة " قال : المطهَّرة التي لا تحيض. قال : وأزواج الدنيا ليست بمطهرة ، ألا تراهنّ يدمَيْنَ ويتركن الصلاة والصيامَ ؟ قال ابن زيد : وكذلك خُلقت حواء حتى عصَتْ ، فلما عصَتْ قال الله : إني خلقتك مطهَّرة

(1/396)


وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة (1) .
551 - حُدثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن الحسن في قوله : " ولهم فيها أزواج مطهرة " ، قال يقول : مطهَّرة من الحيض.
552 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا خالد بن يزيد ، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن الحسن في قوله : " ولهم فيها أزواجٌ مطهرة " ، قال : من الحيض.
553 - حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا ابن جُريج ، عن عطاء قوله : " ولهم فيها أزواج مطهرة " ، قال : من الولد والحيض والغائط والبول ، وذكر أشياءَ من هذا النحو (2) .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون. والهاء والميم من قوله " وهم " ، عائدة على الذين آمنوا وعملوا
__________
(1) في المخطوطة : " كما دميت " بتشديد الميم ، وهما سواء ، ويعني بذلك دم الحيض . وهذا الأثر نقله ابن كثير 1 : 115 عن هذا الموضع ، وفيه " أدميت " ، كما في المطبوعة هنا . وقال ابن كثير بعد سياقه : " وهذا غريب " .
(2) الآثار 538 - 553 : بعضها في ابن كثير 1 : 115 ، والدر المنثور 1 : 39 ، والشوكاني 1 : 42 وكرهنا الإطالة بتفصيل مراجعها واحدًا واحدًا . ونقل ابن كثير 1 : 115 - 116 حديثًا مرفوعًا بهذا المعنى : يعني مطهرة " من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق " ، من تفسير ابن مردويه بإسناده - من طريق محمد بن عبيد الكندي عن عبد الرزاق بن عمر البزيعي عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد ، مرفوعًا . وقال : " هذا حديث غريب " . ثم نقل عن الحاكم أنه رواه في المستدرك ، من هذا الوجه ، وأنه صححه على شرط الشيخين . ثم قال : " وهذا الذي ادعاه فيه نظر ، فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا - قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي : لا يجوز الاحتجاج به . قلت : والأظهر أن هذا من كلام قتادة ، كما تقدم " . وهو كما قال ابن كثير . انظر الميزان 2 : 126 .

(1/397)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)

الصالحات. والهاء والألف في " فيها " على الجنات. وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الْحَبْرَةِ والنعيم المقيم (1) .
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ
__________
(1) في الدر المنثور 1 : 41 ، والشوكاني 1 : 42 ، أن ابن جرير أخرج عن ابن عباس في قوله " وهم فيها خالدون " - " أي خالدون أبدًا ، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له " .
وهذا الخبر سيأتي عند تفسير الآية : 82 من هذه السورة (1 : 307 بولاق) . فنقله السيوطي إلى هذا الموضع ، وتبعه الشوكاني .

(1/398)


مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.
فقال بعضهم بما :
554 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدّي ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله : " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا " وقوله : " أو كصيِّب من السماء " ، الآيات الثلاث - قال المنافقون : الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله : " إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً " إلى قوله : " أولئك همُ الخاسرُون " .
وقال آخرون بما :
555 - حدثني به أحمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا قُرَاد ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الرّبيع بن أنس ، في قوله تعالى : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها " . قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا ، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن : إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال : ثم تلا( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [سورة الأنعام : 44] (1) .
556 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس بنحوه - إلا أنه قال : فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم (2) ، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت ، وتموت إذا رَويت ، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل ، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم. فذلك قوله : ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [سورة الأنعام : 44].
وقال آخرون بما :
557 - حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " ، أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قل منه أو كثر (3) . إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله :
__________
(1) الأثر 555 - " قراد " بضم القاف وفتح الراء مخففة : لقب له ، واسمه " عبد الرحمن بن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي ، الخزاعي " ، وهو ثقة ، وقال أحمد : " كان عاقلا من الرجال " . وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2/274 .
(2) في المطبوعة : " خلى آجالهم " ، وفي المخطوطة " خلا " ، والصواب ما أثبته . وخلا العمر يخلو خلوا : مضى وانقضى .
(3) في المخطوطة : " شيئًا قل منه أو كثر " بحذف " ما " ، وفي ابن كثير " مما قل أو كثر " وكلها متقاربة .

(1/399)


" إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " .
558 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : لما ذكر الله العنكبوت والذباب ، قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟ فأنزل الله : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " (1) .
وقد ذهب كلّ قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية ، وفي المعنى الذي نزلت فيه ، مذهبًا ؛ غير أنّ أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ ، ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس.
وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها ، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ، ضربها للمنافقين ، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما " - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة ، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.
فإن قال قائل : إنما أوْجبَ أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرَب من الأمثال في سائر السور ، لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثالٌ موافقة المعنى لما أخبر عنه : أنه لا يستحي أن يضربه مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت ، وبعضها تشبيهًا لها في الضّعف والمهانة بالذباب. وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة ، فيجوزَ أنْ يقال : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا (2) .
__________
(1) الآثار : 554 - 558 أكثرها في ابن كثير 1 : 117 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 41 ، والشوكاني 1 : 45 .
(2) في المطبوعة : " أن يضرب مثلا ما " ، وليست بشيء .

(1/400)


فإن ذلك بخلاف ما ظنّ. وذلك أنّ قول الله جلّ ثناؤه : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " ، إنما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنه لا يستحي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرِها وكبيرِها ، ابتلاءً بذلك عبادَه واختبارًا منه لهم ، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به ، إضلالا منه به لقوم ، وهدايةً منه به لآخرين.
559 - كما حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " مثلا ما بعوضة " ، يعني الأمثال صغيرَها وكبيرَها ، يؤمن بها المؤمنون ، ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين. يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.
560 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حُذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بمثله.
561 - حدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج عن مجاهد ، مثله (1) .
قال أبو جعفر : - لا أنه جلّ ذكره قصَد الخبرَ عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرْب المثل بها ، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق -
562 - كما حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : البعوضة أضعفُ ما خلق الله.
563 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، بنحوه (2) .
__________
(1) الآثار : 559 - 561 ، وهي واحد كلها ، في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وسيأتي برقم : 566 .
(2) الأثر : 562 في الدر المنثور 1 : 41 .

(1/401)


- (1) خصها الله بالذكر في القِلة ، فأخبر أنه لا يستحي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحق وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع ، جوابًا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرَب لهم من المثل بمُوقِد النار والصيِّب من السماء ، على ما نَعَتهما به من نَعْتهما.
فإن قال لنا قائل : وأين ذكر نكير المنافقين الأمثالَ التي وصفتَ ، الذي هذا الخبر جوابه ، فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت ؟
قيل : الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره (2) " : فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا " . وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثال في الآيتين المقدَّمتين - اللتين مثَّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (3) ، بمُوقِد النار وبالصيِّب من السماء (4) ، على ما وصف من ذلك قبل قوله : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " - قد أنكروا المثل وقالوا : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قِيلهم ذلك ، وقبّح لهم ما نطقوا به ، وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه ، وأنه ضلال وفسوق ، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.
وأما تأويل قوله : " إن الله لا يستحيي " ، فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى " إن الله لا يستحيي " : إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهدُ على ذلك من قوله بقول الله تعالى : ( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) [سورة الأحزاب : 37] ، ويزعم أن معنى ذلك : وتستحي الناسَ والله أحقُّ أن تستحيه - فيقول : الاستحياء بمعنى الخشية ، والخشية بمعنى الاستحياء (5) .
__________
(1) قوله : " خصها . . " جواب قوله آنفًا : " . . لما كانت أضعف الخلق " .
(2) في المطبوعة : " الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله " .
(3) قوله : " فيهما " متعلق بقوله " مثل " ، أي : اللتين مثل فيهما - ما عليه المنافقون مقيمون - بموقد النار . .
(4) في المطبوعة : " وبالصيب من السماء " .
(5) لم أعرف قائل هذا القول من المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب ، ولكني رأيت أبا حيان يقول في تفسيره 1 : 121 ، يزعم أن هذا المعنى هو الذي رجحه الطبري ، ومن البين أنه أخطأ فيما توهمه ، فإن لفظ الطبري دال على أنه لم يحقق معناه ، ولم يرضه ، ولم ينصره . هذا على أني أظن أن مجاز اللفظ يجيز مثل هذا الذي قاله المنسوب إلى المعرفة بلغة العرب ، وإن كنت أكره أن أحمل هذه الآية على هذا المعنى .

(1/402)


وأما معنى قوله : " أن يضرب مثلا " ، فهو أن يبيِّن ويصف ، كما قال جل ثناؤه : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) [سورة الروم : 28] ، بمعنى وصف لكم ، وكما قال الكُمَيْت :
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ... لأَسْدَاسٍ ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا (1)
بمعنى : وصف أخماس.
والمثَل : الشبه ، يقال : هذا مَثَل هذا ومِثْله ، كما يقال : شبَهُه وشِبْهه ، ومنه قول كعب بن زهير :
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ (2)
يعني شَبَهًا ، فمعنى قوله إذًا : " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " : إن
__________
(1) هذا بيت استرقه الكميت استراقًا ، على أنه مثل اجتلبه . وأصله : أن شيخًا كان في إبله ، ومعه أولاده رحالا يرعونها ، قد طالت غربتهم عن أهلهم . فقال لهم ذات يوم : " ارعوا إبلكم ربعا " (بكسر فسكون : وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا ، وترد في اليوم الرابع) ، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم . فقالوا : لو رعيناها خمسًا! (بكسر فسكون : أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم . فقالوا : لو رعيناها سدسًا! (أن تحبس خمسًا وترد في السادس) . ففطن الشيخ لما يريدون ، فقال : ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس ، ما همتكم رعيها ، إنما همتكم أهلكم! وأنشأ يقول : وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ ، ... لأَسْدَاسٍ ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا
فصار قولهم : " ضرب أخماس لأسداس " مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره .
وحقيقة قوله " ضرب : بمعنى وصف " ، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد ، يسوقها إليه لتسلكه . فقولهم : ضرب له مثلا ، أي ساقه إليه ، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق . وهذا بين .
(2) ديوانه : 8 ، وفي المخطوطة : " وما مواعيده " ، وعرقوب - فيما يزعمون - : هو عرقوب ابن نصر ، رجل من العمالقة ، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام . وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة ، كما هو معروف في قصته .

(1/403)


الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به (1) .
وأما " ما " التي مع " مثل " ، فإنها بمعنى " الذي " ، لأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها - مثلا.
فإن قال لنا قائل : فإن كان القول في ذلك ما قلت (2) ، فما وجه نصب البعوضة ، وقد علمتَ أنّ تأويل الكلام على ما تأولت (3) : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة ؛ فالبعوضةُ على قولك في محل الرفع ؟ فأنى أتاها النصب ؟
قيل : أتاها النصب من وجهين : أحدُهما ، أن " ما " لما كانت في محل نصْب بقوله " يضرب " ، وكانت البعوضة لها صلة ، عُرِّبت بتعريبها (4) فألزمت إعرابها ، كما قال حسان بن ثابت :
وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا... حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا (5)
فعُرِّبت " غيرُ " بإعراب " من " . والعرب تفعل ذلك خاصة في " من " و " ما " (6) ، تعرب صِلاتهما بإعرابهما ، لأنهما يكونان معرفة أحيانًا ، ونكرة أحيانًا.
__________
(1) هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال إن الاستحياء بمعنى الخشية ، لا ما أخذ به الطبري ، وتفسير الطبري صريح بين في آخر تفسير الآية .
(2) في المطبوعة : " كما قلت " .
(3) في المطبوعة : " على ما تأولت " ، وليست بجيدة .
(4) في المطبوعة " أعربت بتعريبها " . وقوله " عربت " : أي أجريت مجراها في الإعراب ، وهذا هو معنى " التعريب " في اصطلاح قدماء النحاة ، وستمر بك كثيرًا فاحفظها ، وهي أوجز مما اصطلح عليه المحدثون منهم .
(5) ليس في ديوانه ، ويأتي في الطبري 4 : 99 غير منسوب ، وفي الخزانة : 2 : 545 - 546 أنه لكعب بن مالك ، ونسب إلى حسان بن ثابت ولم يوجد في شعره . ونسب لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، ونسب أيضًا لعبد الله بن رواحة . وذكره السيوطي في شرح شواهد المغني : 116 ، 252 ، وأثبت بيتا قبله : نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ بِنَصْرِ وَلِيِّهِ ... فالله ، عَزَّ ، بِنَصْرِهِ سَمَّانَا
قال : يعني أن الله عز وجل سماهم " الأنصار " ، لأنهم نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن والاه . والباء في " بنصر وليه " ، بمعنى " مع " .
(6) في المطبوعة : " فالعرب تفعل . . . " .

(1/404)


وأما الوجه الآخر ، فأن يكون معنى الكلام : إن الله لا يستحْيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها ، ثم حذف ذكر " بين " و " إلى " ، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في " ما " الثانية ، دلالة عليهما ، كما قالت العرب : " مُطِرنا ما زُبالة فالثَعْلَبِيَّة " و " له عشرون ما ناقة فجملا " ، و " هي أحسنُ الناس ما قرنًا فقدمًا " ، يعنون : ما بين قرنها إلى قدمها (1) . وكذلك يقولون في كل ما حسُن فيه من الكلام دخول : " ما بين كذا إلى كذا " ، ينصبون الأول والثاني ، ليدلّ النصبُ فيهما على المحذوف من الكلام (2) . فكذلك ذلك في قوله : " ما بعوضة فما فوقها " (3) .
وقد زعم بعضُ أهل العربية أنّ " ما " التي مع المثَل صلةٌ في الكلام بمعنى التطوُّل (4) وأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلا فما فوقها. فعلى هذا التأويل ، يجب أن تكون " بعوضةً " منصوبةً بـ " يضرب " ، وأن تكون " ما " الثانية التي في " فما فوقها " معطوفة على البعوضة لا على " ما " .
وأما تأويل قوله " فما فوقها " : فما هو أعظم منها (5) - عندي - لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج : أن البعوضة أضعف خلق الله ، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف. وإذ كانت كذلك ، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء ، لا يكون إلا أقوى منه. فقد يجب أن يكون المعنى
__________
(1) في المخطوطة : " يعنون بذلك من قرنها . . " .
(2) في المخطوطة : " ليدل النصب في الأسماء على المحذوف . . . " ، وهما سواء
(3) أكثر هذا من كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 21 - 22 ، وذكر الوجهين السالفين جميعًا ، وكلامه أبسط من كلام الطبري وأبين .
(4) قد مضى قديمًا شرح معنى التطول (انظر : 18 ، 224 وما يأتي ص : 406 ، 154 من بولاق) ، وهو الزيادة في الكلام . وهذا الذي قال عنه : " زعم بعض أهل العربية " ، هو الفراء نفسه ، فقد ذكر هذا أول وجه من ثلاثة وجوه في الآية في معاني القرآن 1 : 21 ، وقال : " أولها : أن توقع الضرب على البعوضة ، وتجعل ما صلة ، كقوله : " عما قليل ليصبحن نادمين " ، يريد : عن قليل . المعنى - والله أعلم - : إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا " .
والذي يسميه الطبري البغدادي المذهب في النحو " تطولا " ، يسميه الفراء الكوفي المذهب في النحو " صلة " ، وهي الزيادة في الكلام .
(5) في المخطوطة : " فهو ما قد عظم منها " ، وهو خطأ بلا معنى .

(1/405)


- على ما قالاه - فما فوقها في العظم والكبر ، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة.
وقيل في تأويل قوله " فما فوقها " ، في الصغر والقلة. كما يقال في الرجل يذكرُه الذاكرُ فيصفه باللؤم والشحّ ، فيقول السامع : " نعم ، وفوقَ ذاك " ، يعني فوقَ الذي وصف في الشحّ واللؤم (1) ، وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.
فقد تبين إذًا ، بما وصفنا ، أن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يصف شبَهًا لما شبَّه به الذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة.
فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة ، فغير جائز في " ما " ، إلا ما قلنا من أن تكون اسما ، لا صلة بمعنى التطول (2) .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فأما الذين آمنوا " ، فأما الذين صدّقوا الله ورسوله. وقوله : " فيعلمون أنه الحق من ربهم " . يعني : فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله ، لِما ضرَبه له ، مثَل.
564 - كما حدثني به المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " فأما الذين آمنوا
__________
(1) في المطبوعة : " فوق الذي وصف " . وهذا التأويل الذي ذكره الطبري ، قد اقترحه الفراء في معاني القرآن 1 : 20 - 21 وأبان عنه ، وقال : " ولو جعلت في مثله من الكلام " فما فوقها " ، تريد أصغر منها ، لجاز ذلك . ولست أستحبه " ، يعني : أنه لا يستحبه في هذا الموضع من تفسير كتاب الله .
(2) قد شرحنا معنى " صلة " و " تطول " فيما مضى ص : 405 .

(1/406)


فيعلمون أنه الحق من ربهم " ، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم ، وأنه كلامُ الله ومن عنده (1) .
565 - وكما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله " فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم " ، أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن ، وأنه الحق من الله (2) .
" وأما الذين كفروا فيقولونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا " .
قال أبو جعفر : وقوله " وأما الذين كفرُوا " ، يعني الذين جحدوا آيات الله ، وأنكرُوا ما عرفوا ، وستروا ما علموا أنه حق ، وذلك صفةُ المنافقين ، وإياهم عَنَى الله جلّ وعز - ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم - بهذه الآية ، فيقولون : ماذا أراد الله بهذا مثلا كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي : -
566 - حدثنا به محمد عن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فأما الذين آمنوا فيعلمونَ أنه الحقّ من ربهم " الآية ، قال : يؤمن بها المؤمنون ، ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها ، ويَضلّ بها الفاسقون. يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به ، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به (3) .
وتأويل قوله : " ماذا أراد الله بهذا مثلا " ، ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا. " فذا " ، الذي مع " ما " ، في معنى " الذي " ، وأراد صلته ، وهذا إشارةٌ إلى المثل (4) .
* * *
__________
(1) الأثر : 564 - هو عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ، كما مر كثيرًا ، وكذلك جاء في الدر المنثور 1 : 43 .
(2) الأثر 565 - في ابن كثير 1 : 118 .
(3) الأثر 566 - قد مضى برقم : 559 .
(4) في المطبوعة : " فذا مع ما في معنى . . "

(1/407)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل وعز : " يضلّ به كثيرًا " ، يضلّ الله به كثيرًا من خلقه. والهاء في " به " من ذكر المثل. وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدَأٌ ، ومعنى الكلام : أن الله يُضلّ بالمثل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر : -
567 - كما حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدّي ، في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " يضلّ به كثيرًا " يعني المنافقين ، " ويهدي به كثيرًا " ، يعني المؤمنين (1) .
- فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم ، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له ، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به. و " يهدي به " ، يعني بالمثل ، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق ، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به.
وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين ، كأنهم قالوا : ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد ، يضلّ به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله ، فقال الله : " وما يضل به إلا الفاسقين " . وفيما في سورة المدثر - من قول الله : " وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا. كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء " - ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك ، مبتدأٌ - أعني قوله : " يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا " .
* * *
__________
(1) الخبر : 567 - في ابن كثير 1 : 119 ، والدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وهو فيها تام متصل ، وتمامه الأثر الذي يليه : 568 . ولكن ابن كثير أخطأ ، فوصل هذا الخير بكلام الطبري الذي يليه ، كأنه كله من تفسير ابن عباس وابن مسعود ، وهو خطأ محض . فقول الطبري بعد " فيزيد هؤلاء ضلالا . . " هو من تمام قوله قبل هذا " أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر " .

(1/408)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (26) }
وتأويل ذلك ما : -
568 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " وما يُضلّ به إلا الفاسقين " ، هم المنافقون (1) .
569 - وحدثنا بشر بن مُعاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " وما يُضِلّ به إلا الفاسقين " ، فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم (2) .
570 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " وما يضل به إلا الفاسقين " ، هم أهل النفاق (3) .
قال أبو جعفر : وأصلُ الفسق في كلام العرب : الخروجُ عن الشيء. يقال منه : فسقت الرُّطَبة إذا خرجت من قشرها. ومن ذلك سُمّيت الفأرةُ فُوَيْسِقة ، لخروجها عن جُحرها (4) ، فكذلك المنافق والكافر سُمّيا فاسقيْن ، لخروجهما عن طاعة ربهما. ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس : ( إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [سورة الكهف : 50] ، يعني به خرج عن طاعته واتباع أمره.
571 - كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ،
__________
(1) الخبر 568 - تمام الأثر السالف ، وقد ذكرنا موضعه .
(2) الأثر : 569 - في ابن كثير 1 : 119 ، وفي الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 ، وفيهما مكان " على فسقهم " ، " بفسقهم " .
(3) الأثر : 570 - في ابن كثير 1 : 119 .
(4) انظر الطبري 15 : 170 (بولاق) . وقوله : " يحكى عن العرب سماعًا : فسقت الرطبة من قشرها ، إذا خرجت . وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها " ، وسائر ما قال هناك .

(1/409)


الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

عن داود بن الحُصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس في قوله : ( بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) [سورة البقرة : 59] ، أي بما بعُدوا عن أمري (1) . فمعنى قوله : " وما يُضلّ به إلا الفاسقين " ، وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق ، إلا الخارجين عن طاعته ، والتاركين اتباعَ أمره ، من أهل الكفر به من أهل الكتاب ، وأهل الضّلال من أهل النفاق.
* * *
القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ }
قال أبو جعفر : وهذا وصف من الله جل ذكره الفاسقين الذين أخبر أنه لا يُضلّ بالمثَل الذي ضربه لأهل النفاق غيرَهم ، فقال : وما يُضِلّ الله بالمثل الذي يضربه - على ما وصف قبلُ في الآيات المتقدمة - إلا الفاسقين الذين ينقُضُون عهد الله من بعد ميثاقه.
ثم اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه : -
فقال بعضهم : هو وصية الله إلى خلقه ، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته ، في كتبه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ونقضُهم ذلك ، تركُهم العمل به.
وقال آخرون : إنما نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم ، وإياهم عَنى الله جل ذكره بقوله : " إنّ الذين كفرُوا سواءٌ عليهم أأنذرتهم " ، وبقوله : " ومن الناس مَنْ يَقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر " . فكل ما في هذه الآيات ، فعَذْل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قَصَصهم. قالوا : فعهدُ الله الذي
__________
(1) الخبر : 571 - لم أجده في مكانه من تفسير آية البقرة ، ولا في أية آية ذكر فيها هذا الحرف . ولم يخرجه أحد ممن اعتمدنا ذكره . وفي المخطوطة : " من أمري " .

(1/410)


نقضوه بعدَ ميثاقه ، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها ، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بُعث ، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضُهم ذلك ، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته ، وإنكارهم ذلك ، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ (1) ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا.
وقال بعضهم : إن الله عنى بهذه الآية جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق. وعهدُه إلى جميعهم في توحيده : ما وضعَ لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته. وعهدُه إليهم في أمره ونهيه : ما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدرُ أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها ، الشاهدةِ لهم على صدقهم. قالوا : ونقضهم ذلك ، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة ، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتُب ، مع علمهم أن ما أتوا به حقّ.
وقال آخرون : العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره ، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم ، الذي وصفه في قوله : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) [سورة الأعراف : 172 - 173]. ونقضُهم ذلك ، تركهم الوفاء به.
وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قولُ من قال : إن هذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرَانَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
__________
(1) في المطبوعة : " عن الناس " ، و " الناس " منصوب ، مفعول ثان ، للمصدر " كتمانهم " . والفعل " كتم " يتعدى إلى مفعول ومفعولين ، تقول : كتمت فلانًا سرى ، وكتمت عن فلان سرى ، وهما سواء .

(1/411)


وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل ، ومن كان على شِركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصَصهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه : " إنّ الذين كفروا سواء عليهم " ، وقوله : " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " ، فيهم أنزِلت ، وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله. غيرَ أن هذه الآيات عندي ، وإن كانت فيهم نزلتْ ، فإنه معنيٌّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال ، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً ، جميعُ المنافقين (1) ؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود ، جميعُ من كان لهم نظيرًا في كفرهم.
وذلك أن الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة ، لتقديمه ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم ، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم ، لتفصيله في أول الآيات بين فريقيْهم ، أعني : فريقَ المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله ، وفريقَ كفار أحبار اليهود. فالذين ينقضون عهدَ الله ، هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وتبيين نبوته للناس ، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به ، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك ، كما قال الله جل ذكره : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ) [سورة آل عمران : 187] ، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم ، هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه ، وتركُهم العمل به.
وإنما قلت : إنه عنى بهذه الآيات من قلتُ إنه عنى بها ، لأن الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة (2) - فيهم نزلتْ ، إلى تمام قصصهم.
__________
(1) سياق العبارة : " ومعنى جميع المنافقين ، بما وافق منها صفة المنافقين " وعبارة الطبري أعرب .
(2) في المطبوعة : " من ابتداء الآيات " ، وكأنه تغيير من المصححين .

(1/412)


وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانِهِ في قوله (1) .( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) [سورة البقرة : 40]. وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر (2) - ما يدل على أن قوله : " الذين ينقضُون عَهدَ الله من بعد ميثاقه " مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم ، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غيرَ أنّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم ، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ ، كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي.
فمعنى الآية إذًا : وما يُضِلّ به إلا التاركين طاعةَ الله ، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه ، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم ، في الكتب التي أنزلها إلى رُسله وعلى ألسن أنبيائه ، باتباع أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس ، وإخبارِهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنه رسولٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُه ، وترك كتمان ذلك لهم (3) . ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه ، هو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنه عهد إليهم - بعد إعطائهم ربهم الميثاقَ بالوفاء بذلك. كما وصفهم به ربنا تعالى ذكره بقوله : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ) . [سورة الأعراف : 169] .
__________
(1) في المطبوعة " عن خلق آدم وأبنائه في قوله " ، وهو خطأ محض . وقوله " وبيانه " ، مجرور معطوف على قوله : " وفي الآية التي بعد الخبر . . " أي ، " وفي بيانه في قوله : . . " .
(2) قوله : " وخطابه " مجرور معطوف على قوله : " وفي الآية . . " و " وبيانه . . " كما أسلفنا في التعليق قبله . وفي المطبوعة : " في ذلك خاصة " . ولست بشيء .
(3) هكذا في الأصول ، ولعل الأجود أن يقول : وترك كتمان ذلك عنهم .

(1/413)


وأما قوله : " من بعد ميثاقه " ، فإنه يعني : من بعد توَثُّق الله فيه (1) ، بأخذ عهوده بالوفاء له ، بما عهد إليهم في ذلك (2) . غيرَ أن التوثق مصدر من قولك : توثقت من فلان تَوَثُّقًا ، والميثاقُ اسمٌ منه. والهاء في الميثاق عائدة على اسمِ الله.
وقد يدخل في حكم هذه الآية كلّ من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار ، في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض.
572 - كما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " الذين ينقضُون عهدَ الله من بعد ميثاقه " ، فإياكم ونقضَ هذا الميثاق ، فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه ، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة ، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعدَ في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق. فمن أعطى عهدَ الله وميثاقه من ثمرَة قلبه فَلْيَفِ به لله (3) .
573 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، في قوله : " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويَقطعون ما أمرَ الله به أن يُوصَل ويفسدون في الأرض أولئك همُ الخاسرون " ، فهي ستُّ خلال في أهل النفاق ، إذا كانت لهم الظَّهَرَة ، (4) أظهرُوا هذه الخلال الست
__________
(1) في المطبوعة : " منه " مكان " فيه " .
(2) في المطبوعة والمخطوطة " بما عهد إليه " ، وهو خطأ بين .
(3) الأثر : 572 - في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 . وقوله " من ثمرة قلبه " ، أي خالص قلبه ، مأخوذ من ثمرة الشجرة ، لأنها خلاصتها وأطيب ما فيها . وفي حديث المبايعة : " فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه " ، أي خالص عهده وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، في المسند : 6501 ، 6503 ، 6793 . ويقال : خصني فلان بثمرة قلبه : أي خالص مودته .
(4) الظهرة (بثلاث فتحات) : الكثرة ، وأراد بها ظهور الأمر والغلبة . ولو أسكنت الهاء ، كان صوابًا ، من قولهم : ظهرت على فلان : إذا علوته وغلبته .

(1/114)


جميعًا : إذا حدّثوا كذبوا ، وإذا وَعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا ، ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمرَ اللهُ به أن يوصل ، وأفسدُوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ ، أظهروا الخلالَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ }
قال أبو جعفر : والذي رَغب اللهُ في وَصْله وذمّ على قطعه في هذه الآية : الرحم. وقد بين ذلك في كتابه ، فقال تعالى : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) [سورة محمد : 22]. وإنما عَنى بالرّحم ، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك : ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها ، وأوجبَ من بِرِّها. وَوَصْلُها : أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها ، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها.
" وأن " التي مع " يوصل " في محل خفض ، بمعنى رَدِّها على موضع الهاء التي في " به " : فكان معنى الكلام (2) : ويقطعون الذي أمرَ الله بأن يُوصَل. والهاء التي في " به " ، هي كناية عن ذكر " أن يوصل " . وبما قلنا في تأويل قوله : " ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل " ، وأنه الرّحم ، كان قتادة يقول :
__________
(1) الأثر : 573 - في ابن كثير 1 : 120 - 121 عن أبي العالية ، ثم قال : " وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا " . هذا ، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ، والشوكاني خبرًا خرجوه عن ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال : " الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، قال : إياكم ونقض هذا الميثاق . وكان يسميهم : الفاسقين " الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 45 . أما ابن كثير فقد رواه في تفسيره 1 : 119 نقلا عن ابن أبي حاتم ؛ بإسناده ، ولم ينسبه إلى الطبري . وأخشى أن يكون وهمًا من السيوطي والشوكاني .
(2) في المطبوعة : " وكان معنى الكلام " بالواو .

(1/415)


574 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " ويقطعون ما أمر الله به أنْ يوصَل " ، فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة (1) .
وقد تأول بعضهم ذلك : أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به وأرحامَهم. واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية ، وأن لا دلالة على أنه معنيٌّ بها بعضُ ما أمر الله وصله دون بعض (2) .
قال أبو جعفر : وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب ، ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه ، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرةُ تلك ، غير أنها - وإن كانت كذلك - فهي دَالَّةٌ على ذمّ الله كلّ قاطعٍ قطعَ ما أمر الله بوصله ، رَحمًا كانتْ أو غيرَها.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ }
قال أبو جعفر : وفسادُهم في الأرض : هو ما تقدم وَصَفْناه قبلُ من معصيتهم ربَّهم ، وكفرهم به ، وتكذيبهم رسوله ، وجحدهم نبوته ، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده.
* * *
__________
(1) الأثر : 574 - في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 46 مختصرًا ، ونصه هناك : " ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، قال : الرحم والقرابة " .
(2) في المخطوطة : " واستشهد على ذلك عموم ظاهر الآية ، ولا دلالة . . " .

(1/416)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) }
قال أبو جعفر : والخاسرون جمع خاسر (1) ، والخاسرون : الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته ، كما يخسرُ الرجل في تجارته ، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه (2) . فكذلك الكافر والمنافق ، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة ، أحوج ما كان إلى رحمته. يقال منه : خَسِرَ الرجل يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانا وخَسَارًا ، كما قال جرير بن عطية :
إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهُ... أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ (3)
يعني بقوله : " في الخسار " ، أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم. وقد قيل : إن معنى " أولئك هم الخاسرون " : أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية ، بحرمان الله إياه ما حرَمه من رحمته ، بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويلَ الكلام على معناه ، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها ، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه.
وقال بعضهم في ذلك بما :
575 - حُدِّثت به عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل " خاسر " ، فإنما يعني به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام ، فإنما يعني به الذنب.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " جمع الخاسر " ، وليست بشيء .
(2) وضع في البيع يوضع (مبني للمجهول) وضيعة : إذا خسر خسارة من رأس المال .
(3) ديوانه : 598 ، والنقائض : 4 ، واللسان (قنن) ، وروايته : " أبناء قوم " . وسليط : بطن من بني يربوع قوم جرير ، واسم سليط : كعب بن الحارث بن يربوع . وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي ، فهجاه جرير بهذا الرجز . وأقنة جمع قن (بكسر القاف) ، والقن : العبد الذي ملك هو وأبواه . والأنثى ، قن أيضًا بغير هاء .

(1/417)


كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

القول في تأويل قول الله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا }
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك :
فقال بعضهم بما :
576 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " كيفَ تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ، يقول : لم تكونوا شيئًا فخلقكم ، ثم يميتكم ، ثم يحييكم يومَ القيامة.
577 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قوله : ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) [سورة غافر : 11] ، قال : هي كالتي في البقرة : " كنتمْ أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " .
578 - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا عَبْثَر ، قال : حدثنا حُصين ، عن أبي مالك ، في قوله : " أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ، قال : خلقتنا ولم نكن شيئًا ، ثم أمَتَّنَا ، ثم أَحْيَيْتَنَا.
579 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هُشيم ، عن حُصين ، عن أبي مالك ، في قوله : " أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ، قال : كانوا أمواتًا فأحياهم الله ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم (1) .
__________
(1) الأثر : 579 - " حصين " . بضم الحاء المهملة : هو ابن عبد الرحمن السلمي . و " أبو مالك " : هو الغفاري الكوفي ، واسمه " غزوان " . سبقت ترجمته في : 168 .

(1/418)


580 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد في قوله : " كيف تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ، قال : لم تكونوا شيئًا حين خلقكم ، ثم يميتكم الموْتةَ الحقّ ، ثم يحييكم. وقوله : " أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ، مثلها.
581 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : حدثني عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قال : هو قوله : " أمتَّنا اثنين وأحييتنا اثنين " .
582 - حُدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : حدثني أبو العالية ، في قول الله : " كيفَ تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " ، يقول : حين لم يكونوا شيئًا ، ثم أحياهم حين خلقهم ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة ، ثم رَجعوا إليه بعد الحياة.
583 - حُدثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : " أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ، قال : كنتم تُرابًا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم ، فهذه إحياءة. ثم يميتكم فترجعون إلى القبور ، فهذه ميتة أخرى. ثم يبعثكم يوم القيامة ، فهذه إحياءة. فهما ميتتان وحياتان ، فهو قوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ، ثم إليه ترجعون " .
وقال آخرون بما :
584 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن السُّدّيّ ، عن أبي صالح : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ، ثم يميتكم ثم يحييكم ، ثم إليه ترجعون " ، قال : يحييكم في القبر ، ثم يميتكم.
وقال آخرون بما :
585 - حدثنا به بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، عن سعيد ،

(1/419)


عن قتادة ، قوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " الآية. قال : كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم (1) ، فأحياهم الله وخلقهم ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ، فهما حياتان وموتتان (2) .
وقال بعضهم بما :
586 - حدثني به يونس ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله تعالى : " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " . قال : خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق ، وقرأ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ، حتى بلغ : ( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) [سورة الأعراف : 172 - 173]. قال : فكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق. قال : وانتزع ضلعًا من أضلاع آدم القُصَيرى (3) فخلق منه حواء - ذكرَه عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وذلك قول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا ) [سورة النساء : 1] ، قال : وبثّ منهما بعد ذلك في الأرحام خلقًا كثيرًا (4) ، وقرأ : ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ) [سورة الزمر : 6] ، قال : خلقا بعد ذلك. قال : فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم ، ثم خلقهم في الأرحام ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة ، فذلك قول الله : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ) ،
__________
(1) في المخطوطة : " في أصلبة " ، والصواب " صلبة " (بكسر الصاد وفتح اللام) أو " أصلب " (بسكون الصاد وضم اللام) . وكلها جمع صلب (بضم فسكون) : وهو عظم الظهر من لدن الكاهل إلى عجب الذنب .
(2) الآثار : 575 - 585 : بعضها في ابن كثير 1 : 122 مجملة ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 46 ، وكرهنا الإطالة بتفصيلها .
(3) القصيري ، بالتصغير : هي الضلع التي تلي الشاكلة أسفل الأضلاع ، وهي أقصرهن .
(4) في المطبوعة : " وبث فيهما بعد ذلك . . " ، وهو خطأ .

(1/420)


وقرأ قول الله : ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) [سورة الأحزاب : 7]. قال : يومئذ. قال : وقرأ قول الله : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) (1) [سورة المائدة : 7].
قال أبو جعفر : ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن روَيناها عنه ، وجه ومذهبٌ من التأويل.
* * *
فأما وجه تأويل من تأول قوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " ، أي لم تكونوا شيئًا ، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر : هذا شيء ميِّتٌ ، وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت : خُمول ذكره ، ودُرُوس أثره من الناس. وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه : هذا أمر حيّ ، وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في الناس ، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ :
فَأَحْيَيْتَ لِي ذكْري ، وَمَا كُنْتُ خَامِلا... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ (2)
يريد بقوله : " فأحييتَ لي ذكري " ، أي : رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا ، بعد أن كان خاملا ميتًا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله : " وكنتم أمواتًا " لم تكونوا شيئًا ، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم ، وذلك كان موتكم فأحياكم ، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون ، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم ، كالذي كنتم قبل أن يحييكم ، من دروس ذكركم ، وتعفِّي آثاركم ، وخمول أموركم ، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ، ونفخ الروح فيها ،
__________
(1) الأثر : 586 - في ابن كثير 1 : 122 ، والشوكاني 1 : 47 ، مختصرًا جدًا .
(2) الأغاني 18 : 140 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 193 ، وأبو نخيلة اسمه لا كنيته ، كما قال أبو الفرج ، ويقال اسمه : يعمر بن حزن بن زائدة ، من بني سعد بن زيد مناة ، وكان الأغلب عليه الرجز ، وله قصيد قليل ، وكان عاقًّا بأبيه ، فنفاه أبوه عن نفسه . والبيت من أبيات ، يمدح بها مسلمة بن عبد الملك .

(1/421)


وتصييركم بشرًا كالذي كنتم قبل الإماتة ، تتعارفون في بعثكم وعند حشركم (1) .
* * *
وأما وجه تأويل من تأوّل ذلك : أنه الإماتة التي هي خروج الرّوح من الجسد ، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله " وكنتم أمواتًا " ، إلى أنه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم. وذلك معنى بعيد ، لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم ، لا استعتابٌ واسترجاعٌ (2) . وقوله جل ذكره : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " ، توبيخ مُستعتِبٍ عبادَه ، وتأنيبُ مسترجعٍ خلقَه من المعاصي إلى الطاعة ، ومن الضلالة إلى الإنابة ، ولا إنابة في القبور بعد الممات ، ولا توبة فيها بعد الوفاة.
* * *
وأما وجه تأويل قول قتادة ذلك : أنهم كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم. فإنه عنى بذلك أنهم كانوا نطفًا لا أرواح فيها ، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها. وإحياؤه إياها تعالى ذكره ، نفخُه الأرواح فيها ، وإماتتُه إياهم بعد ذلك ، قبضُه أرواحهم. وإحياؤه إياهم بعد ذلك ، نفخُ الأرواح في أجسامهم يوم يُنفخ في الصّور ، ويبْعثُ الخلق للموعود.
* * *
وأما ابن زيد ، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك ، وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم ، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم ، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم ، وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب (3) ، والمصير في البرزخ إلى اليوم
__________
(1) في المطبوعة : " لتعارفوا " ، وهي قريبة في المعنى .
(2) الاستعتاب : الاستقالة من الذنب ، والرجوع إلى ما يجلب الرضا ، أي أن يستقيلوا وبهم ويستغفروه ، ويرجعوا عن إساءتهم ويطلبوا رضاه . واستعتبه : طلب إليه الرجوع إلى ما يرضى . والاسترجاع : طلب الرجوع . واسترجعه : رده الله إلى الطاعة .
(3) في المخطوطة : " للعودة إلى التراب " ، وهي قريب .

(1/422)


البعث ، وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة.
وهذا تأويل إذا تدبره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مفسِّره أن الذي وصفنا من قوله تفسيره. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه - عن الذين أخبر عنهم من خلقه - أنهم قالوا : " ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " ، وزعم ابن زيد في تفسيره أنّ الله أحياهم ثلاث إحياءات ، وأماتهم ثلاث إماتات. والأمر عندنا - وإن كان فيما وَصَف من استخراج الله جل ذكره من صُلب آدم ذرّيته ، وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف - فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين - أعني قوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " الآية ، وقوله : " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " - في شيء. لأن أحدًا لم يدع أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث ، فيكون جائزًا أن يوجّه تأويل الآية إلى ما وجهه إليه ابن زيد.
* * *
وقال بعضُهم : الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة ، فهي ميّتة من لَدُنْ فراقها جسدَه إلى نفخ الروح فيها. ثم يحييها الله بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تاراتٍ تأتي عليها. ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه ، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصُّور ، فيردّ في جسده روحه (1) ، فيعود حيًّا سويًّا لبعث القيامة. فذلك موتتان وحياتان. وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول ، لأنهم قالوا : موتُ ذي الرّوح مفارقة الرّوح إياه. فزعموا أن كل شيء من ابن آدم حيّ
__________
(1) في المخطوطة : " فيرد في جسمه " ، وهي قريب .

(1/423)


ما لم يفارق جسده الحي ذا الروح. فكل ما فارق جسده الحي ذا الرّوح ، فارقتْه الحياةُ فصار ميتًا. كالعضو من أعضائه - مثل اليد من يديه ، والرِّجل من رجليه - لو قطعت فأبِينتْ (1) ، والمقطوع ذلك منه حيٌّ ، كان الذي بان من جسده ميتًا لا رُوح فيه بفراقه سائر جسده الذي فيه الروح. قالوا : فكذلك نطفته حية بحياته ما لم تفارق جسده ذا الروح ، فإذا فارقته مباينةً له صارت ميتةً ، نظيرَ ما وصفنا من حكم اليد والرجل وسائر أعضائه. وهذا قولٌ ووجه من التأويل ، لو كان به قائلٌ من أهل القدوة الذين يُرْتضى للقرآن تأويلهم.
* * *
وأولى ما ذكرنا - من الأقوال التي بيَّنَّا - بتأويل قول الله جل ذكره : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " الآية ، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس : من أن معنى قوله : " وكنتم أمواتًا " أمواتَ الذكر ، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا ، لا تُعرفون ولا تُذكرون : فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم ، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون ، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة ، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك ، كما قال : " ثم إليه تُرجعون " ، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبلَ حشرهم ، ثم يحشرهم لموقف الحساب ، كما قال جل ذكره : ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ) [سورة المعارج : 43] وقال : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ) [سورة يس : 51]. والعلة التي من أجلها اخترنا هذا التأويل ، ما قد قدّمنا ذكره للقائلين به ، وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل.
وهذه الآية توبيخٌ من الله جل ثناؤه للقائلين : " آمنَّا بالله وباليوم الآخر " ، الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواههم ، غيرُ مؤمنين به. وأنهم إنما يقولون ذلك خداعًا لله وللمؤمنين ، فعذَلهم الله بقوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " ، ووبَّخهم واحتجّ عليهم - في نكيرهم ما أنكروا من ذلك وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة - فقال : كيف تكفرون بالله فتجحدون قدرته على إحيائكم بعد إماتتكم ، [لبعث القيامة ، ومجازاة المسيء منكم بالإساءة والمحسن
__________
(1) في المطبوعة : " وأبينت " ، وهذه أجود .

(1/424)


بالإحسان ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلاب آبائكم ، فأنشأكم خلقًا سويًّا ، وجعلكم أحياءً ، ثم أماتكم بعد إنشائكم. فقد علمتم أن مَنْ فعل ذلك بقدرته ، غير مُعجزِه - بالقدرة التي فعل ذلك بكم - إحياؤكم بعد إماتتكم] (1) وإعادتكم بعد إفنائكم ، وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم.
ثم عدّد ربنا تعالى ذكره عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود - الذين جمع بين قصَصهم وقصَص المنافقين في كثير من آي هذه السورة التي افتتح الخبرَ عنهم فيها بقوله : " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرْهم لا يؤمنون " - (2) نِعَمَه التي سلفت منه إليهم وإلى آبائهم ، التي عَظُمتْ منهم مواقعها. ثم سلب كثيرًا منهم كثيرًا منها ، بما ركبوا من الآثام ، واجترموا من الأجْرام ، وخالفوا من الطاعة إلى المعصية ، محذّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبة لهم ، كالتي عجلها للأسلاف والأفْراط قبلهم ، ومُخوّفَهم حُلول مَثُلاتِه بساحتهم كالذي أحلّ بأوّليهم ، ومُعرّفَهم ما لهم من النجاة في سرعة الأوْبة إليه ، وتعجيل التوبة ، من الخلاص لهم يوم القيامة من العقاب (3) .
فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدّد من نعمه التي هم فيها مُقيمون ، بذكر أبينا وأبيهم آدم أبي البشر صلوات الله عليه ، وما سلف منه من كرامته إليه ، وآلائه لديه ، وما أحلّ به وبعدوّه إبليس من عاجل عقوبته بمعصيتهما التي كانت منهما ، ومخالفتهما أمره الذي أمرهما به. وما كان من تغمُّده آدمَ برَحمته إذْ تاب وأناب إليه. وما كان من إحلاله بإبليس من لعنته في العاجل ، وإعداده له ما أعدّ له من العذاب المقيم في الآجل ، إذ استكبر وأبى التوبة إليه والإنابة ، منبهًا لهم على حكمه
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة .
(2) قوله " نعمه " مفعول قوله " ثم عدد ربنا . . " ، وما بينهما فصل .
(3) في المطبوعة " يحذرهم بذلك . . . ويخوفهم . . . أحل بأوائلهم ، ويعرفهم " ، وانظر ما سيأتي في ص : 154 بولاق . وفي المخطوطة والمطبوعة : " من الخلاص . . " بغير واو ، هو لا يستقيم ، فلذلك زدناها . وقوله : " حلول مثلاته " جمع مثلة (بفتح الميم وضم الثاء) : وهي العقوبة والعذاب والنكال .

(1/425)


في المنيبين إليه بالتوبة ، وقضائه في المستكبرين عن الإنابة ، إعذارًا من الله بذلك إليهم ، وإنذارًا لهم ، ليتدبروا آياته وليتذكر منهم أولو الألباب. وخاصًّا أهلَ الكتاب - بما ذَكر من قصص آدم وسائر القصص التي ذكرها معها وبعدها ، مما علمه أهل الكتاب وجهلته الأمة الأميَّة من مشركي عبَدة الأوثان - بالاحتجاج عليهم - دون غيرهم من سائر أصناف الأمم ، الذين لا علم عندهم بذلك - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (1) ، ليعلموا بإخباره إياهم بذلك ، أنه لله رسولٌ مبعوث ، وأن ما جاءهم به فمن عنده ، إذْ كان ما اقتص عليهم من هذه القصص ، من مكنون علومهم ، ومصون ما في كتبهم ، وخفيّ أمورهم التي لم يكن يدّعي معرفة علمها غيرُهم وغيرُ من أخذ عنهم وقرأ كتبهم.
* * *
وكان معلومًا من محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن قط كاتبًا ، ولا لأسفارهم تاليًا ، ولا لأحد منهم مصاحبًا ولا مجالسًا ، فيمكنهم أن يدّعوا أنه أخذ ذلك من كتبهم أو عن بعضهم ، فقال جل ذكره - في تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من نعمه ، مع كفرهم به ، وتركهم شكرَه عليها بما يجب له عليهم من طاعته - : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [سورة البقرة : 29]. فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا ، لأنّ الأرضّ وجميعَ ما فيها لبني آدم منافعُ. أما في الدين ، فدليلٌ على وحدانية ربهم ، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه.
فلذلك قال جل ذكره : " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا " .
__________
(1) سياق هذه العبارة : " وخاصًّا أهل الكتاب . . بالاحتجاج عليهم . . لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " . وما بين هذه الأحرف المتعلقة بمراجعها ، فصل متتابع ، كعادة الطبري في كتابته .

(1/426)


وقوله : " هو " مكنيّ من اسم الله جل ذكره عائد على اسمه في قوله : " كيف تكفرون بالله " . ومعنى خلقه ما خلق جلّ ثناؤه ، إنشاؤه عينه ، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود. و " ما " بمعنى " الذي " .
فمعنى الكلام إذًا : كيف تكفرون بالله وكنتم نُطفًا في أصلاب آبائكم فجعلكم بشرًا أحياءً ، ثم يميتكم ، ثم هو مُحييكم بعد ذلك وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب ، وهو المنعمُ عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم.
و " كيف " بمعنى التعجب والتوبيخ ، لا بمعنى الاستفهام ، كأنه قال : ويْحَكم كيف تكفرون بالله ، كما قال : ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) [سورة التكوير : 26]. وحل قوله : " وكنتم أمواتًا فأحياكم " محلّ الحال. وفيه ضميرُ " قد " (1) ، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها. وذلك أن " فعل " إذا حلت محلّ الحال كان معلومًا أنها مقتضية " قد " ، كما قال ثناؤه : ( أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) [سورة النساء : 90] ، بمعنى : قد حَصِرَت صدورهم. وكما تقول للرجل : أصبحتَ كثرت ماشيتك ، تريد : قد كثرت ماشيتك.
وبنحو الذي قلنا في قوله : " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا " ، كان قتادة يقول :
587 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا " ، نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض (2) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة " وفيه إضمار قد " ، ولم يرد بالضمير ما اصطلح عليه النحويون ، وإنما أراد المضمر الذي أخفى وستر . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 23 - 25 .
(2) الأثر : 587 - في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 48 ، وفيهما زيادة على الذي في أصول الطبري ، وهي : " . . ما في الأرض جميعًا ، كرامةً من الله ونعمةً لابن آدم متاعًا ، وبُلْغةً ومنفعة إلى أجل " .
هذا وقد زادا معًا أثرًا آخر قالا أخرجه ابن جرير عن مجاهد ، هذا هو : " في قوله : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ، قال : سخّر لكم ما في الأرض جميعًا " . وإسناد هذا الأثر ، هو الذي يأتي برقم : 591 ، لأنه من تمامه ، كما هو بين فيما نقله السيوطي والشوكاني . ويوشك أن يكون في نسخ الطبري التي بين أيدينا حذف ألجأ النساخ إليه طول الكتاب ، فقد مضى آنفًا مثل هذا النقص ، ومثل هذه الزيادة

(1/427)


هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ }
قال أبو جعفر : اختلفوا في تأويل قوله : " ثم استوى إلى السَّماء " .
فقال بعضهم : معنى استوى إلى السماء ، أقبل عليها ، كما تقول : كان فلان مقبلا على فلان ، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني. بمعنى : أقبل عليّ وإليّ يشاتمني. واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر :
أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى... سَوَامِدَ ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ (1)
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع ، وكان ذلك عنده بمعنى : أقبلن. وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ ، وإنما معنى قوله : " واستوين من الضجوع " ، استوين على الطريق من الضجوع خارجات ، بمعنى استقمن عليه.
وقال بعضهم : لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوُّل ، ولكنه بمعنى فعله ، كما تقول : كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ، ثم تحوَّل إلى الشام. إنما يريد :
__________
(1) البيت لتميم بن أبي بن مقبل (معجم ما استعجم : 795 ، 857) ، وروايته " ثواني " مكان " سوامد " . وشرورى : جبل بين بني أسد وبني عامر ، في طريق مكة إلى الكوفة . والضجوع - بفتح الضاد المعجمة - : موضع أيضًا بين بلاد هذيل وبني سليم . وقوله : " سوامد " جمع سامد . سمدت الإبل في سيرها : جدت وسارت سيرًا دائمًا ، ولم تعرف الإعياء . وسوامد : دوائب لا يلحقهن كلال . والنون في " قطعن " للإبل .

(1/428)


تحوّل فِعله. [وقال بعضهم : قوله : " ثم استوى إلى السماء " يعني به : استوت] (1) . كما قال الشاعر :
أَقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى فِي تُرَابِهِ... عَلَى أَيِّ دِينٍ قَتَّلَ النَّاسَ مُصْعَبُ (2)
وقال بعضهم : " ثم استوى إلى السماء " ، عمدَ لها (3) . وقال : بل كلُّ تارك عملا كان فيه إلى آخر ، فهو مستو لما عمد له ، ومستوٍ إليه.
وقال بعضهم : الاستواء هو العلو ، والعلوّ هو الارتفاع. وممن قال ذلك الربيع بن أنس.
588 - حُدِّثت بذلك عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " ثم استوى إلى السماء " . يقول : ارتفع إلى السماء (4) .
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع ، في الذي استوى إلى السّماء. فقال بعضهم : الذي استوى إلى السماء وعلا عليها ، هو خالقُها ومنشئها. وقال بعضهم : بل العالي عليها : الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء (5) .
قال أبو جعفر : الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه : منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته ، فيقال ، إذا صار كذلك : قد استوى الرّجُل. ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب ، يقال منه : استوى لفلان أمرُه. إذا استقام بعد أوَدٍ ، ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حَكيم :
طَالَ عَلَى رَسْمِ مَهْدَدٍ أبَدُهْ... وَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُه (6)
__________
(1) هذه الجملة بين القوسين ، ليست في المخطوطة ، وكأنها مقحمة .
(2) لم أجد هذا البيت . وفي المطبوعة : " قبل الرأس مصعب " ، وهو خطأ لا شك فيه . وفي المخطوطة : " في ثراته " ، ولا معنى لها ، ولعلها " في تراثه " . وأنا في شك من كل ذلك . بيد أن مصعبًا الذي ذكر في الشعر ، هو فيما أرجح مصعب بن الزبير .
(3) في المطبوعة : " عمد إليها " .
(4) الأثر : 588 - في الدر المنثور 1 : 43 ، والأثر التالي : 589 ، من تمامه .
(5) في المطبوعة : " العالى إليها " .
(6) ديوانه : 110 ، واللسان (سوى) قال : " وهذا البيت مختلف الوزن ، فالمصراع الأول من المنسرح ، والثاني من الخفيف " . والرسم : آثار الديار اللاصقة بالأرض . ومهدد اسم امرأة . والأبد : الدهر الطويل ، والهاء في " أبده " راجع إلى الرسم . وعفا : درس وذهب أثره . والبلد : الأثر يقول : انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر .

(1/429)


يعني : استقام به. ومنها : الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه. ومنها. الاحتياز والاستيلاء (1) ، كقولهم : استوى فلان على المملكة. بمعنى احتوى عليها وحازَها. ومنها : العلوّ والارتفاع ، كقول القائل ، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه عليه.
وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه : " ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن " ، علا عليهن وارتفع ، فدبرهنّ بقدرته ، وخلقهنّ سبع سموات.
والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : " ثم استوى إلى السماء " ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع ، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه - إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك - أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر. ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه! فيقال له : زعمت أن تأويل قوله " استوى " أقبلَ ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل ، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقُلْ : علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان ، لا علوّ انتقال وزَوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه ، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفًا. وفيما بينا منه ما يُشرِف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر : وإن قال لنا قائل (2) أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء ، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟
قيل : بعده ، وقبل أن يسويهن سبعَ سموات ، كما قال جل ثناؤه :
__________
(1) في المخطوطة : " الاستيلاء والاحتواء " .
(2) في المطبوعة : " وإن قال . . . " .

(1/430)


( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) [سورة فصلت : 11]. والاستواء كان بعد أن خلقها دُخانًا ، وقبل أن يسوِّيَها سبعَ سموات.
وقال بعضهم : إنما قال : " استوى إلى السّماء " ، ولا سماء ، كقول الرجل لآخر : " اعمل هذا الثوب " ، وإنما معه غزلٌ.
وأما قوله " فسواهن " فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسوية في كلام العرب ، التقويم والإصلاح والتوطئة ، كما يقال : سوَّى فلان لفلان هذا الأمر. إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته : تقويمه إياهن على مشيئته ، وتدبيره لهنّ على إرادته ، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ (1) .
589 - كما : حُدِّثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " فسوَّاهن سبع سموات " يقول : سوّى خلقهن ، " وهو بكل شيء عليم (2) .
وقال جل ذكره : " فسواهن " ، فأخرج مكنِيَّهن مخرج مكنيِّ الجميع (3) ، وقد قال قبلُ : " ثم استوى إلى السماء " فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج مكنيَّهن مخرج مكنيِّ الجمع ، لأن السماء جمع واحدها سماوة ، فتقدير واحدتها وجميعها إذا تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل ، وما أشبه ذلك. ولذلك أنِّثت مرة فقيل : هذه سماءٌ ، وذُكِّرت أخرى (4) فقيل : ( السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ) [سورة المزمل : 18] ،
__________
(1) في المطبوعة : " بعد إرتاقهن " وليست بشيء ، وفي المخطوطة : " بعد أن تتاقهن " ، وظاهر أنها تحريف لما أثبتناه . وارتتق الشيء : التأم والتحم حتى ليس به صدع . وهذا من تأويل ما في سورة الأنبياء : 30 من قول الله سبحانه : {أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} والفتق : الشق .
(2) الأثر : 589 - في الدر المنثور 1 : 43 ، وهو من تمام الأثر السالف : 588 .
(3) المكني : هو الضمير ، فيما اصطلح عليه النحويون ، لأنه كناية عن الذي أخفيت ذكره . وفي المطبوعة : " الجمع " مكان " الجميع " حيث ذكرت في المواضع الآتية في هذه العبارة .
(4) في المطبوعة : " أنث السماء . . . وذكر " بطرح التاء .

(1/431)


كما يُفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها ، فيقال : هذا بقر وهذه بقر ، وهذا نخل وهذه نخل ، وما أشبه ذلك.
وكان بعض أهل العربية يزعم أنّ السماء واحدة ، غير أنها تدلّ على السموات ، فقيل : " فسواهن " ، يراد بذلك التي ذُكِرت وما دلت عليه من سائر السموات التي لم تُذْكر معها (1) . قال : وإنما تُذكر إذا ذُكِّرت وهي مؤنثة ، فيقال : " السماء منفطر به " ، كما يذكر المؤنث (2) ، وكما قال الشاعر :
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا... وَلا أَرْضَ أَبْقَل إِبْقَالَهَا (3)
وكما قال أعشى بني ثعلبة :
فَإِمَّا تَرَيْ لِمَّتِي بُدِّلَتْ... فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَزْرَى بِهَا (4)
__________
(1) " بعض أهل العربية " هو الفراء ، وإن لم يكن اللفظ لفظه ، في كتابه معاني القرآن 1 : 25 ، ولكنه ذهب هذا المذهب ، في كتابه أيضًا ص : 126 - 131 .
(2) هكذا في الأصول " كما يذكر المؤنث " ، وأخشى أن يكون صواب هذه العبارة : " كما تذكر الأرض ، كما قال الشاعر : . . . " وقد ذكر الفراء في معاني القرآن ذلك فقال : " . . فإن السماء في معنى جمع فقال : (فسواهن) للمعنى المعروف أنهن سبع سموات . وكذلك الأرض يقع عليها - وهي واحدة - الجمع . ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان ، قال الله عز وجل : (رب السموات والأرض) ثم قال : (وما بينهما) ، ولم يقل : بينهن . فهذا دليل على ما قلت لك " . معاني القرآن . 1 : 25 ، وانظر أيضًا ص : 126 - 131 .
(3) البيت من شعر عامر بن جوين الطائي ، في سيبويه 1 : 240 ، ومعاني القرآن 1 : 127 والخزانة 1 : 21 - 26 ، وشرح شواهد المغني : 319 ، والكامل 1 : 406 ، 2 : 68 ، وقبله ، يصف جيشًا : وَجَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُو ... كِ قَعْقَعْتُ بِالْخَيْلِ خَلْخَالَهَا
كَكِرْ فِئَةِ الْغَيْثِ ذَاتِ الصَّبِيرِ ... تَرْمِي السَّحَابَ وَيَرْمِي لَهَا
تَوَاعَدْتُهَا بَعْدَ مَرِّ النُّجُومِ ، ... كَلْفَاءَ تُكْثِرُ تَهْطَالَهَا
فلا مزنة . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(4) أعشى بني ثعلبة ، وأعشى بني قيس ، والأعشى ، كلها واحد ، ديوانه 1 : 120 ، وفي سيبويه 1 : 239 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 128 ، والخزانة 4 : 578 ، ورواية الديوان : فَإِنْ تَعْهَدِينِي وَلِي لِمَّةٌ ... فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَلْوَى بِهَا
ورواية سيبويه كما في الطبري ، إلا أنه روى " أودى بها " . وألوى به : ذهب به وأهلكه . وأودى به : أهلكه ، أيضًا . وأما " أزرى بها " : أي حقرها وأنزل بها الهوان ، من الزرارية وهي التحقير . وكلها جيد .

(1/432)


وقال بعضهم : السماء وإن كانت سماء فوق سماء وأرضًا فوق أرض ، فهي في التأويل واحدةٌ إن شئت ، ثم تكون تلك الواحدة جماعًا ، كما يقال : ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ ، وبُرْمة أعشار ، للمتكسرة ، وبُرْمة أكسار وأجبار. وأخلاق ، أي أنّ نواحيه أخلاق (1) .
فإن قال لنا قائل : فإنك قد قلت إن الله جل ثناؤه استوَى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسويها سبع سموات ، ثم سواها سبعًا بعد استوائه إليها ، فكيف زعمت أنها جِماع ؟
قيل : إنهن كنّ سبعًا غيرَ مستويات ، فلذلك قال جل ذكره : فسوَّاهن سبعًا. كما : -
590 - حدثني محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : قال محمد بن إسحاق : كان أوّلَ ما خلق الله تبارك وتعالى النورُ والظلمةُ ، ثم ميَّز بينهما ، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلمًا ، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا ، ثم سمك السموات السبع من دخان - يقال ، والله أعلم ، من دخان الماء - حتى استقللن ولم يحبُكْهن (2) . وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها ، وأخرج ضُحاها ، فجرى فيها الليل والنهار ، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم. ثم دحا الأرض وأرْساها بالجبال ، وقدر فيها الأقوات ، وبث فيها ما أراد من الخلق ، ففرَغ من الأرض وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام. ثم استوى إلى السماء وهي دخان - كما قال - فحبكهن ، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها ، وأوحى في كل سماء أمرها ، فأكمل
__________
(1) أخلاق ، جمع خلق (بفتحتين) : وهو البالي . وأسمال جمع سمل (بفتحتين) : وهو الرقيق المتمزق البالي . وبرمة أجبار ، ضد قولهم برمة أكسار ، كأنه جمع برمة جبر (بفتح فسكون) وإن لم يقولوه مفردًا ، كما لم يقولوا برمة كسر ، مفردًا . وأصله من جبر العظم ، وهو لأمه بعد كسره .
(2) في المخطوطة : " ولم يحبكن " .

(1/433)


خلقهن في يومين ، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام. ثم استوى في اليوم السابع فوق سمواته ، ثم قال للسموات والأرض : ائتيا طوعًا أو كرهًا لما أردت بكما ، فاطمئنا عليه طوعًا أو كرهًا ، قالتا : أتينا طائعين (1) .
فقد أخبر ابن إسحاق أنّ الله جل ثناؤه استوى إلى السماء - بعد خلق الأرض (2) وما فيها - وهن سبع من دخان ، فسواهن كما وَصف. وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق ، لأنه أوضح بيانًا - عن خلق السموات (3) ، أنهن كُنّ سبعًا من دخان قبل استواء ربنا إليها لتسويتها - من غيره (4) ، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلال به ، من أن معنى السماء التي قال الله تعالى ذكره فيها : " ثم استوى إلى السماء " بمعنى الجميع (5) ، على ما وصفنا. وأنه إنما قال جل ثناؤه : " فسوَّاهن " ، إذ كانت السماء بمعنى الجميع ، على ما بينا.
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التي ذكرها في قوله " فسواهن " ، إذ كن قد خُلِقن سبعًا قبل تسويته إياهن ؟ وما وجه ذِكْر خَلْقهن بعد ذِكْر خَلْق الأرض ؟ ألأنها خلقت قبلها ، أم بمعنى غير ذلك (6) ؟
قيل : قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق ، ونؤكد ذلك تأكيدًا بما نضم إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم (7) .
__________
(1) الأثر : 590 - هذا الأثر في الحقيقة تفسير للآيات 9 - 12 من سورة فصلت . ولم يذكره الطبري في موضعه عند تفسيرها (24 : 60 - 65 طبعة بولاق) . وكذلك لم يذكره ابن كثير والسيوطي والشوكاني - في هذا الموضع ، ولا في موضعه من تفسير سورة فصلت . وهو من كلام ابن إسحاق ، ولا بأس عليهم في الإعراض عن إخراجه . وقد صرح الطبري - بعد - أنه إنما ذكره استشهادًا ، لا استدلالا ، إذ وجده أوضح بيانا ، وأحسن شرحًا .
(2) في المطبوعة : " بعد خلقه الأرض " .
(3) في المطبوعة : " عن خبر السموات " .
(4) في المطبوعة : " بتسويتها " ، وسياق كلامه : " أوضح بيانًا . . . من غيره " ، وما بينهما فصل .
(5) في المطبوعة " بمعنى الجمع " ، وفي التي تليها ، وقد مضى مثل ذلك آنفًا .
(6) في المطبوعة : " أم بمعنى " ، وهذه أجود .
(7) في المطبوعة : " ونزيد ذلك توكيدًا " .

(1/434)


591 - فحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات " . قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق ، أخرج من الماء دخانًا ، فارتفع فوق الماء فسما عليه ، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ، ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين - في الأحد والاثنين ، فخلق الأرض على حوت ، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن : " ن والقلم " ، والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاةُ على ظهر ملَك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض : فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزت الأرض ، فأرسى عليها الجبال فقرّت ، فالجبال تخر على الأرض ، فذلك قوله : ( وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) (1) [سورة النحل : 15]. وخلق الجبالَ فيها ، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين ، في الثلاثاء والأربعاء ، وذلك حين يقول : ( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا ) يقول : أنبت شجرها( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) يقول : أقواتها لأهلها( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) يقول : قل لمن يسألك : هكذا الأمر (2) ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ) [سورة فصلت : 9 - 11] ، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها
__________
(1) في الأصول : " وجعل لها رواسي أن تميد بكم " ، وهو وهم سبق إليه القلم من النساخ فيما أرجح ، والآية كما ذكرتها في سورة النحل ، ومثلها في سورة لقمان : 10
(2) في المخطوطة : " يقول : من سأل ، فهكذا الأمر " .

(1/435)


سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين - في الخميس والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض - " وأوحى في كل سماء أمْرها " قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها ، من البحار وجبال البَرَد وما لا يُعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينةً وحِفظًا ، تُحفظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحبّ ، استوى على العرش. فذلك حين يقول : ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) [سورة الأعراف : 54]. ويقول : ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) (1) [سورة الأنبياء : 30].
592 - وحدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " هوَ الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء " . قال : خلق الأرض قبل السماء ، فلما خلق الأرضَ ثار منها دخان ، فذلك حين يقول : " ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات " . قال : بعضُهن فوق بعض ، وسبعَ أرضين ، بعضُهن تحت بعض (2) .
__________
(1) الخبر : 591 - في ابن كثير 1 : 123 ، والدر المنثور 1 : 42 - 43 ، والشوكاني 1 : 48 . وقد مضى الكلام في هذا الإسناد ، واستوعب أخي السيد أحمد شاكر تحقيقه في موضعه (انظر الخبر : 168) ، وقد مضى أيضًا قول الطبري ، حين عرض لهذا الإسناد في الأثر رقم : 465 ص : 353 : " فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مرتابًا . . " . وقد مضى الطبري في تفسيره على رواية ما لم يصح عنده إسناده ، لعلمه أن أهل العلم كانوا يومئذ يقومون بأمر الإسناد والبصر به ، ولا يتلقون شيئًا بالقبول إلا بعد تمحيص إسناده . فلئن سألت : فيم يسوق الطبري مثل هذا الخبر الذي يرتاب في إسناده ؟ وجواب ذلك : أنه لم يسقه ليحتج بما فيه ، بل ساقه للاعتبار بمعنى واحد ، وهو أن الله سبحانه سمك السموات السبع من دخان ، ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان ، فحبكهن سبعًا ، وأوحى في كل سماء أمرها . وليس في الاعتبار بمثل هذا الأثر ضرر ، لأن المعنى الذي أراده هو ظاهر القرآن وصريحه . وإن كان الخبر نفسه مما تلقاه بعض الصحابة عن بني إسرائيل ، لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا حجة إلا فيما أنزل الله في كتابه ، أو في الذي أوحى إلى نبيه مما صح عنه إسناده إليه . وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبلناه لا نحكم فيه أحدًا ، فإن قوله هو المهيمن بالحق على أقوال الرجال .
(2) الأثر : 592 - في ابن كثير 1 : 124 ، والدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 48 .

(1/436)


593 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فسواهنّ سبعَ سموات " قال : بعضُهن فوق بعض ، بين كل سماءين مسيرة خمسمئة عام.
594 - حدثنا المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : - حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء ، ثم ذكر السماء قبل الأرض ، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء - " ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات " ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، فذلك قوله : ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) [سورة النازعات : 30].
595 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني أبو معشر ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبد الله بن سلام أنه قال : إنّ الله بدأ الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرَضِين في الأحد والاثنين ، وخلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السموات في الخميس والجمعة ، وفرَغ في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عجل. فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذًا : هو الذي أنعم عليكم ، فخلق لكم ما في الأرض جميعا وسخَّره لكم تفضُّلا منه بذلك عليكم ، ليكون لكم بلاغًا في دنياكم ومتاعًا إلى موافاة آجالكم ، ودليلا لكم على وَحدانية ربكم. ثم علا إلى السموات السبع وهي دخان ، فسوَّاهنَّ وحبَكهن ، وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه ، وقدر في كل واحدة منهن ما قدر من خلقه (1) .
* * *
__________
(1) الآثار : 593 - 595 ، لم نجدها في شيء من تلك المراجع .

(1/437)


القول في تأويل قوله : { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) }
يعني بقوله جل جلاله : " وهو " نفسَه ، وبقوله : " بكل شيء عليم " أن الذي خلقكم ، وخلق لكم ما في الأرض جميعًا ، وسوّى السموات السبع بما فيهن فأحكمهن من دخان الماء ، وأتقن صُنعهنّ ، لا يخفى عليه - أيها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب (1) - ما تُبدون وما تكتمون في أنفسكم ، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، وهم على التكذيب به منطوون. وكذّبتْ أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنور ، وهم بصحته عارفون. وجحدوه وكتموا ما قد أخذتُ عليهم - ببيانه لخلقي من أمر محمد ونُبوّته - المواثيق وهم به عالمون. بل أنا عالم بذلك من أمركم وغيره من أموركم. وأمور غيركم (2) ، إني بكل شيء عليم.
وقوله : " عليم " بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول : هو الذي قد كمَل في علمه.
596 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صالح ، قال : حدثني علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : العالم الذي قد كمَل في علمه (3) .
* * *
__________
(1) في المخطوطة : " وأهل الكتاب " عطفًا .
(2) في المطبوعة : " بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم . . " .
(3) الخبر : 596 - ليس في مراجعنا .

(1/438)


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

القول في تأويل قوله : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ }
قال أبو جعفر : زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة (1) : أن تأويل قوله : " وإذ قال ربك " ، وقال ربك ؛ وأن " إذ " من الحروف الزوائد ، وأن معناها الحذف. واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُر :
فَإِذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرهِ... وَالدَّهْرُ يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ (2)
__________
(1) هو أبو عبيدة (انظر تفسير ابن كثير 1 : 125) ، وكما مضى آنفًا في مواضع من كلام الطبري . ويؤيد ذلك أن البغدادي نقل في شرح بيت عبد مناف بن ربعى ، (الخزانة 3 : 171 ) ، عن ابن السيد : " وقال أبو عبيدة : إذا ، زائدة ، فلذلك لم يؤت لها بجواب " . هذا والشاهدان الآتيان في زيادة " إذا " لا في زيادة " إذ " ، وهو من جرأة أبي عبيدة وخطئه ، وأيا ما كان قائله ، فهو جريء مخطئ .
(2) المفضليات ، القصيدة رقم : 44 ، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات . وقوله " لامهاه " ، يقال : ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) ومهاه : أي ليس له حسن أو نضارة . وقد زعموا أن الواو في قوله " فإذا وذلك . . " زائدة مقحمة ، كأنه قال : فإذا ذلك . . . ، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى : " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " ج 24 ص 24 : " واختلف أهل العربية في موضع جواب " إذا " التي في قوله : (حتى إذا جاءوها) ، فقال بعض نحويي البصرة ، يقال إن قوله : (وقال لهم خزنتها) في معنى : قال لهم . كأنه يلغى الواو . وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة ، كما قال الشاعر : فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ ... إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ
فيشبه أن يكون يريد : فإذا ذلك لم يكن " . وقال أبو سعيد السكري في شرح أشعار الهذليين 2 : 100 ، في شرح بيت أبي كبير الهذلي : فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ ... وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
قال أبو سعيد : " الواو زائدة . قال : قلت لأبي عمرو : يقول الرجل : ربنا ولك الحمد . فقال : يقول الرجل : قد أخذت هذا بكذا وكذا . فيقول : وهو لك " .
وقال ابن الشجري في أماليه 1 : 358 : " قيل في الآية إن الواو مقحمة ، وليس ذلك بشيء ، لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح " . والذي ذهب إليه ابن الشجري هو الصواب ، ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه في البيان ، ليس هذا موضع تفصيله . وكفى برد الطبري في هذا الموضع ما زعمه أبو عبيدة من زيادة " إذ " كما سيأتي : " وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام " إلى آخر ما قال . وهو من سديد الفهم . وشرحه للبيت بعد ، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو ، وذلك قوله في شرحه : " فإذا الذي نحن فيه ، وما مضى من عيشنا " .

(1/439)


ثم قال : ومعناها : وذلك لامهاه لذكره - وببيت عبد مناف بن رِبْع الهُذَليِّ :
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ... شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا (1)
وقال : معناه ، حتى أسلكوهم.
قال أبو جعفر : والأمر في ذلك بخلاف ما قال : وذلك أن " إذ " حرف يأتي بمعنى الجزاء ، ويدل على مجهول من الوقت. وغيرُ جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام. إذْ سواءٌ قيلُ قائل : هو بمعنى التطوُّل ، وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم - وقيلُ آخرَ ، في جميع الكلام الذي نطق به دليلا على ما أريد به : وهو بمعنى التطوُّل (2) .
__________
(1) ديوان الهذليين 2 : 42 ، ويأتي في تفسير الطبري 14 : 8 ، 18 : 13 ، 24 : 25 (طبعة بولاق) والخزانة 3 : 170 - 174 ، وأمالى ابن الشجري 1 : 358 ، 2 : 289 ، وكثير غيرها . وسلك الرجل الطريق ، وسلكه غيره فيه ، وأسلكه الطريق : أدخله فيه أو اضطره إليه . وقتائدة : جبل بين المنصرف والروحاء ، أي في الطريق بين مكة والمدينة . وشل السائق الإبل : طردها أمامه طردًا . ومر فلان يشل العدو بالسيف : يطردهم طردًا يفرون أمامه . والجمالة : أصحاب الجمال . وشرد البعير فهو شارد وشرود : نفر وذهب في الأرض ، وجمع شارد شرد (بفتحتين) مثل خادم وخدم . وجمع شرود شرد (بضمتين) . ويذكر عبد مناف قومًا أغاروا على عدو لهم ، فأزعجوهم عن منازلهم ، واضطروهم إلى " قتائدة " يطردونهم بالسيوف والرماح والنبال ، كما تطرد الإبل الشوارد . وجواب " إذا " تقديره : شلوهم شلا ، فعل محذوف دل عليه المصدر ، كما سيأتي في كلام الطبري بعد .
(2) في المخطوطة : " هو بمعنى التطول في الكلام " . وهو خطأ . والتطول ، في اصطلاح الطبري وغيره : الزيادة في الكلام بمعنى الإلغاء ، كما مضى آنفًا في ص 140 من بولاق ، وأراد الطبري أن ينفي ما لج فيه بعض النحاة من ادعاء اللغو والزيادة في الكلام ، فهو يقول : إذا كان للحرف أو الكلمة معنى مفهوم في الكلام ، ثم ادعيت أنه زيادة ملغاة ، فجائز لغيرك أن يدعي أن جملة كاملة مفهومة المعنى ، أو كلامًا كاملا مفهوم المعنى - إنما هي زيادة ملغاة أيضًا . وبذلك يبطل كل معنى لكل كلام ، إذ يجوز لمدع أن يبطل منه ما يشاء بما يهوى من الجرأة والادعاء . وهذا تأييد لمذهبنا الذي ارتضيناه في التعليق السالف .

(1/440)


وليس لما ادَّعَى الذي وصفنا قوله (1) - في بيت الأسود بن يعفر : أن " إذا " بمعنى التطوّل - وجه مفهوم ، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله :
فَإِذَا وذلك لامَهَاهَ لِذِكْرِه
وذلك أنه أراد بقوله : فإذا الذي نحن فيه ، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله " ذلك " إلى ما تقدم وصْفه من عيشه الذي كان فيه - " لامهاه لذكره " يعني لا طعمَ له ولا فضلَ ، لإعقاب الدهر صَالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ :
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ... شَلا .................
لو أسقط منه " إذا " بطل معنى الكلام ، لأن معناه : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلا فدل قوله. " أسلكوهم شلا " على معنى المحذوف ، فاستغنى عن ذكره بدلالة " إذا " عليه ، فحذف. كما دَلّ - ما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا (2) - على ما تفعل العربُ في نظائر ذلك. وكما قال النمر بن تَوْلَب :
فَإِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا... فَسَوْفَ تُصَادِفُه أَيْنَما (3)
وهو يريد : أينما ذهب. وكما تقول العرب : " أتيتك من قبلُ ومن بعدُ " . تريد من قبل ذلك ، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك في " إذا " كما يقول القائل :
__________
(1) في المطبوعة " وليس لمدعي الذي . . " وهو خطأ .
(2) في المطبوعة : " كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل . . . " ، وفي المخطوطة : " كما قال . قد ذكرنا فيما مضى . . " ، وكلاهما خطأ ، الأول من تغيير المصححين ، والثاني تصحيف في " قال " ، فهي " دل " ، والنقطة السوداء ، بياض كان في الأصل المنقول عنه ، أو " ما " ضاعت ألفها وبقيت " م " مطموسة ، فظنها ظان علامة فصل .
هذا وقد أشار الطبري إلى ما مضى في كتابه هذا ص : 114 ، ص : 327 فانظره .
(3) من قصيدة محكمة في مختارات ابن الشجري 1 : 16 ، والخزانة 4 : 438 ، وشرح شواهد المغني : 65 ، وبعده : وإنْ تتخطّاكَ أسْبابُها ... فإن قُصَاراكَ أنْ تهرمَا

(1/441)


" إذا أكرمك أخوكَ فأكرمه ، وإذا لا فلا " . يريد : وإذا لم يكرمك فلا تكرمه.
ومن ذلك قول الآخر :
فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ... فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ (1)
نظيرَ ما ذكرنا من المعنى في بيت الأسود بن يعفر. وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : " وإذ قالَ ربك للملائكة " ، لو أبْطِلت " إذ " وحُذِفت من الكلام ، لاستحال عن معناه الذي هو به (2) ، وفيه " إذ " .
فإن قال لنا قائل : فما معنى ذلك ؟ وما الجالب لـ " إذ " ، إذ لم يكن في الكلام قبله ما يُعطف به عليه (3) ؟
قيل له : قد ذكرنا فيما مضى (4) : أنّ الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " ، بهذه الآيات والتي بعدها ، مُوَبِّخهم مقبحًا إليهم سوءَ فعالهم ومقامهم على ضلالهم ، مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم ؛ ومذكِّرَهم - بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم - بأسَه ، أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصيته (5) ، فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته; ومعرِّفهم ما كان منه من تعطّفه على التائب منهم استعتابًا منه لهم. فكان مما عدّد من نعمه عليهم أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا ، وسخّر لهم ما في السموات من شمسها
__________
(1) لم أعرف صاحبه . وفي المطبوعة : " في يوم أثل نائلا أو أنكدا "
وهو خطأ عريق . وفي المطبوعة : " أسل نائلا " ، وهي أقرب إلى الصواب . الضر : سوء الحال من فقر أو شدة أو بلاء أو حزن . والنائل : ما تناله وتصيبه من معروف إنسان . ونكده ما سأله : قلل له العطاء ، أو لم يعطه البتة ، يقول القائل : وأعْطِ ما أعطيتَهُ طَيِّبًا ... لا خيرَ في المنكودِ والنَّاكِدِ
(2) قوله : " الذي هو به " ، أي : الذي هو به كلام قائم مفهوم .
(3) في المطبوعة : " فإن قال قائل " ، بحذف : " لنا " .
(4) انظر ما سلف في ص : 424 وما بعدها .
(5) في المطبوعة : " من أسلافهم في معصية الله " ، وفي المخطوطة : " سلافهم " مضبوطة بالقلم بضم السين وتشديد اللام ، وفي المواضع السالفة : " أسلاف " . والأسلاف والسلاف جمع سلف وسالف : وهم آباؤنا الذين مضوا وتقدمونا إلى لقائه سبحانه .

(1/442)


وقمرها ونجومها ، وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع. فكان في قوله تعالى : ذكره " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون " ، معنى : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئًا ، وخلقت لكم ما في الأرض جميعًا ، وسويت لكم ما في السماء. ثم عطف بقوله : " وإذ قال رَبُّك للملائكة " على المعنى المقتضَى بقوله : " كيف تكفرون بالله " ، إذ كان مقتضيًا ما وصفتُ من قوله : اذكروا نعمتي إذ فعلت بكم وفعلتُ ، واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلتُ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً (1) .
فإن قال قائل : فهل لذلك من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت ؟ قيل : نعم ، أكثرُ من أن يحصى ، من ذلك قول الشاعر :
أجِدَّك لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ... وَلا بَيْدَانَ نَاجِيةَ ذَمُولا (2) وَلا مُتَدَاركٍ وَالشَّمْسُ طِفْلٌ... بِبَعْضِ نَوَاشغ الوَادي حُمُولا (3)
فقال : " ولا متداركٍ " ، ولم يتقدمه فعلٌ بلفظ يعطفه عليه (4) ، ولا حرف
__________
(1) هذا الذي قاله أبو جعفر تغمده الله بمغفرته ، من أجود النظر في تأويل كتاب الله ، ومن حسن بصره بالعربية وأسرار إيجازها ، واعتمادها على الاكتفاء بالقليل من اللفظ الدال على الكثير من المعنى ، واتخاذها الحروف روابط للمعاني الجامعة ، لا لرد حرف على حرف سبق .
(2) هو للمرار بن سعيد الفقعسي ، معاني القرآن للفراء 1 : 171 ، مجالس ثعلب : 159 ، اللسان (بيد) (طفل) (نشغ) ، ومعجم البلدان (ثعيلبات) . وثعيلبات وبيدان موضعان . والناجية : الناقة السريعة ، من النجاء : وهو سرعة السير . والذمول : الناقة التي تسير سيرًا سريعًا لينًا ذملت ذميلا وذملانًا .
(3) يروى " ولا متلافيًا " بالنصب . وتدارك القوم (متعديًا) ، بمعنى أدركهم ، أو حاول اللحاق بهم . وتلافاه : تداركه أيضًا . والشمس طفل : يعني هنا : عند شروقها - لا عند غروبها - أخذت من الطفل الصغير . ونواشغ الوادي جمع ناشغة : وهي مجرى الماء إلى الوادي . الحمول : هي الهوادج التي فيها النساء تحملها الإبل . وسميت الإبل وما عليها حمولا ، لأنهم يحملون عليها الهوادج للرحلة . يقول : لن تدركهم ، فقد بكروا بالرحيل .
(4) في المطبوعة : " يعطف عليه " . وفي المخطوطة " يعطف به " ، وقوله " به " ملصقة إلصاقًا في الفاء من " يعطف " .

(1/443)


مُعرَب إعرابَه ، فيردّ " متدارك " عليه في إعرابه. ولكنه لما تقدّمه فعل مجحود بـ " لن " يدل على المعنى المطلوب في الكلام من المحذوف (1) ، استغني بدلالة ما ظهر منه عن إظهار ما حُذِف ، وعاملَ الكلامَ في المعنى والإعراب معاملته أن لو كان ما هو محذوف منه ظاهرًا (2) . لأن قوله :
أجدّك لن تَرَى بِثُعَيْلِبَات
بمعنى : " أجدّك لستَ بِرَاءٍ " ، فردّ " متداركًا " على موضع " ترى " ، كأنْ " لست " و " الباء " موجودتان في الكلام. فكذلك قوله : " وإذ قالَ رَبُّك " ، لمّا سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قِبَلهم وقِبَل آبائهم من أياديه وآلائه ، وكانَ قوله : " وإذ قال ربك للملائكة " مع ما بعده من النعم التي عدّدها عليهم ونبّههم على مواقعها - رَدّ " إذْ " على موضع " وكنتم أمواتًا فأحياكم " . لأن معنى ذلك : اذكروا هذه من نعمي ، وهذه التي قلت فيها للملائكة. فلما كانت الأولى مقتضية " إذ " ، عطف بـ " إذ " على موضعها في الأولى (3) ، كما وصفنا من قول الشاعر في " ولا متدارك " .
* * *
القول في تأويل قوله : { لِلْمَلائِكَةِ }
قال أبو جعفر : والملائكة جمع مَلأكٍ (4) ، غيرَ أن أحدَهم (5) ، بغير الهمزة أكثرُ وأشهر في كلام العرب منه بالهمز ، وذلك أنهم يقولون في واحدهم : مَلَك من
__________
(1) في المطبوعة : " في الكلام ، وعلى المحذوف " ، لعله من تغيير المصححين . وأراد الطبري أن الفعل المجحود ، يدل على المعنى المطلوب من المحذوف . وهذا بين .
(2) في المخطوطة : " إذ لو كان ما هو محذوف منه ظاهر " ، وهو خطأ .
(3) في المطبوعة : " عطف " وإذ " على موضعها في الأولى " ، وليس بشيء .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " جمع ملك " ، وظاهر كلام الطبري يدل على صواب ما أثبتناه .
(5) في المطبوعة : " غير أن واحدهم " ، وهما سواء .

(1/444)


الملائكة ، فيحذفون الهمز منه ، ويحركون اللام التي كانت مسكنة لو هُمز الاسم. وإنما يحركونها بالفتح ، لأنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف الساكن قبلها : فإذا جمعوا واحدهم ، ردّوا الجمعَ إلى الأصل وهمزوا ، فقالوا : ملائكة.
وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها ، فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة ، فيجري كلامهم بترك همزها في حال ، وبهمزها في أخرى ، كقولهم : " رأيت فلانا " فجرى كلامهم بهمز " رأيت " ثم قالوا : " نرى وترى ويرى " ، فجرى كلامهم في " يفعل " ونظائرها بترك الهمز ، حتى صارَ الهمز معها شاذًّا ، مع كون الهمز فيها أصلا. فكذلك ذلك في " ملك وملائكة " ، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم ، وبالهمز في جميعهم. وربما جاء الواحد مهموزًا ، كما قال الشاعر :
فلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ... تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (1)
وقد يقال في واحدهم ، مألك ، فيكون ذلك مثل قولهم : جَبَذ وجذب ، وشأمَل وشمأل ، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة. غير أن الذي يجبُ إذا سمي واحدهم
" مألك " أن يجمع إذا جمع على ذلك " مآلك " ، ولست أحفظ جمعَهم كذلك سماعًا ، ولكنهم قد يجمعون : ملائك وملائكة ، كما يجمع أشعث : أشاعث وأشاعثة ، ومِسْمع : مَسامع ومَسامِعة ، قال أميّة بن أبي الصّلت في جمعهم كذلك :
وَفِيهِمَا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَوْمٌ... مَلائِك ذُلِّلوا وهُمُ صِعَابُ (2)
وأصل الملأك : الرسالة ، كما قال عدي بن زيد العِبَادِيّ :
__________
(1) سلف الكلام على هذا البيت في ص : 333 ، ورواية المخطوطة في هذا الموضع : " ولستَ لجنّيّ ولكنّ مَلأكًا "
(2) ديوانه : 19 . " ذللوا " من الذل (بكسر الذال) وذلله : راضه حتى يذل ويلين ويطيع .

(1/445)


أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا... إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي (1)
وقد ينشد : مألَكًا ، على اللغة الأخرى. فمن قال : ملأكًا فهو مَفْعل ، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة (2) ؛ ومن قال : مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك : إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا (3) ، كما قال لبيد بن ربيعة (4) :
وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (5)
فهذا من " ألكت " ، ومنه قول نابغة بني ذبيان :
أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا... سَأَهْدِيه ، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي (6)
__________
(1) الأغاني 2 : 14 ، والعقد الفريد 5 : 261 ، وفي المطبوعة " وانتظار " ، وهي إحدى قصائد عدي ، التي كان يكتبها إلى النعمان ، لما حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد . وبعده البيت المشهور ، وهو من تمامه : لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ ... كُنْت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِي
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " يلئك " ، وهذا الثلاثي : " لأك يلأك " لم أجده منصوصًا عليه في كتب اللغة ، بل الذي نصوا عليه هو الرباعي : " ألكني إلى فلان : أبلغه عني . أصله ألئكني ، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها " ، ولكنهم نصوا على أنه مقلوب ، فإذا صح ذلك ، صح أيضًا أن تكون " لأك " مقلوب " ألك " الثلاثي ، وهو مما نصوا عليه .
(3) كلام الطبري يشعر بأنه أراد وزن " مفعل " بفتح العين ، فهي مألك ، بفتح اللام ، والأشهر الأفصح : والمألك والمألكة (بفتح الميم وضم اللام فيهما) .
(4) في المطبوعة : " لبيد بن أبي ربيعة " ، وهو خطأ .
(5) ديوانه القصيدة رقم : 37 ، البيت : 16 ، وقوله " وغلام " مجرور بواو " رب " . أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد ، فأعطاها ما سألت .
(6) في المطبوعة : " ستهديه الرواة إليك . . " ، وأثبتنا نص المخطوطة ، والديوان : 85 وغيرهما . ويضبطونه " سأهديك " بضم الهمزة ، من الهدية ، أي سأهديه إليك ، ولست أرتضيه ، والشعر يختل بذلك معناه . وإنما هو عندي بفتح الهمزة ، من " هديته الطريق " إذا عرفته الطريق وبينته له . ومنه أخذوا قولهم : هاداني فلان الشعر وهاديته : أي هاجاني وهاجيته . وقوله : " إليك إليك " أي خذها ، كما قال القطامي : إذا التَّيَّازُ ذُو الْعَضَلاتِ قُلْنَا : ... إِلَيْكَ إِلَيْكَ! ضَاقَ بِهَا ذِرَاعَا
وقوله : " عني " أي مني ، كما في قولهم : " عنك جاء هذا " أي منك ، أو من قبلك . وكذلك هو في قوله تعالى : (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) ، أي من عباده ، وقوله تعالى : (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) ، أي نتقبل منهم . وليس قول النابغة من قولهم " إليك عني " ، أي كف وأمسك - في شيء . والشعر الذي يليه دال على ذلك ، والبيت الذي يلي هذا فيه الكلمة المنصوبة بقوله " إليك إليك " : قَوَافِيَ كَالسِّلامِ إِذَا اسْتَمَرَّتْ ... فَلَيْسَ يرُدّ مَذْهَبَهَا التَّظَنِّي
أي خذها قوافي كالسلام ، وهي الحجارة .
وقوله : " عيين " يعني عيينة بن حصن الفزاري ، وكان أعان بني عبس على بني أسد حلفاء بني ذبيان " رهط النابغة .

(1/446)


وقال عبدُ بني الحَسْحَاس :
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى... بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا (1)
يعني بذلك : أبلغها رسالتي. فسميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة ، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه ، ومن أرسلت إليه من عباده.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ }
اختلف أهل التأويل في قوله : " إني جاعل " ، فقال بعضهم : إني فاعل.
* ذكر من قال ذلك :
597 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك ، عن الحسن ، وأبي بكر - يعني الهذلي - عن الحسن ، وقتادة ، قالوا : قال الله تعالى ذكره لملائكته : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " (2) قال لهم : إني فاعل (3) .
__________
(1) سلف القول في هذا البيت : 106 آنفًا .
(2) في المطبوعة : " قال الله للملائكة إني . . " . وهو موافق لما نقله ابن كثير .
(3) الأثر : 597 - نقله ابن كثير 1 : 127 عن الطبري . ووقع في إسناده هناك سقط ، والظاهر أنه خطأ مطبعي . وذكره السيوطي 1 : 44 مختصرًا . وسيأتي مرة أخرى : 611 مطولا ، بهذا الإسناد نصًّا . وهو هنا بإسنادين بل ثلاثة : رواه الحجاج - وهو ابن المنهال - عن جرير ابن حازم ، وعن المبارك - وهو ابن فضالة - ثم رواه عن أبي بكر الهذلي ، ثلاثتهم عن الحسن البصري ، والإسنادان الأولان جيدان ، والثالث ضعيف ، بضعف أبي بكر الهذلي ، ضعفه ابن المديني جدًّا ، وقال ابن معين : " ليس بشيء " ، وترجمه البخاري في الكبير 2/2/199 باسم " سلمى أبو بكر الهذلي البصري " ، وقال : " ليس بالحافظ عندهم . قال عمرو بن علي : عدلت عن أبي بكر الهذلي عمدًا " . وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم 2/1/ 313 - 314 ، وأبان عن ضعفه . و " سلمى " : بضم السين وسكون اللام مع إمالة الألف المقصورة .

(1/447)


وقال آخرون : إني خالق.
* ذكر من قال ذلك :
598 - حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، قال : كل شيء في القرآن " جَعَل " ، فهو خلق (1) .
قال أبو جعفر : والصواب في تأويل قوله : " إني جاعل في الأرض خليفة " : أي مستخلف في الأرض خليفةً ، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا (2) . وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة.
وقيل : إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي " مكة " .
* ذكر من قال ذلك :
599 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ابن سابط : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دُحِيت الأرضُ من مكة ، وكانت الملائكة تطوفُ بالبيت ، فهي أوّل من طاف به ، وهي " الأرضُ " التي قال الله : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " ، وكان النبيّ إذا هلك قومه ، ونجا هو والصالحون ، أتاها هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا. فإنّ قَبر نُوحٍ وهودٍ وصَالحٍ وشعَيْب ، بين زَمزَم والرُّكن والمَقَام (3) .
* * *
__________
(1) الأثر : 598 - نقله السيوطي 1 : 44 عن الطبري ، ولكنه جعله من كلام الضحاك . وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك . فلعل ذكر " الضحاك " سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري . وأيًّا ما كان فهذا الإسناد ضعيف . سبق بيان ضعفه : 137 . ويزيده ضعفًا هنا جهالة الشيخ الذي رواه عنه الطبري عن المنجاب ، في قوله " حدثت " ، بتجهيل من حدثه .
(2) في المخطوطة : " خلقًا " ، بالقاف .
(3) الحديث : 599 - نقل ابن كثير في التفسير 1 : 127 معناه من تفسير ابن أبي حاتم : " حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن ابن سابط " ، فذكره مرفوعا بنحوه مختصرًا . وقال ابن كثير : " وهذا مرسل ، وفي سنده ضعف ، وفيه مدرج ، وهو أن المراد بالأرض مكة ، والله أعلم - فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك " . أما إرساله : فإن " عبد الرحمن بن سابط " : تابعي ، وهو ثقة ، ولكنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، بل لم يدرك كبار الصحابة ، كعمر وسعد ومعاذ وغيرهم . ويقال إنه " عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط " . واختلف في ذلك جدًّا ، فلذلك ترجمه الحافظ لأبيه في الموضعين : " سابط " ، أو " عبد الله بن سابط " ، وفي الإصابة 3 : 51 - 52 ، 4 : 73 . ونقله السيوطي 1 : 46 ، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن عساكر ، مطولا كرواية الطبري ، ونقله الشوكاني 1 : 50 مختصرًا ، كرواية ابن أبي حاتم ، ونقل تعليل ابن كثير إياه .
وفي المطبوعة " أتى هو ومن معه " . وفي المخطوطة " فيعبدوا الله بها " .

(1/448)


القول في تأويل قوله : { خَلِيفَةً }
والخليفة الفعيلة من قولك : خلف فلان فلانًا في هذا الأمر ، إذا قام مقامه فيه بعده. كما قال جل ثناؤه( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) [سورة يونس : 14] يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم ، فجعلكم خلفاء بعدهم. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة ، لأنه خلف الذي كان قبله ، فقام بالأمر مقامه ، فكان منه خلَفًا. يقال منه : خلف الخليفة ، يخلُف خِلافة وخِلِّيفَى (1) .
وكان ابن إسحاق يقول بما :
600 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، يقول : ساكنًا وعامرًا يسكنها ويعمُرها خلَفًا ، ليس منكم (2) .
وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها - وإن كان الله جل
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " وخليفًا " ، والصواب ما أثبتناه . في حديث عمر : " لولا الخليفى لأذنت " (بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة ، بعدها ياء ، ثم فاء مفتوحة) قالوا : وهو وأمثاله من الأبنية كالرمي والدليلي ، مصدر يدل على معنى الكثرة . يريد عمر : كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها .
(2) الأثر : 600 - في ابن كثير 1 : 127 وفي المطبوعة هنا ، وفي : 615 " خلقا ليس منكم " بالقاف ، وهو خطأ ، والصواب في ابن كثير 1 : 127 . وقوله " خلفًا " : أي بدلا ممن مضى ، وهو سكان الأرض قبل أبينا آدم عليه السلام ، كما يأتي في الخبر التام : 615 . وقوله : " ليس منكم " ، كلام مستأنف ، أي ليس منكم أيتها الملائكة . أما المخطوطة ففيها : " ليس خلفًا منكم " وهو خطأ محض .

(1/449)


ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفةً يسكنها - ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.
فإن قال قائل : فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرًا ، فكان بنو آدم منه بدلا (1) وفيها منه خلَفًا ؟
قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك.
601 - فحدثنا أبو كريب قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : أول من سكن الأرضَ الجنُّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضًا. فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم فأسكنه إياها ، فلذلك قال : " إني جاعل في الأرض خليفة " (2) .
فعلى هذا القول : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، من الجن ، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها.
602 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، الآية ، قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء ، وخلق الجن يوم
__________
(1) في المطبوعة : " بدلا منه " بالتقديم .
(2) الخبر : 601 - في ابن كثير 1 : 127 . وقد روى الحاكم في المستدرك 2 : 261 خبرًا يشبهه في بعض المعنى ويخالفه في اللفظ قال : " أخبرنا عبد الله بن موسى الصيدلاني ، حدثنا إسماعيل بن قتيبة ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : . . . " وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وأما إسناد الطبري هنا فضعيف ، كما بينا فيما سبق : 137 .

(1/450)


الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ، فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء ، وكان الفساد في الأرض (1) .
وقال آخرون في تأويل قوله : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، أي خلفًا يخلف بعضهم بعضًا ، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم ، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله. وهذا قول حكي عن الحسن البصري.
ونظيرٌ له ما : -
603 - حدثني به محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن ابن سابط في قوله : " إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " قال : يعنون به بني آدم صلى الله عليه وسلم.
604 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : قال الله تعالى ذكره للملائكة : إني أريد أنْ أخلق في الأرض خلقًا وأجعلَ فيها خليفةً. وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق (2) .
وهذا القول يحتمل ما حكي عن الحسن ، ويحتمل أن يكون أراد ابنُ زيد أنَّ الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفةً له يحكم فيها بين خلقه بحكمه ، نظيرَ ما : -
605 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي
__________
(1) الأثر : 602 - رواه الطبري في التاريخ 1 : 43 ، بهذا الإسناد . سيأتي أيضًا بهذا الإسناد بأطول منه : 612 . ونقله ابن كثير 1 : 128 ، والسيوطي 1 : 45 بالرواية المطولة ، ولكنهما جعلاه من كلام أبي العالية . فهو من رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية . وزاد السيوطي في نسبته أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ في العظمة .
(2) الأثران : 603 ، 604 - في ابن كثير 1 : 128 .

(1/451)


صلى الله عليه وسلم : أنّ الله جل ثناؤه قال للملائكة : " إني جاعل في الأرض خليفة " . قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذُرّيةٌ يُفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا (1) . فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس : إني جاعل في الأرض خليفةً منّي يخلفني في الحكم بين خلقي. وذلك الخليفة هو آدمُ ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه.
وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها ، فمن غير خلفائه ، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله - لأنهما أخبرَا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته - إذ سألوه : ما ذاك الخليفة ؟ : إنه خليفة يكون له ذُرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذُرّية خليفته دونه ، وأخرج منه خليفته.
وهذا التأويل ، وإن كان مخالفًا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه ، فموافق له من وجه. فأما موافقته إياه ، فصرْفُ متأوِّليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة. وأما مخالفته إياه ، فإضافتهما الخلافة إلى آدم (2) بمعنى استخلاف الله إياه فيها. وإضافة الحسن الخلافةَ إلى ولده ، بمعنى خلافة بعضهم بعضًا ، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم ، وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة.
والذي دعا المتأوِّلين قولَه : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " - في التأويل الذي ذُكر عن الحسن - إلى ما قالوا في ذلك ، أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها - إذ قال لهم ربهم : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " - : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، إخبارًا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبرَ الله جل ثناؤه أنه
__________
(1) الأثر : 605 - في ابن كثير 1 : 127 .
(2) في المطبوعة : " فإضافتهم " ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني بهما ابن مسعود وابن عباس كما مضى آنفًا .

(1/452)


جاعله في الأرض لا عنْ غيره (1) . لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنهُ جرتْ. قالوا : فإذا كان ذلك كذلك - وكان الله قد بَرّأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء ، وطهَّره من ذلك - عُلم أن الذي عنى به غيرَه من ذرّيته. فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غيرُ آدم ، وأنهم وَلدُه الذين فعلوا ذلك ، وأن معنى الخلافة التي ذكرَها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنًا غيرَهم لما وصفنا.
وأغفل قائلو هذه المقالة ، ومتأوّلو الآية هذا التأويل ، سبيلَ التأويل. وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربها : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " ، لم تُضف الإفساد وسفك الدماء في جَوابها ربَّها إلى خليفته في أرضه ، بل قالت : " أتجعل فيها من يُفسد فيها " ؟ وغير مُنْكَر أن يكون ربُّها أعلمها أنه يكون لخليفتِه ذلك ذرّيةٌ يكون منهم الإفساد وسفك الدماء ، فقالت : يا ربنا " أتجعل فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء " . كما قال ابن مسعود وابن عباس ، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل (2) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة " لا غيره " بإسقاط " عن " .
(2) في الأصل المخطوط بعد هذا الموضع ما نصه : -
[بلغتُ من أوّله بقراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب ابن عبد الله الخصيبيّ ، عن أبي محمد الفَرْغانيّ ، عن أبي جعفر الطبري . وسمع معي أخي علي بن أحمد بن عيسى ، ونصر بن الحسن الطبري . وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري ، من موضع سماعه .
وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعمئة]
* * *
" تذكرة " تبين لي مما راجعته من كلام الطبري ، أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها ، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ ، أو بيان سياق عبارة . فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسنادها ليدل على معنى " الخليفة " ، و " الخلافة " ، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى " الخليفة " . وجعل استدلاله بهذه الآثار ، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله . وهذا بين في الفقرة التالية للأثر رقم : 605 ، إذ ذكر ما روي عن ابن مسعود وابن عباس ، وما روي عن الحسن في بيان معنى " الخليفة " ، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم . ومن أجل هذا الاستدلال ، لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه . ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر : 465 عن ابن مسعود وابن عباس ، فيما مضى ص : 353 " فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مرتابًا . . " ، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد ، قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده ، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس - إن صح عنهما - أو ما فهمه الرواة الأقدمون من معناه . وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال . ومثله أيضًا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها ، أو في كونها من الإسرائيليات ، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم ، بل يسوق الطويل الطويل ، لبيان معنى لفظ ، أو سياق حادثة ، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين ، ولا في التفسير التام لآي كتاب الله .
فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون ، لم يكن إلا استظهارًا للمعاني التي تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم ، كما يستظهر بالشعر على معانيها . فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويًّا . ولما لم يكن مستنكرًا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله ، ما صحت لغته ؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث ، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين ، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن ، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم .
وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري ، إذا ما انتهى إلى شيء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر . ولم يقصر أخي السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال ، وفي هذا مقنع لمن أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه ، والحمد لله أولا وآخرًا .

(1/453)


القول في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل (1) : وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في الأرض خليفة : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، ولم يكن آدمُ بعد مخلوقًا ولا ذُرّيته ، فيعلموا ما يفعلونَ عيانًا ؟ أعلمتِ الغيبَ فقالت ذلك ، أم قالت ما قالت من ذلك ظنًّا ؟ فذلك شهادة منها بالظنّ وقولٌ بما لا تعلم. وذلك ليس من صفتها. أمْ ما وجه قيلها ذلك لربها ؟ (2)
__________
(1) في المطبوعة : " إن قال قائل " .
(2) في المطبوعة : " فما وجه " .

(1/454)


قيل : قد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالا. ونحن ذاكرو أقوالهم في ذلك ، ثم مخبرون بأصحِّها برهانًا وأوضحها حُجة. فروي عن ابن عباس في ذلك ما :
606 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم " الحِنّ " ، خُلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة (1) قال : وكان اسمه الحارث ، قال : وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال : وخُلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحيّ. قال : وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار - وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت. قال : وخُلق الإنسان من طين. فأوّل من سكن الأرضَ الجنُّ. فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا. قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة - وهم هذا الحي الذين يقال لهم الحِن (2) - فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. فلما فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه. وقال : " قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد " ! قال : فاطَّلع الله على ذلك من قلبه ، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه. فقال الله للملائكة الذين معه : " إني جاعلٌ في الأرض خليفة " . فقالت الملائكة مجيبين له : " أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفِك الدماء " ، كما
__________
(1) في المطبوعة في الموضعين " الجن " بالجيم ، وهو خطأ ، يدل عليه سياق هذا الأثر ، فقد ميز ما بين إبليس ، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن . إبليس مخلوق من نار السموم ، والآخرون خلقوا من مارج من نار . والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض ، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة . وهذا بين . وقد قال الجاحظ في الحيوان 7 : 177 ، وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول : هم جن وحن (بالحاء) ، ويجعل التي بالحاء أضعفهما . وقال في 1 : 291 - 292 ، وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان ، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك : إن تكتُبُوا الزَّمْنى فإنّي لَزمِنْ ... من ظاهر الداء وداءٍ مستكِنّْ
أبيتُ أهوِي في شياطينَ ترنّْ ... مختلفٍ نجارُهُمْ جنٌّ وحِنّْ
ففرق بين هذين الجنسين . وانظر الحيوان 6 : 193 ، أيضًا ، واللسان (جنن) ، وغيرهما .
(2) في المطبوعة في الموضعين " الجن " بالجيم ، وهو خطأ ، يدل عليه سياق هذا الأثر ، فقد ميز ما بين إبليس ، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن . إبليس مخلوق من نار السموم ، والآخرون خلقوا من مارج من نار . والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض ، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة . وهذا بين . وقد قال الجاحظ في الحيوان 7 : 177 ، وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول : هم جن وحن (بالحاء) ، ويجعل التي بالحاء أضعفهما . وقال في 1 : 291 - 292 ، وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان ، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك : إن تكتُبُوا الزَّمْنى فإنّي لَزمِنْ ... من ظاهر الداء وداءٍ مستكِنّْ
أبيتُ أهوِي في شياطينَ ترنّْ ... مختلفٍ نجارُهُمْ جنٌّ وحِنّْ
ففرق بين هذين الجنسين . وانظر الحيوان 6 : 193 ، أيضًا ، واللسان (جنن) ، وغيرهما .

(1/455)


أفسدت الجن وسفكت الدماء ، وإنما بُعثنا عليهم لذلك. فقال : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، يقول : إني قد اطلعتُ من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه ، من كبره واغتراره. قال : ثم أمر بتُربة آدم فرُفعت ، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازبُ : اللزِجُ الصُّلب ، من حمأ مسنون - مُنْتِن. قال : وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب. قال : فخلق منه آدم بيده ، قال فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقًى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيُصَلصِل - أي فيصوّت - قال : فهو قول الله : ( مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) [سورة الرحمن : 14]. يقول : كالشيء المنفوخ الذي ليس بمُصْمت (1) . قال : ثم يَدخل في فيه ويخرج من دُبُره ، ويدخل من دُبُره ويخرج من فيه ، ثم يقول : لست شيئًا! - للصّلصَلة - ولشيء ما خُلقت! لئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنك ، ولئن سُلِّطتَ علي لأعصِيَنَّك. قال : فلما نفخ الله فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صَار لحمًا ودمًا. فلما انتهت النفخة إلى سُرّته ، نظر إلى جسده ، فأعجبه ما رأى من حسنه ، فذهب لينهضَ فلم يقدرْ ، فهو قول الله : ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) [سورة الإسراء : 11] قال : ضَجِرًا لا صَبرَ له على سَرَّاء ولا ضرَّاء. قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس ، فقال : " الحمد لله ربّ العالمين " بإلهام من الله تعالى ، فقال الله له : يرحمُك الله يا آدم. قال : ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات : اسجدوا لآدم. فسجدُوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبَى واستكبر ، لِما كان حدّث به نفسه من كبره واغتراره. فقال : لا أسجُد له ، وأنا خير منه وأكبرُ سنًّا وأقوى خَلْقًا ، خلقتني من نار وخلقته من طين - يقول : إن النار أقوى من الطين. قال : فلما أبَى إبليس أن يسجد أبلسه الله - أي آيسه من الخير كله (2) ، وجعله شيطانًا رجيما عقوبةً لمعصيته. ثم علم آدم الأسماء كلها ، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرْض وسهلٌ وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس ، الذين خلقوا من نار السموم - وقال لهم : أنبئوني بأسماء هؤلاء - يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، إن كنتم تعلمون أنِّي لمَ أجعلُ خليفة في الأرض (3) . قال : فلما علمت الملائكة مؤاخذةَ الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب ، الذي لا يعلمه غيرُه ، الذي ليس لهم به علم ، قالوا : سبحانك ، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيرُه - تبنا إليك ، لا علم لنا إلا ما علمتنا ، تبرِّيًا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علّمت آدم. فقال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم - يقول : أخبرهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم - أيها الملائكة خاصة - إني أعلم غيبَ السموات والأرض ، ولا يعلمه غيري ، وأعلم ما تبدون - يقول : ما تُظهرون - وما كنتم تكتمون - يقول : أعلم السرّ كما أعلم العلانية ، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار (4) .
قال أبو جعفر : وهذه الرواية عن ابن عباس ، تُنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرص خليفة " ، خطابٌ من الله جل ثناؤه لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع ، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصةً - الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خلق آدم - وأنّ الله إنما خصّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً ، ليعرِّفهم قصورَ علمهم وفضلَ كثير ممن هو أضعفُ خلقًا منهم من خلقه عليهم ، وأنّ كرامته
__________
(1) المصمت : الذي لا جوف له ، وكل ذي جوف إذ قرع صوت ، أما المصمت فهو صامت لا صوت له . فمن الصمت أخذوه .
(2) في المطبوعة : " وآيسه الله . . . " .
(3) في المطبوعة : " أنكم تعلمون أني أجعل في الأرض خليفة " ، وقوله " لم أجعل . . " سقط " لم " من المخطوطة أيضًا . والصواب من الدر المنثور ، والشوكاني ، حيث يأتي تخريجه . وسيأتي على الصواب أيضًا في رقم : 671 ص : 490 ، وهو مختصر من هذا الأثر .
(4) الخبر : 606 - خرجه السيوطي في الدر المنثور مفرقًا 1 : 44 - 45 ، 49 ، 50 . والشوكاني 1 : 52 بعضه مفرقًا . وروى الطبري قطعة منه ، بهذا الإسناد ، في تاريخه 1 : 42 - 43 .

(1/456)


لا تنال بقوَى الأبدان وشدّة الأجسام ، كما ظنه إبليس عدوّ الله. ومُصَرِّح بأن قيلهم لربِّهم (1) : " أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، كانت هفوةً منهم ورجمًا بالغيب ؛ وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك ، ووقَفَهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رَجْم الغيْب بالظُّنون ، وتبرَّأوا إليه أن يعلم الغيب غيرُه ، وأظهرَ لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبْر الذي قد كان عنهم مستخفيًا (2) .
وقد رُوي عن ابن عباس خلاف هذه الرواية ، وهو ما : -
607 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " لما فرَغ الله من خلق ما أحبّ ، استوى على العرش ، فجعل إبليس على مُلْك سماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ (3) - وإنما سموا الجنّ لأنهم خزّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنا ، فوقع في صدره كبر ، وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزيّة لي - هكذا قال موسى بن هارون ، وقد حدثني به غيره ، وقال : لمزية لي على الملائكة (4) - فلما وقع ذلك الكبر في نفسه ،
__________
(1) في المطبوعة : " ويصرح " ، وسياق الكلام : " تنبئ عن أن قول الله . . . خطاب من الله جل ثناؤه لخاص من الملائكة دون الجميع ، . . ومصرح بأن قيلهم " ، عطفًا على خبر " أن " .
(2) هذا التعقيب على خبر ابن عباس ، دليل على ما ذهبنا إليه في بيان طريقة الطبري في الاستدلال بالأخبار والآثار انظر ص : 453 - 454 . فهو لم يروه لاعتماد صحته ، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ، إنما هو خطاب فيه لفظ العموم " الملائكة " ، ويراد به الخصوص لبعض الملائكة ، كما هو معروف في لسان العرب . وأن قول هؤلاء الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها . . . " ، لم يكن عن علم عرفوه من علم الغيب ، بل كان ظنًّا ظنوه . وسيأتي بعد ما يوضح مذهب الطبري في الاستدلال ، كما سأشير إليه في موضعه .
(3) في المخطوطة : " الحن " بالحاء ، وتفسيرها التالي يدل على أنها بالجيم . وانظر ما كتبناه آنفًا في ص : 455 التعليق : 1 .
(4) غيره ، الذي أبهمه الطبري هنا ، بينه في التاريخ 1 : 43 ، قال : " وحدثنى به أحمد بن أبي خيثمة ، عن عمرو بن حماد " .

(1/458)


اطلع الله على ذلك منه ، فقال الله للملائكة : " إني جاعل في الأرض خليفة " . قالوا : ربنا ، وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا : ربنا ، " أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحنُ نسبِّح بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " . يعني من شأن إبليس. فبعث جبريلَ إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تنقُص مني أو تشينني. فرجع ، ولم يأخذ. وقال : ربِّ إنها عاذت بك فأعذْتُها. فبعث الله ميكائيل ، فعاذَت منه ، فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث مَلَك الموت فعاذت منه ، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض ، وخَلَط فلم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تُرْبة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. فصَعِد به ، فبلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم ترك حتى أنتن وتغير (1) . وذلك حين يقول : ( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [سورة الحجر : 28]. قال : منتن - ثم قال للملائكة : ( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) [سورة ص : 71 - 72]. فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه ، ليقول له : تتكبر عما عملت بيديّ ، ولم أتكبر أنا عنه ؟ فخلقه بشرًا ، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة : فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه. وكان أشدّهم منه فزعًا إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوّت الجسدُ كما يصوّت الفخار وتكون له صلصلة ، فذلك حين يقول : ( مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) [سورة الرحمن : 14] ويقول لأمر ما خُلقت! ودخل من فيه فخرج من دُبُره. فقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ، فإنّ ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف (2) . لئن سُلطت عليه لأهلكنّه. فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة : إذا نفختُ فيه من رُوحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الرّوح فدخل الروح في رأسه عَطَس ، فقالت له الملائكة : قل الحمدُ لله. فقال : الحمد لله ، فقال له الله : رحمك ربُّك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعامَ ، فوَثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلانَ إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول : ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) [سورة الأنبياء : 37]. فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين - أي استكبرَ (3) - وكان من الكافرين. قال الله له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لِما خلقتُ بيديّ ؟ قال : أنا خير منه ، لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين. قال الله له : أخرج منها فما يكون لك - يعني ما ينبغي لك - أن تتكبر فيها ، فاخرج إنك من الصاغرين - والصَّغار : هو الذل - . قال : وعلَّم آدم الأسماء كلها ، ثم عرض الخلق على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّ بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقالوا له : سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنتَ العليم الحكيم. قال الله : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. قال قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، فهذا الذي أبدَوْا ، " وأعلم ما كنتم تكتمون " ، يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر (4) .
قال أبو جعفر : فهذا الخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية التي رويت عن ابن عباس من رواية الضحاك التي قد قدمنا ذكرها قبل ، وموافقٌ معنى آخره معناها. وذلك أنه ذكر في أوّله أن الملائكة سألت ربها : ما ذاك الخليفة ؟ حين قال لها : إني جاعلٌ في الأرض خليفة. فأجابها أنه تكون له ذُرّية يُفسدون في الأرض وَيتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فقالت الملائكة حينئذ : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ فكان قولُ الملائكة ما قالت من ذلك لرَبِّها ، بعد إعلام الله إياها أنّ ذلك كائن من ذُرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض. فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه.
وأما موافقته إياه في آخره ، فهو قولهم في تأويل قوله : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " : أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، وأن الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك ، تبرِّيًا من علم الغيب - : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " .
وهذا إذا تدبّره ذو الفهم ، علم أن أوّله يفسد آخرَه ، وأن آخره يُبطل معنى أوّله. وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء ، فقالت الملائكة لربها : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، بمثل الذي أخبرها عنهم ربُّها ، فيجوزَ أن يقالَ لها فيما طوي عنها من العلوم : إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور فأخبرتم به ، فأخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه ، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم الله عليه - بل ذلك خُلفٌ من التأويل ، ودعوَى على
__________
(1) في المطبوعة " حين أنتن " ، وصحته " حتى أنتن " ، كما في تاريخ الطبري ، وتفسير ابن كثير - فيما تبين في تخريجه .
(2) الصمد هنا : هو الذي لا جوف له ، والمصمد والمصمت واحد . وانظر ما سلف ص : 456 تعليق : 1 .
(3) في المطبوعة : " أبى واستكبر " ، وهو تحريف .
(4) الخبر : 607 - روى الطبري قطعة منه في تاريخه 10 : 41 - 42 ، بهذا الإسناد . وقطعة أخرى أيضًا 1 : 43 . وثالثة 1 : 45 - 46 . ورابعة 1 : 47 . وخامسة 1 : 47 - 48 . وسادسة 1 : 50 . وبعضه عن السيوطي 1 : 45 - 47 ، والشوكاني 1 : 50 . وقد مضى تعليل هذا الإسناد ، في : 168 ، ورأى الطبري نفسه فيه : 452 ، وأنه فيه مرتاب . وقد ساقه ابن كثير بطوله 1 : 137 - 138 ، ثم قال : " فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة . فلعل بعضها مدرج ، ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة ، والله أعلم . والحاكم يروي في مستدركه ، بهذا الإسناد بعينه ، أشياء ، ويقول : على شرط البخاري! " .

(1/459)


الله ما لا يجور أن يكون له صفة (1) . وأخشى أن يكون بعض نَقَلة هذا الخبر هو الذي غَلِط على من رواه عنه من الصحابة ، وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العِلم بخبَري إياكم أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، حتى استجزتم أن تقولوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " . فيكون التوبيخ حينئذ واقعًا على ما ظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم : " إنه يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء " ، لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن. وذلك أن الله جل ثناؤه ، وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرّية خليفته في الأرض ، ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء ، فقد كانَ طوَى عنهم الخبرَ عما يكون من كثيرٍ منهم ما يكون من طاعتِهم ربَّهم ، وإصلاحهم في أرْضه ، وحقن الدماء ، ورفعِه منزلتَهم ، وكرامتِهم عليه ، فلم يخبرهم بذلك. فقالت الملائكة : " أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، على ظنٍّ منها - على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرتُ وظاهرِهما - أنّ جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض يُفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء ، فقال الله لهم - إذ علّم آدم الأسماء كلها - : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنكم تعلمون أنّ جميع بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، على ما ظننتم في أنفسكم - إنكارًا منه جل ثناؤه لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم ، وهو من صفة خاصِّ ذرّية الخليفة منهم. وهذا الذي ذكرناه هو صفةٌ منا لتأويل الخبر ، لا القول الذي نختاره في تأويل الآية (2) .
ومما يدل على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرية الخليفة وسفكها الدماء على العموم ، ما : -
608 - حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي (3) قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط ، قوله : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، قال : يعنون الناس (4) .
وقال آخرون في ذلك بما : -
609 - حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " وإذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً " ، فاستشار الملائكة في خلق آدمَ ، فقالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " - وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض - " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياءُ ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة. قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالقٌ خلقًا أكرم عليه منَّا ولا أعلم منَّا ؟ فابتلوا بخلق آدم - وكل خلق مُبْتَلًى - كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة ، فقال الله : ( اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (5) [سورة فصلت : 11].
وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، على غير يقين علمٍ تقدم منها بأن ذلك كائن ، ولكن على الرأي منها والظنّ ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من
__________
(1) نقد الطبري دال أيضًا على ما ذهبنا إليه من الاستدلال بالآثار كاستدلال المستدل بالشعر . وأنت تراه ينقض هذا الخبر نقضًا ، ويبين الخطأ في سياقه ، وتناقضه في معناه . وهذا بين إن شاء الله .
(2) وهذا أيضًا دليل واضح على أن استدلال الطبري بالأخبار والآثار ، ليس معناه أنه ارتضاها ، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة ، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها مرة أخرى . وقد أخطأ كثير ممن نقل عن الطبري في فهم مراده ، وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه في هذا التفسير .
(3) في المطبوعة . " ابن أحمد بن إسحاق الأهوازي " ، وزيادة " ابن " خطأ .
(4) الأثر : 608 - لم أجده .
(5) الأثر : 609 - في ابن كثير 1 : 129 ، وبعضه في الدر المنثور مفرقًا 1 : 45 ، 46 ، 50 .

(1/462)


قيلها ، وردّ عليها ما رأت بقوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء والرسلُ والمجتهدُ في طاعة الله.
وقد رُوي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويل ، وهو ما : -
610 - حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " أتجعل فيها من يُفسد فيها " قال : كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك قوله : " أتجعل فيها من يفسد فيها " (1) .
وبمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل ، منهم الحسن البصري :
611 - حدثنا القاسم : قال حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك ، عن الحسن - وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة - قالا قال الله لملائكته : " إني جاعلٌ في الأرص خليفة " - قال لهم : إني فاعلٌ - فعرضُوا برأيهم ، فعلّمهم علمًا وطوَى عنهم علمًا علمه لا يعلمونه ، فقالوا بالعلم الذي علمهم : " أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " - وقد كانت الملائكة علمتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء - " ونحن نسبّح بحمدك ونُقدس لكَ. قال إني أعلم ما لا تعلمون " . فلما أخذ في خلق آدم ، هَمست الملائكة فيما بينها ، فقالوا : ليخلق رَبنا ما شاء أن يخلق ، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلمَ منه وأكرمَ عليه منه. فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرَهم أن يسجدوا له لما قالوا ، ففضّله عليهم ، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه ، فقالوا : إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلمُ منه ، لأنا كنا قَبله ، وخُلقت الأمم قبله. فلما أعجبوا بعملهم ابتلوا ، فـ " علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمَاء هؤلاء إن كنتم صادقين " أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قال : ففزع القومُ إلى التوبة - وإليها يفزع كل مؤمن - فقالوا : " سبحانك لا علم لنا إلا
__________
(1) الأثر : 610 - لم أجده .

(1/464)


ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال : يا آدم أنبئهم بأسمَائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقلْ لكم إني أعلمُ غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تُبدُون وما كنتم تكتمون " - لقولهم : " ليخلقْ ربّنا ما شاء ، فلن يخلق خلقًا أكرمَ عليه منا ولا أعلم منا " . قال : علمه اسم كل شيء ، هذه الجبال وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش ، وجعل يسمي كل شيء باسمه ، وعرضت عليه كل أمة ، فقال : " ألم أقل لكم إني أعلم غَيبَ السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، قال : أما ما أبدَوْا فقولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، وأمَّا ما كتموا فقول بعضهم لبعض : " نحن خير منه وأعلم " (1) .
612 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، في قوله : " إني جاعل في الأرض خليفةً " الآية ، قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء ، وخلق الجنّ يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة. قال : فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماءُ ، وكان الفسادُ في الأرض. فمن ثمّ قالوا : " أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " الآية (2) .
613 - [حدثنا محمد بن جرير ، قال] : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : أخبرنا عبد الله بن أَبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله - : " ثم عَرَضهم
__________
(1) الأثر : 611 - سبق بعضه بهذا الإسناد نصًّا . وشرحنا جودة بعضه وضعف بعضه . ونقل السيوطي 1 : 49 ، بعضه عن هذا الموضع من تفسير الطبري . وذكر ابن كثير 1 : 128 قسما منه ، من تفسير ابن أبي حاتم : عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن سعيد بن سليمان ، عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن - وهو البصري . وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري : فإن " الحسن بن محمد بن الصباح " : هو الزعفراني الثقة المأمون ، تلميذ الشافعي وراوية كتبه بالعراق . وسعيد بن سليمان : هو سعدويه الضبي الواسطي ، وهو ثقة مأمون من شيوخ البخاري ومن أقران الإمام أحمد . ومبارك بن فضالة : ثقة ، من أخص الناس بالحسن البصري ، جالسه 13 أو 14 سنة .
(2) الأثر : 612 - مضى صدره برقم : 602 ، وأشرنا إلى هذا هناك .

(1/465)


على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " . إلى قوله : " إنك أنتَ العليم الحكيم " . قال : وذلك حين قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " . قال : فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم : لن يخلق الله خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرمَ. فأراد الله أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم آدَم. وَعلم آدم الأسماء كلها ، فقال للملائكة : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " ، إلى قوله : " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون " ، وكان الذي أبدَوْا حين قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، وكان الذي كتموا بينهم قولهم : " لن يخلق الله خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم " ، فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم (1) .
وقال ابن زيد بما : -
614 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد : لما خلق الله النارَ ذعرت منها الملائكة ذعرًا شديدًا ، وقالوا : ربنا لم خلقت هذه النار ؟ ولأي شيء خلقتها ؟ قال : لمن عصاني من خلقي. قال : ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق ، إنما خُلق آدم بعد ذلك ، وقرأ قول الله : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) [سورة الإنسان : 1]. قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ليت ذلك الحين (2) . ثم قال : قالت الملائكة : يا رب ، أويأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه! - لا يرَوْن له خلقًا غيرهم - قال : لا إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا
__________
(1) الأثر : 613 - هو رواية أخرى للأثر السالف . ولم أجده في المراجع السالفة .
(2) كلمة عمر رضي الله عنه : " ليت ذلك الحين " ، يعني ليت الإنسان بقي شيئًا غير مذكور ، طينًا لازبًا . يقولها من مخافة عذابه ربه يوم القيامة . وفي الدر المنثور 6 : 297 : " أخرج ابن المبارك ، وأبو عبيد في فضائله ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن عمر بن الخطاب : أنه سمع رجلا يقرأ : (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا) ، فقال عمر : ليتها تمت " . فهذا في معنى كلمة عمر هنا .

(1/466)


وأجعل فيها خليفةً ، يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض. فقالت الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؟ وقد اخترتنا ، فاجعلنا نحن فيها ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونعمل فيها بطاعتك. وأعظمت الملائكة أن يجعل الله في الأرض من يعصيه فقال : " إني أعلمُ ما لا تعلمون " . " يا آدم أنبئهم بأسمائهم " . فقال : فلان وفلان. قال : فلما رأوا ما أعطاه الله من العلم أقروا لآدم بالفضل عليهم ، وأبى الخبيث إبليس أن يقرَّ له ، قال : " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " . قال : " فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها " (1) .
وقال ابن إسحاق بما : -
615 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق قال : لما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلي به ، لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه - وكان أوّل بلاء ابتُليت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحبّ وما تكره ، للبلاء والتمحيص لما فيهم مما لم يعلموا ، وأحاط به علم الله منهم - جمع الملائكة من سكان السموات والأرض ، ثم قال : " إني جاعل في الأرض خليفة " - ساكنًا وعامرًا ليسكنها ويعمرُها - خَلَفًا ، ليس منكم (2) . ثم أخبرهم بعلمه فيهم ، فقال : يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك "
__________
(1) الأثر : 614 - سيأتي بعض معناه بهذا الإسناد : (ص 176 بولاق) . وأما هذا النص ، فقد ذكر السيوطي بعضه 1 : 45 ونسبه لابن جرير فقط . ولم يذكر فيه كلمة عمر بن الخطاب . وقد أشرنا إلى ورود معناها من وجه آخر ، في الهامشة قبل هذه . وكلمة عمر هنا سيقت مساق الحديث المرفوع ، إذ قال : " يا رسول الله ، ليت ذلك الحين " . فتكون حديثًا مرفوعًا مرسلا ، بل منقطعًا ، لأن ابن زيد - وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - لم يدرك إلا بعض التابعين . هذا إلى أنه ضعيف جدًّا ، كما سبق في : 185 .
(2) في المطبوعة : " عامر وساكن يسكنها ويعمرها خلقًا ليس منكم " ، وانظر ما مضى ، رقم : 600 ، وانظر تخريجه بعد .

(1/467)


لا نعصي ، ولا نأتي شيئًا كرهته ؟ قال : " إني أعلم ما لا تعلمون " - قال : إني أعلم فيكم ومنكم ولم يُبدها لهم - من المعصية والفساد وسفك الدماء وإتيان ما أكره منهم ، مما يكون في الأرض ، مما ذكرتُ في بني آدم. قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) [ص : 69 - 72]. فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان منْ ذكره آدم حين أراد خلقه ، ومراجعة الملائكة إياه فيما ذكر لهم منه. فلما عزم الله تعالى ذكره على خلق آدم قال للملائكة : إني خالقٌ بشرًا من صلصال من حمإٍ مسنون بيدي - تكرمةً له وتعظيمًا لأمره وتشريفا له - حفظت الملائكة عهده وَوَعوْا قوله ، وأجمعوا الطاعة إلا ما كان من عدوّ الله إبليس ، فإنه صمتَ على ما كان في نفسه من الحسد والبغْيِ والتكبر والمعصية. وخلق الله آدم من أدَمة الأرض ، من طين لازب من حَمَإٍ مسنون ، بيديه ، تكرمةً له وتعظيمًا لأمره وتشريفًا له على سائر خلقه. قال ابن إسحاق : فيقال ، والله أعلم : خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عامًا قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ، ولم تمسه نار. قال : فيقال ، والله أعلم : إنه لما انتهى الروح إلى رأسه عَطس فقال : الحمد لله! فقال له ربه : يرحمك ربك ، ووقع الملائكة حين استوى سجودًا له ، حفظًا لعهد الله الذي عهد إليهم ، وطاعة لأمره الذي أمرهم به. وقام عدوّ الله إبليس من بينهم فلم يَسجد ، مكابرًا متعظمًا بغيًا وحسدًا. فقال له : ( يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) إِلَى( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) [سورة ص : 75 - 85].
قال : فلما فرغ الله من إبليس ومعاتبته ، وأبى إلا المعصية ، أوقع عليه اللعنة وأخرجه من الجنة. ثم أقبل على آدم ، وقد علمه الأسماء كلها ، فقال : " يا آدم

(1/468)


أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " - أي ، إنما أجبناك فيما علمتنا ، فأما ما لم تعلمنا فأنت أعلم به. فكان ما سمّى آدمُ من شيء ، كان اسمه الذي هو عليه إلى يوم القيامة (1) .
وقال ابن جُريج بما : -
616 - حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : " أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؟ وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " لأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم. فسألته الملائكة ، فقالت - على التعجب منها - : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم ؟ فأجابهم ربهم : إني أعلم ما لا تعلمون ، يعني : أن ذلك كائن منهم - وإن لم تعلموه أنتم - ومن بعض من ترونه لي طائعًا. يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه (2) .
وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها " على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون. وقال : قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يُعصَى الله ، لأن الجن قد كانت أمرتْ قبل ذلك فعصتْ.
وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : " يا رب خبرنا " ، مسألةَ استخبار منهم لله ، لا على وجه مسألة التوبيخ.
قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه ، مخبرًا عن ملائكته قيلها له : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس
__________
(1) الأثر : 615 - مضى صدره برقم : 600 .
(2) الأثر : 616 - لم أجده في مكان .

(1/469)


لك " ، تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ، بمعنى : أعلمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته ، وتارك أن تجعل خلفاءَك منا ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك ، أن يكون لله خلقٌ يعصيه.
وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلكَ فسألته على

(1/470)


وجه التعجب ، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ. وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة.
وأما وصفُ الملائكة مَن وصفت - في استخبارها ربَّها عنه - بالفساد في الأرض وسفك الدماء ، فغير مستحيلٍ فيه ما رُوي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السُّدّيّ ، ووافقهما عليه قتادة - من التأويل : وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعلٌ في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا ، فقالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، على ما وصفت من الاستخبار.
فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها ، والأمر على ما وصفتَ ، من أنها قد أخبرت أنّ ذلك كائن ؟
قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك. وهل ذلك منهم ؟ ومسألتهم ربَّهم أن يجعلهم الخلفاءَ في الأرض حتى لا يعصوه. وغيرُ فاسد أيضًا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ، وتابعه عليه الربيع بن أنس ، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض - قبل آدم - من الجنّ ، فقالت لربها : " أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون " ؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم ، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تطلع عليه من علم الغيب. وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيلُ الملائكة ما قالت من ذلك ، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلقٌ يعصي خالقه.
وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ، ووافقه عليه الربيع بن أنس ، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطعُ مجيئُه العذرَ ، ويُلزمُ سامِعَه به الحجة. والخبر عما مضى وما قد سلف ، لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع مَعه التشاغب والتواطؤ ، ويستحيل مَعه الكذب والخطأ والسهو (1) . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد.
فأولى التأويلات - إذ كان الأمر كذلك - بالآية ، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالةٌ ، مما يصح مخرجُه في المفهوم.
فإن قال قائل : فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرتَ ، من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرّية خليفته في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء ، فمن أجل ذلك قالت الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، فأين ذكر إخبارِ الله إياهم في كتابه بذلك ؟
قيل له : اكتفى بدلالة ما قد ظهرَ من الكلام عليه عنه ، كما قال الشاعر :
فَلا تَدْفِنُونِي إِنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ... عَلَيْكُمْ ، وَلَكِن خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ (2)
فحذف قوله " دعوني للتي يقال لها عند صَيدها " : خامري أمّ عامر. إذ كان فيما أظهر من كلامه ، دلالة على معنى مراده. فكذلك ذلك في قوله : " قالوا
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " يمتنع منه . . . ويستحيل منه " ، وليست بشيء . وفي المخطوطة مكان " التشاغب " : " الساعر " غير مبينة .
(2) البيت للشنفري الأزدي في قصة . شرح الحماسة 2 : 24 - 26 ، والأغاني 21 : 89 وغيرهما . ويروى : " لا تقبروني إن قبري " ، " ولكن أبشري " . وقوله " خامري " : أي استتري ، وأصله من الخمرة (بكسر فسكون) وهو الاستخفاء . يريدون بذلك دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه . وأم عامر : كنية الضبع . وذلك مما يقوله لها الصائد حين يريد صيدها ، يغرها بذلك حتى يتمكن منها ، فيقول لها : " أبشري أم عامر بشياه هزلى ، وجراد عظلى ، +وكسر رجال قتلى " ، فتميل الضبع إليه فيصيدها .

(1/471)


أتجعل فيها من يفسد فيها " ، لما كان فيه دلالة على ما ترك ذكره بعد قوله : " إنّي جاعل في الأرض خليفة " ، من الخبر عما يكون من إفساد ذريته في الأرض ، اكتفى بدلالته وحَذف ، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك في القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلما ذكرنا من ذلك ، اخترنا ما اخترنا من القول في تأويل قوله : " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " .
القول في تأويل قوله تعالى : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }
قال أبو جعفر : أما قوله : " ونحن نسبِّح بحمدك " فإنه يعني : إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر ، كما قال جل ثناؤه : ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) [سورة النصر : 3] ، وكما قال : ( وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) [سورة الشورى : 5] ، وكل ذكر لله عند العرب فتسبيحٌ وصلاة. يقول الرجل منهم : قضيتُ سُبْحَتي من الذكر والصلاة. وقد قيل : إن التسبيحَ صلاةُ الملائكة.
617 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي ، فمرّ رجل من المسلمين على رجل من المنافقين ، فقال له : النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي وأنت جالس! فقال له : امض إلى عملك إن كان لك عمل. فقال : ما أظنّ إلا سيمر عليك من ينكر عليك. فمرّ عليه عمر بن الخطاب فقال له : يا فلان ، النبي صلى الله عليه وسلم يصَلِّي وأنت جالس! فقال له مثلها ، فقال : هذا من عَملي. فوثب عليه فضربَه حتى انتهى ، ثم دخل المسجدَ فصلّى

(1/472)


مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما انفتل النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه عمر فقال : يا نبيَّ الله مررت آنفًا على فلان وأنت تُصلي ، فقلت له : النبيّ صلى الله عليه وسلم يُصلّي وأنت جالس! فقال : سرْ إلى عملك إن كان لكَ عمل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهلا ضربْتَ عُنقه. فقام عمر مسرعًا. فقال : يا عُمر ارجع فإن غضبك عِزّ ورضاك حُكْم ، إن لله في السموات السبع ملائكة يصلون ، له غنًى عن صلاة فلان. فقال عمر : يا نبي الله ، وما صَلاتهم ؟ فلم يرد عليه شيئًا ، فأتاه جبريل فقال : يا نبي الله ، سألك عُمر عن صلاة أهل السماء ؟ قال : نعم. فقال : اقرأ على عمر السلام ، وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجودٌ إلى يوم القيامة يقولون : " سبحان ذي الملك والملكوت " ، وأهل السماء الثانية ركوعٌ إلى يوم القيامة يقولون : " سبحان ذي العزة والجبروت " ، وأهل السماء الثالثة قيامٌ إلى يوم القيامة يقولون : " سبحان الحي الذي لا يموت " (1) .
618 - قال أبو جعفر : وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، وسهل بن موسى الرازي ، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة ، قال : أخبرنا الجُرَيْرِي ، عن أبي عبد الله الجَسْري ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَادَه - أو أن أبا ذَرّ عاد النبي صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، بأبي أنتَ ، أي الكلام أحب إلى الله ؟ فقال : ما اصطفى الله لملائكته : " سبحان رَبي وبحمده ، سبحان ربي وبحمده " (2) .
__________
(1) الحديث : 617 هو حديث مرفوع ، ولكنه مرسل ، لأن سعيد بن جبير تابعي . وإسناده إليه إسناد جيد . يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي أبو الحسن : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 4/2/391 ، فلم يذكر فيه جرحًا . وفي التهذيب : " قال محمد بن حميد الرازي [وهو شيخ الطبري هنا] : دخلت بغداد ، فاستقبلني أحمد وابن معين ، فسألاني عن أحاديث يعقوب القمي " . جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي : ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير 1/2/200 ، وابن أبي حاتم في الجرح 1/1/490 - 491 ، فلم يذكرا فيه مطعنًا . وفي التهذيب أن ابن حبان نقل في الثقات توثيقه عن أحمد بن حنبل . وهذا الحديث بطوله ، رواه أبو نعيم في الحلية 4 : 277 - 278 ، من طريق محمد بن حميد - شيخ الطبري - بهذا الإسناد . وذكر السيوطي في الدر المنثور 1 : 46 آخره ، من أول سؤال عمر عن صلاة الملائكة ، ولم ينسبه لغير الطبري وأبي نعيم .
(2) الحديث : 618 - في الدر المنثور ولم ينسبه لابن جرير ، وقال : " أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر . . . " 5 : 161 ، 176 . وهو في المسند 5 : 148 ومسلم 2 : 319 ، 8 : 86 .

(1/473)


- في أشكال لما ذكرنا من الأخبار (1) ، كرهنا إطالةَ الكتاب باستقصائها.
وأصلُ التسبيح لله عند العرب : التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته إليه ، والتبرئة له من ذلك ، كما قال أعشى بني ثعلبة :
أَقُولُ - لمَّا جَاءَنِي فَخْرُه - : ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ (2)
يريد : سُبحان الله من فَخر علقمة ، أي تنزيهًا لله مما أتى علقمة من الافتخار ، على وجه النكير منه لذلك.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى التسبيح والتقديس في هذا الموضع ، فقال بعضهم : قولهم : " نسبح بحمدك " : نصلي لك.
* ذكر من قال ذلك :
619 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " ونحن نسبح بحمدك ونُقدس لك " ، قال : يقولون : نصلّي لك.
وقال آخرون : " نُسبّح بحمدك " (3) التسبيح المعلوم.
* ذكر من قال ذلك :
620 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " ونحن نسبِّح بحمدك " ، قال : التسبيحَ التسبيحَ (4) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " في كل أشكال لما ذكرنا . . . " ، و " كل " مقحمة هنا بلا شك .
(2) ديوانه : 106 ، من قصيدته المشهورة ، التي قالها في هجاء علقمة بن علاثة ، في خبر منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل (الأغاني 15 : 50 - 56) . وذكر ابن الشجري في أماليه 1 : 348 عن أبي الخطاب الأخفش ، قال : " وإنما ترك التنوين في " سبحان " وترك صرفه ، لأنه صار عندهم معرفة " . وقال في 2 : 250 : " لم يصرفه ، لأن فيه الألف والنون زائدين ، وأنه علم للتسبيح ، فإن نكرته صرفته " . وانظر ص : 495 وتعليق رقم : 3 .
(3) في الأصول : " نسبح لك " ، والصواب ما أثبتناه ، وهو نص الآية .
(4) الأثران : 619 ، 620 - في ابن كثير 1 : 129 ، والدر المنثور 1 : 46 ، والشوكاني 1 : 50 .

(1/474)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَنُقَدِّسُ لَكَ }
قال أبو جعفر : والتقديس هو التطهير والتعظيم ، ومنه قولهم : " سُبُّوح قُدُّوس " ، يعني بقولهم : " سُبوح " ، تنزيهٌ لله ، وبقولهم : " قُدوسٌ " ، طهارةٌ له وتعظيم. ولذلك قيل للأرض : " أرض مُقدسة " ، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا : " ونحن نسبِّح بحمدك " ، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ، ونصلي لك. " ونقدس لك " ، ننسبك إلى ما هو من صفاتك ، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك. وقد قيل : إن تقديس الملائكة لربها صَلاتها له. كما : -
621 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " ونقدس لك " ، قال : التقديسُ : الصلاة (1) .
وقال بعضهم : " نقدس لك " : نعظمك ونمجدك.
* ذكر من قال ذلك :
622 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدّب ، قال : حدثنا إسماعيل ، عن أبي صالح ، في قوله : " ونحن نسبّح بحمدك ، ونقدس لك " ، قال : نعظمك ونمجِّدك (2) .
623 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثني عيسى - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل - جميعًا عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " ونقدس لك " ، قال نعظّمك ونكبِّرك (3) .
__________
(1) الأثر : 621 - في ابن كثير 1 : 129 ، والدر المنثور 1 : 46 ، والشوكاني 1 : 50 .
(2) الأثر : 622 - في الدر المنثور 1 : 46 .
(3) الأثر : 623 - في ابن كثير 1 : 129 ، والدر المنثور 1 : 46 .

(1/475)


624 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق : " ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك " ، لا نَعْصي ولا نأتي شيئًا تكرهُه (1) .
625 - وحدثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، في قوله : " ونقدس لك " ، قال : التقديس : التطهير (2) .
وأما قول من قال : إن التقديس الصلاة أو التعظيم ، فإن معنى قوله ذلك راجع إلى المعنى الذي ذكرناه من التطهير ، من أجل أنّ صلاتها لربها تعظيم منها له ، وتطهير مما ينسبه إليه أهل الكفر به. ولو قال مكانَ : " ونقدِّس لك " و " نقدِّسك " ، كان فصيحا من الكلام. وذلك أن العرب تقول : فلان يسبح الله ويقدِّسه ، ويسبح لله ويقدِّس له ، بمعنى واحد. وقد جاء بذلك القرآن ، قال الله جل ثناؤه : ( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ) [سورة طه : 33 - 34] ، وقال في موضع آخر : ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) [سورة الجمعة : 1]
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : يعني بقوله : " أعلم ما لا تعلمون " ، مما اطلع عليه من إبليس ، وإضماره المعصيةَ لله وإخفائه الكبر ، مما اطلع عليه تبارك وتعالى منه وخفي على ملائكته.
* ذكر من قال ذلك :
626 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " إني أعلم
__________
(1) الأثر : 624 - في ابن كثير 1 : 129 .
(2) الأثر : 625 - في ابن كثير 1 : 129 ، وفي الدر المنثور 1 : 46 : " وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، قال : التقديس : التطهير " ، ولم ينسبه للضحاك ، ولا لابن جرير .

(1/476)


ما لا تعلمون " ، يقول : إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره (1) .
627 - وحدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، يعني من شأن إبليس.
628 - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا مؤمل - قالا جميعًا : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، قال : علم من إبليس المعصية وخلقه لها.
629 - وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : حدثنا محمد بن بشر ، قال : حدثنا سفيان ، عن علي بن بَذِيمة ، عن مجاهد ، بمثله (2) .
630 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن علي بن بذيمة ، عَن مجاهد مثله (3) .
631 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حَكَّام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " قال : علم من إبليس المعصية وخلقه لها (4) .
__________
(1) الخبر : 626 - لم يذكر في المصادر السالفة . و " بشر بن عمارة " : مضت ترجمته في : 137 ، وتكرر مرارًا ، ولكن مصححو طبعة بولاق قالوا في هذا الموضع : " كذا في النسخ بالتاء ، وتكرر بها فيها كلها . وهو في الخلاصة بدون تاء " !! وهو " عمارة " بالتاء في جميع الكتب والدواوين . والذي في الخلاصة خطأ مطبعي فقط!!
(2) الأثر : 629 - " علي بن بذيمة " ، بفتح الباء الموحدة وكسر الذال المعجمة ، وهو ثقة .
(3) الأثر : 630 - " ابن يمان " ، بفتح الياء وتخفيف الميم : هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي ، وهو صدوق من شيوخ أحمد بن حنبل . و " سفيان " في هذا والذي قبله - هو الثوري .
(4) الأثر : 631 - " القاسم بن أبي بزة " ، بفتح الباء الموحدة وتشديد الزاي : ثقة مكي ، قال ابن حبان : " لم يسمع التفسير من مجاهد - أحد غير القاسم ، وكل من يروي عن مجاهد التفسير - فإنما أخذه من كتاب القاسم " . وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/2/122 : " هو القاسم بن نافع بن أبي بزة ، واسم أبي بزة : يسار " . و " محمد بن عبد الرحمن " الراوي عنه هنا : هو ابن أبي ليلى .

(1/477)


632 - وحدثني جعفر بن محمد البُزُوري ، قال : حدثنا حسن بن بشر ، عن حمزة الزيات ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد في قوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، قال : علم من إبليس كتمانه الكِبْر أن لا يسجُد لآدم.
633 - وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال : - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل - جميعًا عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قول الله : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، قال : علم من إبليس المعصية.
634 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله.
635 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا سُويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، قال : قال مجاهد في قوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، قال : علم من إبليس المعصية وخلقه لها (1) .
وقال مرَّة آدم.
636 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال سمعت عبد الوهاب بن مجاهد يحدث عن أبيه في قوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، قال : علم من إبليس المعصية وخلقه لها ، وعلم من آدم الطاعة وخلقَه لها (2) .
__________
(1) الأثر : 635 - ذكره السيوطي 1 : 46 . والشوكاني 1 : 50 . ولكن سقط اسم " مجاهد " ، من الدر المنثور ، خطأ مطبعيًّا .
(2) الأثر : 636 - أما " مجاهد بن جبر " ، فهو التابعي الكبير ، الثقة الفقيه المفسر . ولكن ابنه " عبد الوهاب بن مجاهد " : ضعيف جدًّا ، قال أحمد بن حنبل : " لم يسمع من أبيه ، ليس بشيء ، ضعيف الحديث " . وضعفه أيضًا ابن معين وأبو حاتم . ومر عبد الوهاب بسفيان الثوري ، في مسجد الحرام ، فقال سفيان : " هذا كذاب " . وأما هذا الأثر ، بزيادة : " وعلم من آدم الطاعة - . . . " - فلم نجده في موضع آخر .

(1/478)


637 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، والثوري ، عن علي بن بَذِيمة ، عن مجاهد في قوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، قال : علم من إبليس المعصية وخلقه لها (1) .
638 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : " إني أعلم ما لا تعلمون " . أي فيكم ومنكم ، ولم يُبْدِها لهم ، من المعصية والفساد وسفك الدماء.
وقال آخرون : معنى ذلك : إني أعلم ما لا تعلمون من أنه يكون من ذلك الخليفة أهلُ الطاعة والولايةِ لله.
* ذكر من قال ذلك :
639 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : " إني أعلم ما لا تعلمون " ، فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورُسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة (2) .
وهذا الخبر من الله جل ثناؤه يُنبئ عن أن الملائكة التي قالت : " أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء " ، استفظعتْ أن يكون لله خلق يعصيه ، وعجبتْ منه إذْ أخبرت أن ذلك كائن. فلذلك قال لهم ربهم : " إني أعلم ما لا تعلمون " . يعني بذلك ، والله أعلم : إنكم لتعجبون من أمر الله وتستفظعونه ، وأنا أعلم أنه في بعضكم ، وتصفون أنفسكم بصفةٍ أعلمُ خِلافَها من بعضكم ، وتعرضون بأمر قد جعلته لغيركم. وذلك أن الملائكة لما أخبرها ربها بما هو كائن من ذرية خليفته ، من الفساد وسفك الدماء ، قالت لربها : يا رب أجاعل أنت في الأرض خليفةً من غيرنا ، يكون من ذريته من يعصيك ، أم منا ، فإنا نعظمك
__________
(1) الأثر : 637 - هو في معنى الآثار السالفة : 633 - 635 .
(2) الأثر : 639 - في ابن كثير 1 : 130 ، والدر المنثور 1 : 46 ، والشوكاني 1 : 50 . وفي ابن كثير : " في تلك الخليقة " وفي الدر المنثور " من تلك الخليقة " وفي الشوكاني : " سيكون من الخليقة " : وجميعها بالقاف ، وهو خطأ ، والصواب ما في نص الطبري .

(1/479)


وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

ونصلي لك ونطيعك ولا نعصيك ؟ - ولم يكن عندها علم بما قد انطوى عليه كَشحا إبليسُ من استكباره على ربه - فقال لهم ربهم : إني أعلم غير الذي تقولون من بعضكم. وذلك هو ما كان مستورًا عنهم من أمر إبليس ، وانطوائه على ما قد كان انطوى عليه من الكبر. وعلى قِيلهم ذلك ، ووصفهم أنفسهم بالعموم من الوصف عُوتبوا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَعَلَّمَ آدَمَ }
640 - حدثنا محمد بن جرير ، قال : حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القُمّي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، قال : بعث ربُّ العزة مَلكَ الموت فأخذ من أديم الأرض ، من عذْبها ومالحها ، فخلق منه آدم. ومن ثَمَّ سُمي آدم. لأنه خُلق من أديم الأرض (1) .
641 - وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي ، قال : إن آدم خُلق من أديم الأرض ، فيه الطيّب والصالح والرديء ، فكل ذلك أنت راءٍ في ولده ، الصالح والرديء (2) .
__________
(1) الخبر : 640 - هذا إسناد صحيح . ورواه الطبري في التاريخ أيضًا 1 : 46 ، بهذا الإسناد ، بزيادة في آخره . ولكن فيه : " بعث رب العزة إبليس " بدل " ملك الموت " . وهذا هو الصواب الموافق لسائر الروايات ، فلعل ما هنا تحريف قديم من الناسخين . وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات 1/1/6 ، عن حسين بن حسن الأشقر ، عن يعقوب بن عبد الله القمي ، بهذا الإسناد . وكذلك نقله السيوطي 1 : 47 ، مطولا ، عن ابن سعد ، والطبري ، وابن أبي حاتم ، وابن عساكر .
(2) الخبر : 641 - رواه الطبري في التاريخ 1 : 46 ، بهذا الإسناد . وذكره السيوطي 1 : 47 ، منسوبًا للطبري وحده ، ولم أجده عند غيره . وإسناده ضعيف جدًّا . عمرو بن ثابت : هو ابن أبي المقدام الحداد ، ضعيف جدًّا ، قال ابن معين : " ليس بثقة ولا مأمون " . وأما أبوه " ثابت بن هرمز أبو المقدام " ، فإنه ثقة . ويزيد هذا الإسناد ضعفًا وإشكالا - قوله فيه : " عن جده " ! فإن ترجمة ثابت في المراجع كلها ليس فيها أنه يروي عن أبيه " هرمز " . ثم لا نجد لهرمز هذا ذكرا ولا ترجمة ، فما أدرى مم هذا ؟

(1/480)


642 - وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا مِسعر ، عن أبي حَصين ، عن سعيد بن جُبير ، قال : خُلق آدم من أديم الأرض ، فسمِّي آدم.
643 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، قال : إنما سمي آدمَ لأنه خلق من أديم الأرض (1) .
644 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أنّ ملك الموت لما بُعث ليأخذ من الأرض تربةَ آدم ، أخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاءَ وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. ولذلك سُمي آدم ، لأنه أخذ من أديم الأرض (2) .
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ يحقق ما قال مَن حكينا قوله في معنى آدم. وذلك ما - :
645 - حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَيَّة ، عن عوف - وحدثنا محمد بن بشار ، وعمر بن شَبة - قالا حدثنا يحيى بن سعيد - قال : حدثنا عوف - وحدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، ومحمد بن جعفر ، وعبد الوهاب الثقفي ، قالوا : حدثنا عوف - وحدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبان ، قال : حدثنا عنبسة - عن عوف الأعرابي ، عن قَسامَة بن زُهير ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ الله خلق آدم من قَبضة قَبضها من جميع الأرض ، فجاء
__________
(1) الأثران : 642 ، 643 - رواهما الطبري في التاريخ أيضًا 1 : 46 ، بهذين الإسنادين . وذكره بنحوه السيوطي 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 . و " أبو حصين " ، فيهما بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، وهو : عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي ، ثقة ثبت صاحب سنة .
(2) الخبر : 644 - مضى ضمن خبر مطول ، بهذا الإسناد : 607 .

(1/481)


بنو آدم على قَدر الأرض ، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك ، والسهلُ والحَزْن ، والخبيث والطيب (1) .
فعلى التأويل الذي تأول " آدم " من تأوله ، بمعنى أنه خُلق من أديم الأرض ، يجب أن يكون أصْل " آدم " فعلا سُمي به أبو البشر ، كما سمي " أحمد " بالفعل من الإحماد ، و " أسعد " من الإسعاد ، فلذلك لم يُجَرَّ. ويكون تأويله حينئذ : آدمَ المَلكُ الأرضَ ، يعني به بلغ أدمتها - وأدَمتها : وجهها الظاهر لرأي العين ، كما أنّ جلدة كل ذي جلدة له أدَمة. ومن ذلك سُمي الإدام إدَامًا ، لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه - ثم نقل من الفعل فجعل اسمًا للشخص بعينه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { الأَسْمَاءَ كُلَّهَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الأسماء التي علمها آدمَ ثم عَرضها على الملائكة ، فقال ابن عباس ما - :
646 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : علم الله آدم الأسماء كلها ، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسانٌ ودابة ، وأرض وَسهل وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. (2) .
__________
(1) الحديث : 645 - هو حديث صحيح . ورواه أحمد في المسند 4 : 400 ، 406 (حلبى) ، وابن سعد في الطبقات 1/1/5 - 6 ، وأبو داود : 4693 ، والترمذي 4 : 67 - 68 ، والحاكم 2 : 261 - 262 ، كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي ، عن قسامة بن زهير ، به . قال الترمذي : " حسن صحيح " . وقال الحاكم : " صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي ، وذكره السيوطي 1 : 46 ، ونسبه لهؤلاء ، ولعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، وغيرهم . ورواه أيضًا الطبري في التاريخ 1 : 46 ، بهذه الأسانيد التي هنا ، بزيادة في آخره .
(2) الخبر : 646 - في ابن كثير 1 : 132 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 وقد مضى برقم : 606 ، مطولا .

(1/482)


647 - وحدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثني عيسى ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال : علمه اسم كل شيء.
648 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن خُصيف ، عن مجاهد : " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال : علمه اسم كل شيء (1) .
649 - وحدثنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم الجَرمي ، عن محمد بن مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن خُصيف ، عن مجاهد ، قال : علمه اسم الغراب والحمامة واسم كل شيء (2) .
650 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن شَريك ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : علمه اسمَ كل شيء ، حتى البعير والبقرة والشاة (3) .
651 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن شَريك ، عن عاصم بن كليب ، عن سعيد بن مَعبد ، عن ابن عباس ، قال : علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة (4) .
652 - وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا شريك ،
__________
(1) الأثران : 647 ، 648 - في الدر المنثور 1 : 49 ، وكأنهما اختصار لما بعدهما .
(2) الأثر : 649 - لم أجده بنصه ولعله مطول الذي قبله ، وانظر ما سيأتي رقم : 666 . و " مسلم الجرمي " : ثبت في الأصول بالحاء . وقد مضى في : 154 ترجيحنا أنه بالجيم .
(3) الأثر : 650 - في الدر المنثور 1 : 49 .
(4) الخبر : 651 - سعيد بن معبد : تابعي ، يروي عن ابن عباس ، لم أجد له ترجمة إلا في التاريخ الكبير للبخاري 2/1/468 ، والجرح لابن أبي حاتم 2/1/63 . وكلاهما ذكر أنه يروي عن ابن عباس ، ويروي عنه : القاسم بن أبي بزة . فجاءنا الطبري بفائدة زائدة ، في هذا الإسناد ، وفي الإسناد : 653 : أنه يروي عنه أيضًا عاصم بن كليب . وهذا الخبر ذكره بنحوه : ابن كثير 1 : 132 ، والسيوطي 1 : 49 . ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم . وهذا الخبر والثلاثة بعده ، متقاربة المعنى ، هي روايات لخبر واحد .

(1/483)


عن عاصم بن كليب ، عن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس : " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال : حتى الفسوة والفُسيَّة.
653 - حدثنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم ، قال : حدثنا محمد بن مُصعب ، عن قيس ، عن عاصم بن كليب ، عن سعيد بن مَعبد ، عن ابن عباس في قول الله : " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال : علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة.
654 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن عاصم بن كليب ، قال : قال ابن عباس : علمه القصعة من القُصيعة ، والفسوة من الفسية (1) .
655 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " وعلم آدم الأسماء كلها " حتى بلغ : " إنك أنتَ العليمُ الحكيم " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم " ، فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه ، وألجأه إلى جنسه (2) .
656 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرَّزَّاق ، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال : علمه اسم كل شيء ، هذا جبل ، وهذا بحر ، وهذا كذا وهذا كذا ، لكل شيء ، ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (3) .
657 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم - ومبارك ، عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة ،
__________
(1) الخبر : 654 - عاصم بن كليب الجرمي : ثقة يحتج به . ولكنه إنما يروي عن التابعين ، فروايته عن ابن عباس هنا منقطعة . وقد دلتنا الأسانيد الثلاثة الماضية على أنه إنما روى هذا المعنى عن سعيد بن معبد ، وعن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس .
(2) الأثر : 655 - في الدر المنثور 1 : 49 ، بغير هذا اللفظ . وانظر رقم : 697 .
(3) الأثر : 656 - في ابن كثير 1 : 133 مختصرًا ، وفي الدر المنثور 1 : 49 مطولا وفي ابن كثير : " ثم عرض تلك الأسماء " .

(1/484)


قالا علمه اسم كل شيء : هذه الخيل ، وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش ، وجعل يسمي كل شيء باسمه. (1)
658 - وحُدِّثت عن عمّار ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : اسم كل شيء. (2)
وقال آخرون : علم آدم الأسماء كلها ، أسماء الملائكة.
* ذكر من قال ذلك :
659 - حُدِّثت عن عمار ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " وعلم آدمَ الأسماء كلها " ، قال : أسماء الملائكة. (3)
وقال آخرون : إنما علمه أسماء ذريته كلها.
* ذكر من قال ذلك :
660 - حدثني محمد بن جرير ، قال : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال : أسماء ذريته أجمعين. (4)
وأوْلَى هذه الأقوال بالصواب ، وأشبهها بما دل على صحته ظاهرُ التلاوة ، قول من قال في قوله : " وعلم آدم الأسماء كلها " إنها أسماءُ ذرِّيَّته وأسماءُ الملائكة ، دون أسماء سائر أجناس الخلق. وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال : " ثمّ عرَضهم على الملائكة " ، يعني بذلك أعيانَ المسمَّين بالأسماء التي علمها آدم. ولا تكادُ العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة. وأمّا إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوَى من وصفناها ، فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو بالهاء والنون ، فقالت : " عرضهن " أو " عرضها " ، وكذلك تفعل إذا كنَتْ عن أصناف
__________
(1) الأثر : 657 - في ابن كثير 1 : 133 بغير هذا اللفظ مختصرًا ، وفي الدر المنثور 1 : 49 ، وسيأتي كما جاء فيهما برقم : 667 .
(2) الأثر : 658 - لم أجده .
(3) الأثر : 659 - في ابن كثير 1 : 132 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .
(4) الأثر : 660 - في ابن كثير 1 : 132 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

(1/485)


من الخلق كالبهائم والطير وسائر أصناف الأمم وفيها أسماءُ بني آدم والملائكة ، فإنها تكنى عنها بما وصفنا من الهاء والنون أو الهاء والألف. وربما كنَتْ عنها ، إذا كان كذلك (1) بالهاء والميم ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ) [سورة النور : 45] ، فكنى عنها بالهاء والميم ، وهي أصناف مختلفة فيها الآدمي وغيره. وذلك ، وإن كان جائزًا ، فإن الغالب المستفيض في كلام العرب ما وَصفنا ، من إخراجهم كنايةَ أسماء أجناس الأمم - إذا اختلطت - بالهاء والألف أو الهاء والنون. فلذلك قلتُ : أولى بتأويل الآية أن تكون الأسماء التي علَّمها آدمَ أسماء أعيان بني آدم وأسماء الملائكة ، وإن كان ما قال ابن عباس جائزًا على مثال ما جاء في كتاب الله من قوله : " والله خَلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بَطنه " الآية. وقد ذكر أنها في حرف ابن مسعود : " ثم عَرضهن " ، وأنها في حرف أبَيّ : " ثم عَرضَها " . (2)
ولعل ابن عباس تأول ما تأول من قوله : علمه اسم كل شيء حتى الفسوة والفسيَّة ، على قراءة أبيّ ، فإنه فيما بلغنا كان يقرأ قراءة أبيّ. وتأويل ابن عباس - على ما حُكي عن أبيّ من قراءته - غيرُ مستنكر ، بل هو صحيح مستفيض في كلام العرب ، على نحو ما تقدم وصفي ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ }
قال أبو جعفر : قد تقدم ذكرنا التأويل الذي هو أولى بالآية ، على قراءتنا ورَسم مُصْحفنا ، وأن قوله : " ثم عَرَضهم " ، بالدلالة على بني آدم والملائكة ،
__________
(1) في المطبوعة : " إذ كان . . . " وهو خطأ .
(2) انظر تفسير ابن كثير 1 : 132 في التعقيب على كلام الطبري .

(1/486)


أولى منه بالدلالة على أجناس الخلق كلها ، وإن كان غيرَ فاسد أن يكون دالا على جميع أصناف الأمم ، للعلل التي وصفنا.
ويعني جل ثناؤه بقوله : " ثم عَرضَهم " ، ثم عرَض أهل الأسماء على الملائكة.
وقد اختلف المفسرون في تأويل قوله : " ثم عَرضَهم على الملائكة " نحو اختلافهم في قوله : " وعلم آدمَ الأسماء كلها " . وسأذكر قول من انتهى إلينا عنه فيه قولٌ.
661 - حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " ثم عَرضهم على الملائكة " ، ثم عرض هذه الأسماء ، يعني أسماء جميع الأشياء ، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق. (1)
662 - وحدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " ثم عرضهم " ، ثم عرض الخلقَ على الملائكة (2) .
663 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : أسماء ذريته كلِّها ، أخذهم من ظَهره. قال : ثم عرضهم على الملائكة (3) .
664 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : " ثم عرضهم " ، قال : علمه اسم كل شيء ، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة (4) .
__________
(1) الخبر : 661 - هو من تمام الآثار السالفة قريبًا .
(2) الخبر : 662 - مختصر من الخبر الطويل الماضي قريبًا ، وفي ابن كثير 1 : 132 .
(3) الأثر : 663 - في الدر المنثور 1 : 49 .
(4) الأثر : 664 - مختصر أثر سلف بإسناده هذا ، وفي ابن كثير 1 : 133 .

(1/487)


665 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " ثم عرضهم " ، عرض أصحاب الأسماء على الملائكة (1)
666 - وحدثنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن قيس ، عن خُصَيف ، عن مجاهد : " ثم عرضهم على الملائكة " ، يعني عرض الأسماء ، الحمامةَ والغراب (2) .
667 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم ، - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا علّمه اسم كل شيء : هذه الخيلَ ، وهذه البغال ، وما أشبه ذلك. وجعل يُسمي كل شيء باسمه ، وعُرضت عليه أمة أمة (3) .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " أنبئوني " : أخبروني ، كما : -
668 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " أنبئوني " ، يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء (4) .
ومنه قول نابغة بني ذُبيان :
__________
(1) الأثر : 665 - في ابن كثير : 1 : 133 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .
(2) الأثر : 666 - في ابن كثير 1 : 134 ، وانظر ما مضى قريبًا بإسناده .
(3) الأثر : 667 - انظر ما مضى رقم : 657 وابن كثير 1 : 133 ، والدر المنثور 1 : 49 .
(4) الخبر : 668 - مختصر من الخبر رقم : 606 .

(1/488)


وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا... حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ (1)
يعني بقوله : " أنبأه " : أخبره وأعلمه.
* * *
القول في تأويل قوله جل ذكره : { بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ }
قال أبو جعفر :
669 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال حدثنا عيسى - وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد في قول الله : " بأسماء هؤلاء " ، قال : بأسماء هذه التي حدَّثتُ بها آدمَ.
670 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " يقول : بأسماء هؤلاء التي حَدّثت بها آدم. (2)
* * *
__________
(1) ديوانه : 87 من قصيدة له ، في عمرو بن هند ، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه . وقال أبو عبيدة : هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق . ورواية الديوان : " أن حيًّا حلولا " بالنصب ، صفة " حيًّا " وهي الرواية الجيدة . وخبر " أن " محذوف ، كأنه يقول : قد تألبوا يترصدون لك . وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم . والبيت الذي يليه دال على ذلك ، وهو قوله : وَأَنَّ الْقَوْمَ نَصْرُهُمُ جَمِيعٌ ... فِئَامٌ مُجْلِبُونَ إِلَى فِئَامِ
ورواية الرفع ، لا بأس بها ، وإن كنت لا أستجيدها . وقوله : " حرام " كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم . أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد . ودار جذام جبال حسمى ، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة ، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان : حسمى) . فمن أجل أن بنى عذرة هذه ديارهم قريبة من جذام ، شككت فيمن عني النابغة ببني حرام في هذا البيت .
(2) الأثران : 669 ، 670 - لم أجدهما في مكان .

(1/489)


القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في ذلك.
671 - فحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " إن كنتم صادقين " ، إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. (1)
672 - وحدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " إن كنتم صادقين " أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. (2)
673 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن جرير بن حازم - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (3) .
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ، تأويلُ ابن عباس ومن قال بقوله. ومعنى ذلك : فقال أنبئوني بأسماء من عرضتُه عليكم أيتها الملائكة - القائلون : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من غيرنا ، أم منا ؟ فنحن نسبح بحمدك
__________
(1) الخبر : 671 - مختصر من الخبر السالف رقم 606 ، وانظر التعليق ، هناك على هذه الفقرة . وانظر الشوكاني 1 : 52 .
(2) الخبر : 672 - مختصر من الخبر السالف رقم 607 ، وابن كثير 1 : 133 ، والدر المنثور 1 : 50 ، والشوكاني 1 : 52 .
(3) الأثر : 673 - مختصر من الأثر السالف رقم 611 ، وابن كثير 1 : 133 .

(1/490)


ونقدس لك ؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني ، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي ، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم ، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه ؛ فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بَعدُ ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين ، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم ، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي.
وهذا الفعل من الله جل ثناؤه بملائكته - الذين قالوا له : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، من جهة عتابه جل ذكره إياهم - نظيرُ قوله جل جلاله لنبيه نوح صلوات الله عليه إذ قال : ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) [سورة هود : 45] - : لا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (1) . فكذلك الملائكة سألت ربها أن تكون خُلفاءه في الأرض ليسبّحوه ويقدسوه فيها ، إذ كان ذرية من أخبرهم أنه جاعلُه في الأرض خليفةً ، يفسدون فيها ويسفكون الدماء ، فقال لهم جل ذكره : " إني أعلم ما لا تعلمون " . يعني بذلك : إني أعلم أنّ بعضكم فاتِحُ المعاصي وخاتِمُها ، وهو إبليس ، منكرًا بذلك تعالى ذكره قولهم. ثم عرّفهم موضع هَفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك ، بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانًا ، - فكيف بما لم يروه ولم يُخبَروا عنه ؟ - بعرَضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ ، وقيله لهم : " أنبئوني
__________
(1) في المطبوعة : " وأنت أحكم الحاكمين فلا تسألن " ، وهو خطأ فاحش ، فإن الآية التي تلي قوله : " وأنت أحكم الحاكمين " : " قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم . . . " ، ولم يرد الطبري أن يسوق الآيتين ، بل ساق قول الله سبحانه لنبيه حين قال ما قال . والصواب ما في المخطوطة كما أثبتناه .

(1/491)


بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبّحتموني وقدستموني ، وإن استخلفت فيها غيرَكم عَصَاني ذُريته وأفسدوا وسفكوا الدماء. فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم ، وبدت لهم هَفوة زَلتهم ، أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " ، فسارعوا الرجعة من الهفوة ، وبادروا الإنابة من الزلة ، كما قال نوح - حين عوتب في مَسئلته فقيل له : لا تسأَلْنِ ما ليس لك به علم (1) - : ( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [سورة هود : 47]. وكذلك فعلُ كل مسدَّد للحق موفَّق له - سريعة إلى الحق إنابته ، قريبة إليه أوْبته.
وقد زعم بعض نحويّي أهل البصرة أنّ قوله : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " ، لم يكن ذلك لأن الملائكة ادّعوا شيئا ، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ، وعلمه بذلك وفضله ، فقال : " أنبئوني إن كنتم صادقين " - كما يقول الرجل للرجل : " أنبئني بهذا إن كنت تعلم " . وهو يعلم أنه لا يعلم ، يريد أنه جاهلٌ.
وهذا قول إذا تدبره متدبر ، علم أن بعضَه مُفسدٌ بعضًا. وذلك أن قائله زعم أن الله جل ثناؤه قال للملائكة - إذ عرَض عليهم أهل الأسماء - : أنبئوني بأسماء هؤلاء ، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ، ولا هم ادّعوا علم شيء يوجب أن يُوبَّخوا بهذا القول.
وزعم أن قوله : " إن كنتم صادقين " نظير قول الرجل للرجل : " أنبئني بهذا إن كنت تعلم " . وهو يعلم أنه لا يعلم ، يريد أنه جاهل.
ولا شك أن معنى قوله : " إن كنتم صادقين " إنما هو : إن كنتم صادقين ، إمّا في قولكم ، وإما في فعلكم. لأن الصّدق في كلام العرب ، إنما هو صدق في الخبر لا في
__________
(1) في المطبوعة هنا أيضًا : " فلا تسألن " .

(1/492)


قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

العلم. وذلك أنه غير معقول في لغة من اللغات أن يقال : صدَق الرجل بمعنى علم. فإذْ كان ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون الله جل ثناؤه قال للملائكة - على تأويل قول هذا الذي حكينا قوله في هذه الآية - : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " وهو يعلم أنهم غيرُ صادقين ، يريد بذلك أنهم كاذبون. وذلك هو عين ما أنكره ، لأنه زعم أن الملائكة لم تدَّع شيئًا ، فكيف جاز أن يقال لهم : إن كنتم صَادقين ، فأنبئوني بأسماء هؤلاء ؟ هذا مع خروج هذا القول - الذي حكيناه عن صاحبه - من أقوال جميع المتقدمين والمتأخرين من أهل التأويل والتفسير.
وقد حُكي عن بعض أهل التفسير أنه كان يتأول قوله : " إن كنتم صادقين " بمعنى : إذْ كنتم صادقين.
ولو كانت " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع ، لوجب أن تكون قراءتها بفتح ألفها ، لأن " إذ " إذا تقدّمها فعل مُستقبل صارت علة للفعل وسببًا له. وذلك كقول القائل : " أقوم إذ قمت " . فمعناه أقوم من أجل أنّك قمت. والأمرُ بمعنى الاستقبال ، فمعنى الكلام - لو كانت " إن " بمعنى " إذ " - : أنبئوني بأسماء هؤلاء من أجل أنكم صادقون. فإذا وُضعت " إن " مكان ذلك قيل : أنبئوني بأسماء هؤلاء أنْ كنتم صَادقين ، مفتوحةَ الألف. وفي إجماع جميع قُرّاء أهل الإسلام على كسر الألف من " إنْ " ، دليل واضح على خطأ تأويل من تأول " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته ، بالأوبة إليه ، وتسليم علم ما لم يعلموه له ، وتبرِّيهم من أن يعلموا أو يعلم أحد شيئًا إلا ما علّمه تعالى ذكره.

(1/493)


وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبرَ ، والذكرى لمن ادّكر ، والبيان لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيد ، عمّا أودع الله جل ثناؤه آيَ هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن.
وذلك أن الله جل ثناؤه احتجّ فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظَهْرَانَيْه من يَهود بني إسرائيل ، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن جل ثناؤه أطلعَ عليها من خلقه إلا خاصًّا ، ولم يكن مُدرَكًا علمه إلا بالإنباء والإخبار ، لتتقرر عندهم صحة نبوته ، ويعلموا أن ما أتاهم به فمن عنده ، ودلّ فيها على أنّ كل مخبر خبرًا عما قد كان - أو عما هو كائن مما لم يكنْ ، ولم يأته به خبر ، ولم يُوضَع له على صحّته برهان ، - فمتقوّلٌ ما يستوجبُ به من ربه العقوبة. ألا ترى أنّ الله جل ذكره ردّ على ملائكته قِيلَهم : " أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماءَ ونَحنُ نُسبح بحمدك ونقدسُ لك " قال : " إني أعلمُ ما لا تعلمونَ " ، وعرفهم أن قِيلَ ذلك لم يكن جائزًا لهم ، بما عرّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء ، فقال : " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتمْ صادقين " . فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجز ، والتبرِّي إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم ، بقولهم : " سبحانك لا عِلْمَ لنا إلا ما علّمتنا " . فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة ، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة (1) . وذكَّر بها الذين
__________
(1) الحزاة جمع حاز : وهو كالكاهن ، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه . ويقال للذي ينظر في النجوم ويتكهن حاز وحزاء ، وفي حديث هرقل أنه " كان حزاء " ، وفي الحديث : " كان لفرعون حاز " ، أي كاهن . والكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار . وفي المطبوعة " والقافة " مكان " والعافة " ، وهو خطأ بين ، فالقيافة ليست مما أراد الطبري في شيء ، وهي حق ، لا باطل كباطل التحزي والكهانة والتنجيم . والعافة جمع عائف : وهو الذي يعيف الطير فيزجرها ويتفاءل أو يتشاءم بأسمائها وأصواتها وممرها . واسم حرفته : العيافة ، وفي الحديث : " العيافة والطرق من الجبت " . وهو ضرب من الكهانة . والمنجم والمتنجم : الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها ، ثم يربط بين ذلك وبين أحوال الدنيا والناس ، فيقول بالظن في غيب أمورهم .

(1/494)


وَصَفنا أمرَهم من أهل الكتاب - سوالفَ نعمه على آبائهم ، وأياديَه عند أسلافهم ، عند إنابتهم إليه ، وإقبالهم إلى طاعته ، مُستعطفَهم بذلك إلى الرشاد ، ومُستعتِبَهم به إلى النجاة. وحذَّرهم - بالإصرار والتمادي في البغي والضلال - حلولَ العقاب بهم ، نظيرَ ما أحلّ بعدوِّه إبليس ، إذ تمادَى في الغيّ والخَسَار (1)
قال : وأما تأويل قوله : " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " ، فهو كما : -
674 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " قالوا سبحانك " تنزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيبَ غيرُه ، تُبنا إليك " لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا " ، تبرِّيًا منهم من علم الغيب ، " إلا ما علَّمتنا " كما علمت آدم (2) .
وسُبحان مصدر لا تصرُّف له (3) . ومعناه : نسبِّحك ، كأنهم قالوا : نسبحك تسبيحًا ، وننزهك تنزيهًا ، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : أنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن ، والعالم للغيوب دون جميع خلقك. وذلك أنّهم نَفَوْا عن أنفسهم بقولهم : " لا علمٌ لنا إلا ما علَّمتنا " ، أن يكون لهم علم إلا ما علمهم ربهم ، وأثبتوا ما نَفَوْا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم : " إنك أنتَ العليم " ،
__________
(1) في المطبوعة : " في البغي والخسار " ، والصواب ما في المخطوطة .
(2) الخبر : 674 - مختصر من الخبر رقم : 606 . وفي المطبوعة هنا " تبرؤًا منهم " .
(3) انظر ما مضى : ص 474 التعليق رقم : 3 .

(1/495)


قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

يعنون بذلك العالم من غير تعليم ، إذ كان مَنْ سوَاك لا يعلم شيئًا إلا بتعليم غيره إياه. والحكيم : هو ذو الحكمة. كما : -
675 - حدثني به المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : " العليم " الذي قد كمل في علمه ، و " الحكيم " الذي قد كمل في حُكمه (1) .
وقد قيل ، إن معنى الحكيم : الحاكم ، كما أنّ العليم بمعنى العالم ، والخبير بمعنى الخابر.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ }
قال أبو جعفر : إن الله جل ثناؤه عَرّف ملائكته - الذين سألوه أن يجعلهم الخلفاء في الأرض ، ووصَفوا أنفسهم بطاعته والخضوع لأمره ، دونَ غيرهم الذين يُفسدون فيها ويسفكون الدماء - أنهم ، من الجهل بمواقع تدبيره ومحلّ قَضَائه ، قَبل إطلاعه إياهم عليه ، على نحو جهلهم بأسماء الذين عَرَضهم عليهم ، إذ كان ذلك مما لم يعلمهم فيعلموه ، وأنهم وغيرهم من العباد لا يعلمون من العلم إلا ما علَّمهم إياه ربهم ، وأنّه يخص بما شاء من العلم من شاء من الخلق ، ويمنعه منهم من شاء ، كما علم آدم أسماء ما عرض على الملائكة ، ومنعهم علمها إلا بعد تعليمه إياهم.
فأما تأويل قوله : " قال يا آدم أنبئهم " ، يقول : أخبر الملائكةَ ، والهاء والميم في قوله : " أنبئهم " عائدتان على الملائكة. وقوله : " بأسمائهم " يعني بأسماء الذين عَرَضهم على الملائكة ، والهاء والميم اللتان في " أسمائهم " كناية عن ذكر
__________
(1) الخبر : 675 في الدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

(1/496)


" هؤلاء " التي في قوله : " أنبئوني بأسماء هؤلاء " . " فلما أنبأهم " يقول : فلما أخبر آدمُ الملائكةَ بأسماء الذين عرضهم عليهم ، فلم يَعرفوا أسماءهم ، وأيقنوا خَطأ قيلهم : " أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفك الدماءَ ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك " ، وأنهم قَد هَفوْا في ذلك وقالوا ما لا يعلمون كيفية وقوع قضاء ربهم في ذلك لو وقع ، على ما نطقوا به ، - قال لهم ربهم : " ألم أقلْ لكُم إنّي أعلمُ غَيبَ السموات والأرض " . والغيب : هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه ؛ توبيخًا من الله جل ثناؤه لهم بذلك ، على ما سلف من قيلهم ، وَفرَط منهم من خطأ مَسألتهم. كما : -
676 - حدثنا به محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " قال يا آدمُ أنبئهم بأسمائهم " ، يقول : أخبرهم بأسمائهم - " فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقلْ لكم " أيها الملائكة خَاصة " إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض " ولا يعلمه غيري (1) .
677 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قصة الملائكة وآدم : فقال الله للملائكة : كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم ، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندي قد علمتُه ، فكذلك أخفيتُ عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يُطيعني ، قال : وَسبقَ من الله : ( لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) [سورة هود : 119 ، وسورة السجدة : 13] ، قال : ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه. قال : فلما رأوْا ما أعطى الله آدمَ من العلم أقروا لآدم بالفضل (2) .
* * *
__________
(1) الخبر : 676 - مختصر من الخبر السالف رقم : 606 .
(2) الأثر : 677 - في ابن كثير 1 : 135 . في المخطوطة : " علم بما أردت . . . هذا عبدي " .

(1/497)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فرُوي عن ابن عباس في ذلك ما : -
678 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " وأعلم ما تبدون " يقول : ما تظهرون ، " وما كنتم تكتمون " يقول : أعلم السرّ كما أعلم العلانية. يعني : ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار (1) .
679 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " وأعلمُ ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، قال : قولهم : " أتجعل فيها من يُفسد فيها " ، فهذا الذي أبدوْا ، " وما كنتم تكتمون " ، يعني ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبْر (2) .
680 - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، قوله : " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون " ، قال : ما أسرّ إبليس في نفسه (3) .
__________
(1) الخبر : 678 - في ابن كثير 1 : 135 ، والدر المنثور 1 : 50 ، والشوكاني 1 : 52 .
(2) الخبر : 679 - في ابن كثير 1 : 135 ، والدر المنثور 1 : 50 والشوكاني 1 : 52 ، وهو مختصر الخبر السالف رقم : 606 .
(3) الأثر : 680 - لم أجده في مكان . وقد مضى في : 641 ترجمة " عمرو بن ثابت " وأبيه . وبينا ما في ذلك من شبهة الخطأ في قوله " عن جده " . وهذا الإسناد هنا صواب ، لأن " ثابت ابن هرمز " معروف بالرواية عن سعيد بن جبير .

(1/498)


681 - وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان في قوله : " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون " ، قال : ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبْر ألا يسجد لآدم (1) .
682 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : أخبرنا الحجاج الأنماطي ، قال : حدثنا مهدي بن ميمون ، قال : سمعت الحسن بن دينار ، قال للحسن - ونحن جُلوس عنده في منزله - : يا أبا سَعيد ، أرأيتَ قول الله للملائكة : " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، ما الذي كتمت الملائكة ؟ فقال الحسن : إن الله لمّا خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا ، فكأنهم دَخلهم من ذلك شيء ، فأقبل بعضهم إلى بعض ، وأسرّوا ذلك بينهم ، فقالوا : وما يُهمكم من هذا المخلوق! إن الله لن يخلق خَلقا إلا كنا أكرمَ عليه منه (2) .
683 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عَبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، قال : أسرّوا بينهم فقالوا : يخلق الله ما يشاءُ أن يخلُق ، فلن يخلُق خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه (3) .
684 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي
__________
(1) الأثر : 681 - لم أجده في مكان .
(2) الأثر : 682 - في الدر المنثور 1 : 50 . و " الحجاج الأنماطي " : هو الحجاج ابن المنهال ، وهو ثقة من شيوخ البخاري والدارمي وغيرهما . و " مهدي بن ميمون " : ثقة معروف ، روى عن الحسن البصري ، وابن سيرين وغيرهما . وهو في هذا الإسناد يصرح بأنه سمع جواب الحسن البصري ، حين سأله الحسن بن دينار . وقد نبهت على هذا ، خشية أن يظن أنه من رواية مهدي عن الحسن بن دينار . والحسن بن دينار : كذاب لا يوثق به . وله ترجمة حافلة بالمنكرات والموضوعات - في كتاب المجروحين لابن حبان ، رقم : 208 ، والميزان ، ولسان الميزان ، والتهذيب ، وترجم له البخاري في الكبير 1/2/290 - 291 ، والصغير : 185 ، وابن أبي حاتم 1/2/11 - 12 ، وابن سعد 7/2/37 .
(3) الأثر : 683 - في الدر المنثور 1 : 50 ، بلفظ آخر ، منسوبًا للطبري " عن قتادة والحسن " .

(1/499)


جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون " ، فكان الذي أبدَوْا حين قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ، وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن يخلق ربّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم (1) .
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو أن معنى قوله : " وأعلم ما تُبدون " ، وأعلم - مع علمي غيبَ السموات والأرض - ما تُظهرون بألسنتكم ، " وما كنتم تكتمون " ، وما كنتم تخفونه في أنفسكم ، فلا يخفى عليّ شيء ، سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه ، وهو قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك " ؛ والذي كانوا يكتمونه ، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره ، والتكبُّر عن طاعته. لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غيرُ خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت ، وهو ما قلنا ، والآخرُ ما ذكرنا من قول الحسن وقتادة ، ومن قال إن معنى ذلك كتمانُ الملائكة بينهم لن يخلق الله خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه. فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إلا أحد القولين اللذين وصفت ، ثم كان أحدهُما غيرَ موجودةٍ على صحته الدّلالةُ من الوجه الذي يجب التسليم له - صح الوجهُ الآخر.
فالذي حكي عن الحسن وقتادة ومن قال بقولهما في تأويل ذلك ، غيرُ موجودةٍ الدلالةُ على صحته من الكتاب ، ولا من خبر يجب به حجة. والذي قاله ابن عباس يدلّ على صحته خبرُ الله جل ثناؤه عن إبليس وعصيانه إياه ، إذْ دعاه إلى السجود لآدم فأبى واستكبر ، وإظهارُه لسائر الملائكة من معصيته وكبره ، ما كان له كاتمًا قبل ذلك.
فإن ظن ظانٌّ أنّ الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمونه ، لمّا كان
__________
(1) الأثر : 684 - في ابن كثير 1 : 135 .

(1/500)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

خارجًا مخرج الخبر عن الجميع ، كان غيرَ جائز أن يكون ما رُوي في تأويل ذلك عن ابن عباس - ومن قال بقوله : من أن ذلك خبر عن كتمان إبليس الكبْرَ والمعصية - صحيحًا ، فقد ظن غير الصواب. وذلك أنّ من شأن العرب ، إذا أخبرتْ خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه ، أن تخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن جميعهم ، وذلك كقولهم : " قُتل الجيش وهُزموا " ، وإنما قتل الواحد أو البعض منهم ، وهزم الواحد أو البعض. فتخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم ، كما قال جل ثناؤه : ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [سورة الحجرات : 4] ، ذُكر أن الذي نادَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية فيه - كان رجلا من جماعة بني تميم ، كانوا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخرج الخبر عنه مُخرج الخبر عن الجماعة. فكذلك قوله : " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، أخرج الخبر مُخرج الخبر عن الجميع ، والمراد به الواحد منهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) }
قال أبو جعفر : أمّا قوله : " وإذ قلنا " فمعطوف على قوله : " وإذ قال ربّك للملائكة " ، كأنه قال جل ذكره لليهود - الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل ، معددًا عليهم نعَمه ، ومذكِّرهم آلاءه ، على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل - : اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم.

(1/501)


فخلقت لكم ما في الأرض جميعًا ، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ، فكرمت أباكم آدمَ بما آتيته من عِلمي وفضْلي وكرَامتي ، وإذْ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبليس ، فدلّ باستثنائه إياه منهم على أنه منهم ، وأنه ممن قد أمِر بالسجود معهم ، كما قال جل ثناؤه : ( إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) [سورة الأعراف : 11 - 12] ، فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمرَه من الملائكة بالسجود لآدمَ. ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لآدمَ ، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره ، ونفى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.
ثم اختلف أهل التأويل فيه : هل هو من الملائكة ، أم هو من غيرها ؟ فقال بعضهم بما : -
685 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم " الحِن " ، خلقوا من نار السَّموم من بين الملائكة. قال : فكان اسمه الحارث. قال : وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال : وخلقت الملائكة من نورٍ غير هذا الحيّ. قال : وخلقت الجنّ الذي ذكروا في القرآن من مارج من نار ، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت (1) .
686 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس ، عن ابن عباس. قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصيةَ من الملائكة اسمه " عزازيل " ، وكان من سكان الأرض ، وكان من أشد الملائكة
__________
(1) الخبر : 685 - مضى بتمامه في الخبر السالف رقم : 606 ، وفي ابن كثير 1 : 136 ، وفيهما معًا " إذا ألهبت " . وأعاده ابن كثير 5 : 296 . وفيه كما هنا " التهبت " . وفيه " الجن " بالجيم ، وانظر ما مضى ص : 455 تعليق : 1 .

(1/502)


اجتهادًا وأكثرهم علمًا ، فذلك دعاه إلى الكبر ، وكان من حيّ يسمون جنا (1) .
687 - وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس ، أو مجاهد أبي الحجاج ، عن ابن عباس وغيره بنحوه ، إلا أنه قال : كان ملكًا من الملائكة اسمه " عزازيل " ، وكان من سكان الأرض وعُمَّارها ، وكان سكان الأرض فيهم يسمون " الجنَّ " من بين الملائكة (2) .
688 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : جعل إبليس على مُلك سماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم " الجنّ " ، وإنما سُمُّوا الجن لأنهم خُزَّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنًا (3) .
689 - وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا حسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : قال ابن عباس : كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنًا على الجنان ، وكان له سلطانُ سماء الدنيا ، وكان له سلطانُ الأرض. قال : قال ابن عباس : وقوله : ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) [سورة الكهف : 50] إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنًا عليها ، كما يقال للرجل مكي ومدَنيّ وكوفيّ وبصريّ. (4) .
قال ابن جُريج ، وقال آخرون : هم سبط من الملائكة قَبيلِه ، فكان اسم قبيلته الجن.
__________
(1) الخبر : 686 في ابن كثير 1 : 139 و 5 : 296 ، والدر المنثور 1 : 150 ، والشوكاني 1 : 53 . وخلاد : هو ابن عبد الرحمن الصنعاني ، وهو ثقة ، ويروى عن طاوس ومجاهد مباشرة ، ولكنه روى عنهما ، هنا وفي الخبر التالي ، بواسطة عطاء .
(2) الخبر : 687 - في ابن كثير 1 : 139 عقب الذي قبله .
(3) الخبر : 688 - مختصر من الأثر السالف رقم : 607 .
(4) الخبر : 689 - في ابن كثير 1 : 139 و 5 : 296 ، والدر المنثور 1 : 178 .

(1/503)


690 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن صالح مولى التَّوْأمة ، وشريك بن أبي نَمِر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس ، قال : إن من الملائكة قبيلةً من الجن ، وكان إبليس منها ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض (1) .
691 - وحدثت عن الحسن بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : أخبرنا عُبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك بن مُزَاحم يقولُ في قوله : ( فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) [سورة الكهف : 50] ، قال : كان ابن عباس يقول : إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة. ثم ذكر مثل حديث ابن جُريج الأول سواء (2) .
692 - وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني شيبان ، قال حدثنا سلام بن مسكين ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان إبليس رئيسَ ملائكة سماء الدنيا (3) .
693 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) [سورة الكهف : 50] ، كان من قبيل من الملائكة يقال لهم " الجن " ،
__________
(1) الخبر : 690 - في ابن كثير 5 : 296 - 297 ، وفيه زيادة هناك . وسيأتي بإسناد آخر مطولا : 700 .
(2) الخبر : 691 - الحسن بن الفرج : لم أعرف من هو ؟ وأبو معاذ الفضل بن خالد : هو النحوي المروزي ، وهو ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمه ابن أبي حاتم 3/2/61 ، وياقوت في الأدباء 6 : 140 ، والسيوطي في البغية : 373 . وقال ياقوت : " روى عنه الأزهري في كتاب التهذيب ، فأكثر " . وليس يريد بذلك رواية السماع ، بل يريد أنه روى آراءه أو نقله في اللغة . أما رواية السماع فلا . لأن الفضل هذا مات سنة 211 ، والأزهري ولد سنة 282 . فهذا كلام موهم ؛ ولم يكن يجدر بالسيوطي - وهو محدث - أن يتبعه دون تأمل!
(3) الأثر : 692 - في ابن كثير 1 : 139 . شيبان : هو ابن فروخ ، وهو ثقة . سلام بن مسكين الأزدي : ثقة ، أخرج له الشيخان .

(1/504)


وكان ابن عباس يقول : لو لم يكن من الملائكة لم يُؤمر بالسجود ، وكان على خِزانة سماء الدنيا ، قال : وكان قتادة يقول : جَنَّ عن طاعة ربه (1) .
694 - وحدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " إلا إبليسَ كان من الجن " قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن (2) .
695 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : أما العرب فيقولون : ما الجنّ إلا كل من اجتَنَّ فلم يُرَ. وأما قوله : " إلا إبليس من كان من الجن " أي كان من الملائكة ، وذلك أن الملائكة اجتنُّوا فلم يُرَوْا. وقد قال الله جل ثناؤه : ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) [سورة الصافات : 158] ، وذلك لقول قريش : إن الملائكة بناتُ الله ، فيقول الله : إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها ، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نسبًا. قال : وقد قال الأعشى ، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري ، وهو يذكر سليمانَ بن داود وما أعطاه الله :
وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ خَالِدًا أَوْ مُعَمَّرا... لَكَانَ سُلَيْمَانُ الْبَرِيءُ مِنَ الدَّهْرِ (3)
__________
(1) الأثر : 693 - لم نجده في مكان آخر .
(2) الأثر : 694 - لم نجده أيضًا . وقال الحافظ ابن كثير 5 : 297 - بعد أن نقل كثيرًا من الآثار في مثل هذه المعاني : " وقد روى في هذا آثار كثيرة عن السلف . وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها ، والله أعلم بحال كثير منها . ومنها ما قد يقطع بكذبه ، لمخالفته للحق الذي بأيدينا . وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المثقدمة ، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان ، وقد وضع فيها أشياء كثيرة . وليس لهم من الحفاظ المتقنين ، الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين - كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء ، والسادة والأتقياء ، والبررة والنجباء ، من الجهابذة النقاد ، والحفاظ الجياد . الذين دونوا الحديث وحرروه ، وبينوا صحيحه ، من حسنه ، من ضعيفه ، من منكره وموضوعه ، ومتروكه ومكذوبه . وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين ، +وغير ذلك من أصناف الرجال . كل ذلك صيانة للجناب النبوي ، والمقام المحمدي ، خاتم الرسل ، وسيد البشر ، صلى الله عليه وسلم - : أن ينسب إليه كذب ، أو يحدث عنه بما ليس منه . فرضى الله عنهم وأرضاهم ، وجعل جنات الفردوس مأواهم . وقد فعل " .
(3) ملحق ديوان الأعشى : 243 ، والأضداد لابن الأنباري : 293 . ولم يعن بالدهر هاهنا الأمد الممدود ، بل عني مصائب الدهر ونكباته ، كما قال عدى بن زيد ، وجعل مصائب الدهر هي الدهر نفسه : أَيُّهَا الشَّامِتُ المُعَيِّر بِالدَّ ... هْرِ أَأَنْتَ المبرَّأُ المَوْفُورُ

(1/505)


بَرَاهُ إِلَهِي وَاصْطَفَاهُ عِبَادَهُ... وَمَلَّكَهُ مَا بَيْنَ ثُرْيَا إِلَى مِصْرَ (1) وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلائِكِ تِسْعَةً... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أَجْرِ
قال : فأبت العربُ في لغتها إلا أنّ " الجن " كل ما اجتنَّ. يقول : ما سمَّى الله الجن إلا أنهم اجتنُّوا فلم يُرَوا ، وما سمّي بني آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا. فما ظهر فهو إنس ، وما اجتنّ فلم يُرَ فهو جنّ (2) .
وقال آخرون بما : -
696 - حدثنا به محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عين قطّ ، وإنه لأصل الجنّ ، كما أن آدم أصل الإنس (3) .
697 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن يقول في قوله : " إلا إبليس كانَ من الجن " ألجأه إلى نسبه (4) فقال الله : ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ) [سورة الكهف : 50] ، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم (5) .
698 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يحيى بن واضح ، قال : حدثنا
__________
(1) ثريا : هكذا ضبط في ملحق ديوان الأعشى ، ولم أعرف الموضع ولم أجده . ولم أهتد إلى تحريفه إن كان محرفًا . وفي الأضداد : " توفى " .
(2) الأثر : 695 - رواه مختصرًا صاحب الأضداد : 293 ، ولم أجده في مكان آخر .
(3) الأثر : 696 - في ابن كثير 1 : 139 و 5 : 296 . وقال : " وهذا إسناد صحيح عن الحسن " .
(4) في المطبوعة : " إلجاء إلى نسبه " ، وألجأه إلى نسبه : رده إليه . وانظر رقم : 655 .
(5) الأثر : 697 - لم أجده في مكان .

(1/506)


أبو سعيد اليحمَديّ ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا سَوار بن الجعد اليحمَديّ ، عن شَهر بن حَوْشب ، قوله : " من الجنّ " ، قال : كان إبليس من الجن الذين طرَدتهم الملائكة ، فأسرَه بعض الملائكة فذهب به إلى السماء (1) .
699 - وحدثني علي بن الحسين ، قال : حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال ، قال : حدثني سنيد بن داود ، قال حدثنا هشيم ، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن موسى بن نُمير ، وعثمان بن سعيد بن كامل ، عن سعد بن مسعود ، قال : كانت الملائكة تقاتل الجنّ ، فسُبِي إبليس وكان صغيرًا ، فكان مع الملائكة فتعبَّد معها ، فلما أمِروا بالسجود لآدم سجدوا. فأبى إبليس. فلذلك قال الله : " إلا إبليس كان من الجن " (2) .
700 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر ، عن صالح مولى التوأمة ، عن ابن عباس ، قال : إن منَ الملائكة قبيلا يقال لهم : الجن ، فكان إبليس منهم ، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض ، فعصَى ، فمسخه الله شيطانًا رجيما. (3)
701 - قال : وحدثنا يونس ، عن ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : إبليس أبو الجن ، كما آدم أبو الإنس (4) .
وعلة من قال هذه المقالة ، أن الله جل ثناؤه أخبرَ في كتابه أنه خلق إبليس من نار السَّموم ، ومن مارج من نار ، ولم يخبر عن الملائكة أنه خَلقها من شيء من ذلك ، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجنّ - فقالوا : فغيرُ جائز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا : ولإبليس نسلٌ وذرية ، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.
__________
(1) الأثر : 698 - في ابن كثير 1 : 139 .
(2) الأثر : 699 - في ابن كير 1 : 139 .
(3) الخبر : 700 - هو في ابن كثير 1 : 139 . وقد مضى نحوه مختصرًا ، بإسناد آخر : 690 .
(4) الأثر : 701 - لم أجده في مكان .

(1/507)


702 - حدثنا محمد بن سنان القزّاز ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن شَريك ، عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن الله خلق خلقًا ، فقال : اسجدوا لآدم : فقالوا : لا نفعل. فبعث الله عليهم نارًا تُحرقهم ، ثم خلق خلقًا آخر ، فقال : إني خالقٌ بشرًا من طين ، اسجدوا لآدم. فأبوا ، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم. قال : ثم خلق هؤلاء ، فقال : اسجدوا لآدم. فقالوا : نعم. وكان إبليسُ من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم (1) .
قال أبو جعفر : وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غيرُ مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خَلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه شَتَّى. فخلق بعضًا من نُور ، وبعضًا من نار ، وبعضًا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عَما خَلق منه ملائكته (2) ، وإخبارِه عما خلق منه إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن معناهم. إذْ كان جائزًا أن يكون خلق صِنفًا من ملائكته من نار كان منهم إبليس ، وأن يكون أفرد إبليس بأنْ خَلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غيرُ مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأنْ كان له نسل وذرية ، لِمَا ركَّب فيه من الشهوة واللذة التي نُزعت من سائر الملائكة ، لِمَا أراد الله به من المعصية. وأما خبرُ الله عن أنه " من الجن " ، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا - كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشى - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم ، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.
__________
(1) الأثر : 702 - في ابن كثير 1 : 139 ، والدر المنثور 1 : 50 وقال ابن كثير في إسناده : " وهذا غريب ، ولا يكاد يصح إسناده ، فإن فيه رجلا مبهمًا ، ومثله لا يحتج به ، والله أعلم " .
(2) في المطبوعة : " وليس فيما نزل الله جل ثناؤه . . . " ، وهو خطأ صرف . وقوله بعد : " وإخباره عما خلق منه إبليس " معطوف على قوله : " وفي ترك . . . " .

(1/508)


القول في معنى { إِبْلِيسَ }
قال أبو جعفر : وإبليس " إفعِيل " ، من الإبلاس ، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. كما : -
703 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : إبليس ، أبلسه الله من الخير كله ، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته (1) .
704 - وحدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ ، قال : كان اسم إبليس " الحارث " ، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا (2) .
قال أبو جعفر : وكما قال الله جل ثناؤه : ( فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [سورة الأنعام : 44] ، يعني به : أنهم آيسون من الخير ، نادمون حزنًا ، كما قال العجَّاج :
يَا صَاحِ ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا?... قَالَ : نَعَمْ ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا (3)
__________
(1) الخبر : 703 - مختصر من الخبر السالف رقم : 606 ، وهو في الدر المنثور 1 : 50 ، والشوكاني 1 : 53 .
(2) الأثر : 704 - في الدر المنثور 1 : 50 ، مقتصرًا على أوله إلى قوله : " الحارث " . وجاء النص في المطبوعة هكذا : " وإنما سمى إبليس حين أبلس فغير كما قال الله جل ثناؤه . . . " أسقطوا ما أثبتناه من المخطوطة ، لأنهم لم يحسنوا قراءة الكلمة الأخيرة ، فبدلوها ووصلوا الكلام بعد الحذف ، وهو تصرف معيب . وقوله : " متحيرًا " كتبت في المخطوطة ممجمجة هكذا " مجرا " غير معجمة . والإبلاس : الحيرة ، فكذلك قرأتها .
(3) ديوانه 1 : 31 ، والكامل 1 : 352 ، واللسان : (بلس) ، (كرس) . المكرس : الذي صار فيه الكرس ، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار . وأبلس الرجل : سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق .

(1/509)


وقال رؤبة :
وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ (1)
يعني به اكتئابًا وكسوفًا.
فإن قال قائل : فإن كان إبليس ، كما قلت ، " إفعيل " من الإبلاس ، فهلا صُرف وأجري ؟ قيل : تُرك إجراؤه استثقالا إذ كان اسمًا لا نظيرَ له من أسماء العرب ، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التي لا تُجرَى. وقد قالوا : مررت بإسحاق ، فلم يُجروه. وهو من " أسحقه الله إسحاقًا " ، إذْ كان وَقَع مبتدَأ اسمًا لغير العرب ، ثم تسمت به العرب فجرى مَجراه - وهو من أسماء العجم - في الإعراب فلم يصرف. وكذلك " أيوب " ، إنما هو " فيعول " من " آب يؤبُ " .
وتأويل قوله : " أبَى " ، يعني جل ثناؤه بذلك إبليس ، أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له. " واستكبر " ، يعني بذلك أنه تعظَّم وتكبَّر عن طاعة الله في السجود لآدم. وهذا ، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس ، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله ، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه ، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله ، والتذلل لطاعته ، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانيْ مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصِفته عارفين ، وبأنه لله رسولٌ عالمين. ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار بنبوّته ، والإذعان لطاعته ، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم الله بخبره عن إبليس
__________
(1) ديوانه : 67 ، واللسان (بلس) ، ورواية ديوانه " وعرفت يوم الخميس " . وبين البيتين بيت آخر هو : " وَقَدْ نَزَتْ بَيْنَ التَّرَاقِي الأَنْفَاسْ "

(1/510)


الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا ، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته ، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا.
ثم وَصَف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضرَبه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمرَه الله بالخضوع له ، فقال جل ثناؤه : " وكان " - يعني إبليس - " منَ الكافرين " - من الجاحدين نعمَ الله عليه وأياديَه عنده ، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم ، كما كفرت اليهود نعمَ ربِّها التي آتاها وآباءها قبلُ : من إطعام الله أسلافَهم المنّ والسلوى ، وإظلال الغمام عليهم ، وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم ، خصوصًا ما خصَّ الذين أدركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه ، ومشاهدتهم حجةَ الله عليهم ، فجحدت نبوّته بعد علمهم به ، ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا. فنسبه الله جل ثناؤه إلى " الكافرين " ، فجعله من عِدَادهم في الدين والملة ، وإن خالفهم في الجنس والنسبة. كما جعل أهل النفاق بعضَهم من بعض ، لاجتماعهم على النفاق ، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم ، فقال : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) [سورة التوبة : 67] يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال. فكذلك قوله في إبليس : كان من الكافرين ، كان منهم في الكُفر بالله ومخالفتِه أمرَه ، وإن كان مخالفًا جنسُه أجناسَهم ونسبُه نسبهم. ومعنى قوله : " وكان من الكافرين " أنه كان - حين أبَى عن السجود - من الكافرين حينئذ.
وقد رُوي عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية أنه كان يقول : في تأويل قوله : " وكان منَ الكافرين " ، في هذا الموضع ، وكان من العاصين.
705 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " وكان من الكافرين " ، يعني العاصين (1) .
__________
(1) الأثر 705 - في ابن كثير 1 : 140 .

(1/511)


وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

706 - وحُدّثت عن عمار بن الحسن ، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، بمثله.
وذلك شبيه بمعنى قولنا فيه.
وكان سجود الملائكة لآدم تكرمةً لآدم وطاعة لله ، لا عبادةً لآدم ، كما : -
707 - حدثنا به بشر بن معاذ : قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " ، فكانت الطاعة لله ، والسجدة لآدم ، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته. (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ }
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال : إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم ، وأُسكنها آدمُ قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض. ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول : " وقلنا يا آدمُ اسكنْ أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رَغدًا حيثُ شئتما ولا تَقربا هذه الشجرةَ فتكونا منَ الظالمين فأزلهما الشيطانُ عنها فأخرَجهما مما كانا فيه " . فقد تبين أن إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله بعد أن لُعِن وأظهرَ التكبر ، لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نُفخ فيه الروح ، وحينئذ كان امتناع إبليس من السجود له ، وعند الامتناع من ذلك حلَّت عليه اللعنة. كما : -
708 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن
__________
(1) الأثر : 707 - في ابن كثير 1 : 140 ، وفي الدر المنثور 1 : 50 مطولا .

(1/512)


ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجَه ، إلا عباده المخلصين منهم ، بعد أن لعنه الله ، وبعد أن أخرِج من الجنة ، وقبل أن يهبط إلى الأرض. وعلَّم الله آدم الأسماء كلها (1) .
709 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته ، وأبَى إلا المعصية وأوقع عليه اللعنة ، ثم أخرجه من الجنة ، أقبل على آدمَ وقد علّمه الأسماء كلها ، فقال : " يا آدم أنبئهم بأسمائهم " إلى قوله " إنك أنت العليم الحكيم " (2) .
ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي خُلقت لآدم زوجته ، والوقت الذي جعلت له سكنًا. فقال ابن عباس بما : -
710 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فأخرِج إبليسُ من الجنة حين لعن ، وأسكِن آدم الجنة. فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها ، فنام نومة فاستيقظ ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه ، فسألها : من أنت ؟ فقالت : امرأة. قال : ولم خلقت ؟ قالت : تسكن إليّ. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ علمه - : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء. قالوا : ولم سُميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حيّ. فقال الله له : " يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما " (3) .
__________
(1) الخبر : 708 - لم أجده في مكان .
(2) الأثر : 709 - لم أجده في مكان بنصه هذا ، لكنه من صدر الأثر الآتي بعد رقم : 711 .
(3) الأثر : 710 - في تاريخ الطبري 1 : 52 ، مع اختلاف في بعض اللفظ . وابن كثير 1 : 142 والشوكاني 1 : 56 ، وقوله : " وحشًا " أي ليس معه غيره ، خلوًا . ومكان وحش : خال .

(1/513)


فهذا الخبر يُنبئ أن حواء خُلقت بعد أن سَكن آدمُ الجنةَ ، فجعلت له سكنًا.
وقال آخرون : بل خُلقت قبل أن يسكن آدم الجنة.
* ذكر من قال ذلك :
711 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس ، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال : " يا آدم أنبئهم بأسمائهم " إلى قوله : " إنك أنت العليم الحكيم " . قال : ثم ألقى السِّنةَ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة ، وغيرهم من أهل العلم ، عن عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر ، ولأم مكانه لحمًا ، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته ، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء ، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها. فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته ، رآها إلى جنبه ، فقال - فيما يزعمون والله أعلم - : لحمي ودمِي وزوجتي ، فسكن إليها. فلما زوّجه الله تبارك وتعالى ، وَجعل له سكنًا من نفسه ، قال له ، قبيلا " يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين " (1)
قال أبو جعفر : ويقال لامرأة الرجل : زَوْجُه وزَوْجتُه ، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب ، فهو زوجُ المرأة (2) .
* * *
__________
(1) الأثر : 711 - في تاريخ الطبري 1 : 52 وابن كثير 1 : 141 - 142 . وقوله " قال له قبيلا " أي عيانًا . وفي حديث أبي ذر (ابن كثير 1 : 141) " قال : قلت يا رسول الله ؛ أرأيت آدم ؛ أنبيًّا كان ؟ قال : نعم نبيًّا رسولا يكلمه الله قبيلا - أي عيانًا " . وجاء هذا الحرف في المطبوعة : " قال له فتلا يا آدم اسكن . . . " وهو خطأ . وفي تاريخ الطبري " قال له قيلا يا آدم . . . " وهو أيضًا خطأ .
(2) انظر اختلافهم في ذلك في مادته (زوج) من لسان العرب .

(1/514)


القول في تأويل قوله : { وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا }
قال أبو جعفر : أما الرَّغَد ، فإنه الواسع من العيش ، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. يقال : أرْغد فلان : إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء ، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر :
بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا... يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ (1)
712 - وكما حدثني به موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، " وكلا منها رَغدا " ، قال : الرغد ، الهنيء. (2)
713 - وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " رغدًا " ، قال : لا حسابَ عليهم.
714 - وحدثنا المثنى ، قال حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد مثله.
715 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بَزَّة ، عن مجاهد : " وكلا منها رغدًا " ، أي لا حسابَ عليهم. (3)
716 - وحُدِّثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ،
__________
(1) لم أجد البيت فيما جمعوا من شعر امرئ القيس .
(2) الخبر : 712 - في الدر المنثور 1 : 52 ، والشوكاني 1 : 56 .
(3) الآثار : 713 - 715 في الدر المنثور 1 : 52 ، والشوكاني 1 : 56 .

(1/515)


عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " وكلا منها رغدًا حيث شئتما " ، قال : الرغد : سَعة المعيشة. (1)
فمعنى الآية وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا من العيش حيث شئتما.
717 - كما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما " ، ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق ، كتب على آدمَ ، كما ابتُلي الخلقُ قبله ، أن الله جل ثناؤه أحل له ما في الجنة أن يأكل منها رَغدا حيث شاء ، غيرَ شجرة واحدة نُهي عنها ، وقُدِّم إليه فيها ، فما زال به البلاء حتى وقع بالذي نُهي عنه. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ }
قال أبو جعفر : والشجر في كلام العرب : كلّ ما قام على ساق ، ومنه قول الله جل ثناؤه : ( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) [سورة الرحمن : 6] ، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت ، وبالشجر ما استقلّ على ساق.
ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم ، فقال بعضهم : هي السُّنبلة.
* ذكر من قال ذلك :
718 - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي ، قال : حدثنا عبد الحميد الحِمَّاني ،
__________
(1) الخبر : 716 - في الدر المنثور 1 : 52 والشوكاني 1 : 56 .
(2) الأثر : 717 - في الدر المنثور 1 : 53 من غير طريق الطبري . وقوله : " قدم إليه فيها " أي أمر فيها بأمر أن لا يقربها . ويقال : تقدمت إليه بكذا وقدمت إليه بكذا : أي أمرته بكذا .

(1/516)


عن النضر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم ، هي السنبلة. (1)
719 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمران بن عُتيبة - جميعًا عن حُصين ، عن أبي مالك ، في قوله : " ولا تقرَبا هذه الشجرة " ، قال : هي السنبلة.
720 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابن مهدي - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري - قالا جميعًا : حدثنا سفيان ، عن حصين ، عن أبي مالك ، مثله. (2)
721 - وحدثنا أبو كريب ، وابن وكيع ، قالا حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي ، عن عطية في قوله : " ولا تقربا هذه الشجرة " ، قال : السنبلة. (3)
722 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : الشجرة التي نُهي عنها آدم ، هي السنبلة. (4)
723 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا القاسم ، قال : حدثني رجل من بني تميم ، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجَلْد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدمُ ، والشجرة التي تاب عندها : فكتب إليه أبو الجلد : " سألتني عن الشجرة التي نُهي عنها آدم ، وهي السنبلة ، وسألتني
__________
(1) الخبر : 718 - في ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 وهو إسناد ضعيف . محمد بن إسماعيل الأحمسي سبق توثيقه : 405 عبد الحميد بن عبد الرحمن ، أبو يحيى الحماني : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره ، وأخرج له الشيخان . النضر : هو ابن عبد الرحمن ، أبو عمر الخزاز - بمعجمات - وهو ضعيف جدًّا ، قال البخاري في الكبير 4/2/91 : " منكر الحديث " . وروى ابن أبي حاتم 4/1/475 عن أحمد بن حنبل ، قال : " ليس بشيء ، ضعيف الحديث " ، وروي عن ابن معين أنه قال : " لا يحل لأحد أن يروي عنه " .
(2) الأثران : 719 ، 720 - في ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 53 .
(3) الأثر : 721 - عطية : هو العوفي . وقد أشار ابن كثير 1 : 142 إلى هذه الرواية عنه .
(4) الأثر : 722 - لم أجده في مكان .

(1/517)


عن الشجرة التي تاب عندها آدم ، وهي الزيتونة. (1)
724 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن رجل من أهل العلم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أنه كان يقول : الشجرة التي نُهي عنها آدمَ : البُرُّ (2) .
725 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، وابن المبارك ، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزَوجته ، السُّنبلة. (3)
726 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل اليمن ، عن وهب بن منبه اليماني ، أنه كان يقول : هي البُرُّ ، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر ، ألين من الزبد وأحلى من العسل. وأهل التوراة يقولون : هي البرّ. (4)
727 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة : أنه حُدِّث أنها الشجرةُ التي تحتكُّ بها الملائكة للخُلد.
728 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا ابن يَمانَ ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة ، عن محارب بنِ دثار ، قال : هي السنبلة.
729 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن يزيد بن إبراهيم ،
__________
(1) الخبر : 123 - في ابن كثير 1 : 142 ، وفي الأصول : " أبو الخلد " ، وانظر ما سلف في التعليق على الأثر رقم : 434 . وهذا الإسناد ضعيف ، لجهالة الرجل من بني تميم .
(2) الخبر : 724 - ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 52 ، والشوكاني 1 : 56 . والذي في ابن كثير : " عن رجل من أهل العلم ، عن حجاج ، عن مجاهد . . . " .
(3) الأثر : 725 - في ابن كثير 1 : 142 .
(4) الأثر : 726 - في ابن كثير 1 : 142 - 143 ، والدر المنثور 1 : 52 - 53 . ولكن ليس فيهما قوله " وأهل التوراة . . . " .

(1/518)


عن الحسن ، قال : هي السنبلة التي جعلها الله رزقًا لولده في الدنيا (1)
قال أبو جعفر : وقال آخرون : هي الكرمة.
* ذكر من قال ذلك :
730 - حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عبد الله ، عن إسرائيل ، عن السُّدّيّ ، عمن حدثه ، عن ابن عباس ، قال : هي الكرمة.
731 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " ولا تقرَبا هذه الشجرة " ، قال : هي الكرمة ، وتزعم اليهود أنها الحنطة.
732 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ ، قال : الشجرة هي الكَرْم.
733 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن جعدة بن هُبيرة ، قال : هو العِنَب في قوله : " ولا تقربا هذه الشجرة " .
734 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثني أبي ، عن خلاد الصفار ، عن بَيان ، عن الشعبي ، عن جعدة بن هُبيرة : " ولا تقرَبا هذه الشجرة " ، قال : الكرمُ.
735 - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثني الحسين ، قال : حدثنا خالد الواسطي ، عن بيان ، عن الشعبي ، عن جعدة بن هُبيرة : " ولا تقربا هذه الشجرة " ، قال : الكرم.
736 - وحدثنا ابن حميد ، وابن وكيع ، قالا حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن جعدة بن هُبيرة ، قال : الشجرة التي نُهي عنها آدم ، شجرة الخمر.
737 - وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا
__________
(1) الآثار : 727 - 729 : لم أجدها بلفظها في مكان .

(1/519)


عباد بن العوام ، قال : حدثنا سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مُسلم ، عن سعيد بن جبير ، قوله " ولا تقربا هذه الشجرة " ، قال : الكرم.
738 - وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن السُّدّيّ ، قال : العنب.
739 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ، قال : عِنَب (1) .
وقال آخرون : هي التِّينة.
* ذكر من قال ذلك :
740 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : تينة. (2)
قال أبو جعفر : والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجَه أكلا من الشجرة التي نهاهُما ربُّهما عن الأكل منها ، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها ، بعد أن بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها ، وأشار لهما إليها بقوله : " ولا تقربا هذه الشجرة " ، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن ، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كان نهيُه آدمَ أن يقربها ، بنصٍّ عليها باسمها ، ولا بدلالة عليها. ولو كان لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا ، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها ، ليطيعوه بعلمهم بها ، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا.
فالصواب في ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه نهى آدمَ وزوجته عن أكل
__________
(1) الآثار : 730 - 739 : مذكورة بلا تعيين في ابن كثير 1 : 142 ، والدر المنثور 1 : 53 والشوكاني 1 : 56 .
(2) الخبر : 740 - في ابن كثير 1 : 143 ، والدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 .

(1/520)


شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها ، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه ، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين ، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ، ولا في السنة الصحيحة. فأنَّى يأتي ذلك ؟ (1) وقد قيل : كانت شجرة البر ، وقيل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التين ، وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك عِلمٌ ، إذا عُلم لم ينفع العالمَ به علمه (2) ، وإن جهله جاهل لم يضرَّه جهلُه به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في تأويل قوله : " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " .
فقال بعض نحويّي الكوفيين : تأويل ذلك : ولا تقربَا هذه الشجرة ، فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين. فصار الثاني في موضع جواب الجزاء. وجوابُ الجزاء يعمل فيه أوّله ، كقولك : إن تَقُم أقُم ، فتجزم الثاني بجزم الأول. فكذلك قوله " فتكونا " ، لما وقعت الفاء في موضع شرط الأوّل نُصب بها ، وصُيرت
__________
(1) في المخطوطة خلاف ما في المطبوعة ، وهذا نصه " ولا علم عندنا بأي ذلك . وقد قيل كانت شجرة البر . . . " ، كأن الناسخ أسقط سطرا فاختل الكلام . وكان في المطبوعة : " فأنى يأتي ذلك من أتى " بزيادة قوله " من أتى " والظاهر أن التحريف قديم ، فإن ابن كثير نقل نص الطبري هذا في تفسيره 1 : 143 فحذف قوله : " فأنى يأتي ذلك " ، وقد استظهرت أن الصواب حذف " من أتى " ، ليكون الاستفهام منصبًّا على كيفية إتيان العلم بهذه الشجرة ، وليس في القرآن عليها دليل ولا في السنة الصحيحة . وأما الجملة كما جاءت في المطبوعة ، فهي فاسدة مفسدة لما أراد الطبري .
(2) في المطبوعة : " وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير (1 : 143) .

(1/521)


بمنزلة " كي " في نصبها الأفعال المستقبلة ، للزومها الاستقبال. إذ كان أصل الجزاء الاستقبال.
وقال بعض نحويّي أهل البصرة : تأويل ذلك : لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين. غير أنه زعم أنّ " أن " غير جائز إظهارها مع " لا " ، ولكنها مضمرة لا بد منها ، ليصح الكلام بعطف اسم - وهي " أن " - على الاسم. كما غير جائز في قولهم : " عسى أن يفعل " ، عسى الفعل. ولا في قولك : " ما كان ليفعل " : ما كان لأن يَفعل.
وهذا القولُ الثاني يُفسده إجماعُ جميعهم على تخطئة قول القائل : " سرني تقوم يا هذا " ، وهو يريد سرني قيامُك. فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل : " لا تقم " إذا كان المعنى : لا يكن منك قيام. وفي إجماع جميعهم - على صحة قول القائل : " لا تقم " ، وفساد قول القائل : " سرني تقوم " بمعنى سرني قيامك - الدليل الواضح على فسادِ دعوى المدعي أنّ مع " لا " التي في قوله : " ولا تقربا هذه الشجرة " ، ضمير " أن " - وصحةِ القول الآخر.
وفي قوله " فتكونا من الظالمين " ، وجهان من التأويل :
أحدهما أن يكون " فتكونا " في نية العطف على قوله " ولا تقربا " ، فيكون تأويله حينئذ : ولا تقربا هذه الشجرة ولا تكونا من الظالمين. فيكون " فتكونا " حينئذ في معنى الجزم مجزومًا بما جُزم به " ولا تقربا " ، كما يقول القائل : لا تُكلم عمرا ولا تؤذه ، وكما قال امرؤ القيس :
فُقُلْتُ لَهُ : صَوِّبْ وَلا تَجْهَدَنَّهُ... فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ (1)
فجزم " فيذرِك " بما جزم به " لا تجهدنه " ، كأنه كرّر النهي.
__________
(1) ديوانه ، من رواية الأعلم الشنتمري ، القصيدة رقم : 30 ، البيت : 26 . وفي معاني القرآن للفراء 1 : 26 ، ونسبه سيبويه في الكتاب 1 : 452 ، لعمرو بن عمار الطائي ، وسيذكره الطبري في (15 : 164 بولاق) غير منسوب ، ورواية سيبويه " فيدنك من أخرى القطاة " وقوله : " فقلت له " يعني غلامه ، وذكره قبل أبيات . وقوله : " صوب " ، أي خذ الفرس بالقصد في السير وأرفق به ولا تجهده بالعدو الشديد فيصرعك . أذراه عن فرسه : ألقاه وصرعه . والقطاة : مقعد الردف من الفرس . وأخرى القطاة : آخر المقعد . ورواية الشنتمري : " من أعلى القطاة " . وهما سواء .

(1/522)


والثاني أن يكون " فتكونا من الظالمين " ، بمعنى جواب النهي. فيكون تأويله حينئذ : لا تقربا هذه الشجرة ، فإنكما إن قَرَبتماها كنتما من الظالمين. كما تقول : لا تَشتمْ عمرًا فيشتُمك ، مجازاةً. فيكون " فتكونا " حينئذ في موضع نَصب ، إذْ كان حرفًا عطف على غير شكله ، لمّا كان في " ولا تقربا " حرف عامل فيه ، ولا يصلح إعادته في " فتكونا " ، فنصب على ما قد بينت في أول هذه المسألة.
وأما تأويل قوله : " فتكونا من الظالمين " ، فإنه يعني به فتكونا من المتعدِّين إلى غير ما أذِن لهم وأبيح لهم فيه ، وإنما عَنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة ، كنتما على منهاج من تعدَّى حُدودي ، وَعصى أمري ، واستحلَّ محارمي ، لأن الظالمين بعضُهم أولياء بعض ، والله وليّ المتقين.
وأصل " الظلم " في كلام العرب ، وضعُ الشيء في غير موضعه ، ومنه قول نابغة بني ذبيان :
إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ (1)
فجعل الأرض مظلومة ، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر ، فجعلها مظلومة ، لموضع الحفرة منها في غير موضعها. (2) ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث :
__________
(1) سلف تخريجه وشرحه في هذا الجزء : 183 .
(2) في المطبوعة : " لوضع الحفرة منها في غير موضعها " ، وفي المخطوطة أيضًا : " لموضع الحفر فيها في غير موضعها " .

(1/523)


فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)

ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ (1)
وظلمه إياه : مجيئه في غير أوانه ، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه : ظَلم الرجلُ جَزوره ، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه.
وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب ، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى. وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا }
قال أبو جعفر : اختلفت القَرَأة (2) في قراءة ذلك. فقرأته عامتهم ، " فأزلَّهما " بتشديد اللام ، بمعنى : استزلَّهما ، من قولك زلَّ الرجل في دينه : إذا هفا فيه وأخطأ ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره : إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه ، ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدم وزوجته من الجنة ، فقال : " فأخرجهما " يعني إبليس " مما كانا فيه " ، لأنه كانَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة.
وقرأه آخرون : " فأزَالهما " ، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء ، وذلك تنحيته عنه.
وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله : " فأزلهما " ، ما : -
__________
(1) جاء أيضًا في تفسيره (2 : 50 بولاق) منسوبًا لعمرو بن قميئة . وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني ، وهو في ديوان الحادرة ، قصيدة : 4 ، البيت رقم : 7 ، وشرح المفضليات : 54 . والبطاح جمع بطحاء وأبطح : وهو بطن الوادي . وأنهل المطر انهلالا : اشتد صوبه ووقعه . والحريصة والحارصة : السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض ، أي تقشره من شدة وقعها . والنطاف جمع نطفة : وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره . وقوله : " بعيد المقلع " : أي بعد أن أقلعت هذه السحابة . ورواية المفضليات : " ظلم البطاح له " وقوله : " له " : أي من أجله .
(2) في المطبوعة : " اختلف القراء " والقَرَأَة جمع قارئ ، وانظر ما مضى : 51 ، تعليق ، وص : 64 ، 109 وغيرهما .

(1/524)


741 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى : " فأزلهما الشيطان " قال : أغواهما. (1)
وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ : " فأزلَّهما " ، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه. بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه. وذلك هو معنى قوله " فأزالهما " ، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال : " فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه " فيكون كقوله : " فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكن المفهوم أن يقال : (2) فاستزلهما إبليسُ عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه : " فأزلهما الشيطان " ، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة.
فإن قال لنا قائل : وكيف كان استزلال إبليسُ آدمَ وزوجته ، حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة ؟
قيل : قد قالت العلماء في ذلك أقوالا سنذكر بعضها (3)
فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما : -
742 - حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرِب (4) قال : سمعت وهب بن منبه ، يقول : لما
__________
(1) الخبر : 741 - في الدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 .
(2) في المطبوعة : " لكن المعنى المفهوم " ، زاد ما لا جدوى فيه .
(3) في المطبوعة : " سنذكر " بغير واو .
(4) في المطبوعة : " عمرو " بدل " عمر " ، وفي المخطوطة وابن كثير : " مهران " ، بدل " مهرب " . وكلاهما خطأ ، صوابه ما أثبتنا : " عمر بن عبد الرحمن بن مهرب " ، فهذا الشيخ ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/1/121 ، وقال : " سمع وهب بن منبه ، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني ، وعبد الرزاق " . ثم روى عن يحيى بن معين ، قال : " عمر بن عبد الرحمن بن مهرب : ثقة " . ولم أجد له ترجمة أخرى . و " مهرب " : لم أجد نصًّا بضبطها في هذا النسب ، إلا قول صاحب القاموس أنهم سموا من مادة (هرب) بوزن " محسن " - يعني بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه . ووقع اسم هذا الشيخ محرفًا إلى شيخين ، في تاريخ الطبري 1 : 54 - في هذا الإسناد ، هكذا : " معمر عن عبد الرحمن بن مهران " !

(1/525)


أسكن الله آدمَ وذريته - أو زوجته - الشك من أبي جعفر : وهو في أصل كتابه " وذريته " - ونهاه عن الشجرة ، وكانت شجرةً غصونها متشعِّبٌ بعضها في بعض ، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم ، وهي الثمرة التي نَهى الله آدمَ عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية ، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة ، من أحسن دابة خلقها الله - فلما دخلت الحية الجنة ، خرج من جوفها إبليس ، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته ، فجاء بها إلى حواء (1) فقال : انظري إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحَها وأطيبَ طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواءُ فأكلَتْ منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت : انظرْ إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحها وأطيبَ طعمها وأحسنَ لونها! فأكل منها آدم ، فبدت لهما سوآتُهما. فدخل آدم في جوف الشجرة ، فناداه ربُّه يا آدم أين أنت ؟ قال : أنا هنا يا رب (2) ! قال : ألا تخرج ؟ قال : أستحيي منك يا رب. قال : ملعونة الأرض التي خُلقتَ منها لعنةً يتحوَّل ثمرها شوكًا. قال : ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرةٌ كان أفضل من الطَّلح والسِّدر ، ثم قال : يا حواء ، أنت التي غرَرْتِ عبدي ، فإنك لا تَحملين حَملا إلا حملته كَرْهًا ، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا. وقال للحية : أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي ، ملعونة أنتِ لعنة تَتحول قوائمك في بطنك ، ولا يكن لك رزق إلا التراب ، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك ، حيث لقيت أحدًا منهم أخذت بعقِبه ، وحيث لقيك شدَخ رأسك. قال عمر : (3) قيل لوهب : وما كانت الملائكة تأكل ؟ قال : يفعل الله ما يشاء (4) .
وروي عن ابن عباس نحو هذه القصة :
743 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما قال الله عز وجلّ لآدم : " اسكن أنتَ وزوجُك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين " ، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة ، فمنعته الخزَنة. فأتى الحية - وهي دابَّة لها أربعُ قوائم كأنها البعير ، وهي كأحسن الدواب - فكلمها أن تُدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم ، فأدخلته في فُقْمها - قال أبو جعفر : والفقم جانب الشدق (5) - فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر. فكلمه من فُقمها فلم يبال كلامه (6) ، فخرج إليه فقال : ( يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) [سورة طه : 120] يقول : هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت مَلِكًا مثل الله عز وجل ، أو تكونا من الخالدين (7) ، فلا تموتان أبدًا. وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين. وإنما أراد بذلك ليبديَ لهما ما تَوارى عنهما من سَوْآتهما بهتكِ لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة ، لما كان يقرأ من كتب الملائكة ، ولم يكن آدم يعلم ذلك. وكان لباسُهما الظُّفر ، فأبى آدم أن يأكل منها ، فتقدمت حواء فأكلت ، ثم قالت : يا آدم كُلْ! فإني قد أكلتُ فلم يضرَّني. فلما أكل آدم بدت لهما سوآتُهما وَطفقا يَخصفان عليهما من ورق الجنة (8) .
__________
(1) في المطبوعة : " فجاء به " ، والذي أثبتناه من المخطوطة وتاريخ الطبري .
(2) في المطبوعة : " أنا هنا يا رب " ، وأثبتناه ما في المخطوطة وتاريخ الطبري .
(3) في المطبوعة : " قال عمرو " ، وأثبتنا الصواب من المخطوطة ، ومما ذكرنا آنفًا .
(4) الأثر : 742 - في تاريخ الطبري 1 : 54 ، بهذا الإسناد ، وأوله في ابن كثير 1 : 143 .
(5) في المطبوعة وتاريخ الطبري 1 : 53 : " فأدخلته في فمها ، فمرت الحية . . . " ، وما أثبتناه من المخطوطة .
(6) في المطبوعة وتاريخ الطبري : " فكلمة من فمها " . وفي المطبوعة : " فلم يبال بكلامه " .
(7) في المخطوطة : " وتكونا من الخالدين " .
(8) الخبر : 743 . بنصه في تاريخ الطبري 1 : 53 ، وببعض الاختلاف في الدر المنثور 1 : 53 ، والشوكاني 1 : 56 .

(1/526)


744 - حُدِّثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : حدثني محدّث : أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم ، فكان يُرى أنه البعير ، قال : فلعِن ، فسقطت قوائمه فصار حيَّة. (1)
745 - وحُدِّثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : وحدثني أبو العالية أن منَ الإبل مَا كان أوّلها من الجن ، قال : فأبيحت له الجنة كلها إلا الشجرة (2) ، وقيل لهما : " لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " . قال : فأتى الشيطان حواء فبدأ بها ، فقال : أنُهيتما عن شيء ؟ قالت : نعم! عن هذه الشجرة فقال : ( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) [سورة الأعراف : 20] قال : فبدأت حواء فأكلت منها ، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال : وكانت شجرةً من أكل منها أحدث. قال : ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَث. قال : " فأزالهما الشيطان عَنها فأخرجهما مما كانا فيه " (3) ، قال : فأخرج آدم من الجنة (4) .
746 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم : أن آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها ، قال : لو أن خُلدًا كان! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه (5) ، فأتاه من قِبَل الخلد. (6) .
__________
(1) الأثر : 744 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .
(2) في تاريخ الطبري 1 : 55 ، زيادة سياقها : " . . . كلها - يعني آدم - إلا الشجرة " .
(3) في تاريخ الطبري 1 : 55 " فأزلهما الشيطان " .
(4) الأثر : 745 - في تاريخ الطبري 1 : 55
(5) في التاريخ : " لو أنا خلدنا " . وفي المطبوعة : " فاغتنمها منه الشيطان " ، لم يحسنوا قراءة المخطوطة فبدلوا الحرف ، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ . يقال : سمع مني كلمة فاغتمزها ، أي استضعفها ووجد فيها مغمزًا يعاب يؤتي من قبله .
(6) الأثر : 746 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .

(1/528)


747 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : حُدثت : أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما ، أنه ناح عليهما نياحَة أحزنتهما حين سمعاها ، فقالا ما يبكيك ؟ قال : أبكي عليكما ، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما. ثم أتاهما فوسوس إليهما ، فقال : يا آدم هَل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى ؟ وقال : " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " . أي تكونا مَلَكين ، أو تخلدَا ، إن لم تكونا ملكين (1) - في نعمة الجنة فلا تموتان. يقول الله جل ثناؤه : " فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ " (2) .
748 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها ، ثم حسَّنها في عين آدم. قال : فدعاها آدم لحاجته ، قالت : لا! إلا أن تأتي ههنا. فلما أتى قالت : لا! إلا أن تأكل من هذه الشجرة. قال : فأكلا منها فبدَت لهما سَوآتهما. قال : وذهب آدم هاربًا في الجنة ، فناداه ربه : يا آدم أمنِّي تفرّ ؟ قال : لا يا رب ، ولكن حياءً منك. قال : يا آدم أنَّى أُتِيت ؟ قال : من قِبَل حواء أي رب. فقال الله : فإن لها عليَّ أن أدميها في كل شهر مرة ، كما أدميت هذه الشجرة (3) ، وأن أجعلها سفيهةً فقد كنت خلقتها حَليمة ، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا ، فقد كنت جعلتها تحمل يُسرًا وتَضع يُسرًا. قال ابن زيد : ولولا البلية التي أصابت حوّاء. لكان نساء الدنيا لا يَحضن ، ولَكُنَّ حليماتٍ ، وكن يحملن يُسرًا ويضعن يسُرًا. (4)
__________
(1) في المخطوطة : " أي تكونا ملكين ، أو تخلدان إن لم . . . " وفي التاريخ 1 : 55 : " أي تكونان ملكين أو تخلدان - أي إن لم . . . " .
(2) الأثر : 747 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .
(3) في المخطوطة : " كما دمت هذه الشجرة " .
(4) الأثر : 748 - في تاريخ الطبري 1 : 55 .

(1/529)


749 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط ، عن سعيد بن المسيب ، قال : سمعته يحلف بالله ما يستثْني - ما أكل آدم من الشجرة وهو يَعقل ، ولكن حواء سقته الخمر ، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (1) .
750 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ليث بن أبي سُليم ، عن طاوس اليماني ، عن ابن عباس ، قال : إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دوابّ الأرض أيُّها يحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم وزوجته (2) ، فكلّ الدواب أبى ذلك عليه ، حتى كلّم الحية فقال لها : أمنعك من ابن آدم ، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتِني الجنة. فجعلته بين نابين من أنيابها ، ثم دخلت به ، فكلمهما من فيها ؛ وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم ، فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها. قال : يقول ابن عباس : اقتلوها حيث وَجَدتُموها ، أخفروا ذمَّةَ عدوّ الله فيها (3) .
751 - وحدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، قال قال ابن إسحاق : وأهل التوراة يدرُسون : إنما كلم آدمَ الحية ، ولم يفسروا كتفسير ابن عباس.
752 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن أبي مَعشر ، عن محمد بن قيس ، قال : نهى الله آدمَ وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة ، ويأكلا منها رَغدًا حيث شاءَا. فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية ، فكلم حواء ، ووسوس الشيطان إلى آدم فقال : " ما نهاكما رَبُّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن
__________
(1) الأثر : 749 - في تاريخ الطبري 1 : 55 - 56 ، وهو هناك تام .
(2) في المخطوطة والمطبوعة والدر المنثور : " أنها تحمله حتى يدخل . . . " ، وأثبت ما في تاريخ الطبري 1 : 54 ، فهو أجود وأصح .
(3) الخبر : 750 - في تاريخ الطبري 1 : 53 - 54 ، والدر المنثور 1 : 53 . وأخفر الذمة والعهد : نقضهما ، ولم يف بهما .

(1/530)


الناصحين " . قال : فقطعت (1) حواء الشجرة فدَميت الشجرة. وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، وناداهما ربهما : ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ) [سورة الأعراف : 22]. لم أكلتها وقد نهيتك عنها ؟ قال : يا رب أطعمتني حواء. قال لحواء : لم أطعمته ؟ قالت : أمرتني الحية. قال للحية : لم أمرتِها ؟ قالت : أمرني إبليس. قال : ملعونٌ مدحورٌ! أما أنت يا حواء فكما أدميْتِ الشجرة تَدْمَيْن (2) في كلّ هلال ، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريًا على وَجهك ، وَسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ (3) .
* * *
قال أبو جعفر : وقد رُويت هذه الأخبار - عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم - في صفة استزلال إبليس عدوِّ الله آدمَ وزوجتَه حتى أخرجهما من الجنة.
وأولى ذلك بالحق عندنا ما كان لكتاب الله مُوافقًا. وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما ، وأنه قال لهما : " ما نهاكما رَبكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين " ، وأنه " قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين " مُدلِّيًا لهما بغرور. ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما : إني لكما لمن الناصحين - الدليلُ الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه ، إما ظاهرًا لأعينهما ، وإما مستجِنًّا في غيره. وذلك أنه غير مَعقول في كلام العرب أن يقال : قاسم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا. إذا سبّب له سببًا وصل به إليه دون أن يحلف له. والحلف لا يكون بتسبب السبب. فكذلك قوله " فوسوس إليه الشيطان " ، لو كان ذلك كان منه إلى آدم - على نحو الذي منه إلى ذريته ، من تزيين أكل ما نهى الله آدم
__________
(1) في المطبوعة : " فعضت حواء الشجرة " ، وأثبتنا ما في المخطوطة وتاريخ الطبري 1 : 54 .
(2) في المطبوعة : " فتدمين " ، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ .
(3) الأثر : 752 - في تاريخ الطبري 1 : 54 .

(1/531)


عن أكله من الشجرة ، بغير مباشرة خطابه إياه بما استزلّه به من القول والحيل - لما قال جلّ ثناؤه : " وقاسمَهما إني لكما لمن الناصحين " . كما غير جائز أن يقول اليوم قائلٌ ممن أتى معصية : قاسمني إبليس أنه لي ناصحٌ فيما زيَّن لي من المعصية التي أتيتها. فكذلك الذي كان من آدمَ وزوجته ، لو كان على النحو الذي يكون فيما بين إبليس اليومَ وذرية آدم - لما قال جلّ ثناؤه : " وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " ، ولكن ذلك كان - إن شاء الله - على نحو ما قال ابن عباس ومن قال بقوله.
فأما سَبب وصوله إلى الجنة حتى كلم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها ، فليس فيما رُوي عن ابن عباس ووهب بن منبه في ذلك معنى يجوز لذي فهم مُدافعته ، إذ كان ذلك قولا لا يدفعه عقل ولا خبر يلزم تصديقه من حجة بخلافه (1) ، وهو من الأمور الممكنة. والقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبرنا الله جل ثناؤه (2) ؛ وممكن أن يكون وصل إلى ذلك بنحو الذي قاله المتأولون ، بل ذلك - إن شاء الله - كذلك ، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك. وإن كان ابن إسحاق قد قال في ذلك ما : -
753 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق في ذلك ، والله أعلم ، كما قال ابن عباس وأهل التوراة : إنه خَلص إلى آدم وزوجته بسُلطانه الذي جعل الله له ليبتلي به آدم وذريته ، وأنه يأتي ابن آدم في نَوْمته وفي يَقظته ، وفي كل حال من أحواله ، حتى يخلص إلى ما أراد منه ، حتى يدعوَه إلى المعصية ، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه. وقد قال الله عز وجلّ : " فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرَجهما مما كانا فيه " (3) ، وقال : ( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ
__________
(1) في المطبوعة : " إذا كان ذلك قولا لا يدفعه قول . . . " .
(2) في المطبوعة : " والقول في ذلك . . . " .
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " وقد قال الله فوسوس لهما الشيطان ، فأخرجهما مما كان فيه " ، وهذه ليست آية ، والصواب أنه أراد آية سورة البقرة هذه .

(1/532)


الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) [سورة الأعراف : 27] وقد قال الله لنبيه عليه السلام : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ ) إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الشيطان يجري من ابن آدمَ مَجرى الدم (1) . ثم قال ابن إسحاق (2) : وإنما أمرُ ابن آدم فيما بينه وبين عدوِّ الله ، كأمره فيما بينه وبين آدم. فقال الله : ( فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [سورة الأعراف : 13]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كلمهما ، كما قصَّ الله علينا من خبرهما ، فقال : ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) [سورة طه : 120] ، فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه - فالله أعلمُ أيّ ذلك كان - فتابا إلى ربهما.
* * *
قال أبو جعفر : وليس في يقين ابن إسحاق - لو كان قد أيقن في نفسه - أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر الله عنه أنه قال لهما وخاطبهما به ، ما يجوز لذي فهم الاعتراضُ به على ما ورد من القول مستفيضًا من أهل العلم ، مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم. فكيف بشكّه ؟ والله نسأل التوفيق.
* * *
__________
(1) حديث " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " - حديث صحيح جدًّا - رواه أحمد والشيخان وأبو داود ، من حديث أنس ، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه ، من حديث صفية ، وهي بنت حيي ، أم المؤمنين ، كما في الجامع الصغير : 2036 .
(2) في المطبوعة إسقاط : " ثم " .

(1/533)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ }
قال أبو جعفر : وأما تأويل قوله " فأخرجهما " ، فإنه يعني : فأخرج الشيطانُ آدمَ وزوجته ، " مما كانا " ، يعني مما كان فيه آدمُ وزوجته من رغد العيش في الجنة ، وسعة نعيمها الذي كانا فيه. وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان - وإن كان الله هو المخرجَ لهما - لأن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان ، فأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه (1) كما يقول القائل لرجل وَصل إليه منه أذى حتى تحوّل من أجله عن موضع كان يسكنه : " ما حوَّلني من موضعي الذي كنت فيه إلا أنت " ، ولم يكن منه له تحويل ، ولكنه لما كان تحوّله عن سبب منه ، جازَ له إضافة تحويله إليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ }
قال أبو جعفر : يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا ، إذا حلّ ذلك (2) كما قال الشاعر :
مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ... أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا (3)
__________
(1) في المطبوعة : " وأضيف ذلك . . . " .
(2) لعل صواب العبارة : " إذا حل ذلك الموضع " ، فسقطت كلمة من الناسخين .
(3) البيت لزهير بن أبي سلمى ، ديوانه : 37 ، أرمقهم : يعني أحبابه الراحلين ، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا ، والركاب : الإبل التي يرحل عليها . وراكس : واد في ديار بني سعد بن ثعلبة ، من بني أسد . وفلق وفالق : المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين ، وقالوا : فالق وفلق ، كما قالوا : يابس ويبس (بفتحتين) .

(1/534)


وقد أبان هذا القولُ من الله جل ثناؤه ، عن صحة ما قلنا من أنّ المخرِجَ آدمَ من الجنة هو الله جل ثناؤه ، وأن إضافة الله إلى إبليس ما أضاف إليه من إخراجهما ، كان على ما وصفنا. ودلّ بذلك أيضًا على أنّ هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس ، كان في وقت واحد ، بجَمْع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم ، بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته ، وتسبُّب إبليس ذلك لهما (1) ، على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم.
* * *
قال أبو جعفر : وقد اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله : " اهبطوا " ، مع إجماعهم على أن آدم وزوجته ممن عُني به.
754 - فحدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن أبي عَوَانة ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح : " اهبطوا بَعضُكم لبعض عَدوٌّ " ، قال : آدم وحواءُ وإبليس والحية (2) .
755 - حدثنا ابن وكيع ، وموسى بن هارون ، قالا حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ : " اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ " ، قال : فلعنَ الحية وقطع قوائمها وتركها تمشي على بطنها ، وجعل رزقها من التراب. وأهبِط إلى الأرض آدمُ وحواء وإبليس والحية (3) .
756 - وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد في قول الله : " اهبِطوا بعضكم لبعض عدو " ، قال : آدم وإبليس والحية (4) .
__________
(1) لعل الأجود : " وتسبيب إبليس ذلك لهما " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة .
(2) الأثر : 754 - في الدر المنثور 1 : 55 .
(3) الأثر : 755 - في تاريخ الطبري 1 : 56 ، والظاهر أن إسناده هنا سقط منه شيء ، وتمامه في التاريخ : " . . . عن السدي - في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهبطوا . . . " . وهو الإسناد الذي يكثر الطبري من الرواية به .
(4) الأثر : 756 - في تاريخ الطبري 1 : 56 .

(1/535)


757 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " ، آدم وإبليس والحية ، ذريةٌ بعضُهم أعداءٌ لبعضٍ.
758 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، عن مجاهد : " بعضكم لبعض عدوٌّ " ، قال : آدم وذريته ، وإبليس وذريته.
759 - وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " بعضكم لبعض عدوٌّ " قال : يعني إبليس وآدم. (1)
760 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن السُّدّيّ ، عمن حدثه عن ابن عباس في قوله : " اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ " قال : بعضهم لبعض عدوّ : آدم وحواء وإبليس والحية (2) .
761 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن مهديّ ، عن إسرائيل ، عن إسماعيل السُّدّيّ ، قال : حدثني من سمع ابن عباس يقول : " اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ " قال : آدم وحواء وإبليس والحية. (3)
762 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : " اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ " قال : لهما ولذريتهما. (4)
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وما كانت عداوة ما بين آدمَ وزوجته وإبليس والحية ؟
__________
(1) الآثار : 757 - 759 لم أجدها بإسنادها في مكان .
(2) الخبر : 760 - كالذي يليه من طريق آخر .
(3) الخبر : 761 - في تاريخ الطبري 1 : 56 .
(4) الأثر : 762 - لم أجده في مكان .

(1/536)


قيل : أما عداوة إبليس آدم وذريته ، فحسدهُ إياه ، واستكبارُه عن طاعة الله في السجود له حين قال لربه : ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) [سورة ص : 76]. وأما عداوة آدم وذريته إبليس ، فعداوةُ المؤمنين إياه لكفره بالله وعصيانه لربّه في تكبره عليه ومُخالفته أمرَه. وذلك من آدم ومؤمني ذريته إيمانٌ بالله. وأما عداوة إبليسَ آدمَ فكفرٌ بالله.
وأما عدَاوة ما بين آدم وذريته والحية ، فقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس ووهب بن منبه ، وذلك هي العداوة التي بيننا وبينها ، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : مَا سالمناهُنّ مُنذ حَاربْناهن ، فمن تركهنّ خشيةَ ثأرهنَّ فليس منَّا.
763 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثني حَجاج بن رِشْدين ، قال : حدثنا حَيْوة بن شُريح ، عن ابن عَجلانَ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما سَالمناهُنَّ مُنذ حارَبناهنّ ، فمن ترك شيئًا منهنّ خيفةً ، فليس منا (1)
__________
(1) الحديث : 763 - إسناده جيد . والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح ، كما سنذكر ، إن شاء الله . حجاج : هو ابن رشدين بن سعد المصري ، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1/2/160 ، وذكر أنه يروي عن " حيوة بن شريح " ، ويروي عنه " محمد بن عبد الله بن عبد الحكم " . وذكر أنه سأل عنه أبا زرعة ، قال : " لا علم لي به ، لم أكتب عن أحد عنه " . وترجمه الحافظ في لسان الميزان ، ونقل أنه ضعفه ابن عدي ، وأنه مات سنة 211 ، وأن ابن يونس لم يذكر فيه جرحًا ، " وقال الخليلي : هو أمثل من أبيه ، وقال مسلمة بن قاسم : لا بأس به " ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات . وهذا كاف في توثيقه ، خصوصًا وأن ابن يونس أعرف بتاريخ المصريين .
وأبوه اسمه " رشدين " ، بكسر الراء والدال بينهما شين معجمة ساكنة ، وبعد الدال ياء ونون . ووقع في المطبوعة " رشد " ؛ وهو خطأ .
والحديث رواه أحمد في المسند : 9586 ، عن يحيى - وهو القطان ، 10752 ، عن صفوان - وهو ابن عيسى الزهري ، كلاهما عن ابن عجلان ، به (2 : 432 ، 520 من طبعة الحلبي) . ورواه أيضًا قبل ذلك مختصرًا : 7360 (2 : 247) عن سفيان بن عيينة . ورواه أبو داود : 5248 (4 : 534 عون المعبود) ، من طريق سفيان ، تاما . وهذه أسانيد صحاح .
وورد معناه من حديث ابن عباس ، في المسند أيضًا : 2037 ، 3254 . وقريب من معناه من حديث ابن مسعود ، في المسند أيضًا : 3984 .

(1/537)


قال أبو جعفر : وأحسبُ أن الحرب التي بيننا ، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم ، في إدخالها إبليس الجنة بعد أن أخرجه الله منها ، حتى استزلّه عن طاعة ربه في أكله ما نُهي عن أكله من الشجرة.
764 - وحدثنا أبو كريب ، قال حدثنا معاوية بن هشام - وحدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : حدثني آدم - جميعًا ، عن شيبان ، عن جابر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس. قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : عن قَتل الحيَّات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خُلقتْ هي والإنسانُ كل واحد منهما عدوّ لصاحبه ، إن رآها أفزعته ، وإن لدَغته أوجعته ، فاقتلها حَيث وجدتها (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال : بعضهم بما : -
765 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر الرازيّ ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " ولكم في الأرض مُستقَرٌّ " قال : هو قوله : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا ) [سورة البقرة : 22].
766 - وحُدِّثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " ولكم في الأرض مستقرٌّ " ، قال : هو قوله : ( جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا ) (2) [سورة غافر : 64].
__________
(1) الحديث : 764 - في الدر المنثور 1 : 55 ، ونسبه للطبري فقط . وهو في مجمع الزوائد 4 : 45 بلفظ آخر ، وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه جابر غير مسمى ، والظاهر أنه الجعفي ، وثقه الثوري وشعبة ، وضعفه الأئمة أحمد وغيره .
(2) الأثران : 765 - 766 : لم أجدهما في مكان .

(1/538)


وقال آخرون : معنى ذلك ولكم في الأرض قَرَار في القبور.
* ذكر من قال ذلك :
767 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ : " ولكم في الأرض مستقر " ، يعني القبور (1) .
768 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن إسماعيل السُّدّيّ ، قال : حدثني من سمع ابن عباس قال : " ولكم في الأرض مستقرٌّ " ، قال : القبور (2) .
769 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : " ولكم في الأرض مستقر " ، قال : مقامهم فيها (3) .
* * *
قال أبو جعفر : والمستقرُّ في كلام العرب ، هو موضع الاستقرار. فإذْ كان ذلك كذلك ، فحيث كان من في الأرض موجودًا حالا فذلك المكان من الأرض مستقره.
إنما عنى الله جل ثناؤه بذلك : أنّ لهم في الأرض مستقرًّا ومنزلا بأماكنهم ومستقرِّهم من الجنة والسماء. وكذلك قوله : " ومتاع " يعني به : أن لهم فيها متاعًا بمتاعهم في الجنة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم : ولكم فيها بَلاغ إلى الموت.
* ذكر من قال ذلك :
770 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
__________
(1) الأثر : 767 - لم أجده في مكان .
(2) الخبر : 768 - في الدر المنثور 1 : 55 ، وهو من تمام الخبر : 761 .
(3) الأثر : 769 - لم أجده في مكان .

(1/539)


أسباط ، عن السُّدّيّ في قوله : " ومتاعٌ إلى حين " ، قال يقول : بلاغ إلى الموت (1) .
771 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن إسماعيل السُّدّيّ ، قال : حدثني من سمع ابن عباس : " ومتاعٌ إلى حين " ، قال : الحياة (2) .
* * *
وقال آخرون : يعني بقوله : " ومتاعٌ إلى حين " ، إلى قيام الساعة.
* ذكر من قال ذلك :
772 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : " ومتاع إلى حين " ، قال : إلى يوم القيامة ، إلى انقطاع الدنيا.
* * *
وقال آخرون : " إلى حين " ، قال : إلى أجل.
* ذكر من قال ذلك :
773 - حُدِّثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " ومتاع إلى حين " ، قال : إلى أجل (3) .
* * *
والمتاع في كلام العرب : كل ما استُمتع به من شيء ، من معاش استُمتع به أو رِياش أو زينة أو لذة أو غير ذلك (4) . فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد جَعل حياة كل حيّ متاعًا له يستمتع بها أيام حياته ، وجعل الأرض للإنسان مَتاعًا أيام حياته ، بقراره عليها ، واغتذائه بما أخرج الله منها من الأقوات والثمار ، والتذاذه بما خلق فيها من الملاذِّ ، وجعلها من بعد وفاته لجثته كِفاتًا (5) ، ولجسمه منزلا وَقرارا ؛ وكان اسم المتاع يَشمل جميع ذلك - كان أولى التأويلات
__________
(1) الأثر : 770 - لم أجده في مكان .
(2) الأثر : 771 - في الدر المنثور 1 : 55 ، وهو من تمام الأثرين : 761 ، 768 .
(3) الأثران : 772 ، 773 : لم أجدهما في مكان .
(4) في المخطوطة : " في معاش استمتع . . . " .
(5) الكفات : الموضع الذي يضم فيه الشيء ويقبض .

(1/450)


فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

بالآية - (1) إذْ لم يكن الله جل ثناؤه وضع دلالة دالة على أنه قَصد بقوله : " ومتاعٌ إلى حين " بعضًا دون بعض ، وخاصًّا دون عامٍّ في عقل ولا خبر - أن يكون ذلك في معنى العامِّ ، وأن يكون الخبر أيضًا كذلك ، إلى وقت يطول استمتاع بني آدم وبني إبليس بها ، وذلك إلى أن تُبدَّل الأرض غير الأرض. فإذْ كان ذلك أولى التأويلات بالآية لما وَصفنا ، فالواجب إذًا أن يكون تأويل الآية : ولكم في الأرض مَنازلُ ومساكنُ تستقرُّون فيها استقراركم - كان - في السموات ، وفي الجنان في منازلكم منها (2) ، واستمتاع منكم بها وبما أخرجت لكم منها ، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش والزَّين والملاذِّ ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم لأرْماسكم وأجدَاثكم تُدفنون فيها (3) ، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ }
قال أبو جعفر : أما تأويل قوله : " فتلقى آدم " ، فقيل : إنه أخذ وقَبِل (4) . وأصله التفعُّل من اللقاء ، كما يتلقى الرجلُ الرجلَ مُستقبلَه عند قدومه من غيبته أو سفره ، فكأنَّ ذلك كذلك في قوله : " فتلقى " (5) ، كأنه استقبله فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه أو أخبر به. فمعنى ذلك إذًا : فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة ، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا ، فتاب الله عليه بقيله إياها ، وقبوله إياها من ربه. كما : -
774 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن
__________
(1) في المطبوعة : " إن لم يكن الله . . . " ، وهو خطأ .
(2) في المطبوعة : " في الجنات " .
(3) الأرماس جمع رمس ، والأجداث جمع جدث (بفتحتين) : وهما بمعنى القبر .
(4) في المطبوعة : " أخذ . وقيل : أصله " ، وهو خطأ .
(5) في المطبوعة : " . . . يستقبله عند قدومه من غيبة أو سفر فكذلك ذلك في قوله " ، تصرف نساخ .

(1/541)


زيد في قوله : " فتلقى آدمُ من ربه كلمات " الآية. قال : لقَّاهمَا هذه الآية : ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (1) [سورة الأعراف : 23].
* * *
وقد قرأ بعضهم : " فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ " ، فجعل الكلمات هي المتلقية آدم. وذلك ، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ ، وما لقيه فقد لَقيه ، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء ، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع " آدم " على أنه المتلقي الكلمات ، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف (2) ، على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة ، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ.
* * *
واختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات التي تلقاها. آدمُ من ربه. فقال بعضهم بما : -
775 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا ابن عطية ، عن قيس ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتابَ عليه " ، قال : أي رب! ألم تخلقني بيدك ؟ قال : بلى ، قال : أي رب ، ألم تنفخ فيّ من روحك ؟ قال : بلى ، قال : أي رب ، ألم تسكني جَنتك ؟ قال : بلى. قال : أي رب ، ألم تسبق رحمتُك غضبك ؟ قال : بلى. قال : أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ، أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال : نعم.
__________
(1) الأثر : 774 - ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 ، والشوكاني 1 : 58 ، وسيأتي برقم : 792 .
(2) في المطبوعة : " لإجماع الحجة من القراء " . والقَرَأَة : جمع قارئ ، كما سلف مرارًا ، انظر ما مضى ص 524 .

(1/542)


قال : فهو قوله : " فتلقى آدمُ من ربه كلمات " (1) .
776 - وحدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم ، قال : حدثنا محمد بن مُصعْب ، عن قيس بن الربيع ، عن عاصم بن كليب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، نحوه.
777 - وحدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليه " ، قال : إن آدم قال لربه إذ عصاه : رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ؟ فقال له ربه : إني راجعك إلى الجنة (2) .
778 - وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " ، ذكر لنا أنه قال : يا رب ، أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ؟ قال : إني إذًا راجعك إلى الجنة ، قال : وقال الحسن : إنهما قالا " ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تَغفر لَنا وتَرحمنا لنكونن من الخاسرين " . (3)
779 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " ، قال : إن آدم لما أصاب الخطيئة قال : يا رب ، أرأيت إن تبت وأصلحت ؟ فقال الله : إذًا أرجعك إلى الجنة. فهي من الكلمات. ومن الكلمات أيضًا : " ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تغفرْ لَنا وتَرحمنا لنكونن من الخاسرين " (4) .
780 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ : " فتلقى آدمُ من ربه كلمات " ، قال : رب ، ألم تخلقني بيدك ؟ قيل له : بلى. قال : ونفخت فيّ من روحك ؟ قيل له : بلى. قال وسبقت رحمتك
__________
(1) الخبر : 775 - في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 58 ، والشوكاني 1 : 57 .
(2) الخبر : 777 - لم أجده بلفظه في مكان .
(3) الأثر 778 - في ابن كثير 1 : 147 .
(4) الأثر : 779 - في ابن كثير 1 : 147 .

(1/543)


غضبك ؟ قيل له : بلى. قال : ربّ هل كنتَ كتبتَ هذا عليّ ؟ قيل له : نعم. قال : رب ، إن تبت وأصلحت ، هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ قيل له : نعم. قال الله تعالى : ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) (1) [سورة طه : 122].
* * *
وقال آخرون بما : -
781 - حدثنا به محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رُفَيع ، قال : حدثني من سمع عُبيد بن عُمير يقول : قال آدم : يا رب ، خطيئتي التي أخطأتها ، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني ، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي ؟ قال : بلى ، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال : فكما كتبته عليّ فاغفره لي. قال : فهو قول الله : " فتلقَّى آدم من ربه كلمات " (2) .
782 - وحدثنا ابن سنان ، قال : حدثنا مؤمَّل ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رُفَيع ، قال : أخبرني من سمع عُبيد بن عُمير ، بمثله.
783 - وحدثنا ابن سنان ، قال : حدثنا وكيع بن الجراح ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عمن سمع عبيد بن عمير يقول : قال آدم ، فذكر نحوه.
784 - وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد العزيز بن رفيع ، قال : أخبرني من سمع عبيد بن عمير ، بنحوه.
785 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن عبد العزيز ، عن عبيد بن عمير بمثله.
وقال آخرون بما : -
786 - حدثني به أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ، قال : حدثنا عبد الرحمن
__________
(1) الأثر : 780 - لم أجده بنصه في مكان .
(2) الأثر : 781 - في ابن كثير 1 : 47 . والدر المنثور 1 : 59 .

(1/544)


بن شَريك ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا حصين بن عبد الرحمن ، عن حميد بن نبهان ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، أنه قال : قوله : " فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليه " ، قال آدم : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، أستغفرك وأتوب إليك ، تب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. (1)
787 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : أنبأنا أبو زهير - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : أخبرنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان ، وقيس - جميعًا عن خُصَيف ، عن مجاهد في قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " ، قال قوله : " ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تَغفر لنا وترحمنا " ، حتى فرغ منها. (2)
788 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثني شِبْل ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، كان يقول في قول الله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " الكلمات : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، ربي إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، ربّ إني ظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. (3)
789 - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن النضر بن عربي ، عن مجاهد : " فتلقى آدم من ربه كلمات " هو قوله : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لَنا وترحمنا " الآية. (4)
790 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن
__________
(1) الأثر : 786 - لم أجده في مكان . وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وقال مصعب الزبيري : " وكان رجلا صالحًا " . وقال أبو زرعة : " معاوية ، وعبد الرحمن ، وخالد - بنو يزيد بن معاوية : كانوا صالحي القوم " . وأما الراوي عنه " حميد بن نبهان " فلم أجد له ترجمة ولا ذكرًا ، وأخشى أن يكون محرفًا عن شيء لا أعرفه .
(2) الأثر : 787 - في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 ، والشوكاني 1 : 58 .
(3) الأثر : 788 - في ابن كثير 1 : 147 .
(4) الأثر : 789 - انظر الأثر السالف رقم : 787 .

(1/545)


ابن جُريج ، عن مجاهد : " فتلقى آدم من ربه كلمات " ، قال : أي رب ، أتتوب عليّ إن تبت ؟ قال نعم. فتاب آدم ، فتاب عليه ربه. (1)
791 - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرَّزَّاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فتلقى آدم من ربه كلمات " ، قال : هو قوله : " ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين (2) " .
792 - حدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد : هو قوله : " ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (3) " .
* * *
وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه ، وإن كانت مختلفة الألفاظ ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن ، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته ، معترفًا بذنبه ، متنصِّلا إلى ربه من خطيئته ، نادمًا على ما سلف منه من خلاف أمره ، فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه ، وندمه على سالف الذنب منه.
والذي يدل عليه كتابُ الله ، أن الكلمات التي تلقاهنّ آدمُ من ربه ، هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصِّلا بقيلها إلى ربه ، معترفًا بذنبه ، وهو قوله : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " . وليس ما قاله من خالف قولنا هذا - من الأقوال التي حكيناها - بمدفوع قوله ، ولكنه قولٌ لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها ، فيجوز لنا إضافته إلى آدم ، وأنه مما تلقاه من ربّه عند إنابته إليه من ذنبه. وهذا الخبر الذي أخبر الله عن آدم - من قيله الذي لقَّاه إياه فقاله تائبًا إليه من خطيئته - تعريف منه جل ذكره جميعَ المخاطبين
__________
(1) الأثر : 790 - لم أجده في مكان .
(2) الأثر : 791 - في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 .
(3) الأثر : 792 - في ابن كثير 1 : 147 ، والدر المنثور 1 : 59 ، ومضى رقم : 774 .

(1/546)


بكتابه ، كيفية التوبة إليه من الذنوب (1) ، وتنبيهٌ للمخاطبين بقوله : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) [سورة البقرة : 28] ، على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله ، وأنّ خلاصهم مما هم عليه مُقيمون من الضلالة ، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته ، مع تذكيره إياهم به السالفَ إليهم من النعم التي خَصَّ بها أباهم آدم وغيرَه من آبائهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْهِ }
قال أبو جعفر : وقوله : " فتاب عليه " ، يعني : على آدم. والهاء التي في " عليه " عائدة على " آدم " . وقوله : " فتاب عليه " ، يعني رَزَقه التوبة من خطيئته. والتوبة معناها الإنابة إلى الله ، والأوبةُ إلى طاعته مما يَكرَهُ من معصيته.
* * *
__________
(1) في المخطوطة : " التوبة من الذنوب " ، بالحذف .

(1/547)


القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " إنه هو التواب الرحيم " ، أن الله جل ثناؤه هو التوّاب على من تاب إليه - من عباده المذنبين - من ذنوبه ، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه. وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربّه ، إنابتُه إلى طاعته ، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يَسْخَطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه. فكذلك توبة الله على عبده ، هو أن يرزقه ذلك ،

(1/547)


قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه (1) ، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه.
* * *
وأما قوله : " الرحيم " ، فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة. ورحمته إياه ، إقالة عثرته ، وصفحه عن عقوبة جُرمه.
* * *
قال أبو جعفر : وقد ذكرنا القول في تأويل قوله : " قلنا اهبطوا منها جميعًا " فيما مضى ، (2) فلا حاجة بنا إلى إعادته ، إذْ كان معناه في هذا الموضع ، هو معناه في ذلك الموضع.
793 - وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح ، في قوله : " اهبطوا منها جميعًا " ، قال : آدم وحواء والحية وإبليس. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " فإما يأتينكم " ، فإنْ يَأتكم. و " ما " التي مع " إن " توكيدٌ للكلام ، ولدخولها مع " إن " أدخلت النون المشددة في " يأتينَّكم " ، تفرقةً بدخولها بين " ما " التي تأتي بمعنى توكيد الكلام - التي تسميها أهل العربية صلة وَحشوًا - وبين " ما " التي تأتي بمعنى " الذي " ، فتؤذِن بدخولها في الفعل ، أنّ " ما " التي مع " إن " التي بمعنى الجزاء ، توكيد ، وليست " ما " التي بمعنى " الذي " .
وقد قال بعض نحويي أهل البصرة (4) : إنّ " إمَّا " ، " إن " زيدت معها " ما " ،
__________
(1) في المطبوعة : " ويؤوب من غضبه عليه " ، بالحذف .
(2) انظر ص : 534 .
(3) الأثر : 793 - لم أجده بهذا الإسناد ، وانظر ، ما مضى الأرقام : 754 وما بعده .
(4) في المطبوعة : " نحويي البصريين " .

(1/548)


وصار الفعل الذي بعده بالنون الخفيفة أو الثقيلة ، وقد يكون بغير نون. وإنما حسنت فيه النون لمّا دخلته " ما " ، لأن " ما " نفيٌ ، فهي مما ليس بواجب ، وهي الحرف الذي ينفي الواجب ، فحسنت فيه النون ، نحو قولهم : " بعينٍ مَّا أرَينَّك " ، حين أدخلت فيها " ما " حسنت النون فيما ها هنا.
وقد أنكرت جماعة من أهل العربية دعوى قائل هذه المقالة (1) : أن " ما " التي مع " بعينٍ ما أرَينَّك " بمعنى الجحد ، وزعموا أن ذلك بمعنى التوكيد للكلام.
وقال آخرون : بل هو حشو في الكلام ، ومعناها الحذف ، وإنما معنى الكلام : " بعَين أراك " ، وغير جائز أن يُجْعل مع الاختلاف فيه أصلا يُقاس عليه غيره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) }
قال أبو جعفر : والهدى ، في هذا الموضع ، البيان والرشاد. كما : -
794 - حدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " فإما يأتينكم مني هدًى " قال : الهدى ، الأنبياءُ والرسل والبيان. (2) .
فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال ، فالخطاب بقوله : " اهبطوا " ، وإن كان لآدم وزوجته ، فيجب أن يكون مرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما. فيكون ذلك حينئذ نظير قوله : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [سورة فصلت : 11] ، بمعنى أتينا بما فينا من الخلق طائعين ، ونظيرَ قوله في قراءة
__________
(1) في المطبوعة : " وقد أنكر جماعة . . . دعوى قائلي . . . " .
(2) الأثر : 794 - في ابن كثير 1 : 148 ، والدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 58 .

(1/549)


ابن مسعود : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرهم مناسكهم ) [سورة البقرة : 128] ، فجمع قبل أن تكون ذريةً ، وهو في قراءتنا : " وأرنا مناسكنا " . وكما يقول القائل لآخر : " كأنك قد تزوجت وولد لك ، وكثرتم وعززتم " ، ونحو ذلك من الكلام.
وإنما قلنا إن ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية ، لأنّ آدمَ كان هو النبيَّ أيام حياته بعد أن أُهبط إلى الأرض ، (1) والرسولَ من الله جل ثناؤه إلى ولده. فغير جائز أن يكون معنيًّا - وهو الرسولُ صلى الله عليه وسلم - بقوله : " فإما يأتينّكم منّي هُدًى " ، خطابًا له ولزوجته ، " فإما يأتينكم مني أنبياءُ ورسل " (2) إلا على ما وصفتُ من التأويل.
وقول أبي العالية في ذلك - وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية - فأقرب إلى الصواب منه عندي وأشبهُ بظاهر التلاوة ، أن يكون تأويلها : فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي (3) ، وهو آدمُ وزوجته وإبليس - كما قد ذكرنا قبل في تأويل الآية التي قبلها - إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي ، ورشاد إلى سبيلي وديني ، فمن اتبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية وخلافٌ لأمري وطاعتي. يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه ، والرحيمُ لمن أناب إليه ، كما وصف نفسه بقوله : " إنه هو التّواب الرحيم " .
وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه : " اهبطوا منها جميعًا " ، والذين خوطبوا به هم من سمّينا في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم. (4) . وذلك ، وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط
__________
(1) في المطبوعة : " هو النبي صلى الله عليه وسلم " .
(2) في المطبوعة : " . . . مني هدى أنبياء ورسل . . . " .
(3) في المطبوعة : " فإما يأتينكم مني يا معشر من أهبطته . . . " .
(4) في المطبوعة : " الرواية عنهم " بالحذف

(1/550)


حينئذٍ من السماء إلى الأرض ، فهو سنّة الله في جميع خلقه ، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله (1) ( : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) [سورة البقرة : 6] ، وفي قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) [سورة البقرة : 8] ، وأنّ حكمه فيهم - إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة ، كانوا من أهل النار المخلَّدين فيها.
وقوله : " فمن تَبعَ هُدَايَ " ، يعني : فمن اتبع بَياني الذي آتيتُه على ألسن رُسُلي ، أو مع رسلي (2) . كما : -
795 - حدثنا به المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " فمن تَبع هُدَاي " ، يعني بياني. (3) .
* * *
وقوله : " فلا خوفٌ عليهم " ، يعني فهم آمنون في أهوال القيامة من عقاب الله ، غير خائفين عذابه ، بما أطاعوا الله في الدنيا واتبعوا أمرَه وهُداه وسبيله ، ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلّفوا بعد وفاتهم في الدنيا. كما : -
796 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد : " لا خوفٌ عليهم " ، يقول : لا خوف عليكم أمامكم (4) .
وليس شيء أعظمَ في صدر الذي يموت ممّا بعد الموت. فأمّنهم منه وسَلاهم عن الدنيا فقال : " ولا هم يحزنون " .
__________
(1) في المطبوعة : " وتعريف منه بذلك للذين " .
(2) في المطبوعة : " . . . بياني الذي أبينه على ألسن رسلي " .
(3) الأثر : 795 - لم أجده في مكان .
(4) الأثر : 796 - لم أجده في مكان .

(1/551)


وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)

وقوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) }
يعني : والذين جَحدوا آياتي وكذّبوا رسلي. وآيات الله : حُجَجه وأدلتُه على وحدانيّته وربوبيّته ، وما جاءت به الرُّسُل من الأعلام والشواهد على ذلك ، وعلى صدقها فيما أنبأتْ عن ربّها. وقد بيّنا أن معنى الكفر ، التغطيةُ على الشيء (1) .
" أولئك أصحاب النار " ، يعني : أهلُها الذين هم أهلها دون غيرهم ، المخلدون فيها أبدًا إلى غير أمَدٍ ولا نهاية. كما : -
797 - حدثنا به عُقبة بن سنان البصري ، قال : حدثنا غَسان بن مُضَر ، قال حدثنا سعيد بن يزيد - وحدثنا سَوَّار بن عبد الله العنبري ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، قال : حدثنا أبو مَسْلَمَة سعيد بن يزيد - وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، وأبو بكر بن عون ، قالا حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة ، عن سعيد بن يزيد - عن أبي نَضْرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَون ، ولكن أقوامًا أصابتْهم النارُ بخطاياهم أو بذنوبهم ، فأماتتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة (2) .
* * *
__________
(1) انظر ما مضى ص : 255 .
(2) الحديث : 797 - رواه الطبري هنا بثلاثة أسانيد ، تنتهي إلى سعيد بن يزيد . وذكره ابن كثير 1 : 158 ، ولكنه سها فذكر أنه رواه من طريقين ، وهي ثلاثة كما ترى :
و " عقبة بن سنان بن عقبة بن سنان البصري " - شيخ الطبري في الإسناد الأول : ثقة ، سمع منه أبو حاتم ، وقال : " صدوق " . ولم أجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل 3/1/311 . و " غسان بن مضر الأزدي البصري " : ثقة من شيوخ أحمد القدماء ، وقال أحمد : " شيخ ثقة ثقة " . وترجمه البخاري في الكبير 4/1/107 ، وابن أبي حاتم 3/2/51 . و " أبو بكر بن عون " - شيخ الطبري في الإسناد الثالث : لم أستطع أن أعرف من هو ؟ ولا أثر لذلك في الإسناد ، فإن الطبري رواه عنه وعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، كلاهما عن ابن علية . و " سعيد بن يزيد بن مسلمة أبو مسلمة الأزدي البصري " : تابعي ثقة ، روى له الجماعة . وترجمه البخاري 2/1/476 ، وابن أبي حاتم 2/1/73 . وكنيته " أبو مسلمة " بالميم في أولها . ووقع في تفسير ابن كثير " أبو سلمة " بحذفها ، وهو خطأ مطبعي .
وهذا الحديث رواه مسلم 1 : 67 - 68 ، وابن ماجه : 4309 - كلاهما من طريق بشر بن المفضل ، عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة ، به . ولكنه عندهما أطول مما هنا . ولم يروه من أصحاب الكتب الستة غيرهما ، كما يدل على ذلك تخريجه في جامع الأصول لابن الأثير : 8085 . وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند : 11093 (3 : 11 حلبي) عن ابن علية . ورواه أيضًا أحمد : 11769 (3 : 78 - 79) ، ومسلم 1 : 68 - كلاهما من طريق شعبة ، عن سعيد بن يزيد .
وهو في الحقيقة جزء من حديث طويل ، ورواه أحمد في المسند ، مطولا ومختصرًا ، من أوجه ، عن أبي نضرة ، منها : 11029 ، 11168 ، 11218 - 11220 (3 : 5 ، 20 ، 25 - 26 حلبي) .

(1/552)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)

القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " يا بني إسرائيل " ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (1) وكان يعقوب يدعى " إسرائيل " ، بمعنى عبد الله وصفوته من خلقه. و " إيل " هو الله ، و " إسرا " هو العبد ، كما قيل : " جبريل " بمعنى عبد الله. وكما : -
798 - حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء ، عن عُمير مولى ابن عباس ، عن ابن عباس : أن إسرائيل كقولك : عبد الله. (2)
799 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : " إيل " ، الله بالعبرانية. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " يا ولد يعقوب . . . " بزيادة النداء " .
(2) الخبر : 798 - في ابن كثير 1 : : 149 ، والدر المنثور 1 : 63 . وهذا إسناد صحيح . إسماعيل بن رجاء بن ربيعة : ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه . عمير مولى ابن عباس : هو عمير بن عبد الله الهلالي ، مولى أم الفضل ، وقد ينسب إلى ولاء زوجها " العباس " ، كما ورد في إسناد حديث آخر في المسند : 77 ، وقد ينسب إلى ولاء بعض أولادها ، كما في هذا الإسناد . وهو تابعي ثقة ، ترجمه ابن أبي حاتم 3/1/380 ، وأخرج له الشيخان وغيرهما .
(3) الأثر : 799 - في الدر المنثور 1 : 63 . و " المنهال " : هو ابن عمرو الأسدي . و " عبد الله بن الحارث " : هو الأنصاري البصري أبو الوليد ، وهو تابعي ثقة .

(1/553)


وإنما خاطب الله جل ثناؤه بقوله : " يا بني إسرائيل " أحبارَ اليهود من بني إسرائيل ، الذين كانوا بين ظَهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنسبهم جل ذكره إلى يعقوب ، كما نسب ذرية آدم إلى آدم ، فقال : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) [سورة الأعراف : 31] وما أشبه ذلك. وإنما خصّهم بالخطاب في هذه الآية والتي بعدها من الآي التي ذكَّرهم فيها نعمَه - وإن كان قد تقدّم ما أنزل فيهم وفي غيرهم في أول هذه السورة ما قد تقدم - أن الذي احتج به من الحجج والآيات التي فيها أنباء أسلافهم ، وأخبارُ أوائلهم ، وَقصَصُ الأمور التي هم بعلمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمم ، ليس عند غيرهم من العلم بصحته وحقيقته مثلُ الذي لهم من العلم به ، إلا لمن اقتبس علم ذلك منهم. فعرَّفهم بإطلاع محمّد على علمها - مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها ، وقلة مزاولة محمد صلى الله عليه وسلم درَاسةَ الكتب التي فيها أنباء ذلك (1) - أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم
__________
(1) قوله : " وقلة مزاولة محمد صلى الله عليه وسلم دراسة الكتب . . . " ، هو كما نقول اليوم في عبارتنا المحدثة : " وعدم مزاولة محمد . . . " . قال الجاحظ في البيان والتبيين 1 : 285 : " واستجار عون ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، بمحمد بن مروان بنصيبين ، وتزوج بها امرأة فقال محمد : كيف ترى نصيبين ؟ قال : " كثيرة العقارب ، قليلة الأقارب " . يريد بقوله : " قليلة " ، كقول القائل : " فلان قليل الحياء " ، وليس يريد أن هناك حياء وإن قل . يضعون : " قليلا ، في موضع " ليس " . انتهى .
قلت : ومنه قول دريد بن الصمة في أخيه : قَلِيلُ التَّشَكِّي للمصيبات ، حافظٌ ... مِنَ الْيَوْمِ أعقابَ الأحاديث في غَدِ
وسيأتي قول الطبري في تفسير قوله تعالى من (سورة البقرة : 88) " فقليلا ما يؤمنون " : (1 : 324 ، بولاق) : " وإنما قيل : فقليلا ما يؤمنون ، وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : " قلما رأيت مثل هذا قط " . وقد روى عنها سماعًا منها : " مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل " ، يعني ما تنبت غير الكراث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة ، والمعنى فيه نفي جميعه " ، انتهى .
وفي الحديث : " إنه كان يقل اللغو " أي لا يلغو أصلا ، قال ابن الأثير : وهذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء (اللسان : قلل) .
ولولا زمان فسد فيه اللسان ، وقل الإيمان ، واشتدت بالمتهجمين الجرأة على تفسير الكلمات ، وتصيد الشبهات - ولولا أن يقول قائل فيفتري على الطبري أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدارس كتب أهل الكتاب ، لكنت في غنى عن مثل هذه الإطالة .

(1/554)


لم يَصلْ إلى علم ذلك إلا بوحي من الله وتنزيلٍ منه ذلك إليه - لأنهم من عِلْم صحة ذلك بمحلّ ليس به من الأمم غيرهم ، فلذلك جل ثناؤه خص بقوله : " يا بني إسرائيل " خطابهم كما : -
800 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قوله : " يا بني إسرائيل " ، قال : يا أهل الكتاب ، للأحبار من يهود (1) .
* * *
القول في تأويل قوله : { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }
قال أبو جعفر : ونعمته التي أنعم بها على بني إسرائيل جلّ ذكره ، اصطفاؤه منهم الرسلَ ، وإنزاله عليهم الكتب ، واستنقاذُه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضَّرَّاء من فرعون وقومه ، إلى التمكين لهم في الأرض ، وتفجير عيون الماء من الحجر ، وإطعام المنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلَف منه إلى آبائهم على ذُكْر ، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم ، فيحلّ بهم من النقم ما أحلّ بمن نسي نعمَه عنده منهم وكفرها ، وجحد صنائعه عنده. كما : -
801 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " اذكروا نعمتِي التي أنعمتُ عليكم " ، أي آلائي عندكم وعند آبائكم ، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه (2) .
802 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن
__________
(1) الأثر 800 - في الدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 61 بتمامه . وسيأتي تمامه في الأثر التالي .
(2) الأثر : 801 - من تمام الأثر السالف ، المراجع السالفة ، وابن كثير 1 : 149 .

(1/555)


الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " اذكروا نعمتي " ، قال : نعمتُه أنْ جعل منهم الأنبياء والرسل ، وأنزل عليهم الكتب (1) .
803 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " ، يعني نعمتَه التي أنعم على بني إسرائيل ، فيما سمى وفيما سوَى ذلك : فجَّر لهم الحجر ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ، وأنجاهم من عبودية آل فرعون (2) .
804 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد في قوله : " نعمتي التي أنعمت عليكم " قال : نعمه عامة ، ولا نعمةَ أفضلُ من الإسلام ، والنعم بعدُ تبع لها ، وقرأ قول الله( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (3) [سورة الحجرات : 17]
وتذكيرُ الله الذين ذكّرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، نظيرُ تذكير موسى صلوات الله عليه أسلافَهم على عهده ، الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم ، وذلك قوله : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) [سوة المائدة : 20].
* * *
__________
(1) الأثر : 802 - في ابن كير 1 : 149 .
(2) الأثر : 803 - في ابن كثير 1 : 149 وفيه : " وفيما سوى ذلك : أن فجر " ، بالزيادة .
(3) الأثر : 804 - لم أجده في مكان .

(1/556)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) }
قال أبو جعفر : قد تقدم بياننا فيما مضى - عن معنى العهد - من كتابنا هذا (1) ، واختلاف المختلفين في تأويله ، والصوابُ عندنا من القول فيه (2) . وهو في هذا الموضع : عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة ، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسولٌ ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله ، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله.
" أوف بعهدكم " : وعهدُه إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) [سورة المائدة : 12] ، وكما قال : ( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا
__________
(1) انظر ما مضى : 410 - 415 .
(2) في المطبوعة : " قد تقدم بياننا معنى العهد فيما مضى من كتابنا . . . " ، غيروه ليستقيم الكلام على ما ألفوه .

(1/557)


النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) [سورة الأعراف : 156 - 157].
805 - وكما حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وأوفوا بعهدي " الذي أخذتُ في أعناقكم للنبِيّ محمد إذا جاءكم ، (2) " أوف بعهدكم " ، أي أنجزْ لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه ، بوضع ما كان عليكم من الإصْر والأغلال التي كانت في أعْناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم (3) .
806 - وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " أوْفوا بعهدي أوفِ بعهدكم " ، قال : عهدُه إلى عباده ، دينُ الإسلام أن يتبعوه ، " أوف بعهدكم " ، يعني الجنة (4) .
807 - وحدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " أوفوا بعهدي أوف بعهدكم " : أما " أوفوا بعهدي " ، فما عهدت إليكم في الكتاب. وأما " أوف بعهدكم " فالجنة ، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم بطاعتي أدخلتكم الجنة (5) .
808 - وحدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج في قوله : " وأفوا بعهدي أوف بعهدكم " ، قال : ذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة : ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ
__________
(1) في الأصول : " . . . اثنى عشر نقيبًا ، الآية " . و " النبي الأمي ، الآية " . وآثرنا إتمام الآيتين ، كما جرينا عليه فيما سلف ، وفيما سيأتي .
(2) في المطبوعة : " . . . للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم . . . " ، وفي المراجع الأخرى .
(3) الأثر : 805 - من تمام الأثر السالف رقم : 800 ، ورقم 801 ، ومراجعه ما سلف .
(4) الأثر : 806 - في ابن كثير 1 : 150 .
(5) الأثر : 807 - في ابن كثير 1 : 150 تضمينًا .

(1/558)


نَقِيبًا ) إلى آخر الآية [سورة المائدة : 12]. فهذا عهدُ الله الذي عهد إليهم ، وهو عهد الله فينا ، فمن أوفى بعهد الله وفَى الله له بعهده (1) .
809 - وحُدِّثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم " ، يقول : أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيره ، " أوف بعهدكم " ، يقول : أرض عنكم وأدخلكم الجنة (2) .
810 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد في قوله : " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم " ، قال : أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم ، وقرأ : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ) حتى بلغ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) [سورة التوبة : 111] ، قال : هذا عهده الذي عهده لهم (3) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " وإياي فارهبون " ، وإياي فاخْشَوْا - واتَّقُوا أيها المضيّعون عهدي من بني إسرائيل ، والمكذبون رسولي الذي أخذتُ ميثاقكم - فيما أنزلتُ من الكتُب على أنبيائي - أن تؤمنوا به وتتبعوه - أن أُحِلّ بكمْ من عقوبتي ، إن لم تنيبوا وتتوبوا إليّ باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه ، ما أحللتُ بمن خالف أمري وكذّب رُسلي من أسلافكم. كما : -
811 - حدثني به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ،
__________
(1) الأثر : 808 - لم أجده بنصه في مكان .
(2) الأثر : 809 - في ابن كثير 1 : 150 ، الدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 61 .
(3) الأثر : 810 - لم أجده في مكان .

(1/559)


وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وإيايَ فارهبون " ، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمات التي قد عرفتم ، من المسخ وغيره. (1)
812 - وحدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثني آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : " وإياي فارهَبُون " ، يقول : فاخشَوْن.
813 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإياي فارهبون " ، يقول : وإياي فاخشون. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " آمنوا " ، صدِّقوا ، كما قد قدمنا البيان عنه قبل. (3) ويعني بقوله : " بما أنزلت ، ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن. ويعني بقوله : " مصدِّقًا لما معكم " ، أن القرآن مصدِّق لما مع اليهود من بني إسرائيل من التوراة. فأمرهم بالتصديق بالقرآن ، وأخبرهم جل ثناؤه أن في تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة ، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه ، نظيرُ الذي من ذلك في التوراة والإنجيل ففي تصديقهم بما
__________
(1) الأثر : 812 - من تمام الآثار السالفة الأرقام : 800 ، 801 ، 805 . وابن كثير 1 : 150 من تمام ما سلف في ص 149 . المراجع المذكورة .
(2) الأثر : 813 - في ابن كثير 1 : 150 .
(3) انظر ما مضى : 234 ، 235 .

(1/560)


أنزل على محمد تصديقٌ منهم لما معهم من التوراة ، وفي تكذيبهم به تكذيبٌ منهم لما معهم من التوراة.
وقوله : " مصدقًا " ، قطع من الهاء المتروكة في " أنزلته " من ذكر " ما " (1) . ومعنى الكلام وآمنوا بالذي أنزلته مصدقًا لما معكم أيها اليهود ، والذي معهم : هو التوراة والإنجيل. كما : -
814 - حدثنا به محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم " ، يقول : إنما أنزلت القرآن مصدقًا لما معكم التوراة والإنجيل. (2) .
815 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
816 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : أخبرنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " وآمنوا بما أنزلت مصدِّقًا لما معكم " ، يقول : يا معشر أهل الكتاب ، آمنوا بما أنزلت على محمّد مصدقًا لما معكم. يقول : لأنهم يجدون محمّدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. (3) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ }
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : كيف قِيل : " ولا تكونوا أول كافر به " ،
__________
(1) قوله " قطع " ، أي حال . وانظر ما سلف ص 230 : تعليق : 4 ، وص 330 تعليق : 1 .
(2) الأثر : 814 - في ابن كثير 1 : 150 تضمينًا ، والدر المنثور 1 : 264 ، والشوكاني 1 : 61 .
(3) الأثر : 815 - في ابن كثير 1 : 150 ، والدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 61 .

(1/561)


والخطاب فيه لجميع (1) ، وقوله : " كافر " واحد ؟ وهل نجيز - إن كان ذلك جائزًا - أن يقول قائل : " ولا تكونوا أول رجُل قام " ؟
قيل له : إنما يجوز توحيد ما أضيف له " أفعل " ، وهو خبر لجميع (2) إذا كان اسمًا مشتقًّا من " فعل ويفعل " ، لأنه يؤدِّي عن المرادِ معه المحذوفَ من الكلام وهو " مَنْ " ، ويقوم مقامه في الأداء عن معنى ما كان يؤدي عنه " مَنْ " من الجمع والتأنيث ، وهو في لفظ واحد. ألا ترى أنك تقول : ولا تكونوا أوَّلَ من يكفر به. " فمن " بمعنى جميع (3) ، وهو غير متصرف تصرفَ الأسماء للتثنية والجمع والتأنيث. فإذا أقيم الاسمُ المشتق من " فعل ويفعل " مُقَامه ، جرى وهو موحّد مجراه في الأداء عما كان يؤدي عنه " مَنْ " من معنى الجمع والتأنيث ، كقولك : " الجيش مُنهزم " ، " والجند مقبلٌ " (4) ، فتوحِّد الفعلَ لتوحيد لفظ الجيش والجند. وغير جائز أن يقال : " الجيش رجل ، والجند غلام " ، حتى تقول : " الجند غلمان والجيش رجال " . لأن الواحد من عدد الأسماء التي هي غير مشتقة من " فعل ويفعل " ، لا يؤدّي عن معنى الجماعة منهم ، ومن ذلك قول الشاعر :
وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ... وَإِذَا هُمُ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (5)
فوحّد مَرّةً على ما وصفتُ من نية " مَنْ " ، وإقامة الظاهر من الاسم الذي هو مشتق من " فعل ويفعل " مقامه ، وجمع أخرى على الإخراج على عدد أسماء
__________
(1) في المطبوعة في المواضع الثلاثة : " لجمع . . . لجمع . . . جمع " .
(2) في المطبوعة في المواضع الثلاثة : " لجمع . . . لجمع . . . جمع " .
(3) في المطبوعة في المواضع الثلاثة : " لجمع . . . لجمع . . . جمع " .
(4) في المطبوعة . " الجيش ينهزم ، والجند يقبل " ، وهو خطأ صرف .
(5) نوادر أبي زيد : 152 ، لرجل جاهلي ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 33 ، وهي ثلاثة أبيات نوادر ، وقبله : ومُوَيْلكٌ زمَعُ الكِلابِ يَسُبُّنِي ... فَسَماعِ أسْتَاهَ الكلابِ سَمَاعِ
هَلْ غير عَدْوِكُمُ عَلَى جَارَاتكُمْ ... لبُطُونِكُمْ مَلَثَ الظَّلامِ دَوَاعِي
وقوله : " طعموا " أي شبعوا ، فهم عندئذ ألأم من شبع . وفي الحديث : " طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة " ، يعني شبع . الواحد قوت الاثنين ، وشبع الاثنين قوت الأربعة .

(1/562)


المخبر عنهم ، ولو وحَّد حيث جَمع ، أو جمع حيث وحَّد ، كان صوابًا جائزًا (1) .
وأما تأويل ذلك (2) فإنه يعني به : يا معشر أحبار أهل الكتاب ، صدِّقوا بما أنزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المصدِّق كتابَكم ، والذي عندكم من التوراة والإنجيل ، المعهود إليكم فيهما أنه رسولي ونبيِّيَ المبعوثُ بالحق ، ولا تكونوا أوَّل أمّتكُمْ كذَّبَ به (3) وَجحد أنه من عندي ، وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم.
وكفرهم به : جُحودهم أنه من عند الله (4) . والهاء التي في " به " من ذكر " ما " التي مع قوله : " وآمنوا بما أنزلت " . كما : -
817 - حدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، قال قال ابن جريج في قوله : " ولا تكونوا أوّل كافر به " ، بالقرآن. (5)
قال أبو جعفر : وروى عن أبي العالية في ذلك ما : -
818 - حدثني به المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " ولا تكونوا أول كافر به " ، يقول : لا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. (6) .
وقال بعضهم : " ولا تكونوا أول كافر به " ، يعني : بكتابكم. ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبًا منهم بكتابهم ، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ عليه التلاوة بعيدانِ. وذلك أن الله جل ثناؤه
__________
(1) انظر مثل ما قال الطبري في معاني القرآن للفراء 1 : 32 - 33 .
(2) في المطبوعة : " فأما . . . " بالفاء .
(3) في المطبوعة : " أول من كذب به " ، والذي أثبتناه هو صواب بيان الطبري .
(4) في المخطوطة : " وكفرهم به وجحودهم . . . " وهو خطأ .
(5) الأثر : 817 - في الدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 61 .
(6) الأثر : 818 - في ابن كثير 1 : 150 ، والدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 61 .

(1/563)


أمر المخاطبين بهذه الآية في أولها بالإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال جل ذكره : " وآمِنُوا بما أنزلتُ مصدقًا لما معكم " . ومعقول أن الذي أنزله الله في عصر محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا محمد ، لأن محمدًا صلوات الله عليه رسولٌ مرسل ، لا تنزيلٌ مُنْزَل ، والمنْزَل هو الكتاب. ثم نهاهم أن يكونوا أوَّل من يكفر بالذي أمرهم بالإيمان به في أول الآية (1) ، ولم يجر لمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ذكرٌ ظاهر ، فيعاد عليه بذكره مكنيًّا في قوله : " ولا تكونوا أول كافر به " - وإن كان غير محال في الكلام أن يُذْكر مكنيُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهر في الكلام (2) .
وكذلك لا معنى لقول من زعم أنّ العائد من الذكر في " به " على " ما " التي في قوله : " لما معكم " . لأن ذلك ، وإن كان محتمَلا ظاهرَ الكلام (3) ، فإنه بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإيمان به في أول الآية هو القرآن. فكذلك الواجب أن يكون المنهيُّ عن الكفر به في آخرها هو القرآن (4) . وأما أن يكون المأمور بالإيمان به غيرَ المنهيّ عن الكفر به ، في كلام واحد وآية واحدة ، فذلك غير الأشهر الأظهر في الكلام. هذا مع بُعْد معناه في التأويل. (5) .
819 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد
__________
(1) في المطبوعة زيادة بين هاتين الجملتين ، وهي مقحمة مفسدة للكلام نابية في السياق . ونصها " . . . في أول الآية من أهل الكتاب ، فذلك هو الظاهر المفهوم . ولم يجر لمحمد . . . " .
(2) بيان الطبري جيد محكم ، وإن ظن بعض من نقل كلامه أن كلا القولين صحيح ، لأنهما متلازمان . لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن (ابن كثير 1 : 150) . ونعم ، كلا القولين صحيح المعنى في ذاته ، ولكن الطبري يحدد دلالة الألفاظ والضمائر في الآية ، ويعين ما يحتمله ظاهر التلاوة والتنزيل ، ويخلص معنى من معنى ، وإن كان كلاهما صحيحًا في العقل ، صحيحًا في الحكم ، صحيحًا في الدين . وما أكثر ما يتساهل الناس إذا تقاربت المعاني ، ولا يخلص معنى من معنى إلا بصير بالعربية كأبي جعفر رضي الله عنه .
(3) في المطبوعة : " محتمل ظاهر الكلام " .
(4) في المخطوطة : " . . . أن الأمر بالإيمان به في أول الآية . . . أن يكون النهي عن الكفر به في آخرها . . . " ، والذي في المطبوعة أجود وأبين .
(5) وهذا أيضًا من جيد البصر ؛ بمنطق العربية ، وإن ظنه بعضهم قريبًا من قريب .

(1/564)


بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به " ، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك :
820 - فحدثني المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " ولا تشترُوا بآياتي ثمنًا قليلا " ، يقول : لا تأخذوا عليه أجرًا. قال : هو مكتوب عندهم في الكتاب الأول : يا ابنَ آدم ، عَلِّمْ مَجَّانًا كما عُلِّمتَ مَجَّانًا (2) .
وقال آخرون بما : -
821 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا " ، يقول : لا تأخذوا طمَعًا قليلا وتكتُموا اسمَ الله ، وذلك الثمن هو الطمع (3) .
__________
(1) الخبر : 819 - من تمام الأخبار السالفة الأرقام 805 ، 811 ، في الدر المنثور 1 : 63 .
(2) الأثر : 820 - من تمام الأثر السالف رقم : 818 ومراجعه هناك . وفي ابن كثير 1 : 151 . والمجان : عطية الشيء بلا منة ولا ثمن . قال أبو العباس : سمعت ابن الأعرابي يقول : المجان عند العرب الباطل ، وقالوا : " ماء مجان " . قال الأزهري : العرب تقول : تمر " مجان " ، وماء " مجان " ، يريدون أنه كثير كاف . قال : واستطعمني أعرابي تمرًا فأطعمته كتلة واعتذرت إليه من قلته ، فقال : هذا والله " مجان " . أي كثير كاف . وقولهم : أخذه مجانًا : أي بلا بدل ، وهو فعال لأنه ينصرف (اللسان : مجن) .
(3) الأثر : 821 - في ابن كير 1 : 151 . وفي المطبوعة وابن كثير : " فذلك الطمع هو الثمن " ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو أجود .

(1/565)


فتأويل الآية إذًا : لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيسٍ وعَرضٍ من الدنيا قليل. وبيعُهم إياه - تركهم إبانةَ ما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس ، وأنه مكتوب فيه أنه النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل - بثمن قليل ، وهو رضاهم بالرياسة على أتباعهم من أهل ملتهم ودينهم ، وأخذهم الأجرَ ممَّن بيّنوا له ذلك على ما بيّنوا له منه.
وإنما قلنا بمعنى ذلك : " لا تبيعوا " (1) ، لأن مشتري الثمن القليل بآيات الله بائعٌ الآياتِ بالثمن ، فكل واحد من الثمَّن والمثمَّن مبيع لصاحبه ، وصاحبه به مشتري : وإنما معنى ذلك على ما تأوله أبو العالية (2) ، بينوا للناس أمر محمّد صلى الله عليه وسلم ، ولا تبتغوا عليه منهم أجرًا. فيكون حينئذ نهيُه عن أخذ الأجر على تبيينه ، هو النهيَ عن شراء الثمن القليل بآياته.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ }
قال أبو جعفر : يقول : فاتقونِ - في بَيعكم آياتي بالخسيس من الثمن ، وشرائكم بها القليل من العَرَض ، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيِّي - أنْ أُحِلّ بكم ما أحللتُ بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنَّقِمَات.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : " ولا تلبسُوا " ، لا تخلطوا. واللَّبْس هو الخلط.
__________
(1) في المطبوعة : " وإنما قلنا معنى ذلك . . . " .
(2) في المطبوعة : " وإنما معناه على ما تأوله . . . " .

(1/566)


يقال منه : لَبَست عليه هذا الأمر ألبِسُه لبسًا : إذا خلطته عليه (1) . كما : -
822 - حُدِّثت عن المنجاب ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) [سورة الأنعام : 9] يقول : لخلطنا عليهم ما يخلطون (2) .
ومنه قول العجاج :
لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي (3)
يعني بقوله : " لبسن " ، خلطن. وأما اللُّبس فإنه يقال منه : لبِسْته ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا ، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها (4) . ومن اللُّبس قول الأخطل :
لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ واشْتَعَلا (5)
ومن اللبس قول الله جل ثناؤه : ( وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ). [سورة الأنعام : 9]
* * *
فإن قال لنا قائل (6) وكيف كانوا يلبِسون الحق بالباطل وهم كفّار ؟ وأيُّ حق كانوا عليه مع كفرهم بالله ؟
قيل : إنه كان فيهم منافقون منهم يظهرون التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ويستبطنون الكفر به. وكان عُظْمُهم يقولون (7) : محمد نبيٌّ مبعوث ، إلا أنه
__________
(1) في المطبوعة : " لبست عليهم الأمر . . . خلطته عليهم " .
(2) الخبر : 822 - لم أجده في مكان ، ولم يذكره الطبري في مكانه من تفسير هذه الآية في سورة الأنعام (7 : 98 بولاق) .
(3) ديوانه : 65 . غني عن الشيء واستغنى : اطرحه ورمى به من عينه ولم يلتفت إليه .
(4) في المطبوعة : " وذلك في الكسوة . . . " ، بالزيادة .
(5) ديوانه : 142 ، وفيه " وقد لبست " . وأعصر جمع عصر : وهو الدهر والزمان . وعني هنا اختلاف الأيام حلوها ومرها ، فجمع . ولبس له أعصره : عاش وقاسى خيره وشره . وتجلل الشيب رأسه : علاه .
(6) في المطبوعة : " إن قال . . . " .
(7) في المطبوعة : " وكان أعظمهم . . . " ، وهو تحريف قد مضى مثله مرارًا . وعظم الشيء : معظمه وأكثره .

(1/567)


مبعوث إلى غيرنا. فكان لَبْسُ المنافق منهم الحقَّ بالباطل ، إظهارَه الحقّ بلسانه ، وإقرارَه بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به جهارًا (1) ، وخلطه ذلك الظاهر من الحق بما يستبطنه (2) . وكان لَبْسُ المقرّ منهم بأنه مبعوث إلى غيرهم ، الجاحدُ أنه مبعوث إليهم ، إقرارَه بأنه مبعوث إلى غيرهم ، وهو الحق ، وجحودَه أنه مبعوث إليهم ، وهو الباطل ، وقد بَعثه الله إلى الخلق كافة. فذلك خلطهم الحق بالباطل ولَبْسهم إياه به. كما : -
823 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قوله : " ولا تلبِسُوا الحق بالباطل " ، قال : لا تخلطوا الصدق بالكذب (3) .
824 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " ولا تلبِسُوا الحقّ بالباطل " ، يقول : لا تخلطوا الحق بالباطل ، وأدُّوا النصيحةَ لعباد الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم (4) .
825 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " ، اليهوديةَ والنصرانية بالإسلام (5) .
826 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد في قوله : " ولا تلبِسُوا الحقّ بالباطل " ، قال : الحقّ ، التوراةُ الذي أنزل الله على موسى ، والباطلُ : الذي كتبوه بأيديهم (6) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وإقراره لمحمد . . . " .
(2) في المطبوعة : " بالباطل الذي يستبطنه " .
(3) الخبر : 823 - في ابن كثير 1 : 152 ، والدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 62 .
(4) الأثر : 824 - في ابن كثير 1 : 152 .
(5) الأثر : 825 - لم أجده عن مجاهد ، ومثله عن قتادة في ابن كثير 1 : 152 ، والدر المنثور 1 : 64 .
(6) الأثر : 826 - في الدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 62 .

(1/568)


وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) }
قال أبو جعفر : وفي قوله : " وتكتموا الحق " ، وجهان من التأويل :
أحدُهما : أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق ، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل. فيكون تأويل ذلك حينئذ : و لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق. ويكون قوله : " وتكتموا " عند ذلك مجزومًا بما جُزِم به " تلبسوا " ، عطفًا عليه.
والوجه الآخر منهما : أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل ، ويكون قوله : " وتكتموا الحق " خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه ، فيكون قوله : " وتكتموا " حينئذ منصوبًا لانصرافه عن معنى قوله : " ولا تلبسوا الحق بالباطل " ، إذ كان قوله : " ولا تلبسوا " نهيًا ، وقوله " وتكتموا الحق " خبرًا معطوفًا عليه ، غيرَ جائز أن يعاد عليه ما عمل في قوله : " تلبسوا " من الحرف الجازم. وذلك هو المعنى الذي يسميه النحويون صَرْفًا (1) . ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر :
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (2)
__________
(1) ذكر هذا الفراء في كتابه معاني القرآن 1 : 33 - 34 ، ثم قال : " فإن قلت : وما الصرف ؟ قلت : أن تأتي بالواو معطوفًا على كلام في أوله حادثه لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها ، فإذا كان كذلك فهو الصرف ، كقول الشاعر : . . . " وأنشد البيت وقال : " ألا ترى أنه لا يجوز إعادة " لا " في " تأتي مثله " ، فلذلك سمى صرفًا ، إذ كان معطوفًا ، ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي قبله " .
(2) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد . كما قال صاحب الخزانة 3 : 617 . نسبه سيبويه 1 : 424 للأخطل ، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي ، ونسب لسابق البربري ، وللطرماح ، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (3 : 618) ، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة 1373ه (1954م) ، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى . ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها .

(1/569)


فنصب " تأتي " على التأويل الذي قلنا في قوله : " وتكتموا " (1) ، لأنه لم يرد : لا تنه عن خُلق ولا تأت مثله ، وإنما معناه : لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله ، فكان الأول نهيًا ، والثاني خبرًا ، فنصبَ الخبر إذ عطفه على غير شكله.
فأما الوجه الأول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تحتملهما ، فهو على مذهب ابن عباس الذي : -
827 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قوله : " وتكتموا الحق " ، يقول : ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون.
828 - وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وتكتموا الحق " ، أي ولا تكتموا الحق. (2) .
وأما الوجه الثاني منهما ، فهو على مذهب أبي العالية ومجاهد.
829 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " ، قال : كتموا بعث محمد صلى الله عليه وسلم (3) .
830 - وحدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه.
831 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه.
__________
(1) في المطبوعة : " وتكتموا ، الآية ، لأنه . . . " ، وهو خطأ في قراءة ما في المخطوطة وهو : " وتكتموا إلا أنه لم يرد " .
(2) الخبران : 827 ، 828 - لم أجدهما بنصهما في مكان ، وثانيهما في ضمن خبر ابن عباس الذي سلف تخريجه رقم : 819 ، وفي ابن كثير 1 : 152 ، والدر المنثور 1 : 63 .
(3) الأثر : 829 - لم أجده في مكان .

(1/570)


وأما تأويل الحق الذي كتموه وهم يعلمونه ، فهو ما : -
832 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وتكتموا الحق " ، يقول : لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. (1)
833 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " وتكتموا الحق " ، يقول : إنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله ، فنهاهم عن ذلك. (2)
834 - وحدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " ، قال : يكتم أهل الكتاب محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل (3) .
835 - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
836 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وتكتموا الحقَّ وأنتم تعلمون " ، قال : الحقُّ هو محمد صلى الله عليه وسلم (4) .
837 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن
__________
(1) الخبر : 832 - في ابن كثير 1 : 152 ، والدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 61 .
(2) الخبر : 833 - في الدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 62 ، إلا قوله : " فنهاهم عن ذلك " وفي المطبوعة " . . . رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
(3) الأثر : 834 - في ابن كثير 1 : 152 تضمينًا .
(4) الأثر : 836 - في ابن كثير 1 : 152 تضمينًا ، وفي الدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 62 .

(1/571)


وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

الربيع ، عن أبي العالية : " وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " ، قال : كتَموا بعثَ محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم (1) .
838 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : تكتمون محمدًا وأنتم تعلمون ، وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل (2) .
فتأويل الآية إذًا : ولا تخلطوا على الناس - أيها الأحبار من أهل الكتاب - في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه ، وتزعموا أنه مبعوثٌ إلى بعض أجناس الأمم دون بعض ، أو تنافقوا في أمره ، وقد علمتم أنه مبعوث إلى جميعكم وجميع الأمم غيركم ، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب ، وتكتموا به ما تجدونه في كتابكم من نعته وصفته ، وأنه رسولي إلى الناس كافة ، وأنتم تعلمون أنه رسولي ، وأن ما جاء به إليكم فمن عندي ، وتعرفون أن من عهدي - الذي أخذت عليكم في كتابكم - الإيمانَ به وبما جاء به والتصديقَ به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) }
قال أبو جعفر : ذُكِر أن أحبارَ اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه ، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به ، وإيتاء زكاة أموالهم معهم ، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا.
839 - كما حُدِّثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدّثنا ابن أبي جعفر ، عن
__________
(1) الأثر : 837 - لم أجده في مكان .
(2) الأثر : 838 - لم أجده بنصه في مكان . وفي المطبوعة : " تكتمون محمدًا . . . " .

(1/572)


أبيه ، عن قتادة ، في قوله : " وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة " ، قال : فريضتان واجبتان ، فأدُّوهما إلى الله (1) .
وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادته (2) .
أما إيتاءُ الزكاة ، فهو أداء الصدقة المفروضة. وأصل الزَّكاة ، نماءُ المال وتثميرُه وزيادتُه. ومن ذلك قيل : زكا الزرع ، إذا كثر ما أخرج الله منه. وزَكتِ النَّفقة ، إذا كثرتْ. وقيل زكا الفَرْدُ ، إذا صارَ زَوْجًا بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا ، كما قال الشاعر :
كَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ... لَمْ يُخْلَقُوا ، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ (3)
وقال آخر :
فَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا (4)
قال أبو جعفر : السفا شوك البُهْمَى ، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء (5) .
__________
(1) الأثر : 839 - لم أجده في مكان .
(2) انظر ما مضى ص : 241 - 242 .
(3) اللسان (خسا) ، وفيه : " الفراء : العرب تقول للزوج زكا ، وللفرد خسا . . . قال ، وأنشدتني الدبيرية . . . " وأنشد البيت . وتعتلج : تصطرع ويمارس بعضها بعضا .
(4) لرجل من بني سعد ، ثم أحد بني الحارث في عمرو بن كعب بن سعد . وهذا الرجز في خبر للأغلب العجلي ، (طبقات فحول الشعراء : 572 / ومعجم الشعراء : 490 / والأغاني 18 : 164) ورواية الطبقات والأغاني : " كما شرار الرعى " . والرعى (بكسر فسكون) : الكلأ نفسه ، والمرعى أيضًا . والسفا : شوط البهمي والسنبل وكل شيء له شوك . يقول : أنت في قومك كالسفا في البهمي ، هو شرها وأخبثها . والبيت الأول زيادة ليست في المراجع المذكورة .
(5) البهمي : من أحرار البقول ، (وهي ما رق منها ورطب وأكل غير مطبوخ) ، تنبت كما ينبت الحب ، ثم يبلغ بها النبت إلى أن تصير مثل الحب ، ترتفع قدر الشبر ، ونباتها ألطف من نبات البر ، وطعمها طعم الشعير ، ويخرج لها إذا يبست شوك مثل شوك السنبل ، (وهو السفا) ، وإذا وقع في أنوف الإبل أنفت منه ، حتى ينزعه الناس من أفواهها وأنوفها . وفي المطبوعة : " في السلى " بتشديد الياء ، وفي المخطوطة " في السلى " بضم السين وتشديد اللام . والصواب ما أثبته ، والسلاء جمع سلاءة ، وهي شوكة النخلة ، وأراد بها سفا البهمي أي شوكها .

(1/573)


يعني بقوله : " ولا زكا " ، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ ، بحدوثه فيهم (1) .
وإنما قيل للزكاة زكاة ، وهي مالٌ يخرجُ من مال ، لتثمير الله - بإخراجها مما أخرجت منه - ما بقي عند ربِّ المال من ماله. وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة ، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل ، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (2) ، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى صلوات الله عليه : ( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ) [سورة الكهف : 74] ، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل : هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى (3) . وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل ، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها.
وإيتاؤها : إعطاؤُها أهلها.
وأما تأويل الرُّكوع ، فهو الخضوع لله بالطاعة. يقال منه : ركع فلانٌ لكذا وكذا ، إذا خضع له ، ومنه قول الشاعر :
بِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا... مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا (4)
__________
(1) قوله : " بحدوثه فيهم " ، أي بوجوده في هؤلاء القوم . والعديد (في الرجز) ، من قولهم فلان عديد بني فلان : أي يعد فيهم وليس منهم : يريد أنه إذا دخل في قوم لم يعد فيهم شيئًا ، فإذا كانوا شفعًا ، لم يصيرهم دخوله وترًا ، وإذا كانوا وترًا لم يصيرهم شفعًا ، فهو كلا شيء في العدد . يهجوه ويستسقطه .
(2) السهمان جمع سهم ، كالسهام : وهو النصيب والحظ .
(3) في المطبوعة : " بذلك المعنى " وليست بشيء .
(4) هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزماني (من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل) رواها أبو تمام في الوحشيات رقم 130 (مخطوطة عندي) ، ورواها الجاحظ في الحيوان 4 : 281 ، وجاء فيه : " قال الزيادي " وهو تحريف وتصحيف كما ترى . وهذه الأبيات من مناقضة كانت بين الزماني ويحيى بن أبي حفصة . وذلك أن يحيى تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فهاجاه عصام الزماني وقال : أَرَى حَجْرًا تغيَّر واقشعرَّا ... وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرًّا
فأجابه يحيى بأبيات منها : ألا مَنْ مُبلغٌ عنِّى عِصَامًا ... بأَنِّي سَوْفَ أَنْقُضُ مَا أَمرَّا
هكذا روى المرزباني في معجم الشعراء : 270 ، وروى أبو الفرج في أغانيه 10 : 75 أن يحيى خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقري ابنته وأختيه ، فأنعم له بذلك . فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل ، فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة ، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر ، (وهو مكان) .
وأبيات عصام الزماني ، ونقيضتها التي ناقضه بها يحيى ، من جيد الشعر ، فاقرأها في الوحشيات ، والحيوان ، والشعر والشعراء : 740 ، ورواية الحيوان والوحشيات " بِيعَتْ بوَكْسٍ قَليلٍ واسْتَقَلَّ بِهَا "
الوكس : اتضاع الثمن في البيع . وفي المخطوطة والمطبوعة " بكسر لئيم " ، وهو تحريف لا معنى له ، وأظن الصواب ما أثبت اجتهادًا . والكسر : أخس القليل . وقوله : " بيعت " الضمير لابنة مقاتل بن طلبة المنقري التي تزوجها يحيى أو أحد بنيه . يقول : باعها أبوها بثمن بخس دنئ خسيس ، فزوجها مستغيثًا ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة ، فزوجها هذا الغنى اللئيم الدنيء ، ليستعين بمهرها .

(1/574)


يعني : بعد مَا خضَع من شِدَّة الجهْد والحاجة.
قال أبو جعفر : وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه - لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها - بالإنابة والتوبة إليه ، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والدخولِ مع المسلمين في الإسلام ، والخضوع له بالطاعة ؛ ونهيٌ منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد تظاهر حججه عليهم ، بما قد وصفنا قبل فيما مضى من كتابنا هذا ، وبعد الإعذار إليهم والإنذارِ ، وبعد تذكيرهم نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطُّفًا منه بذلك عليهم ، وإبلاغًا في المعذرة (1) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وإبلاغا إليهم . . . " بالزيادة .

(1/575)


أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)

بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى البر الذي كان المخاطبون بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم ، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة لله فهي تسمى " برا " . فروي عن ابن عباس ما : -
840 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهدة من التوراة ، وتتركون أنفسكم : (1) أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون من كتابي.
841 - وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (أتأمرون الناس بالبر) يقول : أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة ، وتنسون أنفسكم .
* * *
__________
(1) في المطبوعة ، وفي المراجع : " والعهد من التوراة " . والعهد والعهدة واحد .

(1/7)


وقال آخرون بما : -
842 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثني عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) قال : كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه.
843 - وحدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) قال : كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون ، فعيرهم الله.
844 - وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا الحجاج ، قال : قال ابن جريج : (أتأمرون الناس بالبر) أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس ، فعيرهم الله بذلك ، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة.
* * *
وقال آخرون بما : -
845 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء ، أمروه بالحق. فقال الله لهم : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) (1)
846 - وحدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم الجَرْمي ، قال : حدثنا مخلد بن الحسين ، عن أيوب السختياني ، عن أبي قلابة ، في قول الله : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) قال : قال أبو الدرداء : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا. (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 845 - في ابن كثير 1 : 154 ، وفيه " إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه . . . " وفي المخطوطة : " يسألهم ليس فيه " .
(2) الخبر : 846 - نقله ابن كثير 1 : 154 عن هذا الموضع . وذكره السيوطي 1 : 64 ، ونسبه أيضًا لعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وقلده الشوكاني 1 : 65 . وقد رواه البيهقي ص : 210 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، به نحوه . و " مسلم الجرمي " : وقع في ابن كثير في هذا الموضع " أسلم " ، وهو خطأ مطيعي . ووقع فيه وفي نسخ الطبري " الحرمي " ، بالحاء . وقد رجحنا في ترجمته - فيما مضى : 154 أنه بالجيم . وذكرنا مصادر ترجمته هناك ، ونزيد هنا أنه ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 4 / 1 /188 ، ووصفه بأنه " من الغزاة " . وشيخه " مخلد بن الحسين " - بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة : ثقة معروف ، قال ابن سعد : " كان ثقة فاضلا " وقال أبو داود : " كان أعقل أهل زمانه " . وأبو قلابة : هو عبد الله ابن زيد الجرمي ، أحد الأعلام من ثقات التابعين ، وأرى أن روايته عن أبي الدرداء مرسلة ، فإن أبا الدرداء مات سنة 32 ، وأبو قلابة متأخر الوفاة ، مات سنة 104 ، وقيل : 107 .

(1/8)


قال أبو جعفر : وجميع الذي قال في تأويل هذه الآية من ذكرنا قوله متقارب المعنى; لأنهم وإن اختلفوا في صفة " البر " الذي كان القوم يأمرون به غيرهم ، الذين وصفهم الله بما وصفهم به ، فهم متفقون في أنهم كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل ، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم.
فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذا : أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه ؟ فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم ؟ معيرهم بذلك ، ومقبحا إليهم ما أتوا به. (1)
* * *
ومعنى " نسيانهم أنفسهم " في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه : ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [التوبة : 67] بمعنى : تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (تتلون) : تدرسون وتقرءون. كما : -
847 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس : (وأنتم تتلون الكتاب) ،
__________
(1) في المطبوعة : " ومقبحا إليهم " .

(1/9)


يقول : تدرسون الكتاب بذلك. ويعني بالكتاب : التوراة. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (أفلا تعقلون) (2) أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التي تأمرون الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتم راكبوها ، وأنتم تعلمون أن الذي عليكم من حق الله وطاعته ، و اتباع محمد والإيمان به وبما جاء به ، (3) مثل الذي على من تأمرونه باتباعه. كما :
848 - حدثنا به محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس : (أفلا تعقلون) يقول : أفلا تفهمون ؟ فنهاهم عن هذا الخلق القبيح. (4)
* * *
قال أبو جعفر : وهذا يدل على صحة ما قلنا من أمر أحبار يهود بني إسرائيل غيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنهم كانوا يقولون : هو مبعوث إلى غيرنا! كما ذكرنا قبل. (5)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (واستعينوا بالصبر) : استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم - من طاعتي واتباع أمري ، وترك ما تهوونه
__________
(1) الخبر : 847 - في الدر المنثور 1 : 64 ، وتتمته في الخبر الآتي إلا قوله : " ويعني بالكتاب التوراة " وأخشى أن تكون من كلام الطبري .
(2) في المخطوطة : " يعني بذلك أفلا تفقهون " . . .
(3) في المطبوعة : " في اتباع محمد . . . " .
(4) الخبر : 848 - من تتمة الأثر السالف . وفي المطبوعة : " فنهاهم " .
(5) انظر ما مضى رقم : 840 - 841.

(1/10)


من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري ، واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم - بالصبر عليه والصلاة.
* * *
وقد قيل : إن معنى " الصبر " في هذا الموضع : الصوم ، و " الصوم " بعض معاني " الصبر " . وتأويل من تأول ذلك عندنا (1) أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله ، وترك معاصيه. وأصل الصبر : منع النفس محابَّها ، وكفها عن هواها; ولذلك قيل للصابر على المصيبة : صابر ، لكفه نفسه عن الجزع; وقيل لشهر رمضان " شهر الصبر " ، لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارا ، (2) وصبره إياهم عن ذلك : (3) حبسه لهم ، وكفه إياهم عنه ، كما تصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله. (4) ولذلك قيل : قتل فلان فلانا صبرا ، يعني به : حبسه عليه حتى قتله ، فالمقتول " مصبور " ، والقاتل " صابر " .
* * *
وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فيما مضى. (5)
* * *
فإن قال لنا قائل : قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة ، فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله ، وترك معاصيه ، والتعري عن الرياسة ، وترك الدنيا ؟ قيل : إن الصلاة فيها تلاوة كتاب الله ، الداعية آياته إلى رفض الدنيا وهجر
__________
(1) في المطبوعة : " . . . بعض معاني الصبر عندنا بل تأويل ذلك عندنا . . . " وفي المخطوطة : " . . . بعض معاني الصبر عند تأويل من تأول ذلك عندنا . . . " وكأن الصواب ما أثبته .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " لصبره صائمة . . . " ، ولكن الكلام لا يستقيم لاختلال الضمائر في الجملة التالية .
(3) الضمير في قوله " وصبره " إلى شهر رمضان .
(4) في المخطوطة والمطبوعة : " كما يصبر . . . فيحبسه . . . حتى يقتله " كله بالياء ، والصواب ما أثبته .
(5) انظر ما مضى : 1 : 242 - 243 .

(1/11)


نعيمها ، المسلية النفوس عن زينتها وغرورها ، المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها. ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة الله على الجد فيها ، كما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
849 - حدثني بذلك إسماعيل بن موسى الفزاري ، قال : حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني ، عن ابن جرير ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " . (1)
850 - وحدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدثنا خلف بن الوليد الأزدي ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، قال : قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى " . (2) .
851 -
__________
(1) الحديث : 849 - " الحسين بن رتاق الهمداني " : هكذا ثبت في المطبوعة . ولم أجد راويا بهذا الاسم ولا ما يشبهه ، فيما لدى من المراجع ، وفي المخطوطة " الحسين بن زياد الهمداني " - ولم أجد في الرواة من يسمى " الحسين بن زياد " إلا اثنين ، لم ينسب واحد منهما همدانيا ، ولا يصلح واحد منهما في هذا الإسناد : أحدهما : " حسين بن زياد " ، دون وصف آخر ، ترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 387 برقم : 2881 ، وذكر أنه يروي عن عكرمة ، ويروي عنه جرير بن حازم ، وجرير مات سنة 175 فهذا قديم جدا ، لا يدركه إسماعيل بن موسى الفزاري المتوفي سنة 245 . والثاني " حسين ابن زياد أبو علي المروزي " ترجمه البخاري عقب ذاك ، وذكر أنه مات سنة 220 . فهذا متأخر عن أن يدرك الرواية عن ابن جريج المتوفى سنة 150 . وعكرمة بن عمار : هو العجلي اليمامي . وفي المخطوطة " عكرمة عن عمار " . وهو خطأ . والحديث سيأتي عقب هذا بإسناد آخر صحيح .
(2) الحديث : 850 - هو الذي قبله بمعناه : " خلف بن الوليد " : هو أبو الوليد العتكي الجوهري ، و " العتكي " : نسبة إلى " العتيك " ، بطن من الأزد. وهو من شيوخ أحمد الثقات. يحيى ابن زكريا : هو ابن أبي زائدة. محمد بن عبد الله الدؤلي : هو " محمد بن عبيد أبو قدامة " الذي في الإسناد السابق. ووقع في الأصول هنا " محمد بن عبيد بن أبي قدامة " . وهو خطأ. بل " أبو قدامة " كنية " محمد بن عبيد " . وقد حققنا ترجمته في شرح حديث آخر في المسند : 6548 ، ورجحنا أن ابن أبي زائدة أخطأ في اسمه ، فسماه " محمد بن عبد الله " . والحديث رواه أحمد في المسند 5 : 388 (حلبي) عن إسماعيل بن عمر ، وخلف بن الوليد ، كلاهما عن يحيى بن زكريا. ورواه أبو داود : 1319 ، عن محمد بن عيسى ، عن يحيى بن زكريا - بهذا الإسناد. وأشار إليه البخاري في الكبير 1 /1 172 ، في ترجمة " محمد بن عبيد أبي قدامة الحنفي " ، قال : " وقال النضر عن عكرمة ، عن محمد بن عبيد أبي قدامة ، سمع عبد العزيز أخا حذيفة ، عن حذيفة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. وقال ابن أبي زائدة : عن عكرمة عن محمد ابن عبد الله الدؤلي " . و " النضر " الذي يشير إليه البخاري : هو النضر بن محمد الجريشي اليمامي. و " عبد العزيز بن اليمان " : هو أخو حذيفة بن اليمان ، كما صرح بنسبه في الرواية السابقة ، وكما وصف بذلك في هذه الرواية ، وفي روايتي المسند والبخاري في الكبير. وأما رواية أبي داود ففيها " عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة " . وكذلك في رواية ابن منده ، التي أشار إليها الحافظ في الإصابة 5 : 159. ورجح الحافظ في ذلك الموضع ، وفي التهذيب 6 : 364 - 365 أنه ابن أخي حذيفة ، لا أخوه. ولكن أكثر الرواة ذكروا أنه أخوه ، كما أشرنا ، لم يخالفهم إلا " محمد بن عيسى " شيخ أبي داود - فيما رأيت. فلا أدري مم هذا الترجيح ؟ بل الذي أراه ترجيح رواية الأكثر ، ومنهم " النضر ابن محمد " ، وكان مكثرا للرواية عن عكرمة بن عمار. وبذلك جزم ابن أبي حاتم في ترجمة " عبد العزيز بن اليمان " في كتاب الجرح والتعديل 2 /2 /399 ، لم يذكر خلافا ولا قولا آخر. والحديث ذكره أيضًا ابن كثير 1 : 157 - 158 من روايات المسند وأبي داود والطبري ثم ذكر نحوه مطولا ، من رواية محمد نصر المروزي في كتاب الصلاة.

(1/12)


وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا هريرة منبطحا على بطنه فقال له : " اشكنب درد " ؟ قال : نعم ، قال : قم فصل ؛ فإن في الصلاة شفاء . (1)
__________
(1) الحديث : 851 - هكذا ذكره الطبري معلقا ، دون إسناد. وقد رواه أحمد في المسند : 9054 (2 : 390 حلبي) ، عن أسود بن عامر ، عن ذواد أبي المنذر ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة. ثم رواه مرة أخرى : 9229 (2 : 403حلبي) ، عن موسى بن دواد ، عن ذواد. وكذلك رواه ابن ماجه : 3458 ، بإسنادين عن ذواد. و " ذواد " : بفتح الذال المعجمة وتشديد الواو وآخره دال مهملة. وضبطه صاحب الخلاصة " ذؤاد " بضم المعجمةوبعدها همزة مفتوحة ، وهو خطأ. وذواد : هو ابن علبة الحارثي ، وكان شيخا صالحا صدوقا ، وضعفه ابن معين ، فقال : " ليس بشيء " وترجمه البخاري في الكبير 2 / 1 /241 ، والصغير ، ص : 214 ، وقال : " يخالف في بعض حديثه " . وروى هذا الحديث في الصغير عن ابن الأصبهاني ، عن المحاربي ، عن ليث ، عن مجاهد : " قال لي أبو هريرة : يا فارسي ، شكم درد " ثم قال البخاري : " قال ابن الأصبهاني : ورفعه ذواد ، وليس له أصل ، أبو هريرة لم يكن فارسيا ، إنما مجاهد فارسي " . فهذا تعليل دقيق من ابن الأصبهاني ، ثم من البخاري ، يقضي بضعف إسناد الحديث مرفوعا.قوله في متن الرواية " اشكنب درد " : كتب عليها في طبعة بولاق ما نصه : " يعني : تشتكي بطنك ، بالفارسية. كذا بهامش الأصل " . وكذلك ثبت هذا اللفظ في المسند ، إلا الموضع الأول فيه كتب " ذرد " بنقطة فوق الدال الأولى ، وهو تصحيف. وثبت هذا اللفظ في رواية البخاري في التاريخ الصغير ، ص 214 : " شكم درد " . وفي رواية ابن ماجه " اشكمت درد " . وكتب الأستاذ فؤاد عبد الباقي شارحا له : " بالفارسية : اشكم ، أي بطن. ودرد ، أي وجع. والتاء للخطاب. والهمزة همزة وصل. كذا حققه الدكتور حسين الهمداني. ومعناه : أتشتكي بطنك ؟ ولكن جاء في تكملة مجمع بحار الأنوار ، ص 7 (أشكنب ددم). وفي رواية بسكون الباء " . وأنا أرى أن النقل الأخير فيه خطأ. لأني نقلت في أوراق على المسند قديما أن صوابها " أشكنب دردم " . وأكبر ظني الآن أنى نقلت ذاك عن تكملة مجمع بحار الأنوار ، وهو ليس في متناول يدى حين أكتب هذا.

(1/13)


فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال له : (فاصبر) يا محمد( عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ) [طه : 130] فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصبر والصلاة. وقد : -
852 - حدثنا محمد بن العلاء ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم ، وهو في سفر ، فاسترجع. ثم تنحى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) .
(1)
* * *
وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما : -
853 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال يقول : استعينوا
__________
(1) الخبر : 852 - إسناده صحيح . عيينة بن عبد الرحمن : ثقة . وأبوه عبد الرحمن بن جرشن الغطفاني : تابعى ثقة .
الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 68 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، والبيهقي في الشعب.
قُثَم بن العباس بن عبد المطلب ، أخو عبد الله بن العباس. وأمه أم الفضل كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح سماعه عنه ، فإنه كان في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوق ثمان. وخرج مع سعيد بن عثمان زمن معاوية إلى سمرقند ، فاستشهد بها. استرجع : قال : " إنا لله وإنا إليه راجعون " .

(1/14)


وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

بالصبر والصلاة على مرضاة الله ، واعلموا أنهما من طاعة الله.
* * *
وقال ابن جريج بما : -
854 - حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال : إنهما معونتان على رحمة الله. (1)
855 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : (واستعينوا بالصبر والصلاة) الآية ، قال : قال المشركون : والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير! قال : إلى الصلاة والإيمان بالله جل ثناؤه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وإنها) ، وإن الصلاة ، ف " الهاء والألف " في " وإنها " عائدتان على " الصلاة " . وقد قال بعضهم : إن قوله : (وإنها) بمعنى : إن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر فتجعل " الهاء والألف " كناية عنه ، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته. (2)
* * *
ويعني بقوله : (لكبيرة) : لشديدة ثقيلة. كما : -
856 - حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا ابن يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) قال : إنها لثقيلة. (3)
* * *
__________
(1) الأثر : 854 - الحسين : هو سنيد بن داود المصيصي ، و " سنيد " لقب له ، كما مضى : 144 .
(2) الظاهر : هو ما تعرفه العرب من كلامها . والباطن : ما يأتي بالاستنباط من الظاهر على طريق العرب في بيانها . وانظر ما مضى 1 : 72 تعليق : 2 .
(3) الأثر : 856 - في المطبوعة " أخبرنا ابن زيد " ، والصواب " يزيد " من المخطوطة . وهو " يزيد بن هرون " . وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب : 284 .
ومن الرواة عن جويبر : " حماد بن زيد " ، ولا يحتمل أن يكون مرادا في هذا الإسناد ، لأن حماد ابن زيد مات سنة 179 . فلا يحتمل أن يروي عنه يحيى بن أبي طالب ، لأنه ولد سنة 182 ، كما في ترجمته في تاريخ بغداد للخطيب 14 : 220 - 221 .

(1/15)


ويعني بقوله : (إلا على الخاشعين) : إلا على الخاضعين لطاعته ، الخائفين سطواته ، المصدقين بوعده ووعيده. كما : -
856 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (إلا على الخاشعين) يعني المصدقين بما أنزل الله.
857 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم العسقلاني ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (إلا على الخاشعين) قال : يعني الخائفين.
858 - وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد : (إلا على الخاشعين) قال : المؤمنين حقا. (1)
859 - وحدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
860 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الخشوع : الخوف والخشية لله. وقرأ قول الله : ( خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ) [الشورى : 45] قال : قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم ، وخشعوا له.
* * *
__________
(1) الأثر : 858 - محمد بن عمرو ، هو : محمد بن عمرو بن العباس ، أبو بكر الباهلي ، وهو من شيوخ الطبري الثقات ، أكثر من الرواية عنه ، مات سنة 249 . وله ترجمة في تاريخ بغداد 3 : 127 . و " أبو عاصم " : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد . و " سفيان " : هو الثوري . و " جابر " : هو ابن يزيد الجعفي .
وهكذا جاء هذا الإسناد في هذا الموضع في المخطوطة . ووقع في المطبوعة " محمد بن جعفر " بدل " محمد بن عمرو " ، وهو خطأ لا شك فيه .
إنما الشبهة هنا : أن هذا الإسناد " أبو عاصم ، عن سفيان ، عن جابر " _ يرويه الطبري في أكثر المواضع " عن محمد بن بشار " ، عن أبي عاصم . وأما روايته عن " محمد بن عمرو " ، فإنما هي لإسناد " أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد " . والأمر قريب ، ولعله روى هذا وذاك .

(1/16)


الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

وأصل " الخشوع " : التواضع والتذلل والاستكانة ، ومنه قول الشاعر : (1)
لما أتى خبر الزبير تواضعت... سور المدينة والجبال الخشع (2)
يعني : والجبال خشع متذللة لعظم المصيبة بفقده.
* * *
فمعنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله ، وكفها عن معاصي الله ، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر ، المقربة من مراضي الله ، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله ، المستكينين لطاعته ، المتذللين من مخافته.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة ، أنه " يظن " أنه ملاقيه ، والظن : شك ، والشاك في لقاء الله عندك بالله كافر ؟
قيل له : إن العرب قد تسمي اليقين " ظنا " ، والشك " ظنا " ، نظير تسميتهم الظلمة
__________
(1) الشعر لجرير .
(2) ديوان جرير : 345 ، والنقائض : 969 ، وقد جاء منسوبا له في تفسيره (1 : 289 /7 : 157 بولاق ) ، وطبقات ابن سعد : 3/1/ 79 ، وسيبويه 1 : 25 ، والأضداد لابن الأنباري : 258 ، والخزانة 2 : 166 . استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل ، لما أضاف " سور " إلى مؤنث وهو " المدينة " ، وهو بعض منها . قال سيبويه : " وربما قالوا في بعض الكلام : " ذهبت بعض أصابعه " ، وإنما أنث البعض ، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه ، ولو لم يكن منه لم يؤنثه . لأنه لو قال : " ذهبت عبد أمك " لم يحسن . (1 : 25) .
وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه ، فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه حين انصرف يوم الجمل ، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق ، فرماه فقتله غيلة . ووصف الجبال بأنها " خشع " . يريد عند موته ، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع .

(1/17)


" سدفة " ، والضياء " سدفة " ، والمغيث " صارخا " ، والمستغيث " صارخا " ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده. ومما يدل على أنه يسمى به اليقين ، قول دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج... سراتهم في الفارسي المسرد (1)
يعني بذلك : تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم. وقول عميرة بن طارق :
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم... وأجعل مني الظن غيبا مرجما (2)
يعني : وأجعل مني اليقين غيبا مرجما. والشواهد من أشعار العرب وكلامها
__________
(1) الأصمعيات : 23 ، وشرح الحماسة 2 : 156 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 40 ، وسيأتي غير منسوب في 25 : 83 ، وغير منسوب في 13 : 58 برواية أخرى : " فظنوا بألفي فارس متلبب " ، وقبل البيت في رواية الأصمعي : وقلت لعارض ، وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء ، والقوم شهدي
علانية ظنوا . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورواية أبي تمام : " نصحت لعارض " . . " فقلت لهم ظنوا . . " وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة ، وهو عارض ، المذكور في شعره . المدجج : الفارس الذي قد تدجج في شكته ، أي دخل في سلاحه ، كأنه تغطى به . والسراة جمع سري : وهم خيار القوم من فرسانهم . والفارسي المسرد : يعني الدروع الفارسية ، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي : إذا مشينا في الفارسي كما ... يمشى جمال مَصاعبٌ قُطُفُ
السرد : إدخال حلق الدرع بعضها في بعض. والمسرد : المحبوك النسج المتداخل الحلق. ينذر أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدوا من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله.
(2) نقائض جرير والفرزدق : 53 ، 785 ، والأضداد لابن الأنباري . 12 وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي ، قالها في خبر له مع الحوفزان ، ورواية النقائض : " وأجلس فيكم . . . " ، و " أجعل علمي ظن غيب مرجما " . وقبل البيت : فلا تأمرني يا ابن أسماء بالتي ... تجر الفتى ذا الطعم أن يتكلما
ذو الطعم " ذو الحرم . وتجر ، من الإجرار : وهو أن يشق لسان الفصيل ، إذا أرادوا فطامه ، لئلا يرضع . يعني يحول بينه وبين الكلام .
وغزا الأمر واغتزاه : قصده ، ومنه الغزو : وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه ، والمرجم : الذي لا يوقف على حقيقة أمره ، لأنه يقذف به على غير يقين ، من الرجم : وهو القذف .
هذا ، والبيت ، كما رواه في النقائض ، ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين . ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى .

(1/18)


على أن " الظن " في معنى اليقين أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية.
ومنه قول الله جل ثناؤه : ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) [الكهف : 53] وبمثل الذي قلنا في ذلك جاء تفسير المفسرين.
861 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (يظنون أنهم ملاقو ربهم) قال : إن الظن ههنا يقين.
862 - وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن يقين ، " إني ظننت " ، " وظنوا " .
863 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا أبو داود الحفري ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن فهو علم. (1)
864 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) أما " يظنون " فيستيقنون.
865 - وحدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) علموا أنهم ملاقو ربهم ، هي كقوله : ( إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ) [الحاقة : 20] يقول : علمت.
866 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) قال : لأنهم لم يعاينوا ، فكان ظنهم يقينا ،
__________
(1) الأثر : 863 - إسحاق : هو ابن راهويه الإمام الحافظ . أبو داود الحفري - بالحاء المهملة والفاء المفتوحتين - هو : عمر بن سعد بن عبيد . ووقع في تفسير ابن كثير 1 : 159 " أبو داود الجبري " ، وهو تصحيف . وسفيان : هو الثوري .

(1/19)


وليس ظنا في شك. وقرأ : (إني ظننت أني ملاق حسابيه).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف قيل إنهم ملاقو ربهم ، فأضيف " الملاقون " إلى الرب تبارك وتعالى ، وقد علمت أن معناه : الذين يظنون أنهم يلقون ربهم ؟ وإذ كان المعنى كذلك ، فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبات النون ، وإنما تسقط النون وتضيف ، في الأسماء المبنية من الأفعال ، إذا كانت بمعنى " فعل " ، فأما إذا كانت بمعنى " يفعل وفاعل " ، فشأنها إثبات النون ، وترك الإضافة.
قيل : لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها في إجازة إضافة الاسم المبني من " فعل ويفعل " ، وإسقاط النون وهو بمعنى " يفعل وفاعل " ، أعني بمعنى الاستقبال وحال الفعل ولما ينقض ، فلا وجه لمسألة السائل عن ذلك : لم قيل ؟ وإنما اختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون.
فقال نحويو البصرة : أسقطت النون من : (ملاقو ربهم) وما أشبهه من الأفعال التي في لفظ الأسماء وهي في معنى " يفعل " وفي معنى ما لم ينقض استثقالا لها ، وهي مرادة كما قال جل ثناؤه : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) [سورة آل عمران : 185 الأنبياء : 35 العنكبوت : 57] ، وكما قال : ( إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ) [القمر : 27] ولما يرسلها (1) بعد; وكما قال الشاعر :
__________
(1) في المطبوعة : " ولما يرسلها بعد " .

(1/20)


هل أنت باعث دينار لحاجتنا... أو عبد رب أخا عون بن مخراق? (1)
فأضاف " باعثا " إلى " الدينار " ، ولما يبعث ، ونصب " عبد رب " عطفا على موضع دينار ، لأنه في موضع نصب وإن خفض ، وكما قال الآخر : (2)
الحافظو عورة العشيرة ، لا... يأتيهم من ورائهم نطف (3)
بنصب " العورة " وخفضها ، فالخفض على الإضافة ، والنصب على حذف النون استثقالا وهي مرادة. وهذا قول نحويي البصرة. (4)
* * *
وأما نحويو الكوفة فإنهم قالوا : جائز في(ملاقو) الإضافة ، وهي في معنى يلقون ، وإسقاط النون منه لأنه في لفظ الأسماء ، فله في الإضافة إلى الأسماء حظ الأسماء. وكذلك حكم كل اسم كان له نظيرا. قالوا : وإذا أثبت في شيء من ذلك النون وتركت الإضافة ، فإنما تفعل ذلك به لأن له معنى يفعل الذي لم يكن ولم يجب بعد. قالوا : فالإضافة فيه للفظ ، وترك الإضافة للمعنى.
* * *
__________
(1) سيبويه 1 : 87 ، والخزانة 3 : 476 ، والعيني 3 : 563 . قال صاحب الخزانة : " البيت من أبيات سيبويه التي لم يعرف قائلها . وقال ابن خلف : قيل هو لجابر بن رألان السنبسي ، وسنبس أبو حي من طيء . ونسبه غير خدمة سيبويه إلى جرير ، وإلى تأبط شرا ، وإلى أنه مصنوع والله أعلم بالحال! " . دينار وعبد رب ، رجلان . والشاهد فيه نصب " عبد رب " على موضع " دينار " ، لأن المعنى : هل أنت باعث دينارا أو عبد رب .
(2) هو عمرو بن امرئ القيس ، من بني الحارث بن الخزرج ، وهو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، جاهلي قديم .
(3) جمهرة أشعار العرب : 127 ، سيبويه 1 : 95 ، واللسان (وكف) والخزانة 2 : 188 ، 337 ، 483 / 3 : 400 ، 473 . وهو من قصيدة يقولها لمالك بن العجلان النجاري في خبر مذكور . والعورة : المكان الذي يخاف منه مأتى العدو . والنطف : العيب والريبة ، يقال : هم أهل الريب والنطف . وهذه رواية سيبويه والطبري ، وأما رواية غيره فهي : " من ورائنا وكف " ، والوكف العيب والنقص .
(4) قال سيبويه 1 : 95 : " لم يحذف النون للإضافة ، ولا ليعاقب الاسم النون ، ولكن حذفوها كما حذفوها من اللذين والذين ، حين طال الكلام ، وكان الاسم الأول منتهاه الاسم الآخر " .

(1/21)


فتأويل الآية إذا : واستعينوا على الوفاء بعهدي بالصبر عليه والصلاة ، وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخائفين عقابي ، المتواضعين لأمري ، الموقنين بلقائي والرجوع إلي بعد مماتهم.
وإنما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبيرة إلا على من هذه صفته; لأن من كان غير موقن بمعاد ولا مصدق بمرجع ولا ثواب ولا عقاب ، فالصلاة عنده عناء وضلال ، لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضر ، وحق لمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة عليه كبيرة ، وإقامتها عليه ثقيلة ، وله فادحة.
وإنما خفت على المؤمنين المصدقين بلقاء الله ، الراجين عليها جزيل ثوابه ، الخائفين بتضييعها أليم عقابه ، لما يرجون بإقامتها في معادهم من الوصول إلى ما وعد الله عليها أهلها ، ولما يحذرون بتضييعها ما أوعد مضيعها. فأمر الله جل ثناؤه أحبار بني إسرائيل الذين خاطبهم بهذه الآيات ، أن يكونوا من مقيميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقين بأنهم إلى الله راجعون ، وإياه في القيامة ملاقون.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) }
قال أبو جعفر : و " الهاء والميم " اللتان في قوله : (وأنهم) من ذكر الخاشعين ، و " الهاء " في " إليه " من ذكر الرب تعالى ذكره في قوله : (ملاقو ربهم) فتأويل الكلمة : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعون.
* * *
ثم اختلف في تأويل " الرجوع " الذي في قوله : (وأنهم إليه راجعون) فقال بعضهم ، بما : -

(1/22)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

867 - حدثني به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (وأنهم إليه راجعون) ، قال : يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم.
* * *
وأولى التأويلين بالآية ، القول الذي قاله أبو العالية; لأن الله تعالى ذكره ، قال في الآية التي قبلها : (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) فأخبر جل ثناؤه أن مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم ، وذلك لا شك يوم القيامة ، فكذلك تأويل قوله : (وأنهم إليه راجعون).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك في هذه الآية نظير تأويله في التي قبلها في قوله : (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي). وقد ذكرته هنالك (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) }
قال أبو جعفر : وهذا أيضا مما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم. ويعني بقوله : (وأني فضلتكم على العالمين) : أني فضلت أسلافكم ، فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم ، إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء ،
__________
(1) انظر 1 : 555 - 559

(1/23)


والنعم عند الآباء نعما عند الأبناء ، لكون الأبناء من الآباء ، وأخرج جل ذكره قوله : (وأني فضلتكم على العالمين) مخرج العموم ، وهو يريد به خصوصا; لأن المعنى : وإني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه (1) . كالذي : -
868 - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر - وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر - عن قتادة ، (وأني فضلتكم على العالمين) قال : فضلهم على عالم ذلك الزمان.
869 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (وأني فضلتكم على العالمين) قال : بما أعطوا من الملك والرسل والكتب ، على عالم من كان في ذلك الزمان ، فإن لكل زمان عالما.
870 - حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد في قوله : (وأني فضلتكم على العالمين) قال : على من هم بين ظهرانيه.
871 - وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : على من هم بين ظهرانيه.
872 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت ابن زيد عن قول الله : (وأني فضلتكم على العالمين) ، قال : عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله : ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [الدخان : 32] قال : هذه لمن أطاعه واتبع أمره ، وقد كان فيهم القردة ، وهم أبغض خلقه إليه ، وقال لهذه الأمة : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) [آل عمران : 110] قال :
__________
(1) انظر 1 : 143 - 146 ، ثم 151 - 152 . يقال لكل ما كان في وسط شيء ومعظمه : " هو بين ظهرينا وظهرانينا " على تقدير أنه مقيم بين ظهر من وراءه وظهر من أمامه ، فهو مكنوف من جانبيه ، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا . ويقال أيضًا : " هو بين أظهرهم مقيم " بهذا المعنى . ويقال أيضًا : " لقيته بين ظهراني الليل " ، أي بين العشاء والفجر ، وعلى هذا فقس استعمال هذه الكلمة .

(1/24)


هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه.
* * *
قال أبو جعفر : والدليل على صحة ما قلنا من أن تأويل ذلك على الخصوص الذي وصفنا ما : -
873 - حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر جميعا ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة " - قال يعقوب في حديثه : أنتم آخرها - . وقال الحسن : " أنتم خيرها وأكرمها على الله " . (1)
* * *
فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وأن معنى قوله : ( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [الجاثية : 16] وقوله : (وأني فضلتكم على العالمين) على ما بينا من تأويله.
__________
(1) الحديث : 873 - بهز ، بفتح الباء وسكون الهاء : هو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري. وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن المديني وغيرهما ، ولا حجة لمن تكلم فيه ، وقد ترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 /143 ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 430 - 431. بل أخرج له البخاري في الصحيح تعليقا ، كما ذكر الحافظ في الإصابة 6 : 112 ، في ترجمة جده. أبوه حكيم بن معاوية : تابعي ثقة ، ترجمه البخاري 2 / 1 /12 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 207. وجده معاوية بن حيدة : صحابي ثابت الصحبة ، قال ابن سعد في الطبقات 7 / 1 /22 : " وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسلم وصحبه ، وسأله عن أشياء ، وروى عنه أحاديث " . وترجمه البخاري 4 / 1 /329 ، وقال : " سمع النبي صلى الله عليه وسلم " .
وهذا الحديث رواه الطبري هنا بإسنادين : من طريق ابن علية عن بهز ، ومن طريق معمر بن راشد عن بهز. وسيأتي بهذين الإسنادين منفصلين (4 : 30 بولاق).
ورواه الترمذي 4 : 82 - 83 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن بهز ، عن أبيه ، عن جده : " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ، في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ، قال : أنتم تتمون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله " . ثم قال الترمذي : " هذا حديث حسن. وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم ، نحو هذا ، ولم يذكروا فيه (كنتم خير أمة أخرجت للناس) " . ورواه ابن ماجه : 4288 ، من طريق ابن علية ، عن بهز. ورواه الإمام أحمد في المسند (5 : 3 حلبي) ، عن يزيد بن هرون ، عن بهز. ورواه (5 : 5) ، عن يحيى القطان ، عن بهز.
ورواه الدارمي 2 : 313 ، عن النضر بن شميل ، عن بهز.ورواه ابن ماجه أيضًا : 4287 ، من طريق ابن شوذب ، عن بهز.
ثم لم ينفرد به بهز عن أبيه حكيم ، إذ رواه أيضًا سعيد بن إياس الجريري : فرواه الإمام أحمد (4 : 447) ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن الجريري ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه ، بنحوه. ورواه أيضًا مطولا (5 : 3) ، عن حسن بن موسى ، عن حماد بن سلمة ، عن الجريري. والحديث ذكره ابن كثير 1 : 160 ، نسبه إلى " المسانيد والسنن " . ثم ذكره مرة أخرى 2 : 214 ، عن " مسند الإمام أحمد ، وجامع الترمذي ، وسنن ابن ماجه ، ومستدرك الحاكم " . ثم قال عقبه : " وهو حديث مشهور. وقد حسنه الترمذي " .

(1/25)


وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

وقد أتينا على بيان تأويل قوله : (العالمين) بما فيه الكفاية في غير هذا الموضع ، فأغنى ذلك عن إعادته (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) : واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا. وجائز أيضا أن يكون تأويله : واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا ، كما قال الراجز :
قد صبحت ، صبحها السلام... بكبد خالطها سنام
في ساعة يحبها الطعام (2)
وهو يعني : يحب فيها الطعام. فحذفت " الهاء " الراجعة على " اليوم " ، إذ فيه اجتزاء
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 143 - 146 .
(2) الكامل 1 : 22 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 6 ، 186 وغيرهما . صبح القوم : سقاهم الصبوح ، وهو ما يشرب صباحا من لبن أو خمر . يدعو لها بالخير من حسن ما أطعمته على مسغبة كابدها .

(1/26)


- بما ظهر من قوله : (واتقوا يوما لا تجزي نفس) الدال على المحذوف منه - عما حذف ، إذ كان معلوما معناه.
وقد زعم قوم من أهل العربية أنه لا يجوز أن يكون المحذوف في هذا الموضع إلا " الهاء " . وقال آخرون : لا يجوز أن يكون المحذوف إلا " فيه " . وقد دللنا فيما مضى على جواز حذف كل ما دل الظاهر عليه. (1)
* * *
وأما المعنى في قوله : (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) فإنه تحذير من الله تعالى ذكره عباده الذين خاطبهم بهذه الآية - عقوبته أن تحل بهم يوم القيامة ، وهو اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ، ولا يجزي فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. (2)
* * *
وأما تأويل قوله : " لا تجزي نفس " فإنه يعني : لا تغني : كما : -
874 - حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " واتقوا يوما لا تجزي نفس " أما " تجزي " : فتغني.
* * *
أصل " الجزاء " - في كلام العرب - : القضاء والتعويض. يقال : " جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء " ، بمعنى : قضيته دينه. ومن ذلك قيل : " جزى الله فلانا عني خيرا أو شرا " ، بمعنى : أثابه عني وقضاه عني ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إلي. وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب : " يقال أجزيت عنه كذا " : إذا أعنته عليه ، وجزيت عنك فلانا : إذا كافأته
وقال آخرون منهم : بل " جَزَيْتُ عنك " قضيت عنك. و " أجزَيتُ " كفيت.
__________
(1) انظر 1 : 139 - 141 ، 179 ، وانظر لسان العرب (جزى) .
(2) تضمين من آية سورة لقمان : 33 .

(1/27)


وقال آخرون منهم : بل هما بمعنى واحد ، يقال : " جزت عنك شاة وأجزَت ، وجزى عنك درهم وأجزى ، ولا تجزي عنك شاة ولا تجزي " بمعنى واحد ، إلا أنهم ذكروا أن " جزت عنك ، ولا تُجزي عنك " من لغة أهل الحجاز ، وأن " أجزأ وتجزئ " من لغة غيرهم. وزعموا أن تميما خاصة من بين قبائل العرب تقول : " أجزأت عنك شاة ، وهي تجزئ
عنك " .وزعم آخرون أن " جزى " بلا همز : قضى ، و " أجزأ " بالهمز : كافأ (1) فمعنى الكلام إذا : واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى.
فإن قال لنا قائل : وما معنى : لا تقضي نفس عن نفس ، ولا تغني عنها غنى ؟
قيل : هو أن أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه. وأما في الآخرة فإنه فيما أتتنا به الأخبار عنها - يسر الرجل أن يَبْرُدَ له على ولده أو والده حق . (2) وذلك أن قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسيئات. كما :
875 - حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأزدي ، قالا : حدثنا المحاربي ، عن أبي خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله عبدا كانت عنده لأخيه مَظلمة في عِرض - قال أبو كريب في حديثه : أو مال أو جاه ، فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثَمَّ دينار ولا درهم ، فإن كانت له حسنات أخذوا من حسناته ، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم " (3)
__________
(1) انظر ما جاء في ذلك في لسان العرب (جزى) ، والذي جاء به الطبري أتم وأبين.
(2) يرد عليه حق : وجب ولزم . ويرد لي كذا وكذا : أي ثبت . ويقال : لي عليه ألف بارد ، أي ثابت .
(3) الحديث : 875 - هذا إسناد صحيح. نصر بن عبد الرحمن الأزدي : سبق في. 423 ، وأثبت في الشرح هناك " التاجي " ، وهو سهو ، صوابه " الناجي " بالنون. و " الأزدي " بالزاي ، وفي المطبوعة هنا " الأودي " بالواو ، وهو خطأ. المحاربي : هو عبد الرحمن بن محمد ، سبق في : 221. أبو خالد الدالاني ، يزيد بن عبد الرحمن : تكلموا فيه ، والحق أنه ثقة ، وثقه أبو حاتم وغيره ، وترجمه البخاري في الكبير 4/2 /346 - 347 ، وابن أبي حاتم 4/2 /277 ، فلم يذكرا فيه جرحا. وهو مترجم في التهذيب في الكني ، لخلاف في اسم أبيه ، ولكن رجح الترمذي والطبري ما ذكرنا ، وكذلك رجح البخاري وابن أبي حاتم. " الدالاني " في المطبوعة هنا " الدولابي " ، وهو خطأ ، صححناه من المخطوطة .
والحديث رواه الترمذي 3 : 292 ، عن هناد ، ونصر بن عبد الرحمن ، كلاهما عن المحاربي ، بهذا الإسناد ، ثم قال : " هذا حديث حسن صحيح . وقد روى مالك بن أنس ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه " .
وقوله أثناء الحديث " قال أبو كريب " ، في المطبوعة " قال أبو بكر " ، وهو خطأ واضح ، صحته من المخطوطة .

(1/28)


876 - حدثنا أبو عثمان المقدمي ، قال : حدثنا الفروي ، قال : حدثنا مالك ، عن المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . (1)
877 - حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : حدثنا أبو همام الأهوازي ، قال : أخبرنا عبد الله بن سعيد ، عن سعيد عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. (2)
__________
(1) الحديث : 876 - هو الحديث السابق ، بمعناه ، ولكن من رواية مالك. وهي الرواية التي نقلنا إشارة الترمذي إليها.أبو عثمان المقدمي - بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المفتوحة : وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر ، نسب إلى " مقدم " أحد أجداده. وهو ثقة ، ترجمه ابن أبي حاتم 1/1/ 73 ، وقال : " سمعت منه بمكة ، وهو صدوق " ، وترجمه السمعاني في الأنساب ، في الورقة : 539 والخطيب في تاريخ بغداد 4 : 398 - 399 ، مات سنة 264. الفروي : بفتح الفاء وسكون الراء ، نسبة إلى أحد أجداده ، وفي المطبوعة بالقاف بدل الفاء ، وهو تصحيف . وهو : إسحاق بن محمد بن أبي فروة ، أحد الرواة عن مالك ، وأحد شيوخ البخاري ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم بغير حجة. وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند : 7425 والحديث من طريق مالك : رواه البخاري 11 : 343 - 344 (فتح الباري) ، عن إسماعيل - وهو ابن أبي أويس ، ابن أخت مالك ونسيبه - عن مالك. ورواه أحمد في المسند : 9613 (2 : 435 حلبي) ، من طريق مالك وابن أبي ذئب ، كلاهما عن المقبري. ثم رواه أيضًا : 10580 (2 : 506) ، من طريق ابن أبي ذئب. ورواه البخاري أيضًا 5 : 73 ، من طريق ابن أبي ذئب. وأوله في هذه الروايات : " من كانت عنده مظلمة...) ، فذكر نحوه ، بمعناه.
(2) الحديث : 877 - هو الحديث السابق ، بنحوه ، من طريق أخرى. أبو همام الأهوازي : هو محمد بن الزبرقان ، وهو ثقة ، وترجمه البخاري في الكبير 1 /1 / 87 ، وقال : " معروف الحديث " ، ابن أبي حاتم 3 / 2 / 260 ، وأخرج له الشيخان في الصحيحين. عبد الله بن سعيد : أنا أرجح أنه " عبد الله بن سعيد بن أبي هند " ، وهو ثقة. وبعيد أن يكون " عبد الله بن سعيد المقبري " ، إذ يأباه سياق الإسناد ، لو كان إياه لكان " عبد الله بن سعيد عن أبيه " . أما وهو " عبد الله بن سعيد عن سعيد " - فالظاهر أنه غير ابن سعيد المقبري. والحديث صحيح بكل حال ، بالأسانيد السابقة.

(1/29)


878 - حدثنا موسى بن سهل الرملي ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا عبد العزيز الدراوردي ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم وعليه دين ، فإنه ليس هناك دينار ولا درهم ، إنما يقتسمون هنالك الحسنات والسيئات " وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يمينا وشمالا. (1)
879 - حدثني محمد بن إسحاق ، قال : قال : حدثنا سالم بن قادم ، قال : حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى ، قال : أخبرني الحارث بن مسلم ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي هريرة. (2)
* * *
قال أبو جعفر : فذلك معنى قوله جل ثناؤه : (لا تجزي نفس عن نفس شيئا)
__________
(1) الحديث : 878 - هذا إسناد صحيح متصل عن ابن عباس ، ولم أجده في مسند الإمام أحمد ، ولا في الكتب الستة ، ولا في مجمع الزوائد ، ولا أشار إليه الترمذي في قوله " وفي الباب " . فهو فائدة زائدة ، يستفاد من رواية أبي جعفر رحمه الله .
(2) الحديث : 879 - هذا إسناد فيه إشكال لم أستطع تحقيقه. أما " سلم بن قادم " : فإنه " سلم " بفتح السين وسكون اللام. وفي المطبوعة هنا " سالم " بالألف بعد السين ، وهو خطأ. وسلم هذا : بغدادي ثقة ، يروي عن سفيان بن عيينة ، وبقية بن الوليد ، وغيرهما. ترجمه ابن أبي حاتم 2 /1 / 268 ، والخطيب في تاريخ بغداد 9 : 145 - 146. وله ترجمة موجزة في لسان الميزان 3 : 65.
وأبو معاوية هاشم بن عيسى : هو هاشم بن أبي هريرة الحمصي ، اشتهر بالانتساب إلى كنية أبيه ، أعنى " هاشم بن أبي هريرة " . ترجمة ابن أبي حاتم 4 / 2 / 105 ، ولم يذكر فيه جرحا. وله ترجمة غير محررة في لسان الميزان 6 : 184 ، ذكر فيها اسم الراوي عنه " مسلم بن قادم " ، وهو تحريف.
وأما الإشكال في الإسناد ، ففي " الحارث بن مسلم " ، الراوي هنا عن الزهري. فما أدري من ذا ؟ ولا ما صحته ؟ ولعل فيه تحريفا لم أستطع إدراكه. ثم لم أجد هذا الحديث من حديث أنس قط ، بعد طول البحث والتتبع. وهناك في المستدرك للحاكم 4 : 576 ، حديث آخر لأنس ، من وجه آخر فيه بعض هذا المعنى. إسناده ضعيف.

(1/30)


يعني : أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها; لأن القضاء هنالك من الحسنات والسيئات على ما وصفنا. وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسره أن يثبت له على ولده أو والده حق ، فيؤخذ منه ولا يتجافى له عنه ؟ . (1)
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى قوله : (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) : لا تجزي منها أن تكون مكانها.
وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده. (2) وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل : " ما أغنيت عني شيئا " ، بمعنى : ما أغنيت مني أن تكون مكاني ، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء ، قالوا : " لا يجزي هذا من هذا " ، ولا يستجيزون أن يقولوا : " لا يجزي هذا من هذا شيئا " .
فلو كان تأويل قوله : (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) ما قاله من حكينا قوله لقال : (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس) كما يقال : لا تجزي نفس من نفس ، ولم يقل : " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " . وفي صحة التنزيل بقوله : " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " أوضح الدلالة على صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ }
قال أبو جعفر : و " الشفاعة " مصدر من قول الرجل : " شفع لي فلان إلى فلان شفاعة (4) وهو طلبه إليه في قضاء حاجته. وإنما قيل للشفيع " شفيع وشافع " لأنه
__________
(1) في المطبوعة : " فيأخذه منه " ، والذي في المخطوطة أعرب . تجافى له عن الشيء : أعرض عنه ولم يلازمه بطلبه ، وتجاوز له عنه .
(2) انظر ما مضى في معنى " ظاهر " 1 ، 72 ، تعليق : 2 ، وهذا الجزء 2 : 15 .
(3) هذا من جيد البيان عن معاني اللغة ، وهو منهج من النظر سبق به الطبري كل من تكلم في الفصل بين معاني الكلام العربي .
(4) في المخطوطة : " شفع لي فلان شفاعة " . بالحذف .

(1/31)


ثنى المستشفع به ، فصار به شفعا (1) فكان ذو الحاجة - قبل استشفاعه به في حاجته - فردا ، فصار صاحبه له فيها شافعا ، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة. ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض " شفيعا " لمصير البائع به شفعا. (2)
* * *
فتأويل الآية إذا : واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره ، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع ، فيترك لها ما لزمها من حق.
وقيل : إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها ، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل ، وكانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه ، وسيشفع لنا عنده آباؤنا. فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة ، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه. كما : -
880 - حدثني عباس بن أبي طالب ، قال : حدثنا حجاج بن نصير ، عن شعبة ، عن العوام بن مراجم - رجل من قيس بن ثعلبة - ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عثمان بن عفان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة ، كما قال الله عز وجل( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا )... [الأنبياء : 47] الآية (3)
__________
(1) في المطبوعة : " المستشفع له " ، وهو خطأ ، كما يدل عليه تمام الكلام .
(2) قال ابن قتيبة في تفسير " الشفعة " : " كان الرجل في الجاهلية ، إذا أراد بيع منزل ، أتاه رجل فشفع إليه فيما باع ، فشفعه وجعله أولى بالميبع ممن بعد سببه . فسميت شفعة ، وسمى طالبها شفيعا " . والشفعة في الدار والأرض : القضاء بها لصاحبها (اللسان : شفع) .
(3) الحديث : 880 - عباس بن أبي طالب : هو عباس بن جعفر بن الزبرقان البغدادي ، وهو ثقة ، مترجم في التهذيب ، ترجمه ابن أبي حاتم 3 / 1 /215 ، والخطيب في تاريخ بغداد 12 : 411 - 142. " العوام بن مراجم " . بالراء والجيم ، ثبت في الأصول " مزاحم " بالزاي والحاء ، وهو تصحيف.
والحديث ضعيف الإسناد ، من أجل حجاج بن نصير الفساطيطي. وقد رواه عبد الله بن أحمد ، في الزوائد على المسند : 520 ، عن عباس بن محمد وأبي يحيى البزار ، كلاهما عن حجاج بن نصير. وقد فصلنا القول في ضعفه هناك.
وأما معناه فصحيح ثابت ، من حديث أبي هريرة ، رواه أحمد في المسند : 7203. ورواه مسلم ، والترمذي ، وصححه. " الجماء " : لا قرن لها. و " القرناء " : ذات القرن.

(1/32)


فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله - مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده - بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم ؛ وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم ، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله (1) .
وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة ، فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " وأنه قال : " ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي ، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا " . (2)
فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين - بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم - عن كثير من عقوبة إجرامهم بينهم وبينه (3) وأن قوله : (ولا يقبل منها شفاعة) إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل. وليس هذا من مواضع الإطالة في القول في الشفاعة والوعد والوعيد ، فنستقصي الحجاج في ذلك ، وسنأتي على ما فيه الكفاية في مواضعه إن شاء الله .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " في رحمة الله " وليست بجيدة .
(2) حديث : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " : هكذا ذكره الطبري دون إسناد . وهو حديث صحيح ، ذكره السيوطي في الجامع الصغير ، ونسبه لأحمد ، وأبي داود ، والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم - عن أنس . والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والحاكم - عن جابر . انظر شرح المناوي الكبير ، رقم 4892 (ج 4 ص 163) .
وحديث " ليس من نبي " إلخ : كذلك جاء به الطبري دون إسناد . ومعناه ثابت صحيح ، من حديث أنس بن مالك ، رواه البخاري ، ومسلم . انظر الترغيب والترهيب 4 : 213 .
(3) في المطبوعة : " إجرامهم بينه وبينهم " ، والذي في المخطوطة هو الصواب الجيد .

(1/33)


القول في تأويل قوله تعالى{ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ }
قال أبو جعفر : و " العدل " - في كلام العرب بفتح العين - : الفدية ، كما : -
881 - حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ولا يؤخذ منها عدل) قال : يعني فداء.
882 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : (ولا يؤخذ منها عدل) أما عدل : فيعدلها من العدل ، يقول : لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها.
883 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : (ولا يؤخذ منها عدل) قال : لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.
884 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا حسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قال ابن عباس : (ولا يؤخذ منها عدل) قال : بدل ، والبدل : الفدية.
885 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : (ولا يؤخذ منها عدل) قال : لو أن لها ملء الأرض ذهبا لم يقبل منها فداء قال : ولو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.
886 - وحدثني نجيح بن إبراهيم ، قال : حدثنا علي بن حكيم ، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن رجل من بني أمية - من أهل الشام أحسن عليه الثناء - ، قال : قيل يا رسول الله ما العدل ؟ قال : العدل : الفدية (1) .
__________
(1) الحديث : 886 - نجيح بن إبراهيم : لم أجد في كل المراجع التي بين يدى ، غير ترجمة " نجيح بن إبراهيم بن محمد الكرماني " ، في لسان الميزان 6 : 149 ، وأنه كوفي ثقة ، يروي عن أبي نعيم فهو من طبقة شيوخ الطبري. فالراجح أنه هو. علي بن حكيم - بفتح الحاء - هو الأودي الكوفي ، وهو ثقة من شيوخ البخاري ومسلم.حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي ، وأبوه : ثقتان. عمرو بن قيس الملائي - بضم الميم وتخفيف اللام - الكوفي : ثقة من أتباع التابعين. وقد روى هذا الحديث مرفوعا ، عن رجل أبهم اسمه وأثنى عليه ، والراجح أنه تابعي. فيكون الإسناد مرسلا أو منقطعا ، فهو ضعيف ولم أجده عن غير الطبري ، نقله عنه ابن كثير 1 : 161 ، والسيوطي 1 : 68.

(1/34)


وإنما قيل للفدية من الشيء والبدل منه " عدل " ، لمعادلته إياه وهو من غير جنسه; ومصيره له مثلا من وجه الجزاء ، لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا ) [الأنعام : 70] بمعنى : وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها. (1) يقال منه : " هذا عدله وعديله " . وأما " العدل " بكسر العين ، فهو مثل الحمل المحمول على الظهر ، يقال من ذلك : " عندي غلام عدل غلامك ، وشاة عدل شاتك " - بكسر العين - ، إذا كان غلام يعدل غلاما ، وشاة تعدل شاة. (2) وكذلك ذلك في كل مثل للشيء من جنسه. فإذا أريد أن عنده قيمته من غير جنسه نصبت العين فقيل : " عندي عدل شاتك من الدراهم " . وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من " العدل " الذي هو بمعنى الفدية لمعادلة ما عادله من جهة الجزاء ، وذلك لتقارب معنى العدل والعدل عندهم ، فأما واحد " الأعدال " فلم يسمع فيه إلا " عدل " بكسر العين. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) }
وتأويل قوله : (ولا هم ينصرون) يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك المحاباة
__________
(1) الجملة في تفسير الآية ، ساقطة من المخطوطة .
(2) وهذه الجملة في المخطوطة جاءت هكذا : " يقال من ذلك : عندي غلام عدل غلاما وشاة عدل شاة " ، واكتفى بهذا القدر منها ، مع الخطأ البين فيها .
(3) وهذا أيضًا بيان جيد ، قلما تصيبه في كتاب من كتب اللغة .

(1/35)


واضمحلت الرشى والشفاعات ، وارتفع بين القوم التعاون والتناصر (1) وصار الحكم إلى العدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله جل ثناؤه : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) [الصافات : 24 - 26] وكان ابن عباس يقول في معنى : (لا تناصرون) ، ما : -
887 - حدثت به عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ما لكم لا تناصرون) ما لكم لا تمانعون منا ؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم! (2)
* * *
وقد قال بعضهم في معنى قوله : (ولا هم ينصرون) : وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد قيل : ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية.
* * *
قال أبو جعفر : والقول الأول أولى بتأويل الآية لما وصفنا من أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية - لمن استحق من خلقه عقوبته - ، ولا شفاعة فيه ، ولا ناصر له. وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا ، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وارتفع من القوم " ، وهو خطأ . وارتفع هنا : بمعنى ذهب وانقضى مجاز من الارتفاع ، وهو العلو .
(2) الأثر : 887 - لم يذكره في تفسير الآية من سورة الصافات ، انظر (23 : 32 بولاق)

(1/36)


وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

القول في تأويل قوله تعالى{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ }
أما تأويل قوله : (وإذ نجيناكم) فإنه عطف على قوله : (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي). فكأنه قال : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، واذكروا

(2/36)


إنعامنا عليكم - إذ نجيناكم من آل فرعون - بإنجائناكم منهم. (1)
* * *
وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه.
وأصل " آل " أهل ، أبدلت الهاء همزة ، كما قالوا " ماء " (2) فأبدلوا الهاء همزة ، فإذا صغروه قالوا : " مويه " ، فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل ، قالوا : " أهيل " . وقد حكي سماعا من العرب في تصغير " آل " : " أويل " . (3) وقد يقال : " فلان من آل النساء " (4) يراد به أنه منهن خلق ، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن ، كما قال الشاعر :
فإنك من آل النساء وإنما... يَكُنَّ لأدْنَى; لا وصال لغائب (5)
وأحسن أماكن " آل " أن ينطق به مع الأسماء المشهورة ، مثل قولهم : آل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وآل علي ، وآل عباس ، وآل عقيل. وغير مستحسن استعماله مع المجهول ، وفي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك; غير حسن عند أهل العلم بلسان العرب أن يقال : رأيت آل الرجل ، ورآني آل المرأة - ولا - : رأيت آل البصرة ، وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول : " رأيت آل مكة وآل المدينة " . وليس ذلك في كلامهم بالفاشي المستعمل (6) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " بإنجائنا لكم منهم " ، غيروه ليستقيم وما ألفوه من دارج الكلام
(2) في المطبوعة : " كما قالوا : ماه " ، وهو خطأ بين .
(3) انظر مادة (أهل) و(أول) في لسان العرب .
(4) في المطبوعة : " وقد يقال : فلان . . . "
(5) لم أجد البيت ولم أعرف قائله ، وقوله : " يكن لأدنى " يعني للداني القريب الحاضر ، يصلن حباله بالمودة ، أما الغائب فقد تقطعت حباله . وتلك شيمهن ، أستغفر الله بل شيمة أبناء أبينا آدم .
(6) في المطبوعة : " بالمستعمل الفاشي " .

(2/37)


وأما " فرعون " فإنه يقال : إنه اسم كانت ملوك العمالقة بمصر تسمى به ، كما كانت ملوك الروم يسمى بعضهم " قيصر " وبعضهم " هرقل " ، وكما كانت ملوك فارس تسمى " الأكاسرة " واحدهم " كسرى " ، وملوك اليمن تسمى " التبابعة " ، واحدهم " تبع " .
وأما " فرعون موسى " الذي أخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه نجاهم منه فإنه يقال : إن اسمه " الوليد بن مُصعب بن الريان " ، وكذلك ذكر محمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.
888 - حدثنا بذلك محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : أن اسمه الوليد بن مُصعب بن الريان. (1)
* * *
وإنما جاز أن يقال : (وإذ نجيناكم من آل فرعون) ، والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه ، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه ، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم ، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة ، كما يقول القائل لآخر : " فعلنا بكم كذا ، وفعلنا بكم كذا ، وقتلناكم وسبيناكم " ، والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك ، أو أهل بلده ووطنه - كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه ، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية :
ولقد سما لكم الهذيل فنالكم... بإرَابَ ، حيث يقسِّم الأنفالا (2)
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 1 : 199 .
(2) ديوانه : 48 ، ونقائض جرير والأخطل : 77 - 78 . قال الطبري فيما مضى 1 : 366 : " سما فلان لفلان " : إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه " . والهذيل ، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا . وأصاب نعما كثيرا ، وسبى سببا كثيرا ، منهم " الخطفى " جد جرير ، فسمى الهذيل " مجدعا " ، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه . (انظر خبر ذلك في النقائض 473 ، ونقائض جرير والأخطل : 78) نالكم : أدرككم وأصاب منكم ما أصاب . والأنفال جمع نفل (بفتحتين) : وهي الغنائم . وفي المطبوعة : " تقسم " وهي صواب لا بأس بها .

(2/38)


في فيلق يدعو الأراقم ، لم تكن... فرسانه عُزلا ولا أكفالا (1)
ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه ، ولا أدرك إراب ولا شهده. (2) ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير ، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه. فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله : (وإذ نجيناكم من آل فرعون) لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم ، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم. (3) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ }
وفي قوله : (يسومونكم) وجهان من التأويل ، أحدهما : أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل ، فيكون معناه حينئذ : و اذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون (4) وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع " يسومونكم " رفعا.
والوجه الثاني : أن يكون " يسومونكم " حالا فيكون تأويله حينئذ : وإذ نجيناكم
__________
(1) الفيلق : الكتيبة العظيمة . وقوله : " يدعو " الضمير للهذيل . والأراقم : هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، رهط الهذيل . وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان ، وكانوا تحت دثار لهم ، فكشفت الدثار ، فلما رأتهم قالت : " كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم " ، والأراقم جمع أرقم : وهو أخبث الحيات ، وأشدها ترقدا وطلبا للناس . والعزل جمع أعزل : وهو الذي لا سلاح معه ، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون) : وهو الذي لا يثبت على متن فرسه ، ولا يحسن الركوب .
(2) في المطبوعة : " ولم يلق جرير . . . " .
(3) انظر ما سلف قريبا ، 23 - 24
(4) في المطبوعة : " إذ نجيناكم . . . " علي سياق الآية ، وهذه أجود .

(2/39)


من آل فرعون سائميكم سوء العذاب ، فيكون حالا من آل فرعون.
* * *
وأما تأويل قوله : (يسومونكم) فإنه : يوردونكم ، ويذيقونكم ، ويولونكم ، يقال منه : " سامه خطة ضيم " ، إذا أولاه ذلك وأذاقه ، كما قال الشاعر : إن سيم خسفا ، وجهه تربدا (1)
* * *
فأما تأويل قوله : (سوء العذاب) فإنه يعني : ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم : أشد العذاب; ولو كان ذلك معناه لقيل : أسوأ العذاب.
* * *
فإن قال لنا قائل : وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوؤهم ؟ (2)
قيل : هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال : (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) ، وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما : -
889 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : أخبرنا ابن إسحاق ، قال : كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله ، فصنف يبنون ، [وصنف يحرثون] ، وصنف يزرعون له ، فهم في أعماله ، ومن لم يكن منهم في صنعة [له] من عمله : فعليه الجزية - فسامهم - كما قال الله عز وجل : سوء العذاب. (3)
__________
(1) لم أجد الرجز . الخسف : الظلم والإذلال والهوان ، وهي شر ما ينزل بالإنسان ، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان . وتربد وجهه : تلون من الغضب وتغير ، كأنما تسود منه مواضع . وقوله : " وجهه " فاعل مقدم ، أي تربد وجهه .
(2) قوله : " الذي كان يسوؤهم " ، ليس في المخطوطة ، سقط منها .
(3) الأثر : 889 - من خبر طويل في تاريخ الطبري 1 : 199 ، والزيادة بين الأقواس من موضعها هناك ويقال : هؤلاء خول فلان : إذا اتخذهم عبيدا .

(2/40)


وقال السدي : جعلهم في الأعمال القذرة ، وجعل يقتل أبناءهم ، ويستحيي نساءهم :
890 - حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ }
قال أبو جعفر : وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل من سومهم إياهم سوء العذاب ، وذبحهم أبناءهم ، واستحيائهم نساءهم إليهم ، دون فرعون - وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون ، وعن أمره - لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه ، وإن كان عن أمر غيره ، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه ، وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك - سلطانا كان الآمر ، أو لصا خاربا ، أو متغلبا فاجرا. (2) كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون ، وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك ، فعلوا ما فعلوا ، مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما ، فهو المقتول عندنا به قصاصا ، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله. (3)
* * *
__________
(1) الأثر : 890 - من خبر طويل في تاريخ الطبري 1 : 200 ، وانظر ما سيأتي رقم : 895 .
(2) الخارب : اللص الشديد الفساد ، من قولهم : فلان صاحب خربة (بضم فسكون) أي فساد وريبة ، ومنه الخارب : من شدائد الدهر . وأما أصحاب اللغة فيقولون : الخارب : سارق الإبل خاصة ، ثم نقل إلى غيره من اللصوص اتساعا .
(3) في المطبوعة : " وإن كان قتله إياه " ، وهو تصرف لا خير فيه .

(2/41)


وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل ، واستحيائهم نساءهم ، (1) فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي : -
891 - حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي ، قالا حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد ، قال : حدثنا القاسم بن أيوب ، قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا ، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفارُ (2) يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، وأن الصغار يذبحون ، قال : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم ، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ؛ ودعوا عاما. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدته علانية آمنة ، حتى إذا كان القابل حملت بموسى. (3)
892 - وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم ، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي ،
__________
(1) في المطبوعة : " ذبح " ، مكان " ذبحهم " ، وسقط من المخطوطة قوله : " أبناء " .
(2) الشفار جمع شفرة : وهي السكين العريضة العظيمة الحديدة ، تمتهن في قطع اللحم وغيره .
(3) الأثر : 891 - هذا موقوف ، وإسناده صحيح إلى ابن عباس. أما صحة المتن ، فلا نستطيع أن نجزم بها ، لعله مما كان يتحدث به الصحابة عن التاريخ القديم نقلا عن أهل الكتاب. العباس بن الوليد بن مزيد الآملي البيروتي : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وترجمه ابن أبي حاتم 3 /1 / 214 - 215. وتميم بن المنتصر بن تميم الواسطي : ثقة ، مترجم في التهذيب ، وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 1/ 444 - 445. والأصبغ بن زيد بن علي الجهني الواسطي الوراق : ثقة ، وثقه ابن معين وغيره ، مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 1 /2/ 36 ، وابن أبي حاتم 1 / 1/ 320 - 321. القاسم بن أبي أيوب الأسدي الواسطي : ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 /168 - 169 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 107. ووقع في المطبوعة هنا " القاسم بن أيوب " ، وهو خطأ.
وهو في تاريخ الطبري بتمامه 1 : 202 ، مع اختلاف يسير في اللفظ. وفي المخطوطة في هذا الموضع أخطاء من الناسخ تجافينا عن ذكرها. وفي المطبوعة والمخطوطة : " فولدته علانية أمه " ، والصواب من التاريخ.

(2/42)


قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قالت الكهنة لفرعون : إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. قال : فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل ، وعلى كل مائة عشرة ، وعلى كل عشرة رجلا فقال : انظروا كل امرأة حامل في المدينة ، فإذا وضعت حملها فانظروا إليه ، فإن كان ذكرا فاذبحوه ، وإن كان أنثى فخلوا عنها. وذلك قوله : (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) . (1)
893 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة ، فقالت الكهنة : إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل (2) فإذا ولدت امرأة غلاما أُتي به فرعون فقتله ، ويستحيي الجواري.
894 - وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : (وإذ نجيناكم من آل فرعون) الآية ، قال : إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة ، وإنه أتاه آت ، فقال : إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل ، فيظهر عليك ، ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم.
895 - وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
__________
(1) الأثر : 892 - وهذا كالذي قبله ، موقوف ، إسناده إلى ابن عباس صحيح. وقد رواه الطبري بهذا الإسناد ، في التاريخ أيضًا 1 : 225.
عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان : ثقة مأمون ، مات سنة 278. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 11 : 78 - 79 ، وياقوت في معجم الأدباء 4 : 154. إبراهيم بن بشار الرمادي : ثقة ، يهم في الشيء بعد الشيء. مترجم في التهذيب ، وفي الكبير 1 / 1 / 277 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 89 - 90. أبو سعيد - الراوي عن عكرمة : هو عبد الكريم بن مالك الجزري.
ولم أجد الأثر في مكانه من تاريخ الطبري.
(2) قوابل جمع قابلة : وهي المرأة التي تتلقى الولد عند الولادة .

(2/43)


أسباط بن نصر عن السدي ، قال : كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر ، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل ، وأخربت بيوت مصر. فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة ، فسألهم عن رؤياه (1) فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ، ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط : انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم ، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم ، وأدخلوا غلمانهم; فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى : (إن فرعون علا في الأرض) - يقول : تجبر في الأرض - (وجعل أهلها شيعا) - ، يعني بني إسرائيل ، حين جعلهم في الأعمال القذرة - ، ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ) [القصص : 4] فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح ، فلا يكبر الصغير. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت ، فأسرع فيهم. فدخل رءوس القبط على فرعون ، فكلموه ، فقالوا : إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت ، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا! بذبح أبنائهم ، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار! (2) فلو أنك كنت تبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون ، فترك; فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى. (3) .
896 - حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه (4) فقالوا له : تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه (5) يسلبك ملكك ، ويغلبك على سلطانك ، ويخرجك من أرضك ، ويبدل دينك. فلما قالوا له ذلك ، أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان ، وأمر بالنساء يستحيين. فجمع القوابل من نساء [أهل] مملكته ، فقال لهن : لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه. فكن يفعلن ذلك ، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان ، ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن. (6)
897 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد قال ، لقد ذكر [لي] أنه كان ليأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ، ثم يصف بعضه إلى بعض ، ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه (7) فيحز أقدامهن. حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع من بين رجليها (8) فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن رجلها ، لما بلغ من جهدها ، حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم ، فقيل له : أفنيت الناس
__________
(1) الكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان . والعافة جمع عائف : وهو الذي يتعاطى العيافة ، وهو تكهن كان في الجاهلية ، ذكروا أنها زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها . وفي اللسان (حزا) : العائف : العالم بالأمور ، ولا يستعاف إلا من علم وجرب وعرف . فلعل الذي وصفه أصحاب كتب اللغة إنما هو ضرب واحد من ضروب العيافة . والقافة جمع قائف : وهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه ، وليست من السحر والكهانة ولا الجبت . ولعل زيادة ذكرها هنا زيادة من النساخ ، فإن الذي جاء في رواية التاريخ : " القافة " ، ولم يذكر " العافة " ، فلعل الذي في التاريخ تصحيف صوابه " العافة " ، والحازة جمع حاز ، والحازي : هو الذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره ، فربما أصاب ، وهو الحزاء (بتشديد الزاي) .
(2) في المطبوعة : نذبح أبناءهم " ، والصواب من التاريخ .
(3) الأثر : 895 - في تاريخ الطبري 1 : 200 ، وإسناده هناك هو الإسناد الذي يدور في التفسير وتمامه : " . . . عن السدي في خبره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . " .
(4) في المطبوعة : " فرعون وأحزابه " ، وهو خطأ محض ، صوابه في المخطوطة وتاريخ الطبري والحزاة جمع حاز أيضًا ، كقاض وقضاة . والحازى : سلف شرحه في ص : 38 ، تعليق : 1 .
(5) في المطبوعة : " نعم ، إنا نجد في علمنا " ، وهو خطأ معرق . وتعلم (بتشديد اللام) : بمعنى أعلم ، وهي فاشية في سيرة ابن إسحاق وغيره . وانظر تعليقنا فيما مضى 1 : 217 . وأظلك : صار كالظل ، أي قارب ودنا دنوا شديدا .
(6) الأثر : 896 - في تاريخ الطبري 1 : 199 ، والزيادة بين القوسين ، والتصحيح منه .
(7) في المطبوعة : " ثم يؤتى . . . فيوقفن " ، بالبناء للمجهول . وذاك نص التاريخ والمخطوطة .
(8) مصعت المرأة بولدها : زحرت زحرة واحدة فرمته من بطنها وألقته .

(2/44)


وقطعت النسل! وإنهم خولك وعمالك! فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما. فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان ، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون. (1)
* * *
قال أبو جعفر : والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم : كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم (2) فتأويل قوله إذًا - على ما تأوله الذين ذكرنا قولهم - : (ويستحيون نساءكم) ، يستبقونهن فلا يقتلونهن.
وقد يجب على تأويل من قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله : (ويستحيون نساءكم) ، أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن - أن يكون جائزا أن يسمى الطفل من الإناث في حال صباها وبعد ولادها : " امرأة " (3) والصبايا الصغار وهن أطفال : " نساء " . لأنهم تأولوا قول الله عز وجل : (ويستحيون نساءكم) ، يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.
وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج ، فقال بما : -
898 - حدثنا به القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين بن داود قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : (ويستحيون نساءكم) قال : يسترقون نساءكم.
__________
(1) الأثر : 897 - في تاريخ الطبري 1 : 199 - 200 .
(2) هذه جملة سقط منها خبر " كان " ، وهي هكذا في الأصول ، وأظن أن صوابها : كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم ، أن فرعون أمر ، بقتل كل مولود يولد من أبناء بني إسرائيل ، وباستحياء نسائهم " كما في الأثرين : 891 ، 896 ، فكأن سطرا سقط من الناسخ .
(3) في المطبوعة : " الطفلة من الإناث " . والعرب تقول : جارية طفل وطفلة ، وجاريتان طفل ، وجوار طفل ، قال تعالى : " ثم يخرجكم طفلا " ، وقال : " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " .

(2/46)


فحاد ابن جريج ، بقوله هذا ، عما قاله من ذكرنا قوله في قوله : (ويستحيون نساءكم) : إنه استحياء الصبايا الأطفال ، إذ لم يجدهن يلزمهن اسم " نساء " (1) ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله " ويستحيون " ، يسترقون ، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية (2) . وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة (3) نظير " الاستبقاء " من " البقاء " ، و " الاستسقاء " من " السقي " . وهو من معنى الاسترقاق بمعزل.
* * *
وقد تأول آخرون : قوله (4) (يذبحون أبناءكم) ، بمعنى يذبحون رجالكم آباء أبنائكم ، وأنكروا أن يكون المذبوحون الأطفال ، وقد قرن بهم النساء. فقالوا : في إخبار الله جل ثناؤه إن المستحيين هم النساء ، الدلالة الواضحة على أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبيان ، لأن المذبحين لو كانوا هم الأطفال ، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا. قالوا : وفي إخبار الله عز وجل أنهم النساء ، ما بين أن المذبحين هم الرجال (5) .
قال أبو جعفر : وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب. وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلى أم موسى أنه أمرها أن ترضع موسى ، فإذا خافت عليه أن تلقيه في التابوت ، ثم تلقيه في اليم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء ، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم ، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت.
__________
(1) في المطبوعة : " قال : إذ لم يجدهن " بزيادة " قال " ، وهو فساد .
(2) في المطبوعة : " عجمية " .
(3) في المطبوعة : " إنما هو الاستفعال من الحياة " ، وليس بشيء
(4) في المطبوعة : " " وقد قال آخرون . . . " ، وليس بشيء .
(5) في المطبوعة : " ما يبين أن المذبحين " .

(2/47)


ولكن ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قوله قبل : من ذبح آل فرعون الصبيان وتركهم من القتل الصبايا. وإنما قيل : (ويستحيون نساءكم) ، إذ كان الصبايا داخلات مع أمهاتهن - وأمهاتهن لا شك نساء في الاستحياء ، لأنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن ، فقيل : (ويستحيون نساءكم) ، يعني بذلك الوالدات والمولودات ، كما يقال : " قد أقبل الرجال " وإن كان فيهم صبيان. فكذلك قوله : (ويستحيون نساءكم). وأما من الذكور ، فإنه لما لم يكن يذبح إلا المولودون ، قيل : " يذبحون أبناءكم " ، ولم يقل : يذبحون رجالكم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) }
أما قوله : ( وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) ، فإنه يعني : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم (1) - مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم ، على ما وصفت - بلاء لكم من ربكم عظيم.
* * *
ويعني بقوله " بلاء " : نعمة ، كما : -
899 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : (بلاء من ربكم عظيم) ، قال : نعمة.
900 - وحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) ، أما البلاء فالنعمة.
__________
(1) في المطبوعة : " من إنجائنا إياكم " ، بدلوه ليجرى على دارج كلامهم .

(2/48)


901 - وحدثنا سفيان قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) ، قال : نعمة من ربكم عظيمة.
902 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثل حديث سفيان.
903 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) ، قال : نعمة عظيمة (1) .
* * *
وأصل " البلاء " في كلام العرب - الاختبار والامتحان ، ثم يستعمل في الخير والشر. لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر ، كما قال ربنا جل ثناؤه : ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [الأعراف : 168] ، يقول : اختبرناهم ، وكما قال جل ذكره : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) [الأنبياء : 35]. ثم تسمي العرب الخير " بلاء " والشر " بلاء " . غير أن الأكثر في الشر أن يقال : " بلوته أبلوه بلاء " ، وفي الخير : " أبليته أبليه إبلاء وبلاء " ، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى :
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (2)
فجمع بين اللغتين ، لأنه أراد : فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.
__________
(1) الأثر : 903 - مقدم في المخطوطة على الذي قبله .
(2) ديوانه : 109 ، وروايته " رأى الله . . . فأبلاهما " . وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر زهير وخالصه .

(2/49)


وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ }
أما تأويل قوله : (وإذ فرقنا بكم) ، فإنه عطف على : (وإذ نجيناكم) ، بمعنى : واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون ، وإذ فرقنا بكم البحر.
ومعنى قوله : (فرقنا بكم) : فصلنا بكم البحر. لأنهم كانوا اثني عشر سبطا ؛ ففرق البحر اثني عشر طريقا ، فسلك كل سبط منهم طريقا منها ، فذلك فرق الله بهم عز وجل البحر ، وفصله بهم ، بتفريقهم في طرقه الاثني عشر ، كما : -
904 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : لما أتى موسى البحر كنّاه " أبا خالد " ، وضربه فانفلق ، فكان كل فرق كالطود العظيم ، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط. (1)
* * *
وقد قال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : (وإذ فرقنا بكم البحر) ، فرقنا بينكم وبين الماء. يريد بذلك : فصلنا بينكم وبينه ، وحجزناه حيث مررتم به. وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة ، (2) لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم ، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر ، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة ، وفرقه البحر بالقوم ، إنما هو تفريقه البحر بهم ، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم ، على ما جاءت به الآثار.
__________
(1) الأثر 904 - من خبر طويل في تاريخ الطبري ، وهذه الفقرة منه في 1 : 214 ، وانظر أيضًا رقم : 910 .
(2) انظر تفسير " الظاهر " فيما مضى : 2 : 15 ، والمراجع .

(2/50)


* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون ونجى بني إسرائيل ؟
قيل له ، كما : -
905 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال : لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دُهم الخيل ، سوى ما في جنده من شهب الخيل. (1)
وخرج موسى ، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف ، طلع فرعون في جنده من خلفهم ، ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ) مُوسَى(كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) [سورة الشعراء : 61 - 62] أي للنجاة ، وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده. (2)
906 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال : أوحى الله إلى البحر - فيما ذكر لي : إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال : فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره. (3) فأوحى الله جل وعز إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه بها ، وفيها سلطان الله الذي أعطاه ، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، أي كالجبل على نشز من الأرض
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " من شية الخيل " ، وشية الفرس : لونه ، فكان الأجود أن يقول : " من شيات الخيل " . وفي التاريخ . " من شهب الخيل " ، كما أثبتناه . والشهب جمع أشهب ، والشُّهبة في ألوان الخيل : أن تشق معظم لونه شعرة أو شعرات بيض ، كميتا كان الفرس أو أشقر أو أدهم .
(2) الأثر : 905 - في تاريخ الطبري 1 : 217 ، وفيه " ولا خلف لموعوده " . والموعود كالوعد ، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول .
(3) في المطبوعة : " فثاب البحر . . . " ، وهو تصحيف ، والصواب في المخطوطة والتاريخ . وفي المطبوعة : " وانتظار أمره " ، وفي التاريخ " وانتظارا لأمره " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جيد .

(2/51)


(1) . يقول الله لموسى : ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ) [طه : 77]. فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ (2) سلك فيه موسى ببني إسرائيل ، وأتبعه فرعون بجنوده. (3)
907 - وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال : حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل البحر فلم يبق منهم أحد ، أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل ، حتى وقف على شفير البحر ، وهو قائم على حاله ، فهاب الحصان أن ينفذ. (4) فعرض له جبريل على فرس أنثى وديق ، (5) فقربها منه فشمها الفحل ، فلما شمها قدمها ، (6) فتقدم معها الحصان عليه فرعون. فلما رأى جند فرعون فرعون قد دخل ، دخلوا معه وجبريل أمامه ، وهم يتبعون فرعون ، وميكائيل على فرس من خلف القوم يسوقهم ، يقول : " الحقوا بصاحبكم " . حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس أمامه أحد ، ووقف ميكائيل على ناحيته الأخرى ، وليس خلفه أحد ، طبق عليهم البحر ، ونادى فرعون - حين رأى من سلطان الله عز وجل وقدرته ما رأى وعرف ذله ، وخذلته نفسه (7) - : ( لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (8) [يونس : 90].
__________
(1) في المطبوعة : " على يبس من الأرض " ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . والنشز : المتن المرتفع من الأرض - أو ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض ، وليس بالغليظ .
(2) في المطبوعة : " فلما استقر لهم . . . " .
(3) الأثر : 906 - في تاريخ الطبري 1 : 217 .
(4) هكذا في المخطوطة والمطبوعة " أن ينفذ " ، وفي التاريخ : " أن يتقدم " ، وكأنها الصواب ، والآخر تحريف ، سقط الميم من آخره .
(5) فرس وديق : مريدة للفحل تشهيه .
(6) في المطبوعة " فلما شمها تبعها " ، وهو خطأ وخلط . والصواب ما في المخطوطة والتاريخ . وقوله : " قدمها " أي زجرها ، بقولهم للفرس : " أقدم " أي امض قدما إلى أمام .
(7) في المطبوعة وحدها : " ذلته " .
(8) الأثر : 907 - في تاريخ الطبري 1 : 217 . وفي المطبوعة : " آمنت أنه لا إله إلا الذي . . . " وفي التاريخ : " نادي أن لا إله إلا الذي . . . " وأثبت ما في المخطوطة .

(2/52)


908 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله : (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) ، قال : لما خرج موسى ببني إسرائيل ، بلغ ذلك فرعون فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال : فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا : فدعا بشاة فذبحت ، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. ثم سار ، فلما أتى موسى البحر ، قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك يا موسى ؟ قال : أمامك. يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغَمْر ، فذهب به ، ثم رجع. (1) فقال : أين أمرك ربك يا موسى ؟ فوالله ما كَذبتَ ولا كُذبتَ : ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم أوحى الله جل ثناؤه إلى موسى : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) [ الشعراء : 63] - يقول : مثل جبل - قال : ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم ، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم. فلذلك قال : (وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون). قال معمر ، قال قتادة : كان مع موسى ستمائة ألف ، وأتبعه فرعون على ألف ألف ومائة ألف حصان.
909 - وحدثني عبد الكريم بن الهيثم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. قال : فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث ، وكان موسى في ستمائة ألف. فلما عاينهم فرعون قال : ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) [ الشعراء : 54 - 56] فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر ، فالتفتوا فإذا هم برَهَج دواب فرعون ، فقالوا : يا موسى ،
__________
(1) في ابن كثير 1 : 165 " فذهب به الغمر ، ثم رجع " .

(2/53)


أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا! هذا البحر أمامنا ، وهذا فرعون قد رَهِقنا بمن معه! (1) قال : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. قال : فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك. قال : فبات البحر له أفكل (2) - يعني : له رعدة - لا يدري من أي جوانبه يضربه. قال : فقال يوشع لموسى : بماذا أمرت ؟ قال : أمرت أن أضرب البحر. قال : فاضربه. قال : فضرب موسى البحر بعصاه ، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقا ، كل طريق كالطود العظيم ؛ فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه. فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض : ما لنا لا نرى أصحابنا ؟ قالوا لموسى : أين أصحابنا لا نراهم ؟ قال : سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا : لا نرضى حتى نراهم .
قال سفيان ، قال عمار الدهني : قال موسى : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. قال : فأوحى الله إليه : أن قل بعصاك هكذا. وأومأ إبراهيم بيده يديرها على البحر. قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا ، (3) فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض.
قال سفيان : قال أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه ، وكان فرعون على فرس أدهم ذَنوب حصان (4) . فلما هجم على البحر ، هاب الحصان أن يقتحم في البحر ، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق ، (5)
__________
(1) رهقه : غشيه وأوشك أن يدركه .
(2) في المطبوعة " فثاب له " ، وهو تصحيف مضى مثله في : 45 ، تعليق : 3
(3) قال بعصاه أو بيده : أشار بها . والإشارة ضرب من التعبير والبيان ، فكان مجاز القول إلى معنى الإشارة جيدا .
(4) الأدهم : الأسود . والذنوب : الفرس الوافر الذنب الطويلة . وقوله : " حصان " هنا : أي فحل ، قد ضن بمائه فلم ينز على أنثى .
(5) الوديق : مضى تفسيرها في ص : 46 تعليق : 4

(2/54)


فلما رآها الحصان تقحم خلفها. وقيل لموسى : اترك البحر رهوا - قال : طُرقا على حاله (1) - قال : ودخل فرعون وقومه في البحر ، فلما دخل آخر قوم فرعون ، وجاز آخر قوم موسى ، أطبق البحر على فرعون وقومه ، فأغرقوا. (2)
910 - حدثنا موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : أن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ، فقال : أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. فخرج موسى وهارون في قومهما ، وألقي على القبط الموت ، فمات كل بكر رجل ، فأصبحوا يدفنونهم ، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه : (فأتبعوهم مشرقين) [الشعراء : 60] فكان موسى على ساقة بني إسرائيل ، وكان هارون أمامهم يقدمهم (3) فقال المؤمن لموسى : يا نبي الله ، أين أمرت ؟ قال : البحر. فأراد أن يقتحم ، فمنعه موسى ، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل ، لا يعدون ابن العشرين لصغره ، ولا ابن الستين لكبره ، وإنما عدوا ما بين ذلك ، سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ، ليس فيها ماذِيانة (4) - يعني الأنثى - وذلك حين يقول الله جل ثناؤه : ( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) [ الشعراء : 53 - 54] يعني بني إسرائيل. فتقدم هارون فضرب البحر ، فأبى البحر أن ينفتح ، وقال : من هذا الجبار الذي يضربني ؟ حتى أتاه موسى فكناه " أبا خالد " وضربه فانفلق ،
__________
(1) في المخطوطة : " علي حياله " ، وهو خطأ ، وانظر ما مضى ص : 46 ، وانظر أيضًا تفسير : " رهوا " في 25 : 73 (بولاق) .
(2) الأثر : 909 - هو كالأثر الماضي : 892 ، وبالإسناد نفسه . انظر تمام هذا الأثر في رقم : 918 . وأقحم سفيان روايته عن عمار الدهني ، في روايته عن أبي سعيد . وعمار ، هو عمار بن معاوية الدهني (بضم الدال وسكون الهاء) ، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب) .
(3) ساقة الجيش ، وساقة الحاج : هم الذين يكونون في مؤخره يسوقونه ويحفظونه من ورائه .
(4) في المطبوعة : " ما ذبانه " ، وفي المخطوطة : " مادنانة " بالدال المهملة . ولم أجد الكلمة فيما بين يدي من الكتب .

(2/55)


فكان كل فرق كالطود العظيم - يقول : كالجبل العظيم - ، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا ، في كل طريق سبط - وكانت الطرق انفلقت بجدران (1) - فقال كل سبط : قد قتل أصحابنا! فلما رأى ذلك موسى ، دعا الله ، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطِّيقان (2) فنظر آخرهم إلى أولهم ، حتى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه ، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال : ألا ترون البحر فَرِق مني ؟ (3) قد انفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم! فذلك حين يقول الله جل ثناؤه : ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) [الشعراء : 64] يقول : قربنا ثم الآخرين ، يعني آل فرعون. فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم ، فنزل جبريل على ماذيانة ، فشامت الحصن ريح الماذيانة ، فاقتحم في أثرها ، (4) حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم ، أمر البحر أن يأخذهم ، فالتطم عليهم. (5) .
911 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لما أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر ، قال لهم فرعون : قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين! فلما رآهم أصحاب موسى قالوا : إنا لمدركون! قال كلا إن معي ربي سيهدين. فقال موسى للبحر : ألست تعلم أني رسول الله ؟ قال : بلى. قال! وتعلم أن هؤلاء عباد من عباد الله أمرني أن آتي بهم ؟ قال : بلى.
__________
(1) في تاريخ الطبري : " وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران " .
(2) الطيقان والأطواق ، جمع طاق : وهو عقد البناء حيث كان .
(3) فرق يفرق فرقا (بفتحتين) : فزع أشد الفزع .
(4) في المطبوعة : " ماذبانة . . . الماذبانة " ، وانظر ما سلف : 49 تعليق : 5 ، وفي المطبوعة " فشام الحصان " بالإفراد ، وهو غير جيد في سياق الكلام . الصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري . وشام الشيء : تشممه . والحصن ، جمع حصان .
(5) الأثر : 910 - في تاريخ الطبري 1 : 213 - 214 ، ومضت فقرة منه برقم : 904 . والتطم البحر عليهم : أطبق عليهم وختم وهو يتلاطم موجه . ولم أجدها في كتب اللغة . ولكنهم يقولون : التطمت الأمواج وتلاطمت ، ضرب بعضها بعضا . ويقولون : لطم الكتاب : أي ختمه . فالذي جاء في الخبر عربى معرق في مجازه .

(2/56)


قال : أتعلم أن هذا عدو الله ؟ قال : بلى. قال : فافرق لي طريقا ولمن معي. (1) قال : يا موسى ، إنما أنا عبد مملوك ، ليس لي أمر إلا أن يأمرني الله تعالى. فأوحى الله عز وجل إلى البحر : إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق. وأوحى إلى موسى أن يضرب البحر ، وقرأ قول الله تعالى : ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ) [ سورة طه : 77] وقرأ قوله : ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) [الدخان : 24] - سهلا ليس فيه نُقر (2) - فانفرق اثنتي عشرة فرقة ، فسلك كل سبط في طريق. قال : فقالوا لفرعون : إنهم قد دخلوا البحر. قال : ادخلوا عليهم. قال : وجبريل في آخر بني إسرائيل يقول لهم : ليلحق آخركم أولكم. وفي أول آل فرعون يقول لهم : رويدا يلحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط في البحر يقولون للسبط الذين دخلوا قبلهم : قد هلكوا! فلما دخل ذلك قلوبهم أوحى الله جل وعز إلى البحر فجعل لهم قناطر ، ينظر هؤلاء إلى هؤلاء ، حتى إذا خرج آخر هؤلاء ودخل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق على هؤلاء.
* * *
ويعني بقوله : (وأنتم تنظرون) ، أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر ، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه ، وإلى عظيم سلطانه - في الذي أراكم من طاعة البحر إياه ، من مصيره ركاما فلقا كهيئة الأطواد الشامخة ، (3) غير زائل عن حده ، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته ، وهو سائل ذائب قبل ذلك.
يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم ، ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم ، ويحذرهم - في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم - أن يحل
__________
(1) في المطبوعة " فانفرق لي طريقا . . " وهو خطأ .
(2) في المطبوعة : " ليس فيه تعد " ، وفي المخطوطة : " نفد " والدال تشبه أن تكون راء . فاستظهرت أن تكون ما أثبت . والنقر جمع نقرة : وهي الوهدة المستديرة في الأرض ، أو الحفرة صغيرة ليست بكبيرة . وهذا أشبه بالكلام والمعنى .
(3) في المطبوعة : " ركاما فرقا " ، وهو تغيير بلا سبب . ركام : مجتمع بعضه فوق بعض والفلق جمع فلقة (بكسر فسكون) : وهي الشق .

(2/57)


وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

بهم ما حل بفرعون وآله ، في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله : (وأنتم تنظرون) ، كمعنى قول القائل : " ضربت وأهلك ينظرون ، فما أتوك ولا أعانوك " بمعنى : وهم قريب بمرأى ومسمع ، وكقول الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) [الفرقان : 45] ، وليس هناك رؤية ، إنما هو علم.
قال أبو جعفر : والذي دعاه إلى هذا التأويل ، أنه وجه قوله : (وأنتم تنظرون) ، أي وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون ، فقال : قد كانوا في شغل من أن ينظروا - مما اكتنفهم من البحر - إلى فرعون وغرقه. وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام ، إنما التأويل : وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم - على ما قد وصفنا آنفا - والتطام أمواج البحر بآل فرعون ، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كان ، لا شك نظر عيان لا نظر علم ، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَإِذْ وَاعَدْنَا }
اختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك ، (1) فقرأ بعضهم : (واعدنا) بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته ، (2) فكانت المواعدة من الله لموسى ، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة(واعدنا) على " وعدنا " أن قالوا : كل اتعاد كان بين اثنين للالتقاء و الاجتماع ، (3) فكل واحد منهما
__________
(1) في المطبوعة في الموضعين : " القراء " ، كما فعل كثيرا فيما مضى . والقَرَأَة جمع قارئ .
(2) في المطبوعة : " ملاقاة الطور " ، ولا أدري لم غيره من غيره! .
(3) في المطبوعة : " كل إبعاد . . أو الاجتماع " ، ولا أدري لم فعل ذلك! . واتعد اتعادا افتعل ، من الوعد .

(2/58)


مواعد صاحبه ذلك. فلذلك - زعموا - (1) وجب أن يُقضى لقراءة من قرأ(واعدنا) بالاختيار على قراءة من قرأ " وعدنا " .
وقرأ بعضهم : " وعدنا " بمعنى أن الله الواعد والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك أن قالوا : إنما تكون المواعدة بين البشر ، فأما الله جل ثناؤه ، فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا : وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله ، فقال جل ثناؤه : ( إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ) [ إبراهيم : 22] وقال : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ) [ الأنفال : 7]. قالوا : فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله : " وإذ وعدنا موسى " .
* * *
والصواب عندنا في ذلك من القول : أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأَة ، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى ، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. (2) فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان. وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع ، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان ، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه ، إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك ، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا ، وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك ، إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور ، ووعده موسى اللقاء. فكان الله عز ذكره لموسى واعدا مواعدا
__________
(1) في المطبوعة : " فلذلك رموا أنه وجب " بزيادة أنه " ، وهي زيادة مفسدة للمعنى .
(2) انظر ما مضى في تفسير " الظاهر " : 44 ، والمراجع .

(2/59)


له المناجاة على الطور ، (1) وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأي القراءتين من " وعد " و " واعد " قرأ القارئ ، فهو للحق في ذلك - من جهة التأويل واللغة - مصيب ، لما وصفنا من العلل قبل. (2)
ولا معنى لقول القائل : إنما تكون المواعدة بين البشر ، وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر. وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب ، والخير والشر ، والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه - لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه ، ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا : من أن كل اتعاد كان بين اثنين ، (3) فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ، ومواعدة بينهما ، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد ، وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود ، إنما هو ما كان بمعنى " الوعد " الذي هو خلاف " الوعيد " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ مُوسَى }
وموسى - فيما بلغنا - بالقبطية كلمتان ، يعني بهما : ماء وشجر. " فمو " ، هو الماء ، و " شا " هو الشجر. (4) وإنما سمي بذلك - فيما بلغنا - لأن أمه لما جعلته في التابوت - حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم ، كما أوحى الله إليها ، وقيل : إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن ، فوجدن
__________
(1) في المطبوعة : قد كان وعد موسى " بزيادة " قد " ، وفيها أيضًا " وكان الله عز وجل لموسى واعد ومواعدا " ، والواو هنا ليست بشيء في قوله " وكان " ، و " مواعدا " .
(2) في المطبوعة : " فهو الحق في ذلك . . . " ، وهو خطأ .
(3) في المطبوعة هنا أيضًا كما سلف : " كل إبعاد " ، وهو فساد وخطأ .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " سا " وأثبت ما في التاريخ .

(2/60)


التابوت فأخذنه ، فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه ، كان ذلك بمكان فيه ماء وشجر ، (1) فقيل : موسى ، ماء وشجر. كذلك : -
912 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط بن نصر ، عن السدي. (2)
* * *
وقال أبو جعفر : وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله ، فيما زعم ابن إسحاق.
913 - حدثني بذلك ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عنه. (3) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً }
ومعنى ذلك : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه : وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة ، أي رأس الأربعين ، ومثل ذلك بقوله : ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) [يوسف : 82] وبقولهم : " اليوم أربعون منذ خرج فلان " ، " واليوم يومان " . أي اليوم تمام يومين ، وتمام أربعين.
قال أبو جعفر : وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل ، وخلاف ظاهر التلاوة. فأما ظاهر التلاوة ، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة ، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن ، (4) بغير برهان دال على صحته.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وكان ذلك المكان فيه " وليست بشيء .
(2) الأثر : 912 تاريخ الطبري 1 : 201 في خبر طويل .
(3) الأثر : 913 - مختصر من خبر نسبه في تاريخ الطبري 1 : 198 .
(4) انظر تفسير " ظاهر " و " باطن " فيما سلف ص : 44 ، والمراجع قبلها .

(2/61)


وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره ، وهو ما : -
914 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قوله : (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) ، قال : يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون ، فمكث على الطور أربعين ليلة ، وأنزل عليه التوراة في الألواح - وكانت الألواح من برد (1) - فقربه الرب إليه نجيا ، وكلمه ، وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. (2)
915 - وحدثت عن عمار بن الحسن ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، بنحوه.
916 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق قال : وعد الله موسى - حين أهلك فرعون وقومه ، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة ، ثم أتمها بعشر ، فتم ميقات ربه أربعين ليلة ، يلقاه ربه فيها ما شاء. (3) واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل ، وقال : إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه ، (4) وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. (5)
917 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
__________
(1) في المطبوعة : " وكانت الألواح من زبرجد " ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، ومما جاء عن أبي العالية ، في صفة الألواح 9 : 46 (بولاق) .
(2) صريف الأقلام : صوتها وصريرها وهي تجري بما تكتبه الملائكة . وقوله : " لم يحدث حدثا " ، أي لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة .
(3) في المطبوعة : " تلقاه ربه فيها بما شاء " .
(4) في المطبوعة : " للقائه " ، وهما سواء في المعنى .
(5) الأثر : 916 - صدر هذا الأثر في تاريخ الطبري 1 : 217 - 218 ، ولكن قطعه الطبري ، وأتمه من خبر السدي .

(2/62)


أسباط عن السدي قال : انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل ، وواعدهم ثلاثين ليلة ، وأتمها الله بعشر. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) }
وتأويل قوله : (ثم اتخذتم العجل من بعده) ، ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها ، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. و " الهاء " في قوله " من بعده " عائدة على ذكر موسى.
فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل ، المكذبين به المخاطبين بهذه الآية - عن فعل آبائهم وأسلافهم ، وتكذيبهم رسلهم ، وخلافهم أنبياءهم ، مع تتابع نعمه عليهم ، وشيوع آلائه لديهم ، (2) مُعَرِّفَهم بذلك أنهم - من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به ، وجحودهم لرسالته ، مع علمهم بصدقه (3) - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم ، ومحذِّرَهم من نزول سطوته بهم بمقامهم على ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل : من المسخ واللعن وأنواع النقمات.
وكان سبب اتخاذهم العجل ، ما : -
918 - حدثني به عبد الكريم بن الهيثم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال ، حدثنا سفيان بن عيينة قال ، حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه ، وكان فرعون على فرس أدهم
__________
(1) الأثر : 917 - في تاريخ الطبري في خبر طويل 1 : 218 ، وسيأتي تمامه في رقم : 919 .
(2) في المطبوعة : " سبوغ آلائه " . وشيوع آلائه : ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم . وانظر ما سيأتي بعد ص : 77 ، تعليق : 2 .
(3) في المطبوعة : " من خلافهم محمدا . . " .

(2/63)


ذنوب حصان ، فلما هجم على البحر ، هاب الحصان أن يقتحم في البحر ، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق ، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. (1) قال : وعرف السامري جبريل ، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه ، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه ، فيجد في بعض أصابعه لبنا ، وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا ، فلم يزل يغذوه حتى نشأ. فلما عاينه في البحر عرفه ، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال : أخذ من تحت الحافر قبضة. - قال سفيان : فكان ابن مسعود يقرؤها : " فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول " [ طه : 96].
قال أبو سعيد قال عكرمة ، عن ابن عباس : وألقي في رَوْع السامري (2) إنك لا تلقيها على شيء فتقول : " كن كذا وكذا " إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر ، وأغرق الله آل فرعون ، قال موسى لأخيه هارون : اخلفني في قومي وأصلح. ومضى موسى لموعد ربه. قال : وكان مع بني إسرائيل حَلْي من حَلْي آل فرعون قد تعوَّروه ، (3) فكأنهم تأثموا منه ، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه ، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا ، (4) فقذفها فيه - وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا - وقال : كن عجلا جسدا له خوار. فصار عجلا جسدا له خوار ، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه ، يسمع له صوت ، فقال : هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه ، فقال هارون : يا قوم إنما فتنتم به ، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري! قالوا : لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.
919 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
__________
(1) انظر آخر الأثر رقم : 909 فهو هذا بنصه ، ثم يأتي تمامه .
(2) الروع (بضم الراء) : القلب والعقل . وقع ذلك في روعى : أي في نفسي وخلدي وبالي .
(3) تعور الشيء واستعاره : أخذه عارية ، كما تقول : تعجب واستعجب .
(4) قال بالقبضة : رفعها مشيرا بيده ليلقيها . وقد مضى تفسير ذلك في ص : 54 تعليق : 3 .

(2/64)


أسباط بن نصر ، عن السدي : لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا ، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر ، وغرق آل فرعون ، أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله. فأقبل على فرس ، فرآه السامري فأنكره وقال : إنه فرس الحياة! فقال حين رآه : إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر - حافر الفرس - فانطلق موسى ، واستخلف هارون على بني إسرائيل ، وواعدهم ثلاثين ليلة ، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون : يا بني إسرائيل ، إن الغنيمة لا تحل لكم ، وإن حَلْي القبط إنما هو غنيمة ، فاجمعوها جميعا ، واحفروا لها حفرة فادفنوها ، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها ، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحَلْي في تلك الحفرة ، وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها ، فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار . وعدت بنو إسرائيل موعد موسى ، فعدوا الليلة يوما واليوم يوما ، فلما كان تمام العشرين ، خرج لهم العجل. فلما رأوه قال لهم السامري : هذا إلهكم وإله موسى فنسي - يقول : ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه ، وكان يخور ويمشي. فقال لهم هارون : يا بني إسرائيل إنما فتنتم به - يقول : إنما ابتليتم به ، يقول : بالعجل - وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم ، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه ، فلما كلمه قال له : ما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال : هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى. قال : فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ، فأخبره خبرهم. قال موسى ؛ يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل ، أرأيت الروح من نفخها فيه ؟ قال الرب : أنا . قال : رب أنت إذا أضللتهم . (1)
920 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال : كان
__________
(1) الأثر : 919 - مضى صدره في رقم : 917 . وفي التاريخ 1 : 218 .

(2/65)


- فيما ذكر لي - أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به : استعيروا منهم - يعني من آل فرعون - الأمتعة والحلي والثياب ، فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم . فلما أذن فرعون في الناس ، كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال : حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم ، حتى ذهبوا بأموالكم معهم! (1)
921 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان السامري رجلا من أهل باجَرْما ، وكان من قوم يعبدون البقر ، وكان حب عبادة البقر في نفسه ، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل . فلما فضل هارون في بني إسرائيل ، وفصل موسى إلى ربه ، (2) قال لهم هارون : أنتم قد حُمِّلتم أوزارا من زينة القوم - آل فرعون - وأمتعة وحليا ، فتطهروا منها ، فإنها نجس . وأوقد لهم نارا فقال : اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا : نعم .
فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي ، (3) فيقذفون به فيها. حتى إذا تكسر الحلي فيها ، ورأى السامري ، أثر فرس جبريل ، فأخذ ترابا من أثر حافره ، (4) ثم أقبل إلى النار فقال لهارون : (5) يا نبي الله ، ألقي ما في يدي ؟ قال : نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة ، فقذفه فيها وقال : " كن عجلا جسدا له خوار " ، فكان ، للبلاء والفتنة. فقال : هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا عليه ، وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل : (فنسي) [ طه : 88] أي ترك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - ( أَفَلا
__________
(1) الأثر : 920 - في تاريخ الطبري 1 : 216 . وفي المطبوعة " أن يخرجوا بأنفسهم " ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . نفله الشيء : جعله نفلا ، أي غنيمة مستباحة .
(2) فصل فلان عن البلد يفصل فصولا : إذا خرج وفارقها
(3) في المطبوعة : " بما كان معهم " ، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه .
(4) في المطبوعة : " أخذ ترابا " ، حذفوا الفاء ليستقي على عربيتهم ، فيما زعموا .
(5) في تاريخ الطبري : " ثم أقبل إلى الحفرة . . . " .

(2/66)


يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ) [ طه : 89] وكان اسم السامري موسى بن ظفر ، وقع في أرض مصر ، فدخل في بني إسرائيل. (1) فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال : ( يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) [ طه : 90 - 91] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن ، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل ، وتخوف هارون ، إن سار بمن معه من المسلمين ، أن يقول له موسى : فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. وكان له هائبا مطيعا (2) .
922 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون ، وأغرق فرعون ومن معه ، قال موسى لأخيه هارون : اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. قال : لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره (3) وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله ، قد عرف موسى أن المرء إذا أنجح في حاجة سيده ، كان يسره أن يتعجل إليه (4) . قال : وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون ، فقال لهم هارون : إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم ، فاجمعوا نارا ، فألقوه فيها فأحرقوه. قال : فجمعوا نارا . قال : وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل ، وكان على فرس أنثى - وكان السامري في قوم موسى - قال : فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة ، فيبست عليها يده. فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار ، وألقى السامري
__________
(1) هو كما ذكر في أول الخبر من أهل " باجرما " ، وباجرما : قرية من أعمال البليخ قرب الرقة ، من أرض الجزيرة . (ياقوت) . ويقال : موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم) . وقال الميداني في شرح المثل : [خطب يسير في خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية .
(2) الأثر : 921 - في تاريخ الطبري 1 : 219 - 220 .
(3) في المطبوعة : " بما أمره به " .
(4) في المطبوعة : " نجح " ، وأنجح : أدرك طلبته وبلغ النجاح . وإن كنت أخشى أن يكون في الكلمة تصحيف خفي عليَّ .

(2/67)


معهم القبضة ، صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا ، فدخلته الريح ، فكان له خوار ، فقالوا : ما هذا ؟ فقال : السامري الخبيث : ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) ، الآية ، إلى قوله : ( حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) [طه : 88 - 91] قال : حتى إذا أتى موسى الموعد ، قال الله : ( وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي ) فقرأ حتى بلغ : ( أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ) [طه : 86].
923 - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في قوله : (ثم اتخذتم العجل من بعده) قال : العجل : حسيل البقرة (1) . قال : حلي استعاروه من آل فرعون ، فقال لهم هارون : أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه. وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحه فيه ، فانسبك ، فكان له كالجوف تهوي فيه الرياح .
924 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : إنما سمي العجل ، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.
925 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحو حديث القاسم عن الحسن .
926 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه (2)
* * *
__________
(1) الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة .
(2) الأثران : 925 ، 926 - في المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعا في موضع واحد قال : " قال حدثنا عيسى - وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل - جميعا عن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ثم اتخذتم العجل " قال : العجل : حسيل البقرة . . . " ثم ساق نص ما في الأثر : 924 . فآثرت ترك ما في المطبوعة على حاله .

(2/68)


القول في تأويل قوله : { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) }
يعني " وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها ، لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل ، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم ، ووضعا للعبادة في غير موضعها. وقد دللنا - في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا - أن أصل كل ظلم ، وضع الشيء في غير موضعه ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك) ، يقول : تركنا معاجلتكم بالعقوبة ، " من بعد ذلك " ، أي من بعد اتخاذكم العجل إلها . كما : -
927 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم العسقلاني قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك) ، يعني من بعد ما اتخذتم العجل.
* * *
وأما تأويل قوله : (لعلكم تشكرون) ، فإنه يعني به : لتشكروا . ومعنى " لعل " في هذا الموضع معنى " كي " . وقد بينت فيما مضى قبلُ أن أحد معاني " لعل " " كي " ، بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع (2) .
* * *
فمعنى الكلام إذا : ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها ، لتشكروني على عفوي عنكم ، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللب والعقل .
* * *
__________
(1) انظر ما مضى 1 : 523 - 524 .
(2) انظر ما مضى 1 : 364 - 365 .

(2/69)


وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

القول في تأويل قوله تعالى{ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وإذ ءاتينا موسى الكتاب) : واذكروا أيضا إذ آتينا موسى الكتاب والفرقان. ويعني ب " الكتاب " : التوراة ، وب " الفرقان " : الفصل بين الحق والباطل ، كما : -
928 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان) ، قال : فرق به بين الحق والباطل .
929 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان) ، قال : الكتاب : هو الفرقان ، فرقان بين الحق والباطل (1) .
930 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
931 - وحدثني القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان) ، قال : الكتاب هو الفرقان ، فرق بين الحق والباطل .
932 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، وقال ابن عباس : " الفرقان " : جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان .
وقال ابن زيد في ذلك بما : -
933 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب. قال :
__________
(1) في المخطوطة : " هو الفرقان بين الحق والباطل " ، والذي في المطبوعة أجود .

(2/70)


سألته - يعني ابن زيد - عن قول الله عز وجل : (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان) فقال : أما " الفرقان " الذي قال الله جل وعز : ( يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) [الأنفال : 41] ، فذلك يوم بدر ، يوم فرق الله بين الحق والباطل ، والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل . قال : فكذلك أعطى الله موسى الفرقان ، فرق الله بينهم ، وسلمه وأنجاه ، فرق بينهم بالنصر. فكما جعل الله ذلك بين محمد صلى الله عليه وسلم والمشركين ، فكذلك جعله بين موسى وفرعون (1) .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية ، (2) ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد : من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع ، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل ، وهو نعت للتوراة وصفة لها . فيكون تأويل الآية حينئذ : وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل .
فيكون " الكتاب " نعتا للتوراة أقيم مقامها ، استغناء به عن ذكر التوراة ، ثم عطف عليه ب " الفرقان " ، إذ كان من نعتها.
* * *
وقد بينا معنى " الكتاب " فيما مضى من كتابنا هذا ، وأنه بمعنى المكتوب. (3)
* * *
وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية ، وإن كان محتملا غيره من التأويل ، لأن الذي قبله من ذكر " الكتاب " ، وأن معنى " الفرقان " الفصل (4) - وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا (5) - ، فإلحاقه إذ كان كذلك ، بصفة ما وليه أولى من إلحاقه بصفة ما بعد منه.
__________
(1) في المطبوعة : " بين محمد والمشركين " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) في المطبوعة : " فأولى هذين التأويلين . . . " .
(3) انظر ما مضى 1 : 97 - 99 .
(4) في المطبوعة : " لأن الذي قبله ذكر الكتاب " بإسقاط " من " .
(5) انظر ما مضى 1 : 98 - 99 .

(2/71)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

وأما تأويل قوله : (لعلكم تهتدون) ، فنظير تأويل قوله : (لعلكم تشكرون) ، ومعناه لتهتدوا (1) .
وكأنه قال : واذكروا أيضا إذ آتينا موسى التوراة التي تفرق بين الحق والباطل لتهتدوا بها ، وتتبعوا الحق الذي فيها ، لأني جعلتها كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }
وتأويل ذلك : اذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم . وظلمهم إياها ، كان فعلَهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها ، مما أوجب لهم العقوبة من الله تعالى. وكذلك كل فاعل فعلا يستوجب به العقوبة من الله تعالى فهو ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى . وكان الفعل الذي فعلوه فظلموا به أنفسهم ، هو ما أخبر الله عنهم : من ارتدادهم باتخاذهم العجل ربا بعد فراق موسى إياهم.
ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم ، والإنابة إلى الله من ردتهم ، بالتوبة إليه ، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به. وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم .
* * *
وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " التوبة " : الأوبة مما يكرهه الله إلى ما يرضاه
__________
(1) انظر ما مضى 2 : 69 .

(2/72)


من طاعته. (1)
* * *
فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التوبة مما ركبوا من ذنوبهم إلى ربهم ، على ما أمرهم به ، كما : -
934 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة بن الحجاج ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية : (فاقتلوا أنفسكم) قال : عمدوا إلى الخناجر ، فجعل يطعن بعضهم بعضا.
935 - حدثني عباس بن محمد قال ، حدثنا حجاج بن محمد ، قال ابن جريج ، أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد ، (2) حتى ألوى موسى بثوبه ، (3) فطرحوا ما بأيديهم ، فتكشف عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى : أن حسبي فقد اكتفيت ! فذلك حين ألوى بثوبه . (4)
936 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ، حدثنا سفيان بن عيينة قال ، قال أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال موسى لقومه : (توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). قال : أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم ، قال : فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا ، (5)
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 547 .
(2) حن عليه : عطف عليه . وفي ابن كثير 1 : 169 " لا يحنو " ، وهو مثله في المعنى .
(3) ألوى بثوبه : لمع به أشار . يأمرهم موسى بالكف عما هم فيه .
(4) في المطبوعة : " قد اكتفيت ، فذلك حين ألوى . . . " وفي المخطوطة " بذلك " ، واخترت ما نقله ابن كثير 1 : 169 .
(5) في المخطوطة : " فاختبأ الذي عكفوا . . . " ، وفي ابن كثير 1 : 169 " فأخبر " ، وهو خطأ محض . واحتبى بثوبه : ضم رجليه إلى يطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ، يشده عليها ، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب . وانظر البغوي 1 : 169 ، فهو دال على صواب ما استظهرته في قراءة الكلمة .

(2/73)


وقام الذين لم يعكفوا على العجل ، وأخذوا الخناجر بأيديهم ، وأصابتهم ظلمة شديدة ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل ، (1) كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة.
937 - وحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : لما رجع موسى إلى قومه قال : ( يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ) إلى قوله : (فكذلك ألقى السامري) [ طه : 86 - 87]. فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه( قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) [ طه : 94]. فترك هارون ومال إلى السامري ، ف( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ) إلى قوله : ( ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) [ طه : 95 - 97] ثم أخذه فذبحه ، ثم حرقه بالمبرد ، (2) ثم ذراه في اليم ، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه . ثم قال لهم موسى : اشربوا منه . فشربوا ، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب . فذلك حين يقول : ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) [ البقرة : 93] . فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ، ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا : " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين " . فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل ، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل ، (3) فقال لهم موسى : (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال : فصفوا صفين ، ثم اجتلدوا بالسيوف . فاجتلد الذين عبدوه
__________
(1) أجلى عن كذا : انكشف عنه .
(2) حرق الحديد بالمبرد حرقا ، وحرقه (بتشديد الراء) : برده وحك بعضه ببعض . وكذلك جاء عن ابن إسحاق في تاريخ الطبري 1 : 220 قال : " سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما كان إحراقه سحلة " . والسحل : السحق والحك بالمبرد .
(3) في المطبوعة : " أن يقاتلوهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وتاريخ الطبري .

(2/74)


والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قتل من الفريقين شهيدا ، حتى كثر القتل ، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا ، وحتى دعا موسى وهارون (1) ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! (2) ! فأمرهم أن يضعوا السلاح ، وتاب عليهم . فكان من قتل شهيدا ، ومن بقي كان مكفرا عنه . فذلك قوله : (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). (3)
938 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : (باتخاذكم العجل) ، قال : كان موسى أمر قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر ، فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده ، فتاب الله عليهم.
939 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " باتخاذكم العجل " ، قال : كان أمر موسى قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا ، ولا يقتل الرجل أباه ولا أخاه. فبلغ ذلك في ساعة من نهار سبعين ألفا. (4)
940 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم) الآية ، قال : فصاروا صفين ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فبلغ القتلى ما شاء الله ، ثم قيل لهم : قد تيب على القاتل والمقتول.
941 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال ، لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " وحتى دعا موسى " ، وأثبت ما في التاريخ بحذف واو العطف .
(2) البقية : الإبقاء عليهم ، يدعوان ربهما أن يبقى بقية ، فلا يستأصلهم بقتل أنفسهم .
(3) الأثر : 937 - في تاريخ الطبري 1 : 219 .
(4) الأثر : 939 - سقط هذا الأثر كله من المطبوعة .

(2/75)


ومعهم موسى ، فاضطربوا بالسيوف ، (1) وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه . حتى إذا فتر ، أتاه بعضهم فقالوا : يا نبي الله ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه . (2) فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى : ما يحزنك ؟ ، (3) أما من قتل منكم ، فحي عندي يرزق ؛ وأما من بقي ، فقد قبلت توبته! فبشر بذلك موسى بني إسرائيل (4) .
942 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري وقتادة في قوله : (فاقتلوا أنفسكم) ، قال : قاموا صفين يقتل بعضهم بعضا ، (5) حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة : كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي.
943 - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين بن داود قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال لي عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : قام بعضهم إلى بعض ، يقتل بعضهم بعضا ، ما يترابأ الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدا حتى نزلت التوبة. (6)
__________
(1) في المطبوعة : " فتضاربوا " وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير 1 : 170 . وتضارب الرجلان بسيفيهما واضطربا : تجالدا بالسيف ، بمعنى واحد .
(2) في المطبوعة : " يشدون " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير . يريد : يسندون يديه وموسى رافع يديه يدعو الله .
(3) في المطبوعة : " لا يحزنك " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .
(4) في المطبوعة وابن كثير : " فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل " .
(5) في المطبوعة : " فقتل بعضهم بعضا : ، ليست بشيء .
(6) في المطبوعة " ما يتوقى الرجل " ، وفي المخطوطة " ما يترانا " . ورابأت فلانا : اتقيته واتقاني ومن مادته : " أربأ بك عن كذا " . أي أرفعك عنه ولا أرضاه لك . ويقال : " ما عبأت به ولا ربأت " : أي ما باليت به ولا حفلت . فقوله : " ما يترابأ " أي ما يبالي الرجل أن يقتل أخاه .

(2/76)


قال ابن جريج ، وقال ابن عباس : بلغ قتلاهم سبعين ألفا ، ثم رفع الله عز وجل عنهم القتل ، وتاب عليهم. قال ابن جريج : قاموا صفين فاقتتلوا بينهم ، فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة ، وكانت توبة لمن بقي . وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علم أن ناسا منهم علموا أن العجل باطل ، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال ، فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا .
944 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : لما رجع موسى إلى قومه ، وأحرق العجل وذراه في اليم ، (1) وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بعثوا - سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نصبر لأمر الله! فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده. فجلسوا بالأفنية ، وأَصْلَتَ عليهم القوم السيوف ، (2) فجعلوا يقتلونهم. وبكى موسى ، وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم ، (3) فتاب عليهم وعفا عنهم ، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف . (4)
945 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لما رجع موسى إلى قومه ، وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه ، فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم . فقالوا : يا موسى ، أما من توبة ؟ قال : بلى!(اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم)
__________
(1) في صدر هذا الخبر من التاريخ 1 : 220 أن إحراق العجل : سحله ، كما مضى في ص : 70 تعليق : 1 .
(2) في المطبوعة : " وسلت القوم عليهم السيوف " . وأثبت ما في تاريخ الطبري وابن كثير 1 : 170 وأصلت السيف : جرده من غمده .
(3) بهش إليه : أقبل عليه وأسرع إليه ، وتهيأ للبكاء .
(4) الأثر 944 - في تاريخ الطبري 1 : 221 ، وابن كثير 1 : 170 ، وفي التاريخ وحده : " أن يرفع عنهم السيف " .
هذا ، وفي النسخة المخطوطة التي اعتمدناها ، خرم من عند قوله في هذا الأثر : " سأل ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة " - إلى أن يأتي قوله : " القول في تأويل قوله تعالى : " ثم بعثناكم من بعد موتكم " . وهو أول المجلد الثاني من هذه النسخة ، وتدل وثيقة الوقف التي كتبت على ظهر هذا المجلد ، أن هذه النسخة مجزأة في اثنين وعشرين جزءا .

(2/77)


الآية . فاخترطوا السيوف والجِرَزَة والخناجر والسكاكين . (1) قال : وبعث عليهم ضبابة ، قال : فجعلوا يتلامسون بالأيدي ، ويقتل بعضهم بعضا. قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري ، ويتنادون فيها : رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه . (2) وقرأ قول الله جل ثناؤه : ( وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ) [ الدخان : 33]. قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم ، وقرأ : (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) . (3) .
* * *
فالذي ذكرنا - عمن روينا عنه الأخبار التي رويناها - كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فيما بينهم وبين ربهم ، بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك.
* * *
وأما معنى قوله : (فتوبوا إلى بارئكم) ، فإنه يعني به : ارجعوا إلى طاعة خالقكم ، وإلى ما يرضيه عنكم ، كما : -
946 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (فتوبوا إلى بارئكم) ، أي : إلى خالقكم.
* * *
وهو من " برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ " . و " البرية " : الخلق. وهي " فعيلة " بمعنى " مفعولة " ، غير أنها لا تهمز. كما لا يهمز " ملك " وهو من " لأك " ، لكنه جرى بترك الهمزة كذلك (4) قال نابغة بني ذبيان :
إلا سليمان إذ قال المليك له... قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد
__________
(1) اخترط السيف : سله . والجرزة (بكسر الجيم وفتح الزاي) جمع جرز (بضم فسكون) ، وهو عمود من الحديد ، سلاح يقاتل به .
(2) في المطبوعة : " صبر حتى يبلغ " بحذف " نفسه " . والزيادة من ابن كثير 1 : 170
(3) الأثر : 945 - في ابن كثير 1 : 170
(4) انظر ما مضى 1 : 444 - 447 .

(2/78)


(1)
وقد قيل : إن " البرية " إنما لم تهمز لأنها " فعيلة " من " البَرَى " ، والبَرَى : التراب . فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب.
* * *
وقال بعضهم : إنما أخذت " البرية " من قولك " بريت العود " . فلذلك لم يهمز .
* * *
قال أبو جعفر : وترك الهمز من " بارئكم " جائز ، والإبدال منها جائز. فإذ كان ذلك جائزا في " باريكم " فغير مستنكر أن تكون " البرية " من : " برى الله الخلق " بترك الهمزة.
* * *
وأما قوله : (ذلكم خير لكم عند بارئكم) ، فإنه يعني بذلك : توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم ، خير لكم عند بارئكم ، لأنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم ، وتستوجبون به الثواب منه.
* * *
وقوله : (فتاب عليكم) ، أي : بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من المحذوف الذي استغني بالظاهر منه عن المتروك . لأن معنى الكلام : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتبتم ، فتاب عليكم. فترك ذكر قوله : " فتبتم " ، إذ كان في قوله : (فتاب عليكم) دلالة بينة على اقتضاء الكلام " فتبتم " .
* * *
ويعني بقوله : (فتاب عيكم) رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم : من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم ، والصفح عن جرمكم ، (إنه هو التواب الرحيم) يعني : الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب " الرحيم " ، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته.
* * *
__________
(1) ديوانه : 29 ، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه ، وقبل البيت :
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
حَدَدْتُ فلانا عن الشر : منعته وحبسته . والفند : الخطأ في الرأى وفي القول .

(2/79)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)

القول في تأويل قوله تعالى{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : واذكروا أيضا إذ قلتم : يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به ، حتى نرى الله جهرة - عِيانا برفع الساتر بيننا وبينه ، وكشف الغطاء دوننا ودونه ، حتى ننظر إليه بأبصارنا ، كما تجهر الرَّكيَّة ، وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين ، فنُقِّي ما قد غطاه حتى ظهر الماء وصفا. يقال منه : (1) " قد جَهَرْتُ الركية أجهرها جهرا وجهرة " . (2) ولذلك قيل : " قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا " ، (3) " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه ، كما قال الفرزدق بن غالب :
من اللائي يظل الألف منه... منيخًا من مخافته جهارا
__________
(1) هذا نص كلام الأخفش (اللسان جهر) . وفي المطبوعة " فنفى ما قد غطاه " ، ولا بأس بها ، ولكني أثبت ما في اللسان .
(2) قوله " وجهرة " ، مصدر لم أجده في اللسان ولا في غيره .
(3) في المطبوعة : " جهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا " ، وليس حسنا أن يقال كذلك . فإن " مجاهرة " لا تكون مصدر " جهر " ألبتة ، وإن جاز أن يكون " جهار " مصدرا له كما في اللسان : " جهر بكلامه يجهر جهرا وجهارا " . فمن أجل ذلك آثرت أن أضع مكان " جهر " " جاهر " ، حتى يستقيم على الجادة .

(2/80)


(1)
947 - وكما حدثنا به القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : (حتى نرى الله جهرة) ، قال : علانية.
948 - وحدثت عن عمار بن الحسن قال ، ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع : (حتى نرى الله جهرة) يقول : عيانا.
949 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (حتى نرى الله جهرة) ، حتى يطلع إلينا.
950 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (حتى نرى الله جهرة) ، أي عيانا.
فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبائهم ، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم ، مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور ، (2) وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم ، وسبوغ النعم من الله لديهم ، (3) وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله. ومرة يعبدون العجل من دون الله. ومرة يقولون : لا نصدقك حتى نرى الله جهرة . وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا
__________
(1) ديوانه : 443 ، والنقائض : 255 ، يهجو جريرا ، وقبل البيت :
عوى ، فأثار أغلب ضيغميا ... فويل ابن المراغة ! ما استثارا?
قوله " عوى " يعني جريرا. وقوله " من اللائي " ، أصله : من اللائين. و " اللاؤون " جمع " الذي " من غير لفظه ، بمعنى " الذين " . وفيه لغات : اللاؤون ، في الرفع ، واللائين ، في الخفض والنصب. واللاؤو ، بلانون ، واللائي ، بإثبات الياء في كل حال. يستوى فيه الرجال والنساء ، ومنه قول عباد بن طهفة ، وهو أبو الربيس ، شاعر أموي :
من النفر اللائي الذين إذا همو ... يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
وأجاز أبو الربيس أن يجمع بين " اللائي " و " الذين " ، لاختلاف اللفظين ، أو على إلغاء أحدهما. قول الفرزدق : " من اللائي " ، يعني : من الذين. ثم قطع القول وحذف ، لدلالة الكلام على ما أراد ، كأنه قال : هو من الذين عرفت يا جرير. ثم استأنف فقال : يظل الألف منه.. ، والضمير في " منه " عائد إلى قوله : " أغلب ضيغميا " ، هو الأسد ، ويعني نفسه. والألف : يعني ألف رجل. وقوله : " منيخا " : أي قد أناخ " الألف " ركابهم من مخافته ، وقد قطع عليهم الطريق.
هذا ، ورواية النقائض والديوان : " نهارا " مكان " جهارا " جاء تفسيرها في النقائض : " قال : نهارا ، ولم يقل : ليلا ، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل.
فيقول : هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار ، فكيف بالليل! " . رواية الطبري : " جهارا " قريبة المعنى من رواية من روى " نهارا " . وهم يقولون : لقيته جهارا نهارا. لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره. أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين ، وذلك في النهار.
(2) ثلجت نفسه بالشيء (بكسر اللام) تثلج وتثلج (بفتح اللام وضمها) ثلوجا : اشتفت واطمأنت وسكنت إليه ، ووثقت به .
(3) مضى في ص : 58 التعليق على مثل هذه الكلمة ، وكانت في المخطوطة : " شيوع آلائه لديهم " . وسبوغ النعمة : كمالها وتمامها واتساعها . ولا أزال أستحسن أن تكون هنا " شيوع " ، لقوله " لديهم " ، فأما إن قال " وسبوغ النعم عليهم " ، كما سيأتي في آخر هذه الفقرة ، فهي " سبوغ " ولا شك .

(2/81)


قاعدون. ومرة يقال لهم : قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم. فيقولون : حنطة في شعيرة! ويدخلون الباب من قبل أستاههم ، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام ، التي يكثر إحصاؤها.
فأعلم ربنا تبارك وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل ، الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنهم لن يعدوا أن يكونوا - في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه و سلم ، وجحودهم نبوته ، وتركهم الإقرار به وبما جاء به ، مع علمهم به ، ومعرفتهم بحقيقة أمره - كأسلافهم وآبائهم الذين فصّل عليهم ققَصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى ، وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه تارة بعد أخرى ، مع عظيم بلاء الله جل وعز عندهم ، وسبوغ آلائه عليهم. (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) }
اختلف أهل التأويل في صفة الصاعقة التي أخذتهم . فقال بعضهم بما : -
951 - حدثنا به الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (فأخذتكم الصاعقة) ، قال : ماتوا.
952 - وحدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (فأخذتكم الصاعقة) قال : سمعوا صوتا فصَعِقوا ، يقول : فماتوا.
* * *
وقال آخرون بما : -
953 - حدثني موسى بن هارون الهمداني قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ،
__________
(1) انظر التعليق السالف : 77 تعليق : 2

(2/82)


حدثنا أسباط ، عن السدي : (فأخذتكم الصاعقة) ، والصاعقة : نار.
* * *
وقال آخرون بما : -
954 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : أخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة ، فماتوا جميعا.
* * *
وأصل " الصاعقة " كل أمر هائل رآه [المرء] أو عاينه أو أصابه - (1) حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب ، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم ، (2) أو فقد بعض آلات الجسم - صوتا كان ذلك أو نارا ، أو زلزلة ، أو رجفا . ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت ، قول الله عز وجل : ( وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ) [الأعراف : 143] ، يعني مغشيا عليه ، ومنه قول جرير بن عطية :
وهل كان الفرزدق غير قرد... أصابته الصواعق فاستدارا (3)
فقد علم أن موسى لم يكن - حين غشي عليه وصعق ميتا ، لأن الله
__________
(1) الزيادة بين القوسين من عندي . ليستقيم بها الكلام .
(2) قوله " غمور فهم " لم أجد هذا المصدر في كتب اللغة. وكأنه مصدر غمر عليه (بالبناء للمجهول) : أغمى عليه. وفي الحديث أنه أول ما اشتكي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة ، اشتد مرضه حتى غمر عليه - أي : أغمى عليه ، حتى كأنه غطى على عقله وستر ، من قولهم : غمرت الشيء : إذا سترته ، وغشي عليه وأغمي عليه من معنى الستر أيضًا (اللسان ، الفائق).
(3) ديوانه : 281 ، والنقائض : 251 وبعده في هجاء الفرزدق ، وهو من أشده :
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بِخَزْيَةٍ وتركت عارا
وما أشد ما قال! وقال في النقائض في شرح البيت : " ولغته - يعني جريرا - الصواقع . فاستدار : أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا " . وكأنه أخطأ المعنى ، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا . فقوله : " استدار " : عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " أي عاد كما بدأ . فهو يقول : كان الفرزدق في أصل نشأته قردا ، ثم تحول إنسانا ، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا .

(2/83)


ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال : (تبت إليك) [ الأعراف : 143] - ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا . ولكن معنى ذلك ما وصفنا .
* * *
ويعني بقوله : (وأنتم تنظرون) ، وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم ، يقول : أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظرون إليها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى (1) { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
يعني بقوله : (ثم بعثناكم) ثم أحييناكم .
* * *
وأصل " البعث " إثارة الشيء من محله . ومنه قيل : " بعث فلان راحلته " إذا أثارها من مبركها للسير ، كما قال الشاعر :
فأبعثها وهيَّ صنيعُ حول... كركن الرَّعنِ ، ذِعْلِبَةً وَقاحا (2)
__________
(1) عند هذا انتهى الخرم الذي ذكرناه في ص : 77 وبدأنا المخطوطة .
(2) لم أجد البيت في مكان . وقوله : " هي " بتشديد الياء ، وهي لغة همدان ، يشددون الواو من " هو " كقول القائل .
وإن لساني شُهدة يشتفى بها ... وهوَّ ، على من صبه الله ، علقم
ويشدد الياء من " هي " كقول القائل :
والنفس ما أمرت بالعنف آبيه ... وهي - إن أمرت باللطف تأتمر
والضمير في " أبعثها " إلى ناقته. وقوله : " صنيع حول " أي قد رعت حولا - عاما - حتى سمنت وقويت. يقال صنع فرسه صنعا وصنعة ، فهو فرس صنيع ، والأنثى بغير هاء : إذا أحسن القيام عليه فغذاه وعلفه وسمنه. وكل ما تعهدته حتى جاد فهو صنيع. والرعن : الأنف العظيم من الجبل تراه متقدما. شبه ناقته في جلالها وقوتها بركن الجبل. ذعلبة : ناقة سريعة باقية على السير. وقاح : صلبة صبور ، الذكر والأنثى سواء.

(2/84)


و " الرعن " : منقطع أنف الجبل ، و " الذعلبة " : الخفيفة ، و " الوقاح " : الشديدة الحافر أو الخف . ومن ذلك قيل : " بعثت فلانا لحاجتي " ، إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها . ومن ذلك قيل ليوم القيامة : " يوم البعث " ، لأنه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب.
* * *
يعني بقوله : (من بعد موتكم) ، من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم.
* * *
وقوله : (لعلكم تشكرون) ، يقول : فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم ، بإحيائي إياكم ، استبقاء مني لكم ، لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم ، بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم ، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربكم.
وهذا القول على تأويل من تأول قوله قول : (ثم بعثناكم) ثم أحييناكم.
* * *
وقال آخرون : معنى قوله : (ثم بعثناكم) ، أي بعثناكم أنبياء .
955 - حدثني بذلك موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط عن السدي .
* * *
قال أبو جعفر : وتأويل الكلام على ما تأوله السدي : فأخذتكم الصاعقة ، ثم أحييناكم من بعد موتكم ، وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم ، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون.
وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، والمؤخر الذي معناه التقديم.
956 - حدثنا بذلك موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي.
وهذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه ، مع إجماع أهل التأويل على تخطئته . والواجب على تأويل السدي الذي حكيناه عنه ، أن يكون معنى قوله : (لعلكم تشكرون) ، تشكروني على تصييري إياكم أنبياء.
* * *

(2/85)


وكان سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له ، من قولهم : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) ، ما : -
957 - حدثنا به محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق قال : لما رجع موسى إلى قومه ، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل ، وقال لأخيه وللسامري ما قال ، وحرق العجل وذراه في اليم ، (1) اختار موسى منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر ، وقال : انطلقوا إلى الله عز وجل ، فتوبوا إليه مما صنعتم ، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ؛ صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم . فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به ، وخرجوا للقاء ربه : (2) يا موسى ، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا ، (3) قال : أفعل . فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود غمام حتى تغشى الجبل كله ، (4) ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا . وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه . فضرب دونه الحجاب . ودنا القوم ، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل ، ولا تفعل . فلما فرغ إليه من أمره ، انكشف عن موسى الغمام. (5) فأقبل إليهم ، فقالوا لموسى : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) ، فأخذتهم
__________
(1) في المخطوطة : " وذراه في البحر " .
(2) في المطبوعة : " للقاء الله " ، وأثبت ما في المخطوطة وتاريخ الطبري . وفي المخطوطة بعد قوله : " ربه " : " لموسى " ، وأما التاريخ ، فلم يذكر " يا موسى " ، ولا " لموسى " .
(3) في المطبوعة : " لنسمع كلام . . " وفي التاريخ : " اطلب لنا نسمع كلام ربنا " بحذف " إلى ربك " .
(4) في المطبوعة : " وقع عليه الغمام " ، وفي التاريخ : " وقع عليه عمود الغمام " .
(5) في المطبوعة : " فلما فرغ من أمره " ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ . وفيها أيضًا : " وانكشف " بزيادة الواو ، وهو خطأ .

(2/86)


الرجفة - وهي الصاعقة - [فافتلتت أرواحهم] فماتوا جميعا . (1) وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي! قد سفهوا ، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا ؟ (2) - أي : إن هذا لهم هلاك ، اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير ، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا ؟(إنا هدنا إليك) . فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إليه ، (3) حتى رد إليهم أرواحهم ، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . (4) .
958 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل ، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به ، أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بنى إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موعدا ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا . فلما أتوا ذلك المكان قالوا : " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " ، فإنك قد كلمته فأرناه : فأخذتهم الصاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول : رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ؟ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ فأوحى الله إلى موسى : إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل ، فذلك حين يقول موسى : ( إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ) [إلى قوله]
__________
(1) الذي بين القوسين زيادة من تاريخ الطبري ، وهي هناك : " فانفلتت أرواحهم " ، والصواب ما أثبته . يقال : " افتلتت نفسه " (بالبناء للمجهول) ، مات فلتة ، أي بغتة ، وفي الحديث : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي افتلتت نفسها ، فماتت ولم توص ، أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم .
(2) في التاريخ : " قد سفهوا ، فيهلك من ورائي . . . إن هذا لهم هلاك " ، بحذف " أي " .
(3) قوله : " ويسأله " ليست في المطبوعة .
(4) الأثر : 957 - في تاريخ الطبري 1 : 220 - 221 .

(2/87)


( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) [ الأعراف : 155 - 156]. [يقول تبنا إليك] . (1) وذلك قوله : (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة) . ثم إن الله جل ثناؤه أحياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون ، فقالوا : يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك ، فادعه يجعلنا أنبياء ! فدعا الله تعالى فجعلهم أنبياء ، فذلك قوله : (ثم بعثناكم من بعد موتكم) ، ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا . (2)
959 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : قال لهم موسى لما - رجع من عند ربه بالألواح ، قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل ، فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم - ، (3) : إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، فيه أمره الذي أمركم به ، ونهيه الذي نهاكم عنه . فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت! لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله إلينا (4) فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى ، (5) فيقول : هذا كتابي فخذوه ؟ وقرأ قول الله تعالى : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) ، قال : فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة ، فصعقتهم فماتوا أجمعون . قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، وقرأ قول الله تعالى : (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون). فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله . فقالوا : لا . فقال : أي شيء أصابكم ؟ قالوا : أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال : خذوا كتاب الله. قالوا : لا . فبعث الله تعالى ملائكة فنتقت الجبل
__________
(1) الزيادة التي بين الأقواس من تاريخ الطبري ، والأولى منهما زيادة لا بد منها .
(2) الأثر : 958 في تاريخ الطبري 1 : 221 . وقوله : " قدم حرفا وأخر حرفا " ، هو ما ذكره في تأويل الآية على ما ذهب إليه السدي (ص : 85) " فأخذتكم الصاعقة ، ثم أحييناكم . . )
(3) في المطبوعة : " فقال : إن هذه الألواح . . "
(4) في المطبوعة : " يطلع الله علينا " .
(5) في المطبوعة : " كما يكلمك أنت " . وسيأتي على الصواب في رقم : 1115 .

(2/88)


فوقهم . (1)
960 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم) ، قال : أخذتهم الصاعقة ، ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم.
961 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : (فأخذتهم الصاعقة) ، قال : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه . قال : فسمعوا كلاما ، فقالوا : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة). قال : فسمعوا صوتا فصعقوا - يقول : ماتوا - فذلك قوله : (ثم بعثناكم من بعد موتكم) ، فبعثوا من بعد موتهم ، لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم ، فبعثوا لبقية آجالهم .
* * *
فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى ، تقوم به حجة فيسلم له . (2) وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه ، فإذ كان لا خبر بذلك تقوم به حجة ، فالصواب من القول فيه أن يقال : إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له : (يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) ، كما أخبر عنهم أنهم قالوه . وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات ، توبيخا لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم ، وقد قامت حجته على من احتج به عليه ، ولا حاجة لمن
__________
(1) الأثر : 959 - سيأتي أيضًا رقم : 1115 ، وفيه تمام الخبر نتقوا الجبل : اقتلعوه من أصله ورفعوه فوقهم .
(2) في المطبوعة : " فسلم لهم " ، وهو خطأ وتعبير فاسد . وإنما أراد التسليم للخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا الذي قاله الطبري دليل على صحة ما ذكرنا من أنه لم يستدل بهذه الأخبار إلا للبيان عن بعض المعاني ، وإن كانت لا تقوم بها الحجة في التفسير ، كما قلنا في التذكرة التي كتبناها في الجزء الأول : 453 - 454 . وانظر بقية كلام الطبري في هذه الفقرة . فإنه كلام بليغ الدلالة ، مفيد في معرفة أسلوب الطبري في تفسيره .

(2/89)


وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك . وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها ، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ }
(وظللنا عليكم الغمام) عطف على قوله : (ثم بعثناكم من بعد موتكم). فتأويل الآية : ثم بعثناكم من بعد موتكم ، وظللنا عليكم الغمام - وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم - لعلكم تشكرون .
* * *
و " الغمام " جمع " غمامة " ، كما السحاب جمع سحابة ، " والغمام " هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام ، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين . وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما. (1)
* * *
وقد قيل : إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا.
962 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : (وظللنا عليكم الغمام) ، قال : ليس بالسحاب.
963 - وحدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : (وظللنا عليكم الغمام) ، قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ، لم يكن إلا لهم. (2)
964 - وحدثني محمد بن عمرو الباهلي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : (وظللنا عليكم الغمام) ، قال : هو بمنزلة السحاب.
965 - وحدثني القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : (وظللنا عليكم
__________
(1) في المطبوعة : " فإن العرب تسميه " .
(2) الأثر 963 - في المخطوطة ، ساق هذا الأثر إلى قوله " قال : ليس بالسحاب " ثم قال بعده ما نصه : " وبإسناده عن مجاهد قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي . . . " إلى آخر الخبر .

(2/90)


الغمام) ، قال : هو غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله : (1) (في ظلل من الغمام) [ البقرة : 210] ، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس : وكان معهم في التيه . (2)
* * *
وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا ، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها ، (3) فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى ، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا ، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء.
* * *
وقد قيل : إنه ما ابيض من السحاب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ }
اختلف أهل التأويل في صفة " المن " . فقال بعضهم بما : -
966 - حدثني به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : (وأنزلنا عليكم المن) ، قال : المن صمغة .
967 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
__________
(1) في المخطوطة : " فيه في قوله " بحذف " يوم القيامة " .
(2) الضمير في قوله : " وكان " ، للغمام .
(3) في المطبوعة : " فغطى وجهها " وتلك أجود.

(2/91)


أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
968 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (وأنزلنا عليكم المن والسلوى) ، يقول : كان المن ينزل عليهم مثل الثلج .
* * *
وقال آخرون : هو شراب .
* ذكر من قال ذلك :
969 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال : المن ، شراب كان ينزل عليهم مثل العسل ، فيمزجونه بالماء ، ثم يشربونه .
* * *
وقال آخرون : " المن " ، عسل .
* ذكر من قال ذلك :
970 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : المن : عسل كان ينزل لهم من السماء .
971 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن .
* * *
وقال آخرون : " المن " الخبز الرقاق . (1)
* ذكر من قال ذلك :
972 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد قال : سمعت وهبا - وسئل : ما المن ؟ قال : خبز الرقاق ، ، مثل الذرة ، ومثل النقي. (2)
* * *
وقال آخرون : " المن " ، الزنجبيل. (3)
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) في المطبوعة : " خبز الرقاق " . خبز رقاق رقيق ، كطويل وطوال ، صفة . وهو خبز منبسط رقيق .
(2) الأثر : 972 - بعض أثر سيأتي برقم : 995 . وفي المخطوطة : " من الذرة " ، وفي ابن كثير كما في المطبوعة ، وسيأتي كذلك في رقم : 995 .
(3) في المطبوعة " الترنجبين " ، وكذلك في البغوي " الترنجبين " . وفي تاج العروس : " الترنجبين " . بالضم ، هو المن المذكور في القرآن " . وسيأتي ذلك بعد رقم : 977 ، وهو هنا " الزنجيل " كما في ابن كثير ، والمخطوطة . وانظر لسان العرب : (منن) .

(2/92)


973 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : المن كان يسقط على شجر الزنجبيل (1)
* * *
وقال آخرون : " المن " ، هو الذي يسقط على الشجر الذي يأكله الناس.
* ذكر من قال ذلك :
974 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثتي حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : كان المن ينزل على شجرهم ، فيغدون عليه ، فيأكلون منه ما شاءوا. (2) .
975 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن مجالد ، عن عامر في قوله : (وأنزلنا عليكم المن) ، قال : المن : الذي يقع على الشجر.
976 - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (المن) ، قال : المن الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس.
977 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا شريك ، عن مجالد ، عن عامر قال : المن ، هذا الذي يقع على الشجر.
* * *
وقد قيل . إن " المن " ، هو الترنجبين.
* * *
وقال بعضهم : " المن " ، هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر ، وهو حلو كالعسل ، وإياه عنى الأعشى - ميمون بن قيس - بقوله :
__________
(1) في المطبوعة " شجر الترنجبين " .
(2) الأثر : 974 - هو في المخطوطة بعد رقم : 976 .

(2/93)


لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ... ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا (1)
وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه صلى الله عليه و سلم قال :
978 - " الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين " . (2)
وقال بعضهم : " المن " ، شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه .
* * *
وأما أمية بن أبي الصلت ، فإنه جعله في شعره عسلا فقال يصف أمرهم في التيه وما رزقوا فيه :
فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ... لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا (3)
__________
(1) ديوانه : 87 من قصيدة طويلة ، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة ، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى ، فأوقع بهم المكعبر الفارسي ، والي كسرى على البحرين ، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها ، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان. وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم ، فوهبهم له يوم الفصح ، فأعتقهم ، فقال الأعشى ، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم :
سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا
وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعا
لو أُطعموا المن . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري 2 : 132 - 134). والطعم : ما أكل من الطعام. ونجع الطعام في الإنسان : هنا أكله وتبينت تنميته ، واستمرأه وصلح عليه.
(2) الحديث : 978 - هكذا رواه الطبري دون إسناد . وقد صدق في أنه تظاهرت به الأخبار . فقد رواه أحمد والشيخان والترمذي ، من حديث سعيد بن زيد . ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه ، من حديث أبي سعيد وجابر . ورواه أبو نعيم في الطب ، من حديث ابن عباس وعائشة . انظر مثلا ، المسند : 1625 ، 1626 . والجامع الصغير : 6463 . وزاد المعاد لابن القيم 3 : 383 . وتفسير ابن كثير 1 : 174 - 176 ، وقد ساق كثيرا من طرقه .
(3) ديوانه : 34 - 35 . في الأصول والديوان . " ولا مثمورا " . مضيع : بموضع ضياع وهوان وهلاك . يقال : هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد) ، كأنه فيها ضائع . وهو مفعلة ، وطرح التاء منها كما يقولون : المنزل والمنزلة . ومزرع : مصدر ميمي من " زرع " يعني ليس بذي زرع ، ومعمور : أي آهل ذهب خرابه . ونصب " ولا معمورا " ، عطفا على محل " بذي مزرع " ، وهو نصب . وآثرت هذه الكلمة ، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر ، ولأن التحريف في " معمور " و " مثمور " سهل ، ولما سترى في شرح البيت الثالث .

(2/94)


فَنَساها عليهم غاديات ، ... ومرى مزنهم خلايا وخورا (1) عسلا ناطِفا وماء فراتا... وحليبا ذا بهجة مثمورا (2)
المثمور : الصافي من اللبن (3) . فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا ، والناطف : هو القاطر . (4) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فعفاها " وفي المخطوطة : " فسناها " ، وفي الديوان " فعفاها " ولا معنى لشيء منها ، فاستظهرت أن أقرأها من المخطوط " فنساها " ، أصلها " فنسأها " مهموزة ، كما قالوا : برأ الله الخلق وبراهم بطرح الهمزة . ونسأ الدابة رالإبل ينسؤها نسأ : زجرها وساقها . يقول : ساق عليهم السحاب . غاديات جمع غادية : وهي السحابة التي تنشأ غدوة . ومرى الناقة مريا : مسح ضرعها لتدر . والمزن جمع مزنة : وهي السحابة ذات الماء . وخلايا جمع خلية : وهي الناقة التي خليت للحلب لكرمها وغزارة لبنها . الخور " : إبل حمر إلى الغبرة ، رقيقات الجلود ، طوال الأوبار ، لها شعر ينفذ وبرها ، وهي أطول من سائر الوبر ، فإذا كانت فهي غزار كثيرة اللبن . شبه السحاب الغزير الماء بهذين الضربين من النوق الغزيرة اللبن ، يحلب مطرها عليهم حلبا ، ثم فصل في البيت التالي أنواع ما نزل عليهم من السماء .
(2) ناطف ، من نطف ينطف : قطر . وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء . والفرات : أشد الماء عذوبة . ووصف اللبن بأنه ذو بهجة . وهي الحسن والنضارة ، لأنه لم يؤخذ زبده ، فيرق ، وتذهب لمعة الزبد منه ، فاستعار البهجة لذلك . أما قوله : " مثمورا " ، فهي في المطبوعة " ممرورا " ، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ " مثمورا " ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم ، ثم كتب هو نفسه في الهامش : " مزمورا " ، ثم شرح في طرف الصفحة فقال : " المزمور : الصافي من اللبن " . وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة ، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول " مثمورا " ، ورجحت أن صوابها " معمورا " ، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب " مثمورا " فعاد فجعلها " مزمورا " .
ولم أجد " مثمورا " في كتب اللغة ، ولكن يقال : الثمير والثميرة : اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل : إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد ، ثم يجتمع فيصير زبدا ، وما دامت صغارا فهو ثمير . ويقولون : إن لبنك لحسن الثمر ، وقد أثمر مخاضك . فكأنه قال : " مثمورا " ويعني " ثميرا " ، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا .
(3) كانت في المطبوعة " الممرور " ، وقد ذكرت في التعليقة ، أنها بهامش المخطوطة " المزمور " .
(4) قوله : " فجعل المن . . . " إلى آخر الجملة ليس في المخطوطة .

(2/95)


القول في تأويل قوله تعالى{ وَالسَّلْوَى }
قال أبو جعفر : و " السلوى " اسم طائر يشبه السُّمانَى ، واحده وجِماعه بلفظ واحد ، كذلك السماني لفظ جماعها وواحدها سواء . وقد قيل : إن واحدة السلوى سلواة .
* ذكر من قال ذلك :
979 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثني عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : السلوى طير يشبه السُّمانى . (1) .
980 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كان طيرا أكبر من السمانى .
981 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : السلوى : طائر كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب.
982 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : السلوى : طائر .
983 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : السلوى طير.
984 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد قال : سمعت وهبا - وسئل : ما السلوى ؟ فقال : طير سمين مثل الحمام . (2)
__________
(1) الأثر : 978 - اقتصر في المخطوطة على بعض هذا الإسناد ، إلى قوله : عن السدي " ، وأسقط الباقي ، وهو الإسناد الدائر في تفسيره ، فكأن كل إسناد وقف على السدي ، هو هذا الإسناد ، ثم اجتزأ ببعضه عن جميعه ، كما مضى آنفًا ، وكما سيأتي بعد .
(2) الأثر 984 - بعض أثر سيأتي برقم : 995 .

(2/96)


985 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : السلوى طير.
986 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : السلوى كان طيرا يأتيهم مثل السمانى .
987 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن مجالد ، عن عامر ، قال : السلوى السمانى .
988 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : السلوى ، هو السمانى .
989 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، أخبرنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ، عن مجالد ، عن عامر قال : السلوى السمانى .
990 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا قرة ، عن الضحاك قال : السمانى هو السلوى .
* * *
فإن قال قائل : وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام ، وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم ؟
قيل : قد اختلف أهل العلم في ذلك . ونحن ذاكرون ما حضرنا منه : -
991 - فحدثنا موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : لما تاب الله على قوم موسى ، (1) وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم ، أمرهم الله بالسير إلى أريحا ، (2) وهي أرض بيت المقدس . فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا . فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى ، ما قد قص الله في كتابه . (3)
__________
(1) في المخطوطة : " على موسى " بحذف " قوم " .
(2) في المطبوعة : " بالمسير " ، وهما سواء .
(3) هذا اختصار ، وتفصيله في التاريخ في موضعه ، كما سيأتي في موضعه من ذكره مراجعه .

(2/97)


فقال قوم موسى لموسى : (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون). فغضب موسى فدعا عليهم فقال : (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين). فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها ، فقال الله تعالى : (إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض). فلما ضرب عليهم التيه ، ندم موسى ، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له : ما صنعت بنا يا موسى ؟ فلما ندم ، أوحى الله إليه : أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن ، فقالوا : يا موسى كيف لنا بماء ههنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين (1) - والسلوى وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير ، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه . فقالوا : هذا الطعام ، فأين الشراب ؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فشرب كل سبط من عين . فقالوا : هذا الطعام والشراب ؟ فأين الظل ؟ فظلل عليهم الغمام. فقالوا : هذا الظل ، فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ، ولا يتخرق لهم ثوب ، فذلك قوله : (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى) وقوله : ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ). [البقرة : 60] (2)
992 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل ، وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل ، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة ، (3) وقال : إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا فاخرج إليها ، وجاهد من فيها من العدو ، فإني ناصركم
__________
(1) في المخطوطة وحدها : " الزنجبيل " . وانظر ما مضى : 92 .
(2) الأثر : 991 - في تاريخ الطبري 1 : 221 - 222 .
(3) في المخطوطة : " أن يسبق بهم " ، وأراد الناسخ أن يصححها في الهامش ، فكتب " - " ولم يتمها .

(2/98)


عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله عز وجل. حتى إذا نزل التيه - بين مصر والشام ، وهي أرض ليس فيها خَمَر ولا ظل (1) - دعا موسى ربه حين آذاهم الحر ، فظلل عليهم بالغمام ؛ ودعا لهم بالرزق ، فأنزل الله لهم المن والسلوى .
993 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس -
994 - وحدثت عن عمار بن الحسن ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع (2) قوله : (وظللنا عليكم الغمام) ، قال : ظلل عليهم الغمام في التيه ، تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة ، (3) كلما أصبحوا ساروا غادين ، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه . فكانوا كذلك حتى مرت أربعون سنة . (4) قال : وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ، ولا تبلى ثيابهم. ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
995 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد قال ، سمعت وهبا يقول : إن بني إسرائيل - لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض - شكوا إلى موسى فقالوا : ما نأكل ؟ فقال : إن الله سيأتيكم بما تأكلون . قالوا : من أين لنا ؟ إلا أن يمطر علينا خبزا! قال : إن الله عز وجل سينزل عليكم خبزا مخبوزا . فكان ينزل عليهم المن - سئل وهب : ما المن ؟ قال : خبز الرقاق مثل الذرة أو
__________
(1) الخمر (بفتحتين) : كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره .
(2) هذا الإسناد الثاني ساقط من المخطوطة .
(3) في المخطوطة : " فإذا هو في قدر " مصفحة ، وانظر تفسير الطبري 6 : 116 - 117 ، 119 (بولاق) وقوله : " قدر " ليست في المطبوعة .
(4) في المخطوطة : " حتى قمرت أربعين سنة " محرفا .

(2/99)


مثل النقيّ - (1) قالوا : وما نأتدم ؟ وهل بد لنا من لحم ؟ قال : فإن الله يأتيكم به . فقالوا : من أين لنا ؟ إلا أن تأتينا به الريح! قال : فإن الريح تأتيكم به. فكانت الريح تأتيهم بالسلوى - فسئل وهب : ما السلوى ؟ قال : طير سمين مثل الحمام ، (2) كانت تأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت - (3) قالوا : فما نلبس ؟ قال : لا يخلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة . قالوا : فما نحتذي ؟ قال : لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة. (4) قالوا : فإن يولد فينا أولاد ، فما نكسوهم ؟ (5) قال : ثوب الصغير يشب معه . قالوا : فمن أين لنا الماء ؟ قال : يأتيكم به الله . قالوا : فمن أين ؟ إلا أن يخرج لنا من الحجر ! فأمر الله تبارك وتعالى موسى أن يضرب بعصاه الحجر . قالوا : فما نبصر! تغشانا الظلمة! (6) فضرب لهم عمودا من نور في وسط عسكرهم ، أضاء عسكرهم كله ، قالوا : فبم نستظل ؟ فإن الشمس علينا شديده! قال : يظلكم الله بالغمام . (7) .
996 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد ، فذكر نحو حديث موسى بن هارون ، عن عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدي .
997 - حدثني القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : قال عبد الله بن عباس : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق
__________
(1) هذه الجملة سلفت في الأثر رقم : 972
(2) هذه الجملة سلفت في الأثر رقم : 984
(3) في المطبوعة : " من السبت إلى السبت " .
(4) الشسع : أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين
(5) في المطبوعة : " فإن فينا أولادا " .
(6) في المطبوعة : " فبم نبصر " .
(7) الأثر : 995 - إسحاق : هو ابن راهويه الإمام الكبير . إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل ابن منبه الصنعاني : ثقة ، مترجم في التهذيب ، ترجمة البخاري 1 /1 /367 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 /187 . وهو يروي هنا عن عمه : عبد الصمد بن معقل بن منبه ، وهو ثقة أيضًا ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /50 . وعبد الصمد يروى عن عمه : وهب بن منبه ، هذا الأثر .

(2/100)


ولا تدرن . (1) قال ، وقال ابن جريج : إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت ، فلا يصبح فاسدا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }
وهذا مما استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه . وذلك أن تأويل الآية : وظللنا عليكم الغمام ، وأنزلنا عليكم المن والسلوى ، وقلنا لكم : كلوا من طيبات ما رزقناكم . فترك ذكر قوله : " وقلنا لكم " ، لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه. وعنى جل ذكره بقوله : (كلوا من طيبات ما رزقناكم) : كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه . (2) وقد قيل عنى بقوله : (من طيبات ما رزقناكم) : من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا.
والأول من القولين أولى بالتأويل ، لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم ، فوصف ذلك ب " الطيب " ، الذي هو بمعنى اللذة ، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح .
و " ما " التي مع " رزقناكم " ، بمعنى " الذي " . كأنه قيل : كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أن معنى
__________
(1) درن الثوب يدرن درنا فهو درن وأدرن : تلطخ بالوسخ .
(2) في المطبوعة : " من مشهيات " ، ليست بشيء .

(2/101)


الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم. فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم ، و " ما ظلمونا " ، فاكتفى بما ظهر عما ترك.
وقوله : (وما ظلمونا) يقول : وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ويعني بقوله : (وما ظلمونا) ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها . كما : -
999 - حدثنا عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) قال : يضرون.
* * *
وقد دللنا فيما مضى ، على أن أصل " الظلم " : وضع الشيء في غير موضعه - بما فيه الكفاية ، فأغنى ذلك عن إعادته. (1)
* * *
وكذلك ربنا جل ذكره ، لا تضره معصية عاص ، ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم ، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ، بل نفسه يظلم الظالم ، وحظها يبخس العاصي ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل .
* * *
__________
(1) انظر ما مضى 1 : 523 - 524 ، وهذا الجزء 2 : 69 .

(2/102)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ }
و " القرية " - التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها ، فيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا - فيما ذكر لنا : بيت المقدس * ذكر الرواية بذلك :
999 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أنبأنا عبد الرزاق قال ، أنبأنا معمر ، عن قتادة في قوله : (ادخلوا هذه القرية) ، قال : بيت المقدس.
1000 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثني عمرو بن حماد قال ، حدثنا

(2/102)


أسباط ، عن السدي : (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) أما القرية ، فقرية بيت المقدس.
1001 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) ، يعني بيت المقدس.
1002 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال : سألته - يعني ابن زيد - عن قوله : (ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم) قال : هي أريحا ، وهي قريبة من بيت المقدس .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا }
يعني بذلك : فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب . وقد بينا معنى " الرغد " فيما مضى من كتابنا ، وذكرنا أقوال أهل التأويل فيه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا }
أما " الباب " الذي أمروا أن يدخلوه ، فإنه قيل : هو باب الحطة من بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك :
1003 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ادخلوا الباب سجدا) قال : باب الحطة ، من باب إيلياء ، من بيت المقدس.
1004 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
__________
(1) انظر ما مضى 1 : 515 - 516 .

(2/103)


1005 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : (وادخلوا الباب سجدا) ، أما الباب فباب من أبواب بيت المقدس .
1006 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وادخلوا الباب سجدا) أنه أحد أبواب بيت المقدس ، وهو يدعى باب حطة. وأما قوله : (سجدا) فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركع.
1007 - حدثني محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : (ادخلوا الباب سجدا) ، قال : ركعا من باب صغير.
1008 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد ، عن ابن عباس في قوله : (ادخلوا الباب سجدا) ، قال : أمروا أن يدخلوا ركعا .
* * *
قال أبو جعفر : وأصل " السجود " الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو " ساجد " . ومنه قول الشاعر : (1)
بجَمْع تضل البُلْقُ في حَجَراته... ترى الأكْم منه سجدا للحوافر (2)
__________
(1) هو زيد الخيل بن مهلهل الطائي ، الفارس المشهور .
(2) سيأتي بعد في هذا الجزء 1 : 289 (بولاق) ، والكامل 1 : 258 ، والمعاني الكبير : 890 ، والأضداد لابن الأنباري : 256 ، وحماسة ابن الشجري : 19 ، ومجموعة المعاني : 192 ، وغيرها . والباء في قوله " بجمع " متعلقة ببيت سالف هو : بَنِي عَامِرٍ ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا ... أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ?
والبلق جمع أبلق وبلقاء : الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون) : الناحية. والأكم (بضم فسكون ، وأصلها بضمتين) جمع إكام ، جمع أكمة : وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله ، دون الجبل ، غليظ فيه حجارة . قال ابن قتيبة في المعاني الكبير : " يقول : إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف ، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش ، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر " . وفي المطبوعة هنا " فيه " والجيد ما أثبته ، والضمير في " منه " للجيش أو الجمع.

(2/104)


يعني بقوله : " سجدا " خاشعة خاضعة . ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة :
يراوح من صلوات المليك... طورا سجودا وطورا جؤارا (1)
فذلك تأويل ابن عباس قوله : (سجدا) ركعا ، لأن الراكع منحن ، وإن كان الساجد أشد انحناء منه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقُولُوا حِطَّةٌ }
وتأويل قوله : (حطة) ، فعلة ، من قول القائل : " حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة " ، بمنزلة الردة والحِدة والمِدة من حددت ومددت.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويله . فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك : (2)
1009 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر : (وقولوا حطة) ، قال قال : الحسن وقتادة : أي احطُط عنا خطايانا.
1010 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (وقولوا
__________
(1) ديوانه : 41 ، وسيأتي في 18 : 28 (بولاق) ، ومعه بيت آخر في 14 : 82 (بولاق) راوح يراوح مراوحة : عمل عملين في عمل ، يعمل ذامرة وذا مرة ، قال لبيد يصف فرسا . وولّى عامدا لِطِيات فَلْج ... يراوح بين صون وابتذال
وقوله : " من صلوات " " من " هنا لبيان الجنس ، مثل قوله تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق " . وحذف " بين " التي تقتضيها " يراوح " ، لدلالة ما يأتي عليها ، وهو قوله : " طورا . . وطورا " . والجؤار : رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع . جأر إلى ربه يجأر جؤارا .
(2) في المطبوعة : " ذلك منهم " بالزيادة .

(2/105)


حطة) ، يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئتكم. (1)
1011 - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس : (قولوا حطة) قال : يحط عنكم خطاياكم .
1012 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله : (حطة) ، مغفرة .
10113 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (حطة) ، قال : يحط عنكم خطاياكم .
1014 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، أخبرني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال لي عطاء في قوله : (وقولوا حطة) ، قال : سمعنا أنه : يحط عنهم خطاياهم.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : قولوا " لا إله إلا الله " ، كأنهم وجهوا تأويله : قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم ، وهو قول لا إله إلا الله .
* ذكر من قال ذلك :
1015 - حدثني المثنى بن إبراهيم وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قالا أخبرنا حفص بن عمر ، قال حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة : (وقولوا حطة) ، قال : قولوا ، " لا إله إلا الله " .
* * *
وقال آخرون بمثل معنى قول عكرمة ، إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقيله : الاستغفار .
* ذكر من قال ذلك :
1016 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وقولوا حطة) قال : أمروا أن يستغفروا.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وخطاياكم " .

(2/106)


وقال آخرون نظير قول عكرمة ، إلا أنهم قالوا : القول الذي أمروا أن يقولوه ، هو أن يقولوا : هذا الأمر حق كما قيل لكم .
* ذكر من قال ذلك :
1017 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (وقولوا حطة) ، قال : قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم.
* * *
واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت " الحطة " .
فقال بعض نحويي البصرة : رفعت " الحطة " بمعنى " قولوا " ليكن منك حطة لذنوبنا ، كما تقول للرجل : سَمْعُك.
وقال آخرون منهم : هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة ، وفرض عليهم قيلها كذلك .
وقال بعض نحويي الكوفيين : رفعت " الحطة " بضمير " هذه " ، كأنه قال : وقولوا : " هذه " حطة. (1)
وقال آخرون منهم : هي مرفوعة بضمير معناه الخبر ، كأنه قال : قولوا ما هو حطة ، فتكون " حطة " حينئذ خبرا لـ " ما " .
* * *
قال أبو جعفر : والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب ، وأشبه بظاهر الكتاب : أن يكون رفع " حطة " بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة ، وهو دخولنا الباب سجدا حطة ، فكفى من تكريره بهذا اللفظ ، ما دل عليه الظاهر من التنزيل ، وهو قوله : (وادخلوا الباب سجدا) ، كما قال جل ثناؤه :
__________
(1) الضمير : المضمر أو الإضمار ، كما سلف في 1 : 427 تعليق : 1 ، وقد رأينا أيضًا في كلام نقله الشريف المرتضى في أماليه 1 : 334 عن أبي بكر بن الأنباري قال : " كاد ، لا تضمر ، ولابد من أن يكون منطوقا بها ، ولو جاز ضميرها لجاز : قام عبد الله ، بمعنى كاد عبد الله يقوم . . . " ، وهي هنا بمعنى الإضمار لا شك . وسيأتي في الفقرة التالية أيضًا ، بمعنى المضمر .

(2/107)


( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) [الأعراف : 164] ، (1) يعني : موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم . فكذلك عندي تأويل قوله : (وقولوا حطة) ، يعني بذلك : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ، وادخلوا الباب سجدا ، وقولوا : دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا. وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد ، الذي ذكرناه آنفا .
(2) قال أبوجعفر : وأما على تأويل قول عكرمة ، فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في " حطة " ، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا : " لا إله إلا الله " ، أو أن يقولوا : " نستغفر الله " ، فقد قيل لهم : قولوا هذا القول ، ف " قولوا " واقع حينئذ على " الحطة " ، لأن " الحطة " على قول عكرمة - هي قول " لا إله إلا الله " ، وإذا كانت هي قول " لا إله إلا الله " ، فالقول عليها واقع ، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير فقال له : " قل خيرا " نصبا ، ولم يكن صوابا أن يقول له : " قل خير " ، إلا على استكراه شديد.
وفي إجماع القَرَأَةِ على رفع " الحطة " (3) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله : (وقولوا حطة) . وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله : (وقولوا حطة) ، (4) أن تكون القراءة في " حطة " نصبا. لأن من شأن العرب - إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال ، وحذفوا الأفعال - أن ينصبوا المصادر. كما قال الشاعر : (5)
__________
(1) قراءتنا : " معذرة " بالنصب في مصاحفنا . وقد ذكر الطبري في تفسير الآية 9 : 63 (بولاق) أن الرفع قراءة عامة قراء الحجاز والكوفة والبصرة ، وقرأ بعض أهل الكوفة " معذرة " بالنصب
(2) من هنا أول جزء في التجزئة القديمة التي نقل عنها كاتب مخطوطتنا . وأولها : بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر برحمتك
(3) في المطبوعة " القراء " ، كما جرت عليه في كل ما مضى
(4) انظر رقم : 1010 فيما سلف .
(5) هو الفرزدق

(2/108)


أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم... على أمهات الهام ضربا شآميا (1)
وكقول القائل للرجل : " سمعا وطاعة " بمعنى : أسمع سمعا وأطيع طاعة ، وكما قال جل ثناؤه : (معاذ الله) [يوسف : 23] بمعنى : نعوذ بالله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { نَغْفِرْ لَكُمْ }
يعني بقوله : (نغفر لكم) نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ، ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها.
* * *
وأصل " الغفر " التغطية والستر ، فكل ساتر شيئا فهو غافره . ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس " مغفر " ، لأنها تغطي الرأس وتجنه. ومثله " غمد السيف " ، وهو ما تغمده فواراه. (2) ولذلك قيل لزئبر الثوب : " غفرة " ، لتغطيته الثوب ، (3) وحوله بين الناظر والنظر إليه . ومنه قول أوس بن حجر :
__________
(1) ديوانه : 890 في قصيدة يمدح فيها يزيد عبد الملك ، ويذكر إيقاعه بيزيد بن المهلب في سنة 102 (انظر خبره في تاريخ الطبري 8 : 151 - 160). ورواية ديوانه.
" أناخوا بأيدى طاعة ، وسيوفهم " قوله : " أناخوا " ، أي ذلوا وخضعوا ، أو صرعوا فماتوا ، كأنهم إبل أناخت واستقرت. وقوله : " أيدي طاعة " ، أي أهل طاعة.
(2) في المطبوعة " ومنه غمد السيف " ، وهذا يجعل الكلام مضطربا مقحما ، فرجح عندي أن تكون " ومنه " ، و " مثله " لأنه فسر " نغفر " بقوله " نتغمد " . وفي المطبوعة : " ما يغمده فيواريه " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " غفر " . والغفر جمع غفرة ، وزئبر الثوب : هو ما يعلو الثوب الجديد من مائه ، كالذي يعلو القطيفة والخز ، ويسمونه " درز الثوب " أيضًا. وفي المطبوعة : " لتغطيته العورة.. والنظر إليها " ، وهي عبارة غريبة فاسدة ، والذي في المخطوطة " لتغطيته الثوب " كما أثبتناها ، يعني الزئبر كما وصفنا. ويقال غفر الثوب : إذا أثار زئبره ، يكون كالمنتفش على وجه الثوب.هذا ، وقد انتهت المخطوطة التي اعتمدنا عند قوله : " لتغطية الثوب " . ويأتي بعدها خرم طويل سيستغرق أجزاء برمتها ، كما سنبينه في مواضعه.

(2/109)


فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا (1)
يعني بقوله : وأغفر عنه الجهل : أستر عليه جهله بحلمي عنه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { خَطَايَاكُمْ }
و " الخطايا " جمع " خطية " بغير همز ، كما " المطايا " جمع " مطية " ، والحشايا جمع حشية . وإنما ترك جمع " الخطايا " بالهمز ، لأن ترك الهمز في " خطيئة " أكثر من الهمز ، فجمع على " خطايا " ، على أن واحدتها غير مهموزة . ولو كانت " الخطايا " مجموعة على " خطيئة " بالهمز : لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل ، وصحيفة وصحائف . وقد تجمع " خطيئة " بالتاء ، فيهمز فيقال " خطيئات " . و " الخطيئة " فعيلة ، من " خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ " ، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر : (2)
وإن مُهَاجِرَيْن تَكَنَّفاه... لعمر الله قد خطئا وخابا (3)
يعني : أضلا الحق وأثما.
* * *
__________
(1) ديوانه ، قصيدة " 31. وهذه الرواية جاءت في شرح شواهد المغني : 137 ، وأما في سائر الكتب : " إن كان ظالما " ، وهي أجود. وقوله : " أجهل " بمعنى جاهل ، كما قالوا " أوجل " بمعنى وجل ، وأميل بمعنى مائل ، وأوحد بمعنى واحد ، وغيرها. ورواية صدر البيت على الصواب : " ألا أعتب " كما في المفضليات 590 وغيره ، أو " وقد أعتب " كما في القرطين 2 : 69. ويروى " ولا أشتم ابن العم " . يقول : أبلغ رضاه إذا ظلم او جهل ، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه.
(2) هو أمية بن الأسكر (طبقات فحول الشعراء : 159 - 160 )
(3) أمالي القالي 3 : 109 ، وكتاب المعمرين : 68 والخزانة 2 : 405 ، ويروى صدره " أتاه مهاجران تكنفاه " . وأما عجزه فاختلفت رواياته : " بترك كبيرة خطئا . . " و " ليترك شيخه خطئا . . " ، " ففارق شيخه ، . . " وكان أمية قد أسن ، عمر في الجاهلية عمرا طويلا ، وألفاه الإسلام هرما . ثم جاء زمن عمر ، فخرج ابنه كلاب غازيا ، وتركه هامة اليوم أو غد . فقال أبياتا منها هذا للبيت ، فلما سمعها عمر ، كتب إلى سعد بن أبي وقاص : أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر ، فرحله . وله مع عمر في هذه الحادثة قصة جيدة (في القالي 1 : 109 ) .

(2/110)


القول في تأويل قوله تعالى ذكره { وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) }
وتأويل ذلك ما روي لنا عن ابن عباس ، وهو ما : -
1018 - حدثنا به القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس : (وسنزيد المحسنين) ، من كان منكم محسنا زيد في إحسانه ، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.
فتأويل الآية : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية مباحا لكم كل ما فيها من الطيبات ، موسعا عليكم بغير حساب ؛ وادخلوا الباب سجدا ، وقولوا : سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحط به آثامنا ، نتغمد لكم ذنوب المذنب منكم فنسترها عليه ، ونحط أوزاره عنه ، وسنزيد المحسن منكم - إلى إحساننا السالف عنده - إحسانا . ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم ، وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبيائهم ، واستهزائهم برسله ، مع عظيم آلاء الله عز وجل عندهم ، وعجائب ما أراهم من آياته وعبره ، موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات ، ومعلمهم أنهم إن تعدوا (1) في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه و سلم ، وجحودهم نبوته ، مع عظيم إحسان الله بمبعثه فيهم إليهم ، وعجائب ما أظهر على يده من الحجج بين أظهرهم - أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم ، وقص علينا أنباءهم في
__________
(1) سياق الجملة : " . . إن تعدوا . . أن يكونوا " ، و " إن " هنا ، نافية بمعنى " ما " ، كالتي في قوله : " قل إن أدري أقريب ما توعدون " ، وقوله : " إن أدري لعله فتنة لكم " .

(2/111)


فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

هذه الآيات ، فقال جل ثناؤه : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء) الآية.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ }
وتأويل قوله : (فبدل) ، فغير . ويعني بقوله : (الذين ظلموا) ، الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله . ويعني بقوله : (قولا غير الذي قيل لهم) ، بدلوا قولا غير الذي أمروا أن يقولوه ، فقالوا خلافه. وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم . وكان تبديلهم - بالقول الذي أمروا أن يقولوا - قولا غيره ، (1) ما : -
1019 - حدثنا به الحسن بن يحيي قال ، أخبرنا عبد الرازق قال ، أخبرنا معمر عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : قال الله لبني إسرائيل : " ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم " ، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاهم ، وقالوا : حبة في شعيرة . (2)
1020 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد قالا حدثنا محمد بن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : -
1021 - وحدثت عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن سعيد
__________
(1) قوله : " قولا " مفعول " تبديلهم " . وأما خبر " كان " فهو قوله : " ما حدثنا به الحسن . . . " .
(2) الحديث : 1019 - رواه أحمد في المسند : 8213 (ج 2 ص 318 حلبي) ، عن عبد الرزاق ، بهذا الإسناد ، ولكن بلفظ " حبة في شعرة " . وكذلك رواه البخاري 6 : 312 ، و8 : 228 - 229 (فتح الباري) ، من طريق عبد الرازق. وذكر الحافظ (8 : 229) أن لفظ " شعرة " رواية أكثر رواة البخاري ، وأن رواية الكشميهني " شعيرة " . وذكره ابن كثير 1 : 180 ، ونسبه أيضًا لمسلم والترمذي ، من رواية عبد الرزاق.

(2/112)


بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا منه سجدا - يزحفون على أستاههم ، يقولون : حنطة في شعيرة. (1)
1022 - وحدثني محمد بن عبد الله المحاربي قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله : (حطة) ، قال : بدلوا فقالوا : حبة . (2)
1023 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي سعيد ، عن أبي الكنود ، عن عبد الله : (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) قالوا : حنطة حمراء فيها شعيرة . فأنزل الله : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1024 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : (ادخلوا الباب سجدا) قال : ركوعا - من باب صغير ، فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون : حنطة . فذلك قوله : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1025 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : أمروا
__________
(1) الحديث : 1020 ، 1021 - هو الحديث السابق ، ولكن رواه الطبري هنا بإسنادين. أحدهما صحيح متصل ، والآخر ضعيف فيه راو مبهم بين ابن إسحاق ومحمد ابن أبي محمد.
صالح بن كيسان المدني : تابعي ثقة. وصالح مولى التوأمة : هو ابن نبهان ، وهو ثقة أيضًا ، إلا أنه تغير بأخرة ، فمن روى عنه قديما فحديثه صحيح. وصالح بن كيسان قديم ، وهو بلديه ، فالراجح أن يكون ممن سمع منه قبل تغيره.
(2) الحديث : 1022 - هو مختصر من الحديث : 1019 . وقد رواه أحمد في المسند : 8095 (ج 2 ص 312 حلبي) عن يحيى بن آدم ، عن ابن المبارك ، بهذا الإسناد ، مطولا . وكذلك رواه البخاري 8 : 125 (فتح الباري) ، مطولا ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي . عن ابن المبارك .

(2/113)


أن يدخلوا ركعا ويقولوا : حطة . قال أمروا أن يستغفروا ، قال : فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون : حنطة - يستهزئون . فذلك قوله : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1026 - حدثنا الحسن بن يحيي قال ، أنبأنا عبد الرازق قال ، أنبأنا معمر ، عن قتادة والحسن : (ادخلوا الباب سجدا) قالا دخلوها على غير الجهة التي أمروا بها ، فدخلوها متزحفين على أوراكهم ، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم ، فقالوا حبة في شعيرة.
1027 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي . قال ، حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا : حطة ، وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا ، فلم يسجدوا ، ودخلوا على أدبارهم ، وقالوا : حنطة . (1)
1028 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : أمر موسى قومه أن يدخلوا المسجد ويقولوا : حطة . وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم ، فلم يسجدوا ودخلوا على أستاهم إلى الجبل - وهو الجبل الذي تجلى له ربه - وقالوا : حنطة . فذلك التبديل الذ قال الله عز وجل : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) . (2)
1029 - حدثني موسى بن هارون الهمداني [قال ، حدثني عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن مرة الهمداني] ، عن ابن مسعود أنه قال : إنهم قالوا : " هطى سمقا يا ازبة هزبا " ، وهو بالعربية : حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء . فذلك قوله : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1030 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن الأعمش ،
__________
(1) الأثر : 1027 . سيأتي تمامه في رقم : 1116 .
(2) الأثر : 1028 - انظر ما سيأتي رقم : 1117 ، فهو منه .

(2/114)


عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وادخلوا الباب سجدا) قال : فدخلوا على أستاهم مقنعي رءوسهم .
1031 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي عن النضر بن عدي ، عن عكرمة : (وادخلوا الباب سجدا) فدخلوا مقنعي رءوسهم - (وقولوا حطة) فقالوا : حنطة حمراء فيها شعيرة . فذلك قوله : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) .
1032 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) ، قال : فكان سجود أحدهم على خده . و(قولوا حطة) نحط عنكم خطاياكم ، فقالوا : حنطة . وقال بعضهم : حبة في شعيرة ، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم .
1033 - وحدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم ، قال : فاستهزءوا به - يعني بموسى - وقالوا : ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا ، حطة حطة !! أي شيء حطة ؟ وقال بعضهم لبعض : حنطة .
1034 - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثني الحسين قال ، حدثني حجاج عن ابن جريج ، وقال ابن عباس : لما دخلوا قالوا : حبة في شعيرة .
1035 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي سعد بن محمد بن الحسن قال ، أخبرني عمي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما دخلوا الباب قالوا : حبة في شعيرة ، " فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم " .
* * *

(2/115)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ }
يعني بقوله : (فأنزلنا على الذين ظلموا) ، على الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله ، من تبديلهم القول - الذي أمرهم الله جل وعز أن يقولوه - قولا غيره ، ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به ، وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه ، (رجزا من السماء بما كانوا ينسقون) .
* * *
و " الرِّجز " في لغة العرب ، العذاب ، وهو غير " الرُّجز " . (1) وذلك أن الرِّجز : البثر ، (2) ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه و سلم في الطاعون أنه قال : " إنه رجز عذب به بعض الأمم الذين قبلكم " .
1036 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال ، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إن هذا الوجع - أو السقم - رجز عذب له بعض الأمم قبلكم " . (3)
1037 - وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة قال ، حدثنا عمر بن حفص قال ، حدثنا أبي ، عن الشيباني ، عن رياح بن عبيدة ، عن عامر بن سعد قال : شهدت أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقول : قال رسول الله صلى
__________
(1) الرجز (بضم فسكون) ، وهو الذي جاء في قوله تعالى في سورة المدثر : " والرجز فاهجر " . وذكر الطبري فرق ما بينهما في 29 : 92 (بولاق) فقال : " الرجز بضم الراء . . . الأوثان "
(2) البثر : خراج صغار ، كالذي يكون من الطاعون والجدري .
(3) الحديث : 1036 - إسناده صحيح . وقد ذكره ابن كثير 1 : 182 ، وقال : " وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين ، من حديث الزهري ، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر - عن عامر بن سعد ، بنحوه " . ورواه أحمد في المسند ، من طريق الزهري (5 : 207 - 208 حلبي) . ورواية أيضًا (5 : 209) ، من طريق حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أسامة بن زيد ، مطولا .

(2/116)


الله عليه و سلم : إن الطاعون رجز أنزل على من كان قبلكم - أو على بني إسرائيل. (1)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
1038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (رجزا) ، قال : عذابا .
1039 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم العسقلاني قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء) ، قال : الرجز ، الغضب.
1040 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لما قيل لبني إسرائيل : - ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ، فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم - بعث الله جل وعز عليهم الطاعون ، فلم يبق منهم أحدا. وقرأ : (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) ، قال : وبقي الأبناء ففيهم الفضل والعبادة - التي توصف في بني إسرائيل - والخير وهلك الأباء كلهم ، أهلكهم الطاعون .
1041 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : االرِّجز العذاب . وكل شيء في القرآن " رِجز " ، فهو عذاب .
__________
(1) الحديث 1037 - وهذا إسناد آخر صحيح ، للحديث السابق. أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة : هو " إبراهيم بن عبد الله بن محمد " ، وهو ثقة ، روى عنه أيضًا النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 /1/ 110. عمر بن حفص بن غياث : ثقة ، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين. أبوه حفص بن غياث : ثقة مأمون ، معروف ، أخرج له الجماعة. الشيباني : هو أبو إسحاق ، سليمان بن أبي سليمان ، ثقة حجة. رياح بن عبيدة : هو بكسر الراء وفتح الياء التحتية المخففة ، ووقع في المطبوعة " رباح " بالوحدة ، وهو تصحيف. و " عبيدة " بفتح العين وكسر الباء الموحدة ، ورياح هذا بصري ثقة ، وثقه ابن معين وأبو زرعة ، وهو مترجم في التهذيب 3 : 299 - 300 ، والكبير للبخاري 2 / 1 /300 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /511 ، والمشتبه للذهبي ، ص : 212. وهو غير " رياح بن عبيدة السلمى الكوفي " ، فرق بينهما المزى في التهذيب. والذهبي في المشتبه. وأنكر الحافظ ابن حجر ذلك على المزى ، ولكنه تبع الذهبي في تبصير المنتبه ، ولم يعقب عليه ، وهو الصواب ، إن شاء الله.

(2/117)


1042 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (رجزا) ، قال : كل شيء في كتاب الله من " الرِّجز " يعني به العذاب .
* * *
وقد دللنا على أن تأويل " الرِّجز " العذاب . وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة . وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء . وجائز أن يكون ذلك طاعونا ، وجائز أن يكون غيره . ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت ، (1) أي أصناف ذلك كان .
فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل : فأنزلنا عليهم رجزا من السماء بفسقهم.
غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد ، للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في إخباره عن الطاعون أنه رجز ، وأنه عذب به قوم قبلنا . وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقينا ، لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا بيان فيه أي أمة عذبت بذلك . وقد يجوز أن يكون الذين عذبوا به ، كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله : (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) }
وقد دللنا - فيما مضى من كتابنا هذا - على أن معنى " الفسق " ، الخروج من الشيء . (2)
__________
(1) انظر تفسير قوله " ظاهر القرآن " فيما مضى : 2 : 15 والمراجع.
(2) انظر ما سلف 1 : 409 - 410 ، وقد ذكر الآية هناك في أثر عن ابن عباس ، فيه : " أي بما بعدوا عن امري " ، (ص 410 ) .

(2/118)


وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

فتأويل قوله : (بما كانوا يفسقون) إذا : بما كانوا يتركون طاعة الله عز وجل ، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ }
يعني بقوله : (وإذ استسقى موسى لقومه) ، وإذ استسقانا موسى لقومه ، أي سألنا أن نسقي قومه ماء . فترك ذكر المسئول ذلك ، والمعنى الذي سأل موسى ، (1) إذْ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك.
وكذلك قوله : (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) ، مما استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه . وذلك أن معنى الكلام : فقلنا اضرب بعصاك الحجر ، فضربه ، فانفجرت . فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر ، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه .
وكذلك قوله : (قد علم كل أناس مشربهم) ، إنما معناه : قد علم كل أناس منهم مشربهم . فترك ذكر " منهم " لدلالة الكلام عليه .
* * *
وقد دللنا فيما مضى على أن " أناس " جمع لا واحد له من لفظه ، (2) وأن " الإنسان " لو جمع على لفظه لقيل : أناسيّ وأناسية. (3)
* * *
__________
(1) قوله " والمعنى الذي سأل موسى " ، يعني " والشيء " وهو الماء
(2) في المطبوعة : " ان الناس جمع لا واحد له " ، وقد مضى ذلك ، ولكنه هنا أراد " أناس " ، المذكور في الآية ، وهو أيضًا جمع لا واحد له من لفظه ، وإن قال بعضهم إنه جمع إنس
(3) انظر ما سلف 1 : 268 .

(2/119)


وقوم موسى هم بنو إسرائيل ، الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات . وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه ، كما : -
1043 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قوله : (وإذ استسقى موسى لقومه) الآية قال ، كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه . فكانوا يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم .
1044 - حدثني تميم بن المنتصرقال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، حدثنا أصبغ بن زيد ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ذلك في التيه ؛ ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ ، وجُعل بين ظهرانيهم حجر مربع ، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون ، لكل سبط عين ؛ ولا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول . (1) .
1045 - حدثني عبد الكريم قال ، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : ذلك في التيه . ضرب لهم موسى الحجر ، فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها .
1046 - وحدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) لكل سبط منهم عين . كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا .
1047 - حدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج
__________
(1) المنقلة : المرحلة من مراحل السفر ، والجمع مناقل .

(2/120)


، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (وإذ استسقى موسى لقومه) ، قال : خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا ، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا ، ضربه موسى . قال ابن جريج : قال ابن عباس : " الأسباط " بنو يعقوب ، كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا ، أمة من الناس . (1)
1048 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : استسقى لهم موسى في التيه ، فسقوا في حجر مثل رأس الشاة ، قال : يلقونه في جوانب الجوالَق إذا ارتحلوا ، (2) ويقرعه موسى بالعصا إذا نزل ، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط منهم عين ، فكان بنو إسرائيل يشربون منه ، حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون ، وقيل به فألقى في جانب الجوالق (3) . فإذا نزل رمى به ، فقرعه بالعصا ، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.
1049 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثني أسباط ، عن السدي قال : كان ذلك في التيه .
* * *
وأما قوله : (قد علم كل أناس مشربهم) ، فإنما أخبر الله عنهم بذلك. لأن معناهم - في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر ، الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته - (4) من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأرضين ، التي لا مالك لها سوى الله عز وجل . وذلك
__________
(1) في المطبوعة : " ولد سبطا وأمة من الناس " ، والصواب حذف واو العطف فإن قوله " أمة من الناس " تفسير قوله " سبطا " .
(2) الجوالق : وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر ، تحمل فيه الأطعمة ، وهو الذي نسميه في بلادنا " الشوال " محرفة من " الجوالق " .
(3) " قيل به " مبني للمجهول من " قال به " . وقال بالشيء : رفعه أو حمله . والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان . يقولون : قال برجله : إذا بدأ يتقدم ومشى ، أو إذا أشار بها للركل . ويقولون : قال بالماء على يده أي قلبه وصبه . وما أشبه ذلك . وقد مضى مثل ذلك آنفًا ص 54 تعليق : 3 ، ص : 64 تعليق : 4 .
(4) سياق الجملة " لأن معناهم . . من الشرب ، كالذي مخالفا معاني " ، وفصل كعادته فيما بينا مرارا . يعني لأن شربهم كان مخالفا شرب سائر الناس . .

(2/121)


أن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر ، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية ، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره ، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة ، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه. فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم : أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس . إذ كان غيرهم - في الماء الذي لا يملكه أحد - شركاء في منابعه ومسايله. وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم. فلذلك خصوا بالخبر عنهم : أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ }
وهذا أيضا مما استغني بذكر ما هو ظاهر منه ، عن ذكره ما ترك ذكره . وذلك أن تأويل الكلام : (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) ، فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، قد علم كل أناس مشربهم ، فقيل لهم : كلوا واشربوا من رزق الله. أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى ، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور ، (1) الذي لا قرار له في الأرض ، ولا سبيل إليه [إلا] لمالكيه ، (2) يتدفق بعيون الماء ، ويزخر بينابيع العذب الفرات ، بقدرة ذي الجلال والإكرام .
ثم تقدم جل ذكره إليهم (3) - مع إباحتهم ما أباح ، وإنعامه بما
__________
(1) الحجر المتعاور : الحجر المتبادل ، ينقل من يد إلى يد . من تعاوروا الشيء : إذا تبادلوه ، ولا يتعاور شيء حتى يكون منقولا ، أما الثابت فلا يتعاوره الناس ولا يتبادلونه .
(2) في المطبوعة : " لا سبيل إليه لمالكيه " ، وهو كلام بلا معنى . والصواب ما أثبتناه بزيادة " إلا " ويدل على صواب ذلك ما مضى منذ قليل في تفسير ما سبق من الآية .
(3) تقدم إليه بكذا : إذا أمره .

(2/122)


أنعم به عليهم من العيش الهنيء - بالنهي عن السعي في الأرض فسادا ، والعَثَا فيها استكبارا ، فقال جل ثناؤه لهم : (ولا تعثوا في الأرض مفسدين).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) }
يعني بقوله : (لا تعثوا) لا تطغوا ، ولا تسعوا في الأرض مفسدين . كما : -
1050 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، يقول : لا تسعوا في الأرض فسادا.
1051 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) لا تعث : لا تطغ .
1052 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، أي لا تسيروا في الأرض مفسدين .
1053 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، لا تسعوا في الأرض .
وأصل " العَثَا " شدة الإفساد ، بل هو أشد الإفساد. (1) يقال منه : عَثِيَ فلان في الأرض " - إذا تجاوز في الإفساد إلى غايته - " يعثى عثا " مقصور ، وللجماعة : هم يعثون . وفيه لغتان أخريان ، إحداهما : " عثا يعثو عُثُوّا " . ومن قرأها بهذه اللغة ، فإنه ينبغي له أن يضم الثاء من " يعثو " ، ولا أعلم قارئا يقتدى بقراءته
__________
(1) العثا : مصدر : عثى يعثى ، كرضى يرضى ، وهي لغة الحجاز . ولم أجد هذا المصدر إلا في تاج العروس . ولست أعلم أهو بفتح العين ام بكسرها . ولكني أستظهر أن يكون فتح العين هو الأرجح .

(2/123)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

قرأ به. (1) ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال : " عثوت أعثو " ، ومن نطق باللغة الأولى قال : عَثِيت أَعْثَى " .
والأخرى منهما : " عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا ، كل ذلك بمعنى واحد . ومن " العيث " قول رؤبة بن العجاج :
وعاث فينا مستحل عائث : ... مُصَدِّق أو تاجر مقاعث (2)
يعني بقوله : " عاث فينا " ، أفسد فينا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا }
قد دللنا - فيما مضى قبل - على معنى " الصبر " وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء. (3) فإذ كان ذلك كذلك ، فمعنى الآية إذا : واذكروا إذا قلتم - يا معشر بني إسرائيل - : لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد - وذلك " الطعام الواحد " ، هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم ، وهو " السلوى "
__________
(1) " القراءة سنة ، ولا يقرأ بما قرأ به القراء " . لسان العرب (عثى) .
(2) ديوانه " 30 . مستحل : قد استحل أموالهم واستباحها . والمصدق : هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس ، وهو وكيل الفقراء في القبض ، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده ، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع . قعث الشيء يقعثه : استأصله واستوعبه . وقعثه فانقعث : إذا قلعه من أصله فانقلع . ولم تذكر معاجم اللغة : " قاعث فهو مقاعث " ، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر ، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها ، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين : " قاعث فهو مقاعث " ، أي يحاول استئصال أموال الناس ، والناس يدافعونه عن أموالهم .
(3) انظر ما مضى في هذا الجزء 2 : 11

(2/124)


في قول بعض أهل التأويل ، وفي قول وهب بن منبه هو " الخبز النقي مع اللحم " - فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من البقل والقثاء ، وما سمى الله مع ذلك ، وذكر أنهم سألوه موسى .
* * *
وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا ، ما : -
1054 - حدثنا به بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) قال : كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، فملوا ذلك ، وذكروا عيشا كان لهم بمصر ، فسألوه موسى . فقال الله تعالى : (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
1055 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (لن نصبر على طعام واحد) ، قال : ملوا طعامهم ، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك ، قالوا : (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها) الآية .
1056 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) ، قال : كان طعامهم السلوى ، وشرابهم المن ، فسألوا ما ذكر ، فقيل لهم : (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
* * *
قال أبو جعفر : وقال قتادة : إنهم لما قدموا الشام فقدوا أطعمتهم التي كانوا يأكلونها ، فقالوا : (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) ، وكانوا قد ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، فملوا ذلك ، وذكروا عيشا كانوا فيه بمصر .
1057 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى

(2/125)


قال ، سمعت ابن أبي نجيح في قوله عز وجل : (لن نصبر على طعام واحد) ، المن والسلوى ، فاستبدلوا به البقل وما ذكر معه .
1058 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بمثله سواء .
1059 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد بمثله .
1060 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أُعطوا في التيه ما أُعطوا ، فملوا ذلك وقالوا : (يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) .
1061 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أنبأنا ابن زيد قال : كان طعام بني إسرائيل في التيه واحدا ، وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن ، وطعامهم طير يقال له السلوى ، يأكلون الطير ويشربون العسل ، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره . فقالوا : يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها " ، فقرأ حتى بلغ : (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
* * *
وإنما قال جل ذكره : (يخرج لنا مما تنبت الأرض) - ولم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض ، فيقول : قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مما تنبته الأرض من بقلها وقثائها - لأن " من " تأتي بمعنى التبعيض لما بعدها ، فاكتفي بها عن ذكر التبعيض ، إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بالكلام الذي هي فيه. كقول القائل : أصبح اليوم عند فلان من الطعام " يريد شيئا منه.
وقد قال بعضهم : " من " ههنا بمعنى الإلغاء والإسقاط . كأن معنى الكلام

(2/126)


عنده : يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها . واستشهد على ذلك بقول العرب : " ما رأيت من أحد " بمعنى : ما رأيت أحدا ، وبقول الله : ( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ) [ البقرة : 271] ، وبقولهم : " قد كان من حديث ، فخل عني حتى أذهب " ، يريدون : قد كان حديث .
وقد أنكر من أهل العربية جماعة أن تكون " من " بمعنى الإلغاء في شيء من الكلام ، وادعوا أن دخولها في كل موضع دخلت فيه ، مؤذن أن المتكلم مريد لبعض ما أدخلت فيه لا جميعه ، وأنها لا تدخل في موضع إلا لمعنى مفهوم .
فتأويل الكلام إذا - على ما وصفنا من أمر " من " (1) - : فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها .
* * *
و " البقل " و " القثاء " و " العدس " و " البصل " ، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها .
* * *
وأما " الفوم " ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه . فقال بعضهم : هو الحنطة والخبز.
* ذكر من قال ذلك :
1062 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد ومؤمل قالا حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء قال : الفوم : ، الخبز .
1063 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ومجاهد قوله : (وفومها) قالا خبزها .
1064 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو قالا حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وفومها) ، قال : الخبز .
__________
(1) في المطبوعة : " على ما وصفنا من أمر من ذكرنا " ، و " ذكرنا " زائدة ولا شك ، كما تبين من سياق كلامه السالف والآتي .

(2/127)


1065 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة والحسن : الفوم ، هو الحب الذي يختبزه الناس .
1066 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن بمثله .
1067 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن أبي مالك في قوله : (وفومها) قال : الحنطة .
1068 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط بن نصر عن السدي : (وفومها) ، الحنطة.
1069 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن وحصين ، عن أبي مالك في قوله : (وفومها) ، الحنطة.
1070 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن قتادة قال : الفوم ، الحب الذي يختبز الناس منه .
1071 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال لى عطاء بن أبي رياح قوله : (وفومها) ، قال : خبزها ، قالها مجاهد .
1072 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال لي ابن زيد : الفوم ، الخبز.
1073 - حدثني يحيى بن عثمان السهمي قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : (وفومها) يقول : الحنطة والخبز .
1074 - حُدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (وفومها) قال : هو البر بعينه ، الحنطة.
1075 - حدثنا علي بن الحسن قال ، حدثنا مسلم الجرمي قال ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن رشدين بن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قول الله عز

(2/128)


وجل : (وفومها) قال : الفوم ، الحنطة بلسان بني هاشم . (1)
1076 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا عبد العزيز بن منصور ، عن نافع بن أبي نعيم ، أن عبد الله بن عباس سئل عن قول الله : (وفومها) ، قال : الحنطة ، أما سمعت قول أُحَيْحة بن الجُلاحح وهو يقول :
قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا... وَرَد المدينة عن زراعة فوم (2)
* * *
وقال آخرون : هو الثوم .
* ذكر من قال ذلك :
1077 - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد قال : هو هذا الثوم .
1078 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : الفوم ، الثوم .
* * *
وهو في بعض القراءات " وثومها " .
* * *
__________
(1) الحديث : 1075 - مسلم الجرمي : سبق أن رجحنا في : 154 ، 649 ، 846 أنه " الجرمي " بالجيم . وقد ثبت هنا في المطبوعة بالجيم على ما رجحنا . رشدين - بكسر الراء وسكون الشين المعجمعة وكسر الدال المهملة - بن كريب : ضعيف ، بينا القول في ضعفه في شرح المسند : 2571 . وأبوه ، كريب بن أبي مسلم : تابعي ثقة .
(2) الحديث : 1076 - عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري : ثقة ، كان من أهل الحديث عالما بالتواريخ ، صنف تاريخ مصر وغيره ، كما في التهذيب ، مات سنة 257. وهو مؤلف كتاب (فتوح مصر) المطبوع في أوربة. شيخه عبد العزيز بن منصور : لم أجد له ذكرا فيما بين يدي من المراجع ، إلا في فتوح مصر ، ص 40 س 7 - 8 قال ابن عبد الحكم هناك : " حدثنا عبد العزيز بن منصور اليحصبى ، عن عاصم بن حكيم.. " وشيخه ، نافع : هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني ، أحد القراء السبعة المعروفين وهو لم يدرك ابن عباس ، إنما يروي عن التابعين ، وله ترجمة في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 8 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 /456 - 457 ، وتاريخ إصبهان لأبي نعيم 2 : 326 - 327.
والبيت في اللسان (فوم) ، ونسبه لأبي محجن الثقفي ، أنشده الأخفش له ، وروايته :
قد كنت أحسبني كأغنى واحد ... نزل المدينة . . .
وفي الروض الأنف 2 : 45 نسبه لأحيحة ، أو لأبي محجن ، ورواه " سكن المدينة " .

(2/129)


وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا " فوما " من اللغة القديمة . حكي سماعا من أهل هذه اللغة : " فوموا لنا " ، بمعنى اختبزوا لنا .
* * *
وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود : " وثومها " بالثاء . (1) فإن كان ذلك صحيحا ، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم : " وقعوا في عاثور شر : وعافور شر " وكقولهم " " للأثافي ، أثاثي ؛ وللمغافير ، مغاثير " وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاء والفاء ثاء ، لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء. و " المغافير " شبيه بالشيء الحلو ، يشبه بالعسل ، ينزل من السماء حلوا ، يقع على الشجر ونحوها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ }
يعني بقوله : (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) ، قال : لهم موسى : أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش ، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا ؟ وذلك كان استبدالهم .
* * *
وأصل " الاستبدال " : هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك .
* * *
ومعنى قوله : (أدنى) أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا . وأصله من قولهم : " هذا رجل دني بين الدناءة " و " إنه ليدنِّي في الأمور " بغير همز ، إذا كان يتتبع خسيسها . وقد ذكر الهمز عن بعض العرب في ذلك ، سماعا منهم . يقولون : " ما كنتَ دانئا ، ولقد دنأتَ ، (2) وأنشدني بعض أصحابنا عن غيره ، أنه سمع بعض بني كلاب ينشد بيت الأعشى (3)
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 41
(2) هذا كله من قول الفراء في معاني القرآن 1 : 42 . وكان في المطبوعة " ما كنت دنيا " ، والصواب ما أثبته من كتاب الفراء .
(3) الذي سمع هذا هو الفراء . انظر معاني القرآن له 1 : 42 ، والطبري يجهله دائما

(2/130)


باسلةُ الوقعِ سرابيلها... بيض إلى دانِئِها الظاهر (1)
بهمز الدانئ ، وأنه سمعهم يقولون : " إنه لدانئ خبيث " بالهمز . (2) فإن كان ذلك عنهم صحيحا ، فالهمز فيه لغة ، وتركه أخرى .
* * *
ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم ، فقد استبدل الوضيع من العيش الرفيع منه .
* * *
وقد تأول بعضهم قوله : (الذي هو أدنى) بمعنى : الذي هو أقرب ، ووجه قوله : (أدنى) ، إلى أنه أفعل من " الدنو " الذي هو بمعنى القرب .
* * *
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : (الذي هو أدنى) قاله عدد من أهل التأويل في تأويله .
* ذكر من قال ذلك :
1079 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قال : (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) ، يقول : أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه .
1080 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج
__________
(1) ديوانه : 108 ، وروايته " إلى جانبه الظاهر " . يصف حصنا . قال قبل :
في مجدل شيد بنيانه ... يزل عنه ظفر الطائر
يجمع خضراء لها سورة ... تعصف بالدارع والحاسر
باسلة الوقع . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والضمير في قوله : " سرابيلها " راجع إلى " خضراء " يقال : كتيبة خضراء ، وهي التي غلب عليها لبس الحديد وعلاها سواده ، والخضرة سواد عندهم. والسرابيل هنا : الدروع ، جمع سربال : وهو كل ما لبس كالدرع وغيره. وقال الفراء : " يعني الدروع على خاصتها - يعني الكتيبة - إلى الخسيس منها " . كأنه أراد : يلبسون الدروع من شريف إلى خسيس. وأما رواية الديوان : فالضمير في " جانبه " ، راجع إلى " المجدل " وهي أبين الروايتين معنى وأصحهما.
(2) في معاني الفراء زيادة بين قوسين من بعض النسخ : [إذا كان ماجنا]

(2/131)


عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (الذي هو أدنى) قال : أردأ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره{ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ }
وتأويل ذلك : فدعا موسى ، فاستجبنا له ، فقلنا لهم : " اهبطوا مصرا " ، وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه .
* * *
وقد دللنا - فيما مضى - على أن معنى " الهبوط " إلى المكان ، إنما هو النزول إليه والحلول به . (1)
* * *
فتأويل الآية إذا : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. قال لهم موسى : أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش ، بالذي هو خير منه. فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه ، فاستجاب الله له دعاءه ، فأعطاهم ما طلبوا ، وقال الله لهم : (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .
* * *
ثم اختلف القَرَأَة في قراءة قوله (2) (مصرا) فقرأه عامة القَرَأَة : " مصرا " بتنوين " المصر " وإجرائه. وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه . فأما الذين نونوه وأجروه ، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار ، لا مصرا بعينه . فتأويله - على قراءتهم - : اهبطوا مصرا من الأمصار ، لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنما يكون في القرى والأمصار ، فإن لكم - إذا هبطتموه - ما سألتم من العيش . وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك
__________
(1) انظر ما مضى 1 : 534 .
(2) في المطبوعة : " الفراء " ، ورددناها إلى الذي جرى عليه لفظ الطبري فيما سلف ، في كل المواضع التي جروا على تبديلها من " قرأة " ، إلى " قراء " .

(2/132)


بالإجراء والتنوين ، كان تأويل الكلام عنده : " اهبطوا مصرا " البلدة التي تعرف بهذا الاسم ، وهي " مصر " التي خرجوا عنها . غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف ، لأن في المصحف ألفا ثابتة في " مصر " ، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين ، سبيل من قرأ : (قواريرا قواريرا من فضة) [ الإنسان : 15 - 16] منونة اتباعا منه خط المصحف . وأما الذي لم ينون " مصر " فإنه لا شك أنه عنى " مصر " التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها. (1)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك ، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته .
1081 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : (اهبطوا مصرا) ، أي مصرا من الأمصار ، فإن لكم ما سألتم.
1082 - وحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (اهبطوا مصرا) من الأمصار ، فإن لكم ما سألتم. فلما خرجوا من التيه ، رفع المن والسلوى وأكلوا البقول .
1083 - وحدثني المثنى قال ، حدثني آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : (اهبطوا مصرا) قال : يعني مصرا من الأمصار .
1084 - وحدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (اهبطوا مصرا) قال : مصرا من الأمصار . زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر.
1085 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (اهبطوا مصرا) ، قال : مصرا من الأمصار . و " مصر " لا تُجْرَى في الكلام. فقيل : أي مصر. فقال : الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ، وقرأ قول الله جل ثناؤه : ( ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) [المائدة : 21].
* * *
__________
(1) انظر ما قاله الفراء في معاني القرآن 1 : 42 - 43 .

(2/133)


وقال آخرون : هي مصر التي كان فيها فرعون.
* ذكر من قال ذلك :
1086 - حدثني المثنى ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (اهبطوا مصرا) قال : يعني به مصر فرعون .
1087 - حدثنا عن عمار بن الحسن ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله .
* * *
ومن حجة من قال إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله : (اهبطوا مصرا) ، مصرا من الأمصار دون " مصر " فرعون بعينها - : أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر . وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة ، إذ قال لهم : ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [المائدة : 21 - 24] ، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا في التيه. وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة ، ثم أهبط ذريتهم الشأم ، فأسكنهم الأرض المقدسة ، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران . فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة ، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها ، فيجوز لنا أن نقرأ : " اهبطوا مصر " ، ونتأوله أنه ردهم إليها .

(2/134)


قالوا : فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) [ الشعراء : 57 - 59] قيل لهم : (1) فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك ، فملكهم إياها ولم يردهم إليها ، وجعل مساكنهم الشأم .
* * *
وأما الذين قالوا : إن الله إنما عنى بقوله جل وعز : (اهبطوا مصرَ) مصرَ ؛ فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) [ الشعراء : 57 - 59] وقوله : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) [ الدخان : 25 - 28] ، قالوا : فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم ، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها . قالوا : ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها ، وإلا فلا وجه للانتفاع بها ، إن لم يصيروا ، أو يصر بعضهم إليها . قالوا : (2) وأخرى ، أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود : " اهبطوا مصر " بغير ألف . قالوا : ففي ذلك الدلالة البينة أنها " مصر " بعينها .
* * *
قال أبوجعفر : والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين ، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه و سلم يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله ، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : (3) إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض - على ما بينه الله جل وعز في كتابه - وهم في الأرض تائهون ، فاستجاب الله لموسى دعاءه ، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه
__________
(1) في المطبوعة : " قيل لهم " ، وهو خطأ . والضمير في " له " راجع إلى قوله : " فإن احتج محتج " .
(2) قوله : " وأخرى " ، أي وحجة أخرى . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 43
(3) في المطبوعة : " عندنا والصواب " ، وهو سهو ناسخ .

(2/135)


قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك ، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار ، وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه. وجائز أن يكون ذلك القرار " مصر " ، وجائز أن يكون " الشأم " .
فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين : (اهبطوا مصرا) وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها ، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين ، واتفاق قراءة القَرَأَة على ذلك . ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه ، إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة ، (1) فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ }
قال أبو جعفر : يعنى بقوله : (وضربت) أي فرضت . ووضعت عليهم الذلة وألزموها . من قول القائل : " ضرب الإمام الجزية على أهل الذمة " و " ضرب الرجل على عبده الخراج " يعني بذلك وضعه فألزمه إياه ، ومن قولهم : " ضرب الأمير على الجيش البعث " ، يراد به : ألزمهموه . (2)
* * *
وأما " الذلة " فهي " الفعلة " من قول القائل : ذل فلان يذل ذلا وذلة " ، كـ " الصغرة " من " صغُر الأمر " ، و " القِعدة " من " قعد " . (3)
و " الذلة " هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم ، فقال عز وجل : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر
__________
(1) الحجة هنا : الذين يحتج بهم .
(2) البعث : بعث الجند إلى الغزو .
(3) لم أجد فيما بين يدي من الكتب من نص على صِغرة فرة " و " قعدة " مصدر على فعلة مثل : نشد الدابة نِشدة ، ليس للهيئة ، وإن وافقها في الوزن .

(2/136)


ِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ التوبة : 29] كما : -
1088 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن وقتادة في قوله : (وضربت عليهم الذلة) ، قالا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون .
* * *
وأما " المسكنة " فإنها مصدر " المسكين " . يقال : " ما فيهم أسكن من فلان " (1) و " ما كان مسكينا " و " لقد تمسكن مسكنة " . ومن العرب من يقول : " تمسكن تمسكنا " . و " المسكنة " في هذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة ، وهي خشوعها وذلها ، كما : -
1089 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (والمسكنة) قال : الفاقة.
1090 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (وضربت عليهم الذلة والمسكنة) ، قال : الفقر.
1091 - وحدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وضربت عليهم الذلة والمسكنة) ، قال : هؤلاء يهود بني إسرائيل . قلت له : هم قبط مصر ؟ قال : وما لقبط مصر وهذا ، لا والله ما هم هم ، ولكنهم اليهود ، يهود بني إسرائيل.
* * *
فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلا وبالنعمة بؤسا ، وبالرضا عنهم غضبا ، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته ، وقتلهم أنبياءه ورسله ، اعتداء وظلما منهم بغير حق ، وعصيانهم له ، وخلافا عليه .
* * *
__________
(1) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : 42 ، وفسره فقال : " أي أفقر منه " .

(2/137)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وباءوا بغضب من الله) ، انصرفوا ورجعوا . ولا يقال " باؤوا " إلا موصولا إما بخير ، وإما بشر . يقال منه : " باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء " . ومنه قول الله عز وجل( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ) [ المائدة : 29] يعني : تنصرف متحملهما وترجع بهما ، قد صارا عليك دوني .
* * *
فمعنى الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط . كما : -
1092 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (وباؤوا بغضب من الله) فحدث عليهم غضب من الله .
1093 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : (وباؤوا بغضب من الله) قال : استحقوا الغضب من الله .
* * *
وقدمنا معنى غضب الله على عبده فيما مضى من كتابنا هذا ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . (1) .
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 188 - 189 .

(2/138)


القول في تأويل قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ذلك " ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، وإحلاله غضبه بهم . فدل بقوله : " ذلك " - وهي يعني به ما وصفنا - على أن قول القائل : " ذلك يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها.
* * *
ويعني بقوله : (بأنهم كانوا يكفرون) ، من أجل أنهم كانوا يكفرون . يقول : فعلنا بهم - من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم - من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ، كما قال أعشى بني ثعلبة :
مليكيةٌ جَاوَرَتْ بالحجا... ز قوما عداة وأرضا شطيرا (1) بما قد تَرَبَّع روض القطا... وروض التناضِب حتى تصيرا (2)
يعني بذلك : جاورت بهذا المكان ، هذه المرأة ، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله - لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده - (3) من تربعها روض القطا وروض التناضب .
__________
(1) ديوانه : 67 . مليكية ، منسوبة إلى " المليك " : وهو الملك ، يعني من نبات الملوك . العداة ، جمع عاد ، وهو العدو . الشطير : البعيد ، والغريب ، أراد أنها في أرض مجهولة . وذكره الأرض في هذا البيت . يعني أنها نزلت ديار قوم نشبت العداوة بيننا وبينهم ، في غربة بعيدة . فصرت لا أقدر عليها .
(2) قوله " بما " بمعنى بسبب تربعها وتربع القوم المكان وارتبعوه : أقاموا فيه في زمن الربيع . وروض القطا ، من أشهر رياض العرب ، في أرض الحجاز . وروض التناضب أيضًا بالحجاز عند سرف . وقوله : " حتى تصيرا " ، من قولهم صار الرجل يصير فهو صائر : إذا حضر الماء ، والقوم الذين يحضرون الماء يقال لهم : الصائرة . والصير (بكسر الصاد) الماء الذي يحضره الناس . يقول : اغتربت في غير قومها ، لما دفعها إلى ذلك طلب الربيع والخصب ومساقط الماء في البلاد .
(3) كانت هذه الجملة في المخطوطات والمطبوعة هكذا : " وأرضا بعيدة من أهله بمكان قربها كان منه ومن قومه وبدلا من تربعها . . " ، وهو كلام لا معنى له . وقد جعلت " بمكان " ، " لمكان " و " بدلا " ، " بلده " . فصار لها معنى تطمئن إليه النفس والجملة بين الخطين اعتراض ، وتفسير لقوله : " أرضا بعيدة من أهله " .

(2/139)


فكذلك قوله : (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله) ، يقول : كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا ، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا .
* * *
وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى " الكفر " : تغطية الشيء وستره ، (1) وأن " آيات الله " حججه وأعلامه وأدلته على توحيده وصدق رسله . (2)
فمعنى الكلام إذا : فعلنا بهم ذلك ، من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده وتصديق رسله ، ويدفعون حقيتها ، ويكذبون بها.
* * *
ويعني بقوله : (ويقتلون النبيين بغير الحق) : ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم - لإنباء ما أرسلهم به عنه - لمن أرسلوا إليه.
* * *
وهم جماع ، وأحدهم " نبي " ، غير مهموز ، وأصله الهمز ، لأنه من " أنبأ عن الله فهو ينبئ عنه إنباء " ، وإنما الاسم منه ، " منبئ " ولكنه صرف وهو " مفعل " إلى " فعيل " ، كما صرف " سميع " إلى " فعيل " من " مسمع " ، و " بصير " من " مبصر " ، وأشباه ذلك ، (3) وأبدل مكان الهمزة من " النبيء " الياء ، فقيل : " نبي " . هذا ويجمع " النبي " أيضا على " أنبياء " ، وإنما جمعوه كذلك ، لإلحاقهم " النبيء " ، بإبدال الهمزة منه ياء ، بالنعوت التي تأتي على تقدير " فعيل " من ذوات الياء والواو . وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من النعوت على تقدير " فعيل " من ذوات الياء والواو ، جمعوه على " أفعلاء " كقولهم : " ولي وأولياء " ، و " وصي وأوصياء "
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 255 .
(2) انظر ما سلف 1 : 552 .
(3) كان في المطبوعة : " مفعل " مكان " مسمع " . وليس يعني بقوله " سميع " ، صفة الله عز وجل ، بل يعني ما جاء في شعر عمرو بن معد يكرب . أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ? ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
أي : الداعي المسمع. وانظر ما سلف 1 : 283 .

(2/140)


، و " دعى وأدعياء " . ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله ، وعلى أن الواحد " نبيء " مهموز ، لجمعوه على " فعلاء " ، فقيل لهم " النبآء " ، على مثال " النبهاء " ، (1) لأن ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من النعوت ، كجمعهم الشريك شركاء ، والعليم علماء ، والحكيم حكماء ، وما أشبه ذلك . وقد حكي سماعا من العرب في جمع " النبي " " النبآء " ، وذلك من لغة الذين يهمزون " النبيء " ، ثم يجمعونه على " النبآء " - على ما قد بينت . ومن ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي صلى الله عليه و سلم .
يا خاتم النبآء إنك مرسل... بالخير كلُّ هدى السبيل هداكا (2)
فقال : " يا خاتم النبآء " ، على أن واحدهم " نبيء " مهموز . وقد قال بعضهم : (3) " النبي " و " النبوة " غير مهموز ، لأنهما مأخوذان من " النَّبْوَة " ، وهي مثل " النَّجْوَة " ، وهو المكان المرتفع ، وكان يقول : إن أصل " النبي " الطريق ، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي :
لما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها... مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل (4)
__________
(1) في المطبعة : " النبعاء " وفي المخطوطات " النبآء " .
(2) من أبيات له في سيرة ابن هشام 4 : 103 وغيرها . والضمير الفاعل في قول " هداكا " ، لله سبحانه وتعالى ، دل عليه ما في قوله " إنك مرسل بالخير " ، فإن الله هو الذي أرسله . وهو مضبوط في أكثر الكتب " كل " بالرفع ، و " هدى " ، و " هداكا " بضم الهاء .
(3) كأنه يريد الكسائي (البحر المحيط 1 : 220) . ووجدت في معجم البلدان 8 : 249 " وقال أبو بكر بن الأنباري في " الزاهر " في قول القطامي . . إن النبي في هذا البيت هو الطريق " ، وليس يعنيه أبو جعفر ، فإن أبا بكر قد ولد سنة 271 وتوفى 328 . وقد رد هذا القول أبو القاسم الزجاج - فيما نقل ياقوت - فقال : " كيف يكون ذلك من أسماء الطريق ، وهو يقول : " لما وردن نبيا " ، وقد كانت قبل وروده على الطريق ؟ فكأنه قال : " لما وردن طريقا " ، وهذا لا معنى له ، إلا أن يكون أراد طريقا بعينه في مكان مخصوص ، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ، قيل : هو رمل بعينه ، وقيل : هو اسم جبل " . وانظر تحقيق ذلك في معجم البلدان ، ومعجم ما استعجم ، وغيرهما .
(4) ديوان : 4 ، في قصيدته الجيدة المشهورة ، والضمير في " وردن " للإبل ذكرها قبل . وروايته " واستتب بنا " . نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب ، ذكره القطامي في كثير من شعره . واستتب الأمر والطريق : استوى واستقام وتبين واطراد وامتد . مسحنفر ، صفة للطريق : واسع ممتد ذاهب بين . والسبح : ضرب من البرود أو العباء مخطط ، يلبس ، أو يستتر به ويفرش . شبه آثار السير عليها بخطوط البرد . وسجلت الريح الأرض فانسحلت : كشطت ما عليها . ووصف الطريق بذلك ، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا .

(2/141)


يقول : إنما سمى الطريق " نبيا " ، لأنه ظاهر مستبين ، من " النَّبوة " . ويقول : لم أسمع أحدا يهمز " النبي " . قال . وقد ذكرنا ما في ذلك ، وبينا ما فيه الكفاية إن شاء الله.
* * *
ويعني بقوله : (ويقتلون النبيين بغير الحق ) ، أنهم كانوا يقتلون رسل الله ، بغير إذن الله لهم بقتلهم ، منكرين رسالتهم ، جاحدين نبوتهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) }
وقوله : (ذلك) ، رد على " ذلك " الأولى. ومعنى الكلام : وضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباؤوا بغضب من الله من أجل كفرهم بآيات الله ، وقتلهم النبيين بغير الحق ، من أجل عصيانهم ربهم ، واعتدائهم حدوده ، فقال جل ثناؤه.(ذلك بما عصوا) ، والمعنى : ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين.
* * *
و " الاعتداء " ، تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. ومعنى الكلام : فعلت بهم ما فعلت من ذلك ، بما عصوا أمري ، وتجاوزوا حدي إلى ما نهيتهم عنه.
* * *

(2/142)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا }
قال أبو جعفر : أما " الذين آمنوا " ، فهم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله ، وإيمانهم بذلك ، تصديقهم به - على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا. (1)
* * *
وأما " الذين هادوا " ، فهم اليهود. ومعنى : " هادوا " ، تابوا. يقال منه : " هاد القوم يهودون هودا وهادة. (2) وقيل : إنما سميت اليهود " يهود " ، من أجل قولهم : ( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ). [سورة الأعراف : 156].
1094 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا : (إنا هدنا إليك).
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : { وَالنَّصَارَى }
قال أبو جعفر : و " النصارى " جمع ، واحدهم نصران ، كما واحد السكارى سكران ، وواحد النشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده على " فعلان " فإن جمعه على " فعالى " . إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد " النصارى " " نصراني " . وقد حكى عنهم سماعا " نصران " بطرح الياء ، ومنه قول الشاعر :
تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا... ويضحي لديه وهو نصران شامس (3)
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 234 - 235 .
(2) قوله " هادة " ، مصدر لم أجده في كتب اللغة .
(3) لم أعرف قائله . الأضداد لابن الأنباري : 155 ، ورواه : " تراه ويضحى وهو . . " ونقله أبو حيان في البحر المحيط 1 : 238 عن الطبري ، وفيهما " إذا دار العشى " وأخطأ القرطبي (تفسيره 1 : 369) فقال : و " أنشد سيبويه " وذكر البيت ، ولم ينشده سيبويه . وروى صدره .
(تراه إذا دار العشا متحنفا)
والبيت في صفة الحرباء . و " محنفا " : قد تحنف ، أو صار إلى الحنيفية . ويعني أنه مستقبل القبلة . وقوله : " لديه " ، أي لدى العشى ، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى ، ويكون قد ذكره في بيت قبله . وقوله : " شامس " ، يريد مستقبل الشمس ، قبل المشرق . يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني ، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا : إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا ، وفي قرن الضحى ينتصر

(2/143)


وسمع منهم في الأنثى : " نصرانة " ، قال الشاعر : (1)
فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ (2)
يقال : أسجد ، إذا مال. (3) وقد سمع في جمعهم " أنصار " ، بمعنى النصارى. قال الشاعر :
لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارَا... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا
كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا (4)
وهذه الأبيات التي ذكرتها ، تدل على أنهم سموا " نصارى " لنصرة بعضهم بعضا ، وتناصرهم بينهم. وقد قيل إنهم سموا " نصارى " ، من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها " ناصرة " .
__________
(1) هو أبو الأخزر الحماني.
(2) سيبويه 2 : 29 ، 104 ، واللسان (حنف) ، يصف ناقتين ، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء ، فشبه رأس الناقة في طأطأتها ، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل : طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور ، يصف نوقا : فلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها
فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها
(3) بيان الطبري عن معنى " أسجد " ليس بجيد .
(4) لم أعرف صاحب الرجز . والأبيات ، في معاني القرآن للفراء 1 : 44 أمالي ابن الشجرى 1 : 79 ، 371 . أنشده شاهدا على حذف واو العطف : أي " وكنت لهم من النصارى جارا " ، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي " فكنت لهم . . " .

(2/144)


1095 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " النصارى " إنما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها " ناصرة " .
* * *
ويقول آخرون : لقوله : ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ) [سورة الصف : 14].
* * *
وقد ذكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضًى أنه كان يقول : إنما سميت النصارى نصارى ، لأن قرية عيسى ابن مريم كانت تسمى " ناصرة " ، وكان أصحابه يسمون الناصريين ، وكان يقال لعيسى : " الناصري " .
1096 - حدثت بذلك عن هشام بن محمد ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس.
1096 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : إنما سموا نصارى ، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريم ، فهو اسم تسموا به ، ولم يؤمروا به.
1098 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ) [ المائدة : 22] قال : تسموا بقرية يقال لها " ناصرة " ، كان عيسى ابن مريم ينزلها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالصَّابِئِينَ }
قال أبو جعفر : و " الصابئون " جمع " صابئ " ، وهو المستحدث سوى دينه دينا ، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره ، تسميه العرب : " صابئا " . يقال منه : " صبأ فلان يصبأ صبْأ " . ويقال : " صبأت النجوم " : إذا طلعت. " وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا " ، يعني به : طلع.
* * *

(2/145)


واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل. فقال بعضهم : يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا : الذين عنى الله بهذا الاسم ، قوم لا دين لهم
* ذكر من قال ذلك :
1099 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي.
1100 - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق جميعا ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد قال : الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ، ولا دين لهم.
1101 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد مثله.
1102 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن الحجاج ، عن مجاهد قال : الصابئون بين المجوس واليهود ، لا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح نساؤهم.
1103 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن حجاج ، عن قتادة ، عن الحسن مثل ذلك.
1104 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح : " الصابئين " بين اليهود والمجوس لا دين لهم.
1105 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1106 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : قال مجاهد : " الصابئين " بين المجوس واليهود ، لا دين لهم. قال ابن جريج : قلت لعطاء : " الصابئين " زعموا أنها قبيلة من نحو السواد ، (1) ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال : قد سمعنا ذلك ، وقد قال المشركون للنبي : قد صبأ.
__________
(1) يعني سواد العراق .

(2/146)


1107 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " والصابئين " قال : الصابئون ، [أهل] دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل (1) يقولون : لا إله إلا الله ، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي ، إلا قول لا إله إلا الله. قال : ولم يؤمنوا برسول الله ، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : " هؤلاء الصابئون " ، يشبهونهم بهم.
* * *
وقال آخرون : هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة
* ذكر من قال ذلك :
1108 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحسن قال : حدثني زياد (2) أن الصابئين يصلون إلى القبلة ، ويصلون الخمس. قال : فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال : فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة.
1109 - وحدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (والصابئين) قال : الصابئون قوم يعبدون الملائكة ، يصلون إلى القبلة ، ويقرءون الزبور.
1110 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور. قال أبو جعفر الرازي : وبلغني أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ، ويقرءون الزبور ، ويصلون إلى القبلة.
* * *
وقال آخرون : بل هم طائفة من أهل الكتاب
* ذكر من قال ذلك :
1111 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان قال : سئل السدي عن الصابئين ، فقال : هم طائفة من أهل الكتاب.
* * *
__________
(1) في المطبوعة " الصابئون دين من الأديان " ، والزيادة بين القوسين لا بد منها .
(2) زياد ، هو زياد بن أبيه ، والى العراق في زمن معاوية رضي الله عنه .

(2/147)


القول في تأويل قوله تعالى ذكره { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (من آمن بالله واليوم الآخر) ، من صدق وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة ، وعمل صالحا فأطاع الله ، فلهم أجرهم عند ربهم. يعني بقوله : (فلهم أجرهم عند ربهم) ، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم.
* * *
فإن قال لنا قائل : فأين تمام قوله : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) ؟
قيل : تمامه جملة قوله : (من آمن بالله واليوم الآخر). لأن معناه : من آمن منهم بالله واليوم الآخر ، فترك ذكر " منهم " لدلالة الكلام عليه ، استغناء بما ذكر عما ترك ذكره.
فإن قال : وما معنى هذا الكلام ؟
قيل : إن معناه : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ، من يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلهم أجرهم عند ربهم.
فإن قال : وكيف يؤمن المؤمن ؟
قيل : ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته ، من انتقال من دين إلى دين ، كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك ، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به ، حتى أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه ، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به ، إذ أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم : آمنوا بمحمد وبما جاء به ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع ، ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين ، فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما

(2/148)


جاء به ، فمن يؤمن منهم بمحمد ، وبما جاء به واليوم الآخر ، ويعمل صالحا ، فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك ، فله ثواب عمله وأجره عند ربه ، كما وصف جل ثناؤه.
فإن قال قائل : وكيف قال : " فلهم أجرهم عند ربهم " ، وإنما لفظه " من " لفظ واحد ، والفعل معه موحد ؟
قيل : " من " ، وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا ، فإن معنى الواحد والاثنين والجمع ، والتذكير والتأنيث ، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير. فالعرب توحد معه الفعل - وإن كان في معنى جمع - للفظه ، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ ) [ يونس : 42 - 43]. فجمع مرة مع " من " الفعل لمعناه ، ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد ، كما قال الشاعر :
ألما بسلمى عنكما إن عرضتما ، ... وقولا لها : عوجي على من تخلفوا (1)
__________
(1) في ديوان لامرىء القيس ، منسوب إليه من قصيدة عدتها 23 بيتا ، وفيه : " ويقال إنها لرجل من كندة " وأولها : ديار بها الظلمان والعِين تعكف ... وقفت بها تبكي ودمعك يذرف
والأضداد لابن الأنباري : 288 قال أنشده الفراء ، وروايته صدره : (ألما بسلمى لمة إذ وقفتما)
والذي في رواية الطبري من قوله : " عنكما " زائدة في الكلام ، والعرب تقول : " سر عنك " ، و " أنفذ عنك " أي امض ، وجز - لا معنى ل " عنك " وفي حديث عمر رضي الله عنه : أنه طاف بالبيت مع يعلى بن أمية ، فلما انتهى إلى الركن الغربي الذي يلي الأسود قال له : ألا تستلم ؟ فقال : انفذ عنك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلمه . وفي الحديث تفسيره : أي دعه وتجاوزه . وقوله " عرضتما " من قولهم : عرض الرجل : إذا أتى العروض (بفتح العين) ، وهي مكة والمدينة وما حولهما .

(2/149)


فقال : " تخلفوا " ، وجعل " من " بمنزلة " الذين " ، وقال الفرزدق :
تعال فإن عاهدتني لا تخونني... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (1)
فثنى " يصطحبان " لمعنى " من " . فكذلك قوله : (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم) ، وحد " آمن وعمل صالحا " للفظ " من " ، وجمع ذكرهم في قوله : (فلهم أجرهم) ، لمعناه ، لأنه في معنى جمع.
* * *
وأما قوله : { وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) }
فإنه يعني به جل ذكره : ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها ، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده.
* * *
* ذكر من قال عُني بقوله : (من آمن بالله) ، مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
1112 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : (إن الذين آمنوا والذين هادوا) الآية ، قال : نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي. وكان سلمان من جُنْدَيسابور ، وكان من أشرافهم ، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخيا ، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه ، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا. فبينما هما في الصيد ، إذ رفع لهما بيت من عباء ، (2) فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه
__________
(1) ديوانه : 870 ، وسيبويه 1 : 404 ، والكامل 1 : 216 ، وطبقات فحول الشعراء : 310 ، والأضداد : 288 ، وأمالي ابن الشجري 2 : 311 . ورواية ديوانه " تعش فإن واثقتني " . وهو بيت من قصيدته الجيدة التي قالها حين نزل به ذئب فأضافه .
(2) رفع له الشيء (بالبناء للمجهول) : أبصره من بعد . وفي المطبوعة : " بيت من خباء " والخباء بيت من وبر أو صوف . فهو كلام لا معنى له . وفي الدر المنثور 1 : 73 وروى الخبر بطوله : " من عباءة " . والصواب ما أثبته . والعباء ضرب من الأكسية فيه خطوط سود كبار ، وهو هنا مفرد ، وجمعه أعبية . والعباء أيضًا جمع عباءة .

(2/150)


وهو يبكي. فسألاه : ما هذا ؟ فقال : الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما ، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما. فنزلا إليه ، فقال لهما : هذا كتاب جاء من عند الله ، أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته ، فيه : أن لا تزني ، ولا تسرق ، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقص عليهما ما فيه ، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى. فوقع في قلوبهما ، وتابعاه فأسلما. وقال لهما : إن ذبيحة قومكما عليكما حرام.
فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه ، حتى كان عيد للملك ، فجعل طعاما ، (1) ثم جمع الناس والأشراف ، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس. فأبى الفتى ، وقال : إني عنك مشغول ، فكل أنت وأصحابك. فلما أكثر عليه من الرسل ، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم. فبعث الملك إلى ابنه فدعاه. وقال : ما أمرك هذا ؟ قال : إنا لا نأكل من ذبائحكم ، إنكم كفار ، ليس تحل ذبائحكم. فقال له الملك : من أمرك بهذا ؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك. فدعا الراهب فقال : ماذا يقول ابني ؟ قال : صدق ابنك. قال له : لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك ، ولكن اخرج من أرضنا. فأجله أجلا. فقال سلمان : فقمنا نبكي عليه ، فقال لهما : إن كنتما صادقين ، فإنا في بِيعة بالموصل مع ستين رجلا نعبد الله فيها ، فأتونا فيها.
فخرج الراهب ، وبقي سلمان وابن الملك : فجعل يقول لابن الملك : انطلق بنا! وابن الملك يقول : نعم. وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز. فلما أبطأ على سلمان ، خرج سلمان حتى أتاهم ، فنزل على صاحبه ، وهو رب البيعة.
__________
(1) في الدر المنثور : " فجمع طعاما " ، وأظن أن الصواب : فصنع طعاما " ، ويدل على صواب ذلك قوله بعد : " فدعاه إلى صنيعه " . يقال : صنع لهم طعاما ، وكنت في صنيع فلان : أي مأدبته ومدعاته .

(2/151)


وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان ، (1) فكان سلمان : معهم يجتهد في العبادة ويتعب نفسه ، فقال له الشيخ : إنك غلام حدث تتكلف من العبادة ما لا تطيق ، وأنا خائف أن تفتر وتعجز ، فارفق بنفسك وخفف عليها. فقال له سلمان : أرأيت الذي تأمرني به ، أهو أفضل أو الذي أصنع ؟ قال : بل الذي تصنع. قال : فخل عني.
ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال : أتعلم أن هذه البيعة لي ، وأنا أحق الناس بها ، ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت! ولكني رجل أضعُف عن عبادة هؤلاء ، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من هؤلاء ، فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم ، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق. قال له سلمان : أي البيعتين أفضل أهلا ؟ قال : هذه. قال سلمان : فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان ، فكان سلمان يتعبد معهم.
ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس ، فقال لسلمان : إن أردت أن تنطلق معي فانطلق ، وإن شئت أن تقيم فأقم. فقال له سلمان : أيهما أفضل ، أنطلق معك أم أقيم ؟ قال : لا بل تنطلق معي. فانطلق معه. فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى ، فلما رآهما نادى : يا سيد الرهبان ، ارحمني يرحمك الله! فلم يكلمه ولم ينظر إليه. وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس ، فقال الشيخ لسلمان : اخرج فاطلب العلم ، فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم ، فرجع يوما حزينا ، فقال له الشيخ : ما لك يا سلمان ؟ قال : أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم! فقال له الشيخ : يا سلمان لا تحزن ، فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعا منه ، وهذا زمانه الذي يخرج فيه ، ولا أراني أدركه ، وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه ، وهو ي
__________
(1) في الدر المنثور : " فكان أهل تلك البيعة ، أفضل مرتبة من الرهبان " .

(2/152)


خرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه. فقال له سلمان : فأخبرني عن علامته بشيء. قال : نعم ، هو مختوم في ظهره بخاتم النبوة ، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد ، فناداهما فقال : يا سيد الرهبان ، ارحمني يرحمك الله! فعطف إليه حماره ، فأخذ بيده فرفعه ، فضرب به الأرض ودعا له وقال : قم بإذن الله! فقام صحيحا يشتد ، (1) فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد. وسار الراهب فتغيب عن سلمان ، ولا يعلم سلمان.
ثم إن سلمان فزع فطلب الراهب. فلقيه رجلان من العرب من كلب ، فسألهما : هل رأيتما الراهب ؟ فأناخ أحدهما راحلته ، قال : نعم راعي الصرمة هذا! (2) فحمله فانطلق به إلى المدينة.
قال سلمان : فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط. فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما وهذا يوما ، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم. فبينا هو يوما يرعى ، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه ، (3) فقال : أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي ؟ (4) فقال له سلمان : أقم في الغنم حتى آتيك .
فهبط سلمان إلى المدينة ، فنطر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد ، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه ، فلما رآه أتاه وكلمه. ثم انطلق فاشترى بدينار ، ببعضه شاة وببعضه خبزا ، ثم أتاه به. فقال : " ما هذا " ؟ قال سلمان : هذه صدقة قال : لا حاجة لي بها ،
__________
(1) اشتد : عدا وأسرع .
(2) الصرمة : القطيع من الإبل والغنم .
(3) عقبه يعقبه : جاء بعده في نوبته ، ومنه التعاقب : أن يأتب هذا ويذهب ذاك .
(4) أشعرت : علمت .

(2/153)


فأخرجها فليأكلها المسلمون " . ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا ؟ قال : هذه هدية. قال : فاقعد [فكل] (1) فقعد فأكلا جميعا منها. فبينا هو يحدثه إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم فقال : كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ، ويشهدون أنك ستبعث نبيا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم ، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم : يا سلمان ، هم من أهل النار. فاشتد ذلك على سلمان ، وقد كان قال له سلمان : لو أدركوك صدقوك واتبعوك ، فأنزل الله هذه الآية : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر). (2)
فكان إيمان اليهود : أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ، حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى - فلم يدعها ولم يتبع عيسى - كان هالكا. وإيمان النصارى : أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه ، حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا.
* * *
1113 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (إن الذين آمنوا والذين هادوا) الآية. قال
__________
(1) الزيادة من الدر المنثور 1 : 74 .
(2) الحديث : 1112 - هذا حديث منقطع ، في شأن إسلام " سلمان الفارسي " . وقال الحافظ في الإصابة 3 : 113 : " ورويت قصته من طرق كثيرة ، من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه . وأخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضًا . وأخرجه الحاكم من حديث بريدة . وعلق البخاري طرفا منها . وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه " . وإشارته إلى رواية أحمد ، هي في المسند هـ : 441 - 444 (حلبي) ، وهي بالإسناد نفسه في ابن سعد 4 : 53 - 57 . وانظر المستدرك للحاكم 3 : 599 - 604 . وتاريخ إصبهان لأبي نعيم 1 : 48 - 57 ، والحلية لأبي نعيم 1 : 190 - 195 .

(2/154)


سأل (1) سلمان الفارسي النبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم ، قال : لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان : فأظلمت عليّ الأرض ، وذكرت اجتهادهم ، (2) فنزلت هذه الآية : " إن الذين آمنوا والذين هادوا " . (3) فدعا سلمان فقال : نزلت هذه الآية في أصحابك " . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي ، فهو على خير ؛ ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك " . (4)
* * *
وقال ابن عباس بما : -
1114 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) إلى قوله : (ولا هم يحزنون). فأنزل الله تعالى بعد هذا : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85]
وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله ، في الآخرة الجنة ، ثم نسخ ذلك بقوله : (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه).
* * *
فتأويل الآية إذًا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي : إن الذين آمنوا من هذه الأمة ، والذين هادوا ، والنصارى ، والصابئين - من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر - فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
* * *
والذي قلنا من التأويل الأول ، أشبه بظاهر التنزيل ، لأن الله جل ثناؤه لم
__________
(1) في المطبوعة : " قال سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم " ، بحذف " سأل " . والصواب من الدر المنثور 1 : 74 .
(2) في المطبوعة : " وذكر اجتهادهم " ، والصواب من الدر المنثور
(3) الآية لم ترد في المطبوعة ، ووردت في نص المدر المنثور .
(4) الحديث : 1113 - وهذا منقطع أيضًا .

(2/155)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)

يخصص - بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان - بعض خلقه دون بعض منهم ، والخبر بقوله : (من آمن بالله واليوم الآخر) ، عن جميع ما ذكر في أول الآية.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ }
قال أبو جعفر : " الميثاق " ، " المفعال " ، من " الوثيقة " ، إما بيمين ، وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق. (1)
ويعني بقوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم) الميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم في قوله : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [ البقرة : 83 - 85] الآيات الذي ذكر معها. وكان سبب أخذ الميثاق عليهم - فيما ذكره ابن زيد - ما : -
1115 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لما رجع موسى من عند ربه بالألواح. قال لقومه بني إسرائيل : إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. (2) فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله إلينا فيقول : هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى ، فيقول : هذا كتابي فخذوه ؟ قال : فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم ، فماتوا أجمعون. قال : ثم أحياهم الله بعد موتهم ، فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله. فقالوا : لا. قال : أي شيء أصابكم ؟ قالوا : متنا ثم حيينا! (3) قال : خذوا
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 414 ، في قوله تعالى : " من بعد ميثاقه " [سورة البقرة : 27] .
(2) في المطبوعة : " وأمره الذي أمركم " ، والتصحيح من روايته في رقم : 959 .
(3) في رقم : 959 : " قالوا أصابنا أنا متنا . . " .

(2/156)


كتاب الله. قالوا : لا. فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم ، فقيل لهم : أتعرفون هذا ؟ قالوا : نعم ، هذا الطور ، قال : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال : فأخذوه بالميثاق ، وقرأ قول الله : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) حتى بلغ : ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [ البقرة : 83 - 85] ، قال : ولو كانوا أخذوه أول مرة ، لأخذوه بغير ميثاق. (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ }
قال أبو جعفر : وأما " الطور " فإنه الجبل في كلام العرب ، ومنه قول العجاج :
دانَى جناحيه من الطور فمر... تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كسر (2)
وقيل : إنه اسم جبل بعينه. وذكر أنه الجبل الذي ناجى الله عليه موسى. وقيل : إنه من الجبال ما أنبت دون ما لم ينبت. (3)
* * *
__________
(1) الأثر رقم : 1115 - مضى أكثره في رقم : 959 .
(2) ديوانه : 17 ، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقد ولي الولايات العظيمة ، وفتح الفتوح الكثيرة ، وقاتل الخوارج . والضمير في قوله : " دانى " يعود إلى متأخر ، وهو " البازي " المذكور في البيت بعده . فإن قبله ، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله : حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات ، وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... دانى جناحيه .........
يريد : " ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور ، دانى جناحيه . . فمر " فقدم وأخر . وهو من جيد التقديم والتأخير . وقوله : " دانى " أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل . ومر : أسرع إسراعا شديدا . وقوله : " تقضى " أصلها " تقضض " ، فقلب الضاد الأخيرة ياء ، استثقل ثلاث ضادات ، كما فعلوا في " ظنن " " وتظنى " على التحويل . وتقضض الطائر : هوى في طيرانه يريد الوقوع . والبازي : ضرب من الصقور ، شديد . وكسر الطائر جناحيه : ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط .
(3) هذا قول لم أجده في كتب اللغة في مادته .

(2/157)


* ذكر من قال : هو الجبل كائنا ما كان :
1116 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا : " حطة " وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا ، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم ، وقالوا حنطة. فنتق فوقهم الجبل - يقول : أخرج أصل الجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة و " الطور " ، بالسريانية ، الجبل تخويفا ، أو خوفا ، شك أبو عاصم ، فدخلوا سجدا على خوف ، وأعينهم إلى الجبل. هو الجبل الذي تجلى له ربه. (1)
1117 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : رفع الجبل فوقهم كالسحابة ، فقيل لهم : لتؤمنن أو ليقعن عليكم. فآمنوا. والجبل بالسريانية : " الطور " .
1118 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) قال : الطور الجبل ؛ كانوا بأصله ، فرفع عليهم فوق رؤوسهم ، فقال : لتأخذن أمري ، أو لأرمينكم به.
1119 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (ورفعنا فوقكم الطور) ، قال : الطور الجبل. اقتلعه الله فرفعه فوقهم ، فقال : (خذوا ما آتيناكم بقوة) فأقروا بذلك.
1120 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ورفعنا فوقكم الطور) قال : رفع فوقهم الجبل ، يخوفهم به.
__________
(1) الأثر رقم : 1116 - مضى صدر منه برقم : 1027 .

(2/158)


1121 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن النضر ، عن عكرمة قال : الطور الجبل.
1122 - وحدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : لما قال الله لهم : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة. فأبوا أن يسجدوا ، أمر الله الجبل أن يقع عليهم ، فنظروا إليه وقد غشيهم ، فسقطوا سجدا على شق ، ونظروا بالشق الآخر ، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله : ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) [ الأعراف : 171] ، وقوله : ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ).
1123 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : الجبل بالسريانية الطور.
* * *
وقال آخرون : " الطور " اسم للجبل الذي ناجى الله موسى عليه.
* ذكر من قال ذلك :
1124 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : الطور ، الجبل الذي أنزلت عليه التوراة - يعني على موسى - وكانت بنو إسرائيل أسفل منه. قال ابن جريج : وقال لي عطاء : رفع الجبل على بني إسرائيل ، فقال : لتؤمنن به أو ليقعن عليكم. فذلك قوله : (كأنه ظلة).
* * *
وقال آخرون : الطور ، من الجبال ، ما أنبت خاصة.
* ذكر من قال ذلك :
1125 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (الطور) قال : الطور من الجبال ما أنبت ، وما لم ينبت فليس بطور.
* * *

(2/159)


القول في تأويل قوله تعالى ذكره { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في تأويل ذلك. فقال بعض نحويي أهل البصرة : هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له. وذلك أن معنى الكلام : ورفعنا فوقكم الطور ، وقلنا لكم : خذوا ما آتيناكم بقوة ، وإلا قذفناه عليكم.
وقال بعض نحويي أهل الكوفة : أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه ، فيكون من كلامين ، غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام - الذي هو بمعنى القول - أن يكون معه " أن " كما قال الله جل ثناؤه( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ) [ نوح : 1] قال : ويجوز أن تحذف " أن " .
والصواب في ذلك عندنا : أن كل كلام نطق به - مفهوم به معنى ما أريد - ففيه الكفاية من غيره.
ويعني بقوله : (خذوا ما آتيناكم) ، ما أمرناكم به في التوراة.
وأصل " الإيتاء " ، الإعطاء. (1)
* * *
ويعني بقوله : (بقوة) بجد في تأدية ما أمركم فيه وافترض عليكم ، كما : -
1126 - حدثت عن إبراهيم بن بشار قال ، : حدثنا ابن عيينة قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (خذوا ما آتيناكم بقوة). قال : تعملوا بما فيه.
1127 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1128 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 574 .

(2/160)


الربيع ، عن أبي العالية : (خذوا ما آتيناكم بقوة) ، قال : بطاعة.
1129 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرازق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (خذوا ما آتيناكم بقوة). قال : " القوة " الجد ، وإلا قذفته عليكم. قال : فأقروا بذلك : أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.
1130 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (بقوة) ، يعني : بجد واجتهاد.
1131 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد - وسألته عن قول الله : (خذوا ما آتيناكم بقوة) - قال : خذوا الكتاب الذي جاء به موسى يصدق ويحق.
* * *
فتأويل الآية إذا : خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض ، فاقبلوه ، واعملوا باجتهاد منكم في أدائه ، من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوة ، بجد.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) }
قال أبو جعفر : يعني : واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد ، وترغيب وترهيب ، فاتلوه ، واعتبروا به ، وتدبروه إذا فعلتم ذلك ، كي تتقوا وتخافوا عقابي ، (1) بإصراركم على ضلالكم فتنتهوا إلى طاعتي ، وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي. كما : -
1132 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق ، عن
__________
(1) انظر ما مضى في بيان " لعل " بمعنى " كى " 1 : 364 - 365 ، وهذا الجزء 2 : 68 .

(2/161)


ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)

داود بن الحصين ، عن عكرمة عن ابن عباس : (لعلكم تتقون) ، قال : تنزعون عما أنتم عليه.
* * *
والذي آتاهم الله ، هو التوراة. كما : -
1133 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (واذكروا ما فيه) يقول : اذكروا ما في التوراة.
1134 - كما حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (واذكروا ما فيه) يقول : أمروا بما في التوراة.
1135 - وحدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سألت ابن زيد عن قول الله : (واذكروا ما فيه) ، قال : اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق. (1) قال : وقال : اذكروا ما فيه ، لا تنسوه ولا تغفلوه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (ثم توليتم) : ثم أعرضتم. وإنما هو " تفعلتم " من قولهم : " ولاني فلان دبره " إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره. ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها ، ومعرض بوجهه. (2) يقال : " قد تولى فلان عن طاعة فلان ، وتولى عن مواصلته " ، ومنه قول الله جل ثناؤه : ( فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) [ التوبة : 76] ، يعني بذلك : خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم : ( لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ
__________
(1) في المطبوعة : " بطاعة الله وصدق " خطأ .
(2) في المطبوعة : " طاعة أمر : عز وجل " ، بزيادة الثناء على ربنا سبحانه ، وعلى أن " أمر " مبني للمعلوم . وهذا مخالف للسياق ، وسهو من النساخ .

(2/162)


وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) [ التوبة : 75] ، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم
* * *
ومن شأن العرب استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها ، كما قال أبو خراش الهذلي : (1)
فليس كعهد الدار يا أم مالك... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل (2) وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل... سوى الحق شيئا واستراحل (3)
يعني بقوله : " أحاطت بالرقاب السلاسل " ، أن الإسلام صار - في منعه إيانا ما كنا نأتيه في الجاهلية ، مما حرمه الله علينا في الإسلام - بمنزلة السلاسل المحيطة برقابنا ، التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغل الذي في يده ، وبين ما حاول أن يتناوله.
ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى. فكذلك قوله : (ثم توليتم
__________
(1) كان في المطبوعة : " قال أبو ذؤيب الهذلي " ، وهو خطأ فاضح ، لا يقع في مثله مثل أبي جعفر .
(2) ديوان الهذليين 2 : 150 ، وسيرة ابن هشام 4 : 116 ، والأغاني 21 : 41 ، والكامل 1 : 267 . وهي أبيات جياد في رثاء صديق . وذلك أن زهير بن العجوة الهذلي من بني عمرو بن الحارث - وكان ابن عم ابي خراش ، وله صديقا - خرج يطلب الغنائم يوم حنين فأسر ، وكتف في أناس أخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرآه جميل بن معمر الجمحي - وكانت بينهما إحنة في الجاهلية - فقال له : أنت الماشي لنا بالمغايظ ؟ فضرب عنقه ، فقال أبو خراش يرثيه . وقال لجميل بن معمر : وإنك لو واجهته إذ لقيته ... فنازلته ، أو كنت ممن ينازل
لظل جميل أسوأ القوم تلة ... ولكن قرن الظهر للمرء شاغل
فليس كعهد . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المطبوعة : " فليس لعهد الدار " خطأ . ويعني بقوله : " الدار " : مكة وما حولها وما جاورها . يقول : ليس الأمر كما عهدت بها وعهدتا ، جاء الإسلام فهدم ذلك كله .
(3) يقول : فارق الفتى أخلاق فتوته وعرامه ، وصار كالكهل في أناته وتثبته ، فإن الدين قد وقذ الفتيان ذوى البأس وسكنهم من مخافة عقاب ربهم في القتل من غير قتال ومعركة . فاستراحت العواذل لأنهن أصبحن لا يجدن ما يعذلن فيه أزواجهن من التعرض للهلاك .

(2/163)


من بعد ذلك) ، يعني بذلك : أنكم تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد ، بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به ، والقيام بما أمركم به في كتابكم ، فنبذتموه وراء ظهوركم.
وكنى بقوله جل ذكره : " ذلك " ، عن جميع ما قبله في الآية المتقدمة ، أعني قوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى ذكره { فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ذكره : (فلولا فضل الله عليكم) ، فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه - إذ رفع فوقكم الطور - بأنكم تجتهدون في طاعته ، وأداء فرائضه ، والقيام بما أمركم به ، والانتهاء عما نهاكم عنه في الكتاب الذي آتاكم ، فأنعم عليكم بالإسلام ورحمته التي رحمكم بها - وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموها - بمراجعتكم طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين.
وهذا ، وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنما هو خبر عن أسلافهم ، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى ، من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره ، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب بأسلاف المخاطَب ، فتضيف فعل أسلاف المخاطِب إلى نفسها ، فتقول : فعلنا بكم ، وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى. (1)
* * *
__________
(1) انظر ما مضى في هذا الجزء 2 : 38 - 39 .

(2/164)


وقد زعم بعضهم أن الخطاب في هذه الآيات ، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به ، والفعل لغيرهم ، لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل ، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.
* * *
وقال بعضهم : إنما قيل ذلك كذلك ، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب - (1) أن المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم. فاستغنى بعلم السامعين بذلك ، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثل ذلك يقول الشاعر : (2)
إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ، ... ولم تجدي من أن تقري به بدا
(3)
فقال : " إذا ما انتسبنا " ، و " إذا " تقتضي من الفعل مستقبلا ثم قال : " لم تلدني لئيمة " ، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنما فعل ذلك - عند المحتج به - لأن السامع قد فهم معناه. فجعل ما ذكرنا - من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بإضافة أفعال أسلافهم إليهم - نظير ذلك.
والأول الذي قلنا ، هو المستفيض من كلام العرب وخطابها.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " إذ المعنى في ذلك . . " ، وهو كلام لا يستقيم . وسياق الجملة يقتضي أن توضع " أن " مكان " إذ " أي : " لأن سامعيه كانوا عالمين . . أن المعنى في ذلك . . " ، وما بينهما فصل واعتراض .
(2) في حاشية الأمير على مغنى اللبيب 1 : 25 قال : " في حاشية السيوطي " قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي ، يعرض بزوجته ، وكانت أمها سرية " ، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى : 33 .
(3) سيأتي في هذا الجزء 1 : 333 (بولاق) ، وفي 3 : 49 (بولاق) ، ومعانى الفراء : 61 ، 178 وقبل البيت يقول لامرأته . رمتنى عن قوس العدو ، وباعدت ... عبيدة ، زاد الله ما بيننا بعدا

(2/165)


وكان أبو العالية يقول في قوله : (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) - فيما ذكر لنا - نحو القول الذي قلناه.
1136 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو النضر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) ، قال : " فضل الله " ، الإسلام ، " ورحمته " ، القرآن.
1137 - وحدثت عن عمار ، قال ، حدثنا ابن أبي جعفر [عن أبيه] ، عن الربيع بمثله. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) }
قال أبو جعفر : فلولا فضل الله عليكم ورحمته إياكم - بإنقاذه إياكم بالتوبة عليكم من خطيئتكم وجرمكم - لكنتم الباخسين أنفسكم حظوظها دائما ، الهالكين بما اجترمتم من نقض ميثاقكم ، وخلافكم أمره وطاعته.
وقد تقدم بياننا قبل بالشواهد ، عن معنى " الخسار " بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (ولقد علمتم) ، ولقد عرفتم. (3) كقولك :
__________
(1) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وانظر آخر إسناد عن عمار بن الحسن رقم : 1134 .
(2) انظر ما مضى 1 : 417 .
(3) سيأتي دليل هذا من تفسير ابن عباس في رقم : 1138 .

(2/166)


قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه " ، يعني عرفته ، ولم أكن أعرفه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) [ الأنفال : 60] ، يعني : لا تعرفونهم الله يعرفهم.
* * *
وقوله : (الذين اعتدوا منكم في السبت) ، أي الذين تجاوزوا حدي ، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت ، وعصوا أمري.
وقد دللت - فيما مضى - على أن " الاعتداء " ، أصله تجاوز الحد في كل شيء. بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها ، مما عدد جل ثناؤه فيها على بني إسرائيل - الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، الذين ابتدأ بذكرهم في أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه - (2) ما كانوا يبرمون من العقود ، وحذر المخاطبين بها أن يحل بهم - بإصرارهم على كفرهم ، ومقامهم على جحود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتركهم اتباعه والتصديق بما جاءهم به من عند ربه - مثل الذي حل بأوائلهم من المسخ والرجف والصعق ، وما لا قبل لهم به من غضب الله وسخطه. كالذي : -
1138 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) يقول : ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية. يقول : احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت ، إذ عصوني ، اعتدوا - يقول : اجترؤوا - في السبت. قال : لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجُمعة ،
__________
(1) انظر ما مضى من هذا الجزء : 2 : 142 .
(2) سياق عبارته : مما عدد الله على بني إسرائيل . . . ما كانوا يبرمون من العقود " ، وما بينهما فصل بصفة " بني إسرائيل " .

(2/167)


وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة ، وأن الساعة تقوم فيها. فمن اتبع الأنبياء فيما مضى كما اتبعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم محمدا ، قبل الجمعة وسمع وأطاع ، وعرف فضلها وثبت عليها ، كما أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم. (1) ومن لم يفعل ذلك ، كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة ، وأخبرهم بفضلها - : يا موسى ، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها ، والسبت أفضل الأيام كلها ، لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام ، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت ، (2) وكان آخر الستة ؟ قال : وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له : كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها ، والأول أفضل ، والله واحد ، والواحد الأول أفضل ؟ فأوحى الله إلى عيسى : أن دعهم والأحد ، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا. - مما أمرهم به. فلم يفعلوا ، فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال : وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت - : أن دعهم والسبت ، فلا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره ، ولا يعملوا شيئا كما قالوا. قال : فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء ، فهو قوله : ( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ) [ الأعراف : 163] ، يقول : ظاهرة على الماء ، ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت ، صارت صيدا كسائر الأيام فهو قوله : ( وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) [ الأعراف : 163]. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله. فلما رأوها كذلك ، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة ، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه ، وحذر العقوبة التي حذرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحل بهم ، عادوا ، وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء ، فكثَّروا في ذلك ، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلا. وهو قول الله جل ثناؤه : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) - يقول : لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بمعصيتهم. يقول : إذًا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام. [ قال : ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام] (3) ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه. فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة ، وكذلك يفعل بمن شاء ، كما يشاء ، ويحوله كما يشاء.
1139 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال ابن عباس : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - . فخالفوا إلى السبت فعظموه ، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت ، ابتلاهم الله فيه ، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها " مدين " . فحرم الله عليهم في السبت الحيتان : صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرعا ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك ، حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان ، (4) عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت ، فخزمه بخيط ، ثم أرسله في الماء ، وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه ، ثم تركه. حتى إذا كان الغد ، جاء فأخذه - أي : إني لم آخذه في
__________
(1) في المطبوعة : " بما أمره الله تعالى به ونبيه صلى الله عليه وسلم " ، وهي جملة غير صحيحة ، صححتها كما ترى .
(2) سبت : سكن ، وقولهم : " سبت له " ، يريدون : خشع له وانقطع عن كل عمل إلا عبادته سبحانه وانظر ما سيأتي ص : 174 .
(3) هذه الزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 193 ، والدر المنثور 1 : 75 ، وهي زيادة لا بد منها . وفي المطبوعة بعدها ؛ " ولم تأكل ولم تشرب ، ولم تنسل " خطأ .
(4) القرم : شدة الشهوة إلى اللحم ، قرم يقرم (بفتح الراء) قرما (بفتحتين) .

(2/168)


يوم السبت - ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر ، عاد لمثل ذلك ، ووجد الناس ريح الحيتان ، فقال أهل القرية : والله لقد وجدنا ريح الحيتان! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. (1) قال : ففعلوا كما فعل ، وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة ، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق. وقالت طائفة منهم من أهل البقيّة : (2) ويحكم! اتقوا الله! ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ، ولم تنه القوم عما صنعوا : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون ) لسخطنا أعمالهم - ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون ) [ الأعراف : 164] ، قال ابن عباس : فبينما هم على ذلك ، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم ، وفقدوا الناس فلا يرونهم. فقال بعضهم لبعض : إن للناس لشأنا! فانظروا ما هو! فذهبوا ينظرون في دورهم ، فوجدوها مغلقة عليهم ، قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم ، كما يغلق الناس على أنفسهم ، فأصبحوا فيها قردة ، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد ، والمرأة بعينها وإنها لقردة ، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال : يقول ابن عباس : فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء ، لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا : وهي القرية التي قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ) الآية [ الأعراف : 163] .
1140 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة
__________
(1) عثر على الأمر : اطلع عليه وكان خافيا . وفي المطبوعة : " على ما صنع " ، وأثبت نص ابن كثير في التفسير 1 : 194 .
(2) في المطبوعة : " من أهل التقية " ، وهو خطأ محض . أهل البقية : هم أهل التمييز والفهم ، يبقون على أنفسهم بطاعة الله ، وبتمسكهم بالدين المرضي . وفلان بقية : فيه فضل وخير فيما يمدح به وسيأتي بعد على الصواب . وقال الله تعالى : ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ) [سورة هود : 116] .

(2/170)


خاسئين) : أحلت لهم الحيتان ، وحرمت عليهم يوم السبت بلاء من الله ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف : فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية ، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله ، وأما صنف فانتهك حرمة الله ومرد على المعصية. فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه ، قال الله لهم : (كونوا قردة خاسئين) فصاروا قردة لها أذناب ، تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء.
1141 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) ، قال : نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت ، فكانت تشرع إليهم يوم السبت ، وبلوا بذلك ، فاعتدوا فاصطادوها ، فجعلهم الله قردة خاسئين.
1142 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) قال : فهم أهل " أيلة " ، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر ، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج ، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء. فإذا كان يوم الأحد لزمن سُفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت. فذلك قوله : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) [ الأعراف : 163] ، فاشتهى بعضهم السمك ، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر. فإذا كان يوم السبت فتح النهر ، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة. ويريد الحوت أن يخرج ، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر ، فيمكث [فيها]. (1) فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي
__________
(1) الزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 195 .

(2/171)


السمك ، فيجد جاره ريحه ، فيسأله فيخبره ، فيصنع مثل ما صنع جاره. حتى إذا فشا فيهم أكل السمك ، قال لهم علماؤهم : ويحكم! إنما تصطادون السمك يوم السبت وهو لا يحل لكم! فقالوا : إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه ، فقال الفقهاء : لا ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل. فقالوا : لا! وعتوا أن ينتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) [ الأعراف : 164] ، يقول : لم تعظونهم ، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم : ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) [ الأعراف : 164]. فلما أبوا قال المسلمون : والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار ، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا ، ولعنهم داود. فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم. فخرج المسلمون ذات يوم ، ولم يفتح الكفار بابهم. فلما أبطئوا عليهم ، تسور المسلمون عليهم الحائط ، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ، ففتحوا عنهم ، فذهبوا في الأرض. فذلك قول الله عز وجل : ( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) [ الأعراف : 166] ، فذلك حين يقول : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) [ المائدة : 78] ، فهم القردة.
1143 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : (الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). قال : لم يمسخوا ، إنما هو مثل ضربه الله لهم ، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا (1) .
1144 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) سورة الجمعة : 54 .

(2/172)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله لهم ، كمثل الحمار يحمل أسفارا.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا القول الذي قاله مجاهد ، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف. (1) وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، (2) كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم : ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) [ النساء : 153] ، وأن الله تعالى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم ، وأنهم عبدوا العجل ، فجعل توبتهم قتل أنفسهم ، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [ المائدة : 24] فابتلاهم بالتيه. فسواء قائل قال : (3) هم لم يمسخهم قردة ، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال : لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم ، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم. (4) ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه ، سئل البرهان على قوله ، وعورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقر به ، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.
هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه. وكفى دليلا على فساد قول ، إجماعها على تخطئته.
* * *
__________
(1) انظر معنى " ظاهر " فيما سلف 2 : 15 والمراجع .
(2) سورة المائدة : 60 .
(3) في المطبوعة : " فسواء قال قائل " ، وسياق العبارة يقتضي التقديم . لقوله " وآخر قال " .
(4) في المطبوعة : " والعقوبات والأنكال " ، ليس صوابا . والنكال : العذاب الشديد يكون عبرة للناس حتى ينكلوا عن شيء ويخافوه . وأما " الأنكال " فجمع نكل : وهو القيد .

(2/173)


وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)

القول في تأويل قوله تعالى : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (فقلنا لهم) أي : فقلنا للذين اعتدوا في السبت - يعني في يوم السبت.
* * *
وأصل " السبت " الهدوّ والسكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم " مسبوت " لهدوّه وسكون جسده واستراحته ، كما قال جل ثناؤه : ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ) [ النبأ : 9] أي راحة لأجسادكم. وهو مصدر من قول القائل : " سبت فلان يسبت سبتا " .
وقد قيل : إنه سمي " سبتا " ، لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة - وهو اليوم الذي قبله - من خلق جميع خلقه.
* * *
وقوله : (كونوا قردة خاسئين) ، أي : صيروا كذلك.
* * *
و " الخاسئ " المبعد المطرود ، كما يخسأ الكلب يقال منه : " خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا ، وهو يخسأ خسوءا " . قال : ويقال : " خسأته فخسأ وانخسأ " . ومنه قول الراجز :
كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ (1)
يعني : إن طردته انطرد ذليلا صاغرا.
فكذلك معنى قوله : (كونوا قردة خاسئين) أي ، مبعدين من الخير أذلاء صغراء ، (2) كما : -
1145 - حدثنا محمد بن بشار ، (3) قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ،
__________
(1) لسان العرب : (خسأ) ، وروايته : " إن قيل له " .
(2) صاغر ، جمعه صغرة (بفتحات) . وهذا ما نصوا عليه ، ولم أجد " صغراء " على وزن جهلاء ، وهو جمع في بعض الصفات التي على وزن " فاعل " ، مثل شاعر وشعراء ، وعالم وعلماء . فهم يشبهون " فاعلا " بـ " فعيل " نحو كريم وكرماء ، فيجمعونه كجمعه .
(3) في المطبوعة " حدثنا بشار " وهو خطأ لا شك فيه ، وأقرب إسناد مثله مر بنا هو رقم : 1062 .

(2/174)


فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : (كونوا قردة خاسئين) قال : صاغرين.
1146 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله.
1147 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1148 - حدثني الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (خاسئين) ، قال : صاغرين.
1149 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (كونوا قردة خاسئين) ، أي أذلة صاغرين.
1150 - وحدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : خاسئا ، يعني ذليلا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل " الهاء والألف " في قوله : (فجعلناها) ، وعلام هي عائدة ؟ فروي عن ابن عباس فيها قولان : أحدهما ما : -
1151 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة قال ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (فجعلناها) فجعلنا تلك العقوبة - وهي المسخة - " نكالا " .
فالهاء والألف من قوله : (فجعلناها) - على قول ابن عباس هذا - كناية

(2/175)


عن " المسخة " ، وهي " فعلة " مسخهم الله مسخة. (1)
فمعنى الكلام على هذا التأويل : فقلنا لهم : كونوا قردة خاسئين ، فصاروا قردة ممسوخين ، (فجعلناها) ، فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم ، (نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين).
* * *
والقول الآخر من قولي ابن عباس ، ما : -
1151 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (فجعلناها) ، يعني الحيتان.
و " الهاء والألف " - على هذا القول - من ذكر الحيتان ، ولم يجر لها ذكر. ولكن لما كان في الخبر دلالة ، كني عن ذكرها. والدلالة على ذلك قوله : (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت).
* * *
وقال آخرون : فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت. فـ " الهاء " و " الألف " - في قول هؤلاء - كناية عن قرية القوم الذين مسخوا.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك فجعلنا القردة الذين مسخوا " نكالا لما بين يديها وما خلفها " ، فجعلوا " الهاء والألف " كناية عن القردة.
* * *
وقال آخرون : (فجعلناها) ، يعني به : فجعلنا الأمة التي اعتدت في السبت " نكالا " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { نَكَالا }
و " النكال " مصدر من قول القائل : " نكَّل فلان بفلان تنكيلا ونكالا " . وأصل " النكال " ، العقوبة ، كما قال عدي بن زيد العباد :
لا
__________
(1) كأنه يريد أنه مصدر : كقولهم : رحمه الله رحمة ، ولم يرد المرة ، وسيدل على ذلك ما يقوله بعد سطرين .

(2/176)


يسخط الضليل ما يسع العبـ... د ولا في نكاله تنكير (1)
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس :
1152 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة قال ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (نكالا) يقول : عقوبة.
1153 - حدثني المثنى قال ، حدثني إسحاق قال ، حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (فجعلناها نكالا) ، أي عقوبة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم بما : -
1154 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (لما بين يديها) يقول : ليحذر من بعدهم عقوبتي.(وما خلفها) ، يقول : الذين كانوا بقوا معهم.
1155 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (لما بين يدلها وما خلفها) ، لما خلا لهم من الذنوب ، (2) (وما خلفها) ، أي عبرة لمن بقي من الناس.
* * *
__________
(1) لم أجد البيت في جميع المراجع التي ذكرت قصيدة عدي بن زيد التي كتبها إلى النعمان من محبسه . وقد أثبت البيت كما هو في النسخ السقيمة التي بقيت من تفسير الطبري ، وظني أن يكون البيت : لا يكُظ المليك ما يسع العبـ ... ـد ولا في نكاله تنكير
فلم يحسن الناسخ قراءة " يكظ " كتبها " يسخط " ، ووضع مكان " المليك " " الضليل " وكظه الأمر : بهظه وشق عليه . يقول للنعمان : أنت مليك قادر ، فلا يبهظك ما يسع عبيدك من العفو عمن أساء واجترم ، فإن عاقبت ، فما في عقابك ما يستنكر ، فأنت السيد المطاع النافذ أمرك في رعيتك صغيرهم وكبيرهم .
(2) خلا : مضى وذهب وانقضى .

(2/177)


وقال آخرون بما :
1156 - حدثني ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال ابن عباس : (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) ، أي من القرى.
* * *
وقال آخرون بما : -
1157 - حدثنا به بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال الله( فجعلناها نكالا لما بين يديها) - من ذنوب القوم - (وما خلفها) ، أي للحيتان التي أصابوا.
1158 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (لما بين يديها) ، من ذنوبها ، (وما خلفها) ، من الحيتان.
1159 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : (لما بين يديها) ، ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به.
1160 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (نكالا لما بين يديها وما خلفها) ، يقول : " بين يديها " ، ما مضى من خطاياهم ، (وما خلفها) خطاياهم التي هلكوا بها.
1161 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله - إلا أنه قال : (وما خلفها) ، خطيئتهم التي هلكوا بها.
* * *
وقال آخرون بما : -
1162 - حدثني به موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) قال : أما " ما بين يديها " فما سلف من عملهم ، (وما خلفها) ، فمن كان بعدهم من الأمم ، أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك.
* * *

(2/178)


وقال آخرون بما : -
1163 - حدثني به ابن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ، (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) ، يعني الحيتان ، جعلها نكالا " لما بين يديها وما خلفها " ، من الذنوب التي عملوا قبل الحيتان ، وما عملوا بعد الحيتان. فذلك قوله : (ما بين يديها وما خلفها).
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ، ما رواه الضحاك عن ابن عباس. وذلك لما وصفنا من أن " الهاء والألف " - في قوله : (فجعلناها نكالا) - بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم ، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها. من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته ، بذلك يخوفهم (1) . وفي إبانته عز ذكره - بقوله : (نكالا) : أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم - ما يعلم أنه عنى بقوله : ( فعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها) ، فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها - دون غيره من المعاني. وإذْ كانت " الهاء والألف " - بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة ، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها ؛ فكذلك العائد في قوله : (لما بين يديها وما خلفها) من " الهاء والألف " : أن يكون من ذكر " الهاء والألف " اللتين في قوله : (فجعلناها) ، أولى من أن يكون من[ذكر] غيره. (2)
فتأويل الكلام - إذْ كان الأمر على ما وصفنا - : فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم ، بمسخنا إياهم وعقوبتنا لهم - (3) ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم : أن يعمل بها عامل ،
__________
(1) في المطبوعة : " وبذلك يخوفهم " ، ولعل الأجود ما أثبت .
(2) ما بين القوسين زيادة لا بد منها في سياق الجملة .
(3) في المطبوعة " مسخنا إياهم " بحذف حرف الجر ، وهو غير مستقيم ، وقوله : " ولما خلف عقوبتنا لهم " على قوله : " لما بين يديها . . . " .

(2/179)


فيمسخوا مثل ما مسخوا ، وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم ، تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده : أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون ، فيعاقبوا عقوبتهم.
وأما الذي قال في تأويل ذلك : (فجعلناها) ، يعني الحيتان ، عقوبة لما بين يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم - فإنه أبعد في الانتزاع. وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال : (فجعلناها). فإن ظن ظان أن ذلك جائز - وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر - لأن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر ، فإن ذلك وإن كان كذلك ، فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب - والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنزيل - إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ، (1) ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض.
وأما تأويل من تأول ذلك : لما بين يديها من القرى وما خلفها ، فينظر إلى تأويل من تأول ذلك : بما بين يدي الحيتان وما خلفها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَوْعِظَةً }
و " الموعظة " ، مصدر من قول القائل : " وعظت الرجل أعظه وعظا وموعظة " ، إذا ذكرته.
* * *
فتأويل الآية : فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وتذكرة للمتقين ، ليتعظوا بها ، ويعتبروا ، ويتذكروا بها ، كما : -
1164 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا
__________
(1) انظر تفسير " ظاهر " و " باطن " فيما سلف من هذا الجزء 2 : 15 والمراجع .

(2/180)


بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وموعظة) يقول : وتذكرة وعبرة للمتقين.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ لِلْمُتَّقِينَ (66) }
وأما " المتقون " ، فهم الذين اتقوا ، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، كما : -
1165 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة قال ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وموعظة للمتقين) ، يقول : للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي.
* * *
فجعل تعالى ذكره ما أحل بالذين اعتدوا في السبت من عقوبته ، موعظة للمتقين خاصة ، وعبرة للمؤمنين ، دون الكافرين به - إلى يوم القيامة - ، كالذي : -
1166 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس في قوله : (وموعظة للمتقين) ، إلى يوم القيامة.
1167 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وموعظة للمتقين) ، أي : بعدهم.
1168 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله.
1169 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " موعظة للمتقين " ، فهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
1170 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (وموعظة للمتقين) ، قال : فكانت موعظة للمتقين خاصة.

(2/181)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)

1171 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج في قوله : (وموعظة للمتقين) ، أي لمن بعدهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) }
قال أبو جعفر : وهذه الآية مما وبخ الله بها المخاطبين من بني إسرائيل ، في نقض أوائلهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه ، فقال لهم : واذكروا أيضا من نكثكم ميثاقي ، " إذ قال موسى لقومه " - وقومه بنو إسرائيل ، إذ ادارؤوا في القتيل الذي قتل فيهم إليه : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا).
و " الهزؤ " : اللعب والسخرية ، كما قال الراجز : (1)
قد هزئت مني أم طيسله... قالت أراه معدما لا شيء له (2)
يعني بقوله : قد هزئت : قد سخرت ولعبت.
ولا ينبغي أن يكون من أنبياء الله - فيما أخبرت عن الله من أمر أو نهي - هزؤ أو لعب. فظنوا بموسى أنه في أمره إياهم - عن أمر الله تعالى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه - أنه هازئ لاعب. ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله ، وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة.
* * *
__________
(1) هو صخير بن عمير التميمي ، ويقال إن القصيدة للأصمعي نفسه .
(2) الأصمعيات : 58 ، وأمالي القالي 2 : 284 ، وانظر تحقيق ما قيل فيها في تعليق سمط اللآلي للراجكوتي : 930 وروايتهم جميعا : تهزأ مني أخت آل طيسله ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى " مملقا لا شيء له " و " مبلطا " ، وكلها بمعنى واحد : فقيرا لا شيء له .

(2/182)


وحذفت " الفاء " من قوله : (أتتخذنا هزوا) ، وهو جواب ، لاستغناء ما قبله من الكلام عنه ، وحَسُن السكوت على قوله : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) ، فجاز لذلك إسقاط " الفاء " من قوله : (أتتخذنا هزوا) ، كما جاز وحسن إسقاطها من قوله تعالى( قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا ) [ الحجر : 57 ، 58 الذاريات : 31 ، 32] ، ولم يقل : فقالوا إنا أرسلنا. ولو قيل " فقالوا " كان حسنا أيضا جائزا. ولو كان ذلك على كلمة واحدة ، لم تسقط منه " الفاء " . وذلك أنك إذا قلت : " قمت ففعلت كذا وكذا " ، لم تقل : قمت فعلت كذا وكذا " (1) لأنها عطف ، لا استفهام يوقف عليه.
فأخبرهم موسى - إذْ قالوا له ما قالوا - أن المخبر عن الله جل ثناؤه بالهزء والسخرية ، من الجاهلين. (2) وبرأ نفسه مما ظنوا به من ذلك فقال : (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) ، يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل.
* * *
وكان سبب قيل موسى لهم : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) ، ما : -
1172 - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : كان في بني إسرائيل رجل عقيم - أو عاقر - قال : فقتله وليه ، ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه. قال : فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح. قال : فقال أولو النهى : أتقتتلون وفيكم رسول الله ؟ قال : فأتوا نبي الله ، فقال : اذبحوا بقرة! فقالوا : أتتخذنا هزوا ، قال : " أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة) ، إلى قوله : (فذبحوها وما كادوا يفعلون) قال : فضرب ، فأخبرهم بقاتله. قال : ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبا ، قال :
__________
(1) في المطبوعة : " قمت وفعلت " وفي المطبوعة : " ولم تقل : قمت . . " بزيادة الواو ، وهو فاسد . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 44 .
(2) سياق معناه : أخبرهم موسى أن المخبر عن الله بهُزُء وسخرية ، هو من الجاهلين .

(2/183)


ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. فلم يورث قاتل بعد ذلك. (1)
1173 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثني أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قول الله(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). قال : كان رجل من بني إسرائيل ، وكان غنيا ولم يكن له ولد ، وكان له قريب وارثه ، فقتله ليرثه ، ثم ألقاه على مجمع الطريق ، (2) وأتى موسى فقال له : إن قريبي قتل وأُتي إلي أمر عظيم ، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال : فنادى موسى في الناس : أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا. فلم يكن عندهم علمه. فأقبل القاتل على موسى فقال : أنت نبي الله ، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا. فسأل ربه ، فأوحى الله إليه : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). فعجبوا وقالوا : (أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ، قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض) - يعني : لا هرمة - (ولا بكر) - يعني : ولا صغيرة - (عوان بين ذلك) - أي : نصف ، بين البكر والهرمة - (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ، قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها) - أي : صاف لونها - (تسر الناظرين) - أي تعجب الناظرين - (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول) أي : لم يذللها العمل - (تثير الأرض) - يعني ليست بذلول فتثير الأرض - (ولا تسقي الحرث) - يقول : ولا تعمل في الحرث - (مسلمة) ، يعني مسلمة من العيوب ، (لا شية فيها) - يقول : لا بياض فيها - (قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما
__________
(1) الأثر : 1172 - عبيدة ، بفتح العين وبعد الباء الموحدة ياء تحتية : هو عبيدة السلماني . وهذا الأثر نقله ابن كثير 1 : 197 - 198 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من طريق هشام بن حسان " عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني " . ثم أشار إلى رواية الطبري هذه .
وقد مضى أثر آخر : 245 من رواية أيوب وابن عون ، عن ابن سيرين ، عن " عبيدة " . ورجحنا هناك أن صوابه " عبيدة " . فهذا الإسناد الذي هنا يؤيد ما رجحنا .
(2) مجمع الطريق : هو حيث يلتقى الناس ويجتمعون ، أو حيث تلتقى الطرق .

(2/184)


كادوا يفعلون). قال : ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها ، (1) لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم ، فشدد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : (وإنا إن شاء الله لمهتدون) ، لما هدوا إليها أبدا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم ، إلا عند عجوز عندها يتامى ، وهي القيمة عليهم. فلما علمت أنهم لا يزكو لهم غيرها ، (2) أضعفت عليهم الثمن. فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة ، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها. فقال لهم موسى : إن الله قد كان خفف عليكم ، فشددتم على أنفسكم ، فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا ، واشتروها فذبحوها. فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل. ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ، ثم عاد ميتا كما كان. فأخذوا قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه ، - فقتله الله على أسوء عمله.
1174 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). قال : كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال ، وكانت له ابنة ، وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته ، فأبي أن يزوجه إياها ، فغضب الفتى وقال : والله لأقتلن عمي ، ولآخذن ماله ، ولأنكحن ابنته ، ولآكلن ديته! فأتاه الفتى ، وقد قدم تجار في أسباط بني إسرائيل ، فقال : يا عم ، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم ، لعلي أصيب منها ، (3) فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط ، قتله الفتى ، ثم رجع إلى أهله.
__________
(1) استعرضوا : أخذوا من عرض البقر (بضم العين وسكون الراء) فلم يبالوا أيها أخذوا . والعرض : الوجه والناحية ، أي ما يعرض لك من الشيء .
(2) تقول : " هذا الأمر لا يزكو بفلان " أي لا يليق به ولا يصلح له . فقوله : " لا يزكو لهم غيرها " أي لا يصلح لهم غيرها ولا ينفع فيما أمرهم الله به .
(3) في المطبوعة : " أصيب فيها " ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 200 . أصاب الإنسان من المال وغيره : تناول وأخذ . ويريد أصيب منها ربحا .

(2/185)


فلما أصبح ، جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدري أين هو ، فلم يجده. فانطلق نحوه ، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه ، فأخذهم وقال : قتلتم عمي فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادى : واعماه! فرفعهم إلى موسى ، فقضى عليهم بالدية ، فقالوا له : يا رسول الله ، ادع لنا ربك حتى يبين له من صاحبه ، فيؤخذ صاحب الجريمة ، (1) فوالله إن ديته علينا لهينة ، ولكنا نستحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه : (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون). فقال لهم موسى : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). قالوا : نسألك عن القتيل وعمن قتله ، وتقول : اذبحوا بقرة! أتهزأ بنا ؟ قال موسى : (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) - قال ، قال ابن عباس : فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم - (2) فقالوا : (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) - والفارض : الهرمة التي لا تلد ، والبكر : التي لم تلد إلا ولدا واحدا ، والعوان : النصف التي بين ذلك ، التي قد ولدت وولد ولدها - " فافعلوا ما تؤمرون " *(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) - قال : تعجب الناظرين - (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها) - من بياض ولا سواد ولا حمرة - (قالوا الآن جئت بالحق). فطلبوها فلم يقدروا عليها.
وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه ، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه ، فكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشتري
__________
(1) في المطبوعة : " ادع لنا حتى يتبين " . ونص ابن كثير في تفسيره 1 : 200 " ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه ، فيؤخذ صاحب القضية " .
(2) أعنته وتعنته : سأله عن شيء أراد به اللبس عليه والمشقة .

(2/186)


مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا ؟ فقال له الفتى : كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه بثمانين ألفا. فقال له الآخر : أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا. فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا ، وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه ، حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال : لا والله ، لا أشتريه منك بشيء أبدا ، وأبى أن يوقظ أباه. فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة. فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة ، فأبصروا البقرة عنده ، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة ، فأبي ، فأعطوه ثنتين فأبي ، فزادوه حتى بلغوا عشرا ، فأبي ، فقالوا : والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى فقالوا : يا نبي الله ، إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبي أن يعطيناها ، وقد أعطيناه ثمنا. فقال له موسى : أعطهم بقرتك. فقال : يا رسول الله ، أنا أحق بمالي. فقال : صدقت. وقال للقوم : أرضوا صاحبكم. فأعطوه وزنها ذهبا فأبي ، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها ، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ، فباعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال : اذبحوها. فذبحوها فقال : اضربوه ببعضها. فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين ، فعاش ، فسألوه : من قتلك ؟ فقال لهم : ابن أخي ، قال : أقتله ، وآخذ ماله ، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.
1175 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة -
1176 - وحدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد ، عن مجاهد -
1177 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال ، حدثني خالد بن يزيد ، عن مجاهد -
1178 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهبا يذكر -
1179 - وحدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد - وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -

(2/187)


1180 - وحدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، أخبرني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس -
- فذكر جميعهم أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) ، نحو السبب الذي ذكره عبيدة وأبو العالية والسدي ، غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتيل الذي اختصم في أمره إلى موسى ، كان أخا المقتول ، وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه ، وقال بعضهم : بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته. إلا أنهم جميعا مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتيل إذ احتكموا إليه - عن أمر الله إياهم بذلك - (1) فقالوا له : وما ذبح البقرة ؟ يبين لنا خصومتنا التي اختصمنا فيها إليك في قتل من قتل ، فادُّعِي على بعضنا أنه القاتل! أتهزأ بنا ؟ كما : -
1181 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : قتل قتيل من بني إسرائيل ، فطرح في سبط من الأسباط ، فأتى أهل ذلك القتيل إلى ذلك السبط فقالوا : أنتم والله قتلتم صاحبنا. قالوا : لا والله. فأتوا موسى فقالوا : هذا قتيلنا بين أظهرهم ، وهم والله قتلوه! فقالوا : لا والله يا نبي الله ، طرح علينا! فقال لهم موسى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. فقالوا : أتستهزئ بنا ؟ وقرأ قول الله جل ثناؤه : (أتتخذنا هزوا). قالوا : نأتيك فنذكر قتيلنا والذي نحن فيه ، فتستهزئ بنا ؟ فقال موسى : (أعوذ بالله أن أكون من
__________
(1) الأجود أن يكون " عن أمر الله إياه بذلك " .

(2/188)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

الجاهلين).
1182 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن قيس : لما أتى أولياء القتيل والذين ادعوا عليهم قتل صاحبهم - موسى وقصوا قصتهم عليه ، أوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة ، فقال لهم موسى : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين). قالوا : وما البقرة والقتيل ؟ قال : أقول لكم : " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " ، وتقولون : " أتتخذنا هزوا " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ }
(1)
قال أبو جعفر : فقال الذين قيل لهم : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) - بعد أن علموا واستقر عندهم ، أن الذي أمرهم به موسى من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة - جد وحق ، (2) (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) ، فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفاهم بقوله لهم : " اذبحوا بقرة " . لأنه جل ثناؤه إنما أمرهم بذبح بقرة من البقر - أي بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف - فقالوا بجفاء أخلاقهم وغلظ طبائعهم ، وسوء أفهامهم ، وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤونته ، تعنتا منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما : -
1183 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما قال لهم موسى : (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين). قالوا له يتعنتونه : (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي).
فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التي أمروا بذبحها ، تعنتا منهم نبيهم موسى صلوات الله عليه ، بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فيما أخبرهم عن الله جل ثناؤه ، بقولهم : (أتتخذنا هزوا) (3) - عاقبهم عز وجل بأن حصر ذبح ما كان أمرهم بذبحه
__________
(1) الآية كلها ساقطة من الأصول ، فوضعتها في موضعها .
(2) قوله " جد وحق " ، خبر قوله " أن الذي أمرهم به موسى . . . "
(3) سياق العبارة : " فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا . . عاقبهم . . " ، وما بينهما فصل .

(2/189)


من البقر على نوع منها دون نوع ، (1) فقال لهم جل ثناؤه - إذ سألوه فقالوا : ما هي ؟ ما صفتها ؟ وما حليتها ؟ حَلِّها لنا لنعرفها! (2) - قال : (إنها بقرة لا فارض ولا بكر).
* * *
يعني بقوله جل ثناؤه : (لا فارض) لا مسنة هرمة. يقال منه : فرضت البقرة تفرض فروضا " ، يعني بذلك : أسنت. ومن ذلك قول الشاعر :
يا رب ذي ضغن عليَّ فارضِ... له قروء كقروء الحائضِ (3)
يعني بقوله : " فارض " ، قديم. يصف ضغنا قديما. ومنه قول الآخر :
لها زِجاج ولهاة فارض... حدلاء كالوطب نحاه الماخض (4)
__________
(1) في المطبوعة " بأن خص بذبح ما كان أمرهم " ، وعبارة الطبري فيما أرجح هي ما أثبته/ ، وقد قال آنفًا : 189 " من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع " ، وسيقول بعد : 197 " فحصروا على نوع دون سائر الأنواع " .
(2) الحلية (بكسر فسكون) الصفة والصورة : حلى الرجل يحليه تحلية : وصف صورته وهيأته . وتحليت الرجل : عرفت صفته .
(3) مجالس ثعلب : 364 ، والمعاني الكبير : 850 ، 1143 ، والحيوان 6 : 66 - 67 ، والأضداد : 22 ، وكتاب القرطين 1 : 44 ، 77 ، واللسان (فرض) ، وغيرها ، وصواب إنشاده : يارب مولى حاسد مباغض ... عليّ ذي ضغن وضب فارض
والضب : الغيظ والحقد تضمره في القلب . قروء وأقراء جمع قرء (بضم فسكون) : وهو وقت الحيض قال ابن قتيبة : " أي له أوقات تهيج فيها عداوته " ، وقال الجاحظ : " كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم يستعر ، ثم يخبو ثم يستعر " .
(4) البيت الأول في اللسان (زجج) ، والثاني في المخصص 1 : 162 . وكان في الأصل : له زجاج ولهاة فارض ... هدلاء كالوطب تجاه الماخض
وهو تصحيف . والزجاج جمع زج : وهو الحديدة التي تركب في أسفل الرمح يركز به في الأرض . فاستعاره للألباب . واللهاة : لحمة حمراء في الحنك ، معلقة على عكدة اللسان ، مشرفة على الحلق . والفارض في هذا البيت : الواسع العظيم الضخم يقال : لحية فارض ، وشِقْشِقَة فارض . (وهي لهاة البعير) ودلو فارض قال أبو محمد الفقعسي يذكر دلوا واسعا (وهو الغرب) . والغرب غرب بقري فارض
وحدلاء وأحدل : وهو الذي يمشي في شق ، وفي منكبيه ورقبته إقبال على صدره ، وانحناء . والوطب : سقاء اللبن ، يكون من جلد . ونحاه : صرفه وأماله . والماخض : من مخض اللبن : إذا وضع في الممخضة ، ليخرج زبده . لعله يهجو امرأته ، ويذكر قبح أنيابها ، وسعة لهاتها ، من شدة شرهها . ويصف مشيتها مائلة على شق ، وتكدس بدنها بعضه على بعض ، كأنها وطب أماله الماخض يمنة ويسرة يحركه .

(2/190)


وبمثل الذي قلنا في تأويل " فارض " قال المتأولون :
* ذكر من قال ذلك :
1184 - حدثني علي بن سعيد الكندي قال ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن خصيف ، عن مجاهد : (لا فارض) ، قال : لا كبيرة. (1)
1185 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أو عن عكرمة ، شك شريك - : (لا فارض) ، قال : الكبيرة.
1185 - حدثني محمد بن سعد قال ، أخبرني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (لا فارض) ، الفارض : الهرمة.
1186 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (لا فارض) ، يقول : ليست بكبيرة هرمة.
1187 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني عن ابن عباس : (لا فارض) ، الهرمة.
1188 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " الفارض " الكبيرة.
1189 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ،
__________
(1) الخبر 1184 - علي بن سعيد بن مسروق الكندي ، شيخ الطبري : كوفي ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /189 - 190 ، مات سنة 249 . عبد السلام بن حرب الملائي الكوفي ، الحافظ : ثقة حجة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة . وترجمه ابن أبي حاتم 3 / 1 /47 .

(2/191)


حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن مجاهد قوله : (لا فارض) ، قال : الكبيرة.
1190 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (لا فارض) ، يعني : لا هرمة.
1191 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
1192 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " الفارض " ، الهرمة.
1193 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال معمر ، قال قتادة : " الفارض " الهرمة. يقول : ليست بالهرمة ولا البكر عوان بين ذلك.
1194 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " الفارض " ، الهرمة التي لا تلد.
1195 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " الفارض " ، الكبيرة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا بِكْرٌ }
قال أبو جعفر : و " البكر " من إناث البهائم وبني آدم ، ما لم يفتحله الفحل ، وهي مكسورة الباء ، لم يسمع منه " فَعَل " ولا " يفعل " . وأما " البكر " بفتح الباء فهو الفتي من الإبل.
* * *
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله(ولا بكر) ولا صغيرة لم تلد ، كما : -
1196 - حدثني علي بن سعيد الكندي قال ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن خصيف ، عن مجاهد : (ولا بكر) ، صغيرة.

(2/192)


1197 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " البكر " ، الصغيرة.
1198 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا الحسن بن عطية قال ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن سعيد ، عن ابن عباس - أو عكرمة ، شك - : (ولا بكر) ، قال : الصغيرة.
1199 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : (ولا بكر) ، الصغيرة.
1200 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : (ولا بكر) ولا صغيرة.
1201 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ولا بكر) ، ولا صغيرة ضعيفة.
1202 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ولا بكر) ، يعني : ولا صغيرة.
1203 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله.
1204 - وحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : في " البكر " ، لم تلد إلا ولدا واحدا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { عَوَانٌ }
قال أبو جعفر : " العوان " النصف التي قد ولدت بطنا بعد بطن ، وليست بنعت للبكر. يقال منه : " قد عونت " إذا صارت كذلك.
وإنما معنى الكلام أنه يقول : إنها بقرة لا فارض ولا بكر بل عوان

(2/193)


بين ذلك. ولا يجوز أن يكون " عوان " إلا مبتدأ. لأن قوله(بين ذلك) ، كناية عن الفارض والبكر ، فلا يجوز أن يكون متقدما عليهما ، ومنه قول الأخطل :
وما بمكة من شُمط مُحَفِّلة... وما بيثرب من عُونٍ وأبكار (1)
وجمعها " عون " يقال : " امرأة عوان من نسوة عون " . ومنه قول تميم بن مقبل :
ومأتم كالدمي حورٍ مدامعها... لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا (2)
وبقرة " عوان ، وبقر عون " . قال : وربما قالت العرب : " بقر عُوُن " مثل " رسل " يطلبون بذلك الفرق بين جمع " عوان " من البقر ، وجمع " عانة " من الحمر. ويقال : " هذه حرب عوان " ، إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة. يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن. وكذلك يقال : " حاجة عوان " ، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.
__________
(1) ديوانه : 119 ، وهو يخالف ما رواه الطبري ، وقبله : إني حلفت برب الراقصات وما ... أضحي بمكة من حجب وأستار
وبالهدي - إذا احمرت مذارعها ... في يوم نسك وتشريق وتنحار
وما بزمزم من شمط محلقه ... وما بيثرب من عون وأبكار
يعني : حلقوا رؤوسهم ، وقد تحللوا من إحرامهم وقضوا حجتهم ، والشمط جمع أشمط : وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب . فإن صحت رواية الطبري " شمط مُحَفِّلَةٍ " ، فكأنها من الحفيل والاحتفال : وهو الجد والاجتهاد ، يقال منه : رجل ذو حفيل ، وذو حفل وحفلة : له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ فيه من الأمور . فكأنه عنى : مجتهدون في العبادة والنسك .
(2) جمهرة أشعار العرب : 162 ، من جيد شعر تميم بن أبي بن مقبل . والمأتم عند العرب : جماعة النساء - أو الرجال - في خير أو شر . قالوا : والعامة تغلط فتظن أن " المأتم " النوح والنياحة . والدمى جمع دمية : الصورة أو التمثال ، يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها ، والعرب تكثر من تشبيه النساء بالدمي . والحور جمع حوراء . والحور أن يشتد بياض بياض العين ، وسواد سوادها ، تستدير حدقتها ، وترق جفونها ، ويبيض ما حولها . وقوله : " لم تبأس " أي لم يلحقها بؤس عيش ، أو لم تشك بؤس عيش بئس يبأس بؤسا ، فهو بائس وبئيس ، افتقر واشتد عليه البؤس . وفي الأصل المطبوع ، وفي اللسان (أتم) : " لم تيأس " بالياء المثناة ، وهو خطأ .

(2/194)


1205 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، أن ابن زيد أنشده :
قعود لدى الأبواب طلاب حاجة... عوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا (1)
قال أبو جعفر : والبيت للفرزدق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوله أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1206 - حدثنا علي بن سعيد الكندي ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن خصيف ، عن مجاهد : (عوان بين ذلك) ، وسط ، قد ولدت بطنا أو بطنين. (2)
1207 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (عوان) ، قال : " العوان " : العانس النصف.
1208 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " العوان " ، النصف.
1209 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - أو عكرمة ، شك شريك - (عوان) ، قال : بين ذلك.
1210 - حُدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (عوان) ، قال : بين الصغيرة والكبيرة ، وهى أقوى
__________
(1) ديوان الفرزدق : 227 ، وطبقات فحول الشعراء : 256 ، وتاريخ الطبري : 138 ، وغيرها . وسيأتي في 7 : 188 (بولاق) ، والشعر في زياد ، وقبله : دعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لأقربه ما ساق ذو حسب وفرا
وعند زياد ، لو يريد عطاءهم ، ... رجال كثير قد يرى بهمُ فقرا
ويروى : قعودا ، ورواية ابن سلام " طالب حاجة " ، ونصب " أو حاجة بكرا " عطفا على محل " حاجة عوان " ، فمحلها نصب بقوله : " طلاب " .
(2) الخبر : 1206 - " على بن سعيد الكندي " : ترجمنا له في : 1184 ، وفي الأصول هنا " سعد " بدل " سعيد " ، وهو خطأ .

(2/195)


ما تكون من البقر والدواب ، وأحسن ما تكون.
1211 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني عن ابن عباس : (عوان) ، قال : النصف.
1212 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (عوان) نَصَف.
1213 - وحُدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله.
1214 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : " العوان " ، نَصَف بين ذلك.
1214 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن مجاهد : (عوان) ، التي تنتج شيئا بشرط أن تكون التي قد نتجت بكرة أو بكرتين.
1215 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " العوان " ، النصَف التي بين ذلك ، التي قد ولدت وولد ولدُها.
1216 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " العوان " ، بين ذلك ، ليست ببكر ولا كبيرة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { بَيْنَ ذَلِكَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (بين ذلك) بين البكر والهرمة ، كما : -
1217 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (بين ذلك) ، أي بين البكر والهرمة.
* * *
فإن قال قائل : قد علمت أن " بين " لا تصلح إلا أن تكون مع شيئين

(2/196)


فصاعدا ، فكيف قيل " بين ذلك " و " ذلك " واحد في اللفظ ؟
قيل : إنما صلحت مع كونها واحدة ، لأن " ذلك " بمعنى اثنين ، والعرب تجمع في " ذلك " و " ذاك " شيئين ومعنيين من الأفعال ، كما يقول القائل : " أظن أخاك قائما ، وكان عمرو أباك " ، (1) ثم يقول : " قد كان ذاك ، وأظن ذلك " . فيجمع ب " ذلك " و " ذاك " الاسم والخبر ، الذي كان لا بد لـ " ظن " و " كان " منهما . (2)
* * *
فمعنى الكلام : قال : إنه يقول إنما بقرة لا مسنة هرمة ، ولا صغيرة لم تلد ، ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن ، بين الهرم والشباب. فجمع " ذلك " معنى الهرم والشباب لما وصفنا ، ولو كان مكان الفارض والبكر اسما شخصين ، لم يجمع مع " بين " ذلك. وذلك أن " ذلك " لا يؤدي عن اسم شخصين ، وغير جائز لمن قال : " كنت بين زيد وعمرو " ، أن يقول : " كنت بين ذلك " ، وإنما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) }
قال أبو جعفر : يقول الله لهم جل ثناؤه : افعلوا ما آمركم به ، تدركوا حاجاتكم وطلباتكم عندي ؛ واذبحوا البقرة التي أمرتكم بذبحها ، تصلوا - بانتهائكم إلى طاعتي بذبحها - إلى العلم بقاتل قتيلكم.
* * *
__________
(1) عبارة الفراء هنا أوضح قال : فلا بد لـ " كان " من شيئين " ، ولا بد لـ " أظن " من شيئين ثم يجوز أن تقول : " قد كان ذاك ، وأظن ذلك " . معاني القرآن 1 : 45 .
(2) كان في المطبوعة : " الذي كان لا بد للظن وكان منهما " ، وهو كلام يضطرب .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 45 .

(2/197)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

القول في تأويل قوله تعالى : { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ }
قال أبو جعفر : ومعنى ذلك : قال قوم موسى لموسى : ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ؟ أي لون البقرة التي أمرتنا بذبحها. وهذا أيضا تعنت آخر منهم بعد الأول ، وتكلف طلب ما قد كانوا كفوه في المرة الثانية والمسألة الآخرة. وذلك أنهم لم يكونوا حصروا في المرة الثانية - إذ قيل لهم بعد مسألتهم عن حلية البقرة التي كانوا أمروا بذبحها ، فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من المسألة عن صفتها ، فحصروا على نوع دون سائر الأنواع ، عقوبة من الله لهم على مسألتهم التي سألوها نبيهم صلى الله عليه وسلم ، تعنتا منهم له. ثم لم يحصرهم على لون منها دون لون ، فأبوا إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنياء ، فقالوا - تعنتا منهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن عباس - : (ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها) فقيل لهم عقوبة لهم : (إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين). فحصروا على لون منها دون لون. ومعنى ذلك : أن البقرة التي أمرتكم بذبحها صفراء فاقع لونها.
* * *
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : (يبين لنا ما لونها) ، أي شيء لونها ؟ فلذلك كان اللون مرفوعا ، لأنه مرافع " ما " . وإنما لم ينصب " ما " بقوله " يبين لنا " ، لأن أصل " أي " و " ما " ، جمع متفرق الاستفهام. يقول القائل (1) بين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء ؟ فلما لم يكن لقوله : " بين لنا " أن يقع على الاستفهام متفرقا ، لم يكن له أن يقع على " أي " ، لأنه جمع ذلك المتفرق. (2) وكذلك كل ما كان من نظائره فالعمل فيه واحد ، في " ما " و " أي " .
__________
(1) في الأصل المطبوعة " كقول القائل " ، وهو فساد .
(2) كانت هذه الجملة في المطبوعة : " فلما لم يكن كقوله : بين لنا ، ارتفع على الاستفهام منصرفا ، لم يكن له ارتفع على أي . . " ، وهو كلام ضرب عليه التصحيف ضربا . وانظر ما جاء في معاني الفراء 1 : 46 - 48 ، ففيه بيان شاف كاف .

(2/198)


واختلف أهل التأويل في معنى قوله : (صفراء). فقال بعضهم : معنى ذلك سوداء شديدة السواد.
* ذكر من قال ذلك منهم :
1218 - حدثني أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدري قال ، حدثنا نوح بن قيس ، عن محمد بن سيف ، عن الحسن : (صفراء فاقع لونها) ، قال : سوداء شديدة السواد. (1)
1219 - حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائده. والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا نوح بن قيس ، عن محمد بن سيف ، عن أبي رجاء ، عن الحسن مثله. (2)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : صفراء القرن والظلف.
* ذكر من قال ذلك :
1220 - حدثني هشام بن يونس النهشلي قال ، حدثنا حفص بن غياث ، عن أشعث ، عن الحسن في قوله : (صفراء فاقع لونها) ، قال : صفراء القرن والظلف. (3)
1221 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثني هشيم قال ، أخبرنا جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن في قوله : (صفراء فاقع لونها) ، قال : كانت وحشية. (4)
__________
(1) الخبر : 1218 - أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدري البصري : ثقة ، روى عنه أيضًا النسائي وأبو حاتم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 200 مات سنة 248 . نوح بن قيس بن رباح الأزدي الحداني : ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 /111 - 112 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 483 .
(2) الخبر : 1219 - أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي يحيى بن أبي زائدة : ثقة ، روى عنه أبو حاتم وغيره ، وذكر بعضهم أن البخاري روى عنه . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/601 - 602 . مسلم بن إبراهيم : هو الأزدي الفراهيدي الحافظ . محمد بن سيف عن أبي رجاء " . وهو خطأ ، صوابه حذف " عن " .
(3) الخبر : 1220 - هشام بن يونس بن وابل النهشلي اللؤلؤي : ثقة ، روى عنه الترمذي ، وسمع منه أبو حاتم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 72 .
(4) الخبر : 1221 - كثير بن زياد أبو سهل البرساني - بضم الموحدة وسكون الراء - الأزدي العتكي : ثقة من أكابر أصحاب الحسن . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 /215 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 151 . والإسناد ضعيف ، من أجل " جويبر بن سعيد " ، كما ذكرنا ضعفه في : 284 . وسيأتي قريبا برقم : 1254 .

(2/199)


1222 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن إبراهيم ، عن أبي حفص ، عن مغراء - أو عن رجل - ، عن سعيد بن جبير : (بقرة صفراء فاقع لونها) ، قال : صفراء القرن والظلف. (1)
1223 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : هي صفراء.
1224 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (إنها بقرة صفراء فاقع لونها) ، قال : لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم.
* * *
قال أبو جعفر : وأحسب أن الذي قال في قوله : (صفراء) ، يعني به سوداء ، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود : (2) " هذه إبل صفر ، وهذه ناقة صفراء " يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة ، ومنه قول الشاعر : (3)
تلك خيلي منه وتلك ركابي... هن صفر أولادها كالزبيب (4)
__________
(1) الخبر : 1222 - مروان بن معاوية : هو الفزاري الكوفي الحافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق والأئمة . مغراء ، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة : تابعي روى عن ابن عمر ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 65 ، وابن أبي حاتم 4 / 1/429 ، فلم يذكروا فيه جرحا . ولكن هذا الإسناد ضعيف ، لتردد الراوي : أنه عن مغراء ، أو عن رجل ، فتردد بين ثقة وبين مبهم
(2) في المطبوعة : " ذهب إلى قوله " ، وليس بشيء .
(3) هو الأعشى الكبير .
(4) ديوانه : 219 ، والأضداد : 138 ، واللسان (صفر) ، وغيرها . من قصيدة يمدح بها أبا الأشعث قيس بن معد يكرب الكندي . وكان في الأصل : " تلك خيلي منها " وهو خطأ ، فسياق الشعر : إن قيسا ، قيس الفعال أبا الأشـ ... عث أمست أمداؤه لِشعوب
كل عام يمدني بجموم ... عند وضع العنان أو بنجيب
تلك خيلي منه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما أظن الطبري يخطئ في رواية هذا الشعر ، والركاب : الإبل التي يسار عليها ، لا واحد لها من لفظها ، واحدتها راحلة . والزبيب : ذاوي العنب ، وأسوده أجوده ، ولكنه ليس خالص السواد . يقول : كل ما أملك من خيل ، ومن إبل قد ولدت لي خير ما تلد الإبل ، فهو من جود أبي الأشعث .

(2/200)


يعني بقوله : " هن صفر " هن سود وذلك إن وصفت الإبل به ، فليس مما توصف به البقر. مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع ، وإنما تصف السواد - إذا وصفته - بالشدة بالحلوكة ونحوها ، فتقول : " هو أسود حالك وحانك وحُلكوك ، وأسود غِربيب ودَجوجي " - ولا تقول : هو أسود فاقع. وإنما تقول : " هو أصفر فاقع " . فوصفه إياه بالفقوع ، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله : (إنها بقرة صفراء فاقع) المتأول ، بأن معناه سوداء شديدة السواد. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَاقِعٌ لَوْنُهَا }
قال أبو جعفر : يعني خالص لونها. و " الفقوع " في الصفر ، نظير النصوع في البياض ، وهو شدته وصفاؤه ، كما : -
1225 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال قتادة : (فاقع لونها) ، هي الصافي لونها.
1226 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (فاقع لونها) ، أي صاف لونها.
1227 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله.
1228 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فاقع) ، قال : نقي لونها.
1229 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس : (فاقع لونها) ، شديدة الصفرة ، تكاد
__________
(1) مجرى العبارة : الذي تأول المتأول بأن معناه . " المتأول " فاعل مرفوع .

(2/201)


من صفرتها تَبْيَضُّ. وقال أبو جعفر : أُراه أبيض! (1)
1230 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (فاقع لونها) ، قال : شديدة صفرتها .
* * *
يقال منه : " فقع لونه يفقع ويفقع فقعا وفقوعا ، فهو فاقع ، كما قال الشاعر :
حملت عليه الوَرد حتى تركته... ذليلا يسُف الترب واللون فاقع (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (تسر الناظرين) ، تعجب هذه البقرة - في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها - الناظر إليها ، كما : -
1231 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (تسر الناظرين) ، أي تعجب الناظرين.
1232 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا : (تسر الناظرين) ، إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
1233 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (تسر الناظرين) ، قال : تعجب الناطرين.
* * *
__________
(1) كأن أبا جعفر أراد أن يعترض على قوله : " تكاد من صفرتها تبيض " ، فقال ما معناه : لو صح ذلك لكان قوله : " فاقع لونها " ، أي أبيض ، والصفرة تشتد ، فإذا خفت ابيضت . هذا هو معنى ما قاله فيما أرجح .
(2) لم أعرف قائله . والورد : فرسه .

(2/202)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

القول في تأويل قوله تعالى : { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (قالوا) قال قوم موسى - الذين أمروا بذبح البقرة - لموسى. فترك ذكر موسى ، وذكر عائد ذكره ، اكتفاء بما دل عليه ظاهر الكلام. وذلك أن معنى الكلام : قالوا له : " ادع ربك " . فلم يذكر " له " لما وصفنا.
وقوله : (يبين لنا ما هي) ، خبر من الله عن القوم بجهلة منهم ثالثة. وذلك أنهم لو كانوا ، إذ أمروا بذبح البقرة ، ذبحوا أيتها تيسرت مما يقع عليه اسم بقرة ، كانت عنهم مجزئة ، ولم يكن عليهم غيرها ، لأنهم لم يكونوا كلفوها بصفة دون صفة. فلما سألوا بيانها بأي صفة هي ، بين لهم أنها بسن من الأسنان دون سن سائر الأسنان ، (1) فقيل لهم : هي عوان بين الفارض والبكر والضرع. (2) فكانوا - إذْ بينت لهم سنها - لو ذبحوا أدنى بقرة بالسن التي بينت لهم ، كانت عنهم مجزئة ، لأنهم لم يكونوا كلفوها بغير السن التي حدت لهم ، ولا كانوا حصروا على لون منها دون لون. فلما أبوا إلا أن تكون معرفة لهم بنعوتها ، مبينة بحدودها التي تفرق بينها وبين سائر بهائم الأرض ، فشددوا على أنفسهم - شدد الله عليهم بكثرة سؤالهم نبيهم واختلافهم عليه. ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته : -
1234 - " ذروني ما تركتكم ، فإنما أُهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوه ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم " . (3)
__________
(1) في المطبوعة : " فبين لهم أنها بسن . . " ، والفاء لا مكان لها هنا .
(2) الضرع : الضعيف الضاوي الجسم .
(3) الحديث : 1234 - رواه هنا دون إسناد . وهو من حديث أبي هريرة . ووقع في آخره خطأ ، قلب معناه . واللفظ الصحيح ، بالمعنى الصحيح ؛ " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " . هذا لفظ البخاري . وقد أفاض الحافظ في شرحه ، في الفتح 13 : 219 - 226 . ورواه أيضًا أحمد : 7361 ، بنحو معناه . وأشرنا هناك إلى كثير من طرقه في المسند وغيره وكذلك رواه مسلم 2 : 221 ، بنحوه ، من طرق . وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه ، من طرق : 17 ، 18 ، 19 ، 20 (بتحقيقنا) وفي رواية ابن حبان : 17 ، " قال ابن عجلان : فحدثت به أبان بن صالح ، فقال لي : ما أجود هذه الكلمة ، قوله : فأتوا منه ما استطعتم " . وهو الحديث التاسع من الأربعين النووية ، وقد شرحه ابن رجب ، في جامع العلوم والحكم ، شرحا مسهبا . ولعل الخطأ الذي وقع هنا خطأ من الناسخين . فما أظن الطبري يخفي عليه ما في هذا اللفظ من تهافت .

(2/203)


قال أبو جعفر : ولكن القوم لما زادوا نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم أذى وتعنتا ، زادهم الله عقوبة وتشديدا ، كما : -
1235 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثام بن علي ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها ، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
1236 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر قال ، سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عَبيدة قال : لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. (1)
1237 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر عن أيوب -
1238 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن هشام بن حسان جميعا ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني قال : سألوا وشددوا فشدد الله عليهم.
1239 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال : لو أخذ بنو إسرائيل بقرة
__________
(1) الخبر : 1236 - جاء شيخ الطبري هنا باسم " عمرو بن عبد الأعلى " ! وما وجدت راويا يسمى بهذا . وإنما هو " محمد بن عبد الأعلى الصنعاني " ، من شيوخ مسلم وأبي داود وغيرهما ، كما مضى مثل هذا الإسناد على الصواب : 1172 . ومحمد بن عبد الأعلى : بصري ثقة ، مات سنة 245 ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 1 / 174 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 /16 .

(2/204)


لأجزأت عنهم. ولولا قولهم : (وإنا إن شاء الله لمهتدون) ، لما وجدوها.
1240 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) ، لو أخذوا بقرة ما كانت ، لأجزأت عنهم.(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر) ، قال : لو أخذوا بقرة من هذا الوصف لأجزأت عنهم.(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) ، قال : لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم.(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث) الآية.
1241 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه ، وزاد فيه : ولكنهم شددوا فشدد عليهم.
1242 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثتي حجاج قال ، قال ابن جريج قال ، مجاهد : " لو أخذوا بقرة مَّا كانت أجزأت عنهم. قال ابن جريج ، قال لي عطاء : لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أمروا بأدنى بقرة ، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شُدد الله عليهم ؛ وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " . (1)
1243 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا
__________
(1) الخبر : 1242 - جاء في آخره حديث مرفوع ، ذكره ابن جريج . وهو مرسل لا تقوم به حجة . وسيأتي أيضًا : 1244 ، عن قتادة مرسلا . وذكر معناه ابن كثير 1 : 203 ، من تفسيرى ابن أبي حاتم وابن مردويه ، بإسناديهما ، من رواية الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، مرفوعا ، بنحوه . قال ابن كثير : " وهذا حديث غريب من هذا الوجه . وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي " .

(2/205)


بقرة فذبحوها لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : (وإنا إن شاء الله لمهتدون) ، لما هدوا إليها أبدا.
1244 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إنما أمر القوم بأدنى بقرة ، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم. والذي نفس محمد بيده ، لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد.
1245 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم.
1246 - حدثنا أبو كريب قال ، قال أبو بكر بن عياش ، قال ابن عباس : لو أن القوم نظروا أدنى بقرة - يعني بني إسرائيل - لأجزأت عنهم ، ولكن شددوا فشدد عليهم ، فاشتروها بملء جلدها دنانير. (1)
1247 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لو أخذوا بقرة كما أمرهم الله كفاهم ذلك ، ولكن البلاء في هذه المسائل ، فقالوا : (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) ، فشدد عليهم ، فقال : (إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك) ، فقالوا : ( ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ، قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) ، قال : وشدد عليهم أشد من الأول ، فقرأ حتى بلغ : (مسلمة لا شية فيها) فأبوا أيضا فقالوا : (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) فشدد عليهم ، فقال : " إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها) ،
__________
(1) الخبر : 1246 - هذا الإسناد منقطع بين أبي بكر بن عياش وابن عباس ، كما هو ظاهر لأن ابا بكر يروى عن التابعين ، ومولده بعد موت ابن عباس بدهر . وهذا الخبر ذكره السيوطي 1 : 77 ، ونسبه لابن جرير ، وابن أبي حاتم " من طرق " .

(2/206)


قال : فاضطروا إلى بقرة لا يعلم على صفتها غيرها ، وهي صفراء ، ليس فيها سواد ولا بياض. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه - من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم ، من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله ، فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، على العموم الظاهر ، دون الخصوص الباطن ، (2) إلا أن يخص ، بعض ما عمه ظاهر التنزيل ، كتاب من الله أو رسولُ الله ، وأن التنزيل أو الرسول ، إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر ، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمت ذلك الجنس خاصة ، وسائر حكم الآية على العموم ؛ على نحو ما قد بيناه في كتابنا(كتاب الرسالة) من(لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام) - في قولنا في العموم والخصوص ، وموافقة قولهم في ذلك قولنا ، ومذهبهم مذهبنا ، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام ، وشهادتهم على فساد قول من قال : حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم ، ما لم يختص منها بعض ما عمته الآية. فإن خص منها بعض ، فحكم الآية حينئذ على الخصوص .
وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا - ممن عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنها وحليتها - رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك مخطئين ، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر - إذ أمروا بذبحها بقوله : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) ، فذبحوها - كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك
__________
(1) الأثر : 1247 - سيأتي تمامه في رقم : 1273 .
(2) انظر ما مضى في تفسير " الظاهر ، والباطن " : 2 : 15 والمراجع .

(2/207)


مؤدين ، وللحق مطيعين ، إذْ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع ، وسن دون سن.
ورأوا مع ذلك أنهم - إذْ سألوا موسى عن سنها فأخبرهم عنها ، وحصرهم منها على سن دون سن ، ونوع دون نوع ، وخص من جميع أنواع البقر نوعا منها - كانوا في مسألتهم إياه في المسألة الثانية ، بعد الذي خص لهم من أنوع البقر ، من الخطأ على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسألتهم إياه المسألة الأولى.
وكذلك رأوا أنهم في المسألة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الأولى والثانية ، وأن اللازم كان لهم في الحالة الأولى ، استعمال ظاهر الأمر ، وذبح أي بهيمة شاؤوا مما وقع عليها اسم بقرة.
وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية ، استعمال ظاهر الأمر وذبح أي بهيمة شاؤوا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر ، ولم يروا أن حكمهم - إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية - انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الأولى ، من استعمال ظاهر الأمر إلى الخصوص. ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك - مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم - دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص ، وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه - فيما أمر ونهى - على العموم ، ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له. وأنه إذا خص منه شيء ، فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر ، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام - ومؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك ، (1) وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه.
__________
(1) في المطبوعة : " ويؤيد حقيقة ما قلنا . . . " ، وهو خطأ ، وقوله " مؤيد حقيقة ما قلنا " معطوف على قوله آنفًا : " ففي إجماع جميعهم . . دليل واضح . . ومؤيد حقيقة ما قلنا . . وشاهد عدل . . " .

(2/208)


وقد زعم بعض من عظمت جهالته ، واشتدت حيرته ، أن القوم إنما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر ، لأنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها خصت بذلك ، كما خصت عصا موسى في معناها ، فسألوه أن يحليها لهم ليعرفوها.
ولو كان الجاهل تدبر قوله هذا ، لسهل عليه ما استصعب من القول. وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبيهم ما سألوه تشددا منهم في دينهم ، ثم أضاف إليهم من الأمر ما هو أعظم مما استنكره أن يكون كان منهم. فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله عليهم فرضا ، ويتعبدهم بعبادة ، ثم لا يبين لهم ما يفرض عليهم ويتعبدهم به ، حتى يسألوا بيان ذلك لهم! فأضاف إلى الله تعالى ذكره ما لا يجوز إضافته إليه ، ونسب القوم من الجهل إلى ما لا ينسب المجانين إليه ، فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض عليهم الفرائض ، فنعوذ بالله من الحيرة ، ونسأله التوفيق والهداية.
* * *
وأما قوله : (إن البقر تشابه علينا) ، فإن " البقر " جماع بقرة.
وقد قرأ بعضهم : (إن الباقر) ، وذلك - وإن كان في الكلام جائزا ، لمجيئه في كلام العرب وأشعارها ، كما قال ميمون بن قيس : (1)
وما ذنبه أن عافت الماء باقر... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا (2)
__________
(1) يعني الأعشى الكبير .
(2) ديوانه : 90 ، والحيوان 1 : 19 (وانظر أيضًا 1 : 301 ، 6 : 174) ، واللسان (ثور) وغيرها . من قصيدة يقولها لبني قيس بن سعد ، وما كان بينه وبينهم من قطيعة بعد مواصلة ومودة ، وقبل البيت : وإني وما كلفتموني - وربكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحربا
لكالثور ، والجِنِّيّ يضرب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا
قال الجاحظ : " كانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب ، إما لكدر الماء أو لقلة العطش ، ضربوا الثور ليقتحم ، لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل ، وكما تتبع أتن الوحش الحمار . . وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء ، حتى تمسك البقر عن الشرب ، حتى تهلك . . كأنه قال : إذا كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء ، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب " .

(2/209)


وكما قال أمية : (1)
ويسوقون باقر السهل للط... ود مهازيل خشية أن تبورا (2)
- فغير جائزة القراءة به لمخالفته القراءة الجائية مجيء الحجة ، بنقل من لا يجوز - عليه فيما نقلوه مجمعين عليه - الخطأ والسهو والكذب .
* * *
وأما تأويل : (تشابه علينا) ، فإنه يعني به ، التبس علينا. والقَرَأَة مختلفة في تلاوته. (3) فبعضهم كانوا يتلونه : " تشابه علينا " ، بتخفيف الشين ونصب الهاء على مثال " تفاعل " ، ويُذَكِّر الفعل ، وإن كان " البقر " جماعا. لأن من شأن العرب تذكير كل فعل جمع كانت وحدانه بالهاء ، وجمعه بطرح الهاء - وتأنيثه ، (4) كما قال الله تعالى في نظيره في التذكير : ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) [ القمر : 20] ، فذكر " المنقعر " وهو من صفة النخل ، لتذكير لفظ " النخل " - وقال في موضع آخر : ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) [ الحاقة : 7] ، فأنث " الخاوية " وهي من صفة " النخل " - بمعنى النخل. (5) لأنها وإن كانت في لفظ الواحد المذكر - على ما وصفنا قبل - فهي جماع " نخلة " .
* * *
__________
(1) يعني : أمية بن أبي الصلت .
(2) ديوانه : 35 ، والحيوان 4 : 467 ، والأزمنة والأمكنة 2 : 124 ، وغيرها . وفي الأصل المطبوع : " باقر الطود للسهل " ، وفي الديوان والحيوان " باقرا يطرد السهل " ، وصواب الرواية ما أثبته من الأزمنة . قال الجاحظ في ذكر نيران العرب : " " ونار أخرى : وهي النار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى . فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات ، وركد عليهم البلاء ، واشتد الجدب ، واحتاجوا إلى الاستمطار ، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ، ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السلع والعشر ، ثم صعدوا بها في جبل وعر ، وأشعلوا فيها النيران ، وضجوا بالدعاء والتضرع ، فكانوا يرون أن ذلك من أسباب السقيا " ، وقال ابن الكلبي : " كانوا يضرمون تفاؤلا للبرق " والمهازيل جمع مهزول ، مثل هزيل وجمعه هزلي : وهي التي ضعفت ضعفا شديدا وذهب سمنها . وتبور : تهلك .
(3) في المطبوعة : " والقراء " ، ورددتها إلى ما جرى عليه لفظ الطبري ، كما سلف مرارا .
(4) وحدان جمع واحد : ويعني أفراده . وقوله " وتأنيثه " معطوف على قوله " تذكير كل فعل " .
(5) السياق : " فأنث (الخاوية) . . بمعنى النخل " ، يعني أنثها من أجل معناه وهو جمع مؤنث ، ولم يذكره من أجل لفظه ، وهو مذكر .

(2/210)


وكان بعضهم يتلوه : (إن البقر تشَّابهُ علينا) ، بتشديد الشين وضم الهاء ، فيؤنث الفعل بمعنى تأنيث " البقر " ، كما قال : (أعجاز نخل خاوية) ، ويدخل في أول " تشابه " تاء تدل على تأنيثها ، ثم تدغم التاء الثانية في " شين " " تشابه " لتقارب مخرجها ومخرج " الشين " فتصير " شينا " مشددة ، وترفع " الهاء " بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب.
* * *
وكان بعضهم يتلوه : (إن البقر تشَّابهُ علينا) ، فيخرج " يشابه " مخرج الخبر عن الذكر ، لما ذكرنا من العلة في قراءة من قرأ ذلك : (تشابه) بالتخفيف ونصب " الهاء " ، غير أنه كان يرفعه ب " الياء " التي يحدثها في أول " تشابه " التي تأتي بمعنى الاستقبال ، وتدغم " التاء " في " الشين " كما فعله القارئ في " تشابه " ب " التاء " والتشديد.
* * *
قال ابو جعفر : والصواب في ذلك من القراءة عندنا : (إن البقر تَشَابَهَ علينا) ، بتخفيف " شين " " تشابه " ونصب " هائه " ، بمعنى " تفاعل " ، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك ، ودفعهم ما سواه من القراءات. (1) ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ.
* * *
وأما قوله : (وإنا إن شاء الله لمهتدون) ، فإنهم عنوا : وإنا إن شاء الله لمبين لنا ما التبس علينا وتشابه من أمر البقرة التي أمرنا بذبحها. ومعنى " اهتدائهم " في هذا الموضع معنى : " تبينهم " أي ذلك الذي لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ورفعهم " ، والصواب ما أثبته .
(2) يعني أن ذلك من قولهم : هداه ، أي بين له ، ومنه قوله تعالى : " وأما ثمود فهد يناهم " ، أي بينا لهم طريق الهدى .

(2/211)


قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : قال موسى : إن الله يقول إن البقرة التي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول.
ويعني بقوله : (لا ذلول) ، أي لم يذللها العمل. فمعنى الآية : إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض بأظلافها ، ولا سُنِيَ عليها الماء فيُسقى عليها الزرع. (1) كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب أو العمل : " دابة ذلول بينة الذِّل " بكسر الذال. (2) ويقال في مثله من بني آدم : " رجل ذليل بين الذِّل والذلة " .
1248 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (إنها بقرة لا ذلول) ، يقول : صعبة لم يذلها عمل ، (تثير الأرض ، ولا تسقي الحرث).
1249 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض) ، يقول : بقرة ليست بذلول يزرع عليها ، وليست تسقي الحرث.
1250 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (إنها بقرة لا ذلول) ، أي لم يذللها العمل.(تثير الأرض) يعني : ليست بذلول فتثير الأرض.(ولا تسقي الحرث) يقول : ولا تعمل في الحرث.
1251 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن
__________
(1) سنت الناقة تسنو ، وسنا الرجل يسنو سنوا وسناية : إذا سقى الأرض . والسانية : هي الناضحة ، وهي الناقة أو غيرها مما يسقى عليها الزرع ، والجمع : السواني .
(2) الذل : اللين ، ضد الصعوبة .

(2/212)


الربيع : (إنها بقرة لا ذلول) يقول : لم يذلها العمل ، (تثير الأرض) يقول : تثير الأرض بأظلافها ، (1) (ولا تسقي الحرث) ، يقول : لا تعمل في الحرث.
1252 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال الأعرج ، قال مجاهد ، قوله : (لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث) ، يقول : ليست بذلول فتفعل ذلك.
1253 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : ليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
* * *
قال أبو جعفر : ويعني بقوله : (تثير الأرض) ، تقلب الأرض للحرث. يقال منه : " أثرت الأرض أثيرها إثارة " ، إذا قلبتها للزرع. وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة ، لأنها كانت - فيما قيل - وَحشِيّة.
1254 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن قال : كانت وحشية. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مُسَلَّمَةٌ }
قال أبو جعفر : ومعنى " مسلمة " " مفعلة " من " السلامة " . يقال منه : " سُلِّمت تسلم فهي مسلمة.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سلمت منه ، فوصفها الله بالسلامة منه. فقال مجاهد بما : -
1255 - حدثنا به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " مسلمة " ، يقول : مسلمة من الشية ، و(لا شية فيها) ،
__________
(1) في المطبوعة : " تبين الأرض " ، وهو تصحيف .
(2) الأثر : 1254 - سلف قريبا برقم : 1221 .

(2/213)


لا بياض فيها ولا سواد.
1256 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1257 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : (مسلمة) ، قال : مسلمة من الشية ، (لا شية فيها) لا بياض فيها ولا سواد.
* * *
وقال آخرون : مسلمة من العيوب.
* ذكر من قال ذلك :
1258 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (مسلمة لا شية فيها) ، أي مسلمة من العيوب.
1259 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (مسلمة) ، يقول : لا عيب فيها.
1260 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (مسلمة) ، يعني مسلمة من العيوب.
1261 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله.
1262 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس قوله : (مسلمة) ، لا عَوَارَ فيها. (1)
* * *
قال أبو جعفر : والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك ، أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد. لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها ، لكان في قوله : (مسلمة) مُكْتَفًى عن قوله : (لا شية فيها). وفي قوله : (لا شية فيها) ، ما يوضح عن أن معنى قوله : (مُسَلَّمة) ، غير معنى قوله : (لا شية فيها) ، وإذ كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام : إنه
__________
(1) العوار (بفتح العين ، وتضم) : العيب .

(2/214)


يقول : إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض وقلبها للحراثة ، ولا السنو عليها للمزارع ، (1) وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لا شِيَةَ فِيهَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (لا شية فيها) ، لا لون فيها يخالف لون جلدها. وأصله من " وشي الثوب " ، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه ، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته ، (2) يقال منه : " وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا " ، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره : " واش " ، لكذبه عليه عنده ، وتحسينه كذبه بالأباطيل. يقال منه : " وشيت به إلى السلطان وشاية " . ومنه قول كعب بن زهير :
تسعى الوشاة جَنَابَيْها وقولهُمُ... إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتول (3)
و " الوشاة جمع واش " ، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل ، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قتله.
وقد زعم بعض أهل العربية أن " الوشي " ، العلامة. وذلك لا معنى له ، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام. لأنه معلوم أن القائل : " وشيت بفلان إلى فلان " غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد : جعلت له عنده علامة.
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء : 211 تعليق : 1 .
(2) السدَى : الأسفل من الثوب ، واللُّحمة : الأعلى منه يداخل السدَى .
(3) ديوانه : 19 ، وسيرة ابن هشام 4 : 153 ، والروض الأنف 2 : 314 ، والفائق (قحل) ورواية الديوان " بجنبيها " ورواية ابن هشام : " تسعى الغواة " . وقوله : " جنابيها " . والجناب : الناحية ، ويريد ناحية الجنب . يقال : " جنبيه ، وجانبيه ، وجنابيه ، . والضمير في قوله : " جنابيها " لناقته التي ذكرها قبل . وقوله : " وقولهم : إنك . . " ، حال ، أي : وهم يقولون ، والمعنى يكثرون القول عليه : إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول ، كأنهم لا يقولون غير ذلك ، ترهيبا له وتخويفا .

(2/215)


وإنما قيل : (لا شية فيها) وهي من " وشيت " ، لأن " الواو " لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها " الهاء " في آخرها. كما قيل : " وزنته زنة " و " وسن سِنة " (1) و " وعدته عِدة " و " وديته دِية " .
* * *
وبمثل الذي قلنا في معنى قوله : (لا شية فيها) ، قال أهل التأويل :
1263 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (لا شية فيها) ، أي لا بياض فيها.
1264 - حدثنا الحسن قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله.
1265 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (لا شية فيها) ، يقول : لا بياض فيها.
1266 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (لا شية فيها) أي لا بياض فيها ولا سواد.
1267 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1268 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية : (لا شية فيها) ، قال : لونها واحد ، ليس فيها سوى لونها.
1269 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (لا شية فيها) ، من بياض ولا سواد ولا حمرة.
1270 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (لا شية فيها) ، هي صفراء ، ليس فيها بياض ولا سواد.
1271 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (لا شية فيها) ، يقول : لا بياض فيها.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ووسيته سية " ، وهو كلام لا أصل له ، وكأنه مصحف ما أثبت .

(2/216)


القول في تأويل قوله تعالى : { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (قالوا الآن جئت بالحق). فقال بعضهم : معنى ذلك : الآن بينت لنا الحق فتبيناه ، وعرفنا أية بقرة عنيت. (1) وممن قال ذلك قتادة :
1272 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (قالوا الآن جئت بالحق) ، أي الآن بينت لنا.
* * *
وقال بعضهم : ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه ، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك. وممن روي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد :
1273 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : اضطروا إلى بقرة لا يعلمون على صفتها غيرها ، وهي صفراء ليس فيها سواد ولا بياض ، فقالوا : هذه بقرة فلان : (الآن جئت بالحق) ، وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين عندنا بقوله : (قالوا الآن جئت بالحق) ، قول قتادة. وهو أن تأويله : الآن بينت لنا الحق في أمر البقر ، فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها. (3) لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها ، بعد
__________
(1) في المطبوعة : " فتبيناه وعرفناه أنه بقرة عينت " ، تصحيف وتحريف ، وهو فاسد جدا . مضى في ص " 209 نقض الطبري لقول من زعم أنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها . فسألوه أن يصفها لهم ليعرفوها ، وسمى قائل ذلك : جاهلا ، وشفى في بيان جهله ، فلو كان الله تعالى " عينها " لهم ، لبين لهم ما عين ، إذا أمر بذبحها .
(2) الأثر : 1273 - بعض الأثر : 1247 ، وهنا زيادة عليه من تمامه .
(3) في المطبوعة : " الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة ، فعرفنا أنها الواجب علينا ذبحها منها " ، و " البقرة " و " أنها " تصحيف وتحريف ، يفسد معنى ما قال الطبري ىنفا ص : 209 ، وما سيأتي بعد هذه الجملة . وانظر التعليق السالف رقم : 1 .

(2/217)


قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم ، وثقل أمرها ، فقال : (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ، وإن كانوا قد قالوا - بقولهم : الآن بينت لنا الحق - هراء من القول ، وأتوا خطأ وجهلا من الأمر. وذلك أن نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبينا لهم - في كل مسألة سألوها إياه ، ورد رادوه في أمر البقر - (1) الحق. وإنما يقال : " الآن بينت لنا الحق " لمن لم يكن مبينا قبل ذلك ، فأما من كان كل قيله - فيما أبان عن الله تعالى ذكره - حقا وبيانا ، فغير جائز أن يقال له في بعض ما أبان عن الله في أمره ونهيه ، وأدى عنه إلى عباده من فرائضه التي أوجبها عليهم : (الآن جئت بالحق) ، كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك!
* * *
وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى : (الآن جئت بالحق) ، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر.
وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال ، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها ، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (فذبحوها) ، فذبح قوم موسى البقرة ، التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها.
ويعني بقوله : (وما كادوا يفعلون) ، أي : قاربوا أن يَدَعوا ذبحها ، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم ، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك. فقال بعضهم : ذلك السبب كان
__________
(1) السياق : " كان مبينا لهم . . الحق " ، ما بينهما فصل ، كعادته في الفصل .

(2/218)


غلاء ثمن البقرة التي أمروا بذبحها ، وبينت لهم صفتها.
* ذكر من قال ذلك :
1274 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا أبو معشر المدني ، عن محمد بن كعب القرظي في قوله : (فذبحوها وما كادوا يفعلون) قال : لغلاء ثمنها.
1275 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي قال ، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي : (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ، قال : من كثرة قيمتها. (1)
1276 - حدثنا القاسم قال ، أخبرنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - في حديث فيه طول ، ذكر أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض - قوله : (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ، لكثرة الثمن ، أخذوها بملء مسكها ذهبا من مال المقتول ، (2) فكان سواء لم يكن فيه فضل فذبحوها.
1277 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ، يقول : كادوا لا يفعلون ، ولم يكن الذي أرادوا ، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها : وكل شيء في القرآن " كاد " أو " كادوا " أو " لو " ، فإنه لا يكون. وهو مثل قوله : (أكاد أخفيها) [ طه : 20]
* * *
وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة ، إن أطلع الله على
__________
(1) الخبر : 1275 - محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي ، شيخ الطبري : ثقة ، روى عنه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم . مترجم في التهذيب ، ولم أجد له ترجمة في غيره . عبد العزيز ابن الخطاب الكوفي أبو الحسن : ثقة ، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 /381 . أبو معشر : هو نجيح - بفتح النون - بن عبد الرحمن السندي - بكسر السين - المدني ، وهو ضعيف . البخاري في الكبير 4 / 2 /114 ، وقال : " منكر الحديث " وابن أبي حاتم 4 /1 / 495 . محمد بن كعب القرظي : تابعي ثقة معروف .
(2) المسك (بفتح فسكون) : جلد البقرة وغيرها من الحيوان .

(2/219)


قاتل القتيل الذي اختصموا فيه إلى موسى.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من التأويل عندنا ، أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة ، للخلتين كلتيهما : إحداهما غلاء ثمنها ، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها ؛ والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم ، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله.
* * *
فأما غلاء ثمنها ، فإنه قد روي لنا فيه ضروب من الروايات.
1278 - فحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا ، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها.
1279 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : اشتروها بملء جلدها دنانير.
1280 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كانت البقرة لرجل يبر أمه ، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له ، فباعها بملء جلدها ذهبا.
1281 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال ، حدثني خالد بن يزيد ، عن مجاهد قال : أعطوا صاحبها ملء مسكها ذهبا فباعها منهم.
1282 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل ، بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول : اشتروها منه على أن يملئوا له جلدها دنانير ، ثم ذبحوها فعمدوا إلى جلد البقرة فملئوه دنانير ، ثم دفعوها إليه.
1283 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي (1)
__________
(1) في المطبوعة : محمد بن سعيد قال حدثني أبي قال حدثني يحيى " ، وهذا خطأ ، والصواب ما أثبته . وقد مضى الكلام على هذا الإسناد في 1 : 263 - 264 ، وهو كثير الدوران في تفسير الطبري " ، وسيأتي بعد في رقم : 1290على الصواب .

(2/220)


قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : وجدوها عند رجل يزعم أنه ليس بائعها بمال أبدا ، فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يسلخوا له مسكها فيملئوه له دنانير ، فرضي به فأعطاهم إياها.
1284 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : لم يجدوها إلا عند عجوز ، وإنها سألتهم أضعاف ثمنها ، فقال لهم موسى : أعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا ، واشتروها فذبحوها.
1285 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عَبيدة قال : لم يجدوا هذه البقرة إلا عند رجل واحد ، فباعها بوزنها ذهبا ، أو ملء مسكها ذهبا - فذبحوها.
1286 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني قال : وجدوا البقرة عند رجل ، فقال : إني لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا ، فاشتروها بملء جلدها ذهبا.
1287 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : جعلوا يزيدون صاحبها حتى ملئوا له مسكها - وهو جلدها - ذهبا.
* * *
وأما صغر خطرها وقلة قيمتها ، فإن الحسن بن يحيى : -
1288 - حدثنا قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة قال ، حدثني محمد بن سوقة ، عن عكرمة قال : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.
وأما ما قلنا من خوفهم الفضيحة على أنفسهم ، فإن وهب بن منبه كان يقول : إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة ، إنما قالوا لموسى : (أتتخذنا هزوا) ، لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت ، فحادوا عن ذبحها.
1289 - حدثت بذلك عن إسماعيل بن عبد الكريم ، عن عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه.
وكان ابن عباس يقول : إن القوم ، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله ،

(2/221)


وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

أنكرت قتلته قتله ، فقالوا : والله ما قتلناه ؛ بعد أن رأوا الآية والحق.
1290 - حدثني بذلك محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثتي أبي عن أبيه ، عن ابن عباس.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وإذ قتلتم نفسا) ، واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا. و " النفس " التي قتلوها ، هي النفس التي ذكرنا قصتها في تأويل قوله : (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).
* * *
وقوله : (فادارأتم فيها) ، يعني فاختلفتم وتنازعتم. وإنما هو " فتدارأتم فيها " على مثال " تفاعلتم " ، من الدرء. و " الدرء " : العوج ، ومنه قول أبي النجم العجلي :
خشية ضَغّام إذا هم جَسَر... يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر (1)
يعني : ذا العوج والعسر. ومنه قول رؤبة بن العجاج :
أدركتها قدام كل مِدْرَهِ... بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ (2)
__________
(1) لم أجد البيت في مكان ، وكان في المطبوعة . خشية طغام إذا هم حسر ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو كلام مختل . والضغام من الضغم : وهو أن يملأ فمه مما أهوى إليه . وجسر جسورا وجسارة مضى ونفذ من شدة إقدامه .
(2) ديوانه : 166 من قصيدة يصف بها نفسه . والضمير في قوله : " أدركتها " إلى ما سبق في رجزه . وَحقّةٍ ليست بقول التره
وقوله : " حقة " ، يعني خصومة أو منافرة أو مفاخرة ، أو ما أشبه ذلك . والمدره : هو المدافع الذي يقدم عند الخصومة ، بلسان أو يد . والعنجه والعنجهي : ذو الكبر والعظمة حتى كاد يبلغ الجهل والحمق ومنه العنجهية .

(2/222)


ومنه الخبر الذي : -
1291 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا مصعب بن المقدام ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن مجاهد ، عن السائب قال : جاءني عثمان وزهير ابنا أمية ، فاستأذنا لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أعلم به منكما ، ألم تكن شريكي في الجاهلية ؟ قلت : نعم ، بأبي أنت وأمي ، فنعم الشريك كنت لا تماري ولا تداري " . (1)
__________
(1) الحديث : 1291 - في هذا الإسناد ضعف ، وفي الحديث نفسه اضطراب ، كما سيأتي : أبو كريب : هو محمد بن العلاء بن كريب الحافظ ، ثقة كبير ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة ، روى عنه الطبري كثيرا . مات سنة 248 . مصعب بن المقدام الخثعمي : ثقة ، وضعفه بعضهم ، وأخرج له مسلم في صحيحه ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 354 ، وابن أبي حاتم 4 /1 / 308. إسرائيل : هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وهو ثقة حافظ معروف . إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي : ثقة ، تكلم فيه بغير حجة ، وأخرج له مسلم . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 1 / 328 ، وصرح بأنه سمع مجاهدا ، وابن أبي حاتم 1 /1 / 132 - 133 . السائب : صحابي - كما هو ظاهر من هذا الحديث وغيره ، واختلف فيه كثيرا ، فقيل : " السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ . . " ، وقيل : " السائب بن عبد الله المخزومي " ، بل قيل أيضًا : " قيس بن السائب " ! والذي جزم به البخاري في الكبير 2 / 2 / 152 واقتصر عليه : " السائب بن أبي السائب القرشي المكي ، له صحبة " . وكذلك صنع ابن أبي حاتم 2 /1 / 242 ، وقال : " منهم من يقول : له صحبة ، ومنهم من يقول : لأبيه صحبة . روى عنه مجاهد . يقال : " إنه مولى مجاهد من فوق " . وفي الإصابة 3 : 60 نقلا عن ابن أبي شيبة ، أنه روى من طريق يونس بن خباب عن مجاهد : " كنت أقود السائب ، فيقول لي : يا مجاهد . . " . ولو صح هذا لثبت اتصال الإسناد ، لكن يونس بن خباب ضعيف .
والحديث روى أحمد في المسند : 15566 (3 : 425 حلبي) نحو معناه ، بزيادة ونقص ، عن أسود بن عامر ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، " عن السائب بن عبد الله " ، ثم روى بعده مثله ، بمعناه ، مطولا ومختصرا ، من طرق ، وفي بعضها " عن مجاهد ، عن قائد السائب ، عن السائب " .
وروى أبو داود : 4836 ، نحوه ، من طريق الثوري ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن مجاهد ، عن قائد السائب ، عن السائب وقال المنذري في تهذيب السنن : 4669 " وأخرجه النسائي وابن ماجه . . وهذا الحديث قد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا . وذكر ابو عمر يوسف بن عبد البر النمري : أن هذا الحديث مضطرب جدا . . وهذا الاضطراب لا تقوم به حجة " .
وقد وقع في متن الحديث هنا خطأ ، لا ندري : أهو من الرواية ، أم من الناسخين . وذلك قوله " جاءني عثمان وزهير ابنا أمية " . فلا يوجد في الصحابة من يسمي بهذا ولا بذاك . والصواب ما في رواية المسند : 15566 " جاء بي عثمان بن عفان ، وزهير " . وزهير : هو ابن أبي أمية ، أخو أم سلمة ، أم المؤمنين ، وهي بنت أبي أمية . كما بين ذلك في الإصابة 3 : 13 - 14 ، إذ قال : " وروى ابن منده من طريق مجاهد ، عن السائب شريك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ذهب بي عثمان ، وزهير بن أبي أمية . . "
وانظر نسب قريش للمصعب ، ص : 333 . حيث جزم بأن " السائب بن أبي السائب صيفي " قتل يوم بدر كافرا ؛ وانظر أيضًا الإشارة إلى أصل القصة في الإصابة 3 : 13 - 14 ، 60 ، و 4 : 74 ، و5 : 253 - 254 . والموضوع لا يزال محتاجا إلى تحقيق وبحث .

(2/223)


يعني بقوله : " لا تداري ، لا تخالف رفيقك وشريكك ولا تنازعه ولا تشارُّه.
* * *
وإنما أصل(فادارأتم) ، فتدارأتم ، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال - وذلك أن مخرج التاء من طرف اللسان وأصول الشفتين ، ومخرج الدال من طرف اللسان وأطراف الثنيتين - فأدغمت التاء في الدال ، فجعلت دالا مشددة كما قال الشاعر :
تولي الضجيع إذا ما استافها خَصِرا... عذب المذاق إذا ما اتّابعَ القُبَل (1)
يريد إذا ما تتابع القبل ، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى. فلما أدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مثلها سكنت ، فجلبوا ألفا ليصلوا إلى الكلام بها ، وذلك إذا كان قبله شيء ، لأن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء ، ومنه قول الله جل ثناؤه : ( حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا ) [ الأعراف : 38] ، إنما هو " تداركوا " ، ولكن التاء منها أدغمت في الدال ، فصارت دالا مشددة ، وجعلت فيها ألف - إذ وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله ، وابتدئ به ، قيل : تداركوا وتثاقلوا ، فأظهروا الإدغام. وقد قيل يقال : " اداركوا ، وادارءوا " .
وقد قيل إن معنى قوله : (فادارأتم فيها) ، فتدافعتم فيها. من قول القائل : " درأت هذا الأمر عني " ، ومن قول الله : (ويدرأ عنها العذاب) [ النور : 8] ، بمعنى
__________
(1) لم أعرف قائله ، وسيأتي في 10 : 94 (بولاق) ، وفي المطبوعة هنا " اشتاقها " وهو خطأ والصحيح ما أثبته من هناك . وساف الشيء يسوفه سوفا واستافه : دنا منه وشمه . واستعاره للقبلة ، كما استعاروا الشم للقبلة ، لأن دنو الأنف يسبق ما أراد المريد . قال الراعي يصف ما يصف من القبلة يثني مُساوفها غضروف أرنبة ... شماء ، من رخصة في جيدها غيد
قال الزمخشري : " ساوفتها " ضاجعتها ، ولكنه في البيت : الذي يُقبِّل .

(2/224)


يدفع عنها العذاب. وهذا قول قريب المعنى من القول الأول. لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل ، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله ، كما قد بينا قبل قيما مضى من كتابنا هذا. (1) وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : (فادارأتم فيها) قال أهل التأويل.
1292 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (فادارأتم فيها) ، قال : اختلفتم فيها.
1293 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1294 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها) قال بعضهم : أنتم قتلتموه. وقال الآخرون : أنتم قتلتموه.
1295 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (فادارأتم فيها) ، قال : اختلفتم ، وهو التنازع ، تنازعوا فيه. قال : قال هؤلاء : أنتم قتلتموه. وقال هؤلاء : لا.
* * *
وكان تدارؤهم في النفس التي قتلوها كما : -
1296 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل ، قتله رجل فألقاه على باب ناس آخرين ، فجاء أولياء المقتول فادعوا دمه عندهم ، فانتفوا - أو انتفلوا - منه. شك أبو عاصم. (2)
1297 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) انظر ما سلف رقم : 1172 ، 1180 .
(2) انتفل من الشيء : انتفى منه وتبرأ ، وأنكر أن يكون فعله أو عرفه وفي حديث ابن عمر : " إن فلانا انتفل من ولده " أي تبرأ منه .

(2/225)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بمثله سواء - إلا أنه قال : فادعوا دمه عندهم فانتفوا - ولم يشك - منه. (1)
1298 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : قتيل كان في بني إسرائيل. فقذف كل سبط منهم [سبطا به] ، (2) حتى تفاقم بينهم الشر ، حتى ترافعوا في ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم. فأوحى الله إلى موسى : أن اذبح بقرة فاضربه ببعضها. فذكر لنا أن وليه الذي كان يطلب بدمه هو الذي قتله ، من أجل ميراث كان بينهم.
1299 - حدثني ابن سعد قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في شأن البقرة. وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثرا من المال وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم ، وكان الشيخ لا ولد له ، وكان بنو أخيه ورثته. فقالوا : ليت عمنا قد مات فورثنا ماله! وإنه لما تطاول عليهم أن لا يموت عمهم ، أتاهم الشيطان ، فقال : هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم ، فترثوا ماله ، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته ؟ - وذلك أنهما كانتا مدينتين ، كانوا في إحداهما ، فكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين ، قيس ما بين القتيل وما بين المدينتين ، فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية - وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك ، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم ، عمدوا إليه فقتلوه ، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة ، جاء بنو أخي الشيخ ، فقالوا : عمنا قتل على باب مدينتكم ، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة : نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا. وأنهم عمدوا إلى موسى ، فلما أتوا قال بنو أخي الشيخ : عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة : نقسم بالله ما قتلناه ، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا. وأن جبريل جاء بأمر ربنا السميع العليم إلى موسى ،
__________
(1) في المطبوعة : " ولم يشك فيه " ، وهو خطأ وتصحيف . " لم يشك " فاصلة بين الفعل وحرفه .
(2) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ليستقيم معناه ، وأخشى أن يكون في الأصول تحريف لم أعثر على صوابه .

(2/226)


فقال : قل لهم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها.
1300 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا حسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد - وحجاج عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : إن سبطا من بني إسرائيل ، لما رأوا كثرة شرور الناس ، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس ، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارجا إلا أدخلوه ، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وتشرف ، (1) فإذا لم ير شيئا فتح المدينة ، فكانوا مع الناس حتى يمسوا. وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير ، ولم يكن له وارث غير ابن أخيه ، فطال عليه حياته ، فقتله ليرثه ، ثم حمله فوضعه على باب المدينة ، ثم كمن في مكان هو وأصحابه. قال : فتشرف رئيس المدينة على باب المدينة ، فنظر فلم ير شيئا. ففتح الباب ، فلما رأى القتيل رد الباب : فناداه ابن أخي المقتول وأصحابه : هيهات! قتلتموه ثم تردون الباب ؟ وكان موسى لما رأى القتل كثيرا في أصحابه بني إسرائيل ، (2) كان إذا رأى القتيل بين ظهري القوم. أخذهم. فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال ، حتى لبس الفريقان السلاح ، ثم كف بعضهم عن بعض. فأتوا موسى فذكروا له شأنهم ، فقالوا : يا رسول الله ، إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة : يا رسول الله ، قد عرفت اعتزالنا الشرور ، وبنينا مدينة - كما رأيت - نعتزل شرور الناس ، ما قتلنا ولا علمنا قاتلا. فأوحى الله تعالى ذكره إليه : أن يذبحوا بقرة ، فقال لهم موسى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.
1301 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : كان في بني إسرائيل رجل عقيم وله مال كثير ، فقتله ابن أخ له ، فجره فألقاه على باب ناس آخرين.
__________
(1) تشرف الشيء واسشرفه : وضع يده على حاجبه كالذي يستظل من الشمس ، حتى يبصره ويستبينه .
(2) لعل الصواب : " كثر في أصحابه " .

(2/227)


ثم أصبحوا ، فادعاه عليهم ، حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء ، فأرادوا أن يقتتلوا ، فقال ، ذوو النهي منهم : أتقتتلون وفيكم نبي الله ؟ فأمسكوا حتى أتوا موسى ، فقصوا عليه القصة ، فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ، فقالوا : أتتخذنا هزوا ؟ قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.
1302 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : قتيل من بني إسرائيل ، طرح في سبط من الأسباط ، فأتى أهل ذلك السبط إلى ذلك السبط فقالوا : أنتم والله قتلتم صاحبنا. فقالوا : لا والله. فأتوا إلى موسى فقالوا : هذا قتيلنا بين أظهرهم ، وهم والله قتلوه. فقالوا : لا والله يا نبي الله ، طرح علينا. فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.
* * *
قال أبو جعفر : فكان اختلافهم وتنازعهم وخصامهم بينهم - في أمر القتيل الذي ذكرنا أمره ، على ما روينا من علمائنا من أهل التأويل - هو " الدرء " الذي قال الله جل ثناؤه لذريتهم وبقايا أولادهم : (فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) }
قال أبو جعفر : ويعني بقوله : (والله مخرج ما كنتم تكتمون) ، والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم ، ثم ادارأتم فيه.
* * *
ومعنى " الإخراج " - في هذا الموضع - الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه ، وإطلاعهم عليه ، كما قال الله تعالى ذكره : ( أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) [ النمل : 25] يعني بذلك : يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه.
* * *
والذي كانوا يكتمونه فأخرجه ، هو قتل القاتل القتيل. لما كتم ذلك

(2/228)


فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

القاتل ومن علمه ممن شايعه على ذلك ، (1) حتى أظهره الله وأخرجه ، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره.
* * *
وعَنَى جل ذكره بقوله : (تكتمون) ، تسرون وتغيبون ، كما :
1303 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (والله مخرج ما كنتم تكتمون) ، قال : تغيبون.
1304 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ما كنتم تكتمون) ، ما كنتم تغيبون.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا }
قال أبو جعفر : يعني جل ذكره بقوله : فقلنا لقوم موسى الذين ادارءوا في القتيل (2) - الذي قد تقدم وصفنا أمره - : اضربوا القتيل. و " الهاء " التي في قوله : (اضربوه) من ذكر القتيل ؛ (ببعضها) أي : ببعض البقرة التي أمرهم الله بذبحها فذبحوها.
* * *
ثم اختلف العلماء في البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، وأي عضو كان ذلك منها. فقال بعضهم : ضرب بفخذ البقرة القتيل.
* ذكر من قال ذلك :
1305 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : ضرب بفخذ البقرة فقام حيا ، فقال : قتلني فلان. ثم عاد في ميتته.
__________
(1) " ذلك " في قوله : " لما كتم ذلك " مفعول ، هو كناية عن قوله : " هو قتل القاتل القتيل " .
(2) في المطبوعة : " . . بقوله فقلنا لقوم موسى " ، والصواب زيادة لفظ الآية ، كما فعلت .

(2/229)


1306 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : ضرب بفخذ البقرة ، ثم ذكر مثله.
1307 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن النضر بن عربي ، عن عكرمة : (فقلنا اضربوه ببعضها) ، قال : بفخذها ، فلما ضرب بها عاش ، وقال : قتلني فلان. ثم عاد إلى حاله. (1)
1308 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن خالد بن يزيد ، عن مجاهد قال : ضرب بفخذها الرجل ، فقام حيا فقال : قتلني فلان. ثم عاد في ميتته.
1309 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة : ضربوا المقتول ببعض لحمها - وقال معمر ، عن قتادة - : ضربوه بلحم الفخذ فعاش ، فقال : قتلني فلان.
1310 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها ، فأحياه الله فأنبأ بقاتله الذي قتله ، وتكلم ثم مات.
* * *
وقال آخرون : الذي ضرب به منها ، هو البضعة التي بين الكتفين. (2)
* ذكر من قال ذلك :
1311 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فقلنا اضربوه ببعضها) ، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش ، فسألوه : من قتلك ؟ فقال لهم : ابن أخي.
__________
(1) الخبر : 1307 - النضر بن عربي الباهلي : ثقة من أتباع التابعين ، وثقه ابن معين وغيره ، مات سنة 168 ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 2 /89 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 475 .
(2) البضعة : القطعة من اللحم ، قولهم : بضع اللحم : قطعه .

(2/230)


وقال آخرون : الذي أمروا أن يضربوه به منها ، عظم من عظامها.
* ذكر من قال ذلك :
1312 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : أمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل. ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ، ثم عاد ميتا كما كان. فأخذ قاتله ، وهو الذي أتى موسى فشكا إليه ، فقتله الله على أسوأ عمله.
* * *
وقال آخرون بما : -
1313 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ضربوا الميت ببعض آرابها فإذا هو قاعد - (1) قالوا : من قتلك ؟ قال : ابن أخي. قال : وكان قتله وطرحه على ذلك السبط ، أراد أن يأخذ ديته.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل قوله عندنا : (فقلنا اضربوه ببعضها) ، أن يقال : أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلالة في الآية ، ولا [في] خبر تقوم به حجة ، (2) على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف ، وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل ، ولا ينفع العلم به ، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله.
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وما كان معنى الأمر بضرب القتيل ببعضها ؟ قيل : ليحيا فينبئ نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم والذين ادارءوا فيه - من قاتله.
__________
(1) آراب جمع إرب (بكسر فسكون) : وهو العضو ، يقال : قطعه إربا إربا ، أي عضوا عضوا .
(2) الزيادة بين القوسين ، أولى من حذفها .

(2/231)


فإن قال قائل : وأين الخبر عن أن الله جل ثناؤه أمرهم بذلك لذلك ؟ قيل : ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه - نحو الذي ذكرنا من نظائر ذلك فيما مضى. ومعنى الكلام : فقلنا : اضربوه ببعضها ليحيا ، فضربوه فحيي - كما قال جل ثناؤه : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) [ الشعراء : 63] ، والمعنى : فضرب فانفلق - دل على ذلك قوله : (1) (كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى }
قال أبو جعفر : وقوله : (كذلك يحيى الله الموتى) ، مخاطبة من الله عباده المؤمنين ، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث ، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا. فقال لهم تعالى ذكره : أيها المكذبون بالبعث بعد الممات ، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته ، فإني كما أحييته في الدنيا ، فكذلك أحيي الموتى بعد مماتهم ، فأبعثهم يوم البعث.
وإنما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب ، (2) وهم قوم أميون لا كتاب لهم ، لأن الذين كانوا يعلمون علم ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم ، وفيهم نزلت هذه الآيات ، فأخبرهم جل ذكره بذلك ، ليتعرفوا علم من قِبَلَهم.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " يدل على ذلك قوله . . " ، وليست بشيء .
(2) في المطبوعة : " فإنما احتج . . " ، والفاء ليست بشيء هنا .

(2/232)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) }
قال أبو جعفر : يعني جل ذكره : ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من عند الله - من آياته وآياته : أعلامه وحججه الدالة على نبوته (1) لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق ، فتؤمنوا به وتتبعوه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك كفار بني إسرائيل ، وهم - فيما ذكر - بنو أخي المقتول ، فقال لهم : " ثم قست قلوبكم " : أي جفت وغلظت وعست ، كما قال الراجز :
وقد قسوت وقسا لداتي (2)
يقال : " قسا " و " عسا " و " عتا " بمعنى واحد ، وذلك إذا جفا وغلظ وصلب. يقال : منه : قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة وقَساء. (3)
* * *
ويعني بقوله : (من بعد ذلك) ، من بعد أن أحيا المقتول لهم الذي - ادارءوا
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 552 ، وهذا الجزء 2 : 139 .
(2) لم أعرف قائله ، وسيأتي في 6 : 99 (بولاق) ، وكان في الأصل هنا " وقسا لدنى " ، وهو خطأ . ولداتى جمع لدة ، ولدة الرجل : تربه ، ولد معه . وقسا هنا بمعنى : أسن وكبر وولي شبابه ، وجف عوده . ولم ترد بذلك المعنى في المعاجم .
(3) أنا في شك في ضبطه المصدر الأول من هذه المصادر الأربعة وهو " قسوا " ، وتبعت في ضبطه القاموس المحيط ، وإن ، كان قد ضبط بالقلم ، وأخشى أن يكون مصدرا على " فعول " مثل دنا يدنوا دنوا ، وسما يسمو سموا .

(2/233)


ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

في قتله ، فأخبرهم بقاتله ، وما وبالسبب الذي من أجله قتله ، (1) كما قد وصفنا قبل على ما جاءت الآثار والأخبار - وفصل الله تعالى ذكره بخبره بين المحق منهم والمبطل (2) . وكانت قساوة قلوبهم التي وصفهم الله بها ، أنهم - فيما بلغنا - أنكروا أن يكونوا هم قتلوا القتيل الذي أحياه الله ، فأخبر بني إسرائيل بأنهم كانوا قتلته ، بعد إخباره إياهم بذلك ، وبعد ميتته الثانية ، كما : -
1314 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما ضرب المقتول ببعضها - يعني ببعض البقرة - جلس حيا ، فقيل له : من قتلك ؟ فقال : بنو أخي قتلوني. ثم قبض فقال بنو أخيه حين قبض : والله ما قتلناه! فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه ، فقال الله : (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) - يعني بني أخي الشيخ - (فهي كالحجارة أو أشد قسوة).
1315 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) ، يقول : من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى ، وبعد ما أراهم من أمر القتيل - ما أراهم ، " فهي كالحجارة أو أشد قسوة " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (فهي) : " قلوبكم " . يقول : ثم صلبت قلوبكم - بعد إذ رأيتم الحق فتبينتموه وعرفتموه - عن الخضوع له والإذعان لواجب حق الله عليكم ، فقلوبكم كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة ، أو أشد قسوة " ،
__________
(1) في المطبوعة : " وما السبب " وليست بشيء .
(2) سياق العبارة بلا فصل " من بعد أن أحيى المقتول لهم . . وفصل بخبره بين المحق منهم والمبطل " .

(2/234)


يعني : قلوبهم - عن الإذعان لواجب حق الله عليهم ، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم - أشد صلابة من الحجارة. (1)
* * *
فإن سأل سائل فقال : وما وجه قوله : (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) ، و " أو " عند أهل العربية ، إنما تأتي في الكلام لمعنى الشك ، والله تعالى جل ذكره غير جائز في خبره الشك ؟
قيل : إن ذلك على غير الوجه الذي توهمته ، من أنه شك من الله جل ذكره فيما أخبر عنه ، ولكنه خبر منه عن قلوبهم القاسية ، أنها - عند عباده الذين هم أصحابها ، الذين كذبوا بالحق بعد ما رأوا العظيم من آيات الله - كالحجارة قسوة أو أشد من الحجارة ، عندهم وعند من عرف شأنهم.
* * *
وقد قال في ذلك جماعة من أهل العربية أقوالا فقال بعضهم : إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله : (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب " أو " ، كقوله : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) [ الصافات : 147] ، وكقول الله جل ذكره : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ سبأ : 24] [الإبهام على من خاطبه] (2) فهو عالم أي ذلك كان. قالوا : ونظير ذلك قول القائل : أكلت بسرة أو رطبة ، (3) وهو عالم أي ذلك أكل ، ولكنه أبهم على المخاطب ، كما قال أبو الأسود الدؤلي :
أحب محمدا حبا شديدا... وعباسا وحمزة والوصيا (4)
__________
(1) كانت هذه الجملة في المطبوعة هكذا : " كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة ، أو أشد صلابة ، يعني قلوبكم عن الإذعان لواجب حق الله عليهم ، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم من الحجارة " . وكأنها سهو من الناسخ ، فرددته إلى أصله بحمد الله .
(2) اللسان (سكن) . غاله الشيء يغوله : ذهب به فلم تدر أين هو وأجن : ستر وأخفى .
(3) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، استظهرته من قوله بعد : " ولكنه أبهم على المخاطب " ، ومن تفسير ابن كثير 1 : 209 ، 210 .
(4) ديوانه : 32 (من نفائس المخطوطات) ، والأغاني 11 : 113 ، وإنباه الرواة 1 : 17 ، وسيأتي البيت الثاني وحده في 22 : 65 (بولاق) ورواية الديوان : " وفيهم أسوة إن كان غيا " .

(2/235)


فإن يك حبهم رشدا أصبه... ولست بمخطئ إن كان غيا
قالوا : ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى - رَشَد ، ولكنه أبهم على من خاطبه به. وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له : شككت! فقال : كلا والله! ثم انتزع بقول الله عز وجل : (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ، فقال : أَوَ كان شاكا - من أخبر بهذا - في الهادي من الضلال. (1)
* * *
وقال بعضهم : ذلك كقول القائل : " ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا " ، وقد أطعمه النوعين جميعا. فقالوا : فقائل ذلك لم يكن شاكا أنه قد أطعم صاحبه الحلو والحامض كليهما ، ولكنه أراد الخبر عما أطعمه إياه أنه لم يخرج عن هذين النوعين. قالوا : فكذلك قوله : (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) ، إنما معناه : فقلوبهم لا تخرج من أحد هذين المثلين ، إما أن تكون مثلا للحجارة في القسوة ، وإما أن تكون أشد منها قسوة. ومعنى ذلك على هذا التأويل : فبعضها كالحجارة قسوة ، وبعضها أشد قسوة من الحجارة.
وقال بعضهم : " أو " في قوله : (أو أشد قسوة) ، بمعنى ، وأشد قسوة ، كما قال تبارك وتعالى : (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) [ الإنسان : 24] بمعنى : وكفورا ، وكما قال جرير بن عطية :
نال الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربه موسى على قدر (2)
يعني : نال الخلافة ، وكانت له قدرا ، وكما قال النابغة :
قالت : ألا ليتما هذا الحمام لنا... إلى حمامتنا أو نصفه فقد (3)
__________
(1) قوله " في الهادي من الضلال " يعني نبيه صلى الله عليه وسلم . وعبارة الأغاني : أفترى الله عز وجل شك في نبيه " .
(2) سلف هذا البيت وتخريجه في 1 : 337 .
(3) ديوانه : 32 ، وروايته هناك " ونصفه " . وهو من قصيدته المشهورة التي يعتذر فيها إلى النعمان . والضمير في قوله : " قالت " إلى " فتاة الحي ، المذكورة في شعر قبله ، وهي زرقاء اليمامة . وهو خبر مشهور ، لا نطيل بذكره .

(2/236)


يريد. ونصفه
* * *
وقال آخرون : " أو " في هذا الموضع بمعنى " بل " ، فكان تأويله عندهم : فهي كالحجارة بل أشد قسوة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) [ الصافات : 147] ، بمعنى : بل يزيدون.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : فهي كالحجارة ، أو أشد قسوة عندكم.
* * *
قال أبو جعفر : ولكل مما قيل من هذه الأقوال التي حكينا وجه ومخرج في كلام العرب. غير أن أعجب الأقوال إلي في ذلك ما قلناه أولا ثم القول الذي ذكرناه عمن وجه ذلك إلى أنه بمعنى : فهي أوجه في القسوة : إما أن تكون كالحجارة ، أو أشد ، (1) على تأويل أن منها كالحجارة ، ومنها أشد قسوة. لأن " أو " ، وإن استعملت في أماكن من أماكن " الواو " حتى يلتبس معناها ومعنى " الواو " ، لتقارب معنييهما في بعض تلك الأماكن - (2) فإن أصلها أن تأتي بمعنى أحد الاثنين. فتوجيهها إلى أصلها - ما وجدنا إلى ذلك سبيلا (3) أعجب إلي من إخراجها عن أصلها ، ومعناها المعروف لها.
* * *
قال أبو جعفر : وأما الرفع في قوله : (أو أشد قسوة) فمن وجهين : أحدهما : أن يكون عطفا على معنى " الكاف " في قوله : (كالحجارة) ، لأن معناها الرفع. وذلك أن معناها معنى " مثل " ، [فيكون تأويله] (4) فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
__________
(1) في المطبوعة : " فهي أوجه في القسوة من أن تكون كالحجارة أو أشد " ، واستظهرت تصويبه مما مضى آنفًا ، ومن تأويله بعد ، فوضعت " إما " مكان " من " .
(2) انظر ما سلف في 1 : 327 - 328 .
(3) في المطبوعة : " من وجد إلى ذلك سبيلا " . وهو خطأ .
(4) زدت ما بين القوسين ، ليستقيم الكلام .

(2/237)


والوجه الآخر : أن يكون مرفوعا ، على معنى تكرير " هي " عليه. فيكون تأويل ذلك : فهي كالحجارة ، أو هي أشد قسوة من الحجارة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ذكره : (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار) : وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار ، فاستغنى بذكر الأنهار عن ذكر الماء. (1) وإنما ذكر فقال " منه " ، للفظ " ما " . (2)
* * *
و " التفجر " : " التفعل " من " تفجر الماء " ، (3) وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه. وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه ، فقد " انفجر " ، ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك ، ومنه قوله عمر بن لجأ :
ولما أن قرنت إلى جرير... أبى ذو بطنه إلا انفجارا (4)
يعني : إلا خروجا وسيلانا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : وإن منها لما يشقق " ،
__________
(1) في المطبوعة : " بذكر الماء عن ذكر الأنهار " ، وهو خطأ بين .
(2) في المطبوعة : " وإنما ذكر فقيل . . " ، وهو لا شيء .
(3) في المطبوعة : " من : فجر الماء " ، وهو خطأ يدل السياق على خلافه ، وهو ما أثبت .
(4) طبقات فحول الشعراء : 369 ، والأغاني 8 : 72 ، وروايتهما " إلا انحدارا " ، وراوية الطبري أعرق في الشعر . وفي المطبوعة " قربت " ، وهو خطأ محض . قاله عمر بن لجأا حين أخذهما أبو بكر ابن حزم - بأمر الوليد بن عبد الملك - فقرنهما ، وأقامهما على البلس يشهر بهما ، فكان التميمي ينشد هذا البيت في هجاء جرير . وقوله : " ذو بطنه " ، كناية جيدة عما يشمأز من ذكره .

(2/238)


وإن من الحجارة لحجارة يشقق. وتشققها : تصدعها. (1) وإنما هي : لما يتشقق ، ولكن التاء أدغمت في الشين فصارت شينا مشددة.
وقوله : (فيخرج منه الماء) فيكون عينا نابعة وأنهارا جارية.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وإن من الحجارة لما يهبط - أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح - (2) من خوف الله وخشيته. وقد دللنا على معنى " الهبوط " فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (3)
* * *
قال أبو جعفر : وأدخلت هذه " اللامات " اللواتي في " ما " ، توكيدا للخبر.
وإنما وصف الله تعالى ذكره الحجارة بما وصفها به - من أن منها المتفجر منه الأنهار ، وأن منها المتشقق بالماء ، وأن منها الهابط من خشية الله ، بعد الذي جعل منها لقلوب الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل ، (4) مثلا - معذرة منه جل ثناؤه لها ، (5) دون الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها من التكذيب لرسله ، والجحود لآياته ، بعد الذي أراهم من الآيات والعبر ، وعاينوا من عجائب الأدلة والحجج ، مع ما أعطاهم تعالى ذكره من صحة العقول ، ومن به عليهم من سلامة النفوس التي لم
__________
(1) أسقط ذكر الآية في المطبوعة ، كأنه استطال التكرار ؛ وأقمنا الكلام على نهج أبي جعفر وفي المطبوعة : " لحجارة تشقق " ، ورددتها إلى الصواب أيضًا .
(2) تردى من الجبل ترديا : طاح وسقط .
(3) انظر ما سلف 1 : 534 ، وهذا الجزء 2 : 132 .
(4) سياق هذه العبارة : جعل منها مثلا لقلوب الذين .
(5) وسياق هذه الجملة : وإنما وصف الله بما وصفها به . . معذرة منه لها " أي للحجارة ، وما بين ذلك فصل كدأب جعفر رحمه الله .

(2/239)


يعطها الحجر والمدر ، ثم هو مع ذلك منه ما يتفجر بالأنهار ، ومنه ما يتشقق بالماء ، ومنه ما يهبط من خشية الله ، فأخبر تعالى ذكره أن من الحجارة ما هو ألين من قلوبهم لما يدعون إليه من الحق ، كما : -
1316 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق.
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1317 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله) ، قال : كل حجر يتفجر منه الماء ، أو يتشقق عن ماء ، أو يتردى من رأس جبل ، فهو من خشية الله عز وجل ، نزل بذلك القرآن.
1318 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1319 - حدثني بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم. فقال : (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله).
1320 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أحبرنا معمر ، عن قتادة مثله.
1321 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ثم عذر الله الحجارة فقال : (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء).
1322 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن

(2/240)


جريج أنه قال : فيها كل حجر انفجر منه ماء ، أو تشقق عن ماء ، أو تردى من جبل ، فمن خشية الله. نزل به القرآن.
* * *
قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل التأويل في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله.
فقال بعضهم : إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله. (1)
وقال آخرون : ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه. (2)
وقال بعضهم : ذلك كان منه ويكون ، بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم ، فعقل طاعة الله فأطاعه.
1324 - كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب ، فلما تحول عنه حن. (3)
1325 - وكالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن " . (4)
__________
(1) يريد قوله تعالى في سورة النحل : 48 ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) . وانظر تفسير الآية من تفسير الطبري 14 : 78 ، 79 (بولاق) .
(2) يريد قوله تعالى في سورة الأعراف : 143 : ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ) .
(3) الحديث : 1324 - قصة حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، متواترة صحيحة ، لا يشك في صحتها إلا من لا يريد أن يؤمن . وقد عقد الحافظ ابن كثير في التاريخ بابا لذلك 6 : 125 - 132 قال في أوله : " باب حنين الجذع شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشفقا من فراقه . وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة ، بطرق متعددة ، تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن ، وفرسان هذا الميدان ، ثم ساق من الأحاديث الصحاح من دواوين السنة . وانظر منها في المسند : 2236 ، 3430 من حديث ابن عباس . و2237 ، 3431 ، من حديث أنس . و3432 من حديث ابن عباس وأنس . وصحيح البخاري 6 : 443 (من الفتح) .
(4) الحديث : 1325 - روى مسلم في صحيحه 2 : 203 - 204 ، عن جابر بن سمرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف حجرا بمكة ، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الآن " . وذكره ابن كثير في التاريخ 6 : 134 ، من مسند أحمد ، ثم نسبه لصحيح مسلم ، ومسند الطيالسي .

(2/241)


وقال آخرون : بل قوله : ( يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) كقوله : ( جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله ، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله ، كما قال زيد الخيل :
بجمع تضل البلق في حَجَراته... ترى الأكْمَ منه سجدا للحوافر (1)
وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له :
ساجد المنخر لا يرفعه... خاشع الطرف أصم المستمع (2)
يريد أنه ذليل. (3)
وكما قال جرير بن عطية :
لما أتى خبر الرسول تضعضعت... سور المدينة والجبال الخشع (4)
* * *
وقال آخرون : معنى قوله : (يهبط من خشية الله) ، أي : يوجب الخشية لغيره ، بدلالته على صانعه ، كما قيل : " ناقة تاجرة " ، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها ، كما قال جرير بن عطية :
__________
(1) مضى هذا البيت في هذا الجزء : 2 : 104 وورد هنا " ترى الأكم فيها " والصواب ما أثبته ، كما مضى آنفًا ، وفي الأضداد لابن الأنباري " منها " مكان " فيها " .
(2) المفضليات : 407 ، والأضداد لابن الأنباري : 257 . من قصيدته المحكمة . و " ساجد " منصوب إذ قبله ، في ذكر عدوه هذا : ثم ولى وهو لا يحمى استه ... طائر الإتراف عنه قد وقع
وفي الأصل المطبوع : " إذ يرفعه " ، وهو خلل في الكلام . وأثبت ما في المفضليات ، ورواية ابن الأنباري : " ما يرفعه " . . يقول أذله فطأطأ رأسه خزيا ، وألزم الأرض بصره ، وصار كأنه أصم لا يسمع ما يقال له ، فهو لا حراك به ، مات وهو حي قائم ، لا يحير جوابا . ولذلك قال بعده : فر مني هاربا شيطانه ... حيث لا يعطى ، ولا شيئا منع
(3) هذه الجملة كانت قبل البيت ، فرددتها إلى حيث ينبغي أن ترد .
(4) سلف هذا البيت وتخرجه في هذا الجزء 2 : 17 ، وروايته هناك " خبر الزبير " ، وهي أصح وأجود .

(2/242)


وأعور من نبهان ، أما نهاره... فأعمى ، وأما ليله فبصير (1)
فجعل الصفة لليل والنهار ، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه ، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به.
* * *
وهذه الأقوال ، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل ، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها ، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها. (2)
* * *
وقد دللنا فيما مضى على معنى " الخشية " ، وأنها الرهبة والمخافة ، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وما الله بغافل عما تعملون) ، وما الله بغافل - يا معشر المكذبين بآياته ، والجاحدين نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، والمتقولين عليه الأباطيل من بني إسرائيل وأحبار اليهود - عما تعملون من أعمالكم الخبيثة ، وأفعالكم الرديئة ، ولكنه محصيها عليكم ، فمجازيكم بها في الآخرة ، أو معاقبكم بها في الدنيا. (4)
__________
(1) سلف هذا البيت وتخريجه في 1 : 317 من طبعتنا هذه ، وأغفلت هناك أن أرده إلى هذا الموضع من التفسير ، فقيده .
(2) ليت من تهور من أهل زماننا ، فاجترأ على جعل كتاب ربه منبعا يستقى منه ما يشاء لأهوائه وأهواء أصحاب السلطان - سمع ما يقول أبو جعفر ، فيما تجيزه لغة العرب ، فكيف بما هو تهجم على كلام ربه بغير علم ولا هدى ولا حجة ؟ اللهم إنا نبرأ إليك منهم ، ونستعيذ بك أن نضل على آثارهم .
(3) انظر ما سلف 1 : 559 - 560 ، وهو من تفسير " فارهبون " ، ولم ترد مادة (خشي) في القرآن قبل هذا الموضع ، فلذلك قطعت بأنه أحال على هذه الآية .
(4) كانت في المطبوعة " يحصيها ، . . فيجازيكم . . أو يعاقبكم " بالياء في أولها جميعا ، واستجزت أن أردها إلى الاسمية ، لأن الطبري هكذا يقول ، وقد سلف مثل ذلك مرارا ، ورأيت النساخ تصرفوا فيه كما بيناه في موضعه . فاستأنست بنهجه في بيانه ، وهو أبلغ وأقوم .

(2/243)


أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)

وأصل " الغفلة " عن الشيء ، تركه على وجه السهو عنه ، والنسيان له.
* * *
فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة ، ولا ساه عنها ، بل هو لها محص ، ولها حافظ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (أفتطمعون) يا أصحاب محمد ، أي : أفترجون يا معشر المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والمصدقين ما جاءكم به من عند الله ، أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل ؟
* * *
ويعني بقوله : (أن يؤمنوا لكم) ، أن يصدقوكم بما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم محمد من عند ربكم ، كما : -
1326 - حُدثت عن عمار بن الحسن ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) ، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، " أن يؤمنوا لكم " يقول : أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود ؟.
1327 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) الآية ، قال : هم اليهود.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ }
قال أبو جعفر : أما " الفريق " فجمع ، كالطائفة ، لا واحد له من لفظه. وهو " فعيل " من " التفرق " سمي به الجماع ، كما سميت الجماعة ب " الحزب " ، من " التحزب " ، وما أشبه ذلك. ومنه قول أعشى بني ثعلبة :

(2/244)


أجَدّوا فلما خفت أن يتفرقوا... فريقين ، منهم مُصعِد ومُصوِّب (1)
يعني بقوله : (منهم) ، من بني إسرائيل. وإنما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعدهم من بني إسرائيل ، من اليهود الذين قال الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) - لأنهم كانوا آباءَهم وأسلافهم ، فجعلهم منهم ، إذ كانوا عشائرهم وفَرَطهم وأسلافهم ، كما يذكر الرجل اليوم الرجل ، وقد مضى على منهاج الذاكر وطريقته. وكان من قومه وعشيرته ، فيقول : " كان منا فلان " ، (2) يعني أنه كان من أهل طريقته أو مذهبه ، أو من قومه وعشيرته. فكذلك قوله : (وقد كان فريق منهم).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله : (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون). فقال بعضهم بما : -
1328 - حدثني به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) ،
__________
(1) ديوانه : 137 ، وفي المطبوعة : " أخذوا " خطأ . أجد السير : انكمش فيه وأسرع مصعد : مبتدئ في صعوده إلى نجد والحجاز . ومُصَوِّب منحدر في رجوعه إلى العراق والشام وأشباه ذلك وبعد البيت من تمامه . طلبتهمُ ، تَطوى بي البيد جَسْرَة ... شُوَيْقَئةُ النابين وجَناء ذِعْلب
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 38 ، 39 .

(2/245)


فالذين يحرفونه والذين يكتمونه ، هم العلماء منهم.
1329 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه.
1330 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) ، قال : هي التوراة ، حرفوها.
1331 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) ، قال : التوراة التي أنزلها عليهم ، يحرفونها ، يجعلون الحلال فيها حراما ، والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا ، إذا جاءهم المحق برِشوة أخرجوا له كتاب الله ، وإذا جاءهم المبطل برِشوة أخرجوا له ذلك الكتاب ، (1) فهو فيه محق. وإن جاء أحد يسألهم شيئا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء ، أمروه بالحق. فقال لهم : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [ البقرة : 44].
* * *
وقال آخرون في ذلك بما : -
1332 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال ، أخبرنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) ، فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوة ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
1333 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في قوله : (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله) الآية ، قال : ليس قوله : (يسمعون كلام الله) ، يسمعون التوراة. كلهم قد سمعها ، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
__________
(1) يعني : " ذلك الكتاب " المحرف ، لا " كتاب الله " الصادق .

(2/246)


1334 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق قال : بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى : يا موسى ، قد حيل بيننا وبين رؤية الله عز وجل ، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه فقال : نعم ، فمرهم فليتطهروا ، وليطهروا ثيابهم ، ويصوموا. ففعلوا. ثم خرج بهم حتى أتى الطور ، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى عليه السلام[أن يسجدوا] فوقعوا سجودا ، (1) وكلمه ربه فسمعوا كلامه ، يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا ما سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل. فلما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل : إن الله قد أمركم بكذا وكذا ، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم الله : إنما قال كذا وكذا - خلافا لما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين اللذين ذكرت بالآية ، وأشبههما بما دل عليه ظاهر التلاوة ، ما قاله الربيع بن أنس ، والذي حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم : من أن الله تعالى ذكره إنما عنى بذلك من سمع كلامه من بني إسرائيل ، سماع موسى إياه منه ، ثم حرف ذلك وبدل ، من بعد سماعه وعلمه به وفهمه إياه. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله عز وجل ، استعظاما من الله لما كانوا يأتون من البهتان ، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان ، وإيذانا منه تعالى ذكره عبادَه المؤمنين ، قطع أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى ، (2) فقال لهم : كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم وإنما تخبرونهم - بالذي تخبرونهم من الأنباء عن الله عز وجل - عن غيب لم يشاهدوه ولم ييعاينوه وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه وأمره ونهيه ، ثم يبدله ويحرفه ويجحده ، فهؤلاء الذين بين
__________
(1) ما بين القوسين زيادة من ابن كثير 1 : 212 .
(2) في المطبوعة " وإيذانا منه . . وقطع أطماعهم " بالعطف بالواو ، وليس يستقيم . وآذنه الأمر وآذنه به يذانا : أعلمه . فقوله : " قطع " منصوب مفعول ثان للمصدر " إيذانا " .

(2/347)


أظهركم من بقايا نسلهم ، أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق ، وهم لا يسمعونه من الله ، وإنما يسمعونه منكم - (1) وأقرب إلى أن يحرفوا ما في كتبهم من صفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ويبدلوه ، وهم به عالمون ، فيجحدوه ويكذبوا - (2) من أوائلهم الذين باشروا كلام الله من الله جل ثناؤه ، ثم حرفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمدين التحريف.
ولو كان تأويل الآية على ما قاله الذين زعموا أنه عني بقوله : (يسمعون كلام الله) ، يسمعون التوراة ، لم يكن لذكر قوله : (يسمعون كلام الله) معنى مفهوم. لأن ذلك قد سمعه المحرف منهم وغير المحرف ، فخصوص المحرف منهم بأنه كان يسمع كلام الله - إن كان التأويل على ما قاله الذين ذكرنا قولهم - دون غيرهم ممن كان يسمع ذلك سماعهم لا معنى له. (3)
فإن ظن ظان [أنه] إنما صلح أن يقال ذلك لقوله : (يحرفونه) ، فقد أغفل وجه الصواب في ذلك. (4) وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقيل : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. ولكنه جل ثناؤه أخبر عن خاص من اليهود ، كانوا أعطوا - من مباشرتهم سماعَ كلام الله - ما لم يعطه أحد غير الأنبياء والرسل ، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من ذلك. فلذلك وصفهم بما وصفهم به ، للخصوص الذي كان خص به هؤلاء الفريق الذي ذكرهم في كتابه تعالى ذكره.
* * *
ويعني بقوله : (ثم يحرفونه) ، ثم يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه. وأصله من " انحراف الشيء عن جهته " ، وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله : (يحرفونه)
__________
(1) قوله : " وأقرب " ، معطوف على قوله : " أحرى . . " .
(2) قوله : " من أوائلهم . . " متعلق بقوله آنفًا : " أحرى أن يجحدوا . . وأقرب إلى أن يحرفوا . . " .
(3) سياق العبارة : فخصوص المحرف بأنه . . لا معنى له " .
(4) الزيادة بين القوسين لا بد منها .

(2/248)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)

أي يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه ، إلى غيره. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علم منهم بتأويل ما حرفوا ، وأنه بخلاف ما حرفوه إليه. فقال : (يحرفونه من بعد ما عقلوه) ، يعني : من بعد ما عقلوا تأويله ، (وهم يعلمون) ، أي : يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون. وذلك إخبار من الله جل ثناؤه عن إقدامهم على البهت ، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى صلى الله عليه وسلم ، وأن بقاياهم - من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا - على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك في عصر موسى عليه الصلاة والسلام.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا }
قال أبو جعفر : أما قوله : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ، فإنه خبر من الله جل ذكره عن الذين أيأس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من إيمانهم - من يهود بني إسرائيل ، الذين كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون - وهم الذين إذا لقوا الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا. يعني بذلك : أنهم إذا لقوا الذين صدقوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله ، قالوا : آمنا - أي صدقنا بمحمد وبما صدقتم به ، وأقررنا بذلك. أخبر الله عز وجل أنهم تخلقوا بأخلاق المنافقين ، وسلكوا منهاجهم ، كما : -
1335 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس قوله : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا :

(2/249)


آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم.
1336 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ، يعني المنافقين من اليهود ، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا.
* * *
وقد روي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر * وهو ما : -
1337 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ، أي : بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه إليكم خاصة.
1338 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) الآية ، قال : هؤلاء ناس من اليهود ، آمنوا ثم نافقوا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) أي : إذا خلا بعض هؤلاء اليهود - الذين وصف الله صفتهم - إلى بعض منهم ، فصاروا في خلاء من الناس غيرهم ، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم - " قالوا " يعني : قال بعضهم لبعض - : " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " .
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (بما فتح الله عليكم). فقال بعضهم بما : -
1339 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن

(2/250)


عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، يعني : بما أمركم الله به. فيقول الآخرون : إنما نستهزئ بهم ونضحك.
* * *
وقال آخرون بما : -
1340 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن اسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) ، أي : بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم خاصة ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فكان منهم. (1) فأنزل الله : (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) ، أي : تقرون بأنه نبي ، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله : (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون).
1341 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، أي بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم.
1342 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، أي : بما من الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا به عليكم ، (أفلا تعقلون).
__________
(1) قوله : " فكان منهم " ، أي كان منهم النبي الذي كانوا يستفتحون به على مشركي العرب ويستنصرون ، ويرجون أن يكون منهم ، فكان من العرب . وسيأتي خبر استفتاحهم بعد في تفسير الآية : 89 من سورة البقرة في هذا الجزء .

(2/251)


1343 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، ليحتجوا به عليكم.
1344 - حدثني المثنى قال ، حدثني آدم قال ، حدثنا أبو جعفر قال ، قال قتادة : (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، يعني : بما أنزل الله عليكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته.
* * *
وقال آخرون في ذلك بما : -
1345 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) قال : قول يهود بني قريظة ، (1) حين سبهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم إخوة القردة والخنازير ، قالوا : من حدثك ؟ هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا ، فقال : يا إخوة القردة والخنازير. (2)
1346 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيقة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال : هذا ، حين أرسل إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآذوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اخسئوا يا إخوة القردة والخنازير " .
1347 - حدثنا القاسم قال ، حدثني الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : (أتحدثونهم بما فتح
__________
(1) في المطبوعة : " يهود من قريظة " ، ليست بشيء .
(2) من أول قوله : " قالوا من حدثك ؟ . . " إلى آخر العبارة ، تفسير للقصة قبله . وقوله " فقال : يا إخوة القردة والخنازير " من كلام رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، لا كلام علي رضي الله عنه . وسيظهر ذلك في الخبرين بعده .

(2/252)


الله عليكم) ، قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال : " يا إخوان القردة ، ويا إخوان الخنازير ، ويا عبدة الطاغوت. فقالوا : من أخبر هذا محمدا ؟ ما خرج هذا إلا منكم!(أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)! بما حكم الله ، للفتح ، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج ، عن مجاهد : هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا صلى الله عليه وسلم. (1)
* * *
وقال آخرون بما : -
1348 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) - من العذاب - " ليحاجوكم به عند ربكم " هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا ، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به ، فقال بعضهم لبعض : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ، ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم ، وأكرم على الله منكم ؟
* * *
وقال آخرون بما : -
1349 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالو أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) : قال : كانوا إذا سئلوا عن الشيء قالوا : أما تعلمون في التوراة كذا وكذا ؟ قالوا : بلى! - قال : وهم يهود - فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون إليهم : ما لكم تخبرونهم بالذي أنزل الله عليكم فيحاجوكم به عند ربكم ؟ أفلا تعقلون ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن (2) . فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق : اذهبوا فقولوا آمنا ، واكفروا إذا رجعتم. قال : فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر (3) وقرأ قول الله : ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ آل عمران : 72]. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة : نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله صلى الله
__________
(1) الأثر : 1347 - في ابن كثير 1 : 214 وفيه : " من أخبر بهذا الأمر محمدا ؟ ما خرج هذا القول إلا منكم " .
(2) قصبة القرية : وسطها وجوفها . وقصبة البلاد : مدينتها ، لأنها تكون في أوسطها .
(3) البكر جمع بكرة (بضم فسكون) : وهي الغدوة ، أول النهار .

(2/253)


عليه وسلم وأمره ، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهم ، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم مؤمنون ، فيقولون لهم : أليس قد قال الله لكم كذا وكذا ؟ فيقولون : بلى! فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء] - قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " ، الآية. (1)
* * *
وأصل " الفتح " في كلام العرب : النصر والقضاء ، والحكم. يقال منه : " اللهم افتح بيني وبين فلان " ، أي احكم بيني وبينه ، ومنه قول الشاعر :
ألا أبلغ بني عُصْمٍ رسولا... بأني عن فُتاحَتكم غني (2)
قال أبو جعفر : قال : ويقال للقاضي : " الفتاح " (3) ومنه قول الله عز وجل : ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) [ الأعراف : 89] أي احكم بيننا وبينهم.
* * *
فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا ، تبين أن معنى قوله : (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم ، وقضاه فيكم ؟ ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به في التوراة. ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير ، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم. وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به ، حجةً على المكذبين من اليهود
__________
(1) الأثر : 1349 في ابن كثير 1 : 213 - 214 ، والزيادة بين القوسين منه .
(2) ينسب للأسعر الجعفي ، ومحمد بن حمران بن أبي حمران . انظر تعليق الراجكوتي في سمط اللآلئ : 927 .
(3) أمالي القالي 2 : 281 واللسان (فتح) (رسل) ، وغيرهما ، وبنو عصم ، هم رهط عمرو ابن معد يكرب الزبيدي . وقد اختلفت روايات البيت اختلافا شديدا ، وليس هذا مكان تحقيقها ، لطولها .

(2/254)


المقرين بحكم التوراة ، وغير ذلك [من أحكامه وقضائه]. (1)
فإذ كان كذلك. (2) فالذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال : معنى ذلك : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى خلقه ؟ لأن الله جل ثناؤه إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه : آمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم; فالذي هو أولى بآخرها أن يكون نظير الخبر عما ابتدئ به أولها.
وإذا كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون تلاومهم ، كان فيما بينهم ، فيما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم : آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. وكان قيلهم ذلك ، من أجل أنهم يجدون ذلك في كتبهم ، وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فكان تلاومهم - فيما بينهم إذا خلوا - على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم. وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم ، ويكفرون به ، وكان فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود ، وحكمه عليهم لهم في كتابهم ، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث. فلما بعث كفروا به ، مع علمهم بنبوته.
* * *
قال أبو جعفر : وقوله : (أفلا تعقلون) ، خبر من الله تعالى ذكره - عن اليهود اللائمين إخوانهم على ما أخبروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فتح الله لهم عليهم - أنهم قالوا لهم : أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون ، أن إخباركم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبكم أنه نبي مبعوث ، حجة لهم عليكم عند ربكم ، يحتجون بها عليكم ؟ أي : فلا تفعلوا ذلك ، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم ، ولا تخبروهم
__________
(1) ما بين القوسين ، زيادة استظهرتها من سابق بيانه ، ليستقيم الكلام .
(2) في المطبوعة : " فإن كان كذلك " ، والزيادة ماضية على نهج أبي جعفر .

(2/255)


بمثل ما أخبرتموهم به من ذلك. فقال جل ثناؤه : (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون).
* * *

(2/256)


أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)

القول في تأويل قوله تعالى : { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) ، أو لا يعلم - هؤلاء اللائمون من اليهود إخوانهم من أهل ملتهم ، على كونهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وعلى إخبارهم المؤمنين بما في كتبهم من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ، القائلون لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم - أن الله عالم بما يسرون ، فيخفونه عن المؤمنين في خلائهم من كفرهم ، وتلاومهم بينهم على إظهارهم ما أظهروا لرسول الله وللمؤمنين به من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى قيلهم لهم : آمنا ، ونهي بعضهم بعضا أن يخبروا المؤمنين بما فتح الله للمؤمنين عليهم ، وقضى لهم عليهم في كتبهم ، من حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه وما يعلنون ، فيظهرونه لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين به إذا لقوهم ، من قيلهم لهم : آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، نفاقا وخداعا لله ولرسوله وللمؤمنين ؟ كما : -
1350 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون) ، من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم إذا خلا بعضهم إلى بعض ، (وما يعلنون) إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا ليرضوهم بذلك.
1351 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن

(2/256)


وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)

الربيع ، عن أبي العالية : (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) ، يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتكذيبهم به ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم ، (وما يعلنون) ، يعني : ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين : آمنا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (ومنهم أميون) ، ومن هؤلاء - اليهود الذين قص الله قصصهم في هذه الآيات ، وأيأس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمانهم فقال لهم : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ، وهم إذا لقوكم قالوا : آمنا ، كما : -
1352 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ومنهم أميون) ، يعني : من اليهود.
1353 - وحُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
1354 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (ومنهم أميون) ، قال : أناس من يهود.
* * *
قال أبو جعفر : يعني بـ " الأميين " ، الذين لا يكتبون ولا يقرءون.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " (1) يقال منه : " رجل أمي بين الأمية " . (2) كما : -
1356 - حدثني المثنى قال ، حدثني سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن
__________
(1) الحديث : 1355 - هو حديث صحيح . ورواه البخاري 4 : 108 - 109 (من الفتح) ، ورواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي ، كما في الجامع الصغير للسيوطي ، رقم : 2521 .
(2) كان في المطبوعة : " أي بين الأمية " ، فحذفت " أي " ، فليس ذلك مما يقال .

(2/257)


المبارك ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم : (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب) ، قال : منهم من لا يحسن أن يكتب. (1)
1357 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ومنهم أميون) قال : أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود.
* * *
وروي عن ابن عباس قول خلاف هذا القول ، وهو ما : -
1358 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ومنهم أميون) ، قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ، ولا كتابا أنزله الله ، فكتبوا كتابا بأيديهم ،
__________
(1) قوله " لا يحسن أن يكتب " نفى لمعرفة الكتابة ، لا لجودة معرفة الكتابة ، كما يسبق إلى الوهم. وقديما قام بعض أساتذتنا يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يعرف الكتابة ، ولكنة لا يحسنها ، لخبر استدل به هو - أو اتبع فيه من استدل به من أعاجم المستشرقين - وهو ما جاء في تاريخ الطبري 3 : 80 في شرح قصة الحديبية ، حين جاء سهيل بن عمرو ، لكتابة الصلح. روى الطبري عن البراء بن عازب قال : " .. فلما كتب الكتاب ، كتب : " هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله " ، فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال : أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله. قال لعلي : امح " رسول الله " . قال : لا والله لا أمحاك أبدا. فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب : " فكتب مكان " رسول الله " " محمد " ، فكتب : " هذا ما قاضى عليه محمد " .
فظن أولا أن ضمير الفاعل في قوله " فكتب مكان " رسول الله " - محمد " ، هو رسول الله صلى الله عليه. وليس كذلك بل هو : علي بن أبي طالب الكاتب. وفي الكلام اختصار ، فإنه لما أمر عليا أن يمحو الكتاب فأبى ، أخذه رسول الله ، وليس يحسن يكتب ، فمحاه. وتفسير ذلك قد أتى في حديث البخاري عن البراء بن عازب أيضًا 3 : 184 : " فقال لعلى " امحه. فقال على : ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول الله صلى عليه وسلم بيده " .وأخرى أنه أخطأ في معنى " يحسن " ، فإنها هنا بمعنى " يعلم " ، وهو أدب حسن في العبارة ، حتى لا ينفي عنه العلم ، وقد جاء في تفسير الطبري 21 : 6 في تفسير قوله تعالى : " أحسن كل شيء خلقه " ، ما نصه : " معنى ذلك : أعلم كل شيء خلقه. كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم كل خلقه ما يحتاجون إليه. وأنه قوله : " أحسن " ، إنما هو من قول القائل : " فلا يحسن كذا " ، إذا كان يعلمه " . هذا ، والعرب تتأدب بمثل هذا ، فتضع اللفظ مكان اللفظ ؛ وتبطل بعض معناه ، ليكون تنزيها للسان ، أو تكرمه للذي تخبر عنه. فمعنى قوله : " ليس يحسن يكتب " ، أي ليس يعرف يكتب. وقد أطال السهيلي في الروض الأنف 1 : 230 بكلام ليس يغني في تفسير هذا الكلمة.

(2/258)


ثم قالوا لقوم سِفلة جهال : هذا من عند الله. وقال : قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ، ثم سماهم أميين ، لجحودهم كتب الله ورسله. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم ، وذلك أن " الأمي " عند العرب : هو الذي لا يكتب.
* * *
قال أبو جعفر : وأرى أنه قيل للأمي " أمي " ؛ نسبة له بأنه لا يكتب إلى " أمه " ، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء ، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال - إلى أمه - في جهله بالكتابة ، دون أبيه ، كما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " ، وكما قال : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) [ الجمعة : 2]. (2) فإذا كان معنى " الأمي " في كلام العرب ما وصفنا ، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما قاله النخعي ، من أن معنى قوله : (ومنهم أميون) : ومنهم من لا يحسن أن يكتب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (لا يعلمون الكتاب) ، لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله ، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه ، كهيئة البهائم ، كالذي : -
1359 - حدثني الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
__________
(1) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 215 ، وساق الخبر وكلام الطبري ، ثم قال : " قلت : في صحة هذا عن ابن عباس - بهذا الإسناد - نظر ، والله أعلم " .
(2) اقتصر في المطبوعة على قوله : " رسولا منهم " ، وأتممت الآية ، لأنه يستدل بها على أنه جاء يعلم الأمين " الكتاب " .

(2/259)


معمر ، عن قتادة في قوله ، (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) : إنما هم أمثال البهائم ، لا يعلمون شيئا.
1360 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (لا يعلمون الكتاب) ، يقول : لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه.
1361 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (لا يعلمون الكتاب) لا يدرون ما فيه.
1362 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (لا يعلمون الكتاب) قال : لا يدرون بما فيه.
1363 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (لا يعلمون الكتاب) ، لا يعلمون شيئا ، لا يقرءون التوراة. ليست تستظهر ، إنما تقرأ هكذا. فإذا لم يكتب أحدهم ، لم يستطع أن يقرأ. (1)
1364 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله ، (لا يعلمون الكتاب) ، قال : لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما عني بـ " الكتاب " : التوراة ، ولذلك أدخلت فيه " الألف واللام " لأنه قصد به كتاب معروف بعينه.
* * *
ومعناه : ومنهم فريق لا يكتبون ، ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه الذي هو عندهم - وهم ينتحلونه ويدعون الإقرار به - من أحكام الله وفرائضه ، وما فيه من حدوده التي بينها فيه.
[واختلف أهل التأويل في تأويل قوله] (2) (إلا أماني) فقال بعضهم بما : -
__________
(1) الأثر : 1363 - كان في المطبوعة : " حدثنا بشر قال أخبرنا ابن وهب . . " ، وهو سهو من الناسخ ، والإسناد كثير الدوران في التفسير ، أقربه رقم 1357 .
(2) ما بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام . وكأن الناسخ سها فأغفلها .

(2/260)


1365 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (إلا أماني) ، يقول : إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا.
1366 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) : إلا كذبا.
1367 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
* * *
وقال آخرون بما : -
1368 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (إلا أماني) ، يقول : يتمنون على الله ما ليس لهم.
1369 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (إلا أماني) ، يقول : يتمنون على الله الباطل وما ليس لهم.
1370 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح ، [عن معاوية بن صالح] ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) ، يقول : إلا أحاديث.
1371 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) ، قال : أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله ، ويقولون : هو من الكتاب. أماني يتمنونها.
1372 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (إلا أماني) ، يتمنون على الله ما ليس لهم.
1373 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (إلا أماني) ، قال : تمنوا فقالوا : نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.
* * *

(2/261)


قال أبو جعفر : وأولى ما روينا في تأويل قوله : (إلا أماني) ، بالحق ، وأشبهه بالصواب ، الذي قاله ابن عباس - الذي رواه عنه الضحاك - وقول مجاهد : إن " الأميين " الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية ، أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئا ، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا. (1)
* * *
و " التمني " في هذا الموضع ، هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله. يقال منه : " تمنيت كذا " ، إذا افتعلته وتخرصته. ومنه الخبر الذي روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : " ما تغنيت ولا تمنيت " ، (2) يعني بقوله : " ما تمنيت " ، ما تخرصت الباطل ، ولا اختلقت الكذب والإفك.
* * *
والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك - وأنه أولى بتأويل قوله : (إلا أماني) من غيره من الأقوال - قول الله جل ثناؤه : (وإن هم إلا يظنون). فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ، ظنا منهم لا يقينا. ولو كان معني ذلك أنهم " يتلونه " ، لم يكونوا ظانين ، وكذلك لو كان معناه : " يشتهونه " . لأن الذي يتلوه ، إذا تدبره علمه. ولا يستحق - الذي يتلو كتابا قرأه ، وإن لم يتدبره بتركه التدبر أن يقال : هو ظان لما يتلو ، إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه ، لا يدري أحق هو أم باطل. ولم يكن القوم - الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود - فيما بلغنا -
__________
(1) في المطبوعة : " وأنهم لا يفقهون " بزيادة الواو ، وهو خطأ لا يستقيم ، والصواب ما أثبته من ابن كثير 1 : 216 .
(2) في الفائق 1 : 163 عن عثمان رضي الله عنه : " قد اختبأت عند الله خصالا : إني لرابع الإسلام ، وزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم ابنته ، وبايعته بيدي هذه اليمنى فما مسست بها ذكرى ، وما تغنيت ولا تمنيت ، ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام " . وروى الطبري في تاريخه في خبر مقتله رضي الله عنه 5 : 130 ، أن الرجل الذي انتدب لقتله دخل عليه فقال له : " اخلعها وندعك . فقال : ويحك! ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ، ولا تغنيت ولا تمنيت ، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل " .

(2/262)


شاكين في التوراة أنها من عند الله. وكذلك " المتمني " الذي هو في معنى " المشتهي " غير جائز أن يقال : هو ظان في تمنيه. لأن التمني من المتمني ، إذا تمنى ما قد وجد عينه. فغير جائز أن يقال : هو شاك ، فيما هو به عالم. لأن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه ، لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد. والمتمني في حال تمنيه ، موجود تمنيه ، فغير جائز أن يقال : هو يظن تمنيه. (1)
* * *
وإنما قيل : (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) ، والأماني من غير نوع " الكتاب " ، كما قال ربنا جل ثناؤه : ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) [ النساء : 157] و " الظن " من " العلم " بمعزل. وكما قال : ( وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ) [ الليل : 19 - 20] ، وكما قال الشاعر : (2)
ليس بيني وبين قيس عتاب... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب (3)
وكما قال نابغة بني ذبيان :
حلفت يمينا غير ذي مَثْنَوية ، ... ولا علم إلا حسنَ ظن بصاحب (4)
__________
(1) في المطبوعة : " غير جائز " ، والصواب إثبات الفاء .
(2) هو عمرو بن الأيهم التغلبي النصراني ، وقيل اسمه : عمير ، وقيل هو أعشى تغلب . روي عن الأخطل أنه قيل له وهو يموت : على من تخلف قومك ؟ قال : على العميرين . يعني القطامي عمير ابن أشيم ، وعمير بن الأهتم .
(3) سيبويه 1 : 365 ، والوحشيات رقم : 55 ، ومعجم الشعراء : 242 ، وحماسة البحتري : 32 ، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ : 184 . والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها : قاتل الله قيس عيلان طرا ... ما لهم دون غدرة من حجاب
ثم إن سيبويه أنشد البيت برفع " غير " ، على البدل من " عتاب " ، اتساعا ومجازا .
(4) ديوانه : 42 ، وسيبويه 1 : 365 ، وغيرهما ، وروايتهم جميعا : " بصاحب " ، وكان في الأصل المطبوع " بغائب " ، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ ، لأنه لا يتفق مع الشعر . فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني ، فيقول قبله : على لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ، ليست ، بذات عقارب
حلفت يمينا . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لئن كان للقبرين : قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب
وللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب
وقوله : " مثنوية " أي استثناء . فهو يقول لعمرو : حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه ، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه ، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن . فرواية الطبري لا تستقيم ، إن صحت عنه .

(2/263)


في نظائر لما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب. (1)
ويخرجُ بـ " إلا " ما بعدها من معنى ما قبلها ومن صفته ، وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه. ويسمي ذلك بعض أهل العربية " استثناء منقطعا " ، لانقطاع الكلام الذي يأتي بعد " إلا " عن معنى ما قبلها. وإنما يكون ذلك كذلك ، في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان " إلا " " لكن " ؛ فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأول ، ألا ترى أنك إذا قلت : (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) ثم أردت وضع " لكن " مكان " إلا " وحذف " إلا " ، وجدت الكلام صحيحا معناه ، صحته وفيه " إلا " ؟ وذلك إذا قلت : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب لكن أماني. يعني : لكنهم يتمنون. وكذلك قوله : (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) ، لكن اتباع الظن ، بمعنى : لكنهم يتبعون الظن. وكذلك جميع هذا النوع من الكلام على ما وصفنا.
* * *
وقد ذكر عن بعض القَرَأَة أنه قرأ : (2) (إلا أماني) مخففة. ومن خفف ذلك وجهه إلى نحو جمعهم " المفتاح " " مفاتح " ، و " القرقور " ، " قراقر " ، (3) وأن
__________
(1) انظر سيبويه 1 : 363 - 366 " هذا باب يختار فيه النصب ، لأن الآخر ليس من نوع الأول " . ثم الباب الذي يليه : " هذا باب ما لا يكون إلا على معنى : ولكن " .
(2) في المطبوعة : " بعض القراء " و " لإجماع القراء " ، ورددته إلى ما جرى عليه الطبري آنفًا .
(3) انظر معاني القرآن للفراء : 1 : 49 .

(2/264)


ياء الجمع لما حذفت خففت الياء الأصلية - أعني من " الأماني " - كما جمعوا " الأثفية " " أثافي " مخففة ، كما قال زهير بن أبي سلمى :
أثافيَ سُفْعا في مُعَرَّسِ مِرْجَل... ونُؤْيا كجِذم الحوض لم يَتَثَلَّم (1)
وأما من ثقل : (أماني) فشدد ياءها ، فإنه وجه ذلك إلى نحو جمعهم " المفتاح مفاتيح ، والقرقور قراقير ، والزنبور زنابير " ، فاجتمعت ياء " فعاليل " ولامها ، وهما جميعا ياآن ، فأدغمت إحداهما في الأخرى ، فصارتا ياء واحدة مشددة.
* * *
فأما القراءة التي لا يجوز غيرها عندي لقارئ في ذلك ، فتشديد ياء " الأماني " ، لإجماع القَرَأَة على أنها القراءة التي مضى على القراءة بها السلف - مستفيض ذلك بينهم ، غير مدفوعة صحته - وشذوذ القارئ بتخفيفها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك. (2) وكفى دليلا على خطأ قارئ ذلك بتخفيفها ، (3) إجماعها على تخطئته.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وإن هم إلا يظنون) ، وما هم ، كما قال جل ثناؤه : ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) [ إبراهيم : 11] ، يعني بذلك : ما نحن إلا بشر مثلكم.
* * *
ومعنى قوله : (إلا يظنون) : إلا يشكون ، ولا يعلمون حقيقته وصحته. و " الظن " - في هذا الموضع - الشك.
__________
(1) ديوانه : 7 المرجل : قدر يطبخ فيها ، ومعرس المرجل : حيث يقام فيه ، من التعريس : وهو النزول والإقامة ، وسفع جمع أسفع : والسفعة : سواد تخالطه حمرة ، من أثر النار ودخانها . والنؤي : ما يقام من الحجارة حول الخباء حتى لا يدخله ماء المطر . وجذم الحوض : حرفه وأصله . يعني : النؤي قد ذهب أعلاه وبقى أصله لم يتحطم ، كبقايا الحوض . يقول : عرفت الدار بهذه الآثار ، قبله : " فلأيا عرفت الدار بعد توهم " ، " ونصب " أثافي " بقوله : " توهم " .
(2) سياق العبارة : لإجماع القَرَأَة على أنها القراءة . . وعلى شذوذ القارئ بتخفيفها " على العطف .
(3) في المطبوعة : " وكفى خطأ على قارئ ذلك " ، وهو ليس بكلام صحيح ، والصواب ما أثبته ، استظهار من عبارة الطبري ، فيما سلف من أشباه ذلك .

(2/265)


فمعنى الآية : ومنهم من لا يكتب ولا يخط ولا يعلم كتاب الله ولا يدري ما فيه ، إلا تخرصا وتقولا على الله الباطل ، ظنا منه أنه محق في تخرصه وتقوله الباطل.
* * *
وإنما وصفهم الله تعالى ذكره بأنهم في تخرصهم على ظن أنهم محقون وهم مبطلون ، لأنهم كانوا قد سمعوا من رؤسائهم وأحبارهم أمورا حسبوها من كتاب الله ، ولم تكن من كتاب الله ، فوصفهم جل ثناؤه بأنهم يتركون التصديق بالذي يوقنون به أنه من عند الله مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، ويتبعون ما هم فيه شاكون ، وفي حقيقته مرتابون ، مما أخبرهم به كبراؤهم ورؤساؤهم وأحبارهم عنادا منهم لله ولرسوله ، ومخالفة منهم لأمر الله ، واغترارا منهم بإمهال الله إياهم. وبنحو ما قلنا في تأويل قوله : (وإن هم إلا يظنون) ، قال فيه المتأولون من السلف :
1374 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وإن هم إلا يظنون) إلا يكذبون.
1375 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1376 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله.
1377 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) ، أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه ، وهم يجحدون نبوتك بالظن.
1378 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وإن هم إلا يظنون) ، قال : يظنون الظنون بغير الحق.
1379 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن

(2/266)


فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

الربيع ، عن أبي العالية قال : يظنون الظنون بغير الحق.
1380 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَوَيْلٌ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (فويل). فقال بعضهم بما : -
1381 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس(فويل) ، يقول : فالعذاب عليهم. (1)
* * *
وقال آخرون بما : -
1382 - حدثنا به ابن بشار قال ، حدثنا ابن مهدي قال ، حدثنا سفيان ، عن زياد بن فياض قال : سمعت أبا عياض يقول : الويل : ما يسيل من صديد في أصل جهنم. (2)
1383 - حدثنا بشر بن أبان الحطاب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن زياد بن فياض ، عن أبي عياض في قوله : (فويل) ، قال : صهريج في أصل جهنم ، يسيل فيه صديدهم. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " فويل لهم " . والصواب حذف " لهم " ، ليست من الآية هنا .
(2) الخبر : 1382 - سفيان : هو الثوري . زياد بن فياض الخزاعي : ثقة ، مات سنة 129 . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 /334 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /542 . أبو عياض : هو عمرو بن الأسود العنسي ، تابعي ثقة ، كان من عباد أهل الشأم وزهادهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 220 - 221 .
(3) الخبر : 1383 - بشر بن أبان الحطاب ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ولا ذكرا فيما بين يدى من المراجع .

(2/267)


1384 - حدثنا علي بن سهل الرملي قال ، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء قال ، حدثنا سفيان عن زياد بن فياض ، عن أبي عياض قال : الويل ، واد من صديد في جهنم. (1)
1385 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا مهران ، عن شقيق قال : (ويل) ، ما يسيل من صديد في أصل جهنم.
* * *
وقال آخرون بما : -
1386 - حدثنا به المثنى قال ، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري. قال ، حدثنا علي بن جرير ، عن حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر ، عن كنانة العدوي ، عن عثمان بن عفان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الويل جبل في النار " . (2)
__________
(1) الخبر : 1384 - علي بن سهل الرملي ، شيخ الطبري : ثقة ، مات سنة 261 . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /189 . وزيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، نزيل الرملة : ثقة ، مات سنة 194 . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 /1 /361 ، وابن أبي حاتم 1 / 2/ 575 . سفيان هو الثوري . " عن زياد بن فياض " ، كالإسنادين اللذين قبله . وفي المطبوعة : " سفيان بن زياد بن فياض " ، وهو تحريف .
(2) الحديث : 1386 - هذا الإسناد مشكل. ووقع فيه هنا خطأ. من الناسخ أو الطابع ، صححناه من الرواية الآتية : 1395 فقد كان فيه " حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر " ؛ وصوابه " عن عبد الحميد بن جعفر " ، كما هو بديهي.
أما ما أشكل علينا فيه : فراويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة.
أحدهما : " إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري " . وسيأتي في الإسناد الآخر " إبراهيم بن عبد السلام " فقط. ولم أستطع أن أعرف من هو ؟ وقد نقل ابن كثير 1 : 217 الحديث الآتي : 1395 ، وأكمل نسب هذا الشيخ ، ولكنه وقع فيه هكذا " إبراهيم بن عبد السلام ، حدثنا صالح القشيري " ! وأنا لست على ثقة من دقة التصحيح في طبعة تفسير ابن كثير ، وأرى أن ما نسخة الطبري أقرب إلى الصحة.
الراوي الآخر : " على بن جرير " . وقد أتعبنى أن أعرف من هو ؟ مع البحث في كل المراجع ، وتقليبه على كل الاحتمالات.
أما عبد الحميد بن جعفر : فإنه الأنصاري الأوسى المدني ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما ، مات سنة 153 ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /10. و " كنانة العدوي " : هو كنافة ابن نعيم ، وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 /236 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 /169. ولكني أخشى أن لا يكون أدرك عثمان بن عفان ، فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن أبي برزة الأسلمي وقصيبة بن المخارق ، وهما متأخران كثيرا عن عثمان.
وأيا ما كان ، فهذا الحديث لا أظنه مما يقوم إسناده. وهو مختصر من الحديث الآتي : 1395. والحافظ ابن كثير حين ذكره عن الطبري ، وصفه بأنه " غريب جدا " . وقد ذكره السيوطي أيضًا 1 : 82 ، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.

(2/268)


1387 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثني عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ويل " واد في جهنم ، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره " . (1)
* * *
قال أبو جعفر : فمعنى الآية - على ما روي عمن ذكرت قوله في تأويل(ويل) - : فالعذاب الذي هو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم ، ثم يقولون : هذا من عند الله.
* * *
__________
(1) الحديث : 1387 - إسناده صحيح . عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري : ثقة حافظ متقن ، مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 2 / 203 وابن أبي حاتم 3 / 1 / 225 . دراج ، بفتح الدال وتشديد الراء : هو ابن سمعان ، أبو السمح ، المصري القاص ، وهو ثقة ، فيه خلاف كثير . والراجح عندنا أنه ثقة ، كما بينا ذلك في شرح المسند : 6634 ، وفي تعليقنا على تهذيب السنن : 2388 . أبو الهيثم : هو سليمان بن عمرو العتواري المصري ، كان يتيما لأبي سعيد الخدري ، وكان في حجره . وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 28 - 29 ، وابن أبي حاتم 2 /1 / 131 - 132 .
والحديث رواه ابن أبي حاتم - كما نقل عنه ابن كثير 1 : 217 - عن يونس بن عبد الأعلى ، شيخ الطبري هنا ، بهذا الإسناد .
ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 596 ، من طريق بحر بن نصر . عن ابن وهب ، بهذا الإسناد ، بزيادة في آخره . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .
ورواه أحمد في المسند : 11735 (ج 3 ص 75 حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، به ، بزيادة في آخره . وقال ابن كثير - عقب رواية ابن أبي حاتم : " ورواه الترمذي عن عبد بن حميد ، عن الحسن بن موسى . . وقال هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة . قلت [القائل ابن كثير] : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى . ولكن الآفة ممن بعده! وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا - منكر " !
أقول : وابن كثير يريد بذلك جرح دراج أبي السمح ، وجعله علة الحديث . والصحيح ما ذهبنا إليه . وقد رواه ابن حبان في صحيحه أيضًا . كما في الدر المنثور 1 : 82 .

(2/269)


القول في تأويل قوله تعالى : { لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا }
قال أبو جعفر : يعني بذلك الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل ، وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم ، مخالفا لما أنزل الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم ، ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها ، ولا بما في التوراة ، جهال بما في كتب الله - لطلب عرض من الدنيا خسيس ، فقال الله لهم : (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) ، كما : -
1388 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) ، قال : كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم ، يبيعونه من العرب ، ويحدثونهم أنه من عند الله ، ليأخذوا به ثمنا قليلا.
1389 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ، ولا كتابا أنزله الله ، فكتبوا كتابا بأيديهم ، ثم قالوا لقوم سِفلة جهال : هذا من عند الله " ليشتروا به ثمنا قليلا " . قال : عرضا من عرض الدنيا.
1390 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) ، قال : هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله ، يحرفونه.
1391 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله ، إلا أنه قال : ثم يحرفونه.

(2/270)


1392 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن قتادة : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) الآية ، وهم اليهود.
1393 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) ، قال : كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم ، ليتأكلوا الناس ، فقالوا : هذا من عند الله ، وما هو من عند الله. (1)
1394 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قوله : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) ، قال : عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه ، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا ، فقال : (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).
1395 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال ، حدثنا علي بن جرير ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن كنانة العدوي ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) ، الويل : جبل في النار ، وهو الذي أنزل في اليهود ، لأنهم حرفوا التوراة ، وزادوا فيها ما يحبون ، ومحوا منها ما يكرهون ، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة. فلذلك غضب الله عليهم ، فرفع بعض التوراة ، فقال : (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). (2)
1396 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني سعيد بن أبي
__________
(1) يقال فلان يستأكل الضعفاء : يأخذ أموالهم ويأكلها . أما قوله : " ليتأكلوا " ، فلم أجد في المعاجم " يتأكل " ، فإن صح نص الطبري ، وإلا فهي عربية معرقة ، صح أو لم يصح .
(2) الحديث : 1395 - مضى الكلام فيه مفصلا : 1386 .

(2/271)


أيوب ، عن محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار. قال : ويل ، واد في جهنم ، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره. (1)
* * *
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : ما وجه قوله : (2) (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) ؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد ، حتى احتاج المخاطبون بهذه المخاطبة ، إلى أن يخبروا عن هؤلاء - القوم الذين قص الله قصتهم - أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ؟
قيل له : إن الكتاب من بني آدم ، وإن كان منهم باليد ، فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه فيقال : كتب فلان إلى فلان بكذا " ، وإن كان المتولي كتابته بيده ، غير المضاف إليه الكتاب ، إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب. فأعلم ربنا بقوله : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) عباده المؤمنين ، أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم ، على علم منهم وعمد للكذب على الله ، ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله ، (3) تَكَذُّبا على الله وافتراء عليه. فنفى جل ثناؤه بقوله : (يكتبون الكتاب بأيديهم) ، أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم. وذلك نظير قول القائل : " باعني فلان عينُه كذا وكذا ، فاشترى فلان نفسه كذا " ، يراد بإدخال " النفس والعين " في ذلك ، نفي اللبس عن سامعه ، أن يكون المتولي بيع ذلك أو شراءه ، غير الموصوف له أمره ، (4)
ويوجب حقيقة الفعل للمخبر
__________
(1) سيرت : أدخلت ودفعت لتسير . وانماع الملح في الماء : ذاب . وفي اللسان روى تفسير عطاء ، وفيه : " لماعت " ، أي ذابت وسالت .
(2) في المطبوعة : " فما وجه فويل للذين . . " ، كأنه سقط حرف من ناسخ أو طابع .
(3) يقال : نحل فلان فلانا شعرا : نسبه إليه باطلا . وكره الطبري أن يقول ما لا يجوز لأحد في ذكر ربه سبحانه وتعالى ، فانتهج طريقا في أساليب العربية ، فقال : " فنحله إلى أنه من عند الله " أي نسبه باطلا إلى أنه من عند الله . ولم يعد الفعل إلى مفعوليه .
(4) كان في المطبوعة : " أن يكون المتولى بيع ذلك وشراءه ، غير الموصوف به بأمره " وهو كلام غير واضح ولا مفهوم ، فآثرت أن أصححه ما استطعت .

(2/272)


عنه ، فكذلك قوله : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (فويل لهم مما كتبت أيديهم) ، أي فالعذاب - في الوادي السائل من صديد أهل النار في أسفل جهنم - لهم ، يعني : للذين يكتبون الكتاب ، الذي وصفنا أمره ، من يهود بني إسرائيل محرفا ، ثم قالوا : هذا من عند الله ، ابتغاء عرض من الدنيا به قليل ممن يبتاعه منهم.
* * *
وقوله : (مما كتبت أيديهم) ، يقول : من الذي كتبت أيديهم من ذلك ، وويل لهم أيضا(مما يكسبون) ، يعني : مما يعملون من الخطايا ، ويجترحون من الآثام ، ويكسبون من الحرام ، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم ، بخلاف ما أنزل الله ، ثم يأكلون ثمنه ، وقد باعوه ممن باعوه منهم على أنه من كتاب الله ، كما : -
1397 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (وويل لهم مما يكسبون) ، يعني : من الخطيئة.
1398 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (فويل لهم) ، يقول : فالعذاب عليهم. قال : يقول : من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ، (وويل لهم مما يكسبون) ، يقول : مما يأكلون به من السفلة وغيرهم.
* * *
قال أبو جعفر : وأصل " الكسب " : العمل. فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف ، فهو كاسب لما عمل ، كما قال لبيد بن ربيعة :

(2/273)


وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)

لمعفر قهد تنازع شلوه... غبس كواسب لا يُمَنُّ طعامُها (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وقالوا) ، اليهود ، يقول : وقالت اليهود : (لن تمسنا النار) ، يعني لن تلاقي أجسامنا النار ولن ندخلها ، " إلا أياما معدودة " . وإنما قيل " معدودة " وإن لم يكن مبينا عددها في التنزيل ، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام ، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام ، وسماها " معدودة " لما وصفنا.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود ، القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك * فقال بعضهم بما : -
1399 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، قال ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : لن يدخلنا الله النار إلا
__________
(1) من معلقته النبيلة . واللام في قوله " لمعفر " ، ترده إلى البيت قبله : خنساء ضيعت الفَرِيرَ ، فلم يَرِم ... عُرض الشقائق طوفها وبُغَامها
والخنساء : البقرة الوحشية ، والفرير : ولدها . والشقائق : أرض غليظة بين رملتين ، أودعت هناك فيه ولدها . وطوفها طوافها حائرة . بغامها : صوتها صائحة باكية . ظلت تطوف وتنادي ولدها .وقوله : " لمعفر " ، أي طوفها وبغامها من أجل " معفر " . والمعفر : الذي ألقي في العفر ، وهو التراب ، صادت ولدها الذئاب. قهد : هو ولد البقر ، لطيف الجسم أبيض اللون. والشلو : العضو من اللحم ، أو الجسد كله. وغبس : غبر ، وهي الذئاب. لا يمن طعامها : تكسب طعامها بنفسها ، فلا يمن عليها أحد.

(2/274)


تحلة القسم ، الأيام التي أصبنا فيها العجل : أربعين يوما ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام ، انقطع عنا العذاب والقسم.
1400 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، قالوا : أياما معدودة بما أصبنا في العجل.
1401 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، قال : قالت اليهود : إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة ، حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا ، (1) نادى مناد : أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل. فلذلك أمرنا أن نختتن. قالوا : فلا يدعون منا في النار أحدا إلا أخرجوه.
1402 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : قالت اليهود : إن ربنا عتب علينا في أمرنا ، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة ، ثم يخرجنا. فأكذبهم الله.
1403 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة قال : قالت اليهود : لن ندخل النار إلا تحلة القسم ، عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل.
1404 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) الآية ، قال ابن عباس : ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا ، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم - وكان ابن عباس يقول : إن الجحيم سقر ، وفيه شجرة الزقوم - فزعم أعداء الله ،
__________
(1) نقيت الثوب (بتشديد القاف) وأنقيته نقاء فهو نقي : نظيف . و " استنقيته " ليست في المعاجم ، ولكنها صحيحة البناء والمعنى .

(2/275)


أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة - وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم - فقالوا : إذا خلا العدد انتهى الأجل. فلا عذاب ، وتذهب جهنم وتهلك. (1) فذلك قوله : (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عباس : لما اقتحموا من باب جهنم ، ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة ، قال لهم خزان سقر : زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة! فقد خلا العدد وأنتم في الأبد! فأخذ بهم في الصَّعود في جهنم يرهقون. (2)
1405 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، إلا أربعين ليلة.
1406 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا حفص بن عمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لن ندخل النار إلا أربعين ليلة ، وسيخلفنا فيها قوم آخرون - يعنون محمدا وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم (3) " بل أنتم فيها خالدون ، لا يخلفكم فيها أحد. فأنزل الله جل ثناؤه : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة).
1407 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قال : اجتمعت يهود يوما تخاصم النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا : (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ،
__________
(1) خلا يخلو : مضى وذهب وانقضى .
(2) الصعود : مشقة العذاب ، ولكنه أراد هنا ما قالوا : جبل في جهنم من جمرة واحدة ، يكلف الكافر ارتقاءه ، ويضرب بالمقامع ، فكلما وضع عليه رجله ذابت إلى أسفل دركة ، ثم تعود مكانها صحيحة ، والله أعلم .
(3) قال بيده : أشار . وقد مضى مثل ذلك مرارا .

(2/276)


- وسموا أربعين يوما - ثم يخلفنا ، أو يلحقنا ، فيها أناس. فأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كذبتم ، بل أنتم فيها خالدون مخلدون ، لا نلحقكم ولا نخلفكم فيها إن شاء الله أبدا " . (1)
1408 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا علي بن معبد ، عن أبي معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، قال : قالت اليهود : لا نعذب في النار يوم القيامة إلا أربعين يوما مقدار ما عبدنا العجل.
1409 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى يوم طور سيناء ، مَن أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة ؟ وقالوا : إن ربهم غضب عليهم غضبة ، فنمكث في النار أربعين ليلة ، ثم نخرج فتخلفوننا فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذبتم والله ، لا نخلفكم فيها أبدا " . فنزل القرآن تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبا لهم : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا) إلى قوله : (هم فيها خالدون). (2)
* * *
وقال آخرون في ذلك بما : -
1410 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت يهود يقولون : إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة ، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من
__________
(1) الحديثان : 1406 ، 1407 - هما حديث واحد بإسنادين . ونسبه السيوطي أيضًا 1 : 84 ، لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم . وهو حديث مرسل ، لا تقوم به حجة .
(2) الحديث : 1409 - هو حديث مرسل أيضًا .

(2/277)


قولهم : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) الآية.
1411 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ويهود تقول : إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما يعذب الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا ، يوما واحدا في النار من أيام الآخرة ، فإنما هي سبعة أيام ، ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم : (لن تمسنا النار) الآية.
1412 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، قال : كانت تقول : إنما الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما.
1413 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال : كانت اليهود تقول : إنما الدنيا ، وسائر الحديث مثله.
1414 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال مجاهد : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة من الدهر. وسموا عدة سبعة آلاف سنة ، من كل ألف سنة يوما. يهود تقوله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) }
قال أبو جعفر : لما قالت اليهود ما قالت من قولها : (لن تمسنا النار إلا أياما

(2/278)


معدودة) - على ما قد بينا من تأويل ذلك - قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد ، لمعشر اليهود : (أتخذتم عند الله عهدا) : أأخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقا ، فالله لا ينقض ميثاقه ، ولا يبدل وعده وعقده ، أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه ؟ كما : -
1415 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (قل أتخذتم عند الله عهدا) أي : موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون.
1416 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1417 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة قال : قالت اليهود : لن ندخل النار إلا تحلة القسم ، عدة الأيام التي عبدنا فيها العجل ، فقال الله : (أتخذتم عند الله عهدا) ، بهذا الذي تقولونه ؟ ألكم بهذا حجة وبرهان ؟ فلن يخلف الله عهده ، فهاتوا حجتكم وبرهانكم ، أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟
1418 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : لما قالت اليهود ما قالت ، قال الله جل ثناؤه لمحم ، قل " أتخذتم عند الله عهدا " ، يقول : أدخرتم عند الله عهدا ؟ يقول : أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به ؟ فإن كنتم قلتموها فارجوا بها ، وإن كنتم لم تقولوها ، فلم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ يقول : لو كنتم قلتم لا إله إلا الله ولم تشركوا به شيئا ، ثم متم على ذلك ، لكان لكم ذخرا عندي ، ولم أخلف وعدي لكم : أني أجازيكم بها.
1419 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط عن السدي قال : لما قالت اليهود ما قالت ، قال الله عز وجل : (قل أتخذتم

(2/279)


بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) - وقال في مكان آخر : ( وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ). [ آل عمران : 24] ، ثم أخبر الخبر فقال : (بلى من كسب سيئة).
* * *
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التي رويناها عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ، بنحو ما قلنا في تأويل قوله : ( قل أتخذتم عند الله عهدا). لأن مما أعطاه الله عباده من ميثاقه : أن من آمن به وأطاع أمره ، نجاه من ناره يوم القيامة. ومن الإيمان به ، الإقرار بأن لا إله إلا الله. وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به : أن من أتى الله يوم القيامة بحجة تكون له نجاة من النار ، فينجيه منها. وكل ذلك ، وإن اختلفت ألفاظ قائليه ، فمتفق المعاني ، على ما قلنا فيه. والله تعالى أعلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً }
قال أبو جعفر : وقوله : (بلى من كسب سيئة) تكذيب من الله القائلين من اليهود : (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) وإخبار منه لهم أنه معذب من أشرك ومن كفر به وبرسله ، وأحاطت به ذنوبه ، فمخلده في النار ، (1) فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله ، وأهل الطاعة له ، والقائمون بحدوده * كما : -
1420 - حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) أي : من عمل مثل أعمالكم ، وكفر بمثل ما كفرتم به ، حتى يحيط كفره بما له من حسنة ، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
* * *
قال أبو جعفر : وأما(بلى) ، فإنها إقرار في كل كلام في أوله جحد ، كما
__________
(1) في المطبوعة : " أنه يعذب . . فمخلد في النار " ، والصواب ما أثبته .

(2/280)


" نعم " إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه. وأصلها " بل " التي هي رجوع عن الجحد المحض في قولك : " ما قام عمرو بل زيد " . فزيد فيها " الياء " ليصلح عليها الوقوف ، إذ كانت " بل " لا يصلح عليها الوقوف ، إذ كانت عطفا ورجوعا عن الجحد. ولتكون - أعني " بلى " - رجوعا عن الجحد فقط ، وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد ، فدلت " الياء " منها على معنى الإقرار والإنعام. (1) ودل لفظ " بل " عن الرجوع عن الجحد. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأما " السيئة " التي ذكر الله في هذا المكان ، فإنها الشرك بالله * كما : -
1421 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان قال ، حدثني عاصم ، عن أبي وائل : (بلى من كسب سيئة) ، قال : الشرك بالله.
1422 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (بلى من كسب سيئة) شركا.
1423 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1424 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : (بلى من كسب سيئة) ، قال : أما السيئة فالشرك.
1425 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله.
1426 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
__________
(1) الإنعام : التصديق . يقال : أنعم : أجاب بقوله : نعم . وهو تصديق .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 52 - 53 ، وقد عد الطبري الحرف الآخر من " بلى " " ياء " ، وعدها الفراء " ألفا " .

(2/281)


السدي : (بلى من كسب سيئة) ، أما السيئة ، فهي الذنوب التي وعد عليها النار.
1427 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قلت لعطاء : (بلى من كسب سيئة) ، قال : الشرك - قال ابن جريج قال ، قال مجاهد : (سيئة) شركا.
1428 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (بلى من كسب سيئة) ، يعني : الشرك.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما قلنا إن " السيئة " - التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته ، فهو من أهل النار المخلدين فيها - في هذا الموضع ، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض ، وإن كان ظاهرها في التلاوة عاما ، (1) لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار. والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها ، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان. فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله : (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) - قوله - (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات ، غير الذين لهم الخلود في الجنة من أهل الإيمان.
* * *
فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا ، هم الذين عملوا الصالحات ، دون الذين عملوا السيئات ، فإن في إخبار الله أنه مكفر - باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه سيئاتنا ، ومدخلُنا المُدخلَ الكريم ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل قوله : (بلى من كسب سيئة) ، بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها.
* * *
فإن قال لنا قائل : فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا
__________
(1) انظر تفسير " الظاهر " فيما سلف : 2 : 15 والمراجع .

(2/282)


كبائر ما ننهى عنه ، فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله : (بلى من كسب سيئة) ؟
قيل : لما صح من أن الصغائر غير داخلة فيه ، وأن المعنيَّ بالآية خاص دون عام ، ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد ، إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذرَ من بلغه. وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به ، بشهادة جميع الأمة. فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية. فأما أهل الكبائر ، فإن الأخبار القاطعة عذر من بلغته ، قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها. فمن أنكر ذلك - ممن دافع حجة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة - فاللازم له ترك قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود في النار ، بهذه الآية ونظائرها التي جاءت بعمومهم في الوعيد. إذ كان تأويل القرآن غير مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن ، وكانت الآية يأتي عاما في صنف ظاهرها ، وهي خاص في ذلك الصنف باطنها. (1)
ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء ، سؤالَنا منكر رجم الزاني المحصن ، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض. فإن السؤال عليهم ، نظير السؤال على هؤلاء ، سواء. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الظاهر والباطن " آنفًا : 2 : 15 والمراجع .
(2) هذا رد على المعتزلة ، في إيجابهم خلود أهل الإيمان في النار . ورجم الزاني المحصن ، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض ، مما جاء في الأخبار ، ولم يأت به نص قرآن .

(2/283)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وأحاطت به خطيئته) ، اجتمعت عليه فمات عليها ، قبل الإنابة والتوبة منها.
* * *
وأصل " الإحاطة بالشيء " ، الإحداق به ، بمنزلة " الحائط " الذي تحاط به الدار فتحدق به. ومنه قول الله جل ثناؤه : (نارا أحاط بهم سرادقها) [ الكهف : 29].
* * *
فتأويل الآية إذًا : من أشرك بالله ، واقترف ذنوبا جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة ، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبدا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال المتأولون.
* ذكر من قال ذلك :
1429 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي روق ، عن الضحاك : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : مات بذنبه.
1430 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جرير بن نوح قال ، حدثنا الأعمش ، عن أبي رزين ، عن الربيع بن خُثَيم : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : مات عليها. (1)
1431 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، أخبرني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : يحيط كفره بما له من حسنة.
1432 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ،
__________
(1) الخبر : 1430 - الربيع بن خثيم الثوري الكوفي : من كبار التابعين وخيارهم ، ثقة لا يسأل عن مثله . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 /246 وابن أبي حاتم 1/ 2 /459 . وأبوه " خثيم " بضم الخاء المعجمة مصغر ، كما ضبطه ابن دريد في الاشتقاق : 112 - 113 ، والحافظ في التقريب ، ووقع في المطبوعة " خيثم " بتقديم الياء على الثاء ، وبذلك ضبطه صاحب الخلاصة . وهو خطأ صرف .

(2/284)


عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : ما أوجب الله فيه النار.
1433 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة.
1434 - حدثنا الحسن قال ، أخبرنا عبد الرزاق[قال ، أخبرنا معمر] ، عن قتاده : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : الخطيئة : الكبائر.
1435 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا وكيع ويحيى بن آدم ، عن سلام بن مسكين قال : سأل رجل الحسن عن قوله : (وأحاطت به خطيئته) ، فقال : ما ندري ما الخطيئة ، يا بني اتل القرآن ، فكل آية وعد الله عليها النار ، فهي الخطيئة.
1436 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) ، قال : كل ذنب محيط ، فهو ما وعد الله عليه النار.
1437 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي رزين : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : مات بخطيئته.
1438 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا الأعمش قال ، حدثنا مسعود أبو رزين ، عن الربيع بن خثيم في قوله : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.
1439 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، قال وكيع : سمعت الأعمش يقول في قوله : (وأحاطت به خطيئته) ، مات بذنوبه.
1440 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (وأحاطت به خطيئته) ، الكبيرة الموجبة.

(2/285)


1441 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أحاطت به خطيئته) ، فمات ولم يتب.
1442 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حسان ، عن ابن جريج قال ، قلت لعطاء : (وأحاطت به خطيئته) ، قال : الشرك ، ثم تلا( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) [ النمل : 90]. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " فأولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم ، أصحاب النار هم فيها خالدون.
* * *
ويعني بقوله جل ثناؤه : (أصحاب النار) ، أهل النار ، وإنما جعلهم لها أصحابا لإيثارهم - في حياتهم الدنيا ما يوردهموها ويوردهم سعيرها - على الأعمال التي توردهم الجنة فجعلهم جل ذكره بإيثارهم أسبابها على أسباب الجنة لها أصحابا ، كصاحب الرجل الذي يصاحبه مؤثرا صحبته على صحبة غيره ، حتى يعرف به.
* * *
(هم فيها) ، يعني : هم في النار خالدون. ويعني بقوله : (خالدون) مقيمون * كما :
1443 - حدثني محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : (هم فيها خالدون) ، أي خالدون أبدا.
1444 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
__________
(1) انظر ما مضى في كلامه عن " الخطيئة " في هذا الجزء 2 : 110 .

(2/286)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)

عن السدي : (هم فيها خالدون) لا يخرجون منها أبدا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) }
قال أبو جعفر : ويعني بقوله : (والذين آمنوا) ، أي صدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ويعني بقوله : (وعملوا الصالحات) ، أطاعوا الله فأقاموا حدوده ، وأدوا فرائضه ، واجتنبوا محارمه. ويعني بقوله : (فأولئك) ، فالذين هم كذلك(أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ، يعني أهلها الذين هم أهلها هم فيها(خالدون) ، مقيمون أبدا.
* * *
وإنما هذه الآية والتي قبلها إخبار من الله عباده عن بقاء النار وبقاء أهلها فيها ، [وبقاء الجنة وبقاء أهلها فيها] ، (1) ودوام ما أعد في كل واحدة منهما لأهلها ، تكذيبا من الله جل ثناؤه القائلين من يهود بني إسرائيل : إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة. فأخبرهم بخلود كفارهم في النار ، وخلود مؤمنيهم في الجنة * كما : -
1445 - حدثني ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ، أي من آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه ، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا.
1446 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ،
__________
(1) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، لسياقة الكلام .

(2/287)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

قال ابن زيد : (والذين آمنوا وعملوا الصلحات) ، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه - " أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ }
قال أبو جعفر : قد دللنا - فيما مضى من كتابنا هذا - على أن " الميثاق " " مفعال " من " التوثق باليمين " ونحوها من الأمور التي تؤكد القول. (1) فمعنى الكلام إذًا : واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل ، إذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله ، كما : -
1447 - حدثني به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) - أي ميثاقكم - (لا تعبدون إلا الله).
* * *
قال أبو جعفر : والقَرَأَة مختلفة في قراءة قوله (2) (لا تعبدون). فبعضهم يقرؤها بالتاء ، وبعضهم يقرؤها بالياء ، والمعنى في ذلك واحد. وإنما جازت القراءة بالياء والتاء ، وأن يقال(لا تعبدون) و(لا يعبدون) وهم غَيَب ، (3) لأن أخذ الميثاق ، بمعنى الاستحلاف. فكما تقول : " استحلفت أخاك ليقومن " فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك. وتقول : " استحلفته لتقومن " ، فتخبر عنه خبرك عن المخاطب ، لأنك قد كنت خاطبته بذلك - فيكون ذلك صحيحا جائزا.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 414 ، وهذا الجزء 2 : 156 .
(2) في المطبوعة : " والقراء مختلفة " ، ورددتها إلى ما جرى عليه الطبري في كل ما سلف.
(3) غيب (بفتح الغين والياء) جمع غائب ، مثل خادم وخدم .

(2/288)


فكذلك قوله : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) و(لا يعبدون). من قرأ ذلك " بالتاء " فمعنى الخطاب ، إذ كان الخطاب قد كان بذلك. ومن قرأ " بالياء " فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم.
* * *
وأما رفع " لا تعبدون " ، فبالتاء التي في " تعبدون " ، ولا ينصب بـ " أن " التي كانت تصلح أن تدخل مع(لا تعبدون إلا الله). لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل ، كان وجه الكلام فيه الرفع ، كما قال جل ثناؤه : ( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) [ الزمر : 64] ، فرفع " أعبد " إذ لم تدخل فيها " أن " - بالألف الدالة على معنى الاستقبال ، وكما قال الشاعر : (1)
ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي (2)
فرفع " أحضر " وإن كان يصلح دخول " أن " فيها - إذ حذفت ، بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال.
وإنما صلح حذف " أن " من قوله : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون) ، لدلالة ما ظهر من الكلام عليها ، فاكتفى - بدلالة الظاهر عليها - منها. (3)
* * *
وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : معنى قوله : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) ، حكاية ، كأنك قلت : استحلفناهم : لا تعبدون ، أي قلنا لهم : والله لا تعبدون - وقالوا : والله لا يعبدون. والذي قال من ذلك ، قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك.
__________
(1) هو طرفة بن العبد .
(2) ديوانه : 317 (أشعار الستة الجاهليين) ، من معلقته النفيسة وسيأتي في 21 : 22 / 30 : 130 (بولاق) ، وسيبويه 1 : 452 .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 53 - 54 .

(2/289)


وبنحو الذي قلنا في قوله : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) ، تأوله أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1448 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ، وأن لا يعبدوا غيره.
1449 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، أخبرنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) ، قال : أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره.
1450 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) ، قال : الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }
قال أبو جعفر : وقوله جل ثناؤه : (وبالوالدين إحسانا) عطف على موضع " أن " المحذوفة في(لا تعبدون إلا الله). فكان معنى الكلام : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع(لا تعبدون) لما حذف " أن " ، ثم عطف بالوالدين على موضعها ، كما قال الشاعر : (2)
معاوي إننا بشر فأسجح... فلسنا بالجبال ولا الحديدا (3)
__________
(1) قوله تعالى في سورة المائدة : 12 : (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) إلى آخر الآية .
(2) عقيبة بن هبيرة الأسدي ، جاهلي إسلامي .
(3) سيبويه 1 : 34 ، 375 ، 448 ، والخزانة 1 : 343 ، وسمط اللآلئ : 149 وفيه تحقيق جيد . وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه ، وكان عقيبة وفد على معاوية ، ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات : معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبها أمة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد ?
ذروا خَوْنَ الخلافة واستقيموا ... وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية ، لا تزركم ... جنود مردفات بالجنود
فدعاه معاوية فقال له : ما أجرأك علي ؟ قال : نصحتك إذ غشوك ، وصدقتك إذ كذبوك . فقال معاوية : ما أظنك إلا صادقا .

(2/290)


فنصب " الحديد " على العطف به على موضع " الجبال " ، لأنها لو لم تكن فيها " باء " خافضة كانت نصبا ، فعطف بـ " الحديد " على معنى " الجبال " ، لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله : (وبالوالدين إحسانا).
* * *
وأما " الإحسان " فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله : (وبالوالدين) ، إذ كان مفهوما معناه ، فكان معنى الكلام - لو أظهر المحذوف - : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ، بأن لا تعبدوا إلا الله ، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا ، فاكتفى بقوله : (وبالوالدين) من أن يقال : وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا ، إذ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام.
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه : وبالوالدين فأحسنوا إحسانا ، فجعل " الباء " التي في " الوالدين " من صلة الإحسان ، مقدمة عليه.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن لا تعبدوا إلا الله ، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فزعموا أن " الباء " التي في " الوالدين " من صلة المحذوف - أعني أحسنوا - فجعلوا ذلك من كلامين. وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك ، إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه. فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد ، فلا وجه لصرفه إلى كلامين. وأخرى : أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا ، لقيل : وإلى الوالدين إحسانا ، لأنه إنما يقال : " أحسن فلان

(2/291)


إلى والديه " ولا يقال : أحسن بوالديه ، إلا على استكراه للكلام.
ولكن القول فيه ما قلنا ، وهو : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا ، وبالوالدين إحسانا - على ما بينا قبل. فيكون والإحسان حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه ، كما بينا فيما مضى من نظائره. (1)
* * *
فإن قال قاتل : وما ذلك " الإحسان " الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق ؟ قيل : نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما ، والقول الجميل ، وخفض جناح الذل رحمة بهما ، والتحنن عليهما ، والرأفة بهما ، والدعاء بالخير لهما ، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وذي القربي) ، وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمه.
* * *
و " القربي " مصدر على تقدير " فعلى " ، من قولك ، " قربت مني رحم فلان قرابة وقربي وقربا " ، بمعنى واحد.
* * *
وأما " اليتامى " . فهم جمع " يتيم " ، مثل " أسير وأسارى " . ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث.
* * *
ومعنى ذلك : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأنداد ، وبالوالدين إحسانا ، وبذي القربي : أن تصلوا رحمه ، وتعرفوا حقه ، وباليتامى : أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة ، وبالمساكين : أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 138 .

(2/292)


* * *
و " المسكين " ، هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة ، وهو " مفعيل " من " المسكنة " . و " المسكنة " هي ذل الحاجة والفاقة. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا }
قال أبو جعفر : إن قال قائل : كيف قيل : (وقولوا للناس حسنا) ، فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر ، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر ؟ قيل : إن الكلام ، وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر ، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي. فلو كان مكان : " لا تعبدون إلا الله " ، لا تعبدوا إلا الله - على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا. وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز - لو كان مقروءا به - لأن أخذ الميثاق قول.
فكان معنى الكلام - لو كان مقروءا كذلك - : وإذ قلنا لبني إسرائيل : لا تعبدوا إلا الله ، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) [ البقرة : 63]. فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع : (لا تعبدون إلا الله) ، عطف بقوله : (وقولوا للناس حسنا) ، على موضع(لا تعبدون) ، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه ، (2) لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع " لا تعبدون " . فكأنه قيل : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله ، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه : من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكاية لما أخبرت عنه ، (3) ثم تعود إلى الخبر على
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء : 2 : 137 .
(2) في المطبوعة : " ومعناه " بزيادة الواو ، والصواب حذفها.
(3) في المطبوعة : " في موضع الحكايات كما أخبرت عنه " ، والصواب ما أثبته .

(2/293)


وجه الخطاب ؛ وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب ، ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب ، لما في الحكاية من المعنيين ، (1) كما قال الشاعر : (2)
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة... لدينا ولا مَقْلِيَّةً إن تَقَلَّت (3)
يعني : تقليت.
* * *
وأما " الحسن " فإن القَرَأَة اختلفت في قراءته. (4) فقرأته عامة قَرَأَة الكوفة غير عاصم : (وقولوا للناس حَسَنا) بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قراء المدينة : (حُسْنا) بضم الحاء وتسكين السين. وقد روي عن بعض القَرَأَة أنه كان يقرأ : " وقولوا للناس " حُسْنَى " على مثال " فُعلى " .
* * *
واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله : " حُسْنا " و " حَسَنا " . فقال بعض البصريين : هو على أحد وجهين : إما أن يكون يراد بـ " الحَسَن " " الحُسن " وكلاهما لغة ، كما يقال : " البُخل و البَخَل " ، وإما أن يكون جعل " الحُسن " هو " الحَسن " في التشبيه. وذلك أن الحُسن " مصدر " و " الحَسن " هو الشيء الحسن. ويكون ذلك حينئذ كقولك : " إنما أنت أكل وشرب " ، وكما قال الشاعر : (5)
وخيل قد دلفت لها بخيل... تحية بينهم ضرب وجيع (6)
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 153 - 154 ، وسيأتي في هذا الجزء 2 : 357 .
(2) هو كثير عزة .
(3) ديوانه 1 : 53 من قصيدته المشهورة. قلاه يقليه قلى فهو مقلي : كرهه وأبغضه. وتقلى تبغض ، أي استعمل من الفعل أو القول ما يدعو إلى بغضه.
(4) في المطبوعة : " فإن القراء " ، ورددته إلى ما مضى عليه أبو جعفر في عبارته ، كما سلف مرارا .
(5) يقال هو : عمرو بن معد يكرب الزبيدي . (الخزانة 4 : 56) ، وليس في قصيدته التي على هذا الوزن في الأصمعيات : 43 ، ولكنه أتى في نوادر أبي زيد : 149 - 150 أنه لعمرو بن معد يكرب . فكأنه له ، وكأنه سقط من رواية الأصمعي ، وهو في رواية غيره .
(6) نوادر أبي زيد : 150 ، وسيبويه 1 : 365 ، 429 والخزانة 4 : 53 . وغيرها .

(2/294)


فجعل " التحية " ضربا.
وقال آخر : بل " الحُسن " هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و " الحسن " هو البعض من معاني " الحُسن " . قال : ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين : ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ) [ العنكبوت : 8] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن ، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه ، فقال : (وقولوا للناس حسنا) ، يعني بذلك بعض معاني الحُسن.
* * *
قال أبو جعفر : والذي قاله هذا القائل في معنى " الحسن " بضم الحاء وسكون السين ، غير بعيد من الصواب ، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما " الحسن " فإنه صفة وقعت لما وصف به ، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك ، فالصواب من القراءة في قوله : (وقولوا للناس حَسنا) ، لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم : " وقولوا للناس " باستعمال الحَسن من القول ، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول. وذلك نعت لخاص من معاني الحُسن ، وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين ، على قراءته بضم الحاء وسكون السين.
* * *
وأما الذي قرأ ذلك : (وقولوا للناس حسنى) ، فإنه خالف بقراءته إياه كذلك ، قراءة أهل الإسلام. وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك ، خروجها من قراءة أهل الإسلام ، لو لم يكن على خطئها شاهد غيره. فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب ؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بـ " فعلى " " وأفعل " إلا بالألف واللام أو بالإضافة. لا يقال : " جاءني أحسن " ، حتى يقولوا : " الأحسن " . ولا يقال : " أجمل " ، حتى يقولوا ، " الأجمل " . وذلك أن " الأفعل والفعلى " ، لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف ، كما تقول : بل أخوك الأحسن - وبل أختك الحسنى " . وغير جائز أن يقال : امرأة حسنى ، ورجل أحسن.
* * *
وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل

(2/295)


في هذه الآية ، أن يقولوه للناس ، (1) فهو ما : -
1451 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (وقولوا للناس حسنا) ، أمرهم أيضا بعد هذا الخلق : أن يقولوا للناس حسنا : أن يأمروا بـ " لا إله إلا الله " من لم يقلها ورغب عنها ، حتى يقولوها كما قالوها ، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه. وقال الحسن أيضا ، لين القول ، من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم ، وهو مما ارتضاه الله وأحبه.
1452 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (وقولوا للناس حسنا) ، قال ، قولوا للناس معروفا.
1453 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج : (وقولوا للناس حسنا) ، قال : صدقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم.
1454 - وحدثت عن يزيد بن هارون قال ، سمعت سفيان الثوري يقول في قوله : (وقولوا للناس حسنا) ، قال : مروهم بالمعروف ، وانهوهم عن المنكر. (2)
1455 - حدثني هارون بن إدريس الأصم قال ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال ، سألت عطاء بن أبي رباح ، عن قول الله جل ثناؤه : (وقولوا للناس حسنا) ، قال : من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول. قال : وسألت أبا جعفر ، فقال مثل ذلك. (3)
1456 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا القاسم قال ، أخبرنا عبد الملك ،
__________
(1) في المطبوعة : " لأن يقولوه للناس " بزيادة اللام ، فاسدة .
(2) الأثر : 1454 - أخشى أن يكون سقط من إسناده شيء .
(3) الخبر : 1455 - هارون بن إدريس الأصم ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ، ولا وجدته في مكان ، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا 1 : 253 ، و2 : 126 . روى عنه ، عن المحاربي . عبد الملك بن أبي سليمان : هو العرزمي ، أحد الأئمة الثقات الحفاظ . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 /366 - 368 .

(2/296)


عن أبي جعفر وعطاء بن أبي رباح في قوله : (وقولوا للناس حسنا) ، قال : للناس كلهم.
1457 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وأقيموا الصلاة) ، أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها * كما : -
1458 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن مسعود قال : (وأقيموا الصلاة) ، هذه و " إقامة الصلاة " تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع ، والإقبال عليها فيها. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَآتُوا الزَّكَاةَ }
قال أبو جعفر : قد بينا فيما مضى قبل ، معنى " الزكاة " وما أصلها. (2)
* * *
وأما الزكاة التي كان الله أمر بها بني إسرائيل الذين ذكر أمرهم في هذه الآية ، فهي ما : -
1459 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وآتوا الزكاة) ، قال : إيتاء الزكاة ، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة ، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم. كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 241 ، 573 .
(2) انظر ما سلف 1 : 573 - 574 .

(2/297)


فتحملها ، فكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل ، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل : من ظلم أو غشم ، أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له.
1460 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وآتوا الزكاة) ، يعني " بالزكاة " : طاعة الله والإخلاص.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل ، أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه ، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له ، بأن لا يعبدوا غيره ، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات ، ويصلوا الأرحام ، ويتعطفوا على الأيتام ، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم ، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته ، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها ، ويؤتوا زكاة أموالهم - فخالفوا أمره في ذلك كله ، وتولوا عنه معرضين ، إلا من عصمه الله منهم ، فوفى لله بعهده وميثاقه ، كما : -
1461 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني : على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به ، أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية ، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم ، وهم الذين استثنى الله فقال : (ثم توليتم) ، يقول : أعرضتم عن طاعتي ، (إلا قليلا منكم) ، قال : القليل الذين اخترتهم

(2/298)


لطاعتي ، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول : تركها استخفافا بها. (1) .
1462 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس : (ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) ، أي تركتم ذلك كله.
* * *
وقال بعضهم : عنى الله جل ثناؤه بقوله : (وأنتم معرضون) ، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنى بسائر الآية أسلافهم. كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام : (ثم توليتم إلا قليلا منكم) : ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم ، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم - على ما ذكرناه فيما مضى قبل - (2) ثم قال : وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك ، وتاركوه ترك أوائلكم.
* * *
وقال آخرون : بل قوله : (ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) ، خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل ، وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة ، وتبديلهم أمر الله ، وركوبهم معاصيه.
* * *
__________
(1) انظر معنى " تولى " فيما سلف من هذا الجزء 2 : 162 .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 38 ، 39 ثم : 164 ، ثم : 245 ، ثم 302 .

(2/299)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ }
قال أبو جعفر : قوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) في المعنى والإعراب نظير قوله : (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله).
* * *

(2/299)


وأما " سفك الدم " ، فإنه صبه وإراقته.
* * *
فإن قال قائل : وما معنى قوله : (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) ؟ وقال : أو كان القوم يقتلون أنفسهم ويخرجونها من ديارها ، فنهوا عن ذلك ؟ قيل : ليس الأمر في ذلك على ما ظننت ، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا. فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه ، إذ كانت ملتهما[واحدة ، فهما] بمنزلة رجل واحد. كما قال عليه السلام : (1)
1463 - " إنما المؤمنون في تراحُمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد ، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " . (2)
* * *
وقد يجوز أن يكون معنى قوله : (لا تسفكون دماءكم) ، أي : لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم ، فيقاد به قصاصا ، فيكون بذلك قاتلا نفسه ، لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل. فأضيف بذلك إليه ، قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه. كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة ، فيعاقب العقوبة : " أنت جنيت هذا على نفسك " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1464 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله(وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) ، أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) ، ونفسُك يا ابن آدم أهل ملتك.
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وإلا فسد الكلام .
(2) الحديث : 1463 - هكذا رواه الطبري معلقا . والظاهر أنه رواه بالمعنى أيضًا . ولفظه في صحيح مسلم 2 : 284 ، من حديث النعمان بن بشير : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " . وكذلك رواه أحمد في المسند (4 : 270 حلبي) . ورواه البخاري بنحو معناه 10 : 367 (من الفتح) .

(2/300)


1465 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) ، يقول : لا يقتل بعضكم بعضا ، (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) ، يقول : لا يخرج بعضكم بعضا من الديار.
1466 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : (لا تسفكون دماءكم) ، يقول : لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق ، (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) ، فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (ثم أقررتم) ، بالميثاق الذي أخذنا عليكم : لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ، كما : -
1467 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ثم أقررتم) ، يقول : أقررتم بهذا الميثاق.
1468 - وحدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله : (وأنتم تشهدون). فقال بعضهم : ذلك خطاب من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام هجرته إليه ، مؤنبا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها ، فقال الله تعالى لهم : (ثم أقررتم) ،

(2/301)


يعني بذلك ، إقرار أوائلكم وسلفكم ، (وأنتم تشهدون) على إقرارهم بأخذ الميثاق عليهم ، بأن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، وتصدقون بأن ذلك حق من ميثاقي عليهم. وممن حُكي معنى هذا القول عنه ، ابنُ عباس.
1469 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون) أن هذا حق من ميثاقي عليكم.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم ، ولكنه تعالى ذكره أخرج الخبر بذلك عنهم مُخرج المخاطبة ، على النحو الذي وصفنا في سائر الآيات التي هي نظائرها ، التي قد بينا تأويلها فيما مضى. (1)
* * *
وتأولوا قوله : (وأنتم تشهدون) ، على معنى : وأنتم شهود.
* ذكر من قال ذلك :
1470 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قوله : (وأنتم تشهدون) ، يقول : وأنتم شهود.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي : أن يكون قوله : (وأنتم تشهدون) خبرا عن أسلافهم ، وداخلا فيه المخاطبون منهم ، الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان قوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم) خبرا عن أسلافهم ، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2) لأن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل - على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه - فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة ، مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم. ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم
__________
(1) انظر ما سلف : 2 : 298 ، تعليق : 2 ، والمراجع .
(2) في المطبوعة : " بأن كان خطابا . . " ، وهو لا يستقيم .

(2/302)


ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

ذلك الميثاق ، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود ، (1) بقوله : (ثم أقررتم وأنتم تشهدون). فإذْ كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم منهم ، (2) فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده ، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة. لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله : (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) - وما أشبه ذلك من الآي - بعضهم دون بعض. والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم. فإذْ كان ذلك كذلك ، (3) فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض. وكذلك حكم الآية التي بعدها ، أعني قوله : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) الآية. لأنه قد ذكر لنا أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }
قال أبو جعفر : ويتجه في قوله : (ثم أنتم هؤلاء) وجهان. أحدهما أن يكون أريد به : ثم أنتم يا هؤلاء ، فترك " يا " استغناء بدلالة الكلام عليه ، كما قال : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) [ يوسف : 29] ، وتأويله : يا يوسف أعرض عن هذا. فيكون معنى الكلام حينئذ : ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم : لا تسفكون دماءكم ، ولا تخرجون أنفسكم
__________
(1) سياق العبارة : " وتكذيبهم ما وكدوا من العهود على أنفسهم بالوفاء له . . " ، فقدم وأخر .
(2) في المطبوعة : " فإن كان خارجا . . " وهو تصحيف لا يستقيم .
(3) في المطبوعة : " فإن كان ذلك كذلك " ، وهو تصحيف لا يستقيم أيضًا .

(2/303)


من دياركم ، ثم أقررتم بعد شهادتكم على أنفسكم (1) بأن ذلك حق لي عليكم ، لازم لكم الوفاء لي به - تقتلون أنفسكم ، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، متعاونين عليهم ، في إخراجكم إياهم ، بالإثم والعدوان. (2)
* * *
والتعاون هو " التظاهر " . وإنما قيل للتعاون " التظاهر " ، (3) لتقوية بعضهم ظهر بعض. فهو " تفاعل " من " الظهر " ، وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.
* * *
والوجه الآخر : أن يكون معناه : ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم. فيرجع إلى الخبر عن " أنتم " . وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم " بهؤلاء " ، كما تقول العرب : " أنا ذا أقوم ، وأنا هذا أجلس " ، (4) وإذْ قيل : " أنا هذا أجلس " كان صحيحا جائزا كذلك : أنت ذاك تقوم " .
وقد زعم بعض البصريين أن قوله " هؤلاء " في قوله : (ثم أنتم هؤلاء) ، تنبيه وتوكيد لـ " أنتم " . وزعم أن " أنتم " وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين ، فإنما جاز أن يؤكدوا بـ " هؤلاء " و " أولاء " ، (5) لأنها كناية عن المخاطبين ، كما قال خفاف بن ندبة :
أقول له والرمح يَأطر متنه : ... تبين خُفافا إنني أنا ذلكا (6)
يريد : أنا هذا ، وكما قال جل ثناؤه : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
__________
(1) في المطبوعة : " ثم أقررتم وبعد شهادتكم . . " والواو لا مكان لها هنا .
(2) في المطبوعة " متعاونين عليه في إخراجكم . . " ، وهذا سهو .
(3) في المطبوعة : " وإنما قيل التعاون التظاهر . . " وهذا لا شيء .
(4) في المطبوعة : " ولوقيل . أنا هذا أجلس " . والصواب ما أثبت .
(5) في المطبوعة : " وأولى " ، وهو خطأ . ويعني قوله تعالى في سورة آل عمران : 119 : " ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم " ، وقوله تعالى في سورة طه : 84 : " قال هم أولاء على أثرى " .
(6) مضى تخريجه فيما سلف 1 : 227 .

(2/304)


بِهِمْ ) [ يونس : 22]
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية ، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله : (وأنتم تشهدون) * ذكر اختلاف المختلفين في ذلك :
1471 - حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) إلى أهل الشرك ، (1) حتى تسفكوا دماءهم معهم ، وتخرجوهم من ديارهم معهم. (2) قال : أنبهم الله [على ذلك] من فعلهم ، (3) وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم ، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم ، فكانوا فريقين : طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج ، والنضير وقريظة حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس ، يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة ، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ، (4) لا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا بعثا ولا قيامة ، ولا كتابا ، ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها ، افتدوا أسراهم ، تصديقا لما في التوراة ، وأخذا به ، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس ،
__________
(1) في تفسير ابن كثير 1 : 223 ، والدر المنثور 1 : 86 : " أي أهل الشرك " ، والصواب ما في الطبري ، وقوله : " إلى أهل الشرك " ، أي تخرجون فريقا منكم - إلى أهل الشرك .
(2) في المطبوعة : " فقال أنبهم " ، والأجود حذفها .
(3) ما بين القوسين زيادة لا بد منها . وأما ابن كثير في تفسيره 1 : 223 فكتب : " أنبأهم الله بذلك من فعلهم " ، وهو تحريف .
(4) في المطبوعة : " أهل الشرك " ، والصواب في سيرة ابن هشام 2 : 188 ، وابن كثير 1 : 224 .

(2/305)


وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم ، ويطلون ما أصابوا من الدماء ، (1) وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم ، (2) مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره ، حين أنبهم بذلك : (3) (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل ، ولا يخرج من داره ، (4) ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا.
ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة. (5)
1472 - وحدثني موسى بن هارون قال ، حدثني عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون) قال : إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة : أن لا يقتل بعضهم بعضا ، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه ، فأعتقوه. (6) فكانت قريظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، فكانوا يقتتلون في حرب سُمير. (7) فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها ، النضير وحلفاءها. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ، فيغلبونهم ، فيخربون بيوتهم ، ويخرجونهم منها. فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما ، جمعوا له حتى
__________
(1) طل دمه وأطله : أهدره وأبطله .
(2) في المطبوعة : " وقتلوا من قتلوا . . " ، والصواب من ابن هشام 2 : 189 .
(3) في المطبوعة : " أنباهم بذلك " ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام 2 : 189 ، وسترى ذلك في تفسير الآية نفسها بعد .
(4) في المطبوعة : " من ذلك " ، وهو محض خطأ .
(5) هذه الجملة الأخيرة من كلام ابن إسحاق ، لا من كلام ابن عباس .
(6) في المطبوعة : " بما قدم يمينه فأعتقوه " . وهو كلام من السقم بمكان . يقال : قامت الأمة مئة دينار ، أي بلغت قيمتها مئة دينار . ويقال : كم قامت أمتك ؟ أي كم بلغت ؟ ووجدتها في تفسير البغوي على الصواب : " بما قام من ثمنه " 1 : 224 (بهامش تفسير ابن كثير) .
(7) حرب سُمير . كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج . وسُمير رجل من بني عمرو بن عوف . وانظر خبر هذه الحرب في الأغاني 3 : 18 : 26 .

(2/306)


يفدوه ، فتعيرهم العرب بذلك ، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، وحرم علينا قتالهم. قالوا : فلم تقاتلونهم ؟ قالوا : إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا. فذلك حين عيرهم جل وعز فقال : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان).
1473 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : كانت قريظة والنضير أخوين ، وكانوا بهذه المثابة ، (1) وكان الكتاب بأيديهم. وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا ، وافترقت قريظة والنضير ، فكانت النضير مع الخزرج ، وكانت قريظة مع الأوس ، فاقتتلوا. وكان بعضهم يقتل بعضا ، فقال الله جل ثناؤه : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) الآية.
* * *
وقال آخرون بما : -
1474 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : كان في بني إسرائيل : إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.
* * *
قال أبو جعفر : وأما " العدوان " فهو " الفعلان " من " التعدي " ، يقال منه : " عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا ، واعتدى يعتدي اعتداء " ، وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا.
* * *
وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة : (تظاهرون) . (2) فقرأها بعضهم : " تظاهرون " على مثال " تفاعلون " فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة. وقرأها آخرون :
__________
(1) المثابة : يعني المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمثابة المنزل ، لأن أهله يتصرفون في أمورهم ثم يثوبون إليه ، يرجعون إليه . وقال الله تعالى : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا "
(2) في المطبوعة : " وقد اختلف القراء " ، ورددتها إلى منهج الطبري .

(2/307)


(تظَّاهرون) ، فشدد ، بتأويل : (تتظاهرون) ، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء ، لتقارب مخرجيهما ، فصيروهما ظاء مشددة. وهاتان القراءتان ، وإن اختلفت ألفاظهما ، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان ، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد ، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى ، إلا أن يختار مختار " تظاهرون " المشددة طلبا منه تتمة الكلمة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) اليهود. يوبخهم بذلك ، ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها ، فقال لهم : ثم أنتم - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم : أن لا تسفكوا دماءكم ، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم - تقتلون أنفسكم يعني به : يقتل بعضكم بعضا وأنتم ، مع قتلكم من تقتلون منكم ، إذا وجدتم الأسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم ، تفدونه ، (1) ويخرج بعضكم بعضا من دياره. وقتلكم إياهم وإخراجكموهم من ديارهم ، حرام عليكم ، وتركهم أسرى في أيدي عدوكم [حرام عليكم] ، (2) فكيف تستجيزون قتلهم ، ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم ؟ أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم ، وتستجيزون قتلهم ؟ وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم - سواء. (3) لأن الذي حرمت عليكم
__________
(1) في المطبوعة : " تفدوهم " ، خطأ .
(2) الزيادة بين القوسين لا معدى عنها لاستقامة الكلام .
(3) في المطبوعة : " وهم جميعا " ، والصواب ما أثبت .

(2/308)


من قتلهم وإخراجهم من دورهم ، نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب - الذي فرضت عليكم فيه فرائضي ، وبينت لكم فيه حدودي ، وأخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي - فتصدقون به ، فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم; وتكفرون ببعضه ، فتجحدونه ، فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم ، وتخرجونهم من ديارهم ؟ وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي ؟ كما : -
1475 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تَفْدُوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، [أفتؤمنون ببعض الكتاب فادين ، وتكفرون ببعض قاتلين ومخرجين] ؟ (1) والله إن فداءهم لإيمان ، وإن إخراجهم لكفر. فكانوا يخرجونهم من ديارهم ، وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم أفتكوهم.
1476 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس : (وإن يأتوكم أسارى تَفْدوهم) ، قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم ، (وهو محرم عليكم) في كتابكم(إخراجهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، أتفادونهم مؤمنين بذلك ، وتخرجونهم كفرا بذلك.
1477 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم) يقول : إن وجدته في يد غيرك فديته ، وأنت تقتله بيدك ؟
__________
(1) كان في المطبوعة : " . . وتكفرون ببعض فادين والله إن فداء لإيمان " ، وهو كلام مضطرب فزدت ما بين القوسين استظهارا ، حتى يستقيم الكلام .

(2/309)


1478 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر قال ، قال أبو جعفر : كان قتادة يقول في قوله : (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، فكان إخراجهم كفرا ، وفداؤهم إيمانا.
1479 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) الآية ، قال : كان في بني إسرائيل : إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم ، وقد أخذ عليهم الميثاق : أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، وأخذ عليهم الميثاق : إن أسر بعضهم أن يفادوهم. فأخرجوهم من ديارهم ، ثم فادوهم ، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. آمنوا بالفداء ففدوا ، وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا.
1480 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر قال ، حدثنا الربيع بن أنس قال ، أخبرني أبو العالية : أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب ، ولا يفادي من وقع عليه العرب ، فقال له عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك : أن فادوهن كلهن.
1481 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، قال : كفرهم القتل والإخراج ، وإيمانهم الفداء. قال ابن جريج : يقول : إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم ، وأما إذا أسروا تفدونهم ؟ (1) وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل : إن بني إسرائيل قد مضوا ، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث.
* * *
قال أبو جعفر : واختلف الْقَرَأَة (2) في قراءة قوله : (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم).
__________
(1) في المطبوعة : " تفدوهم " ، خطأ .
(2) في المطبوعة : " واختلف القراء " ، ورددته إلى نهج أبي جعفر .

(2/310)


فقرأه بعضهم : (أسرى تَفْدوهم) ، وبعضهم : (أُسارى تُفادوهم) ، وبعضهم(أُسارى تَفدوهم) ، وبعضهم : (أسرى تفادوهم).
* * *
قال أبو جعفر : فمن قرأ ذلك : (وإن يأتوكم أسرى) ، فإنه أراد جمع " الأسير " ، إذ كان على " فعيل " ، على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير " فعيل " ، إذ كان " الأسر " شبيه المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات ، وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا ، فقيل : أسير وأسرى " ، كما قيل : " مريض ومرضى ، وكسير وكَسرى ، وجريح وجرحى " .
* * *
وقال أبو جعفر : وأما الذين قرءوا ذلك : (أُسارى) ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع " فَعلان " ، إذ كان جمع " فَعلان " الذي له " فَعلى " قد يشارك جمع " فعيل " كما قالوا : " سَكارى وسَكرى ، وكَسالى وكَسلى " ، فشبهوا " أسيرا " - وجمعوه مرة " أسارى " ، وأخرى " أسرى " - بذلك .
* * *
وكان بعضهم يزعم أن معنى " الأسرى " مخالف معنى " الأسارى " ، ويزعم أن معنى " الأسرى " استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم ، وأن معنى " الأسارى " معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة.
قال أبو جعفر : وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفت من جمع " الأسير " مرة على " فَعلى " لما بينت من العلة ، ومرة على " فُعالى " ، لما ذكرت : من تشبيههم جمعه بجمع " سكران وكسلان " وما أشبه ذلك.
* * *
وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ(وإن يأتوكم أسرى) ، لأن " فعالى " في جمع " فعيل " غير مستفيض في كلام العرب ، فإذ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم ، وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات - التي بمعنى

(2/311)


الآلام والزمانة - وواحده على تقدير " فعيل " ، على " فعلى " ، كالذي وصفنا قبل ، وكان أحد ذلك " الأسير " ، كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله ، فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها.
* * *
وأما من قرأ : (تفادوهم) ، فإنه أراد : أنكم تفدونهم من أسرهم ، ويفدي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم.
* * *
وأما من قرأ ذلك(تفدوهم) ، فإنه أراد : إنكم يا معشر اليهود ، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم.
وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى - أعني : (أسرى تفادوهم) - (1) لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال ، فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم.
* * *
وأما قوله : (وهو محرم عليكم إخراجهم) ، فإن في قوله : (وهو) وجهين من التأويل. أحدهما : أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره. كأنه قال : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر " الإخراج " الذي بعد " وهو محرم عليكم " تكريرا على " هو " ، لما حال بين " الإخراج " و " هو " كلام.
والتأويل الثاني : أن يكون عمادا ، لمّا كانت " الواو " التي مع " هو " تقتضي اسما يليها دون الفعل. (2) فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه " الواو " أن يليها - أُولِيَتْ " هو " ، لأنه اسم ، كما تقول : " أتيتك وهو قائم أبوك " ، بمعنى : " وأبوك قائم " ، إذ كانت " الواو " تقتضي اسما ، فعمدت بـ " هو " ، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام. (3) كما قال الشاعر :
__________
(1) في المطبوعة : " أسرى تفدوهم " ، وهو غير الصواب ، فيما اختاره أبو جعفر من القراءة .
(2) العماد ، هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم : " ضمير الفصل " ، ويسمى أيضًا : " دعامة " ، " صفة " . وأراد بقوله : " الفعل " هنا : المشتق الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل . وسيتبين مراده في العبارات الآتية .
(3) قد استوفى هذا كله الفراء في معاني القرآن 1 : 50 - 52 .

(2/312)


فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته... على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ (1) بأن السُّلامِيَّ الذي بِضَرِيَّة ... أميرَ الحمى ، قد باع حَقِّي بني عبسِ (2) بثوب ودينار وشاة ودرهم... فهل هو مرفوع بما ههنا رَأْسُ (3)
فأوليت " هل " " هو " لطلبها الاسم العماد. (4)
* * *
__________
(1) سيأتي الشطر الثاني من البيت الأخير في 11 : 34 ، 17 : 73 ولم أجد الشعر في غير معاني القرآن للفراء 1 : 52 ، ولم أعرف قائله. والعيس : إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة ، وهي من كرائم الإبل. ويبس يابس. قد يبس العرق في آباطها من طول الرحلة.
(2) السلامي : يعني رجلا كان - فيما أرجح - مصدقا وعاملا على الزكاة ، وأميرا على حمى ضرية ، ولست أعرف نسبته ، أهي قبيلة أم إلى بلد . وحمى ضرية : في نجد ، على طريق البصرة إلى مكة ، وهي إلى مكة أقرب ، وهي أرض طيبة مذكورة في شعرهم . وفي البيت إقواء .
(3) سيأتي الشطر الثاني بعد قليل : 374 قوله : " بثوب " ، متعلق بقوله آنفًا " باع " . يقول : أخذ هذه الرشى التي عددها من بني عبس ، فأسلم إليهم حقي . وقوله : " فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس " يقوله لأبي يحيى الذي ذكره ، ويقول : فهل نجد ناصرا ينصرنا وياخذ لناحقنا ، فنرفع رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم . وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك . قال الراعي (طبقات فحول الشعراء : 442) : فإن رفعت بهم رأسا نَعَشْتُهم ... وإن لَقُوا مثلها في قابل فسدوا
وقال أعرابي : فتى مثل ضوء الشمس ، ليس بباخل ... بخير ، ولا مهد ملاما لباخل
ولا ناطق عوراء تؤذى جليسه ... ولا رافع رأسا بعوراء قائل
وجاءت هذه الكلمة في (باب فضل من علم وعلم) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (البخاري 1 : 23) : " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .
(4) في المطبوعة : " فأوليت هل لطلبها " ، وزيادة " هو " لا بد منها .

(2/313)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) : فليس لمن قتل منكم قتيلا فكفر بقتله إياه ، بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة - وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم أعداءهم من أهل الشرك ظلما وعدوانا وخلافا لما أمره الله به في كتابه الذي أنزله إلى موسى جزاء - يعني " بالجزاء " : الثواب ، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه - (1) إلا خزي في الحياة الدنيا. و " الخزي " : الذل والصغار ، يقال منه : " خزي الرجل يخزى خزيا " ، (في الحياة الدنيا) ، يعني : في عاجل الدنيا قبل الآخرة.
* * *
ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه. فقال بعضهم : ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : من أخذ القاتل بمن قتل ، والقود به قصاصا ، والانتقام للمظلوم من الظالم.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك ، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم ، ذلة لهم وصغارا.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك الخزي الذي جوزوا به في الدنيا : إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير من ديارهم لأول الحشر ، وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم ، فكان ذلك خزيا في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 27 - 28 من هذا الجزء .

(2/314)


* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) : ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه.
* * *
وقد قال بعضهم : معنى ذلك : ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا. (1)
ولا معنى لقول قائل ذلك. (2) ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب ، ولذلك أدخل فيه " الألف واللام " ، لأنه عنى به جنس العذاب كله ، دون نوع منه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) }
قال أبو جعفر : اختلف الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم : (وما الله بغافل عما يعملون) بـ " الياء " ، على وجه الإخبار عنهم ، فكأنهم نحوا بقراءتهم معنى : (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون) ، يعني : عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه ليس لهم جزاء على فعلهم إلا الخزي في الحياة الدنيا ، ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب.
* * *
وقرأه آخرون : (وما الله بغافل عما تعملون) بـ " التاء " على وجه المخاطبة.
__________
(1) في المطبوعة : " إلى أشد العذاب من عذاب الدنيا " ، والصواب حذف " العذاب " .
(2) في المطبوعة : " ولا معنىلقول ذلك بأن . . " والصواب زيادة " ذلك " .

(2/315)


أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

قال : فكأنهم نحوا بقراءتهم : (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض). وما الله بغافل ، يا معشر اليهود ، عما تعملون أنتم.
* * *
وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ بـ " الياء " ، اتباعا لقوله : (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) ، ولقوله : (ويوم القيامة يردون). لأن قوله : (وما الله بغافل عما يعملون) إلى ذلك ، أقرب منه إلى قوله : (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ، فاتباعه الأقرب إليه ، أولى من إلحاقه بالأبعد منه. والوجه الآخر غير بعيد من الصواب.
* * *
وتأويل قوله : " وما الله بغافل عما يعملون " ، (1) وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة ، بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة ، ويخزيهم في الدنيا ، فيذلهم ويفضحهم. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ، فيفادون أسراهم من اليهود ، ويكفرون ببعض ، فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم ، ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره ، نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء [هم] الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم ، (3) وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها بالإيمان ، الذي كان يكون لهم به في الآخرة - لو كانوا أتوا به مكان الكفر - الخلود في الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه
__________
(1) في المطبوعة : " وتأويل قوله : وما الله بساه " ، لم يذكر الآية ، والصواب إثباتها .
(2) مضى تفسير معنى " الغفلة " فيما سلف من هذا الجزء 2 : 244
(3) ما بين القوسين زيادة ، لا يستقيم الكلام بطرحها .

(2/316)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)

بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها ، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين. فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله ، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا ، (1) كما : -
1482 - حدثنا بشر ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) ، استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة. (2)
* * *
قال أبو جعفر : ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذْ باعوا حظوظهم من نعيم الآخرة - بتركهم طاعته ، وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه - لا حظ لهم في نعيم الآخرة ، وأن الذي لهم في الآخرة العذاب ، غير مخفف عنهم فيها العذاب. لأن الذي يخفف عنه فيها من العذاب ، هو الذي له حظ في نعيمها ، ولا حظ لهؤلاء ، لاشترائهم - بالذي كان في الدنيا - دنياهم بآخرتهم. (3)
* * *
وأما قوله : (ولا هم ينصرون) فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الآخرة أحد ، فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله - لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (آتينا موسى الكتاب) : أنزلناه إليه. وقد بينا أن معنى " الإيتاء " الإعطاء ، فيما مضى قبل. (4)
* * *
__________
(1) انظر ما مضى 1 : 312 : - 315 في معنى " الاشتراء " .
(2) الأثر : 1482 - كان في المطبوعة : " حدثنا يزيد . . " بإسقاط : " حدثنا بشر قال " ، وهذا إسناده إلى قتادة ، كثير الدوران ، وأقربه فيما مضى رقم : 1475 .
(3) في المطبوعة : " لاشترائهم الذي كان في الدنيا ودنياهم بآخرتهم " ، وهو كلام سقيم ، ولعل الصواب ما أثبت .
(4) انظر ما سلف 1 : 574 .

(2/317)


و " الكتاب " الذي آتاه الله موسى عليه السلام ، هو التوراة.
وأما قوله : (وقفينا) ، فإنه يعني : وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض ، كما يقفو الرجل الرجل : إذا سار في أثره من ورائه. وأصله من " القفا " ، يقال منه : " قفوت فلانا : إذا صرت خلف قفاه ، كما يقال : " دبرته " : إذا صرت في دبره.
* * *
ويعني بقوله : (من بعده) ، من بعد موسى.
* * *
ويعني بـ(الرسل) : الأنبياء ، وهم جمع " رسول " . يقال : " هو رسول وهم رسل " ، كما يقال : " هو صبور وهم قوم صبر ، وهو رجل شكور وهم قوم شكر.
* * *
وإنما يعني جل ثناؤه بقوله : (وقفينا من بعده بالرسل) ، أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى ابن مريم ، فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة ، والعمل بما فيها ، والدعاء إلى ما فيها. فلذلك قيل : (وقفينا من بعده بالرسل) ، يعني على منهاجه وشريعته ، والعمل بما كان يعمل به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (وآتينا عيسى ابن مريم البينات) ، أعطينا عيسى ابن مريم.
* * *
ويعني بـ " البينات " التي آتاه الله إياها : ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته : من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه ، ونحو ذلك من الآيات ، التي أبانت منزلته من الله ، ودلت على صدقه وصحة نبوته ، كما : -
1483 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثنا محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن

(2/318)


عباس : (وآتينا عيسى ابن مريم البينات) : أي الآيات التي وضع على يديه : من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم من التوراة ، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ }
قال أبو جعفر : أما معنى قوله : (وأيدناه) ، فإنه قويناه فأعناه ، كما : -
1484 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : (وأيدناه) ، يقول : نصرناه. يقال منه : " أيدك الله " ، أي قواك ، " وهو رجل ذو أَيْد ، وذو آد " ، يراد : ذو قوة. ومنه قول العجاج :
من أن تبدلت بآدي آدا (1) *
يعني : بشبابي قوة المشيب ، ومنه قول الآخر : (2)
إن القداح إذا اجتمعن فرامها... بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد
__________
(1) زيادة ديوانه : 76 ، واللسان (آود) (أيد) ومجاز القرآن : 46 ، وأمالي الزجاجي : 39 في خبر ، ورواه : فإن تبدلت بآدي آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا
فقد أراني أصل القعادا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقعاد : القواعد من النساء ، جمع على جمع المذكر ، كما قال القطامي : أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد
يعني : غير صواد .
(2) ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان ، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى ابن أبي عمرة الشيباني . مولى بني شيبان (تاريخ الطبري 4 : 22 / وسمط اللآلئ : 963 ترجمته) .

(2/319)


(1)
يعني بالأيد : القوي.
* * *
ثم اختلف في تأويل قوله : (بروح القدس). فقال بعضهم : " روح القدس " الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به ، هو جبريل عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك :
1485 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (وأيدناه بروح القدس) قال : هو جبريل.
1486 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (وأيدناه بروح القدس) ، قال : هو جبريل عليه السلام.
1487 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : (وأيدناه بروح القدس) ، قال : روح القدس ، جبريل.
1488 - حدثنا عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (وأيدناه بروح القدس) ، قال : أيد عيسى بجبريل ، وهو روح القدس.
1489 - وقال ابن حميد ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي ، عن شهر بن حوشب الأشعري : أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الروح. قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ؟ وهو [الذي]
__________
(1) البيت من أبيات جياد رواها أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي ورقة : 105 ، 106 ، والمسعودى في مروج الذهب 3 : 104 ، ولباب الآداب : 31 ، وجاء بيت الشاهد في تاريخ الإسلام للذهبي 3 : 280 ، وتاريخ ابن كثير 9 : 67 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 147 ، واختلفت رواية البيت الشاهد . وقد أوصى عبد الملك بن مروان بنيه وصية جليلة ، ثم قال لهم احفظوا عني هذه الأبيات - يعني شعر عبد الله بن عبد الأعلى - أمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فتذهب ريحهم . وبعد البيت : عزت ولم تكسر ، وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد

(2/320)


يأتيني ؟ قالوا : نعم. (1)
وقال آخرون : الروح الذي أيد الله به عيسى ، هو الإنجيل.
* ذكر من قال ذلك :
1490 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وأيدناه بروح القدس) ، قال : أيد الله عيسى بالإنجيل روحا ، كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله ، كما قال الله : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) [ الشورى : 52].
* * *
وقال آخرون : هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.
* ذكر من قال ذلك :
1491 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (وأيدناه بروح القدس) ، قال : هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال : " الروح " في هذا الموضع جبريل. لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به ، كما أخبر في قوله : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا
__________
(1) الحديث : 1489 - وقع في المطبوعة " حدثنا سلمة ، عن إسحاق " . وهو خطأ ، صوابه " عن ابن إسحاق " . عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي : ثقة فقيه ، من شيوخ الليث ومالك . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 /97 . شهر بن حوشب الأشعري : تابعي ثقة ، ومن تكلم فيه فلا حجة له . وقد فصلنا القول في توثيقه ، في شرح المسند : 5007 . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري . 2 /2 / 659 - 260 ، وابن سعد 7 /2 /158 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 382 - 383 . ولكن هذا الحديث مرسل ، فإن شهرا تابعي كما قلنا . ومعناه - في تفسير " الروح " بأنه جبريل - ثابت في أحاديث صحاح متكاثرة . ذكر منها ابن كثير 1 : 227 حديث ابن مسعود ، في صحيح ابن حبان ، مرفوعا : " إن روح القدس نقث في روعي : أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " . وقد ذكرنا في شرحنا رسالة الشافعي . رقم : 306 كثيرا من هذا المعنى . وهذا الحديث جزء من حديث مطول ، سيأتي بهذا الإسناد رقم : 1606 .

(2/321)


وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ) [المائدة : 110] ، فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل ، لكان قوله : " إذ أيدتك بروح القدس " ، و " إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " ، تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه على تأويل قول من قال : معنى(إذ أيدتك بروح القدس) ، إنما هو : إذ أيدتك بالإنجيل - وإذ علمتك الإنجيل. وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو مُعَلَّمُه ، فذلك تكرير كلام واحد ، من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر. وذلك خلف من الكلام ، (1) والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة. وإذْ كان ذلك كذلك ، فَبَيِّنٌ فساد قول من زعم أن " الروح " في هذا الموضع ، الإنجيل ، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة ، وتنتعش بها النفوس المولية ، وتهتدي بها الأحلام الضالة.
* * *
وإنما سمى الله تعالى جبريل " روحا " وأضافه إلى " القدس " ، لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده ، من غير ولادة والد ولده ، فسماه بذلك " روحا " ، وأضافه إلى " القدس " - و " القدس " ، هو الطهر - كما سمي عيسى ابن مريم " روحا " لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده.
* * *
وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا ، أن معنى " التقديس " : التطهير ، و " القدس " - الطهر ، من ذلك. وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه. (2)
1492 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : القدس ، البركة.
1493 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه قال : القدس ، وهو الرب تعالى ذكره.
__________
(1) الخلف : الرديء الفاسد من القول . يقال في المثل : " سكت ألفا ونطق خلفا " ، للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ والخطل .
(2) انظر ما سلف 1 : 475 - 476 .

(2/322)


1494 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (وأيدناه بروح القدس) ، قال : الله ، القدس ، وأيد عيسى بروحه ، قال : نعت الله ، القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه : ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ) [الحشر : 23] ، قال : القدس والقدوس ، واحد.
1495 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، [عن هلال] بن أسامة ، عن عطاء بن يسار قال ، قال كعب : الله ، القدس. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم) ، اليهود من بني إسرائيل.
1496 - حدثني بذلك محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد.
* * *
قال أبو جعفر : يقول الله جل ثناؤه لهم : يا معشر يهود بني إسرائيل ، لقد آتينا موسى التوراة ، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم ، وآتينا عيسى ابن مريم
__________
(1) الخبر : 1495 - هو كلمة من كلام كعب الأحبار. أما الإسناد إليه ففيه إشكال. ولعله خطأ من الناسخين. فليس في الرواة - فيما علمنا - من يسمى " سعيد بن أبي هلال بن أسامة " كما كان في المطبوعة. وإنما صوابه ما رجحنا إثباته ، بزيادة [عن هلال].
فسعيد بن أبي هلال الليثي المدني المصري : ثقة من أتباع التابعين ، يروي عنه عمرو بن الحارث (الذي سبقت ترجمته في 1387). وسعيد مترجم في التهذيب ، وفي الكبير للبخاري 2 / 1 /475 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 71 . وهلال بن أسامة : هو : " هلال بن علي بن أسامة المدني " ، وبعضهم نسبه إلى جده ، فقال : ابن أسامة " ، كما في التهذيب ، وهو ثقة. مترجم أيضًا في الكبير للبخاري 4 / 2 /204 - 205 ، وابن أبي حاتم 4 /2 /76. وقد فصلنا القول في ترجمته ، في شرح المسند : 7346.

(2/323)


وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)

البينات والحجج ، إذ بعثناه إليكم ، وقويناه بروح القدس ، وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس ، فكذبتم بعضا منهم. وقتلتم بعضا. فهذا فعلكم أبدا برسلي.
* * *
وقوله : (أفكلما) ، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب ، فهو بمعنى الخبر.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ }
قال أبو جعفر : اختلفت الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم : (وقالوا قلوبنا غُلْف) مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. وقرأه بعضهم : " وقالوا قلوبنا غُلُف " مثقلة اللام مضمومة.
* * *
فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها ، فإنهم تأولوها ، أنهم قالوا : قلوبنا في أكنة وأغطية وغلْف. و " الغلْف " - على قراءة هؤلاء - جمع " أغلف " ، وهو الذي في غلاف وغطاء ، كما يقال للرجل الذي لم يختتن " أغلف " ، والمرأة " غلفاء " . وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه : " سيف أغلف " ، وقوس غلفاء " وجمعها " غُلْف " ، وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على " أفعل " وأنثاه على " فعلاء " ، يجمع على " فُعْل " مضمومة الأول ساكنة الثاني ، مثل : " أحمر وحمر ، وأصفر وصفر " ، فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير. ولا يجوز تثقيل عين " فعل " منه ، إلا في ضرورة شعر ، كما قال طرفة بن العبد : (1)
أيها الفتيان في مجلسنا... جردوا منها وِرادا وشُقُر
__________
(1) ديوانه (أشعار الستة الجاهليين) : 331 ، من قصيدة نفيسة .

(2/324)


(1)
يريد : شُقْرًا ، إلا أن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه. ومنه الخبر الذي : -
1497 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال ، حدثنا عمرو بن قيس الملائي ، عن عمرو بن مرة الجملي ، عن أبي البختري ، عن حذيفة قال : القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر : وقلب أغلف معصوب عليه ، فذلك قلب الكافر. (2)
* * *
* ذكر من قال ذلك ، يعني أنها في أغطية.
1498 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق
__________
(1) جردوا : قدموا للغارة . وتجرد الفرس : تقدم الحلبة فخرج منها . وتجرد في الأمر : جد فيه . وراد جمع ورد (بفتح فسكون) وهو من الخيل ، بين الكميت والأشقر . والأشقر : الأحمر حمرة صافية ، يحمر منها السبيب والمعرفة والناصية . والعرب تقول : أكرم الخيل وذوات الخير منها شقرها .
(2) الخبر : 1497 - هذا موقوف على حذيفة ، وإسناده جيد ، إلا أنه منقطع ، كما سنبين ، إن شاء الله. الحكم بن بشير بن سلمان النهدي الكوفي : ثقة ، مترجم في التهذيب ، ووقع هناك خطأ مطبعي في اسمي أبيه وجده. وله ترجمة عند البخاري في الكبير 2/1/340 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /114. عمرو بن قيس الملائي " : مضت ترجمته : 886. و " عمرو بن مرة الجملي " و " أبو البختري " واسمه " سعيد بن فيروز " مضيا في : 175.
انقطاع الإسناد ، هو بين أبي البختري ، المتوفي سنة 83 ، وبين حذيفة بن اليمان ، المتوفى أوائل سنة 36 بعد مقتل عثمان بأربعين يوما. ونص في التهذيب على أن أبا البختري لم يدرك حذيفة.
هذا الخبر ذكره الطبري مختصرا - كما ترى - وجاء به السيوطي كاملا 1 : 87 ، ونسبه لابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص ، وابن جرير ، فذكر نحوه ، موقوفا على حذيفة.
وقد ورد معناه مرفوعا : فروى أحمد في المسند : 11146 (ج3 ص 17 حلبي) ، عن أبي النضر ، عن أبي معاوية ، وهو شيبان بن عبد الرحمن النحوي ، عن ليث ، وهو ابن أبي سليم ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد الخدري. وهذا إسناد صحيح. ويظهر منه أن أبا البختري كان عنده هذا الحديث ، عن أبي سعيد مرفوعا متصلا ، وعن حذيفة بن اليمان موقوفا منقطعا. ومثل هذا كثير ، ولا نجعل إحدى الروايتين علة للأخرى.
وحديث أبي سعيد هذا : ذكره السيوطي 1 : 87 ، ونسبه لأحمد " بسند جيد " . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 63 ، وقال : " رواه أحمد ، والطبراني في الصغير ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم " . كأنه يريد إعلاله بضعف ليث. وليث بن أبي سليم : ليس بضعيف بمرة ، ولكن في حفظه شيء وحديثه عندنا صحيح ، إلا ما ظهر خطؤه فيه ، كما بينا في شرح المسند : 1199 ، وقد ترجمة البخاري في الكبير 4 / 1 /246 ، فلم يذكر فيه جرحا.

(2/325)


قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس : (وقالوا قلوبنا غلف) ، أي في أكنة.
1499 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (قلوبنا غلف) ، أي في غطاء.
1500 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، : (وقالوا قلوبنا غلف) ، فهي القلوب المطبوع عليها.
1501 - حدثني عباس بن محمد قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قوله : (وقالوا قلوبنا غلف) ، عليها غشاوة.
1502 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد : (وقالوا قلوبنا غلف) ، عليها غشاوة.
1503 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا شريك عن الأعمش قوله : (قلوبنا غلف) ، قال : هي في غُلُف.
1504 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وقالوا قلوبنا غلف) ، أي لا تفقه.
1505 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (وقالوا قلوبنا غلف) ، قال : هو كقوله : ( قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) [فصلت : 5].
1506 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : (قلوبنا غلف) قال : عليها طابَع ، قال : هو كقوله : (قلوبنا في أكنة).
1507 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (قلوبنا غلف) ، أي لا تفقه.

(2/326)


1508 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وقالوا قلوبنا غلف) ، قال : يقولون : عليها غلاف ، وهو الغطاء.
1509 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (قلوبنا غلف) ، قال يقول : قلبي في غلاف ، فلا يخلص إليه مما تقول شيء ، وقرأ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ) [فصلت : 5]. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأما الذين قرأوها " غلف " بتحريك اللام وضمها ، فإنهم تأولوها أنهم قالوا : قلوبنا غلف للعلم ، بمعنى أنها أوعية.
قال : و " الغلف " على تأويل هؤلاء جمع " غلاف " . كما يجمع " الكتاب كتب ، والحجاب حجب ، والشهاب شهب. فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ " غلف " بتحريك اللام وضمها ، وقالت اليهود : قلوبنا غلف للعلم ، وأوعية له ولغيره.
* ذكر من قال ذلك :
1510 - حدثني عبيد بن أسباط بن محمد قال ، حدثنا أبي ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية : (وقالوا قلوبنا غلف) ، قال : أوعية للذكر.
1511 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى قال ، أخبرنا فضيل ، عن عطية في قوله : (قلوبنا غلف) قال : أوعية للعلم. (2)
1512 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا فضيل ، عن عطية مثله.
1513 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (وقالوا قلوبنا غلف) ، قال : مملوءة علما ، لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.
* * *
والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله : (قلوبنا غلف) ، هي قراءة من قرأ(غلف)
__________
(1) في المطبوعة : " شيء " ساقطة ، واستدركتها من ابن كثير 1 : 229.
(2) الخبر : 1511 - محمد بن عمارة الأسدى ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا مرارا .

(2/327)


بتسكين اللام - بمعنى أنها في أغشية وأغطية ، لاجتماع الحجة من الْقَرَأَة وأهل التأويل على صحتها ، وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه ، من قراءة ذلك بضم " اللام " .
وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه ، حجة على من بلغه. وما جاء به المنفرد ، فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان. (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (بل لعنهم الله) ، بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم ، وجحودهم آيات الله وبيناته ، وما ابتعث به رسله ، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك.
* * *
وأصل " اللعن " الطرد والإبعاد والإقصاء يقال : " لعن الله فلانا يلعنه لعنا ، وهو ملعون " . ثم يصرف " مفعول " : فيقال : هو " لعين " . ومنه قول الشماخ بن ضرار :
ذعرت به القطا ونفيت عنه... مكان الذئب كالرجل اللعين (2)
* * *
قال أبو جعفر : في قول الله تعالى ذكره : (بل لعنهم الله بكفرهم) تكذيب منه للقائلين من اليهود : (قلوبنا غلف). لأن قوله : (بل) دلالة على جحده جل
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 210 ، 211 ، 265 ، 295
(2) ديوانه : 92 ، ومجاز القرآن 461 ، وسيأتي في 2 : 33 (بولاق) ، وروايته هناك وفي ديوانه ، " مقام الذئب " والضمير في " به " إلى " ماء " في قوله قبله : وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين
وأراد في البيت : مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل. والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس ، شبه الذئب به ، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره.

(2/328)


ذكره وإنكاره ما ادعوا من ذلك ، إذ كانت " بل " لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود. فإذ كان ذلك كذلك ، فبَيِّنٌ أن معنى الآية : وقالت اليهود : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد. فقال الله تعالى ذكره : ما ذلك كما زعموا ، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته ، وطردهم عنها ، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله ، فقليلا ما يؤمنون.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (88) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (فقليلا ما يؤمنون). فقال بعضهم ، معناه فقليل منهم من يؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا قليل.
* ذكر من قال ذلك :
1514 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون) ، فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب ، إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير.
1515 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (فقليلا ما يؤمنون) ، قال : لا يؤمن منهم إلا قليل.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.
* ذكر من قال ذلك :
1516 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : (فقليلا ما يؤمنون) ، قال : لا يؤمن منهم إلا قليل. قال معمر : وقال غيره : لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في قوله : (فقليلا ما يؤمنون) بالصواب ،

(2/329)


ما نحن متقنوه إن شاء الله. وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك نصب قوله : ( فقليلا) ، لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره. ومعناه : بل لعنهم الله بكفرهم ، فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك. لأن معنى ذلك ، لو كان على ما روي من أنه يعني به : فلا يؤمن منهم إلا قليل ، أو فقليل منهم من يؤمن ، لكان " القليل " مرفوعا لا منصوبا. لأنه إذا كان ذلك تأويله ، كان " القليل " حينئذ مرافعا " ما " . فإذْ نصب " القليل " - و " ما " في معنى " من " أو " الذي " - [فقد] بقيت " ما " لا مرافع لها. (1) وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب.
* * *
فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى " ما " التي في قوله : (فقليلا ما يؤمنون). فقال بعضهم : هي زائدة لا معنى لها ، وإنما تأويل الكلام : فقليلا يؤمنون ، كما قال جل ذكره : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) [آل عمران : 159] وما أشبه ذلك ، فزعم أن " ما " في ذلك زائدة ، وأن معنى الكلام : فبرحمة من الله لنت لهم ، وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك - بيت مهلهل :
لو بأبانين جاء يخطبها... خضب ما أنف خاطب بدم (2)
وزعم أنه يعني : خضب أنف خاطب بدم ، وأن " ما " زائدة.
* * *
وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في " ما " ، في الآية وفي البيت الذي
__________
(1) في المطبوعة : " وإن نصب القليل " ، وكأن الأجود ما أثبته . والزيادة بين القوسين واجبة .
(2) الكامل 2 : 68 ، ومعجم ما استعجم : 96 ، وشرح شواهد المغني : 247 وغيرها قال أبو العباس : " أبان جبل : وهما أبانان : أبان الأسود ، وأبان الأبيض قال مهلهل ، وكان نزل في آخر حربهم - حرب البسوس - في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك ، وهو مذحج ، وجنب حي من أحيائهم وضيع ، وخطبت ابنته ومهرت أدما فزوجها وقال قبله : أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم

(2/330)


أنشده ، وقالوا : إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء ، إذ كانت " ما " كلمة تجمع كل الأشياء ، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها.
* * *
وهذا القول عندنا أولى بالصواب. لأن زيادة ما لا يفيد من الكلام معنى في الكلام ، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه.
* * *
ولعل قائلا أن يقول : هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون - من الإيمان قليل أو كثير ، فيقال فيهم : " فقليلا ما يؤمنون " ؟
قيل : إن معنى " الإيمان " هو التصديق. وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله ، وبالبعث والثواب والعقاب ، وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به ، لأنه في كتبهم ، ومما جاءهم به موسى ، فصدقوا ببعض - وذلك هو القليل من إيمانهم - وكذبوا ببعض ، فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به.
* * *
وقد قال بعضهم : إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء ، وإنما قيل : (فقليلا ما يؤمنون) ، وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : " قلما رأيت مثل هذا قط " . وقد روي عنها سماعا منها : مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل " يعني : ما تنبت غير الكراث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بـ " القلة " ، والمعنى فيه نفي جميعه. (1)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 554 ، تعليق : 1 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 - 60 .

(2/331)


وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولما جاءهم كتاب من عند الله

(2/331)


مصدق لما معهم) ، ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم - (كتاب من عند الله) يعني بـ " الكتاب " القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم (مصدق لما معهم) ، يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن ، كما : -
1518 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) ، وهو القرآن الذي أنزل على محمد ، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.
1518 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) ، وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ، أي : وكان هؤلاء اليهود - الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان ، كفروا به - يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى " الاستفتاح " ، الاستنصار (1) يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه ، أي من قبل أن يبعث ، كما : -
1519 - حدثني ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 524 .

(2/332)


عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن أشياخ منهم قالوا : فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار ، وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصة يعني : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) قالوا : كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية - (1) ونحن أهل الشرك ، وهم أهل الكتاب - (2) فكانوا يقولون : إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه ، يقتلكم قتل عاد وإرم. (3) فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه ، كفروا به. يقول الله : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). (4)
1520 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس : أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب ، كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة : يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته! فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله : (ولما جاءهم
__________
(1) في سيرة ابن هشام 2 : 190 " علوناهم ظهرا " .
(2) في سيرة ابن هشام 2 : 190 " ونحن أهل شرك ، وهم أهل كتاب " .
(3) في سيرة ابن هشام 2 : 190 " نقتلكم معه . . " ، وكذلك هو في ابن كثير 1 : 230 ، وكأنه الصواب .
(4) الخبر : 1519 - هذا له حكم الحديث المرفوع ، لأنه حكاية عن وقائع في عهد النبوة ، كانت سببا لنزول الآية ، تشير الآية إليها . الراجح أن يكون موصولا . لأن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري الظفري المدني : تابعي ثقة ، وهو يحكي عن " أشياخ منهم " ، فهم آله من الأنصار . وعن هذا رجحنا اتصاله . وقد نقل السيوطي 1 : 87 هذا الخبر ، ونسبه لابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبي نعيم ، والبيهقي ، كلاهما في الدلائل .

(2/333)


كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). (1)
1521 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس مثله.
1522 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ، يقول : يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب - يعني بذلك أهل الكتاب - فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم ، كفروا به وحسدوه.
1523 - وحدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن علي الأزدي في قول الله : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ، قال : اليهود ، كانوا يقولون : اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس ، يستفتحون - يستنصرون - به على الناس.
1524 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن علي الأزدي - وهو البارقي - في قول الله جل ثناؤه : (وكانوا من قبل يستفتحون) ، فذكر مثله. (2)
1525 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ، كانت اليهود
__________
(1) الخبر : 1520 - فس يرة ابن هشام 2 : 196 .
(2) الأثر : 1523 ، 1524 - عليٍ الأزدى البارقي ، هو علي بن عبد الله أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقي ، روى عن ابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وعبيد بن عمير ، وأرسل عن زيد بن حارثة. وعنه مجاهد بن جبر ، وهو من أقرانه. قال ابن عدى : ليس عنده كثير حديث ، وهو عندي لا بأس به (تهذيب 7 : 358 ، 359).

(2/334)


تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب من قبل ، وقالوا : اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم ، كفروا به حسدا للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).
1526 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب ، يقولون : اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا ، ورأوا أنه من غيرهم ، كفروا به حسدا للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال الله : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
1527 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). قال : كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم ، وكانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في التوراة ، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلوا معه العرب. فلما جاءهم محمد كفروا به ، حين لم يكن من بني إسرائيل.
1528 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء قوله : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ، قال : كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرجون أن يكون منهم. فلما خرج ورأوه ليس منهم ، كفروا وقد عرفوا أنه الحق ، وأنه النبي. قال : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
1529 - قال حدثنا ابن جريج ، وقال مجاهد : يستفتحون بمحمد صلى الله

(2/335)


عليه وسلم تقول : إنه - يخرج.(فلما جاءهم ما عرفوا) - وكان من غيرهم - كفروا به. (1)
1530 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال : قال ابن جريج - وقال ابن عباس : كانوا يستفتحون على كفار العرب.
1531 - حدثني المثنى قال ، حدثني الحماني قال ، حدثني شريك ، عن أبي الجحاف ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير قوله : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) ، قال : هم اليهود عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به.
1532 - حُدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ، قال : كانوا يستظهرون ، يقولون : نحن نعين محمدا عليهم. وليسوا كذلك ، يكذبون.
1533 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سألت ابن زيد عن قول الله عز وجل : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). قال : كانت يهود يستفتحون على كفار العرب ، يقولون : أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى ، أحمد ، لكان لنا عليكم! وكانوا يظنون أنه منهم ، والعرب حولهم ، وكانوا يستفتحون عليهم به ، ويستنصرون به. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وحسدوه ، وقرأ قول الله جل ثناؤه : ( كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) [ سورة البقرة : 109]. قال : قد تبين لهم أنه رسول ، فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج.
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فأين جواب قوله : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) ؟
قيل : قد اختلف أهل العربية في جوابه. فقال بعضهم : هو مما ترك جوابه ، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه ، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. (2)
__________
(1) الأثر : 1529 - هذا إسناد قد سقط صدره ، فما أدري ما هو . وهو مضطرب اللفظ أيضًا .
(2) أنا في شك من هذه الجملة الأخيرة ، أن يكون فيها تحريف .

(2/336)


وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام ، فتأتي بأشياء لها أجوبة ، فتحذف أجوبتها ، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ) [سورة الرعد : 31] ، فترك جوابه. والمعنى : " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه. قالوا : فكذلك قوله : (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم).
* * *
وقال آخرون : جواب قوله : (ولما جاءهم كتاب من عند الله) في " الفاء " التي في قوله : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) ، وجواب الجزاءين في " كفروا به " ، كقولك : " لما قمت ، فلما جئتنا أحسنت " ، بمعنى : لما جئتنا إذْ قمت أحسنت. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة ، وعلى معنى " الكفر " ، بما فيه الكفاية. (2)
* * *
فمعنى الآية : فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه ، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود - بما أخبر الله عنهم بقوله : (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) - البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، بعد قيام الحجة بنبوته عليهم ، وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 .
(2) انظر ما سلف (الكفر) 1 : 255 ، 382 ، 522 ، وهذا الجزء (اللعنة) 2 : 328

(2/337)


بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)

القول في تأويل قوله تعالى : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا }
قال أبوجعفر ومعنى قوله جل ثناؤه : (بئس ما اشتروا به أنفسهم) : ساء ما اشتروا به أنفسهم.
* * *
وأصل " بئس " " بَئِس " من " البؤس " ، سكنت همزتها ، ثم نقلت حركتها إلى " الباء " ، كما قيل في " ظللت " " ظلت " ، وكما قيل " للكبد " ، " كِبْد " - فنقلت حركة " الباء " إلى " الكاف " لما سكنت " الباء " .
وقد يحتمل أن تكون " بئس " ، وإن كان أصلها " بَئِس " ، من لغة الذين ينقلون حركة العين من " فعل " إلى الفاء ، إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة ، كما قالوا من " لعب " " لِعْب " ، ومن " سئم " " سِئْم " ، وذلك - فيما يقال - لغة فاشية في تميم.
ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ ، ووصلت بـ " ما " .
واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " بئسما " . فقال بعض نحويي البصرة : هي وحدها اسم ، و " أن يكفروا " تفسير له ، (1) نحو : نعم رجلا زيد ، و " أن ينزل الله " بدل من " أنزل الله " .
وقال بعض نحويي الكوفة : معنى ذلك : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ، ف " ما " اسم " بئس " ، و " أن يكفروا " الاسم الثاني. وزعم أن : " أن يكفروا " إن شئت جعلت " أن " في موضع رفع ، وإن شئت في موضع خفض. (2) أما الرفع : فبئس الشيء هذا أن يفعلوه. وأما الخفض : فبئس
__________
(1) " التفسير " هو ما اصطلح البصريون على تسميته " التمييز " ، ويقال له التبيين أيضًا ، (همع الهوامع 1 : 250) .
(2) في المطبوعة : " وزعم أن أن ينزل من فضله إن شئت جعلت . . . " ، وهو سهو من النساخ ، وصوابه ماأثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .

(2/338)


الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا. قال : وقوله : ( لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) [سورة المائدة : 80] كمثل ذلك. والعرب تجعل " ما " وحدها في هذا الباب ، بمنزلة الاسم التام ، كقوله : (فنعما هي) [سورة البقرة : 271] ، و " بئسما أنت " ، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز :
لا تعجلا في السير وادْلُوها... لبئسما بطءٌ ولا نرعاها (1)
قال أبو جعفر : والعرب تقول : لبئسما تزويج ولا مهر " ، فيجعلون " ما " وحدها اسما بغير صلة. وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي " بئس " معرفة مُوَقَّتَة ، وخبره معرفة موقتة. وقد زعم أن " بئسما " بمنزلة : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم ، فقد صارت " ما " بصلتها اسما موقتا ، لأن " اشتروا " فعل ماض من صلة " ما " ، في قول قائل هذه المقالة. وإذا وصلت بماض من الفعل ، كانت معرفة موقتة معلومة ، فيصير تأويل الكلام حينئذ : " بئس شراؤهم كفرهم " . وذلك عنده غير جائز : فقد تبين فساد هذا القول. (2)
وكان آخر منهم يزعم أن " أن " في موضع خفض إن شئت ، ورفع إن شئت. فأما الخفض : فأن ترده على " الهاء " التي في ، " به " على التكرير على كلامين. كأنك قلت : اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع : فأن يكون مكرورا على موضع " ما " التي تلي " بئس " . (3) قال : ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك : " بئس الرجل عبد الله. (4)
وقال بعضهم : " بئسما " شيء واحد يرافع ما بعده (5) كما حكي عن العرب :
__________
(1) لم أعرف الراجز ، والبيتان في اللسان (دلو) . دلوت الناقة دلوا : سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها : أطلقها في المرعى .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 56 - 57 ، كأنه قول الكسائي . والمعرفة الموقتة : وهي المعرفة المحددة . وانظر شرح ذلك فيما سلف 1 : 181 ، تعليق : 1 .
(3) في المطبوعة : " مكررا " ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .
(4) هذه الفقرة هي نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 56 .
(5) في المطبوعة : " يعرف ما بعده " ، والصواب ما أثبت .

(2/339)


" بئسما تزويج ولا مهر " فرافع " تزويج " " بئسما " ، (1) كما يقال : " بئسما زيد ، وبئس ما عمرو " ، فيكون " بئسما " رفعا بما عاد عليها من " الهاء " . كأنك قلت : بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم ، وتكون " أن " مترجمة عن " بئسما " . (2)
* * *
وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من جعل " بئسما " مرفوعا بالراجع من " الهاء " في قوله : (اشتروا به) ، كما رفعوا ذلك بـ " عبد الله " إذ قالوا : " بئسما عبد الله " ، وجعل " أن يكفروا " مترجمة عن " بئسما " . (3) فيكون معنى الكلام حينئذ : بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم ، كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون " أن " التي في قوله : " أن ينزل الله " ، في موضع نصب. لأنه يعني به " أن يكفروا بما أنزل الله " : من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. موضع " أن " جزاء. (4) وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن " أن " في موضع خفض بنية " الباء " . وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها ، ولا خافض معها يخفضها. والحرف الخافض لا يخفض مضمرا.
* * *
وأما قوله : (اشتروا به أنفسهم) ، فإنه يعني به : باعوا أنفسهم * كما : -
1534 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (بئسما اشتروا به أنفسهم) ، يقول : باعوا أنفسهم " أن يكفروا بما أنزل الله بغيا " .
1535 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : (بئسما اشتروا به أنفسهم) ، يهود ، شروا الحق
__________
(1) في المطبوعة : " فرفع " ، والصواب ما أثبت .
(2) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : " عطف البيان " و " البدل " ، فقوله " مترجما عن بئسما " ، أي عطف بيان .
(3) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : " عطف البيان " و " البدل " ، فقوله " مترجما عن بئسما " ، أي عطف بيان .
(4) الجزاء : المفعول لأجله هنا ، وفي المطبوعة : " جر " ، وهو خطأ ، وصوابه في معاني القرآن للفراء 1 : 58 .

(2/340)


بالباطل ، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه. (1)
قال أبو جعفر : والعرب تقول : " شريته " ، بمعنى بعته. و " اشتروا " ، في هذا الموضع ، " افتعلوا " من " شريت " . وكلام العرب - فيما بلغنا - أن يقولوا : " شريت " بمعنى : بعت ، و " اشتريت " بمعنى : ابتعت. وقيل : إنما سمي " الشاري " ، " شاريا " ، لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته. (2)
ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري :
وشريت بردا ليتني... من قبل برد كنت هامة (3)
ومنه قول المسيب بن علس :
يعطى بها ثمنا فيمنعها... ويقول صاحبها ألا تشري? (4)
__________
(1) في المطبوعة : " بأن بينوه " ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 231 . والمعنى اشتروا الكتمان بالبيان .
(2) الشاري واحد الشراة (بضم الشين) ، وهم الخوارج ، وقال قطري بن الفجاءة الخارجي في معنى ذلك ، ويذكر أم حكيم ، وذلك في يوم دولاب : فلو شهدتنا يوم ذاك ، وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم
وقال الخوارج : نحن الشراة ، لقول الله عز وجل : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " أي يبيعها ويبذلها في الجهاد ، وثمنها الجنة ، وقيل : سموا بذلك لقولهم : " إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله حين فارقنا الأئمة الجائرة " ، أي : بعناها بالجنة .
(3) طبقات فحول الشعراء : 555 من قصيدة له ، في هجاء عباد بن زياد ، حين باع ما له في دين كان عليه ، وقضى الغرماء ، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ ، يقال له " برد " ، وجارية يقال لها " أراكة " . وقوله : " كنت هامة " أي هالكا . يقال : فلان هامة اليوم أو غد ، أي قريب هلاكه ، فإذا هو " هامة " ، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية : أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير . ورواية غيره : " من بعد برد " .
(4) ديوانه : 352 (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى ، والأعشى راويته) ، ورواية الديوان " ويقول صاحبه " ، وهي الصواب. والبيت من أبيات آية في الجودة ، يصف الغواص الفقير ، قد ظفر بدرة لا شبيه لها ، فضن بها على البيع ، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن ، فأبى ، وصاحبه يحضضه على بيعها ، وبعده : وترى الصراري يسجدون لها ... ويضمها بيديه للنحر
والصراري : الملاحون ، من أصحاب الغواصين .

(2/341)


يعني به : بعت بردا. وربما استعمل " اشتريت " بمعنى : بعت ، و " شريت " في معنى : " ابتعت " . والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت.
* * *
وأما معنى قوله : (بغيا) ، فإنه يعني به : تعديا وحسدا ، كما : -
1536 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد عن قتادة : (بغيا) ، قال : أي حسدا ، وهم اليهود.
1537 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (بغيا) ، قال : بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه ، وقالوا : إنما كانت الرسل من بني إسرائيل ، فما بال هذا من بني إسماعيل ؟ فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.
1538 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (بغيا) ، يعني : حسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ، وهم اليهود كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
1539 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
* * *
قال أبو جعفر : فمعنى الآية : بئس الشيء باعوا به أنفسهم ، الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى - من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، والأمر بتصديقه واتباعه - من أجل أن أنزل الله من فضله وفضله : حكمته وآياته ونبوته على من يشاء من عباده - يعني به : على محمد صلى الله عليه وسلم - بغيا وحسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، من أجل أنه كان من ولد إسماعيل ، ولم يكن من بني إسرائيل.
* * *
فإن قال قائل : وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر ، فقيل : (بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله) ؟ وهل يشتري بالكفر شيء ؟
قيل : إن معنى : " الشراء " و " البيع " عند العرب ، هو إزالة مالك ملكه

(2/342)


إلى غيره ، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا ، شرا أو خيرا ، فتقول : " نعم ما باع به فلان نفسه " و " بئس ما باع به فلان نفسه " ، بمعنى : نعم الكسب أكسبها ، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه : (بئس ما اشتروا به أنفسهم) - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها ، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم ، فقال : (بئس ما اشتروا به أنفسهم) ، يعني بذلك : بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم ، وبئس العوض اعتاضوا ، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا ، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك.
* * *
وهذه الآية - وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب ، من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل ، حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به ، مع علمهم بصدقه ، وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل - (1) نظيره الآية الأخرى في سورة النساء ، وذلك قوله ، ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) [سورة النساء : 51 - 54].
* * *
__________
(1) قوله " - نظيره الآية . . " خبر قوله في صدر هذه الفقرة : " وهذه الآية - " .

(2/343)


القول في تأويل قوله : { أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ }
قال أبو جعفر : قد ذكرنا تأويل ذلك وبينا معناه ، ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه : -
1540 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن أشياخ منهم ، قوله : (بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده) ، أي أن الله تعالى جعله في غيرهم. (1) .
1541 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : هم اليهود. لما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم ، كفروا به - حسدا للعرب - وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.
1542 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية مثله.
1543 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
1544 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : قالوا : إنما كانت الرسل من بني إسرائيل ، فما بال هذا من بني إسماعيل ؟
1545 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن علي الأزدي. قال : نزلت في اليهود. (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 1540 - سيرة ابن هشام 2 : 190
(2) الأثر : 1545 - انظر التعليق على رقم : 1523 ، 1524 .

(2/344)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (فباءوا بغضب على غضب) ، (1) فرجعت اليهود من بني إسرائيل - بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد صلى الله عليه وسلم والاستفتاح به ، وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبي مبعوث - مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيا مرسلا فباءوا بغضب من الله استحقوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث ، وجحودهم نبوته ، وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم ، عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب على غضب سالف ، كان من الله عليهم قبل ذلك ، سابقٍ غضبه الثاني ، لكفرهم الذي كان قبل عيسى ابن مريم ، أو لعبادتهم العجل ، أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت ، يستحقون بها الغضب من الله ، كما : -
1546 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، فيما روى عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس : (فباءوا بغضب على غضب) ، فالغضب على الغضب ، غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. (2)
1547 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ، قالا حدثنا سفيان ، عن أبي بكير ، عن عكرمة : (فباءوا بغضب على غضب) قال : كفر بعيسى ، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. (3)
1548 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يحيى بن يمان قال ، حدثنا سفيان ،
__________
(1) انظر تفسير . " باء " فيما سلف من هذا الجزء 2 : 138 .
(2) الأثر : 1546 - سيرة ابن هشام 2 : 190 .
(3) الأثر : 1547 - في الدر المنثور : " كفرهم " في الموضعين ، وهما سواء .

(2/345)


عن أبي بكير ، عن عكرمة : (فباءوا بغضب على غضب) ، قال : كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.
1549 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي بكير ، عن عكرمة مثله.
1550 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال : الناس يوم القيامة على أربعة منازل : رجل كان مؤمنا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما ، فله أجران. ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بمحمد ، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب ، فمات بكفره قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، فباء بغضب.
1551 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (فباءوا بغضب على غضب) ، غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى ، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم.
1552 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (فباءوا بغضب) ، اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ، (على غضب) ، جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكفرهم بما جاء به.
1553 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (فباءوا بغضب على غضب) ، يقول : غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى ، ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.
1554 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فباءوا بغضب على غضب) ، أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل ؛ وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

(2/346)


1555 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله : (فباءوا بغضب على غضب) ، قال : غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم - من تبديلهم وكفرهم - ، ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم - إذ خرج ، فكفروا به.
* * *
قال أبو جعفر : وقد بينا معنى " الغضب " من الله على من غضب عليه من خلقه - واختلاف المختلفين في صفته - فيما مضى من كتابنا هذا ، بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وللكافرين عذاب مهين) ، وللجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم ، عذاب من الله ، إما في الآخرة ، وإما في الدنيا والآخرة ، (مهين) هو المذل صاحبه ، المخزي ، الملبسه هوانا وذلة.
* * *
فإن قال قائل : أي عذاب هو غير مهين صاحبه ، فيكون للكافرين المهين منه ؟
قيل : إن المهين هو الذي قد بينا أنه المورث صاحبه ذلة وهوانا ، الذي يخلد فيه صاحبه ، لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدا ، وهو الذي خص الله به أهل الكفر به وبرسله. وأما الذي هو غير مهين صاحبه ، فهو ما كان تمحيصا لصاحبه. وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام ، يسرق ما يجب عليه به القطع فتقطع يده ، والزاني منهم يزني فيقام عليه الحد ، وما أشبه ذلك من العذاب والنكال الذي جعله الله كفارات للذنوب التي عذب بها أهلها ، وكأهل الكبائر من أهل
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 188 - 189 ، وما مضى في هذا الجزء 2 : 138 هذا وقد كان في المطبوعة بعد قوله : " عن إعادته " ما نصه : " والله تعالى أعلم " ، وليس لها مكان هنا ، وهي بلا شك زيادة بعض النساخ ، فلذلك تركتها .

(2/347)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

الإسلام الذين يعذبون في الآخرة بمقادير جرائمهم التي ارتكبوها ، ليمحصوا من ذنوبهم ، ثم يدخلون الجنة. فإن كل ذلك ، وإن كان عذابا ، فغير مهين من عذب به. إذ كان تعذيب الله إياه به ليمحصه من آثامه ، ثم يورده معدن العز والكرامة ، ويخلده في نعيم الجنان.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وإذا قيل لهم) ، وإذا قيل لليهود من بني إسرائيل - للذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم - : (آمنوا) ، أي صدقوا ، (بما أنزل الله) ، يعني بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، (قالوا : نؤمن) ، أي نصدق ، (بما أنزل علينا) ، يعني بالتوراة التي أنزلها الله على موسى.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ويكفرون بما وراءه) ، ويجحدون ، " بما وراءه " ، يعني : بما وراء التوراة.
* * *
قال أبو جعفر : وتأويل " وراءه " في هذا الموضع " سوى " . كما يقال للرجل المتكلم بالحسن : " ما وراء هذا الكلام شيء " يراد به : ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام. فكذلك معنى قوله : (ويكفرون بما وراءه) ، أي

(2/348)


بما سوى التوراة ، وبما بعدها من كتب الله التي أنزلها إلى رسله ، (1) كما : -
1556 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ويكفرون بما وراءه) ، يقول : بما بعده.
1557 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ويكفرون بما وراءه) ، أي بما بعده - يعني : بما بعد التوراة.
1558 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (ويكفرون بما وراءه) ، يقول : بما بعده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وهو الحق مصدقا) ، أي : ما وراء الكتاب - الذي أنزل عليهم من الكتب
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 .

(2/349)


التي أنزلها الله إلى أنبيائه - الحق. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره القرآن الذي أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، كما : -
1559 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) ، وهو القرآن. يقول الله جل ثناؤه : (وهو الحق مصدقا لما معهم). وإنما قال جل ثناؤه : (مصدقا لما معهم) ، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا. ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان به وبما جاء به ، مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام. فلذلك قال جل ثناؤه لليهود - إذْ أخبرهم عما وراء كتابهم الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه ، من الكتب التي أنزلها إلى أنبيائه - : إنه الحق مصدقا للكتاب الذي معهم ، يعني : أنه له موافق فيما اليهود به مكذبون.
قال : وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بالتوراة ، على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالإنجيل والفرقان ، عنادا لله ، وخلافا لأمره ، وبغيا على رسله صلوات الله عليهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) }
قال أبو جعفر : يعني جل ذكره بقوله : (قل فلم تقتلون أنبياء الله) ، قل يا محمد ، ليهود بني إسرائيل - الذين إذا قلت لهم : آمنوا بما أنزل الله قالوا : نؤمن بما أنزل علينا - : لم تقتلون إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم أنبياءه ، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم ، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم ؟ وذلك من الله جل ثناؤه تكذيب لهم في قولهم : (نؤمن بما أنزل علينا) وتعيير لهم ، كما : -
1560 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : قال الله تعالى ذكره - وهو يعيرهم - يعني اليهود : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) ؟
* * *
فإن قال قائل : وكيف قيل لهم : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) ، فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل ، ثم أخبر أنه قد مضى ؟
قيل : إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك. فقال بعض البصريين : معنى

(2/350)


ذلك : فلم قتلتم أنبياء الله من قبل ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ) [سورة البقرة : 102] ، أي : ما تلت ، (1) وكما قال الشاعر : (2)
ولقد أمر على اللئيم يسبني... فمضيت عنه وقلت لا يعنيني (3)
يريد بقوله : " ولقد أمر " ولقد مررت. واستدل على أن ذلك كذلك ، بقوله : " فمضيت عنه " ، ولم يقل : فأمضي عنه. وزعم أن " فعل " و " يفعل " قد تشترك في معنى واحد ، واستشهد على ذلك بقول الشاعر : (4)
وإني لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضى... من الأمر ، واسْتِيجابَ ما كان في غد (5)
يعني بذلك : ما يكون في غد ، وبقول الحطيئة :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه... أن الوليد أحق بالعذر (6)
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 .
(2) هو رجل من بني سلول .
(3) سيبويه 1 : 416 ، الخزانة 1 : 173 ، وشرح شواهد المغني : 107 وغيرها كثير . وروايتهم جميعا " ثمت قلت " . وبعده بيت آخر : غضبان ممتلئا علي إهابه ... إني وربك سخطه يرضيني
(4) هو الطرماح بن حكيم الطائي .
(5) ديوانه : 146 ، وسيأتي في 4 : 97 (بولاق) ، وحماسة البحتري : 109 ، واللسان (كون) وقد كان في هذا الموضع " بشكرى " ، وهو خطأ ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب . وروى اللسان : " واستنجاز ما كان " . وصواب الرواية : " فإني لآتيكم " فإنه قبله : من كان لا يأتيك إلا لحاجة ... يروح بها فيما يروح ويغتدى
فإني لآتيكم . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(6) ديوانه : 85 ، ونسب قريش : 138 ، والاستيعاب : 604 ، وأنساب الأشراف 5 : 32 ، وسمط اللآلئ : 674 . قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان من رجالات قريش همة وسخاء . استعمله أبو بكر وعمر وعثمان ، فلما كان زمان عثمان ، رفعوا عليه أنه شرب الخمر ، فعزله عثمان وجلده الحد ، وكان لهذا شأن كبير ، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه ، ويذكر عزله : شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
خلعوا عنانك إذ جريت ، ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري
ورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطي على الميسور والعسر
فنزعت ، مكذوبا عليك ، ولم ... تردد إلى عوز ولا فقر
قال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش : " فزادوا فيها من غير قول الحطيئة : نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم? ثملا ولا يدري
ليزيدهم خمسا ، ولو فعلوا ... مرت صلاتهم على العشر
وقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد ، وما كان من شعر الحطيئة فيه . وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش ، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة ، متكذب على الوليد ، لما كان له في الشأن في أمر عثمان رضي الله عنه . ولقد جلد الوليدبن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة ، فاعتزل الناس . وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي (ورقة : 196) قال : : " قال الوليد بن عقبة عند الموت ، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة : " اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على ، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا ، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم . انتقم لي منهم ، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي " . فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم .

(2/351)


يعني : يشهد. وكما قال الآخر :
فما أضحي ولا أمسيت إلا... أراني منكم في كَوَّفان (1)
فقال : أضحي ، ثم قال : " ولا أمسيت " .
* * *
وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما قيل : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) ، فخاطبهم بالمستقبل من الفعل ، ومعناه الماضي ، كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل فيقول له : ويحك ، لم تكذب ؟ ولم تبغض نفسك إلى الناس ؟ كما قال الشاعر :
__________
(1) لم أعرف قائله ، وهو في اللسان (كوف) والصاحبي : 187 . والكوفان (بتشديد الواو) : الاختلاط والشدة والعناء . يقال : إنا منه في كوفان ، أي في عنت وشقاء ودوران واختلاط .

(2/352)


إذا ما انتسبنا ، لم تلدني لئيمة... ولم تجدي من أن تُقِري به بُدَّا (1)
فالجزاء للمستقبل ، والولادة كلها قد مضت. وذلك أن المعنى معروف ، فجاز ذلك. قال : ومثله في الكلام : " إذا نظرت في سيرة عمر ، لم تجده يسيء " . (2) المعنى : لم تجده أساء. فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه ، لم يقع في الوهم أنه مستقبل. فلذلك صلحت " من قبل " مع قوله : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل). قال : وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة ، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا ، فتولوهم على ذلك ورضوا به ، فنسب القتل إليهم. (3)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب فيه من القول عندنا ، أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم ، وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه ، وارتكابهم معاصيه ، واجترائهم عليه وعلى أنبيائه ، وأضاف ذلك إلى المخاطبين به ، نظير قول العرب بعضها لبعض : فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا ، وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا - ، (4) يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم ، وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم. فكذلك ذلك في قوله : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) ، إذْ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن
__________
(1) سلف تخريجه في هذا الجزء 2 : 165 .
(2) في معاني القرآن للفراء : " لم يسئ " ، بحذف " تجده " .
(3) في المطبوعة : " فتلوهم على ذلك ورضوا . فنسب . . " ، والصواب ما أثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 ، وهذا الذي نقله الطبري هو نص كلامه .
(4) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 302 تعليق : 1 والمراجع .

(2/353)


وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)

فعل السالفين منهم - (1) على نحو الذي بينا - جاز أن يقال " من قبل " ، إذْ كان معناه : قل : فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل " ؟ وكان معلوما بأن قوله : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) ، إنما هو خبر عن فعل سلفهم.
* * *
وتأويل قوله : (من قبل) ، أي : من قبل اليوم.
* * *
وأما قوله : (إن كنتم مؤمنين) ، فإنه يعني : إن كنتم مؤمنين بما نزل الله عليكم كما زعمتم. وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم - إن كانوا وكنتم ، كما تزعمون أيها اليهود ، مؤمنين. وإنما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءه ، عند قولهم حين قيل لهم : (آمنوا بما أنزل الله. قالوا : نؤمن بما أنزل علينا. لأنهم كانوا لأوائلهم - الذين تولوا قتل أنبياء الله ، مع قيلهم : نؤمن بما أنزل علينا - متولين ، وبفعلهم راضين. فقال لهم : إن كنتم كما تزعمون مؤمنين بما أنزل عليكم ، فلم تتولون قتلة أنبياء الله ؟ أي : ترضون أفعالهم. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولقد جاءكم موسى بالبينات) ، أي جاءكم بالبينات الدالة على صدقه وصحة نبوته ، (3) كالعصا التي تحولت ثعبانا مبينا ، ويده التي
__________
(1) في المطبوعة : " وإن كان قد خرج على لفظ الخبر . . " ، والصواب : " إذ . . " كما أثبته .
(2) في المطبوعة : " أي وترضون . . " بزيادة واو لا خير فيها .
(3) في المطبوعة : " وحقية نبوته " ، وليست مما يقوله أبو جعفر ، وقد مضى آنفًا مثل هذا التبديل من النساخ ، وكان في المخطوطة العتيقة ، على مثل الذي أثبته ، وانظر ما سلف 2 : 318 .

(2/354)


أخرجها بيضاء للناظرين. وفلق البحر ومصير أرضه له طريقا يبسا ، والجراد والقمل والضفادع ، وسائر الآيات التي بينت صدقه وصحة نبوته. (1)
وإنما سماها الله " بينات " لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر ، إلا بتسخير الله ذلك له. وإنما هي جمع " بينة " ، مثل " طيبة وطيبات " . (2)
* * *
قال أبو جعفر : ومعنى الكلام : ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته. (3)
* * *
وقوله : " ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون " يقول جل ثناؤه لهم : ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها. فالهاء التي في قوله : " من بعده " ، من ذكر موسى. وإنما قال : من بعد موسى ، لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده - على ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا. (4)
وقد يجوز أن تكون " الهاء " التي في " بعده " إلى ذكر المجيء. فيكون تأويل الكلام حينئذ : ولقد جاءكم موسى بالبينات ، ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات وأنتم ظالمون. كما تقول : جئتني فكرهته ، يعني كرهت مجيئك.
* * *
وأما قوله : (وأنتم ظالمون) ، فإنه يعني بذلك أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل وليس ذلك لكم ، وعبدتم غير الذي كان ينبغي لكم أن تعبدوه. لأن العبادة لا تنبغي لغير الله. وهذا توبيخ من الله لليهود ، وتعيير منه لهم ، وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلها وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، بعد الذي علموا أن ربهم هو الرب الذي يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 319 .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .
(4) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 60 - 69 .

(2/355)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليه ، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله ، ولم يقدر عليها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتباعه ، وقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود ما في كتبهم التي زعموا أنهم بها مؤمنون من صفته ونعته ، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع (1) وإلى التكذيب بما جاءهم به موسى من ذلك أقرب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وإذ أخذنا ميثاقكم) ، واذكروا إذ أخذنا عهودكم ، بأن خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنزلتها إليكم أن تعملوا بما فيها من أمري ، وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط ، فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم ، إذ رفعنا فوقكم الجبل. (2)
وأما قوله : (واسمعوا) ، فإن معناه : واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة ، كقول الرجل للرجل يأمره بالأمر : " سمعت وأطعت " ، يعني بذلك : سمعت قولك ، وأطعت أمرك ، كما قال الراجز :
السمع والطاعة والتسليم... خير وأعفى لبني ميمْ (3)
__________
(1) سياق هذه الجملة المفصلة : . . " وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا . . فهم إلى تكذيب محمد . . . أسرع " ، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدأبه .
(2) سلف شرحه لألفاظ هذه الآية : " ميثاق " ، " الطور " ، " الإيتاء " ، " قوة " ، فاطلبه في المواضع الآتية 2 : 156 ، 157 ، 160 والمراجع .
(3) قائلة رجل من ضبة ، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك ، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة 55 ، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا ، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده . فقال الرجز . ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله (تاريخ الطبري 6 : 167) .

(2/356)


يعني بقوله : " السمع " ، قبول ما يسمع ، و " الطاعة " لما يؤمر. فكذلك معنى قوله : (واسمعوا) ، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به.
* * *
قال أبو جعفر : فمعنى الآية : وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة ، واعملوا بما سمعتم ، وأطيعوا الله ، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.
* * *
وأما قوله : (قالوا سمعنا) ، فإن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب ، فإن ذلك كما وصفنا ، (1) من أن ابتداء الكلام ، إذا كان حكاية ، فالعرب تخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب ، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب ، كما بينا ذلك فيما مضى قبل. (2) فكذلك ذلك في هذه الآية ، لأن قوله : (وإذ أخذنا ميثاقكم) ، بمعنى : قلنا لكم ، فأجبتمونا.
* * *
وأما قوله : (قالوا سمعنا) ، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة ، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك : سمعنا قولك ، وعصينا أمرك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم : وأشربوا في قلوبهم حب العجل.
* ذكر من قال ذلك :
1561 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : (وأشربوا في قلوبهم العجل) ، قال : أشربوا حبه ، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
__________
(1) في المطبوعة : " مما وصفنا " ، ليست شيئا .
(2) انظر ما سلف 1 : 153 - 154 ، وهذا الجزء 2 : 293 ، 294 .

(2/357)


1562 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (وأشربوا في قلوبهم العجل) ، قال : أشربوا حب العجل بكفرهم.
1563 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع : (وأشربوا في قلوبهم العجل) ، قال : أشربوا حب العجل في قلوبهم.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل. (1)
* ذكر من قال ذلك :
1564 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : لما رجع موسى إلى قومه ، أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه ، فذبحه ، ثم حرقه بالمبرد ، (2) ثم ذرّاه في اليم ، فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى : اشربوا منه ، فشربوا منه ، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب. فذلك حين يقول الله عز وجل : (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). (3)
1565 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج عن ابن جريج قال : لما سحل فألقي في اليم ، استقبلوا جرية الماء ، فشربوا حتى ملئوا بطونهم ، فأورث ذلك من فعله منهم جبنا.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه : (وأشربوا
__________
(1) السحالة : ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا سحلا ، أي بردا بالمبرد .
(2) حرقه : برده بالمبرد ، وانظر ما سلف من هذا الجزء 2 : 74 .
(3) الأثر : 1564 - سلف برقم : 937 .

(2/358)


في قلوبهم العجل) تأويل من قال : وأشربوا في قلوبهم حب العجل. لأن الماء لا يقال منه : أشرب فلان في قلبه ، وإنما يقال ذلك في حب الشيء ، فيقال منه : " أشرب قلب فلان حب كذا " ، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه ، كما قال زهير :
فصحوت عنها بعد حب داخل... والحب يُشْرَبُه فؤادُك داء (1)
قال أبو جعفر : ولكنه ترك ذكر " الحب " اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام. إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب ، وأن الذي يشرب القلب منه حبه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ) [سورة الأعراف : 163] ، ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) [يوسف : 82] ، وكما قال الشاعر : (2)
ألا إنني سُقِّيت أسود حالكا... ألا بَجَلِي من الشراب ألا بَجَل (3)
__________
(1) ديوانه : 339 ، وهو هناك " تشربه " بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب " فؤادك " ، وشرحه فيه دليل على ذلك ، فإنه قال : " تدخله " وقال : " تشربه " تلزمه ولكن استدلال الطبري ، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول ، ورفع " فؤادك " . وحب داخل ، وداء داخل : قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن .
(2) هو طرفة بن العبد .
(3) ديوانه : 343 (أشعار الستة الجاهليين) ، ونوادر أبي زيد : 83 ، واللسان (سود) . واختلف فيما أراد بقوله : " أسود " . قيل : الماء ، وقيل : المنية والموت . قال أبو زيد في نوادره : " يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة ، (سويد : بالتصغير) هو الماء ، يدعى الأسود " . واستدل بالبيت . والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري ، ويعني به : سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية ، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت : فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها ، فإني واصل حبل من وصل
ألا إنما أبكى ليوم لقيته ... بجرثم قاس ، كل ما بعده جلل
إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي - لا كذاب ولا علل
ألا إنني . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى : " ألا بجلى من الحياة " ، وهي أجود . . ورواية الديوان واللسان : (ألا إنني شربت) ، والتي هنا أجود . وقوله : " بجل " ، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة .

(2/159)


يعني بذلك سُمّا أسود ، فاكتفى بذكر " أسود " عن ذكر " السم " لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله : " سقيت أسود " . ويروى :
ألا إنني سقيت أسود سالخا (1)
وقد تقول العرب : " إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم ، أو إلى حاتم " ، (2)
فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله ، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات ، ومنه قول الشاعر :
يقولون جاهد يا جميل بغزوة... وإن جهادا طيئ وقتالها (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد ليهود بني إسرائيل : بئس الشيء يأمركم به إيمانكم ؛ إن كان يأمركم بقتل أنبياء الله ورسله ،
__________
(1) السالخ من الحيات : الأسود الشديد السواد ، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده في إبانه من كل عام .
(2) هرم بن سنان ، صاحب زهير بن أبي سلمى ، وحاتم : هو الطائي الذي لا يخفى له ذكر . وأكثر هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 .
(3) معاني القرآن للفراء 1 : 62 ، ومجالس ثعلب : 76 ، واللسان (غزا) ، ونسبه لجميل ، ولا أظنه إلا أخطأ ، لذكر جميل في البيت ، ولمشابهته لقول جميل : يقولون : جاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد?
ولكن البيت من شعر آخر ، لم أهتد إليه بعد البحث ، ويريد الأول : وإن الجهاد جهاد طيئ وقتالها ، فحذف واجتزأ .

(2/360)


والتكذيب بكتبه ، وجحود ما جاء من عنده. ومعنى " إيمانهم " : تصديقهم الذي زعموا أنهم به مصدقون من كتاب الله ، إذْ قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله. فقالوا : نؤمن بما أنزل علينا. وقوله : (إن كنتم مؤمنين) ، أي : إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم ، (1) وإنما كذبهم الله بذلك - لأن التوراة تنهي عن ذلك كله ، وتأمر بخلافه. فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة ، إن كان يأمرهم بذلك ، فبئس الأمر تأمر به. وإنما ذلك نفي من الله تعالى ذكره عن التوراة ، أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم ، وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله ، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم ، والذي يحملهم عليه البغي والعدوان.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف في معنى " الإيمان " 1 : 235 ، 2 : 143 وغيرهما .

(2/361)


قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)

القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) }
قال أبو جعفر : وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره ، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم ، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف. كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى - إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه وجادلوا فيه - إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. (1) وقال لفريق اليهود : إن كنتم محقين فتمنوا الموت ، فإن ذلك غير ضاركم ، إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة
__________
(1) وذلك ما جاء في سورة آل عمران : 61 ، وانظر خبره في التفسير والسير .

(2/361)


من الله. بل إن أعطيتم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم ، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها ، والفوز بجوار الله في جنانه ، إن كان الأمر كما تزعمون : من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا ، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك ، لعلمها أنها تمنت الموت هلكت ، فذهبت دنياها ، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. كما امتنع فريق النصارى - الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى ، إذْ دعوا إلى المباهلة - من المباهلة.
فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا " .
1566 - حدثنا بذلك أبو كريب قال ، حدثنا زكريا بن عدي قال ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)
__________
(1) الحديث : 1566 - إسناده صحيح . أبو كريب : هو محمد بن العلاء . زكريا بن عدي ابن زريق التيمي الكوفي : ثقة جليل ورع قال ابن سعد : " كان رجلا صالحا صدوقا " . وهو مترجم في التهذيب ، وفي الكبير للبخاري 2 /1 / 387 - 388 ، والصغير : 232 ، وابن سعد 6 : 284 ، وابن أبي حاتم 1/2/600 ، ووقع هنا في المطبوعة " أبو زكريا " وزيادة " أبو " خطأ من ناسخ أو طابع ، عبيد الله بن عمرو : هو أبو وهب الجزري الرقي ، ثقة معروف أخرج له أصحاب الكتب الستة ، وترجمته في التهذيب ، وابن سعد 7 /2 /182 ، والصغير للبخاري : 203 ، وابن أبي حاتم 2 /2 / 328 - 329 . عبد الكريم : هو ابن مالك الجزري الحراني ، وهو ثقة ثبت صاحب سنة ، من شيوخ ابن جريج ومالك والثوري وأضرابهم . ترجمته في التهذيب ، والصغير للبخاري : 148 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /58 - 59 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 2226 ، عن أحمد بن عبد الملك الحراني ، عن عبيد الله ، وهو ابن عمرو ، بهذا الإسناد ، ولكن لم يذكر لفظه ، أحاله على الرواية قبله : 2225 ، من طريق فرات بن سلمان الحضرمي ، عن عبد الكريم ، به ، بزيادة في أوله . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 228 ، عن الرواية المطولة ، وقال : " في الصحيح طرف من أوله " ، ثم قال : " رواه أحمد ، أبو يعلى ، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح " . أقول : ورجال أحمد في الإسناد : 2226 - رجال الصحيح أيضًا . وذكر السيوطي 1 : 89 بعضه ، ونسبه أيضًا إلى الشيخين ، والترمذي ، والنسائي ، وابن مردويه ، وأبي نعيم .

(2/362)


1567 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثام بن علي ، عن الأعمش ، عن ابن عباس في قوله : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ، قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. (1)
1568 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة في قوله : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ، قال : قال ابن عباس : لو تمنى اليهود الموت لماتوا. (2)
1569 - حدثني موسى قال ، أخبرنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن ابن عباس مثله.
1570 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد - قال أبو جعفر : فيما أروي : أنبأنا - عن سعيد ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : لو تمنوه يوم قال ذلك لهم ، ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلا مات. (3)
قال أبو جعفر : فانكشف - لمن كان مشكلا عليه أمر اليهود يومئذ - كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم ، ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل.
__________
(1) الخبر : 1567 - هو موقوف على ابن عباس ، في معنى الحديث قبله . ولكن إسناده هذا منقطع . الأعمش : لم يدرك ابن عباس .
(2) الخبر : 1568 - هو بعض الحديث السابق : 1566 ، وإسناده صحيح . وظاهره هنا أنه موقوف على ابن عباس ، ولكنه مرفوع بالروايات الأخر .
(3) الأثر : 1570 - في ابن هشام 2 : 191 .

(2/363)


وإنما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : (تمنوا الموت إن كنتم صادقين) ، لأنهم - فيما ذكر لنا - قالوا : ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) [المائدة : 18] ، وقالوا : ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) [البقرة : 111]. فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهم إن كنتم صادقين فيما تزعمون ، فتمنوا الموت. فأبان الله كذبهم بامتناعهم من تمني ذلك ، وأفلج حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو اليهود أن يتمنوا الموت ، وعلى أي وجه أمروا أن يتمنوه. فقال بعضهم : أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما.
* ذكر من قال ذلك :
1571 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ، أي : ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. (1)
* * *
وقال آخرون بما : -
1572 - حدثني بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس) ، وذلك أنهم قالوا : ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) [البقرة : 111] ، وقالوا : ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) [المائدة : 18] فقيل لهم : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين).
1573 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
__________
(1) الأثر : 1571 - في سيرة ابن هشام 2 : 191 ، وفيها : " أكذب عند الله " ، وانظر رقم : 1578 .

(2/364)


الربيع ، عن أبي العالية قال : قالت اليهود : (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ، وقالوا : (نحن أبناء الله وأحباؤه) فقال الله : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ، فلم يفعلوا.
1574 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة) الآية ، وذلك بأنهم قالوا : (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ، وقالوا : (نحن أبناء الله وأحباؤه). (1) .
* * *
وأما تأويل قوله : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة) ، فإنه يقول : قل يا محمد : إن كان نعيم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر اليهود عند الله. فاكتفى بذكر " الدار " ، من ذكر نعيمها ، لمعرفة المخاطبين بالآية معناها. وقد بينا معنى " الدار الآخرة " . فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
وأما تأويل قوله : (خالصة) ، فإنه يعني به : صافية. كما يقال : " خلص لي فلان " بمعنى صار لي وحدي وصفا لي. يقال منه : " خلص لي هذا الشيء فهو يخلص خلوصا وخالصة ، و " الخالصة " مصدر مثل " العافية " . ويقال للرجل : " هذا خُلْصاني " ، يعني خالصتي من دون أصحابي.
* * *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يتأول قوله : (خالصة) : خاصة. وذلك تأويل قريب من معنى التأويل الذي قلناه في ذلك.
1575 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (قل إن كانت لكم
__________
(1) الأثر : 1574 - في المطبوعة " . . حدثنا إسحاق قال حدثني أبو جعفر عن الربيع " وهذا إسناد فاسد ، وهو كثير الدوران في التفسير ، وأقرب ذلك رقم : 1563
(2) انظر ما سلف 1 : 245 .

(2/365)


الدار الآخرة) ، قال : " قل " يا محمد لهم - يعني اليهود - : إن كانت لكم الدار الآخرة " - يعني : الجنة (1) - (عند الله خالصة) ، يقول : خاصة لكم.
* * *
وأما قوله : (من دون الناس) ، فإن الذي يدل عليه ظاهر التنزيل أنهم قالوا : لنا الدار الآخرة عند الله خالصة من دون جميع الناس. ويبين أن ذلك كان قولهم - من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بني آدم - إخبار الله عنهم أنهم قالوا : (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ، إلا أنه روي عن ابن عباس قول غير ذلك :
1576 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (من دون الناس) ، يقول : من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين استهزأتم بهم ، وزعمتم أن الحق في أيديكم ، وأن الدار الآخرة لكم دونهم.
* * *
وأما قوله : (فتمنوا الموت) فإن تأويله : تشهوه وأريدوه. وقد روي عن ابن عباس أنه قال في تأويله : فسلوا الموت. ولا يعرف " التمني " بمعنى " المسألة " في كلام العرب. ولكن أحسب أن ابن عباس وجه معنى " الأمنية " - إذ كانت محبة النفس وشهوتها - إلى معنى الرغبة والمسألة ، إذْ كانت المسألة ، هي رغبة السائل إلى الله فيما سأله.
1577 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس : (فتمنوا الموت) ، فسلوا الموت ، (إن كنتم صادقين).
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " يعني الخير " ، وهو تصحيف وتحريف ، صوابه ما أثبت .

(2/366)


وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)

القول في تأويل قوله تعالى{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود وكراهتهم الموت ، وامتناعهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليه من تمني الموت ، لعلمهم بأنهم إن فعلوا ذلك فالوعيد بهم نازل ، والموت بهم حال ؛ ولمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله إليهم مرسل ، وهم به مكذبون ، وأنه لم يخبرهم خبرا إلا كان حقا كما أخبر. فهم يحذرون أن يتمنوا الموت ، خوفا أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب ، كالذي : -
1578 - حدثني محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد فيما يروي أبو جعفر ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) الآية ، أي : ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) ، أي : لعلمهم بما عندهم من العلم بك ، والكفر بذلك. (1)
1579 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ولن يتمنوه أبدا) ، يقول : يا محمد ، ولن يتمنوه أبدا ، لأنهم يعلمون أنهم كاذبون. ولو كانوا صادقين لتمنوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي ، فليس يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم.
1580 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن
__________
(1) الأثر : 1578 - مضى في رقم : 1571 ، وهنا تمامه . وفي سيرة ابن هشام 1 : 191 " أكذب عند الله " . وفي المطبوعة : " وقالوا ذلك على رسول الله . . " وهو خطأ ، صوابه ما في سيرة ابن هشام . وفي المطبوعة : " أي لعلمهم بما عندهم . . " والذي أثبته هو نص ابن هشام .

(2/367)


ابن جريج قوله : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ، وكانت اليهود أشد فرارا من الموت ، ولم يكونوا ليتمنوه أبدا.
* * *
وأما قوله : (بما قدمت أيديهم) ، فإنه يعني به : بما أسلفته أيديهم. وإنما ذلك مثل ، على نحو ما تتمثل به العرب في كلامها. فتقول للرجل يؤخذ بجريرة جرها أو جناية جناها فيعاقب عليها : " نالك هذا بما جنت يداك ، وبما كسبت يداك ، وبما قدمت يداك " ، فتضيف ذلك إلى " اليد " . ولعل الجناية التي جناها فاستحق عليها العقوبة ، كانت باللسان أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد.
قال أبو جعفر : وإنما قيل ذلك بإضافته إلى " اليد " ، لأن عُظْمَ جنايات الناس بأيديهم ، فجرى الكلام باستعمال إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى " أيديهم " ، حتى أضيف كل ما عوقب عليه الإنسان مما جناه بسائر أعضاء جسده ، إلى أنها عقوبة على ما جنته يده.
فلذلك قاله جل ثناؤه للعرب : (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) ، يعني به : ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرهم بالله ، في مخالفتهم أمره وطاعته في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، ويعلمون أنه نبي مبعوث. فأضاف جل ثناؤه ما انطوت عليه قلوبهم ، وأضمرته أنفسهم ، ونطقت به ألسنتهم - من حسد محمد صلى الله عليه وسلم ، والبغي عليه ، وتكذيبه وجحود رسالته - إلى أيديهم ، وأنه مما قدمته أيديهم ، لعلم العرب معنى ذلك في منطقها وكلامها. إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل القرآن بلسانها وبلغتها. وروي عن ابن عباس في ذلك ما : -
1581 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (بما قدمت أيديهم) ، يقول : بما أسلفت أيديهم.

(2/368)


وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

1582 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (بما قدمت أيديهم) ، قال : إنهم عرفوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي فكتموه.
* * *
وأما قوله : (والله عليم بالظالمين) ، فإنه يعني جل ثناؤه : والله ذو علم بظلمة بني آدم - يهودها ونصاراها وسائر أهل الملل غيرها - وما يعملون.
وظلم اليهود : كفرهم بالله في خلافهم أمره وطاعته في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد أن كانوا يستفتحون به وبمبعثه ، وجحودهم نبوته وهم عالمون أنه نبي الله ورسوله إليهم.
وقد دللنا على معنى " الظلم " فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) - اليهود - . يقول : يا محمد ، لتجدن أشد الناس حرصا على الحياة في الدنيا ، وأشدهم كراهة للموت ، اليهود * كما : -
1583 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد - فيما يروي أبو جعفر - عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس : (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) ، يعني اليهود.
1584 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، حدثنا الربيع ، عن أبي العالية : (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) ، يعني اليهود. (2)
1585 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 523 - 524 .
(2) الأثر : 1584 - في المطبوعة : " حدثنا أبو جعفر عن أبي العالية " ، سقط منه " حدثنا الربيع " ؛ وهو إسناد دائر ، وأقربه في رقم : 1573 .

(2/369)


أبيه ، عن الربيع مثله. (1)
1586 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
وإنما كراهتهم الموت ، لعلمهم بما لهم في الآخرة من الخزي والهوان الطويل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ومن الذين أشركوا) ، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة ، كما يقال : " هو أشجع الناس ومن عنترة " بمعنى : هو أشجع من الناس ومن عنترة. فكذلك قوله : (ومن الذين أشركوا). لأن معنى الكلام : ولتجدن - يا محمد - اليهود من بني إسرائيل ، أحرص [من] الناس على حياة ومن الذين أشركوا. (2) فلما أضيف " أحرص " إلى " الناس " وفيه تأويل " من " ، أظهرت بعد حرف العطف ، ردا - على التأويل الذي ذكرنا.
وإنما وصف الله جل ثناؤه اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة ، لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرهم بما لا يقر به أهل الشرك ، (3) فهم للموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث ، لأنهم يؤمنون بالبعث ، ويعلمون ما لهم هنالك من العذاب. والمشركون لا يصدقون بالبعث ولا العقاب ، (4) فاليهود أحرص
__________
(1) الأثر : 1585 - في المطبوعة : " حدثني المثنى قال حدثنا ابن أبي جعفر " سقط منه " حدثنا إسحاق " ، وهو إسناد دائر ، وأقربه رقم : 1574 .
(2) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، يدل عليها سياقه .
(3) في المطبوعة : " مما لا يقر به " ، والصواب ما أثبته .
(4) في المطبوعة : " وإن المشركين لا يصدقون . . " ، و " إن " لا مكان لها هنا .

(2/370)


منهم على الحياة وأكره للموت.
* * *
وقيل : إن الذين أشركوا - الذين أخبر الله تعالى ذكره أن اليهود أحرص منهم في هذه الآية على الحياة - هم المجوس الذين لا يصدقون بالبعث * ذكر من قال هم المجوس :
1587 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، يعني المجوس.
1588 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، قال : المجوس.
1589 - حدثني يونس قال ، أخبرني ابن وهب قال قال ابن زيد : (ومن الذين أشركوا) ، قال : يهود ، أحرص من هؤلاء على الحياة.
* * *
* ذكر من قال : هم الذين ينكرون البعث :
1590 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد - فيما يروي أبو جعفر - عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس : (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا) ، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت ، فهو يحب طول الحياة ؛ وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي ، بما ضيع مما عنده من العلم. (1)
* * *
__________
(1) الأثر : 1590 - سيرة ابن هشام 2 : 191 .

(2/371)


القول في تأويل قوله تعالى : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ }
قال أبو جعفر : هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا (1) - الذين أخبر أن اليهود أحرص منهم على الحياة. يقول جل ثناؤه : يود أحد هؤلاء الذين أشركوا - الآيس ، بفناء دنياه وانقضاء أيام حياته ، (2) أن يكون له بعد ذلك نشور أو محيا أو فرح أو سرور - لو يعمر ألف سنة ، حتى جعل بعضهم تحية بعض : " عشرة آلاف عام " حرصا منهم على الحياة ، كما : -
1591 - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال ، سمعت أبي عليا ، أخبرنا أبو حمزة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، قال : هو قول الأعاجم : " سال زه نوروز مهرجان حر " . (3)
__________
(1) في المطبوعة : " هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا " والصواب حذف " بقوله " ، والنسخة المطبوعة ومخطوطاتها مضطربة في هذا الموضع من الكتاب اضطرابا شديدا .
(2) في المطبوعة : " يود أحد هؤلاء الذين أشركوا إلا ما . . بفناء دنياه وانقضاء أيام حياته " ، بياض فيها وفي الأصل . واستظهرت قراءتها كما أثبت ، فإنه هو المعنى الذي يدور عليه تفسير أبي جعفر : أن هذا المشرك قد يئس أن يكون له بعد فناء الدنيا وانقضاء الحياة نشور أو محيا أو فرح أو سرور ، فهو يود لو يعمر ألف سنة .
(3) الأثر : 1591 - محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، وأبوه : ثقتان ، ترجمنا لهما في شرح المسند : 7437. أبو حمزة : هو السكري ، محمد بن ميمون ، ثقة إمام. وهذا الإسناد صحيح متصل. وانظر الإسناد الآتي. في تفسير ابن كثير 1 : 238 ، ونص الكلام الفارسي فيه : " هزار سال نوروز مهرجان " . وقد سألت أحد أصحابنا ممن يعرف الفارسية فقال : إن هذا النص لا ينطبق على قواعد الفارسية ، وأنه يظن أن صوابها : " زه در مهرجان نو وروز هزار سال " ومعنى " زه " : عش ، و " در " ظرف بمعنى " في " ، ومهرجان هو عيد لهم. ونيروز : عيد آخر في أول السنة. و " هزار " ألف ، و " سال " : سنة. فكأن " حر " التي في آخر الكلام في نص الطبري هي : " در " مصحفة. وباقي النصوص الفارسية صحيح ، ومعناه : عش ألف سنة.
وفي المستدرك للحاكم 2 : 264 " هزار سال سرور مهرجان بخور " ، وقال مصححه : يعني " تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان. وهو عيد لهم " ، وكأن هذا هو الصواب.

(2/372)


1592 - وحدثت عن نعيم النحوي ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير : (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، قال : هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس : " زه هزار سال " .
1593 - حدثنا إبراهيم بن سعيد ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن قتادة في قوله : (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، قال : حَبَّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العمر.
1594 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، حدثني علي بن معبد ، عن ابن علية ، عن ابن أبي نجيح في قوله : (يود أحدهم) ، فذكر مثله.
1595 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) حتى بلغ : (لو يعمر ألف سنة) ، يهود ، أحرص من هؤلاء على الحياة. وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة.
1596 - وحدثت عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن سعيد ، عن ابن عباس في قوله : (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) ، قال : هو قول أحدهم إذا عطس : " زه هزار سال " ، يقول : عشرة آلاف سنة. (1)
* * *
__________
(1) الخبر : 1596 - ذكره الطبري هكذا مجهول الإسناد ، بقوله : " حدثت عن أبي معاوية " ، إلخ . والعلة في ذلك - فيما أرى - أن الأعمش لم يسمعه من سعيد بن جبير ، وإن كان أدركه وروى عنه .
فقد روى الحاكم هذا الخبر ، في المستدرك 2 : 263 - 264 ، من طريق إسحاق بن إبراهيم " حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس " - بنحوه . ثم قال الحاكم : " رواه قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس " . ثم رواه بإسناده إلى محمد بن يوسف ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . . " وهذا إسناد صحيح متصل ، دل على انقطاع الإسناد : " الأعمش عن سعيد بن جبير " .

(2/373)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ، وما التعمير - وهو طول البقاء - بمزحزحه من عذاب الله.
* * *
وقوله : ( هو) عماد لطلب " ما " الاسم أكثر من طلبها الفعل ، (1) كما قال الشاعر :
فهل هو مرفوع بما ههنا رأس * (2)
و " أن " التي في : (أن يعمر) ، رفع ، بـ " مزحزحه " ، و " هو " الذي مع " ما " تكرير ، عماد للفعل ، لاستقباح العرب النكرة قبل المعرفة.
* * *
وقد قال بعضهم : إن " هو " الذي مع " ما " كناية ذكر العمر. كأنه قال : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما ذلك العمر بمزحزحه من العذاب. وجعل " أن يعمر " مترجما عن " هو " ، يريد ما هو بمزحزحه التعمير. (3)
* * *
وقال بعضهم : قوله : (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ، نظير قولك : ما زيد بمزحزحه أن يعمر.
* * *
قال أبو جعفر : وأقرب هذه الأقوال عندنا إلى الصواب ما قلنا ، وهو أن يكون " هو " عمادا ، نظير قولك : " ما هو قائم عمرو " .
* * *
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 312 في معنى " الاسم " و " الفعل " ، و " العماد " ، تعليق رقم : 2 ، وانظر معاني الفراء 1 : 50 - 52 .
(2) هذا شطر بيت مضى من أبيات ثلاثة ، في هذا الجزء 2 : 313 .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 340 معنى " الترجمة " .

(2/374)


وقد قال قوم من أهل التأويل : إن " أن " التي في قوله : " أن يعمر " بمعنى : وإن عمر ، وذلك قول لمعاني كلام العرب المعروف مخالف.
* ذكر من قال ذلك :
1597 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ، يقول : وإن عمر.
1598 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
1599 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " أن يعمر " - ولو عمر.
* * *
وأما تأويل قوله : (بمزحزحه) ، فإنه بمبعده ومُنَحِّيه ، كما قال الحطيئة :
وقالوا : تزحزح ما بنا فضل حاجة... إليك ، وما منا لوَهْيِك راقع (1)
يعني بقوله : : " تزحزح " ، تباعد ، يقال منه : " زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا ، " وهو عنك متزحزح " ، أي متباعد.
* * *
فتأويل الآية - وما طول العمر بمبعده من عذاب الله ، ولا مُنَحِّيه منه ، لأنه لا بد للعمر من الفناء ، ومصيره إلى الله ، كما : -
__________
(1) البيت ليس للحطيئة ، وإنما هو لقيس بن الحدادية ، من قصيدة له نفيسة طويلة رواها أبو الفرج في أغانيه 13 : 6 . يقول قبل البيت ، يذكر مجيئه إلى صاحبته أم مالك . وما راعنى إلا المنادى : ألا اظعنوا ... وإلا الرواغى غدوة والقعاقع
فجئت كأني مستضيف وسائل ... لأخبرها كل الذي أنا صانع
فقالت : تزحزح! ما بنا كبر حاجة ... إليك ، ولا منا لفقرك راقع
فما زلت تحت الستر حتى كأنني ... من الحر ذو طمرين في البحر كارع

(2/375)


1600 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد - فيما أروي - (1) عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس : (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ، أي : ما هو بمنحيه من العذاب.
1601 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ، يقول : وإن عُمِّر ، فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منحيه.
1602 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
1603 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب) ، فهم الذين عادوا جبريل عليه السلام.
1604 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) ، ويهود أحرص على الحياة من هؤلاء. وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة ، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب ، لو عمر كما عمر إبليس لم ينفعه ذلك ، إذ كان كافرا ، ولم يزحزحه ذلك عن العذاب.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (والله بصير بما يعملون) ، والله ذو إبصار بما يعملون ، لا يخفي عليه شيء من أعمالهم ، بل هو بجميعها محيط ، ولها حافظ ذاكر ، حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فيما أرى " ، خطأ ، والصواب ما أثبت . وانظر الإسناد رقم : 1590 .

(2/376)


قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)

وأصل " بصير " " مبصر " - من قول القائل : " أبصرت فأنا مبصر " ، ولكن صرف إلى " فعيل " ، كما صرف " مسمع " إلى " سميع " ، و " عذاب مؤلم " إلى " أليم " ، " ومبدع السموات " إلى بديع ، وما أشبه ذلك. (1)
القول في تأويل قوله جل ثناؤه { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وأن ميكائيل ولي لهم. ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم : إنما كان سبب قيلهم ذلك ، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته.
* ذكر من قال ذلك :
1605 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير ، (2) عن عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس أنه قال : حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم ، حدثنا عن خلال نسألك عنهن ، لا يعلمهن إلا نبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلوا عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي ذمة الله ، وما أخذ يعقوب على بنيه ، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه ، لتتابعُني على الإسلام. فقالوا : ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلوني عما شئتم. فقالوا : أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن : أخبرنا ، أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ وأخبرنا
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 283 ، وهذا الجزء 2 : 140 .
(2) في المطبوعة : " يونس عن بكير " ، وهو خطأ محض .

(2/377)


كيف ماء المرأة وماء الرجل ؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى ؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني! فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. فقال : " نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه ، فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل - قال أبو جعفر : فيما أروي : (1) وأحب الشراب إليه ألبانها ؟ فقالوا : اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ؟ قالوا : اللهم نعم. قال : اللهم اشهد! قال : وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟ قالوا : اللهم نعم! قال : اللهم اشهد! قالوا : أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة ، (2) فعندها نتابعك أو نفارقك. قال : فإن وليي جبريل ، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. قالوا : فعندها نفارقك ، لو كان وليك سواه من الملائكة ، تابعناك وصدقناك. قال : " فما يمنعكم أن تصدقوه ؟ قالوا : إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل : (من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله(كأنهم لا يعلمون) ، فعندها باءوا بغضب على غضب. (3)
1606 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين - يعني المكي - ، عن شهر بن حوشب الأشعري : أن نفرا من اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن ، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ، لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني ؟ قالوا : نعم. قال : فاسألوا عما بدا لكم. فقالوا : أخبرنا كيف يشبه الولد أمه ، وإنما النطفة من الرجل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ، ونطفة المرأة صفراء رقيقة ، فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ؟ (4) نعم. قالوا : فأخبرنا كيف نومك ؟ قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟
__________
(1) في المطبوعة : " فيما أرى " - وانظر ما سلف قريبا : 376 .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 239 " أنت الآن فحدثنا . . " ، وهي جيدة .
(3) الأثر : 1605 - إسناده صحيح. يونس بن بكير بن واصل الشيباني : ثقة ، من تكلم فيه فلا حجة له ، وأخرج له مسلم في صحيحه. وترجمته في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 411 ، وابن سعد 6 : 279 ، وابن أبي حاتم 4 /2 /236. ووقع في المطبوعة هنا " يونس عن بكير " وهو خطأ واضح. عبد الحميد بن بهرام - بفتح الباء وسكون الهاء - الفزاري : ثقة ، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وتكلم فيه بعضهم من أجل روايته عن شهر بن حوشب ، وهو راويته ، ولكن شهر ثقة أيضًا ، كما أشرنا في : 1489.
والحديث رواه أحمد في المسند ، مطولا : 2514 ، وابن سعد في الطبقات 1/1/115 - 116 ، كلاهما من هاشم بن القاسم ، عن عبد الحميد بن بهرام ، بهذا الإسناد. ثم رواه أحمد : 2515 ، عن محمد بن بكار ، عن عبد الحميد بن بهرام ، به ولم يذكر لفظه ، إحالة على ما قبله.ورواه أحمد أيضًا : 2471 ، مختصرا ، عن حسين ، هو ابن محمد المروزي عن عبد الحميد بن بهرام.
ورواه أيضًا : 2483 ، من وجه آخر ، أطول قليلا. وكذلك رواه أبو نعيم في الحلية 4 : 304 - 305 من هذا الوجه. وذكر الهيثمي الرواية : 2483 ، وأشار إلى ما في الرواية : 2514 من الزيادة ، في مجمع الزوائد 8 : 241 - 242 ، وقال : " رواه أحمد والطبراني ، ورجالهما ثقات " .ونقل ابن كثير في التفسير 1 : 238 - 239 رواية الطبري التي هنا ، ثم أشار إلى رواية المسند : 2514. ثم نقل رواية المسند : 2483 فيه 1 : 240 ، ونقل روايتي المسند أيضًا 2 : 186 - 187.
(4) في المطبوعة : " فأيهما غلبت صاحبتها " ، والصواب من نص سيرة ابن هشام 2 : 191 - 192 .

(2/378)


(1) قالوا : اللهم نعم. قال : اللهم اشهد! قالوا أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ قال : هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها ، وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها ، فحرم أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله ، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم. قالوا : فأخبرنا عن الروح. قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ، (2) وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : نعم ، ولكنه لنا عدو ، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ، فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله فيهم : (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك) إلى قوله(كأنهم لا يعلمون). (3)
1607 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، حدثني القاسم بن أبي بزة : أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم : من صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي ؟ فقال : جبريل. قالوا : فإنه لنا عدو ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال! فنزل : (من كان عدوا لجبريل) الآية. قال ابن جريج : وقال مجاهد : قالت يهود : يا محمد ، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب! وقالوا : إنه لنا عدو! (4) فنزل : (من كان عدوا لجبريل) الآية. (5)
* * *
وقال آخرون : بل كان سبب قيلهم ذلك ، من أجل مناظرة جرت بين
__________
(1) نص ابن إسحاق في رواية ابن هشام 2 : 192 : " هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به ، تنام عيناه وقلبه يقظان ؟ فقالوا : اللهم نعم . قال : فكذلك نومي ، تنام عيني وقلبي يقظان . قالوا : فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ؟ " وبعد ذلك اختلاف أيضًا في رواية ابن جرير عن ابن إسحاق .
(2) في سيرة ابن هشام : " هل تعلمونه " ، وهو أشبه بالصواب .
(3) الأثر : 1606 - هو حديث مرسل ، مضى جزء منه ، بهذا الإسناد : 1489. وأشار إليه ابن كثير 239 : 1 - 240 ، عقب حديث ابن عباس الذي قبله ، وصرح أيضًا بأنه رواه محمد بن إسحاق مرسلا.وفي سيرة ابن هشام 2 : 191 - 192 ، وفيه اختلاف في بعض اللفظ. وقد ساق ابن كثير هذين الأثرين (1605 ، 1606) وخرجهما ، وواستوفى الكلام في هذه القصة في تفسيره 1 : 238 - 245.
(4) في تفسير ابن كثير 1 : 240 : " إلا بشدة وحرب وقتال فإنه لنا عدو " .
(5) الأثر : 1607 - وهذا منقطع ، وقد ذكره ابن كثير 1 : 240 ، عن هذا الموضع و " القاسم بن أبي بزة " : سبق في : 631 ، وهو يروى عن التابعين .

(2/380)


عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبينهم ، في أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
1608 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا ربعي بن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : نزل عمر الروحاء ، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها ، فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ههنا. فكره ذلك وقال : أيما ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد فصلى ، ثم ارتحل فتركه! (1) ثم أنشأ يحدثهم فقال : كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ، ومن الفرقان كيف يصدق التوراة! فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا ابن الخطاب ، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا. قال : قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة ، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان! قال : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ابن الخطاب ، ذاك صاحبكم فالحق به. قال : فقلت لهم عند ذلك : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه ، أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا ، قال : فقال عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظم عليكم فأجيبوه. (2) قالوا : أنت عالمنا وسيدنا ، فأجبه أنت. قال : أما إذ نشدتنا به ، فإنا نعلم أنه رسول الله. قال : قلت : ويحكم! إذا هلكتم! (3) قالوا إنا لم نهلك. قال : قلت : كيف ذاك ، وأنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه ؟
__________
(1) في المطبوعة : " وقال : إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة " ، وهي عبارة ركيكة . وأثبت ما جاء في تفسير ابن كثير عن الطبري 1 : 240 . وقوله " أيما " استفهام وتعجب ، وأكثر ما تكتب : " أيم " (بفتح فسكون ففتح) ، وبحذف الألف . تقول : أيم تقول ؟ أي : أي شيء تقول ؟ وانظر اللسان (أيم) . يتعجب عمر من فعلهم .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 242 : " قد غلظ عليكم " .
(3) في المطبوعة : " أي هلكتم " ، والصواب في تفسير ابن كثير .

(2/381)


قالوا : إن لدينا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة ، وإنه قرن به عدونا من الملائكة. (1) قال : قلت : ومن عدوكم ؟ ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل. قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل ؟ وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا. قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه ، والآخر عن يساره. قال : قلت : فوالله الذي لا إله إلا هو ، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما ، وسلم لمن سالمهما ، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل ، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل! قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان ، (2) فقال لي : يا ابن الخطاب ، ألا أقرئك آيات نزلن ؟ فقرأ على : (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه) حتى قرأ الآيات. قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، (3) والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر ، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر! (4)
1609 - حدثني يعقوب بن ابرهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي قال ، قال عمر : كنت رجلا أغشى اليهود في يوم مدراسهم ، ثم ذكر نحو حديث ربعي. (5)
1610 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود ، فلما أبصروه رحبوا به. فقال لهم عمر : أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه ، فقالوا : من صاحب صاحبكم ؟ فقال لهم : جبريل. فقالوا : ذاك عدونا من أهل السماء ، يطلع محمدا على سرنا ، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة (6) ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل ، وكان إذا جاء جاء بالخصب وبالسلم ، فقال لهم عمر : أفتعرفون جبريل وتنكرون محمدا ؟ ففارقهم عمر عند ذلك ، وتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم ، فوجده قد أنزل عليه هذه الآية : (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله).
1611 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب أقبل على اليهود يوما ، فذكر نحوه.
1612 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (من كان عدوا لجبريل) ، قال : قالت اليهود :
__________
(1) السلم : المسالم . تقول : أنا سلم لمن سالمني . رجل سلم ، وقوم سلم ، وامرأة سلم .
(2) في المطبوعة : " خرقة " ، وفي تفسير ابن كثير " خوخة " والصواب " مخرفة " كما أثبتها . والمخرفة : البستان ، أو سكة بين صفين من نخل . خرف النخل والثمر : اجتناه ، واجتناء الثمر ه " الخرفة " (بضم فسكون) .
(3) في المطبوعة : " بأبي وأمي يا رسول الله " بإسقاط " أنت " ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير
(4) الحديث : 1608 - وهذا مرسل أيضًا. ذكره ابن كثير 1 : 241 - 243 ، عن هذا الموضع ، ثم عن تفسير ابن أبي حاتم ، من رواية مجالد عن عامر - وهو الشعبي - وسيأتي نحوها أيضًا من رواية مجالد رقم : 1614. ثم قال ابن كثير : " وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر. ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر ، فإنه لم يدرك زمانه " . وقال السيوطي في الدر المنثور 1 : 90 " صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر " .
رِبْعِي ، بكسر الراء والعين المهملة ، بينهما باء موحدة ساكنة ، وآخره ياء تحتية مشددة : هو " ربعي بن إبراهيم بن مقسم الأسدي " عرف " بابن علية " ، كأخيه " إسماعيل بن علية " . وربعي : ثقة مأمون ، من شيوخ أحمد وأبي خيثمة وغيرهما. وقال عبد الرحمن بن مهدي : " كنا نعد ربعي بن علية من بقايا شيوخنا " . وفي المسند : 7444 أن أحمد بن حنبل قال : " كان يفضل على أخيه " . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 /299 ، وابن أبي حاتم 1 /2 /509 - 510.داود بن أبي هند : ثقة ، جيد الإسناد ، رفع ، من حفاظ البصرين. ترجمته في التهذيب ، والكبير 2/1/211 - 212 ، والصغير : 160 ، وابن أبي حاتم 1 /2 /411 - 412.
الشعبي : هو عامر بن شراحيل الهمداني ، إمام جليل الشأن ، من كبار التابعين. ولكنه لم يدرك عمر ، كما قال ابن كثير. فإنه ولد سنة 19 ، أو سنة 20.
(5) الأثر : 1609 - في المطبوعة : " حدثني يعقوب قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا ابن علية " والصواب ما أثبته ، يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وقد سلف مرارا بهذا الإسناد ، وروايته عن ابن علية
(6) السنة : الجدب والقحط .

(2/382)


إن جبريل هو عدونا ، لأنه ينزل بالشدة والحرب والسنة ، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب ، فجبريل عدونا. فقال الله جل ثناؤه : (من كان عدوا لجبريل).
1613 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه) ، قال : كان لعمر بن الخطاب أرض بأعلى المدينة ، فكان يأتيها ، وكان ممره على طريق مدراس اليهود ، وكان كلما دخل عليهم سمع منهم. وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا : يا عمر ما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد أحب إلينا منك ، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا ، وتمر بنا فلا تؤذينا ، وإنا لنطمع فيك. فقال لهم عمر : أي يمين فيكم أعظم ؟ قالوا : الرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء. فقال لهم عمر : فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء ، أتجدون محمدا صلى الله عليه وسلم عندكم ؟ فأَسْكتوا. (1) فقال : تكلموا ، ما شأنكم ؟ فوالله ما سألتكم وأنا شاك في شيء من ديني. فنظر بعضهم إلى بعض ، فقام رجل منهم فقال : أخبروا الرجل ، لتخبرنه أو لأخبرنه. قالوا : نعم ، إنا نجده مكتوبا عندنا ، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي هو جبريل ، وجبريل عدونا ، وهو صاحب كل عذاب أو قتال أو خسف ، ولو أنه كان وليه ميكائيل ، إذًا لآمنا به ، فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث. فقال لهم عمر : فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء ، أين مكان جبريل من الله ؟ قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره. قال عمر : فأشهدكم أن الذي هو عدو للذي عن يمينه ، عدو للذي هو عن يساره ؛ والذي هو عدو للذي هو عن يساره ؛ عدو للذي هو عن يمينه ؛ وأنه من كان عدوهما ، فانه عدو لله. ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم ،
__________
(1) سكت الرجل : صمت . وأسكت الرجل (غير متعد) : انقطع كلامه فلم يتكلم ، وأطرق من فكرة انتابته وقطعته .

(2/384)


فوجد جبريل قد سبقه بالوحي ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ، فقال عمر : والذي بعثك بالحق ، لقد جئتك وما أريد إلا أن أخبرك! (1)
1614 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج الرازي قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء أبو زهير ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : انطلق عمر إلى يهود فقال : إني أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتابكم ؟ قالوا : نعم. قال : فما يمنعكم أن تتبعوه ؟ قالوا : إن الله لم يبعث رسولا إلا كان له كفل من الملائكة ، وإن جبريل هو الذي يتكفل لمحمد ، وهو عدونا من الملائكة ، وميكائيل سلمنا ، فلو كان هو الذي يأتيه اتبعناه. قال : فإني أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى ، ما منزلتهما من رب العالمين ؟ قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن جانبه الآخر. فقال : إني أشهد ما يقولان إلا بإذن الله ، (2) وما كان لميكائيل أن يعادي سلم جبريل ، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. [فبينما هو عندهم] ، إذ مر نبي الله صلى الله عليه وسلم ، (3) فقالوا : هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه ، فأتاه وقد أنزل عليه : (من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله : (فإن الله عدو للكافرين). (4)
__________
(1) الأثر : 1613 - في الدر المنثور 1 - 91 مع اختلاف يسير في اللفظ واختصار في روايته .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 243 : " ما ينزلان إلا بإذن الله " ، وكأنه هو الصواب .
(3) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، زدتها من تفسير ابن كثير 1 : 242 ، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره .
(4) الحديث : 1614 - وهذا إسناد مرسل أيضًا ، ووقع فيه في المطبوعة خطأ في موضعين أثبتنا الصواب لليقين به. وكان في المطبوعة " حدثنا عبد الرحمن بن مغراء قال حدثنا زهير عن مجاهد عن الشعبي " . فلا يوجد في شيوخ ابن مغراء ، ولا في الرواة عن " مجاهد " أو " مجالد " من يسمى " زهيرا " . و " مجاهد عن الشعبي " خطأ أيضًا ، وكلاهما من كبار التابعين ، من طبقة واحدة ، ومجاهد أقدم قليلا. وعبد الرحمن بن مغراء لا يدرك أن يروى عن مجاهد ، ولا عن الشعبي.
ومجالد : هو ابن سعيد الهمداني ، وهو ثقة ، ضعفه بعض الأئمة. وروى عنه من الأئمة : شعبة والسفيانان وابن المبارك ، ورجحنا تصحيح حديث القدماء عنه ، في شرح المسند : 3781 ، لأن أعدل كلمة فيه قول عبد الرحمن بن مهدي : " حديث مجالد عند الأحداث ، يحيى بن سعيد وأبي أسامة ، ليس بشيء ، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء ، " . قال ابن حاتم : " يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره " . وذكر ابن سعد في ترجمته 6 : 243 جرح يحيى القطان إياه ، ثم قال : " وقد روى عنه يحيى بن سعيد القطان مع هذا ، وروى عنه سفيان الثورى ، وشعبة ، وغيرهم " . وترجمته في التهذيب ، والكبير للبخاري 4/ 2/9 ، والصغير : 168 ، 169 ، وابن أبي حاتم 4 /1/ 361 - 362.
إسحاق بن الحجاج الرازي : هو الطاحوني المقرئ ، ترجمنا له فيما مضى : 230. وعبد الرحمن بن مغراء بن عياض الدوسي ، أبو زهير : ثقة ، تكلم بعضهم في روايته عن الأعمش ، وهو مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 2 /2 /290 - 291.
وهذا الحديث نقله ابن كثير 1 : 242 - 243 ، من تفسير ابن أبي حاتم. " حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن مجالد ، عن عامر.. " - وهو الشعبي ، فذكر نحوه. ثم بين ابن كثير أنه منقطع ، كما أشرنا آنفًا.
الراجح عندي أن عبد الرحمن بن مغراء ممن روى عن مجالد بعد تغيره.

(2/385)


1615 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى في قوله : (من كان عدوا لجبريل). قال : قالت اليهود للمسلمين : لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم ، فإنه ينزل بالرحمة والغيث ، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة ، وهو لنا عدو. قال : فنزلت هذه الآية : (من كان عدوا لجبريل).
1616 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء بنحو ذلك.
* * *
قال أبو جعفر : وأما تأويل الآية - أعني قوله : (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) - فهو : أن الله يقول لنبيه : قل يا محمد - لمعاشر اليهود من بني إسرائيل ، الذين زعموا أن جبريل لهم عدو ، من أجل أنه صاحب سطوات وعذاب وعقوبات ، لا صاحب وحي وتنزيل ورحمة ، فأبوا اتباعك ، وجحدوا نبوتك ، وأنكروا ما جئتهم به من آياتي وبينات حكمي ، من أجل أن جبريل وليك وصاحب وحيي إليك ، وزعموا أنه عدو لهم - : من يكن من الناس

(2/386)


لجبريل عدوا ، ومنكرا أن يكون صاحب وحي الله إلى أنبيائه ، وصاحب رحمته ، فإني له ولي وخليل ، ومقر بأنه صاحب وحي إلى أنبيائه ورسله ، وأنه هو الذي ينزل وحي الله على قلبي من عند ربي ، بإذن ربي له بذلك ، يربط به على قلبي ، ويشد فؤادي ، كما : -
1617 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (قل من كان عدوا لجبريل) ، قال : وذلك أن اليهود قالت - حين سألت محمدا صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة ، فأخبرهم بها على ما هي عندهم - " إلا جبريل " ، فإن جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوة ، ولم يكن عندهم صاحب وحي - يعني : تنزيل من الله على رسله - ولا صاحب رحمة ، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سألوه عنه : أن جبريل صاحب وحي الله ، وصاحب نقمته. وصاحب رحمته ، فقالوا : ليس بصاحب وحي ولا رحمة ، هو لنا عدو! فأنزل الله عز وجل إكذابا لهم : (قل) يا محمد : (من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك) ، يقول : فإن جبريل نزله. يقول : نزل القرآن - بأمر الله يشد به فؤادك ، ويربط به على قلبك " ، يعني : بوحينا الذي نزل به جبريل عليك من عند الله - وكذلك يفعل بالمرسلين والأنبياء من قبلك.
1618 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) ، يقول : أنزل الكتاب على قلبك بإذن الله.
1619 - وحدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (فإنه نزله على قلبك) ، يقول : نزل الكتاب على قليك جبريل.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما قال جل ثناؤه : (فإنه نزله على قلبك) - وهو يعني

(2/387)


بذلك قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أمر محمدا في أول الآية أن يخبر اليهود بذلك عن نفسه - ولم يقل : فإنه نزله على قلبي ولو قيل : " على قلبي " كان صوابا من القول لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكي ما قيل له عن نفسه ، أن تخرج فعل المأمور مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه ، إذ كان المخبر عن نفسه ؛ ومرة مضافا إلى اسمه ، كهيئة كناية اسم المخاطب لأنه به مخاطب. فتقول في نظير ذلك : " قل للقوم إن الخير عندي كثير " - فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه ، لأنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه - : و " قل للقوم إن الخير عندك كثير " - فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب ، لأنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك ، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له. وكذلك : " لا تقل للقوم إني قائم " و " لا تقل لهم إنك قائم " ، و " الياء " من " إني " اسم المأمور بقول ذلك ، على ما وصفنا. ومن ذلك قول الله عز وجل : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ) و(تغلبون) [آل عمران : 12] ، بالياء والتاء. (1)
* * *
وأما " جبريل " فإن للعرب فيه لغات. فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون " جبريل ، وميكال " بغير همز ، بكسر الجيم والراء من " جبريل " وبالتخفيف. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة.
أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون : " جَبرئيل وميكائيل " على مثال " جبرعيل وميكاعيل " ، بفتح الجيم والراء ، وبهمز ، وزيادة ياء بعد الهمزة. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة ، كما قال جرير بن عطية :
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد... وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا (2)
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 63 .
(2) ديوانه : 450 ، ونقائض جرير والأخطل : 87 ، من قصيدته الدامغة في هجاء الأخطل ، والضمير إلى تغلب ، رهط الأخطل ، وقبله : قبح الإله وجوه تغلب ، كلما ... شَبَح الحجيج وكبروا إهلالا

(2/388)


وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن : " جبريل " بفتح الجيم. وترك الهمز.
قال أبو جعفر : وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها ، لأن " فعليل " في كلام العرب غير موجود. (1) وقد اختار ذلك بعضهم ، وزعم أنه اسم أعجمي ، كما يقال : " سمويل " ، وأنشد في ذلك : (2)
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها... ما وازنت ريشة من ريش سمويلا (3)
وأما بنو أسد فإنها تقول " جِبرين " بالنون. وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في " جبريل " " ألفا " فتقول : جبراييل وميكاييل.
وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ : " جَبْرَئِلّ " بفتح الجيم ، والهمز ، وترك المد ، وتشديد اللام.
فأما " جبر " و " ميك " ، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى : " عبد " ، والآخر بمعنى : " عبيد " .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فعيل " ، هو خطأ .
(2) هو الربيع بن زياد العبسي ، أحد الكملة من بني فاطمة بنت الخرشب الأنمارية .
(3) الأغاني 14 : 92 ، 16 : 22 ، واللسان (سمل) ، من أبيات أرسلها الربيع إلى النعمان ابن المنذر في خبر طويل ، حين قال لبيد في رجزه : مهلا ، أبيت اللعن ، لا تأكل معه
وزعم أنه أبرص الخبيثة ، وذكر من فعله قبيحا كريها ، فرحل الربيع عن النعمان ، وكان له نديما ، وأرسل إليه أبياته . لئن رحلت جمالي لا إلى سعة ... ما مثلها سعة عرضا ولا طولا
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا
ترعى الروائم أحرار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحا وغسويلا
فاثبت بأرضك بعدي ، واخل متكئا ... مع النطاسي طورا وابن توفيلا
ولخم : هم رهط آل المنذر ملوك الحيرة .

(2/389)


وأما " إيل " فهو الله تعالى ذكره ، كما : -
1620 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جرير بن نوح الحماني ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير قال ، قال ابن عباس : " جبريل " و " ميكائيل " ، كقولك : عبد الله.
1621 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " جبريل " عبد الله ؛ و " ميكائيل " ، عبيد الله. وكل اسم " إيل " فهو : الله.
1622 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير مولى ابن عباس : أن " إسرائيل ، وميكائيل وجبريل ، وإسرافيل " كقولك : عبد الله.
1623 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث قال : " إيل " ، الله ، بالعبرانية.
1624 - حدثنا الحسين بن يزيد الضحاك قال ، حدثنا إسحاق بن منصور قال ، حدثنا قيس ، عن عاصم ، عن عكرمة ، قال : " جبريل " اسمه : عبد الله ؛ و " ميكائيل " اسمه : عبيد الله. " إيل " : الله.
1625 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن علي بن حسين قال : اسم " جبريل " عبد الله ، واسم " ميكائيل " عبيد الله ، واسم " إسرافيل " : عبد الرحمن. وكل معبد ، " إيل " ، فهو عبد الله. (1)
1626 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ، عن
__________
(1) الخبر : 1625 - الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي : ضعيف قال أبو زرعة : " لا يصدق " . وهو مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 1/2/61 - 62 ، والأنساب ، في الورقة : 401 . و " العنقزي " : بفتح العين المهلة والقاف بينهما نون ساكنة وبالزاي . ووقع في المطبوعة " العبقري " ، وهو تصحيف . وكذلك سيأتي في رقم : 1655 ، بالتصحيف ، وصححناه هناك .

(2/390)


محمد المدني - قال المثنى : قال قبيصة : أراه محمد بن إسحاق - عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن علي بن حسين ، قال : ما تعدون " جبريل " في أسمائكم ؟ قال : " جبريل " عبد الله ، و " ميكائيل " عبيد الله. وكل اسم فيه " إيل " ، فهو مُعَبَّدٌ لله.
1627 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن علي بن حسين قال : قال لي : هل تدري ما اسم " جبريل " من أسمائكم ؟ قلت : لا. قال : عبد الله. قال : فهل تدري ما اسم " ميكائيل " من أسمائكم ؟ قلت : لا. (1) قال : عبيد الله. وقد سمى لي " إسرائيل " باسم نحو ذلك فنسيته ، إلا أنه قد قال لي : أرأيت ، كل اسم يرجع إلى " إيل " فهو معبد له.
1628 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن عكرمة في قوله : (جبريل) قال : " جبر " عبد ، " إيل " الله ، و " ميكا " قال : عبد. " إيل " : الله. (2)
* * *
قال أبو جعفر : فهذا تأويل من قرأ " جبرئيل " بالفتح ، والهمز ، والمد. وهو - إن شاء الله - معنى من قرأ بالكسر ، وترك الهمز.
وأما تأويل من قرأ ذلك بالهمز ، وترك المد ، وتشديد اللام ، فإنه قصد بقوله ذلك كذلك ، إلى إضافة " جبر " و " ميكا " إلى اسم الله الذي يسمى به بلسان العرب دون السرياني والعبراني. وذلك أن " الإلّ " بلسان العرب : الله ، كما قال : ( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ) [التوبة : 10]. فقال جماعة من أهل العلم : " الإل " هو الله. ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه - لوفد بني حنيفة ، حين سألهم عما كان مسيلمة يقول ، فأخبروه - فقال لهم : ويحكم "
__________
(1) في المطبوعة : " قال : لا " ، والصواب ما أثبت .
(2) لعله " وميكا " . قال : " عبيد " بالتصغير ، كما سلف آنفًا .

(2/391)


أين ذهب بكم ؟ والله ، إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر. يعني " من إل " : من الله * وقد : -
1629 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز في قوله : (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) قال : قول " جبريل " و " ميكائيل " و " إسرافيل " .
كأنه يقول : حين يضيف " جبر " و " ميكا " و " إسرا " إلى " إيل " يقول : عبد الله. (1) (لا يرقبون في مؤمن إلا) ، كأنه يقول : لا يرقبون الله عز وجل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (مصدقا لما بين يديه) ، القرآن. ونصب " مصدقا " على القطع من " الهاء " التي في قوله : (نزله على قلبك). (2)
فمعنى الكلام : فإن جبريل نزل القرآن على قلبك ، يا محمد ، مصدقا لما بين يدي القرآن. يعني بذلك : مصدقا لما سلف من كتب الله أمامه ، ونزلت على رسله الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وتصديقه إياها ، موافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله ، وهي تصدقه. (3) كما : -
1630 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس.(مصدقا لما بين
__________
(1) لعل الصواب أن يقول : " إسراف " ، مكان " إسرا " ، أو تكون الأولى " إسرائيل " مكان " إسرافيل " .
(2) القطع : الحال هنا . وانظر ما سلف 1 : 230 - 232 ، 330 ، 561 .
(3) في المطبوعة : " وهي تصديقه " والصواب ما أثبت ، يريد : وهي توافقه . كما فسر قبل .

(2/392)


يديه) ، يقول : لما قبله من الكتب التي أنزلها الله ، والآيات ، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات ، نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح ، وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم.
1631 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (مصدقا لما بين يديه) ، من التوراة والإنجيل.
1632 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وهدى) ودليل وبرهان. وإنما سماه الله جل ثناؤه " هدى " ، لاهتداء المؤمن به. و " اهتداؤه به " اتخاذه إياه هاديا يتبعه ، وقائدا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه. و " الهادي " من كل شيء : ما تقدم أمامه. ومن ذلك قيل لأوائل الخيل : " هواديها " ، وهو ما تقدم أمامها ، وكذلك قيل للعنق : " الهادي " ، لتقدمها أمام سائر الجسد. (1)
* * *
وأما " البشرى " فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه ، أن القرآن لهم بشرى منه ، لأنه أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناته ، وما هم إليه صائرون في معادهم من ثوابه ، وذلك هو " البشرى " التي بشر الله بها المؤمنين في كتابه. لأن البشارة في كلام العرب ، هي : إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخبر ، قبل أن يسمعه من غيره ، أو يعلمه من قبل غيره. (2)
وقد روي في ذلك عن قتادة قول قريب المعنى مما قلناه :
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 166 - 170 ، 230 ، 249 ثم 549 - 551 .
(2) انظر ما سلف 1 : 383 .

(2/393)


مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

1633 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (هدى وبشرى للمؤمنين) ، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه ، وانتفع به واطمأن إليه ، وصدق بموعود الله الذي وعد فيه ، وكان على يقين من ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه من كان عدوا لله ، من عاداه ، وعادى جميع ملائكته ورسله ؛ (1) وإعلام منه أن من عادى جبريل فقد عاداه وعادى ميكائيل ، وعادى جميع ملائكته ورسله. لأن الذين سماهم الله في هذه الآية هم أولياء الله وأهل طاعته ، ومن عادى لله وليا فقد عادى الله وبارزه بالمحاربة ، ومن عادى الله فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته. لأن العدو لله عدو لأوليائه ، والعدو لأولياء الله عدو له. فكذلك قال لليهود - الذين قالوا : إن جبريل عدونا من الملائكة ، وميكائيل ولينا منهم - : (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) ، من أجل أن عدو جبريل عدو كل ولي لله. فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوا لجبريل ، فهو لكل من ذكره - من ملائكته ورسله وميكال - عدو ، وكذلك عدو بعض رسل الله ، عدو لله ولكل ولي. وقد : -
1634 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عبيد الله - يعني العتكي - ، عن رجل من قريش قال : سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود
__________
(1) هكذا في المطبوعة : " من كان عدوا لله " ، وهو لايستقيم ، وكأن الصواب " أن من كان عدوا لله ، عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله " بإسقاط " من " من " من عاداه " .

(2/394)


فقال : أسالكم بكتابكم الذي تقرءون ، هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد ؟ فقالوا : اللهم وجدناك في كتابنا ، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهَرِيق الدماء. فأنزل الله : (من كان عدوا لله وملائكته) الآية. (1)
1635 - حدثت عن عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : إن يهوديا لقي عمر فقال له : إن جبريل الذي يذكره صاحبك ، هو عدو لنا. فقال له عمر : (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) . قال : فنزلت على لسان عمر.
* * *
وهذا الخبر يدل على أن الله أنزل هذه الآية توبيخا لليهود في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإخبارا منه لهم أن من كان عدوا لمحمد فالله له عدو ، وأن عدو محمد من الناس كلهم ، لمن الكافرين بالله ، الجاحدين آياته.
* * *
فإن قال قائل : أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة ؟
قيل : بلى.
فإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما ، وقد مضى ذكرهما في الآية في جملة أسماء الملائكة ؟
قيل : معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما ، أن اليهود لما قالت : " جبريل عدونا ، وميكائيل ولينا " - وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ، من أجل أن
__________
(1) الحديث : 1634 - عبيد الله العتكي : هو عبيد الله بن عبد الله ، أبو المنيب العتكي ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره . وذكره البخاري في كتاب الضعفاء ، ص : 22 ، وقال : " عنده مناكير " . وقال ابن أبي حاتم 2 /2 /322 في ترجمته : " سمعت أبي يقول : هو صالح الحديث . وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء . وقال : " يحول " . ولكن هذا الحديث منقطع ضعيف الإسناد ، لأن أبا المنيب إنما يروى عن التابعين .
والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 265 ، من طريق إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، به . وصحه الذهبي في مختصره . ونقله ابن كثير 1 : 248 - 249 ، عن الطبري ، ثم أشار إلى رواية الحاكم .

(2/395)


جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم - أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا ، فإن الله له عدو ، وأنه من الكافرين. فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه ، لئلا يقول منهم قائل : إنما قال الله : من كان عدوا لله وملائكته ورسله ، ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء. لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا ، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه. وكذلك قوله : (ورسله) ، فلست يا محمد داخلا فيهم. فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ، ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين.
* * *
وأما إظهار اسم الله في قوله : (فإن الله عدو للكافرين) ، وتكريره فيه - وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال : (من كان عدوا لله وملائكته) - فلئلا يلتبس لو ظهر ذلك بكناية ، فقيل : " فإنه عدو للكافرين " ، على سامعه ، من المَعْنِيّ بـ " الهاء " التي في " فإنه " : أألله ، أم رسل الله جل ثناؤه ، أم جبريل ، أم ميكائيل ؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت ، فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعني بذلك ، لاحتمال الكلام ما وصفت ، وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر : (1)
ليت الغراب غداة ينعَب دائما... كان الغراب مقطع الأوداج (2)
وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه. والأمر في ذلك بخلاف ما قال. وذلك أن " الغراب " الثاني لو كان مكنى عنه ، لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم " الغراب " الأول ، إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه
__________
(1) هو جرير .
(2) ديوانه 89 ، وأمالي ابن الشجرى 1 : 243 ، وغيرهما . ورواية ديوانه " ينعت بالنوى " وهو الجيد ، فإن قبله : إن الغراب ، بما كرهت ، لمولع ... بنوى الأحبة دائم التشحاج
والأوداج جمع ودج : وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم .

(2/396)


وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)

غير كناية اسم " الغراب " الأول - وأن قبل قوله : (فإن الله عدو للكافرين) أسماء ، لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيا عنه ، (1) لم يعلم من المقصود إليه بكناية الاسم ، إلا بتوقيف من حجة. فلذلك اختلف أمراهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولقد أنزلنا إليك آيات) ، أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك : وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل ، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه ، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. (2) فكان ، في ذلك من أمره ، الآيات البينات لمن أنصف نفسه ، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة ، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر ، ولا أخذ شيء منه عن آدمي. وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.
1636 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (ولقد أنزلنا إليك
__________
(1) في المطبوعة : " وإن قيل قوله فإن الله عدو للكافرين " اسما لو جاء . . " والصواب ما أثبت . وقد رجم مصححو المطبوعة رجما لا خير فيه في تصحيح كلام الطبري .
(2) في المطبوعة : " فأطلع الله في كتابه . . " وهو كلام لا يستقيم ، والصواب ما أثبت . يعني فأظهر الله هذه الخفايا ، وتلك الأخبار ، وما حرفوه من الأحكام في توراتهم .

(2/397)


آيات بينات) يقول : فأنت تتلوه عليهم ، وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك ، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا ، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله : ففي ذلك لهم عبرة وبيان ، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
1637 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال ابن صوريا الفِطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (1) يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها! (2) فأنزل الله عز وجل : (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون)! (3)
1638 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله. (4)
* * *
__________
(1) في المطبوعة " القطيوني " بالقاف ، وهو خطأ ، وهو من بني ثعلبة بن الفطيون (بكسر الفاء وسكون الطاء ، وضم الياء) . قال السهيلي : " الفطيون : كلمة عبرانية تطلق على كل من ولي أمر اليهود وملكهم " . ورواية ابن جرير : " ابن صوريا " ، والذي في سيرة ابن هشام 2 : 196 " ابن صلوبا الفطيوني " . وقد ذكر ابن هشام فيما روى من سيرة ابن إسحاق 1 : 160 - 161 " الأعداء من يهود " ، فعد في بني ثعلبة : ابن الفطيون : " عبد الله بن صوريا الأعور ، ولم يكن في زمانه أحد أعلم بالتوارة منه ، وابن صلوبا ، ومخيريق . وكان حبرهم ، أسلم " ، ولم أستطع أن أرجح أهو : ابن صوريا ، أو - ابن صلوبا - الذي كان من أمره ما كان . ولعلهما روايتان مختلفتان عن ابن إسحاق . وانظر أيضًا الأثر : 1638 .
(2) في ابن هشام : " من آية فنتبعك لها ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله : " ولقد أنزلنا إليك . . "
(3) الأثران : 1637 - 1638 - في سيرة ابن هشام 2 : 196 .
(4) الأثران : 1637 - 1638 - في سيرة ابن هشام 2 : 196 .

(2/398)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (99) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وما يكفر بها إلا الفاسقون) ، وما يجحد بها. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى " الكفر " الجحود ، بما أغنى عن إعادته هنا. (1) وكذلك بينا معنى " الفسق " ، وأنه الخروج عن الشيء إلى غيره. (2)
* * *
فتأويل الآية : ولقد أنزلنا إليك ، فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم - الجاحدين نبوتك ، والمكذبين رسالتك - أنك لي رسول إليهم ، ونبي مبعوث ، وما يجحد تلك الآيات الدالات على صدقك ونبوتك ، التي أنزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم إلا الخارج منهم من دينه ، التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي يدين بتصديقه. فأما المتمسك منهم بدينه ، والمتبع منهم حكم كتابه ، فإنه بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدق وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) }
قال أبوجعفر : اختلف أهل العربية في حكم " الواو " التي في قوله : (أو كلما عاهدوا عهدا). فقال بعض نحويي البصريين : هي " واو " تجعل مع حروف الاستفهام ، وهي مثل " الفاء " في قوله : ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ) [البقرة : 87] ، قال : وهما زائدتان في هذا الوجه ،
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 255 ، 382 ، 552 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 337 .
(2) انظر ما سلف 1 : 409 - 410 ، وهذا الجزء 2 : 118 .

(2/399)


وهي مثل " الفاء " التي في قوله : فالله لتصنعن كذا وكذا ، (1) وكقولك للرجل : " أفلا تقوم " ؟ وإن شئت جعلت " الفاء " و " الواو " هاهنا حرف عطف.
وقال بعض نحويي الكوفيين : هي حرف عطف أدخل عليها حرف الاستفهام.
* * *
والصواب في ذلك عندي من القولة أنها " واو " عطف ، أدخلت عليها " ألف " الاستفهام ، كأنه قال جل ثناؤه : (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ، خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا قالوا : سمعنا وعصينا ) ، و كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. ثم أدخل " ألف " الاستفهام على " وكلما " فقال : (قالوا سمعنا وعصينا ، أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم.
وقد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له ، (2) فأغنى ذلك عن إعادة البيان على فساد قول من زعم أن " الواو " و " الفاء " من قوله : (أو كلما) و(أفكلما) زائدتان لا معنى لهما.
* * *
وأما " العهد " ، فإنه الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى ، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك ، وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق ، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته ، فقال تعالى ذكره : أو كلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا ، نبذه فريق منهم ، فتركه ونقضه ؟ كما : -
1639 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال مالك بن الصيف - حين بعث
__________
(1) لم أعلم ماذا أراد الطبري بهذا .
(2) انظر ما سلف 1 : 439 - 441 .

(2/400)


رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق ، وما عهد الله إليهم فيه - : والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أخذ له علينا ميثاقا! فأنزل الله جل ثناؤه : (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون). (1)
1640 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله.
* * *
قال أبو جعفر : وأما " النبذ " فإن أصله - في كلام العرب - الطرح ، ولذلك قيل للملقوط : " المنبوذ " ، (2) لأنه مطروح مرمي به. ومنه سمي النبيذ " نبيذا " ، لأنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء ، ثم يعالج بالماء. وأصله " مفعول " صرف إلى " فعيل " ، أعني أن " النبيذ " أصله " منبوذ " ثم صرف إلى " فعيل " فقيل : " نبيذ " ، كما قيل : " كف خضيب ، ولحية دهين " - يعني : مخضوبة ومدهونة. (3) يقال منه : " نبذته أنبذه نبذا " ، كما قال أبو الأسود الدؤلي :
نظرت إلى عنوانه فنبذته... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا (4)
* * *
فمعنى قوله جل ذكره : (نبذه فريق منهم) ، طرحه فريق منهم ، فتركه ورفضه ونقضه. كما : -
__________
(1) الأثر : 1639 - في سيرة ابن هشام 2 : 196 ، مع اختلاف يسير في اللفظ . وقد ذكر ابن هشام في 2 : 161 " مالك بن الصيف " وقال : " ويقال : ابن ضيف " .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 247 : " وسمى اللقيط . . " واللقيط أجود من الملقوط .
(3) انظر ما سلف 1 : 112 .
(4) ديوانه : 21 (في نفائس المخطوطات : 2) ، وسيأتي في 20 : 49 - 50 (بولاق) ، ومجاز القرآن : 48 ، من أبيات كتب بها إلى صديقه الحصين بن الحر ، وهو وال على ميسان ، وكان كتب إليه في أمر يهمه ، فشغل عنه ؛ وقبل البيت : وخبرني من كنت أرسلت أنما ... أخذت كتابي معرضا بشمالكا

(2/401)


1641 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (نبذه فريق منهم) يقول : نقضه فريق منهم.
1642 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : (نبذه فريق منهم) ، قال : لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا. قال : وفي قراءة عبد الله : (نقضه فريق منهم).
* * *
و " الهاء " التي في قوله : (نبذه) ، من ذكر العهد. فمعناه أو كلما عاهدوا عهدا نبذ ذلك العهد فريق منهم.
* * *
و " الفريق " الجماعة ، لا واحد له من لفظه ، بمنزلة " الجيش " و " الرهط " الذي لا واحد له من لفظه. (1)
* * *
و " الهاء والميم " اللتان في قوله : (فريق منهم) ، من ذكر اليهود من بني إسرائيل.
* * *
وأما قوله : (بل أكثرهم لا يؤمنون) فإنه يعني جل ثناؤه : بل أكثر هؤلاء - الذين كلما عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا ، نقضه فريق منهم - لا يؤمنون.
* * *
ولذلك وجهان من التأويل : أحدهما : أن يكون الكلام دلالة على الزيادة والتكثير في عدد المكذبين الناقضين عهد الله ، على عدد الفريق. فيكون الكلام حينئذ معناه : أو كلما عاهدت اليهود من بني إسرائيل ربها عهدا نقض فريق منهم ذلك العهد ؟ لا - ما ينقض ذلك فريق منهم ، ولكن الذي ينقض ذلك فيكفر بالله ، أكثرهم ، لا القليل منهم. فهذا أحد وجهيه.
والوجه الآخر : أن يكون معناه : أو كلما عاهدت اليهود ربها عهدا ، نبذ ذلك
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 244 ، 245 .

(2/402)


وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

العهد فريق منهم ؟ لا - ما ينبذ ذلك العهد فريق منهم فينقضه على الإيمان منهم بأن ذلك غير جائز لهم ولكن أكثرهم لا يصدقون بالله ورسله ، ولا وعده ووعيده. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى " الإيمان " ، وأنه التصديق. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولما جاءهم) ، أحبار اليهود وعلماءها من بني إسرائيل - (رسول) ، يعني بالرسول : محمدا صلى الله عليه وسلم. كما : -
1643 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : (ولما جاءهم رسول) ، قال : لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأما قوله : (مصدق لما معهم) ، فإنه يعني به أن محمدا صلى الله عليه وسلم يصدق التوراة والتوراة تصدقه ، في أنه لله نبي مبعوث إلى خلقه.
* * *
وأما تأويل قوله : (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم) ، فإنه للذي هو مع اليهود ، وهو التوراة. فأخبر الله جل ثناؤه أن اليهود لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة ، أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي لله ، (نبذ فريق) ، يعني بذلك : أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين ، حسدا منهم له وبغيا عليه. وقوله : (من الذين أوتوا الكتاب). وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها. ويعني بقوله : (كتاب الله) ، التوراة.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 234 - 235 ، 271 ، 560 ، وهذا الجزء 2 : 143 ، 348 .

(2/403)


وقوله : (وراء ظهورهم) ، (1) جعلوه وراء ظهورهم. وهذا مثل ، يقال لكل رافض أمرا كان منه على بال : " قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر ، وجعله وراء ظهره " ، يعني به : أعرض عنه وصد وانصرف ، كما : -
1644 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) ، قال : لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها ، فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف ، وسحر هاروت وماروت. (2) فذلك قوله الله : (كأنهم لا يعلمون).
* * *
ومعنى قوله : (كأنهم لا يعلمون) ، كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود - فنقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا الله على أنفسهم العمل بما فيه - لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه. وهذا من الله جل ثناؤه إخبار عنهم أنهم جحدوا الحق على علم منهم به ومعرفة ، وأنهم عاندوا أمر الله فخالفوا على علم منهم بوجوبه عليهم ، كما : -
1645 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) ، يقول : نقض فريق من الذين أوتوا الكتاب " كتاب الله وراء ظهورهم ، كأنهم لا يعلمون) : أي أن القوم كانوا يعلمون ، ولكنهم أفسدوا علمهم ، وجحدوا وكفروا وكتموا.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وقوله نبذوه وراء ظهورهم " ، فحذفت " نبذوه " ، لأن الطبري ساق الآية بتمامها ، وهذا لفظ مقحم فيها .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 247 زيادة ، بعد قوله : " وماروت ، فلم يوافق القرآن ، فذلك قول الله " . وآصف : كان كاتب سليمان . وكان يعلم الاسم الأعظم ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان . ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا (ابن كثير 1 : 248) .

(2/404)


وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) ، الفريق من أحبار اليهود وعلمائها ، الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى ، وراء ظهورهم ، تجاهلا منهم وكفرا بما هم به عالمون ، كأنهم لا يعلمون. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه ، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه ، وذلك هو الخسار والضلال المبين.
* * *
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان). فقال بعضهم : عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة ، فوجدوا التوراة للقرآن موافقة ، تأمر من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، بمثل الذي يأمر به القرآن. فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان.
* ذكر من قال ذلك :
1646 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) - على عهد سليمان - قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فتقعد منها مقاعد للسمع ، فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر ، (1) فيأتون الكهنة فيخبرونهم ، فتحدث الكهنة الناس ، فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم فأدخلوا فيه غيره ، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة. فاكتتب
__________
(1) في تفسير ابن كثير 1 : 249 : " ما يكون في الأرض . . أو غيب " .

(2/405)


الناس ذلك الحديث في الكتب ، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب ، فجعلها في صندوق ، ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق ، وقال : لا اسمع أحدا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه! فلما مات سليمان ، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ، وخلف بعد ذلك خلف ، تمثل الشيطان في صورة إنسان ، ثم أتى نفرا من بني إسرائيل ، فقال : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا ؟ (1) قالوا : نعم. قال : فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان. وقام ناحية. (2) فقالوا له : فادن! قال : لا ولكني هاهنا في أيديكم ، فإن لم تجدوه فاقتلوني! فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان : إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار فذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا ، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها ، فذلك حين يقول : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). (3)
1647 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، قالوا : إن اليهود سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا عن أمور من التوراة ، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه ، فيخصمهم. (4) فلما رأوا ذلك قالوا : هذا أعلم بما أنزل إلينا منا! وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به ، فأنزل الله جل وعز : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر
__________
(1) لا تأكلونه : أي لا تنفدونه أبدا . يقال : أكل فلان عمره : إذا أفناه .
(2) في المطبوعة : " فقام " ، والصواب ما أثبته من تفسير ابن كثير .
(3) الأثر : 1646 - في تفسير ابن كثير 1 : 249 .
(4) خاصمني فخصمته أخصمه : غلبته بالحجة في خصومي .

(2/406)


والكهانة وما شاء الله من ذلك ، فدفنوه تحت مجلس سليمان - (1) وكان سليمان لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس ، وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه! فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث ، فرجعوا من عنده وقد حزنوا ، وأدحض الله حجتهم. (2)
* * *
1648 - وحدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، قال : لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم ، (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) الآية ، قال : اتبعوا السحر ، وهم أهل الكتاب. فقرأ حتى بلغ : (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر).
* * *
وقال آخرون : بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان.
* ذكر من قال ذلك :
1649 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : تلت الشياطين السحر على اليهود على ملك سليمان ، فاتبعته اليهود على ملكه ، يعني اتبعوا السحر على ملك سليمان.
1650 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق قال : عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام ، فكتبوا أصناف السحر : " من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا ، فليفعل كذا وكذا " . حتى إذا صنعوا أصناف السحر ، (3) جعلوه في كتاب ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان ، وكتبوا في عنوانه : " هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم " ، ثم دفنوه تحت كرسيه. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا ، فلما عثروا عليه قالوا : ما كان سليمان
__________
(1) في تفسير ابن كثير : " تحت كرسي مجلس سليمان " .
(2) الأثر : 1647 - في تفسير ابن كثير 1 : 249 - 250 .
(3) في تفسير ابن كثير : " صنفوا أصناف السحر " . وهي أجود .

(2/407)


بن داود إلا بهذا! فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه ، فليس في أحد أكثر منه في يهود. فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما نزل عليه من الله ، سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين ، قال من كان بالمدينة من يهود : ألا تعجبون لمحمد! (1) يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا). (2)
* * *
قال : كان حين ذهب ملك سليمان ، ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات ، (3) فلما رجع الله إلى سليمان ملكه ، قام الناس على الدين كما كانوا. وأن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه ، وتوفي سليمان حدثان ذلك ، (4) فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان ، وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منا! فأخذوا به فجعلوه دينا ، فأنزل الله : (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، واتبعوا ما تتلوا الشياطين) ، وهي المعازف واللعب ، وكل شيء يصد عن ذكر الله.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، أن ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجحدوا نبوته ، وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل ، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله ، وهجرهم العمل به ، وهو في أيديهم يعلمونه
__________
(1) في المطبوعة : " لمحمد صلى الله عليه وسلم " ، والذي أثبته مقتضى سياق كلامهم .
(2) إلى هنا انتهى ما نقله ابن كثير في تفسيره عن أبي جعفر 1 : 250 ، أما سائر الخبر ، فإنه رواه في 1 : 247 ، وصدره بقوله : " وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى : " واتبعوا ما تتلو الشياطين " الآية - وكان حين ذهب ملك سليمان . . " ، وساق الخبر بنصه هذا . فلست أدري أفي نسخ الطبري سقط ، أم هذه جزء من رواية الطبري عن ابن إسحاق من حديث ابن عباس .
(3) الفئام : الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه .
(4) حدثان الشيء (بكسر فسكون) : أوله وابتداؤه وقرب العهد به . وهو منصوب على الظرفية .

(2/408)


ويعرفون أنه كتاب الله ، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان. وقد بينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إليهم فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وإنما اخترنا هذا التأويل ، لأن المتبعة ما تلته الشياطين ، في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق ، وأمر السحر لم يزل في اليهود. ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله : (واتبعوا) بعضا منهم دون بعض. إذْ كان جائزا فصيحا في كلام العرب إضافة ما وصفنا - من اتباع أسلاف المخبر عنهم بقوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) - إلى أخلافهم بعدهم ، ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر منقول ، ولا حجة تدل عليه. فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال : كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود ، داخل في معنى الآية ، على النحو الذي قلنا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ما تتلوا الشياطين) ، الذي تتلو. فتأويل الكلام إذًا : واتبعوا الذي تتلو الشياطين.
* * *
واختلف في تأويل قوله : (تتلو). فقال بعضهم : يعني بقوله : (تتلو) ، تحدث وتروي ، وتتكلم به وتخبر. نحو " تِلاوة " الرجل للقرآن ، وهي قراءته. ووجه قائلو هذا القول تأويلهم ذلك ، إلى أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم .
* ذكر من قال ذلك :
1651 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن عمرو ، عن مجاهد في قول الله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، قال : كانت الشياطين تسمع الوحي ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 38 - 39 .

(2/409)


مائتين مثلها. فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه. فلما توفي سليمان وجدته الشياطين ، فعلمته الناس ، وهو السحر. (1)
1652 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، من الكهانة والسحر. وذكر لنا ، والله أعلم ، أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم ، ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه.
1653 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عطاء : قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) ، قال : نراه ما تحدث.
1654 - حدثني سَلْم بن جُنادة السُّوائي قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : انطلقت الشياطين في الأيام التي ابتلي فيها سليمان ، فكتبت فيها كتبا فيها سحر وكفر ، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس. (2)
* * *
وقال آخرون : معنى قوله : (ما تتلو) ، ما تتبعه وترويه وتعمل به.
* ذكر من قال ذلك :
1655 - حدثنا الحسن بن عمرو العنقزي قال ، حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس : (تتلوا) ، قال : تتبع. (3)
1656 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال ، حدثنا يحيى بن إبراهيم ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن أبي رزين مثله. (4)
* * *
__________
(1) الأثر : 1651 - في تفسير ابن كثير 1 : 250 .
(2) الأثر : 1654 - كان في المطبوعة : " سالم بن جنادة " ، وهو خطأ ، وانظر التعليق على الأثر رقم : 48 في الجزء الأول . وهو جزء من خبر سيأتي برقم : 1660 .
(3) الأثر : 1655 - في المطبوعة " العبقري " ، وهو خطأ ، وانظر التعليق على الأثر رقم : 1625 .
(4) الأثر : 1656 - في المطبوعة " نصر بن عبد الرحمن الأودي " ، وهو خطأ وانظر التعليق على الأثر : 423 في الجزء الأول .

(2/410)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان ، باتباعهم ما تلته الشياطين.
* * *
ولقول القائل : " هو يتلو كذا " في كلام العرب معنيان. أحدهما : الاتباع ، كما يقال : " تلوت فلانا " إذا مشيت خلفه وتبعت أثره ، كما قال جل ثناؤه : ( هُنَالِكَ تتلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ) [ يونس : 30] ، (1) يعني بذلك تتبع.
والآخر : القراءة والدراسة ، كما تقول : " فلان يتلو القرآن " ، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه ، كما قال حسان بن ثابت :
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله... ويتلو كتاب الله في كل مشهد (2)
ولم يخبرنا الله جل ثناؤه - بأى معنى " التلاوة " كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان - بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل ، ودارسته بالرواية. فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك ، وعملت به ، وروته. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مُلْكِ سُلَيْمَانَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (على ملك سليمان) ، في ملك سليمان. وذلك أن العرب تضع " في " موضع " على " و " على " في موضع " في " .
__________
(1) " هنالك تتلو " إحدى القراءتين ، والأخرى " هنالك تبلو " ، وهي التي في مصاحفنا اليوم وقال أبو جعفر في تفسيره 11 : 79 " إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكل منهما أئمة من القراء " .
(2) ديوانه : 88 ، من أبيات قالها حسان في خبر أم معبد ، حين خرج رسول الله مهاجرا إلى المدينة . ورواية الديوان : " في كل مسجد " ، ورواية الطبري أمثل .
(3) كان ينبغي أن يكون في هذا المكان تفسير قوله " ما تتلو " الذي سيأتي في : 418

(2/411)


(1) من ذلك قول الله جل ثناؤه : ( وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) [سورة طه : 71] يعني به : على جذوع النخل ، وكما قالوا : " فعلت كذا في عهد كذا ، وعلى عهد كذا " ، بمعنى واحد. (2) وبما قلنا من ذلك كان ابن جريج وابن إسحاق يقولان في تأويله :
1657 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، ابن جريج : (على ملك سليمان) ، يقول : في ملك سليمان.
* * *
1658 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، قال ابن أبي إسحاق في قوله : (على ملك سليمان) ، أي : في ملك سليمان.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وما هذا الكلام ، من قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، (3) ولا خبر معنا قبل عن أحد أنه أضاف الكفر إلى سليمان ، بل إنما ذكر اتباع من اتبع من اليهود ما تلته الشياطين ؟ فما وجه نفي الكفر عن سليمان ، بعقب الخبر عن اتباع من اتبعت الشياطين في العمل بالسحر وروايته من اليهود ؟
قيل : وجه ذلك ، أن الذين أضاف الله جل ثناؤه إليهم اتباع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من السحر والكفر من اليهود ، نسبوا ما أضافه الله تعالى ذكره إلى
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 299 .
(2) في المطبوعة : " وكما قال : فعلت كذا . . " ولا يستقيم إلا على تمريض .
(3) قوله : " وما هذا الكلام " الإشارة فيه إلى الآية التي يؤولها : " وما كفر سليمان " يقولون : ما مكان هذا الكلام - من هذا الكلام وهو قوله : " واتبعوا ما تتلو الشياطين " .

(2/412)


الشياطين من ذلك ، إلى سليمان بن داود. وزعموا أن ذلك كان من علمه وروايته ، وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر خلق الله بالسحر. فحسنوا بذلك - من ركوبهم ما حرم الله عليهم من السحر - أنفسهم ، (1) عند من كان جاهلا بأمر الله ونهيه ، وعند من كان لا علم له بما أنزل الله في ذلك من التوراة. وتبرأ بإضافة ذلك إلى سليمان - من سليمان ، وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم - منهم بشر ، (2) وأنكروا أن يكون كان لله رسولا وقالوا : بل كان ساحرا. فبرأ الله سليمان بن داود من السحر والكفر عند من كان منهم ينسبه إلى السحر والكفر لأسباب ادعوها عليه قد ذكرنا بعضها ، وسنذكر باقي ما حضرنا ذكره منها وأكذب الآخرين الذين كانوا يعملون بالسحر متزينين عند أهل الجهل في عملهم ذلك ، بأن سليمان كان يعمله. فنفى الله عن سليمان عليه السلام أن يكون كان ساحرا أو كافرا ، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا - في عملهم بالسحر - ما تلته الشياطين في عهد سليمان ، دون ما كان سليمان يأمرهم من طاعة الله ، واتباع ما أمرهم به في كتابه الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه.
* * *
* ذكر الدلائل على صحة ما قلنا من الأخبار والآثار :
* * *
1659 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر ، فيأخذه فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته. فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه ، فدنت إلى الإنس فقالوا لهم : أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟ قالوا : نعم. قالوا : فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثارته الإنس فاستخرجوه فعملوا به. فقال أهل الحجاز : كان سليمان
__________
(1) في المطبوعة " لأنفسهم " ، والصواب إسقاط هذه اللام ، كما يدل عليه السياق .
(2) سياق العبارة : " وتبرأ . . من سليمان . . منهم بشر " . ولعل " بشر " هذه " نفر " ، أي جماعة . يقول : تبرأت جماعة أخرى من سليمان ، إذ نسب إلى السحر ، وكفروه .

(2/413)


يعمل بهذا ، وهذا سحر! فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان. فقال : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) الآية ، فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام. (1)
1660 - حدثني أبو السائب السُّوائِي قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان الذي أصاب سليمان بن داود ، في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها جرادة ، وكانت من أكرم نسائه عليه. قال : فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم ، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. قال : وكان سليمان بن داود إذا أراد أن يدخل الخلاء ، أو يأتي شيئا من نسائه ، أعطى الجرادة خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به ، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه ، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي! فأخذه فلبسه. فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال : فجاءها سليمان فقال : هاتي خاتمي! فقالت : كذبت ، لست بسليمان! قال : فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال : فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر ، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب! قال : فبرئ الناس من سليمان وأكفروه ، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل جل ثناؤه : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) - يعني الذي كتب الشياطين من السحر والكفر - (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) ، فأنزل الله جل وعز وعذره. (2)
1661 - حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت عمران بن حُدير ، عن أبي مجلز قال : أخذ سليمان من كل
__________
(1) الثر : 1659 - في تفسير ابن كثير 1 : 250 .
(2) الأثر : 1660 - انظر الأثر السالف : 1654 والتعليق عليه .

(2/414)


دابة عهدا ، فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد ، خلي عنه. فرأى الناس السجع والسحر ، وقالوا : هذا كان يعمل به سليمان! فقال الله جل ثناؤه : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). (1)
1662 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمران بن الحارث قال : بينا نحن عند ابن عباس ، إذ جاءه رجل فقال له ابن عباس : من أين جئت ؟ قال : من العراق. قال : من أيه ؟ قال : من الكوفة. قال : فما الخبر ؟ قال : تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم! ففزع فقال : ما تقول ؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه ، ولا قسمنا ميراثه! أما إني أحدثكم ؛ من ذلك : إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء ، فيأتي أحدهم بكلمة حق قد سمعها ، فإذا حدث منه صدق ، (2) كذب معها سبعين كذبة. قال : فتشربها قلوب الناس. فأطلع الله عليها سليمان ، فدفنها تحت كرسيه ، فلما توفي سليمان بن داود قام شيطان بالطريق فقال : ألا أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز مثله ؟ تحت الكرسي! فأخرجوه ، فقالوا : هذا سحر! فتناسخها الأمم - حتى بقاياهم ما يتحدث به أهل العراق - (3) فأنزل الله عذر سليمان : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). (4) .
1663 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا ، والله أعلم ، أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم ، ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه. (5) فلما سمع بذلك سليمان نبي الله صلى
__________
(1) الأثر : 1661 - في تفسير ابن كثير 1 : 251 ، وفيه " فزاد الناس " . . مكان " فرأى " والصواب ما في الطبري .
(2) في تفسير ابن كثير : " فإذا جرت منه وصدق " ، ولعلها تصحيف .
(3) في تفسير ابن كثير : " حتى بقاياها " .
(4) الأثر : 1662 - في تفسير ابن كثير 1 : 248 - 249 ، مع اختلاف في بعض اللفظ غير الذي أثبته .
(5) في المطبوعة : " وأعلموهم إياه " ، وقد مضى في رقم : 1652 ، " وعلموهم " ، وكذلك أثبتها هنا .

(2/415)


الله عليه وسلم تتبع تلك الكتب ، فأتى بها فدفنها تحت كرسيه ، (1) كراهية أن يتعلمها الناس. فلما قبض الله نبيه سليمان ، عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها الذي كانت فيه فعلموها الناس ، فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه سليمان ويستأثر به. فعذر الله نبيه سليمان وبرأه من ذلك ، فقال جل ثناؤه : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا).
1664 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : كتبت الشياطين كتبا فيها سحر وشرك ، ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان. فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب ، فقالوا : هذا علم كتمناه سليمان! فقال الله جل وعز : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر).
1665 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، قال : كانت الشياطين تستمع الوحي من السماء ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مثلها. وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه ، فلما توفي وجدته الشياطين فعلمته الناس. (2)
1666 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن شهر بن حوشب قال : لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت : " من أراد أن يأتي كذا وكذا ، فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا ، فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا " . فكتبته وجعلت عنوانه : " هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان
__________
(1) في المطبوعة : " فتتبع تلك الكتب " بزيادة الفاء ، ولا موضع لها .
(2) الأثر : 1665 - كان في المطبوعة : " حدثنا القاسم قال حدثنا حجاج " أسقط منه " قال حدثنا الحسين " ، وهو إسناد دائر في الطبري ، أقربه إلينا رقم : 1657 ، وسيأتي في الذي يلي .

(2/416)


بن داود من ذخائر كنوز العلم " ، ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان ، قام إبليس خطيبا فقال : يا أيها الناس ، إن سليمان لم يكن نبيا ، وإنما كان ساحرا ، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا : والله لقد كان سليمان ساحرا! هذا سحره! بهذا تعبدنا ، وبهذا قهرنا! فقال المؤمنون : بل كان نبيا مؤمنا! فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم ، جعل يذكر الأنبياء ، حتى ذكر داود وسليمان ، فقالت اليهود : انظروا إلى محمد! يخلط الحق بالباطل! يذكر سليمان مع الأنبياء ، وإنما كان ساحرا يركب الريح! فأنزل الله عذر سليمان : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) الآية. (1)
1667 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين ، قال بعض أحبار اليهود : ألا تعجبون من محمد! يزعم أن ابن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله في ذلك من قولهم : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) ، - أي باتباعهم السحر وعملهم به - (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت). (2)
* * *
قال أبو جعفر : فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وتأويل قوله : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) ما ذكرنا فبين أن في الكلام متروكا ، (3) ترك ذكره اكتفاء بما ذكر منه ، وأن معنى الكلام : واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر على ملك سليمان فتضيفه إلى سليمان ، وما كفر سليمان ، فيعمل بالسحر ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس
__________
(1) الأثر : 1666 - في تفسير ابن كثير 1 : 251 .
(2) الأثر : 1667 - سيرة ابن هشام 2 : 192 - 193 .
(3) في المطبوعة : " فتبين " وما أثبت أشبه بعبارة الطبري .

(2/417)


السحر. وقد كان قتادة يتأول قوله : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) على ما قلنا.
1668 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) ، يقول : ما كان عن مشورته ولا عن رضا منه ، ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه.
* * *
وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين في معنى " تتلو " ، (1) وتوجيه من وجه ذلك إلى أن " تتلو " بمعنى " تلت " ، إذ كان الذي قبله خبرا ماضيا وهو قوله : (واتبعوا) ، وتوجيه الذين وجهوا ذلك إلى خلاف ذلك. وبينا فيه وفي نظيره الصواب من القول ، (2) فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
* * *
وأما معنى قوله : (ما تتلوا) ، فإنه بمعنى : الذي تتلو ، وهو السحر. (3)
1669 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) ، أي السحر. (4)
* * *
قال أبو جعفر : ولعل قائلا أن يقول : أو ما كان السحر إلا أيام سليمان ؟
قيل له : بلى ، قد كان ذلك قبل ذلك ، وقد أخبر الله عن سحرة فرعون ما أخبر عنهم ، وقد كانوا قبل سليمان ، وأخبر عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه ساحر.
[فإن] قال : فكيف أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تلته الشياطين على عهد سليمان ؟
__________
(1) انظر ما سلف قريبا : 411 .
(2) قوله : " وتوجيه من وجه ذلك أن : تتلو - بمعنى : تلت " لم يأت هنا في تفسير الآية ، بل جاء في تفسير آية مضت من سورة البقرة : 91 ، ص 350 - 352 .
(3) هذه الفقرة ، والأخرى التي قبلها ، والأثر الآتي رقم : 1669 ، كان أولى أن تكون في آخر تفسير قوله : " ما تتلو الشياطين " فيما مضى : 411 .
(4) الأثر : 1669 - سيرة ابن هشام 2 : 192 .

(2/418)


قيل : لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمان ، على ما قد قدمنا البيان عنه ، فأراد الله تعالى ذكره تبرئة سليمان مما نحلوه وأضافوا إليه ، مما كانوا وجدوه ، إما في خزائنه ، وإما تحت كرسيه ، على ما جاءت به الآثار التي قد ذكرناها من ذلك. فحصر الخبر عما كانت اليهود اتبعته ، فيما تلته الشياطين أيام سليمان دون غيره لذلك السبب ، وإن كانت الشياطين قد كانت تالية للسحر والكفر قبل ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل العلم في تأويل " ما " التي في قوله : (وما أنزل على الملكين). فقال بعضهم : معناه الجحد ، وهي بمعنى " لم " .
* ذكر من قال ذلك :
1670 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) فإنه يقول : لم ينزل الله السحر.
1671 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثني حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس : (وما أنزل على الملكين) ، قال : ما أنزل الله عليهما السحر.
* * *
فتأويل الآية - على هذا المعنى الذي ذكرناه عن ابن عباس والربيع ، من توجيههما معنى قوله : (وما أنزل على الملكين) إلى : ولم ينزل على الملكين - : واتبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر ، وما كفر سليمان ، ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " ببابل ، هاروت وماروت " . فيكون حينئذ قوله : " (ببابل هاروت وماروت) ، من المؤخر الذي معناه التقديم.
* * *

(2/419)


فإن قال لنا قائل : وكيف - وجه تقديم ذلك ؟
قيل : وجه تقديمه أن يقال : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان [من السحر] ، وما أنزل [الله السحر] على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل ، هاروت وماروت - فيكون معنيا بـ " الملكين " : جبريل وميكائيل ، لأن سحرة اليهود ، فيما ذكر ، كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبها الله بذلك ، وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط ، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر ، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين ، وأنها تعلم الناس [ذلك] ببابل ، وأن اللذين يعلمانهم ذلك رجلان : (1) اسم أحدهما هاروت ، واسم الآخر ماروت. فيكون " هاروت وماروت " ، على هذا التأويل ، ترجمة على " الناس " وردا عليهم. (2)
* * *
وقال آخرون : بل تأويل " ما " التي في قوله : (وما أنزل على الملكين) - " الذي " .
* ذكر من قال ذلك :
1672 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال معمر ، قال قتادة والزهري عن عبد الله : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) ، كانا ملكين من الملائكة ، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من أحكام بني آدم. قال : فحاكمت إليهما امرأة فحافا لها ، (3) ثم ذهبا يصعدان ، فحيل بينهما وبين ذلك ، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا. قال معمر ، قال قتادة : فكانا يعلمان الناس السحر ، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا " إنما نحن فتنة فلا تكفر " .
__________
(1) في المطبوعة وابن كثير : " وأن الذين يعلمونهم " ، وما أثبت هو الصواب .
(2) " الترجمة " عند الكوفيين هي " البدل " ، وانظر ما سلف 2 : 340 وانظر ما سيأتي : 423 . والزيادات التي بين الأقواس في هذه الفقرة ، من تفسير ابن كثير 1 : 252 ، وقد نقل كلام الطبري بنصه .
(3) حاف له يحيف حيفا : مال معه فجاز وظلم غيره . وحاف عليه : ظلمه وجار عليه .

(2/420)


1673 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما قوله : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) ، فهذا سحر آخر خاصموه به أيضا. يقول : خاصموه بما أنزل على الملكين ، وأن كلام الملائكة فيما بينهم ، إذا علمته الإنس فصنع وعمل به ، كان سحرا. (1)
1674 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الناس ببابل هاروت وماروت). فالسحر سحران : سحر تعلمه الشياطين ، وسحر يعلمه هاروت وماروت.
1675 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) ، قال : التفريق بين المرء وزوجه.
1676 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين) ، فقرأ حتى بلغ : (فلا تكفر) ، قال : الشياطين والملكان يعلمون الناس السحر.
* * *
قال أبو جعفر : فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه : واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله ، سنذكر ما روي من الأخبار في شأنهما إن شاء الله تعالى.
* * *
قال أبو جعفر (2) إن قال لنا قائل : وهل يجوز أن ينزل الله السحر ، أم
__________
(1) الأثر : 1673 - هو من تتمة الأثر السالف : 1646 ، ويرجع الضمير في قوله : " وخاصموه به أيضًا - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم اليهود ، كما تبين ذلك من مراجعة الأثر هناك .
(2) كان في المطبوعة هنا : " وقالوا : إن قال لنا قائل . . " . والضمير في " قالوا " ، لا يعود إلى مذكورين قبل . وكأن الناسخ تعاظمه أن يكون الرد الآتي من كلام أبي جعفر ، فحذف ما جرى عليه في تفسيره من قوله " قال أبو جعفر " ، وأقحم " وقالوا " مكانها ، ثم زاد فحشا هذه الفقرات الآتية بكلمته " وقالوا " ، كما سنبينه في مواضعه من التعليق . وهذا أسلوب لم يطرقه أبو جعفر قط في تفسيره كله .
والذي استبشعه بعض النساخ - فيما نرجح - سيأتي بعد قليل في ص 423 - 426 بأوضح مما قاله هنا . وقد عد ابن كثير قول أبي جعفر مسلكا غريبا ، فقال في تفسيره 1 : 253 ، وذكر ما ذكره أبو جعفر من قول من قال " ما " بمعنى " لم " فقال : " ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول ، وأن " ما " بمعنى " الذي " ، وأطال القول في ذلك ، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض ، وأذن لهما في تعليم السحر ، اختبارا لعباده وامتحانا ، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل ، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك ، لأنهما امتثلا ما أمرا به . وهذا الذي سلكه غريب جدا " .
ولست أستنكر ما قاله أبو جعفر ، كما استنكره ابن كثير ، ولو أنت أنصفت وتتبعت كلام أبي جعفر ، لرأيت فيه حجة بينه ساطعة على صواب مذهبه الذي ذهب إليه ، ولرأيت دقة ولطفا في تناول المعاني ، وتدبير الألفاظ ، لا تكاد تجدهما في غير هذا التفسير الجليل القدر .

(2/421)


هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس ؟
قلنا له : إن الله عز وجل قد أنزل الخير والشر كله ، وبين جميع ذلك لعباده ، فأوحاه إلى رسله ، وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم. وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرفهموها ، ونهاهم عن ركوبها. فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها ، ونهاهم عن العمل بها.
(1) وليس في العلم بالسحر إثم ، كما لا إثم في العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام والطنابير والملاعب. وإنما الإثم في عمله وتسويته . وكذلك لا إثم في العلم بالسحر ، وإنما الإثم في العمل به ، وأن يضر به ، من لا يحل ضره به.
(2) فليس في إنزال الله إياه على الملكين ، ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس ، إثم ، إذ كان تعليمهما من علماه ذلك ، بإذن الله لهما بتعليمه ، بعد أن يخبراه بأنهما فتنة ، وينهاه عن السحر والعمل به والكفر. وإنما الإثم على من يتعلمه منهما ويعمل به ، إذ كان الله تعالى ذكره قد نهاه عن تعلمه والعمل به. (3) ولو كان الله أباح لبني آدم أن يتعلموا ذلك ، لم يكن من تعلمه حرجا ، كما لم يكونا حرجين لعلمهما
__________
(1) كان في المطبوعة هنا : " (قالوا) ليس في العلم . . " . انظر ما سلف .
(2) كان في المطبوعة هنا : " (قالوا) فليس في إنزال الله . . " انظر ما سلف .
(3) كان في المطبوعة هنا : " (قالوا) ولو كان الله أباح . . " انظر ما سلف .

(2/422)


به. (1) إذ كان علمهما بذلك عن تنزيل الله إليهما. (2)
* * *
وقال آخرون : معنى " ما " معنى " الذي " ، وهي عطف على " ما " الأولى. غير أن الأولى في معنى السحر ، والآخرة في معنى التفريق بين المرء وزوجه.
فتأويل الآية على هذا القول : واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان ، والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
* ذكر من قال ذلك :
1677 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) ، وهما يعلمان ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وذلك قول الله جل ثناؤه : (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا). وكان يقول : أما السحر ، فإنما يعلمه الشياطين ، وأما الذي يعلم الملكان ، فالتفريق بين المرء وزوجه ، كما قال الله تعالى.
* * *
وقال آخرون : جائز أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، وجائز أن تكون " ما " بمعنى " لم " .
* ذكر من قال ذلك :
1678 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثني الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد - وسأله رجل عن قول الله : (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) فقال الرجل : يعلمان الناس ما أنزل عليهما ، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ؟ قال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت.
*
1679 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، حدثنا أنس بن عياض ، عن
__________
(1) استعمل أبو جعفر : هو " حرج " - على وزن : هو " فرح " - بمعنى : آثم . وأهل اللغة ينكرون ذلك . لا يقال للآثم إلا " الحارج " على النسب . لأن " الحرج " بمعنى الإثم ، لا فعل له . ولعل الناسخ أخطأ فكتب " حرجا . . وحرجين " مكان " حارجا . . وحارجين " ، بمعنى : آثم ، وآثمين ، ولكني تركتها هنا على حالها مخافة أن تكون من كلام أبي جعفر خطأ اجتهاد ، أو صوابا علمه هو لم يبلغنا .
(2) سيأتي بيان قوله هذا كله بأوفى من هذا وأتم في ص : 423 - 426 .

(2/423)


بعض أصحابه ، أن القاسم بن محمد سئل عن قول الله تعالى ذكره : (وما أنزل على الملكين) ، فقيل له : أنزل أو لم ينزل ؟ فقال : لا أبالي أي ذلك كان ، إلا أني آمنت به. (1) .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، قول من وجه " ما " التي في قوله : (وما أنزل على الملكين) إلى معنى " الذي " ، دون معنى " ما " التي هي بمعنى الجحد. وإنما اخترت ذلك ، من أجل أن " ما " إن وجهت إلى معنى الجحد ، تنفي عن " الملكين " أن يكونا منزلا إليهما ، (2) ولم يخل الاسمان اللذان بعدهما - أعني " هاروت وماروت " - من أن يكونا بدلا منهما وترجمة عنهما (3) أو بدلا من " الناس " في قوله : (يعلمون الناس السحر) ، وترجمة عنهما. (4) فإن جعلا بدلا من " الملكين " وترجمة عنهما ، بطل معنى قوله : (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنه فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به من بين المرء وزوجه). لأنهما إذا لم يكونا عالمين بما يفرق به بين المرء وزوجه ، فما الذي يتعلم منهما من يفرق بين المرء وزوجه ؟ (5)
__________
(1) الخبر : 1679 - يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري : إمام معروف ، يروى عنه الطبري كثيرا ، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة . وقال ابن أبي حاتم 4 /2 /243 : " كتبت عنه ، وأقمت عليه سبعة أشهر " . وقال : " سمعت أبي يوثق يونس بن عبد الأعلى ، ويرفع من شأنه " . ولد سنة 170 ، ومات سنة 264 .
وأما شيخه هنا فهو : " أنس بن عياض بن ضمرة " : وهو ثقة ، خرج له أصحاب الكتب الستة . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 /2 /34 ، وابن أبي حاتم 1 /1 /289 .
وكتب في المطبوعة " بشر " بدل " أنس " . وهو تحريف واضح . صوابه في ابن كثير 1 : 253 ، نقلا عن هذا الموضع من الطبري . ولم نجد في الرواة من يسمى " بشر بن عياض " أبدا .
(2) في المطبوعة : " فتنفي . . . " بزيادة فاء لا خير فيها .
(3) انظر معنى " الترجمة " آنفًا : 420 تعليق : 2 .
(4) في المطبوعة " يعلمان الناس السحر " وهو خطأ. وانظر ما سلف : 420.
(5) في المطبوعة : " ما يفرق " ، والصواب ما أثبت .

(2/424)


وبعد ، فإن " ما " التي في قوله : (وما أنزل على الملكين) ، إن كانت في معنى الجحد عطفا على قوله : (وما كفر سليمان) ، فإن الله جل ثناؤه نفى بقوله : (وما كفر سليمان) ، عن سليمان أن يكون السحر من عمله أو من علمه أو تعليمه. فإن كان الذي نفى عن الملكين من ذلك نظير الذي نفى عن سليمان منه - وهاروت وماروت هما الملكان - فمن المتعلَّم منه إذًا ما يفرق به بين المرء وزوجه ؟ وعمن الخبر الذي أخبر عنه بقوله : (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) ؟ إن خطأ هذا القول لواضح بين.
وإن كان قوله " هاروت وماروت " ترجمة عن " الناس " الذين في قوله : (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) ، فقد وجب أن تكون الشياطين هي التي تعلم هاروت وماروت السحر ، وتكون السحرة إنما تعلمت السحر من هاروت وماروت عن تعليم الشياطين إياهما. فإن يكن ذلك كذلك ، فلن يخلو " هاروت وماروت " - عند قائل هذه المقالة - من أحد أمرين :
إما أن يكونا ملكين ، فإن كانا عنده ملكين ، فقد أوجب لهما من الكفر بالله والمعصية له بنسبته إياهما إلى أنهما يتعلمان من الشياطين السحر ويعلمانه الناس ، وإصرارهما على ذلك ومقامهما عليه - أعظم مما ذكر عنهما أنهما أتياه من المعصية التي استحقا عليها العقاب. وفي خبر الله عز وجل عنهما - أنهما لا يعلمان أحدا ما يتعلم منهما حتى يقولا(إنما نحن فتنة فلا تكفر) - ما يغني عن الإكثار في الدلالة على خطأ هذا القول.
أو أن يكونا رجلين من بني آدم. فإن يكن ذلك كذلك ، فقد كان يجب أن يكونا بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلم به والعمل - من بني آدم. (1) لأنه إذا كان علم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلم ، فالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما ، عدم السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذي كان لا يوصل إليه إلا بهما.
__________
(1) يقول في سياقه : قد ارتفع من بني آدم - السحر ، والعلم به والعمل .

(2/425)


وفي وجود السحر في كل زمان ووقت ، أبين الدلالة على فساد هذا القول. وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بني آدم ، لم يعدما من الأرض منذ خلقت ، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر في الناس ، فيدعي ما لا يخفى بُطوله. (1)
* * *
فإذْ فسدت هذه الوجوه التي دللنا على فسادها ، فبَيِّنٌ أن معنى(ما) التي في قوله : (وما أنزل على الملكين) بمعنى " الذي " ، وأن " هاروت وماروت " ، مترجم بهما عن الملكين ، ولذلك فتحت أواخر أسمائهما ، لأنهما في موضع خفض على الرد على " الملكين " . ولكنهما لما كانا لا يجران ، فتحت أواخر أسمائهما.
* * *
فإن التبس على ذي غباء ما قلنا فقال : وكيف يجوز لملائكة الله أن تعلم الناس التفريق بين المرء وزوجه ؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله تبارك وتعالى إنزال ذلك على الملائكة ؟
قيل له : إن الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه ، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر على غير ذلك ، لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم. فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه ، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله ، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم - كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما : (إنما نحن فتنة فلا تكفر) - ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه ، وعن السحر ، فيمحص المؤمن بتركه التعلم منهما ، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما. ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك - لله مطيعين ، إذْ كانا عن إذن الله لهما بتعليم ذلك من علماه يعلمان. وقد عبد من دون الله جماعة من أولياء الله ، فلم يكن ذلك لهم ضائرا ،
__________
(1) بطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا . وهذا باطل بين البطول والبطلان .

(2/426)


إذ لم يكن ذلك بأمرهم إياهم به ، بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناه. (1) فكذلك الملكان ، غير ضائرهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما ، بعد نهيهما إياه عنه ، وعظتهما له بقولهما : (إنما نحن فتنة فلا تكفر) ، إذ كانا قد أديا ما أمر به بقيلهما ذلك ، كما : -
1680 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف ، عن الحسن في قوله : (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) إلى قوله : (فلا تكفر) ، أخذ عليهما ذلك.
* * *
ذكر بعض الأخبار التي في بيان الملكين ، ومن قال إن هاروت وماروت هما الملكان اللذان ذكر الله جل ثناؤه في قوله : (ببابل) :
* * *
1681 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثني أبي ، عن قتادة قال : حدثنا أبو شعبة العدوي في جنازة يونس بن جبير أبي غلاب ، عن ابن عباس قال : إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم ، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا : يا رب ، هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك ، وأسجدت له ملائكتك ، وعلمته أسماء كل شيء ، يعملون بالخطايا! قال : أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا! قال : فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض ، قال : فاختاروا هاروت وماروت. فاهبطا إلى الأرض ، وأحل لهما ما فيها من شيء ، غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا ، ولا يزنيا ، ولا يشربا الخمر ، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. قال : فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن ، يقال لها " بيذخت " فلما أبصراها أرادا بها زنا ، فقالت : لا إلا أن تشركا بالله ، وتشربا الخمر ، وتقتلا النفس ، وتسجدا لهذا الصنم! فقالا ما كنا لنشرك بالله شيئا! فقال أحدهما
__________
(1) هذه حجة رجل يبصر دقيق المعاني ، ولا يغفل عن مواضع السقط في كلام من يتكلم وهو لا يضبط ما يقتضيه كلامه . وقد استخف به ابن كثير ، لأنه لم يضبط ما ضبطه هذا الإمام المتمكن من عقله وفهمه .

(2/427)


للآخر : ارجع إليها. فقالت : لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه ، فلما وقعا فيما وقع من الشر ، أفرج الله السماء لملائكته ، فقالوا : سبحانك! كنت أعلم! قال : فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت ، وجعلا ببابل. (1)
1682 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حجاج ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا لما كثر بنو آدم وعصوا ، دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبال : ربنا ألا تهلكهم! (2) فأوحى الله إلى الملائكة : إني لو أنزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ونزلتم لفعلتم أيضا! (3) قال : فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا ، فأوحى الله إليهم : أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت ، فأهبطا إلى الأرض ، وأنزلت الزُّهَرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس ، وكان أهل فارس يسمونها " بيذخت " . قال : فوقعا بالخطيئة ، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا. (4) ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا). فلما وقعا بالخطيئة ، استغفروا لمن في الأرض ، ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا. (5)
__________
(1) الخبر : 1681 - أبو شعبة العدوي ، هذا الذي يروى هنا عن ابن عباس : لم أعرف من هو ؟ ولا وجدت له ذكرا في شيء من المراجع . والراجح عندي أن اسمه محرف عن شيء لا أعرفه .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 256 ، والدر المنثور 1 : 99 : " ربنا ، لا تمهلهم " ، وكأنها هي الصواب ، وإن كانت الأولى صحيحة المعنى .
(3) هذه العبارة صحيحة المعنى ، ولكنها جاءت في تفسير ابن كثير : " إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ، وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم ، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا " . وجاءت في الدر المنثور : " إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا " . مختصرا .
(4) في المطبوعة : " وكانت الملائكة " بالواو ، والصواب من ابن كثير والدر المنثور .
(5) الخبر : 1682 - الحجاج بن المنهال الأنماطي : ثقة فاضل ، أخرج له الجماعة . شيخه " حماد " : الراجح عندنا أنه " حماد بن سلمة " ، وإن كان في التهذيب أنه يروى عن " الحمادين " ، يعني حماد بن زيد وحماد بن سلمة . ولكن اقتصر البخاري في ترجمته في الكبير 1 /2 / 376 على ذكر " حماد بن سلمة " ، وكذلك صنع ابن أبي حاتم 1 /2 /167 . فصنيعهما يدل على أنه عرف بالرواية عنه أكثر - ووقع في المطبوعة هنا " حجاج " بدل " حماد " . والتصحيح من ابن كثير 1 : 256 ، إذ نقل هذا الخبر عن الطبري .

(2/428)


1683 - حدثني المثنى قال ، حدثني الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن خالد الحذاء ، عن عمير بن سعيد قال ، سمعت عليا يقول : كانت الزُّهَرَة امرأة جميلة من أهل فارس ، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت ، فراوداها عن نفسها ، فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تُكُلِّم به يعرج به إلى السماء. فعلماها ، فتكلمت به ، فعرجت إلى السماء ، فمسخت كوكبا. (1)
1684 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق - جميعا ، عن الثوري ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن كعب قال : ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب ، فقيل لهم : اختاروا منكم اثنين - وقال الحسن بن يحيى في حديثه : اختاروا ملكين - فاختاروا هاروت وماروت ، فقيل لهما : إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول ، انزلا لا تشركا بي شيئا ، ولا تزنيا ، ولا تشربا الخمر. قال كعب : فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه إلى الأرض حتى استكملا جميع ما نهيا عنه - وقال الحسن بن يحيى في حديثه : فما استكملا يومهما الذي أنزلا فيه حتى عملا ما حرم الله عليهما. (2)
__________
(1) الخبر : 1683 - خالد الحذاء : هو " خالد بن مهران " ، ثقة كثير الحديث . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 /2 /159 ، وابن أبي حاتم 1 /2 / 352 - 353 .
عمير بن سعيد النخعي : تابعي ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 /1 /376 . ووقع في المطبوعة هنا " عمرو " بدل " عمير " . وهو خطأ ، صوابه في ابن كثير 1 : 255 عن رواية الطبري هذه .
والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 265 - 266 ، مطولا ، من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، " عن عمير بن سعيد النخعي قال : سمعت عليا . . " ، فذكره بطوله .
(2) الخبر : 1684 - راه البخاري بإسنادين : من طريق مؤمل بن إسماعيل ، ومن طريق عبد الرازق ، كلاهما عن الثوري. موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي : هو صاحب المغازي ، كان ثقة ثبتا.كان مالك يقول : " عليكم بمغازي موسى بن عقبة ، فإنه ثقة " . وهو مترجم في الكبير للبخاري 4/ 1/ 292 وابن أبي حاتم 4/ 1 /154 - 155.
والذي أثبتنا هو الصواب ، وكان في المطبوعة " محمد بن عقبة " ، بدل " موسى " . و " محمد ابن عقبة " : هو أخو موسى بن عقبة. وهو ثقة أيضًا ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1 /198 - 199 ، وابن أبي حاتم 4/1/35.
وكان من المحتمل أن يكون ما في المطبوعة صحيحا ، لأن سفيان الثوري يروي عن محمد بن عقبة ، كما يروي عن أخيه موسى. لولا الدلائل والقرائن ، التي جزمنا معها بخطأ ذلك :
فأولا : أن محمد بن عقبة لم يذكر في ترجمته بالرواية عن سالم بن عبد الله بن عمر.
وثانيا : أن ابن كثير نقل هذا الخبر عن تفسير عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن موسى بن عقبة 1 : 255 ، ثم ذكر أن الطبري رواه من طريق عبد الرزاق.وثالثا : الخبر ثابت في تفسير عبد الرزاق ، في نسخة مصورة عندي ، عن مخطوطة دار الكتب المصرية ، المكتوبة سنة 724. وفيها " عن موسى بن عقبة " .
فاتفق على هذا الكتابان : الكتاب الذي نقل عنه الطبري ، والكتاب الذي نقل عن الطبري.
ورابعا : أن ابن كثير قال أيضًا : " رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن عصام ، عن مؤمل ، عن سفيان الثوري ، به " .
والطبري هنا رواه - كما ذكرنا - عن مؤمل بن إسماعيل ، عن الثوري. فاتفقت روايته مع رواية ابن أبي حاتم.
وليس بعد هذا ثبت ويقين.

(2/429)


1685 - حدثني المثنى قال ، حدثنا معلى بن أسد قال ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة قال ، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار أنه حدث : أن الملائكة أنكروا أعمال بني آدم وما يأتون في الأرض من المعاصي ، فقال الله لهم : إنكم لو كنتم مكانهم أتيتم ما يأتون من الذنوب ، فاختاروا منكم ملكين. فاختاروا هاروت وماروت ، فقال الله لهما : إني أرسل رسلي إلى الناس ، وليس بيني وبينكما رسول ، انزلا إلى الأرض ، ولا تشركا بي شيئا ، ولا تزنيا. فقال كعب : والذي نفس كعب بيده ، ما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم الله عليهما. (1)
__________
(1) الخبر : 1685 - هو تكرار للخبر قبله ، من رواية عبد العزيز بن المختار ، عن موسى ابن عقبة.وعبد العزيز بن المختار الدباغ : ثقة ، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم /2/393 - 394.

(2/430)


1686 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أنه كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم ، فقيل لهما : إني أعطيت ابن آدم عشرا من الشهوات ، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت : ربنا ، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما : انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر ، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دنباوند ، فكانا يحكمان ، حتى إذا أمسيا عرجا فإذا أصبحا هبطا. فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها ، فأعجبهما حسنها - واسمها بالعربية ، " الزُّهَرة " ، وبالنبطية " بيذخت " ، واسمها بالفارسية " أناهيذ " - فقال أحدهما لصاحبه : إنها لتعجبني! فقال الآخر : قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك! فقال : الآخر : هل لك أن أذكرها لنفسها ؟ قال : نعم ، ولكن كيف لنا بعذاب الله ؟ قال الآخر : إنا نرجو رحمة الله! فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها ، فقالت : لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها. ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها ، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها ، قالت : ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء ، وبأي كلام تنزلان منها ؟ فأخبراها ، فتكلمت فصعدت. فأنساها الله ما تنزل به فبقيت مكانها ، (1) وجعلها الله كوكبا - فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال : هذه التي فتنت هاروت وماروت! - فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يستطيعا ، فعرفا الهلك ، (2) فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة ، فعلقا ببابل ، فجعلا يكلمان الناس كلامهما ، وهو السحر.
1687 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من
__________
(1) في ابن كثير 1 : 259 : " فثبتت مكانها " .
(2) في ابن كثير 1 : 259 : " الهلكة " ، وهما سواء .

(2/431)


المعاصي والكفر بالله ، قالت الملائكة في السماء : أي رب ، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك ، وقد ركبوا الكفر وقتل النفس الحرام وأكل المال الحرام. والسرقة والزنا وشرب الخمر! فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم ، فقيل لهم : إنهم في غيب. (1) فلم يعذروهم ، فقيل لهم : اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت ، فأهبطا إلى الأرض ، وجعل بهما شهوات بني آدم ، (2) وأمرا أن يعبدا الله ولا يشركا به شيئا ، ونهيا عن قتل النفس الحرام ، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، والزنا ، وشرب الخمر. فلبثا على ذلك في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق - وذلك في زمان إدريس. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكوكب ، وأنها أتت عليهما ، (3) فخضعا لها بالقول ، وأراداها على نفسها ، وأنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها ، وأنهما سألاها عن دينها التي هي عليه ، فأخرجت لهما صنما وقالت : هذا أعبد. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا! فذهبا فغبرا ما شاء الله ، (4) ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها ، فقالت : لا إلا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا! فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم ، قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا الصنم ، أو تقتلا النفس ، أو تشربا الخمر. فقالا كل هذا لا ينبغي ، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فسقتهما الخمر ، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها. فمر بهما إنسان ، وهما في ذلك ، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه. فلما أن ذهب عنهما السكر ، عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة ، وأرادا أن يصعدا إلى السماء ، فلم يستطيعا ، فحيل بينهما وبين ذلك ، وكشف الغطاء بينهما وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الذنب ، فعجبوا كل العجب ، وعلموا أن من كان في غيب فهو أقل خشية (5) فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض - وأنهما لما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة ، قيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة! فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا ببابل ، فهما يعذبان. (6)
1688 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا فرج بن فضالة ، عن معاوية بن صالح ، عن نافع قال : سافرت مع ابن عمر ، فلما كان من آخر الليل قال : يا نافع انظر ، طلعت الحمراء ؟ قلت : لا - مرتين أو ثلاثا - (7) ثم قلت : قد طلعت! قال : لا مرحبا ولا أهلا! قلت : سبحان الله ، نجم مسخر سامع مطيع! قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (8) وقال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الملائكة قالت : يا رب ، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال : إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك! قال : فاختاروا ملكين منكم! قال : فلم يألوا أن يختاروا ، فاختاروا هاروت وماروت. (9)
__________
(1) ما أدري ما يعني بقوله : " إنهم في غيب " ، إلا أن يكون أراد الغيب : وهو ما غيبك من الأرض ، لبعده وانقطاعه ، وهبوطه عما حوله . كأنه يقول : إنهم في مكان غيبهم عما تشهدون أنتم - أيتها الملائكة - من آيات ربكم . وانظر ص : 433 .
(2) في تفسير ابن كثير 1 : 257 : " فجعل لهما . . " .
(3) في تفسير ابن كثير : " أتيا عليها " .
(4) في المطبوعة : " فصبرا ما شاء الله " ، وفي ابن كثير : " فعبرا " . وغبر : مكث وبقى .
(5) انظر ص : 432 تعليق : 1 .
(6) الأثر : 1687 - في تفسير ابن كثير 1 : 257 - 258 عن أبي حاتم قال : " أخبرنا عصام بن رواد ، أخبرنا آدم ، أخبرنا أبو جعفر ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " ، وهو غير إسناد ابن جرير ، وكلاهما من طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس ، ولكن ابن جرير لم يرفعه إلى ابن عباس . ونصهما واحد إلا بعض خلاف يسير في بعض اللفظ .
(7) في المطبوعة : " قالها مرتين أو ثلاثا " ، والصواب من ابن كثير في تفسيره 1 : 255 ، والدر المنثور 1 : 97 .
(8) في ابن كثير : " أو قال - قال لي رسول الله . . " .
(9) الفرج بن فضالة التنوخي القضاعي : ضعيف قال البخاري : " منكر الحديث " ، وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /1/134 ، والصغير : 192 ، 199 ، والضعفاء للبخاري : 29 ، والنسائي : 25 ، وابن أبي حاتم 3 /2 /85 - 86 .
وهذا الحديث هنا مختصر . وقد رواه الخطيب في ترجمة سنيد ، مطولا ، من طريق عبد الكريم بن الهيثم ، عن سنيد ، بهذا الإسناد .
وهذه الأخبار ، في قصة هاروت وماروت ، وقصة الزهرة ، وأنها كانت امرأة فمسخت كوكبا - أخبار أعلها أهل العلم بالحديث . وقد جاء هذا المعنى في حديث مرفوع ، ورواه أحمد في المسند : 6178 ، من طريق موسى بن جبير ، عن نافع ، عن ابن عمر . وقد فصلت القول في تعليله في شرح المسند ، ونقلت قول ابن كثير في التفسير 1 : 255 " وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار ، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم " . واستدل بروايتي الطبري السالفتين : 1684 ، 1685 عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار .
وقد أشار ابن كثير أيضًا في التاريخ 1 : 37 - 38 قال : " فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين ، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار ، وتلقاه عنه طائفة من السلف ، فذكروه على سيبل الحكاية والتحدث عن بني إسرائيل " : . وقال أيضًا ، بعد الإشارة إلى أسانيد أخر : " وإذا أحسنا الظن قلنا : هذا من أخبار بني إسرائيل ، كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار . ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها " .
وقال في التفسير أيضًا 1 : 260 ، بعد ذكر كثير من الروايات التي في الطبري وغيره : " وقد روى في قصة هاروت وماروت ، عن جماعة من التابعين ، كمجاهد ، والسدي والحسن البصري ، وقتادة ، وأبي العالية ، والزهري ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين ، من المتقدمين والمتأخرين . وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى . وظاهر سياق القرآن إجمال القصة " من غير بسط ولا إطناب فيها . فنحن نؤمن بما ورد في القرآن ، على ما أراده الله تعالى . والله أعلم بحقيقة الحال " .
وهذا هو الحق ، وفيه القول الفصل . والحمد لله .

(2/432)


1689 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وأما شأن هاروت وماروت ، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم ، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات. فقال لهم ربهم : اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما حين أنزلهما : عجبتما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم ، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء ، (1) وأنتما ليس بيني وبينكما رسول ، فافعلا كذا وكذا ، ودعا كذا وكذا. فأمرهما بأمر ونهاهما. (2) ثم نزلا على ذلك ليس أحد لله أطوع منهما. فحكما
__________
(1) في ابن كثير 1 : 259 : " أعجبتم من بني آدم . . وإنكما ليس بيني وبينكم رسول " .
(2) في ابن كثير : " فأمرهما بأمور ونهاهما " .

(2/434)


فعدلا. فكانا يحكمان النهار بين بني آدم ، فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة ، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان ، حتى أنزلت عليهما الزهرة - في أحسن صورة امرأة - تخاصم ، فقضيا عليها. فلما قامت ، وجد كل واحد منهما في نفسه ، فقال أحدهما لصاحبه : وجدت مثل ما وجدت ؟ قال : نعم. فبعثا إليها : أن ائتينا نقض لك. فلما رجعت ، قالالها - وقضيا لها - : ائتينا! فأتتهما ، (1) فكشفا لها عن عورتهما ، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا ، طارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فردا ولم يؤذن لهما ، (2) ولم تحملهما أجنحتهما ، فاستغاثا برجل من بني آدم ، فأتياه فقالا ادع لنا ربك! فقال : كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء ؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء! فوعدهما يوما ، وغدا يدعو لهما ، فدعا لهما فاستجيب له ، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا نعلم أن أنواع عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد ، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. (3) فأمرا أن ينزلا ببابل ، فثم عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان ، يصفقان بأجنحتهما. (4)
* * *
قال أبو جعفر : وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ : (وما أنزل على الملكين) ، يعني به رجلين من بني آدم. وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال ، (5) فأما من جهة النقل ، فإجماع الحجة - على خطأ القراءة بها - من
__________
(1) في ابن كثير : " قالا وقضيا لها فأتتهما " ، وليس بصواب .
(2) في ابن كثير : " فزجرا ولم يؤذن لهما ، وهما سواء .
(3) في ابن كثير : " فقالا : ألا تعلم أن أفواج عذاب الله . . وفي الدنيا تسع مرات مثلها " . وفي الدر المنثور : " فقالا : نعلم أن أفواج عذاب الله . . نعم ، ومع الدنيا سبع مرات . . " وقوله " ومع الدنيا . . " أي إذا قيس بعذاب الدنيا ، كان سبعة أمثال عذابها .
(4) الأثر : 1689 - في تفسير ابن كثير 1 : 259 - 260 ، وفي الدر المنثور 1 : 102
(5) انظر ما سلف ص : 425 - 426 .

(2/435)


الصحابة والتابعين وقراء الأمصار. وكفى بذلك شاهدا على خطئها.
* * *
وأمأ قوله(ببابل) ، فإنه اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض. وقد اختلف أهل التأويل فيها. فقال بعضهم : إنها " بابل دُنْبَاوَنْد " .
1690 - حدثني بذلك موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي. (1)
* * *
وقال بعضهم : بل ذلك " بابل العراق " .
* ذكر من قال ذلك :
1691 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - في قصة ذكرتها عن امرأة قدمت المدينة ، فذكرت أنها صارت في العراق ببابل ، فأتت بها هاروت وماروت ، فتعلمت منهما السحر. (2)
قال أبو جعفر : واختلف في معنى السحر ، فقال بعضهم : هو خدع ومخاريق ومعان يفعلها الساحر ، حتى يخيل إلى المسحور الشيء أنه بخلاف ما هو به ، نظير الذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء ، ويرى الشيء من بعيد فيثبته. بخلاف ما هو على حقيقته. وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائر معه. قالوا : فكذلك المسحور ذلك صفته : يحسب بعد الذي وصل إليه من سحر الساحر ، أن الذي يراه أو يفعله بخلاف الذي هو به على حقيقته ، كالذي : -
__________
(1) الأثر : 1690 - هو الأثر السابق 1686 .
(2) الأثر : 1691 الحسين : هو سنيد ، كما مضى مرارا .
حجاج : هو ابن محمد المصيصي الأعور ، وهو ثقة رفيع الشأن ، من شيوخ أحمد وابن معين . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/376 ، وابن أبي حاتم 1/2/166 ، وتاريخ بغداد 8 : 236 - 239 .
وهذا الخبر قطعة من خبر مطول ، سيأتي : 1692 ، من طريق ابن أبي الزناد أيضًا .

(2/436)


1692 - حدثني أحمد بن الوليد وسفيان بن وكيع ، قالا حدثنا يحيى بن سعيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر ، كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله. (1)
1693 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت ، سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله. (2)
__________
(1) الحديث : 1692 - أحمد بن الوليد ، شيخ الطبري : لم أعرف من هو ؟ وسفيان بن وكيع بن الجراح : ضعيف قال البخاري في التاريخ الصغير ، ص : 246 " يتكلمون فيه لأشياء لقنوه " . وقال النسائي في الضعفاء ، ص : 16 " ليس بشيء " . بل اتهمه أبو زرعة بالكذب . ودفع عنه أبو حاتم هذه السبة ، وإنما جاءه ذلك من وراقه ، أفسد عليه حديثه . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/1/231 - 232 ، والمجروحين لابن حبان (مخطوط مصور) ، رقم : 470 . وليس ضعفه بسبب لضعف هذا الحديث فقد جاء بأسانيد صحاح ، سنشير إليها في الحديث التالي .
يحيى بن سعيد : هو القطان الإمام الحافظ .
(2) الحديث : 1693 - هو تكرار للحديث السابق بإسناد آخر ، رواه سفيان بن وكيع عن ابن نمير.
ابن نمير : هو عبد الله بن نمير الهمداني : ثقة صاحب سنة ، روى عنه الأئمة ، أحمد ، وابن المديني. مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 274 - 275. وابن أبي حاتم 2 /2 /186.
وهذا الحديث - بطريقيه - مختصر من حديث مطول : أما من رواية ابن نمير ، فقد رواه أحمد في المسند 6 : 57 (حلبي) عن ابن نمير. ورواه مسلم في صحيحه 2 : 180 ، عن أبي كريب. ورواه ابن ماجه : 3545 ، عن أبي بكر بن شيبة - كلاهما عن ابن نمير ، به مطولا.
وقد رواه كثير من الثقات الأثبات عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة :
فرواه أحمد في المسند 6 : 63 ، من طريق معمر. ورواه أحمد أيضًا 6 : 63 ، من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة ، وكذلك رواه البخاري 10 : 201 ، ومسلم 2 : 180 - كلاهما من طريق أبي أسامة. ورواه أحمد أيضًا 6 : 96 ، وابن سعد 2 /2 /4 - كلاهما من طريق وهيب. ورواه البخاري 10 : 192 - 197 ، من طريق عيسى بن يونس. و10 : 199 - 201 ، من طريق ابن عيينة. و 10 : 400 ، من طريق سفيان ، وهو ابن عيينة. و11 : 163 ، من طريق أنس ابن عياض أبي ضمرة. ورواه أيضًا 6 : 239 ، معلقا من رواية الليث بن سعد ، - كل هؤلاء رووه عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة. وقال البخاري 10 : 197 ، عقب رواية عيسى بن يونس : أنه سمعه قبل ذلك من ابن جريح " يقول : حدثني آل عروة عن عروة " . ، وأنه - أي ابن عيينة - سأل هشاما عنه ، فحدثه به عن أبيه عن عائشة.
وذكر ابن كثير بعض طرقه ، في تفسير سورة الفلق 9 : 353 - 354. وإنما فصلنا القول في طرقه هنا ، لأن الطبري لم يذكره هناك في موضعه.
وقد ثبت مثل هذه القصة من حديث زيد بن أرقم.رواه أحمد في المسند 4 : 367 (حلبي) ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن يزيد بن حيان ، عن زيد بن أرقم ، به وهذا إسناد صحيح. يزيد بن حيان أبو حيان التيمي : تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4/ 2/324 - 325 ، وابن أبي حاتم 4 /2 /255 - 256.
ورواه أيضًا ابن سعد 2/2/6 ، عن موسى بن مسعود ، عن سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن ثمامة المحلمي ، عن زيد بن أرقم. وهذا إسناد صحيح أيضًا. موسى بن مسعود النهدي : سبق توثيقه : 280. و " ثمامة بن عقبة المحلمي " : ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 /2 /176 ، والجرح 1/1/465 - 466. و " المحلمي " بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام المشددة بعدهما ميم ، نسبة إلى " محلم بن تميم " .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 281 ، بروايتين ، وقال : " رواه النسائي باختصار " ، ثم قال : " رواه الطبراني بأسانيد ، ورجال أحدها رجال الصحيح " .
وذكره الحافظ في الفتح 10 : 194 أنه " صححه الحاكم وعبد حميد " .
وقصة السحر هذه عرض لها كثير من أهل عصرنا بالإنكار ؛ وهم في إنكارهم مقلدون ، ويزعمون أنهم بعقلهم يهتدون. وقد سبقهم إلى ذلك غيرهم ، ورد عليهم العلماء :
فقال الحافظ في الفتح 10 : 192 " قال المازري : أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث ، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ! 10 : 192 " قالوا : وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع ؛ إذ يحتمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم ! وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء!! قال المازري : وهذا كله مردود. لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى ، وعلى عصمته في التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه. فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ، ولا كانت الرسالة من أجلها - فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر ، كالأمراض. فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، مع عصمته عن مثل ذلك من أمور الدين " . ثم أفاض الحافظ في هذا البحث الدقيق ، بقوته المعروفة ، في جمع الروايات وتفسيرها ، بما لا يدع شكا عند من ينصف.وعقد القاضي عياض فصلا جيدا في هذا البحث ، في كتاب الشفاء. انظره في شرح العلامة على القارئ2 : 190 - 193 من طبعة بولاق سنة 1257.

(2/437)


1694 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : كان عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب يحدثان : أن يهود بني زريق عقدوا عُقَدَ سحر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوها في بئر حزم ، حتى كان رسول الله ينكر بصره ، ودله الله على ما صنعوا ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر حزم التي فيها العُقَد فانتزعها. فكان

(2/438)


رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سحرتني يهود بني زريق. (1)
* * *
وأنكر قائل هذه المقالة أن يكون الساحر يقدر بسحره على قلب شيء عن حقيقته ، واستسخار شيء من خلق الله - إلا نظير الذي يقدر عليه من ذلك سائر بني آدم - أو إنشاء شيء من الأجسام سوى المخاريق والخدع المتخيلة لأبصار الناطرين بخلاف حقائقها التي وصفنا. وقالوا : لو كان في وسع السحرة إنشاء الأجسام وقلب حقائق الأعيان عما هي به من الهيئات ، لم يكن بين الحق والباطل فصل ، (2) ولجاز أن تكون جميع المحسوسات مما سحرته السحرة فقلبت أعيانها. قالوا : وفي وصف الله جل وعز سحرة فرعون بقوله : ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) [سورة طه : 66] ، وفي خبر عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذْ سحر يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله ، أوضح الدلالة على بطول دعوى المدعين : أن الساحر ينشئ أعيان الأشياء بسحره ، ويستسخر ما يتعذر استسخاره على غيره من بني آدم ، كالموات والجماد والحيوان وصحة ما قلنا. (3)
* * *
وقال آخرون : قد يقدر الساحر بسحره أن يحول الإنسان حمارا ، وأن يسحر الإنسان والحمار ، وينشئ أعيانا وأجساما ، واعتلوا في ذلك بما : -
1695 - حدثنا به الربيع بن سليمان قال ، حدثنا ابن وهب قال ، أخبرنا ابن أبي الزناد قال ، حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة زوج
__________
(1) الحديث : 1694 - هذا في معنى الحديثين قبله . ولكن هذا مرسل . وقد روى ابن سعد 2/2/5 ، نحوه مختصرا ، عن الزهري ، " عن ابن المسيب وعروة بن الزبير قالا : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سحرتني يهود بني زريق " . وقد أشار الحافظ في الفتح 10 : 193 إلى أن مرسل سعيد بن المسيب رواه عبد الرزاق ، وذكر من بعض ألفاظه ما يدل على أنه أطول مما هنا . وقوله " بئر حزم " ، لا يعرف . والذي في الروايات جميعا : " بئر ذروان " .
(2) في المطبوعة : " فضل " ، وهو خطأ .
(3) سياق العبارة : " أوضح الدلالة على بطول دعوى المدعين . . وصحة ما قلنا " معطوفا .

(2/439)


النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل ، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك ، (1) تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت عائشة لعروة : يا ابن أختي ، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها ، (2) كانت تبكي حتى إني لأرحمها! وتقول : إني لأخاف أن أكون قد هلكت! كان لي زوج فغاب عني ، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت : إن فعلتِ ما آمرك به ، فأجعله يأتيك! فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين ، فركبت أحدهما وركبت الآخر ، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل ، (3) فإذا برجلين معلقين بأرجلهما ، فقالا ما جاء بك ؟ فقلت : أتعلم السحر ؟ فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي. فأبيت وقلت : لا قالا فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. (4) فذهبت ففزعت فلم أفعل ، فرجعت إليهما ، فقالا أفعلت ؟ قلت : نعم. فقالا فهل رأيت شيئا ؟ قلت : لم أر شيئا! فقالا لي : لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأربيت وأبيت ، (5) فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت ، فاقشعررت. ثم رجعت إليهما فقلت : قد فعلت. فقالا فما رأيت ؟ فقلت : لم أر شيئا. فقالا كذبت لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري ، فإنك على رأس أمرك! (6) فأربيت وأبيت ، فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه ، فرأيت فارسا متقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء ، وغاب عني حتى ما أراه. فجئتهما فقلت : قد فعلت! فقالا ما رأيت ؟ فقلت : فارسا متقنعا خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه ، (7) فقالا صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ، اذهبي. فقلت للمرأة : والله ما أعلم شيئا! وما قالا لي شيئا! فقالت : بلى ، لن تريدي شيئا إلا كان! خذي هذا القمح فابذري. فبذرت ، وقلت : أطلعي! فأطلعت ، وقلت : أحقلي! فأحقلت ، ثم قلت : أفركي! فأفركت ، ثم قلت : أيبسي! فأيبست ، ثم قلت : أطحني! فأطحنت ، ثم قلت : أخبزي ، فأخبزت. (8) فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان ، سُقِط في يدى وندمت والله يا أم المؤمنين! والله ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا. (9)
قال أهل هذه المقالة بما وصفنا ، واعتلوا بما ذكرنا ، وقالوا : لولا أن الساحر يقدر على فعل ما ادعى أنه يقدر على فعله ، ما قدر أن يفرق بين المرء وزوجه. قالوا : وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وذلك لو كان على غير الحقيقة ، وكان على وجه التخييل والحسبان ، لم يكن تفريقا على صحة ، وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يفرقون على صحة.
* * *
وقال آخرون : بل " السحر " أخذ بالعين.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ }
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : وما يعلم الملكان أحدا من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء وزوجه ، حتى يقولا له : إنما نحن بلاء وفتنة لبني آدم ، فلا تكفر بربك. كما : -
1696 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
__________
(1) يقال : " كان في حدثان كذا وكذا " (بكسر فسكون) ، و " في حداثته " : أي على قرب عهد به .
(2) يشفيها : أي يجيبها بما يبلغ بها سكينة القلب فتبرأ من حيرتها . ومنه : " شفاء العي السؤال " . والجهل والحيرة مرض القلوب والنفوس .
(3) في ابن كثير 1 : 260 : " فلم يكن شيء " ، والصواب ما هنا وفي الدر المنثور 1 : 101 وقولها : " فلم يكن كشيء " عبارة جيدة ، بمعنى : لم يكن ما مضى كشيء يعد ، بل أقل من القليل . والعرب تقول : تأخرت عنك شيئا ، أي قليلا . ومنه قول عمر بن أبي ربيعة . وقالت لهن : اربعن شيئا ، لعلني ... وإن لامني فيما ارتأيت مليم
أي قفن قليلا . ويقولون في مثل ذلك أيضًا : " لم يكن إلا كلا ولا " ، كل ذلك بمعنى السرعة الخاطفة .
(4) في المطبوعة : " فقالا ، اذهبي . . " ، وأثبت ما في الدر المنثور وابن كثير ، فهي أجود .
(5) في المطبوعة : " فأبيت " بحذف " فأرببت " . وأرب بالمكان لزمه ولم يبرحه . والزيادة من ابن كثير في الموضعين .
(6) يقال : أنت على رأس أمرك ، وعلى رئاس أمرك : أي في أوله وعلى شرف منه . وزعم الجوهري أن قولهم : " على رأس أمرك " من كلام العامة ، وهذا الخبر ينقض ما قال .
(7) في تفسير ابن كثير والدر المنثور : " فرأيت فارسا " ، وما هنا صواب جيد .
(8) في هذه الفقرة كلمات لم تثبتها كتب اللغة ، سأذكرها في مدرج شرحها . " أطلعي فأطلعت " أي أخرجي شطأك ، من قولهم : أطلع الزرع ، إذا بدا أول نباته من الأرض . " أحقل الزرع : تشعب ورقه من قبل أن تغلظ سوقه . " أفركي فأفركت " ، أي كوني فريكا . وهو حب السنبلة إذا اشتد وصلح أن يفرك . أفرك السنبل : صار فريكا ، وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل . و " أيبسي فأيبست " أي كوني حبا يابسا ، أيبس البقل : يبس وجف . " أطحني فأطحنت " . أي كوني طحينا . ولم يرد في كتب اللغة : " أطحن " ، ولكنها أتبعت هذا الحرف ما مضى من أخواته ، وهي عربية سليمة ماضية على سنن اللغة في هذا الموضع . " أخبزي فأخبزت " ، أي كوني خبزا يؤكل ، وهذه أيضًا لم ترد في كتب اللغة ، ولكنها عريقة كأختها السالفة . وقد قال ابن كثير أن إسناد هذا الحديث جيد إلى عائشة ، وأن الحاكم صححه ، فإن كان ذلك كما قالا ، فلا شك في عربية هذه الألفاظ من طريق الرواية أيضًا .
(9) الخبر : 1695 - مضت قطعة منه ، بإسناد آخر إلى ابن أبي الزناد : 1691 .
وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 260 - 261 ، بطوله ، عن الطبري . وقدم له بكلمة قال " وقد ورد في ذلك أثر غريب ، وسياق عجيب في ذلك . أحببنا أن ننبه عليه " . ثم قال بعد نقله . " فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضي الله عنها " . وذكر أنه رواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان ، بأطول منه .
وذكره السيوطي 1 : 101 ، ونسبه أيضًا للحاكم وصححه . والبيهقي في سننه .
وهي قصة عجيبة ، لا ندري أصدقت تلك المرأة فيما أخبرت به عائشة ؟ أما عائشة فقد صدقت في أن المرأة أخبرتها . والإسناد إلى عائشة جيد ، بل صحيح .
الربيع بن سليمان : هو المرادي المصري المؤذن ، صاحب الشافعي وراوية كتبه ، وهو ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/464 . ابن أبي الزناد : هو " عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان " ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعض الأئمة ، في روايته عن أبيه ، وفي رواية البغداديين عنه . والحق أنه ثقة ، وخاصة في حديث هشام بن عروة . فقد قال ابن معين - فيما رواه أبو داود عنه عند الخطيب وغيره - " أثبت الناس في هشام بن عروة : عبد الرحمن بن أبي الزناد " . وقد وثقه الترمذي وصحح عدة من أحاديثه ، بل قال في السنن 3 : 59 ، في حديث له صححه ، وفيه حرف لم يروه غيره ، فقال : " وإنما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو ثقة حافظ " .

(2/440)


السدي قال : إذا أتاهما - يعني هاروت وماروت - إنسان يريد السحر ، وعظاه وقالا له : لا تكفر ، إنما نحن فتنة! فإن أبى ، قالا له : ائت هذا الرماد فبل عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء - وذلك الإيمان - وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء منه ، (1) فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر. فذلك قول الله : (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) الآية .
1697 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة والحسن : (حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) ، قال : أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. (2)
1698 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال قتادة : كانا يعلمان الناس السحر ، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا " إنما نحن فتنة فلا تكفر " .
1699 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر قال ، قال غير قتادة : أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يتقدما إليه فيقولا " إنما نحن فتنة فلا تكفر " .
1700 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف ، عن الحسن قال : أخذ عليهما أن يقولا ذلك.
1701 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : أخذ الميثاق عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا " إنما نحن فتنة فلا تكفر " . لا يجترئ على السحر إلا كافر.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وقيل شيء أسود . . " كلام بلا معنى . والتصحيح من ابن كثير 1 : 262 .
(2) في المطبوعة : أخذ عليها أن لا يعلما " والزيادة من ابن كثير 1 : 262 .

(2/443)


وأما الفتنة في هذا الموضع ، فإن معناها : الاختبار والابتلاء ، من ذلك قول الشاعر. (1)
وقد فتن الناس في دينهم... وخلى ابن عفان شرا طويلا (2)
ومنه قوله : " فتنت الذهب في النار " ، إذا امتحنته لتعرف جودته من رداءته ، " أفتنه فتنة وفتونا " ، كما : -
1702 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة(إنما نحن فتنة) ، أي بلاء.
* * *
__________
(1) نسبه الطبري في تاريخه 1 : 151 - 152 للحتات بن يزيد المجاشعي عم الفرزدق . ونسبه البلاذري في أنساب الأشراف 5 : 104 إلى : علي بن الغدير بن المضرس الغنوي ، وإلى : إهاب بن همام بن صعصة بن ناجية بن عقال المجاشعي ، وإلى : ابن الغريرة النهشلي ، وهو كثير بن عبد الله بن مالك النهشلي ، وهو مخضرم ، وإليه أيضًا في معجم الشعراء : 349 ، وفي الكامل للمبرد 2 : 34 ، وقال أبو الحسن الأخفش : " ابن الغريرة الضبي " ، وهو خطأ محض ، إنما هو النهشلي .
(2) أول هذه القصيدة : نأتك أمامة نأيا طويلا ... وحملك الحب عبئا ثقيلا
ثم قال : لعمر أبيك فلا تجزعي ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا
أعاذل كل امرئ هالك ... فسيرى إلى الله سيرا جميلا
فإن الزمان له لذة ... ولا بد لذته أن تزولا
وروى الطبري صدر البيت الذي استشهد به هنا في تاريخه : * لقد سفه الناس في دينهم *

(2/444)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ }
قال أبو جعفر : وقوله جل ثناؤه : (فيتعلمون منهما) ، خبر مبتدأ عن المتعلمين من الملكين ما أنزل عليهما ، وليس بجواب لقوله : (وما يعلمان من أحد) ، بل هو خبر مستأنف ، ولذلك رفع فقيل : " فيتعلمون " . فمعنى الكلام إذًا : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ، فيأبون قبول ذلك منهما ، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. (1)
وقد قيل : إن قوله : (فيتعلمون) ، خبر عن اليهود معطوف على قوله : " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " ، " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه). وجعلوا ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم.
* * *
والذي قلنا أشبه بتأويل الآية. لأن إلحاق ذلك بالذي يليه من الكلام ، ما كان للتأويل وجه صحيح ، (2) أولى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام.
و " الهاء " و " الميم " و " الألف " من قوله : (منهما) ، من ذكر الملكين. ومعنى ذلك : فيتعلم الناس من الملكين الذي يفرقون به بين المرء وزوجه.
* * *
و " ما " التي مع " يفرقون " بمعنى " الذي " . وقيل : معنى ذلك : السحر الذي يفرقون به. وقيل : هو معنى غير السحر. وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى قبل. (3)
__________
(1) يعني الطبري أن في الكلام حذف اجتزأ بفهم سامعه عن ذكره ، وهو قوله : " فيأتون قبول ذلك منهما " .
(2) قوله : " ما كان للتأويل . . " ، هي ما يقولونه في العربية الركيكة " ما دام للتأويل . . "
(3) انظر ما سلف : 423 - 424 .

(2/445)


وأما " المرء " ، فإنه بمعنى : رجل من أسماء بني آدم ، والأنثى منه " المرأة " . يوحد ويثنى ، ولا تجمع ثلاثته على صورته ، (1) يقال منه : " هذا امرؤ صالح ، وهذان امرآن صالحان " . ولا يقال : هؤلاء امرؤو صدق ، ولكن يقال : " هؤلاء رجال صدق " ، وقوم صدق. وكذلك المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها. يقال : هذه امرأة ، وهاتان امرأتان " . ولا يقال : هؤلاء امرآت ، ولكن : " هؤلاء نسوة " .
* * *
وأما " الزوج " ، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل : " هي زوجه " بمنزلة الزوج الذكر ، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره : ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) [سورة الأحزاب : 37] ، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون : " هي زوجته " . (2) كما قال الشاعر : (3)
وإن الذي يمشي يحرش زوجتي... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها (4)
فإن قال قائل : وكيف يفرق الساحر بين المرء وزوجه ؟ قيل : قد دللنا فيما مضى على أن معنى " السحر " : تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته ، بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه. (5) فإن كان
__________
(1) في المطبوعة : " ولا يجمع ثلاثيه " خطأ محض .
(2) انظر ما سلف 1 : 514 ، ففيه زيادة عما هنا .
(3) هو الفرزدق .
(4) ديوانه : 605 ، والأغاني 9 : 326 ، و19 : 8 (ساسى) ، في قصته مع النوار ، ويقول هذا الشعر لبني أم النسير (طبقات فحول الشعراء : 281 ، والأغاني) ، وكانت خرجت مع رجل يقال له زهير بن ثعلبة ومع بني أم النسير ، فقال هذا الشعر ، وبعد البيت : ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وصولة أيد يمنع الضيم طولها
ورواية الديوان وغيره : وإن امرءا يسعى يخبب زوجتي
وقوله : " يخبب " ، أي يفسدها على . ويحرش : يحرض ويغرى بيني وبينها . و " يستبيلها " : أي يطلب أن تبول في يده .
(5) انظر ما سلف : 435 وما بعدها .

(2/446)


ذلك صحيحا بالذي استشهدنا عليه ، (1) فتفريقه بين المرء وزوجه : تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته ، من حسن وجمال ، حتى يقبحه عنده ، فينصرف بوجهه ويعرض عنه ، حتى يحدث الزوج لامرأته فراقا. فيكون الساحر مفرقا بينهما بإحداثه السبب الذين كان منه فرقة ما بينهما. وقد دللنا ، في غير موضع من كتابنا هذا ، على أن العرب تضيف الشيء إلى مسببه من أجل تسببه ، وإن لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2) فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1703 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) ، وتفريقهما : أن يُؤَخِّذَ كل واحد منهما عن صاحبه ، (3) ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه.
* * *
وأما الذين أبوا أن يكون الملكان يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه ، فإنهم وجهوا تأويل قوله : (فيتعلمون منهما) إلى " فيتعلمون مكان ما علماهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، كقول القائل : ليت لنا كذا من كذا " ، أي مكان كذا ، كما قال الشاعر :
ججَمَعَت من الخيرات وَطبا وعلبة... وصرا لأخلاف المُزَنَّمة البزل (4)
__________
(1) في المطبوعة : " فإن كان ذلك صحيحا " ، والأجود ما أثبت .
(2) انظر ما سلف 1 : 196 .
(3) أخذه تأخيذا . والتأخيذ : حبس السواحر أزواج النساء عن غيرهن من النساء ، ويقال لهذه الحيلة : الأخذة (بضم فسكون) .
(4) لم أعرف قائلهما ، ولم أجدها إلا في أمالي الشريف المرتضى 1 : 421 ، وكأنه نقلهما عن الطبري ، لأنهما جاءا في تفسير هذه الآية ، على هذا المعنى. والوطب : سقاء اللبن خاصة. والعلبة : جلدة تؤخذ من جنب البعير ، فتسوى مستديرة ، ثم تملأ رملا سهلا ، ثم تضم أطرافها بخلال حتى تجف وتيبس ، ثم يقطع رأسها وقد قامت قائمة لجفافها تشبه قصعة مدورة ، فكأنها نحتت نحتا ، ويعلقها الراعي ويشرب بها ، وله فيها رفق وخفة لأنها لا تنكسر إذا حركها البعير أو طاحت إلى الأرض. والصر : شد ضرع النوق الحلوبات إذا أرسلوها للمرعي سارحة ، ويسمون ذلك الرباط : صرارا. والأخلاف جمع خلف (بكسر فسكون) ، وهو ضرع الناقة أو البعير إذا استكمل الثامنة وطعن في التاسعة ، وبزل نابه ، أي انشق عن اللحم. وهو أقصى سنه وتمام قوته. وفي المطبوعة هنا " المذممة " ، وفي أمالي الشريف : " المزممة " ، وفي نسخة أخرى منها " المزهمة " ، وقد علق أحد أصحاب الحواشي على الأمالي فقال : " المزممة : التي علق عليها الزمام " . واخترت أن تكون " المزنمة " فهي أشبه بهذا الشعر . يقال : ناقة مزنمة وهي التي عليها سمة التزنيم ، وهو أن يقطع طرف أذنه ويترك له زنمة مشرفة. وإنما يفعل ذلك بالكرام من الإبل. وهذا هجاء يقول له : إنما أنت راع خسيس ، ترعى على السادة الكرام كرام إبلهم ، ولا تجمع من خيرات ما يتمتع به سادتك ، إلا وطبا وعلبة وعلاجا لإبلهم التي ترعاها عليهم.

(2/447)


ومن كل أخلاق الكرام نميمة... وسعيا على الجار المجاور بالنَّجْل (1)
يريد بقوله : " جمعت من الخيرات " ، مكان خيرات الدنيا هذه الأخلاق الرديئة والأفعال الدنيئة ، ومنه قول الآخر :
صلدت صفاتك أن تلين حيودها... وورثت من سلف الكرام عقوقا (2)
يعني : ورثت مكان سلف الكرام ، عقوقا من والديك.
* * *
__________
(1) الجار : الذي قرب منزله من منزلك ، ووصفه بقوله : " المجاور " للدلالة على شدة قربه ، وهو الجار الجنب ، فهو أشد حرمة لنزوله في جواره ومنعته ، وركونه إلى أمان عهده . والنجل : تمزيق عرضه بالغيبة والمعابة والسب بظهر الغيب . وفي الحديث : " من نجل الناس نجلوه " أي سبهم وقطع أعراضهم بالشتم كما يقطع بالمنجل ، جازوه بمثل فعله .
(2) لم أعرف قائله. صلدت : صلبت وقست. والصفاة : الحجر الصلد الأملس الضخم الذي لا ينبت شيئا. والحيود جمع حيد : وهو التنوء في الجبل أو القرن أو غيرهما. وهذا مثل : يقول له أنت غليظ جاف لا يصلحك شيء ، ولا خير فيك ، كالصفاة الملساء ذات النتوء ، لا يصلحها شيء ولا تأتي بخير. والسلف : سلف الإنسان : من تقدمه من آبائه وذوي قرابته ممن هم فوقه في السن والفضل. يقول : ورثت من والديك مكان مآثر الأسلاف الكرام ، عقوقا ، فأنت تعقهم ، كما عقوا هم آباءهم. فأنتم خلف يلعن سلفا لئيما عاقا ، يلعن أسلافه. فأنتم معرقون في العقوق ، وهو شر أخلاق الناس.

(2/448)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ }
قال أبو حعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ، وما المتعلمون من الملكين هاروت وماروت ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، بضارين - بالذي تعلموه منهما ، من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه - من أحد من الناس إلا من قد قضى الله عليه أن ذلك يضره. فأما من دفع الله عنه ضره ، وحفظه من مكروه السحر والنفث والرُّقى ، فإن ذلك غير ضاره ، ولا نائله أذاه.
* * *
ولـ لإذن " في كلام العرب أوجه. منها : الأمر على غير وجه الإلزام. وغير جائز أن يكون منه قوله : (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ، لأن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر - فكيف به على وجه السحر ؟ - على لسان الأمة. (1)
ومنها : التخلية بين المأذون له ، والمخلى بينه وبينه.
ومنها العلم بالشيء ، يقال منه : " قد أذنت بهذا الأمر " إذا علمت به " آذن به إذنا " ، ومنه قول الحطيئة :
ألا يا هند إن جددت وصلا... وإلا فأذنيني بانصرام (2)
يعنى فأعلميني. ومنه قوله جل ثناؤه : ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ) [سورة البقرة : 279] ، وهذا هو معنى الآية ، كأنه قال جل ثناؤه : وما هم بضارين ،
__________
(1) كأنه يريد : حرم التفريق على لسان الأمة : أن تنطق به وتأمر بفعله
(2) لم أجد البيت في ديوان الحطيئة المطبوع . وقوله " فأذنيني " ، يدل على أن الفعل متعد : " أذنه بالشيء يأذنه إذنا " أعلمه به ، مثل " آذنه به " . ولم يرد ذلك في شيء من كتب اللغة ، والبيت شاهد عليه ، وشرح الطبري بعد دال أيضًا على مراده .

(2/449)


بالذي تعلموا من الملكين ، من أحد إلا بعلم الله. يعني : بالذي سبق له في علم الله أنه يضره. كما : -
1704 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان في قوله : (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) ، قال : بقضاء الله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : (ويتعلمون) ، الناس الذين يتعلمون من الملكين ما أنزل عليهما من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ، يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم ، ولا ينفعهم في معادهم. فأما في العاجل في الدنيا ، فإنهم قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (1) (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، الفريق الذين لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، فقال جل ثناؤه : لقد علم النابذون - من يهود بني
__________
(1) في المطبوعة : " يعني بذلك جل ثناؤه " . ويتعلمون أي الناس الذين يتعلمون . . " وهو كلام غير مستقيم ، كأنه تصرف من بعض النساخ .

(2/450)


إسرائيل - كتابي وراء ظهورهم تجاهلا منهم التاركون العمل بما فيه من اتباعك يا محمد واتباع ما جئت به ، بعد إنزالي إليك كتابي مصدقا لما معهم ، وبعد إرسالك إليهم بالإقرار بما معهم وما في أيديهم ، المؤثرون عليه اتباع السحر الذي تلته الشياطين على عهد سليمان ، والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت لمن اشترى السحر بكتابي الذي أنزلته على رسولي فآثره عليه ما له في الآخرة من خلاق. كما : -
1705 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، يقول : قد علم ذلك أهل الكتاب في عهد الله إليهم : أن الساحر لا خلاق له عند الله يوم القيامة.
1706 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، يعني اليهود. يقول : لقد علمت اليهود أن من تعلمه أو اختاره ، ما له في الآخرة من خلاق.
1707 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، لمن اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه.
1708 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، قال : قد علمت يهود أن في كتاب الله في التوراة : أن من اشترى السحر وترك دين الله ، ما له في الآخرة من خلاق. فالنار مثواه ومأواه.
* * *
قال أبو جعفر : وأما قوله : (لمن اشتراه) ، فإن " من " في موضع رفع ، وليس

(2/451)


قوله : (ولقد علموا) بعامل فيها. لأن قوله : (ولقد علموا) ، (1) بمعنى اليمين ، فلذلك كانت في موضع رفع. لأن الكلام بمعنى : والله لمن اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. ولكون قوله : (قد علموا) بمعنى اليمين ، حققت بـ " لام اليمين " ، فقيل : (لمن اشتراه) ، كما يقال : " أقسم لمن قام خير ممن قعد " . وكما يقال : " قد علمت ، لعمرو خير من أبيك " .
وأما " من " فهو حرف جزاء. وإنما قيل " اشتراه " ولم يقل " يشتروه " ، لدخول " لام القسم " على " من " . ومن شأن العرب - إذا أحدثت على حرف الجزاء لام القسم - أن لا ينطقوا في الفعل معه إلا بـ " فعل " دون " يفعل " ، إلا قليلا كراهية أن يحدثوا على الجزاء حادثا وهو مجزوم ، كما قال الله جل ثناؤه : ( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ) [سورة الحشر : 12] ، وقد يجوز إظهار فعله بعده على " يفعل " مجزوما ، (2)
كما قال الشاعر :
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم... ليعلم ربي أن بيتي واسع (3)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (ما له في الآخرة من خلاق). فقال بعضهم : " الخلاق " في هذا الموضع : النصيب.
* ذكر من قال ذلك :
1709 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ما له في الآخرة من خلاق) ، يقول : من نصيب.
__________
(1) في المطبوعة : " لأن قوله : علموا ، بمعنى اليمين " ، وآثرت إثبات " ولقد " ، لأن الجملة كلها بمعنى اليمين .
(2) هذا كله في معاني الفراء 1 : 65 - 69 ، مع تصرف في اللفظ .
(3) رواه الفراء في معاني الفراء 1 : 66 غير منسوب ، ولكن صاحب الخزانة 4 : 220 نسبه لكميت بن معروف ، ولكني لم أجده منسوبا إليه في كتاب آخر ، وأخشى أن يكون صاحب الخزانة قدوهم . هذا ، والبيت وما قبله جميعا في معاني الفراء 1 : 65 - 66 .

(2/452)


1710 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ما له في الآخرة من خلاق) ، من نصيب.
1711 - حدثني المثنى قال ، حدثني إسحاق قال ، حدثنا وكيع ، قال سفيان : سمعنا في : (وما له في الآخرة من خلاق) ، أنه ما له في الآخرة من نصيب.
* * *
وقال بعضهم : " الخلاق " ههنا الحجة.
* ذكر من قال ذلك :
1712 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (وما له في الآخرة من خلاق) ، قال : ليس له في الآخرة حجة.
وقال آخرون : الخلاق : الدين.
* ذكر من قال ذلك :
1713 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال الحسن : (ما له في الآخرة من خلاق) ، قال : ليس له دين.
* * *
وقال آخرون : " الخلاق " ههنا القوام.
* ذكر من قال ذلك :
1714 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس : (ما له في الآخرة من خلاق) ، قال : قوام.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى " الخلاق " في هذا الموضع : النصيب. وذلك أن ذلك معناه في كلام العرب.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(2/453)


1715 - " ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم " . (1)
يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
يَدْعُون بالويل فيها لا خَلاق لهم... إلا سرابيلُ من قِطْر وأغلال (2)
يعني بذلك : لا نصيب لهم ولا حظ ، إلا السرابيل والأغلال.
* * *
فكذلك قوله : (ما له في الآخرة من خلاق) : ما له في الدار الآخرة حظ من الجنة ، من أجل أنه لم يكن له إيمان ولا دين ولا عمل صالح يحازي به في الجنة ويثاب عليه ، فيكون له حظ ونصيب من الجنة. وإنما قال جل ثناؤه : (ما له في الآخرة من خلاق) ، فوصفه بأنه لا نصيب له في الآخرة ، وهو يعني به : لا نصيب له من جزاء وثواب وجنة دون نصيبه من النار ، إذْ كان قد دل ذمه جل ثناؤه أفعالهم - التي نفى من أجلها أن يكون لهم في الآخرة نصيب - على مراده من الخبر ، وأنه إنما يعني بذلك أنه لا نصيب لهم فيها من الخيرات ، وأما من الشرور فإن لهم فيها نصيبا.
* * *
__________
(1) الحديث : 1715 - هكذا علق الطبري هذا الحديث ، بدون إسناد وقد رواه أحمد في المسند 5 : 45 (حلبي) ، من حديث أبي بكرة ، بلفظ : " إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم " . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 5 : 302 ، ثم قال : " رواه أحمد والطبراني ، ورجالهما ثقات " . وذكره أيضًا بعده ، من حديث أنس ، وقال : " رواه البزار والطبراني في الأوسط ، وأحد أسانيد البزار ثقات الرجال " . (كذا بالأصل) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير : 1838 ، ونسبه للنسائي وابن حبان من حديث أنس ، ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة . ونقل شارحه المناوي أن الحافظ العراقي قال : " إسناده جيد " . وحديث أنس رواه أيضًا أبو نعيم في الحلية 6 : 262 . ورواه قبل ذلك 3 : 13 ، من حديث الحسن مرسلا . ثم أشار إلى حديث أنس .
(2) ديوانه : 47 بيت مفرد : . وقوله " فيها " ، أظنه يعني النار . والقطر : النحاس الذائب .

(2/454)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى " شروا " : " باعوا " . (1) فمعنى الكلام إذا : ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر لو كان يعلم سوء عاقبته ، كما :
1716 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي(ولبئس ما شروا به أنفسهم) ، يقول : بئس ما باعوا به أنفسهم.
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قال جل ثناؤه : (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) ؟ وقد قال قبل : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، فكيف يكونون عالمين بأن من تعلم السحر فلا خلاق لهم ، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بالسحر أنفسهم ؟
قيل : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته ، من أنهم موصوفون بالجهل بما هم موصوفون بالعلم به. ولكن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم ، وإنما معنى الكلام : وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله ، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. فقوله : (لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) ، ذم من الله تعالى ذكره فعل المتعلمين من الملكين التفريق بين المرء وزوجه ، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم ، برضاهم بالسحر عوضا عن دينهم الذي به نجاة أنفسهم من الهلكة ، جهلا منهم بسوء عاقبة فعلهم ، وخسارة صفقة بيعهم. إذ كان قد يتعلم ذلك منهما من لا يعرف الله ، ولا يعرف حلاله وحرامه ، وأمره ونهيه.
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 340 - 342 .

(2/455)


ثم عاد إلى الفريق - الذين أخبر الله عنهم أنهم نبذوا كتابه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين - فأخبر عنهم أنهم قد علموا أن من اشترى السحر ، ما له في الآخرة من خلاق ؛ ووصفهم بأنهم يركبون معاصي الله على علم منهم بها ، ويكفرون بالله ورسله ، ويؤثرون اتباع الشياطين والعمل بما أحدثته من السحر ، على العمل بكتابه ووحيه وتنزيله ، عنادا منهم ، وبغيا على رسله ، وتعديا منهم لحدوده ، على معرفة منهم بما لمن فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب. فذلك تأويل قوله.
* * *
وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، يعني به الشياطين ، وأن قوله : (لو كانوا يعلمون) ، يعني به الناس. وذلك قول لجميع أهل التأويل مخالف. وذلك أنهم مجمعون على أن قوله : (ولقد علموا لمن اشتراه) ، معني به اليهود دون الشياطين : ثم هو - مع ذلك - خلاف ما دل عليه التنزيل. لأن الآيات قبل قوله : (ولقد علموا لمن اشتراه) ، وبعد قوله : (لو كانوا يعلمون) ، جاءت من الله بذم اليهود وتوبيخهم على ضلالهم ، وذما لهم على نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم ، مع علمهم بخطأ فعلهم. فقوله : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) ، أحد تلك الأخبار عنهم.
* * *
وقال بعضهم : إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله : (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) ، فنفى عنهم العلم ، هم الذين وصفهم الله بقوله : (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق). وإنما نفى عنهم جل ثناؤه العلم بقوله : (لو كانوا يعلمون) - بعد وصفه إياهم بأنهم قد علموا بقوله : (ولقد علموا) - من أجل أنهم لم يعملوا بما علموا. وإنما العالم العامل بعلمه ، وأما إذا خالف عمله علمه ، فهو في معاني الجهال. قال : وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل ، وإن كان بفعله عالما : " لو علمت لأقصرت " كما قال كعب بن زهير المزني ، وهو

(2/456)


وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)

يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده :
إذ إذا حضراني قلت : لو تعلمانه!!... ألم تعلما أني من الزاد مرمل (1)
فأخبر أنه قال لهما : " لو تعلمانه " ، فنفى عنهما العلم ، ثم استخبرهما فقال : ألم تعلما ؟ قالوا : فكذلك قوله : (ولقد علموا لمن اشتراه) و(لو كانوا يعلمون)
* * *
وهذا تأويل وإن كان له مخرج ووَجْه فإنه خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب ، أعني بقوله : (ولقد علموا) وقوله : (لو كانوا يعلمون) ، وإنما هو استخراج. وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر الخطاب دون الخفي الباطن منه ، حتى تأتي دلالة - من الوجه الذي يجب التسليم له - بمعنىً خلافَ دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن أولى. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولو أنهم آمنوا واتقوا) ، لو أن الذين يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، " آمنوا " فصدقوا الله ورسوله وما جاءهم به من عند ربهم ، و " اتقوا " ربهم فخافوه فخافوا عقابه ، فأطاعوه بأداء فرائضه وتجنبوا معاصيه - لكان جزاء الله إياهم ، وثوابه لهم على إيمانهم به وتقواهم إياه ، خيرا لهم من السحر وما اكتسبوا به ، " لو كانوا يعلمون " أن ثواب الله إياهم على ذلك
__________
(1) ديوانه : 51 ، وأمالي الشريف المرتضى 1 : 424 ، وكأنه كان ينقل كلام الطبري في تفسير هذه الآية ، مع التصرف . والمرمل : الذي نفد زاده . أرمل الرجل فهو مرمل ، كأنه لصق بالرمل لما أنفض .
(2) يقول : " وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر من الخطاب . . أولى " وفصل فأطال .

(2/457)


خير لهم من السحر ومما اكتسبوا به. وإنما نفى بقوله : (لو كانوا يعلمون) العلم عنهم : أن يكونوا عالمين بمبلغ ثواب الله ، وقدر جزائه على طاعته.
* * *
و " المثوبة " في كلام العرب ، مصدر من قول القائل : أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة " . فأصل ذلك من : " ثاب إليك الشيء " بمعنى : رجع. ثم يقال : " أثبته إليك " : أي ، رجعته إليك ورددته. فكان معنى " إثابة الرجل الرجل على الهدية وغيرها " : إرجاعه إليه منها بدلا (1) ورده عليه منها عوضا. ثم جعل كل معوض غيره من عمله أو هديته أو يد له سلفت منه إليه : مثيبا له. ومنه " ثواب " الله عز وجل عباده على أعمالهم ، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه ، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله : (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) مما اكتفي - بدلالة الكلام على معناه - عن ذكر جوابه. وأن معناه : ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا ، ولكنه استغنى - بدلالة الخبر عن المثوبة - عن قوله : لأثيبوا.
* * *
وكان بعض نحويي أهل البصرة ينكر ذلك ، ويرى أن جواب قوله : (ولو أنهم آمنوا واتقوا) ، (لمثوبه) ، وأن " لو " إنما أجيبت " بالمثوبة " ، وإن كانت أخبر عنها بالماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى " لئن " في أنهما جزاءان ، فإنهما جوابان للإيمان. فأدخل جواب كل واحدة منهما على صاحبتها - فأجيبت " لو " بجواب " لئن " ، و " لئن " بجواب " لو " ، لذلك ، وإن اختلفت أجوبتهما ، فكانت " لو " من حكمها وحظها أن تجاب بالماضي من الفعل ، وكانت " لئن " من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل - لما وصفنا من تقاربهما. فكان يتأول معنى قوله : (ولو أنهم آمنوا واتقوا) : ولئن آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " إرجاعه إليها " سهو من ناسخ .

(2/458)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)

وبما قلنا في تأويل " المثوبة " قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (لمثوبة من عند الله) ، يقول : ثواب من عند الله.
1718 - حدثني يونس قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله) ، أما " المثوبة " ، فهو الثواب.
1719 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) ، يقول : لثواب من عند الله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (لا تقولوا راعنا). فقال بعضهم : تأويله : لا تقولوا خلافا.
* ذكر من قال ذلك :
1720 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء في قوله : (لا تقولوا راعنا) ، قال : لا تقولوا خلافا.
1721 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (لا تقولوا راعنا) ، لا تقولوا خلافا.
1722 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
1723 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن رجل عن مجاهد مثله.
1724 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن مجاهد مثله.
* * *

(2/459)


وقال آخرون : تأويله : أَرْعِنَا سمعك. أي : اسمع منا ونسمع منك.
* ذكر من قال ذلك :
1725 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله : (راعنا) ، أي : أَرْعِنا سمعك.
1726 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) ، لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.
1727 - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (راعنا) ، قال : كان الرجل من المشركين يقول : أَرْعِني سمعك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا " راعنا " . فقال بعضهم : هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة ، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
1728 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قول كانت تقوله اليهود استهزاء ، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.
1729 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية : (لا تقولوا راعنا) ، قال : كان أناس من اليهود يقولون أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين : فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) ، كما قالت اليهود والنصارى.

(2/460)


1730 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) ، قال : كانوا يقولون : راعنا سمعك! فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين ، فقال الله : (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).
1731 - وحدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : (لا تقولوا راعنا) ، قال : كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا سمعك! وإنما " راعنا " كقولك ، عاطنا.
1732 - وحدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) قال : " راعنا " القول الذي قاله القوم ، قالوا : ( سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) [سورة النساء : 46] قال : " قال : هذا الراعن " - والراعن : الخطاء - قال : فقال للمؤمنين : لا تقولوا خطاء ، كما قال القوم ، وقولوا : انظرنا واسمعوا. قال : كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمونه ، ويسمع منهم ، ويسألونه ويجيبهم. (1)
* * *
وقال آخرون : بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها ، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
1733 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثني هشيم قال ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن عطاء في قوله : (لا تقولوا راعنا) ، قال : كانت لغة في الأنصار في الجاهلية ، فنزلت هذه الآية : (لا تقولوا راعنا) ولكن قولوا انظرنا) إلى آخر الآية.
__________
(1) قوله " الراعن : الخطاء " لم أجده في غيره بعد . والذي في كتب التفسير واللغة . وربما كانت " الخطأ " . وقد قالوا : " راعنا : الهجر من القول " . وقالوا اشتقوه من الرعونة : وهي الحمق والجهل والاسترخاء .

(2/461)


1734 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن عطاء قال : (لا تقولوا راعنا) ، قال : كانت لغة في الأنصار.
1735 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء مثله.
1736 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (لا تقولوا راعنا) ، قال : إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه : أَرْعِني سمعك! فنهوا عن ذلك.
1737 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : " راعنا " ، قول الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقال بعضهم : بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه ، يقال له : رفاعة بن زيد. كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم به على وجه السب له ، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه ، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
1738 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) ، كان رجل من اليهود - من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع - كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب - قال أبو جعفر : هذا خطأ ، إنما هو ابن التابوت ، ليس ابن السائب - كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا لقيه فكلمه قال : (1) أَرْعِني سمعك ، واسمع غير مسمع فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا ، فكان
__________
(1) في المطبوعة : " فقال " ، والفاء لا مكان لها .

(2/462)


ناس منهم يقولون : " اسمع غير مسمع " ، كقولك اسمع غير صاغر وهي التي في النساء( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) [سورة النساء : 46] ، يقول : إنما يريد بقوله طعنا في الدين. ثم تقدم إلى المؤمنين فقال : " لا تقولوا راعنا " . (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه : " راعنا " أن يقال : إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم ، نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
1739 - " لا تقولوا للعنب الكرم ، ولكن قولوا : الحبَلة " . (2)
1740 - و " لا تقولوا : عبدي ، ولكن قولوا : فتاي " . (3)
وما أشبه ذلك ، من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب ، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما ، واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.
* * *
فإن قال لنا قائل : فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في " العنب " أن يقال له " كرم " ، وفي " العبد " أن يقال له " عبد " ، فما المعنى الذي في قوله : (راعنا) حينئذ ، الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين
__________
(1) تقدم إليه : أمره .
(2) الحديث : 1739 - ذكره الطبري معلقا دون إسناد . وقد رواه أحمد في المسند : 7509 ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : " ولا تسموا العنب الكرم " . ورواه الشيخان وغيرهما ، كما بينا هناك . ورواه أيضًا قبل ذلك إشارة موجزا : 7256 .
وروى مسلم 2 : 197 ، من حديث علقمة بن وائل ، عن أبيه ، مرفوعا : " لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا : الحبلة ، يعني العنب " .
(3) الحديث : 1740 - وهذا معلق أيضًا . وهو جزء من حديث طويل . رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : " . . ولا يقل أحدكم عبدي ، أمتي ، وليقل : فتاى ، فتاتي ، غلامي " . انظر البخاري 5 : 128 - 131 (فتح) ، ومسلم 2 : 197 .

(2/463)


عن أن يقولوه ، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله : (انظرنا) ؟
قيل : الذي فيه من ذلك ، نظير الذي في قول القائل : " الكرم " للعنب ، و " العبد " للمملوك. وذلك أن قول القائل : " عبدي " لجميع عباد الله ، فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله - بمعنى العبودية - إلى غير الله ، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره ، بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل ، فيقال : " فتاي " . وكذلك وجه نهيه في " العنب " أن يقال : " كرم " خوفا من توهم وصفه بالكرَم ، وإن كانت مُسَكَّنَة ، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد. فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا : " راعنا " ، لما كان قول القائل : " راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك ، وارقبنا ونرقبك. من قول العرب بعضهم لبعض : " رعاك الله " : بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى : أَرْعنا سمعك ، من قولهم : " أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة " ، بمعنى : فرغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس :
يُرْعِي إلى قول سادات الرجال إذا... أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا (1)
يعني بقوله " يرعى " ، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.
وكان الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته ، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض ، وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم. (2)
__________
(1) ديوانه : 86 ، وسيأتي في هذا الجزء 2 : 540 وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في 1 : 106 ، 2 : 94 ، وهي في هوذة بن علي كما سلف . يقول قبله : يا هوذ ، يا خير من يمشي على قدم ... بحر المواهب للوراد والشرعا
وابتدع : أحدث ما شاء .
(2) اقرأ قول الله تعالى في صدر " سورة الحجرات " .

(2/464)


فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء ، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها ، ومن المعاني أرقها. فكان من ذلك قولهم : (راعنا) لما فيه من احتمال معنى : ارعنا نرعاك ، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين ، كما يقول القائل : " عاطنا ، وحادثنا ، وجالسنا " ، بمعنى : افعل بنا ونفعل بك - (1) ومعنى : أرعنا سمعك ، حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك ، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم ، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له ، ولا بالفظاظة والغلظة ، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، بقولهم له : (اسمع غير مسمع وراعنا).
يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله : (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) ، (2) فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه ، مما يسر اليهود والمشركين.
* * *
فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله : (راعنا) أنه بمعنى : خلافا ، فمما لا يعقل في كلام العرب. لأن " راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين : أحدهما بمعنى " فاعلت " من " الرِّعْية " وهي الرِّقبة والكَلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع ، بمعنى " أرعيته سمعي " . وأما " راعيت " بمعنى " خالفت " ، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب. إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد ، فيكون لذلك - وإن كان مخالفا قراءة القراء - معنى مفهوم حينئذ.
* * *
وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكي ذلك عنه : أن قوله : (راعنا)
__________
(1) قوله : " ومعنى " معطوف على قوله آنفًا : " لما فيه من احتمال معنى : ارعنا نرعاك . . " .
(2) وهي الآية التي تلي الآية التي يفسرها .

(2/465)


كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية ، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم ، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين : أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم. ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة ، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب ، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي ، هي عند اليهود سب ، وهي عند العرب : أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب ، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم ، لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه ، أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به. وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك ، من الوجه الذي تقوم به الحجة. وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا ، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.
* * *
وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه : (لا تقولوا راعنا) بالتنوين ، بمعنى : لا تقولوا قولا " راعنا " ، من " الرعونة " وهي الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة ، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين ، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين.
ومن نون " راعنا " نونه بقوله : (لا تقولوا) ، لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي. لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : (راعنا) ، بمعنى مسألته : إما أن يرعيهم سمعه ، وإما أن يرعاهم ويرقبهم - على ما قد بينت فيما قد مضى - فقيل لهم : لا تقولوا في مسألتكم إياه " راعنا " . فتكون الدلالة على معنى الأمر في " راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت

(2/466)


تكون في " يراعيه " ويدل عليها - أعني على " الياء " الساقطة - كسرة " العين " من " راعنا " .
* * *
وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود : (لا تقولوا راعونا) ، بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا ، وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا ، كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره. ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقُولُوا انْظُرْنَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وقولوا انظرنا) ، وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم : انظرنا وارقبنا ، نفهم ونتبين ما تقول لنا ، وتعلمنا ، كما :
1741 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وقولوا انظرنا) فهمنا ، بين لنا يا محمد.
1742 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وقولوا انظرنا) فهمنا ، بين لنا يا محمد.
1743 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله.
* * *
يقال منه : " نظرت الرجل أنظره نظرة " بمعنى انتظرته ورقبته ، ومنه قول الحطيئة :

(2/467)


وقد نَظَرتكمُ أَعْشاء صادرةٍ... للخِمس ، طال بها حَوْزي وتَنْساسي (1)
ومنه قول الله عز وجل : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) [سورة الحديد : 13] ، يعني به : انتظرونا.
* * *
وقد قرئ " أنظرنا " و " أنظرونا " بقطع " الألف " في الموضعين جميعا (2) فمن قرأ ذلك كذلك أراد : أخرنا ، كما قال الله جل ثناؤه : ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [سورة ص : 79] ، أي أخرني. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع. لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستماع منه ، وإلطاف الخطاب له ، وخفض الجناح - لا بالتأخر عنه ، ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - (3) من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله : (انظرنا) ، ولم يقطعها بمعنى : انتظرنا.
* * *
وقد قيل : إن معنى(أنظرنا) بقطع الألف بمعنى : أمهلنا. حكي عن بعض
__________
(1) ديوانه : 53 ، واللسان (نظر) (حوز) (نس) (عشا) . من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر ، ويمدح بغيض بن عامر من شماس . والأعشاء جمع عشى (بكسر فسكون) : وهو ما تتعشاه الإبل . والصادرة : الإبل التي تصدر عن الماء . والخمس : من أظماء الإبل ، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ، ثم ترد في الرابع . والحوز : السوق اللين ، حاز الإبل : ساقها سوقا رويدا . والتنساس والنس ، مصدر قولك : نس الإبل بينها : ساقها سوقا شديدا لورود الماء . ويروى " إيتاء صادرة " . والإيتاء مصدر آنيت الشيء : إذ أخرته . يقول للزبرقان ، حين نزل بداره ، ثم تحول عنها إلى دار بغيض (انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء : 96 - 98) : انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها . وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا ، وفي بطونها ماء كثير ، فهي تحتاج إلى بقل كثير . يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار . وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة ، ولقوله فيها : دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد ، فإنك أنت الطاعم الكاسي
(2) زدت قول الله تعالى : " أنظرونا " ، من أجل اختلاف " الحرفين .
(3) في المطبوعة : " إن كان ذلك . . " ، ليست بشيء .

(2/468)


العرب سماعا : " أنظرني أكلمك " ، وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه ، فأخبره أنه أراد أمهلني. فإن يكن ذلك صحيحا عنهم " فانظرنا " و " أنظرنا " - بقطع " الألف " ووصلها - متقاربا المعني. غير أن الأمر وإن كان كذلك ، فإن القراءة التي لا أستجيز غيرها ، قراءة من قرأ : (وقولوا انظرنا) ، بوصل " الألف " بمعنى : انتظرنا ، لإجماع الحجة على تصويبها ، ورفضهم غيرها من القراآت.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى{ وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (واسمعوا) ، واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم ، وعُوه وافهموه ، كما : -
1744 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (واسمعوا) ، اسمعوا ما يقال لكم.
* * *
فمعنى الآية إذًا : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم : راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول. ولكن قولوا : انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا. واسمعوا منه ما يقول لكم ، فعوه واحفظوه وافهموه. ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته ، وخالف أمره ونهيه ، وكذب رسوله ، العذاب الموجع في الآخرة ، فقال : وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم. يعني بقوله : " الأليم " ، الموجع. وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل ، وما فيه من الآثار. (1)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 283 ، ثم هذا الجزء 2 : 140 ، 377 .

(2/469)


مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

القول في تأويل قوله تعالى : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (ما يود) ، ما يحب ، أي : ليس يحب كثير من أهل الكتاب. يقال منه : " ود فلان كذا يوده ودا وودا ومودة " .
* * *
وأما " المشركين " (1) فإنهم في موضع خفض بالعطف على " أهل الكتاب " . ومعنى الكلام : ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم.
* * *
وأما(أن) في قوله : (أن ينزل) فنصب بقوله : (يود). وقد دللنا على وجه دخول " من " في قوله : (من خير) وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد ، فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
فتأويل الكلام : ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان ، أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزله عليكم. (3) فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته ، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك ، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين.
وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين ، والاستماع من قولهم ، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم ، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد ، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وأما المشركون " ، والصواب ما أثبت .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 126 ، 127 ، وكان ينبغي أن يذكره في تفسير الآية : 102 أو يحيل كما أحال هنا .
(3) كان في المطبوعة : " الذي كان عند الله ينزله عليهم " ، ولا يستقيم الكلام إلا كما أثبتنا .

(2/470)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (والله يختص برحمته من يشاء) : والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته ، فيرسله إلى من يشاء من خلقه ، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له.
و " اختصاصه " إياهم بها ، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه ، وهدايته من هدى من عباده ، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة ، واستحقاقه بها ثناءه. وكل ذلك رحمة من الله له.
* * *
وأما قوله : (والله ذو الفضل العظيم). فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم ، فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم ، من غير استحقاق منهم ذلك عليه.
* * *
وفي قوله : (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ، تعريض من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب : أن الذي آتى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من الهداية ، تفضل منه ، (1) وأن نعمه لا تدرك بالأماني ، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " تفضلا منه " ، وهو خطأ ، بل هذا خبر " أن " .

(2/471)


مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)

القول في تأويل قوله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ما ننسخ من آية) : ما ننقل من حكم آية ، إلى غيره فنبدله ونغيره. (1) وذلك أن يحول الحلال حراما ، والحرام
__________
(1) كان في المطبوعة : " ما نسخ من آية إلى غيره فنبد له " ، والزيادة من تفسير ابن كثير 1 : 273 .

(2/471)


حلالا والمباح محظورا ، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي ، والحظر والإطلاق ، والمنع والإباحة. فأما الأخبار ، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.
* * *
وأصل " النسخ " من " نسخ الكتاب " ، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها. فكذلك معنى " نسخ " الحكم إلى غيره ، إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها. (1) فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية ، فسواء - إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها ، ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها - أَأُقر خطها فترك ، أو محي أثرها ، فعفِّي ونسي ، (2) إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة ، والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول ، والمنقول إليه فرض العباد ، هو الناسخ. يقال منه : " نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا ، و " النُّسخة " الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول :
1745 - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال ، حدثنا خالد بن الحارث قال ، حدثنا عوف ، عن الحسن أنه قال في قوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) ، قال : إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ، ثم نسيه فلم يكن شيئا ، (3) ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه.
* * *
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (ما ننسخ) فقال بعضهم بما : -
__________
(1) في المطبوعة : " عنه إلى غيره " ، وفي تفسير ابن كثير : " ونقل عبارة إلى غيرها " . والصواب ما أثبت .
(2) في المطبوعة : " أوفر حظها فترك ، أو محي أثرها فعفي أو نسي " ، وهي جملة حشيت تصحيفا وخلطا . ومراد الطبري أن النسخ ، وهو تغير الحكم ، قد يكون مع إقرار الخط كما هو ، والإتيان بحكم آخر في عبارة أخرى - أو رفع الخط ، ونسيان الناس ما حفظوه عند التنزيل . وقوله " عفي " ، من قولهم : عفا الأثر يعفو : درس وذهب . وعفاه يعفيه (بالتشديد) : طمسه وأذهبه .
هذا والجملة التالية : " إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة " ، وحديث الحسن الآتي ، يدل على صواب ما أثبته في قراءة نص الطبري .
(3) في المطبوعة : " قال أقرئ قرآنا " ، سقط منه ما أثبته ، وسيأتي على الصواب في الأثر برقم : 1754 ، ومنه زدت هذه الزيادة .

(2/472)


1746 - حدثني به موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ما ننسخ من آية) ، أما نسخها ، فقبضها.
* * *
وقال آخرون بما : -
1747 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ما ننسخ من آية) ، يقول : ما نبدل من آية.
* * *
وقال آخرون بما :
1748 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا : (ما ننسخ من آية) ، نثبت خطها ، [ ونبدل حكمها ] .
1749 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ما ننسخ من آية) ، نثبت خطها ، ونبدل حكمها. حدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
1750 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثني بكر بن شوذب ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أصحاب ابن مسعود : (ما ننسخ من آية) نثبت خطها ، [ونبدل حكمها]. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَوْ نُنْسِهَا }
قال أبو جعفر : اختلفت الْقَرَأَة في قوله ذلك. فقرأها أهل المدينة والكوفة : (أو ننسها). ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل.
__________
(1) الأثر : 1750 - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير 1 : 273 ثم 274 .

(2/473)


أحدهما : أن يكون تأويله : ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله : (ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها) ، فذلك تأويل : " النسيان " . وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1751 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ، كان ينسخ الآية بالآية بعدها ، ويقرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم الآية أو أكثر من ذلك ، ثم تنسى وترفع.
1752 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها) ، قال : كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء ، وينسخ ما شاء.
1753 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كان عبيد بن عمير يقول : (ننسها) ، نرفعها من عندكم.
1754 - حدثنا سوار بن عبد الله قال ، حدثنا خالد بن الحارث قال ، حدثنا عوف ، عن الحسن أنه قال في قوله : (أو ننسها) ، قال : إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ، ثم نسيه. (1)
* * *
وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية ، إلا أنه كان يقرؤها : (أو تَنسها) بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأنه عنى أو تنسها أنت يا محمد * ذكر الأخبار بذلك :
1755 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا يعلى
__________
(1) الأثر : 1754 - انظر الأثر السالف : 1745 والتعليق عليه .

(2/474)


بن عطاء ، عن القاسم [بن ربيعة] قال ، سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : (ما ننسخ من آية أو تنسها) ، قلت له : فإن سعيد بن المسيب يقرؤها : (أو تُنْسها) ، (1) قال : فقال سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب! قال الله : ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ) [الأعلى : 6]( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) (2) [سورة الكهف : 24].
1756 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا هشيم قال ، حدثنا يعلى بن عطاء قال ، حدثنا القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي قال ، سمعت ابن أبي وقاص يذكر نحوه. (3)
1757 - حدثنا محمد بن المثنى وآدم العسقلاني قالا جميعا ، عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء قال ، سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي يقول : قلت لسعد بن أبي وقاص : إني سمعت ابن المسيب يقرأ : (ما ننسخ من آية أو تُنسها) فقال سعد : إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه! إنما هي : (ما ننسخ من آية أو تنسها) يا محمد. ثم قرأ : (سنقرئك فلا تنسى) و(واذكر ربك إذا نسيت). (4)
1758 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن
__________
(1) في المطبوعة : " أو ننسها " . والصواب ما أثبت ، وفي ابن كثير 1 : 275 " أو ننساها ، ولكن أبا حيان نص في البحر المحيط 1 : 334 على أن قراءة سعيد " أو تنساها " بغير همزة بضم التاء ، وأما ابن خالوية فقد نص في شواذ القراآت : 9 قال : " أو تنسها " كذلك ، إلا أنه لم يسم فاعله . سعيد بن المسيب " . فأثبت هذا ، لأنها هي رسم ما في نص الطبري . وانظر الآثار الآتية : 1756 ، 1757 ، والمستدرك للحاكم 2 : 242 .
(2) الأثر : 1755 - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير 1 : 275 . والقاسم بن ربيعة ، هو القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي ، وربما نسب إلى جده . وهو ابن ابن أخي ليلى بنت قانف الصحابية . روى عن سعد بن أبي وقاص في قوله : " ما ننسخ من آية " ، وعنه يعلى بن عطاء العامري . ذكره ابن حبان في الثقات . قال ابن حجر : قرأت بخط الذهبي : ما حدث عنه سوى يعلى (تهذيب التهذيب 8 : 320) . وانظر رقم : 1756 ، 1757 .
(3) الأثر : 1756 - في المطبوعة : " بن قانف " وهو " قانف " بقاف ثم نون ثم فاء . هكذا نص عليه في الإصابة في ترجمة : " ليلى بنت قانف " .
(4) الأثر 1757 - انظر الأثرين السالفين . وقال الحاكم في المستدرك 2 : 242 : " هذا حديث صحيح عى شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " .

(2/475)


أبيه ، عن الربيع في قوله : (ما ننسخ من آية أو نُنسها) ، يقول : " ننسها " : نرفعها. وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
* * *
والوجه الآخر منهما ، أن يكون بمعنى " الترك " ، من قول الله جل ثناؤه : ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) [التوبة : 67] ، يعني به : تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل : ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها ، نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. وعلى هذا التأويل تأول جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1759 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : (أو نَنسها) ، يقول : أو نتركها لا نبدلها. (1)
1760 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (أو ننسها) ، نتركها لا ننسخها.
1761 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها) ، قال : الناسخ والمنسوخ.
* * *
قال أبو جعفر : وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما : -
1762 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (نُنسها) ، نمحها.
* * *
وقرأ ذلك آخرون : (أو ننسأها) بفتح النون وهمزة بعد السين ، بمعنى نؤخرها ، من قولك : " نسأت هذا الأمر أنسؤه نَسْأ ونَسَاء " ، إذا أخرته ، وهو من قولهم : " بعته
__________
(1) الأثر : 1759 - في تفسير ابن كثير : " أو ننساها " . والصواب ما في الطبري ، بفتح النون .

(2/476)


بنساء ، يعني بتأخير ، ومن ذلك قول طرفة بن العبد :
لعمرك إن الموت ما أَنْسَأ الفتى... لكالطِّوَل المُرْخى وثِنْياه باليد (1)
يعني بقوله " أنسأ " ، أخر.
وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين ، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1763 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء في قوله : (ما ننسخ من آية أو نَنْسأها) ، قال : نؤخرها.
1764 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى قال ، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله : (أو ننسأها) ، قال : نُرْجئها.
1765 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (أو ننسأها) ، نرجئها ونؤخرها.
1766 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا فضيل ، عن عطية : (أو ننسأها) ، قال : نؤخرها فلا ننسخها.
1767 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن عبيد الأزدي ، عن عبيد بن عمير(أو ننسأها) ، إرجاؤها وتأخيرها.
هكذا حدثنا القاسم ، عن عبد الله بن كثير ، " عن عبيد الأزدي " ، وإنما هو عن " علي الأزدي " .
1768 - حدثني أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن علي الأزدي ، عن عبيد
__________
(1) ديوانه : 318 ( من أشعار الستة الجاهليين) من معلقته المشهورة . وروايتهم : " ما أخطأ الفتى " . والطول : حبل يطول للدابة لترعى وهي مشدودة فيه . وثنياه " طرفاء . أي إنه لا يفلت من حبال المنية ، وإن أخر في أجله . وما أصدق ما قال! ولكننا ننسى!

(2/477)


بن عمير أنه قرأها : (ننسأها). (1)
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل من قرأ ذلك كذلك : ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد ، فنبطل حكمها ونثبت خطها ، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها ، نأت بخير منها أو مثلها.
* * *
وقد قرأ بعضهم ذلك : (ما ننسخ من آية أو تُنسها). وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ : (أو نُنسها) ، إلا أن معنى(أو تُنسها) ، أنت يا محمد.
* * *
وقد قرأ بعضهم : (ما نُنسخ من آية) ، بضم النون وكسر السين ، بمعنى : ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من " أنسختك فأنا أنسخك " . وذلك خطأ من القراءة عندنا ، لخروجه عما جاءت به الحجة من الْقَرَأَة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ(تُنسها) أو(تَنسها) لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة.
وأولى القراءات في قوله : (أو ننسها) بالصواب ، من قرأ : (أو نُنْسها) بمعنى : نتركها. لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدل حكما أو غيره ، أو لم يبدله ولم يغيره ، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية ، إذْ كان ذلك معناها ، أن يكون - إذ قدم الخبر
__________
(1) الخبران : 1767 ، 1768 - أبان الطبري في الإسناد الأول أن شيخه القاسم قال في الإسناد : " عبد الله بن كثير ، عن عبيد الأزدي " ، وبين أن صوابه " عن علي الأزدي " . ثم ساق الإسناد الثاني على الصواب. وهو كما قال عبد الله بن كثير الداري المكي : هو القارئ ، أحد القراء السبعة. وهو ثقة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2 /144.
علي الأزدي : هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي ، وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 /1/193.عبيد بن عمير - بالتصغير فيهما - : هو الليثي الجندعي المكي ، ثقة من كبار التابعين ، بل ذكره بعضهم في الصحابة ، وأثنى عليه الناس خيرا في مجلس ابن عمر ، في المسند : 5359. مترجم في التهذيب ، والإصابة 5 : 79 ، وابن سعد 5 : 341 - 342 ، وابن أبي حاتم 2/2/409.

(2/478)


عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع ، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله : (ما ننسخ من آية). قوله : أو نترك نسخها ، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت ، فهو يشتمل على معنى " الإنساء " الذي هو بمعنى الترك ، (1) ومعنى " النَّساء " الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك.
* * *
وقد أنكر قوم قراءة من قرأ : (أو نَنْسها) ، إذا عني به النسيان ، وقالوا : غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ ، إلا أن يكون نسي منه شيئا ، ثم ذكره. قالوا : وبعد ، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه ، بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا : وفي قول الله جل ثناؤه : ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) [الإسراء : 86] ، ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا قول يشهد على بطوله وفساده ، الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنحو الذي قلنا.
1769 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، حدثنا أنس بن مالك : أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة ، قرأنا بهم وفيهم كتابا : " بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " . ثم إن ذلك رفع. (2)
__________
(1) قد رد أهل اللغة أن يكون الإنساء بمعنى الترك ، وقالوا : إنما يقال نسيت : إذا تركت ، لا يقال : أنسيت ، تركت . وانظر ما جاء في ذلك في اللسان (نسي) ، وسائر كتب التفسير .
(2) الحديث : 1769 - يزيد بن زريع - بضم الزاي - العيشي : ثقة حافظ حجة ، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الكبار . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/335 ، وابن سعد 7 / 2 / 44 وابن أبي حاتم 4/2/263 - 265 . وسعيد : هو ابن أبي عروبة .
وهذا الحديث مختصر من حديث لأنس ، في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة . ورواه الأئمة عن أنس ، من أوجه مختلفة .
فمن ذلك : أنه رواه البخاري 7 : 297 (فتح الباري) ، عن عبد الأعلى بن حماد ، عن يزيد بن زريع ، بهذا الإسناد . وفي آخره : " قال أنس : فقرأنا فيهم قرآنا ، ثم إن ذلك رفع : بلغوا عنا قومنا ، أنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا وأرضانا " .
وروى مسلم 1 : 187 - 188 ، من رواية مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس . وانظر تفصيل ذلك في تاريخ ابن كثير4 : 71 - 74 .

(2/479)


1770 - والذي ذكرنا عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون : " لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب " . ثم رفع. (1)
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بإحصائها الكتاب.
وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح ، ولا بحجة خبرٍ أن ينسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين ، فغير جائز لقائل أن يقول : ذلك غير جائز.
وأما قوله : (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) ، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه ، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه ، فلم يذهب به والحمد لله ، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه ، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره : ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ) [الأعلى : 6 - 7] ، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله.
فأما نحن ، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى ، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 1770 - ذكره الطبري تعليقا . وهو جزء من حديث طويل ، رواه مسلم 1 : 286 ، من حديث أبي موسى الأشعري . وذكره السيوطي في الدر المنثور1 : 105 ، ونسبه أيضًا لابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية ، والبيهقي في الدلائل .
وقد أفاض السيوطي في الإتقان 2 : 29 - 32 (طبعة المطبعة الموسوية بمصر سنة 1287) - في هذا البحث ، ونقل روايات كثيرة فيه .
(2) في المطبوعة : " قد كان آتى نبيه بعض ما ننسخ " ، والصواب ما أثبت .

(2/480)


القول في تأويل قوله تعالى : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (نأت بخير منها أو مثلها). فقال بعضهم بما : -
1771 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (نأت بخير منها أو مثلها) ، يقول : خير لكم في المنفعة ، وأرفق بكم.
* * *
وقال آخرون بما :
1772 - حدثني به الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (نأت بخير منها أو مثلها) ، يقول : آية فيها تخفيف ، فيها رحمة ، (1) فيها أمر ، فيها نهي.
* * *
وقال آخرون : نأت بخير من التي نسخناها ، أو بخير من التي تركناها فلم ننسخها.
* ذكر من قال ذلك :
1773 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (نأت بخير منها) ، يقول : نأت بخير من التي نسخناها ، أو مثلها ، أو مثل التي تركناها.
* * *
" فالهاء والألف " اللتان في قوله : (منها) - عائدتان على هذه المقالة - على الآية في قوله : (ما ننسخ من آية). و " الهاء والألف " اللتان في قوله : (أو مثلها) ، عائدتان على " الهاء والألف " اللتين في قوله : (أو ننسها).
* * *
وقال آخرون بما : -
1774 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) في تفسير ابن كثير : 1 : 275 " فيها رخصة " مكان : " فيها رحمة " .

(2/481)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كان عبيد بن عمير يقول : (ننسها) : نرفعها من عندكم ، نأت بمثلها أو خير منها. (1)
1775 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (أو نُنسها) ، نرفعها ، نأت بخير منها أو بمثلها. (2)
1776 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا بكر بن شوذب ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أصحاب ابن مسعود مثله.
* * *
والصواب من القول في معنى ذلك عندنا : ما نبدل من حكم آية فنغيره ، أو نترك تبديله فنقره بحاله ، نأت بخير منها لكم - من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها - إما في العاجل لخفته عليكم ، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم ، فأسقط ثقله عنكم ، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم ، فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم ، لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم وإما في الآجل لعظم ثوابه ، من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان. كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة ، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول ، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة ، أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك ، فالثواب عليه أجزل ، والأجر عليه أكثر ، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات ، فذلك وإن كان على الأبدان أشق ، فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره ، الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. فذلك معنى قوله : (نأت بخير منها). لأنه إما بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه ، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره.
أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه ، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس ، إلى فرضها شطر المسجد الحرام.
__________
(1) الأثر : 1774 - مضى شطره برقم : 1753 .
(2) الأثر : 1775 - مضى شطره برقم : 1758 .

(2/482)


فالتوجه شطر بيت المقدس ، وإن خالف التوجه شطر المسجد ، فكلفة التوجه - شطر أيهما توجه شطره - واحدة. لأن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤؤنة توجهه شطره ، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة ، سواء. فذلك هو معنى " المثل " الذي قال جل ثناؤه : (أو مثلها).
* * *
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها) : ما ننسخ من حكم آية أو ننسه. غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها ، اكتفي بدلالة ذكر " الآية " من ذكر " حكمها " . وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا ، كقوله : ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) [البقرة : 93] ، بمعنى حب العجل ، ونحو ذلك. (1)
* * *
فتأويل الآية إذا : ما نغير من حكم آية فنبدله ، أو نتركه فلا نبدله ، نأت بخير لكم - أيها المؤمنون - حكما منها ، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب.
* * *
فإن قال قائل : فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب ، وأنه لا يلتبس على من سمع قوله : (وأشربوا في قلوبهم العجلَ) ، أن معناه : وأشربوا في قلوبهم حب العجل ، فما الذي يدل على أن قوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) - لذلك نظير ؟
قيل : الذي دل على أن ذلك كذلك قوله : (نأت بخير منها أو مثلها) ، وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء ، لأن جميعه كلام الله ، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال : بعضها أفضل من بعض ، وبعضها خير من بعض. (2)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف من هذا الجزء 2 : 357 - 360 .
(2) من شاء أن يرى كيف كان أبو جعفر رضي الله عنه يبصر معنى كل حرف ، متحريا للحق والصواب حريصا على دلالة كل كلمة ، فليقرأ أمثال هذا القول فيما مضى وفيما يستقبل .

(2/483)


القول في تأويل قوله تعالى : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) ، ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي ، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك ، ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك ، وأنفع لك ولهم ، إما عاجلا في الدنيا ، وإما آجلا في الآخرة - أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة وشبيهه في الخفة عليك وعليهم ؟ فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير.
* * *
ومعنى قوله : (قدير) في هذا الموضع : قوي. يقال منه : " قد قدرت على كذا وكذا " ، إذا قويت عليه " أقدر عليه وأقدر عليه قدرة وقِدرانا ومقدرة " ، وبنو مرة من غطفان تقول : " قدِرت عليه " بكسر الدال. (1)
فأما من " التقدير " من قول القائل : " قدرت الشيء " ، فإنه يقال منه " قدرته أقدِره قدْرا وقدَرا " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأنه له ملك السموات والأرض ، حتى قيل له ذلك ؟
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 361 .

(2/484)


قيل : بلى! فقد كان بعضهم يقول : إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك ، ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير ، كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا ، فيقول أحدهما لصاحبه : " ألم أكرمك ؟ ألم أتفضل عليك ؟ " بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه ، يريد : أليس قد أكرمتك ؟ أليس قد تفضلت عليك ؟ بمعنى قد علمت ذلك.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا لا وجه له عندنا. وذلك أن قوله جل ثناؤه : (ألم تعلم) ، إنما معناه : أما علمت. وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام ، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات ، وإما بمعنى النفي ، فأما بمعنى الإثبات ، فذلك غير معروف في كلام العرب ، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد. ولكن ذلك عندي ، وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنما هو معني به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه : (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا). والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه : (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) ، فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم ، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض). لأن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه. وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح : أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره ، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جماعةً غيره ، أو جماعة والمخاطب به أحدهم - وعلى وجه الخطاب للجماعة ، والمقصود به أحدهم. من ذلك قول الله جل ثناؤه : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [الأحزاب : 1 - 2] ، فرجع إلى خطاب الجماعة ، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(2/485)


إلى السراج المنير أحمد ، لا... يَعْدِلني رغبة ولا رهب (1) عنه إلى غيره ولو رفع الن... اس إليّ العيونُ وارتقبوا (2) وقيل : أفرطتَ! بل قصدتُ ولو... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا (3) لج بتفضيلك اللسان ، ولو... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب (4) أنت المصفي المحض المهذب في الن... سبة ، إن نص قومَك النسب (5)
فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قاصد بذلك أهل بيته ، فكنى عن وصفهم ومدحهم ، بذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن بني أمية ، بالقائلين المعنفين. لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيله ، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله. (6)
__________
(1) الهاشميات : 34 ، والحيوان للجاحظ 5 : 170 - 171 .
(2) " عنه إلى غيره " متعلق بقوله : لا يعدلني . . " ، في البيت قبله .
(3) أفرطت : أي جاوزت الحد . و " قصدت " من القصد : وهو العدل بين الإفراط والتقصير . والثلب : العيب والذم .
(4) قوله " فيك " أي بسببك ومن أجلك . والضجاج مصدر : ضاجه يضاجه (بتشديد الجيم) مضاجة وضجاجا : وهو المشاغبة مع الصياح والضجيج . واللجب : ارتفاع الأصوات واختلاطها طلبا للغلبة .
(5) هذب الشيء : نقاء وخلصه وطهره من كل ما يعيبه . وقوله " المهذب في النسبة " ، أي المهذب النسبة ، وأدخل " في " للتوكيد ، بمعنى الزيادة . ونص الشيء : رفعه وأظهره وأبانه . يعني أبان فضلهم على غيرهم .
(6) من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة ، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتيه ، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه حيث يقول في كتابه الحيوان 5 : 169 - 171.
ومن المديح الخطأ ، الذي لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد ، وهو يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم ، أو لو مدح به بعض بني هاشم ، لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية ، أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة ، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف ، أو لو مدح المهلب ، لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف ، فأما مديح النبي صلى الله عليه وسلم. فمن هذا الذي يسوؤه ذلك ؟ " ثم أنشد الأبيات السالفة ، وقال : " ولو كان لم يقل فيه عليه السلام إلا مثل قوله : وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا برا وحزما ونائلا ... عشية واراك الصفيح المنصب
فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب ، لما كان بالمحمود ، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا ؟ " .
والجاحظ تأخذ قلمه أحيانا مثل الحكة ، لا تهدأ من ثوراتها عليه حتى يشتفى منها ببعض القول ، وببعض الاستطالة ، وبفرط العقل! ومع ذلك ، فإن النقاد يتبعون الجاحظ ثقة بفضله وعقله ، فربما هجروا من القول ما هو أولى ، فتنة بما يقول .

(2/486)


وكما قال جميل بن معمر :
ألا إن جيراني العشية رائح... دعتهم دواع من هوى ومنادح (1)
فقال : " ألا إن جيراني العشية " فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه ، ثم قال : " رائح " ، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم ، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى :
خليلي فيما عشتما ، هل رأيتما... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي (2)
وهو يريد قاتلته ، لأنه إنما يصف امرأة ، فكنى باسم الرجل عنها ، وهو يعنيها. فكذلك قوله : (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض) ، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة قوله : (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى
__________
(1) لم أجد البيت فيما طبع من شعر جميل ، ولا فيما جمعته منه . والمنادح : البلاد الواسعة البعيدة . كأنهما جمع مندوحة ، حذفت ياؤه . وقال تميم بن أبي بن مقبل . وإني إذا ملت ركابي مناخها ... ركبت ، ولم تعجز على المنادح
وربما حسن أن يقال : إنه جمع لا واحد له من لفظه ، كمحاسن مشابه ، والواحد من ذلك ندح وجمعه أنداح : وهو ما اتسع من الأرض .
(2) الأمالي 2 : 74 ، والأغاني 1 : 117 ، 7 : 140 ، وهي قصيدة من جيد شعر جميل .

(2/487)


من قبل) الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك. (1)
* * *
أما قوله : (له ملك السموات والأرض) ولم يقل : ملك السموات ، فإنه عنى بذلك " ملك " السلطان والمملكة دون " المِلك " . والعرب إذا أرادت الخبر عن " المملكة " التي هي مملكة سلطان ، قالت : " ملك الله الخلق مُلكا " . وإذا أرادت الخبر عن " المِلك " قالت : " ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه مِلكا ومَلَكة ومَلْكا.
* * *
فتأويل الآية إذًا : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر منها ما أشاء ؟
* * *
وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ، وأنكروا محمدا صلى الله عليه وسلم ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما ، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته ، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرَهم بما شاء ونهيَهم عما شاء ، ونسخ ما شاء ، وإقرار ما شاء ، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه : انقادوا لأمري ، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ ، من أحكامي وحدودي وفرائضي ، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي ، فإنه لا قيم بأمركم سواي ، ولا ناصر لكم غيري ، وأنا المنفرد بولايتكم ، والدفاع عنكم ، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم ، ونصب حرب العداوة بينه وبينكم ، حتى أعلي حجتكم ،
__________
(1) انظر ما سيأتي بعد قليل : 499 - 500 .

(2/488)


أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)

وأجعلها عليهم لكم.
* * *
و " الولي " معناه " فعيل " من قول القائل : " وَلِيت أمر فلان " ، إذا صرت قيِّما به ، " فأنا أليه ، فهو وليه " وقَيِّمُه. ومن ذلك قيل : " فلان ولي عهد المسلمين " ، يُعْنَى به : القائم بما عهد إليه من أمر المسلمين.
* * *
وأما " النصير " فإنه " فعيل " من قولك : " نصرتك أنصرك ، فأنا ناصرك ونصيرك " ، وهو المؤيد والمقوي.
* * *
وأما معنى قوله : (من دون الله) ، فإنه سوى الله ، وبعد الله ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
يا نفس مالك دون الله من واقي... وما على حدثان الدهر من باقي (1)
يريد : مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره.
* * *
فمعنى الكلام إذا : وليس لكم ، أيها المؤمنون ، بعد الله من قيم بأمركم ، ولا نصير فيؤيدكم ويقويكم ، فيعينكم على أعدائكم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية. فقال بعضهم بما :
1777 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثني يونس بن بكير - وحدثنا
__________
(1) ديوانه : 43 . ومثله قول ابن أحمر : إن نحن إلا أناس أهل سائمة ... وما لهم دونها حرث ولا غُرر
يريد : ليس لنا مال سوى السائمة ، فليس لنا زرع ولا خيل .

(2/489)


ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل - (1) قالا حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة عن ابن عباس : قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه ، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما : (2) (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) ، الآية. (3)
* * *
وقال آخرون بما : -
1778 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) ، وكان موسى يسأل ، فقيل له : (أرنا الله جهرة).
1889 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) ، أن يريهم الله جهرة. فسألت العرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة.
* * *
وقال آخرون بما : -
1780 - حدثني به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله الله : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) ، أن يريهم الله جهرة. فسألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهم الصفا ذهبا ، قال : نعم! وهو لكم كمائدة بني إسرائيل إن كفرتم " ! فأبوا ورجعوا.
1781 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن
__________
(1) في المطبوعة : " قال حدثنا إسحاق " والصواب ما أثبت .
(2) في المطبوعة : " من قولهم " ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام .
(3) الأثر 1777 - في سيرة ابن هشام 2 : 197 .

(2/490)


ابن جريج ، عن مجاهد قال : سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، فقال : " نعم! وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم! فأبوا ورجعوا ، فأنزل الله : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) ، أن يريهم الله جهرة.
1782 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون بما : -
1783 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال ، قال رجل : يا رسول الله ، لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم لا نبغيها! ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل ، كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها ، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة ، وقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل ، قال : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [النساء : 110]. قال : وقال : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارات لما بينهن " .
وقال : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها ، ولا يهلك على الله إلا هالك " .
فأنزل الله : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل). (1)
* * *
__________
(1) الحديث : 1783 - هذا حديث مرسل ، من مراسيل أبي العالية . وقد نقله ابن كثير 1 : 279 ، عن الطبري . ونقله السيوطي 1 : 107 ، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم .
وأبو العالية الرياحي : ثقة من كبار التابعين ، كما قلنا في : 184 . ونزيد هنا أنه مترجم في التهذيب والكبير 2/1/298 ، والصغير : 109 ، وابن سعد 7 /1 /81 - 85 ، وابن أبي حاتم 1/510 والإصابة 2 : 221 . ولكن الاحتجاج بحديثه - كغيره من التابعين فمن بعدهم - هو في الإسناد المتصل ، أما المرسل والمنقطع ، فلا حجة فيهما .

(2/491)


واختلف أهل العربية في معنى(أم) التي في قوله : (أم تريدون). فقال بعض البصريين : هي بمعنى الاستفهام. وتأويل الكلام : أتريدون أن تسألوا رسولكم ؟
* * *
وقال آخرون منهم : هي بمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام ، كأنك تميل بها إلى أوله ، كقول العرب : إنها لإبل يا قوم أم شاء " و " لقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي ؟ " قال : وليس قوله : (أم تريدون) على الشك ، ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم. واستشهد لقوله ذلك ببيت الأخطل :
كذبَتْك عينُك أم رأيت بواسط... غَلَس الظلام من الرَّباب خيالا (1)
* * *
وقال بعض نحويي الكوفيين : إن شئت جعلت قوله : (أم تريدون) استفهاما على كلام قد سبقه ، كما قال جل ثناؤه : ( الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [السجدة : 1 - 3] ، فجاءت " أم " وليس قبلها استفهام ، فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه. وقال قائل هذه المقالة : " أم " في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين : إحداهما أن تُفَرِّق معنى " أي " ، (2) والأخرى : أن يستفهم بها فتكون على جهة النسق ، والذي ينوي بها الابتداء ، إلا أنه ابتداء متصل بكلام. (3) فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت ، لم يكن إلا بـ " الألف " أو بـ " هل " . (4)
__________
(1) ديوانه : 41 ، ونقائض جرير والخطل : 70 . وواسط : قرية غربي الفرات مقابل الرقة من أعمال الجزيرة ، وهي من منازل بني تغلب ، وهي غير واسط التي بناها الحجاج بين البصرة والكوفة . الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بتباشير الصباح ، فهي سواد مختلط ببياض وحمرة .
(2) في المطبوعة : " تعرف معنى أي " ، وفي لسان العرب (أمم 14 : 300) : " أن تفارق معنى أم " وكلتاهما خطأ صرف . والصواب في معاني القرآن للفراء1 : 71 . وذلك أن قولك : أزيد عندك أم عمرو " ، معناه أيهما عندك . وبين أن " أم " تفرق الاستفهام ، وأن " أي " تجمع متفرق الاستفهام . وقد قال الطبري فيما سلف في هذا الجزء 2 : 198 : " إن أصل " أي " و " ما " جمع متفرق الاستفهام " .
(3) في المطبوعة : " وتكون على جهة النسق ، وللذي ينوى به الابتداء " ، والصواب من معاني القرآن للفراء .
(4) هذا نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 71 .

(2/492)


قال : وإن شئت قلت في قوله : (أم تريدون) ، قبله استفهام ، فرد عليه وهو في قوله : (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير). (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، على ما جاءت به الآثار التي ذكرناها عن أهل التأويل : أنه استفهام مبتدأ ، بمعنى : أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم ؟ وإنما جاز ، أن يستفهم القوم بـ " أم " ، وإن كانت " أم " أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام ، لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام. ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام. ونظيره قوله جل ثناؤه : ( الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [السجدة : 1 - 3] وقد تكون " أم " بمعنى " بل " ، إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه " أي " ، فيقولون : " هل لك قِبَلَنا حق ، أم أنت رجل معروف بالظلم ؟ " (2) وقال الشاعر :
فوالله ما أدري أسلمى تغولت... أم النوم أم كل إلي حبيب (3)
يعني : بل كل إلي حبيب.
وقد كان بعضهم يقول - منكرا قول من زعم أن " أم " في قوله : (أم تريدون)
__________
(1) وهذا أيضًا بعض نص الفراء في معاني القرآن .
(2) هذا أيضًا ذكره الفراء . ثم قال بعده : " يريدون : بل أنت رجل معروف بالظلم " .
(3) لم أعرف قائله . وسيأتى في تفسيره 20 : 6 (بولاق) على الصواب ، وفي معاني القرآن للفراء 1 : 72 ، واللسان (أمم) ، والصاحبي : 98 . وفي المطبوعة هنا : " تقولت . . أم القول ، وهو خطأ محض . وقوله : " تغولت " ، أي تصورت في صورة امرأة أحسها وأراها . من تغول الغول : وهي أن تتلون وتتخيل في صور شتى . يعنى أنها بعيدة لا شك في بعدها ، ولكنه يخال أنه يراها أمامه ماثلة قائمة . وقال الأخطل : وتعرضت لك بالأباطح بعد ما ... قطعت بأبرق خلة ووصالا
وتغولت لتروعنا جنية ... والغانيات يرينك الأهوالا
ثم يقول : " أم النوم " أي : أم هو حلم . بل كلاهما حبيب إلى ، يعني أي ذلك كان ، فهو حبيب إلى .

(2/493)


استفهام مستقبل منقطع من الكلام ، يميل بها إلى أوله - : إن الأول خبر ، والثاني استفهام ، والاستفهام لا يكون في الخبر ، والخبر لا يكون في الاستفهام ، ولكن أدركه الشك - بزعمه - بعد مضي الخبر ، فاستفهم.
* * *
قال أبو جعفر : فإذا كان معنى " أم " ما وصفنا ، فتأويل الكلام : أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم ، فتكفروا - إن مُنِعتموه - في مسألتكم ما لا يجوز في حكمة الله إعطاؤكموه ، أو أن تهلكوا إن كان مما يجوز في حكمته عطاؤكموه ، (1) فأعطاكموه ، ثم كفرتم من بعد ذلك ، كما هلك من كان قبلكم من الأمم التي سألت أنبياءها ما لم يكن لها مسألتها إياهم ، فلما أعطيت كفرت ، فعوجلت بالعقوبات لكفرها ، بعد إعطاء الله إياها سؤلها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ومن يتبدل) ، ومن يستبدل " الكفر " ، (2) ويعني بـ " الكفر " ، الجحود بالله وبآياته ، (3) (بالإيمان) ، يعني بالتصديق بالله وبآياته والإقرار به. (4)
وقد قيل : عنى بـ " الكفر " في هذا الموضع : الشدة ، وبـ " الإيمان " الرخاء. ولا أعرف الشدة في معاني " الكفر " ، ولا الرخاء في معنى " الإيمان " ، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله " الكفر " بمعنى الشدة في هذا الموضع ، وبتأويله " الإيمان " في معنى الرخاء - : ما أعد الله للكفار في الآخرة من الشدائد ، وما أعد الله لأهل
__________
(1) في المطبوعة : " أو أتهلكوا " خطأ .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 130 .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 1 : 255 ، 382 ، 552 وغيرها بعدها .
(4) انظر ما سلف 1 : 234 - 235 ، 271 ، 560 وغيرها بعدها .

(2/494)


الإيمان فيها من النعيم ، فيكون ذلك وجها ، وإن كان بعيدا من المفهوم بظاهر الخطاب.
* ذكر من قال ذلك :
1784 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن أبي العالية : (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) ، يقول : يتبدل الشدة بالرخاء.
1785 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثني حجاج ، عن ابن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية بمثله.
* * *
وفي قوله : (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) ، دليل واضح على ما قلنا : (1) من أن هذه الآيات من قوله : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) ، خطاب من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (2) وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم ، مما سر به اليهود ، وكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ، فكرهه الله لهم ، فعاتبهم على ذلك ، وأعلمهم أن اليهود أهل غش لهم وحسد وبغي ، وأنهم يتمنون لهم المكاره ، ويبغونهم الغوائل ، ونهاهم أن ينتصحوهم ، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرا ، فقد أخطأ قصد السبيل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) }
قال أبو جعفر : أما قوله : (فقد ضل) ، فإنه يعني به ذهب وحاد. وأصل " الضلال عن الشيء " ، الذهاب عند والحيد ، (3) ثم يستعمل في الشيء الهالك ،
__________
(1) انظر ما سلف قريبا : 462 - 466 ، 484 - 488 ، وانظر ما سيأتي قريبا : 498 ، 499
(2) في المطبوعة : " المؤمنين به أصحاب رسول الله . . " ، وزيادة " به " خطأ .
(3) انظر ما سلف 1 : 195 .

(2/495)


والشيء الذي لا يؤبه له ، كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة : " ضُل بن ضُل " ، و " قُل بن قُل " ، وكقول الأخطل ، في الشيء الهالك :
كنتَ القَذَى في موجِ أكدر مُزْبدٍ... قذف الأتِيُّ به فضل ضلالا (1)
يعني : هلك فذهب.
* * *
والذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : (فقد ضل سواء السبيل) ، فقد ذهب عن سواء السبيل وحاد عنه.
* * *
وأما تأويل قوله : (سواء السبيل) ، فإنه يعني بـ " السواء " ، القصد والمنهج.
وأصل " السواء " الوسط. ذكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال : " ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي " ، يعني : وسطي. وقال حسان بن ثابت :
يا ويح أنصار النبي ونسله... بعد المغيب في سواء الملحد (2)
__________
(1) ديوانه : 50 ، ونقائض جرير والأخطل : 83 وسيأتي في تفسير الطبري 3 : 219 / 21 : 61 (بولاق) . وقوله : " كنت " ، يعني جريرا ، وهو جواب " إذا " ، فقبل البيت : وإذا سما للمجد فرعا وائل ... واستجمع الوادي عليك فسالا
" فرعا وائل " يعني بكرا وتغلب رهط الأخطل . والقذي " ما يكون فوق الماء من تبن وورق وأعواد . وفي المطبوعة هنا : " أكبر " مكان " أكدر " ، وهو تصحيف ، وأتى على صوابه في الموضعين الآخرين من التفسير . وقوله " أكدر " يعني بحرا متلاطما ، فكدر بعد صفاء . ومزبد : بحر هائج مائج يقذف بالزبد . والأتي : السيل الذي يأتي من مكان بعيد . وقوله : " قذف الآتي به " ، صفة للقذى . يقول : كنت عندئذ كالقذى رمى به السيل في بحر مزبد لا يهدأ موجه ، فهلك هلاكا . ورواية الديوان : " في لج أكدر " .
(2) ديوانه : 98 ، وسيأتي في تفسير الطبري 10 : 20 (بولاق) ، وهكذا جاءت الرواية هنا " نسله " ، وأظنها خطأ من ناسخ أو خطأ في رواية . ورواية الديوان وما سيأتي في الطبري ، وغيرهما " ورهطه " . وهو من رثاء حسان رسول الله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم . وعنى بقوله : " ورهطه " المهاجرين رضي الله عنهم . والمغيب مصدر غيبه في الأرض : واراه . و " الملحد " بضم الميم وفتح الحاء بينهما لام ساكنة : هو اللحد ، والقبر .

(2/496)


يعني بالسواء : الوسط. والعرب تقول : " هو في سواء السبيل " ، يعني في مستوى السبيل ، " وسواء الأرض " : مستواها ، عندهم.
وأما " السبيل " ، فإنها الطريق المسبول ، صرف من " مسبول " إلى " سبيل " . (1)
* * *
فتأويل الكلام إذا : ومن يستبدل بالإيمان بالله وبرسوله الكفر ، فيرتد عن دينه ، فقد حاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح المسبول. (2)
وهذا القول ظاهره الخبر عن زوال المستبدل بالإيمان والكفر عن الطريق ، والمعْنِيُّ به الخبر عنه أنه ترك دين الله الذي ارتضاه لعباده ، وجعله لهم طريقا يسلكونه إلى رضاه ، وسبيلا يركبونها إلى محبته والفوز بجناته. فجعل جل ثناؤه الطريق - الذي إذا ركب محجته السائر فيه ، ولزم وسطه المجتاز فيه ، نجا وبلغ حاجته ، وأدرك طلبته - لدينه الذي دعا إليه عباده ، مثلا لإدراكهم بلزومه واتباعه ، طلباتهم في آخرتهم ، (3) كالذي يدرك اللازم محجة السبيل بلزومه إياها طلبته من النجاة منها ، والوصول إلى الموضع الذي أمه وقصده. وجعل مثل الحائد عن دينه ، الجائر عن اتباع ما دعاه إليه من عبادته - (4) في إخطائه ما رجا أن يدركه بعمله في آخرته وينال به في معاده ، (5) وذهابه عما أمل من ثواب عمله ، وبعده به من ربه ، مثلَ الحائد عن منهج الطريق وقصد السبيل ، الذي لا يزداد وغولا في الوجه الذي سلكه ، (6) إلا ازداد من موضع حاجته بعدا ،
__________
(1) لم أجد لقوله : " مسبول " فعلا ، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل ، فإن " فعيلا " لا بد له من فعل ثلاثي هو " سبل " وإن لم يستعملوه ، وهو مصروف عن " مفعول " . فقال الطبري : " مسبول " . ويهون ذلك أنهم قالوا : " السابلة " وهو " فاعلة من فعل ثلاثي . ولكنهم لم يستعملوه ، ومعناه : " السالكة الطريق من الناس " . وقالوا سبيل سابلة : أي مسلوكة ، فهذه أيضًا " فاعلة " بمعنى " مفعولة " . فعنى بقوله " المسبول " في الموضعين : المسلوك .
(2) لم أجد لقوله : " مسبول " فعلا ، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل ، فإن " فعيلا " لا بد له من فعل ثلاثي هو " سبل " وإن لم يستعملوه ، وهو مصروف عن " مفعول " . فقال الطبري : " مسبول " . ويهون ذلك أنهم قالوا : " السابلة " وهو " فاعلة من فعل ثلاثي . ولكنهم لم يستعملوه ، ومعناه : " السالكة الطريق من الناس " . وقالوا سبيل سابلة : أي مسلوكة ، فهذه أيضًا " فاعلة " بمعنى " مفعولة " . فعنى بقوله " المسبول " في الموضعين : المسلوك .
(3) في المطبوعة : " لإدراكهم بلزومه واتباعه إدراكهم طلباتهم . . " وقوله : " إدراكهم " زائدة من ناسخ .
(4) في المطبوعة : " والحائد عن اتباع ما دعاه . . " ، وأظن الصواب ما أثبت .
(5) في المطبوعة : " في حياته ما رجا أن يدركه . . " ، وهي مصحفة ولا شك ، وأثبت ما أداني إليه اجتهادي في قراءته . لأنهم يقول أخطأ الطريق ، وأخطأ ما ابتغى ، إلى أشباه ذلك .
(6) الوغول ، مصدر " وغل يغل وغولا " ، إذا ذهب فأبعد المذهب .

(2/497)


وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)

وعن المكان الذي أمه وأراده نأيا.
وهذه السبيل التي أخبر الله عنها ، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها ، هي الصراط المستقيم " ، الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله : (اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا }
قال أبو جعفر : وقد صرح هذا القول من قول الله جل ثناؤه ، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله : (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) - وإن صرف في نفسه الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما هو خطاب منه للمؤمنين من أصحابه ، (1) وعتاب منه لهم ، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم في شيء من أمور دينهم - ودليل على أنهم كانوا استعملوا أو من استعمل منهم في خطابه ومسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم الجفاء ، وما لم يكن له استعماله معه ، (2) تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك : (3) لا تقولوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم كما تقول له اليهود : " راعنا " ، تأسيا منكم بهم ، ولكن قولوا : " انظرنا واسمعوا " ، فإن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بي ، وجحود لحقي الواجب لي عليكم في تعظيمه وتوقيره ، ولمن كفر بي عذاب أليم; فإن اليهود والمشركين ما يودون أن ينزل عليكم
__________
(1) في المطبوعة : " للمؤمنين وأصحابه " ، وكأنه الصواب ما أثبت .
(2) سياق العبارة : أو من استعمل . . الجفاء ، واستعمل ما لم يكن له استعماله معه ، تأسيا باليهود .
(3) في المطبوعة : " قال لهم ربهم " ، والصواب زيادة الفاء .

(2/498)


من خير من ربكم ، ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ، حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد ، وأنه نبي إليهم وإلى خلقي كافة.
* * *
وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله : (ود كثير من أهل الكتاب) ، كعب بن الأشرف.
1786 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري في قوله : (ود كثير من أهل الكتاب) ، هو كعب بن الأشرف.
1787 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان العمري ، عن معمر ، عن الزهري وقتادة : (ود كثير من أهل الكتاب) ، قال : كعب بن الأشرف. (1)
وقال بعضهم بما : -
1788 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق - وحدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا ، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم ، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا ، فأنزل الله فيهما : (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) الآية. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وليس لقول القائل عنى بقوله : (ود كثير من أهل الكتاب)
__________
(1) الأثر : 1787 - في المطبوعة : " أبو سفيان المعمري " . وهو محمد بن حميد اليشكري المعمري البصري نزيل بغداد ، قيل له المعمري " لأنه رحل إلى معمر بن راشد الأزدي . وهو ثقة صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات . وذكره العقيلي في الضعفاء ، وقال : " في حديثه نظر " مات سنة 182 (تهذيب التهذيب 9 : 132) .
(2) الأثر : 1788 - في سيرة ابن هشام 2 : 197 .

(2/499)


كعب بن الأشرف ، معنى مفهوم. لأن كعب بن الأشرف واحد ، وقد أخبر الله جل ثناؤه أن كثيرا منهم يودون لو يردون المؤمنين كفارا بعد إيمانهم ، والواحد لا يقال له " كثير " ، بمعنى الكثرة في العدد ، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التي وصف الله بها من وصفه بها في هذه الآية ، الكثرة في العز ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته ، كما يقال : " فلان في الناس كثير " ، يراد به كثرة المنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة فقال : (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا) ، فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة ، والمقصود بالخبر عنه الواحد ، نظير ما قلنا آنفا في بيت جميل ، (1) فيكون ذلك أيضا خطأ. وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى ، فلا بد من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه ، ولا دلالة تدل في قوله : (ود كثير من أهل الكتاب) أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة ، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك ، وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ }
قال أبو جعفر : ويعني جل ثناؤه بقوله : (حسدا من عند أنفسهم) ، أن كثيرا من أهل الكتاب يودون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم ، من الردة عن إيمانهم إلى الكفر ، حسدا منهم وبغيا عليهم.
* * *
و " الحسد " إذا منصوب على غير النعت للكفار ، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر ، كقول القائل لغيره : " تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك " ، فيكون " الحسد " مصدرا
__________
(1) انظر ما سلف قريبا : 487 قوله : " ألا إن جيراني العشية رائح " .

(2/500)


من معنى قوله : " تمنيت من السوء " . لأن في قوله تمنيت لك ذلك ، معنى : حسدتك على ذلك. فعلى هذا نصب " الحسد " ، لأن في قوله : (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا) ، معني : حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق ، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله ، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رءوفا بكم رحيما ، ولم يجعله منهم ، فتكونوا لهم تبعا. فكان قوله : (حسدا) ، مصدرا من ذلك المعنى.
* * *
وأما قوله : (من عند أنفسهم) ، فإنه يعني بذلك : من قبل أنفسهم ، كما يقول القائل : " لي عندك كذا وكذا " ، بمعنى : لي قبلك ، وكما :
1789 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قوله : (من عند أنفسهم) ، قال : من قبل أنفسهم. (1)
وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين ، من عند أنفسهم ، إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم ، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (من بعد ما تبين لهم الحق) ، أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب - الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم - الحقُّ في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند ربه ، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم : أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه ، كما : -
__________
(1) الأثر : 1789 - كان هذا الإسناد مبتورا ، فأتممه استظهارا من الإسناد الدائر في التفسير في مئات المواضع السالفة ، أقربها رقم : 1647 وسيأتي أيضًا رقم : 1792 ، وكان الأثر نفسه مبتورا فأتممته من تفسير ابن كثير 1 : 280 ، والدر المنثور 1 : 107 .

(2/501)


1790 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (من بعد ما تبين لهم الحق) ، من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإسلام دين الله.
1791 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : (من بعد ما تبين لهم الحق) ، يقول : تبين لهم أن محمدا رسول الله ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
1792 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله - وزاد فيه : فكفروا به حسدا وبغيا ، إذْ كان من غيرهم.
1793 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (من بعد ما تبين لهم الحق) ، قال : الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم ، فتبين لهم أنه هو الرسول.
1794 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (من بعد ما تبين لهم الحق) ، قال : قد تبين لهم أنه رسول الله.
* * *
قال أبو جعفر : فدل بقوله ذلك : أن كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله ، عناد ، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون ، كما : -
1795 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (من بعد ما تبين لهم الحق) ، يقول الله تعالى ذكره : من بعد ما أضاء لهم الحق ، لم يجهلوا منه شيئا ، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة.
* * *

(2/502)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (فاعفوا) فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم ، إرادة صدكم عنه ، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم - وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم صلى الله عليه وسلم : ( وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) ، [النساء : 46] ، واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره ، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء ، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره ، وأتى بأمره ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وللمؤمنين به : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ). [التوبة : 29] . فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح ، بفرض قتالهم على المؤمنين ، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة ، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا ، كما : -
1796 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ) ، ونسخ ذلك قوله : ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ، [ التوبة : 5 ]
1797 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، فأتى الله بأمره فقال : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ، حتى بلغ(وهم صاغرون) ، أي : صغارا

(2/503)


ونقمة لهم . فنسخت هذه الآية ما كان قبلها : (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره).
1798 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، قال : اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال : (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ، إلى : (وهم صاغرون).
1799 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) قال : نسختها : (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) .
1800 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، قال : هذا منسوخ ، نسخه(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ، إلى قوله : (وهم صاغرون).
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى على معنى " القدير " ، وأنه القوي. (1)
فمعنى الآية ههنا : إن الله - على كل ما يشاء بالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم - قدير ، إن شاء انتقم منهم بعنادهم ربهم ، (2) وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان ، لا يتعذر عليه شيء أراده ، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه ، لأن له الخلق والأمر.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف قريبا : 484 وفي 1 : 361 .
(2) في المطبوعة : " إن شاء الله الانتقام منهم " والسياق يقتضي ما أثبت .

(2/504)


وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى على معنى " إقامة الصلاة " ، وأنها أداؤها بحدودها وفروضها ، وعلى تأويل " الصلاة " وما أصلها ، وعلى معنى " إيتاء الزكاة " ، وأنه إعطاؤها بطيب نفس على ما فُرضت ووجبت ، وعلى معنى " الزكاة " واختلاف المختلفين فيها ، والشواهد الدالة على صحة القول الذي اخترنا في ذلك ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وأما قوله : (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) ، فإنه يعني جل ثناؤه بذلك : ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم ، فتقدموه قبل وفاتكم ذخرا لأنفسكم في معادكم ، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة ، فيجازيكم به.
* * *
و " الخير " هو العمل الذي يرضاه الله. وإنما قال : (تجدوه) ، والمعنى : تجدوا ثوابه ، كما : -
1801 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (تجدوه) يعني : تجدوا ثوابه عند الله.
قال أبو جعفر : لاستغناء سامعي ذلك بدليل ظاهر على معنى المراد منه ، كما قال عمر بن لجأ : (2)
وسبحت المدينة لا تلمها... رأت قمرا بسوقهم نهارا (3)
وإنما أراد : وسبح أهل المدينة.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 241 - 242 ، ثم 1 : 573 - 574 .
(2) في المطبوعة : " عمرو بن لجأ " ، وهو خطأ .
(3) سلف هذا البيت وتخريجه في 1 : 279 .

(2/505)


وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به ، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم ، ليَطَّهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود ، وركون من كان ركن منهم إليهم ، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (راعنا) ، إذْ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب ، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام ، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين ، أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية ، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء ، فيجزيهم بالإحسان خيرا ، وبالإساءة مثلها. (1)
وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر ، فإن فيه وعدا ووعيدا ، وأمرا وزجرا . وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ، ليجدوا في طاعته ، إذْ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه ، كما قال : (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) ، وليحذروا معصيته ، إذْ كان مطلعا على راكبها ، بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها ، وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه ، وما وعد عليه فمأمور به.
* * *
وأما قوله : (بصير) ، فإنه " مبصر " صرف إلى " بصير " ، كما صرف " مبدع " إلى " بديع " ، و " مؤلم " إلى " أليم " . (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " جزاءه " والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 281 .
(2) انظر ما سلف 1 : 283 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 377 .

(2/506)


وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وقالوا) ، وقالت اليهود والنصارى : (لن يدخل الجنة).
* * *
فإن قال قائل : وكيف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين ؛ واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب ، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك ؟
قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه . وإنما عنى به : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا النصارى. ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه ، جُمع الفريقان في الخبر عنهما ، فقيل : ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) الآية - أي قالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا.
* * *
وأما قوله : (من كان هودا) ، فإن في " الهود " قولين : أحدهما أن يكون جمع " هائد " ، كما جاء " عُوط " جمع " عائط " ، و " عُوذ " جمع " عائذ " ، و " حُول " جمع " حائل " ، فيكون جمعا للمذكر والمؤنث بلفظ واحد . و " الهائد " التائب الراجع إلى الحق. (1)
والآخر أن يكون مصدرا عن الجميع ، كما يقال : " رجل صَوم وقوم
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 143 .

(2/507)


صوم " ، و " رجل فِطر وقوم فطر ، ونسوة فطر " . (1)
وقد قيل : إن قوله : (إلا من كان هودا) ، إنما هو قوله ، إلا من كان يهودا ، ولكنه حذف الياء الزائدة ، ورجع إلى الفعل من اليهودية. وقيل : إنه في قراءة أبي : " إلا من كان يهوديا أو نصرانيا " . (2)
* * *
وقد بينا فيما مضى معنى " النصارى " ، ولم سميت بذلك ، وجمعت كذلك ، بما أغنى عن إعادته. (3)
* * *
وأما قوله : (تلك أمانيهم) ، فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن قول الذين قالوا : (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ، أنه أماني منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا حجة ولا برهان ، ولا يقين علم بصحة ما يدعون ، ولكن بادعاء الأباطيل وأماني النفوس الكاذبة ، كما : -
1802 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (تلك أمانيهم) ، أماني يتمنونها على الله كاذبة.
1803 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (تلك أمانيهم) ، قال : أماني تمنوا على الله بغير الحق.
* * *
__________
(1) أخشى أن يكون أبو جعفر قد زل زلة العجلان . فإنه ذكر آنفًا (2 : 143) مصدر الفعل : " هاد " وهو " هودا " بفتح فسكون ، وعلى ذلك إجماع أهل اللغة ، ولم يأت منه مصدر مضموم الهاء ، حتى يشبه بقولهم " صوم " ، و " فطر " ، فهما مصدران . ولا يستقيم كلام أبي جعفر حتى يكون مصدر " هاد يهود هودا " بضم الهاء ، ولم يقله هو ولا قاله غيره . فسقط هذا الوجه ، حتى تقيمه حجة من رواية صادقة .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 73 .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 143 - 145 .

(2/508)


القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) }
قال أبو جعفر : وهذا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم بدعاء الذين قالوا : (لن يدخل الجنة

(2/509)


بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)

إلا من كان هودا أو نصارى) - إلى أمر عدل بين جميع الفرق : مسلمها ويهودها ونصاراها ، وهو إقامة الحجة على دعواهم التي ادعوا : من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، دون غيرهم من سائر البشر : (هاتوا برهانكم ) ، على ما تزعمون من ذلك ، فنسلم لكم دعواكم إن كنتم في دعواكم - من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى - محقين.
* * *
والبرهان : هو البيان والحجة والبينة. كما : -
1804 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (هاتوا برهانكم) ، هاتوا بينتكم.
1805 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (هاتوا برهانكم) ، هاتوا حجتكم.
1806 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (قل هاتوا برهانكم) ، قال : حجتكم. (1)
1807 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (قل هاتوا برهانكم) ، أي : حجتكم.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا الكلام ، وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين : (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) - إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك ، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم ، لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا. وقد أبان قوله : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) ، عن أن الذي ذكرنا من الكلام ، (2) بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواهم ما ذكر الله عنهم.
* * *
وأما تأويل قوله : (قل هاتوا برهانكم) فإنه : أحضروا وأتوا به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ ) ، أنه ليس كما قال الزاعمون(لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ، ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فهو الذي يدخلها وينعم فيها ، كما : -
1809 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية.
* * *
وقد بينا معنى(بلى) فيما مضى قبل. (3)
* * *
وأما قوله : (من أسلم وجهه لله) ، فإنه يعني بـ " إسلام الوجه " : التذلل لطاعته والإذعان لأمره. وأصل " الإسلام " : الاستسلام ، لأنه " من استسلمت لأمره " ، وهو الخضوع لأمره. وإنما سمي " المسلم " مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه. كما : -
1810 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ) ، يقول : أخلص لله.
__________
(1) الأثر : 1806 - كان في المطبوعة " حدثنا الحسن " وهو خطأ ، إسناد دائر ، والحسين هو الحسين بن داود المصيصي ، ولقبه " سنيد " عرف به .
(2) في المطبوعة : " على أن الذي ذكرنا " ، وهو تحريف .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 280 ، 281 .

(2/510)


وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا (1)
يعني بذلك : استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له.
* * *
وخص الله جل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنه بقوله : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) ، بإسلام وجهه له دون سائر جوارحه ، لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه ، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا ، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء ، فتضيفه إلى " وجهه " وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه ، كقول الأعشى :
أَؤُوِّل الحكم على وَجهه... ليس قضائي بالهوى الجائر (2)
يعني بقوله : " على وجهه " : على ما هو به من صحته وصوابه ، وكما قال ذو الرمة :
فطاوعت همي وانجلى وجه بازل... من الأمر ، لم يترك خِلاجا بُزُولُها (3)
__________
(1) سيرة ابن هشام 1 : 246 وغيره .
(2) ديوانه : 106 من قصيدته المشهورة . في منافرة علقمة بن علاثة ، وعامر بن الطفيل ، فهجا الأعشى علقمة لأمر كان بينهما . وفضل عليه عامرا . (انظر الأغاني 15 : 50 - 56) . وأول الحكم : قدره ودبره ورده إلى صوابه وأصله . والجائر : المائل عن سبيل الحق . جار : ظلم ومال وقبل البيت : علقم ، لا تسفه ، ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر
وبعده : قد قلت قولا فقضى بينكم ... واعترف المنفور للنافر
(3) ديوانه : 560 يمدح عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي ، في آخر القصيدة ، فقال بعد البيت : فقالت : عبيد الله من آل معمر ... إليه ارحل الأنقاض يرشد رحيلها
وقوله : " طاوعت همي " ، ما هم به في نفسه . يقول : طاوعت ما همت به نفسي . وقوله : " بازل من الأمر " يعني خطة يركبها . هذا مثل . يقال : بزل ناب البعير بزولا ، أي طله وانشق وظهر . ومنه قيل : بزل الأمر والرأى : قطعه . وخطة بزلاء : تفصل بين الحق والباطل . فقوله " بازل من الأمر " صفة لما أضمره من قوله " خطة " ، وأتى بها على التذكير ، كما أتوا بها على التذكير في قولهم : " ناقة بازل " . والخلاج : الشك والتردد والتنازع . يقول : طاوعت ما جال في نفسي ، فانجلى عن خطة ظاهرة انشقت وظهرت ، فلم تدع للنفس مذهبا في الشك والتردد ، إذ قالت : اقصد عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر .

(2/511)


يريد : وانجلى البازل من الأمر فتبين - وما أشبه ذلك ، إذْ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه ، وكان في وصفها من الشيء وجهه بما تصفه به ، (1) إبانة عن عين الشيء ونفسه. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه : ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) ، إنما يعني : بلى من أسلم لله بدنه ، فخضع له بالطاعة جسده ، وهو محسن في إسلامه له جسده ، فله أجره عند ربه. فاكتفى بذكر " الوجه " من ذكر " جسده " لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر " الوجه " .
* * *
وأما قوله : (وهو محسن) ، فإنه يعني به : في حال إحسانه. وتأويل الكلام : بلى من أخلص طاعته لله وعبادته له ، محسنا في فعله ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) }
قال أبو جعفر : يعنى بقوله جل ثناؤه : ( فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) ، فللمسلم وجهه لله محسنا ، جزاؤه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه ، عند الله في معاده.
* * *
ويعني بقوله : (ولا خوف عليهم) ، على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون ،
__________
(1) الضمير في قوله ، " وصفها " إلى العرب ، فيما سلف .

(2/512)


المخلصين له الدين في الآخرة - من عقابه وعذاب جحيمه ، وما قدموا عليه من أعمالهم.
* * *
ويعني بقوله : (ولا هم يحزنون) ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا ، ولا أن يمنعوا ما قدموا عليه من نعيم ما أعد الله لأهل طاعته.
* * *
وإنما قال جل ثناؤه : (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، وقد قال قبل : (فله أجره عند ربه) ، لأن " من " التي في قوله : (بلى من أسلم وجهه لله) ، في لفظ واحد ومعنى جميع ، فالتوحيد في قوله : (فله أجره) للفظ ، والجمع في قوله : (ولا خوف عليهم) ، للمعنى.
* * *

(2/513)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ }
قال أبو جعفر : ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم لبعض.
* ذكر من قال ذلك :
1811 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، وحدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير ، قالا جميعا - حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال ، لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حريملة :

(2/513)


ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى : ما أنتم على شيء ، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، إلى قوله : (فيما كانوا فيه يختلفون) (1)
1812 - حُدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، قال : هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
قال أبو جعفر : وأما تأويل الآية ، فإن قالت اليهود : ليست النصارى في دينها على صواب! ، وقالت النصارى : ليست اليهود في دينها على صواب! وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين ، إعلاما ، منه لهم بتضييع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإقرار بصحته وبأنه من عند الله ، وجحودهم مع ذلك ما أنزل الله فيه من فروضه ، لأن الإنجيل الذي تدين بصحته وحقيته النصارى ، يحقق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام ، وما فرض الله على بني إسرائيل فيها من الفرائض ، وأن التوراة التي تدين بصحتها وحقيقتها اليهود تحقق نبوة عيسى عليه السلام ، وما جاء به من الله من الأحكام والفرائض.
ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم في قوله : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، مع تلاوة كل واحد من الفريقين كتابه الذي يشهد على كذبه في قيله ذلك. فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك ، على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون ؛ وأتوا ما أتوا من كفرهم بما كفروا به على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون.
__________
(1) الأثر : 1811 - في سيرة ابن هشام 2 : 197 - 198 .

(2/514)


فإن قال لنا قائل : أو كانت اليهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله على شيء ، فيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر مبطلا في قيله ما قال من ذلك ؟
قيل : قد روينا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس قبل ، من أن إنكار كل فريق منهم ، إنما كان إنكارا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي ينتحل التصديق به ، وبما جاء به الفريق الآخر ، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا صلى الله عليه وسلم على شيء من دينه ، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية ؟ ولكن معنى ذلك : وقالت اليهود : ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها ، وقالت النصارى : ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها. وذلك هو معنى الخبر الذي رويناه عن ابن عباس آنفا. فكذب الله الفريقين في قيلهما ما قالا. كما : -
1813 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) ، قال : بلى ! قد كانت أوائل النصارى على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا ، وقالت النصارى : (ليست اليهود على شيء) ، ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا.
1814 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، قال : قال مجاهد : قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.
* * *
وأما قوله : (وهم يتلون الكتاب) ، فإنه يعني به كتاب الله التوراة والإنجيل ،

(2/515)


وهما شاهدان على فريقي اليهود والنصارى بالكفر ، وخلافهم أمر الله الذي أمرهم به فيه. كما : -
1815 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل - قالا جميعا ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : (وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به : أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفي الإنجيل مما جاء به عيسى تصديقُ موسى ، وما جاء به من التوراة من عند الله ; وكل يكفر بما في يد صاحبه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله : (كذلك قال الذين لا يعلمون) . فقال بعضهم بما : -
1816 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، قال : وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم.
1817 - حدثنا بشر بن سعيد ، عن قتادة : (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، قال : قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم.
* * *
وقال آخرون بما : -
__________
(1) الأثر : 1815 - في سيرة ابن هشام 2 : 198 .

(2/516)


1818 - حدثنا به القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال : أمم كانت قبل اليهود والنصارى ، وقبل التوراة والإنجيل.
* * *
وقال بعضهم : عنى بذلك مشركي العرب ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب فنسبوا إلى الجهل ، ونفي عنهم من أجل ذلك العلم.
* ذكر من قال ذلك :
1819 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، فهم العرب ، قالوا : ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شيء.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تبارك وتعالى أخبر عن قوم وصفهم بالجهل ، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء). وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب ، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى. ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى ، إذْ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي ، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ، ولا من جهة النقل المستفيض.
وإنما قصد الله جل ثناؤه بقوله : (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، إعلام المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل ، وافتراء الكذب على الله ، وجحود نبوة الأنبياء والرسل ، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون ، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون ، وعلى الله مفترون ، مثل الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله ، الذين لم يبعث الله لهم رسولا ولا أوحى إليهم كتابا.

(2/517)


وهذه الآية تنبئ عن أن من أتى شيئا من معاصي الله على علم منه بنهي الله عنها ، فمصيبته في دينه أعظم من مصيبة من أتى ذلك جاهلا به . لأن الله تعالى ذكره عظم توبيخ اليهود والنصارى بما وبخهم به في قيلهم ما أخبر عنهم بقوله : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك على علم منهم أنهم مبطلون.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين ، القائل بعضهم لبعض : لستم على شيء من دينكم - يوم قيام الخلق لربهم من قبورهم - فيتبين المحق منهم من المبطل ، بإثابة المحق ما وعد أهل طاعته على أعماله الصالحة ، ومجازاته المبطل منهم بما أوعد أهل الكفر به على كفرهم به فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا.
* * *
وأما " القيامة " فهي مصدر من قول القائل : " قمت قياما وقيامة " ، كما يقال : " عدت فلانا عيادة " و " صنت هذا الأمر صيانة " .
* * *
وإنما عنى " بالقيامة " قيام الخلق من قبورهم لربهم . فمعنى " يوم القيامة " : يوم قيام الخلائق من قبورهم لمحشرهم.
* * *

(2/518)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه. (1) وتأويل قوله : (ومن أظلم) ، وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره ، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها ؟
* * *
و " المساجد " جمع مسجد : وهو كل موضع عبد الله فيه. وقد بينا معنى السجود فيما مضى. (2) فمعنى " المسجد " : الموضع الذي يسجد لله فيه ، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه : " المجلس " ، وللموضع الذي ينزل فيه : " منزل " ، ثم يجمع : " منازل ومجالس " نظير مسجد ومساجد. وقد حكي سماعا من بعض العرب " مساجد " في واحد المساجد ، وذلك كالخطأ من قائله.
* * *
وأما قوله : (أن يذكر فيها اسمه) ، فإن فيه وجهين من التأويل . أحدهما : أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه ، فتكون " أن " حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض ، وتعلق الفعل بها.
والوجه الآخر : أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده ، فتكون " أن " حينئذ في موضع نصب ، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه. (3)
* * *
وأما قوله : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، فإن معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 523 - 524 ، وهذا الجزء 2 : 101 - 102 ، 369
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 104 - 105 .
(3) قوله : " تكريرا " ، أي بدل اشتمال .

(2/519)


يذكر فيها اسمه ، وممن سعى في خراب مساجد الله. فـ " سعى " إذًا عطف على " منع " .
* * *
فإن قال قائل : ومن الذي عنى بقوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ؟ وأي المساجد هي ؟
قيل : إن أهل التأويل في ذلك مختلفون ، فقال بعضهم : الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى ، والمسجد بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك :
1820 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، أنهم النصارى.
1821 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
1822 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
* * *
وقال آخرون : هو بُخْتَنَصَّر وجنده ومن أعانهم من النصارى ، والمسجد : مسجد بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك : -
1823 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، الآية ، أولئك أعداء الله النصارى ، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
1824 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا

(2/520)


معمر ، عن قتادة في قوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، قال : هو بختنصر وأصحابه ، خرب بيت المقدس ، وأعانه على ذلك النصارى.
1825 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، قال : الروم ، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس ، حتى خربه ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وإنما أعانه الروم على خرابه ، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
* * *
وقال آخرون : بلى عنى الله عز وجل بهذه الآية مشركي قريش ، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك :
1826 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال ، حدثنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، قال : هؤلاء المشركون ، حين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم ، وقال لهم : " ما كان أحد يرد عن هذا البيت ، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصده ، وقالوا : لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق!
وفي قوله : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) قال : إذْ قطعوا من يعمرها بذكره ، (1) ويأتيها للحج والعمرة.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال : عنى الله عز وجل بقوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) النصارى . وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس ، وأعانوا بختنصر
__________
(1) في المطبوعة : " قالوا إذا قطعوا " ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 285 فهذا جزء من من الأثر ، والقائل هو : ابن زيد .

(2/521)


على ذلك ، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده.
والدليل على صحة ما قلنا في ذلك ، قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها ، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، إلا أحد المسجدين ، إما مسجد بيت المقدس ، وإما المسجد الحرام. وإذ كان ذلك كذلك وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام ، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده ، غير الذين وصفهم الله بعمارتها . إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية ، وبعمارته كان افتخارهم ، وإن كان بعض أفعالهم فيه ، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم.
وأخرى ، أن الآية التي قبل قوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم ، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ، ولا للمسجد الحرام قبلها ، فيوجه الخبر - بقول الله عز وجل : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) - إليهم وإلى المسجد الحرام.
وإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه ، وهو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها ، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك ، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت. (1)
فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك ، إذْ كان المسلمون لم يلزمهم
__________
(1) أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري في تفسير الآية ، في تفسيره 1 : 285 / 287 وقال : " اختار ابن جرير القول الأول ، واحتج - بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ، وأما الروم فسعت في تخريب بيت المقدس ، قال ابن كثير : والذي يظهر والله أعلم ، القول الثاني ، كما قاله ابن زيد... " ثم قال : " وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ، فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم.. "
ثم استدل بآيات من كتاب الله وقال : " ليس المراد بعمارتها ، زخرفتها وإقامة صورتها ، فقط ، إنما عمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها " إلى آخر ما قاله.
هذا الاعتراض من ابن كثير على أبي جعفر رحمهما الله ، ليس يقوم في وجه حجة الطبري على صواب ما ذهب إليه في تأويل الآية. والطبري لم يغفل عن مثل اعتراض ابن كثير ، ولكن ابن كثير غفل عن سياق تأويل الطبري. وصحيح أن ما كان من أمر أهل الشرك في الجاهلية في البيت الحرام يدخل في عموم معنى قوله : { وَسَعَى فِي خَرَابها } ، ولكن سياق الآيات السابقة ، ثم التي تليها ، توجب - كما ذهب إليه الطبري - أن يكون معنيا بها من كانت الآيات نازلة في خبره وقصته.
والآيات السالفة جميعا خبر عن بني إسرائيل الذين كانوا على عهد موسى ، وتأنيب لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ما كان منهم لأهل الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تحذير لهم من أهل الكتاب جميعا ، يهوديهم ونصرانيهم ، وذكر لافتراء الفريقين بعضهم على بعض ، وادعاء كل فريق أنه هو الفريق الناجي يوم القيامة. ثم أفرد بعد ذلك أخبار النصارى ، كما أفرد من قبل أخبار بني إسرائيل ، فعدد سوء فعلهم في منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، ثم كذبهم على ربهم أنه اتخذ ولدا ، ثم قول بعضهم : {لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} ، وأن ذلك شيبه بقول اليهود : {أرنا الله جهرة} ، ثم أخبر أنه أرسل رسوله محمدا بشيرا ونذيرا ، وأمره أن يعرض عن أهل الجحيم من هؤلاء وهؤلاء ، ثم أعلنه أن اليهود والنصارى جميعا لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وطريقهم ، في الافتراء على رب العالمين.فالسياق كما ترى ، بمعزل عن المشركين من العرب ، ولكن ابن كثير وغيره من أئمتنا رضوان الله عليهم ، تختلط عليهم المعاني حين تتقارب ، ولكن أبا جعفر صابر على كتاب ربه ، مطيق لحمله ، لا يعجله شيء عن شيء ما استطاع. فهو يخلص معاني كتاب ربه تخليصا لم أجده قط لأحد بعده ، ممن قرأ كتابه. وأكثرهم يعترض عليه ، ولو صبر على دقة هذا الإمام. لكان ذلك أولى به ، وأشبه بخلق أهل العلم ، وهم له أهل ، غفر الله لنا ولهم.

(2/522)


قط فرض الصلاة في [المسجد المقدس ، فمنعوا من الصلاة فيه فيلجئون] توجيه قوله (1) (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس - فقد أخطأ فيما ظن من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل ، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد . وإن كان قد دل بعموم قوله : (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، أن كل مانع مصليا في مسجد لله ، (2) فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا - ، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين.
* * *
القول في تأويل قوله جل ذكره { أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها ، ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها ، ما داموا على مناصبة الحرب ، إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها ، كالذي : -
1827 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، وهم اليوم كذلك ، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نهك ضربا ، وأبلغ إليه في العقوبة.
1828 - حدثنا الحسن قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : قال الله عز وجل : (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، وهم النصارى ، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة ، إن قدر عليهم عوقبوا.
1829 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أولئك ما كان لهم إن يدخلوها إلا خائفين) ، فليس في الأرض رومي يدخلها
__________
(1) الذي بين القوسين ، هكذا جاء في النسخ المطبوعة والمخطوطة السقيمة . ولم أجد نقلا عن أبي جعفر يهديني إلى تصويب هذا الخلط . فاجتهدت أن استظهر سياق كلامه . فأقرب ما انتهيت إليه أن يكون فيه سقطا وتحريفا ، وأن يكون سياقه كما يلي :
[إذ كان المسلمون هم المخاطبون بالآيات التي سبقت هذه الآية ، وكان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في مسجد بيت المقدس ، فمنعوا من الصلاة فيه ، وكان النصارى واليهود لم يمنعوهم قط من الصلاة فيه ، فيجوز توجيه قوله - : } وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } - إلى أنه معنى به مسجد بيت المقدس] . هذا اجتهادي في قراءة هذا النص المختلط ، والله أعلم .
(2) في المطبوعة : " في مسجد الله " ، والصواب ما أثبت .

(2/523)


اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه ، أو قد أخيف بأداء الجزية ، فهو يؤديها.
1830 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، قال : نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان. قال : فجعل المشركون يقولون : اللهم إنا منعنا أن ننزل!.
* * *
وإنما قيل : (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، فأخرج على وجه الخبر عن الجميع ، وهو خبر عن( من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) ، لأن " من " في معنى الجميع ، وإن كان لفظه واحدا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) }
قال أبو جعفر : أما قوله عز وجل : (لهم) ، فإنه يعني : الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. أما قوله : (لهم في الدنيا خزي) ، فإنه يعني بـ " الخزي " : العار والشر والذلة (2) إما القتل والسباء ، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية ، كما : -
1831 - حدثنا الحسن قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : (لهم في الدنيا خزي) ، قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
1832 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (لهم في الدنيا خزي) ، أما خزيهم في الدنيا ، فإنهم إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم . فذلك الخزي . وأما العذاب العظيم ، فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله ، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا. وتأويل الآية : لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي - على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيهم
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 513 .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 314 .

(2/525)


وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)

في خرابها ، ولهم على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادا عذاب جهنم ، وهو العذاب العظيم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولله المشرق والمغرب) ، لله ملكهما وتدبيرهما ، كما يقال : " لفلان هذه الدار " ، يعني بها : أنها له ، ملكا . فذلك قوله : (ولله المشرق والمغرب) ، يعني أنهما له ، ملكا وخلقا.
* * *
و " المشرق " هو موضع شروق الشمس ، وهو موضع طلوعها ، كما يقال : لموضع طلوعها منه " مطلع " بكسر اللام ، وكما بينا في معنى " المساجد " آنفا. (1)
* * *
فإن قال قائل : أو ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد ، حتى قيل : (ولله المشرق والمغرب) ؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه ، وإنما معنى ذلك : ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم ، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. فتأويله إذْ كان ذلك معناه : ولله ما بين قطري المشرق ، وما بين قطري المغرب ، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده ، وكذلك غروبها كل يوم.
فإن قال : أو ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت ، فلله كل ما دونه (2) الخلق خلقه!
__________
(1) انظر ما سلف قريبا : 519 .
(2) قوله : " فلله كل ما دونه " ، أي كل ما سواه من شيء .

(2/526)


قيل : بلى!
فإن قال : فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع ، دون سائر الأشياء غيرها ؟
قيل : قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع. ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك. فقال بعضهم : خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر ، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة ، ثم حولوا إلى الكعبة . فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فقال الله تبارك وتعالى لهم : المشارق والمغارب كلها لي ، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها ، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله.
* ذكر من قال ذلك :
1833 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قال ، كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود . فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله تبارك وتعالى : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ) [سورة البقرة : 144] إلى قوله : ( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) [سورة البقرة : 144 - 150] ، فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ( مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) [سورة البقرة : 142] ، فأنزل الله عز وجل : ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) ، وقال : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ). (1)
__________
(1) الحديث : 1833 - علي : هو ابن أبي طلحة الهاشمي : ثقة ، تكلموا فيه. والراجح أن كلامهم فيه من أجل تشيعه. ولكن لم يسمع من ابن عباس ، فروى ابن أبي حاتم في المراسيل ، ص : 52 ، عن دحيم قال : " إن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير " . وروي عن أبيه أبي حاتم مثل ذلك. وفي التهذيب أنه ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : " روى عن ابن عباس ، ولم يره " . فهذا إسناد ضعيف ، لانقطاعه.
ولكن معناه ثابت عن ابن عباس ، من وجه صحيح. فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير 1 : 288 - " أخبرنا حجاج بن محمد ، أخبرنا ابن جريج ، وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس.. " فذكر نحوه. وهذا إسناد صحيح ، من جهة رواية ابن جريج عن عطاء ، وهو ابن أبي رباح. وأما " عثمان ابن عطاء " ، فإنه " الخراساني " . وهو ضعيف. وحجاج بن محمد : سمعه منهما ، من ثقة ومن ضعيف ، فلا بأس.ورواه الحاكم 2 : 267 - 268 ، من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس. وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذه السياقة " . ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وذكره السيوطي 1 : 108 ، ونسبه لأبي عبيد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه.

(2/527)


1834 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي نحوه.
* * *
وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام. وإنما أنزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب ، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية ، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية ، لأن له المشارق والمغارب ، وأنه لا يخلو منه مكان ، (1) كما قال جل وعز : ( وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) [سورة المجادلة : 7] قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي
__________
(1) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 289 تعليقا على كلمة أبي جعفر رحمه الله : " في قوله : وأنه تعالى لا يخلو منه مكان - إن أراد علمه تعالى ، فصحيح . فإن علمه تعالى ، محيط بجميع المعلومات ، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه ، تعالى الله على ذلك علوا كبيرا " . قلت : الذي قاله ابن كثير هو عقيدة أبي جعفر رحمه الله ، وقد بين ذلك في تفسير سورة المجادلة من تفسيره 28 : 10 ، فلا معنى لتشكك ابن كثير في كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق ، وعبارته صحيحة اللفظ ، ولكن أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنى غير المعنى الذي تدل عليه .

(2/528)


فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك :
1835 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد عن قتادة : قوله جل وعز : (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) ، ثم نسخ ذلك بعد ذلك ، فقال الله : (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) [سورة البقرة : 149 - 150]
1836 - حدثنا الحسن قال (1) أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، قال : هي القبلة ، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام.
1837 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام قال ، حدثنا يحيى قال ، سمعت قتادة في قول الله : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، قال : كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام . فنسخها الله في آية أخرى : ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) إِلَى( وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) [سورة البقرة : 144] ، قال : فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة.
1838 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعته - يعني زيدا - يقول : قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لو أنا استقبلناه! فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا ، فبلغه أن يهود تقول : والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ! فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فقال الله عز وجل :
__________
(1) في المطبوعة : " حدثت عن الحسن " ، والصواب ما أثبت ، وهو إسناد دائر في تفسيره أقربه رقم : 1731 .

(2/529)


( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ) الآية [ سورة البقرة : 144].
* * *
وقال آخرون : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ، إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب ، في مسيره في سفره ، وفي حال المسايفة ، وفي شدة الخوف ، والتقاء الزحوف في الفرائض. وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك ، بقوله : (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله).
* ذكر من قال ذلك :
1839 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، حدثنا عبد الملك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، ويتأول هذه الآية : (أينما تولوا فثم وجه الله). (1)
1840 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه قال : " إنما نزلت هذه الآية : (أينما تولوا فثم وجه الله) أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة " . (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 1839 - ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي ، سبق توثيقه : 438 . عبد الملك : هو ابن أبي سليمان ، كما سيأتي في الإسناد التالي لهذا ، وقد سبق توثيقه : 1455 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 5001 ، عن عبد الله بن إدريس ، بهذا الإسناد . وسيأتي تمام تخريجه في الذي بعده .
(2) الحديث : 1840 - ابن فضيل : هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي ، وهو ثقة ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما . بل روى عنه الثوري ، وهو أكبر منه . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 1207 - 208 ، وابن أبي حاتم 4/1/57 - 58 .
والحديث رواه أحمد أيضًا : 4714 ، عن يحيى القطان ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، بنحوه . ورواه مسلم 1 : 195 ، من طريق يحيى ، وآخرين . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 4 ، بأسانيد من طريق عبد الملك .
وقد رجحنا في شرح المسند الرواية السابقة ، بأن هذه الآية لم تنزل في ذلك ، بل هي في معنى أعم ، وإنما تصلح شاهدا ودليلا ، كما يتبين ذلك من فقه تفسيرها في سياقها .

(2/530)


وقال آخرون بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها ، فصلوا على أنحاء مختلفة ، فقال الله عز وجل لهم : لي المشارق والمغارب ، فأنى وليتم وجوهكم فهنالك وجهي ، (1) وهو قبلتكم - معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية.
* ذكر من قال ذلك :
1841 - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا أبو الربيع السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال ، " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة ، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه ، فلما أصبحنا ، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة ، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة . فأنزل الله عز وجل : (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم). (2)
__________
(1) في المطبوعة : " فإن وليتم وجوهكم " . والصواب ما أثبت .
(2) الحديث : 1841 - أحمد ، شيخ الطبري : هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي ، كما سبق نسبه كاملا في : 159 ، وهو صدوق ، من شيوخ أبي داود ، مترجم في التهذيب ، وأبو أحمد : هو الزبيري. واسمه : محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم ، وهو ثقة حافظ ، من شيوخ الإمام أحمد. مترجم في التهذيب. والكبير 1/1/133 - 134 ، وابن سعد 6 : 281 ، وابن أبي حاتم 3 /2 /297.أبو الربيع السمان. هو أشعث بن سعيد ، سبق في : 24 أنه ضعيف جدا. عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب : هو ضعيف ، وقد بينا ضعفه في شرح المسند : 5229.
عبد الله بن عامر بن ربيعة : ثقة من كبار التابعين. وأبوه صحابي معروف ، من المهاجرين الأولين ، هاجر الهجرتين ، وشهد بدرا والمشاهد كلها.
والحديث ذكره ابن كثير 1 : 289 - 290 ، عن هذا الموضع. ووقع فيه خطأ في اسم شيخ الطبري ، كتب " محمد بن إسحاق " ، بدل " أحمد " . وهو خطأ ناسخ أو طابع. ثم أشار ابن كثير إلى روايته الآتية : 1843. ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي ، وابن ماجه ، وابن أبي حاتم. ثم نقل كلام الترمذي قال : " هذا حديث ليس إسناده بذاك ، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان : يضعف في الحديث " . قال ابن كثير : " قلت : وشيخه عاصم ، أيضًا ضعيف قال البخاري : منكر الحديث. وقال ابن معين : ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان : متروك.
وقد ذهبت في شرحي للترمذي ، رقم : 345 ، إلى تحسين إسناده. ولكني أستدرك الآن ، وأرى أنه حديث ضعيف.
ونقله السيوطي 1 : 109 ، مع تخريجه وبيان ضعفه.

(2/531)


1842 - حدثني المثنى قال ، حدثني الحجاج قال ، حدثنا حماد قال ، قلت للنخعي : إني كنت استيقظت - أو قال أيقظت ، شك الطبري - (1) فكان في السماء سحاب ، فصليت لغير القبلة. قال : مضت صلاتك ، يقول الله عز وجل : (فأينما تولوا فثم وجه الله).
1843 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أشعث السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال ، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة في سفر ، فلم ندر أين القبلة فصلينا ، فصلى كل واحد منا على حياله ، (2) ثم أصبحنا فذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ). (3)
* * *
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازعوا في أمره ، من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة ، فقال الله عز وجل : المشارق والمغارب كلها لي ، فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي ، وجدني هنالك. يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة ، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه ، يبتغي بذلك رضا الله عز وجل في صلاته.
* ذكر من قال ذلك :
1844 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا هشام بن معاذ قال ، حدثني أبي ، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم ! قال فنزلت( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ) [سورة
__________
(1) لم يرد في كتب اللغة : " أيقظت " لازما ، وأخشى أن يكون الطبري يصححها ، وأشباهها في العربية كثير .
(2) في لسان العرب " فصلى كل منا حياله " ، أي تلقاء وجهه ، وزيادة " علي " لا تضر المعنى .
(3) الحديث : 1843 - هو مكرر الحديث : 1841 .

(2/532)


آل عمران : 199] ، قال : قتادة ، فقالوا : إنه كان لا يصلي إلى القبلة ، فأنزل الله عز وجل : (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله). (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا ، وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك - إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق ، وأن على جميعهم إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم ، وفيما فرض عليهم من الفرائض ، والتوجهِ نحو الوجه الذي وجهوا إليه ، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب ، والمراد به من بينهما من الخلق ، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه ، كما قيل : (وأشربوا في قلوبهم العجل) ، وما أشبه ذلك. (2)
ومعنى الآية إذًا : ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء ، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته ، فولوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو وجهي ، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي.
* * *
فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة ، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة ؟ فالصواب فيه من القول أن يقال : إنها جاءت مجيء العموم ، والمراد الخاص ، وذلك أن قوله : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، محتمل : أينما تولوا - في حال سيركم في أسفاركم ، في صلاتكم التطوع ، وفي حال مسايفتكم عدوكم ، في تطوعكم ومكتوبتكم ، فثم وجه الله ، كما قال ابن عمر والنخعي ، ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا.
__________
(1) الحديث : 1844 - هو حديث ضعيف ، لأنه مرسل وقد نقله السيوطي 1 : 109 ، ونسبه لابن جرير : وابن المنذر . ونقله ابن كثير 1 : 291 ، عن هذا الموضع . ثم قال : " هذا غريب " . وأقول : وسياقته تدل على ضعفه ونكارته .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 357 - 360 ، 483 .

(2/533)


ومحتمل : فأينما تولوا - من أرض الله فتكونوا بها - فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها ، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها. كما قال : -
1845 - أبو كريب قال حدثنا وكيع ، عن أبي سنان ، عن الضحاك ، والنضر بن عربي ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، قال : قبلة الله ، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها.
1846 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني إبراهيم ، عن ابن أبي بكر ، عن مجاهد قال ، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها قال ، الكعبة.
ومحتمل : فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم ، كما : -
1847 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال مجاهد : لما نزلت : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [سورة غافر : 60] ، قالوا : إلى أين ؟ فنزلت : (فأينما تولوا فثم وجه الله).
* * *
فإذ كان قوله عز وجل : (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، محتملا ما ذكرنا من الأوجه ، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها .
لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله : (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، مَعْنِيٌّ به : فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم ؛ ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس ، أمرا من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة ، فيجوز أن يقال : هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس ، إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين ، من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى ، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بأنها نزلت فيه ، وكان الاختلاف في أمرها موجودا على ما وصفت.

(2/534)


ولا هي - إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا - قامت حجتها بأنها منسوخة ، إذ كانت محتملة ما وصفنا : بأن تكون جاءت بعموم ، ومعناها : في حال دون حال - (1) إن كان عني بها التوجه في الصلاة ، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء ، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.
وقد دللنا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " ، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما نفى حكما ثابتا ، وألزم العباد فرضه ، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك. (2) فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم ، أو المجمل ، أو المفسر ، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع. ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه .
ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله : (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، بحجة يجب التسليم لها ، فيقال فيه : هو ناسخ أو منسوخ.
* * *
وأما قوله : (فأينما) ، فإن معناه : حيثما.
* * *
وأما قوله : (تولوا) فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون : تولون نحوه وإليه ، كما يقول القائل : " وليته وجهي ووليته إليه " ، (3) بمعنى : قابلته وواجهته. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى : تولون عنه فتستدبرونه ، فالذي تتوجهون إليه وجه الله ، بمعنى قبلة الله.
* * *
وأما قوله : (فثم) فإنه بمعنى : هنالك.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " أو معناها في حال دون حال " ، وهو فاسد . ومراده أن الآية جاءت عامة ، وتحتمل أحد معنيين : إما في حال دون حال_ وإما في كل حال ، كما فصل بعد .
(2) في المطبوعة : " لظاهره " ، وانظر ما سلف في معنى " الظاهر والباطن " 2 : 15 والمراجع
(3) في المطبوعة : " وليت وجهي " ، والصواب ما أثبت .

(2/535)


واختلف في تأويل قوله : (فثم وجه الله) (1) فقال بعضهم : تأويل ذلك : فثم قبلة الله ، يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه.
* ذكر من قال ذلك :
1848 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن النضر بن عربي ، عن مجاهد : (فثم وجه الله) قال : قبلة الله.
1849 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني إبراهيم ، عن مجاهد قال ، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها.
* * *
وقال آخرون : معنى قول الله عز وجل : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، فثم الله تبارك وتعالى.
* * *
وقال آخرون : معنى قوله : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم.
* * *
وقال آخرون : عنى بـ " الوجه " ذا الوجه . وقال قائلو هذه المقالة : وجه الله صفة له.
* * *
فإن قال قائل : وما هذه الآية من التي قبلها ؟
قيل : هي لها مواصلة . وإنما معنى ذلك : ومن أظلم من النصارى الذين منعوا عباد الله مساجده أن يذكر فيها اسمه ، وسعوا في خرابها ، ولله المشرق والمغرب ، فأينما توجهوا وجوهكم فاذكروه ، فإن وجهه هنالك ، يسعكم فضله وأرضه وبلاده ، ويعلم ما تعملون ، ولا يمنعكم تخريب من خرب مسجد بيت المقدس ، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فيه - أن تذكروا الله حيث كنتم من أرض الله ، تبتغون به وجهه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فثم ، فقال بعضهم " ، والصواب إثبات " وجه الله " .

(2/536)


القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (واسع) يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وأما قوله : (عليم) ، فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه ، بل هو بجميعها عليم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (وقالوا اتخذ الله ولدا) ، الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، (وقالوا) : معطوف على قوله : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ).
* * *
وتأويل الآية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ، وقالوا اتخذ الله ولدا ، وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله ؟ فقال الله جل ثناؤه مكذبا قيلهم ما قالوا من ذلك ومنتفيا مما نحلوه وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم : (1) (سبحانه) ، يعني بها : تنزيها وتبريئا من أن يكون له ولد ، وعلوا وارتفاعا عن ذلك. وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل : " سبحان الله " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا . ومعنى ذلك :
__________
(1) في المطبوعة : " ومنفيا ما نحلوه " . وانتفى من الشيء : تبرأ منه . ونحله الشيء : نسبه إليه . والفرية : الكذب المختلق .
(2) انظر ما سلف 1 : 474 ، 495 .

(2/537)


وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)

وكيف يكون المسيح لله ولدا ، وهو لا يخلو إما أن يكون في بعض هذه الأماكن ، إما في السموات ، وإما في الأرض ، ولله ملك ما فيهما. ولو كان المسيح ابنا كما زعمتم ، لم يكن كسائر ما في السموات والأرض من خلقه وعبيده ، في ظهور آيات الصنعة فيه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : مطيعون.
* ذكر من قال ذلك :
1850 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (كل له قانتون) ، مطيعون.
1851 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : (كل له قانتون) ، قال : مطيعون قال ، طاعة الكافر في سجود ظله.
1852 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بمثله ، إلا أنه زاد : بسجود ظله وهو كاره.
1853 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (كل له قانتون) ، يقول : كل له مطيعون يوم القيامة.
1854 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثني يحيى بن سعيد ، عمن ذكره ، عن عكرمة : (كل له قانتون) ، قال : الطاعة.
1855 - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (قانتون) ، مطيعون.
* * *

(2/538)


وقال آخرون : معنى ذلك كل له مقرون بالعبودية.
* ذكر من قال ذلك :
1856 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة : (كل له قانتون) ، كل مقر له بالعبودية.
* * *
وقال آخرون بما : -
1857 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (كل له قانتون) ، قال : كل له قائم يوم القيامة.
* * *
ولِـ " القنوت " في كلام العرب معان : أحدها الطاعة ، والآخر القيام ، والثالث الكف عن الكلام والإمساك عنه.
* * *
وأولى معاني " القنوت " في قوله : (كل له قانتون) ، الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية ، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة ، والدلالة على وحدانية الله عز وجل ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها. وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدا بقوله : (بل له ما في السموات والأرض ) ، ملكا وخلقا. ثم أخبر عن جميع ما في السموات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها ، وأن الله تعالى بارئها وصانعها. وإن جحد ذلك بعضهم ، فألسنتهم مذعنة له بالطاعة ، بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك ، وأن المسيح أحدهم ، فأنى يكون لله ولدا وهذه صفته ؟
* * *
وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وِجْهتَه ، أن قوله : (كل له قانتون) ، خاصة لأهل الطاعة وليست بعامة. وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها ، إلا بحجة يجب التسليم لها ، لما قد بينا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " .
* * *
وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح - الذي زعمت النصارى أنه ابن الله -

(2/539)


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)

مكذبهم هو والسموات والأرض وما فيها ، إما باللسان ، وإما بالدلالة. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم ، بطاعتهم إياه ، وإقرارهم له بالعبودية ، عقيب قوله : (وقالوا اتخذ الله ولدا) ، فدل ذلك على صحة ما قلنا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (بديع السموات والأرض) ، مبدعها.
* * *
وإنما هو " مُفْعِل " صرف إلى " فعيل " كما صرف " المؤلم " إلى " أليم " ، و " المسمع " إلى " سميع " . (1) ومعنى " المبدع " : المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. ولذلك سمي المبتدع في الدين " مبتدعا " ، لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره. وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة ، (2) في مدح هَوْذَة بن علي الحنفي :
يُرعي إلى قول سادات الرجال إذا... أبدوا له الحزم ، أو ما شاءه ابتدعا (3)
أي يحدث ما شاء ، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
فأيها الغاشي القِذَافَ الأتْيَعَا... إن كنت لله التقي الأطوعا
فليس وجه الحق أن تَبَدَّعا (4)
يعني : أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 251 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 377 ، 506 .
(2) في المطبوعة : " الأعشى بن ثعلبة " ، وهو خطأ محض .
(3) سلف تخريجه في هذا الجزء : 2 : 464 .
(4) ديوانه : 87 ، واللسان (بدع) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بني تميم . ورواية الديوان " القذاف الأتبعا " ، وليس لها معنى يدرك ، ورواية الطبري لها مخرج في العربية . " الغاشي " من قولهم : غشي الشيء : أي قصده وباشره أو نزل به . والقذاف : سرعة السير والإبعاد فيه ، أو كأنه أراد الناحية البعيدة ، وإن لم أجده في كتب العربية . والأتيع : لم أجده في شيء ، ولعله أخذه من قولهم : تتايع القوم في الأرض : إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة . يقول : يا أيها الذاهب في المسالك البعيدة عن سنن الطريق - يعني به : من ابتدع من الأمور ما لا عهد للناس به ، فسلك في ابتداعه المسالك الغريبة .

(2/540)


فمعنى الكلام : سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض ، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية ، وتقر له بالطاعة ، وهو بارئها وخالقها ، وموجدها من غير أصل ، ولا مثال احتذاها عليه ؟
* * *
وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده ، أن مما يشهد له بذلك : المسيح ، الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته ، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال ، هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته. (1) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1858 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (بديع السموات والأرض) ، يقول : ابتدع خلقها ، ولم يشركه في خلقها أحد.
1859 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (بديع السموات والأرض) ، يقول : ابتدعها فخلقها ، ولم يُخلق قبلها شيء فيتمثل به . (2)
* * *
__________
(1) نقل ابن كثير في تفسيره 1 : 294 ، عبارة الطبري ثم قال : " وهذا من ابن جرير رحمه الله كلام جيد ، وعبارة صحيحة " ، فاستحسن ابن كثير ما خف محمله ، ولكن ما ثقل عليه آنفًا (انظر ص : 522 تعليق : 1) كان مثارا لاعتراضه ، مع أنه أعلى وأجود وأدق وألطف ، وأصح عبارة ، وأعمق غورا . وهذا عجب من العجب فيما ناله ابن جرير من قلة معرفة الناس بسلامة فهمه ، ولطف إدراكه .
(2) الأثر : 1859 - كان في المطبوعة : " ولم يخلق مثلها شيئا فتتمثل به " ، وهو كلام فاسد . والصواب في الدر المنثور 1 : 110 .

(2/541)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)}
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وإذا قضى أمرا) ، وإذا أحكم أمرا وحتمه. (1)
* * *
وأصل كل " قضاء أمر " الإحكام ، والفراغ منه. (2) ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس : " القاضي " بينهم ، لفصله القضاء بين الخصوم ، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به. (3) ومنه قيل للميت : " قد قضى " ، يراد به قد فرغ من الدنيا ، وفصل منها. ومنه قيل : " ما ينقضي عجبي من فلان " ، يراد : ما ينقطع. ومنه قيل : " تقضي النهار " ، إذا انصرم ، ومنه قول الله عز وجل : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) [سورة الإسراء : 23] أي : فصل الحكم فيه بين عباده ، بأمره إياهم بذلك ، وكذلك قوله : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) [سورة الإسراء : 4] ، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به ، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب :
وعليهما مسرودتان ، قضاهما... داود أو صَنَعَ السوابغِ تُبَّعُ (4)
__________
(1) حتم الأمر : قضاه قضاء لازما .
(2) كان في المطبوعة : " قضاء الإحكام " ، والصواب ما أثبت .
(3) في المطبوعة " فراغه " وزيادة " منه " واجبة .
(4) ديوانه : 19 ، والمفضليات : 881 وتأويل مشكل القرآن : 342 ، وسيأتي في تفسير الطبري 11 : 65 ، 22 : 47 (بولاق) ، من قصيدته التي فاقت كل شعر ، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون . والضمير في قوله : " وعليهما " إلى بطلين وصفهما في شعره قبل ، كل قد أعد عدته : فتناديا فتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدع
متحاميين المجد ، كل واثق ... ببلائه ، واليوم يوم أشنع
وعليهما مسرودتان . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
" مسرودتان " ، يعني درعين ، من السرد ، وهو الخرز أو النسج ، قد نسجت حلقهما نسجا محكما . وداود : هو نبي الله صلى الله عليه وسلم . وتبع : اسم لكل ملك من ملوك حمير (انظر ما سلف 2 : 237) . قال ابن الأنباري : " سمع بأن الحديد سخر لداود عليه السلام ، وسمع بالدروع التبعية ، فظن أن تبعا عملها . وكان تبع أعظم من أن يصنع شيئا بيده ، وإنما صنعت في عهده وفي ملكه " . والصنع : الحاذق بعمله ، والمرأة : صناع . ويروى : " وعليهما ماذيتان " ، يعني درعين . والماذية : الدرع الخالصة الحديد ، اللينة السهلة .

(2/542)


ويروى :
* وتعاورا مسرودتين قضاهما * (1)
ويعني بقوله : " قضاهما " ، أحكمهما. ومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (2)
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها... بَوائِق في أكمامها لم تَفَتَّقِ (3)
ويروى : " بوائج " . (4)
* * *
__________
(1) " تعاورا " ، يعني - كما قالوا : تعاورا بالطعن ، مسرودتين . من قولهم : تعاورنا فلانا بالضرب : إذا ضربته أنت ثم صاحبك . ورأيي أنها رواية مرفوضة ، لا تساوق لشعر فإنه يقول بعده : وكلاهما في كفه يزنية ... فيها سنان ، كالمنارة أصلع
وكلاهما متوشح ذارونق ... عضبا ، إذا مس الضريبة يقطع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العُبُط التي لا ترفع
فهو يصف ، ثم يخبر أنهما قد تضاربا ضربا مهلكا ، ولا معنى لتقديم الطعن ثم العود إلى صفة السلاح ، إلا على بعد واستكراه .
(2) هو جزء بن ضرار ، أخو الشماخ بن ضرار . وقد اختلف في نسبتها . نسبت للشماخ ، ولغيره ، حتى نسبوها إلى الجن (انظر طبقات فحول الشعراء : 111 ، وحماسة أبي تمام 3 : 65 ، وابن سعد 3 : 241 ، والأغاني 9 : 159 ، ونهج البلاغة 3 : 147 ، والبيان والتبيين 3 : 364 ، وتأويل مشكل القرآن : 343 ، وغيرها كثير) . هذا والصواب أن يقول : " في رثاء عمر بن الخطاب " .
(3) البوائق جمع بائقة : وهي الداهية المنكرة التي فتحت ثغرة لا تسد . والأكمام جمع كم _(بضم الكاف وكسرها) . وهو غلاف الثمرة قبل أن ينشق عنه . وقوله : " لم تفتق " ، أصلها : تتفتق ، حذف إحدى التاءين . وتفتق الكم عن زهرته : انشق وانفطر . ورحم الله عمر من إمام جمع أمور الناس حياته ، حتى إذا قضى انتشرت أمورهم .
(4) بوائج جمع بائجة : وهي الداهية التي تنفتق انفتاقا منكرا فتعم الناس ، وتتابع عليهم شرورها من قولهم : باج البرق وانباج وتبوج : إذا لمع وتكشف وعم السحاب ، وانتشر ضوؤه .

(2/543)


وأما قوله : (فإنما يقول له كن فيكون) ، فإنه يعني بذلك : وإذا أحكم أمرا فحتمه ، فإنما يقول لذلك الأمر " كن " ، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده.
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ؟ وفي أي حال يقول للأمر الذي يقضيه : " كن " ؟ أفي حال عدمه ، وتلك حال لا يجوز فيها أمره ، (1) إذْ كان محالا أن يأمر إلا المأمور ، فإذا لم يكن المأمور استحال الأمر ، ؛ وكما محالٌ الأمر من غير آمر ، فكذلك محال الأمر من آمر إلا لمأمور. (2) أم يقول له ذلك في حال وجوده ؟ وتلك حال لا يجوز أمره فيها بالحدوث ، لأنه حادث موجود ، ولا يقال للموجود : " كن موجودا " إلا بغير معنى الأمر بحدوث عينه ؟
قيل : قد تنازع المتأولون في معنى ذلك ، ونحن مخبرون بما قالوا فيه ، والعلل التي اعتل بها كل فريق منهم لقوله في ذلك : (3)
* * *
قال بعضهم : ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أمره المحتوم - على وجه القضاء لمن قضى عليه قضاء من خلقه الموجودين أنه إذا أمره بأمر نفذ فيه
__________
(1) في المطبوعة : " وتلك حال لا يجوز أمره " ، بإسقاط " فيها " ، وهي واجبة ، واستظرتها من السياق ومن الشطر الآتي من السؤال .
(2) في المطبوعة : " كما محال الأمر " ، بإسقاط الواو ، وهي واجب إثباتها . ويعنى بقوله : " المأمور " ، أي الموجود المأمور .
(3) أحب أن أنبه قارئ هذا التفسير ، أن يلقى باله إلى سياق أقوال القائلين ، وكيف يخلص هو المعاني بعضها من بعض ، وكيف يصيب الحجة بعقل ولطف إدراك ، وصحة بيان عن معاني الكلام ، وعن تأويل آيات كتاب ربنا سبحانه وتعالى ثم لينظر بعد ذلك أقوال المفسرين ، وكيف تجنبوا الإيغال فيما توغل هو فيه ، ثقة بعون الله له ، ثم اتباعا لأهدى السبل في طلب المقاصد .

(2/544)


قضاؤه ، ومضى فيه أمره ، نظير أمره من أمر من بني إسرائيل بأن يكونوا قردة خاسئين ، وهم موجودون في حال أمره إياهم بذلك ، وحتم قضائه عليهم بما قضى فيهم ، وكالذي خسف به وبداره الأرض ، وما أشبه ذلك من أمره وقضائه فيمن كان موجودا من خلقه في حال أمره المحتوم عليه.
فوجه قائلو هذا القول قوله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، إلى الخصوص دون العموم
* * *
.
وقال آخرون : بل الآية عام ظاهرها ، فليس لأحد أن يحيلها إلى باطن بغير حجة يجب التسليم لها . (1) وقال : إن الله عالم بكل ما هو كائن قبل كونه. فلما كان ذلك كذلك ، كانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة لعلمه بها قبل كونها ، نظائر التي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها : " كوني " ، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ، ولعلمه بها في حال العدم.
* * *
وقال آخرون : بل الآية وإن كان ظاهرها ظاهرَ عمومٍ ، فتأويلها الخصوص ، لأن الأمر غير جائز إلا لمأمور ، على ما وصفت قبل. قالوا : وإذ كان ذلك كذلك ، فالآية تأويلها : وإذا قضى أمرا من إحياء ميت ، أو إماتة حي ، ونحو ذلك ، فإنما يقول لحي : " كن ميتا ، أو لميت : كن حيا " ، وما أشبه ذلك من الأمر.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك من الله عز وجل خبر عن جميع ما ينشئه ويكونه ، أنه إذا قضاه وخلقه وأنشأه ، كان ووجد - ولا قول هنالك عند قائلي هذه المقالة ، إلا وجود المخلوق وحدوث المقضي - . وقالوا : إنما قول الله عز وجل : (وإذا
__________
(1) انظر معنى : " الظاهر ، والباطن " فيما سلف : 2 : 15 والمراجع .

(2/545)


قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، نظير قول القائل : " قال فلان برأسه " و " قال بيده " ، إذا حرك رأسه ، أو أومأ بيده ولم يقل شيئا ، وكما قال أبو النجم :
وقالت للبَطْنِ الْحَقِ الحق... قِدْمًا فآضت كالفَنِيقِ المحنِق (1)
ولا قول هنالك ، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن. وكما قال عمرو بن حممة الدوسي : (2)
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه... إذا رام تطيارا يقال له : قعِ (3)
ولا قول هناك ، وإنما معناه : إذا رام طيرانا وقع ، وكما قال الآخر :
امتلأ الحوض وقال : قطني... سلا رويدا ، قد ملأت بطني (4)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في قوله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول
__________
(1) لم أجد الرجز كاملا ، والبيتان في اللسان (حنق) . يصف ناقة أنضاها السير . والأنساع جمع نسع (بكسر فسكون) ، وهو سير يضفر عريضا تشد به الرحال . ولحق البطن يلحق لحوقا : ضمر . أي قالت سيور التصدير لبطن الناقة : كن ضامرا . يعني بذلك ما أضناها من السير . وقدما : أي منذ القدم قال بشامة بن الغدير . لا تظلمونا ، ولا تنسوا قرابتنا ... إطوا إلينا ، فقدما تعطف الرحم
ويعني أبو النجم : أن الضمور قد طال بها ، فإن الأنساع قالت ذلك منذ زمن بعيد . وآض : صار ورجع . والفنيق الجمل الفحل المودع للفحلة ، لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم ، فهو ضخم شديد التركيب . والمحنق : الضامر القليل اللحم . والإحناق : لزوق البطن بالصلب .
(2) يقال له أيضًا : كعب بن حممة ، وهو أحد المعمرين ، زعموا عاش أربعمائة سنة غير عشر سنين . وهو أحد حكام العرب ، ويقال إنه هو " ذو الحلم " الذي قرعت له العصا ، فضرب به المثل .
(3) كتاب المعمرين : 22 ، وحماسة البحتري : 205 ومعجم الشعراء : 209 ، وهي أبيات .
(4) أمالي ابن الشجري 1 : 313 ، 2 : 140 ، واللسان (قطط) . وفي المطبوعة : " سيلا " ، والصواب في اللسا وأمالي ابن الشجري ، والرواية المشهورة " مهلا رويدا " . وقطني : حسبي وكفاني وللنحاة كلام كثير في " قطني " . وقوله " سلا " : كأنه من قولهم : انسل السيل : وذلك أول ما يبتدئ حين يسيل ، قبل أن يشتد . كأنه يقول : صبا رويدا .

(2/546)


له كن فيكون) ، أن يقال : هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه ، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم ، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " . وإذ كان ذلك كذلك ، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله : (كن) في حال إرادته إياه مكوَّنا ، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه ، (1) إرادته إياه ، ولا أمره بالكون والوجود ، ولا يتأخر عنه. (2) فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود ، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك. ونظير قوله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) قوله : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) [سورة الروم : 25] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ، ولا يتأخر عنه.
* * *
ويسألُ من زعم أن قوله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) خاص في التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز ، (3) عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم ، أم بعده ؟ أم هي في خاص من الخلق ؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا أُلزم في الآخر مثله.
ويسألُ الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه : (فإنما يقول له كن فيكون) ، نظير قول القائل : " قال فلان برأسه أو بيده " ، إذا حركه وأومأ ، ونظير قول الشاعر : (4)
__________
(1) في المطبوعة : " وجوده " الذي أراد إيجاده " وزيادة الهاء في " وجوده " لا مكان لها .
(2) يقول : إن وجود الشيء ، لا يتقدم إرادة الله وأمره ، ولا يتأخر عنهما .
(3) يقول : " يسأل من زعم . . عن دعوة أهل القبور " .
(4) هو المثقب العبدي .

(2/547)


تقول إذا درأت لها وضيني : ... أهذا دينه أبدا وديني (1)
وما أشبه ذلك - : فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ، ولا كتاب الله ، وما دلت على صحته الأدلة اتبعوا - فيقال لقائلي ذلك : إن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمرا قال له : " كن " ، أفتنكرون أن يكون قائلا ذلك ؟ فإن أنكروه كذبوا بالقرآن ، وخرجوا من الملة .
وإن قالوا : بل نقر به ، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل : " قال الحائط فمال " ولا قول هنالك ، وإنما ذلك خبر عن ميل الحائط.
قيل لهم : أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول : إنما قول الحائط إذا أراد أن يميل أن يقول هكذا فيميل ؟
فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب ، وخالفوا منطقها وما يعرف في لسانها.
وإن قالوا : ذلك غير جائز .
قيل لهم : إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون ، فأعلم عباده قوله الذي يكون به الشيء ووصفه ووكده. وذلك عندكم غير جائز في العبارة عما لا كلام له ولا بيان في مثل قول القائل : " قال الحائط فمال " ، فكيف لم يعلموا بذلك فرق ما بين معنى قول الله : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، وقول القائل : " قال الحائط فمال " ؟
__________
(1) المفضليات : 586 ، والكامل 1 : 193 وطبقات فحول الشعراء : 231 ، وسيأتي في تفسيره 4 : 112 (بولاق) من قصيدة جيدة ، يقول قبله في ناقته : إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
ودرأ الوضين لناقته : بسطه على الأرض ، ثم أبركها عليه ليشد عليها رحلها . والوضين : حزام عريض من جلد منسوج يشد به رحل البعير . والدين : الدأب والعادة .

(2/548)


وللبيان عن فساد هذه المقالة موضع غير هذا نأتي فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله.
* * *
وإذا كان الأمر في قوله جل ثناؤه : (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بالوجود حال وجود المأمور بالوجود ، فبَيِّنٌ بذلك أن الذي هو أولى بقوله : (فيكون) (1) الرفع على العطف على قوله (2) (يقول) لأن " القول " و " الكون " حالهما واحد. وهو نظير قول القائل : " تاب فلان فاهتدى " ، و " اهتدى فلان فتاب " ، لأنه لا يكون تائبا إلا وهو مهتد ، ولا مهتديا إلا وهو تائب. فكذلك لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود ، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود.
ولذلك استجاز من استجاز نصب " فيكون " من قرأ : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [النحل : 40] ، بالمعنى الذي وصفنا على معنى : أن نقول فيكونَ.
وأما رفع من رفع ذلك ، (3) فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله : (إذا أردناه أن نقول له كن) . إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا ، ثم ابتدأ بقوله : فيكون ، كما قال جل ثناؤه : ( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ) ، [سورة الحج : 5] وكما قال ابن أحمر :
يعالج عاقرا أعيت عليه... ليُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوارا (4)
__________
(1) في المطبوعة : " فتبين " ، والصواب ما أثبت .
(2) في المطبوعة : " فيكون على العطف " سقط من الناسخ قوله : الرفع " .
(3) وهذه هي قراءة مصحفنا اليوم .
(4) المعاني الكبير : 846 ، 1134 ، وسيبويه 1 : 341 ، من أبيات يذكر صديقا كان له ، يقول : أرانا لا يزال لنا حميم ... كداء البطن سِلا أو صُفارا
يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليلقحها ، فينتجها حوارا
ويزعم أنه ناز علينا ... بشرته فتاركنا تبارا
جعل هذا الصديق كداء البطن لا يدري من أين يهج ولا كيف يتأتى له . وهو يعالج من الشر ما لا يقدر عليه ، فكأنه يطلب الولد من عاقر . جعل ذلك مثلا . والحوار : ولد البقرة . والشرة : حدة الشر ، والتبار : الهلاك .

(2/549)


وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)

يريد : فإذا هو يَنتجها حُوارا.
* * *
فمعنى الآية إذًا : وقالوا اتخذ الله ولدا ، سبحانه أن يكون له ولد! بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما ، كل ذلك مقر له بالعبودية بدلالته على وحدانيته. وأنى يكون له ولد ، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل ، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بمقدرته وسلطانه ، الذي لا يتعذر عليه به شيء أراده! بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه : " كن " ، فيكون موجودا كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاؤه ، إذْ أراد خلقه من غير والد.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ) ، فقال بعضهم : عنى بذلك النصارى.
* ذكر من قال ذلك :
1860 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا

(2/550)


عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز : (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) ، قال : النصارى تقوله.
1861 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله - وزاد فيه(وقال الذين لا يعلمون) ، النصارى.
* * *
وقال آخرون : بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
1862 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير. وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، قالا جميعا : حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال ، قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت رسولا من عند الله كما تقول ، فقل لله عز وجل فليكلمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله : (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) ، الآية كلها. (1)
* * *
وقال آخرون : بل عنى بذلك مشركي العرب.
* ذكر من قال ذلك :
1863 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) ، وهم كفار العرب.
1864 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) ، قال : هم كفار العرب.
1865 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
__________
(1) الأثر : 1862 - سيرة ابن هشام 2 : 198 .

(2/551)


السدي : (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) ، أما الذين لا يعلمون : فهم العرب.
* * *
وأولى هذه الأقوال بالصحة والصواب قول القائل : إن الله تعالى عنى بقوله : (وقال الذين لا يعلمون) ، النصارى دون غيرهم. لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم ، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا. فقال جل ثناؤه ، مخبرا عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقوله : (اتخذ الله ولدا) ، تمنوا على الله الأباطيل ، فقالوا جهلا منهم بالله وبمنزلتهم عنده وهم بالله مشركون : (لولا يكلمنا الله ) ، كما يكلم رسوله وأنبياءه ، أو تأتينا آية كما أتتهم ؟ ولا ينبغي لله أن يكلم إلا أولياءه ، ولا يؤتي آية معجزة على دعوى مدع إلا لمن كان محقا في دعواه وداعيا إلى الله وتوحيده ، فأما من كان كاذبا في دعواه وداعيا إلى الفرية عليه وادعاء البنين والبنات له ، فغير جائز أن يكلمه الله جل ثناؤه ، أو يؤتيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته عليه.
وأمّا الزاعم : أن الله عنى بقوله (1) (وقال الذين لا يعلمون) العرب ، فإنه قائل قولا لا خبر بصحته ، ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب. والقول إذا صار إلى ذلك كان واضحا خطؤه ، لأنه ادعى ما لا برهان على صحته ، وادعاء مثل ذلك لن يتعذر على أحد.
* * *
وأما معنى قوله : (لولا يكلمنا الله) ، فإنه بمعنى : هلا يكلمنا الله! كما قال الأشهب بن رميلة : (2)
__________
(1) في المطبوعة : " وقال الزاعم . . " والصواب ما أثبت ، كما استدركه مصحح المطبوعة .
(2) ليس للأشهب ، بل هو لجرير ، وقد تابعه ابن الشجري في أماليه 2 : 210 ، كأنه نقله عنه كعادته .

(2/552)


تعدون عقر النيب أفضل مجدكم... بني ضوطرى ، لولا الكمي المقنعا (1)
بمعنى : فهلا تعدون الكمي المقنع! كما :
1866 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (لولا يكلمنا الله) قال : فهلا يكلمنا الله!
قال أبو جعفر : فأما " الآية " فقد ثبت فيما قبل معنى الآية أنها العلامة. (2) وإنما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : هلا تأتينا آية على ما نريد ونسأل ، (3) كما
__________
(1) ديوان جرير : 338 ، النقائض : 833 ، وسيأتي في التفسير 7 : 119 (بولاق) غير منسوب ، ومجاز القرآن : 52 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 279 ، 334 / 2 : 210 ، والخزانة 1 : 461 . ورواية الديوان والنقائض : " أفضل سعيكم " . والبيت من قصيدة طويلة في مناقضة جرير والفرزدق . وقوله : " عقر النيب " . عقر الناقة أو الفرس : ضرب قوائمها فقطعها ، وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه ، ثم نحروه ، وإنما يفعلون به ذلك كيلا يشرد عند النحر . وكان العرب يتكارمون بالمعاقرة . وهي أن يعقر هذا ناقة ، فيعقر الآخر ، يتباريان في الجود والسخاء ، ويلحان في ذلك حتى يغلب أحدهما صاحبه . والنيب جمع ناب : وهي الناقة المسنة ، أسموها بذلك لطول نابها . ويشير جرير بذلك إلى ما كان يفخر به الفرزدق من معاقرة أبيه غالب بن صعصعة ، سحيم بن وثيل الرياحي بمكان يقال له " صوأر " ، فعقر سحيم خمسا ثم بدا له ، وعقر غالب مئة ، أو مئتين . وهذا أمر من أمور الجاهلية قال ابن عباس : " لا تأكلوا من تعاقر الأعراب ، فإني لا آمن أن يكون مما أهل لغير الله به " ، وقال علي رضي الله عنه : " يا أيها الناس ، لا تحل لكم ، فإنها أهل بها لغير الله " . (انظر خبر المعاقرة في النقائض : 625 - 626) .
وقوله : " بني ضوطرى " ، يعني : يا بني الحمقى . هكذا قيل ، وأخشى أن لا يكون كذلك ، فإن : " ضوطرى " نبز لرجل من بني مجاشع بن دارم - لم يعينوه - فقال جرير للفرزدق : إن ابن شعرة ، والقرين ، وضوطرى ... بئس الفوارس ليلة الحدثان
فهذا دليل على أنه شخص بعينه ، أرجو أن أحققه في غير هذا المكان . وقد أراد ذمه بأسلافه على كل . والكمي : الشجاع الذي لا يرهب ، فلا يحيد عن قرنه ، كان عليه سلاح أو لم يكن .
وقوله : " تعدون " أي تحسبون وتجعلون ، فعدى الفعل " عد " إلى مفعولين ، تضمينا لمعنى " جعل وحسب " ، كما قال ذو الرمة : أشم أغر أزهر هبرزي ... يعد القاصدين له عيالا
(2) انظر ما سلف : 1 : 106 .
(3) في المطبوعة : " عما نريده ونسأل " ، والصواب ما أثبت .

(2/553)


أتت الأنبياء والرسل! فقال عز وجل : (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) ، فقال بعضهم في ذلك بما : -
1867 - حدثني به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) ، هم اليهود.
1868 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (قال الذين من قبلهم) ، اليهود.
* * *
وقال آخرون : هم اليهود والنصارى ، لأن الذين لا يعلمون هم العرب. (1)
* ذكر من قال ذلك :
1869 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : (قال الذين من قبلهم) ، يعني اليهود والنصارى وغيرهم.
1870 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، قالوا يعني - العرب - كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم.
1871 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ،
__________
(1) في المطبوعة : " هم اليهود " ، والصواب ما أثبت ، كما استظهره مصحح المطبوعة ، ودليل ذلك أنه سيروى بعد عن قتادة ، وقد مضى في رقم : 1763 بإسناده هذا عن قتادة : أن " الذين لا يعلمون " ، هم كفار العرب ، والأثر التالي تتمة هذا الأثر السالف .

(2/554)


عن أبيه ، عن الربيع : (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) ، يعني اليهود والنصارى.
* * *
قال أبو جعفر : قد دللنا على أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله : (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) ، هم النصارى ، والذين قالوا مثل قولهم هم اليهود (1) سألت موسى صلى الله عليه وسلم أن يريهم ربهم جهرة ، (2) وأن يسمعهم كلام ربهم ، كما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا - (3) وسألوا من الآيات ما ليس لهم مسألته تحكما منهم على ربهم ، وكذلك تمنت النصارى على ربها تحكما منها عليه أن يسمعهم كلامه ويريهم ما أرادوا من الآيات. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا من القول في ذلك ، مثل الذي قالته اليهود وتمنت على ربها مثل أمانيها ، وأن قولهم الذي قالوه من ذلك إنما يشابه قول اليهود من أجل تشابه قلوبهم في الضلالة والكفر بالله. فهم وإن اختلفت مذاهبهم في كذبهم على الله وافترائهم عليه ، فقلوبهم متشابهة في الكفر بربهم والفرية عليه ، وتحكمهم على أنبياء الله ورسله عليهم السلام. وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد.
1872 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (تشابهت قلوبهم) قلوب النصارى واليهود.
* * *
وقال غيره : (4) معنى ذلك تشابهت قلوب كفار العرب واليهود والنصارى وغيرهم.
* ذكر من قال ذلك :
1873 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
__________
(1) في المطبوعة : " والذين قالت " . والضمير في قوله " والذين قالوا " إلى النصارى يعود . وانظر دليله فيما سلف قريبا : 550 .
(2) في المطبوعة : " وسألت موسى " ، وحذف الواو أولى . وكان أحب أن يكون " سألوا " مكان " سألت " .
(3) انظر ما سلف في تفسير الآية : 55 ، والأثر : 959 .
(4) في المطبوعة : " وقال غيرهم " ، والصواب ما أثبت ، فإنه روى قول مجاهد وحده .

(2/555)


قتادة : (تشابهت قلوبهم) ، يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم.
1874 - حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (تشابهت قلوبهم) ، يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم.
* * *
قال أبو جعفر : وغير جائز في قوله : (تشابهت) التثقيل ، لأن التاء التي في أولها زائدة أدخلت في قوله : " تفاعل " ، وإن ثقلت صارت تاءين ، ولا يجوز إدخال تاءين زائدتين علامة لمعنى واحد ، وإنما يجوز ذلك في الاستقبال لاختلاف معنى دخولهما ، لأن إحداهما تدخل علما للاستقبال ، والأخرى منها التي في " تفاعل " ، ثم تدغم إحداهما في الأخرى فتثقل ، فيقال : تشابه بعد اليوم قلوبنا. (1)
* * *
فمعنى الآية : وقالت النصارى ، الجهال بالله وبعظمته : هلا يكلمنا الله ربنا ، كما كلم أنبياءه ورسله ، أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد ؟ قال الله جل ثناؤه : فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم ، قال من قبلهم من اليهود ، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة ، ويؤتيهم آية ، واحتكموا عليه وعلى رسله ، وتمنوا الأماني. فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله ، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها.
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 75 ، وعبارة الطبري هنا تصحح الخطأ الذي هناك .

(2/556)


القول في تأويل قوله تعالى : { قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) ، قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وأعد لهم العذاب المهين في معادهم ، والتي من أجلها أخزى الله النصارى في الدنيا ، وأعد لهم الخزي والعذاب الأليم في الآخرة ، والتي من أجلها جعل سكان الجنان الذين أسلموا وجوههم لله وهم محسنون في هذه السورة وغيرها. فأعلموا الأسباب التي من أجلها استحق كل فريق منهم من الله ما فعل به من ذلك ، وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون ، لأنهم أهل التثبت في الأمور ، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة. فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ليزول شكه ، ويعلم حقيقة الأمر ، إذْ كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه ، وخبر الله الخبر الذي لا يعذر سامعه بالشك فيه. وقد يحتمل غيره من الأخبار ما يحتمل من الأسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب ، وذلك منفي عن خبر الله عز وجل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا }
قال أبو جعفر : ومعنى قوله جل ثناؤه : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) ، إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان ، وهو الحق ؛ مبشرا من اتبعك فأطاعك ، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا ، والظفر بالثواب في الآخرة ، والنعيم المقيم فيها ، ومنذرا من عصاك فخالفك ، ورد

(2/557)


إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)

عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا ، والذل فيها ، والعذاب المهين في الآخرة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) }
قال أبو جعفر : قرأت عامة الْقَرَأَة : (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) ، بضم " التاء " من " تسئل " ، ورفع " اللام " منها على الخبر ، بمعنى : يا محمد إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، فبلغت ما أرسلت به ، وإنما عليك البلاغ والإنذار ، ولست مسئولا عمن كفر بما أتيته به من الحق ، وكان من أهل الجحيم.
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة : (ولا تَسألْ) جزما. بمعنى النهي ، مفتوح " التاء " من " تسأل " ، وجزم " اللام " منها. ومعنى ذلك على قراءة هؤلاء : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا لتبلغ ما أرسلت به ، لا لتسأل عن أصحاب الجحيم ، فلا تسأل عن حالهم. وتأول الذين قرءوا هذه القراءة ما : -
1875 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنزلت : (ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم).
1876 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ ليت شعري ما فعل أبواي ؟ ليت شعري ما فعل أبواي ؟ " ثلاثا ، فنزلت : (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم) ، فما ذكرهما حتى توفاه الله. (1)
__________
(1) الحديثان : 1875 ، 1876 - هما حديثان مرسلان . فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي : تابعي . والمرسل لا تقوم به حجة ، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا ، بضعف راويهما : موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي : ضعيف جدا ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 /1/ 291 ، والصغير : 172 - 173 ، وابن أبي حاتم 4 /1 /151 ، فقال البخاري : " منكر الحديث قاله أحمد بن حنبل . وقال علي بن المديني ، عن القطان : كنا نتقيه تلك الأيام " . وروى ابن أبي حاتم عن الجوجزاني قال : " سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة ، قلنا : يا أبا عبد الله ، لا يحل ؟ قال : عندي ، قلت : فإن سفيان وشعبة قد رويا عنه ؟ قال : لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه " . وقال ابن معين : " لا يحتج بحديثه " . وقال أبو حاتم : " منكر الحديث " . وأبوه " عبيدة " ، بالتصغير ، ووقع في المطبوعة في الإسنادين " عبدة " . وهو خطأ .

(2/558)


1877 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني داود بن أبي عاصم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : " ليت شعري أين أبواي ؟ " فنزلت : ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم). (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب عندي من القراءة في ذلك قراءة من قرأ بالرفع ، على الخبر. لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى ، وذكر ضلالتهم ، وكفرهم بالله ، وجراءتهم على أنبيائه ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : (إنا أرسلناك) يا محمد(بالحق بشيرا ) ، من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه ، (ونذيرا) من كفر بك وخالفك ، فبلغ رسالتي ، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة ، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك. ولم يجر - لمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عن أصحاب الجحيم ذكر ، فيكون لقوله : (ولا تسأل عن
__________
(1) الحديث : 1877 - وهذا مرسل أيضًا ، لا تقوم به حجة .
داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي : تابعي ثقة ، ويروى عن بعض التابعين أيضًا . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/210 . والجرح 1/2/421 . ووقع في المطبوعة " داو عن أبي عاصم " . وهو تحريف ، صححناه من ابن كثير 1 : 297 .
ونقل ابن كثير 1 : 296 عن القرطبي أنه قال : " وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا أبويه حتى آمنا به ، وأجبنا عن قوله : إن أبي وأباك في النار " . ثم علق ابن كثير ، فقال : " الحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام - ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها ، وإسناده ضعيف " .
وأنا أرى أن الإفاضة في مثل هذا غير مجدية ، وما أمرنا أن نتكلف القول فيه .

(2/559)


أصحاب الجحيم) ، وجه يوجه إليه. وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم ، حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة ، على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره ، فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك. ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن أن يسأل - في هذه الآية عن أصحاب الجحيم ، ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنزيل. والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية ، وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ، دون النهي عن المسألة عنهم. (1)
* * *
فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح ، فإن في استحالة الشك من الرسول عليه السلام - في أن أهل الشرك من أهل الجحيم ، وأن أبويه كانا منهم ، ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب ، إن كان الخبر عنه صحيحا. مع أن ابتداء الله الخبر بعد قوله : (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) ، بـ " الواو " - بقوله : (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) ، وتركه وصل ذلك بأوله بـ " الفاء " ، وأن يكون : " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا فلا تسأل عن أصحاب الجحيم " - (2) أوضح الدلالة على أن الخبر بقوله : (3) " ولا تسئل " ، أولى من النهي ، والرفع به أولى من الجزم. وقد ذكر أنها في قراءة أبي : (وما تسأل) ، وفي قراءة ابن مسعود : (ولن تسأل) ، وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه ، دون النهي. (4)
* * *
__________
(1) حجة قوية لا ترد ، وبصر بسياق معاني القرآن وتتابعها . ولكن كثيرا من الناس يغفلون عن مواطن الحق في موضع بعينه ، لاختلاط الأمر عليهم لمشابهته لموطن آخر في موضع غيره ، كما سترى في التعليق التالي رقم : 40 .
(2) كان في المطبوعة : " بالواو يقول : فلا تسئل عن أصحاب الجحيم . . . بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم " وهو خطأ كما استدركه مصحح المطبوعة في تعليقه .
(3) في المطبوعة : " أوضح الدلائل " بالجمع ، والإفراد هو الصواب ، وكأنه سبق قلم من ناسخ .
(4) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 297 " وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك ؛ لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه ، واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر ، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه ، قبل أن يعلم أمرهما ، فلما علم ذلك تبرأ منهما ، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار ، كما ثبت هذا في الصحيح. ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير والله أعلم " .
ينسى ابن كثير غفر الله له ، ما أعاد الطبري وأبدأ من ذكر سياق الآيات المتتابعة ، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم ، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله ، وقلة معرفتهم بعظمة ربهم ، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه ، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم ، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق ؟ نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم ، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم. وقد بينا آنفًا ص : 521 تعليق : 1 أن هذه الآيات السالفة والتي تليها ، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى ، ولا شأن لمشركي العرب بها. وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم ، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى ، فتخصيص شطر من آية بأنه نزل في أمر بعض مشركي الجاهلية. تحكم بلا خبر ولا بينة. (وانظر ص : 565).
إن ابن كثير غفل عن معنى الطبري ، فإن الطبري أراد أن يدل على شيئين : أن خبر محمد بن كعب لا يصح ، وأنه إن صح عنه من وجه ، فإن نزول الآية لم يكن لهذا الذي روي عنه. وبيان ذلك : أن الخبر لا يصح ، لأنه جاء على صيغة التشكك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في أمر بعض أهل الجاهلية : ما فعل به ، في جنة أو نار! وهذا مما يتنزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفرق كبير بين أن يستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبويه اللذين كانا من أهل الجاهلية ، وعلى مثل أمرها من الشرك ، وبين أن يتشكك في أمرهما فيقول : " ليت شعري ما فعل أبواي ؟ " . وإنما يصح كلام ابن كثير ، إذا كان بين هذا التشكك ، وبين الاستغفار رابط يوجب أن يكون أحدهما ملازما للآخر ، أو بسبب منه. ثم يرد الخبر أيضًا ، لأن سياق الآيات يدل ظاهرها البين على أنها في اليهود والنصارى نزلت ، فلا يمكن تخصيص شطر من آية من هذه الآيات المتتابعة ، على خبر لا يصح ، لعلة موهنة له. فلست أدري لم أقحم ابن كثير الاستغفار والتبرؤ في هذا الموضع ، مع وضوح حجة الطبري في الفقرة السالفة. من جهة السياق ، وفي هذه الفقرة من جهة العربية ؟
إن بعض المشكلات التي يدور عليها جدال الناس ، ربما أغفلت مثل ابن كثير عن مواطن الدقة والصواب والتحري ، وهم يفسرون كتاب الله الذي لا يخالف بعضه بعضا ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل ، ونستهديك في البيان عن معاني كتابك.

(2/560)


وقد كان بعض نحويي البصرة يوجه قوله : (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) إلى الحال ، كأنه كان يرى أن معناه : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسئول عن أصحاب الجحيم. وذلك إذا ضم " التاء " ، وقرأه على معنى الخبر ، وكان يجيز على ذلك قراءته : " ولا تسأل " ، بفتح " التاء " وضم " اللام " على وجه الخبر بمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، غير سائل عن أصحاب الجحيم. وقد بينا الصواب عندنا في ذلك.
وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري في ذلك ، يدفعهما ما روي عن ابن

(2/561)


مسعود وأبي من القراءة ، (1) لأن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من " ما " و " لن " يدل على انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله : (ولا تسأل). وإذا كان ابتداء لم يكن حالا.
* * *
وأما(أصحاب الجحيم) ، ف " الجحيم " ، هي النار بعينها إذا شبت وقودها ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
إذا شبت جهنم ثم دارت... وأَعْرَض عن قوابسها الجحيم (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : يرفعهما ما روي . . . " والصواب ما أثبت .
(2) ديوانه : 53 ، وروايته : " ثم فارت " ، وكأنها هي الصواب ، وأخشى أن يكون البيت محرفا . لم أعرف معنى " قوابسها " هناك ، وأظنه " قدامسها " جمع قدموس ، وهي الحجارة الضخمة الصلبة ، كقوله تعالى : " وقودها الناس والحجارة " ، وأعرض الشيء اتسع وعرض ، وقوله " عن " أي بسبب قذف هذه الحجارة فيها . هذا أقرب ما اهتديت إليه من معناه ، ويرجح ذلك البيت الذي يليه ، وفيه جواب " إذا " : تحش بصندل صم صلاب ... كأن الضاحيات لها قضيم
وكأنه يعني بالضاحيات : النخيل . وشعر أمية مشكل على كل حال .

(2/562)


وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ، وليست اليهود ، يا محمد ، ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق ، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم ، لأن اليهودية ضد النصرانية ، والنصرانية ضد اليهودية ، ولا تجتمع النصرانية واليهودية

(2/562)


في شخص واحد في حال واحدة ، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك ، إلا أن تكون يهوديا نصرانيا ، وذلك مما لا يكون منك أبدا ، لأنك شخص واحد ، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة. وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل ، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل. وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل ، فالزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الألفة عليه سبيل .
* * *
وأما " الملة " فإنها الدين ، وجمعها الملل.
* * *
ثم قال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد - لهؤلاء النصارى واليهود الذين قالوا : ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) - (إن هدى الله هو الهدى) ، يعني إن بيان الله هو البيان المقنع ، والقضاء الفاصل بيننا ، فهلموا إلى كتاب الله وبيانه - الذي بين فيه لعباده ما اختلفوا فيه ، وهو التوراة التي تقرون جميعا بأنها من عند الله ، يتضح لكم فيها المحق منا من المبطل ، وأينا أهل الجنة ، وأينا أهل النار ، وأينا على الصواب ، وأينا على الخطأ.
وإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى هدى الله وبيانه ، لأن فيه تكذيب اليهود والنصارى فيما قالوا من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، وبيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن المكذب به من أهل النار دون المصدق به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولئن اتبعت) ، يا محمد ، هوى هؤلاء اليهود والنصارى - فيما يرضيهم عنك - من تهود وتنصر ، فصرت من ذلك

(2/563)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)

إلى إرضائهم ، ووافقت فيه محبتهم - من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم ، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة - ما لك من الله من ولي يعني بذلك : ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك ، وقيم يقوم به ولا نصير ، ينصرك من الله ، فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته ، ويمنعك من ذلك ، إن أحل بك ذلك ربك.وقد بينا معنى " الولي " و " النصير " فيما مضى قبل. (1)
وقد قيل : إن الله تعالى ذكره أنزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن اليهود والنصارى دعته إلى أديانها ، وقال كل حزب منهم : إن الهدى هو ما نحن عليه دون ما عليه ، غيرنا من سائر الملل. فوعظه الله أن يفعل ذلك ، وعلمه الحجة الفاصلة بينهم فيما ادعى كل فريق منهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله : (الذين آتيناهم الكتاب) فقال بعضهم : هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من أصحابه.
*ذكر من قال ذلك :
1878 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : (الذين آتيناهم الكتاب) ، هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به.
* * *
وقال آخرون : بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل ، الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله ، فأقروا بحكم التوراة. فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 488 ، 489 .

(2/564)


الله عليه وسلم ، والإيمان به ، والتصديق بما جاء به من عند الله.
*ذكر من قال ذلك :
1879 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ، قال : من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون.
* * *
وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة. لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين ، وتبديل من بدل منهم كتاب الله ، وتأولهم إياه على غير تأويله ، وادعائهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر ، فيكون قوله : (الذين آتيناهم الكتاب) ، موجها إلى الخبر عنهم ، ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها ، فيكون موجها ذلك إلى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد انقضاء قصص غيرهم ، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم له. (1)
فإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجها إلى أنه خبر عمن قص الله جل ثناؤه [قصصهم] في الآية قبلها والآية بعدها ، (2) وهم أهل الكتابين : التوراة والإنجيل. وإذْ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : الذين آتيناهم الكتاب الذي قد عرفته يا محمد - وهو التوراة - فقرءوه واتبعوا ما فيه ، فصدقوك وآمنوا بك ، وبما جئت به من عندي ، أولئك يتلونه حق تلاوته.
* * *
__________
(1) رحم الله أبا جعفر ، فهو لا يدع الاحتجاج الصحيح عند كل آية ، ولكن بعض أهل التفسير يتجاوزون ويتساهلون ، فليتهم نهجوا نهجه في الضبط والحفظ والاستدلال .
(2) ما بين القوسين زيادة لا بد منها .

(2/565)


وإنما أدخلت الألف واللام في " الكتاب " لأنه معرفة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عرفوا أي الكتب عنى به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل : (يتلونه حق تلاوته) ، فقال بعضهم : معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه.
*ذكر من قال ذلك :
1880 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثني ابن أبي عدي ، وعبد الأعلى ، وحدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا ابن أبي عدي جميعا ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : (يتلونه حق تلاوته) ، يتبعونه حق اتباعه.
1881 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن عكرمة بمثله.
1880 - وحدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة بمثله.
1883 - حدثني الحسن بن عمرو العنقزي قال ، حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في قوله الله عز وجل : ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) ، قال : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه. (1)
1884 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، قال أبو مالك : إن ابن عباس قال في : (يتلونه حق تلاوته) ، فذكر مثله ، إلا أنه قال : ولا يحرفونه عن مواضعه.
1885 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا المؤمل قال ، حدثنا سفيان قال :
__________
(1) الأثر : 1883 - في المطبوعة : " الحسن بن عمرو العبقري " ، وانظر التعليق على الأثر رقم : 1625 وكذلك مضى في الأثر : 1655 " الحسن " ، وهو خطأ ، نصححه .

(2/566)


حدثنا يزيد ، عن مرة ، عن عبد الله في قول الله عز وجل : (يتلونه حق تلاوته) : قال : يتبعونه حق اتباعه.
1886 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال ، قال عبد الله بن مسعود : والذي نفسي بيده ، إن حق تلاوته : أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله.
1887 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود في قوله : (يتلونه حق تلاوته) ، أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ولا يحرفه عن مواضعه.
1888 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا [أبو أحمد] الزبيري قال ، حدثنا عباد بن العوام عمن ذكره ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : (يتلونه حق تلاوته) يتبعونه حق اتباعه.
1889 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا عباد بن العوام ، عن الحجاج ، عن عطاء ، بمثله.
1890 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي رزين في قوله : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : يتبعونه حق اتباعه.
1891 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان - وحدثني المثنى قال ، حدثني أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان -
وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال ، حدثنا يحيى بن إبراهيم ، عن سفيان - قالوا جميعا : عن منصور ، عن أبي رزين ، مثله.
1892 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن مجاهد : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : عملا به. (1)
__________
(1) الأثر : 1892 - في المطبوعة : " أبو حميد " ، والصواب ما اثبت ، وهو محمد بن حميد ، وهو كثير ذكره فيما سلف .

(2/567)


1893 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن قيس بن سعد : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : يتبعونه حق اتباعه ، ألم تر إلى قوله : ( وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) [سورة الشمس : 2] ، يعني الشمس إذا تَبعها القمر.
1894 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء وقيس بن سعد ، عن مجاهد في قوله : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : يعملون به حق عمله.
1895 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد قال ، يتبعونه حق اتباعه.
1896 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
1897 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (يتلونه حق تلاوته) ، يعملون به حق عمله.
1898 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن مجاهد في قوله : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : يتبعونه حق اتباعه.
1899 - حدثني عمرو قال ، حدثنا أبو قتيبة قال ، حدثنا الحسن بن أبي جعفر ، عن أبي أيوب ، عن أبي الخليل ، عن مجاهد : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : يتبعونه حق اتباعه. (1)
__________
(1) الخبر : 1899 - أبو قتيبة : هو سلم بن قتيبة الشعيري - بفتح الشين المعجمة - الخراساني ، وهو ثقة مأمون ، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/160 ، وابن أبي حاتم 2/1/1226.
الحسن بن أبي جعفر الجفري : حسن الحديث ، تكلموا فيه ، ورجحنا تحسين أحاديثه مفصلا في شرح المسند : 5818 . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/286 وابن أبي حاتم 1/2/29 . و " الجفري " : بضم الجيم وسكون الفاء ، نسبة إلى " جفرة خالد " بالبصرة . كما في الأنساب واللباب والمشتبه . أيوب : هو السختياني ، وفي المطبوعة " عن أبي أيوب " . وهو خطأ . استقينا تصويبه من التراجم . أبو الخليل : هو صالح بن أبي مريم الضبعي ، وهو ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/290 وابن أبي حاتم 2/1/415 - 416 .

(2/568)


1900 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى القطان ، عن عبد الملك ، عن عطاء قوله : (يتلونه حق تلاوته) قال : يتبعونه حق اتباعه ، يعملون به حق عمله.
1901 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثني أبي ، عن المبارك ، عن الحسن : (يتلونه حق تلاوته) قال : يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. (1)
1902 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وعملوا بما فيه ، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول : إن حق تلاوته : أن يحل حلاله ، ويحرم حرامه ، وأن يقرأه كما أنزله الله عز وجل ، ولا يحرفه عن مواضعه.
1903 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا الحكم بن عطية ، سمعت قتادة يقول : (يتلونه حق تلاوته) قال : يتبعونه حق اتباعه. قال : اتباعه : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ويقرءونه كما أنزل.
1904 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم عن داود ، عن عكرمة في قوله : (يتلونه حق تلاوته) ، قال : يتبعونه حق اتباعه ، أما سمعت قول الله عز وجل : ( وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) [سورة الشمس : 2] ، قال : إذا تبعها.
* * *
وقال آخرون : (يتلونه حق تلاوته) ، يقرءونه حق قراءته. (2)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك أنه بمعنى : يتبعونه حق اتباعه ، من قول القائل : ما زلت أتلو أثره ، إذا اتبع أثره ، (3) لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.
__________
(1) الخبر : 1901 - مبارك : هو ابن فضالة . وهو من أخص الناس بالحسن البصري . كما قلنا في : 611 .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 411 .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 411 .

(2/569)


وإذ كان ذلك تأويله ، فمعنى الكلام : الذين آتيناهم الكتاب ، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي ، يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه ، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك ، وأنك رسولي ، فرضٌ عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي ، ويعملون بما أحللت لهم ، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه ، ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنزلته عليهم - بتأويل ولا غيره.
* * *
أما قوله : (حق تلاوته) ، فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ولزومهم العمل به ، كما يقال : " إن فلانا لعالم حق عالم " ، وكما يقال : " إن فلانا لفاضل كل فاضل " (1)
* * *
وقد اختلف أهل العربية في إضافة " حق " إلى المعرفة ، فقال بعض نحويي الكوفة : غير جائزة إضافته إلى معرفة لأنه بمعنى " أي " ، وبمعنى قولك : " أفضل رجل فلان " ، و " أفعل " لا يضاف إلى واحد معرفة ، لأنه مبعض ، ولا يكون الواحد المبعض معرفة. فأحالوا أن يقال : " مررت بالرجل حق الرجل " ، و " مررت بالرجل جِدِّ الرجل " ، كما أحالوا " مررت بالرجل أي الرجل " ، وأجازوا ذلك في " كل الرجل " و " عين الرجل " و " نفس الرجل " . (2) وقالوا : إنما أجزنا ذلك لأن هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا ، فلما صرن مدوحا ، تركن مدوحا على أصولهن في المعرفة.
وزعموا أن قوله : (يتلونه حق تلاوته) ، إنما جازت إضافته إلى التلاوة ، وهي مضافة إلى معرفة ، لأن العرب تعتد ب " الهاء " - إذا عادت إلى نكرة - بالنكرة ، فيقولون : " مررت برجل واحد أمه ، ونسيج وحده ، وسيد قومه " ، قالوا : فكذلك قوله : (حق تلاوته) ، إنما جازت إضافة " حق " إلى " التلاوة " وهي مضافة إلى
__________
(1) انظر سيبويه 1 : 223 - 224 .
(2) في المطبوعة " غير الرجل " .

(2/570)


" الهاء " ، لاعتداد العرب ب " الهاء " التي في نظائرها في عداد النكرات. قالوا : ولو كان ذلك " حق التلاوة " ، لوجب أن يكون جائزا : " مررت بالرجل حق الرجل " .
فعلى هذا القول تأويل الكلام : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة.
* * *
وقال بعض نحويي البصرة : جائزة إضافة " حق " إلى النكرات مع النكرات ، ومع المعارف إلى المعارف ، وإنما ذلك نظير قول القائل : " مررت بالرجل غلام الرجل " ، و " برجل غلام رجل " .
فتأويل الآية على قول هؤلاء : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته (1)
* * *
وأولى ذلك بالصواب عندنا القول الأول ، لأن معنى قوله : (حق تلاوته) ، أي تلاوة ، بمعنى مدح التلاوة التي تلوها وتفضيلها. " وأي " غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم. وكذلك " حق " غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة .
وإنما أضيف في(حق تلاوته ) إلى ما فيه " الهاء " لما وصفت من العلة التي تقدم بيانها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (أولئك) ، هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يتلون ما آتاهم من الكتاب حق تلاوته ، وأما قوله : (يؤمنون) ، فإنه يعني : يصدقون به. و " الهاء " التي في قوله : " به " عائدة على " الهاء " التي في " تلاوته " ، وهما جميعا من ذكر الكتاب الذي قاله الله : (الذين آتيناهم الكتاب) .
فأخبر الله جل ثناؤه أن المؤمن بالتوراة ، هو المتبع ما فيها من حلالها وحرامها ، والعامل بما فيها من فرائض الله التي فرضها فيها على أهلها ، وأن أهلها الذين هم أهلها من كان ذلك صفته ، دون من كان محرفا لها مبدلا تأويلها ، مغيرا
__________
(1) الصواب أن يقول : " حق تلاوة الكتاب " ، ولعل الناسخ أخطأ .

(2/571)


سننها تاركا ما فرض الله فيها عليه.
* * *
وإنما وصف جل ثناؤه من وُصف بما وصف به من متبعي التوراة ، وأثنى عليهم بما أثنى به عليهم ، لأن في اتباعها اتباع محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، لأن التوراة تأمر أهلها بذلك ، وتخبرهم عن الله تعالى ذكره بنبوته ، وفرض طاعته على جميع خلق الله من بني آدم ، وأن في التكذيب بمحمد التكذيب لها. فأخبر جل ثناؤه أن متبعي التوراة هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم العاملون بما فيها ، كما : -
1905 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (أولئك يؤمنون به) ، قال : من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل ، وبالتوراة ، وإن الكافر بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الكافر بها الخاسر ، كما قال جل ثناؤه : (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون). (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ومن يكفر به) ، ومن يكفر بالكتاب الذي أخبر أنه يتلوه - من آتاه من المؤمنين - حق تلاوته. ويعني بقوله جل ثناؤه : (يكفر) ، يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتصديقه ، ويبدله فيحرف تأويله ، أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم ، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه. وقال ابن زيد في قوله ، بما : -
1906 - حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
__________
(1) انظر ما سلف في معنى " الخاسر " 1 : 417 ثم هذا الجزء 2 : 166 .

(2/572)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122)

(ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) ، قال : من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود ، (فأولئك هم الخاسرون).
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) }
قال أبو جعفر : وهذه الآية عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتذكير منه لهم ما سلف من أياديه إليهم في صنعه بأوائلهم ، استعطافا منه لهم على دينه وتصديق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا بني إسرائيل اذكروا أيادي لديكم ، وصنائعي عندكم ، واستنقاذي إياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه ، وإنزالي عليكم المن والسلوى في تيهكم ، وتمكيني لكم في البلاد ، بعد أن كنتم مذللين مقهورين ، واختصاصي الرسل منكم ، وتفضيلي إياكم على عالم من كنتم بين ظهرانيه ، أيام أنتم في طاعتي - (1) باتباع رسولي إليكم ، وتصديقه وتصديق ما جاءكم به من عندي ، ودعوا التمادي في الضلال والغي.
وقد ذكرنا فيما مضى النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل ، والمعاني التي ذكرهم جل ثناؤه من آلائه عندهم ، والعالم الذي فضلوا عليه - فيما مضى قبل ، بالروايات والشواهد ، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته ، إذْ كان المعنى في ذلك في هذا الموضع وهنالك واحدا. (2)
* * *
__________
(1) إن لم يكن قد سقط هنا قوله : " وأعظكم باتباع رسولي . . " ، فإن قوله " باتباع رسولي " متعلق بقوله في صدر الخطاب : " اذكروا أيادي لديكم . . " .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 23 - 26 .

(2/573)


وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)

القول في تأويل قوله : { وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) }
قال أبو جعفر : وهذه الآية ترهيب من الله جل ثناؤه للذين سلفت عظته إياهم بما وعظهم به في الآية قبلها. يقول الله لهم : واتقوا - يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي وتنزيلي ، المحرفين تأويله عن وجهه ، المكذبين برسولي محمد صلى الله عليه وسلم - عذاب يوم لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا ، ولا تغني عنها غناء ، أن تهلكوا على ما أنتم عليه من كفركم بي ، وتكذيبكم رسولي ، فتموتوا عليه ، فإنه يوم لا يقبل من نفس فيما لزمها فدية ، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق لها شافع ، ولا هي ينصرها ناصر من الله إذا انتقم منها بمعصيتها إياه. (1)
* * *
وقد مضى البيان عن كل معاني هذه الآية في نظيرتها قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ولا هم ينصرهم " ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت .
(2) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 26 - 36 .

(2/574)


وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)

بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وإذ ابتلى) ، وإذا اختبر.
* * *
يقال منه : " ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء " ، ومنه قول الله عز وجل : ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ) [سورة النساء : 6] ، يعني به : اختبروهم. (1) .
* * *
وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم ، اختبارا بفرائض فرضها عليه ، وأمر أمره به. وذلك هو " الكلمات " التي أوحاهن إليه ، وكلفه العمل بهن ، امتحانا منه له واختبارا.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة " الكلمات " التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه.
* * *
فقال بعضهم : هي شرائع الإسلام ، وهي ثلاثون سهما. (2)
* ذكر من قال ذلك :
1907 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ،
__________
(1) انظر ما سلف في الجزء 2 : 48 ، 49 .
(2) السهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر ، وهي القداح . ثم سمى ما يفوز به الفالج سهما ، ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهما . وقوله هنا يدل على أنهم استعملوه في كل جزء من شيء يتجزأ وهو جملة واحدة . فقوله : " سهما " هنا ، أي خصلة وشعبة . وسيأتي شاهدها في الأخبار الآتية .

(2/7)


قال ابن عباس : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم ، ابتلاه الله بكلمات ، فأتمهن. قال : فكتب الله له البراءة فقال : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [سورة النجم : 37]. قال : عشر منها في " الأحزاب " ، وعشر منها في " براءة " ، وعشر منها في " المؤمنون " و " سأل سائل " ، وقال : إن هذا الإسلام ثلاثون سهما. (1)
1908 - حدثنا إسحاق بن شاهين قال ، حدثنا خالد الطحان ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم ، ابتلي بالإسلام فأتمه ، فكتب الله له البراءة فقال : " وإبراهيم الذي وفى " ، فذكر عشرا في " براءة " [112] فقال : ( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ ) إلى آخر الآية ، (2) وعشرا في " الأحزاب " [35] ، ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ) ، وعشرا في " سورة المؤمنون " [1 - 9] إلى قوله : ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) ، وعشرا في " سأل سائل " [22 - 34]( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ).
1909 - حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال ، حدثنا علي بن الحسن قال ، حدثنا خارجة بن مصعب ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الإسلام ثلاثون سهما ، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم ، قال الله : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) ، فكتب الله له براءة من النار. (3)
* * *
__________
(1) سيأتي بيانها في الأثر التالي .
(2) في المطبوعة : " الآيات " ، والصواب ما أثبت .
(3) الخبر 1909 - عبد الله بن أحمد بن شبويه : هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن ثابت بن مسعود بن يزيد ، أبو عبد الرحمن ، عرف بابن شبويه ، وهو من أئمة الحديث ، كما قال الخطيب . مترجم في تاريخ بغداد 9 : 371 ، وله ترجمة موجزة في ابن أبي حاتم . ووقع في المطبوعة هنا " عبيد الله بن أحمد بن شبرمة " . وهو تحريف وخطأ . صححناه من التاريخ ، ومما سيأتي في التفسير .
علي بن الحسن بن شقيق بن دينار : ثقة ، من شيوح أحمد ، والبخاري ، وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وفي شرح المسند : 7437 .
وهذا الخبر سيأتي بهذا الإسناد ، في التفسير : 27 : 43 (بولاق) . وكذلك رواه أبو جعفر بهذا الإسناد ، في التاريخ 1 : 144 .
وذكره ابن كثير 1 : 302 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، والحاكم . وذكره السيوطي 1 : 111 - 112 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وابن مردويه ، وابن عساكر . وهذا الإسناد صحيح .

(2/8)


وقال آخرون : هي خصال عشر من سنن الإسلام.
* ذكر من قال ذلك :
1910 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد. في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس. وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. (1)
1911 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الحكم بن أبان ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن ابن عباس ، بمثله - ولم يذكر أثر البول.
1912 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال قال ، حدثنا قتادة في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، ابتلاه بالختان ، وحلق العانة ، وغسل القبل والدبر ، والسواك ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط. قال أبو هلال : ونسيت خصلة.
1913 - حدثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن مطر ، عن أبي الخلد قال : ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء ، هن في الإنسان : سنة :
__________
(1) الخبر : 1910 - وهذا الإسناد صحيح أيضًا .
وهو في تفسير عبد الرزاق (مخطوطة دار الكتب المصورة) ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه أبو جعفر في التاريخ 1 : 144 ، من تفسير عبد الرزاق . بهذا الإسناد .
وكذلك رواه الحاكم 2 : 266 ، من طريق ابن طاوس عن أبيه ، به . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير 1 : 301 . وكذلك ذكره السيوطي 1 : 111 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه .

(2/9)


الاستنشاق ، وقص الشارب ، والسواك ، ونتف الإبط ، وقلم الأظفار ، وغسل البراجم ، والختان ، وحلق العانة ، وغسل الدبر والفرج (1) .
* * *
وقال بعضهم : بل " الكلمات " التي ابتلي بهن عشر خلال; بعضهن في تطهير الجسد ، وبعضهن في مناسك الحج.
*ذكر من قال ذلك :
1914 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال : حدثنا محمد بن حرب قال ، حدثنا ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن حنش ، عن ابن عباس في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال ، ستة في الإنسان ، وأربعة في المشاعر. فالتي في الإنسان : حلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر : الطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، والإفاضة. (2)
* * *
وقال آخرون : بل ذلك : " إني جاعلك للناس إماما " ، في مناسك الحج.
* ذكر من قال ذلك :
1915 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، فمنهن : " إني جاعلك للناس إماما " ، وآيات النسك. (3)
1916 - حدثنا أبو السائب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت إسماعيل
__________
(1) الخبر : 1913 - مطر : هو ابن طهمان الوراق . وأبو الجلد : بفتح الجيم وسكون اللام ، سبق بيانه : 434 . وفي المطبوعة " أبو الخلد " بالخاء المعجمة بدل الجيم ، وهو تصحيف تكرر فيها كثيرا .
البراجم جمع برجمة (بضم الباء وسكون الراء وضم الجيم) : وهي ظهور القصب من مفاصل الأصابع .
(2) الخبر : 1914 - ابن هبيرة : هو عبد الله بن هبيرة السبائي المصري ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وغيره ، وخرج له مسلم في الصحيح . حنش ، بفتحتين وبالشين المعجمة : هو ابن عبد الله السبائي الصنعاني ، من صنعاء دمشق - وهي قرية بالغوطة من دمشق - وهو تابعي ثقة .
وهذا الخبر رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى . عن ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، بهذا الإسناد - كما في ابن كثير 1 : 302 . وهو إسناد صحيح .
(3) يأتي بيان آيات النسك في الخبرين التاليين .

(2/10)


بن أبي خالد ، عن أبي صالح مولى أم هانئ في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، منهن " إني جاعلك للناس إماما " ومنهن آيات النسك : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) [سورة البقرة : 127].
1917 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال الله لإبراهيم : إني مبتليك بأمر فما هو ؟ قال : تجعلني للناس إماما! قال : نعم. قال : ومن ذريتي. قال : لا ينال عهدي الظالمين. قال : تجعل البيت مثابة للناس. قال : نعم. [قال] : وأمنا. قال : نعم. [قال] : وتجعلنا مسلمين لك ، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. قال : نعم. [قال] : وترينا مناسكنا وتتوب علينا. قال : نعم. قال : وتجعل هذا البلد آمنا. قال : نعم. قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم. قال : نعم.
1918 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
1919 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، أخبره به عن عكرمة ، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
1920 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج : فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة جميعا.
1921 - حدثنا سفيان قال ، حدثني أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال ، ابتلي بالآيات التي بعدها : " إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " .
1922 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن

(2/11)


الربيع في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، فالكلمات : " إني جاعلك للناس إماما " ، وقوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " ، وقوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وقوله : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل " الآية ، وقوله : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " الآية. قال : فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. (1)
1923 - حدثني محمد بن سعد (2) قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، فمنهن : " إني جاعلك للناس إماما " ، ومنهن : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " ، ومنهن الآيات في شأن النسك ، والمقام الذي جعل لإبراهيم ، والرزق الذي رزق ساكنو البيت ، ومحمد صلى الله عليه وسلم في ذريتهما عليهما السلام.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك مناسك الحج خاصة.
* ذكر من قال ذلك :
1924 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا سلم بن قتيبة قال ، حدثنا عمر بن نبهان ، عن قتادة ، عن ابن عباس في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، مناسك الحج. (3)
1925 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، كان ابن عباس يقول في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، المناسك.
__________
(1) في المطبوعة : " فذلك كلمة من الكلمات " ، والصواب من ابن كثير 1 : 303 .
(2) في المطبوعة : " محمد بن سعيد " ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في الطبري ، وانظر رقم : 305 .
(3) الخبر : 1924 - هذا الإسناد ضعيف من ناحيتين . أما سلم - بفتح السين وسكون اللام - ابن قتيبة أبو قتيبة : فإنه ثقة ، خرج له البخاري في صحيحه . وأما الضعف ، فلأن " عمر بن نبهان الغبري " بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة : ضعيف جدا ، ذمه الإمام أحمد ، وقال ابن معين : ليس بشيء . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/138 . والوجه الآخر من الضعف : أنه منقطع ، لأن قتادة لم يدرك ابن عباس .

(2/12)


1926 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال ، قال ابن عباس : ابتلاه بالمناسك.
1927 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، قال : بلغنا عن ابن عباس أنه قال : إن الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم ، المناسك.
1928 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، مناسك الحج.
1929 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، منهن مناسك الحج. (1)
* * *
وقال آخرون : هي أمور ، منهن الختان.
* ذكر من قال ذلك :
1930 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا سلم بن قتيبة ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن الشعبي : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، منهن الختان.
1931 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، قال : سمعت الشعبي يقول ، فذكر مثله.
1932 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال ، سمعت الشعبي - وسأله أبو إسحاق عن قول الله : " وإذ ابتلى
__________
(1) الخبران : 1928 ، 1929 - أبو إسحق : هو السبيعي ، عمرو بن عبد الله الهمداني ، الإمام التابعي الثقة ، التميمي : هو " أربدة " بسكون الراء وكسر الباء الموحدة . ويقال " أربد " بدون هاء . وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/64 ، وابن أبي حاتم 1/1/345 ، وقد عرف بأني راوي التفسير عن ابن عباس . وفي المسند : 2405 - في حديث آخر " عن أبي إسحاق ، عن التميمي الذي يحدث التفسير " . لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي .

(2/13)


إبراهيم ربه بكلمات " - قال ، منهن الختان ، يا أبا إسحاق.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك الخلال الست : الكوكب ، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والختان ، التي ابتلي بهن فصبر عليهن.
* ذكر من قال ذلك :
1933 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، قال : قلت للحسن : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " . قال : ابتلاه بالكوكب ، فرضي عنه ؛ وابتلاه بالقمر ، فرضي عنه ؛ وابتلاه بالشمس ، فرضي عنه ؛ وابتلاه بالنار ، فرضي عنه ؛ وابتلاه بالهجرة ، وابتلاه بالختان.
1934 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : إي والله ، ابتلاه بأمر فصبر عليه : ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر ، فأحسن في ذلك ، وعرف أن ربه دائم لا يزول ، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين ؛ ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله ؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة ، فصبر على ذلك ؛ فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان ، فصبر على ذلك.
1935 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عمن سمع الحسن يقول في قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، ابتلاه الله بذبح ولده ، وبالنار ، وبالكوكب ، والشمس ، والقمر.
1936 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا سلم بن قتيبة قال ، حدثنا أبو هلال ، عن الحسن : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال ، ابتلاه بالكوكب ، وبالشمس والقمر ، فوجده صابرا.
* * *
وقال آخرون بما :
1937 - حدثنا به موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا

(2/14)


أسباط ، عن السدي : الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه : ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ ) [سورة البقرة : 127 - 129]
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه ، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن ، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. (1) وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل " الكلمات " ، وجائز أن تكون بعضه. لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك ، فعمل به ، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك ، فغير جائز لأحد أن يقول : عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء ، ولا عنى به كل ذلك ، إلا بحجة يجب التسليم لها : من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد ، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران ، لو ثبتا ، أو أحدهما ، كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب. أحدهما ، ما : -
1938 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا رشدين بن سعد قال ، حدثني زبّان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله : ( الَّذِي وَفَّى ) ؟ [سورة النجم : 37] لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) [سورة الروم : 17] حتى يختم الآية. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " وأتمهن " بالواو ، والأجود ما أثبت .
(2) الحديث : 1939 - إسناده منهار لا تقوم له قائمة . وقد ضعفه الطبري نفسه ، هو والحديث الذي بعده . وقال ابن كثير 1 : 304 - بعد إشارته إلى ذلك : " وهو كما قال ، فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما ، وضعفهما من وجود عديدة ، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء ، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه " .
رشدين بن سعد : ضعيف جدا ، وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند : 5748 ، و " رشدين " : بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وكسر الدال وبعد الياء نون ، ووقع في المطبوعة وفي ابن كثير " راشد " . وهو تصحيف .
زبان بن فائد المصري الحمراوي : ضعيف أيضًا . قال أحمد : " أحاديثه مناكير " ، وضعفه ابن معين . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/405 ، وابن أبي حاتم 1/2/616 . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 210 مخطوطة مصور عندي) : " منكر الحديث جدا ، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة " . و " زبان " : بالزاي المعجمة وتشديد الباء الموحدة . ووقع في المطبوعة " ريان " بالراء والتحتية ، وهو تصحيف .
سهل بن معاذ بن أنس الجهني : ضعيف أيضًا ، ضعفه ابن معين . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 232) : " روى عنه زبان بن فائد ، منكر الحديث جدا . فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان بن فائد ؟ فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها أحدهما ساقطة " .
وهذا الحديث - على ما فيه من ضعف شديد - رواه أحمد في المسند : 15688 (ج 3 ص 439 حلبي) . بل إنه روى هذه النسخة ، التي كاد ابن حبان أن يجزم بأنها موضوعة .

(2/15)


والآخر منهما ما : -
1939 - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا الحسن بن عطية قال ، حدثنا إسرائيل ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإبراهيم الذي وفى " قال ، أتدرون ما " وفى " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : وفي عمل يومه ، أربع ركعات في النهار. (1)
* * *
__________
(1) الحديث : 1939 - ضعفه أيضًا الطبري ووافقه ابن كثير ، كما قلنا في الذي قبله . الحسن بن عطية بن نجيح الكوفي : ثقة ، روى عنه البخاري في الكبير 2/1/299 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة ، وقال أبو حاتم : " صدوق " . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/27 . وهو غير " الحسن بن عطية بن سعد العوفي ، السابق ترجمته في : 305 .
إسرائيل : هو ابن يونس بن إسحاق السبيعي ، وهو ثقة ، مضى في : 1291 .
جعفر بن الزبير الحنفي ، أو الباهلي ، الدمشقي ثم البصري : ضعيف جدا . مترجم في التهذيب ، وفي الكبير للبخاري 1/2/191 ، وفي الضعفاء له ، ص : 7 ، وقال : " متروك الحديث ، تركوه " ، وفي ابن أبي حاتم 1/1/479 . وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 142) : " روى عن القاسم مولى معاوية وغيره ، أشياء كأنها موضوعة " . وقال أبو حاتم : " روى جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، نسخة موضوعة ، أكثر من مئة حديث " .
وأما القاسم : فهو ابن عبد الرحمن الشامي ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، وقد اختلف فيه ، والراجح أنه ثقة ، وأن ما أنكر عليه إنما جاء من الرواة عنه الضعفاء . وقد بينا ذلك في شرح المسند : 598 ، وما علقنا به على تهذيب السنن للمنذري : 2376 .
والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 6 : 129 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وغيرهم ، وقال : " بسند ضعيف " .

(2/16)


قال أبو جعفر : فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه صحيحا سنده ، كان بينا أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن ، هو قوله كلما أصبح وأمسى : " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون " - أو كان خبر أبي أمامة عدولا نقلته ، كان معلوما أن الكلمات التي أوحين إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهن : أن يصلي كل يوم أربع ركعات. غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في معنى " الكلمات " التي أخبر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم ، ما بينا آنفا.
ولو قال قائل في ذلك : إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس ، أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم ، كان مذهبا. لأن قوله : " إني جاعلك للناس إماما " ، وقوله : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين " وسائر الآيات التي هي نظير ذلك ، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَأَتَمَّهُنَّ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " فأتمهن " ، فأتم إبراهيم الكلمات. و " إتمامه إياهن " ، إكماله إياهن ، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن ، وهو الوفاء الذي
__________
(1) وقد نقل ابن كثير في تفسيره 1 : 304 هذه الفقرة من أول قوله " ولو قال قائل " ثم عقب عليه بقوله : " قلت : والذي قاله أولا : من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر ، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله . لأن السياق يعطى غير ما قالوه ، والله أعلم " . لم يأت ابن كثير بشيء ، فإن قول الطبري بين ، وهو قاض بأن الصواب هو القول الأول ، وأن هذا الثاني لو قيل كان مذهبا . وهذه كلمة تضعيف لا كلمة تقوية .

(2/17)


قال الله جل ثناؤه : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [سورة النجم : 37] ، يعني وفى بما عهد إليه ، " بالكلمات " ، بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها ، (1) كما : -
1940 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : " فأتمهن " ، أي فأداهن.
1941 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فأتمهن " ، أي عمل بهن فأتمهن.
1942 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " فأتمهن " ، أي عمل بهن فأتمهن.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " إني جاعلك للناس إماما " ، فقال الله : يا إبراهيم ، إني مصيرك للناس إماما ، يؤتم به ويقتدى به ، كما : -
1943 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " إني جاعلك للناس إماما " ، ليؤتم به ويقتدى به.
* * *
يقال منه : " أممت القوم فأنا أؤمهم أما وإمامة " ، إذا كنت إمامهم.
* * *
وإنما أراد جل ثناؤه بقوله لإبراهيم : " إني جاعلك للناس إماما " ، إني مصيرك تؤم من بعدك من أهل الإيمان بي وبرسلي ، تتقدمهم أنت ، (2) ويتبعون هديك ، ويستنون بسنتك التي تعمل بها ، بأمري إياك ووحيي إليك.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " يعني : وفى بما عهد إليه بالكتاب فأمره به من فرائضه ومحنه فيها " ، وهي عبارة مضطربة لا تستقيم ، وكأن الصواب ما أثبته .
(2) في المطبوعة : " فتقدمهم أنت " ، ليست بشيء .

(2/18)


القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : قال إبراهيم - لمّا رفع الله منزلته وكرمه ، فأعلمه ما هو صانع به ، من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره ، ولمن جاء بعده من ذريته وسائر الناس غيرهم ، يهتدى بهديه ويقتدى بأفعاله وأخلاقه - : يا رب ، ومن ذريتي فاجعل أئمة يقتدي بهم ، كالذي جعلتني إماما يؤتم بي ويقتدى بي. مسألة من إبراهيم ربه سأله إياها ، كما : -
1944 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : قال إبراهيم : " ومن ذريتي " ، يقول : فاجعل من ذريتي من يؤتم به ويقتدى به.
* * *
وقد زعم بعض الناس أن قول إبراهيم : " ومن ذريتي " ، مسألة منه ربه لعقبه أن يكونوا على عهده ودينه ، كما قال : ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) [سورة إبراهيم : 35] ، فأخبر الله جل ثناؤه أن في عقبه الظالم المخالف له في دينه ، بقوله : " لا ينال عهدي الظالمين " .
* * *
والظاهر من التنزيل يدل على غير الذي قاله صاحب هذه المقالة. لأن قول إبراهيم صلوات الله عليه : " ومن ذريتي " ، في إثر قول الله جل ثناؤه : " إني جاعلك للناس إماما " . فمعلوم أن الذي سأله إبراهيم لذريته ، لو كان غير الذي أخبر ربه أنه أعطاه إياه ، لكان مبينا. (1) ولكن المسألة لما كانت مما جرى ذكره ، اكتفى بالذكر الذي قد مضى ، من تكريره وإعادته ، فقال : " ومن ذريتي " ، بمعنى : ومن ذريتي فاجعل مثل الذي جعلتني به ، من الإمامة للناس.
* * *
__________
(1) قوله : " لكان مبينا " ، أي لجاء ما سأل إبراهيم ربه مبينا في الآية .

(2/19)


القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) }
قال أبو جعفر : هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماما يقتدي به أهل الخير. وهو من الله جل ثناؤه جواب لما يتوهم في مسألته إياه (1) أن يجعل من ذريته أئمة مثله. فأخبر أنه فاعل ذلك ، إلا بمن كان من أهل الظلم منهم ، فإنه غير مُصَيِّره كذلك ، ولا جاعله في محل أوليائه عنده ، بالتكرمة بالإمامة. لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته ، دون أعدائه والكافرين به.
* * *
واختلف أهل التأويل في العهد الذي حرم الله جل ثناؤه الظالمين أن ينالوه.
فقال بعضهم : ذلك " العهد " ، هو النبوة.
* ذكر من قال ذلك :
1945 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قال لا ينال عهدي الظالمين " ، يقول : عهدي ، نبوتي.
فمعنى قائل هذا القول في تأويل الآية : لا ينال النبوة أهل الظلم والشرك.
* * *
وقال آخرون : معنى " العهد " : عهد الإمامة.
فتأويل الآية على قولهم : لا أجعل من كان من ذريتك بأسرهم ظالما ، إماما لعبادي يقتدى به.
* ذكر من قال ذلك :
1946 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا يكون إمام ظالما.
__________
(1) في المطبوعة : " لما توهم " ، وهي خطأ ، والصواب ما أثبته ، بالبناء للمجهول .

(2/20)


1947 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قال الله : " لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا يكون إمام ظالما.
1948 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عكرمة بمثله.
1949 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
1950 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله.
1951 - حدثنا مشرَّف بن أبان الحطاب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد في قوله : " لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به. (1) .
1952 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال ، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به.
1953 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن
__________
(1) الخبر : 1951 - مشرف بن أبان أبو ثابت الحطاب ، شيخ الطبري : ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 224 ، وذكر أنه يروي عن ابن عيينة ، وغيره . مات ببغداد سنة 243 . ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا غير ذلك ، و " مشرف " : بوزن " محمد " ، كما نص على أنه الجادة في المشتبه للذهبي ، ص : 484 ، والتبصير للحافظ ابن حجر (مخطوط مصور) .
ووقع في المطبوعة " مسروق " ، وهو خطأ بين ، وقد مضى في : 1383 باسم " بشر بن أبان الحطاب " . وهو خطأ أيضًا . ثم هو سيأتي على الصواب : " مشرف " - في : 2382 .
وأما " الحطاب " ، فهكذا هو الثابت هنا بالحاء المهملة ، وفي تاريخ بغداد " الخطاب " بالمعجمة . ولم أستطع الترجيح بينهما .

(2/21)


ابن جريج ، عن مجاهد : " لا ينال عهدي الظالمين " : قال : لا يكون إماما ظالم.
قال ابن جريج : وأما عطاء فإنه قال : " إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي " ، فأبى أن يجعل من ذريته ظالما إماما. قلت لعطاء : ما عهده ؟ قال : أمره.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه.
* ذكر من قال ذلك :
1954 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " لا ينال عهدي الظالمين " ، يعني : لا عهد لظالم عليك في ظلمه ، أن تطيعه فيه.
1955 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ، عن إسرائيل ، عن مسلم الأعور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال ، ليس للظالمين عهد ، وإن عاهدته فانقضه.
1956 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن سفيان ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال ، ليس لظالم عهد.
* * *
وقال آخرون : معنى " العهد " في هذا الموضع : الأمان.
فتأويل الكلام على معنى قولهم : قال الله لا ينال أماني أعدائي ، وأهل الظلم لعبادي. أي : لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة.
* ذكر من قال ذلك :
1957 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قال لا ينال عهدي الظالمين " ، ذلكم عند الله يوم القيامة ، لا ينال عهده ظالم ، فأما في الدنيا ، فقد نالوا عهد الله ، فوارثوا به المسلمين وغازوهم وناكحوهم به. (1) فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه.
__________
(1) في المطبوعة : " وعادوهم " ، والصواب من الدر المنثور 1 : 118 ، وقوله : " غازوهم " أي كانوا معهم في الغزو وشاركوهم في الغنائم .

(2/22)


1958 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ، وأكل به وعاش.
1959 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن ، عن إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم : " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون. فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به ، وأكل وأبصر وعاش.
* * *
وقال آخرون : بل " العهد " الذي ذكره الله في هذا الموضع : دين الله.
* ذكر من قال ذلك :
1960 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : قال الله لإبراهيم : " لا ينال عهدي الظالمين " فقال : فعهد الله الذي عهد إلى عباده ، دينه. يقول : لا ينال دينه الظالمين. ألا ترى أنه قال : ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ) [سورة الصافات : 113] ، يقول : ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
1961 - حدثني يحيى بن جعفر قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : " لا ينال عهدي الظالمين " قال ، لا ينال عهدي عدو لي يعصيني ، ولا أنحلها إلا وليا لي يطيعني. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وهذا الكلام ، وإن كان ظاهره ظاهر خبر عن أنه لا ينال من ولد إبراهيم صلوات الله عليه عهد الله - الذي هو النبوة والإمامة لأهل الخير ،
__________
(1) الأثر : 1961 - يحيى بن جعفر ، هو يحيى بن أبي طالب ، وانظر الأثر رقم : 284 .

(2/23)


بمعنى الاقتداء به في الدنيا ، والعهد الذي بالوفاء به ينجو في الآخرة ، من وفى لله به في الدنيا (1) - من كان منهم ظالما متعديا جائرا عن قصد سبيل الحق (2) . فهو إعلام من الله تعالى ذكره لإبراهيم : أن من ولده من يشرك به ، ويجور عن قصد السبيل ، ويظلم نفسه وعباده ، كالذي : -
1962 - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال ، حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن مجاهد في قوله : " لا ينال عهدي الظالمين " قال : إنه سيكون في ذريتك ظالمون (3)
* * *
وأما نصب " الظالمين " ، فلأن العهد هو الذي لا ينال الظالمين.
وذكر أنه في قراءة ابن مسعود : " لا ينال عهدي الظالمون " ، بمعنى : أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد الله.
* * *
وإنما جاز الرفع في " الظالمين " والنصب ، وكذلك في " العهد " ، لأن كل ما نال المرء فقد ناله المرء ، كما يقال : " نالني خير فلان ، ونلت خيره " ، فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه.
* * *
وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى ، فكرهنا إعادته. (4)
* * *
__________
(1) سياق هذه الجملة المعترضة : " . . لا ينال من ولد إبراهيم عهد الله . . . من كان منهم ظالما . . . " .
(2) وسياق هذه الجملة التي اعترضتها الجملة الطويلة السالفة : " وإن كان ظاهره ظاهر خبر . . فهو إعلام من الله . . . " ، وهكذا دأب أبي جعفر رضي الله عنه .
(3) الأثر : 1962 - في المطبوعة " عتاب بن بشر " ، وهو خطأ . هو عتاب بن بشير الجزري أبو الحسن ويقال أبو سهل الحراني (تهذيب التهذيب) والتاريخ الكبير للبخاري 4/1/56 .
(4) انظر ما سلف 1 : 523 - 524 .

(2/24)


وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ }
قال أبو جعفر : أما قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة " ، فإنه عطف ب " إذ " على قوله : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " . وقوله : " وإذ ابتلى إبراهيم " معطوف على قوله : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي " ، واذكروا " إذ ابتلى إبراهيم ربه " ، " وإذ جعلنا البيت مثابة " .
* * *
و " البيت " الذي جعله الله مثابة للناس ، هو البيت الحرام.
* * *
وأما " المثابة " ، فإن أهل العربية مختلفون في معناها ، والسبب الذي من أجله أنثت.
فقال بعض نحويي البصرة : ألحقت الهاء في " المثابة " ، لما كثر من يثوب إليه ، كما يقال : " سيارة " لمن يكثر ذلك ، " ونسابة " .
وقال بعض نحويي الكوفة : بل " المثاب " و " المثابة " بمعنى واحد ، نظيرة " المقام " و " المقامة " (1) . و " المقام " ، ذكر - على قوله - لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه ، وأنثت " المقامة " ، لأنه أريد بها البقعة. وأنكر هؤلاء أن تكون " المثابة " ك " السيارة ، والنسابة " . ، وقالوا : إنما أدخلت الهاء في " السيارة والنسابة " تشبيها لها ب " الداعية " .
* * *
و " المثابة " " مفعلة " من " ثاب القوم إلى الموضع " ، إذا رجعوا إليه ، فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " نظيره " والأرجح ما أثبت .
(2) لم تذكر هذه المصادر في كتب اللغة ، " المثاب ، والمثابة " مصدران ميميان قياسيان ، فإغفالهما في كتب اللغة غير غريب ، وأما قوله " وثوابا " ، فهذا إن صح عن الطبري ، فهو جائز في العربية أيضًا ، ولكنهم نصوا على أن مصدر " ثاب " هو " ثوبانا ، وثوبا ، وثؤوبا " فأخشى أن تكون محرفة عن إحداها . وأما " الثواب " في المعروف من كتب العربية الاسم من " أثابه يثيبه إثابة ، وهو الثواب " ، وهو المجازاة على الصنيع .

(2/25)


فمعنى قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " : وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا ، يأتونه كل عام ويرجعون إليه ، فلا يقضون منه وطرا. ومن " المثاب " ، قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم :
مثاب لأفناء القبائل كلها... تخب إليه اليعملات الطلائح (1)
ومنه قيل : " ثاب إليه عقله " ، إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
1963 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا [أبو عاصم قال ، حدثنا] عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " وإذ جعلنا البيت مثابة
__________
(1) من أبيات طويلة لورقة بن نوفل في البداية والنهاية لابن كثير 2 : 297 ، والبيت في تفسير أبي حيان 1 : 380 ، بهذه الرواية ، وقبل البيت في ذكر أبينا إبراهيم عليه السلام : فمتبع دين الذي أسس البنا ... وكان له فضل على الناس راجح
وأسس بنيانا بمكة ثابتا ... تلألأ فيه بالظلام المصابح
مثابا لأفناء . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بنصب " مثابا " بيد أن الشافعي روى هذا البيت في الأم 2 : 120 لورقة بن نوفل ، وعجزه . تخب إليه اليعملات الذوامل
وكذلك جاء في القرطبي 2 : 100 ، وعدها أبو حيان رواية في البيت ، وبهذه الرواية ذكره صاحب اللسان في (ثوب) منسوبا لأبي طالب ، وفي (ذمل) غير منسوب . والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت . وأخطأ صاحب اللسان في نسبته ، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة .
وأفناء القبائل : أخلاطهم ونزاعهم من هاهنا وهاهنا . وخبت الدابة تخب خببا : وهو ضرب سريع من العدو . واليعملات جمع يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل ، اشتق اسمها من العمل ، والعمل الإسراع والعجلة . والطلائع جمع طليح . ناقة طليح أسفار : جهدها السير وهزلها ، فهي ضامرة هزلا . يعني الإبل أنضاها أصحابها في إسراعهم إلى حج البيت . وأما " الذوامل " في الرواية الأخرى ، فهو جمع ذاملة . ناقة ذمول وذاملة : وهي التي تسير سيرا لينا سريعا .

(2/26)


للناس " قال : لا يقضون منه وطرا. (1)
1964 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
1965 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، يثوبون إليه ، لا يقضون منه وطرا.
1966 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، أما المثابة ، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة ، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرة أن يعود إليه.
1967 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي ، قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، لا يقضون منه وطرا ، يأتونه ، ثم يرجعون إلى أهليهم ، ثم يعودون إليه.
1968 - حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال ، حدثني الوليد بن مسلم قال ، قال أبو عمرو : حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا.
1969 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم ، قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء في قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، يثوبون إليه من كل مكان ، ولا يقضون منه وطرا.
1970 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء مثله.
1971 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا سهل بن عامر قال ،
__________
(1) الأثر : 1963 - ما بين القوسين ساقط من الأصول . وهذا إسناد دائر ، أقربه إلينا رقم : 1946 ، فأتممته على الصواب .

(2/27)


حدثنا مالك بن مغول ، عن عطية في قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، لا يقضون منه وطرا (1) .
1972 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن : قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي الهذيل قال ، سمعت سعيد بن جبير يقول : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، يحجون ويثوبون.
1973 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق ، قال أخبرنا الثوري ، عن أبي الهذيل ، عن سعيد بن جبير في قوله : " مثابة للناس " قال ، يحجون ، ثم يحجون ، ولا يقضون منه وطرا. (2)
1974 - حدثني المثنى قال ، حدثنا ابن بكير قال ، حدثنا مسعر ، عن غالب ، عن سعيد بن جبير : " مثابة للناس " قال ، يثوبون إليه. (3)
1975 - - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " قال ، مجمعا.
1976 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " مثابة للناس " قال ، يثوبون إليه.
__________
(1) الخبر : 1971 - شيخ الطبري " محمد بن عمارة الأسدي " ، كما مضى في : 645 ، 1511 ، وكما ذكرنا أنه يروى عنه في التاريخ كثيرا . وفي المطبوعة " محمد بن عمار " .
سهل بن عامر : هو البجلي ، وهو ضعيف جدا ، ترجمه للبخاري في الصغير ، ص : 234 ، وقال : " منكر الحديث ، لا يكتب حديثه " . وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/202 وروى عن أبيه قال : " هو ضعيف الحديث ، روى أحاديث بواطيل! أدركته بالكوفة ، وكان يفتعل الحديث " . وترجم في لسان الميزان 3 : 119 - 120 ، ووقع اسم أبيه في التاريخ الصغير " عمار " ، وهو خطأ ناسخ أو طابع .
(2) الخبران : 1972 - 1973 - أبو الهذيل : هو غالب بن الهذيل الأودي ، يروي عن أنس ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4/1/99 ، وابن أبي حاتم 3/2/47 . وسيأتي باسمه في الخبر بعدهما .
(3) الخبر : 1974 - غالب : هو أبو الهذيل في الخبرين قبله . مسعر ، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين : هو ابن كدام - بكسر الكاف وتخفيف الدال - وهو أحد الأعلام . الثقات .

(2/28)


1977 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " مثابة للناس " قال ، يثوبون إليه.
1978 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال ، يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَمْنًا }
قال أبو جعفر : و " الأمن " مصدر من قول القائل : " أمن يأمن أمنا " .
* * *
وإنما سماه الله " أمنا " ، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به ، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه ، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه ، وكان كما قال الله جل ثناؤه : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ). [سورة العنكبوت : 67]
1979 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وأمنا " قال ، من أم إليه فهو آمن ، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له.
1980 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " أمنا " ، فمن دخله كان آمنا.
1981 - حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله الله : " وأمنا " قال ، تحريمه ، لا يخاف فيه من دخله.
1982 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " وأمنا " ، يقول : أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح ، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن.

(2/29)


1983 - حدثت عن المنجاب قال ، أخبرنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : " وأمنا " قال ، أمنا للناس.
1984 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في قوله : " وأمنا " قال ، تحريمه ، لا يخاف فيه من دخله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك :
فقرأه بعضهم : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " بكسر " الخاء " ، على وجه الأمر باتخاذه مصلى. وهي قراءة عامة المصرين الكوفة والبصرة ، وقراءة عامة قرأة أهل مكة وبعض قرأة أهل المدينة. (1) وذهب إليه الذين قرأوه كذلك ، من الخبر الذي : -
1985 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حميد ، عن أنس بن مالك قال ، قال عمر بن الخطاب : قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " .
1986 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي - وحدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية - جميعا ، عن حميد ، عن أنس ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله.
__________
(1) كان في المطبوعة : " قراء " في هذه المواضع ، فرددتها إلى ما جرى عليه الطبري في الأجزاء السالفة .

(2/30)


1987 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا حميد ، عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب : قلت : يا رسول الله ، فذكر مثله. (1)
* * *
قالوا : فإنما أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية أمرا منه نبيه صلى الله عليه وسلم باتخاذ مقام إبراهيم مصلى. فغير جائز قراءتها - وهي أمر - على وجه الخبر.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " معطوف على قوله : " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي " و " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . فكان الأمر بهذه الآية ، وباتخاذ المصلى من مقام إبراهيم - على قول هذا القائل - لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ..... كما حدثنا [عن] الربيع بن أنس. (2) بما : -
1988 - حدثت [به] عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه قال : من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم قوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام. (3)
* * *
__________
(1) الأحاديث : 1985 - 1987 ، هي حديث واحد بأربعة أسانيد صحاح . وهو مختصر من حديث مطول ، رواه أحمد في المسند : 157 ، 160 ، 250 ، عن هشيم ، وعن ابن أبي عدي ، وعن يحيى - ثلاثتهم ، عن حميد ، عن أنس . ورواه البخاري أيضًا ، عن مسدد ، عن يحيى . كما ذكره ابن كثير 1 : 309 - 310 ، من رواية البخاري وأحمد ، ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : " حسن صحيح " .
(2) كان في المطبوعة : " كما حدثنا الربيع بن أنس " ، وهو خطأ ، فزدت " عن " بين القوسين ، فبين أبي جعفر الطبري والربيع بن أنس دهر طويل . وانظر التعليق التالي .
(3) الأثر : 1988 - هو جزء من الأثر السالف رقم : 1922 وهو " عن ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس " ، فزدت ما بين الأقواس ، ليستقيم الكلام . وسيأتي أيضًا برقم : 2001 ولكني وضعت هذه النقط في الموضع السالف ، لأني أخشى أن يكون في الكلام سقط . وذلك أنه بدأ فقال : إن الأمر بهذه الآية على قول هذا البصري - لليهود من بني إسرائيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم عقب عليه بقوله : " فأمرهم أن يتخذوا مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام " . ولست أعلم أن اليهود الذي كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا يصلون في البيت الحرام خلف المقام ، فلذلك وضعت هذه النقط ، لأني أرجح أنه قد سقط من كلام الطبري في هذا الموضع ما يستقيم به هذا الكلام . ولم أجد في الكتب التي تنقل عن تفسير الطبري ما يهدي إلى صواب هذه العبارة .
والذي استظهره أن يكون سقط من هذا الموضع ، توجيه الأمر في هذه الآية إلى إبراهيم وذريته من ولد إسماعيل ، فيكون الضمير في قوله : " فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام " إلى ذرية إبراهيم من ولد إسماعيل ، وهم العرب من أهل دين إسماعيل ، وبقاياهم من أهل الجاهلية ، الذين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليقيمهم على الحنيفية ملة إبراهيم ، وهي الإسلام .

(2/31)


فتأويل قائل هذا القول : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ، إني جاعلك للناس إماما ، وقال : اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
* * *
قال أبو جعفر : والخبر الذي ذكرناه عن عمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ، يدل على خلاف الذي قاله هؤلاء ، وأنه أمر من الله تعالى ذكره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنين به وجميع الخلق المكلفين.
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل المدينة والشام : (واتخذوا) بفتح " الخاء " على وجه الخبر.
* * *
ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله : " واتخذوا " إذ قرئ كذلك ، على وجه الخبر ،
فقال بعض نحويي البصرة : تأويله ، إذا قرئ كذلك : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. (1)
وقال بعض نحويي الكوفة : بل ذلك معطوف على قوله : " جعلنا " ، فكان معنى الكلام على قوله : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ، واتخذوه مصلى (2) .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا : " واتخذوا "
__________
(1) الزيادة التي بين القوسين ، لا بد منها ، وإلا لم يكن بين هذا القول والذي يليه فرق . ويعني البصري في هذا التأويل أن العطف على جملة " وإذ جعلنا " ، فتكون " إذ " مضمرة في قوله تعالى : " واتخذوا " .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 77 وهو تأويله .

(2/32)


بكسر " الخاء " ، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى ، للخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفا ، وأن :
1989 - عمرو بن علي حدثنا قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا جعفر بن محمد قال ، حدثني أبي ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . (1)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، وفي " مقام إبراهيم " . فقال بعضهم : " مقام إبراهيم " ، هو الحج كله.
* ذكر من قال ذلك :
1990 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : " مقام إبراهيم " ، قال الحج كله مقام إبراهيم.
1991 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال ، الحج كله.
1992 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : الحج كله " مقام إبراهيم " .
* * *
وقال آخرون : " مقام إبراهيم " عرفة والمزدلفة والجمار.
* ذكر من قال ذلك :
1993 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء بن أبي رياح : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال : لأني قد جعلته إماما ، فمقامه عرفة والمزدلفة والجمار.
__________
(1) الحديث : 1989 - عمرو بن علي : هو الفلاس ، من كبار الحفاظ الثقات ، روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم . وشيخه يحيى بن سعيد : هو القطان الإمام .
والحديث جزء من حديث جابر - الطويل - في الحج كما سنذكر في : 2003 ، إن شاء الله .

(2/33)


1994 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال ، مقامه : جمع وعرفة ومنى - لا أعلمه إلا وقد ذكر مكة.
1995 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال ، مقامه ، عرفة.
1996 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا داود ، عن الشعبي قال : نزلت عليه وهو واقف بعرفة ، مقام إبراهيم : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) [سورة المائدة : 3] ، الآية.
1997 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا داود ، عن الشعبي مثله
* * *
وقال آخرون : " مقام إبراهيم " ، الحرم.
* ذكر من قال ذلك :
1998 - حدثت عن حماد بن زيد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال ، الحرم كله " مقام إبراهيم " .
* * *
وقال آخرون : " مقام إبراهيم " الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه ، وضعف عن

(2/34)


رفع الحجارة.
* ذكر من قال ذلك :
1999 - حدثنا سنان القزاز قال ، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال ، حدثنا إبراهيم بن نافع قال ، سمعت كثير بن كثير يحدّث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جعل إبراهيم يبنيه ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " . فلما ارتفع البنيان ، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة ، قام على حجر ، فهو " مقام إبراهيم " (1)
* * *
وقال آخرون : بل " مقام إبراهيم " ، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك :
2000 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، إنما أمروا أن يصلوا عنده ، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها. (2) ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبه وأصابعه ، فما زالت هذه الأمم يمسحونه حتى اخلولق وانمحى. (3)
2001 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، فهم يصلون خلف المقام. (4)
2002 - حدثني موسى (5) قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " ، وهو الصلاة عند مقامه في الحج.
و " المقام " هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه ، فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب ، فغسلت شقه ، ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر ، فوضعته تحت الشق الآخر ، فغسلته ، فغابت رجله
__________
(1) الحديث : 1999 - هو قطعة من الحديث الآتي : 2056 . وسنخرجه هناك ، إن شاء الله . وشيخ الطبري هنا " ابن سنان القزاز " : هو " محمد بن سنان " ، مضت ترجمته في : 157 . وفي المطبوعة " سنان " بحذف " ابن " ، وهو خطأ .
(2) في المطبوعة : " مما تكلفته " ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 311 .
(3) في المطبوعة : " أصابعه فيها " ، والصواب من تفسير ابن كثير . خلق الشيء وأخلق واخلولق : بلى .
(4) الأثر : 2001 - هو الأثر السالف : 1988 ، وانظر التعليق عليه .
(5) كان في المطبوعة " حدثني يونس " ، وهو خطأ محض بل هو إسناده الدائر في التفسير - إلى السدي ، وأقربه رقم : 1980 .

(2/35)


أيضا فيه ، فجعلها الله من شعائره ، فقال : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا ، ما قاله القائلون : إن " مقام إبراهيم " ، هو المقام المعروف بهذا الاسم ، الذي هو في المسجد الحرام ، لما روينا آنفا عن عمر بن الخطاب ، (1) ولما : -
2003 - حدثنا يوسف بن سلمان قال ، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال ، حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . فجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين. (2)
* * *
فهذان الخبران ينبئان أن الله تعالى ذكره إنما عنى ب " مقام إبراهيم " الذي أمرنا الله باتخاذه مصلى - هو الذي وصفنا.
ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه
__________
(1) انظر ما سلف رقم : 1985 - 1987 .
(2) الحديث : 2003 - يوسف بن سلمان ، شيخ الطبري : هو أبو عمر الباهلي البصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/223 - 224 . وفي المطبوعة " سليمان " بدل " سلمان " ، وهو خطأ .
حاتم بن إسماعيل المدني : ثقة مأمون كثير الحديث ، أخرج له الجماعة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/258 - 259 ، وابن سعد 5 : 314 .
جعفر بن محمد : هو جعفر الصادق ، بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . وهو ثقة صادق مأمون ، من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا . وإنما يكذب عليه الشيعة الروافض . أما رواية الثقات عنه فصحيحة .
وهذا الحديث قطعة من حديث جابر - الطويل - في صفة حجة الوداع . وقد مضت قطعة منه : 1989 ، من رواية يحيى بن سعيد القطان ، عن جعفر الصادق .
وستأتي قطعة منه ، بهذا الإسناد : 2365 .
والحديث بطوله - رواه الإمام أحمد في المسند : 14492 (ج 3 ص 320 - 321 حلبي) عن يحيى القطان ، عن جعفر .
ورواه مسلم في صحيحه 1 : 346 - 347 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه - كلاهما عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر الصادق ، به .

(2/36)


وسلم ، لكان الواجب فيه من القول ما قلنا. وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف ، دون باطنه المجهول ، (1) حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك ، مما يجب التسليم له. ولا شك أن المعروف في الناس ب " مقام إبراهيم " هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "
* * *
[قال أبو جعفر : وأما قوله تعالى : " مصلى " ] ، فإن أهل التأويل مختلفون في معناه. (2) فقال بعضهم : هو المدعى.
* ذكر من قال ذلك :
2004 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال ، مصلى إبراهيم مُدَّعًى.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : اتخذوا مصلى تصلون عنده.
* ذكر من قال ذلك :
2005 - حدثني بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، أمروا أن يصلوا عنده.
2006 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : هو الصلاة عنده.
* * *
قال أبو جعفر : فكأن الذين قالوا : تأويل : " المصلى " ههنا ، المُدَّعَى ، وَجَّهوا " المصَلَّى " إلى أنه " مُفَعَّل " ، من قول القائل : " صليت " بمعنى دعوت. (3) .
__________
(1) انظر تفسير " الظاهر والباطن " فيما سلف 2 : 15 ، واطلبه في الفهارس .
(2) الزيادة بين القوسين لا بد منها .
(3) انظر ما سلف 1 : 242 - 243 .

(2/37)


وقائلو هذه المقالة ، هم الذين قالوا : إن مقام إبراهيم هو الحج كله.
* * *
فكان معناه في تأويل هذه الآية : واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار ، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها ، وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها ، فإني قد جعلته لمن بعده - من أوليائي وأهل طاعتي - إماما يقتدون به وبآثاره ، فاقتدوا به.
* * *
وأما تأويل القائلين القول الآخر ، فإنه : اتخذوا أيها الناس من مقام إبراهيم مصلى تصلون عنده ، عبادةً منكم ، وتكرمةً مني لإبراهيم.
* * *
وهذا القول هو أولى بالصواب ، لما ذكرنا من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وَعهدنا " ؛ وأمرنا ، كما : -
2007 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما عهده ؟ قال : أمره.
2008 - حدثني يونس قال ، أخبرني ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وعهدنا إلى إبراهيم " قال ، أمرناه.
* * *
فمعنى الآية : وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. " والتطهير " الذي أمرهما الله به في البيت ، هو تطهيره من الأصنام ، وعبادة الأوثان فيه ، ومن الشرك بالله.
* * *

(2/38)


فإن قال قائل : وما معنى قوله : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين " ؟ وهل كان أيام إبراهيم - قبل بنائه البيت - بيت يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم ، فيجوز أن يكونا أمرا بتطهيره ؟
قيل : لذلك وجهان من التأويل ، قد قال بكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل. (1)
أحدهما : أن يكون معناه : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والرَّيْب (2) كما قال تعالى ذكره : ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ) ، [سورة التوبة : 109] ، فكذلك قوله : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي " ، أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب ، كما : -
2009 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي " ، يقول : ابنيا بيتي [للطائفين]. (3)
فهذا أحد وجهيه.
والوجه الآخر منهما : أن يكونا أمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه ، والبيت بعد بنيانه ، مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه - على عهد نوح ومن قبله - من الأوثان ، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما ، إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده ، كما : -
2010 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله :
__________
(1) في المطبوعة : " قد كان لكل واحد من الوجهين " ، وهو كلام هالك .
(2) الريب هنا : الشر والخوف من قولهم : رابني أمره ، أي أدخل علي شرا وخوفا ، وكأن ذلك مردود إلى قوله تعالى : " مثابة للناس وأمنا " .
(3) هذه الزيادة ، من تفسير ابن كثير 1 : 315 .

(2/39)


" أن طهرا " قال ، من الأصنام التي يعبدون ، التي كان المشركون يعظمونها. (1)
2011 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير : " أن طهرا بيتي للطائفين " قال ، من الأوثان والرَّيْب.
2012 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، مثله.
2013 - حدثني أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : من الشرك.
2014 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا أبو إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن مجاهد : " طهرا بيتي للطائفين " قال ، من الأوثان.
2015 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " طهرا بيتي للطائفين " قال : من الشرك وعبادة الأوثان.
2016 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، بمثله - وزاد فيه : وقول الزور.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لِلطَّائِفِينَ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى " الطائفين " في هذا الموضع. فقال بعضهم : هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غَرْبةٍ. (2)
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 314 - 315 ، بعد أن ساق هذا الوجه ، وهذا الأثر : " قلت : وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم " .
(2) الغربة والغرب (بفتح فسكون) : النوى والبعد . يعني من أتاه من مكان بعيد .

(2/40)


2017 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، حدثنا أبو حصين ، عن سعيد بن جبير في قوله : " للطائفين " قال ، من أتاه من غربة.
* * *
وقال آخرون : بل " الطائفون " هم الذين يطوفون به ، غرباء كانوا أو من أهله.
* ذكر من قال ذلك :
2018 - حدثنا محمد بن العلاء قال ، حدثنا وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء : " للطائفين " قال ، إذا كان طائفا بالبيت فهو من " الطائفين " .
* * *
وأولى التأويلين بالآية ما قاله عطاء. لأن " الطائف " هو الذي يطوف بالشيء دون غيره. والطارئ من غَرْبةٍ لا يستحق اسم " طائف بالبيت " ، إن لم يطف به.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالْعَاكِفِينَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " والعاكفين " ، والمقيمين به. " والعاكف على الشيء " ، هو المقيم عليه ، كما قال نابغة بني ذبيان :
عكوفا لدى أبياتهم يثمدونهم... رمى الله في تلك الأكف الكوانع (1)
__________
(1) ديوانه : 63 من أبيات قالها لزرعة بن عامر العامري . حين بعثت بنو عامر إلى حصن بن حذيفة وابنه عيينة بن حصن : أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد ، وألحقوهم ببني كنانة ، ونحالفكم ونحن بنو أبيكم . وكان عيينة هم بذلك ، فقالت بنو ذبيان : أخرجوا من فيكم من الحلفاء ، ونخرج من فينا! فأبوا ، فقال النابغة : ليهن بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع
سوى أسد ، يحمونها كل شارق ... بألفي كمي ، ذي سلاح ، ودارع
ثم مدح بني أسد ، وذم بني عبس ، وتنقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعد بن ذبيان ، وهجاهم بهذا البيت الذي استشهد به الطبري ، ورواية الديوان " قعودا " ، و " يثمدونها " ، والضمير للأبيات .
وقوله : " يثمدونهم " أصله من قولهم : " ثمد الماء يثمده ثمدا " ، نبث عنه التراب ليخرج . وماء مثمود : كثر عليه الناس حتى فني ونفد إلا أقله . وأخذوا منه : " رجل مثمود " ، إذا ألح الناس عليه في السؤال ، فأعطى حتى نفد ما عنده . يقول : يظل بنو سعد ومالك لدى أبيات عبد بن سعد يستنزفون أموالهم . يصفهم بالخسة وسقوط الهمة . ومن روى : " يثمدونها " وأعاد الضمير إلى " أبياتهم " ، فهو مثله ، في أنهم يلازمون بيوتهم ويسترزقونها ، يهزأ بهم .
والكوانع جمع كانع : وهو الخاضع الذي تدانى وتصاغر وتقارب بعضه من بعض ، كأنه يتقبض من ذلته . يصفهم بالخسة والطمع والسؤال الذليل . وقوله : " رمى الله " يعني أصابها بما يستأصلها ، ورواية الديوان : " في تلك الأنوف " ، فمعناه : رمى فيها بالجدع ، وهو دعاء عليهم ، واشمئزاز من حقارتهم .

(2/41)


وإنما قيل للمعتكف " معتكف " ، من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : " والعاكفين " .
فقال بعضهم : عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة.
* ذكر من قال ذلك :
2019 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء قال : إذا كان طائفا بالبيت فهو من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين.
* * *
وقال بعضهم : " العاكفون " ، هم المعتكفون المجاورون.
* ذكر من قال ذلك :
2020 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا شريك ، عن جابر ، عن مجاهد وعكرمة : " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " قال ، المجاورون.
* * *
وقال بعضهم : " العاكفون " ، هم أهل البلد الحرام.
* ذكر من قال ذلك :
2021 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، حدثنا

(2/42)


أبو حصين ، عن سعيد بن جبير في قوله : " والعاكفين " قال : أهل البلد.
2022 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " والعاكفين " قال : العاكفون : أهله.
* * *
وقال آخرون : " العاكفون " ، هم المصلون.
* ذكر من قال ذلك :
2023 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس في قوله : " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " قال ، العاكفون ، المصلون.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء ، وهو أن " العاكف " في هذا الموضع ، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة. لأن صفة " العكوف " ما وصفنا : من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم ، وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله : " أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود " - المصلين والطائفين ، علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من " العاكف " ، غير حال المصلي والطائف ، وأن التي عنى من أحواله ، هو العكوف بالبيت ، على سبيل الجوار فيه ، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " والركع " ، جماعة القوم الراكعين فيه له ، واحدهم " راكع " . وكذلك " السجود " هم جماعة القوم الساجدين فيه له ،

(2/43)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

واحدهم " ساجد " - كما يقال : " رجل قاعد ورجال قعود " و " رجل جالس ورجال جلوس " ، فكذلك " رجل ساجد ورجال سجود " . (1)
* * *
وقيل : بل عنى " بالركع السجود " ، المصلين.
* ذكر من قال ذلك :
2024 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء : " والركع السجود " قال ، إذا كان يصلي فهو من " الركع السجود " .
2025 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " والركع السجود " ، أهل الصلاة.
* * *
وقد بينا فيما مضى بيان معنى " الركوع " و " السجود " ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا " ، واذكروا إذ قال إبراهيم : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا.
* * *
قال أبو جعفر : يعني بقوله : " آمنا " : آمنا من الجبابرة وغيرهم ، أن يسلطوا
__________
(1) مما استظهرته من أمر هذا الجمع ، جمع فاعل على فعول : أن كل فعل ثلاثي جاء مصدره على " فعول " بضم الفاء ، فجمع " فاعل " منه على " فعول " ، كهذه الأمثلة التي ذكرت هنا ، وكل ما سواها مما قيدته كتب اللغة ، ومما هو منثور في الشعر .
(2) انظر ما سلف 1 : 574 - 575 ، ثم 2 : 103 - 105 ، 519 .

(2/44)


عليه ، ومن عقوبة الله أن تناله ، كما تنال سائر البلدان ، من خسف ، وائتفاك ، وغرق ، (1) وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره ، كما :
2026 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش. وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له : أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين ، حتى إذا كان زمان الطوفان - حين أغرق الله قوم نوح - رفعه وطهره ، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا ، فبناه على أساس قديم كان قبله.
* * *
فإن قال لنا قائل : أوما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان ؟
قيل له : لقد اختلف في ذلك. فقال بعضهم : لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه ، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما : -
2027 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق قال ، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول : لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال : " يا أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض ، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، أو يعضد بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي ،
__________
(1) في المطبوعة : " وانتقال " مكان " وائتفاك " ، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة . والائتفاك الانقلاب ، وهو عذاب الله الشديد الذي أنزله بقوم لوط ، فقال سبحانه في سورة هود : " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها " ، وهذا هو الائتفاك ، ائتفكت بهم الأرض : أي انقلبت فصار عاليها سافلها ، فسمى الله هذه القرى ، قرى لوط " المؤتفكات " في سورة التوبة : 70 ، وفي سورة الحاقة : 9 ، وقال في سورة النجم : 52 - 53 " والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى "

(2/45)


ولم تحل لي إلا هذه الساعة ، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فمن قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل بها! فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك " . (1)
2028 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لمكة حين افتتحها : " هذه حرم حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، وخلق الشمس والقمر ، ووضع هذين الأخشبين ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، أُحِلَّت لي ساعة من نهار. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 2027 - هذا مختصر من حديث صحيح مطول :
فرواه أحمد في المسند : 16448 (ج 4 ص 32 حلبي) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، بهذا الإسناد .
ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا - مطولة - في سيرة ابن هشام 4 : 57 - 58 (حلبي) ، و 823 - 824 أوربة ، 2 : 277 - 278 (من الروض الأنف) .
ورواه أيضًا ، بنحوه ، أحمد : 16444 (ج 4 ص 31) ، والبخاري 1 : 176 - 177 ، و 4 : 35 - 39 (فتح ) ، ومسلم 1 : 383 - 384 كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح .
وقوله في الحديث : " أو يعضد بها شجرا " ، أي يقطعه ، يقال " عضد الشجر " ، من باب " ضرب " قطعه .
وقوله : " غضبا على أهلها " : هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق ، في المسند ، وسيرة ابن هشام ، وفي المطبوعة : " عصى على أهلها " . وهو تصحيف .
(2) الحديث : 2028 - هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين ، عن ثلاثة شيوخ : فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء ، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي . ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي ، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع ، كلاهما : أعني ابن حميد وابن وكيع ، عن جرير بن عبد الحميد الضبي . ثم يجتمع الإسنادان : فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد " جميعا عن يزيد بن أبي زياد " .
وهذه الأسانيد ظاهرها الصحة ، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفا ، كما بينا في : 1692 - فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنه ، بل قرن به محمد الرازي ، وهو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا ، بين مجاهد وابن عباس . وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثا كثيرا ، ولكن هذا الحديث بعينه رواه " عن طاوس عن ابن عباس " .
و " يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم " : صدوق ، في حفظه شيء بعد ما كبر ، قال ابن سعد 6 : 237 " كان ثقة في نفسه ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، فجاء بالعجائب " . وقال يعقوب بن سفيان : " ويزيد - وإن كانوا يتكلمون فيه لتغييره - فهو على العدالة والثقة ، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور " . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/334 ، وابن أبي حاتم 4/2/265 . فلعله وهم في حذف " طاوس " بين مجاهد وابن عباس .
والحديث في ذاته صحيح .
فرواه أحمد بنحوه مطولا : 2353 ، 2898 ، من طريق منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس .
وكذلك رواه البخاري 4 : 40 - 42 ، ومسلم 1 : 383 ، من طريق منصور .
ومنصور بن المعتمر : سبق توثيقه 177 . وهو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد . بل قال يحيى القطان : " ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور " . وقدمه الأئمة - في الحفظ - على الأعمش والحكم .
بل إن هذا الحديث نفسه : ذكر الحافظ في الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، يعني بحذف طاوس وابن عباس ، ثم قال : " ومنصور ثقة حافظ ، فالحكم لوصله " . أي أن هذه الزيادة زيادة ثقة ، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح .
وقوله في هذه الرواية : " ووضع هذين الأخشبين " . هذه الزيادة لم أجدها في شيء من الروايات الأخر . و " الأخشبان " ، بلفظ التثنية : هما جبلا مكة المطيفان بها . انظر النهاية لابن الأثير ، ومعجم البلدان لياقوت .

(2/46)


قالوا : فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة. قالوا : وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها. قالوا : ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة ، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط ، وأن يرزق ساكنه من الثمرات ، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله : " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " . قالوا : وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته ، وهو غير ذي زرع ولا ضرع ، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا ، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه.
قالوا : وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم ، وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه ، وهو القائل - حين حله ، ونزله بأهله وولده : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) [سورة إبراهيم : 37] ؟ قالوا : فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه

(2/47)


تحريمه لما قال : " عند بيتك المحرم " عند نزوله به ، ولكنه حُرِّم قبله ، وحُرِّم بعده.
* * *
وقال آخرون : كان الحرم حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره ، وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه ، كما كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالا قبل تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. قالوا : والدليل على ما قلنا من ذلك ، ما : -
2029 - حدثنا به ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ، عضاهها وصيدها ، ولا تقطع عضاهها. (1)
2030 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا [حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قال] ، حدثنا عبد الرحيم الرازي ، [قالا جميعا] : سمعنا أشعث ، عن نافع ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم كان عبد الله وخليله ، وإني عبد الله ورسوله ، وإن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ، عضاهها وصيدها ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يقطع منها شجر إلا لعلف بعير. (2)
__________
(1) الحديث : 2029 - إسناده صحيح . عبد الرحمن بن مهدي : هو الإمام الحافظ العلم . سفيان : هو الثوري .
أبو الزبير : هو المكي ، محمد بن مسلم بن تدرس ، تابعي ثقة . أخرج له الجماعة . جابر : هو ابن عبد الله ، الصحابي المشهور .
والحديث رواه مسلم 1 : 385 ، بنحوه ، من طريق محمد بن عبد الله الأسدي ، عن سفيان ، بهذا الإسناد . بلفظ " إن إبراهيم حرم مكة " إلخ .
ونقله ابن كثير 1 : 316 ، وقال : " وهكذا رواه النسائي ، عن محمد بن بشار بندار ، به " . و " بندار " : لقب محمد بن بشار .
اللابتان : هما الحرتان بجانبي المدينة ، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها .
العضاه ، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره هاء : كل شجر عظيم له شوك .
(2) الحديث : 2030 - أبو السائب : هو مسلم بن جنادة ، مضت ترجمته : 48 . ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي . سبقت ترجمته في : 438 .
عبد الرحيم الرازي : هو عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل الكناني - الذي مضت له رواية في الحديث 2028 - وهو ثقة كثير الحديث . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/239 .
أشعث : هو ابن سوار الكندي ، ضعفه بعضهم ، ووثقه آخرون . وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند : 661 . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/430 ، وابن أبي حاتم 1/1/271 - 272 .
نافع : هو مولى ابن عمر ، الثقة الثبت الحجة .
وقد كان هذا الإسناد : مغلوطا في المطبوعة هكذا : " حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازي : سمعت أشعث . . . " نقص منه " ابن إدريس " . فكان ظاهره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الرحيم الرازي عن أشعث . والصواب ما أثبتناه ، نقلا عن ابن كثير 1 : 316 ، عن هذا الموضع من الطبري .
فصحة الإسناد : أنه يرويه الطبري عن أبي كريب وأبي السائب . كلاهما عن عبد الله بن إدريس ، ثم يرويه الطبري عن أبي كريب وحده ، عن عبد الرحيم الرازي - وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازي سمعاه جميعا من أشعث .
وهذا الحديث من هذا الوجه ، قال فيه ابن كثير : " وهذه الطريق غريبة ، ليست في شيء من الكتب الستة " . وأزيد عليه : أني لم أجدها في المسند أيضًا ، ولا في غيره مما استطعت الرجوع إليه من المراجع .
ثم أشار ابن كثير إلى أن أصل معناه ثابت عن أبي هريرة ، من وجه آخر ، في صحيح مسلم . وهو حديث مالك في الموطأ ، ص : 885 ، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة : " كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مدنا . اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ، ومثله معه " . وهو في صحيح مسلم 1 : 387 ، عن قتيبة ، عن مالك .

(2/48)


2031 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا قتيبة بن سعيد قال ، حدثنا بكر بن مضر ، عن ابن الهاد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم المدينة ما بين لابيتها. (1)
__________
(1) الحديث : 2031 - بكر من مضر بن محمد بن حكيم المصري : ثقة ، أخرج له الشيخان وغيرهما . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/95 ، وابن أبي حاتم 1/1/392 - 393 ، وتذكرة الحفاظ ، وقال : " الإمام المحدث الصادق العابد " .
ابن الهاد : هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني . وهو ثقة كثير الحديث ، أخرج له أصحاب الكتب الستة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/344 ، وابن أبي حاتم 4/2/275 . أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري : تابعي ثقة حجة ، لا يسأل عن مثله .
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان : تابعي ثقة ، وكان شريفا جوادا ممدحا . جده لأمه : عبد الله بن عمر بن الخطاب .
والحديث رواه مسلم في صحيحه 1 : 385 ، عن قتيبة بن سعيد ، بهذا الإسناد . ونقله ابن كثير 1 : 316 ، وقال : " انفرد بإخراجه مسلم " . يعني دون البخاري .

(2/49)


وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب.
* * *
قالوا : " وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه أن إبراهيم قال : " رب اجعل هذا بلدا آمنا " ، ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأشياء دون بعض ، فليس لأحد أن يدعي أن الذي سأله من ذلك ، الأمان له من بعض الأشياء دون بعض ، إلا بحجة يجب التسليم لها. قالوا : وأما خبر أبي شريح وابن عباس ، فخبران لا تثبت بهما حجة ، لما في أسانيدهما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، " أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض " ، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله ، ولكن بمنعه من أرادها بسوء ، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات ، وعن ساكنيها ، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله ، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه ، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه ، يستنون به فيها ، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله ، للناس إماما يقتدى به ، فأجابه ربه إلى ما سأله ، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه ،
فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها ، بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده ، ومحرمة بدفع الله عنها ، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله - (1) فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام ، وواجب على عباده الامتناع من استحلالها ، واستحلال صيدها وعضاهها لها بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه بذلك إليهم.
__________
(1) سياق هذه الجملة المعترضة : " بعد أن كانت ممنوعة . . . ، ومحرمة . . . " ، وسياق الجملة التي دخلها الاعتراض : " فصارت مكة . . . فرض تحريمها . . . وواجب على عباده . . . "

(2/50)


فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله حرم مكة " . لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به - دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - (1) كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه ، [وهو الذي] لزم العباد فرضه دون غيره. (2)
فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر " - وخبر جابر وأبى هريرة ورافع بن خديج وغيرهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم إن إبراهيم حرم مكة " ؛ وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر ، كما ظنه بعض الجهال.
وغير جائز في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا ، إذا ثبت صحتها. وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه.
وأما قول إبراهيم عليه السلام (3) ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) [سورة إبراهيم : 37] فإنه ، إن يكن قاله قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه ، (4) فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته ، (5) من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد ، لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقه على وجه التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك.
* * *
__________
(1) كلأه الله يكلؤه كلاء (بفتح فسكون) وكلأ (بكسر فسكون) وكلاءة (بكسر الكاف) : حرسه وحفظه . وكان في المطبوعة " الكلاء " بهمزة مفردة مع المد ، وليس صوابا . هذا ، وسياق العبارة : " لأن فرض تحريمها . . . كان عن مسألة إبراهيم ربه " .
(2) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام .
(3) في الأصول : " وقول إبراهيم " ، والصواب زيادة " أما " كما يدل عليه السياق .
(4) وفيها : " إن يكن قال قبل إيجاب الله " . والصواب ما أثبت .
(5) وفيها : " وكلائه " ، والصواب ما أثبت ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 .

(2/51)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }
قال أبو جعفر : وهذه مسألة من إبراهيم ربه : أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات ، دون كافريهم. وخص ، بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين ، لما أعلمه الله - عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم - أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده ، والظالم الذي لا يدرك ولايته. فلما أن علم أن من ذريته الظالم والكافر ، خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة ، المؤمن منهم دون الكافر. وقال الله له : إني قد أجبت دعاءك ، وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم ، فأمتعه به قليلا.
* * *
وأما " من " من قوله : " من آمن منهم بالله واليوم الآخر " ، فإنه نصبٌ على الترجمة والبيان عن " الأهل " ، (1) كما قال تعالى : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ) [سورة البقرة : 217] ، بمعنى : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ، وكما قال تعالى ذكره : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) [سورة آل عمران : 97] : بمعنى : ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا.
* * *
وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك ، لأنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل ، فسأل أن يرزق أهله ثمرا ، وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه ، نقل الله الطائف من فلسطين.
2032 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال ، حدثنا هشام قال ، قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم : " وارزق أهله من الثمرات " ، نقل الله الطائف من فلسطين.
* * *
__________
(1) الترجمة : هي عطف البيان أو البدل عند الكوفيين ، كما سلف 2 : 340 ، 420 .

(2/52)


القول في تأويل قوله تعالى : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول ، وفي وجه قراءته. فقال بعضهم : قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره ، وتأويله على قولهم : قال : ومن كفر فأمتعه قليلا برزقي من الثمرات في الدنيا ، إلى أن يأتيه أجله. وقرأ قائل هذه المقالة ذلك : " فأمتعه قليلا " ، بتشديد " التاء " ورفع " العين " .
* ذكر من قال ذلك :
2033 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع ، قال ، حدثني أبو العالية ، عن أبي بن كعب في قوله : " ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار " ، قال هو قول الرب تعالى ذكره.
2034 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحاق : لما قال إبراهيم : " رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر " ، وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية ، انقطاعا إلى الله ، (1) ومحبة وفراقا لمن خالف أمره ، وإن كانوا من ذريته ، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده ، بخبره عن ذلك حين أخبره (2) فقال الله : ومن كفر - فإني أرزق البر والفاجر - فأمتعه قليلا. (3)
* * *
وقال آخرون : بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن ، على وجه المسألة منه ربه أن
__________
(1) يعني أن إبراهيم قال ذلك ، وصرف الدعوة : " انقطاعا إلى الله . . . "
(2) في المطبوعة : " أنه كان منهم ظالم . . . " والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير . قوله : " بخبره عن ذلك . . " سياقه ، أنه : عدل الدعوة عمن أبي . . بخبر الله عن ذلك حين أخبره . وفي المطبوعة : " فقال الله . . " ، والفاء مفسدة للسياق ، فإنه : " لما قال إبراهيم . . وعدل الدعوة . . قال الله . . " .
(3) الأثر : 2034 - في تفسير ابن كثير 1 : 319 ، وفيه اختلاف في بعض اللفظ ، ولم أجده في سيرة ابن هشام .

(2/53)


يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام ، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا " ثم اضطره إلى عذاب النار " - بتخفيف " التاء " وجزم " العين " ، وفتح " الراء " من اضطره ، وفصل " ثم اضطره " بغير قطع ألفها (1) - على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة.
* ذكر من قال ذلك :
2035 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع قال ، قال أبو العالية : كان ابن عباس يقول : ذلك قول إبراهيم ، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
* * *
2036 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن ليث ، عن مجاهد : " ومن كفر فأمتعه قليلا " ، يقول : ومن كفر فأرزقه أيضا ، ثم أضطره إلى عذاب النار. (2)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل ، ما قاله أبي بن كعب وقراءته ، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك ، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو ، على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله. وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : قال الله : يا إبراهيم ، قد أجبت دعوتك ، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم ، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم ، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.
* * *
وأما قوله : " فأمتعه قليلا " يعني : فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته
__________
(1) هذا رسم القراءة {فأمتعه قليلا ثم اضطره} ، على أنهما فعلا أمر ، يراد بهما الدعاء والسؤال .
(2) الأثر : 2036 - كان ينبغي أن يقدم هذا الأثر على ذكر هذه القراءة التي سوف يردها الطبري . وبين من نقل ابن كثير عن الطبري أن موقعه قبل الأثر رقم : 2034 ، وسيأتي في كلام الطبري بعد قليل ما يقطع بأن هذا الخبر عن مجاهد ، بمعزل عن هذه القراءة . فأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط الخبر عند النسخ ، ثم عاد فوضعه هنا حين انتبه إلى أنه قد أسقطه . وكدت أرده إلى مكانه ، ولكني آثرت تركه على حاله مع التنبيه على الخطأ ، وفصلته عن الذي قبله بالنجوم الفاصلة .

(2/54)


متاعا يتمتع به إلى وقت مماته. (1)
وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإبراهيم ، جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة. فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره. وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد ، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. (2)
وقال بعضهم : تأويله : فأمتعه بالبقاء في الدنيا.
وقال غيره : فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة ، حتى أبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فيقتله ، إن أقام على كفره ، أو يجليه عنها. وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام ، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه ، لما وصفنا. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ }
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بقوله : " ثم أضطره إلى عذاب النار " ، ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها ، كما قال تعالى ذكره : ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ
__________
(1) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف 1 : 539 - 541 .
(2) انظر الأثر : رقم : 2036 ، والتعليق عليه .
(3) ما أحسن ما قال أبو جعفر فإن أكثر الكلام ، يحتمل وجوها ، ولكن سياق المعاني وترابطها يوجب معنى واحدا مما يحتمله الكلام . وهذا ما يعنيه بقوله : " دليل ظاهر الكلام " . وانظر تفسير " الظاهر " فيما سلف 2 : 15 والمراجع قبله وبعده .

(2/55)


جَهَنَّمَ دَعًّا ) [سورة الطور : 13]. (1)
* * *
ومعنى " الاضطرار " ، الإكراه. يقال : " اضطررت فلانا إلى هذا الأمر " ، إذا ألجأته إليه وحملته عليه.
فذلك معنى قوله : " ثم أضطره إلى عذاب النار " ، أدفعه إليها وأسوقه ، سحبا وجرا على وجهه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) }
قال أبو جعفر : قد دللنا على أن " بئس " أصله " بِئس " من " البؤس " سُكِّن ثانيه ، ونقلت حركة ثانيه إلى أوله ، كما قيل للكَبد كِبْد ، وما أشبه ذلك. (2)
* * *
ومعنى الكلام : وساء المصيرُ عذابُ النار ، بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها.
* * *
وأما " المصير " ، فإنه " مَفعِل " من قول القائل : " صرت مصيرا صالحا " ، ، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار. (3)
* * *
__________
(1) قال أبو جعفر في تفسير هذه الآية (27 : 13 - 14 ، بولاق) : " يدفعون بإرهاق وإزعاج . يقال منه . دععت في قفاه : إذا دفعت فيه " .
(2) انظر ما سلف 2 : 338 - 340 .
(3) يريد الطبري أنه المنزل الذي ينتهى إليه ، من قولهم : " أين مصيركم ؟ " ، أي منزلكم . والمصير : العاقبة وما يصير إليه الشيء .

(2/56)


وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " ، واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.
* * *
و " القواعد " جمع " قاعدة " ، يقال للواحدة من " قواعد البيت " " قاعدة " ، وللواحدة من " قواعد النساء " وعجائزهن " قاعد " ، فتلغى هاء التأنيث ، لأنها " فاعل " من قول القائل : " قعدت عن الحيض " ، ولا حظَّ فيه للذكورة ، كما يقال : " امرأة طاهر وطامث " ، لأنه لا حظ في ذلك للذكور. ولو عنى به " القعود " الذي هو خلاف " القيام " ، لقيل : " قاعدة " ، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث. و " قواعد البيت " : إساسه. (1)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في " القواعد " التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت. أهما أحدثا ذلك ، أم هي قواعد كانت له قبلهما ؟
فقال قوم : هي قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك ، ثم درس مكانه وتعفَّى أثرُه بعده ، حتى بوأه الله إبراهيم عليه والسلام ، فبناه.
ذكر من قال ذلك :
2037 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء قال : قال آدم : يا رب ، إني لا أسمع أصوات الملائكة! قال : بخطيئتك ، ولكن اهبط إلى الأرض ، وابن لي بيتا ، ثم احفف به كما رأيت
__________
(1) الإساس (بكسر الهمزة) جمع أس (بضم الهمزة) ، وجمع الأساس ، أسس (بضمتين) وجمع الأسس (بفتحتين) آساس (بالمد) ، وكلها بمعنى واحد .

(3/57)


الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل : من " حراء " و " طور زيتا " ، و " طور سينا " ، و " جبل لبنان " ، و " الجودي " ، وكان ربضه من حراء. فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد. (1)
2038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " قال ، القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.
* * *
وقال آخرون : بل هي قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض ، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء ، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان ، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت.
ذكر من قال ذلك :
2039 - حدثني محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن عبد الله بن عمرو قال : لما أهبط الله آدم من الجنة قال : إني مهبط معك - أو منزل - معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان رفع ، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه ، حتى بوأه الله إبراهيم ، وأعلمه مكانه ، فبناه من خمسة أجبل : من " حراء " و " ثبير " و " لبنان " و " جبل الطور " و " جبل الخمر " . (2)
__________
(1) الأثر : 2037 - في تفسير ابن كثير 1 : 325 ، وقال : " وهذا صحيح إلى عطاء ، ولكن في بعضه نكارة والله أعلم " . وربض البناء (بفتحتين) وربضه (بضم فسكون) : هو وسطه الذي يربض عليه ، أي يستقر ويثبت .
(2) الخبر : 2039 - عبد الوهاب : هو ابن عبد المجيد الثقفي ، وهو ثقة ، من شيوخ الشافعي وأحمد وأضرابهما . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/71 ، وابن سعد 7/2/44 .
أيوب : هو ابن أبي تميمة السختياني ، وهو ثقة حجة . قال شعبة : " كان سيد الفقهاء " . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/409 - 410 ، وابن سعد 7/2/14 - 17 ، وابن أبي حاتم .
أبو قلابة ، بكسر القاف وتخفيف اللام : هو عبد الله بن زيد الجرمي . وهو تابعي ثقة مشهور . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/1/133 - 135 ، وابن أبي حاتم 2/2/57 - 58 .
وهذا الخبر ذكره السيوطي 1 : 127 ، ونسبه الطبري وابن أبي حاتم ، والطبراني ، عن " عبد الله بن عمرو بن العاص " .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 288 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، موقوفا ، ورجاله رجال الصحيح " . وهو كما قال . ولكن ليس فيه حجة ، ولعله مما كان يسمع عبد الله بن عمرو من أخبار أهل الكتاب . جبل الخمر : هو جبل بيت المقدس ، سمي بذلك لكثرة كرومه (ياقوت) .

(3/58)


2040 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا إسماعيل بن علية قال ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : لما أهبط آدم ، ثم ذكر نحوه.
2041 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا هشام بن حسان ، عن سوار [ختن عطاء] ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : لما أهبط الله آدم من الجنة ، كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء ، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، يأنس إليهم ، فهابته الملائكة ، حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها ، فخفضه إلى الأرض. فلما فقد ما كان يسمع منهم ، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته ، فوجه إلى مكة ، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة ، حتى انتهى إلى مكة. وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة ، فكانت على موضع البيت الآن ، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان ، فرفعت تلك الياقوتة ، حتى بعث الله إبراهيم فبناه. فذلك قول الله : " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " . (1)
2042 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : وضع الله البيت مع آدم ، حين أهبط الله آدم إلى الأرض ، وكان مهبطه بأرض الهند ، وكان رأسه في السماء ، ورجلاه في الأرض ، فكانت الملائكة تهابه ، فنقص إلى ستين ذراعا : فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم ، فشكا ذلك إلى الله تعالى ، فقال الله : يا آدم ، إني قد أهبطت إليك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي ، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي.
__________
(1) الأثر : 2041 - في تاريخ الطبري 1 : 61 ، والزيادة بين القوسين منه . وفي تفسير ابن كثير 1 : 325 ، وقال " هذا صحيح إلى عطاء ، ولكن في بعضه نكارة ، والله أعلم " ، ومعه أيضًا الأثر الذي سلف رقم : 2037 .

(3/59)


فانطلق إليه آدم فخرج ، ومد له في خطوه ، فكان بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك. فأتى آدم البيت وطاف به ومن بعده من الأنبياء.
2043 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أبان : أن البيت أهبط ياقوتة واحدة - أو درة واحدة - حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه ، وبقي أساسه ، فبوأه الله لإبراهيم ، فبناه بعد ذلك.
* * *
وقال آخرون : بل كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء ، (1) وذلك في موضع البيت الحرام. ثم دحا الأرض من تحتها ، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم ، فبناه على أساسه. وقالوا : أساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة.
ذكر من قال ذلك :
2044 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال ، قال جرير بن حازم ، حدثني حميد بن قيس ، عن مجاهد قال : كان موضع البيت على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض ، مثل الزبْدة البيضاء ، ومن تحته دحيت الأرض.
2045 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قال عطاء وعمرو بن دينار : بعث الله رياحا فصفقت الماء ، فأبرزت في موضع البيت عن حشفة كأنها القبة ، فهذا البيت منها. فلذلك هي " أم القرى " . قال ابن جريج ، قال عطاء : ثم وَتَدها بالجبال كي لا تكفأ بميد ، فكان أول جبل " أبو قيس " . (2)
__________
(1) الزبد (بفتحتين) : هو ما يطفو على الماء من رغوته البيضاء . والطائفة من الزبد ، زبدة (بفتح فسكون) .
(2) صفقت الريح الماء (بفتح الفاء ، وبتشديدها مع الفتح) : ضربته وقلبته يمينا وشمالا .
والحشفة : صخرة رخوة في سهل الأرض . ويقال للجزيرة في البحر لا يعلوها الماء : " حشفة " ، وجمعها حشاف (بكسر الحاء) ، إذا كانت صغيرة مستديرة . وكفأ الشيء يكفؤه : قلبه . وماد الشيء يميد ميدا . تحرك ومال .

(3/60)


2046 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي ، عن حفص بن حميد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : وضع البيت على أركان الماء ، على أربعة أركان ، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ، ثم دحيت الأرض من تحت البيت (1) .
2047 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب ، عن هارون بن عنتره ، عن عطاء بن أبي رباح قال : وجدوا بمكة حجرا مكتوبا عليه : " إني أنا الله ذو بكة بنيته يوم صنعت الشمس والقمر ، وحففته بسبعة أملاك حنفاء " (2) .
2048 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، حدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد وغيره من أهل العلم : أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام ، وخرج معه بإسماعيل وأمه هاجر ، وإسماعيل طفل صغير يرضع. وحملوا - فيما حدثني - على البراق ومعه جبريل يدله على
__________
(1) قال مصحح النسخة المطبوعة : " قوله : وضع البيت على أركان الماء . . . هكذا في الأصل وعبارة الدر المنثور : كان البيت على أربعة أركان في الماء " وهذا تعليق غريب جدا ، فإن نص الدر المنثور 1 : 127 ، هو نفس نص الطبري ، وهو نفس ما نقله ابن كثير في تفسيره عن الطبري 1 : 326 . وعبارة الطبري صحيحة .
(2) الأثر : 2047 - لم أجده من طريق عطاء بن أبي رباح ، ولكنه مروي عن ابن عباس ، ومجاهد في أخبار مكة للأزرقي 1 : 37 - 38 ، بألفاظ مختلفة ، في خبر طويل تام اختصره أبو جعفر . ونص خبر مجاهد : " وجد في بعض الزبور : أنا الله ذو بكة ، جعلتها بين هذين الجبلين ، وصغتها يوم صغت الشمس والقمر ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء . . . " . وأما ابن إسحاق فقال (سيرة ابن هشام 1 : 208) ؛ " حدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية ، فلم يدروا ما هو ، حتى قرأه لهم رجل من يهود ، فإذا هو : أنا الله ذو بكة ، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض ، وصورت الشمس والقمر ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء ، لا يزول أخشباها ، مبارك لأهلها في الماء واللبن " . قال ابن هشام : أخشباها : جبلاها " .
أما قوله : " حنفاء " فجمع حنيف ، وهو المسلم الذي قال لا إله إلا الله ثم استقام على الطريق . ووصف الملائكة بأنهم حنفاء ، لطاعتهم واستقامتهم في عبادة ربهم ، وصبرهم أنفسهم على ما أمروا به من حفظ هذا البيت المطهر . . وانظر تفسير " حنفاء " في الآثار رقم : 2096 ، 2098 ، 2099 . هذا وقد كان في المطبوعة : " حففته بسبعة أملاك حفا " ، وهو خطأ صوابه ما أثبت من المراجع ، أخبار مكة للأزرقي 1 : 37 - 38 ، وسيرة ابن هشام 1 : 208 ، والسهيلي في الروض الأنف 1 : 131 .

(3/61)


موضع البيت ومعالم الحرم. فخرج وخرج معه جبريل ، فقال : كان لا يمر بقرية إلا قال : أبهذه أمرت يا جبريل ؟ فيقول جبريل : امضه! حتى قدم به مكة ، وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمر ، وبها أناس يقال لهم " العماليق " خارج مكة وما حولها ، (1) والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة ، فقال إبراهيم لجبريل : أههنا أمرت أن أضعهما ؟ قال : نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه ، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا ، فقال : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) إلى قوله : ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ). [سورة إبراهيم : 37]
قال ابن حميد : قال ، سلمة قال ، ابن إسحاق : ويزعمون - والله أعلم - أن ملكا من الملائكة أتى هاجر أم إسماعيل - حين أنزلهما إبراهيم مكة ، قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت - فأشار لها إلى البيت ، وهو ربوة حمراء مدرة ، فقال لها : (2) هذا أول بيت وضع في الأرض ، وهو بيت الله العتيق ، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل هما يرفعانه للناس. (3)
2049 - حدثني الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا هشام بن حسان قال ، أخبرني حميد ، عن مجاهد قال : خلق الله موضع هذا
__________
(1) في المطبوعة : " يربها أناس يقال لهم . . . " ، وهي صحيحة المعنى : أي يملكها العماليق وهم سادتها وأصحابها . من ذلك حديث صفوان بن أمية حين قال لأبي سفيان : " لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن " . أي يكون ربا فوقي وسيدا يملكني . ولكني أثبت ما في تاريخ الطبري ، وما نقله عنه ابن كثير ، وأخبار مكة للأزرقي .
(2) في المطبوعة : " فأشار لهما . . فقال لهما . . " على التثنية ، وهو خطأ محض ، فإن الخطاب لهاجر وحدها ، كما يدل عليه السياق قبل وبعد ، والصواب في أخبار مكة للأزرقي .
(3) الأثر : 2048 - الفقرة الأولى من هذا الأثر في تاريخ الطبري 1 : 130 مع بعض الاختلاف في اللفظ في صدر الخبر ، وفي أخبار مكة للأزرقي 1 : 19 ، وفي تفسير ابن كثير 1 : 326 . وأما الفقرة الأخيرة منه فهي في أخبار مكة للأزرقي 1 : 20 - 21 ، وقد كان مكان قوله في آخرها " يرفعانه للناس " ، " يرفعانه فالله أعلم " ، وهي زيادة من ناسخ في أغلب الظن . وأثبت نص ما جاء في أخبار مكة .
والعضاه : كل شجر يعظم وله شوك شديد . والسلم والسمر : ضربان من شجر العضاه . وقوله : " مدرة " ، أي طين يابس لزج ، لا رمل فيه ، وهو الطين الحر .

(3/62)


البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة ، وأركانه في الأرض السابعة.
2050 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة قال ، أخبرني بشر بن عاصم ، عن ابن المسيب قال ، حدثنا كعب : إن البيت كان غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة ، ومنه دحيت الأرض. قال [سعيد] : وحُدّثنا عن علي بن أبي طالب : أن إبراهيم أقبل من أرمينية معه السكينة ، تدله على تبوئ البيت ، كما تتبوأ العنكبوت بيتها قال ، فرفعت عن أحجار تطيقه - أو لا تطيقه - ثلاثون رجلا قال ، قلت : يا أبا محمد فإن الله يقول : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " قال ، كان ذاك بعد. (1)
* * *
__________
(1) الخبر : 2050 - بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الطائفي : ثقة ، يروي عن سعيد بن المسيب . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/77 - 78 ، وابن سعد 5 : 380 ، وابن أبي حاتم 1/1/360 .
وهذا الخبر خبران : أولهما عن كعب الأحبار . ولا قيمة له . والثاني عن علي بن أبي طالب . والظاهر أنه مما كان يتحدث به الصحابة من أخبار أهل الكتاب .
وقد روى القسمين ابن أبي حاتم ، فيما نقل ابن كثير 1 : 324 - 325 . عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة ، بهذا الإسناد .
وروى الحاكم في المستدرك 2 : 267 - خبر على وحده - من طريق زكريا بن إسحاق ، عن بشر بن عاصم ، به . وزكريا بن إسحاق المكي : ثقة .
وكذلك روى خبر علي وحده - الأزرقي ، أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد ، في تاريخ مكة 1 : 25 (طبعة مكة سنة 1352) - عن جده ، عن سفيان بن عيينة ، عن بشر بن عاصم ، عن سعيد بن المسيب ، " قال : أخبرني علي بن أبي طالب " .
وفي المطبوعة هنا - أول خبر علي : " قال : وحدثنا عن علي بن أبي طالب " . فالذي يقول هذا : هو سعيد بن المسيب . وما أدري أوقعت الرواية للطبري هكذا ، أم هو تحريف من الناسخين . فالذي في رواية ابن أبي حاتم : " قال سعيد : وحدثنا علي بن أبي طالب " . ويؤيده رواية الحاكم : " عن بشر بن عاصم ، عن سعيد بن المسيب قال : حدثنا علي بن أبي طالب " . وكذلك رواية الأزرقي . وهذا هو الصواب فيما أرى .
وخبر علي : نقله أيضًا السيوطي 1 : 126 ، ونسبه فوق هذا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر .
الغثاءة واحدة الغثاء ، وهو ما يحمله السيل والماء من الزبد والهالك البالي من الشجر وغيره ، يخالط الزبد . وفي ابن كثير : " فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا " . والضمير في قوله : " تطيقه " إلى حجر من الأحجار المذكورة ، إن لم يكن في الأصول تحريف أو سقط .

(3/63)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل ، رفعا القواعد من البيت الحرام. وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم ، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة. وجائز أن يكون ذلك كان القبة التي ذكرها عطاء ، مما أنشأه الله من زبد الماء. وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أهبطا من السماء. وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انهدم ، حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل. ولا علم عندنا بأي ذلك كان من أي ، (1) لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ، بالنقل المستفيض. ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها ، ولا هو - إذ لم يكن به خبر ، على ما وصفنا - مما يدل عليه بالاستدلال والمقاييس ، فيمثل بغيره ، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد ، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب مما قلنا. والله تعالى أعلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا تقبل منا. وذكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن سعود. وهو قول جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
2051 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، يبنيان وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه ، قال : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا
__________
(1) مضى مثل هذا التعبير في 1 : 520 س 16 ، ثم 2 : 517 س 15 .

(3/64)


أمة مسلمة لك ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " .
2052 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني ابن كثير قال ، حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " قال ، هما يرفعان القواعد من البيت ويقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " قال ، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته ، والشيخ يبني.
* * *
فتأويل الآية على هذا القول : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل قائلين : ربنا تقبل منا.
* * *
وقال آخرون : بل قائل ذلك كان إسماعيل. فتأويل الآية على هذا القول : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ، وإذ يقول ربنا تقبل منا. فيصير حينئذ " إسماعيل " مرفوعا بالجملة التي بعده. و " يقول " حينئذ ، خبر له دون إبراهيم.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في الذي رفع القواعد ، بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها.
فقال بعضهم : رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا.
ذكر من قال ذلك :
2053 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين " . (1)
__________
(1) صدر هذا الخبر في تفسير ابن كثير : " وقال السدي : إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل : ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود . فانطلق إبراهيم . . . " وفي تاريخ الطبري 1 : 129 : " قال : لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ، انطلق إبراهيم . . . "

(3/65)


قال : فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة ، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول ، لا يدريان أين البيت. فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج ، لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، (1) واتبعاها بالمعاول يحفران ، حتى وضعا الأساس. فذلك حين يقول : ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ). [سورة الحج : 26]. فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن ، قال إبراهيم لإسماعيل : يا بني ، اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا. قال : يا أبت ، إني كسلان تعب. قال : علي بذلك. فانطلق فطلب له حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه ، فقال : ائتني بحجر أحسن من هذا. فانطلق يطلب له حجرا ، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند ، وكان أبيض ، ياقوتة بيضاء مثل الثغامة. (2) وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس. فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن ، فقال : يا أبت من جاءك بهذا ؟ فقال : من هو أنشط منك! فبنياه. (3)
2054 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمر بن عبد الله بن عروة ، عن عبيد بن عمير الليثي قال : بلغني أن إبراهيم وإسماعيل هما رفعا قواعد البيت. (4)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وعن أساس البيت " بزيادة الواو ، ولا خير في زيادتها ، وأثبت ما في التاريخ ، وابن كثير . وفي ابن كثير : " فكشفت لهما " مكان " فكنست " . والريح الخجوج : الشديدة المر ، التي تلتوي في هبوبها ، وتشق شقا بشدة عصفها .
(2) الثغامة : نبات ذو ساق جماحته مثل هامة الشيخ ، أبيض الثمر والزهر ، يشبه به بياض الشيب . وفي الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بأبي قحافة يوم الفتح ، وكأن رأسه ثغامة ، فأمرهم أن يغيروه .
(3) الأثر : 2052 - في تاريخ الطبري 1 : 129 صدره إلى قوله : " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " ، وهو بتمامه في تفسير ابن كثير 1 : 325 . وقد مضى شطر من صدره بالرقم : 2009 .
(4) الخبر : 2054 - عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام : من ثقات أتباع التابعين يروي أيضًا عن جده عروة بن الزبير ، وأخرج له الشيخان في الصحيحين . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/1/117 ، وكتاب الجمع بين رجال الصحيحين ، ص : 341 .
ووقع في المطبوعة " عمرو بن عبد الله بن عتبة " ، وهو خطأ كبير ، فلا يوجد في الرواة من يسمى بهذا .
ثم هذا الخبر نفسه كلمات قلائل ، من خبر مطول في قصة ، رواه الطبري في التاريخ 1 : 134 . بهذا الإسناد " عن عمر بن عبد الله بن عروة : أن عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثي : كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج ؟ . . " .
عبيد بن عمير الليثي : مضت ترجمته : 1768 .

(3/66)


وقال آخرون : بل رفع قواعد البيت إبراهيم ، وكان إسماعيل يناوله الحجارة.
ذكر من قال ذلك :
2055 - حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أيوب وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء إبراهيم ، وإسماعيل يبري نبلا قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل ، إن الله أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك ربك. قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا! وأشار إلى الكعبة ، والكعبة مرتفعة على ما حولها قال ، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت. قال : فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ، وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " ، حتى دور حول البيت. (1)
__________
(1) الحديث : 2055 - أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي ، المعروف بفرخويه ، شيخ الطبري : ترجمه ابن أبي حاتم 1/1/44 ، ولسان الميزان 1 : 143 . وروى ابن أبي حاتم عن أبي العباس الطهراني قال ، " كانوا لا يشكون أن فرخويه كذاب " .
وقد يصدق الكذوب! فالحديث في ذاته صحيح :
رواه البخاري - مطولا جدا - عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق ، بهذا الإسناد 6 : 283 - 289 (فتح) . والذي هنا قطعة منه .
وقد ذكر ابن كثير 1 : 320 - 322 ، رواية البخاري بطولها ، ثم أشار إلى رواية الطبري هذه .

(3/67)


2056 - حدثنا ابن سنان القزاز قال ، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي قال ، حدثنا إبراهيم بن نافع قال ، سمعت كثير بن كثير يحدث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء - يعني إبراهيم - فوجد إسماعيل يصلح نبلا من وراء زمزم. قال إبراهيم : يا إسماعيل ، إن الله ربك قد أمرني أن أبني له بيتا. فقال له إسماعيل : فأطع ربك فيما أمرك. فقال له إبراهيم : قد أمرك أن تعينني عليه. قال : إذا أفعل. قال : فقام معه ، فجعل إبراهيم يبنيه ، وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " . فلما ارتفع البنيان ، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة ، قام على حجر ، فهو مقام إبراهيم ، فجعل يناوله ويقولان : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " . (1)
* * *
وقال آخرون : بل الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده ، وإسماعيل يومئذ طفل صغير.
ذكر من قال ذلك :
2057 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي قال : لما أمر إبراهيم ببناء البيت ، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال : فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة ، فيه مثل الرأس ، فكلمه فقال : يا إبراهيم ، ابن على
__________
(1) الحديث : 2056 - ابن سنان القزاز : هو محمد بن سنان . وقد مضت ترجمته في : 157 . ووقع في المطبوعة هنا " ابن بشار " ! وهو تصحيف .
وهذا الحديث أيضًا جزء من حديث مطول ، رواه البخاري 6 : 290 (فتح) ، عن عبد الله بن محمد ، عن أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو ، عن إبراهيم بن نافع ، بهذا الإسناد .
ونقله ابن كثير أيضًا 1 : 322 - 323 ، عن رواية البخاري .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 551 - 552 ، مختصرا ، عن أبي العباس الأصم محمد بن يعقوب ، عن محمد بن سنان القزاز - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد . وصححه على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ، فلم ينبه إلى خطأ الحاكم في استدراكه ، إذ رواه البخاري . وقد نبه على ذلك ابن كثير ، واستعجب أن يستدركه الحاكم ، وهو في صحيح البخاري!

(3/68)


ظلي - أو على قدري - ولا تزد ولا تنقص. فلما بنى [خرج] وخلف إسماعيل وهاجر ، (1) فقالت هاجر : يا إبراهيم ، إلى من تكلنا ؟ قال : إلى الله. قالت : انطلق فإنه لا يضيعنا. قال : فعطش إسماعيل عطشا شديدا قال ، فصعدت هاجر الصفا ، فنظرت فلم تر شيئا. ثم أتت المروة ، فنظرت فلم تر شيئا ، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت ، فلم تر شيئا. حتى فعلت ذلك سبع مرات. فقالت : يا إسماعيل ، مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. (2) فناداها جبريل فقال لها : من أنت ؟ فقالت : أنا هاجر ، أم ولد إبراهيم. قال : إلى من وكلكما ؟ قالت : وكلنا إلى الله. قال : وكلكما إلى كاف! قال : ففحص [الغلام] الأرض بإصبعه ، (3) فنبعت زمزم ، فجعلت تحبس الماء. فقال : دعيه فإنها رَوَاء. (4)
2058 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة : أن رجلا قام إلى علي فقال : ألا تخبرني عن البيت ؟
__________
(1) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري 1 : 129 ، وتفسير ابن كثير 1 : 324 .
(2) فحصت الدجاجة وغيرها برجلها في التراب : بحثته وأزالت التراب عن حفرة .
(3) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري 1 : 129 ، وليست في ابن كثير .
(4) الحديث : 2057 - مؤمل - بوزن : محمد - : هو ابن إسماعيل العدوي ، وهو ثقة . بينا توثيقه في شرح المسند : 2173 .
سفيان : هو الثوري . وأبو إسحاق : هو السبيعي .
حارثة ابن مضرب العبدي : تابعي ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/87 ، وابن أبي حاتم 1/2/255 .
و " مضرب " : بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة . ووقع في المطبوعة " مصرف " ، وهو تصحيف .
والخبر رواه الطبري في التاريخ أيضًا 1 : 129 ، بهذا الإسناد .
ونقله ابن كثير في التفسير 1 : 324 ، عن الطبري . ثم قال : " ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما . وقد يحتمل - إن كان محفوظا - أن يكون أولا وضع له حوطا وتجميرا ، لا أنه بناه إلى أعلاه . حتى كبر إسماعيل ، فبنياه معا ، كما قال الله تعالى " .
وقوله : " فإنها رواء " (بفتح الراء والواو) . يقال ماء روى (بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء) وروى (بكسر ففتح) ورواء : كثير عذب مرو لا ينقطع .

(3/69)


أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ فقال : لا ولكن هو أول بيت وضع فيه البركة ، (1) مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا ، وإن شئت أنبأتك كيف بني : إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض. قال : فضاق إبراهيم بذلك ذرعا ، فأرسل الله السكينة - وهى ريح خجوج ، ولها رأسان (2) - فأتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة ، فتطوت على موضع البيت كتطوي الحجفة ، (3) وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر ، فذهب الغلام يبغي شيئا ، فقال إبراهيم : لا ابغني حجرا كما آمرك. (4) قال : فانطلق الغلام يلتمس له حجرا ، فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه ، فقال : يا أبت ، من أتاك بهذا الحجر ؟ قال : أتاني به من لم يتكل على بنائك ، جاء به جبريل من السماء. فأتماه. (5)
2059 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا سعيد ، عن سماك قال : سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي بنحوه.
2060 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ، عن علي ، بنحوه.
* * *
قال أبو جعفر : فمن قال : رفع القواعد إبراهيم وإسماعيل ، أو قال : رفعها إبراهيم وكان
__________
(1) في المطبوعة وفي التاريخ ، وابن كثير : " وضع في البركة " . وفي المستدرك الحاكم 1 : 293 ، والدر المنثور ، " وضع للناس فيه البركة والهدى " ، فصححتها من هناك .
(2) انظر ما سلف قريبا : 66 تعليق رقم : 1 .
(3) تطوت : استدارت . تطوت الحية : تحوت والتف بعضها على بعض واستدارت كالطوق . والحجفة : الترس من الجلود يطارق بعضه على بعض ، ليس فيه خشب . وفي رواية الطبري في التاريخ " كتطوي الحية " ، وكذلك في المستدرك " كتطوق الحية " ، وجاء في ابن كثير " الجحفة " وهو خطأ .
(4) في التاريخ : " لا أبغي حجرا . . . " ، وهو خطأ ، وفي ابن كثير : " فقال إبراهيم : ابغي حجرا كما آمرك " ، وهو خطأ أيضًا . يقال : ابغني كذا وكذا ، وابغ لي كذا وكذا : أي اطلبه لي والتمسه . بغى فلان فلانا شيئا : التمسه له .
(5) الأخبار : 2058 - 2060 ، هي خبر واحد بثلاثة أسانيد .
وشيخ الطبري في الإسناد الأول " هناد " : هو ابن السري بن مصعب الدارمي التميمي ، وهو ثقة . من شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/248 ، والصغير : 245 ، وابن أبي حاتم 4/2/119 - 120 .
وقع في المطبوعة " عباد " ، وهو تحريف ، تصويبه ، من التاريخ للطبري 1 : 128 - 129 ، حيث روى هذا الخبر بهذا الإسناد الأول " حدثنا هناد بن السري " . وكذلك نقله ابن كثير 1 : 224 ، عن الطبري .
أبو الأحوص : هو سلام بن سليم الحنفي الحافظ الثقة .
سماك - بكسر السين وتخفيف الميم : هو ابن حرب بن أوس البكري ، وهو تابعي ثقة ، روى له مسلم ووثقه أحمد وابن معين وغيرهما . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/174 ، وابن أبي حاتم 2/1/279 - 280 .
خالد بن عرعرة التيمي : تابعي ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير 2/1/149 ، وقال : " سمع عليا " . وابن أبي حاتم 1/2/343 ، ولم يذكرا فيه جرحا ، وذكره ابن حبان في الثقات .
و " سعيد " - في الإسناد الثاني - : أنا أرجح أنه محرف عن " شعبة " ، فهو الذي يروي عن سماك ابن حرب ، وهو الذي يطلقه " محمد بن جعفر غندر " ، إذ هو شيخه الذي لزمه وجالسه نحوا من عشرين سنة . و " أبو داود " في الإسناد الثالث : هو الطيالسي .
والخبر رواه أيضًا الأزرقي في تاريخ مكة 1 : 24 - 25 ، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله ، مولى بني هاشم ، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن سماك بن حرب ، عن خالد بن عرعرة .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 292 - 293 ، من طريق إسرائيل ، عن خالد بن حرب ، عن خالد بن عرعرة . قال : " صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .
وذكره السيوطي 1 : 126 ، ونسبه لهؤلاء ولغيرهم .

(3/70)


إسماعيل يناوله الحجارة ، فالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل. ويكون الكلام حينئذ : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل " يقولان : " ربنا تقبل منا " . وقد كان يحتمل ، على هذا التأويل ، أن يكون المضمر من القول لإسماعيل خاصة دون إبراهيم ، ولإبراهيم خاصة دون إسماعيل ، لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل جميعا.
وأما على التأويل الذي روي عن علي : - أن إبراهيم هو الذي رفع القواعد دون إسماعيل - فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عند ذلك إلا لإسماعيل خاصة.
* * *
والصواب من القول عندنا في ذلك : أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل ، وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا. وذلك أن إبراهيم وإسماعيل ، إن كانا هما بنياهما ورفعاها فهو ما قلنا. وإن كان إبراهيم تفرد ببنائها ، وكان إسماعيل يناوله ، فهما أيضا رفعاها ، لأن رفعها كان بهما : من أحدهما البناء ، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته.
وإنما قلنا ما قلنا من ذلك ، لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل معني بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه ، أنهما كانا يقولانه ، وذلك قولهما : " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " . فمعلوم أن إسماعيل لم يكن ليقول ذلك ، إلا وهو : إما رجل كامل ، وإما غلام قد فهم مواضع الضر من النفع ، ولزمته فرائض الله وأحكامه. وإذا كان - في حال بناء أبيه ، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بيت الله (1) - كذلك ، فمعلوم أنه لم يكن تاركا معونة أبيه ، إما على البناء ، وإما على نقل الحجارة. وأي ذلك كان منه ، فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت ، وثبت أن القول المضمر خبر عنه وعن والده إبراهيم عليهما السلام.
* * *
فتأويل الكلام : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا تقبل منا عملنا ، وطاعتنا إياك ، وعبادتنا لك ، في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به ، في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه ، إنك أنت السميع العليم.
* * *
وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم - دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه ، ولا منزلا ينزلانه ، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك. ولذلك قالا " ربنا تقبل منا " . ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهم ، لم يكن لقولهما : " تقبل منا " وجه مفهوم. لأنه كانا
__________
(1) سياق العبارة : " وإذا كان . . . كذلك " وما بينهما فصل . ويعني بقوله " كذلك " أنه كان قد فهم الضر والنفع ، ولزمته فرائض الله وأحكامه .

(3/72)


يكونان - لو كان الأمر كذلك - سائلين أن يتقبل منهما ما لا قربة فيه إليه. وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : " إنك أنت السميع العليم " ، إنك أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياك قبول ما سألناك قبوله منا ، من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه - العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك في الطاعة ، والمصير إلى ما فيه لك الرضا والمحبة ، وما نبدي ونخفي من أعمالنا ، (2) . كما : -
2061 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، أخبرني أبو كثير قال ، حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " تقبل منا إنك أنت السميع العليم " ، يقول : تقبل منا إنك سميع الدعاء.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ }
قال أبو جعفر : وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن إبراهيم وإسماعيل : أنهما كانا يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان : " ربنا واجعلنا مسلمين لك " ، يعنيان بذلك : واجعلنا مستسلمين لأمرك ، خاضعين لطاعتك ، لا نشرك معك
__________
(1) يقول : هما من العلم والنبوة بمنزلة وموضع ، فلا يسألان الله قبول عمل ليس من القربات إلى الله .
(2) قوله : " وما نبدي . . . " معطوف على قوله : " العليم بما في ضمائر نفوسنا " .

(3/73)


في الطاعة أحدا سواك ، ولا في العبادة غيرك.
* * *
وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " الإسلام " : الخضوع لله بالطاعة. (1)
* * *
وأما قوله : " ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " ، فإنهما خصا بذلك بعض الذرية ، لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم قبل مسألته هذه ، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره. فخصا بالدعوة بعض ذريتهما.
* * *
وقد قيل : إنهما عنيا بذلك العرب.
ذكر من قال ذلك :
2062 - حدثنا موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " يعنيان العرب.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه. لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته ، والمستجيبين لأمره. وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب ، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة ، من الفريقين. فلا وجه لقول من قال : عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم ، إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد.
* * *
وأما " الأمة " في هذا الموضع ، فإنه يعني بها الجماعة من الناس ، (2) من قول الله : ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) [سورة الأعراف : 159]. (3)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 510 ، 511 .
(2) انظر ما سلف 1 : 221 س : 14 .
(3) جاء في تفسير ابن كثير 1 : 332 ما نصه :
قال ابن جرير : والصواب أنه يعم العرب وغيرهم ، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل ، وقد قال الله تعالى : " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "
وهو كما ترى ليس في أصل الطبري . فلا أدري أهو تصرف من ابن كثير ، أم في أصول الطبري خرم في هذا الموضع ، وكلاهما جائز ، ولا أقطع بشيء .
هذا وقد أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري ، فزعم أن تخصيص السدي أنهم العرب لا ينفي من عداهم ثم قال : " والسياق إنما هو في العرب ، ولهذا قال بعده : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم " الآية ، والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد بعث فيهم " .
واعتراض ابن كثير هذا لا يقوم ، واحتجاجه بالسياق هنا لا ينهض . فالدعاء دعاء إبراهيم وإسماعيل معا ، ولكل منهما ذرية يشملها الدعاء . والسياق هنا سياق الآيات المتتابعة لا سياق آية واحدة . ففي الآيات التي تلي هذه الآية ذكر ملة إبراهيم ، وبيانها : " إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون " .
وهي آيات متتابعة ، فالتخصيص فيها غير جائز ، مع وضوح الدلالة على أن ذرية إبراهيم من غير إسماعيل ، كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، وهم له مسلمون وهذا دليل على ما ذهبت إليه في مقدمة الجزء الأول ، من اختصار الطبري في تفسيره هذا ، فإنه لو شاء لأفاض واحتج بما احتججت بما احتججت به . وهو دليل أيضًا على أن قراءة الطبري تحتاج إلى متابعة آية بعد آية ، وأن قراءته مفرقا توقع في خطأ في فهم مراده وحجته . ودليل على أن الطبري شديد العناية بسياق الآيات وترابطها ، ولكنه ربما أغفل ذكر هذا الترابط مفصلا وحجته فيه ، لأنه قد استوفى ذلك في مواضع سبقت ، فاختصر المواضع الأخرى ثقة بتتبع قارئه لما أراد . ودليل آخر على أن هذا التفسير لا يزال مجهول المكانة ، على علو مكانته عند أسلافنا غفر الله لنا ولهم .

(3/74)


رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك. (1) فقرأه بعضهم : " وأرنا مناسكنا " بمعنى رؤية العين ، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة.
__________
(1) في المطبوعة : " القراء " و " قراء " ، ورددتها إلى ما درج عليه الطبري في عبارته . والقَرَأَة جمع قارئ ، مثل حافظ وحفظة ، كما سلف مرارا .

(3/75)


وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل ، يسكن الراء من " أرنا " ، غير أنه يشمها كسرة.
* * *
واختلف قائل هذه المقالة وقرأة هذه القراءة في تأويل قوله : " مناسكنا "
فقال بعضهم : هي مناسك الحج ومعالمه.
ذكر من قال ذلك :
2063 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وأرنا مناسكنا " فأراهما الله مناسكهما : الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، والإفاضة من عرفات ، والإفاضة من جمع ، ورمي الجمار ، حتى أكمل الله الدين - أو دينه.
2064 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وأرنا مناسكنا " قال ، أرنا نسكنا وحجنا.
2065 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت ، أمره الله أن ينادي فقال : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) [سورة الحج : 27] ، فنادى بين أخشبي مكة : (1) يا أيها الناس! إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال : فوقرت في قلب كل مؤمن ، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة : " لبيك لبيك " . فأجابوه بالتلبية : " لبيك اللهم لبيك " ، وأتاه من أتاه. فأمره الله أن يخرج إلى عرفات ، ونعتها [له] ، (2) فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة ، استقبله الشيطان ، فرماه بسبع حصيات
__________
(1) أخشبا مكة : هما الجبلان المطيفان بها ، وهما : " أبو قبيس " و " الأحمر " ، وهو مشرف وجهه على قعيقعان ، والأخشب : كل جبل خشن غليظ ، وفي الحديث : " لا تزول مكة حتى يزول أخشباها " .
(2) الزيادة بين القوسين ، أظنها أحرى بالصواب .

(3/76)


يكبر مع كل حصاة ، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا ، فصده ، فرماه وكبر ، فطار فوقع على الجمرة الثالثة ، فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه ، ولم يدر إبراهيم أين يذهب ، انطلق حتى أتى " ذا المجاز " ، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز ، فلذلك سمي : " ذا المجاز " . ثم انطلق حتى وقع بعرفات ، فلما نظر إليها عرف النعت. قال : قد عرفت! فسميت : " عرفات " . فوقف إبراهيم بعرفات ، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع ، (1) فسميت " المزدلفة " ، فوقف بجمع. ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة فرماه بسبع حصيات سبع مرات ، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وأمره. وذلك قوله : " وأرنا مناسكنا " . (2)
* * *
وقال آخرون - ممن قرأ هذه القراءة - " المناسك " : المذابح. فكان تأويل هذه الآية ، على قول من قال ذلك : وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا ، فنذبحها لك. (3)
ذكر من قال ذلك :
2066 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء : " وأرنا مناسكنا " قال : ذبحنا.
__________
(1) ازدلف إلى الشيء : تقرب إليه ودنا منه . وجمع (بفتح الجيم وسكون الميم) هي " مزدلفة " .
(2) الأثر : 2065 سيأتي بعضه برقم : 3792 في هذا الجزء .
(3) نسك ينسك (بضم السين) نسكا (بسكون السين) ذبح . والنسيكة : الذبيحة .

(3/77)


2067 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : مذابحنا.
2067م - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2067م - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
2067م - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : " وأرنا مناسكنا " قال ، أرنا مذابحنا.
* * *
وقال آخرون : " وأرنا مناسكنا " بتسكين " الراء " ، (1) وزعموا أن معنى ذلك : وعلمنا ، ودلنا عليها - لا أن معناه : أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حُطائط بن يعفر ، أخي الأسود بن يعفر : (2)
ريني جوادا مات هزلا لعلني... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا (3)
يعني بقوله : " أريني " ، دليني عليه وعرفيني مكانه ، ولم يعن به رؤية العين.
__________
(1) كان في المطبوعة : " وقال آخرون " ، واستظهرت من السياق أنها " وقرأ آخرون " ، فلذلك أثبت ما استظهرت ، فسيقول بعد : " وهذه قراءة رويت . . . " .
(2) هما أخوان من بني نهشل بن دارم ، جاهليان ، أمهما رهم بنت العباب .
(3) الشعر والشعراء : 201 - 202 ، 211 وفيه تحقيق عن اختلاف قديم في نسبته ، ومجاز القرآن : 55 ، والخزانة 1 : 195 - 196 وفيهما مراجع كثيرة . روى البيت لحاتم الطائي ، ولمعن بن أوس ، وفي اللسان (أنن) و (علل) عن ابن برى وقال : " حطائط بن يعفر ، ويقال هو لدريد " ، وسيأتي في تفسير الطبري منسوبا لدريد بن الصمة (7 : 213 بولاق) مع اختلاف في رواية صدره : ذريني أطوف في البلاد لأنني
ولم أجد هذه الرواية في الكتب التي بين يدي ، وأخشى أن يكون الطبري أو من أنشده البيت - قد وهم . فقول حطائط قبله أو بعده . ذريني أكن للمال ربا ، ولا يكن ... لي المال ربا ، تحمدي غبه غدا
ذريني فلا أعيا بما حل ساحتى ... أسود فأكفي ، أو أطيع المسودا
وهو يخاطب بهذه الأبيات أمه رهم بنت العباب ، وكانت تلومه على جوده وإتلافه المال . والهزل (بفتح وسكون) والهزل (بضم فسكون) والهزال : هو نقيض السمن ، مع الضعف والاسترخاء . وقوله : " لأنني " بفتح الهمزة بمعنى : " لعلني " . من قولهم : " أن " بمعنى " عل " ، و " لأن " بمعنى " لعل " ، وأرى أن الهمزة منقلبة عن العين ، والنون منقلبة عن اللام . وهما لغتان من لغات العرب . واجتمعتا في هذا اللفظ .

(3/78)


وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين. (1)
ذكر من قال ذلك :
2068 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عطاء : " أرنا مناسكنا " ، أخرجها لنا ، علمناها.
2069 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قال ابن المسيب : قال علي بن أبي طالب : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ، قال : " فعلت أي رب ، فأرنا مناسكنا " - أبرزها لنا ، علمناها - فبعث الله جبريل ، فحج به.
* * *
قال أبو جعفر : والقول واحد ، فمن كسر " الراء " جعل علامة الجزم سقوط " الياء " التي في قول القائل : " أرينه " " أرنه " ، (2) وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن " الراء " من " أرنا " ، توهم أن إعراب الحرف في " الراء " ، فسكنها في الجزم ، كما فعلوا ذلك في " لم يكن " و " لم يك " . (3) .
وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب. ولا معنى لفرق من فرق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب.
* * *
وأما " المناسك " فإنها جمع " منسك " ، وهو الموضع الذي ينسك لله فيه ، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح : إما بذبح ذبيحة له ، وإما بصلاة أو طواف أو سعي ، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. ولذلك قيل لمشاعر الحج
__________
(1) كان الأجود أن تكون هذه الجملة بعد قوله : " وقرأ آخرون : " وأرنا مناسكنا " بتسكين الراء " . ولكن هكذا وقع في النسخ .
(2) هكذا جاء في المطبوعة " أرينه " ، وأظن صواب هذا الحرف " يرينيه " ، مضارعا مرفوعا ، ليستقيم مع قوله : " وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم " .
(3) ظاهر كلام الطبري هنا يدل على أن قوله : " لم يك " بتسكين الكاف ، على توهم أن إعراب هذه الكلمة في الكاف ، فسكنها لما دخل عليها الجازم . ولم أجد هذا القول في كتاب مما بين يدي من الكتب ، وأخشى أن يكون في نص الطبري في هذا المكان سقط لم أتبينه .

(3/79)


" مناسكه " ، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس ، ويترددون إليها.
* * *
وأصل " المنسك " في كلام العرب : الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه ، يقال : " لفلان منسك " ، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر. ولذلك سميت " المناسك " " مناسك " ، لأنها تعتاد ، ويتردد إليها بالحج والعمرة ، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله.
* * *
وقد قيل : إن معنى " النسك " : عبادة الله. وأن " الناسك " إنما سمي " ناسكا " بعبادة ربه.
فتأول قائلو هذه المقالة. قوله : " وأرنا مناسكنا " ، وعلمنا عبادتك ، كيف نعبدك ؟ وأين نعبدك ؟ وما يرضيك عنا فنفعله ؟
وهذا القول ، وإن كان مذهبا يحتمله الكلام ، فإن الغالب على معنى " المناسك " ما وصفنا قبل ، من أنها " مناسك الحج " التي ذكرنا معناها.
* * *
وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأنفسهما. وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأنفسهما وذريتهما المسلمين. فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما ، صارا كالمخبرين عن أنفسهما بذلك. (1) وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبل في أول الآية ، وتأخره بعد في الآية الأخرى. فأما الذي في أول الآية فقولهما : " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " ، ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما ، في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا " وأرنا مناسكنا " . وأما التي في الآية التي بعدها : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ، فجعلا المسألة لذريتهما خاصة.
__________
(1) في المطبوعة : " عن أنفسهم بذلك " ، والصواب ما أثبت .

(3/80)


وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود : " وأرهم مناسكهم " ، يعني بذلك وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) }
قال أبو جعفر : أما " التوبة " ، فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربه ، أوبته مما يكرهه الله منه ، بالندم عليه ، والإقلاع عنه ، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده : عوده عليه بالعفو له عن جرمه ، والصفح له عن عقوبة ذنبه ، مغفرة له منه ، وتفضلا عليه. (1)
* * *
فإن قال لنا قائل : وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة ؟
قيل : إنه ليس أحد من خلق الله ، إلا وله من العمل - فيما بينه وبين ربه - ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك ، وإنما خَصَّا به الحال التي كانا عليها ، (2) من رفع قواعد البيت. لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما ، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما ، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله. وجائز أن يكونا عنيا بقولهما : " وتب علينا " ، وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا - الذين أعلمتنا أمرهم - من ظلمهم وشركهم ، حتى ينيبوا إلى طاعتك. فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لأنفسهما ، والمعني به ذريتهما. كما
__________
(1) انظر معنى " التوبة " فيما سلف 1 : 547/2 : 72 - 73 .
(2) في المطبوعة : " ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك ، وإنما خصا . . . " ، وهو كلام فاسد والصواب ما أثبت . يجعل " قبلهما " ، أي قولهما . وبحذف الواو من : " وإنما " .

(3/81)


رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)

يقال : " أكرمني فلان في ولدي وأهلي ، وبرني فلان " ، إذا بر ولده.
* * *
وأما قوله : " إنك أنت التواب الرحيم " ، فإنه يعني به : إنك أنت العائد على عبادك بالفضل ، والمتفضل عليهم بالعفو والغفران - الرحيم بهم ، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته ، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ }
قال أبو جعفر : وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، وهي الدعوة التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول : " أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى " : -
2070 - حدثنا بذلك ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان الكلاعي : أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، أخبرنا عن نفسك. قال : نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ، صلى الله عليه وسلم. (1)
__________
(1) الحديث : 2070 - ثور بن يزيد الكلاعي الحمصي . ثقة من أثبت الرواة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/180 - 181 ، وابن أبي حاتم 1/1/468 - 469 .
خالد بن معدان الكلاعي الحمصي : تابعي ثقة ثبت ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/161 - 162 ، وابن سعد 7/2/162 ، وابن أبي حاتم 1/2/351 .
وهذا الإسناد مرسل ، لأن خالد بن معدان لم يذكر أنه عن أحد من الصحابة . وكذلك هو في سيرة ابن هشام ، ( ص 106 - 107 طبعة أوربة ، 1 : 175 طبعة الحلبي) . في قصة مطولة . وكذلك رواه الطبري في التاريخ 2 : 130 ، بهذا الإسناد ، مطولا أيضًا ، مرسلا .
ولكنه ثبت موصولا ، من رواية ابن إسحاق أيضًا : فرواه الحاكم في المستدرك 2 : 600 ، من طريق يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال ، " حدثني ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنهم قالوا : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ؟ " . . فذكر الحديث مختصرا ، بنحو مما هنا . ثم قال الحاكم : " خالد بن معدان : من خيار التابعين ، صحب معاذ بن جبل ، فمن بعده من الصحابة . فإذا أسند حديثا إلى الصحابة ، فإنه صحيح الإسناد ، وإن لم يخرجاه " . ووافقه الذهبي على تصحيحه .

(3/82)


2071 - حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال ، حدثنا أبو اليمان قال ، حدثنا أبو كريب ، عن أبي مريم ، عن سعيد بن سويد ، عن العرباض بن سارية السلمي قال ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني عند الله في أم الكتاب ، خاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته. وسوف أنبئكم بتأويل ذلك : أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى قومه ، ورؤيا أمي. (1)
2072 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، حدثنا ابن وهب قال ، أخبرني معاوية - ، وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني قال ، حدثني أبي قال ، حدثنا
__________
(1) الحديث : 2071 - عمران بن بكار الكلاعي : ثقة ، من شيوخ النسائي ، ووثقه هو وغيره . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/294 ، وذكر أنه سمع منه . وقد مضت رواية الطبري عنه : 149 ولم نترجمه هناك . ووقع في التهذيب أنه مات " سنة إحدى وسبعين ومائة " ! وهو خطأ ناسخ أو طابع ، لا يعقل ذلك وأن يسمع منه النسائي والطبري وهذه الطبقة . وصحته : سنة 271 .
أبو اليمان : هو الحكم بن نافع الحمصي ، وهو ثقة من شيوخ أحمد بن حنبل والبخاري . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/342 ، وابن أبي حاتم 1/2/129 ، وقال : " وهو نبيل ثقة صدوق " .
أما قوله " حدثنا أبو كريب " - هنا : فإنه خطأ يقينا من الناسخين . فإن " أبا كريب محمد بن العلاء " - وقد مضت ترجمته : 1291 - متأخر عن أبي اليمان . هذه واحدة ، وأخرى ، أن أبا اليمان روى هذا الحديث عن ابن أبي مريم ، كما سيأتي . فإما أنه ذكر خطأ من الناسخ ، وإما أن يكون صوابه " وأبو كريب ، قالا : حدثنا " . فيكون عمران بن بكار رواه عن شيخين .
ابن أبي مريم : هو " أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي " ، وهو ضعيف ، من قبل سوء حفظه وتغيره ، كما بينا في شرح المسند : 1464 ، 6165 . ووقع هنا في المطبوعة " عن أبي مريم " بحذف " ابن " . وهو خطأ واضح . ثم إن ضعف " ابن أبي مريم " من قبل حفظه ، قد جبر في هذا الحديث ، بأن رواه غيره . ولكنه أخطأ فيه بحذف التابعي من إسناده .
سعيد بن سويد الكلبي الشامي : وهو تابعي ثقة ، سمع من بعض الصحابة ولقيهم . ولكن ابن حبان ذكره في الثقات (ص : 475) في أتباع التابعين . ترجمه الحافظ في التعجيل : 152 ، وأشار إلى هذا الحديث ، ونقل أن البخاري قال : " لم يصح حديثه " . وما أدري أين قاله البخاري ، فإنه لم يترجمه في الصغير ، ولم يذكره في الضعفاء . وترجمه في الكبير 2/1/436 ، ولم يذكر فيه جرحا . وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم 2/1/29 ، ولم يذكر فيه جرحا أيضًا . وإنما اختلف عنه الراويان - في هذا الإسناد والإسنادين بعده : أهو " عن العرباض " ، أم بينهما تابعي آخر ؟ فأخطأ ابن أبي مريم في حذف التابعي بين سعيد والعرباض . كما سيأتي ، إن شاء الله .

(3/83)


الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح - قالا جميعا ، عن سعيد بن سويد ، عن عبد الله بن هلال السلمي ، عن عرباض بن سارية السلمي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. (1)
2073 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن سعيد بن سويد ، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي ، عن عرباض بن سارية : أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فذكر نحوه. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 2072 - وهذا إسناد آخر للحديث قبله ، بل إسنادان : فرواه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، ثم رواه عن عبيد بن آدم العسقلاني ، عن أبيه ، عن الليث بن سعد - وابن وهب والليث روياه عن معاوية بن صالح .
وأولهما واضح . و " عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني " - في ثانيهما : ثقة ، روى عنه أيضًا أبو زرعة وأبو حاتم ، والنسائي ، وغيرهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/402 . وأبوه " آدم بن أبي إياس " . مضت ترجمته : 187 . والليث بن سعد : ومعاوية بن صالح : مضت ترجمته : 187 أيضًا .
(2) الحديث : 2073 - وهذا إسناد آخر للحديث السابق . و " أبو صالح " : هو عبد الله بن صالح ، كاتب الليث بن سعد . مضت ترجمته : 186 . عبد الأعلى بن هلال السلمي : هكذا اختلف في اسمه على معاوية بن صالح ، في الإسناد السابق وهذا الإسناد : فهنالك " عبد الله بن هلال " ، وهنا " عبد الأعلى بن هلال " . وأنا أرجح أنه " عبد الأعلى " لما سيأتي من الدلائل ، إن شاء الله .
وهذا التابعي قصر الحافظ فلم يترجم له في التعجيل في واحد من الاسمين ، مع أنه من رجال مسند أحمد ، ومع أن سلفه الحافظ الحسيني ترجم له في الإكمال ، ص : 64 قال ، " عبد الله بن هلال السلمي ، ويقال : عبد الأعلى ، شامي . روى عن العرباض بن سارية ، وأبي أمامة الباهلي . وعنه سويد بن سعيد الكلبي . مجهول " ! وما كان الرجل مجهولا قط! وهو مترجم عند ابن أبي حاتم 3/1/25 باسم " عبد الأعلى " ، وكذلك ذكره ابن حبان في الثقات ، ص : 267 ، وذكر له هذا الحديث ، عن العرباض بن سارية . وكذلك ذكره البخاري في الكبير ، في ترجمة " سعيد بن سويد " باسم " عبد الأعلى بن هلال " . وكذلك صنع ابن أبي حاتم وابن حبان .
وأيضًا فإن الرواة عن الليث بن سعد اختلفوا عليه كذلك . ففي روايتي أحمد وابن سعد ، من طريق الليث : " عبد الأعلى بن هلال " ، كما سنذكر .
بل إن عبد الأعلى هذا له ذكر في حديث آخر في المسند (5 : 261 حلبي) في مسند أبي أمامة الباهلي ، فروى الإمام أحمد بإسناده إلى خالد بن معدان قال ، " حضرنا صنيعا لعبد الأعلى بن هلال ، فلما فرغنا من الطعام قام أبو أمامة فقال : . . " ، إلخ .
وأيا ما كان فهذه الأسانيد صحاح ، على الرغم من هذا الاختلاف . وكثيرا ما يكون مثل هذا ، ولا أثر له في صحة الحديث .
والحديث - من رواية أبي بكر بن أبي مريم : 2071 - رواه أيضًا أحمد في المسند : 17230 (ج 4 ص 127 حلبي) ، عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، عن أبي بكر ، عن سعيد بن سويد ، عن العرباض ، بنحوه . وآخره عنده : " ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ، وكذلك ترى أمهات النبيين ، صلوات الله عليهم " .
وبنحو ذلك - وشيء من الاختصار - رواه الحاكم في المستدرك 2 : 600 ، من طريق أبي اليمان ، عن ابن أبي مريم . وصححه هو والذهبي .
ورواه أيضًا الإمام أحمد : 17217 (ج 4 ص 127 حلبي) ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن سعيد بن سويد ، عن " عبد الله بن هلال السلمي " ، عن عرباض بن سارية ، نحوه . فعبد الرحمن بن مهدي ، سمي التابعي " عبد الله " - كما صنع ابن وهب وآدم بن أبي إياس ، هنا في روايتهما عن الليث .
ورواه أيضًا الإمام أحمد : 17218 ، وابن سعد في الطبقات 1/1/95 - 96 ، كلاهما عن أبي العلاء الحسن بن سوار الخراساني ، عن الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح ، عن سعيد بن سويد ، عن " عبد الأعلى بن هلال السلمي " ، عن العرباض .
وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في مجمع الزوائد 8 : 223 ، بألفاظ عن العرباض . ثم قال : " رواه أحمد بأسانيد ، والبزار ، والطبراني بنحوه . . . وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن سويد ، وقد وثقه ابن حبان " .
وهو أيضًا عند السيوطي 1 : 139 ، ونسبه - زيادة على ما ذكرنا - لابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل .
وبعد : فإن للحديث شاهدا آخر ، يصلح للاستشهاد ، مع ضعف في إسناده :
فروى أبو داود الطيالسي في مسنده : 1140 ، عن الفرج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحو هذا الحديث .
وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند (5 : 262 حلبي) ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن الفرج بن فضالة . بهذا الإسناد . والفرج بن فضالة : ضعيف ، كما قلنا في : 1688 .
وذكره السيوطي 1 : 139 ، ونسبه أيضًا للطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي .

(3/84)


وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
2074 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ، ففعل الله ذلك ، فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه ، يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.

(3/85)


2075 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ، هو محمد صلى الله عليه وسلم.
2076 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " ، هو محمد صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : قد استجيب ذلك ، وهو في آخر الزمان.
* * *
قال أبو جعفر : ويعني تعالى ذكره بقوله : " يتلو عليهم آياتك " : يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { َ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }
قال أبو جعفر : ويعني ب " الكتاب " : القرآن.
وقد بينت فيما مضى لم سمي القرآن " كتابا " ، وما تأويله. (2) وهو قول جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
2077 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " ويعلمهم الكتاب " ، القرآن.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الحكمة " التي ذكرها الله في هذا الموضع.
فقال بعضهم : هي السنة.
ذكر من قال ذلك :
__________
(1) انظر معاني " تلا " فيما سلف 2 : 409 - 411 ، 569 .
(2) انظر ما سلف 1 : 97 ، 99 .

(3/86)


2078 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة " " والحكمة " ، أي السنة.
* * *
وقال بعضهم : " الحكمة " ، هي المعرفة بالدين والفقه فيه.
ذكر من قال ذلك :
2079 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : المعرفة بالدين ، والفقه في الدين ، والاتباع له.
2080 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " والحكمة " قال ، " الحكمة " ، الدين الذي لا يعرفونه إلا به صلى الله عليه وسلم ، يعلمهم إياها. قال : و " الحكمة " ، العقل في الدين وقرأ : ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) [سورة البقرة : 269] ، وقال لعيسى ، ( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ ) [سورة آل عمران : 48] قال ، وقرأ ابن زيد : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) [سورة الأعراف : 175] قال ، لم ينتفع بالآيات ، حيث لم تكن معها حكمة. قال : " والحكمة " شيء يجعله الله في القلب ، ينور له به.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول عندنا في " الحكمة " ، أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمعرفة بها ، وما دل عليه ذلك من نظائره. وهو عندي مأخوذ من " الحكم " الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل ، بمنزلة " الجِلسة والقِعدة " من " الجلوس والقعود " ، يقال منه : " إن فلانا لحكيم بين الحكمة " ، يعني به : إنه لبين الإصابة في القول والفعل.
وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو

(3/87)


عليهم آياتك ، ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَيُزَكِّيهِمْ }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى " التزكية " : التطهير ، وأن معنى " الزكاة " ، النماء والزيادة. (1)
فمعنى قوله : " ويزكيهم " في هذا الموضع : ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان ، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله ، كما : -
2081 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يتلو عليهم آياتك ويزكيهم " قال ، يعني بالزكاة ، طاعة الله والإخلاص.
2082 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج قوله : " ويزكيهم " قال ، يطهرهم من الشرك ، ويخلصهم منه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : إنك يا رب أنت " العزيز " القوي الذي لا يعجزه شيء أراده ، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك ؛ و " الحكيم " الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل ، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا ، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 573 - 574 .

(3/88)


وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ومن يرغب عن ملة إبراهيم " ، وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم ، ويتركها رغبة عنها إلى غيرها ؟ (1)
* * *
وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى ، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام. لأن " ملة إبراهيم " هي الحنيفية المسلمة ، كما قال تعالى ذكره : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ) [سورة آل عمران : 67] ، فقال تعالى ذكره لهم : ومن يزهد عن ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ، كما : -
2083 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " ، رغب عن ملته اليهود والنصارى ، واتخذوا اليهودية والنصرانية ، بدعة ليست من الله ، وتركوا ملة إبراهيم - يعني الإسلام - حنيفا ؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم.
2084 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " ومن يرغبث عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " قال ، رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم ، وابتدعوا اليهودية والنصرانية ، وليست من الله ، وتركوا ملة إبراهيم : الإسلام.
* * *
__________
(1) سيأتي تفسير " الملة " بعد صفحات ص : 104 .

(3/89)


القول في تأويل قوله تعالى : { إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إلا من سفه نفسه " ، إلا من سفهت نفسه. وقد بينا فيما مضى أن معنى " السفه " ، الجهل. (1)
فمعنى الكلام : وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية ، إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ، ويضرها في معادها ، كما : -
2085 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " إلا من سفه نفسه " قال ، إلا من أخطأ حظَّه.
* * *
وإنما نصب " النفس " على معنى المفسر. ذلك أن " السفه " في الأصل للنفس ، فلما نقل إلى " من " ، نصبت " النفس " ، بمعنى التفسير. (2) كما يقال : " هو أوسعكم دارا " ، فتدخل " الدار " في الكلام على أن السعة فيها ، لا في الرجل. فكذلك " النفس " أدخلت لأن السفه للنفس لا ل " من " . ولذلك لم يجز أن يقال : سفه أخوك. وإنما جاز أن يفسر بالنفس ، وهي مضافة إلى معرفة ، لأنها في تأويل نكرة. (3)
* * *
وقال بعض نحويي البصرة : إن قوله : " سفه نفسه " جرت مجرى " سفه " إذا كان الفعل غير متعد ، وإنما عداه إلى " نفسه " و " رأيه " وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو " سفه " ، إذا هو لم يتعد. فأما " غبن " و " خسر " فقد يتعدى إلى غيره ، يقال : " غبن خمسين ، وخسر خمسين " .
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 293 - 295 .
(2) التفسير والمفسر : يعني التمييز ، ويقال له أيضًا " التبيين " .
(3) انظر بيان ذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 79 ، واللسان (سفه) .

(3/90)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ولقد اصطفيناه في الدنيا " ، ولقد اصطفينا إبراهيم. و " الهاء " التي في قوله : " اصطفيناه " ، من ذكر إبراهيم.
* * *
و " الاصطفاء " " الافتعال " من " الصفوة " ، وكذلك " اصطفين " ا " افتعلنا " منه ، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد.
ويعني بقوله : " اصطفيناه " : اخترناه واجتبيناه للخلة ، (1) ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما.
* * *
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده ، فهو لله مخالف ، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته ، وجعله للناس إماما ، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وإنه في الآخرة لمن الصالحين " ، وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين.
* * *
و " الصالح " من بني آدم : هو المؤدي حقوق الله عليه.
__________
(1) الخلة (بضم فتشديد) : الصداقة والمحبة . والخليل : الصديق الحبيب . وهي هنا منزلة من منازل محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم وأحبهم .

(3/91)


إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)

فأخبر تعالى ذكره عن إبراهيم خليله ، أنه في الدنيا صفي ، وفي الآخرة ولي ، وأنه وارد موارد أوليائه الموفين بعهده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إذ قال له ربه أسلم " ، إذ قال له ربه : أخلص لي العبادة ، واخضع لي بالطاعة ، وقد دللنا فيما مضى على معنى " الإسلام " في كلام العرب ، فأغنى عن إعادته. (1)
* * *
وأما معنى قوله : " قال أسلمت لرب العالمين " ، فإنه يعني تعالى ذكره ، قال إبراهيم مجيبا لربه : خضعت بالطاعة ، وأخلصت العبادة ، لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره.
* * *
فإن قال قائل : قد علمت أن " إذ " وقت ، فما الذي وقت به ؟ وما الذي هو له صلة. (2)
قيل : هو صلة لقوله : " ولقد اصطفيناه في الدنيا " . وتأويل الكلام : ولقد اصطفيناه في الدنيا ، حين قال له ربه : أسلم. قال : أسلمت لرب العالمين. وإنما معنى الكلام : ولقد اصطفيناه في الدنيا حين قلنا له : أسلم. قال : أسلمت لرب العالمين. فأظهر اسم " الله " في قوله : " إذ قال له ربه أسلم " ، على وجه الخبر
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 510 ، 511 ، وهذا الجزء 3 : 74 .
(2) في المطبوعة : " وما الذي صلته " . والصواب ما أثبت .

(3/92)


وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)

عن غائب ، وقد جرى ذكره قبل على وجه الخبر عن نفسه ، كما قال خُفاف بن ندبة :
أقول له - والرمح يأطر متنه : ... تأمل خفافا إنني أنا ذالكا (1)
* * *
ءفإن قال لنا قائل : وهل دعا اللهُ إبراهيمَ إلى الإسلام ؟
قيل له : نعم ، قد دعاه إليه.
فإن قال : وفي أي حال دعاه إليه ؟
قيل حين قال : ( يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [سورة الأنعام : 78 - 79] ، وذلك هو الوقت الذي قال له ربه : أسلم - من بعد ما امتحنه بالكواكب والقمر والشمس. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ووصى بها " ، ووصى بهذه الكلمة. عنى ب " الكلمة " قوله (3) " أسلمت لرب العالمين " ، وهي " الإسلام "
__________
(1) سلف تخريج هذا البيت في 1 : 227/ 2 : 304 .
(2) قرأ الآيات من سورة الأنعام : 74 - 78 .
(3) في المطبوعة : " أعني بالكلمة " ، وهو خطأ محض .

(3/93)


الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله ، وخضوع القلب والجوارح له. (1)
* * *
ويعني بقوله : " ووصى بها إبراهيم بنيه " ، عهد إليهم بذلك وأمرهم به.
* * *
وأما قوله : " ويعقوب " ، فإنه يعني : ووصى بذلك أيضا يعقوبُ بنيه ، كما : -
2086 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " ، يقول : ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم.
2087 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " ووصى بها إبراهيم بنيه " ، وصاهم بالإسلام ، ووصى يعقوب بمثل ذلك.
* * *
قال أبو جعفر : وقال بعضهم : قوله : (ووصى بها إبراهيم بنيه) ، خبر منقض. وقوله : " ويعقوب " خبر مبتدأ. فإنه قال : " ووصى بها إبراهيم بنيه " . بأن يقولوا : أسلمنا لرب العالمين - ووصى يعقوب بنيه : أن : " يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " .
ولا معنى لقول من قال ذلك. لأن الذي أوصى به يعقوب بنيه ، نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه : من الحث على طاعة الله ، والخضوع له ، والإسلام.
* * *
فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت : من أن معناه : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب : أن " يا بني " - فما بال " أن " محذوفة من الكلام ؟
قيل : لأن الوصية قول ، فحملت على معناها. وذلك أن ذلك لو جاء بلفظ
__________
(1) انظر تفسير " الإسلام " قبل 2 : 510 ، 511 ، وهذا الجزء 3 : 74 ، 92 .

(3/94)


القول ، لم تحسن معه " أن " ، وإنما كان يقال : وقال إبراهيم لبنيه ويعقوب : " يا بني " . فلما كانت الوصية قولا حملت على معناها دون لفظها ، (1) فحذفت " أن " التي تحسن معها ، كما قال تعالى ذكره : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ) [سورة النساء : 11] ، وكما قال الشاعر :
إني سأبدي لك فيما أبدي... لي شجنان شجن بنجد... وشجن لي ببلاد السند (2)
فحذفت " أن " ، إذ كان الإبداء باللسان في المعنى قولا فحمله على معناه دون لفظه. (3)
* * *
وقد قال بعض أهل العربية : إنما حذفت " أن " من قوله : " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " ، اكتفاء بالنداء - يعني بالنداء قوله : " يا بني " وزعم أن علته في ذلك أن من شأن العرب الاكتفاء بالأدوات عن " أن " ، كقولهم : " ناديت هل قمت ؟ - وناديت أين زيد ؟ " . قال : وربما أدخلوها مع الأدوات. فقالوا : " ناديت ، أن هل قمت ؟ " .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " على معناها دون قولها " ، وهو خطأ صوابه ما أثبت .
(2) معاني القرآن للفراء 1 : 80 ، 180 ، ولسان العرب (شجن) . وقوله " شجن " : هوى النفس ، والحاجة . وهو مجاز من " الشجن " الذي هو الحزن والهم . وكنوا به عن المرأة المحبوبة التي تشغل القلب بالهم والحزن ، من فراق أو دلال أو تجن ، يقول مسلم بن الوليد الأنصاري : وسرب من الأشجان يطوى له الحشا ... على شرق ، من يلقه يتبلد
يعني نساء ، وقال أيضًا : أطال عمري ، أم مد في أجلي ، ... أم ليس في الظاعنين لي شجن?
أي امرأة أحبها ، وهوى يحزنني فراقه وبعده ؟
(3) انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 80 - 81 .

(3/95)


وقد قرأ جماعة من القرأة : " وأوصى بها إبراهيم " ، بمعنى : عهد.
وأما من قرأ " ووصى " مشددة ، فإنه يعني بذلك أنه عهد إليهم عهدا بعد عهد ، وأوصى وصية بعد وصية.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إن الله اصطفى لكم الدين " ، إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه ، واجتباه لكم. (1)
* * *
وإنما أدخل " الألف واللام " في " الدين " ، لأن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك ، كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به ، وعهدهما إليهم فيه ، ثم قالا لهم - بعد أن عرفاهموه - : إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه ، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) }
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : أوَ إلَى بني آدمَ الموتُ والحياةُ ، فينهى أحدُهم أن يموت إلا على حالة دون حالة ؟
قيل له : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ. وإنما معنى (2) " فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ، أي : فلا تفارقوا هذا الدين - وهو الإسلام - أيام حياتكم. وذلك أن أحدا لا يدري متى تأتيه منيتُه ، فلذلك قالا لهم : " فلا تموتن إلا وأنتم
__________
(1) انظر معنى " الاصطفاء " فيما سلف قريبا : 91 .
(2) في المطبوعة : " وإنما معناه " ، والصواب ما أثبت .

(3/96)


أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)

مسلمون " ، لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار ، فلا تفارقوا الإسلام ، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربُّكم ساخط عليكم ، فتهلكوا.
القول في تأويل قوله تعالى : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " أم كنتم شهداء " ، أكنتم. ولكنه استفهم ب " أم " ، إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه ، كما قيل : ( الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [سورة السجدة : 1 - 3] وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه ، تستفهم فيه ب " أم " . (1)
* * *
" والشهداء " جمع " شهيد " ، كما " الشركاء " جمع " شريك " و " الخصماء " جمع " خصيم " . (2)
* * *
قال أبو جعفر وتأويل الكلام : أكنتم - يا معشر اليهود والنصارى ، المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الجاحدين نبوته - ، حضورَ يعقوبَ وشهودَه إذ حضره الموت ، أي إنكم لم تحضروا ذلك ، فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل ، وتَنحلوهم اليهوديةَ والنصرانية ، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم - وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم - بالحنيفية المسلمة ، وبذلك وصَّوْا بنيهم ، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم. فلو حضرتموهم
__________
(1) استوفى الطبري حديث " أم " فيما سلف 2 : 492 - 494 وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 56 .
(2) مضى تفسير " الشهداء " في 1 : 376 - 378 .

(3/97)


فسمعتم منهم ، علمتم أنهم على غير ما نحلتموهم من الأديان والملل من بعدهم (1) .
* * *
وهذه آيات نزلت ، تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم في إبراهيم وولده يعقوب : أنهم كانوا على ملتهم ، فقال لهم في هذه الآية : " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت " ، فتعلموا ما قال لولده وقال له ولده ؟ ثم أعلمهم ما قال لهم وما قالوا له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
2088 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " أم كنتم شهداء " ، يعني أهل الكتاب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إذ قال لبنيه " ، إذ قال يعقوب لبنيه " .
* * *
و " إذ " هذه مكررة إبدالا من " إذ " الأولى ، بمعنى : أم كنتم شهداء يعقوب ، إذ قال يعقوب لبنيه حين حضور موته.
* * *
ويعني بقوله : " ما تعبدون من بعدي " - أي شيء تعبدون ، " من بعدي " ؟ أي من بعد وفاتي ؟ قالوا : " نعبد إلهك " ، يعني به : قال بنوه له : نعبد معبودك الذي تعبده ، ومعبود آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، " إلها واحدا " أي : ن
__________
(1) في المطبوعة : " علىغير ما تنحلوهم " ، والصواب ما أثبت " .

(3/98)


خلص له العبادة ، ونوحد له الربوبية ، فلا نشرك به شيئا ، ولا نتخذ دونه ربا.
* * *
ويعني بقوله : " ونحن له مسلمون " ، ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة.
ويحتمل قوله : " ونحن له مسلمون " ، أن تكون بمعنى الحال ، كأنهم قالوا : نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه. ويحتمل أن يكون خبرا مستأنفا ، فيكون بمعنى : نعبد إلهك بعدك ، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون.
* * *
وأحسن هذين الوجهين - في تأويل ذلك - أن يكون بمعنى الحال ، وأن يكون بمعنى : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، مسلمين لعبادته.
* * *
وقيل : إنما قدم ذكر إسماعيل على إسحاق ، لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق.
ذكر من قال ذلك :
2089 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " قال ، يقال : بدأ بإسماعيل لأنه أكبر.
* * *
وقرأ بعض المتقدمين : " وإله أبيك إبراهيم " ، ظنا منه أن إسماعيل ، إذ كان عما ليعقوب ، فلا يجوز أن يكون فيمن تُرجم به عن الآباء ، وداخلا في عدادهم. وذلك من قارئه كذلك ، قلة علم منه بمجاري كلام العرب. والعرب لا تمتنع من أن تجعل الأعمام بمعنى الآباء ، والأخوال بمعنى الأمهات. (1) فلذلك دخل إسماعيل فيمن تُرجم به عن الآباء. وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ترجمةٌ عن الآباء في موضع جر ، ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون (2) .
* * *
__________
(1) وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 57 ، وقوله : " والعرب تجعل العم والخال أبا " .
(2) " الترجمة " وما اشتق منها : هي " البدل " ، كما سلف آنفًا 2 : 340 ، 420 ، وهذا الجزء 3 : 52 وقوله : " ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون " ، بمعنى أنها أسماء ممنوعة من الصرف ، كما هو بين ، ولكنه تعبير مليح .

(3/99)


تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)

والصواب من القراءة عندنا في ذلك : " وإله آبائك " ، لإجماع القراء على تصويب ذلك ، وشذوذ من خالفه من القراء ممن قرأ خلاف ذلك.
* * *
ونصب قوله : " إلها " ، على الحال من قوله : " إلهك " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره. بقوله : " تلك أمة قد خلت " ، إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم.
يقول لليهود والنصارى : يا معشر اليهود والنصارى ، دَعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسلمين من أولادهم بغير ما هم أهله ، ولا تنحلوهم كفر اليهودية والنصرانية ، فتضيفونها إليهم ، فإنهم أمة - ويعني : ب " الأمة " في هذا الموضع : الجماعةَ والقرنَ من الناس (1) - قد خلت : مضت لسبيلها.
* * *
وإنما قيل للذي قد مات فذهب : " قد خلا " ، لتخليه من الدنيا وانفراده ، عما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه. (2)
وأصله من قولهم : " خلا الرجل " ، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه ، وانفرد من الناس. فاستعمل ذلك في الذي يموت ، على ذلك الوجه.
* * *
ثم قال تعالى ذكره لليهود والنصارى : إن لمن نحلتموه - ضلالكم وكفركم الذي أنتم عليه (3) - من أنبيائي ورسلي ، ما كسب (4) .
__________
(1) انظر ما سلف في معنى " أمة " 1 : 221 ، وهذا الجزء 3 : 74 .
(2) في المطبوعة : " بما كان من الأنس " ، والصواب ما أثبت : أي : تخليه عما كان من الأنس بأهله . .
(3) في المطبوعة : " بضلالكم وكفركم " بزيادة الباء ، وسياق الطبري يقتضي حذف هذه الباء .
(4) في المطبوعة : " كسبت " ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .

(3/100)


" والهاء والألف " في قوله : " لها " ، عائدة إن شئت على " تلك " ، وإن شئت على " الأمة " .
* * *
ويعني بقوله : " لها ما كسبت " ، أي ما عملت من خير ، (1) . ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم ، ولا تؤاخذون أنتم - أيها الناحلون ما نحلتموهم من الملل - فتسألوا عما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم يعملون. فيكسبون من خير وشر ، لأن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فدعوا انتحالهم وانتحال مللهم ، فإن الدعاوَى غيرُ مغنيتكم عند الله ، وإنما يغني عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم ، إن كنتم عملتموها وقدمتموها.
* * *
__________
(1) انظر معنى " الكسب " فيما سلف 2 : 273 - 274 .

(3/101)


وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " ، وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين : كونوا هودا تهتدوا ؛ وقالت النصارى لهم : كونوا نصارى تهتدوا.
* * *
تعني بقولها : " تهتدوا " ، أي تصيبوا طريق الحق ، (1) . كما : -
2090 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة - جميعا ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى
__________
(1) انظر معاني " الهدى " فيما سلف 1 : 166 - 170 ، 230 ، 249 ، 549 - 551/2 : 393 .

(3/101)


زيد بن ثابت قال : حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل فيهم : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " . (1)
* * *
قال أبو جعفر : احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها ، وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك : " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " - : بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه (2) وأمر به - فإن دينه كان الحنيفية المسلمة - وندع سائر الملل التي نختلف فيها ، فينكرها بعضنا ، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا على الاجتماع عليه ، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.
* * *
وفي نصب قوله : " بل ملة إبراهيم " أوجه ثلاثة. أحدها : أن يوجه معنى قوله : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى " ، إلى معنى : وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية. لأنهم إذ قالوا : " كونوا هودا أو نصارى " ، إلى اليهودية والنصرانية دعوهم ، ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة. فيكون معنى الكلام حينئذ : قل يا محمد ، لا نتبع اليهودية والنصرانية ، ولا نتخذها ملة ، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا ، ثم يحذف " نتبع " الثانية ، ويعطف ب " الملة " على إعراب اليهودية والنصرانية.
والآخر : أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى " نتبع "
والثالث : أن يكون أريد : بل نكون أصحاب ملة إبراهيم ، أو أهل ملة
__________
(1) الأثر : 2090 - سيرة ابن هشام 2 : 198 .
(2) في المطبوعة : " تجمع جميعنا " ، وهي خطأ ، والصواب " يجمع " ، من الإجماع .

(3/102)


إبراهيم. ثم حذف " الأهل " و " الأصحاب " ، وأقيمت " الملة " مقامهم ، إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام ، (1) كما قال الشاعر : (2)
حسبت بغام راحلتي عناقا!... وما هي ، ويب غيرك ، بالعناق (3)
يعني : صوت عناق ، فتكون " الملة " حينئذ منصوبة ، عطفا في الإعراب على " اليهود والنصارى " .
* * *
وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإغراء ، باتباع ملة إبراهيم. (4)
وقرأ بعض القراء ذلك رفعا ، فتأويله - على قراءة من قرأ رفعا : بل الهدى ملة إبراهيم.
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 82 ، ويريد في هذا القول الأخير ، أن النصب بقوله " نكون " ، التي هي من معنى قوله : " كونوا هودا . . " ، ثم حذفت " نكون " .
(2) هو ذو الخرق الطهوي ، وانظر الاختلاف في اسمه ، ومن سمي باسمه في المؤتلف والمختلف : 119 ، والخزانة 1 : 20 ، 21 .
(3) سيأتي في التفسير 2 : 56 منسوبا / ثم 4 : 60/15 : 14 (بولاق) ، ونوادر أبي زيد : 116 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 ، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها . وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه ، وهي أبيات ساخرة جياد . ألم تعجب لذئب بات يسري ... ليؤذن صاحبا له باللحاق
حسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي ، ويب غيرك ، بالعناق
ولو أني دعوتك من قريب ... لعاقك عن دعاء الذئب عاق
ولكني رميتك من بعيد ... فلم أفعل ، وقد أوهت بساقي
عليك الشاء ، شاء بني تميم ، ... فعافقه ، فإنك ذو عفاق
وقوله " عناق " في البيت : هي أنثى المعز ، وقوله : " ويب " أي ويل . والبغام : صوت الظبية أو الناقة ، واستعاره هنا للمعز . وقوله في البيت الثالث " عاق " ، أي عائق ، فقلب ، والعقاق : السرعة في الذهاب بالشيء . عافقه : عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة .
(4) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 57 ، وقوله : " عليكم ملة إبراهيم " .

(3/103)


القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) }
قال أبو جعفر : و " الملة " ، الدين
* * *
وأما " الحنيف " ، فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل : إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى ، إنما قيل له " أحنف " ، نظرا له إلى السلامة ، كما قيل للمهلكة من البلاد " المفازة " ، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة ، وكما قيل للديغ : " السليم " ، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك ، وما أشبه ذلك.
* * *
فمعنى الكلام إذا : قل يا محمد ، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما.
فيكون " الحنيف " حينئذ حالا من " إبراهيم "
* * *
وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك. فقال بعضهم : " الحنيف " الحاج. وقيل : إنما سمي دين إبراهيم الإسلام " الحنيفية " ، لأنه أول إمام لزم العباد - الذين كانوا في عصره ، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعه في مناسك الحج ، والائتمام به فيه. قالوا : فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته ، فهو " حنيف " ، مسلم على دين إبراهيم.
ذكر من قال ذلك :
2091 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا القاسم بن الفضل ، عن كثير أبي سهل ، قال : سألت الحسن عن " الحنيفية " ، قال : حج البيت.
2092 - حدثني محمد بن عبادة الأسدي قال : حدثنا عبد الله بن موسى

(3/104)


قال : أخبرنا فضيل ، عن عطية في قوله : " حنيفا " قال الحنيف : الحاج. (1)
2093 - حدثني الحسين بن علي الصدائي قال : حدثنا أبي ، عن الفضيل ، عن عطية مثله. (2)
__________
(1) الخبر : 2092 - محمد بن عبادة الأسدي ، شيخ الطبري : هذا الشيخ مضى مرارا في المطبوعة على أوجه . منها : 645 ، 1511 باسم " محمد بن عمارة الأسدي " ، وذكرنا في ثانيهما أننا لم نجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في رواية الطبري عنه مرارا في التاريخ . ولم نجده في فهارس التاريخ إلا كذلك . ومنها : 1971 ، باسم " محمد بن عمار " ، وصححناه فيه على ما رأينا من قبل " محمد بن عمارة " . ولكنه جاء هنا - كما ترى - باسم " محمد بن عبادة " . والراجح عندي الآن أنه هو الصواب . فإن يكن ذلك تكن نسخ الطبري في التفسير وفي التاريخ محرفة في كل موضع ذكر فيه على غير هذا النحو .
وهذا الشيخ " محمد بن عبادة بن البختري الأسدي الواسطي " : ثقة صدوق ، كان صاحب نحو وأدب . وهو من شيوخ البخاري ، وأبي حاتم ، وأبي داود ، وغيرهم . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/17 . روى عنه البخاري في الصحيح حديثين ، (8 : 26 ، و 9 : 93 من الطبعة السلطانية) - (10 : 429 ، و 13 : 214 من الفتح) - (9 : 53 ، و 10 : 246 من القسطلاني طبعة بولاق الأول) . ونص بهامش السلطانية على أن " عبادة " - في الموضعين : بفتح العين . وكذلك ضبطه الشارحان . قال الحافظ (13 : 214) : " بفتح المهملة وتخفيف الموحدة ، واسم جده : البختري ، بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق ، ثقة واسطي ، يكنى : أبا جعفر . ما له في البخاري إلا هذا الحديث ، وآخر تقدم في كتاب الأدب " ، يعني الذي مضى في الفتح (8 : 26) .
وكذلك ضبط اسم أبيه ، في المشتبه للذهبي : 333 ، والحافظ في تحرير المشتبه (مخطوط) .
وإنما رجحت - هنا - أنه " محمد بن عبادة " : لأن " محمد بن عمارة الأسدي " مفقود ذكره في كتب التراجم والرواية . فيما وصل إليه علمي ، ولأن كثيرا من رواياته في التاريخ والتفسير - عن " عبيد الله بن موسى " ، كما في التفسير : 1511 ، والتاريخ 1 : 57 ، و 2 : 266 ، و 3 : 76 ، 78 . نعم : يمكن أن يكون هناك شيخ آخر - لم يصل إلينا علمه - باسم " محمد بن عمارة " يتفق مع هذا في شيوخه وفي الرواة عنه . ولكني أرى أن ما ذكرت هو الأرجح .
و " عبيد الله بن موسى " : هو العبسي الحافظ الثقة . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/334 - 335 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 322 - 323 ، ووقع اسمه في المطبوعة هنا " عبد الله " وهو تحريف واضح .
فضيل : هو ابن مرزوق الرقاشي : وهو ثقة ، رجحنا توثيقه في شرح المسند : 1251 ، لأن من تكلم فيه ، إنما تكلم من أجل أحاديث يرويها عن عطية العوفي - الذي يروى عنه هنا ، وعطية ضعيف ، كما مضى في : 305 .
(2) الخبر : 2093 - الحسين بن علي الصدائي - بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين - الأكفاني : ثقة عدل من الصالحين ، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/56 ، وتاريخ بغداد 8 : 67 - 68 .
أبوه " علي بن يزيد بن سليم الصدائي " : ثقة أيضًا ، تكلم فيه بعضهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/209 .

(3/105)


2094 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام بن سلم ، (1) عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد قال : الحنيف الحاج.
2095 - حدثني الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن التيمي ، عن كثير بن زياد قال : سألت الحسن عن " الحنيفية " ، قال : هو حج هذا البيت.
قال ابن التيمي : وأخبرني جويبر ، عن الضحاك بن مزاحم ، مثله. (2)
2096 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا ابن مهدي قال : حدثنا سفيان ، عن السدي ، عن مجاهد : " حنفاء " قال : حجاجا. (3)
2097 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " حنيفا " قال : حاجا.
2098 - حدثت عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن عبد الله بن القاسم قال : كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون " حنفاء " ، فأنزل الله تعالى ذكره( حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ). [سورة الحج : 31]
* * *
وقال آخرون : " الحنيف " ، المتبع ، كما وصفنا قبل ، من قول الذين قالوا : إن معناه : الاستقامة.
ذكر من قال ذلك :
2099 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ،
__________
(1) في المطبوعة " حكام بن سالم " ، خطأ . وقد مضى كثيرا في إسناد الطبري .
(2) الخبر : 2095 - ابن التيمي : لم أجد نصا يعين من هو ؟ ونسبة " التيمي " فيها سعة . وأنا أرجح أن يكون " معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي " . فإنه من هذه الطبقة ، ويروي عنه عبد الرزاق . ولعل عبد الرزاق ذكره بهذه النسبة ، لئلا يشتبه باسم معمر . وهو ابن راشد ، إذ يكثر عبد الرزاق الرواية عن معمر . فخشي التصحيف لو قال هنا " معتمر " . فخرج منه بقوله " ابن التيمي " .
(3) انظر ما سيأتي في رقم : 2098 ، فهذا من تفسير آية سورة الحج المذكورة ثم .

(3/106)


عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " حنفاء " قال : متبعين.
* * *
وقال آخرون : إنما سمي دين إبراهيم " الحنيفية " ، لأنه أول إمام سن للعباد الختان ، فاتبعه من بعده عليه. قالوا : فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم ، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام ، فهو " حنيف " على ملة إبراهيم. (1)
وقال آخرون : " بل ملة إبراهيم حنيفا " ، بل ملة إبراهيم مخلصا. " فالحنيف " على قولهم : المخلص دينه لله وحده.
ذكر من قال ذلك :
2100 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " واتبع ملة إبراهيم حنيفا " ، يقول : مخلصا.
* * *
وقال آخرون : بل " الحنيفية " الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها ، فهو " حنيف " .
* * *
قال أبو جعفر : " الحنف " عندي ، هو الاستقامة على دين إبراهيم ، واتباعه على ملته. (2) . وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت ، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله : ( ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) [سورة آل عمران : 67]
فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان ، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ) [سورة آل عمران : 67].
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 58 .
(2) في المطبوعة : " الحنيف عندي هو الاستقامة " ، وهو كلام مختلف ، صوابه ما أثبت .

(3/107)


فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه ، ولا حجَّ البيت وحده ، ولكنه هو ما وصفنا : من الاستقامة على ملة إبراهيم ، واتباعه عليها ، والائتمام به فيها.
* * *
فإن قال قائل : أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، من الأنبياء وأتباعهم ، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه ؟
قيل : بَلى.
فإن قال : فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة ، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم ؟
قيل : إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله ، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة ، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم ، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان ، وغير ذلك من شرائع الإسلام ، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم ، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته ، واستقامته على هديه ومنهاجه ، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل ، فقيل : " يهودي ، ونصرانيّ ، ومجوسيّ " ، وغير ذلك من صنوف الملل
* * *
وأما قوله : و " ما كانَ مِن المشركين " ، يقول : إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام ، ولا كان من اليهود ولا من النصارى ، بل كان حنيفًا مسلمًا.
* * *

(3/108)


قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)

القول في تأويل قوله تعالى : { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : " قولوا " - أيها المؤمنون ، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى ، الذين قالوا لكم : " كونوا هُودًا أو نصارى تَهتدوا " - : " آمنا " ، أي صدَّقنا " بالله " .
وقد دللنا فيما مضى أنّ معنى " الإيمان " ، التصديقُ ، بما أغنى عن إعادته. (1) .
* * *
" وما أنزل إلينا " ، يقول أيضًا : صدّقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم. فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم ، إذ كانوا متّبعيه ، ومأمورين منهيين به. فكان - وإنْ كان تنزيلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بمعنى التنزيل إليهم ، للذي لهم فيه من المعاني التي وصفتُ
* * *
ويعني بقوله : " ومَا أنزل إلى إبراهيم " ، صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم " وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط " ، وهم الأنبياء من ولد يَعقوب.
* * *
وقوله : " ومَا أوتي مُوسَى وعيسى " ، يعني : وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى ، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى ، والكتب التي آتى النبيين كلهم ، وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله ، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى ، يُصدِّق بعضهم بعضًا ، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله ، والعمل بطاعته ، " لا نُفرِّق بَينَ أحد منهم " ، يقول : ل
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 235 - 236 ، ثم 2 : 143 ، 348 . . . ومواضع أخرى غيرها .

(3/109)


ا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض ، ونتبرَّأ من بعضٍ ونتولى بعضًا ، كما تبرأت اليهودُ من عيسى ومحمد عليهما السلام وأقرّت بغيرهما من الأنبياء ، وكما تبرأت النصارَى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرّت بغيره من الأنبياء ، بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه ، بعثوا بالحق والهدى.
* * *
وأما قوله : " ونحنُ لَهُ مُسلمون " ، فإنه يعني تعالى ذكره : ونحنُ له خاضعون بالطاعة ، مذعنون له بالعبودية. (1)
* * *
فذُكر أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك لليهود ، فكفروا بعيسى وبمن يؤمن به ، كما : -
2101 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا يونس بن بكير قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال : حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفرٌمن يهود ، فيهم أبو ياسر بن أخطب ، (2) ورافع بن أبي رافع ، وعازر ، وخالد ، وزيد ، وأزار بن أبي أزار ، وأشْيَع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال : أومن بالله وَمَا أنزلَ إلينا وما أنزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط ، ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ، ولا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) (3) [سورة المائدة : 59]
__________
(1) انظر " الإسلام " فيما سلف : 510 ، 511 / وهذا الجزء 3 ، 74 ، 92 ، 94 .
(2) في سيرة ابن هشام 2 : 216 " منهم : أبو ياسر " .
(3) الأثر : 2101 - سيأتي في تفسير سورة المائدة : 59 (6 : 188 - 189 بولاق) بإسناده عن هناد بن السري عن يونس بن بكير ، وهو في سيرة ابن هشام 2 : 216 مع اختلاف يسير في بعض لفظه . وانظر الأثر التالي .

(3/110)


2102 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس. قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه - إلا أنه قال : " ونافع بن أبي نافع " مكانَ " رافع بن أبي رافع " (1) .
* * *
وقال قتادة : أنزلتْ هذه الآية ، أمرًا من الله تعالى ذكره للمؤمنين بتصديق رُسله كلهم.
2103 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قُولُوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم " إلى قوله : " ونَحنُ له مسلمون " ، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم ، ولا يفرِّقوا بين أحد منهم.
* * *
وأما " الأسباط " الذين ذكرهم ، فهم اثنا عشر رَجلا من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وَلَد كل رجل منهم أمّة من الناس ، فسموا " أسباطًا " (2) . كما : -
2104 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : الأسباط ، يوسفُ وإخوته ، بنو يَعقوب. ولد اثني عشر رجلا فولد كل وحل منهم أمَّة من الناس ، فسموا : " أسباطا " .
2105 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : أما الأسباط ، فهم بنو يعقوب : يوسُف ، وبنيامين ، ورُوبيل ،
__________
(1) الأثر : 2102 - هكذا جاء في سيرة ابن هشام 2 : 216 ، وانظر سيرة ابن هشام أيضًا 1 : 161 ، 162 " رافع بن أبي رافع " ، و " نافع بن أبي نافع " ، والخلط في أسماء يهود ذلك العهد كثير في كتب السير .
(2) انظر تفسير " الأسباط " فيما سلف أيضًا 2 : 121 .

(3/111)


ويهوذا ، وشَمعون ، ولاوِي ، ودَان ، وقهاث. (1) .
2106 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : " الأسباط " يوسف وإخوته بنو يعقوب ، اثنا عشر رجلا فولد لكل رجل منهم أمّة من الناس ، فسموا " الأسباط " .
2107 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني محمد بن إسحاق قال (2) نكح يَعقوب بن إسحاق - وهو إسرائيل - ابنة خاله " ليا " ابنة " ليان بن توبيل بن إلياس " ، (3) فولدت له " روبيل بن يعقوب " ، (4) وكان أكبر ولده ، و " شمعون بن يعقوب " ، و " لاوي بن يعقوب " و " يهوذا بن يعقوب " و " ريالون بن يعقوب " ، (5) و " يشجر بن يعقوب " ، (6) و " دينة بنت يعقوب " ، ثم توفيت " ليا بنت ليان " . (7) فخلف يعقوب على أختها " راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس " (8) فولدت له " يوسف بن يعقوب " و " بنيامين " - وهو بالعربية أسد - وولد له من سُرِّيتين له : اسم إحداهما " زلفة " ، واسم الأخرى " بلهية " ، (9) أربعة
__________
(1) الأثر : 2105 - في الدر المنثور 1 : 140 . ولم أجد في ولد يعقوب " قهاث " وفي الدر المنثور " وتهان " ، والظاهر أنهما جميعًا محرفان عن " نفتالى " أخبر " دان " من أمها " بلهية " جارية " راحيل " ، كما سيأتي في الأثر التالي : 2107 ، وكما هو في كتاب بني إسرائيل الذي بين أيدينا . هذا ، وقد اقتصر الطبري هنا على ثمانية نفر من الأسباط . وزاد السيوطي في الدر المنثور تاسعًا - في روايته عن الطبري - قال " وكونوا - بالنون " ، وليس في ولد يعقوب هذا الاسم ، إلا أن يكون تصحيفًا صوابه " زبلون " كما هو في كتب القوم . انظر التعليق على الأثر التالي : 2107 .
(2) الأثر : 2107 - لم أصحح هذه الأسماء ، مع الاختلاف فيها ، ولكني سأذكر مواضع الاختلاف على رسمها في كتاب بني إسرائيل الذي بين أيدينا ، في التعليقات الآتية .
(3) " ليئة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل " " وراحيل بنت لابان . . "
(4) (رأُوبين بن يعقُوبُ)
(5) (زَبُولُون بن يعقوب)
(6) (يسَّاكر بن يعقوب)
(7) " ليئَة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل " " وراحيل بنت لابان . . "
(8) " ليئَة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل " " وراحيل بنت لابان . . "
(9) (بِلْهة)

(3/112)


فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)

نفر : " دان بن يعقوب " ، و " نَفثالي بن يعقوب " و " جَاد بن يعقوب " ، و " إشرب بن يعقوب " (1) فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا ، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله ، يقول الله تعالى : ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ). [سورة الأعراف : 160]
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به " ، فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله ، ومَا أنزل إليكم ، وما أنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ ، ومَا أوتي مُوسى وعيسى ، وما أوتي النبيون من ربهم ، وأقروا بذلك ، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم ، فقد وُفِّقوا ورَشِدوا ، ولزموا طريق الحق ، واهتدوا ، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم ، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك.
فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية ، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها ، كما : -
2108 - حدثنا المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا " ونحو هذا ، قال : أخبر الله سبحانه أنّ الإيمان هو العروة الوثقى ، وَأنه لا يقبل عملا إلا به ، ولا تحرُم الجنة إلا على مَن تركه.
* * *
__________
(1) (أشِير بن يَعْقُوب) وراجع في الجميع سفر التكوين إصحاح : 29 ، 30 ، 35 .

(3/113)


وقد روي عن ابن عباس في ذلك قراءةٌ ، جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها ، وأجمعت قَرَأة القرآن على تركها. وذلك ما : -
2109 - حدثنا به محمد بن المثنى قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن أبي حمزة ، قال : قال ابن عباس : لا تقولوا : " فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا " - فإنه ليس لله مثل - ولكن قولوا : " فإن آمنوا بالذي آمنتم به فَقد اهتدوا " - أو قال : " فإن آمنوا بما آمنتم به " .
* * *
فكأن ابن عباس - في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه - يوجِّه تأويل قراءة من قرأ : " فإن آمنُوا بمثل مَا آمنتم به " ، فإن آمنوا بمثل الله ، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل. وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه ، شِركٌ لا شكَّ بالله العظيم. لأنه لا مثل لله تعالى ذكرُه ، فنؤمن أو نكفر به.
* * *
ولكن تأويل ذلك على غير المعنى الذي وَجّه إليه تأويله. وإنما معناه ما وصفنا ، وهو : فإن صدّقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به - من جميع ما عددنا عليكم من كتُب الله وأنبيائه - فقد اهتدوا. فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والإقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء. كقول القائل : " مرّ عمرو بأخيك مثلَ ما مررتُ به " ، يعني بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مُروري به. والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين ، لا بين عمرو وبين المتكلم. فكذلك قوله : " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به " ، إنما وقع التمثيل بين الإيمانين ، لا بين المؤمَنِ به.
* * *

(3/114)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ }
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بقوله : " وإن تَوَلَّوْا " ، وإن تولى - هؤلاء الذين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه : " كونوا هودًا أو نصارَى " - فأعرضوا ، (1) فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنون بالله ، وبما جاءت به الأنبياءُ ، وابتُعِثت به الرسل ، وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسله ، فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ فاعلموا ، أيها المؤمنون ، أنهم إنما هُمْ في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم ، كما : -
2110 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " وإنما هُم في شقاق " ، أي : في فراق (2)
2111 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " فإنما هُمْ في شقاق " ، يعني فراق.
2112 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : " وإن توَلوا فإنما هم في شقاق " قال : الشقاق : الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب ، وإذا حَارب فقد شاقَّ ، وهما واحدٌ في كلام العرب ، وقرأ : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ) [سورة النساء : 115].
* * *
قال أبو جعفر : وأصل " الشقاق " عندنا ، والله أعلم ، مأخوذٌ من قول القائل : " شَقَّ عليه هذا الأمر " ، إذا كرَبه وآذاه. ثم قيل : " شاقَّ فلانٌ فلانًا " ، بمعنى : نال
__________
(1) انظر معنى " تولى " فيما سلف ، 2 : 162 ، 163 / ثم 298 ، 299 .
(2) الأثر : 2110 - سقط من المطبوعة في إسناده : " عن سعيد " ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقر به فيما سلف : 2104 .

(3/115)


كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه ، وأثقلته مَساءَته. ومنه قول الله تعالى ذكره : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ) [سورة النساء : 35] بمعنى : فراقَ بينهما.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فسيكفيكهمُ الله " ، فسيكفيكَ الله يا محمد ، هؤلاء الذين قالوا لَكَ ولأصحابك : " كونوا هودًا أو نَصَارَى تهتدوا " ، من اليهود والنصارى ، إنْ هم تولوْا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله ، وبما أنزل إليك ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم ، وفرقوا بين الله ورُسُله - إما بقتل السيف ، وإما بجلاء عن جوارك ، وغير ذلك من العقوبات ؛ فإن الله هو " السميع " لما يقولون لك بألسنتهم ، ويبدون لك بأفواههم ، من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضّالة - " العليمُ " بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحَسد والبغضاء.
ففعل الله بهم ذلك عَاجلا وأنجزَ وَعْده ، فكفى نبيّه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إيّاه عليهم ، حتى قتل بعضهم ، وأجلَى بعضًا ، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار.
* * *

(3/116)


صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)

القول في تأويل قوله تعالى : { صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) }
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره ب " الصبغة : صبغةَ الإسلام. وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم ، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس ، بمنزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام ، وأنه صبغة لهم في النصرانية. (1)
فقال الله تعالى ذكره - إذ قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين به : " كونوا هودًا أو نَصَارَى تَهتدوا " - : قل لهم يا محمد : أيها اليهود والنصارى ، بل اتبعوا ملة إبراهيمَ ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ ، فإنها هي الحنيفية المسلمة ، ودعوا الشركَ بالله ، والضلالَ عن محجَّة هُداه.
* * *
ونصب " الصبغة " من قرأها نصبًا على الردِّ على " الملة " . وكذلك رَفع " الصبغة " من رَفع " الملة " ، على ردّها عليها.
وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه. وذلك على الابتداء ، بمعنى : هي صبغةُ الله.
وقد يجوز نصبها على غير وجه الرّد على " الملة " ، ولكن على قوله : " قولوا آمنا بالله " إلى قوله " ونحنُ له مسلمون " ، " صبغةَ الله " ، بمعنى : آمنا هذا الإيمان ، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغةُ الله. (2)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل " الصبغة " قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
2113 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
__________
(1) انظر معاني القرآن 1 : 82 - 83 .
(2) انظر معاني القرآن 1 : 82 - 83 .

(3/117)


" صبغةَ الله ومن أحسن من الله صبغة " إنّ اليهود تصبغ أبناءها يهودَ ، والنصارى تَصبغ أبناءَها نصارَى ، وأن صبغة الله الإسلامُ ، فلا صبغة أحسنُ من الإسلام ، ولا أطهر ، وهو دين الله بعث به نُوحًا والأنبياء بعده.
2114 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال عطاء : " صبغةَ الله " صبغت اليهودُ أبناءَهم خالفوا الفِطْرة.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " صبغة الله " . فقال بعضهم : دينُ الله.
ذكر من قال ذلك :
2115 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : " صبغة الله " قال : دينَ الله.
2116 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا وكيع ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " صبغةَ الله " قال : دينَ الله ، " ومن أحسن من الله صِبغةً " ، ومن أحسنُ من الله دينًا.
2117 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع مثله.
2118 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله.
2119 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن مجاهد مثله.
2120 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2121 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا فُضَيل بن مرزوق ، عن عطية قوله : " صبغةَ الله " قال : دينَ الله.

(3/118)


2122 - حدثنا موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغة " ، يقول : دينَ الله ، ومن أحسن من الله دينًا.
2123 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " صبغةَ الله " قال : دينَ الله.
2124 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله : " صبغةَ الله " قال : دين الله.
2125 - حدثني ابن البرقي قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال : سألت ابن زيد عن قول الله : " صبغةَ الله " ، فذكر مثله.
* * *
وقال أخرون : " صبغة الله " فطرَة الله. (1)
ذكر من قال ذلك :
2126 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " صبغة الله " قال : فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها.
2127 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا محمد بن حرب قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن جعفر بن ربيعة ، عن مجاهد : " ومن أحسنُ من الله صبغة " قال : الصبغة ، الفطرةُ.
2128 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : " صبغةَ الله " ، الإسلام ، فطرةَ الله التي فطر الناس عليها. قال ابن جريج : قال لي عبد الله بن كثير : " صبغةَ الله " قال : دين الله ، ومن أحسنُ من الله دينًا. قال : هي فطرة الله.
* * *
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 59 .

(3/119)


ومن قال هذا القول ، فوجَّه " الصبغة " إلى الفطرة ، فمعناه : بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه ، وذلك الدين القيم. من قول الله تعالى ذكره : ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) [سورة الأنعام : 14]. بمعنى خالق السماوات والأرض (1) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) }
قال أبو جعفر : وقوله تعالى ذكره : " ونَحنُ له عَابدون " ، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود والنصارى ، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه : " كونوا هودًا أو نَصارَى " . فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ بل نتبعُ ملة إبراهيم حنيفًا ، صبغةَ الله ، ونحنُ له عابدون. يعني : ملة الخاضعين لله المستكينين له ، في اتّباعنا ملة إبراهيم ، وَديْنُونتنا له بذلك ، غير مستكبرين في اتباع أمره ، والإقرار برسالته رسلَه ، كما استكبرت اليهودُ والنصارَى ، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم استكبارًا وبغيًا وحسدًا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " قُلْ أتُحاجُّونَنا في الله " ، قل يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى ، الذين قالوا لك ولأصحابك : " كونوا هُودًا
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 59 .

(3/120)


أو نَصَارَى تَهتدوا " ، وزعموا أن دينهم خيرٌ من دينكم ، وكتابهم خير من كتابكم ، لأنه كان قبلَ كتابكم ، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم : " أتحاجوننا في الله وهو رَبنا وربكم " ، بيده الخيرات ، وإليه الثواب والعقابُ ، والجزاءُ على الأعمال - الحسنات منها والسيئات ، فتزعمون أنكم بالله أوْلى منا ، من أجل أن نبيكم قبل نبينا ، وكتابكم قبل كتابنا ، وربّكم وربّنا واحدٌ ، وأنّ لكلّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها ، يجازى [عليها] فيثابُ أو يعاقبُ ، (1) - لا على الأنساب وقدمَ الدِّين والكتاب.
* * *
ويعني بقوله : " قُلْ أتحاجوننا " ، قل أتخاصموننا وتجادلوننا ؟ كما -
2129 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قل أتحاجوننا في الله " ، قل : أتخاصموننا ؟
2130 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : " قل أتحاجُّونَنا " ، أتخاصموننا ؟
2131 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " أتحاجوننا " ، أتجادلوننا ؟
* * *
فأما قوله : " ونحن له مُخلصون " ، فإنه يعني : ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة ، لا نشرك به شيئًا ، ولا نعبد غيره أحدًا ، كما عبد أهل الأوثان معه الأوثانَ ، وأصحاب العِجل معه العجلَ.
* * *
وهذا من الله تعالى ذكره توبيخٌ لليهود ، واحتجاج لأهل الإيمان ، بقوله تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : قولوا - أيها المؤمنون ، لليهود
__________
(1) في المطبوعة : " ويجازى فيثاب أو يعاقب " . وكأن الصواب يقتضي حذف " الواو " ، وزيادة : " عليها " . وقوله : " لأعلى الأنساب " معطوف على قوله : " والجزاء على الأعمال " .

(3/121)


أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140)

والنصارى الذين قالوا لكم : " كونوا هودًا أو نصارى تَهتدوا " - : " أتحاجوننا في الله " ؟ يعني بقوله : " في الله " ، في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدينه به ، وربنا وربكم واحدٌ عدلٌ لا يجور ، وإنما يجازي العبادَ عَلى ما اكتسبوا. وتزعمون أنّكم أولى بالله منا ، لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم ، ونحنُ مُخلصون له العبادةَ ، لم نشرك به شَيئًا ، وقد أشركتم في عبادتكم إياه ، فعبد بعضكم العجلَ ، وبعضكم المسيحَ ، فأنَّى تكونون خيرًا منا ، وأولى بالله منا ؟ (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ }
قال أبو جعفر : في قراءة ذلك وجهان. أحدهما : " أمْ تَقولون " ب " التاء " . فمن قرأ كذلك ، فتأويله : قل يا محمد - للقائلين لَك من اليهود والنصارى : " كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا " - : أتجادلوننا في الله ، أم تقولون إن إبراهيم ؟ فيكون ذلك معطوفًا على قوله : " أتحاجوننا في الله " .
والوجه الآخر منهما : " أم يَقولون " ب " الياء " . ومن قرأ ذلك كذلك وجّه قوله : " أم يقولون " إلى أنه استفهام مُستأنَف ، كقوله : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [سورة السجدة : 3] ، وكما يقال : " إنها لإبل أم شَاءٌ " . (2) وإنما جعله استفهامًا مستأنَفًا ، لمجيء خبر مستأنف ، كما يقال : " أتقوم أم يقوم أخوك ؟ " فيصير قوله : " أم يقوم أخوك " خبرًا مستأنفًا لجملة ليست من الأول واستفهامًا
__________
(1) في المطبوعة : " وأنى تكونوا خيرًا منا " ، والصواب ما أثبت . " أنى " استفهام بمعنى : كيف .
(2) انظر ما سلف في خبر " أم " 2 : 492 - 494 ، وهذا الجزء 3 : 97 .

(3/122)


مبتدأ. ولو كان نَسقًا على الاستفهام الأول ، لكان خبرًا عن الأول ، فقيل : " أتقوم أم تقعد ؟ "
وقد زعم بعض أهل العربية أنّ ذلك ، إذا قرئ كذلك ب " الياء " ، فإن كان الذي بعد " أم " جملة تامة ، فهو عطفٌ على الاستفهام الأول. لأن معنى الكلام : قيل : أيّ هذين الأمرين كائنٌ ؟ هذا أم هذا ؟
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القرَاءة عندنا في ذلك : " أم تقولون " " بالتاء " دون " الياء " عطفًا على قوله : " قل أتحاجُّوننا " ، بمعنى : أيّ هذين الأمرين تفعلون ؟ أتجادلوننا في دين الله ، فتزعمون أنكم أولى منا وأهدى منا سبيلا - وأمرنا وأمركم ما وصفنا ، على ما قد بيناه آنفًا (1) - أمْ تزعمون أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ ، ومن سَمَّى الله ، كانوا هُودًا أو نصارَى على ملتكم ، فيصحّ للناس بَهتكم وكذبكم ، (2) لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سماهم الله من أنبيائه. وغير جائزة قراءة ذلك ب " الياء " ، لشذوذها عن قراءة القراء.
* * *
وهذه الآية أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيّه صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى ، الذين ذكر الله قَصَصهم. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد - لهؤلاء اليهود والنصارى - : أتحاجُّوننا في الله ، وتزعمون أن دينكم أفضلُ من ديننا ، وأنكم على هدى ونحنُ على ضَلالة ، ببرهان من الله تعالى ذكره ، فتدعوننا إلى دينكم ؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه ، أم تقولون : إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط كانوا هودًا أو نَصَارَى على دينكم ؟ فهاتُوا - على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك - برهانًا فنصدِّقكم ، فإن الله قد جَعلهم أئمة يقتدى بهم.
__________
(1) في المطبوعة : " أيضًا " ، والصواب ما أثبت .
(2) أخشى أن يكون الصواب " فيتضح للناس " ، والذي في الأصل لا بأس به .

(3/123)


ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قُل لهم يا محمد - إن ادَّعوا أن إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصَارَى : أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأديان ، أم الله ؟
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : يعني : فإنْ زَعمتْ يا محمد اليهودُ والنصَارى - الذين قالوا لك ولأصحابك : " كونوا هودًا أو نصارى " ، أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى ، فمن أظلمُ منهم ؟ يقول : وأيُّ امرئ أظلم منهم ؟ وقد كتموا شهادةً عندهم من الله بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين ، فكتموا ذلك ، ونحلُوهم اليهوديةَ والنصرانية.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك :
2132 - فحدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ومن أظلمُ ممن كتم شَهادةً عندهُ من الله " قال : في قول يهود لإبراهيم وإسماعيل ومن ذكر معهما ، إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فيقول الله : لا تكتموا منّي شهادةً إن كانت عندكم فيهم. وقد عَلم أنهم كاذبون.
2133 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله " ، في قول اليهود لإبراهيم وإسماعيل ومن ذكر معهما : إنهم كانوا يهود أو نصارَى. فقال الله لهم : لا تكتموا مني الشهادة فيهم ، إن كانت عندكم فيهم. وقد علم الله أنهم كانوا كاذبين.

(3/124)


2134 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني إسحاق ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن أنه تلا هذه الآية : " أم تقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل " إلى قوله : " قل أأنتم أعلمُ أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله " ، قال الحسن : والله لقد كان عند القوم من الله شهادةُ أنّ أنبياءَه بُرَآء من اليهودية والنصرانية ، كما أن عند القوم من الله شَهادة أن أموالكم ودماءكم بينكم حرام ، فبم استحلُّوها ؟
2135 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله " ، أهلُ الكتاب ، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل : أنّهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى ، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان.
* * *
وإنما عنى تعالى ذكره بذلك أن اليهود والنصارَى ، (1) إن ادَّعوْا أنَّ إبراهيم ومن سمِّي مَعه في هذه الآية ، كانوا هودًا أو نصارى ، تبيّن لأهل الشرك الذين هم نصراؤهم ، (2) كذبُهم وادّعاؤهم على أنبياء الله الباطلَ لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعدهم وإن هم نَفوْا عنهم اليهودية والنصرانية ، (3) قيل لهم : فهلموا إلى ما كانوا عليه من الدين ، فإنا وأنتم مقرُّون جميعًا بأنهم كانوا على حق ، ونحن مختلفون فيما خالف الدّين الذي كانوا عليه.
* * *
وقال آخرون : بل عَنى تعالى ذكره بقوله : " ومَنْ أظلم ممن كتم شهادةً عنده من الله " ، اليهودَ في كتمانهم أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوَّتَه ، وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم.
__________
(1) في المطبوعة : " وأنه عنى تعالى ذكره . . . " والسياق مختل ، فاستظهرت إصلاحه كما سترى في التعليق الآتي :
(2) في المطبوعة " بين لأهل الشرك " . والسياق يوجب ما أثبت .
(3) سياق هذه الجملة من أول الفقرة : " وإنما عنى تعالى ذكره أن اليهود والنصارى ، إن ادعوا أن إبراهيم . . . تبين لأهل الشرك . . . وإن نفوا عنهم اليهودية قيل لهم : . . . " ، وبذلك يتبين أن الذي أثبتنا أحق بسياق الكلام .

(3/125)


ذكر من قال ذلك :
2136 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " أم تَقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارَى " ، أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله ، واتخذوا اليهودية والنصرانيةَ ، وكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
2137 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله : " ومَنْ أظلمُ ممن كتم شهادة عنده من الله " قال : الشهادةُ ، النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، مكتوبٌ عندهم ، وهو الذي كتموا.
2138 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، نحو حديث بشر بن معاذ ، عن يزيد. (1)
2139 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عند منَ الله " قال : هم يهودُ ، يُسألون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صفته في كتاب الله عندهم ، فيكتمون الصفة.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القولَ الذي قلناه في تأويل ذلك ، لأن قوله تعالى ذكره : " ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله " ، في إثر قصة من سمَّى الله من أنبيائه ، وأمامَ قصته لهم. فأوْلى بالذي هو بَين ذلك أن يكون من قَصصهم دون غَيره.
* * *
فإن قال قائل : وأية شهادة عندَ اليهود والنصارى من الله في أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ ؟
__________
(1) الأثر : 2138 - كان في المطبوعة " حدثني المثنى قال حدثني ابن أبي جعفر " ، أسقط من الإسناد " حدثنا إسحاق " ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم : 117 .

(3/126)


قيل : الشهادةُ التي عندهم من الله في أمرهم ، مأ أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل ، وأمرُهم فيها بالاستنان بسُنَّتهم واتباع ملتهم ، وأنهم كانوا حُنفاء مسلمين. وهي الشهادةُ التي عندهم من الله التي كتموها ، حين دعاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، فقالوا له : ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) [سورة البقرة : 111] ، وقالوا له ولأصحابه : " كونوا هُودًا أوْ نصارى تَهتدوا " ، فأنزلَ الله فيهم هذه الآيات ، في تكذيبهم ، وكتمانهم الحق ، وافترائهم على أنبياء الله الباطلَ والزُّورَ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : وقل - لهؤلاء اليهود والنصارَى ، الذين يحاجُّونك يا محمد - : " وما اللهُ بغافل عما تعملون " ، من كتمانكم الحق فيما ألزَمكم في كتابه بيانَه للناس من أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ في أمر الإسلام ، وأنهم كانُوا مسلمين ، وأنّ الحنيفية المسلمة دينُ الله الذي على جميع الخلق الدينُونةُ به ، دون اليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل - ولا هُو سَاهٍ عن عقابكم على فعلكم ذلك ، (1) بل هو مُحْصٍ عليكم حتى يُجازيكم به من الجزاء ما أنتم له أهلٌ في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فجازاهم عاجلا في الدنيا ، بقتل بعضهم ، وإجلائه عن وطنه وداره ، وهو مُجازيهم في الآخرة العذابَ المهين.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " غافل " فيما سلف 2 : 243 - 244 / ثم : 316 .

(3/127)


تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)

القول في تأويل قوله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " تلك أمة " ، إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ. كما : -
2140 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله تعالى : " تلك أمة قَد خَلت " ، يعني : إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.
2141 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله.
* * *
قال أبو جعفر : وقد بينا فيما مضى أن " الأمة " ، الجماعة (1) .
* * *
فمعنى الآية إذًا : قلْ يا محمد لهؤلاء الذين يُجادلونك في الله من اليهود والنصارى ، إن كتموا ما عندَهم من الشهادة في أمر إبراهيم ومن سَمَّينا مَعه ، وأنهم كانوا مسلمين ، وزعموا أنهم كانوا هودًا أو نصارى ، فكذبوا : إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أمَّةٌ قد خَلتْ - أي مضت لسبيلها (2) - فصارت إلى ربها ، وخَلتْ بأعمالها وآمالها ، لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها ، وعليها ما اكتسبت من شر ، لا ينفعها غيرُ صالح أعمالها ، ولا يضرها إلا سيِّئها. فاعلموا أيها اليهود والنصارى ذلك ، فإنكم ، إنْ كان هؤلاء - (3) وهم الذين
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 221 ثم هذا الجزء 3 : 74 ، 100 / ثم انظر " خلا " و " كسب " في هذا الجزء 3 : 101 والمراجع هناك .
(2) انظر ما سلف 1 : 221 ثم هذا الجزء 3 : 74 ، 100 / ثم انظر " خلا " و " كسب " في هذا الجزء 3 : 101 والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : " هم الذين بهم . . . " ، والصواب " وهم . . . " .

(3/128)


بهم تَفتخرون ، وتزعمون أنّ بهم تَرجُون النجاةَ من عذاب ربكم ، مع سيئاتكم وعظيم خطيئاتكم - لا يَنفعهم عند الله غيرُ ما قدَّموا من صالح الأعمال ، ولا يضرهم غير سيئها ، فأنتم كذلك أحرَى أنْ لا ينفعكم عند الله غير ما قدمتم من صالح الأعمال ، (1) ولا يضرّكم غيرُ سَيئها. فاحذروا على أنفسكم ، وبادروا خروجَها بالتوبة والإنابة إلى الله مما أنتم عليه من الكفر والضلالة والفِرية على الله وعلى أنبيائه ورُسُله ، ودَعُوا الاتكالَ على فَضَائل الآباء والأجداد ، فإنما لكم ما كسبتم ، وعليكم ما اكتسبتم ، ولا تُسألون عما كان إبراهيم وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباط يَعملون من الأعمال ، لأن كل نفس قَدِمت على الله يوم القيامة ، فإنما تُسأل عما كسبت وأسلفت ، دون ما أسلفَ غيرُها.
* * *
__________
(1) سياق هذه العبارة : " إن كان هؤلاء . . . لا ينفعهم عند الله غير ما قدموا . . . فأنتم كذلك أحرى أن لا ينفعكم غير صالح الأعمال . . . " .

(3/129)


سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)

القول في تأويل قوله تعالى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " سيقول السفهاء " ، سيقول الجهال " منَ الناس " ، وهم اليهود وأهل النفاق.
وإنما سماهم الله عز وجل " سُفهاء " ، لأنهم سَفِهوا الحق. (1) فتجاهلت أحبارُ اليهود ، وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم ، عن اتِّباع محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل ، وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا.
* * *
وبما قلنا في " السفهاء " - أنهم هم اليهود وأهلُ النفاق - قال أهل التأويل.
ذكر من قال : هم اليهود :
__________
(1) سفه الحق : جهله . وانظر ما سلف في معنى " السفه " 1 : 293 - 294 / ثم هذا الجزء 3 : 90 .

(3/129)


2142 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : " سيقول السفهاء من الناس مَا وَلاهم عن قِبْلتهم " قال ، اليهود تقوله ، حين تَرَك بيتَ المقدس.
2143 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2144 - حدثت عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن أبي إسحاق ، عن البَراء : " سيقول السفهاء من الناس " قال ، اليهود. (1)
2145 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : " سيقول السفهاء من الناس " قال ، اليهود.
2146 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء في قوله : " سيقول السفهاء من الناس " قال ، أهل الكتاب
2147 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : اليهودُ.
* * *
وقال آخرون : " السفهاء " ، المنافقون.
* ذكر من قال ذلك.
2148 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : نزلت " سَيقول السفهاء من الناس " ، في المنافقين.
* * *
__________
(1) الأثر : 2144 - هذا إسناد ليس بذاك ، فإن الطبري رواه عن شخص مبهم ، عن أحمد بن يونس ، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي . وهو ثقة ، أخرج له الجماعة ، وقد ينسب إلى جده . ولد سنة 133 ، أو 134 ، ومات سنة 227 . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/6 ، والصغير ، ص : 239 ، وابن أبي حاتم 1/1/57 . وابن سعد 6 : 283 . زهير : هو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي . ثقة ثبت معروف . وأبو إسحاق : هو السبيعي ، عمرو بن عبد الله . التابعي الكبير المشهور ، البراء : هو ابن عازب الصحابي .

(3/130)


القول في تأويل قوله تعالى : { مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ما ولاهم " : أيُّ شيء صَرَفهم عن قبلتهم ؟ وهو من قول القائل : " ولاني فلان دُبُره " ، إذا حوّل وجهه عنه واستدبره ، فكذلك قوله : " ما ولاهم " ؟ أيّ شيء حَوَّل وُجُوههم ؟ (1)
* * *
وأما قوله : " عن قبلتهم " ، فإن " قبلة " كل شيء ما قابلَ وجهه. وإنما هي " فِعْلة " بمنزلة " الجلسة والقِعْدة " ، (2) من قول القائل. " قابلت فلانًا " ، إذا صرتُ قُبالته أقابله ، فهو لي " قبلة " وأنا له " قبلة " ، إذا قابل كلّ واحد منهما بوجهه وجهَ صاحبه.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا - إذْ كان ذلك معناه (3) - : سيقول السفهاء من الناس لكم ، أيها المؤمنون بالله ورسوله ، - إذا حوّلتم وجوهكم عَن قبلة اليهود التي كانتْ لكم قبلةً قَبلَ أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شَطْر المسجد الحرام - : أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء ، فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم ؟
فأعلم الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، مَا اليهودُ والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشأم إلى المسجد الحرام ، وعلّمه ما ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب. فقال له : إذا قالوا ذلك لك يا محمد ، فقل لهم : " لله المشرقُ والمغرب يَهدي مَنْ يَشاء إلى صرَاط مستقيم " .
* * *
__________
(1) انظر ما سلف في معنى " ولي " 2 : 162 ، وهذا الجزء 3 : 115 .
(2) انظر ما قال من ذلك في " الحكمة " في هذا الجزء 3 : 87 .
(3) في المطبوعة : " إذ كان معناه " بإسقاط " ذلك " ، ولا يقوم الكلام إلا بها .

(3/131)


وكان سببُ ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس مُدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى ، ثم أراد الله تعالى صَرْف قبلة نبيّة صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام. فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهَه ووجهَ أصحابه شطرَه ، وما الذي ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب.
* * *
ذكر المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس ، وما كان سببُ صلاته نحوه ؟ وما الذي دَعا اليهودَ والمنافقين إلى قِيلِ ما قالوا عند تحويل الله قبلةَ المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة ؟
اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة. فقال بعضهم بما : -
2149 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة - قالا جميعًا : حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد قال ، أخبرني سعيد بن جبير ، أو عكرمة - شكّ محمد - ، عن ابن عباس قال : لما صُرفت القبلةُ عن الشأم إلى الكعبة - وصرفت في رَجَب ، على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ - أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رفاعةُ بنُ قيس ، وقَرْدَم بن عمرو ، وكعبُ بن الأشرف ، ونافعُ بن أبي نافع - هكذا قال ابن حميد ، وقال أبو كريب : ورَافع بن أبي رافع (1) - والحجاج بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف والربيعُ بن الربيعُ بن [أبي] الحقيق ، وكنانةُ بن أبي الحقيق ، (2) فقالوا : يا محمد ، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها ، وأنتَ تزعمُ أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعْك ونصدقك! وإنما يريدون فتنته عن دينه. فأنزل
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 111 تعليق : 1 .
(2) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام . وفيها : " وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق " .

(3/132)


الله فيهم : " سيقول السفهاءُ من الناس مَا ولاهم عنْ قبلتهم التي كانوا عليها " إلى قوله : " إلا لنعلمَ مَنْ يَتَّبع الرسول ممن يَنقلبُ عَلى عَقبَيْه " . (1)
2150 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال البراء : صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس سَبعةَ عشر شهرًا ، وكان يشتهي أن يُصرف إلى الكعبة. قال : فبينا نحن نُصلي ذاتَ يوم ، فمر بنا مارٌّ فقال : ألا هلْ علمتم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد صُرف إلى الكعبة ؟ قال : وقد صلينا ركعتين إلى هاهنا ، وصلينا ركعتين إلى هاهنا - قال أبو كريب : فقيل له : فيه أبو إسحاق ؟ فسكت. (2)
2151 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس. (3)
2152 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى ، عن سفيان قال ، حدثنا أبو إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو
__________
(1) الأثر : 2149 - نص ما في سيرة ابن هشام 2 : 198 - 199 .
(2) الحديث : 2150 - أبو بكر بن عياش : ثقة معروف ، إلا أنهم أخذوا عليه بعض الأخطاء ، لأنه لما كبر ساء حفظه وتغير . وهو هنا يروى الحديث - منقطعًا - عن البراء ، لأنه لم يدركه . وقد سأله بعض سامعيه ، كما حكى أبو كريب في آخر الحديث : " فيه : أبو إسحاق " ؟ يريد السائل أن يستوثق منه : أسمعه من أبي إسحاق السبيعي عن البراء ؟ فسكت ولم يجبه . ولو كان هذا وحده كان الحديث ضعيفًا . ولكنه ثابت من رواية أبي إسحاق السبيعي عن البراء ، في الأسانيد الثلاثة التالية - وأولها من رواية ابن عياش نفسه - ومن مصادر الحديث الأخر ، كما سيأتي .
(3) الحديث : 2151 - هذا إسناد ضعيف ، لضعف سفيان بن وكيع - شيخ الطبري . ولكنه يتقوى بالروايات الآتية وغيرها .
وقد رواه ابن ماجه : 1010 ، عن علقمة بن عمرو الدارمي ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، مطولا . وذكر فيه أن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت " ثمانية عشر شهرًا " . وعلقمة بن عمرو الدارمي : ثقة . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه : " حديث البراء صحيح ، ورجاله ثقات " .

(3/133)


بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعةَ عشر شهرًا - شك سفيان - ثم صُرفنا إلى الكعبة. (1)
2153 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الُّنفيلي قال ، حدثنا زهير قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن البراء : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوَّلَ ما قَدم المدينة ، نزلَ على أجداده - أو أخواله - من الأنصار ، وأنه صَلَّى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبَلَ البيت ، وأنه صلى صلاة العصر ومعه قومٌ. فخرج رجل ممن صلى معه ، فمرّ على أهل المسجد وهم رُكوع فقال : أشهدُ لقد صلَّيت مع رسول الله قبلَ مكة. فداروا كما همْ قِبَل البيت. وكانَ يُعجبه أن يحوَّل قبَل البيت. وكان اليهودُ أعجبهم أنّ رسول الله صلى الله علايه وسلم يُصَلّي قبَل بيت المقدس وأهلُ الكتاب ، فلما ولَّى وجْهه قبَل البيت أنكروا ذلك. (2)
2154 - حدثني عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب قال : صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بَعْد أن قدِم المدينةَ ستة عشر شهرًا ، ثم وُجِّه نحو الكعبة قَبل بَدْرٍ بشهرين. (3)
* * *
__________
(1) الحديث : 2152 - هذا إسناد صحيح جدًا . يحيى : هو ابن سعيد القطان . سفيان : هو الثوري . والحديث مختصر . وهكذا رواه البخاري 8 : 132 (فتح الباري) ومسلم 1 : 148 - كلاهما من طريق يحيى ، عن سفيان ، به ، مختصرًا .
(2) الحديث : 2153 - وهذه رواية مفصلة . والإسناد صحيح جدًا . رواه الإمام أحمد في المسند 4 : 283 (حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن زهير وهو ابن معاوية . بهذا الإسناد نحوه . بأطول منه . ورواه ابن سعد في الطبقات 1/2/5 ، عن الحسن بن موسى ، بهذا الإسناد . وكذلك رواه البخاري 1 : 89 - 90 ، عن عمرو بن خالد ، عن زهير ، به . ورواه أيضًا 8 : 130 ، عن أبي نعيم ، عن زهير ، مختصرًا قليلا .
ورواه أيضًا البخاري 1 : 421 - 422 ، و 13 : 202 . ومسلم 1 : 148 ، من أوجه ، عن البراء بن عازب .
وسيأتي باقيه بهذا الإسناد : 2222 .
(3) الحديث : 2154 - عمران بن موسى بن حيان القزاز الليثي ، شيخ الطبري : ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/305 - 306 .
عبد الوارث : هو ابن سعيد بن ذكوان ، أحد الأعلام ، يحيى بن سعيد : هو الأنصاري البخاري ثقة حجة ، من شيوخ الزهري ومالك والثوري وغيرهم .
ابن المسيب : هو سعيد بن المسيب الإمام التابعي الكبير ، ووقع في المطبوعة " المسيب " ، بحذف " ابن " ! وهو خطأ واضح من الناسخين .
وهذا الحديث مرسل ، كما هو مبين ، وكذلك رواه مالك في الموطأ ، ص 196 ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب مرسلا . وكذلك رواه الشافعي عن مالك ، في الرسالة ، بتحقيقنا ، رقم 366 . وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات 1/2/4 ، عن يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد .
وقد وصله العطاردي . من حديث سعد بن أبي وقاص : فرواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 3 ، من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي : " حدثنا محمد بين الفضيل ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال ، سمعت سعدًا يقول . . . " . فذكر الحديث . ثم قال البيهقي : " هكذا رواه العطاردي عن ابن فضيل . ورواه مالك ، والثوري ، وحماد بن زيد - عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، مرسلا دون ذكر سعد " .
وهذا إسناد جيد ، يصلح متابعة جيدة للرواية المرسلة . فإن " أحمد بن عبد الجبار العطاردي " : قد مضى في : 66 أن أبا حاتم قال فيه : " ليس بقوي " . ولكن المتأمل في ترجمته في التهذيب 1 : 51 - 52 ، وتاريخ بغداد 4 : 262 - 265 - يرى أن توثيقه أرجح ، وأن الكلام فيه لم يكن عن بينة . ولذلك قال الخطيب : " كان أبو كريب من الشيوخ الكبار ، الصادقين الأبرار وأبو عبيدة السري ابن يحيى شيخ جليل أيضًا ثقة ، من طبقة العطاردي . وقد شهد له أحدهما بالسماع ، والآخر بالعدالة . وذلك يفيد حسن حالته ، وجواز روايته . إذ لم يثبت لغيرهما قول يوجب إسقاط حديثه ، واطراح خبره " . وهذا كاف في قبول زيادته في هذا الحديث ، بوصله من رواية سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص .

(3/134)


وقال آخرون بما : -
2155 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عثمان بن سعد الكاتب قال ، حدثنا أنس بن مالك قال : صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر. فبينما هو قائمٌ يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس ، انصرف بوَجْهه إلى الكعبة ، فقال السفهاء : " ما وَلاهُم عن قبلتهم التي كانوا عَليها " . (1)
* * *
__________
(1) الحديث : 2155 - عمرو بن علي : هو الفلاس ، مضت ترجمته : 1989 .
أبو عاصم : هو النيل ، واسمه " الضحاك بن مخلد " ، وهو فقيه ثقة حافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني وغيرهم من الأئمة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/337 ، والصغير : 231 ، وابن سعد 7/2/49 ، وابن أبي حاتم2/1/463 ، والجمع بين رجال الصحيحين 228 - 229 . وكان نبيلا حقًا ، صفة ولقبًا . قال البخاري في الكبير : " سمعت أبا عاصم يقول : ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها " . ولد سنة 122 ، ومات سنة 212 وهو ابن 90 سنة و 4 أشهر ولدته أمه وعمرها 12 سنة . رحمهما الله .
عثمان بن سعد التميمي الكاتب المعلم : ثقة ، وثقه أبو نعيم ، والحاكم وغيرهما ، وتكلم فيه بعضهم بغير حجة ، ونقل بعضهم عن النسائي أنه قال : " ليس بثقة " ، ونقل الحافظ أنه رأى بخط ابن عبد الهادي : " الصواب في قول النسائي : أنه ليس بالقوي " . وهذا هو الصواب عن النسائي ، وهو الذي في كتاب الضعفاء له ، ص : 22 . وترجمه ابن أبي حاتم 3/1/153 ، وقال : " سمع أنس بن مالك " . وسماعه من أنس ثابت عندنا في حديث آخر في المسند : 13201 .
فهذا الإسناد - عندنا - صحيح . والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 143 ، ونسبه البزار وابن جرير . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 13 ، وقال : " رواه البزار ، وفيه عثمان بن سعد ، ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ، ووثقه ابو نعيم الحافظ ، وقال أبو حاتم : شيخ " . وقال الهيثمي أيضًا : " حديث أنس في الصحيح ، إلا أنه جعل ذلك في صلاة الصبح ، وهنا : الظهر " . يشير بذلك إلى أن أصله في الصحيح ، وهو الحديث في صحيح مسلم 1 : 148 ، من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، بنحوه ، وفيه : " فمر رجل من بني سلمة ، وهم ركوع في صلاة الفجر ، فنادى : ألا إن القبلة قد حولت! فمالوا كما هم نحو القبلة " . وكذلك رواه ابن سعد 1/2/4 ، من طريق حماد بن سلمة . ومن الواضح أن هذه قصة غير التي رواها الطبري هنا . فإن الذي هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي انصرف بوجهه إلى الكعبة . فهذا أول تحويل القبلة . وأما رواية مسلم فتلك بشأن جماعة آخرين ، في مسجد قباء ، جاءهم مخبر فأخبرهم وهم في الصلاة بتحويل القبلة ، فاستداروا إليها . كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، من حديث عبد الله بن عمر . وهو في المسند : 4642 ، 4794 ، 5934 ، 5827 .

(3/135)


وقال آخرون بما : -
2156 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثَلاثة عَشر شهرًا. (1)
__________
(1) الحديث : 2156 - أبو داود : هو الطيالسي الإمام الحافظ ، واسمه : " سليمان بن داود بن الجارود " . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/11 ، وابن سعد 7/2/51 ، وابن أبي حاتم 2/1/111 - 113 ، مات سنة 203 عن 92 سنة لم يستكملها ، كما قال ابن سعد .
المسعودي : هو عبد الرحمن بن عبد لله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ، وهو ثقة ، تغير حفظه في آخر عمره . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/250 - 252 . وترجمنا له في شرح المسند مرارًا ، آخرها في الحديث : 7105 .
ابن أبي ليلى : هو عبد الرحمن ، التابعي المشهور . ولكنه لم يسمع من معاذ بن جبل ، كما جزم بذلك علي بن المديني والترمذي وابن خزيمة ، لأنه ولد سنة وفاة معاذ أو قبلها أو بعدها بقليل .
فهذا الإسناد منقطع .
والحديث بهذا الإسناد ، مختصرًا ، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 566 ، بلفظ : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ، فصلى سبعة عشر شهرًا نحو بيت المقدس ، ثم نزلت عليه هذه الآية : " قد نرى تقلب وجهك في السماء " ، إلى آخر الآية قال ، فوجهه الله إلى الكعبة " .
وهو جزء من حديث طويل ، رواه أبو داود السجستاني في سننه : 507 ، بإسنادين : عن محمد بن المثنى - شيخ الطبري هنا - عن أبي داود ، وهو الطيالسي - ثم رواه عن نصر بن المهاجر ، عن يزيد بن هارون ، كلاهما عن المسعودي . ولكن بين أبو داود أن رواية محمد بن المثنى مختصرة ، كالرواية التي في مسند الطيالسي ، ولكن ذكر أن صلاتهم نحو بيت المقدس كانت " ثلاثة عشر شهرًا " ، كرواية الطبري هنا عن ابن المثنى . وأنا أرجح أن تكون رواية ابن المثنى عن الطيالسي . أرجح من الرواية التي في مسند الطيالسي ، إذ أنه ليس من جمعه ، بل هو من جمع أحد الرواة عنه .
ثم إن حديث معاذ - بطوله - رواه أحمد في المسند 5 : 246 - 247 ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن يزيد بن هارون - كلاهما عن المسعودي ، بهذا الإسناد . ولكن فيه " سبعة عشر شهرًا " ، كرواية مسند الطيالسي .
وقد أشار الحافظ في الفتح 1 : 89 - 90 إلى كثير من الروايات في ذلك ، وحاول الجمع بينهما أو الترجيح . وعندي أن مثل هذا لا يستطاع ضبطه إلا أن يكتبوه في حينه ، أو تتجه همّتهم إلى العناية بحفظه .
وقال الحافظ ابن كثير 1 : 345 - 346 : " والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس ، بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة . واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا ، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة . التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام . فأجيب إلى ذلك ، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق " . وانظر أيضًا تاريخ ابن كثير 3 : 252 - 254 .

(3/136)


2157 - حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أبي قال ، حدثنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أنّ الأنصار صلَّت القبلةَ الأولى ، قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث حجج ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى القبلةَ الأولى بعد قُدومه المدينة ستة عشر شهرًا ، أو كما قال. وكلا الحديثين يحدِّث قتادة عن سعيد.
* * *
ذكر السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة.
* * *
اختلف أهلُ العلم في ذلك.
فقال بعضهم : كان ذلك باختيار من النبي صلى الله عليه وسلم
ذكرُ من قال ذلك :

(3/137)


2158 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح أبو تَميلة قال ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن عكرمة - وعن يزيد النحويّ ، عن عكرمة - والحسن البصري قالا أوَّلُ ما نُسخ من القرآن القبلةُ. وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل صَخرَة بيت المقدس ، وهي قبلة اليهودِ ، فاستقبلها النبيّ صلى الله عليه وسلم سبعةَ عشر شهرًا ، ليؤمنوا به ويتبعوه ، ويدعو بذلك الأميين من العرب. فقال الله عز وجل : ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [سورة البقرة : 115].
2159 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " سيقولُ السفهاء من الناس مَا وَلاهم عَن قبلتهم التي كانوا عليها " ، يعنون بيتَ المقدس. قال الربيع. قال أبو العالية : إنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خُيّر أن يوجِّه وجهه حيث شاء ، فاختار بيت المقدس لكي يتألَّف أهلَ الكتاب ، فكانت قبلتهُ ستة عشر شهرًا ، وهو في ذلك يقلِّب وَجهه في السماء ، ثم وَجَّهه الله إلى البيت الحرام.
* * *
وقال آخرون : بل كان فعلُ ذلك - من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه - بفرض الله عز ذكره عليهم.
* ذكر من قال ذلك :
2160 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : لما هاجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ ، أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بضْعة عَشر شَهرًا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبّ قبلةَ إبراهيم عليه السلام ، وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنزل الله عز وجل : ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي

(3/138)


السَّمَاءِ ) [سورة البقرة : 144] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا : " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " ؟ فأنزل الله عز وجل : " قُلْ لله المشرق والمغرب " . (1)
2161 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما صلى إلى الكعبة ، ثم صُرف إلى بَيت المقدس. فصلَّت الأنصارُ نحو بيت المقدس قبلَ قُدومه ثلاث حِجَجٍ : وصلّى بعد قُدومه ستة عشر شهرًا ، ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة.
* * *
ذكر السبب الذي من أجله قال من قال " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " ؟
* * *
اختلف أهل التأويل في ذلك. فرُوي عن ابن عباس فيه قولان. أحدهما ما : -
2162 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال ذلك قومٌ من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا له : ارجِعْ إلى قبلتك التي كنت عليها نتَّبعك ونصدّقك! يريدون فتنتَهُ عن دينه. (2)
والقول الآخر : ما ذكرتُ من حَديث علي بن أبي طلحة عنه الذي مضى قبل. (3)
* * *
2163 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " سيقول السفهاءُ من الناس ما وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عَليها " ؟ قال : صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حَولين قَبْل قُدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدَ قدومه المدينة مهاجرًا ، نحو بيت
__________
(1) الأثر : 2160 - مضى برقم : 1833 ويأتي برقم : 2236 ، والزيادة بين القوسين من الموضعين .
(2) الأثر : 2162 - هو بعض الأثر السالف رقم : 2149 .
(3) يعني الأثر رقم : 2160 .

(3/139)


المقدس ، ستة عشر شَهرًا ، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام. فقال في ذلك قائلون من الناس : " ما ولاهمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عليها " ؟ لقد اشتاق الرَّجُل إلى مَوْلده! فقال الله عز وجل : " قلْ لله المشرقُ والمغربُ يهدي مَنْ يَشاءُ إلى صراط مُستقيم " .
* * *
وقيل : قائل هذه المقالة المنافقون. وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام.
* ذكر من قال ذلك :
2164 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما وُجِّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبَلَ المسجد الحرام ، اختلفَ الناس فيها فكانوا أصنافًا. فقال المنافقون : ما بالُهم كانوا على قبلة زمانًا ، ثم تركوها وتوجَّهوا إلى غيرها ؟ فأنزل الله في المنافقين : " سَيقول السفهاءُ من الناس " ، الآية كلها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك عز وجل : قُلْ يا محمد - لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك : ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس ، التي كنتم على التوجُّه إليها ، إلى التوجُّه إلى شطر المسجد الحرام ؟ - : لله مُلك المشرق والمغرب يعني بذلك : ملكُ ما بين قُطرَيْ مشرق الشمس ، وقُطرَيْ مغربها ، وما بينهما من العالم (1) يَهدي من يشاء من خلقه ، (2) فيُسدده ، ويوفِّقه إلى الطريق القويم ، وهو " الصراط
__________
(1) انظر تفسير " المشرق والمغرب " فيما سلف 2 : 526 - 530 .
(2) انظر تفسير " هدى " فيما سلف1 : 166 - 169 ، وفي فهرس اللغة في الجزء الأول والثاني .

(3/140)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)

المستقيم " (1) - ويعني بذلك : إلى قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا - ويخذُل من يشاء منهم ، فيضلُّه عن سبيل الحق.
* * *
وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله : " يَهدي من يَشاء إلى صراط مُستقيم " ، قُلْ يا محمد : إنّ الله هَدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم ، وأضلَّكم - أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله - فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " وكذلك جَعلناكم أمة وسطًا " ، كما هديناكم أيّها المؤمنون بمحمد عليه والسلام وبما جاءكم به من عند الله ، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم وملته ، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان ، بأن جعلناكم أمة وسطًا.
* * *
وقد بينا أن " الأمة " ، هي القرن من الناس والصِّنف منهم وغَيرهم. (2)
* * *
وأما " الوسَط " ، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه : " فلان وَسَطُ الحسب في قومه " ، (3) أي متوسط الحسب ، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه ، و " هو وَسَطٌ في قومه ، وواسطٌ " ، (4)
كما يقال : " شاة يابِسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن " ، وكما قال جل ثناؤه :
__________
(1) انظر تفسير " الصراط المستقيم " فيما سلف 1 : 170 - 177 .
(2) انظر ما سلف1 : 221 / ثم هذا الجزء 3 : 74 ، 100 ، 128 .
(3) يقولون أيضًا : " هو وسيط الحسب في قومه " ، إذا كان أوسطهم نسبًا ، وأرفعم مجدًا .
(4) شاهد قولهم " واسط " من شعرهم ، قول جابر بن ثعلب الطائي : وَمَنْ يَفْتَقِرْ فِي قَوْمِهِ يَحْمَدِ الغِنَى ... وَإنْ كَانَ فِيهِمْ وَاسِطَ العَمِّ مُخْوِلَا

(3/141)


( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ) [سورة طه : 77] ، وقال زُهير بن أبي سُلمى في " الوسط " :
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ... إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأنا أرى أن " الوسط " في هذا الموضع ، هو " الوسط " الذي بمعنى : الجزءُ الذي هو بين الطرفين ، مثل " وسَط الدار " محرَّك الوَسط مثقَّله ، غيرَ جائز في " سينه " التخفيف.
وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم " وسَط " ، لتوسطهم في الدين ، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه ، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه ، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله ، وقتلوا أنبياءَهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها.
* * *
وأما التأويل ، فإنه جاء بأن " الوسط " العدلُ. وذلك معنى الخيار ، لأن الخيارَ من الناس عُدولهم.
ذكر من قال : " الوسطُ " العدلُ.
2165 - حدثنا سَلْم بن جُنادة ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله
__________
(1) كأنه من قصيدته المعلقة ، ديوانه 2 : 27 ، ولكن رواية صدر البيت في الديوان : لِحَيٍّ حِلاَلٍ يَعْصِمُ النَّاسَ أَمْرُهُمْ
ولم أجد هذه الرواية فيما طبع من روايات ديوانه . ولكن البيت بهذه الرواية أنشده الجاحظ في البيان 3 : 225 غير منسوب . وهو منسوب إلى زهير في أساس البلاغة " وسط " . ورواية الديوان ، والجاحظ : " إذا طرقت إحدى الليالي " . وهما سواء .

(3/142)


عليه وسلم في قوله : " وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا " قال ، عُدولا. (1)
2166 - حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار قالا حدثنا جعفر بن عون ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
2167 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري : " وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا " قال ، " عدولا.
2168 - حدثني علي بن عيسى قال : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن حفص بن غياث ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " جعلناكم أمَّة وسطًا " قال ، عدولا. (2)
__________
(1) الحديث : 2165 - سلم بن جنادة ، شيخ الطبري ، مضت ترجمته في : 48 ، وكثرت رواية الطبري عنه ، وهو أبو السائب . وفي المطبوعة هنا " سالم " ، وهو خطأ تكرر فيها . ولا حاجة بنا إلى التنبيه عليه بعد ذلك .
يعقوب بن إبراهيم : هو الدورقي الحافظ ، مضى : 237 .
وهذا الإسناد والإسنادان بعده ، لحديث واحد ، مختصر من حديث سيأتي : 2179 .
ورواه مختصرًا أيضًا ، أحمد في المسند : 11084 ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، به . ورواه بنحوه أيضًا : 11291 ، عن وكيع ، عن الأعمش . (المسند 3 : 9 ، 32 حلبي) . ونقله ابن كثير 1 : 348 ، عن المسند . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 316 ، وقال : " رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح " .
وقد وهم صاحب الزوائد في إدخاله فيها ، لأنه مختصر من الحديث المطول الآتي ، وقد أخرجه البخاري وغيره ، فليس من الزوائد .
وهذه الروايات المختصرة عند الطبري - أشار إليها الحافظ في الفتح 8 : 131 ، أثناء شرحه الرواية المطولة .
وكل الروايات التي رأينا ، فيها " عدلا " بدل " عدولا " . ولعل ما هنا من تحريف الناسخين ، لأن الأجود صيغة الإفراد . على الوصف بالمصدر ، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمثنى والجمع . وفي اللسان : " فإن رأيته مجموعًا أو مثنى أو مؤنثًا - فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر " . والذي نقله الحافظ في الفتح ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 144 - بلفظ " عدلا " أيضًا بل عبارة أبي جعفر نفسه ، قبل هذا الحديث تدل على ذلك ، إذ قال : " ذكر من قال : الوسط العدل " .
(2) الحديث : 2168 - علي بن عيسى بن يزيد البغدادي الكراجكي : ثقة ، من شيوخ الترمذي وابن خزيمة ، مترجم في التهذيب ، بغداد 12 : 12 - 13 . قال الخطيب : " وما علمت من حاله إلا خيرًا " . مات سنة 247 .
سعيد بن سليمان : هو أبو عثمان الواسطي البزاز ، لقبه " سعدويه " ، سبق توثيقه في شرح : 611 . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/440 وابن سعد 7/2/81 ، وابن أبي حاتم 2/1/26 ، وتاريخ بغداد 9 : 84 - 87 . مات سنة 225 ، وله 100 سنة .
حفص بن غياث : مضى في : 1037 ، ولكن روايته هنا عن أبي صالح ذكوان السمان ، منقطعة يقينًا ، فإن أبا صالح مات سنة 101 ، وحفص ولد سنة 117 . وإنما يروي عن الأعمش وطبقته ، عن أبي صالح ، كما في الإسناد الماضي : 2165 .
ولعله سقط من نسخة الطبري في هذا الموضع بينهما : " عن الأعمش " - فيستقيم الإسناد ، ويكون صحيححًا . ولم أستطع الجزم بشيء في ذلك ، لأني لم أجد حديث أبي هريرة هذا في كتاب آخر ذي إسناد . وإنما ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 144 ، ونسبه الطبري وحده .
وقد يرجح سقوط " الأعمش " من الإسناد في هذا الموضع : أن الحافظ حين أشار في الفتح 8 : 131 - إلى روايات الطبري المختصرة لحديث أبي سعيد ، السابق ، ذكر منها أن الطبري رواه " من طريق وكيع عن الأعمش ، بلفظ : والوسط العدل ، مختصر مرفوعا . ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش ، مثله " . فهذان إسنادان لحديث أبي سعيد ، نقلهما الحافظ ابن حجر - وهو من هو ، دقة وتحريًا - عن هذا الموضع من الطبري ، وليسا في النسخة بين أيدينا . فلا يبعد أن يكون في هذا الإسناد أيضًا نقص قوله " عن الأعمش " بين حفص بن غياث وأبي صالح .

(3/143)


2169 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد : " وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا " قال ، عدولا.
* * *
2170 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : " وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا " قال ، عدولا.
2171 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2172 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " أمة وسَطًا " قال ، عُدولا.
2173 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " أمة وسَطًا " قال ، عدولا.
2174 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " أمة وسَطًا " قال ، عدولا.

(3/144)


2175 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وكذلك جعلناكم أمة وَسَطًا " ، يقول : جعلكم أمةً عُدولا.
2176 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن رِشْد بن سعد قال ، أخبرنا ابن أنعم المعافري ، عن حبان بن أبي جبلة ، يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا " قال ، الوسطُ العدل. (1)
2177 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير : " أمة وَسَطًا " ، قالوا : عُدولا. قال مجاهد : عَدْلا. (2)
2178 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وكذلك جَعلناكم أمهً وسطًا " قال ، هم وَسَطٌ بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }
قال أبو جعفر : " والشهداء " جمع " شَهيد " . (3)
فمعنى ذلك : وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا عُدولا [ لتكونوا ]
__________
(1) الحديث : 2176 - هو قطعة من حديث مطول ، سيأتي : 2195 . و " رشدين بن سعد " ثبت في المطبوعة هنا " راشد بن سعد " . وهو خطأ ، كما سنبين هناك إن شاء الله .
(2) في المطبوعة : " وقال مجاهد : عدولا " ، وكأن الصواب ما أثبت ، وإلا كان كلاما زائدا ، لا معنى له .
(3) انظر تفسير " الشهداء " فيما سلف 1 : 376 - 378 / وهذا الجزء 3 : 97 .

(3/145)


شُهداءَ لأنبيائي ورسُلي على أممها بالبلاغ ، (1) أنها قد بلغت ما أُمرَت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها ، ويكونَ رسولي محمدٌ صلى الله عليه وسلم شهيدًا عليكم ، بإيمانكم به وبما جاءكم به من عندي ، كما : -
2179 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا حفص ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يُدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له : هل بلَّغتَ ما أرسِلت به ؟ فيقول : نعم. فيقال لقومه : هل بلغكم ؟ فيقول : ما جاءنا ممن نذير! فيقال له : من يعلم ذاك ؟ فيقول : محد وأمته. فهو قوله : " وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطًا لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا " . (2)
2180 - حدثنا مجاهد بن موسى قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه - إلا أنه زاد فيه : فيُدعون ويَشهدون أنه قد بلَّغ.
2181 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد : " وكذلك جعلناكم أمة وسَطًا لتكونوا شُهداءَ عَلى الناس " - بأن الرسل قد بلَّغوا - " ويكونَ الرسول عليكم
__________
(1) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، بدلالة الآية ، ودلالة ما سيأتي من قوله : " ويكون رسولي " .
(2) الحديث : 2179 - هو والإسنادان بعده ، لحديث واحد ، مضى بعضه بهذه الأسانيد : 2165 - 2167 ، إلا أن هناك زيادة شيخين للطبري في الإسنادين الأولين منا .
والحديث رواه الإمام أحمد في المسند ، بنحوه : 1130 ، عن وكيع عن الأعمش ، و 11579 ، عن أبي معاوية عن الأعمش . (3 : 32 ، 58 حلبي) .
ورواه البخاري 6 : 264 ، من طريق عبد الواحد بن زياد ، و 8 : 130 - 131 ، من طريق جرير وأبي أسامة ، و 13 : 266 ، من طريق أبي أسامة وجعفر بن عون - كلهم عن الأعمش ، بهذا الإسناد نحوه .
ونقله ابن كثير في التفسير 1 : 347 - 348 ، من روايتي الإمام أحمد ، وقال : " رواه البخاري والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من طرق ، عن الأعمش " .
ونسبه السيوطي 1 : 144 لهؤلاء ولغيرهم .

(3/146)


شهيدًا " . بما عملتم ، أو فعلتم.
2182 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن المغيرة بن عتيبة بن النهاس : أن مُكاتبًا لهم حَدّثهم عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني وأمتي لعلى كَوْمٍ يومَ القيامة ، مُشرفين على الخلائق. ما أحدٌ من الأمم إلا ودَّ أنه منها أيَّتُها الأمة ، (1) ومَا من نبيّ كذّبه قومُه إلا نحن شُهداؤه يومَ القيامة أنه قد بلَّغ رسالات ربه ونصحَ لهُم. قال : " ويكونَ الرسول عليكم شَهيدًا " . (2)
__________
(1) في حديث كعب بن مالك : " فتخلفنا أيتها الثلاثة " - يريد تخلفهم عن غزوة تبوك ، وتأخر توبتهم . وهذه اللفظة تقال في الاختصاص ، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب . تقول : " ما أنا فأفعل كذا أيها الرجل " ، يعني نفسه . فمعنى قول كعب : " أيتها الثلاثة " ، أي المخصوصين بالتخلف . (لسان العرب ، مادة : أيا) .
(2) الحديث : 2182 - هذا إسناد ضعيف ، لجهالة التابعي الذي رواه عن جابر ، وفي اسم الراوي عن التابعي بحث يحتاج إلى تحقيق .
ابن فضيل : هو محمد بن فضيل بن غزوان ، مضى : 1840 . أبو مالك الأشجعي : هو سعد بن طارق بن أشيم ، تابعي ثقة . مترجم في التهذيب . والكبير 2/2/59 ، وابن أبي حاتم 2/1/86 - 87 .
المغيرة بن عتيبة بن النهاس : ثبت في الطبري هنا " عيينة " ، بدل " عتيبة " . ولم يترجم في التهذيب ولا ذيوله . وترجمه ابن أبي حاتم 4/1/227 هكذا : " مغيرة بن عتيبة بن نهاس العجلي . وكان قاضيًا لأهل الكوفة . روى عن سعيد بن جبير ، وموسى بن طلحة ، وعن مكتب عن جابر " ، إلخ ، وترجمه البخاري في الكبير 4/1/322 - 323 هكذا : " مغيرة بن عيينة بن عابس . قال ابن المبارك : ابن النحاس ، عن . . . وعن مكتب بن جابر . . . " .
وحقق العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني ، مصحح الكتابين - ترجيح ما يفي كتاب ابن أبي حاتم ، لموافقته ما ثبت في الثقات لابن حبان ، والإكمال لابن ماكولا . وهو الصحيح . وللمغيرة هذا روايات كثيرة في تاريخ الطبري ، وثبت اسم أبيه في كثير منها على الصواب ، وذكر اسمه ونسبه كاملا هناك 4 : 81 " المغيرة بن عتيبة بن النهاس العجلي " .
وأما قوله هنا " أن مكاتبًا لهم حدثهم عن جابر " - فيفهم منه أن التابعي المبهم الراوي عن جابر ، هو من موالي آل المغيرة الراوي عنه ، وأنه مكاتب لهم . ولكن الذي في كتابي البخاري وابن أبي حاتم - كما ترى : " وعن مكتب عن جابر " . فقال العلامة عبد الرحمن في تعليقه على ابن أبي حاتم : " أراه سعيد بن زياد المكتب " ولكنه قبل ذلك في تعليقه على التاريخ الكبير ، ذكر ذلك احتمالا فقط ، بل كاد يرده بأن " سعيد بن زياد المكتب مولى زياد المكتب مولى بني زهرة " ترجمه البخاري - يعني في 2/1/433 " ولكن لم يذكر روايته عن جابر ولا غيره من الصحابة " . وهو كما قال ، وكذلك ترجمه في التهذيب وغيره . فلذلك أنا أستبعد جدًا أن يكون هو المراد بقول البخاري وابن أبي حاتم في شيوخ المغيرة " عن مكتب عن جابر " . بل أكاد أرجح ما هنا في الطبري : أنه عن " مكاتب " ، وأن يكون ذكر في بعض الروايات هكذا ، ولعل بعض الناسخين القدماء نقلها حين نسخها محذوفة الألف .
ولم أجد هذا الحديث في كتاب آخر ذي إسناد ، حتى أستطيع أن أتجاوز هذا الحد في التحقيق . ولكن ذكره السيوطي 1 : 114 - دون إسناد طبعًا - ونسبه لابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، فقط .
وذكره ابن كثير 1 : 348 ، نقلا عن ابن مردويه وابن أبي حاتم ، من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن أبي مالك الأشجعي ، بهذا الإسناد . وفيه " عن مغيرة بن عتيبة بن نياس " ! وهو غلط واضح .

(3/147)


2183 - حدثني عصام بن روَّاد بن الجرّاح العسقلاني قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي الفضل ، عن أبي هريرة قال : خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة ، فلما صلى على الميت قال الناس : نِعم الرجل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وجَبت! ثم خرجت مَعه في جنازة أخرى ، فلما صلوا على الميت قال الناس : بئس الرجل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وجَبت. فقام إليه أبيّ بن كعب فقال : يا رسولَ الله ، ما قولك وجبت ؟ قال : " قول الله عز وجل : " لتكونوا شُهداء على الناس " . (1)
2184 - حدثني عليّ بن سَهل الرملي قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
__________
(1) 2183 - عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني : ثقة ، ترجمه ابن أبي حاتم 3/2/26 ، وقال : " روى عنه أبي ، وكتبت أنا عنه " ، ثم قال : " سئل أبي عنه ؟ فقال : صدوق " . وفي لسان الميزان : " لينه الحاكم أبو أحمد . وذكره ابن حبان في الثقات " .
أبوه " رواد بن الجراح " : مضت ترجمته : 126 . ونزيد هنا : مترجم أيضًا في ميزان الاعتدال . ومجموع الكلام فيه يؤيد ضعفه . وقد روى له الطبري - فيما يأتي (22 : 72 - 73) حديثًا مكذوبًا لا أصل له . وروى ما يدل على أن هذا الشيخ أدخل عليه ذلك الحديث ، فلئن كان ذاك إن فيه لغفلة شديدة ما يجوز معها أن يقبل شيء من روايته . أما هذا الحديث - الذي هنا - فإنه لم ينفرد بروايته ، كما سيجيء في الإسناد التالي لهذا .
وقد وقع المطبوعة هنا " عصام بن وراد " بتقديم الواو على الراء ؛ وهو خطأ ظاهر . عبد الله بن أبي الفضل المديني : ترجمه ابن أبي حاتم 2/2/137 ، وروى عن أبيه قال : " لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير ، ولا نعرفه " . وعن ذلك قال الذهبي في الميزان : " مجهول " . وقال الحافظ في لسان الميزان : " ذكره ابن حبان في الثقات " . وهذا - عندنا كاف في الاحتجاج بحديثه ، إذ هو تابعي عرف شخصه ، ووثقه ابن حبان . والتابعون - عندنا - على القبول ، حتى يثبت في أحدهم جرح مقبول .
ووقع هنا في المطبوعة " عبد الله بن الفضل " بحذف كلمة " أبي " ، وهو خطأ . وثبت على الصواب في الإسناد بعده .

(3/148)


حدثني أبو عمرو ، عن يحيى قال ، حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني قال ، حدثني أبو هريرة قال : أُتي رَسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ، فقال الناس : نعم الرجل! ثم ذكر نحو حديث عصَام عن أبيه. (1)
2185 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا زيد بن حباب قال ، حدثنا عكرمة بن عمار قال ، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمُرّ عليه بجنازة ، فأثنِيَ عليها بثناء حَسن ، فقال : وجبت! ومُرَّ عليه بجنازة أخرى ، فأثنِيَ عليها دون ذلك ، فقال : وجبت! قالوا : يا رسول الله ، ما وجبت ؟ قال : الملائكة شُهداء الله في السماء ، وأنتم شهداء الله في الأرض ، فما شهدتم عليه وجب. ثم قرأ : ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) الآية [سورة التوبة : 105]. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 2184 - هو إسناد آخر للحديث السابق . علي بن سهيل الرملي : مضى : 1384 . الوليد بن مسلم الدمشقي ، عالم الشأم : ثقة متقن صحيح العلم صحيح الحديث ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما ، مات سنة 195 . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/152 - 153 ، وابن سعد 7/2/173 ، وابن أبي حاتم 4/2/16 - 17 ، وروى عن مروان بن محمد قال ، " كان الوليد بن مسلم عالمًا بحديث الأوزاعي " .
وشيخه في هذا الإسناد " أبو عمرو " - : هو الأوزاعي .
والحديث - من هذا الوجه - صحيح ، وذكره السيوطي ، 1 : 145 ، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم .
وأصله ثابت من حديث أبي هريرة . رواه أحمد في المسند : 7543 . ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، كما بينا هنا . ولكن لم يذكر فيه سؤال أبي بن كعب ، ولا الاستشهاد بالآية . وفي مجمع الزوائد 3 : 4 رواية أخرى له مطولة ، وفيها أن السائل هو عمر . وذكر أنه " رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح " .
(2) الحديث : 2185 - وهذا إسناد صحيح ، على شرط مسلم .
زيد بن الحباب - بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة - العكلي : ثقة من شيوخ أحمد وابن المديني وغيرهما من الأئمة ، وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/358 ، وابن سعد 6 : 281 ، وابن أبي حاتم 1/2/561 - 562 .
عكرمة بن عمار العجلي : ثقة ، روى عنه شعبة والثوري ووكيع وغيرهم . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4/1/50 ، وابن سعد 5 : 404 ، وابن أبي حاتم 3/2/10 - 11 .
إياس بن سلمة بن الأكوع : تابعي ثقة كثير الحديث ، أخرج له أصحاب الكتب الستة ، وهو قد سمع من أبيه الصحابي ، وروى له الشيخان وغيرهما أحاديث من روايته عنه . وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/1/439 ، وابن سعد 5 : 184 ، وابن أبي حاتم 1/1/279 - 280 . ورجال الصحيحين ، ص : 47 .
والحديث ذكره السيوطي 1 : 145 ، باختصار في آخره . ونسبه لابن أبي شيبة ، وهناد ، وابن جرير والطبراني . ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد 3 : 4 - 5 ، عن إسنادين للطبراني في الكبير ، في كل منهما رجل ضعيف . فيستفاد تصحح الحديث بهذا الإسناد الصحيح عند ابن جرير . وفي المطبوعة : " فما شهدتم عليه وجبت " ، والصواب ما أثبت .

(3/149)


2186 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " لتكونوا شهداء على الناس " ، تكونوا شهداء لمحمد عليه السلام على الأمم ، اليهود والنصارى والمجوس.
2187 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
2188 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا [أبو] عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة نَادِيَهُ ليس معه أحد ، فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم. (1)
2189 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير مثله.
2190 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، حدثني ابن أبي نجيح ، عن أبيه قال ، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، فذكر مثله ، ولم يذكر عبيد بن عمير ، مثله.
2191 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
__________
(1) الأثر : 2188 - كان في المطبوعة " حدثنا عاصم " ، والصواب ما أثبت ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه : 2186 . أما قوله : " ناديه " فهكذا جاءت في المطبوعة ، وفي مطبوعات أخرى ، وفي المخطوطات ، وفي الدر المنثور 1 : 146 : " بإذنه " ، وهذه الأخيرة لا معنى لها . أما قوله : " ناديه " ، فكأنه أراد موقفه يوم القيامة . والنادي : مجتمع القوم وأهل المجلس . ولكني أرجح أن اللفظ محرف عن كلمة معناها " وحده - أو منفردًا " ، فإن سياقه يقتضي ذلك . وقوله : " يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ناديه " أرجح أن قوله : " صلى الله عليه وسلم " زيادة ناسخ ، والسياق يقتضي أن يكون : " يأتي النبي يوم القيامة ناديه ليس معه أحد " .

(3/150)


قتادة " لتكونوا شُهداء على الناس " ، أي أنّ رسلهم قد بلغت قومَها عن ربّها ، " ويكون الرسول عليكم شَهيدًا " ، على أنه قد بلغ رسالات ربِّه إلى أمته.
2192 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم : أنّ قوم نوح يَقولونَ يوم القيامة : لم يبلِّغنا نوحٌ! فيدعَى نوح عليه السلام فيسأل : هل بلغتهم ؟ فيقول : نعم. فيقال : من شُهودك ؟ فيقول : أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. فتدعون فتُسألون فتقولون : نعم ، قد بلّغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام : كيف تشهدون علينا ولم تدركونا ؟ قالوا : قد جاء نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم ، وأنزل عليه أنه قد بلغكم ، فصدَّقناه. قال : فيصدّق نوح عليه السلام ويكذبونهم. قال : " لتكونوا شُهداء على الناس ويَكونَ الرسول عليكم شهيدًا "
2193 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " لتكونوا شُهداء على الناس " ، لتكون هذه الأمة شُهداء على الناس أنّ الرسل قد بلَّغتهم ، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدًا ، أن قد بلَّغ ما أرسل به.
2194 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم : أنّ الأمم يقولُون يوم القيامة : والله لقد كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياءَ كلهم! لما يرون الله أعطاهم.
2195 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن رِشْدين بن سعد ، قال أخبرني ابن أنعم المعافري ، عن حبان بن أبي جبلة يُسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جمع الله عباده يوم القيامة ، كان أوَّلَ من يدعى إسرافيلُ ، فيقول له ربه : ما فعلتَ في عهدي ؟ هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم رَبّ ، قد بلغته جبريل عليهما السلام ، فيدعى جبريل ، فيقال له :

(3/151)


هل بَلغك إسرافيلُ عهدي! (1) فيقول : نعم ربّ ، قد بلغني. فيخلَّى عن إسرافيلُ ، ويقال لجبريل : هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم ، قد بلغتُ الرسل. فتُدعى الرسل فيقال لهم : هل بلَّغكم جبريلُ عهدي ؟ فيقولون : نعم ربَّنا. فيخلَّى عن جبريل ، ثم يقال للرسل : ما فعلتم بعهدي ؟ فيقولون : بلَّغنا أممنا. فتدعى الأمم ، فيقال : هل بلغكم الرسل عهدي ؟ فمنهم المكذّب ومنهم المصدِّق ، فتقول الرسل : إن لنا عليهم شهودًا يَشهدون أنْ قد بلَّغنا مع شَهادتك. فيقول : من يشهد لكم ؟ فيقولون : أمَّة محمد. فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : أتشهدون أنّ رسُلي هؤلاء قد بلَّغوا عهدي إلى من أرسِلوا إليه ؟ فيقولون : نعم ربَّنا شَهدنا أنْ قد بلَّغوا. فتقول تلك الأمم. كيف يشهد علينا من لم يُدركنا ؟ فيقول لهم الرب تباركَ وتعالى : كيف تشهدون عَلى من لم تدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك ، وقصَصَت علينا أنّهم قد بلَّغوا ، فشهدنا بما عهدْتَ إلينا. فيقول الرب : صدَقوا. فذلك قوله : " وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا " - والوسطُ العَدْل - " لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا " . قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم ، إلا من كان في قلبه حِنَةٌ على أخيه. (2)
2196 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " لتكونوا شُهداء على الناس " ، يعني بذلك. الذين استقاموا على الهُدى ، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة ، لتكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم بآيات الله.
__________
(1) في المطبوعة : " هل بلغت إسرافيل " ، وهو خطأ ، وصوابه ما أثبت .
(2) الحديث : 2195 - هذا حديث ضعيف ، من ناحيتين : من ناحية أنه مرسل ، رواه تابعي لم يسنده عن صحابي . ومن ناحية ضعف " رشدين بن سعد " ، كما سيأتي .
وقد مضت قطعة منه بهذا الإسناد : 2176 . وأحلنا تخريجها على هذا الموضع .
رشدين بن سعد : ضعيف جدًا ، سبق بيانه في : 1938 . ووقع في المطبوعة هنا ، وفي : 2176 : " راشد " ، كما كان ذلك في : 1938 . وهو خطأ .
ابن أنعم المعافري : هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - بفتح الهمزة وسكون النون وضم العين المهملة - المعافري الإفريقي القاضي . وهو ثقة ، تكلم فيه كثير من العلماء بغير حجة ، سمع من أجلة التابعين ، وكان شجاعًا في الحق . وكان أحمد بن صالح يقول : هو ثقة ، وينكر على من تكلم فيه . قاله أبو بكر المالكي في رياض النفوس : " كان من جلة المحدثين ، منسوبًا إلى الزهد والورع ، صلبًا في دينه ، متفننًا في علوم شتى " . وغلا فيه ابن حبان غلوًا فاحشًا ، فقال في كتاب المجروحين ، ص : 283 - 284 : " كان يروي الموضوعات عن الثقات ، ويأتي عن الأثبات ما ليس من أحاديثهم ، وكان يدلس عن محمد بن سعيد بن أبي قيس المطلوب " . ثم روى حديثًا من طريقه يستدل به على ما قال . وهو حديث موضوع ، ولكن ابن أنعم بريء من عهدته ، فإن الحمل فيه على أحد الكذابين ، وهو يوسف بن زياد البصري . وقد تعقب الدارقطني على ابن حبان ذلك ، فيما ثبت بهامش مخطوطة المجروحين .
والمشارقة أخطأوا معرفة ابن أنعم ، فعن ذلك جاء ما جاء من جرحه ، بل أخطأوا تاريخ وفاته ، فأرخوه سنة 156 . والمغاربة أعرف به ، وأرخوه سنة 161 .
وله تراجم وافية : في التهذيب 6 : 173 - 176 ، والصغير للبخاري ، ص : 180 ، وابن أبي حاتم 2/2/334 - 335 . والمجروحين لابن حبان : 283 - 284 ، والميزان للذهبي 2 : 104 - 105 ، وطبقات علماء إفريقية لأبي العرب : 27 - 32 . ورياض النفوس لأبي بكر المالكي 1 : 96 - 103 ، وتاريخ بغداد 10 : 214 - 218 .
حبان - بكسر المهملة وتشديد الموحدة - بن أبي جبلة المصري : تابعي ثقة . وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/83 ، وابن أبي حاتم 1/2/269 .
وهذا الحديث مرسل ، إذ حكى راويه عن التابعي أنه " يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، لم يذكر من حدثه به .
وقوله " يسنده " - كتب في المطبوعة هنا وفي : 2176 " بسنده " بالباء الموحدة . وهو تصحيف . والحديث ذكره السيوطي 1 : 145 ، ولم ينسبه لغير الطبري وابن المبارك في الزهد .
وكان في المطبوعة " حقد على أخيه " . وفي الدر المنثور 1 : 146 " إحنة " ، والذي أثبته من القرطبي ، وبعض المخطوطات . والحنة : الحقد ، من " وحن يحن حنة " مثل : " وعد يعد عدة " (بكسر الحاء وفتح النون) . وقال الأزهري : ليست من كلام العرب ، إنما هي إحنة : أي حقد . وأنكر الأصمعي " حنة " ، وحكى عنه أبو نصر أنه قال : " كنا نظن الطرماح شيئًا حتى قال : وَأَكرَهُ أنْ يَعِيبَ عَلَيَّ قَوْمِي ... ِجَائِي الأَرْذَلِينَ ذَوِي الحِنَاتِ
لأنها إحنة وإحن ، ولا يقال حنات " (ديوان الطرماح : 134 ) . وقال الزمخشري في الفائق (أحن) : " أما ما حكى عن الأصمعى . . . فاسترذال منه! " وحن " ، وقضاء على الهمزة بالأصالة ، أو برفض الواو في الاستعمال " .

(3/152)


2197 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " لتكونوا شهداء على الناس " ، يقول : لتكونوا شهداء على الأمم الذين خَلَوا من قبلكم ، بما جاءتهم رسلهم ، وبما كذّبوهم ، فقالوا يوم القيامة وعَجِبوا : إنّ أمة لم يكونوا في زماننا ، فآمنوا بما جاءتْ به رسلنا ، وكذبنا نحن بما جاءوا به! فعجبوا كل العجب. قوله : " ويكُون الرسولُ عليكم شهيدًا " ، يعني بإيمانهم به ، وبما أنزل عليه.
2198 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " لتكونوا شُهداء على الناس " ، يعني : أنهم شَهدوا على القرون بما سمَّى الله عز وجل لَهم.
2199 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما قوله : " لتكونوا شهداء على الناس " ؟ قال : أمة محمد ، شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمانُ والهدى ، ممن كان قبلنا. قالها عبد الله بن كثير. قال : وقال عطاء : شهداء على مَنْ ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين ، جاء ذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم ، " ويكون الرسولُ عليكمْ شهيدًا " على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم ، وصَدَّقوا به.
2200 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " لتكونوا شُهداء عل الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا " قال ، رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدٌ على أمَّته ، وهم شهداء على الأمم ، وهم أحد الأشهاد الذين قال الله عز وجل : ( وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) [سورة غافر : 51] الأربعة : الملائكة الذين يُحصُون أعْمالنا ، لنا وعلينا ، وقرأ قوله : ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) [سورة ق : 21] ، وقال : هذا يوم القيامة. قال : والنبيون شُهداء على أممهم. قال : وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شُهداء على الأمم. قال :

(3/154)


[والأطوار] الأجساد والجلود. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها " ، ولم نجعل صَرْفك عَن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفْناك عنها ، إلا لنعلم من يَتَّبعك ممن لا يتَّبعك ، ممن يَنقلبُ على عقبيه.
* * *
والقبلة التي كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليها ، التي عناها الله بقوله : " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " ، هي القبلة التي كنت تتوجَّه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة ، كما : -
2201 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها " ، يعني : بيت المقدس.
2202 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن
__________
(1) الأثر : 2200 - ذكره السيوطي في الدر المنثور 5 : 352 في تفسير [سورة غافر الآية : 51] ، بغير هذا اللفظ ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما . ونصه :
" عن زيد بن أسلم : الأشهاد أربعة : الملائكة الذين يحصون علينا أعمالنا ، وقرأ : " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد " ، والنبيون ، شهداء على أممهم ، وقرأ : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، شهداء على الأمم ، وقرأ : " لتكونوا شهداء على الناس " ، والأجساد والجلود ، وقرأ : " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الذي أنطق كل شيء " .
أما ما جاء في نص الطبري ، ووضعته بين قوسين ، فهو خطأ لا شك فيه ، وأخشى أن يكون صوابه " الأطراف والأجساد والجلود " ، ويعني بالأطراف ، الجوارح ، يريد بذلك الأيدي والأرجل ، في قوله تعالى في [سورة يس : 65] : (اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلّمنَا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)

(3/155)


ابن جريج قال : قلت لعطاء : " وما جَعلنا القِبلة التي كنتَ عليها " . قال : القِبلة بيتُ المقدس.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما ترك ذكر " الصرف عنها " ، اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه ، كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نَظائره. (1)
وإنما قُلنا : ذلك معناه ، لأن محنةَ الله أصحابَ رسوله في القِبلة ، إنما كانت - فيما تظاهرت به الأخبار - عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة ، حتى ارتدَّ - فيما ذكر - رجالٌ ممن كان قد أسلمَ واتَّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأظهرَ كثيرٌ من المنافقين من أجل ذلك نفاقَهم ، وقالوا : ما بَالُ محمد يحوّلنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا! وقال المسلمون ، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالُنا وأعمالُهم وضاعت! وقال المشركون : تحيَّر محمد [صلى الله عليه وسلم] في دينه! فكان ذلك فتنةً للناس ، وتمحيصًا للمؤمنين.
فلذلك قال جل ثناؤه : " ومَا جَعلنا القِبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عَقبيه " ، أي : ومَا جعلنا صَرْفك عن القبلة التي كنت عليها ، وتحويلك إلى غيرها ، كما قال جل ثناؤه : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) [سورة الإسراء : 60] بمعنى : وما جعلنا خَبرَك عن الرؤيا التي أريناك. وذلك أنه لو لم يكن أخبَر القوم بما كان أُرِي ، لم يكن فيه على أحد فتنةٌ ، وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس ، لو لم يكن صرفٌ عنها إلى الكعبة ، لم يكن فيها على أحد فتنةٌ ولا محْنة.
* * *
ذكر الأخبار التي رُويت في ذلك بمعنى ما قلنا :
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 139 - 141 ، 179 ، وغيرها كثير ، اطلبه في الفهارس .

(3/156)


2203 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قَال : كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتمحيصٌ. صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حوْلين قَبل قدوم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدَ قُدومه المدينةَ مهاجرًا نحو بيت المقدس سبعةَ عشر شهرًا ، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام ، فقال في ذلك قائلون من الناس : " مَا وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " ؟ لقد اشتاق الرجُل إلى مولده! قال الله عز وجل : " قُلْ لله المشرقُ والمغربُ يَهدي مَنْ يَشاءُ إلى صراط مُستقيم " . فقال أناسٌ - لما صُرفت القبلة نحو البيت الحرام - : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ فأنزل الله عز وجل : " ومَا كانَ الله ليُضيعَ إيمانكم " . وقد يَبتلي الله العبادَ بما شَاءَ من أمره ، الأمرَ بعدَ الأمر ، ليعلم مَنْ يطيعه ممن يَعصيه ، وكل ذلك مقبول ، إذْ كان في [ذلك] إيمان بالله ، وإخلاصٌ له ، وتسليم لقضائه. (1)
2204 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي قِبَل بيت المقدس ، فنسختها الكعبة. فلما وُجِّه قبل المسجد الحرام ، (2) اختلف الناس فيها ، فكانوا أصنافًا ، فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة زمانًا ، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها ؟ وقال المسلمون : ليت شعرَنا عَن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم ، أوْ لا ؟ وقالت اليهود : إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده ، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر! وقال
__________
(1) الأثر : 2203 - في الدر المنثور 1 : 143 ، وقد مضى شطره في رقم : 2163 . وكان في المطبوعة : " وكل ذلك مقبول ، وإذا كان في إيمان بالله . . . " ، عبارة ركيكة ، فجعلت " إذا " ، " إذ " وزدت " ذلك " : لتستقيم العبارة . أما في الدر المنثور فعبارته أشد سقمًا ونصها : " وكل ذلك مقبول ، في درجات في الإيمان بالله ، والإخلاص ، والتسليم لقضاء الله " .
(2) في المطبوعة : " فلما توجه قبل المسجد " ، والصواب من رقم : 2164 ، والدر المنثور .

(3/157)


المشركون من أهل مكة : تَحيَّر على محمد دينُهُ ، فتوجه بقبلته إليكم ، وعلم أنكم كنتم أهدى منه ، ويوشك أنْ يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين : " سَيقول السفهاء من الناس مَا ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " إلى قوله : " وإنْ كانتْ كبيرةً إلا على الذين هَدى الله " ، وأنزل في الآخرين الآيات بعدها. (1)
2205 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، قلت لعطاء : " إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلبُ على عَقبيه " ؟ فقال عطاء : يبتليهم ، ليعلم من يُسلم لأمره. قال ابن جريج : بلغني أنّ ناسًا ممن أسلم رَجعوا فقالوا : مرة هاهنا ومرة هاهنا!
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : أوَ مَا كان الله عالمًا بمن يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، إلا بعد اتباع المتّبع ، وانقلاب المنقلب على عقبيه ، حتى قال : ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتّبعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه ؟
قيل : إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها ، وليس قوله : " وما جعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن يَنقلب على عَقبيه " يخبر [عن] أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده. (2)
فإن قال : فما معنى ذلك ؟
قيل له : أما معناه عندنا ، فإنه : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، فقال جل ثناؤه : " إلا لنعلم " ، ومعناه : ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) الأثر : 2204 - مضى بعضه في رقم : 2164 ، وهو في الدر المنثور 1 : 142 - 143 .
(2) في المطبوعة : " يخبر أنه لم يعلم ذلك . . . " ، والصواب ما أثبت ، مع الزيادة بين القوسين .

(3/158)


وأولياؤهُ من حزبه ، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس ، ومَا فعل بهم إليه ، نحو قولهم : " فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق ، وجَبى خَرَاجها " ، وإنما فعل ذلك أصحابه ، عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله جل ثناؤه : مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي ، واستقرضته فلم يقرضني ، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني.
2206 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا خالد ، عن محمد بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قالَ الله : استقرضتُ عَبدي فلم يُقرضني ، وشتمني ولم يَنبغ له أن يشتُمني! يقول : وادَهراه! وأنا الدهر ، أنا الدهر.
2207 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. (1)
* * *
فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه ، وقد كان ذلك بغيره ، إذ كان ذلك عن سببه.
وقد حكي عن العرب سماعًا : " أجوع في غَيْر بَطني ، وأعرى في غير
__________
(1) الحديثان : 2206 ، 2207 - هما حديث واحد بإسنادين صحيحين .
خالد - في أولهما : هو خالد بن مخلد القطواني ، بفتح القاف والطاء . وهو ثقة من شيوخ البخاري ، أخرج له هو ومسلم في الصحيحين ، تكلم فيه من جهة إفراطه في التشيع ، ولكنه صدوق في الرواية . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/160 ، وابن سعد 6 : 283 ، وابن أبي حاتم 1/2/354 . وشيخه محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي : ثقة معروف ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .
والحديث رواه الحاكم في المستدرك 1 : 418 ، من طريق يزيد بن هارون ، عن محمد بن إسحاق ، بالإسناد الثاني ، بنحوه . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .
والنهي عن سب الدهر ، في الحديث القدسي ، من حديث أبي هريرة - : ثابت من أوجه ، في الصحيحين وغيرهما . فانظر المسند : 7244 ، 7509 . والبخاري 8 : 441 ، و 10 : 465 ، و 13 : 389 . وصحيح مسلم 2 : 196 - 197 .

(3/159)


ظهْري " ، بمعنى : جُوعَ أهله وعياله وعُرْيَ ظهورهم ،
فكذلك قوله : " إلا لنعلم " ، بمعنى : يعلم أوليائي وحزبي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
2208 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وما جَعلنا القبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " ، قال ابن عباس : لنميّز أهلَ اليقين من أهل الشرك والريبة.
* * *
وقال بعضهم : إنما قيل ذلك ، من أجل أن العرَب تَضع " العلم " مكان " الرؤية " ، و " الرؤية " مكان " العلم " ، كما قَال جلّ ذكره : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) [سورة الفيل : 1] ، فزعم أن معنى " ألم تر " ، ألم تعلم ؟ وزعم أن معنى قوله : " إلا لنعلم " ، بمعنى : إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أنّ قول القائل : " رأيتُ ، وعَلمت ، وشَهدت " ، حروفٌ تتعاقب ، فيوضَع بعضها موضع بعض ، كما قال جرير بن عطية
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا... وَعَمْرَو بن عَمْرٍو إذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ (1)
بمعنى : كأنك لم تعلم لَقيطًا ، لأنّ بين هُلْك لَقيط وحاجب وزمان جرير ، ما لا يخفى بُعده من المدة. وذلك أنّ الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية ، وجريرٌ كان بعد بُرْهة مَضَت من مجيء الإسلام.
* * *
__________
(1) ديوانه : 563 ، والنقائض : 409 ، من قصيدته الفالقة ، في نقض قصيدة الفرزدق . وقد عدد فيها أيام قومه . والخطاب في قوله : " كأنك " للفرزدق ، ويذكر " يوم جبلة " ، وهو من أعظم أيامهم ، وكان قبل الإسلام بأربعين سنة ، عام ولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو لعامر وعبس ، على ذبيان وتميم . وقتل يومئذ لقيط بن زرارة ، وأسر حاجب بن زرارة ، وأسر عمرو بن عمرو بن عدس ، وهم من بني عبد الله بن دارم ، وهم عمومة الفرزذق ، وهو من بني مجاشع بن دارم .
ورواية الديوان والنقائض : " إذا دعوا " ، وكلتاهما صحيحة المعنى .

(3/160)


قال أبو جعفر : وهذا تأويل بعيدٌ ، من أجل أنّ " الرؤية " ، وإن استعملت في موضع " العلم " ، من أجل أنه مستحيلٌ أن يرى أحدٌ شيئًا ، فلا توجب رؤيته إياه علمًا بأنه قد رآه ، إذا كان صحيح الفطرة. فجاز من الوجه الذي أثبته رؤيةً ، أن يُضَاف إليه إثباتُهُ إياه علمًا ، (1) وصحّ أن يدلّ بذكر " الرؤية " على معنى " العلم " من أجل ذلك. فليس ذلك ، وإن كان [جائزا] في الرؤية - لما وصفنا - بجائز في العلم ، (2) فيدلّ بذكر الخبر عن " العلم " على " الرؤية " . لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ، ويستحيل أن يَرَى شيئًا إلا علمه ، كما قد قدمنا البيان [عنه]. (3) مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال : " علمت كذا " ، بمعنى رأيته. وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم منَ الكلام ، إلى ما كان موجودًا مثله في كلام العرب ، دون ما لم يكن موجودًا في كلامها. فموجود في كلامها " رأيت " بمعنى : علمت ، وغير موجود في كلامها " علمت " بمعنى : رأيت ، فيجوز توجيه : " إلا لنعلم " إلى معنى : إلا لنرى.
* * *
وقال آخرون : إنما قيل : " إلا لنعلم " ، من أجل أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفر بالله ، أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يَعلم الشيءَ قبل كونه. وقالوا - إذ قيل لهم : إن قومَا من أهل القبلة سيرتدُّون على أعقابهم ، إذا حُوِّلت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة - : ذلك غير كائن! أو قالوا : ذلك باطل! فلما فَعل الله ذلك ، وحوَّل القبلة ، وكفر من أجل ذلك من كفر ، قال الله جل
__________
(1) أثبت الشيء : عرفه حق المعرفة .
(2) الزيادة بين القوسين ، لا بد للسياق منها ، وإلا اختل الكلام .
(3) زيادة يقتضيها سياقه .

(3/161)


ثناؤه : ما فعلتُ إلا لنعلم ما علمه غَيركم - أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه - : أنّي عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد. (1)
فكأن معنى قائلي هذا القول في تأويل قوله : " إلا لنعلم " : إلا لنبيّن لكم أنّا نعلمُ من يَتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا وإن كان وَجهًا له مَخرج ، فبعيدٌ من المفهوم.
* * *
وقال آخرون : إنما قيل : " إلا لنعلم " ، وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال ، على وجه الترفّق بعباده ، واستمالتهم إلى طاعته ، (2) كما قال جل ثناؤه : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (3) [سورة سبأ : 24] ، وقد علم أنه على هدى ، وأنهم على ضلال مبين ، ولكنه رَفقَ بهم في الخطاب ، فلم يقل : أنّا على هدى ، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله : " إلا لنعلم " ، معناه عندهم : إلا لتعلموا أنتم ، إذ كنتم جُهالا به قبل أن يكونَ. فأضاف العلم إلى نفسه ، رفقًا بخطابهم.
* * *
وقد بيَّنا القول الذي هو أوْلى في ذلك بالحقّ.
* * *
وأما قوله : " مَنْ يتَّبع الرسول " . فإنه يعني : الذي يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به ، فيوجِّه نحو الوَجه الذي يتوَجَّه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
__________
(1) كان في المطبوعة : " إلا لنعلم ما عندكم . . . " وهذا يجعل الجملة غير مستقيمة ، غير مفهومة المعنى . ورأيت أن سياق الكلام قبله يدل على أن ذلك كما أثبت ، فإن المؤمنين علموا أن قومًا سيرتدون إذا حولت القبلة ، وأنكر اليهود والمنافقون أن يكون ذلك كائنًا . فاقتضى السياق أن يكون التأويل جامعًا لهذا العلم من هؤلاء ، وذلك الإنكار من أولئك . ثم جاء الطبري بعبارة تصحح ما ذهبت إليه في قوله : " إلا لنبين لكم أننا نعلم " . فكأن معنى الآية عند قائل هذا القول : ما جعلنا القبلة التي كنت عليها ، وإلا للعلم بأننا نعلم من يتبع الرسول . . .
(2) في المطبوعة : " على وجه الترفيق بعباده " ، وهو خطأ .
(3) كان في الأصل : " قل الله " أول الآية المستشهد بها ، فآثرت إتمامها .

(3/162)


وأما قوله : " ممن يَنقلب على عَقبيه " ، فإنه يعني : من الذي يرتدُّ عن دينه ، فينافق ، أو يكفر ، أو مخالف محمدًا صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ممن يظهر اتِّباعه ، كما : -
2209 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وما جَعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " قال ، مَنْ إذا دخلتْه شُبهة رجع عن الله ، وانقلب كافرًا على عَقبيه.
* * *
وأصل " المرتد على عقبيه " ، هو : " المنقلب على عقبيه " ، الراجع مستدبرًا في الطريق الذي قد كان قطعه ، منصرفًا عنه. فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه ، من دين أو خير. ومن ذلك قوله : ( فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ) [سورة الكهف : 64] ، بمعنى : رَجعا في الطريق الذي كانا سَلكاه ، وإنما قيل للمرتد : " مرتد " ، لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها.
وإنما قيل : " رجع عَلى عقبيه " ، لرجوعه دُبُرًا على عَقبه ، إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل مَرْجعه عنه. فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرًا وآخذٍ آخرَ غيره ، إذا انصرف عما كان فيه ، إلى الذي كان له تاركًا فأخذه. فقيل : " ارتد فلان على عَقِبه ، وانقلب على عَقبيه " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ }
قال أبو جعفر : اختلف أهلُ التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت " كبيرة إلا على الذين هَدى الله " .

(3/163)


فقال بعضهم : عنى جل ثناؤه ب " الكبيرة " ، التوليةُ من بيت المقدس شطرَ المسجد الحرام والتحويلُ. وإنما أنَّث " الكبيرة " ، لتأنيث " التولية " .
* ذكر من قال ذلك :
2210 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال الله : " وإن كانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله " ، يعني : تحويلَها.
2211 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : " وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله " قال ، ما أمِروا به من التحوُّل إلى الكعبة من بيت المقدس.
2212 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2213 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " لكبيرة إلا على الذين هَدى الله " قال ، كبيرة ، حين حُولت القبلة إلى المسجد الحرام ، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله.
* * *
وقال آخرون : بل " الكبيرة " ، هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجَّه إليها من بيت المقدس قبلَ التحويل.
* ذكر من قال ذلك.
2214 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " وإن كانت لكبيرة " ، أي : قبلةُ بيت المقدس - " إلا على الذين هدى الله " . (1)
__________
(1) في المطبوعة : " عن أبيه عن أبي العالية " ، بإسقاط " عن الربيع " ، وهو إسناد دائر في الطبري ، أقربه رقم : 1886 .

(3/164)


وقال بعضهم : بل " الكبيرة " هي الصلاة التي كانوا يصلّونها إلى القبلة الأولى.
* ذكر من قال ذلك.
2215 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " قال ، صلاتكم حتى يهديَكم اللهُ عز وجل القِبلةَ. (1)
2216 - وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وإن كانت لَكبيرة " قال ، صلاتك هاهنا - يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا - وانحرافُك هاهنا
* * *
وقال بعض نحويي البصرة : أنِّثت " الكبيرة " لتأنيث القبلة ، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله : " وإن كانت لكبيرة " .
وقال بعض نحويي الكوفة : بل أنثت " الكبيرة " لتأنيث التولية والتحويلة
فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنتَ عليها وتوليتُناك عنها ، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، وإن كانت تحويلتُنا إياك عنها وتوليتُناكَ " لكبيرة إلا على الذين هدى الله " .
* * *
وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب. لأن القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وَجْهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى ، لا عين القبلة ، ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة ، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم. إلا أن يوجِّه موجِّه تأنيث " الكبيرة " إلى " القبلة " ، ويقول : اجتُزئ بذكر " القبلة " من ذكر " التولية والتحويلة " ، لدلالة الكلام على معنى ذلك ، كما قد وصفنا لك في نظائره. (2) فيكون ذلك وجهًا صحيحًا ، ومذهبًا مفهومًا.
* * *
__________
(1) الأثر : 2215 - سيأتي تامًا برقم : 2217 ، وفيه " يهديكم إلى القبلة " ، وهما صواب .
(2) انظر ما سلف في فهارس الأجزاء الماضية .

(3/165)


ومعنى قوله : " كبيرة " ، عظيمة ، (1) . كما : -
2217 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وإن كانت لكبيرة إلا عَلى الذين هدى الله " قال ، كبيرة في صدور الناس ، فيما يدخل الشيطانُ به ابنَ آدم. قال : ما لهم صلُّوا إلى هاهنا ستةَ عشر شهرًا ثم انحرفوا! فكبُر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين ، فقالوا : أيّ شيء هذا الدين ؟ وأما الذين آمنوا ، فثبَّت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم ، وقرأ قول الله " وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله " قال ، صَلاتكم حَتى يهديكم إلى القبلة. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأما قوله : " إلا على الذين هَدى الله " ، فإنه يعني به :
وإن كان تقليبَتُناك عن القبلة التي كنتَ عليها ، لعظيمة إلا على من وّفَّقه الله جل ثناؤه ، فهداهُ لتصديقك والإيمان بك وبذلك ، واتباعِك فيه ، وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك ، كما : -
2218 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " ، يقول : إلا على الخاشعين ، يعني المصدِّقين بما أنزل الله تبارك وتعالى. (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " كبيرة " فيما سلف 2 : 15 .
(2) الأثر : 2217 - انظر ما سلف رقم : 2115 ، والتعليق عليه .
(3) الأثر 2218 - أخشى أن يكون هذا الأثر ، هو نفس الأثر السالف برقم : 856 .

(3/166)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ }
قال أبو جعفر : قيل : عنى ب " الإيمان " ، في هذا الموضع : الصلاةَ.
* * *
ذكر الأخبار التي رُويت بذلك ، وذكر قول من قاله :
2219 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع وعبيد الله - وحدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا عبيد الله بن موسى - جميعًا ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال ، لما وُجِّه رَسوله الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : كيف بمن ماتَ من إخواننا قبل ذلك ، وهم يصلون نحو بيت المقدس ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : " وما كانَ الله ليضيعَ إيمانكم " . (1)
2220 - حدثني إسماعيل بن موسى قال ، أخبرنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء في قول الله عز وجل : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " قال ، صلاتكم نحوَ بَيت المقدس.
2221 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء نحوه. (2)
2222 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن محمد بن نفيل الحرّاني قال ، حدثنا زهير قال ، حدثنا أبو إسحاق ، عن البراء قال : مات على القبلة قبلَ أن تحوّل إلى البيت
__________
(1) الحديث : 2219 - هو بإسنادين معًا : أولهما صحيح ، وهو رواية أبي كريب ، عن وكيع وعبيد الله بن موسى . وثانيهما ضعيف ، وهو رواية سفيان بن وكيع عن عبيد الله بن موسى .
وعبيد الله بن موسى العبسي : مضى في 2092 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 3249 ، عن وكيع ، عن إسرائيل ، بهذا الإسناد ، نحوه . ورواه أيضًا مطولا ومختصرًا ، من طرق عن إسرائيل : 2691 ، 2776 ، 2966 . وخرجناه هناك في : 2691 .
(2) الحديثان : 2220 - 2221 - هما حديث واحد بإسنادين .
وذكره السيوطي 1 : 146 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم .

(3/167)


رجالٌ وقُتلوا ، فلم ندر ما نَقول فيهم. فأنزل الله تعالى ذكره : " وما كان الله ليُضيع إيمانكم " . (1)
2223 - حدثنا بشر بن معاذ العقدي قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، قال أناسٌ من الناس - لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام - : كيف بأعمالنا التي كنا نَعملُ في قبلتنا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " .
2224 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثني عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : لما وُجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَل المسجد الحرام ، (2) قال المسلمون : ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم أم لا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " قال ، صلاتكم قبَلَ بيت المقدس : يقول : إنّ تلك طاعة وهذه طاعة. (3)
2225 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : قال ناسٌ - لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام - : كيف بأعمالنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " وما كانَ الله ليضيع إيمانكم " الآية.
2226 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، أخبرني داود بن أبي عاصم قال ، لما صُرف رسولُ الله صلى الله
__________
(1) الحديث : 2222 - عبد الله بن محمد بن نفيل : هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل ، أبو جعفر النفيلي الحراني ، الثقة المأمون الحافظ . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 2/2/159 .
زهير : هو ابن معاوية الجعفي أبو خيثمة . مضى : 2144 . وأبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني . والحديث هو باقي الحديث الماضي لهذا الإسناد : 2153 . وقد بينا تخريجه هناك .
(2) في المطبوعة : " لما توجه . . . " ، وانظر ما سلف رقم : 2204 ، والتعليق عليه .
(3) الأثر : 2224 - مضى برقم : 2164 ، ثم : 2204 ، وفيه هنا زيادة .

(3/168)


عليه وسلم إلى الكعبة ، قال المسلمون : هَلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس! فنزلت : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " .
2227 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " ، يقول : صَلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة. فكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم.
2228 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " ، صلاتكم.
2229 - حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري قال ، أخبرنا المؤمل قال ، حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " قال ، صلاتكم نحو بيت المقدس.
* * *
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى على أن " الإيمان " التصديق. وأن التصديقَ قد يكون بالقول وحده ، وبالفعل وحده ، وبهما جميعًا. (1)
فمعنى قوله : " وما كان الله ليُضيع إيمانكم " - على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة - : وما كان الله ليُضيع تصديقَ رَسوله عليه السلام ، بصَلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره ، لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولي ، واتِّباعًا لأمْري ، وطاعةً منكم لي.
* * *
قال : " وإضاعته إياه " جل ثناؤه - لو أضاعه - : تركُ إثابة أصْحابه وعامليه عليه ، فيذهب ضياعًا ، ويصير باطلا كهيئة " إضاعة الرجل ماله " ، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضًا في عاجل ولا آجل.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 234 - 235 ، وغيره ، فالتمسه في فهرس اللغة .

(3/169)


فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عَمل عاملٍ عمل له عملا وهو له طاعة ، فلا يُثيبه عليه ، وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله.
* * *
فإن قال قائل : وكيفَ قال الله جل ثناؤه : " وما كان الله ليُضيع إيمانكم " ، فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين ، والقومُ المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية ؟
قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك ، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حُبُوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة ، وظنّوا أنّ عملهم ذلك قد بطلَ وذهب ضياعًا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ ، فوجّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم. لأن من شأن العرب - إذا اجتمع في الخبر المخاطبُ والغائبُ - أن يغلبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب. فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر : " فعلنا بكما وصنعنا بكما " ، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران ، ولا يستجيزون أن يقولوا : " فعلنا بهما " ، وهم يخاطبون أحدهما ، فيردّوا المخاطب إلى عِدَاد الغَيَب. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) }
قال أبو جعفر : ويعني بقوله جل ثناؤه : " إنّ الله بالناس لَرَءوفٌ رحيمٌ " : أن الله بجميع عباده ذُو رأفة.
* * *
__________
(1) الغيب (بفتحتين) جمع غائب ، مثل خادم وخدم .

(3/170)


و " الرأفة " ، أعلى مَعاني الرحمة ، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا ، ولبعضهم في الآخرة.
* * *
وأما " الرحيم " : فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، على ما قد بينا فيما مضى قبل. (1)
* * *
وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أنّ الله عز وجل أرْحمُ بعباده منْ أن يُضيع لهم طاعةً أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها ، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم - أيْ ولا تأسوا عَلى مَوْتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس - ، فإني لهم على طاعتهم إياي بصَلاتهم التي صلوها كذلك مثيبٌ ، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي ؛ ولا تحزنوا عليهم ، فإني غيرُ مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة ، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم ، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله.
* * *
وفي " الرءوف " لغات. إحداها " رَؤُف " على مثال " فَعُل " ، كما قال الوليد بن عقبة :
وَشرُّ الطالِبِينَ - وَلا تَكُنْه - ... بقَاتِلِ عَمِّه ، الرَّؤُفُ الرَّحِيم (2)
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 126 - 134 .
(2) كان في المطبوعة : " الرءوف الرحيما " . وجاء على الصواب في القرطبي 2 : 145 ، وأبي حيان 1 : 427 ، وفيهما خطأ آخر ، الأول فيه " يقاتل " ، والثاني " يقابل " ، وكأن هذا البيت من شعر الوليد بن عقبة ، الذي كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال علي رضي الله عنهما . وهي في أنساب الأشراف : 140 ، وتاريخ الطبري 5 : 236 - 237 ، وحماسة البحتري : 30 ، واللسان (حلم) وغيرها ، وليس فيها هذا البيت ، وكأنه قبل البيت الذي يقول فيه : لَكَ الْوَيْلاتُ! أَقْحِمْهَا عَلَيْهِمْ ... فخيرُ الطَّالبي التِّرَةِ الغَشُومُ
وقوله : " لا تكنه " ، دعاء له ، واستنكار أن يكون كهذا الطالب الثائر الذي يطالب بدم عمه ، وهو رؤوف رحيم بعدوه وقاتل عمه ، وهو شر طالب ثأر .

(3/171)


قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)

وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة. والأخرى " رَؤوف " على مثال " فعول " ، وهي قراءة عامة قراء المدينة ، و " رَئِف " ، وهي لغة غطفان ، على مثال " فَعِل " مثل حَذِر. و " رَأْف " على مثال " فَعْل " بجزم العين ، وهي لغة لبني أسد.
والقراءة على أحد الوجهين الأوَّلين.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.
* * *
ويعني : ب " التقلب " ، التحوُّل والتصرُّف.
ويعني بقوله : " في السماء " ، نحو السماء وقِبَلها.
* * *
وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - لأنه كان قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة ، كما : -
2230 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء " قال ، كان صلى الله عليه وسلم يقلّب وجهه في السماء ، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة ، حتى صرَفه الله إليها.
2231 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء " ، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي نحو بيتَ المقدس ، يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام ، فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.

(3/172)


2232 - حدثنا المثنى قال ، حدثني إسحاق قال ، حدثني ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " قد نرى تقلُّب وَجهك في السماء " ، يقول : نَظرَك في السماء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس ، وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام ، فولاه الله قبلةً كان يهواها.
2233 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس ، فلما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره ، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر ، وكان يصلّي قبَل بيت المقدس ، فنسختها الكعبةُ. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يصلي قبَل الكعبة ، فأنزل الله جل ثناؤه : " قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء " الآية.
* * *
ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة الكعبة.
قال بعضهم : كره قبلةَ بيت المقدس ، من أجل أن اليهودَ قالوا : يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!
* ذكر من قال ذلك :
2234 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : قالت اليهود : يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا! فكان يدعو الله جل ثناؤه ، ويَستفرض للقبلة ، (1) فنزلت : " قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام " ، - وانقطع قول يهود :
__________
(1) في المطبوعة : " يستعرض للقبلة " ، وأثبت ما في الدر المنثور 1 : 147 وقوله : " يستفرض " أي يطلب فرضها عليه وعلى المؤمنين . وهذا ما لم تشبه كتب اللغة ، ولكنه صحيح العربية . أما قوله : " يستعرض للقبلة " ، فليست بشيء .

(3/173)


يخالفنا ويتبع قبلتنا! - في صلاة الظهر ، (1) . فجعل الرجالَ مكانَ النساء ، والنساءَ مكانَ الرجال.
2235 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعته - يعني ابن زيد - يقول : قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " فأينما تولوا فثمَّ وجه الله " . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله - لبيت المقدس - ولو أنَّا استقبلناه! فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا ، فبلغه أن يهودَ تَقول : والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! (2) فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فقال الله جل ثناؤه : " قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام " الآية. (3)
* * *
وقال آخرون : بل كان يهوى ذلك ، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك :
2236 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا ، فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يُحب قبلةَ إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله عز وجل : " قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء " الآية. (4)
* * *
__________
(1) سياق عبارته : " فنزلت . . . في صلاة الظهر " .
(2) في المطبوعة : " ما درى محمد صلى الله عليه وسلم " ، ولا تقوله يهود ، فرفعته . وكذلك جاء في رقم : 1838 .
(3) الأثر : 2235 - مضى برقم : 1838 .
(4) الأثر : 2236 - مضى برقم : 1833 ، ورقم : 2160 .

(3/174)


فأما قوله : " فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها " ، فإنه يعني : فلنصرفنَّك عن بيت المقدس ، إلى قبلة " ترضاها " : تَهواها وتُحبها. (1)
* * *
وأما قوله : " فوَلِّ وجهك " ، يعني : اصرف وجهك وَحوِّله.
* * *
وقوله : " شَطرَ المسجد الحَرَام " ، يعني : ب " الشطر " ، النحوَ والقصدَ والتّلقاء ، كما قال الهذلي : (2)
إنَّ العَسِيرَ بهَا دَاء مُخَامِرُهَا... فَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ (3)
يعني بقوله : " شَطْرَها " ، نحوها. وكما قال ابن أحمر :
تَعْدُو بِنَا شَطْر جَمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ ، ... قَدْ كَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبَا (4)
* * *
__________
(1) انظر معاني " ولى " فيما سلف 2 : 162 ، 535 ، وهذا الجزء 3 : 131 .
(2) هو قيس بن العيزارة الهذلي . والعيزارة أمه ، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل .
(3) ديوانه في أشعار الهذليين للسكري : 261 (أوربة) ، ورسالة الشافعي : 35 ، 487 ، وسيرة ابن هشام 2 : 200 ، والكامل 1 : 12 ، 2 : 3 ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 ، واللسان (شطر) (حسر) ، وغيرها . ورواية الشافعي في الرسالة : " إن العسيب " بالباء في آخره ، ورواية ديوانه وابن هشام : " إن النعوس " . والعسير : التي تعسر بذنبها إذا حملت ، من شراستها . والنعوس : التي تغمض عينيها عند الحلب . والعسيب : جريد النخل إذا كشط عنه خوصه . وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة ، وإنما هو اسم ناقته . وكلها صالح أن يكون اسما للناقة . وقد قال ابن هشام : " النعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير ، من قوله : " وهو حسير " . ويروى : " داء يخامرها فنحوها . . . " ، ورواية ديوانه " مخزور " . ومحسور ، هو الحسير : الذي قد أعيى وكل . ومخزور : من قولهم : " خزر بصره " : إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه . وهو يصف ناقته ، ويذكر حزنه وحبه لها ، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها ، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل .
(4) سيرة ابن هشام 2 : 199 ، والروض الأنف 2 : 38 ، والخزانة 3 : 38 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 . وفي المطبوعة : " من إنفادها " ، وهو خطأ . وقال : قبله : أَنْشَأتُ أَسْأَلُه عَنْ حَالِ رُفْقَتِهِ ... فقال : حَيَّ ، فَإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا
حي : اعجل . ونصب : جد في السير : وقوله : " جمع " ، هي مزدلفة ، يريد الحج . وقوله : عاقدة ، أي : قد عطفت ذنبها بين فخذيها . وقوله : كارب ، أي أوشك وكاد وقارب ودنا . وأوفدت الناقة إيفادًا : أسرعت . والحقب : الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير . يقول : قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة ، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب . والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها ، يقول المخبل السعدي : وإذَ رَفَعْتُ السَّوْطَ ، أفْزَعَهَا ... تَحْتَ الضُّلُوعِ مُرَوِّعٌ شَهْمُ
وتَسُدُّ حَاذَيْهَا بِذِي خُصَلٍ ... عُقِمَتْ فناعَمَ ، نَبْتَهُ العُقْمُ
ويقول المثقب العبدي ، يصف ناقته مسرعة : تَسُدُّ بِدَائِمِ الخَطَرَانِ جَثْلٍ ... خَوايَةَ فَرْجِ مِقْلاَتٍ دَهِينِ

(3/175)


ءوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
2237 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي العالية : " شَطْرَ المسجد الحَرَام " ، يعني : تلقاءه.
2238 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " شطر المسجد الحرام " ، نحوَه.
2239 - حدثنا محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام " ، نَحوَه.
2240 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
2241 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام " ، أي تلقاءَ المسجد الحرام.
2242 - حدثنا الحسين بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام " قال ، نحو المسجد الحرام.

(3/176)


2243 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام " ، أي تلقاءَه.
2244 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، عن ابن عباس أنه قال : " شطرَه " ، نحوَه.
2245 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : " فولوا وجُوهكم شَطره " قال ، قِبَله.
2246 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " شَطْره " ، ناحيته ، جانبه. قال : وجوانبه : " شُطوره " . (1)
* * *
ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.
فقال بعضهم : القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي صلى الله عليه وسلم ، وعناها الله تعالى ذكره بقوله : " فلنولينَّك قبلة تَرْضاها " ، حيالَ ميزاب الكعبة.
* ذكر من قال ذلك :
2247 - حدثني عبد الله بن أبي زياد قال ، حدثنا عثمان قال ، أخبرنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن يحيى بن قمطة ، عن عبد الله بن عمرو : " فلنولينَّك قبلة ترضاها " ، حيالَ ميزاب الكعبة. (2)
__________
(1) الخبر : 2246 - هو وما قبله من الأخبار ، في تفسير (شطره) بأنه : قبله ، أو : نحوه . وانظر مؤيدًا ذلك ، ما قاله الشافعي في الرسالة ، بتحقيقنا : 105 - 111 ، 1378 - 1381 .
(2) الحديث : 2247 - عبد الله بن أبي زياد ، شيخ الطبري : نسب إلى جده . وهو " عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني " ، واسم " أبي زياد " : " سليمان " . وعبد الله هذا : ثقة ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وابن خزيمة ، وغيرهم . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 2/2/38 .
وشيخه " عثمان " : ما أدري من هو ؟ وأغلب الظن أنه محرف ، وصوابه " عفان " .
يحيى بن قمطة : تابعي ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير 4/2/229 ، وابن أبي حاتم 4/2/181 ، وذكر أنه حجازي ، ولم يذكرا فيه جرحًا . وذكر البخاري أنه يروي " عن ابن عمر " . وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي " عن عبد الله بن عمرو " . وذكره ابن حبان في الثقات ، ص : 371 ، وقال : " يروي عن ابن عمر ، وعبد الله بن عمرو " . روى عنه يعلى بن عطاء .
واسم أبيه : " قمطة " بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة . ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف . لكنه ثبت هكذا في الطبري وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة . ووقع في ابن كثير والمستدرك " قطة " بدون الميم . وهو خطأ ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع .
والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، مطولا بنحو الرواية التي بعد هذه . وقال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .

(3/177)


2248 - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن يحيى بن قمطة قال : رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب ، وتلا هذه الآية : " فلنولينك قِبلة ترضاها " قال ، هذه القبلة ، هي هذه القبلة.
2249 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم - بإسناده عن عبد الله بن عمرو ، نحوه - إلا أنه قال : استقبل الميزاب فقال : هذه القبلة التي قال الله لنبيه : " فلنولينك قبلة تَرضاها " . (1)
* * *
وقال آخرون : بل ذلك البيت كله قبلةٌ ، وقبلةُ البيت الباب.
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) الحديثان : 2248 ، 2249 - وهذان إسنادان آخران للحديث قبلهما . وأولهما من رواية عبد الرزاق ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء .
وهشيم - بالتصغير : هو ابن بشير ، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة . وهو أبو معاوية بن أبي خازم ، وهو حافظ ثقة ثبت . مترجم في التهذيب . والكبير 4/2/242 ، وابن سعد 7/2/61 ، 70 . وابن أبي حاتم 4/2/115 - 116 . وتذكرة الحفاظ 1 : 229 - 230 .
والحديث في تفسير عبد الرزاق ، ص : 13 ، بهذا الإسناد . وليس فيه كلمة " هي " المزادة هنا بعد قوله : " هذه القبلة " . وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة .
وذكر ابن كثير 1 : 352 ، أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم " عن الحسن بن عرفة ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء " . ووقع اسم " هشيم " فيه محرفًا ، فيصحح من هذا الموضع .
والحديث في الدر المنثور أيضًا 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، وأحمد بن منيع في مسنده ، وابن المنذر ، والطبراني في الكبير . وهو في مجمع الزوائد 6 : 316 ، وقال : " رواه الطبراني من طريقين ، ورجال إحداهما ثقات " .

(3/178)


2250 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : البيت كله قبلةٌ ، وهذه قبلةُ البيت - يعني التي فيها الباب. (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه : " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام " ، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام ، هو المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه ، كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به ، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه ، وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر ، عن يمينه أو عن يساره ، بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به ، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة ، وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه ، غير أنه متوجِّه إليها. فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها ، فهو مستقبلها ، بعُد ما بينه وَبينها ، أو قَرُب ، من عن يمينها أو عن يسارها ، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه ، كما :
2251 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عميرة بن زياد الكندي ، عن علي : " فول وجهك شطر المسجد الحرام " قال ، شطُره ، قبله. (2)
* * *
__________
(1) الخبر : 2250 - نقله السيوطي 1 : 147 ، عن الطبري وحده ، بلفظ : " البيت كله قبلة ، وقبلة البيت الباب " .
(2) الحديث : 2251 - أبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني .
عميرة - بفتح العين - بن زياد الكندي : تابعي ثقة ، ترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 141 ، وقال : " روى عن عبد الله " . أراد بذلك عبد الله بن مسعود . وترجمه البخاري في الكبير 4/1/69 . وابن أبي حاتم 3/2/24 . ولم يذكرا فيه جرحًا ، ولا رواية عن غير ابن مسعود . وذكرا أن الراوي عنه أبو إسحاق .
والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق محمد بن كثير ، عن سفيان - وهو الثوري - عن أبي إسحاق بهذا الإسناد . وقال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج 2 ص 3 ، عن الحاكم .
وذكره السيوطي 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والدينوري في المجالسة .
وذكره ابن كثير 1 : 268 ، نقلا عن الحاكم .
ولفظه عندهم جميعًا : " قال : شطره قبله " ، كما أثبتنا . ووقع في المطبوعة هنا : " قال : شطره فينا قبلة " !! وهو خطأ سخيف ، من ناسخ أو طابع .
ووقع في الإسناد في ابن كثير " محمد بن إسحاق " بدل " أبي إسحاق " . وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا ، وما ثبت في سائر المراجع .
ووقع فيه في ابن كثير والمستدرك ومختصره للذهبي - المطبوع والمخطوط - " عمير بن زياد " . وهو خطأ أيضًا . وثبت على الصواب في رواية البيهقي عن الحاكم .

(3/179)


قال أبو جعفر : وقبلةُ البيت : بابه ، كما : -
2252 - حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء قال ، قال أسامة بن زيد : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب ، فقال : هذه القبلةُ ، هذه القبلة. (1)
2253 - حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، قال ، حدثني أسامة بن زيد قال : خرج النبي صلى
__________
(1) الحديث : 2252 - الفضل بن الصباح البغدادي : ثقة ، وثقه ابن معين . وقال أبو القاسم البغوي : " كان من خيار عباد الله " . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/2/63 .
عبد الملك : هو ابن أبي سليمان العرزمي ، مضى في : 1455 .
عطاء : هو ابن أبي رباح ، التابعي الكبير ، الإمام الحجة ، القدوة العلم ، مفتي أهل مكة ومحدثهم . مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/1/330 - 331 . وتذكرة الحفاظ 1 : 92 : 93 ، وتاريخ الإسلام 4 : 278 - 280 ، وابن سعد 2/2/133 - 134 ، و 5 : 344 - 346 .
أسامة بن زيد بن حارثة : هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه .
وقد زعم أبو حاتم - فيما حكاه عنه ابنه في المراسيل : ص : 57 - أن عطاء لم يسمع من أسامة . ولكن الرواية التالية لهذه ، فيها تصريح عطاء بالسماع منه . ثم المعاصرة كافية في ثبوت الاتصال ، كما هو الراجح عند أهل العلم بالحديث .
وعطاء ولد سنة 27 ومات سنة 114 . بل ذكر الذهبي أنه مات عن 90 سنة . وأسامة بن زيد مات سنة 54 . بل أرخ مصعب الزبيري وفاته في آخر خلافة معاوية سنة 58 أو 59 .
وهذا الحديث رواه أحمد في المسند (5 : 209) ، عن هشيم ، بهذا الإسناد واللفظ . ثم رواه عقبه ، بالإسناد نفسه مطولا ، بنحوه .

(3/180)


الله عليه وسلم من البيت ، فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة ، فقال : هذه القبلةُ مرتين. (1)
2254 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه. (2)
2255 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : سمعت ابن عباس يقول : إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله. قال : قال : لم يكن ينهَى عن دخوله ، ولكني سمعته يقول : أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها ، ولم يصلِّ حتى خرج ، فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين ، وقال : هذه القبلة. (3)
* * *
__________
(1) الحديث : 2253 - ابن حميد : هو محمد بن حميد بن حيان الرازي الحافظ . سبقت رواية الطبري عنه مرارًا كثيرة ، ووثقناه في 2028 . ونزيد هنا أنه وثقه ابن معين وغيره . وأنكروا عليه أحاديث ، وأجاب عنه ابن معين بأن " هذه الأحاديث التي يحدث بها ، ليس هو من قبله ، إنما هو من قبل الشيوخ الذي يحدث به عنهم " . وقال الخليلي : " كان حافظًا عالمًا بهذا الشأن ، رضيه أحمد ويحيى " . وعرض عبد الله بن أحمد على أبيه ما كتبه عنه ، فقال : أما حديثه عن ابن المبارك وجرير ، فصحيح ، وأما حديثه عن أهل الري ، فهو أعلم " . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/69 - 70 ، وابن أبي حاتم 3/2/232 - 233 ، والخطيب 2 : 259 - 264 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 67 - 69 .
جرير : هو ابن عبد الحميد بن قرط الرازي ، وهو ثقة حجة . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/214 ، وابن سعد 7/2/110 . وابن أبي حاتم 1/1/505 - 507 ، والخطيب 7 : 253 - 261 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 250 .
فهذا إسناد صحيح ، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد ، كما أشرفا في الإسناد السابق .
والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 210 ح) ، ضمن قصة ، عن يحيى - وهو القطان - عن عبد الملك " حدثنا عطاء ، عن أسامة بن زيد " .
(2) الحديث : 2254 - عبد الرحيم بن سليمان : هو المروزي الأشل ، مضت ترجمته : 2030 . والحديث تكرار لسابقه ، لكن لم يصرح في هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة .
(3) الحديث 2255 - سعيد بن يحيى بن سعيد ، الأموي : ثقة ثبت ، بل قال علي بن المديني : " جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم . . . وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي : أثبت من أبيه " . وهو من شيوخ البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/477 ، وابن أبي حاتم 2/1/74 ، والخطيب 9 : 90 - 91 . أبوه ، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص : حافظ ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/277 ، وابن سعد 6 : 277 - 278 ، و 7/2/80 - 81 . وابن أبي حاتم 4/2/151 - 152 ، والخطيب 14 : 132 - 135 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 298 .
والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 208ح) ، عن عبد الرزاق ، وروح - كلاهما عن ابن جريج ، بهذا الإسناد نحوه .
رواه قبل ذلك (ص : 201 ح) عن عبد الرزاق وحده ، مختصرًا ، طوى القصة فلم يذكرها .
وليس في هذا الحديث ما ينفي أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد ، لأنه - هنا - إنما يجيب السائل عن قوا ابن عباس ، وينفي أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت . فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة ، من أجل هذا . ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة .
والحديث رواه أيضًا مسلم 1 : 376 - 377 ، من طريق محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، بهذا الإسناد ، نحو هذه القصة ، أطول منها قليلا .
ورواه البخاري 1 : 420 - 421 (فتح الباري) ، من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، مختصرًا . لم يذكر القصة ، ولم يذكر أنه عن أسامة ، جعله من حديث ابن عباس . وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلي وأبو نعيم ، في مستخرجيهما ، من طريق إسحاق بن راهويه ، عن عبد الرزاق ، بإسناد هذا : " فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد " . قال الحافظ : " وهو الأرجح " .
والخلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة أو لم يصل - مذكور في الدواوين . والراجح صلاته فيها . المثبت مقدم على النافي . وانظر نصب الراية 2 : 319 - 322 .

(3/181)


قال أبو جعفر : فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ البيت هو القبلة ، وأن قبلة البيت بابه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.
و " الهاء " التي في " شطرَه " ، عائدة إلى المسجد الحرام.
فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين ، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام

(3/182)


في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.
وأدخلت " الفاء " في قوله : " فولوا " ، جوابًا للجزاء. وذلك أن قوله : " حيثما كنتم " جزاء ، ومعناه : حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ }
يعني بقوله جل ثناؤه : " وإنّ الذين أوتُوا الكتاب " أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.
* * *
وقد قيل : إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.
* ذكر من قال ذلك :
2256 - حدثنا موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإن الذين أوتوا الكتاب " ، أنزل ذلك في اليهود.
* * *
وقوله : " ليعلمون أنه الحق من ربهم " ، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب ، يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد ، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.
* * *
ويعني بقوله : " من رَبِّهم " أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره ، وهو الحقُّ من عند ربهم ، فَرَضَه عليهم.
* * *

(3/183)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك تبارك وتعالى : وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون ، في اتباعكم أمرَه ، وانتهائكم إلى طاعته ، فيما ألزمكم من فرائضه ، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس ، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام ، ولا هو ساه عنه ، (1) ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده ، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء ، ويثيبكم عليه أفضل ثواب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك تبارك اسمه : ولئن جئتَ ، يا محمد ، اليهودَ والنصارَى ، بكل برهان وحُجة - وهي " الآية " - (2) بأن الحق هو ما جئتهم به ، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة ، إلى قبلة المسجد الحرام ، ما صدّقوا به ، ولا اتَّبعوا - مع قيام الحجة عليهم بذلك - قبلتَك التي حوَّلتُك إليها ، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.
* * *
قال أبو جعفر : وأجيبت " لئن " بالماضي من الفعل ، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب " لو " ، فأجيبت بما تجاب به " لو " ، لتقارب معنييهما.
__________
(1) انظر تفسير " غافل " فيما سلف 2 : 243 - 244 ، 315 ، وهذا الجزء 3 : 127 .
(2) انظر تفسيره " آية " فيما سلف 1 : 106/2 : 553 .

(3/184)


وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى. (1) وأجيبت " لو " بجواب الأيمان. ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة ، لأن الجزاء مُشابه اليمين : في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره ، ولا يتمُّ وحده ، ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه. فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء ، صَارَت " اللام " الأولى بمنزلة يَمين ، والثانية بمنزلة جواب لها ، كما قيل : " لعمرك لتقومَنَّ " إذ كثرت " اللام " من " لعمرك " ، حتى صارت كحرف من حروفه ، فأجيب بما يجاب به الأيمان ، إذ كانت " اللام " تنوب في الأيمان عن الأيمان ، دون سائر الحروف ، غير التي هي أحقُّ به الأيمان. فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة ، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان. (2) فشبهت " اللام " التي في جواب الأيمان بالأيمان ، لما وصفنا ، فأجيبت بأجوبَتها.
* * *
فكانَ مَعنى الكلام - إذ كان الأمر على ما وصفنا - : لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.
* * *
وأما قوله : " وما أنتَ بتابع قِبلتهم " ، يقول : وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها ، وأن النصارى تستقبل المشرقَ ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها ؟ يقول : فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها ، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.
* * *
وأما قوله : " وما بعضهم بتابع قبلة بعض " ، فإنه يعني بقوله : وما اليهود بتابعةٍ
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 458 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 84 .
(2) قوله : " أجوبة الأيمان لنا على الأيمان " هذه عبارة غامضة ، لم أظفر لها بوجه أرتضيه ، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها .

(3/185)


وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)

قبلةَ النصارى ، ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها ، كما : -
2257 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وما بعضهم بتاع قبلة بعض " ، يقول : ما اليهود بتابعي قبلة النصارى ، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. قال : وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إلى الكعبة ، قالت اليهود : إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده! ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنزل الله عز وجل فيهم : " وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم " إلى قوله : " ليكتمون الحق وهم يعلمون " . (1)
2258 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض " ، مثل ذلك.
* * *
وإنما يعني جل ثناؤه بذلك : أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة ، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم. فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى ، فإنه أمر لا سبيل إليه. لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم. من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى ، وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود ، فدع ما لا سبيل إليه ، وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه ، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ولئن اتبعت أهواءهم " ، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى ، الذين قالوا لك ولأصحابك : " كونوا هُودًا أو نصارى تهتدوا " ، فاتبعتَ قبلتهم - يعني : فرَجعت إلى قبلتهم.
__________
(1) الأثر : 2257 - انظر ما مضى رقم : 2204 .

(3/186)


ويعني بقوله : " من بَعد مَا جَاءك من العلم " ، من بعد ما وصَل إليك من العلم ، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل ، وعلى عنادٍ منهم للحق ، ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها ، " إنك إذًا لمن الظالمين " ، يعني : إنك إذا فعلت ذلك ، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم ، المخالفين أمري ، والتاركين طاعتي ، وأحدُهم وفي عِدادِهم. (1)
* * *
__________
(1) السياق : من عبادي الظلمة . . . وأحدهم ، وفي عدادهم " .

(3/187)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)

القول في تأويل قوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه " ، أحبارَ اليهود وعلماء النصارى : يقول : يعرف هؤلاء الأحبارُ من اليهود ، والعلماءُ من النصارى : أن البيتَ الحرام قبلتُهم وقبلة إبراهيم وقبلةُ الأنبياء قبلك ، كما يعرفون أبناءَهم ، كما : -
2259 - حدثنا بشر بن معاذ : قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يَعرفونه كما يَعرفون أبناءهم " ، يقول : يعرفون أن البيت الحرام هو القبلةُ.
2260 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قول الله عز وجل : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونهُ كما يعرفونَ أبناءهم " ، يعني : القبلةَ.

(3/187)


2261 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، عرفوا أن قِبلة البيت الحرام هي قبلتُهم التي أمِروا بها ، كما عرفوا أبناءهم.
2262 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفونَ أبناءهم " ، يعني بذلك : الكعبةَ البيتَ الحرام.
2263 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء ، كما يعرفون أبناءهم. (1)
2264 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " قال ، اليهود يعرفون أنها هي القبلة ، مكة.
2265 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج في قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " قال ، القبلةُ والبيتُ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وإنّ طائفةً من الذين أوتوا الكتاب - وهُمُ اليهود والنصارى. وكان مجاهد يقول : هم أهل الكتاب.
2266 - حدثني محمد بن عمرو - يعني الباهلي - قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بذلك.
__________
(1) في المطبوعة : " يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء " .

(3/188)


2267 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج مثله.
2268 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح مثله.
* * *
قال أبو جعفر : وقوله : " ليكتمون الحق " ، - وذلك الحق هو القبلة التي وجَّه الله عز وجل إليها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم. يقول : فَولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى ، فتوجَّه بعضُهم شرقًا ، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس ، ورفضُوا ما أمرهم الله به ، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ تبارك وتعالى ، وخيانتهم عبادَه ، وكتمانِهم ذلك ، وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه ، وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافُه ، فقال : " ليكتمونَ الحق وهم يعلمون " ، أنْ لَيس لَهم كتمانه ، فيتعمَّدون معصية الله تبارك وتعالى ، كما : - (1)
2269 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد عن قتادة قوله : " وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهُمْ يعلمون " ، فكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
2270 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ليكتمون الحق وَهمْ يعلمون " قال ، يكتمون محمدًا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
__________
(1) من أول قوله : " كما حدثنا بشر بن معاذ " ، إلى حيث نذكر في ص 207 تعليق : 2 موجود في ست عشرة صفحة بقيت من القسم المفقود من النسخة العتيقة .

(3/189)


الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)

2271 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " ، يعني القبلةَ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره (1) اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده ، لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى.
وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه السلام : (2) عن أن القبلة التي وجهه نحوها ، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله عز وجل.
يقول تعالى ذكره له : فاعمل بالحقّ الذي أتاك من ربِّك يا محمد ، ولا تَكوننَّ من الممترين.
* * *
يعني بقوله : " فلا تكونن من الممترين " ، أي : فلا تكونن من الشاكِّين في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره ، كما :
2272 - حدثني المثنى قال ، حدثني إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه السلام : " الحقُّ من ربك فلا تكونن من الممترين " ، يقول : لا تكنْ في شك ، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " يقول الله جل ثناؤه " ، وأثبت نص المخطوطة .
(2) في المطبوعة " وهذا من الله تعالى ذكره خبر " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(3) في المطبوعة : " فلا تكن في شك أنها " ، بإسقاط الفاء من " فإنها " .

(3/190)


2273 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " فلا تكونن من الممترين " قال ، من الشاكين قال ، لا تشكنّ في ذلك.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما " الممتري " (1) " مفتعل " ، من " المرْية " ، و " المِرْية " هي الشك ، ومنه قول الأعشى :
تَدِرُّ عَلَى أَسْوُقِ المُمْتَرِينَ... رَكْضًا ، إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنّ (2)
* * *
ءقال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : أوَ كان النبي صلى الله عليه وسلم شَاكَّا في أنّ الحق من رَبه ، أو في أن القبلة التي وجَّهه الله إليها حق من الله تعالى ذكره ، حتى نُهي عن الشك في ذلك ، فقيل له : " فلا تكونن من الممترين " ؟
قيل : ذلك من الكلام الذي تُخرجه العرب مخُرَج الأمر أو النهي للمخاطب به ، والمراد به غيره ، كما قال جل ثناؤه : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) [سورة الأحزاب : 1] ، ثم قال : ( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ
__________
(1) في المطبوعة : " والممتري " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) ديوانه : 20 واللسان (رجحن) من قصيدة سلف بيت منها في 1 : 345 ، 346 ، يصف خيلا مغاوير لقيس بن معديكرب الكندي ، أغارت على قوم مسرعة حثيثة ، فبينا القوم يتمارون فيها إذا بها : - تُبَارِي الزِّجَاجَ مَغَاوِيرُهَا ... شَمَاطِيط في رَهَجٍ كالدَّخَنْ
تَدِرُّ عَلَى أسوُق . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
در الفرس يدر دريرًا ودرة : عدا عدوًا شديدًا . لا يثنيه شيء . والأسوق جمع ساق ، ويجمع أيضًا على سوق وسيقان . يقول : بيناهم يتمارون إذ غشيتهم الخيل فصرعتهم ، فوطئتهم وطئًا شديدًا ، ومرت على سيقانهم عدوًا . وارجحن السراب : ارتفع واتسع واهتز ، وذلك في وقت ارتفاع الشمس .

(3/191)


وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)

مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [سورة الأحزاب : 2]. فخرج الكلام مخرج الأمرِ للنبي صلى الله عليه وسلم والنهيِ له ، والمراد به أصحابه المؤمنون به. وقد بينا نظيرَ ذلك فيما مضى قبل بما أغنَى عن إعادته. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : " ولكلّ " ، ولكل أهل ملة ، (2) فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه ، كما : -
2274 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : " ولكلِّ وِجْهة " قال ، لكل صاحب ملة.
2275 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " ولكلٍّ وجهة هو موليها " ، فلليهوديّ وجهة هو موليها ، وللنصارى وجهة هو موليها ، وهداكم الله عز وجل أنتم أيها الأمَّة للقِبلة التي هي قبلة. (3)
2276 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال ، قلت لعطاء قوله : " ولكل وجهة هو موليها " قال ، لكل أهل دين ، اليهودَ والنصارَى. قال ابن جريج ، قال مجاهد : لكل صاحب مِلة.
2277 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ولكل وجهة هو موليها " قال ، لليهود قبلة ، وللنصارى قبلة ، ولكم قبلة. يريد المسلمين.
2278 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ،
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 484 - 488 .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " . . . تعالى ذكره ولكل أهل ملة " ، والصواب ما أثبت .
(3) في المطبوعة : " فلليهود وجهة هو موليها " ، و " وللنصارى قبلة هو موليها " ، والصواب من المخطوطة . وفيها أيضًا : " التي هي قبلته " وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جبد .

(3/192)


حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها " ، يعني بذلك أهلَ الأديان : يقول : لكلٍّ قبلةٌ يرضَونها ، ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيثُ تَوَجَّه المؤمنون. وذلك أن الله تعالى ذكره قال : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [سورة البقرة : 115]
2279 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولكلٍّ وجْهة هو موليها " ، يقول : لكل قوم قبلة قد ولَّوْها.
* * *
فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية : ولكل أهل ملة قبلةٌ هو مستقبلها ، ومولٍّ وجهه إليها.
* * *
وقال آخرون بما : -
2280 - حدثنا به الحسن بن يحيى قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " ولكل وجهة هو موليها " قال ، هي صلاتهم إلى بيت المقدس ، وصلاتهم إلى الكعبة.
* * *
وتأويل قائل هذه المقالة : ولكلّ ناحية وجَّهك إليها ربّك يا محمد قبلة ، اللهُ عز وجل مُولِّيها عبادَه.
* * *
وأما " الوِجهة " ، فإنها مصدر مثل " القِعدة " و " المِشية " ، من " التوجّه " . وتأويلها : مُتوَجِّهٌ ، يتوجَّه إليه بوَجهه في صلاته ، (1) كما : -
2281 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وجهة " قبلةٌ.
__________
(1) في المطبوعة : " يتوجه إليها " ، وأثبت ما في المخطوطة . وانظر معاني القرآن للفراء : 90 " وجهة " .

(3/193)


2282 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2283 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " ولكل وجهة " قال ، وَجْه.
2284 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وِجْهه " ، قِبلة.
2285 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير قال ، قلت لمنصور : " ولكل وجْهة هو مولِّيها " قال ، نحن نقرؤها ، ولكلٍّ جَعلنا قِبلة يرضَوْنها. (1)
* * *
وأما قوله : " هو مُولِّيها " ، فإنه يعني هو مولٍّ وجهه إليها ومستقبلها ، (2) كما : -
2286 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " هو موليها " قال ، هو مستقبلها.
2287 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
ومعنى " التوْلية " هاهنا الإقبال ، كما يقول القائل لغيره : " انصرِف إليّ " بمعنى : أقبل إليّ. " والانصراف " المستعمل ، إنما هو الانصراف عن الشيء ، ثم يقال : " انصرفَ إلى الشيء " ، بمعنى : أقبل إليه منصرفًا عن غيره. وكذلك يقال : " ولَّيت عنه " ، إذا أدبرت عنه. ثم يقال : " ولَّيت إليه " ، بمعنى أقبلت إليه مولِّيًا عن غيره. (3)
* * *
__________
(1) قوله : " نقرؤها " ، لا يعني أنها قراءة في قراآت القرآن ، وإنما يعني دراستها والتفقه في معانيها .
(2) في المطبوعة : " مستقبلها " بحذف الواو ، وهي جيدة .
(3) انظر معنى " التولية " فيما سلف 2 : 535 ، وهذا الجزء 3 : 175 وانظر أيضًا 2 : 162 ، ثم هذا الجزء 3 : 115 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 85 .

(3/194)


والفعل - أعني " التولية " - في قوله : " هو موليها " لل " كل " . و " هو " التي مع " موليها " ، هو " الكل " ، وحُدَّت للفظ " الكل " .
* * *
فمعنى الكلام إذًا : ولكل أهل مِلة وجهة ، الكلُّ. منهم مولُّوها وجُوهَهم. (1)
* * *
وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوها : " هو مُولاها " ، بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوها. ويكون " الكل " حينئذ غير مسمًّى فاعله ، (2) ولو سُمي فاعله ، لكان الكلام : ولكلّ ذي ملة وجهةٌ ، اللهُ مولِّيه إياها ، بمعنى : موجِّهه إليها.
* * *
وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك : " ولكُلٍّ وِجهةٍ " بترك التنوين والإضافة. وذلك لحنٌ ، ولا تجوز القراءةُ به. لأن ذلك - إذا قرئ كذلك - كان الخبرُ غير تامٍّ ، وكان كلامًا لا معنى لَه. وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.
* * *
والصواب عندنا من القراءة في ذلك : " ولكلٍّ وِجهةٌ هُوَ مُولِّيها " ، بمعنى : ولكلٍّ وجهةٌ وقبلةٌ ، ذلك الكُلّ مُولّ وجهه نحوها. لإجماع الحجة من القرّاء على قراءة ذلك كذلك ، وتصويبها إياها ، وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره. وما جاءَ به النقلُ مستفيضًا فحُجة ، وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط ، (3) فغيرُ جائز الاعتراضُ به على الحجة.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " لكل منهم مولوها " ، وهو كلام مختل ، والصواب من المخطوطة .
(2) في المطبوعة : " ويكون الكلام حينئذ " ، والصواب من المخطوطة .
(3) في المطبوعة : " السهو والخطأ " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(3/195)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فاستبقوا " ، فبادروا وسَارعوا ، من " الاستباق " ، وهو المبادرة والإسراع ، كما : -
2288 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " فاستبقوا الخيرات " ، يقول : فسارعوا في الخيرات. (1)
* * *
وإنما يعني بقوله : " فاستبقوا الخيرات " ، أي : قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم ، فبادروا بالأعمال الصالحة ، شكرًا لربكم ، وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم ، (2) فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة ، (3) فلا عذر لكم في التفريط ، وحافظوا على قبلتكم ، فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم ، (4) فتضلُّوا كما ضلت ؛ كالذي : -
2289 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فاستبقوا الخيرات " ، يقول : لا تُغلَبُنَّ على قبلتكم.
2290 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " فاستبقوا الخيرات " قال ، الأعمال الصالحة.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " يعني : فسارعوا " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) في المطبوعة : " لأخراكم " ، وهما سواء في المعنى .
(3) في المطبوعة : " سبيل النجاة " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(4) في المطبوعة : " ولا تضيعوها كما ضيعها " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي أجود .

(3/196)


القول في تأويل قوله تعالى : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) }
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : " أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا " ، في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه ، (1) يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة ، إن الله على كل شيء قدير ، كما : -
2291 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " أينما تكونوا يَأت بكمُ الله جميعًا " ، يقول : أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة.
2291م - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أينما تكونوا يَأت بكم الله جميعًا " ، يعني : يومَ القيامة.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما حضَّ الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزوُّد في الدنيا للآخرة ، فقال جل ثناؤه لهم : استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم ، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه ، فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالفَ قبلكم ودينكم وشريعتكم جميعًا يوم القيامة ، من حيث كنتُم من بقاع الأرض ، حتى يوفِّيَ المحسنَ منكم جزاءه بإحسانه ، (2) والمسيء عقابه بإساءته ، أو يتفضّل فيصفح.
* * *
وأما قوله : " إنّ الله على كل شيء قدير " ، فإنه تعالى ذكره يعني : إنّ الله تعالى على جَمْعكم - بعد مماتكم - من قبوركم إليه ، من حيث كنتم وكانت قبوركم كمن وعلى غير ذلك مما يشاء ، قديرٌ. (3) فبادروا خروجَ أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليومَ بعثكم وَحشركم.
* * *
__________
(1) انظر القول في تفسير " أينما " في معاني القرآن للفراء 1 : 85 - 89 .
(2) في المخطوطة : " حتى يؤتي المحسن منكم جزاءه " ، ولا بأس بها .
(3) في المطبوعة : " من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك " ، أسقط منها الناسخ .

(3/197)


وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " ومن حيث خرجت " ، ومن أيّ موضع خرَجْت إلى أي موضع وجَّهتَ ، فولِّ يا محمد وَجهك - يقول : حوِّل وَجْهك. وقد دللنا على أن " التولية " في هذا الموضع شطر المسجد الحرام ، إنما هي : الإقبالُ بالوجه نحوه. وقد بينا معنى " الشطر " فيما مضى. (1)
* * *
وأما قوله : " وإنه للحق من ربك " ، فإنه يعني تعالى ذكره : وإنّ التوجه شَطرَه للحق الذي لا شكّ فيه من عند ربك ، فحافظوا عليه ، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله.
* * *
وأما قوله : " ومَا الله بغافل عَما تَعملون " ، فإنه يقول : فإن الله تعالى ذكره لَيس بساهٍ عن أعمالكم ، ولا بغافل عنها ، ولكنه محصيها لكم ، حتى يجازيكم بها يوم القيامة. (2)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف في " التولية " في هذا الجزء 3 : 194 تعليق : 3 ، وما سلف في تفسير : " شطر " في هذا الجزء 3 : 175 .
(2) انظر معنى " غافل " فيما سلف من هذا الجزء 3 : 174 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(3/198)


وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)

القول في تأويل قوله تعالى ذكره{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : " ومن حَيثُ خرجت فول وَجهك شطر المسجد الحرام " : من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد ، فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام ، وهو شَطره.
ويعني بقوله : " وحيث ما كنتم فولُّوا وُجوهكم " ، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله ، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم تُجاهه وقِبَله وقَصْدَه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي }
قال أبو جعفر : فقال جماعة من أهل التأويل : عنى الله تعالى ب " الناس " في قوله : " لئلا يكون للناس " ، أهلَ الكتاب.
* ذكر من قال ذلك :
2292 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " لئلا يكون للناس عليكم حجة " ، يعني بذلك أهلَ الكتاب. قالوا - حين صُرف نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام - : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!
2293 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ،
__________
(1) في المخطوطة : " فولوا في صلاتكم " ، أسقط " وجوهكم " .

(3/199)


عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " لئلا يكونَ للناس عليكم حجة " ، يعني بذلك أهلَ الكتاب ، قالوا - حين صُرف نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة - : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!
* * *
فإن قال قائل : فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحوَ بيت المقدس ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟
قيل : قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل : إنهم كانوا يقولون : ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم : يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! (1) فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، على وجه الخصومة منهم لهم ، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين. (2)
وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه ، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه ، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه ، بتحويل قبلة نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه : " لئلا يكون للناس عليكم حجة " ، يعني ب " الناس " ، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.
* * *
وأما قوله : " إلا الذين ظَلموا منهم " ، فإنهم مُشركو العرب من قريش ، فيما تأوَّله أهلُ التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
2294 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " إلا الذين ظَلموا منهم " ، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء رقم : 2234 ، 2235 .
(2) في المطبوعة : " وأهل العناد من المشركين " ، والصواب من المخطوطة .

(3/200)


2295 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، قال : هم المشركون من أهل مكة.
2296 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " إلا الذين ظلموا منهم " ، يعني مشركي قريش.
2297 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، وابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " قال ، هم مشركو العرب.
2298 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " ، و " الذين ظلموا " : مشركو قريش.
2299 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال عطاء : هم مشركو قريش - قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقولُ مثل قول عطاء.
* * *
فإن قال قائل : وأيّةُ حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة ؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين - فيما أمرهم الله به أو نهاهم عنه - حُجة ؟ (1)
قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما توهمتَ وذهبتَ إليه. وإنما " الحجة " في هذا الموضع ، الخصومة والجدال. (2) ومعنى الكلام : لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خُصُومةٌ ودعوى باطلٌ غيرَ مشركي قريش ، فإن لهم عليكم دعوى بَاطلا وخصومةً بغير حق ، (3) بقيلهم لكم : " رَجَع محمدٌ إلى قبلتنا ، وسيرجع إلى
__________
(1) في المطبوعة : " . . . على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به ، أو نهاهم عنه " ، قدم " حجة " وزاد الثناء على الله .
(2) انظر ما سلف في تفسير : " أتحاجوننا " ، في هذا الجزء 3 : 121 .
(3) في المطبوعة : " دعوى باطلة " في الموضعين ، ولا بأس بها . يقال : " دعوى باطل وباطلة "

(3/201)


ديننا " . فذلك من قولهم وأمانيّهم الباطلة ، هي " الحجة " التي كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره " الذين ظلموا " من قريش من سائر الناس غيرهم ، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجّههم إليها حُجة.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
2300 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " لئلا يكون للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم " ، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد : يقول : حُجتهم ، قولهم : قد راجعتَ قبلتنا!
2301 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال : قولهم : قد رَجَعت إلى قبلتنا!
2302 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " ، قالا هم مشركو العرب ، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة : قد رجع إلى قبلتكم ، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله عز وجل : " فلا تَخشوْهم واخشوْني " .
2303 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " ، و " الذين ظلموا " : مشركُو قريش. يقول : إنهم سيحتجون عليكم بذلك ، فكانت حجتهم على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم انصرافَهُ إلى البيت الحرام (1) أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا! فأنزل الله
__________
(1) في المطبوعة والدر المنثور 1 : 148 " بانصرافه " وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير 1 : 358 ، وقوله : " انصرافه " منصوب على الظرفية أي عند انصرافه .

(3/202)


تعالى ذكره في ذلك كله. (1)
2304 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله.
2305 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي فيما يذكر ، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : لما صُرف نبيّ الله صلى الله عليه وسلم نحوَ الكعبة ، بعد صلاته إلى بيت المقدس ، قال المشركون من أهل مكة : تحيّر على محمد دينه! فتوجّه بقبلته إليكم ، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا ويُوشك أن يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : " لئلا يَكونَ للناس عليكم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني " . (2)
2306 - حدثنا القاسم قال ، حدثني الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قلت لعطاء : قوله : " لئلا يَكون للناس عَليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " قال ، قالت قريش - لما رَجَع إلى الكعبة وأمِر بها : - ما كان يستغني عنا! قد استقبل قبلتنا! فهي حُجتهم ، وهم " الذين ظلموا " - قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول مثل قول عطاء ، فقال مجاهد : حُجتهم ، قولهم : رجعت إلى قبلتنا!
* * *
__________
(1) الأثر : 2303 - في تفسير ابن كثير 1 : 358 ، والدر المنثور 1 : 148 . والذي في المخطوطة والمطبوعة سواء " فأنزل الله في ذلك كله " . أما في الدر المنثور : " فأنزل الله في ذلك كله : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " . والذي في الطبري يكاد لا يستقيم ، والذي في الدر المنثور لا يستقيم ، وكأن صواب العبارة : " فأنزل الله في ذلك ، ذلك كله إلى قوله : " يا أيها الذين آمنوا . . . " .
(2) الأثر : 2305 - انظر الأثر السالف : 2204 .

(3/203)


فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويلَه من أهل التأويل قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " ، عن صحّة ما قلنا في تأويله ، وأنه استثناءٌ على مَعنى الاستثناء المعروف ، الذي ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله. (1) كما قولُ القائل (2) " ما سَارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك " ، إثباتٌ للأخ من السير ما هو مَنفيٌّ عن كل أحد من الناس. فكذلك قوله : " لئلا يكونَ للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم " ، نَفى عن أن يكون لأحد خُصومةٌ وجدلٌ قِبَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوى باطلٍ عليه وعَلى أصحابه ، بسبب توجُّههم في صلاتهم قبل الكعبة - إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش ، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلا بأن يقولوا : (3) إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا ، لأنا كنا أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل ، فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " : ولا الذين ظلموا منهم ، وأن " إلا " بمعنى " الواو " . (4) لأن ذلك لو كان معناه ، لكان النفيُ الأول عن جميع الناس - أنْ يكون لهم حُجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحوُّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيِّنًا عن المعنى المراد ، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك : " إلا الذين ظَلموا منهم " إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يُضافَ إليه أو يوصف به. (5)
هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجّهت " وإلا " إلى معنى " الواو " ، ومعنى
__________
(1) في المطبوعة : " الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيًا عما قبلهم " ، وهو خطأ صرف ، والصواب ما في المخطوطة .
(2) في المطبوعة : " كما أن قول القائل " ، زادوا " أن " لتكون دارجة على نهجهم ، والصواب ما في المخطوطة .
(3) في المطبوعة : " ودعوى باطلة " في الموضعين . وانظر ما سلف : 201 تعليق : 3 .
(4) زاعم هذا القول هو أبو عبيدة في مجاز القرآن : 60 - 61 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 89 - 90 .
(5) رد الطبري على أبي عبيدة أمثل من رد الفراء وأقوم .

(3/204)


العطف من كلام العرب. وذلك أنه غيرُ موجودة " إلا " في شيء من كلامها بمعنى " الواو " ، إلا مع استثناء سابق قد تقدمها. كقول القائل : " سار القوم إلا عمرًا إلا أخاك " ، بمعنى : إلا عمرًا وأخاك ، فتكون " إلا " حينئذ مؤدّية عما تؤدي عنه " الواو " ، لتعلق " إلا " الثانية ب " إلا " الأولى. (1) ويجمع فيها أيضًا بين " إلا " و " الواو " فيقال : " سار القوم إلا عمرًا وإلا أخاك " ، فتحذف إحداهما ، فتنوب الأخرى عنها ، فيقال : (2) " سار القوم إلا عمرًا وأخاك - أو إلا عمرًا إلا أخاك " ، لما وصفنا قبل.
وإذ كان ذلك كذلك ، فغير جائز لمدَّعٍ من الناس أن يدَّعي أنّ " إلا " في هذا الموضع بمعنى " الواو " التي تأتي بمعنى العطف.
* * *
وواضحٌ فسادُ قول من زعم أن معنى ذلك : إلا الذين ظلموا منهم ، فإنهم لا حجة لهم ، فلا تخشوْهم. كقول القائل في الكلام : (3) " الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم [لك] المعتدي عليك " ، فإن ذلك لا يعتدّ بعُداوَنه ولا بتركه الحمد ، (4) لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له ، وقد سُمي ظالمًا (5) لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادَّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدًا على خطأ مقالته إجماعُهم على تخطئتها.
* * *
وظاهر بُطُول قول من زَعَم : (6) أنّ " الذين ظلموا " هاهنا ، ناسٌ من العرب
__________
(1) في المخطوطة : " إلى الأول " ، وكأنه غير صواب .
(2) في المخطوطة : " ويجمع أيضًا فيها إلا والواو فيها فيقول : " ولم أستبن ما يقول ، والذي في المطبوعة سياق صحيح .
(3) في المطبوعة : " في كلامه " ، والصواب من المخطوطة ، ومعاني القرآن للفراء ، فهو نص كلامه .
(4) في المطبوعة ، وفي معاني القرآن للفراء : " بعداوته " ، والصواب ما في المخطوطة .
(5) السياق : " وواضح فساد قول من زعم . . . لإجماع جميع أهل التأويل " .
(6) في المطبوعة : " بطلان " صحيحة المعنى ، وفي المخطوطة : " دخول " تصحيف وتحريف لما أثبت . والبطول والبطلان مصدران من الباطل . وهما سواء في المعنى ، وقد سلف أن استعملها الطبري مرارًا . انظر ما سلف 2 : 426 ، تعليق : 1 / 439 س : 11/479 س : 13 .

(3/205)


كانوا يَهودًا ونصارَى ، فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما سائرُ العرب ، فلم تكن لهم حجة ، وكانت حُجة من يحتجُّ منكسرة. لأنك تقول لمن تريد أن تَكسِر عليه حجته : " إنّ لك عليّ حجة ولكنها منكسرة ، وإنك لتحتج بلا حجة ، وحجتك ضعيفة " . ووَجَّه معنى : " إلا الذين ظَلموا منهم " إلى معنى : إلا الذينَ ظلموا منهم ، منْ أهل الكتاب ، فإنّ لَهُم عليكم حُجة وَاهية أو حجة ضعيفة.
* * *
ووَهْيُ قَولِ من قال : " إلا " في هذا الموضع بمعنى " لكن " .
وضَعْفُ قولِ من زعم أنه ابتداء بمعنى : إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم. (1)
لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأنّ ذلك من الله عز وجل خَبرٌ عن الذين ظلموا منهم : أنهم يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا ، ولم يقصِد في ذلك إلى الخبر عن صفة حُجتهم بالضعف ولا بالقوة - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة - وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا ، ما قد نَفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.
2307 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه قال ، قال الربيع : إنّ يهوديًّا خاصم أبا العالية فقال : إن مُوسَى عليه السلام كان يصلِّي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية : كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال : قال : فبيني وبينك مسجدُ صالح ، فإنه نحته من الجبل. قال أبو العالية : قد صلّيت فيه وقِبلتُه إلى البيت الحرام. قال الربيع : وأخبرني أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذي القرنين ، وقِبلتُه إلى الكعبة.
* * *
وأما قوله : " فلا تخشوْهم واخشوْني " ، يعني : فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لَكم أمرهم من الظَّلمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون (2) في أنّ محمدًا صلى
__________
(1) قوله " ووهي قول . . . " ، و " وضعف قول . . . " معطوف على قوله آنفًا : " وظاهر بطول قول من زعم . . . " .
(2) في المطبوعة : " من الظلم في حجتهم " ، والصواب من المخطوطة . ثم فيها : " وقولهم ما يقولون من أن محمدًا " ، وصوابه من المخطوطة .

(3/206)


الله عليه وسلم قد رجع إلى قبلتنا ، وسيرجع إلى ديننا! - أو أن يَقدروا لكم على ضرّ في دينكم أو صدِّكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق ، ولكن اخشوني ، فخافوا عقابي ، في خلافكم أمري إن خالفتموه.
وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمٌ إلى عباده المؤمنين ، (1) بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها ، وبالنهي عن التوجُّه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه : واخشوْني أيها المؤمنون ، في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شَطرَ المسجد الحرام.
وقد حكي عن السدي في ذلك ما : -
2308 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فلا تخشوْهم واخشوْني " ، يقول : لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ولأتمَّ نعمتي عليكم " ، ومن حيث خرجتَ من البلاد والأرض ، وإلى أيّ بقعة شخصت (3) فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثُ كنت ، يا محمد والمؤمنون ، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم شَطرَه ،
__________
(1) تقدم إليه بكذا : أمره به .
(2) إلى هنا انتهى ما عثرنا عليه من الأوراق التي ذكرناها في ص : 189 تعليق : 1 ، وفي آخره ما نصه :
" تَمَّ المجلد الثاني بعون الله تعالى ، والصلاة على نبيّه محمد وآله وصحبه وسلم . يتلوهُ في الثالث إن شاء الله تعالى ، القول في تأويل قوله تعالى : (ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون) إن شاء الله تعالى ، وهو بقية الجزء السادس والعشرون ؟ ؟ "
(3) في المطبوعة : " إلى أي بقعة " ، بحذف الواو ، والصواب ما أثبت .

(3/207)


كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)

واتخذوه قبلة لكم ، كيلا يكون لأحد من الناس - سوى مشركي قريش - حجةٌ ، ولأتمّ بذلك من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام ، الذي جعلته إمامًا للناس نعمتي ، فأكمل لكم به فضلي عليكم ، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيتُ بها نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم. وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناؤه أنه متمُّها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه.
* * *
وقوله : " ولعلكم تهتدون " ، يعني : وكي ترشدوا للصواب من القبلة. (1) و " لعلكم " عطف على قوله : " ولأتم نعمتي عليكم " ، " ولأتم نعمتي عليكم " عطف على قوله : " لئلا يكون " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " كما أرسلنا فيكم رسولا " ، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية ، وأهديَكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام ، فأجعل لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألنيها فقال : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [سورة البقرة : 128] ، كما جعلت لكُم دعوته التي دعاني بها ، ومسألته التي سألنيها فقال : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو
__________
(1) انظر ما سلف في معنى " لعل " بمعنى " كي " 1 : 364 / ثم 2 : 69 ، 72 ، 161 .

(3/208)


عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [سورة البقرة : 129] ، فابتعثت منكم رَسولي الذي سألني إبراهيمُ خليلي وابنُهُ إسماعيل ، أنْ أبعثه من ذرّيتهما.
ف " كما " - إذ كان ذلك معنى الكلام - صلةٌ لقول الله عز وجل : " ولأتم نعمتي عليكم " . ولا يكون قوله : " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم " ، متعلقًا بقوله : " فاذكروني أذكركم " .
* * *
وقد قال قوم : إنّ معنى ذلك : فاذكرُوني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، (1) فأغرقوا النزع ، (2) وبعدوا من الإصابة ، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف ، وسِوَى وجهه المفهوم.
وذلك أنّ الجاريَ من الكلام على ألسن العرب ، المفهومَ في خطابهم بينهم - إذا قال بعضهم لبعض : " كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن " - أن لا يَشترطوا للآخر ، لأن " الكاف " في " كما " شرطٌ معناه : افعل كما فعلت. ففي مجيء جواب : " اذكروني " بعده ، وهو قوله : " أذكركم " ، أوضحُ دليل على أن قوله : " كما أرسلنا " من صلة الفعل الذي قبله ، وأن قوله : " اذكروني أذكركم " خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول ، وأنه من سبب قوله : " كما أرْسلنا فيكم " بمعزل.
* * *
وقد زعم بعض النحويين أن قوله : " فاذكروني " - إذا جُعل قوله : " كما أرسلنا فيكم " جوابًا له ، مع قوله : " أذكركم " - نظيرُ الجزاء الذي يجاب بجوابين ، كقول القائل : إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه " ، فيصير قوله : " فأته " و " ترضه " جوابين لقوله : " إذا أتاك " ، وكقوله : " إن تأتني أحسِن إليك أكرمك " . (3)
__________
(1) هو الفراء ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .
(2) أغرق النازع في القوس : إذا شدها ، وجاوز الحد في مد القوس ، وبلغ النصل كبد القوس ، فربما قطع يد الرامي . ونزع الرامي في قوسه نزعًا : جذب السهم بالوتر . وقولهم : " أغرق في النزع " ، مثل في الغلو والإفراظ .
(3) هو من قول الفراء أيضًا ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .

(3/209)


وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهب ، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجِّه إليه من اللغات ، الأفصح الأعرفُ من كلام العرب ، دون الأنكر الأجهل من منطقها. هذا ، مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.
* * *
ذكر من قَال : إنّ قوله : " كما أرسلنا " ، جوابُ قوله : " فاذكروني " .
2309 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى قال ، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل : " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم " ، كما فعلتُ فاذكروني.
2310 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
قوله : " كما أرسلنا فيكم رَسولا منكم " ، فإنه يعني بذلك العرب ، قال لهم جل ثناؤه : الزموا أيها العربُ طاعتي ، وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجُّه إليها ، لتنقطع حُجة اليهود عنكم ، فلا تكون لهم عليكم حجَة ، ولأتم نعمتي عليكم ، وتهتدوا ، كما ابتدأتكم بنعمتي ، فأرسلت فيكم رسولا منكم. وذلك الرسول الذي أرسلَه إليهم منهم : محمد صلى الله عليه وسلم ، كما : -
2311 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " كما أرْسلنا فيكم رسولا منكم " ، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأمّا قوله : " يتلو عليكم آياتنا " ، فإنه يعني آيات القرآن ، وبقوله : " ويزكيكم " ويطهّركم من دَنَس الذنوب ، و " يعلمكم الكتاب " وهو الفرقان ، يعني : أنه

(3/210)


فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)

يعلمهم أحكامه. ويعني : ب " الحكمة " السننَ والفقهَ في الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده. (1)
* * *
وأمّا قوله : " ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " ، فإنه يعني : ويعلمكم من أخبار الأنبياء ، وقَصَص الأمم الخالية ، والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها ، فعلِموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برَسوله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه ، أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم ، كما : -
2312 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير : " فاذكروني أذكركم " قال ، اذكروني بطاعتي ، أذكركم بمغفرتي.
* * *
وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح.
* ذكر من قال ذلك :
1313 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون " ، إن الله ذاكرُ من ذكره ، وزَائدُ من شكره ، ومعذِّبُ من كفَره.
__________
(1) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 86 - 88 والمراجع .

(3/211)


2314 - حدثني موسى قال ، حدثني عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " اذكروني أذكركم " قال ، ليس من عبد يَذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برَحمةٍ ، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام ، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي ، " ولا تكفرون " ، يقول : ولا تجحدوا إحساني إليكم ، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم ، ولكن اشكروا لي عليها ، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم ، وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي ، فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته ، ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه.
* * *
والعرب تقول : " نَصحتُ لك وشكرتُ لك " ، ولا تكاد تقول : " نصحتك " ، وربما قالت : " شكرتك ونصحتك " ، من ذلك قول الشاعر : (1)
هُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَلَيْكُمُ... فَهَلا شَكَرْتَ القَوْمَ إذْ لَمْ تُقَاتِلِ (2)
وقال النابغة في " نصحتك " :
نَصَحْتُ بَنِي عَوَفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا... رَسُولِي ولَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ وسَائِلِي (3)
* * *
__________
(1) نسبه أبو حيان في تفسيره 1 : 447 لعمر بن لجأ ، ولم أجد الشعر في مكان .
(2) معاني القرآن للفراء : 1 : 92 . وكان في المطبوعة : " إن لم تقاتل " ، وأثبت ما في الفراء والبؤسى والبأساء : البؤس . والنعمى والنعماء : النعمة .
(3) ديوانه : 89 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 92 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 362 ، وهي في غزو عمرو بن الحارث الأصغر لبني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان . ورواية ديوانه : " فلم يتقبلوا وصاتي " . الوصاة : الوصية . وقوله : " رسولي " . الرسول : الرسالة . والوسائل جمع وسيلة : وهي ما يتقرب به المرء إلى غيره من حرمة أو آصرة .

(3/212)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)

وقد دللنا على أن معنى " الشكر " ، الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة ، وأن معنى " الكفر " تغطية الشيء ، فيما مضى قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }
قال أبو جعفر : وهذه الآية حضٌّ من الله تعالى ذكره على طاعته ، واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال ، فقال : " يا أيها الذينَ آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " على القيام بطاعتي ، وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي ، والانصراف عَما أنسخه منها إلى الذي أحدِثه لكم من فرائضي ، وأنقلكم إليه من أحكامي ، والتسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه ، والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه - وإن لحقكم في ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل ، أو مشقةٌ على أبدانكم في قيامكم به ، أو نقصٌ في أموالكم - (2) وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي ، بالصبر منكم لي على مكروه ذلك ومَشقته عليكم ، واحتمال عنائه وثقله ، ثم بالفزع منكم فيما يَنوبكم من مُفظِعات الأمور إلى الصلاة لي ، فإنكم بالصبر على المكاره تُدركون مرضاتي ، وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبَلي ، وتدركون حاجاتكم عندي ، فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصيَّ ، أنصرهُم وأرعاهم وأكلَؤُهم ، حتى يظفروا بما طلبوا وأمَّلوا قِبَلي.
* * *
__________
(1) معنى " الشكر " 1 : 135 - 138 وتفسير معنى " الكفر " فيما سلف 1 : 255 ، 382 ، 522 ، ومواضع كثيرة . اطلبها في فهرس اللغة .
(2) هذه جمل متداخلة ، والعطف سياقه في هذه الجملة : استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعتي ، وأداء فرائضي . . والانصراف عما أنسخه . . والتسليم لأمري . . والتحول عنه . . وعلى جهاد أعدائكم . . بالصبر . . " .

(3/213)


وقد بينت معنى " الصبر " و " الصلاة " فيما مضى قبل ، فكرهنا إعادته ، (1) كما :
2315 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " واستعينوا بالصبر والصلاة " ، يقول : استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله ، واعلموا أنهما من طاعة الله.
2316 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " ، اعلموا أنهما عَونٌ على طاعة الله.
* * *
وأما قوله : " إن الله مع الصابرين " ، فإن تأويله : فإن الله نَاصرُه وظَهيرهُ وراضٍ بفعله ، كقول القائل : " افعل يَا فلان كذا وأنا معك " ، يعني : إني ناصرُك على فعلك ذلك ومُعينك عليه.
* * *
__________
(1) انظر فيما سلف تفسير " الصلاة " 1 : 242 - 243 / ثم 2 : 11 . وتفسير " الصبر " في 2 : 11 ، 124 ، وانظر فهرس اللغة .

(3/214)


وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوّكم ، وترك معاصيَّ ، وأداء سائر فرائضي عليكم ، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله : هو ميت ، فإن الميت من خَلقي مَنْ سلبته حياتَه وأعدمتُه حواسَّه ، فلا يلتذّ لذة ولا يُدرك نعيما ، فإنّ من قُتل منكم ومن سائر خَلقي في سبيلي ، أحياءٌ عندي ، في حياة ونعيم ، وعيش هَنِيّ ، ورزق سنيّ ، فَرحين

(3/214)


بما آتيتهم من فضلي ، وَحبوتهم به من كرامتي ، كما : -
2317 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " بل أحياء " عند ربهم ، يرزقون من ثمر الجنة ، ويَجدون ريحها ، وليسوا فيها.
2318 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2319 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولا تقولوا لمن يقتل في سَبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون " ، كنَّا نُحَدَّثَ (1) أن أرواح الشهداء تعارف في طَير بيض يأكلن من ثمار الجنة ، وأن مساكنهم سِدرة المنتهى ، وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاثُ خصال من الخير : مَن قُتل في سبيل الله منهم صار حيًّا مرزوقًا ، ومن غُلب آتاه الله أجرًا عظيمًا ، ومن مات رَزَقه الله رزقًا حسنًا.
2320 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء " قال ، أرواحُ الشهداء في صُوَر طير بيضٍ.
2321 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء " ، في صُوَر طير خضر يطيرون في الجنه حيث شاءوا منها ، يأكلون من حيث شاءوا.
2322 - حدثني المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا عثمان بن غياث. قال ، سمعت عكرمة يقول في قوله : " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون " قال ، أرواح الشهداء في طير خُضر في الجنة.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " كما يحدث " ، والصواب ما أثبت .

(3/215)


قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وما في قوله : " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء " ، من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعمَّ به غيره ؟ وقد علمت تظاهُر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم ، فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنة يَشمون منها رَوْحها ، ويستعجلون الله قيام الساعة ، ليصيروا إلى مساكنهم منها ، ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها وعن الكافرين أنهم يُفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النار يَنظرون إليها ، ويصيبهم من نَتنها ومكروهها ، ويُسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يَقمَعُهم فيها ، ويسألون الله فيها تأخيرَ قيام الساعة ، حِذارًا من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها ، مع أشباه ذلك من الأخبار. وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما الذي خُصَّ به القتيل في سبيل الله ، مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة ، وسائرُ الكفار والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البرزخ ، أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك ، وأما المؤمنون فمنعَّمون بالروح والريحان ونَسيم الجنان ؟
قيل : إنّ الذي خَصّ الله به الشهداء في ذلك ، وأفادَ المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره ، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في بَرْزَخِهم قَبل بعثهم ، ومنعَّمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر ، من لذيذ مطاعمها الذي لم يُطعمها الله أحدًا غيرَهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة التي فضَّلهم بها وخصهم بها من غيرهم ، والفائدة التي أفادَ المؤمنين بالخبر عنهم ، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [سورة آل عمران : 169 - 170] ، وبمثل الذي قُلنا جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2323 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، وَعَبدة

(3/216)


بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، عن الحارث بن فضيل ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهداءُ على بَارق ، نهر بباب الجنة ، في قبة خضراء - وقال عبدة : في روضة خضراء - يخرُج عليهم رزقهم من الجنه بُكرة وَعشيًّا. (1)
2324 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح عن الإفريقي ، عن ابن بشار السلمي - أو أبي بشار ، شكّ أبو جعفر - قال : أرواح الشهداء في
__________
(1) الحديث : 2323 - عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي : ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 272 ، وابن أبي حاتم 3/1/89 .
الحارث بن فضيل الأنصاري المدني : ثقة ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/277 ، وابن أبي حاتم 1/2/86 .
محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأشهلي ، الأوسي ، الأنصاري : صحابي على الراجح الذي جزم به البخاري ، مات سنة 96 أو 97 . قال الواقدي : مات وهو ابن 99 سنة . قال الحافظ في التهذيب : " على مقتضى قول الواقدي في سنة ، يكون له يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم 13 سنة . وهذا يقوي قول من أثبت الصحبة " . وروى البخاري في الكبير 4/1/402 ، بإسناد صحيح : " عن محمود بن لبيد قال ، أسرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تقطعت نعالنا ، يوم مات سعد بن معاذ " . وهذا حجة كافية في إثبات صحبته . فقال ابن أبي حاتم 4/1/289 - 290 : " قال البخاري : له صحبة . فخط أبي عليه ، وقال لا يعرف له صحبة " ! وهو نفي دون دليل ، لا يقوم أمام إثبات عن دليل صحيح . ولذلك قال ابن عبد البر - كما في التهذيب : " قول البخاري أولى " . وهو مترجم أيضًا في ابن سعد 5 : 55 - 56 . والإصابة 6 : 66 - 67 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 2390 ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه 7 : 69 (من مخطوطة الإحسان) ، من طريق يعقوب ، به . ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 74 ، من طريق يزيد بن هارون ، عن ابن إسحاق . وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير في التفسير 2 : 292 ، عن رواية المسند . قال : " تفرد به أحمد " . ثم أشار إلى رواية الطبري هذه ، وقال : " وهو إسناد جيد " . وهو في مجمع الزوائد 5 : 298 ، ونسبه لأحمد ، والطبراني ، وقال : " ورجال أحمد ثقات " .
وذكره السيوطي 2 : 96 . وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر والبيهقي في البعث .
وقوله : " وقال عبدة . . . " ، يريد أن " عبدة بن سليمان " قال : " في روضة " بدل " في قبة " . ووقع في المطبوعة " أو قال عبدة " . ووضع " أو " هنا بدل واو العطف - خطأ غير مستساغ . ونرجح أنه من ناسخ أو طابع .

(3/217)


قباب بيض من قباب الجنة ، في كل قبة زوجتان ، رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس ثَورٌ وحُوت ، فأما الثور ، ففيه طعم كلّ ثمرةٍ في الجنة ، وأما الحوت ففيه طَعمُ كل شراب في الجنة. (1)
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فإنّ الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكرُه أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصّهم بها في البرزخ غيرُ موجود في قوله : " ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء " ، وإنما فيه الخبرُ عن حَالهم ، أمواتٌ هم أم أحياءٌ.
قيل : إنّ المقصود بذكر الخبر عن حياتهم ، إنما هو الخبر عَمَّا هم فيه من النِّعمة ، ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عبادَه عما خَصّ به الشهداء في قوله : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) [سورة آل عمران : 169] ، وعلموا حالهم بخبره ذلك ، ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله : " ولا تقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء " ، نَهْيُ خَلقه عن أن يقولوا للشهداء أنهم موتى (2) تَرَك إعادة ذكر ما قد بين لهم من خبرهم.
* * *
وأما قوله : " ولكنْ لا تَشعرُون " ، فإنه يعني به : ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ ، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به.
* * *
وإنما رفع قوله : " أمواتٌ " بإضمار مكنيّ عن أسماء " من يُقتل في سبيل الله " ، ومعنى ذلك : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات. ولا يجوز النصب في
__________
(1) الخبر : 2324 - هذا خبر لا أدري ما هو ؟! ورأسه " ابن بشار السلمي ؛ أو أبو بشار " - الذي شك فيه ابن جرير : لم أهتد إلى شيء يدل عليه . وقد ذكره السيوطي 2 : 96 ، عن هذا الموضع من الطبري ، ثم لم يصنع شيئًا!
(2) سياق الكلام : ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده . . . ترك أعادة ذكر . . . " .

(3/218)


وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)

" الأموات " ، لأن القول لا يعمل فيهم ، وكذلك قوله : " بل أحياء " ، رفعٌ ، بمعنى : هُمْ أحياء. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) }
قال أبو جعفر : وهذا إخبار من الله تعالى ذكره أتباعَ رَسوله صلى الله عليه وسلم ، أنه مبتليهم وممتحنهم بشدائد من الأمور ، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، وكما امتحن أصفياءَه قَبلهم. ووَعدهم ذلك في آية أخرى فقال لهم : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) [سورة البقرة : 214] ، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وغيرُه يقول.
2325 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع " ، ونحو هذا ، قال : أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء ، وأنه مبتليهم فيها ، وأمرَهم بالصبر وبَشّرهم فقال : " وبشر الصابرين " ، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته ، لتطيب أنفسهم فقال : ( مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ) .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " إنهم أحياء " ، والسياق يقتضي ما أثبت . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 93 - 94 ، فقد استوفى ما اختصره الطبري .

(3/219)


ومعنى قوله : " وَلنبلونكم " ، ولنختبرنكم. وقد أتينا على البيان عن أن معنى " الابتلاء " الاختبار ، فيما مضى قبل. (1)
* * *
وقوله : " بشيء من الخوف " ، يعني من الخوف من العدو ، وبالجوع - وهو القحط - يقول : لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسَنه تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة ، وتتعذر المطالب عليكم ، (2) فتنقص لذلك أموالكم ، وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار ، فينقص لها عددكم ، وموتُ ذراريكم وأولادكم ، وجُدوب تحدُث ، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم ، واختبار مني لكم ، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه ، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم ، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب.
كل ذلك خطابٌ منه لأتباع رَسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كما :
2326 - حدثني هارون بن إدريس الكوفيّ الأصم قال ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن عبد الملك ، عن عطاء في قوله : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع " قال ، هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. (3)
* * *
وإنما قال تعالى ذكره : " بشيء من الخوف " ولم يقل بأشياء ، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفًا - وكانت " مِن " تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر " شيء " ، فإنّ معنى ذلك : ولنبلونكم بشيء من الخوف ، وبشيء من الجوع ، وبشيء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر " الشيء " في أوله ، من إعادته مع كل نوع منها.
ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم ، وامتحنهم بضروب المحَن ، كما : -
2327 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ،
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 48 ، 49 ، ثم هذا الجزء 3 : 7 .
(2) في المطبوعة : " وتعذر المطالب " والصواب ما أثبت .
(3) الخبر : 2326 - سبق هذا الإسناد : 1455 ، ولما نعرف شيخ الطبري فيه .

(3/220)


الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)

عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات " قال ، قد كان ذلك ، وسيكونُ ما هو أشد من ذلك.
قال الله عند ذلك : " وبشر الصابرين الذين إذا أصَابتهم مُصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عَلمهم صَلواتٌ من رَبهم وَرَحمة وأولئك هُمُ المهتدون " .
* * *
ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، بشّر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به ، (1) والحافظين أنفسهم عن التقدم على نَهْيي عما أنهاهم عنه ، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي ، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم به ، (2) القائلين إذا أصابتهم مصيبة : " إنا لله وإنا إليه رَاجعون " . فأمره الله تعالى ذكره بأن يخصّ - بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد - أهلَ الصبر ، الذين وصف الله صفتهم.
* * *
وأصل " التبشير " : إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ ، يَسرّه أو يسوءه ، لم يسبقه به إلى غيره (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : وبشّر ، يا محمد ، الصابرين الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمنّي ، فيُقرون بعبوديتي ، ويوحِّدونني بالربوبية ،
__________
(1) في المطبوعة : " بما امتحنتهم " ، والسياق يقتضي ما أثبت .
(2) في المطبوعة : " بما ابتليتهم " ، والسياق يقتضي ما أثبت .
(3) انظر ما سلف 1 : 383/2 : 393 .

(3/221)


أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

ويصدقون بالمعاد والرجوع إليّ فيستسلمون لقضائي ، ويرجون ثَوابي ، ويخافون عقابي ، ويقولون - عند امتحاني إياهم ببعض مِحَني ، وابتلائي إياهم بما وعدتهم أنْ أبتليهم به من الخوف والجوع ونَقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك من المصائب التي أنا مُمتحنهم بها - : إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياءً ، ونحن عبيده وإنا إليه بعد مَماتنا صائرون تسليمًا لقضائي ورضًا بأحكامي.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " أولئك " ، هؤلاء الصابرون ، الذين وصفهم ونَعتهم - " عليهم " ، يعني : لَهم ، " صلوات " ، يعني : مغفرة. " وصلوات الله " على عباده ، غُفرانه لعباده ، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
2328 - " اللهم صَلِّ على آل أبي أوْفى " . (1)
* * *
يعني : اغفر لَهم. وقد بينا " الصلاة " وما أصلها في غير هذا الموضع. (2)
وقوله : " ورحمة " ، يعني : ولهُم مع المغفرة ، التي بها صَفح عن ذنوبهم وتغمَّدها ، رحمة من الله ورأفة.
__________
(1) الحديث : 2328 - هو جزء من حديث صحيح . رواه البخاري 3 : 286 (من الفتح) . ومسلم 1 : 297 - كلاهما من طريق شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال ، " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل عليهم ، فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته ، فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى " .
قال الحافظ : " يريد أبا أوفى نفسه ، لأن الآل يطلق على ذات الشيء . . . وقيل لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر " .
وهذه فائدة نفيسة ، من الحافظ ابن حجر ، رحمه الله .
(2) انظر ما سلف 1 : 242 / ثم 2 : 505 / ثم 2 : 37 ، 213 ، 214 .

(3/222)


ثم أخبر تعالى ذكره - مع الذي ذكر أنه مُعطيهم على اصطبارهم على محنه ، تسليمًا منهم لقضائه ، من المغفرة والرحمة - أنهم هم المهتدون ، المصيبون طريق الحقّ ، والقائلون مَا يُرْضى عنهم والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب.
وقد بينا معنى " الاهتداء " ، فيما مضى ، فإنه بمعنى الرشد للصواب. (1)
* * *
وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
2329 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : " الذين إذا أصابتهم مُصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه رَاجعون أولئكَ عليهم صَلوات من ربهم وَرحمه وأولئك هم المهتلون " قال ، أخبر الله أنّ المؤمن إذا سَلّم الأمرَ إلى الله ، ورَجع واسترْجع عند المصيبة ، كتب له ثلاث خصال من الخير : الصلاةُ من الله ، والرحمة ، وتحقيق سَبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن استرْجع عند المصيبة ، جبر الله مُصيبته ، وأحسن عُقباه ، وَجعل له خَلفًا صالحًا يرضاه. (2)
2330 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ،
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 166 - 170 ، 230 ، 249 ، 549 - 551 / ثم 2 : 211/ ثم هذا الجزء 3 : 101 ، 140 ، 141 .
(2) الحديث : 2329 - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 330 - 331 ، وقال : " رواه الطبراني في الكبير ، وفيه علي بن أبي طلحة ، وهو ضعيف " .
وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 156 ، وزاد نسبته لابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وعلي بن أبي طلحة : سبق في : 1833 أنه ثقة ، وأن علة هذا الإسناد - وهو كثير الدوران في تفسير الطبري - : انقطاعه ، لأن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، ولم يره .

(3/223)


إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة " ، يقول : الصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا.
2331 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان العُصفُريّ ، عن سعيد بن جبير قال : مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة : " الذينَ إذا أصابتهم مصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صَلواتٌ من رَبهم وَرحمة " ، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب عليه السلام ، ألم تسمعْ إلى قوله : ( يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ) [سورة يوسف : 84]. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ }
قال أبو جعفر : " والصفا " جمع " صَفاة " ، وهي الصخرة الملساء ، ومنه قول الطرمَّاح :
أَبَى لِي ذُو القُوَى وَالطَّوْلِ ألا... يُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي (2)
__________
(1) الخبر : 2331 - سفيان العصفري : هو سفيان بن زياد العصفري ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة . مترجم في التهذيب 4 : 111 ، برقم : 198 . وابن أبي حاتم 2/1/221 ، برقم : 966 . والكبير للبخاري 2/2/93 ، برقم : 2076 ، لكن لم يذكر نسبته " العصفري " . وهو يشتبه على كثير من العلماء بآخر ، هو " سفيان بن دينار ، أبو الورقاء الأحمري " . فقد ترجمه ابن أبي حاتم 2/1/220 - 221 ، برقم : 695 ، وثبت في بعض نسخه زيادة " العصفري " في نسبته . والبخاري ترجم " الأحمري " 2/2/92 ، برقم : 2073 . ولم يذكر فيه " العصفري " أيضًا . وترجم في التهذيب 4 : 109 ، برقم : 193 - مع شيء من التخليط في الترجمتين ، يظهر بالتأمل . ومع هذا التخليط فقد رجح الحافظ أنهما اثنان ، وقال في ترجمة " سفيان بن دينار " - : " والتحقيق فيه : أن سفيان بن دينار التمار هذا ، يقال له : العصفري ، أيضًا ، وأن سفيان بن زياد العصفري : آخر ، بينه الباحي " . وقال في ترجمة الآخر : " والصحيح أنهما اثنان ، كما قال ابن معين وغيره " . وأيا ما كان فالاثنان قتان .
(2) ديوانه : 134 ، وكان في المطبوعة : " يونس حافر أبدي " ، وهو خطأ ، والطول : القدرة والغنى . وهو ذو الطول والقوة ، هو الله سبحانه . وأبس الشيء يؤبسه : ذلله ولينه ، أو كسره ، ومثله قول عباس بن مرداس : إنْ تَكُ جُلْمُودَ صَخْرٍ لاَ أُؤَبِّسُهُ ... أُوقِدْ عَلَيْهِ ، فأْحمِيهِ ، فينصَدِعُ
السَّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ... وَالحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ

(3/224)


وقد قالوا إن " الصفا " واحد ، وأنه يثنى " صَفَوان " ، ويجمع " أصفاء " و " صُفِيًّا ، وصِفِيًّا " ، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز (1)
كأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ (2)
وقالوا : هو نظير " عَصَا وعُصِيّ [وعِصِيّ ، وأَعْصاء] ، ورَحَا ورُحِيّ [وَرِحِيّ] وأرْحاء " . (3)
* * *
وأما " المروة " ، فإنها الحصاةُ الصغيرة ، (4) يجمع قليلها " مَرَوات " ، وكثيرها " المرْو " ، مثل " تمرة وتمَرات وتمر " ، قال الأعشى ميمون بن قيس :
__________
(1) هو الأخيل الطائي .
(2) سيأتي في التفسير 6 : 142 والجمهرة 3 : 135 ، والمخصص 10 : 90 ، ومجالس ثعلب : 249 ، والحيوان 2 : 339 ، والقالي 2 : 8 ، واللسان (صفا) و (نفا) وكلهم رواه " متنيه " إلا ابن دريد فإنه أنشده : كأنّ مَتْنَيَّ من النَّفِيِّ ... مِنْ طُولِ إشْرَافِي على الطّوِيِّ
والنفي : ما تطاير من دلو المستقى . ومن روى " متني " فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه . وأما من روى " متنيه " ، فإنه عنى غيره . وهو الأصح فيما أرجح ، وقد قال الأزهري : " هذا ساق كان أسود الجلدة ، استقى من بئر ملح ، فكان يبيض نفي الماء على ظهره إذا ترشش . لأنه كان ملحًا " . فإذا صح ذلك ، كانت رواية البيت الذي يليه " من طول إشراف " بغير ياء الإضافة ، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهري ، لتشبيهه في البيت الثالث . و " الطوي " البئر المطوية بالحجارة .
(3) الزيادة بين الأقواس لا بد منها ، ليستقيم تمثيل المتمثل بهذه الجموع ، على نظيرها . وهو قوله آنفًا : صفا وأصفاء وصفى وصفى .
(4) بيان الطبري عن معنى " المرو " ليس بجيد ، والأجود ما قاله أصحاب اللغة : المرو ، حجارة بيض براقة ، تكون فيها النار ، وتقدح منها النار ، ويتخذ أداة كالسكين يذبح بها ، وهي صلبة .

(3/225)


وَتَرَى بالأرْضِ خُفًّا زائِلا... فَإِذَا مَا صَادَفَ المَرْوَ رَضَح (1)
يعني ب " المرو " : الصخرَ الصغار ، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :
حَتَّى كأنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ... بِصَفَا المُشَرِّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ (2)
ويقال " المشقِّر " .
* * *
وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : " إنّ الصفا والمروة " ، في هذا الموضع : الجبلين المسمَّيَين بهذين الاسمين اللذين في حَرَمه ، دون سائر الصفا والمرو. ولذلك أدخل فيهما " الألف واللام " ، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين ، دون سائر الأصفاء والمرْوِ.
* * *
وأما قوله : " منْ شَعائر الله " ، فإنه يعني : من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده مَعلمًا ومَشعَرًا يعبدونه عندها ، إما بالدعاء ، وإما بالذكر ، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها. ومنه قول الكميت :
نُقَتِّلُهُمْ جِيَلا فَجِيلا تَرَاهُمُ... شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ (3)
__________
(1) ديوانه : 161 ، وفي الشطر الأول تصحيف لم أتبين صوابه ، ورواية الديوان : وَتُولِّي الأَرْضَ خُفًّا مُجْمَرًا
وهو يصف ناقته وشدتها ونشاطها ، والخف المجمر : هو الوقاح الصلب الشديد المجتمع ، نكبته الحجارة فصلب . رضح الحصا والنوى رضحًا : دقه فكسره . يعني من شدة الخف وصلابته ، وذلك محمود في الإبل .
(2) ديوانه : 3 ، والمفضليات : 587 ، من قصيدة البارعة في رثاء أولاده ، يقول عن المصائب المتتابعة تركته كهذه الصخرة التي وصف . والمشرق : المصلي بمنى . قال ابن الأنباري : " وإنما خص المشرق ، لكثرة مرور الناس به " . ثم قال : " ورواها أبو عبيدة : " المشقر " : يعني سوق الطائف . يقول : كأني مروة في السوق يمر الناس بها ، يقرعها واحد بعد واحد " .
(3) الهاشميات : 21 ، واللسان (شعر) ، وغيرهما . والضمير في قوله : " نقتلهم " ، إلى الخوارج الذين عدد أسماءهم في بيتين قبل : عَلاَمَ إذًا زُرْنَا الزُّبَيْر وَنَافِعًا ... بغارتنا ، بَعْدَ المقَانِبِ مِقْنَبُ
وَشَاطَ عَلَى أَرْمَاحِنَا بِادِّعَائِهَا ... وَتَحْوِيلهَا عَنْكُمْ شَبِيبٌ وقَعْنَبُ
والجيل : الأمة ، أو الصنف من الناس . وفي المطبوعة واللسان : " تراهم " بالتاء ، وهو خطأ . والشعائر هنا جمع شعيرة : وهي البدنة المهداة إلى البيت ، وسميت بذلك لأنه يؤثر فيها بالعلامات . وإشعار البدن : إدماؤها بطعن أو رمي أو حديدة حتى تدمي .

(3/226)


وكان مجاهد يقول في الشعائر بما : -
2332 - حدثني به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله " قال ، من الخبر الذي أخبركم عنه. (1)
2333 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
فكأن مجاهدًا كان يرى أن الشعائر ، إنما هو جمع " شعيرة " ، من إشعار الله عباده أمرَ الصفا والمروة ، وما عليهم في الطواف بهما. فمعناه : إعلامُهم ذلك.
وذلك تأويل من المفهوم بعيد. وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله : " إن الصفا والمروة مِنْ شعائر الله " عبادَه المؤمنين أن السعي بينهما من مَشاعر الحج التي سنَّها لهم ، وأمرَ بها خليله إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم ، إذ سَأله أن يُريه مناسك الحج. وذلك وإن كان مَخرجُه مَخرجَ الخبر ، فإنه مرادٌ به الأمر. لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام ، فقال له : ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) [سورة النحل : 123] ، وجعل تعالى ذكره إبراهيمَ إمامًا لمنْ بَعده. فإذْ كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مَناسك الحج ، فمعلوم أن إبراهيم صلى الله
__________
(1) في المطبوعة : " من الخير " بالياء المثناة التحتية ، وليس يستقيم ، والصواب ما أثبت ، وكلام الطبري في تعليقه على قول مجاهد ، دال على الصواب من ذلك أنها من الإشعار ، وهو الإخبار .

(3/227)


عليه وسلم قد عَمل به وسنه لمن بعده ، وقد أُمرَ نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته باتباعه ، فعليهم العمل بذلك ، على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : " فمن حج البيت " ، فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء. وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو " حَاجٌّ إليه " ، ومنه قول الشاعر : (1)
لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولا كثِيرَةً... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا (2)
__________
(1) هو المخبل السعدي ، وهو مخضرم .
(2) المعاني الكبير : 478 ، والاشتقاق لابن دريد : 77 ، 156 ، وتهذيب الألفاظ : 563 ، وإصلاح المنطق : 411 ، والبيان والتبيين 3 : 97 ، وشرح أدب الكاتب للجواليقي : 313 ، وللبطليوسي : 405 ، واللسان (سبب) (حجج) ، (قهر) (زبرق) ، والجمرة لابن دريد : 1 : 31 ، 49/3 : 434 ، وسمط اللآلي : 191 ، والخزانة 3 : 427 . وفي المطبوعة : " بيت الزبرقان " والصواب ما أثبت .
وقد ذهب الطبري في تفسير البيت ، كما ذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن " السب " هاهنا العمامة ، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران ، ومنهم حصين بن بدر ، وهو الزبرقان ، وسمي بذلك لصفرة عمامته وسيادته . وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه " السب " هنا هي الاست ، وكان مقروفًا ، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ ، والصواب عندي أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا ، وأنهم أخطأوا في ردهم ما قالا . فقد كان المخبل بذيء اللسان ، حتى نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده " (النقائض : 1048) قال أبو عبيدة في النقائض : " كان المخبل القريعي أهجى العرب . . . ثم كان بعده حسان بن ثابت ، ثم الحطيئة ، والفرزدق ، وجرير ، والأخطل . هؤلاء الستة الغاية في الهجاء وغيره ، ولم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام لهم نظير " . هذا وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان في ضيافة الحطيئة (انظر طبقات فحول الشعراء : 96 - 100) ، وهجاؤه له ، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له ، لما خطب إليه أخته خليدة ، فأبى الزبرقان أن يزوجها له ، وذمه . فهجاء وهجا أخته مقذعًا ، وحط منه حتى قال له : يَا زِبْرِقَانُ أخَابَنِي خَلَفٍ ... مَا أنْتَ وَيبَ أبِيكَ والفَخْرُ
مَا أنْتَ إلاّ فِي بَنِي خَلَفٍ ... كالإسْكَتَينِ عَلاَهُمَا البَظْرُ
وكل شعره في الزبرقان وأخته مقذع . وهذا البيت الذي استشهد به الطبري من قذعه . وقبل البيت : أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ عَمْرَةَ أنَّنِي ... تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لأَكْبَرَا
لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا
تَمَنَّى حُصَيْنٌ أن يَسُودَ جِذَاعَهُ ... فأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُذِلَّ وأُقْهِرَا
وفي سيرة ابن هشام 2 : 275 - 276 قول عتبة بن ربيعة في أبي جهل : " سيعلم مصفراسته من انتفخ سحره ، أنا أم هو! " فرماه بمثل ذلك من القبيح ، الذي قاله المخبل السعدي . ومن زعم أن المخبل يقول إنه : " كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف عصابته " ، فقد أخطأ ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم ، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة ، ولكن ذلك لم يزده إلا ذلا وقهرًا ، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده ؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم ، كما فعل في سائر هجائه له .
وقوله : " وأشهد " منصوب ، عطفًا على قوله : " لأكبرا " .

(3/228)


يعني بقوله : " يحجون " ، يكثرون التردد إليه لسُودده ورياسته. وإنما قيل للحاج " حاجّ " ، لأنه يَأتي البيت قَبل التعريف ، ثم يعود إليه لطَواف يوم النحر بعد التعريف ، ثم ينصرف عنه إلى منى ، ثم يعود إليه لطوَاف الصَّدرَ. (1) فلتكراره العودَ إليه مرّة بعد أخرى قيل له : " حاجٌّ " .
* * *
وأما " المعتمر " ، فإنما قيل له : " معتمر " ، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه. وإنما يعني تعالى ذكره بقوله : " أو اعتمر " ، أو اعتمرَ البيت ، ويعني ب " الاعتمار " الزيارة. فكل قاصد لشيء فهو له " معتمر " ، ومنه قول العجاج :
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ... غْزًى بَعِيدًا من بَعِيدٍ وَضَبَرْ (2)
يعني بقوله : " حين اعتمر " ، حين قصده وأمَّه.
* * *
__________
(1) عرف يعرف تعريفًا : وقف بعرفات . و " طواف الصدر " من قولهم : صدر الناس من حجهم ، أي رجعوا بعد أن يقضوا نسكهم .
(2) ديوانه : 19 من قصيدة مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي ، مضى منها في 1 : 190 ، 2 : 157 . وقوله " مغزى " ، أي غزوًا . وضبر : جمع قوائمه ليثب ثم وثب . وهو يصف بعده جيش عمر بن عبيد الله ، وكان فتح الفتوح الكثيرة ، وعظم أمره في قتال الخوارج .

(3/229)


القول في تأويل قوله تعالى : { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما " ، يقول : فلا حَرَج عليه ولا مَأثم في طَوَافه بهما.
* * *
فإن قال قائل : وما وجه هذا الكلام ، وقد قلت لنا ، إن قوله : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " ، وإن كان ظاهرهُ ظاهرَ الخبر ، فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما ؟ فكيف يكون أمرًا بالطواف ، ثم يقال : لا جُناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما ؟ وإنما يوضع الجُناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناحُ والحرجُ ؟ والأمر بالطواف بهما ، والترخيصُ في الطواف بهما ، غيرُ جائز اجتماعهما في حال واحدة ؟
قيل : إنّ ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ. (1) وإنما معنى ذلك عند أقوام : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عُمرة القضيَّة ، تخوَّف أقوامٌ كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيمًا منهم لهما ، فقالوا : وكيف نَطوف بهما ، وقد علمنا أنَّ تَعظيم الأصنام وجميع ما كان يُعبد من ذلك من دون الله ، شركٌ ؟ ففي طوَافنا بهذين الحجرين أحرَجُ ذلك ، (2) لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما ، وقد جاء الله بالإسلام اليومَ ، ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له!
فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " ،
__________
(1) في المطبوعة : " إليه ذهب " ، والصواب ما أثبت ، لأن الطبري ساق قول القائل ، على أنه خطاب له إذ قال للطبري : " وقد قلت لنا " . فالصواب أن يصرف الرد عليه خطابًا له كما خاطبه .
(2) في المطبوعة : " أحد ذلك " ، ولا معنى له ، وفيه تحريف لا شك فيه . فإنهم لم يذكروا متعددًا من الآثام حتى يجعلوا له " أحدًا " . وإنما أرادوا : أكبر الإثم والشرك . و " ذلك " ، إشارة إلى الشرك . ولو قرئت أيضًا : " أخوف ذلك " لكاتب صوابًا ، لأنه سيذكر أنهم كانوا يتخوفون الطواف بهما . ويعني : أخوف الشرك .

(3/230)


يعني : إن الطوافَ بهما ، فترك ذكر " الطواف بهما " ، اكتفاء بذكرهما عنه. وإذْ كان معلومًا عند المخاطبين به أن معناه : من معالم الله التي جعلها علَمًا لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ، ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر ، " فمن حَج البيتَ أو اعتمر " فلا يتخوَّفنَّ الطواف بهما ، من أجل ما كانَ أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما ، فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرًا ، وأنتم تَطوفون بهما إيمانًا ، وتصديقًا لرسولي ، وطاعةً لأمري ، فلا جُناح عليكم في الطواف بهما.
* * *
و " الجناح " ، الإثم ، كما : -
2334 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما " ، يقول : ليس عليه إثم ، ولكن له أجر.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين.
ذكر الأخبار التي رويت بذلك :
2335 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا داود ، عن الشعبي : أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى " إسافًا " ، (1) ووثنًا على المرْوة يسمى " نائلة " ، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان ، قال المسلمون : إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين ، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال : فأنزل الله : إنهما من الشعائر ، " فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما " .
2336 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن عامر قال : كان صنم بالصفا يدعى " إسافًا " ، (2) ووثَن بالمروة يدعى " نائلة " ،
__________
(1) في المطبوعة : " إساف " ، والصواب ما أثبت ، فهو غير ممنوع من الصرف .
(2) في المطبوعة : " إساف " ، والصواب ما أثبت ، فهو غير ممنوع من الصرف .

(3/231)


ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب - وزاد فيه ، قال : فذكِّر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه ، وأنِّت المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثًا. (1)
2337 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب عن يزيد ، وزاد فيه - قال : فجعله الله تطوُّعَ خير.
2338 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرني عاصم الأحول قال ، قلت لأنس بن مالك : أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمرْوة حَتى نزلت هذه الآية ؟ فقال : نعم كنا نكره الطواف بَينهما لأنهما من شعائر الجاهلية ، حتى نزلت هذه الآية : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " . (2)
2339 - حدثني علي بن سهل الرملي قال ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا سفيان ، عن عاصم قال ، سألت أنسًا عن الصفا والمروة ، فقال : كانتا من مَشاعر الجاهلية ، فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما ، فنزلت : " إن الصفا والمرْوَة من شَعائر الله " . (3)
__________
(1) الأثر : 2336 - هكذا جاء هذا الأثر في الدر المنثور 1 : 160 ، وصواب عبارته فيما أرجح ، أن يحذف " مؤنثًا " ، أو أن يقال : " من أجل أن الوثن الذي كان عليه كان مذكرًا ، وأنث المروة من أجل أن الوثن الذي كان عليه كان مؤنثًا " .
(2) الحديث : 2338 - يعقوب : هو ابن إبراهيم الدورقي . ابن أبي زائدة : هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي ، وهو حافظ ثقة ، يقرن بابن المبارك . يقولون : إنه أول من صنف الكتب بالكوفة ، مات سنة 183 . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/273 - 274 . والصغير ، ص : 206 ، وابن سعد : 6 : 274 ، وابن أبي حاتم 4/2/144 - 145 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 226 - 247 .
عاصم : هو ابن سليمان الأحول ، مضى في : 184 ، وهو من صغار التابعين . وعده سفيان الثوري أحفظ ثلاثة في البصرة . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/2/20 - 65 ، وابن أبي حاتم 3/1/343 - 344 .
والحديث رواه البخاري 3 : 402 (فتح) ، من طريق عبد الله ، وهو ابن المبارك ، عن عاصم الأحول ، بنحوه . ورواه أيضًا مسلم ، والترمذي ، والنسائي . كما في القسطلاني 3 : 153 - 154 .
(3) الحديث : 2339 - سفيان : هو الثوري . والحديث مختصر ما قبله . ورواه البخاري مختصرًا 8 : 132 (فتح) ، عن محمد بن يوسف ، عن سفيان . ورواه الحاكم 2 : 270 ، من طريق حسين بن حفص ، عن سفيان . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وأخطأ الحاكم في استدراكه ، فقد رواه البخاري . كما ذكرنا قبل .
وسيأتي بعض معناه مختصرًا : 2346 ، 2347 ، من رواية جرير ، عن عاصم ، عن أنس .

(3/232)


2340 - حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال ، حدثني أبو الحسين المعلم قال ، حدثنا شيبان أبو معاوية ، عن جابر الجعفي ، عن عمرو بن حبشي قال ، قلت لابن عمر : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناحَ عليه أنْ يَطَّوَّف بهما " قال ، انطلق إلى ابن عباس فاسأله ، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته ، فقال : إنه كان عندهما أصنامٌ ، فلما حُرِّمْن أمسكوا عن الطواف بينهما ، حتى أنزلت : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أنْ يَطَّوَّفَ بهما " (1) .
__________
(1) الحديث : 2340 - عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري : ثقة ، من شيوخ مسلم والترمذي والنسائي وأبي حاتم وغيرهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/76 .
حسين المعلم : هو حسين بن محمد بن بهرام التميمي المروذي ، المؤدب ، كما لقب بذلك في التهذيب ، وهو " المعلم " أيضًا ، كما لقبه بذلك البخاري وابن أبي حاتم ، وهو ثقة من شيوخ أحمد ويحيى والأئمة . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/386 - 387 ، وابن سعد 7/2/79 ، وابن أبي حاتم 1/2/64 . وتاريخ بغداد 8 : 88 - 90 ، وكان معروفًا برواية " تفسير شيبان النحوي " . فروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال ، " أتيته مرارًا بعد فراغه من تفسير شيبان ، وسألته أن يعيد على بعض المجلس ، فقال : بكر ، بكر . ولم أسمع منه شيئًا " .
ومما يوقع في الوهم ، الاشتباه بين " عبد الوارث بن عبد الصمد " . وشيخه " حسين المعلم " هذا - وبين " عبد الوارث بن سعيد " ، وشيخه " حسين المعلم " أيضًا .
ف " عبد الوارث " - شيخ الطبري - هو الذي ترجمنا له هنا . وشيخه " حسين بن محمد المروذي " . و " عبد الوارث بن سعيد " - هو جد " عبد الوارث " هذا . و " حسين المعلم " هو " حسين بن ذكوان المعلم " ، وهو قديم ، يروي عن التابعين .
شيبان أبو معاوية : " هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي ؛ وهو إمام حجة حافظ ، حدث عند أبو حنيفة ، وهو من أقرانه . وروى عنه الأئمة : الطيالسي ، وابن مهدي ، وغيرهما . مترجم في التهذيب . والكبير 2/2/255 ، وابن سعد 6 : 262 ، و 7/2/67 - 68 وابن أبي حاتم 1/1/355 - 356 ، وتاريخ بغداد 9 : 271 - 274 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 202 - 203 .
ووقع في المطبوعة غلط في اسمه واسم الراوي عنه : فذكر " أبو الحسين المعلم " ! وهو تخليط ، وذكر " سنان أبو معاوية " ! وهو فوق ذلك تصحيف .
جابر الجعفي ، بضم الجيم وسكون العين المهملة : وهو جابر بن يزيد بن الحارث ، وهو ضعيف جدًا ، رمي بالكذب . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/210 ، والضعفاء للبخاري ، ص : 7 . والنسائي ، ص : 7 ، وابن أبي حاتم 1/1/497 - 498 ، والمجروحين لابن حبان ، رقم : 175 ، ص 140 - 141 . والميزان 1 : 176 - 178 .
عمرو بن حبشي ، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة : تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب . وابن أبي حاتم 3/1/226 .
وهذا الحديث - الضعيف الإسناد - لم أجده إلا في هذا الموضع . وذكره السيوطي 1 : 159 ، ولم ينسبه إلا إلى الطبري .

(3/233)


2341 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله " ، وذلك أنّ ناسًا كانوا يتحرجون أن يَطوفوا بين الصفا والمروة ، فأخبر الله أنهما من شعائره ، والطواف بينهما أحبُّ إليه ، فمضت السُّنة بالطَّواف بينهما.
2342 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله فمن حَج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما " قال ، زعم أبو مالك ، عن ابن عباس : أنه كانَ في الجاهلية شَياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة ، وكانت بَينهما آلهة ، فلما جاء الإسلام وظَهر ، قال المسلمون : يا رَسولَ الله ، لا نطوف بين الصفا والمروة ، فإنه شركٌ كنا نفعله في الجاهلية! فأنزل الله : " فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما " . (1)
__________
(1) الحديث : 2342 - هذا الإسناد ، هو من أسانيد تفسير السدي الثلاثة ، وقد فصلنا القول فيها ، في : 168 .
والحديث رواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف ، ص : 100 - 101 ، عن الحسين بن علي بن مهران ، عن عامر بن الفرات ، عن أسباط ، بهذا الإسناد ، نحوه .
وفي إسناد ابن أبي داود فائدة جديدة : أن هناك راويًا لتفسير السدي ، غير " عمرو بن طلحة القناد " راويه عن أسباط بن نصر . فها هو ذا عامر بن الفرات يروي شيئًا منه عن أسباط أيضًا . و " عامر بن الفرات " : لم أجد له ترجمة أصلا . ومن عجب أن يذكره ابن أبي حاتم ، في ترجمة " الحسين بن علي بن مهران " 1/2/56 - شيخًا له ، ثم لا يترجم له في بابه!
ورواه أيضًا الحاكم 2 : 271 ، من طريق عمرو بن طلحة القناد ، عن أسباط . بهذا الإسناد نحوه . وزاد في آخره : " يقول : عليه إثم ولكن له أجر " . وقال الحاكم : " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .
ولنا على الحاكم والذهبي في هذا استدراك ، هو : أن أبا مَالك - التابعي راويه عن ابن عباس - وهو " غزوان الغفاري " : لم يرو له مسلم في صحيحه أصلا . فلا يكون الحديث على شرط مسلم ، في اصطلاح الحاكم!
وفي رواية الحاكم - هذه - فائدة أيضًا : أنا ظننا عند الكلام على أسانيد تفسير السدي الثلاثة ، أن الحاكم اختار منها إسنادين فقط ، ولكن أظهرنا هذا الإسناد على أنه صحح الثلاثة الأسانيد .
والحديث ذكره السيوطي 1 : 159 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم أيضًا .

(3/234)


2343 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " قال ، قالت الأنصار : إنّ السَّعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله "
2344 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه.
2345 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " فلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما " قال ، كان أهل الجاهلية قد وَضَعوا على كل واحد منهما صَنمًا يعظمونهما ، فلما أسلم المسلمون كرِهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين ، فقال الله تعالى : " إن الصفا والمروةَ من شَعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما " ، وقرأ : ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) [سورة الحج : 32] ، وسَن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما.
2346 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عاصم قال ، قلت لأنس : الصفا والمروة ، أكنتم تكرَهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نُهيتم عنها ؟ قال : نعم ، حتى نزلت : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " .
2347 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير قال ، أخبرنا عاصم قال ، سمعت أنس بن مالك يقول : إنّ الصفا والمروة من مَشاعر قُريش في الجاهلية ،

(3/235)


فلما كان الإسلام تَركناهما. (1)
* * *
وقال آخرون : بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية ، في سَبب قوم كانوا في الجاهلية لا يَسعوْن بينهما ، فلما جاء الإسلام تخوَّفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوَّفونه في الجاهلية.
* ذكر من قال ذلك :
2348 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قوله : " إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله " الآية ، فكان حَيٌّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما ، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله ، وكانَ من سُنة إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما.
2349 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال ، كان ناس من أهل تِهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة ، فأنزل الله : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله " .
2350 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال ، حدثني عروة بن الزبير قال ، سألت عائشة فقلت لها : أرأيتِ قول الله : " إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما " ؟ وقلت لعائشة : وَالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة ؟ فقالت عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختي ، إنّ هذه الآية لو كانت كما أوَّلتها كانت : لا جُناح عليه أن لا يطوَّف بهما ، ولكنها إنما أنزلت في الأنصار : كانوا قبل أن يُسلموا يُهلُّون لمَناةَ ، الطاغيةَ التي كانوا يعبدون بالمشلَّلِ ، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يَطُوف بين
__________
(1) الحديثنان : 2346 - 2347 - جرير : هو ابن عبد الحميد الضبي ، وهو ثقة حجة حافظ . مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/214 ، وابن سعد 7/2/110 ، وابن أبي حاتم 1/1/505 - 507 . وتاريخ بغداد 7 : 253 - 261 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 250 .
والحديثان مضى معناهما ، من رواية عاصم عن أنس : 2338 ، 2339 .

(3/236)


الصفا والمروة ، فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك - فقالوا : يا رسول الله إذا كنا نتحرج أن نَطُوف بين الصفا والمروة - أنزل الله تعالى ذكره : " إنّ الصفا والمروَة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمرَ فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما " . قالت عائشة : ثم قد سَن رَسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يَترك الطواف بَينهما. (1)
2351 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رجالٌ من الأنصار مِمَّن يُهلُّ لمناةَ في الجاهلية - و " مناةُ " صنمٌ بين مكة والمدينة - قالوا : يا نبيّ الله ، إنا كنا لا نطوفُ بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة ، فهل علينا من حَرَج أن نَطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمرَ فلا جناح عليه أن يطوف بهما " . قال عروة : فقلت لعائشة : ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله : " فلا جُناح عليه " . قالت : يا ابن أختي ، ألا ترى أنه يقول : " إن الصفا والمروة من شَعائر الله " ! قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال : هذا العلم! قال أبو بكر : ولقد سمعتُ رجالا من أهل العلم يقولون : لما أنزل الله الطوافَ بالبيت ولم يُنزل الطواف بين الصفا والمروة ، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نطوفُ في الجاهلية بين الصفا والمروة ، وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطوافَ بين الصفا والمروةَ ، فهل علينا من حرج أن لا نَطوفَ بهما ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله " الآية كلها ، قال أبو بكر : فأسمعُ أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما ، فيمن طَافَ وفيمن لم يَطُف. (2)
__________
(1) الحديث : 2350 - عقيل - بضم العين : هو ابن خالد الأيلي ، وهو ثقة ثبت حجة ، قال ابن معين : " أثبت من روى عن الزهري : مالك ، ثم معمر ، ثم عقيل " . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/94 ، وابن أبي حاتم 3/2/43 .
عروة بن الزبير بن العوام : تابعي ثقة فقيه عالم ثبت مأمون ، قال أبو الزناد : " كان فقهاء أهل المدينة أربعة : سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعبد الملك بن مروان " . وأمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق ، وعائشة أم المؤمنين خالته ، رضي الله عنهم . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/31 - 32 ، وابن سعد 2/2/134 - 135 ، و 5 : 132 - 135 ، وابن أبي حاتم 3/1/395 - 396 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 58 - 59 ، وتاريخ الإسلام 3 : 31 - 34 .
والحديث - من هذا الوجه - رواه مسلم 1 : 362 ، من طريق عقيل ، عن ابن شهاب ، وهو الزهري ولم يذكر لفظه كله ، إحالة على روايات قبله .
ورواه البخاري 3 : 397 - 401 ، مطولا ، من طريق شعيب ، عن الزهري ، باللفظ الذي هنا ، إلا خلافًا في أحرف يسيرة : " فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا . . . أنزل الله . . . " ففي البخاري : " فلما أسلموا سألوا . . . قالوا . . . فأنزل الله . . . " . ولكن زاد البخاري في آخره قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن - الذي سيأتي في الرواية التالية لهذه ، بنحو معناه .
وثبت من أوجه كثيرة ، عن الزهري ، عن عروة ، مطولا ومختصرًا :
فرواه مالك في الموطأ ، ص : 373 ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه . ورواه البخاري 8 : 132 . وابن أبي داود في المصاحف ، ص 100 - ولم يذكر لفظه - كلاهما من طريق مالك .
ورواه أحمد في المسند 6 : 144 ، 227 (حلبي) ، من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري . وكذلك رواه ابن أبي داود ، ص : 100 - ولم يذكر لفظه - من طريق إبراهيم بن سعد .
ورواه مسلم مطولا 1 : 361 - 362 ، من طريق سفيان بن عيينة ، عن الزهري . وكذلك رواه البخاري 8 : 472 ، من طريق سفيان . ولكنه اختصره جدًا .
ورواه مسلم وابن أبي داود - قبل ذلك وبعده : من أوجه كثيرة .
وذكره السيوطي 1 : 159 ، وزاد نسبته إلى أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في السنن .
وانظر الحديث التالي لهذا .
قوله " يهلون لمناة " : أي يحجون . ومناة ، بفتح الميم والنون الخفيفة : صنم كان في الجاهلية . وقال ابن الكلبي : كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل ، وكانوا يعبدونها . والطاغية : صفة لها إسلامية . قاله الحافظ في الفتح .
" المشلل " : بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين ، الأولى مفتوحة مثقلة ، هي الثنية المشرفة على قديد ، وقديد ، بضم القاف ودالين مهملتين ، مصغرًا : قرية جامعة بين مكة والمدينة ، كثيرة المياه . عن الفتح .
(2) الحديث : 2351 - هو تكرار للحديث السابق بمعناه ، من وجه آخر صحيح ، عن الزهري . وفيه زيادة قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، إلخ . وهذه الزيادة ذكرها البخاري ، في روايته من طريق شعيب عن الزهري ، كما قلنا آنفًا .
ورواية معمر عن الزهري - هذه : ذكر البخاري بعضها تعليقًا 8 : 472 ، فقال : " قال معمر عن الزهري . . . " . وقال الحافظ : " وصله الطبري ، عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، مطولا " . فهذه إشارة إلى الرواية التي هنا ، وأشار إليها في الفتح 3 : 399 ، وذكر أنه وصلها أحمد وغيره .
وقد رواها أيضًا ابن أبي داود في المصاحف ، ص : 100 ، عن " خشيش بن أصرم ، والحسن بن أبي الربيع ، أن عبد الرزاق أخبرهم عن معمر . . . " . ولم يسق لفظ الحديث ، إحالة على ما قبله . و " خشيش " : بضم الخاء وفتح الشين وآخره شين ، معجمات كلها . و " الحسن بن أبي الربيع " : هو " الحسن بن يحيى " شيخ الطبري ، كنية أبيه " أبو الربيع " . وخلط المستشرق طابع كتاب المصاحف : فكتب " حشيش " بالحاء المهملة! وكتب " الحسن بن أبي الربيع بن عبد الرزاق " !!
و " أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام " المخزومي القرشي المدني : من كبار التابعين الأئمة ، ومن سادات قريش . وهو أحد الفقهاء السبعة . مترجم في التهذيب ، والكنى للبخاري ، رقم : 51 ، وابن سعد 2/2/133 ، و 5 : 153 - 154 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 59 - 60 ، وتاريخ الإسلام 4 : 72 - 73 .
وقول أبي بكر بن عبد الرحمن " فأسمع أن هذه الآية نزلت . . . " - إلخ : هو في رواية البخاري أيضًا 3 : 401 ، وقال الحافظ : " كذا في معظم الروايات ، بإثبات الهمزة وضم العين ، بصيغة المضارعة للمتكلم . وضبطه الدمياطي في نسخته [يعني من صحيح البخاري] بالوصل وسكون العين . بصيغة الأمر ، والأول أصوب ، فقد وقع في رواية سفيان المذكورة : فأراها نزلت . وهو بضم الهمزة ، أي أظنها " .
وانظر كثيرًا من طرق هذا الحديث أيضًا ، في السنن الكبرى للبيهقي 5 : 96 - 97 .

(3/237)


2352 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : كانَ ناسٌ من أهل تهامة لا يَطوفون بين الصفا والمروة ، فأنزل الله : " إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله " . (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إنّ الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله ، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره.
فأما قوله : " فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف بهما " ، فجائزٌ أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوَّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي ، وبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية ، على ما رُوي عن عائشة.
__________
(1) الأثر : 2352 - كان في المطبوعة : " حدثنا الحسن بن يحيى ، قال أخبرنا معمر " بإسقاط " أخبرنا عبد الرزاق قال " ، وهو إسناد دائر في التفسير ، وهو مكرر رقم : 2349 بنصه ، وأخشى أن يكون زيادة ناسخ سها .

(3/239)


وأيُّ الأمرين كان من ذلك ، فليس في قول الله تعالى ذكره : " فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما " ، الآية ، دلالةٌ على أنه عَنى به وَضعَ الحرَج عَمن طاف بهما ، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر الله ذلك ، ثم جُعل الطواف بهما رُخصة ، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظُر ذلك في وقت ، ثم رخص فيه بقوله : " فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما " .
* * *
وإنما الاختلافُ في ذلك بين أهل العلم على أوجُهٍ. فرأى بعضُهم أن تارك الطواف بينهما تاركٌ من مَناسك حجه ما لا يُجزيه منه غيرُ قَضَائه بعينه ، كما لا يُجزى تارك الطواف - الذي هو طَواف الإفاضة - إلا قضَاؤه بعينه. وقالوا : هما طَوافانَ : أمرَ الله بأحدهما بالبيت ، والآخرُ بينَ الصفا والمروة.
* * *
ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يُجزيه من تَركه فِدية ، ورأوا أن حُكم الطواف بهما حُكمُ رَمي بعض الجمرات ، والوقوف بالمشعر ، وطَواف الصَّدر وما أشبه ذلك ، مما يُجزى تاركه من تَرْكه فِديةٌ ، ولا يلزمه العَوْد لقضَائه بعينه.
* * *
ورأى آخرون أنّ الطواف بهما تطوع ، إن فعله صاحبه كان مُحسنًا ، وإن تَرَكه تاركٌ لم يلزمه بترْكه شيء. (1)
* * *
ذكر من قال : إن السعي بين الصفا والمروة واجبٌ ولا يجزي منه فدية ، ومن تركه فعليه العَوْد. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " لم يلزمه بتركه شيء والله تعالى أعلم " ، وهذه لا شك زيادة من ناسخ .
(2) في المطبوعة : " فعليه العودة " ، والأجود ما أثبت ، وهو أشبه بعبارة الطبري وأقرانه من فقهاء عصره . وسيأتي كذلك بعد مرات في عبارته الآتية ، وكأن هذه من تصرف ناسخ أو طابع .

(3/240)


2353 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لَعمري ما حَجّ من لم يَسع بين الصفا والمروة ، لأن الله قال : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " .
2353م - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال مالك بن أنس : مَنْ نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة ، فليرجع فَليسْع ، وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرَة والهدي. (1)
* * *
وكان الشافعي يقول : عَلى مَنْ تَرَك السعي بين الصفا والمروةَ حتى رجع إلى بلده ، العود إلى مكة حتى يَطوف بينهما ، لا يجزيه غير ذلك. (2)
2354 - حدثنا بذلك عنه الربيع.
* * *
ذكر من قال : يجزي منه دم ، وليس عليه عودٌ لقضائه.
قال الثوري بما : -
2355 - حدثني به علي بن سهل ، عن زيد بن أبي الزرقاء ، عنه ، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن عَاد تاركُ الطوافَ بينهما لقضائه فحسن ، وإن لم يعُدْ فعليه دمٌ.
* * *
ذكر من قال : الطوافُ بينهما تطوّعٌ ، ولا شيء على من تركه ، ومنْ كان يقرأ : ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما )
2356 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا ابن جريج قال ، قال عطاء : لو أن حاجًّا أفاضَ بعدما رمى جمرة العقبة ، فطاف بالبيت ولم يَسع ، فأصابها - يعني : امرأته - لم يكن عليه شيء ، لا حجٌّ ولا عمرة ، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود : " فمنْ حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما " . فعاودته بعد ذلك فقلت : إنه قد ترك سُنة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا تسمعه يقول : " فمن تَطوَّع خَيرًا " ، فأبى أن يجعل عليه شيئًا ؟
2357 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ،
__________
(1) انظر لفظ مالك في الموطأ : 374 - 375 .
(2) انظر لفظ الشافعي في الأم 2 : 178 .

(3/241)


عن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ : " إن الصفا والمروَة منْ شعائر الله " الآية " فلا جُناح عليه أنْ لا يَطَّوَّف بهما " .
2358 - حدثني علي بن سهل قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن عاصم قال : سمعت أنسًا يقول : الطواف بينهما تطوع.
2359 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثنا حماد قال ، أخبرنا عاصم الأحول قال ، قال أنس بن مالك : هما تطُّوع.
2360 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه.
2361 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمنْ حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جناح عليه أن يَطَّوفَ بهما " قال ، فلم يُحرِّج من لم يَطُفْ بهما.
2362 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثنا أحمد ، عن عيسى بن قيس ، عن عطاء ، عن عبد الله بن الزبير قال : هما تطوع. (1)
__________
(1) الخبر : 2362 - عيسى بن قيس ، الراوي عن عطاء : لم أستطع اليقين به . ففي ابن أبي حاتم 3/1/284 ترجمتان : " عيسى بن قيس " ، روى عن سعيد بن المسيب ، وروى عنه الليث . و " عيسى بن قيس السلمي " ، روى عنه هشيم . ولم يذكر عنهما شيئا آخر . إلا أن الأول مجهول . فمن المحتمل أن يكون الراوي هنا أحدهما . فإن عطاء بن أبي رباح مات سنة 114 ، فالراوي عن سعيد بن المسيب - المتوفي سنة 73 - محتمل جدًا أن يروي عن عطاء . والليث وهشيم متقاربا الطبقة ، مات الليث سنة 175 ، وهشيم سنة 183 . وأما " أحمد " الراوي هنا عن " عيسى بن قيس " - فلم أستطع معرفته .
ثم ترجح عندي أن " حجاجًا " - في هذا الإسناد : هو " حجاج بن الشاعر " . وهو : حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي ، عرف بابن الشاعر ، لأن أباه يوسف كان شاعرًا صحب أبا نواس ، وحجاج هذا : ثقة ، من شيوخ مسلم وأبي داود وغيرهما ، قال ابن أبي حاتم : " كان من الحفاظ ، ممن يحسن الحديث ويحفظه . مترجم في التهذيب ، وابن أبي جاتم 1/2/168 ، وتاريخ بغداد 8 : 240 - 241 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 117 - 118 .
وأن شيخه " أحمد " : هو أحمد بن عبد الله بن يونس ، وهو ثقة متقن حافظ ، من شيوخ البخاري ومسلم ، سماه الإمام أحمد " شيخ الإسلام " . وقد مضت الإشارة إليه : 2144 .
فإن يكن الإسناد هكذا ، على ما رجحنا ، يكن " عيسى بن قيس " محرفًا ، صوابه " عمر بن قيس " ، وهو المكي المعروف بـ " سندل " - بفتح السين والدال المهملتين بينهما نون ساكنة . وهو ضعيف جدًا ، منكر الحديث كما قال البخاري . وقال ابن عدي : " هو ضعيف بإجماع ، لم يشك أحد فيه ، وقد كذبه مالك " . وهو مترجم في التهذيب . والصغير للبخاري ، ص : 190 ، والضعفاء له ، ص : 25 ، والنسائي ص : 24 ، وابن سعد 5 : 358 ، وابن أبي حاتم 3/1/129 - 130 .
وأنا أرجح أن يكون هذا الإسناد على هذا النحو ، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك ، ولا تغيير اسم " عيسى بن قيس " - حتى أستبين بدليل آخر .

(3/242)


2364 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عاصم قال : قلت لأنس بن مالك : السعي بين الصفا والمروة تطوُّع ؟ قال : تطوعٌ.
* * *
والصواب من القول في ذلك عندنا أنّ الطواف بهما فرض واجب ، وأن على من تركه العوْد لقضائه ، ناسيًا كان ، أو عامدًا. لأنه لا يُجزيه غير ذلك ، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس ، فكان مما علمهم من مناسك حَجّهم الطوافُ بهما.
* * *
ذكر الرواية عنه بذلك :
2365 - حدثني يوسف بن سلمان قال ، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال ، حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه قال : " إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله " ، ابدؤوا بما بدأ الله بذكره. فبدأ بالصفا فرَقِيَ عليه. (1) .
2366 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا محمود بن ميمون أبو الحسن ، عن أبي بكر بن عياش ، عن ابن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله " ، فأتى الصفا فبدأ بها ، فقام عليها ، ثم أتى المروة فقام عليها ، وطاف وسَعى. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 2365 - هو قطعة من حديث جابر - الطويل ، في صفة حجة الوداع . وقد مضت قطعة منه ، بهذا الإسناد : 2003 . وأخرى من رواية يحيى القطان ، عن جعفر الصادق : 1989 .
(2) الحديث : 2366 - محمود بن ميمون أبو الحسن : لا أدري من هو ، ولا ما شأنه . لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا .
ابن عطاء ، عن أبيه : هو يعقوب بن عطاء بن أبي رباح ، وهو ثقة ، بينا ذلك في المسند : 1809 . مترجم في التهذيب والكبير 4/2/298 ، وابن أبي حاتم 4/2/211 .
وهذا الحديث لم أجده في شيء من المراجع . وإن كان لابن عباس أحاديث أخر في شأن الصفا والمروة والسعي بينهما . من ذلك الحديث الماضي : 2342 . وحديث في المستدرك 2 : 270 - 271 ، وصححه الحاكم والذهبي .

(3/243)


فإذ كان صحيحًا بإجماع الجميع من الأمة - أنّ الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته في مناسكهم ، وعمله في حَجَّه وعُمرته وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأمَّته جُمَلَ ما نَصّ الله في كتابه ، وفَرَضه في تنزيله ، وأمرَ به مما لم يُدْرَك علمه إلا ببيانه ، لازمًا العمل به أمته ، كما قد بينا في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأحكام " - إذا اختلفت الأمة في وُجُوبه ، (1) ثم كان مُختلفًا في الطواف بينهما : هل هو واحبٌ أو غير واجب كان بينًا وجُوب فرضه على مَنْ حجَّ أو اعتمر ، (2) لما وصفنا.
وكذلك وُجوب العوْد لقضاء الطواف بين الصفا والمروة - لما كان مختلَفًا فيما عَلى مَنْ تركه ، مع إجماع جَميعهم على أنّ ذلك مما فَعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلَّمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علَّمهم مناسك حجهم - كما طاف بالبيت وعلَّمه أمته في حجهم وعمرتهم ، إذ علَّمهم مناسك حجهم وعُمْرتهم - وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تُجْزي منه فديةٌ ولا بَدلٌ ، ولا يجزي تاركه إلا العودُ لقضائه كان نظيرًا له الطوافُ بالصفا والمروة ، ولا تجزي منه فدية وَلا جزاءٌ ، ولا يجزي تاركَه إلا العودُ لقضائه ، إذ كانا كلاهما طَوافين : أحدهما بالبيت ، والآخرُ بالصفا والمروة.
__________
(1) كان في المطبوعة : " لما قد بينا " ، وهو خطأ يختل به الكلام . وقوله : " وكان بيانه . . . " إلى قوله : " إذا اختلفت الأمة في وجوبه " جملة فاصلة معطوفة على التي قبلها وسياقها وسياق معناها : وكان بيانه لأمته جمل ما نص الله في كتابه . . - مما لا يدرك علمه إلا ببيانه - لازمًا العمل به أمته . . . إذا اختلفت الأمة في وجوبه .
(2) وهذه الجملة من تمام قوله ومن سياقها : " وإذا كان صحيحًا بإجماع الأمة . . . كان بينًا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر " .

(3/244)


ومن فَرَّق بين حكمهما عُكس عليه القولُ فيه ، ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما.
فإن اعتل بقراءة من قرأ : " فلا جُناح عليه أنْ لا يَطَّوف بهما " .
قيل : ذلك خلافُ ما في مصاحف المسلمين ، غيرُ جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها. وسواء قَرَأ ذلك كذلك قارئ ، أو قرأ قارئ : ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) [سورة الحج : 29] ، " فَلا جناح عليهم أنْ لا يَطَّوَّفوا به " . (1) فإن جازت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف ، (2) كانت الأخرى نظيرَتها ، وإلا كان مُجيزُ إحداهما - إذا منع الأخرى - مُتحكمًا ، والتحكم لا يعجِزُ عنه أحدٌ.
وقد رُوي إنكار هذه القراءة ، وأن يكون التنزيل بها ، عن عائشة.
2367 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا يومئذ حديث السِّن : أرأيت قول الله عز وجل : " إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله فَمنْ حَجّ البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما " ، فما نرَى على أحد شَيئًا أنْ لا يَطَّوَّف بهما! فقالت عائشة : كلا! لو كانت كما تقول ، كانت : " فلا جُناح عليه أن لا يَطَّوَّف بهما " ، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار ، كانوا يُهلّون لمناة - وكانت مَناة حَذوَ قَديد - ، وكانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل الله : " إنّ الصفا والمرْوةَ من شَعائر الله فمن حَجّ
__________
(1) كان في المطبوعة : " فلا جناح عليه " ، وهو خطأ بين . ويعني : أن يجعل القارئ قوله : " فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا بهما " من تمام آية سورة الحج السالفة ، فيزيد في القرآن ما ليس فيه .
(2) في المطبوعة : " فإن جاءت إحدى الزيادتين " تصحيف ، والصواب ما أثبت .

(3/245)


البيت أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوف بهما " .
* * *
قال أبو جعفر : وقد يحتمل قراءة من قرأ : " فلا جُناحَ عَليه أنْ لا يَطَّوَّف بهما " ، أن تكون " لا " التي مع " أن " ، صلةً في الكلام ، (1) إذْ كان قد تقدَّمها جَحْدٌ في الكلام قبلها ، وهو قوله : ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ ) ، فيكون نظير قول الله تعالى ذكره : ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) [سورة الأعراف : 12] ، بمعنى ما منعك أن تسجدَ ، وكما قال الشاعر : (2)
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَا... والطَّيِّبَانِ أبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ (3)
ولو كان رسمُ المُصحف كذلك ، لم يكن فيه لمحتجّ حجة ، مع احتمال الكلام ما وصفنا. لما بيَّنا أن ذلك مما عَلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته في مناسكهم ، على ما ذكرنا ، ولدلالة القياس على صحته ، فكيف وهو خلافُ رُسوم مصاحف المسلمين ، ومما لو قَرَأه اليوم قارئ كان مستحقًّا العقوبةَ لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه ؟
* * *
__________
(1) قوله : " صلة " ، أي زيادة ملغاة ، وانظر ما سلف 1 : 190 ، 405 وفهرس المصطلحات ، وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1 : 95 ، فقد ذكر هذا الوجه .
(2) هو جرير .
(3) سلف تخريجه في 1 : 191 - 192 .

(3/246)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) }
قال أبو جعفر : اختلف القرَأء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قُراء أهل المدينة والبصرة : " ومن تَطوَّع خَيرًا " على لفظ المضيّ ب " التاء " وفتح " العين " . وقرأته عامة قراء الكوفيين : " وَمَنْ يَطَّوَّعْ خَيرًا " ب " الياء " وجَزم " العين " وتشديد " الطاء " ، بمعنى : ومن يَتطوع. وذُكر أنها في قراءة عبد الله : " ومَنْ يَتطوَّعْ " ، فقرأ ذلك قُرّاء أهل الكوفة ، على ما وصفنا ، اعتبارًا بالذي ذكرنا من قراءَة عبد الله - سوى عَاصم ، فإنه وافق المدنيين - فشددوا " الطاءَ " طلبًا لإدغام " التاء " في " الطاء " . وكلتا القراءتين معروفة صحيحة ، متفقٌ معنياهما غيرُ مختلفين - لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل. فبأيّ القراءتين قرأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.
* * *
(1) [والصواب عندنا في ذلك ، أن] معنى ذلك : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قَضَاء حجته الواجبة عليه ، فإن الله شاكرٌ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاءَ وجهه ، فمجازيه به ، عليمٌ بما قصد وأراد بتطُّوعه بما تطوع به.
وَإنما قُلنا إنّ الصوابَ في معنى قوله : " فمن تطوَّع خيرًا " هو ما وصفنا ، دون قول من زَعم أنه معنيٌّ به : فمن تَطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة ، لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعًا بالسعي بينهما ، إلا في حَج تطوع أو عُمرة تطوع ، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنى بالتطوع بذلك ، التطُّوعَ بما يعملُ ذلك فيه من حَجّ أو عمرة.
* * *
__________
(1) زدت ما بين القوسين ، استظهارًا من قوله بعد : " وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله . . . " والظاهر أنها مما سقط من ناسخ .

(3/247)


وأما الذين زعموا أنّ الطواف بهما تطوُّع لا واجب ، فإنّ الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم : فمن تطوَّع بالطواف بهما ، فإنّ الله شاكر لأن للحاج والمعتمِر على قولهم الطوافَ بهما إن شاء ، وتركَ الطواف. فيكون معنى الكلام على تأويلهم : فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة ، فإنّ اللهَ شَاكرٌ تطوُّعَه ذلك عليمٌ بما أراد ونَوَى الطائف بهما كذلك ، كما : -
2368 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكرٌ عَليمٌ " قال ، من تطوع خيرًا فهو خيرٌ له ، تطوَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن تطوع خَيرًا فاعتمر.
* ذكر من قال ذلك :
2369 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكر عليم " ، من تطوع خيرًا فاعتمر فإن الله شاكر عليمٌ. قال : فالحج فريضةٌ ، والعمرةُ تطوع ، ليست العمرة واجبةً على أحد من الناس.
* * *

(3/248)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)

القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : (1) " إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا منَ البينات " ، علماءَ اليهود وأحبارَها ، وعلماءَ النصارى ، لكتمانهم الناسَ أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ، وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
* * *
و " البينات " التي أنزلها الله : (2) ما بيّن من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وصفته ، في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أنّ أهلهما يجدون صفته فيهما.
* * *
ويعني تعالى ذكره ب " الهدى " ما أوضح لَهم من أمره في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم ، فقال تعالى ذكره : إنّ الذين يكتمون الناسَ الذي أنزلنا في كتبهم من البيان من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، وصحة الملة التي أرسلته بها وحقِّيَّتها ، فلا يخبرونهم به ، ولا يعلنون من تبييني ذلك للناس وإيضاحِيه لهم ، (3) في الكتاب الذي أنزلته إلى أنبيائهم ، " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا " الآية. كما : -
2370 - حدثنا أبو كريب قال ، وحدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن
__________
(1) في المطبوعة : يقول : " إن الذين يكتمون . . . " ، وهو خطأ ناسخ ، صوابه ما أثبت .
(2) في المطبوعة : " من البينات " ، كأنه متصل بالكلام قبله ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت .
(3) كان في المطبوعة " ولا يعلمون من تبييني ذلك للناس وإيضاحي لهم " ، وهي عبارة لا تستقيم وسياق معنى الآية يقتضي ما أثبت ، من جعل " يعلمون " " يعلنونه " ، وزيادة " بعد " ، وجعل " إيضاحي " " إيضاحيه " .

(3/249)


حميد قال ، حدثنا سلمة - قالا جميعًا ، حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة ، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل ، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج ، نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب : عما في التوراة ، وقال ابن حميد : عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه ، وأبوْا أن يُخبروهم عنه ، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم : " إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون " . (1)
2371 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنزلنا من البينات والهدى " قال ، هم أهل الكتاب.
2372 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2373 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع في قوله : " إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى " قال ، كتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم ، فكتموه حسدًا وبغيًا.
__________
(1) الأثر رقم : 2370 - في سيرة ابن هشام 2 : 200 كما في رواية ابن حميد .

(3/250)


2374 - حدثنا بشر بن معاذ : قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " إنّ الذين يَكتمون مَا أنزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب " ، أولئكَ أهلُ الكتاب ، كتموا الإسلام وهو دين الله ، وكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وهم يَجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
2374م - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إنّ الذين يَكتمونَ ما أنزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب " ، زعموا أن رجلا من اليهود كان له صديقٌ من الأنصار يُقال له ثَعلبة بن غَنَمة ، (1) قال له : هل تجدون محمدًا عندكم ؟ قال : لا! قال : مُحمد : " البينات " . (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ }
[قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " من بعد ما بيناه للناس " ] ، (3) بعضَ الناس ، لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ومَبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم ، وإياهم عَنى تعالى ذكره بقوله : " للناس في الكتاب " ، ويعني بذلك : التوراة والإنجيل.
* * *
وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاصٍّ من الناس ، فإنها معنيٌّ بها كل كاتمٍ علمًا فرضَ الله تعالى بيانه للناس.
وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
__________
(1) في سيرة ابن هشام ، وغيرها بالغين المعجمة غير مضبوط باللفظ ، ولكن ابن حجر ضبطه في الإصابة ، وقال : " بفتح المهملة والنون " ، ولم يذكر شكًا ولا اختلافًا في ضبطه بالغين المعجمة .
(2) قوله : " قال : محمد البينات " من تفسير السدي ، ليس من الخطاب بين ثعلبة بن غنمة واليهودي . ويعني أن البينات التي يكتمونها هي محمد صلى الله عليه وسلم ، أي صفته ونعته في كتابهم .
(3) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وقد استظهرتها من نهج أبي جعفر في جميع تفسيره . وهذا سقط من الناسخ بلا ريب .

(3/251)


2375 - من سُئل عَن علم يَعلمهُ فكتمه ، ألجِمَ يوم القيامة بلجام من نار. " (1)
* * *
وكان أبو هريرة يقول ما : -
2376 - حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال ، حدثنا حاتم بن وردان قال ، حدثنا أيوب السختياني ، عن أبي هريرة قال ، لولا آيةٌ من كتاب الله ما حدَّثتكم! وتلا " إنّ الذين يكتمونَ مَا أنزلنا من البينات والهدى من بَعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون " ، (2)
2377 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا أبو زرعة وَهْب الله بن راشد ، عن يونس قال ، قال ابن شهاب ، قال ابن المسيب : قال أبو هريرة : لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدَّثت شيئًا : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ) إلى آخر الآية ، والآية الأخرى : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ) إلى آخر الآية [سورة آل عمران : 178]. (3)
* * *
__________
(1) الحديث : 2375 - هذا حديث صحيح . ذكره الطبري هنا معلقًا دون إسناد . وقد رواه أحمد في المسند : 7561 ، من حديث أبي هريرة . وخرجناه في شرح المسند ، وفي صحيح ابن حبان بتحقيقنا ، رقم : 95 .
(2) الحديث : 2376 - نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي : ثقة ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/106 ، وابن أبي حاتم 4/1/471 .
حاتم بن وردان السعدي : ثقة ، روى له الشيخان . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/260 .
أيوب السختياني : مضى في : 2039 . ولكن روايته هنا عن أبي هريرة منقطعة ، فإنه ولد سنة 66 ، وأبو هريرة مات سنة 59 أو نحوها . ومعنى الحديث صحيح ثابت عن أبي هريرة ، بروايات أخر متصلة ، كما سنذكر في الحديث بعده .
(3) الحديث : 2377 - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : الإمام الحافظ المصري ، فقيه عصره ، قال ابن خزيمة : " ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين - منه " . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/2/300 - 301 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 115 - 116 .
أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري ، مؤذن الفسطاط : ثقة ، قال أبو حاتم : " محله الصدق " . ترجمه ابن أبي حاتم 4/2/27 ، وقال : " روى عنه عبد الرحمن ، ومحمد ، وسعد ، بنو عبد الله بن عبد الحكم " . وترجم أيضًا في لسان الميزان 6 : 235 ، ونقل عن ابن يونس ، أنه مات في ربيع الأول سنة 211 " وكانت القضاة تقبله " ، وروى عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم . في فتوح مصر مرارًا ، منها في ص : 182 س 3 - 4 : " حدثنا وهب الله بن راشد ، أخبرنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب . . . " . وهذا الإسناد ثابت في تاريخ ولاة مصر للكندي ، ص 33 ، عن علي بن قديد ، عن عبد الرحمن : " حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد " . وذكره الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 182 ، وروى : " حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، والربيع بن سليمان الجيزى ، قالا : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، إلخ " . ورواية الربيع الجيزى عنه ، ثابتة في كتاب الولاة ، ص 313 ، أيضًا .
وهذا الاسم " وهب الله " : من نادر الأسماء ، لم أره - فيما رأيت - إلا لهذا الشيخ ، ولم يذكره أصحاب المشتبه ، بل لم يذكره الزبيدي في شرح القاموس ، على سعة اطلاعه . واشتبه أمره على ناسخي الطبري أو طابعيه ، فثبت في المطبوعة هكذا : " ثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد " ؛ فحرفوا " وهب الله " إلى " وعبد الله " - فجعلوه راويين!
يونس : هو ابن يزيد الأيلي ، وهو ثقة ، عرف بالراوية عن الزهري وملازمته . قال أحمد بن صالح : " نحن لا نقدم في الزهري أحدًا على يونس " ، وقال : " كان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس ، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس " . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/406 ، وابن أبي حاتم 4/2/247 - 249 ، وابن سعد 7/2/206 .
وهذا الحديث جزء من حديث مطول ، رواه مسلم 2 : 261 - 262 ، من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب - فذكر حديثًا عن عائشة - ثم : " قال ابن شهاب : وقال ابن المسيب : إن أبا هريرة قال . . . " .
ورواه عبد الرزاق في تفسيره ، ص 14 - 15 ، عن معمر ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، بنحوه مطولا . ورواه أحمد في المسند : 7691 ، عن عبد الرزاق .
ورواه البخاري 5 : 21 (فتح) ، بنحوه ، من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن الأعرج . ورواه البخاري أيضًا 1 : 190 - 191 (فتح) من رواية مالك ، عن الزهري ، عن الأعرج وكذلك رواه ابن سعد 2/2/118 ، وأحمد في المسند : 7274 - كلاهما من طريق مالك .
وروى الحاكم في المستدرك 2 : 271 ، نحوه مختصرًا ، من طريق أبي أسامة ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي .

(3/252)


القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (159) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " أولئك يَلعنهم الله " ، هؤلاء الذين يكتمون ما أنزلهُ الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفَته وأمر دينه ، أنه

(3/253)


الحق - من بعد ما بيَّنه الله لهم في كتبهم - يلعنهم بكتمانهم ذلك ، وتركهم تَبيينه للناس.
* * *
و " اللعنة " " الفَعْلة " ، من " لعنه الله " بمعنى أقصاه وأبعده وأسْحَقه. وأصل " اللعن " : الطرْد ، (1) كما قال الشماخ بن ضرار ، وذكر ماءً ورَد عليه :
ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ الَّلعِينِ (2)
يعني : مقامَ الذئب الطريد. و " اللعين " من نعت " الذئب " ، وإنما أراد : مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل. (3)
* * *
فمعنى الآية إذًا : أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته ، ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم ، لأن لعنةَ بني آدم وسائر خَلق الله مَا لَعنوا أن يقولوا : " اللهم العنه " إذْ كان معنى " اللعن " هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد.
وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا : من مسألتهم رَبَّهم أن يَلعَنهم ، وقولهم : " لعنه الله " أو " عليه لعنة الله " ، لأن : -
2378 - محمد بن خالد بن خِداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا حدثنا إسماعيل بن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون " ، البهائم ، قال : إذا أسنَتَتِ السَّنة ، (4) قالت البهائم : هذا من أجل عُصَاة بني آدم ، لعنَ الله عُصَاة بني آدم!
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره ب " اللاعنين " . فقال بعضهم : عنى بذلك دوابَّ الأرض وهَوامَّها.
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 328 .
(2) سلف تخريجه وشرحه في 2 : 328 . وفي التعليق هناك خطأ صوابه " مجاز القرآن : 46 " .
(3) كان في المطبوعة : " الطريد واللعين " ، والصواب طرح الواو .
(4) أسنتت الأرض والسنة : أجدبت ، وعام مسنت مجدب . والسنة : القحط والجدب . وكان في المطبوعة : " أسنت " ، والصواب ما أثبت . وفي الدر المنثور 1 : 162 : " إذا اشتدت السنة " .

(3/254)


* ذكر من قال ذلك :
2379 - حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد قال : تلعنهم دوابُّ الأرض ، وما شاءَ الله من الخنافس والعقارب تقول : نُمْنَعَ القطرَ بذنوبهم.
2380 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون " قال ، دواب الأرض ، العقاربُ والخنافس ، يقولون : مُنِعنا القطرَ بخطايا بني آدم.
2381 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد : " ويلعنهم اللاعنون " قال ، تلعنهم الهوامّ ودواب الأرض ، تقول : أمسك القطرُ عنا بخطايا بني آدم.
2382 - حدثنا مُشرف بن أبان الحطاب البغدادي قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن عكرمة في قوله : " أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون " قال ، يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقاربُ ، يقولون : مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم. (1)
2383 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ويلعنهم اللاعنون " قال ، اللاعنون : البهائم.
2383م - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ويلعنهم اللاعنون " ، البهائمُ ، تلعن عُصاةَ بَني آدم حين أمسك الله عنهم بذنوب بني آدم المطر ، فتخرج البهائم فتلعنهم.
2384 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " أولئك يَلعنهم الله
__________
(1) الخبر : 2382 - مشرف بن أبان الحطاب البغدادي : ثبت هنا على الصواب ، كما ظهر في : 1951 . وقد مضى ذلك مغلوطًا " بشر بن أبان " : 1383 .

(3/255)


ويَلعنهم اللاعنون " ، البهائم : الإبل والبقرُ والغنم ، فتلعن عُصاةَ بني آدم إذا أجدبت الأرض.
* * *
فإن قال لنا قائل : ومَا وَجْهُ الذين وجَّهوا تأويلَ قوله : " ويلعنهم اللاعنون " ، إلى أن اللاعنين هم الخنافسُ والعقارب ونحو ذلك من هَوامِّ الأرض ، وقد علمتَ أنّها إذا جَمعتْ مَا كان من نَوع البهائم وغير بني آدم ، (1) فإنما تجمعه بغير " الياء والنون " وغير " الواو والنون " ، وإنما تجمعه ب " التاء " ، وما خالفَ ما ذكرنا ، فتقول : " اللاعنات " ونحو ذلك ؟
قيل : الأمر وإن كان كذلك ، فإنّ من شأن العرَب إذا وصفت شيئًا من البهائم أو غيرها - مما حُكم جَمعه أن يكون ب " التاء " وبغير صورة جمع ذُكْرَانِ بني آدم - بما هُو منْ صفة الآدميين ، أن يجمعوه جمع ذكورهم ، كما قال تعالى ذكره : ( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ) [سورة فصلت : 21] ، فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم ، إذ كلَّمتهم وكلَّموها ، وكما قال : ( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ) [سورة النمل : 18] ، وكما قال : ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) [سورة يوسف : 4].
* * *
وقال آخرون : عنى الله تعالى ذكره بقوله : " ويَلعنهم اللاعنون " ، الملائكة والمؤمنين.
* ذكر من قال ذلك :
2385 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " ويَلعنهم اللاعنون " ، قال ، يَقول : اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين. (2)
__________
(1) الضمير في قوله : " أنها إذا جمعت " ، للعرب ، وإن لم يجر لها ذكر في الكلام .
(2) في المطبوعة : " يزيد بن زريع عن قتادة " بإسقاط " قال حدثنا سعيد " ، والصواب ما أثبته ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه رقم : 2374 .

(3/256)


2386 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ويلعنهم اللاعنون " ، الملائكة.
2387 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال : " اللاعنون " ، من ملائكة الله والمؤمنين.
* * *
وقال آخرون : يعني ب " اللاعنين " ، كل ما عدا بني آدم والجنّ.
* ذكر من قال ذلك :
2388 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ويلعنهم اللاعنون " قال ، قال البراء بن عازب : إنّ الكافر إذا وُضع في قبره أتته دَابة كأن عينيها قِدْران من نُحاس ، معها عمود من حديد ، فتضربه ضربة بين كتفيه ، فيصيح ، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه ، ولا يبقى شَيء إلا سمع صوته ، إلا الثقلين الجن والإنس.
2389 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " قال ، الكافر إذا وضع في حفرته ، ضُرب ضربة بمطرق (1) فيصيح صيحةً ، يسمع صَوْته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس ، فلا يسمع صيحته شَيء إلا لعنه.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال : " اللاعنون " ، الملائكةُ والمؤمنون. لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحلّ بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين ، فقال تعالى ذكره : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ، (2) فكذلك
__________
(1) المطرق والمطرقة : وهي أداة الحداد التي يضرب بها الحديد .
(2) هي الآية رقم : 161 ، تأتي بعد قليل .

(3/257)


اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر : الذين يكتمونَ ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس ، (1) هي لعنة الله ، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار ، (2) وهم " اللاعنون " ، لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر.
* * *
وأما قول من قال إن " اللاعنين " هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهَوامِّها ، (3) فإنه قول لا تدرك حَقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تَقوم به الحجة ، ولا خبرَ بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك.
وإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال : إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجودٌ بخلاف [قول] أهل التأويل ، (4) وهو ما وصفنا. فإنْ كان جائزًا أن تكون البهائم وسائرُ خلق الله ، تَلعن الذين يَكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته ، بعد علمهم به ، وتلعن معهم جميع الظَّلمة - فغير جائز قطعُ الشهادة في أن الله عنى ب " اللاعنين " البهائمَ والهوامَّ ودَبيب الأرض ، إلا بخبر للعذر قاطع. ولا خبرَ بذلك ، وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دالٌّ على خلافه. (5)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " من بعد ما بيناه للناس " ، وهو سهو ناسخ .
(2) في المطبوعة : " هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة . . . " ، والصواب ما أثبت .
(3) كل ماش على وجه الأرض يقال له : دابة ودبيب .
(4) ما بين القوسين زيادة ، أخشى أن تكون سقطت من ناسخ .
(5) في المطبوعة : " وكتاب الله الذي ذكرناه " ، وهو كلام لا يقال . والصواب ما أثبت . والذي ذكره آنفًا : " إن الدليل من ظاهر كتاب الله . . . " .
هذا ، ورد قول هؤلاء القائلين بما قالوه ، مبين لك عن نهج الطبري وتفسيره ، وكاشف لك عن طريقته في رد الأخبار التي رواها عن التابعين ، في كل ما يحتاج إلى خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطع بالبيان عما ذكروه . والطبري قد يذكر مثل هذه الأخبار ، ثم لا يذكر حجته في ردها ، لأنه كره إعادة القول وتريده فيما جعله أصلا في التفسير ، كما بين ذلك في " رسالة التفسير " ، ثم في تفسيره بعد ، ورد أشباهه في مواضع متفرقة منه . أما إذا كان في شيء من ذلك خبر قاطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يدع ذكره ، فإذا لم يذكر - فيما أشبه ذلك - خبرًا عن رسول الله ، فاعلم أنه يدع لقارئ كتابه علم الوجه الذي يرد به هذا القول .

(3/258)


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)

القول في تأويل قوله تعالى : { إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : أن الله واللاعنين يَلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنزله الله وبَيَّنه للناس ، إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم ؛ ورَاجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والإقرار به وبنبوّته ، وتصديقه فيما جاء به من عند الله ، وبيان ما أنزل الله في كتبه التي أنزل إلى أنبيائه ، من الأمر باتباعه ؛ وأصلح حالَ نفسه بالتقرب إلى الله من صَالح الأعمال بما يُرضيه عنه ؛ وبيَّن الذي عَلم من وَحي الله الذي أنزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه ، وأظهرَه فلم يُخفِه " فأولئك " ، يعني : هؤلاء الذين فَعلوا هذا الذي وصفت منهم ، هم الذين أتوب عليهم ، فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي ، والإنابة إلى مَرضَاتي.
ثم قال تعالى ذكره : " وَأنا التواب الرحيم " ، يقول : وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنّى إليَّ ، والرادُّها بعد إدبارها عَن طاعتي إلى طلب محبتي ، والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إليَّ ، أتغمدهم مني بعفو ، وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم ، بفضل رحمتي لهم.
* * *
فإن قال قائل : وكيف يُتاب على من تاب ؟ وما وَجه قوله : " إلا الذينَ تابوا فأولئك أتوب عليهم " ؟ وهل يكون تائبٌ إلا وهو مَتُوب عليه ، أو متوب عليه إلا وهو تائب ؟
قيل : ذلك مما لا يكون أحدُهما إلا والآخر معه ، فسواء قيل : إلا الذين تِيبَ عليهم فتابوا - أو قيل : إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم. وقد بيَّنا وَجه ذلك

(3/259)


فيما جاء من الكلام هذا المجيء ، في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
2390 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبَيَّنوا " ، يقول : أصلحوا فيما بينهم وبين الله ، وبيَّنوا الذي جاءهم من الله ، فلم يكتموه ولم يجحدوا به : أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.
2391 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " إلا الذين تَابوا وأصلحوا وبَينوا " قال ، بيّنوا ما في كتاب الله للمؤمنين ، وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كله في يهود.
* * *
قال أبو جعفر : وقد زعم بعضهم أن معنى قوله : " وبيَّنوا " ، إنما هو : وبينوا التوبة بإخلاص العمل. ودليل ظاهر الكتاب والتنزيل بخلافه. لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية ، (2) على كتمانهم ما أنزلَ الله تعالى ذكره وبينه في كتابه ، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان ، فأخرجهم من عِداد مَنْ يَلعنه الله ويَلعنه اللاعنون (3) ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل.
والذين استثنى اللهُ من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 549 .
(2) في المطبوعة : " في مثل هذه الآية " ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(3) في المطبوعة : " فأخرجهم من عذاب من يلعنه الله " ، وهو تصحيف ، صوابه ما أثبت .

(3/260)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161)

ما بيَّنه للناس في الكتاب ، (1) عبدُ الله بن سلام وذَووه من أهل الكتاب ، (2) الذين أسلموا فحسن إسلامهم ، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إنّ الذين كفروا " ، إن الذين جَحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل ، والمشركين من عَبدة الأوثان " وماتوا وهم كفار " ، يعني : وماتوا وهم على جُحودهم ذلك وتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم ، " أولئك عَليهم لَعنةُ الله والملائكة " ، يعني : فأولئك الذين كفروا وماتوا وهم كفار عليهم لعنة الله ، يقول : أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته ، " والملائكة " ، يعني ولَعنهم الملائكةُ والناس أجمعون. ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم : " عليهم لعنة الله " .
* * *
وقد بينا معنى " اللعنة " فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. (3)
* * *
فإن قال قائل : وكيف تَكونُ على الذي يموت كافرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم [لعنةُ الناس أجمعين] من أصناف الأمم ، (4) وأكثرهم ممن لا يؤمن به ويصدقه ؟
__________
(1) في المطبوعة : " من بعد ما بيناه للناس " ، وهو خطأ وسهو .
(2) قوله : " وذووه " ، أي أصحابه وأهل ملته ، بإضافة " ذو " إلى الضمير ، وللنحاة فيه قول كثير ، وزعموا أن ذلك يكون في ضرورة الشعر ، وليس كذلك ، بل هو آت في النثر قديمًا ، بمثل ما استعمله الطبري .
(3) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 254 ، والتعليق : 1 ، ومراجعه .
(4) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها ، وإلا اختل الكلام والسؤال ، ولم يكن لهما معنى محدود مفهوم ، واستظهرت الزيادة من جواب هذا السؤال .

(3/261)


قيل : إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبتَ إليه. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم : عنى الله بقوله : " والناس أجمعين " ، أهلَ الإيمان به وبرسوله خاصة ، دون سائر البشر.
* ذكر من قال ذلك :
2392 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " والناس أجمعين " ، يعني : ب " الناس أجمعين " ، المؤمنين.
2393 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " والناس أجمعين " ، يعني بـ " الناس أجمعين " ، المؤمنين.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك يومَ القيامة ، يُوقَفُ على رءوس الأشهاد الكافرُ فيلعنه الناس كلهم.
* ذكر من قال ذلك :
2394 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : أن الكافر يُوقَف يوم القيامة فيلعنه الله ، ثم تلعنه الملائكة ، ثم يلعنه الناس أجمعون.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك قول القائل كائنًا من كان : " لَعنَ الله الظالم " ، فيلحق ذلك كل كافر ، لأنه من الظَّلمة.
* ذكر من قال ذلك :
2395 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " أولئك عليهم لَعنة الله والملائكة والناس أجمعين " ، فإنه لا يتلاعن اثنان مُؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما : " لعن الله الظالم " ، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر ، لأنه ظالم ، فكل أحد من الخلق يلعنه.
* * *

(3/262)


خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قولُ من قال : عنى الله بذلك جَميعَ الناس ، بمعنى لعنهم إياهم بقولهم : " لعن الله الظالم - أو الظالمين " .
فإن كلّ أحد من بني آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائنًا من كان ، (1) ومن أي أهل ملة كان ، فيدخل بذلك في لعنته كلّ كافرٍ كائنًا من كان. وذلك بمعنى ما قاله أبو العالية. لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شَهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) [هود : 18]
وأما ما قاله قتادة ، من أنه عنى به بعضَ الناس ، فقولٌ ظاهرُ التنزيل بخلافه ، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظن أن المعنيَّ به المؤمنون ، من أجل أن الكفار لا يَلعنون أنفسهم ولا أولياءهم ، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يَلعنونهم في الآخرة. ومعلومٌ منهم أنّهم يَلعنون الظَّلمة ، وداخلٌ في الظَّلمة كل كافر ، بظلمه نفسه ، وجحوده نعمةَ ربه ، ومخالفته أمرَه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) }
* * *
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : ما الذي نصب " خالدين فيها " ؟
قيل : نُصب على الحال من " الهاء والميم " اللتين في " عليهم " . وذلك أنّ معنى قوله : " أولئكَ عَليهم لعنة الله " ، أولئك يلعنهم الله والملائكةُ والناس أجمعون خالدين فيها. ولذلك قرأ ذلك : " أولئك عَليهم لعنة الله والملائكةُ والناس أجمعون "
__________
(1) في المطبوعة : " لا يمنع من قيل ذلك " ، والصواب ما أثبت .

(3/263)


مَنْ قرأَهُ كذلك ، (1) توجيهًا منه إلى المعنى الذي وصفتُ. وذلك وإن كان جائزًا في العربية ، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به ، لأنه خلافٌ لمصاحف المسلمين ، وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضًا فيهم. فغير جائز الاعتراضُ بالشاذّ من القول ، على ما قد ثبتت حُجته بالنقل المستفيض.
* * *
وأما " الهاء والألف " اللتان في قوله : " فيها " ، فإنهما عائدتان على " اللعنة " ، والمرادُ بالكلام : ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس. والذي صار إليه بها ، نارُ جهنم. وأجرى الكلام على " اللعنة " ، والمراد بها ما صار إليه الكافر ، كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل ، كما : -
2396 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " خالدين فيها " ، يقول : خالدين في جهنم ، في اللعنة.
* * *
وأما قوله : " لا يخفّف عنهم العذاب " ، فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن دَوَام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف ، كما قال تعالى ذكره : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) [سورة فاطر : 36] ، وكما قال : ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ) [سورة النساء : 56]
* * *
وأما قوله : " ولا هم يُنظرون " ، فإنه يعني : ولا هُم يُنظرون بمعذرة يَعتذرون ، كما : -
2397 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية : " ولا هم ينظرون " ، يقول : لا يُنظرون فيعتذرون ،
__________
(1) في المطبوعة : " والناس أجميعن " ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت ، برفع " الملائكة والناس أجمعون " ، وهي قراءة الحسن . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 96 - 97 ، وتفسير هذه الآية في سائر كتب التفسير .

(3/264)


وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)

كقوله : ( هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) . [سورة المرسلات : 35 - 36]
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }
قال أبو جعفر : قد بينا فيما مضى معنى " الألوهية " ، وأنها اعتباد الخلق. (1)
فمعنى قوله : " وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلا هو الرحمن الرحيم " : والذي يستحق عَليكم أيها الناس الطاعةَ له ، ويستوجب منكم العبادة ، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحد ، فلا تعبدوا غيرَه ، ولا تشركوا معه سواه ، فإنّ من تُشركونه معه في عبادتكم إياه ، هو خَلقٌ من خلق إلهكم مثلكم ، وإلهكم إله واحد ، لا مثلَ لهُ وَلا نَظير.
* * *
واختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره ،
فقال بعضهم : معنى وحدانية الله ، معنى نَفي الأشباه والأمثال عنه ، كما يقال : " فلان واحدُ الناس - وهو وَاحد قومه " ، يعني بذلك أنه ليسَ له في الناس مثل ، ولا له في قومه شبيه ولا نظيرٌ. فكذلك معنى قول : " اللهُ واحد " ، يعني به : الله لا مثل له ولا نظير.
فزعموا أن الذي دلَّهم على صحة تأويلهم ذلك ، أنّ قول القائل : " واحد " يفهم لمعان أربعة. أحدها : أن يكون " واحدًا " من جنس ، كالإنسان " الواحد " من الإنس. والآخر : أن يكون غير متفرِّق ، كالجزء الذي لا ينقسم. (2) والثالث :
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 122 - 126 .
(2) في المطبوعة : " غير متصرف " ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبت .

(3/265)


أن يكون معنيًّا به : المِثلُ والاتفاق ، كقول القائل : " هذان الشيئان واحد " ، يراد بذلك : أنهما متشابهان ، حتى صارَا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد.
والرابع : أن يكون مرادًا به نفي النظير عنه والشبيه.
قالوا : فلما كانت المعاني الثلاثةُ من معاني " الواحد " منتفيةً عنه ، صح المعنى الرابع الذي وَصَفناه.
* * *
وقال آخرون : معنى " وحدانيته " تعالى ذكره ، معنى انفراده من الأشياء ، وانفراد الأشياء منه. قالوا : وإنما كان منفردًا وحده ، لأنه غير داخل في شيء ولا داخلٌ فيه شيء. قالوا : ولا صحة لقول القائل : " واحد " ، من جميع الأشياء إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعةَ التي قالها الآخرون.
* * *
وأما قوله : " لا إله إلا هو " ، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه ، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه ، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه ، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره ، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة ، وهجْر الأوثان والأصنام. لأنّ جميع ذلك خلقُه ، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة ، ولا تَنبغي الألوهة إلا له ، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه ، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك ؛ (1) وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه ، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل ، ولا في دنيا ولا في آخرة.
وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهلَ الشرك به على ضلالهم ، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم ، والإنابة من شركهم.
__________
(1) الأشراك جمع شريك ، كما يقال : شريف وأشراف ، ونصير وأنصار ، ويجمع أيضًا على " شركاء " .

(3/266)


ثم عرَّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها ، موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبَّههم عليه من توحيده وحُججه الواضحة القاطعة عُذرَهم ، فقال تعالى ذكره : أيها المشركون ، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر : من أنّ إلهكم إله واحد ، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان ، فتدبروا حُججي وفكروا فيها ، فإن من حُججي خَلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والفلكُ التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس ، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها ، وما بثثتُ فيها من كل دابة ، والسحاب الذي سَخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به ، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض ، يقدر على أن يخلق نظيرَ شيء من خَلقي الذي سميتُ لكم ، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذرٌ ، وإلا فلا عُذر لكم في اتخاذ إله سواي ، ولا إله لكم ولما تعبدون غَيري. فليتدبر أولو الألباب إيجازَ الله احتجاجَه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده ، في هذه الآية وفي التي بعدها ، بأوْجز كلام ، وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على مَعرفة فضْل حكمة الله وبَيانه.
* * *

(3/267)


إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)

القول في المعنى الذي من أجله أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ }
* * *
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نَبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *

(3/267)


فقال بعضهم : أنزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان. وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هُو الرحمنُ الرحيم " فتلا ذلك عَلى أصحابه ، وسمع به المشركون مِنْ عبدة الأوثان ، قال المشركون : وما الحجة والبرهان على أنّ ذلك كذلك ؟ ونحن نُنكر ذلك ، ونحن نزعم أنّ لنا آلهة كثيرة ؟ فأنزل الله عند ذلك : " إن في خَلق السموات والأرض " ، احتجاجًا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا مَا ذَكرنَا عَنهم.
* ذكر من قال ذلك :
2398 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، قال : نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة : " وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " ، فقال كفار قريش بمكة : كيف يَسعُ الناسَ إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار " ، إلى قوله : " لآياتٍ لقوم يَعقلون " ، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ ، وأنه إله كل شيء ، وخالق كل شيء.
* * *
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [آية] ، (1) فأنزل الله هذه الآية ، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك ، آيةً بينةً على وحدانية الله ، وأنه لا شريك له في ملكه ، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح.
* ذكر من قال ذلك :
2399 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبيه ،
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا يتم الكلام إلا بها ، ويدل عليها ما سيأتي في الآثار بعد .

(3/268)


عن أبي الضحى قال : لما نزلت " وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " ، قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية! فأنزل الله تعالى ذكره : " إن في خلق السموات والأرض وَاختلاف الليل والنهار " ، الآية.
2400 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، قال حدثني سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى قال : لما نزلت : " وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " ، قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية ، فأنزل الله تعالى ذكره : " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار " ، الآية.
2401 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، قال ، حدثني سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى قال : لما نزلت هذه الآية ، جعل المشركون يعجبون ويقولون : تقول إلهكم إله واحدٌ ، فلتأتنا بآية إن كنتَ من الصادقين! فأنزل الله : " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار " ، الآية.
2402 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أرِنا آية! فنزلت هذه الآية : " إنّ في خلق السموات والأرض " .
2403 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد قال : سألت قريش اليهودَ فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات! فحدثوهم بالعصَا وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات ، فأخبروهم أنه كان يُبرئ الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم : ادعُ الله أن يجعل لَنا الصفا ذَهبًا ، فنزداد يقينًا ، ونتقوَّى به على عدوّنا. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ، فأوحى إليه :

(3/269)


إنّي مُعطيهم ، فأجعلُ لهم الصفا ذهبًا ، ولكن إن كذَّبوا عذّبتهم عذابًا لم أعذبه أحدًا من العالمين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ذَرني وقَومي فأدعوهم يومًا بيوم. فأنزل الله عليه : " إنّ في خَلق السموات والأرض " ، الآية : إن في ذَلك لآية لهم ، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ، فخلق الله السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ، أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ليزدادوا يقينًا.
2404 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار " ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : (1) غيِّر لنا الصفا ذهبًا إن كنت صادقًا أنه منه! فقال الله : إنّ في هذه الآيات لآياتٍ لقوم يعقلون. وقال : قد سأل الآيات قومٌ قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ، أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية ، دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائزٌ أن تكون نزلت فيما قاله عطاء ، وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى ، ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر. وأيُّ القولين كان صحيحًا ، فالمراد من الآية ما قلت.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فقال المشركون للنبي . . . " ، والصواب طرح هذه الفاء .

(3/270)


القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إنّ في خَلق السموات والأرض " ، إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما.
* * *
ومعنى " خلق " الله الأشياء : ابتداعه وإيجاده إياها ، بعد أن لم تكن موجودة.
وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل : " الأرض " ، ولم تجمع كما جُمعت السموات ، فأغنى ذلك عن إعادته (1)
* * *
فإن قال لنا قائل : وهل للسموات والأرض خلقٌ هو غيرُها فيقال : " إنّ في خلق السموات والأرض " ؟
قيل : قد اختلف في ذلك. فقال بعض الناس : لها خَلقٌ هو غيرها. واعتلُّوا في ذلك بهذه الآية ، وبالتي في سورة : الكهف : ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) [سورة الكهف : 51] وقالوا : لم يخلق الله شيئًا إلا والله له مريدٌ. قالوا : فالأشياء كانت بإرادة الله ، والإرادة خلق لها.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 431 - 437 .

(3/271)


وقال آخرون : خلق الشيء صفة له ، لا هي هو ، ولا غيرُه. قالوا : لو كان غيرُه لوجب أن يكون مثله موصوفًا. قالوا : ولو جاز أن يكون خَلقُه غيرَه ، وأن يكون موصوفًا ، لوجب أن تكون له صفة هي له خَلق. ولو وجب ذلك كذلك ، لم يكن لذلك نهاية. قالوا : فكان معلومًا بذلك أنه صفة للشيء. قالوا : فخلق السموات والأرض صفة لهما ، على ما وصفنا. واعتلُّوا أيضًا - بأن للشيء خلقًا ليس هو به - من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأولون.
* * *
وقال آخرون : خَلق السموات والأرض ، وخلق كل مخلوق ، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.
فمعنى قوله : " إن في خلق السموات والأرض " : إنّ في السموات والأرض. (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " واختلاف الليل والنهار " ، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس.
* * *
وإنما " الاختلاف " في هذا الموضع " الافتعال " من " خُلوف " كل واحد منهما الآخر ، (2) كما قال تعالى ذكره : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) [سورة الفرقان : 62].
بمعنى : أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه ، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده ، وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل : " خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء " ، ومنه قول زهير :
بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً... وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَم (3)
* * *
__________
(1) لم يتبع أبو جعفر في هذا الموضع ما درج عليه من ترجيح القول الذي يختاره . وهذا مما يدل على ما ذهبنا إليه ، أنه كان يختصر كلامه أحيانًا ، مخافة الإطالة . هذا إذا لم يكن في المخطوطات خرم أو اختصار من ناسخ أو كاتب .
(2) " خلوف " مصدر " خلف " ، ولم أجده في كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق في قياسه .
(3) ديوانه : من معلقته العتيقة . والهاء في " بها " إلى " ديار أم أوفى " صاحبته . والعين جمع عيناء : وهي بقر الوحش ، واسعة العيون جميلتها . والآرام جمع رئم : وهي الظباء الخوالص البياض ، تسكن الرمل . " خلفة " إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه . يصف مجيئها وذهوبها في براح هذه الرملة . والأطلاء جمع طلا : وهو ولد البقرة والظبية الصغير . ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء في هذه الرملة ، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه . يصف اختلاف الحركة في هذه الفقرة المهجورة التي فارقتها أم أوفى ، وقد وقف بها من بعد عشرين حجة - ، كما ذكر .

(3/272)


وأما " الليل " . فإنه جَمْع " ليلة " ، نظيرُ " التمر " الذي هو جمع " تمرة " . وقد يجمع " ليالٍ " ، فيزيدون في جَمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم " الياء " في ذلك نظير زيادتهم إياها في " ربَاعية وثَمانية وكرَاهية " .
* * *
وأما " النهار " ، فإنّ العرب لا تكاد تجمعه ، لأنه بمنزلة الضوء. وقد سمع في جَمعه " النُّهُر " ، قال الشاعر :
لَوْلا الثّرِيدانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ... ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ (1)
ءولو قيل في جمع قليله " أنهِرَة " كان قياسًا.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : إنّ في الفلك التي تجري في البحر.
* * *
و " الفلك " هو السُّفن ، واحدُه وجمعه بلفظ واحد ، ويذكَّر ويؤنث ، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى : ( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) [سورة يس : 41] ، فذكَّره.
* * *
وقد قال في هذه الآية : " والفلك التي تجري في البحر " ، وهي مُجْراة ، لأنها
__________
(1) تهذيب الألفاظ : 422 ، والمخصص 9 : 51 ، واللسان (نهر) ، والأزمنة والأمكنة 1 : 77 ، 155 وغيرها . ورواية اللسان والمخصص " لمتنا بالضمر " . والضمر (بضم الميم وسكونها) مثل العسر والعسر : الهزال ولحاق البطن من الجوع وغيره . والثريد : خبز يهشم ويبل بماء القدر ويغمس فيه حتى يلين .

(3/273)


إذا أجريت فهي " الجارية " ، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها. (1)
* * *
وأما قوله : " بما ينفع الناس " ، فإن معناه : ينفعُ الناسَ في البحر.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وما أنزل اللهُ من السماء من مَاء " ، وفيما أنزلهُ الله من السماء من ماء ، وهو المطر الذي يُنزله الله من السماء.
وقوله : " فأحيا به الأرضَ بَعدَ موتها " ، وإحياؤها : عمارَتُها ، وإخراج نباتها. و " الهاء " التي في " به " عائدة على " الماء " و " الهاء والألف " في قوله : " بعد موتها " على الأرض.
و " موت الأرض " ، خرابها ، ودُثور عمارتها ، وانقطاعُ نباتها ، الذي هو للعباد أقواتٌ ، وللأنام أرزاقٌ.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ }
قال أبو جعفر : بعني تعالى ذكره بقوله : " وبث فيها منْ كلّ دَابة " ، وإن فيما بثّ في الأرض من دابة.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 196 .

(3/274)


ومعنى قوله : " وبَث فيها " ، وفرَّقَ فيها ، من قول القائل : " بث الأميرُ سراياه " ، يعنى : فرَّق.
و " الهاء والألف " في قوله : " فيها " ، عائدتان على " الأرض " .
* * *
" والدابة " " الفاعلة " ، من قول القائل : " دبَّت الدابة تدبُّ دبيبًا فهي دابة " . " والدابة " ، اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه ، لدبيبه على الأرض.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وتصريف الرياح " ، وفي تصريفه الرياح ، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول ، كما تقول : (1) " يعجبني إكرام أخيك " ، تريد : إكرامُك أخَاك.
* * *
" وتصريف " الله إياها ، أنْ يُرسلها مَرَّة لَواقحَ ، ومرة يجعلها عَقيما ، ويبعثها عذابًا تُدمِّر كل شيء بأمر ربها ، كما : -
2405 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وتصريف الرياح والسحاب المسخر " قال ، قادرٌ والله ربُّنا على ذلك ، إذا شَاء [جعلها رَحمةً لواقح للسحاب ونشرًا بين يدي رحمته ، وإذا شاء] جَعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح ، إنما هي عَذابٌ على من أرسِلتْ عليه. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " كما قال : يعجبني . . يريد " ، والصواب ما أثبت .
(2) الزيادة بين القوسين من نص الدر المنثور 1 : 164 ، من نص تفسير قتادة الذي أخرجه الطبري .

(3/275)


وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله : " وتصريف الرياح " ، أنها تأتي مَرّة جنوبًا وشمالا وقبولا ودَبورًا. ثم قال : وذلك تصريفها. (1) وهذه الصفة التي وَصَفَ الرياح بها ، صفة تصرُّفها لا صفة تصريفها ، لأن " تصريفها " تصريفُ الله لها ، " وتصرفها " اختلافُ هُبوبها.
وقد يجوز أن يكون معنى قوله : " وتصريف الرياح " ، تصريفُ الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مَهابِّها.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " والسحاب المسخر " ، وفي السحاب ، جمع " سحابة " . يدل على ذلك قوله تعالى ذكره : ( وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ) [سورة الرعد : 12] فوحّد المسخر وذكره ، كما قالوا : " هذه تَمرة وهذا تمر كثير " . في جمعه ، " وهذه نخلة وهذا نخل " . (2)
وإنما قيل للسحاب " سحاب " إن شاء الله ، لجر بعضه بعضًا وسَحبه إياه ، من قول القائل : " مرّ فلان يَجر ذَيله " ، يعني : " يسحبه " .
* * *
فأما معنى قوله : " لآيات " ، فإنه عَلامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلِّه ومنشئه ، إله واحدٌ. (3)
* * *
__________
(1) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 97 .
(2) في المطبوعة : " كما قال : هذه ثمرة . . . " ، والصواب ما أثبته .
(3) انظر معنى " آية " فيما سلف 1 : 106 ، وفهارس اللغة . وقد ترك الطبري تفسيره " المسخر " ، وكأن في الأصول اختصارًا من ناسخ أو كاتب ، إن لم يكن من الطبري نفسه ، كما أشرت إليه فيما مضى .

(3/276)


" لقوم يعقلون " ، لمن عَقل مَوَاضع الحجج ، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته. فأعلم تعالى ذكره عبادَه ، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعت مُعتبَرًا لذوي العقول والتمييز ، دون غيرهم من الخلق ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي ، والمكلفين بالطاعة والعبادة ، ولهم الثواب ، وعليهم العقاب.
* * *
فإن قال قائل : وكيف احتج على أهل الكفر بقوله : " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار " الآية ، في توحيد الله ؟ وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً ؟
قيل : إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكرَ تعالى ذكره في هذه الآية ، دليلا على خالقه وصانعه ، وأنّ له مدبرًا لا يشبهه [شيء] ، وبارئًا لا مِثْل له. (1) وذلك وإن كان كذلك ، فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قومًا كانوا مُقرِّين بأنّ الله خالقهم ، غير أنهم يُشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان. (2) فحاجَّهم تعالى ذكره فقال - إذ أنكروا قوله : " وإلهكم إلهٌ واحد " ، وزعموا أن له شُركاء من الآلهة - : [إن إلهكم الذي خلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما. وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر] (3) وذلك هو معنى قوله : " والفلك التي تجري في البحر بما
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها هنا .
(2) انظر ما سلف في 1 : 371 ، والرد على من ظن أن العرب كانت غير مقرة بالوحدانية .
(3) هذه الجملة قد سقط منها شيء كثير ، فاختلت واضطربت ، وكأن صوابها ما يأتي : [إنّ إلهكم الذي خلق لَكم السَّموَات والأرض ، فخلق الأرض وقَدّر لكم فيها أرزاقكم وأقواتكم ، وخلق السَّمَوات وأجرى فيها الشمس والقمر دائبين في سيرهما - وذلك هو معنى : (واختلاف الليل والنهار) - وخلق الرياح التي تسوق السفن التي تحملكم فتجريها في البحر لتبتغوا من فضله] -

(3/277)


ينفع الناس " - وأنزل إليكم الغيثَ من السماء ، فأخصب به جنابكم بعد جُدوبه ، وأمرعه بعد دُثوره ، فَنَعَشكم به بعد قُنوطكم (1) - ، وذلك هو معنى قوله : " وَمَا أنزل الله من السماء من مَاء فأحيا به الأرض بعد موتها " - وسخَّر لكم الأنعام فيها لكمْ مطاعمُ ومَآكل ، ومنها جمالٌ ومراكبُ ، ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله : " وبث فيها من كل دابة " - وأرْسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم ، وسيَّر لكم السحاب الذي بَودَقْه حَياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله : " وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض " .
فأخبرهم أنّ إلههم هو الله الذي أنعمَ عليهم بهذه النعم ، وتفرَّد لهم بها. ثم قال : هل من شُركائكم مَن يفعل مِنْ ذلكم من شيء ، فتشركوه في عبادتكم إياي ، وتجعلوه لي نِدًّا وعِدلا ؟ فإن لم يكن من شُركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مِن شيء ، ففي الذي عَددت عليكم من نعمتي ، وتفردت لكم بأياديّ ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تَعقلون مواقعَ الحق والباطل ، والجور والإنصاف. وذلك أنّى لكم بالإحسان إليكم متفرِّد دون غيري ، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادًا. فهذا هو معنى الآية.
* * *
والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها ، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم ، دون المعطِّلة والدُّهْرية ، وإن كان في أصغر ما عدَّ الله في هذه الآية ، من الحجج البالغة ، المَقْنَعُ لجميع الأنام ، تركنا البيان عنه ، كراهة إطالة الكتاب بذكره.
__________
(1) أمرع الأرض : صيرها خصبة بعد الجدب . والدثور : الدروس ، يريد خرابها وانمحاء آثار عمارتها من النبات وغيره . وكان في المطبوعة : " فينعثكم " ، والصواب ما أثبت . ونعشه الله ينعشه : رفعه وتداركه برحمته .

(3/278)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له
وقد بينا فيما مضى أن " الندّ " ، العدل ، بما يدل على ذلك من الشواهد ، فكرهنا إعادته. (1)
* * *
وأن الذين اتخذوا هذه " الأنداد " من دُون الله ، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًا لله ، من متخذي هذه الأنداد لأندادهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في " الأنداد " التي كان القوم اتخذوها. وما هي ؟
* * *
فقال بعضهم : هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.
* ذكر من قال ذلك.
2406 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " ومن الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله " ، من الكفار لأوثانهم.
2407 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى ذكره : " يحبونهم كحب الله " ، مباهاةً ومُضاهاةً للحقّ بالأنداد ، " والذين آمنوا أشد حبًا لله " ، من الكفار لأوثانهم.
2408 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 368 - 370 .

(3/279)


2409 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " ومن الناس من يتخذُ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله " قال ، هي الآلهة التي تُعبد من دون الله ، يقول : يحبون أوثانهم كحب الله ، " والذين آمنوا أشد حبًا لله " ، أي من الكفار لأوثانهم.
2410 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ومنَ الناس من يَتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله " قال ، هؤلاء المشركون. أندادُهم : آلهتهم التي عَبدوا مع الله ، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله ، والذين آمنوا أشد حبًا لله من حبهم هم آلهتُهم.
* * *
وقال آخرون : بل " الأنداد " في هذا الموضع ، إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره.
* ذكر من قال ذلك :
2411 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ومنَ الناس من يَتخذ من دُون الله أندادًا يحبونهم كحب الله " قال ، الأنداد من الرجال ، يطيعونهم كما يطيعون الله ، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا الله. (1)
* * *
فإن قال قائل : وكيف قيل : " كحب الله " ؟ وهل يحب الله الأنداد ؟ وهل كان مُتخذو الأنداد يحبون الله ، فيقال : " يُحيونهم كحب الله " ؟
قيل : إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه ، وإنما ذلك نظير قول القائل : (2) " بعت غُلامي كبيع غلامِك " ، بمعنى : بعته كما بيع غلامك ، وكبيْعك
__________
(1) الأثر : 2411 - في المطبوعة : " حدثني موسى قال حدثنا أسباط " ، أسقط منه " قال حدثنا عمرو " ، وهو إسناد دائر في التفسير ، أقر به رقم : 2404 . ثم انظر ص : 288 س : 11 فسيأتي تأويله وبيانه عن قول السدي .
(2) في المطبوعة : " وإنما نظير ذلك " ، وأثبت أولى العبارتين بالسياق والمعنى .

(3/280)


غُلامَك ، " واستوفيتُ حَقي منه استيفاء حَقك " ، بمعنى : استيفائك حقك ، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطَب ، اكتفاء بكنايته في " الغلام " و " الحق " ، كما قال الشاعر :
فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيَّا... عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيم الأمِيرِ (1)
يعنى بذلك : كما يُسلَّم على الأمير.
* * *
فمعنى الكلام إذًا : ومنَ الناس من يتخذ ، أيها المؤمنون ، من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله. (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأه عامة أهل المدينة والشأم : " ولوْ ترى الذين ظَلموا " بالتاء " إذ يَرون العذابَ " بالياء " أن القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب " بفتح " أنّ " و " أنّ " كلتيهما - بمعنى : ولو ترى يا محمد
__________
(1) لم أعرف قائله . وسيأتي في هذا الجزء 3 : 311 ، وهو من أبيات أربعة في البيان والتبيين 4 : 51 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 100 ، وأمالي الشريف 1 : 215 . وبعد البيت : أَميرٌ يأكُلُ الفَالُوذَ سِرًّا ... ويُطْعِمُ ضيفَهُ خُبْزَ الشَّعِير!
أتذكُرُ إذْ قَبَاؤك جلْدُ شاةٍ ... وَإِذْ نَعْلاَكَ من جِلْدِ البَعِيرِ?
فسُبْحان الذي أعطاك مُلْكًا ... وعَلَّمك الجلوسَ على السَّرِير!!
(2) في المطبوعة : " كحب الله " ، وليس هذا تفسيرًا على سياق كلامه وتفسيره ، بل هو نص الآية ، والصواب ما أثبت .

(3/281)


الذين كفروا وَظَلموا أنفسهم ، حينَ يَرون عذابَ الله ويعاينونه " أنّ القوة لله جميعًا وأن الله شديدُ العذاب " .
ثم في نصَبْ " أنّ " و " أنّ " في هذه القراءة وجهان : أحدهما أن تُفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : ولو ترى يَا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله ، لأقروا - ومعنى ترى : تبصر - أن القوة لله جميعًا ، وأنّ الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ - إذا فتحت " أن " على هذا الوجه - متروكًا ، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه ، ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح " أن " ، على قراءة من قرأ : " ولو ترى " ب " التاء " .
والوجهُ الآخر في الفتح : أن يكون معناه : ولو ترى ، يا محمد ، إذ

(3/282)


يَرى الذين ظلموا عذابَ الله ، لأن القوة لله جميعًا ، وأن الله شديد العذاب ، لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف " اللام " ، فتفتح بذلك المعنى ، لدلالة الكلام عليها.
* * *
وقرأ ذلك آخرون من سَلف القراء : " ولو تَرى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعًا وإن الله شديدُ العذاب " . بمعنى : ولو ترى ، يا محمد ، الذين ظلموا حين يعاينون عذابَ الله ، لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرًا مبتدأ عن قدرته وسلطانه ، بعد تمام الخبر الأول فقال : " إن القوة لله جميعًا " في الدنيا والآخرة ، دون من سواه من الأنداد والآلهة ، " وإن الله شديد العذاب " لمن أشرك به ، وادعى معه شُركاء ، وجعل له ندًا.
* * *
وقد يحتمل وجهًا آخر في قراءة من كسر " إن " في " ترى " بالتاء. وهو أن يكون معناه : ولو ترَى ، يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذابَ يقولون : إنّ القوة لله جميعًا وإنّ الله شديد العذاب. ثمّ تحذفُ " القول " وتَكتفي منه بالمقول.
* * *
وقرأ ذلك آخرون : " ولو يَرَى الذين ظلموا " بالياء " إذ يَرَون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شَديدُ العذاب " بفتح " الألف " من " أنّ " " وأنّ " ، بمعنى : ولو يرى الذين ظلموا عذابَ الله الذي أعد لهم في جهنم ، لعلموا حين يَرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب ، إذ يرون العذاب. فتكون " أن " الأولى منصوبة لتعلقها بجواب " لو " المحذوف ، ويكون الجواب متروكًا ، وتكون الثانية معطوفة على الأولى. وهذه قراءة عامة القرّاء الكوفيين والبصريين وأهل مكة.
* * *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أنّ تأويل قراءة من قرأ : " ولو يَرَى الذين ظلموا إذ يرون العذابَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب " بالياء في " يرى " وفتح " الألفين " في " أن " " وأن " - : ولو يعلمون ، (1) لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عَلم ، فإذا قال : " ولو ترى " ، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو كسر " إنّ " على الابتداء ، إذا قال : " ولو يرى " جاز ، لأن " لو يرى " ، لو يعلم.
وقد تكون " لو " في معنى لا يَحتاج معها إلى شيء. (2) تقول للرجل : " أمَا وَالله لو يعلم ، ولو تعلم " (3) كما قال الشاعر : (4)
إنْ يكُنْ طِبَّكِ الدّلالُ ، فلَوْ فِي... سَالِفِ الدَّهْرِ والسِّنِينَ الخَوَالِي! (5)
__________
(1) يريد أن " يرى " بمعنى : يعلم . وقاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : 62 .
(2) في المطبوعة : " وقد تكون " لو يعلم " في معنى لا يحتاج . . . " ، والصواب حذف " يعلم " فإنه أراد " لو " وحدها ، وذلك ظاهر في استدلاله بعد .
(3) في المطبوعة : " لو يعلم " في الموضعين ، والصواب جعل إحداهما بالياء . والأخرى بالتاء .
(4) هو عبيد بن الأبرص .
(5) ديوانه : 37 ، من قصيدة جيدة يعاتب امرأته وقد عزمت على فراقه ، وقبله : تلكَ عِرْسِي تَرُومُ قِدْمًا زِيَالِي ... أَلِبَيْنٍ تُرِيد أَمْ لِدَلاَلِ?
والزيال : المفارقة . وقوله : " طبك " ، أي شهوتك وإرادتك وبغيتك . يقول لها : إن كنت الدلال على تبغين وترومين ، فقد مضى حين ذلك ، أيام كنا شبابًا في سالف دهرنا وليالينا الخوالي! إذ - : أنْت بَيْضَاءُ كالمهاة ، وإِذْا ... آتِيكِ نَشْوَانَ مُرْخِيًا أَذْيالِي

(3/283)


هذا ليس له جواب إلا في المعنى ، وقال الشاعر (1)
وَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ ، وَلا... تَذْهَبْ بِكَ التُّرَّهَاتُ فِي الأهْوَالِ (2)
فأضمر : فعيشي. (3)
قال : وقرأ بعضهم : " ولو تَرى " ، وفتح " أن " على " ترى " . وليس بذلك ، (4) لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناسُ ، كما قال تعالى ذكره : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) [سورة السجدة : 3] ، ليخبر الناس عن جهلهم ، وكما قال : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) [سورة البقرة : 107]. (5)
* * *
قال أبو جعفر : وأنكر قوم أن تكون " أنّ " عاملا فيها قوله : " ولو يرى " . وقالوا : إنّ الذين ظلموا قَد علموا حين يَرون العذاب أن القوة لله جميعًا ، فلا وجه لمن تأوَّل ذلك : ولو يَرى الذين ظلموا أنّ القوة لله. وقالوا : إنما عمل في " أن " جواب " لو " الذي هو بمعنى " العلم " ، لتقدم " العلم " الأول. (6)
* * *
__________
(1) هو عبيد بن الأبرص أيضًا من قصيدته السالفة .
(2) ديوانه : 37 ، وسيأتي في التفسير 7 : 117 ، وهو في الموضعين مصحف . كان هنا " وبحظ ما تعيش " . قال لها ذلك بعد أن ذكر أنها زعمت أنه كبر وقل ماله ، وضن عنه إخوانه وأنصاره . ثم أمرها أن ترفض مقالة العاذلين ، ويعظها أن تعيش معه بما يعيش به . والترهات جمع ترهة : وهي أباطيل الأمور . والأهوال جمع هول : وهو الأمر المخيف . ثم ذكر لها أمر أهلها إذا فارقته إليهم وما تلقاه من أهوال ، فقال : مِنْهُمُ مُمْسِكٌ ، ومِنْهم عَدِيمٌ ، ... وبَخِيلُ عَلَيْكِ فِي بُخّالِ
(3) في المطبوعة : " فأضمر : عش " ، والصواب ما أثبت ، وستأتي على الصواب في الجزء السابع .
(4) قوله : " ليس بذلك " ، أي قول ضعيف ليس بذلك القوي .
(5) انظر ما سلف 2 : 484 - 488 .
(6) يعني بالعلم الأول " لو يرى " بمعنى " لو يعلم " ، والآخر الجواب المحذوف : " لعلموا " .

(3/284)


وقال بعض نحويي الكوفة : مَنْ نصب : " أن القوة لله وأن الله شديد العذاب " ممن قرأ : " ولو يَرَى " بالياء ، فإنما نصبها بإعمال " الرؤية " فيها ، وجعل " الرؤية " واقعةً عليها. وأما مَنْ نصبها ممن قرأ : " ولو ترى " بالتاء ، فإنه نَصبَها على تأويل : لأنّ القوة لله جميعًا ، ولأن الله شديد العذاب. قال : ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء ، فإنه يكسرهما على الخبر.
* * *
وقال آخرون منهم : فتح " أنّ " في قراءة من قرأ : " ولو يَرَى الذين ظلموا " بالياء ، بإعمال " يرى " ، وجوابُ الكلام حينئذ متروك ، كما ترك جواب : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ ) [سورة الرعد : 31] ، لأن معنى الجنة والنار مكررٌ معروف. (1) وقالوا : جائز كسر " إن " ، في قراءة من قرأ ب " الياء " ، وإيقاع " الرؤية " على " إذ " في المعنى ، وأجازوا نصب " أن " على قراءة من قرأ ذلك ب " التاء " ، لمعنى نية فعل آخر ، وأن يكون تأويل الكلام : " ولو ترى الذين ظَلموا إذ يرون العذاب " ، [يرَون] أنّ القوة لله جميعا ، (2) وزعموا أن كسر " إنّ " الوجهُ ، إذا قرئت : " ولو تَرَى " ب " التاء " على الاستئناف ، لأن قوله : " ولو ترى " قد وَقع على " الذين ظلموا " . (3)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا في ذلك : " ولو تَرَى الذين ظلموا " - بالتاء من " ترى " - " إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب " بمعنى : لرأيتَ أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب. فيكون قوله : " لرأيت " الثانية ، محذوفةً مستغنى بدلالة قوله : " ولو ترى الذين ظلموا " ، عن ذكره ، وإن
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 97 ، وفيه " معاني الجنة . . . " ، والصواب ما في الطبري وإحدى نسخ معاني القرآن .
(2) الذي بين القوسين زيادة لا بد منها ، وإلا اختل الكلام ، واستدركتها من معاني القرآن للفراء 1 : 98 .
(3) هذا قول الفراء في معاني القراء 1 : 97 - 98 ، مع بعض التصرف في اللفظ . وقوله : " وقع " ، و " الوقوع " يعني به تعدي الفعل إليه . وانظر فهرس المصطلحات .

(3/285)


كان جوابًا ل " لو " . (1)
ويكون الكلام ، وإن كان مخرجه مَخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - معنيًّا به غيره. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالمًا بأن القوة لله جميعًا ، وأن الله شديد العذاب. ويكون ذلك نظيرَ قوله : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) [سورة البقرة : 107] وقد بيناه في موضعه. (2)
وإنما اخترنا ذلك على قراءة " الياء " ، لأن القوم إذا رَأوا العذاب ، قَد أيقنوا أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب ، فلا وجه أن يُقال : لو يرون أنّ القوة لله جميعًا - حينئذ. لأنه إنما يقال : " لو رأيت " ، لمن لم يرَ ، فأما من قد رآه ، فلا معنى لأن يقال له : " لو رأيت " .
* * *
ومعنى قوله : " إذ يَرون العذاب " ، إذ يُعاينون العذاب ، كما : -
2412 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " ولو يرى الذين ظَلموا إذ يَرون العذابَ أن القوة لله جميعًا ، وأن الله شديد العذاب " ، يقول : لو عاينوا العذاب.
* * *
وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : " ولو تَرَى الذين ظلموا " ، ولو ترى ، يا محمد ، الذين ظلموا أنفسهم ، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي ، حين يُعاينون عَذابي يومَ القيامة الذي أعددتُ لهم ، لعلمتم أن القوة كلها لي دُون الأنداد والآلهة ، وأنّ الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا ، ولا تدفع عنهم عذابًا أحللتُ بهم ، وأيقنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كفر بي ، وادَّعى مَعي إلهًا غيري.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وإن كان جوابًا . . . " ، والصواب ما أثبت .
(2) انظر ما سلف 2 : 484 - 488 .

(3/286)


إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)

القول في تأويل قوله تعالى{ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إذْ تبرَأ الذين اتُّبعوا منَ الذين اتبعوا ورَأوا العذاب " ، إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعواهم. (1)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عَنى الله تعالى ذكره بقوله : " إذ تَبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا " ، فقال بعضهم بما : -
2413 - حدثنا به بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " إذ تبرأ الذين اتُّبعوا " ، وهم الجبابرة والقادةُ والرؤوس في الشرك ، " من الذين اتَّبعوا " ، وهم الأتباع الضعفاء ، " ورأوا العذاب " .
2414 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا " قال ، تبرأت القادةُ من الأتباع يوم القيامة.
2415 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، ابن جريج : قلت لعطاء : " إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا " قال ، تبرأ رؤساؤهم وقادَتهم وساداتهم من الذين اتبعوهم.
* * *
وقال آخرون بما : -
2416 - حدثني به موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
__________
(1) في المطبوعة : " من الذين اتبعوا " مرة أخرى ، والصواب " اتبعوهم " كما أثبت ، وإلا لم يكن ذلك إلا تكرارًا بلا معنى .

(3/287)


أسباط ، عن السدي : " إذ تبرأ الذين اتُّبعُوا من الذين اتُّبعوا " ، أما " الذين اتُّبعوا " ، فهم الشياطين تبرأوا من الإنس.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول عندي في ذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ أنّ المتَّبَعين على الشرك بالله يتبرأون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله. ولم يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض ، بل عَمّ جميعهم. فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتَّبعونه على الضلال في الدنيا ، إذا عاينوا عَذابَ الله في الآخرة.
* * *
وأما دِلالة الآية فيمن عنى بقوله : " إذ تَبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا " ، فإنها إنما تدل على أنّ الأنداد الذين اتخذهم مِن دون الله مَنْ وَصَف تعالى ذكره صفتَه بقوله : " ومنَ الناس مَن يَتخذُ من دُون الله أندادًا " ، هم الذين يتبرأون من أتباعهم.
وإذ كانت الآيةُ على ذلك دَالّةً ، صحّ التأويل الذي تأوله السدي في قوله : (1) " ومن الناس مَنْ يَتخذ من دون الله أندادًا " ، أن " الأنداد " في هذا الموضع ، إنما أريد بها الأندادُ من الرجال الذين يُطيعونهم فيما أمرُوهم به من أمر ، ويَعصُون الله في طاعتهم إياهم ، كما يُطيع اللهَ المؤمنون ويَعصون غيره وفسد تأويل قول من قال : (2) " إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا " ، إنهم الشياطين تَبرءوا من أوليائهم من الإنس. لأن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن مُتخذي الأنداد.
* * *
__________
(1) انظر الأثر رقم : 2411 .
(2) قوله : " وفسد " معطوف على قوله : " صح " .

(3/288)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ (166) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : أن الله شديد العذاب ، إذ تبرأ الذين اتبعوا ، وإذ تَقطعت بهم الأسباب.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الأسباب " . فقال بعضهم بما : -
2417 - حدثني به يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل بن عياض - وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، - عن عبيد المكتب ، عن مجاهد : " وتَقطعت بهمُ الأسباب " قال ، الوصال الذي كان بينهم في الدنيا. (1)
2418 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن عبيد المكتب ، عن مجاهد : " وتقطَّعت بهم الأسباب " قال ، تواصلهم في الدنيا. (2)
2419 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ، حدثنا أبو أحمد - جميعًا قالا حدثنا سفيان ، عن عبيد المكتب ، عن مجاهد بمثله.
__________
(1) الخبر : 2417 - فضيل بن عياض بن مسعود التميمي الزاهد الخراساني : ثقة ، قال ابن سعد : " كان ثقة ثبتًا فاضلا عابدًا ورعًا كثير الحديث " . مات في أول المحرم سنة 187 بمكة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/123 ، والصغير : 209 ، وابن سعد 5 : 366 ، وابن أبي حاتم 3/2/73 .
وهذا الخبر يرويه أبو جعفر بإسنادين : من طريقي الفضيل بن عياض ، ثم من طريقي جرير ، وهو ابن عبد الحميد الضبي - كلاهما عن عبيد المكتب . ثم سيرويه عقب ذلك ، بإسنادين آخرين : 2418 ، 2419 ، من رواية سفيان ، وهو الثوري ، عن عبيد المكتب .
و " عبيد المكتب " ، بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء المثناة ، من " الإكتاب " ، أي تعليم الكتابة : هو عبيد بن مهران الكوفي ، وهو ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 237 ، وابن أبي حاتم 3/1/2 .
(2) الخبر : 2418 - إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، شيخ الطبري : ثقة مأمون . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/1/211 ، وتاريخ بغداد 6 : 370 .

(3/289)


2420 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد : " وتقطعت بهم الأسباب " قال ، المودّة.
2421 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
2422 - حدثني القاسم قال ، حدثني الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : تواصلٌ كان بينهم بالمودة في الدنيا.
2423 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى قال ، أخبرني قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره : " وتقطّعت بهم الأسباب " قال ، المودة.
2424 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وتقطعت بهم الأسباب " ، أسبابُ الندامة يوم القيامة ، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ، ويتحابُّون بها ، فصارت عليهم عداوةً يوم القيامة ، ثم يوم القيامة يكفر بعضُكم ببعض ، ويلعن بعضُكم بعضًا ، ويتبرأ بعضُكم من بعض. وقال الله تعالى ذكره : ( الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ) [سورة الزخرف : 67] ، فصارت كل خُلَّة عداوة على أهلها إلا خُلة المتقين.
2425 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " قال ، هو الوصْل الذي كان بينهم في الدنيا.
2426 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " وتقطعت بهم الأسباب " ، يقول : الأسبابُ ، الندامة.
* * *
وقال بعضهم : بل معنى " الأسباب " ، المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا.

(3/290)


* ذكر من قال ذلك :
2427 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وتقطعت بهم الأسباب " ، يقول : تقطّعت بهم المنازلُ.
2428 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : " وتقطعت بهم الأسباب " قال ، الأسباب المنازل.
* * *
وقال آخرون : " الأسباب " ، الأرحام.
* ذكر من قال ذلك :
2429 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، وقال ابن عباس : " وتقطعت بهم الأسباب " قال ، الأرحام.
* * *
وقال آخرون : " الأسباب " ، الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
2430 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أمّا " وتقطعت بهم الأسباب " ، فالأعمال.
2431 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " قال ، أسباب أعمالهم ، فأهل التقوى أعطوا أسبابَ أعمالهم وَثيقةً ، فيأخذون بها فينجُون ، والآخرون أعطوا أسبابَ أعمالهم الخبيثة ، فتقطَّعُ بهم فيذهبون في النار.
* * *

(3/291)


قال أبو جعفر : (1) " والأسباب " ، الشيء يُتعلَّقُ به. قال : و " السبب " الحبل. " والأسباب " جمع " سَبب " ، وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طَلبِته وحاجته. فيقال للحبل " سبب " ، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به. ويقال للطريق " سبب " ، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه. وللمصاهرة " سبب " ، لأنها سَببٌ للحرمة. وللوسيلة " سَبب " ، للوصول بها إلى الحاجة ، وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة ، فهو " سبب " لإدراكها.
فإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول في تأويل قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبرَ أن الذين ظلموا أنفسهم - من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار - يتبرأ عند معاينتهم عذابَ الله المتبوعُ من التابع ، وتتقطع بهم الأسباب.
وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بَعضهم يلعنُ بعضًا ، وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه : ( مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) [سورة إبراهيم : 22] ، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ، وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضًا ، فقال تعالى ذكره : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ) [سورة الصافات : 24 - 25] وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه ، وإن كان نسيبه لله وليًّا ، فقال تعالى ذكره في ذلك : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) [سورة التوبة : 114] وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تَصيرُ عليهم حسرات.
وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب ، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به ، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه ، فهي منقطعة
__________
(1) من أول هذه الفقرة ، كلام أبي جعفر ، وأخشى أن يكون سقط شيء قبله . وهذا الابتداء على كل حال ، جار على غير النهج الذي سار عليه كتابه من قبل ومن بعد .

(3/292)


وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)

بأهلها. فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم ، (1)
ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم ؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم ، ولا أغنت عنهم أعمالهم ، بل صارت عليهم حسرات. فكل أسباب الكفار منقطعة.
فلا مَعْنِىَّ أبلغُ - في تأويل قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " - من صفة الله [ذلك] وذلك ما بيَّنا من [تقطّع] جَميع أسبابهم دون بَعضها ، (2) على ما قلنا في ذلك. ومن ادعى أن المعنيَّ بذلك خاص من الأسباب ، سُئل عن البيان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه ، وعورض بقول مخالفه فيه. فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : " وقَال الذين اتَّبعوا " ، وقال أتباع الرجال - الذين كانوا اتخذوهم أندادًا من دون الله يطيعونهم في معصية الله ، ويَعصُون ربَّهم في طاعتهم ، إذ يرون عَذابَ الله في الآخرة - : " لو أن لنا كرة " .
* * *
يعني " بالكرة " ، الرجعةَ إلى الدنيا ، من قول القائل : " كررَت على القوم أكُرَّ كرًّا " ، و " الكرَّة " المرة الواحدة ، وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم ، كما قال الأخطل :
__________
(1) في المطبوعة : " ينفعهم " ، والصواب ما أثبت ، فالأفعال قبله وبعده كلها ماضية . والخلال مصدر خاله (بشديد اللام) يخاله مخالة وخلالا : وهي الصداقة والمودة ، يقول امرؤ القيس : صَرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى ... فَلَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ وَلاَ قَالي
(2) الزيادة التي بين الأقواس ، لا بد منها حتى يستقم صدر الكلام وآخره ، في الجملة التالية . ويعني بقوله " صفة الله " : ما وصف الله سبحانه من تقطع أسباب الكافرين يوم القيامة ، كالذي عدده آنفًا في الفقرة السالفة .

(3/293)


وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً... كَرَّ الْمَنِيحِ ، وَجُلْنَ ثَمَّ مَجَالا (1)
وكما : -
2432 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا " ، أي : لنا رجعةً إلى الدنيا.
2433 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " وقال الذين اتبعوا لو أنّ لنا كرة " قال ، قالت الأتباع : لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا.
* * *
وقوله : " فنتبرأ منهم " منصوبٌ ، لأنه جواب للتمني ب " الفاء " . لأن القوم تمنوا رجعةً إلى الدنيا ليتبرأوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله ، كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا ، المتبوعون فيها على الكفر بالله ، إذْ عاينوا عَظيم النازل بهم من عذاب الله ، (2) فقالوا : يا ليت لنا كرّة إلى الدنيا فنتبرأ منهم ، و( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [سورة الأنعام : 27]
* * *
__________
(1) ديوانه 48 ، ونقائض جرير والأخطل : 79 . وفي المطبوعة : " كر المشيح " ، وهو خطأ وفي الديوان " على قدارة " ، وهو خطأ . وفزارة بن ذبيان بن بغيض . والمنيح : قدح لاحظ له في الميسر ، وأقداح الميسر سبعة دوات أنصباء ، وأربعة لا نصيب لها مع السبعة ، ولكنها تعاد معها في كل ضربة . وقوله : " عطفن " يعني الخيل ، ذكرها في بيت قبله . وقد مضى من هذه القصيدة أبيات في 2 : 38 ، 39 ، 492 ، 496 .
(2) في المطبوعة : " إذا عاينوا " ، وهو خطأ .

(3/294)


القول في تأويل قوله تعالى : { كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ }
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : " كذلك يُريهمُ الله أعمالهم " ، يقول : كما أراهم العذابَ الذي ذكره في قوله : " ورأوا العذاب " ، الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله " حسرات عليهم " يعني : نَدامات.
* * *
" والحسرات " جَمع " حَسْرة " . وكذلك كل اسم كان واحده على " فَعْلة " مفتوح الأول ساكن الثاني ، فإن جمعه على " فَعَلات " مثل " شَهوة وتَمرة " تجمع " شَهوات وتَمرات " مثقَّلة الثواني من حروفها. فأما إذا كان نَعتًا فإنك تَدع ثانيَه ساكنًا مثل " ضخمة " ، تجمعها " ضخْمات " و " عَبْلة " تجمعها " عَبْلات " ، وربما سُكّن الثاني في الأسماء ، كما قال الشاعر : (1)
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِهَا... يُدِلْنَنَا اللَّمَّة مِنْ لَمَّاتِهَا... فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا (2)
فسكنّ الثاني من " الزفرات " ، وهي اسم. وقيل : إن " الحسرة " أشد الندامة.
* * *
__________
(1) لم أعرف قائله .
(2) سيأتي في التفسير 24 : 43 / 30 : 34 (بولاق) بزيادة بيت . والعيني 4 : 396 واللسان (لمم) (زفر) (علل) وغيرها . والدولة (بفتح فسكون) والدولة (بضم الدال) : العقبة في المال والحرب وغيرهما ، وهو الانتقال من حال إلى حال ، هذا مرة وهذا مرة . ودالت الأيام : دارت بأصحابها . ويروي : " تديلنا " وأداله : جعل له العقبة في الأمر الذي يطلبه أو يتمناه ، بتغيره وانتقاله عنه إلى حال أخرى . واللمة : النازلة من نوازل الدهر ، كالملمة . والبيت الرابع الذي زاده الطبري : وَتَنْقَعُ الغُلّة من غُلاّتِها
والغلة : شدة العطش وحرارته . ونقع الغلة : سكنها وأطفأها وأذهب ظمأها .

(3/295)


فإن قال لنا قائل : فكيف يَرَون أعمالهم حَسرات عليهم ، وإنما يتندم المتندم عَلى تَرْك الخيرات وفوتها إياه ؟ وقد علمت أنّ الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندّمون على تركهم الازديادَ منه ، فيريهم الله قليلَه! (1) بل كانت أعمالهم كلها معاصيَ لله ، ولا حسرةَ عليهم في ذلك ، وإنما الحسرة فيما لم يَعملوا من طاعة الله ؟
قيل : إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون ، فنذكر في ذلك ما قالوا ، ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله.
فقال بعضهم : معنى ذلك : كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيَّعوها ولم يعملوا بها ، حتى استوجب ما كان الله أعدَّ لهم ، لو كانوا عملوا بها في حياتهم ، من المساكن والنِّعم غيرُهمْ بطاعته ربَّه. (2) فصار ما فاتهم من الثواب - الذي كان الله أعدَّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا ، إذ عاينوه (3) عند دخول النار أو قبل ذلك - أسًى وندامةً وحسرةً عليهم.
* ذكر من قال ذلك :
2434 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " كذلك يُريهم الله أعمالهم حَسرات عليهم " ، زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها ، لو أنهم أطاعوا الله ، فيقال لهم : تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تُقسَّم بين المؤمنين ، فيرثونهم. فذلك حين يندمون.
2435 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال ، حدثنا أبو الزعراء ، عن عبد الله - في
__________
(1) قوله : " فيريهم الله قليله " ، يعني به : فيريهم الله أنه قليل ، فيتمنون أن لو كانوا ازدادوا من فعله حتى يكثر .
(2) سياق هذه الجملة : حتى استوجب غيرهم بطاعته ربه ، ما كان الله أعد لهم . . . " فقدم وأخر وفصل ، كعادته .
(3) في المطبوعة : " إذا عاينوه " ، والصواب ما أثبت .

(3/296)


قصة ذكرها - فقال : فليس نَفْسٌ إلا وهي تنظر إلى بَيتٍ في الجنة وبَيتٍ في النار ، وهو يومُ الحسرة. قال : فيرى أهلُ النار الذين في الجنة ، فيقال لهم : لو عَملتم! فتأخذهم الحسرة. قال : فيرى أهلُ الجنة البيتَ الذي في النار ، فيقال : لولا أن منَّ الله عليكم! (1)
* * *
فإن قال قائل : وكيف يكون مضافًا إليهم من العمل ما لم يَعملوه على هذا التأويل ؟
قيل : كما يُعرض على الرجل العملُ فيقال [له] قبل أن يعمله : (2) هذا عملك. يعني : هذا الذي يجب عليك أن تَعمله ، كما يقال للرجل يَحضُر
__________
(1) الحديث : 2435 - سفيان : هو الثوري . سلمة بن كهيل الحضرمي . سبق توثيقه : 439 ، ونزيد هنا أن الثوري قال : " كان ركنًا من الأركان " . وقال أحمد : " سلمة متقن الحديث " . وقال أبو زرعة : " كوفي ثقة مأمون ذكي " . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/75 ، وابن سعد 6 : 221 ، وابن أبي حاتم 2/1/170 - 171 ، وتاريخ الإسلام 5 : 81 - 82 .
أبو الزعراء - بفتح الزاي والراء بينهما عين مهملة ساكنة ؛ هو عبد الله بن هانئ أبو الزعراء الكبير ، وهو خال سلمة بن كهيل . وهو ثقة من كبار التابعين . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 119 ، وابن أبي حاتم 2/2/195 .
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل - كما قال الطبري هنا : " في قصة ذكرها " وستأتي قطعة أخرى منه في الطبري 15 : 97 (بولاق) . وهو حديث موقوف من كلام ابن مسعود ولكنه - عندنا - وإن كان موقوفًا لفظًا ، فإنه مرفوع حكمًا ، لأنه في صفة آخر الزمان ، وما يأتي من الفتن ، ثم فناء الدنيا ، ثم البعث والنشور والشفاعة ، وما إلى ذلك ، مما لا يعلم بالرأي .
وقد رواه - بطوله كاملا - الحاكم في المستدرك 4 : 496 - 498 ، من طريق الحسين بن حفص الإصبهاني ، عن سفيان ، بهذا الإسناد . وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 328 - 330 ، بطوله ، وقال : رواه الطبراني وهو موقوف ، مخالف للحديث الصحيح وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أول شافع " ! هكذا قال الهيثمي ولم يذكر شيئًا عن إسناده . وليس هذا موضع التعقب على تعليله .
وروى أبو داود الطيالسي : 389 - قطعة أخرى منه ، عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه . و " يحيى بن سلمة " . ضعيف جدًا . قال البخاري في الصغير ، ص : 143 " منكر الحديث " ولا يضر ضعف الإسناد عند الطيالسي ، إذ جاء الحديث - كما ترى - بإسناد صحيح ، من رواية سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل .
(2) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام .

(3/297)


غَداؤه قبل أن يَتغدى به : (1) هذا غَداؤك اليوم. يعني به : هذا ما تَتغدى به اليوم. فكذلك قوله : " كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " ، يعني : كذلك يُريهم الله أعمالهم التي كان لازمًا لهم العمل بها في الدنيا ، حسرات عليهم.
* * *
وقال آخرون : كذلك يُريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم ، لم عَملوها ؟ وهلا عملوا بغيرها مما يُرضي الله تعالى ذكره ؟
* ذكر من قال ذلك :
2436 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " ، فصَارت أعمالهم الخبيثة حَسرةً عليهم يوم القيامة.
2437 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أعمالهم حسرات عليهم " قال ، أوليس أعمالهم الخبيثةُ التي أدخلهم الله بها النار ؟ [فجعلها] حسرات عليهم. (2) قال : وجعل أعمالَ أهل الجنة لهم ، وقرأ قول الله : ( بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ ) [سورة الحاقة : 24]
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال : معنى قوله : " كذلك يُريهم الله أعمالهمْ حَسرات عليهم " ، كذلك يُرِي الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم ، لم عملوا بها ؟ وهلا عملوا بغيرها ؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة ، إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها ، (3) لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندمًا عليهم.
__________
(1) في المطبوعة : " كما يقال للرجل " ، وزيادة الواو لازمة .
(2) الزيادة بين القوسين مما يستقيم به معنى الكلام ، ليطابق القول الذي قاله هؤلاء . ويوافق الشطر الثاني من هذا الخبر في ذكر أعمال أهل الجنة .
(3) في المطبوعة : " إذا رأوا جزاءها " ، والصواب ما أثبت .

(3/298)


فالذي هو أولى بتأويل الآية ، ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة له على أنه المعنيُّ بها. (1) والذي قال السدي في ذلك ، وإن كان مَذهبًا تحتمله الآية ، فإنه مَنزع بعيد. ولا أثر - بأنّ ذلك كما ذكر - تقوم به حُجة فيسلم لها ، (2) ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذْ كان الأمر كذلك ، لم يُحَلْ ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل. (3)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : وما هؤلاء الذين وصَفتهم من الكفار وإنْ نَدموا بعد معاينتهم مَا عاينوا من عذاب الله ، فاشتدت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة ، وتمنَّوا إلى الدنيا كرةً ليُنيبوا فيها ، ويتبرأوا من مُضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيها بخارجين من النار التي أصلاهُموها الله بكفرهم به في الدنيا ، ولا ندمُهم فيها بمنجيهم من عذاب الله حينئذ ، ولكنهم فيها مخلدون.
* * *
وفي هذه الآية الدلالةُ على تكذيب الله الزاعمين أن عَذابَ الله أهلَ النار من أهل الكفر مُنقضٍ ، وأنه إلى نهاية ، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ. لأن الله تعالى ذكره أخبرَ عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غيرُ خارجين من النار ، بغير استثناء منه وَقتًا دون وقت. فذلك إلى غير حدّ ولا نهاية.
* * *
__________
(1) انظر تفسير معنى : " الظاهر ، والباطن " فيما سلف 2 : 15 ، واطلبه في فهرس المصطلحات .
(2) في المطبوعة : " تقوم له حجة " ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت .
(3) في المطبوعة : " فإذا كان الأمر . . . " ، والصواب ما أثبت . وقوله : " لم يحل " من أحال الشيء يحيله : إذا حوله من مكان إلى مكان ، أو من وجه إلى وجه .

(3/299)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)

القول في تأويل قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : يا أيّها الناسُ كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيَّبْته لكم - مما تُحرِّمونه عَلى أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرِّمه عليكم دون مَا حرَّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجَّسته من مَيتة ودم ولحم خنزير وما أهِلّ به لغيري. ودَعوا خُطوات الشيطان - الذي يوبقكم فيهلككم ، ويوردكم مَوارد العطب ، ويحرّم عليكم أموالكم - فلا تتبعوها ولا تعملوا بها ، إنه يعني بقوله : " إنه " إنّ الشيطان ، و " الهاء " في قوله : " إنه " عائدة على الشيطان لكم أيها الناس " عدو مُبين " ، يعني : أنه قد أبان لكم عَداوته ، بإبائه عن السجود لأبيكم ، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة ، واستزله بالخطيئة ، وأكل من الشجرة.
يقول تعالى ذكره : فلا تنتصحوه ، أيها الناس ، مع إبانته لكم العداوة ، ودعوا ما يأمركم به ، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرَّمته عليكم ، دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه ، طاعة منكم للشيطان واتباعًا لأمره.
* * *
ومعنى قوله : " حَلالا " ، طِلْقًا. (1) وهو مصدر من قول القائل : " قد حَلَّ لك هذا الشيء " ، أي صار لك مُطلقًا ، (2) " فهو يَحِلُّ لك حَلالا وحِلا " ، ومن
__________
(1) الطلق (بكسر فسكون) . الحلال . يقال : هو لك طلق ، أي حلال . وفي الحديث : " الخيل طلق " ، أي أن الرهان عليها حلال .
(2) هكذا في المطبوعة ، وأخشى أن يكون الصواب فيما كتب الطبري " طلقًا " كما سلف ، وكما سيأتي في عبارته .

(3/300)


كلام العرب : " هو لك حِلٌّ " ، أي : طِلْق. (1) .
* * *
وأما قوله : " طيبًا " فإنه يعني به طاهرًا غير نَجس ولا محرَّم.
* * *
وأما " الخطوات " فإنه جمع " خُطوة " ، و " الخطوة " بعد ما بين قدمي الماشي. و " الخطوة " بفتح " الخاء " " الفعلة " الواحدة من قول القائل : " خَطوت خَطوة واحدةً " . وقد تجمع " الخُطوة " " خُطًا " و " الخَطْوة " تجمع " خَطوات " ، " وخِطاء " .
* * *
والمعنى في النهي عن اتباع خُطواته ، النهي عن طريقه وأثره فيما دعا إليه ، مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الخطوات " . فقال بعضهم : خُطُوات الشيطان : عمله.
* ذكر من قال ذلك :
2438 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " خطوات الشيطان " ، يقول : عمله.
* * *
وقال بعضهم : " خطوات الشيطان " ، خَطاياه.
* ذكر من قال ذلك :
2439 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " خُطُوات الشيطان " قال ، خطيئته.
2440 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : خَطاياه.
__________
(1) في المطبوعة : " من كلام العرب . . . " ، وأثبت الواو ، وحذفها جيد أيضًا .

(3/301)


2441 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ولا تتَّبعوا خُطُوات الشيطان " قال ، خطاياه.
2442 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك قوله : " خطوات الشيطان " قال ، خطايا الشيطان التي يأمرُ بها.
* * *
وقال آخرون : " خطوات الشيطان " ، طاعته.
* ذكر من قال ذلك :
2443 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " ، يقول : طاعته.
* * *
وقال آخرون : " خطوات الشيطان " ، النذورُ في المعاصي.
* ذكر من قال ذلك :
2444 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن سليمان ، عن أبي مجلز في قوله : " ولا تتّبعوا خُطوات الشيطان " قال ، هي النذور في المعاصي.
* * *
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في تأويل قوله : " خطوات الشيطان " ، قريبٌ معنى بعضها من بعض. لأن كل قائلٍ منهم قولا في ذلك ، فإنه أشار إلى نَهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله. غيرَ أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت ، من أنها " بعد ما بين قَدميه " ، ثم تستعمل في جميع آثاره وطُرقه ، على ما قد بينت.
* * *

(3/302)


إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)

القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (169) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " إنما يأمرُكم " ، الشيطانَ ، " بالسوء والفحشاء وأن تَقولوا على الله ما لا تعلمون " .
* * *
" والسوء " : الإثم ، مثل " الضُّرّ " ، من قول القائل : " ساءك هذا الأمر يَسوءك سُوءًا " ، وهو ما يَسوء الفاعل.
* * *
وأما " الفحشاء " ، فهي مصدر مثل " السراء والضراء " ، (1) وهي كل ما استُفحش ذكرُه ، وقَبُح مَسموعه.
وقيل : إن " السوء " الذي ذكره الله ، هو معاصي الله. فإن كان ذلك كذلك ، فإنما سَمَّاها الله " سوءًا " لأنها تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند الله. وقيل : إن " الفحشاء " ، الزنا : فإن كان ذلك كذلك ، فإنما يُسمى [كذلك] ، (2) لقبح مسموعه ، ومكرُوه ما يُذْكَر به فاعله.
* ذكر من قال ذلك :
2445 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء " ، أمّا " السوء " ، فالمعصية ، وأما " الفحشاء " ، فالزنا.
* * *
وأما قوله : " وأنْ تَقولوا على الله مَا لا تعلمون " ، فهو ما كانوا يحرِّمون من البحائر والسوائب والوَصائل والحوامي ، ويزعمون أن الله حرَّم ذلك. فقال تعالى
__________
(1) لعل الصواب ، " فهي اسم مصدر " .
(2) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها الكلام .

(3/303)


ذكره لهم : ( مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [سورة المائدة : 103] فأخبرهم تعالى ذكره في هذه الآية ، (1) أنّ قيلهم : " إنّ الله حرم هذا! " من الكذب الذي يأمرهم به الشيطان ، وأنه قد أحلَّه لهم وطيَّبه ، ولم يحرم أكله عليهم ، ولكنهم يقولون على الله ما لا يعلمون حقيقته ، طاعةً منهم للشيطان ، واتباعًا منهم خطواته ، واقتفاء منهم آثارَ أسلافهم الضُّلال وآبائهم الجهال ، الذين كانوا بالله وبما أنزل على رسوله جُهالا وعن الحق ومنهاجه ضُلالا - وإسرافًا منهم ، كما أنزل الله في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ذكره : " وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنزل اللهُ قَالوا بَلْ نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا " .
* * *
__________
(1) في المطبوعة ، " وأخبرهم " بالواو ، والصواب الجيد ما أثبت .

(3/304)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) }
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية وجهان من التأويل.
أحدهما : أن تكون " الهاء والميم " من قوله : " وإذا قيلَ لهم " عائدة على " من " في قوله : " ومنَ الناس مَنْ يَتخذُ من دون الله أندادًا " ، فيكون معنى الكلام : ومن الناس مَنْ يَتخذُ من دُون الله أندادًا ، وإذا قيل لهم : اتبعوا ما أنزل الله. قالوا : بل نتبع ما ألفينا عَليه آباءنا.
والآخر : أن تكون " الهاء والميم " اللتان في قوله : " وإذا قيل لهم " ، من ذكر " الناس " الذين في قوله : " يا أيها الناسُ كلوا مما في الأرض حَلالا طيبًا " ، فيكون

(3/304)


ذلك انصرافًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب ، كما في قوله تعالى ذكره : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [سورة يونس : 22]
* * *
قال أبو جعفر : وأشبه عندي بالصواب وأولى بتأويل الآية (1) أن تكون " الهاء والميم " في قوله : " لهم " ، من ذكر " الناس " ، وأن يكون ذلك رجوعًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب. لأن ذلك عَقيب قوله : " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض " . فلأنْ يكون خبرًا عنهم ، أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبرَ أنّ منهم " مَنْ يَتخذ من دُون الله أندادًا " ، مع ما بينهما من الآيات ، وانقطاع قَصَصهم بقصة مُستأنفة غيرها وأنها نزلت في قوم من اليهود قالوا ذلك ، (2) إذ دعوا إلى الإسلام ، كما : -
2446 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : دَعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإسلام ورَغَّبهم فيه ، وحذرهم عقاب الله ونقمته ، فقال له رَافع بن خارجة ، ومَالك بن عوف : بل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا! فأنزل الله في ذلك من قولهما (3) " وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنزل اللهُ قالوا بَل نتِّبع ما ألفينا عَليه
__________
(1) في المطبوعة : " وأشبه عندي وأولى بالآية " ، وهو كلام مختل ، ورددته إلى عبارة الطبري في تأويل أكثر الآيات السالفة .
(2) في المطبوعة : " وإنما نزلت في قوم من اليهود " ، وهو خطأ ناطق ، واضطراب مفسد للكلام . والصواب ما أثبت . يقول أبو جعفر إن أولى الأقوال بالصواب أن تكون الآية نزلت في ذكر عرب الجاهلية الذين حرموا ما حرموا على أنفسهم ، كما ذكر في تفسير الآيتين السالفتين (168 ، 169) ، ويستبعد أن يكون المعنى بها من ورد ذكرهم في الآية (165) ، كما يستبعد قول من قال إنها نزلت في اليهود ، في الخبر الذي سيرويه بعد . فقوله : " وأنها نزلت " عطف على قوله " خبرًا " في قوله : " أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبر أن منهم من يتخذ . . . " .
(3) في المطبوعة : " فأنزل الله من قولهم ذلك " . وهو خطأ محض ، ورددتها إلى نصها في سيرة ابن هشام ، كما سيأتي مرجعه .

(3/305)


آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يَهتدون " . (1)
2447 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس مثله - إلا أنه قال : فقال له أبو رَافع بن خارجة ، ومالك بن عوف. (2)
* * *
وأما تأويل قوله : " اتبعوا ما أنزلَ الله " ، فإنه : اعملوا بما أنزل الله في كتابه على رسوله ، فأحِلُّوا حلاله ، وحرِّموا حرامه ، واجعلوه لكم إمامًا تأتمون به ، وقائدًا تَتبعون أحكامه.
* * *
وقوله : " ألفينا عَليه آباءنا " ، يعني وَجدنا ، كما قال الشاعر : (3)
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ... وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلا قَلِيلا (4)
__________
(1) الأثر رقم : 2446 - في سيرة ابن هشام 2 : 200 - 201 ، مع اختلاف يسير في لفظه .
(2) الأثر رقم : 2447 - انظر الأثر : 2446 .
(3) هو أبو الأسود الدؤلي .
(4) ديوانه : 49 (نفائس المخطوطات) ، سيبوبه 1 : 85 ، والأغاني 11 : 107 ، وأمالي بن الشجرى 1 : 283 والصدقة والصديق : 151 ، والخزانة 4 : 554 ، وشرح شواهد المغني : 316 ، واللسان (عتب) . وهو من أبيات قالها في امرأة كان يجلس إليها بالبصرة ، وكانت برزة جميلة ، فقالت له يومًا : يا أبا الأسود ، هل لك أن أتزوجك ؟ فإني امرأة صناع الكف ، حسنة التدبير ، قانعة بالميسور . قال : نعم . فجمعت أهلها وتزوجته . ثم إنه وجدها على خلاف ما قالت ، فأسرعت في ماله ، ومدت يدها في خيانته ، وأفشت عليه سره ، فغدا على من كان حضر تزويجه ، فسألهم أن يجتمعوا عنده ، ففعلوا . فقال لهم : أَرَيْتَ امْرءًا كنتُ لَمْ أَبْلُهُ ... أتَانِي ، فَقَالَ : اتّخِذْنِي خليلاَ
فخالَلْتَهُ ، ثُمَّ صَافيْتُه ... فَلَمْ أَسْتَفِدْ مِنْ لَدُنْهُ فتيلاَ
وَأَلفَيْتُهُ حِينَ جَرَّبْتُه ... كَذُوبَ الحَدِيثِ سَرُوقًا بَخِيلاَ
فَذَكَّرْتُه ، ثُمَّ عَاتبتُهُ ... عِتَابًا رَفِيقًا وَقَوْلاً جَمِيلاَ
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ... وَلاَ ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلاَ
أَلسْتُ حَقِيقًا بِتَوْدِيعِهِ ... وَإتْبَاع ذلِكَ صَرْمًا طَوِيلاَ?!
قالوا : بلى والله يا أبا الأسود! قال : تلك صاحبتكم ، وقد طلقتها ، وأنا أحب أن أستر ما أنكرت من أمرها . ثم صرفها معهم .
قال ابن الشجرى : " والذي حسن لقائل هذا البيت حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، ونصب اسم الله تعالى ، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة وجر اسم الله - أنه لو أضاف لتعرف بإضافته إلى المعرفة ، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه في التنكير ، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين ، وأعمل اسم الفاعل " .
واستعجب الرجل : رجع عن الإساءة وطلب الرضا ، فهو مستعتب .

(3/306)


========

 

=

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار

أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار   ج1وج2. ج / 1 ص -3- بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيق: لا نعرف عن بدايات التأليف في...