اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 28 مايو 2022

مجلد 2.فتح القدير للشوكاني {تفسير الشوكاني}

 

مجلد 2.فتح القدير للشوكاني  

"""""" صفحة رقم 3 """"""
( كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ( قرآن كريم بسم الله الرحمن الرحيم
ع5
تفسير
سورة المائدة هي مائة وثلاث وعشرون آية
حول السورة
قال القرطبي هي مدنية بالإجماع وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال المائدة مدنية وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير قال حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرا المائدة فقلت نعم فقالت أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح وأخرج أحمد عنه قال أنزلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها قال ابن كثير تفرد به أحمد قلت وفى إسناده ابن لهيعة وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والطبراني وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد نحوه وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والبغوي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في دلائل النبوة عن أم عمرو بنت عيسي عن عمها نحوه أيضا وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرظي نحوه وزاد أنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة
وهكذا أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس بهذه الزيادة وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المائدة من آخر القرآن تنزيلا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها
وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل قال لم ينسخ من المائدة شئ وكذا أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عنه وكذا أخرجه عبد بن الحميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي وكذا أخرجه عن عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن الحسن البصري وأخرج عبد بن حميد


"""""" صفحة رقم 4 """"""
وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ( وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله ) فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ( وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن ابن عباس أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ في خطبته سورة المائدة والتوبة وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال لما رجع ( صلى الله عليه وسلم ) من الحديبية قال يا علي أشعرت أنها نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة قال ابن العربي هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده وقال ابن عطية هذا عندي لا يشبه كلام النبي ( صلى الله عليه وسلم )
سورة المائدة
آية ( 1 )
المائدة : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . .
هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة إلى قوله ) إن الله يحكم ما يريد ( فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى البشرية مع شمولها لأحكام عدة منها الوفاء بالعقود ومنها تحليل بهيمة الأنعام ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل ومنها تحريم الصيد على المحرم ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلا عاما ثم استثنى بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا قوله ) أوفوا بالعقود ( يقال أوفي ووفى لغتان وقد جمع بينهما الشاعر فقال أما ابن طوف فقد أوفى بذمته
كما وفى بقلاص النجم حاديها
والعقود العهود وأصل العقود الربوط واحدها عقد يقال عقدت الحبل والعهد فهو يستعمل في الأجسام والمعاني وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام قوى التوثيق قيل المراد بالعقود هي التي عقدها الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام وقيل هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات والأولى شمول الآية للأمرين جميعا ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض قال الزجاج المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله فإن


"""""" صفحة رقم 5 """"""
خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل قوله ) أحلت لكم بهيمة الأنعام ( الخطاب للذين آمنوا والبهيمة اسم لكل ذي أربع سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها ومنه باب مبهم أي مغلق وليل بهيم وبهمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى وحلقة مبهمة لا يدري أين طرفاها والأنعام اسم للإبل والبقر والغنم سميت بذلك لما في مشيها من اللين وقيل بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية وغير ذلك حكاه ابن جرير الطبري عن قوم وحكاه غيره عن السدى والربيع وقتادة والضحاك
قال ابن عطية وهذا قول حسن وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام مجموعة معها وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام فبهيمة الأنعام هى الراعي من ذوات الأربع وقيل بهيمة الأنعام ما لم تكن صيدا لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة وقيل بهيمة الأنعام الأجنة التى تخرج عند الذبح من بطون الأنعام فهي تؤكل من دون ذكاة وعلى القول الأول أعنى تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم تكون الإضافة بيانية ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس بل وبالنصوص التى في الكتاب والسنة كقوله تعالى ) قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ( الآية وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) يرحم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة قوله ) إلا ما يتلى عليكم ( استثناء من قوله ) أحلت لكم بهيمة الأنعام ( أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال والمتلو هو ما نص الله على تحريمه نحو قوله تعالى ) حرمت عليكم الميتة ( الآية ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ويحتمل الأمرين جميعا قوله ) غير محلي الصيد ( ذهب البصريون إلى أن قوله ) إلا ما يتلى عليكم ( استثناء من بهيمة الأنعام وقوله ) غير محلي الصيد ( استثناء آخر منه أيضا فالاستثناءات أن جميعا من بهيمة الأنعام والتقدير ) أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم ( وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام والاستثناء الثاني هو من الاستثناء الأول ورد بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام لأنه مستثنى من المحظور فيكون مباحا وأجاز الفراء أن يكون ) إلا ما يتلى ( في موضع رفع على البدل ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من الأجناس قال وانتصاب ) غير محلي الصيد ( على الحال من قوله ) أوفوا بالعقود ( وكذا قال الأخفش وقال غيرهما حال من الكاف والميم في لكم والتقدير ) أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ( أي الاصطياد في البر وأكل صيده ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهم حرم أي محرمون وجملة ) وأنتم حرم ( في محل نصب على الحال من الضمير في ) محلي ( ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحل أكلها كأنه قال أحل لكم صيد البر إلا في حال الإحرام وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام لكونكم محتاجين إلى ذلك فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم عليهم في تلك الحال
والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما وسمى محرما لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء وهكذا وجه تسمية الحرم حرما والإحرام إحراما وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثاب ) حرم ( بسكون الراء وهى لغة تميمية يقولون في رسل رسل وفى كتب كتب ونحو ذلك قوله ) إن الله يحكم ما يريد ( من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده فهو مالك الكل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه
المائدة : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله (


"""""" صفحة رقم 6 """"""
الشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة قال ابن فارس ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن ومنه الإشعار للهدى والمشاعر المعالم وأحدها مشعر وهى المواضع التي أشعرت بالعلامات قيل المراد بها هنا جميع مناسك الحج وقيل الصفا والمروة والهدى والبدن والمعنى على هذين القولين لا تحلوا هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشيء منها أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها ذكر سبحانه النهي عن أن يحلو شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم وقيل المراد بالشعائر هنا فرائض الله ومنه ) ومن يعظم شعائر الله ( وقيل هى حرمات الله ولا مانع من حمل ذلك على الجميع اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولا بما يدل عليه السياق
قوله ) ولا الشهر الحرام ( المراد به الجنس فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم وهى أربعة ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب أي لا تحلوها بالقتال فيها وقيل المراد به هنا شهر الحج فقط قوله ) ولا الهدي ( هو ما يهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة الواحدة هدية نهاهم سبحانه عن أن يحلوا حرمة الهدى بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان الذى يهدى إليه وعطف الهدى على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته والتشديد في شأنه قوله ) ولا القلائد ( جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى من نعل أو نحوه
وإحلالها بأن تؤخذ غصبا وفي النهى عن إحلال القلائد تأكيد للنهى عن إحلال الهدى وقيل المراد بالقلائد المقلدات بها ويكون عطفه على الهدى لزيادة التوصية بالهدى والأول أولى وقيل المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم فهو على حذف مضاف أي ولأصحاب القلائد قوله ) ولا آمين البيت الحرام ( أي قاصديه من قولهم أممت كذا أي قصدته وقرأ الأعمش ) ولا آمين البيت الحرام ( بالإضافة والمعنى لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج أو عمرة أو ليسكن فيه وقيل إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزل ) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ( إلى آخر الآية فيكون ذلك منسوخا بقوله ) فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( وقوله ) فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ( وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يحجن بعد العام مشرك وقال قوم الآية محكمة وهى في المسلمين قوله ) يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ( جملة حالية من الضمير المستتر في ) آمين ( قال جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل والأرباح في التجارة ويبتغون مع ذلك رضوان الله وقيل كان منهم من يطلب التجارة ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين وقيل المراد بالفضل هنا الثواب لا الأرباح في التجارة قوله ) وإذا حللتم فاصطادوا ( هذا تصريح بما أفاده مفهوم ) وأنتم حرم ( أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذى حرم لأجله وهو الإحرام قوله ) ولا يجرمنكم شنآن قوم ( قال ابن فارس جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا محالة وأصلها من جرم أي كسب وقيل المعنى لا يحملنكم قاله الكسائي وثعلب وهو يتعدى إلى مفعولين يقال جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه ومنه قول الشاعر ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي حملتهم على الغضب وقال أبو عبيدة والفراء معنى ) لا يجرمنكم ( لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل والعدل إلى الجور والجريمة والجارم بمعنى الكاسب ومنه قول الشاعر جريمة ناهض في رأس نيق
يرى لعظام ما جمعت صليبا
معناه كاسب قوت والصليب الودك ومنه قول الآخر يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت
إلى القبائل من قتل وإيئاس


"""""" صفحة رقم 7 """"""
أي كسبت والمعنى في الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم أولا يكسبنكم بغضهم اعتداءكم للحق إلى الباطل ويقال جرم يجرم جرما إذا قطع قال علي بن عيسى الرماني وهو الأصل فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب ولا جرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه قال الخليل معنى لا جرم أن لهم النار لقد حق ان لهم النار وقال الكسائي جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي اكتسب وقرأ ابن مسعود ) لا يجرمنكم ( بضم الياء والمعنى لا يكسبنكم ولا يعرف البصريون أجرم وإنما يقولون جرم لا غير والشنآن البغض وقرئ بفتح النون وإسكانها يقال شنيت الرجل أشنوه شناء ومشنأة وشنآنا كل ذلك إذا أبغضته وشنآن هنا مضاف إلى المفعول أي بغض قوم منكم لا بغض قوم لكم قوله ) أن صدوكم ( بفتح الهمزة مفعول لأجله أي لأن صدوكم وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة على الشرطية وهو اختيار أبي عبيد وقرأ الأعمش ? إن يصدوكم ? والمعنى على قراءة الشرطية لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصد لكم عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم قال النحاس وأما إن صدوكم بكسر إن فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست فالصد كان قبل الآية وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده كما تقول لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك فهذا لا يكون إلا للمستقبل وإن فتحت كان للماضي وما أحسن هذا الكلام وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة شنآن بسكون النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما فقال ليس هذا مصدرا ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بالتعاون على البر والتقوى أي ليعن بعضكم بعضا على ذلك وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى كائنا ما كان قيل إن البر والتقوى لفظان لمعنى واحد وكرر للتأكيد وقال ابن عطية إن البر يتناول الواجب والمندوب والتقوى تختص بالواجب وقال الماوردي إن في البر رضا الناس وفي التقوى رضا الله فمن جمع بينهما فقد تمت سعادته ثم نهاهم سبحانه عن التعاون على الإثم والعدوان فالإثم كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو قائله والعدوان التعدي على الناس بما فيه ظلم فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم ولا نوع من أنواع الظلم للناس الذين من جملتهم النفس إلا وهو داخل تحت هذا النهي لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما ثم أمر عباده بالتقوى وتوعد من خالف ما أمر به فتركه أو خالف ما نهى عنه ففعله بقوله ) أن الله شديد العقاب )
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ) أوفوا بالعقود ( قال ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال
هي عقود الجاهلية الحلف وروى عنه ابن جرير أنه قال ذكر لنا أن نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقول وأوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله ) أحلت لكم بهيمة الأنعام ( قال الإبل والبقر والغنم وأخرج ابن جرير عن ابن عمر في قوله ) أحلت لكم بهيمة الأنعام ( قال ما في بطونها قلت إن خرج ميتا آكله قال نعم
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ) إلا ما يتلى عليكم ( قال ) الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ( إلى آخر الآية فهذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) لا تحلوا شعائر الله ( قال كان المشركون يحجون البيت الحرام ويهدون الهدايا ويعظمون حرمة المشاعر وينحرون في حجهم فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله ) (


"""""" صفحة رقم 8 """"""
وفي قوله ) ولا الشهر الحرام ( يعنى لا تستحلوا قتالا فيه ) ولا آمين البيت الحرام ( يعني من توجه قبل البيت الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون جميعا فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا حج البيت أو يتعرضوا له من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعد هذه الآية ) إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ( وفي قوله ) يبتغون فضلا ( يعني أنهم يرضون الله بحجهم ) ولا يجرمنكم ( يقول لا يحملنكم ) شنآن قوم ( يقول عداوة قوم ) وتعاونوا على البر والتقوى ( قال البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم والهدى ما لم يقلد والقلائد مقلدات الهدى ) ولا آمين البيت الحرام ( يقول من توجه حاجا وأخرج ابن جرير عنه في قوله ) لا تحلوا شعائر الله ( قال مناسك الحج وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا فأنزل الله ) ولا يجرمنكم ( الآية وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال له البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي عن النواس بن سمعان قال سألت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن الإثم فقال ما حاك في نفسك فدعه قال فما الإيمان قال من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن
سورة المائدة الآية ( 3 )
المائدة : ( 3 ) حرمت عليكم الميتة . . . . .
هذا شروع في المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله ) إلا ما يتلى عليكم ( والميتة قد تقدم ذكرها في البقرة وكذلك الدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحا كما تقدم حملا للمطلق على المقيد وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده يقال ويقويه حديث هو الطهور ماؤه والحل ميتته وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان وقد أطلنا الكلام عليه في شرحنا للمنتقى والإهلال رفع الصوت لغير الله كأن يقول بسم اللات والعزى ونحو ذلك ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره
) والمنخنقة ( هي التي تموت بالخنق وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين


"""""" صفحة رقم 9 """"""
عودين أو بفعل آدمي أو غيره وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها ) والموقوذة ( هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية يقال وقذه يقذه وقذا فهو وقيذ والوقذ شدة الضرب وفلان وقيذ أي مثخن ضربا وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتم حتى تموت ثم يأكلونها ومنه قول الفرزدق شغارة تقذ الفصيل برجلها
فطارة لقوادم الأظفار
قال ابن عبد البر واختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض ويعني بالبندق قوس البندقة وبالمعراض السهم الذى لا ريش له أو العصا التي رأسها محدد قال فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته على ما روى عن ابن عمر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وخالفهم الشاميون في ذلك قال الأوزاعي في المعراض كله خرق أو لم يخرق فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا قال ابن عبد البر هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع قال والأصل في هذا الباب والذى عليه العمل وفيه الحجة حديث عدي بن حاتم وفيه ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ انتهى
قلت والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال إذا رميت بالمعراض فخرق فكله وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله فقد اعتبر ( صلى الله عليه وسلم ) الخرق وعدمه فالحق أنه لا يحل إلا ما خرق لا ما صدم فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذا
وأما البنادق المعروفة الآن وهى بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا والذى يظهر لي أنه حلال أنها تخرق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر وقد قال ( صلى الله عليه وسلم ) في الحديث الصحيح السابق إذا رميت بالمعراض فخرق فكله فاعتبر الخرق في تحليل الصيد قوله ) والمتردية ( هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك وسواء تردت بنفسها أو ردها غيرها قوله ) والنطيحة ( هي فعيلة بمعنى مفعولة وهى التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية وقال قوم أيضا فعيلة بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لموصوف مذكور فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية وقرأ أبو ميسرة ? والمنطوحة ? قوله ) وما أكل السبع ( أي ما افترسه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والضبع ونحوها والمراد هنا ما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد وكانت العرب إذا أكل السبع شاة ثم خلصوها منه أكلوها وإن ماتت ولم يذكوها وقرأ الحسن وأبو حيوة السبع بسكون الباء وهي لغة لأهل نجد ومنه قول حسان في عتبة بن أبي لهب من يرجع العام إلى أهله
فما أكيل السبع بالراجع
وقرأ ابن مسعود ? وأكيلة السبع ? وقرأ ابن عباس ? وأكيل السبع ? قوله ) إلا ما ذكيتم ( في محل نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور وهو راجع على ما أدركت ذكائه من المذكورات سابقا وفيه حياة وقال المدنيون وهو المشهور من مذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها


"""""" صفحة رقم 10 """"""
لا تؤكل وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت وإليه ذهب إسماعيل القاضي فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذى يحل ولا يحرم والأول أولى والذكاة في كلام العرب الذبح قاله قطرب وغيره وأصل الذكاة في اللغة التمام أي تمام استكمال القوة والذكاء حدة القلب والذكاء سرعة الفطنة والذكوة ما تذكى منه النار ومنه أذكيت الحرب والنار أو قدتهما وذكاء اسم الشمس والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام والتذكية في الشرع عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور مقرونا بالقصد لله وذكر اسمه عليه وأما الآلة التي تقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل من ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة وقوله ) وما ذبح على النصب ( قال ابن فارس النصب حجر كان ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد وقيل النصب جمع واحده نصاب كحمار وحمر وقرأ طلحة بضم النون وسكون الصاد وروى عن أبي عمرو بفتح النون وسكون الصاد وقرأ الجحدري بفتح النون والصاد جعله اسما موحدا كالجبل والجمل والجمع أنصاب كالأجبال والأجمال قال مجاهد هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها قال ابن جريج كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه عن الحجارة فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل الله ) وما ذبح على النصب ( والمعنى والنية بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز ولهذا قيل إن على بمعنى اللام أي لأجلها قاله قطرب وهو على هذا داخل فيما أهل به لغير الله وخص بالذكر لتأكيد تحريمه ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه قوله ) وأن تستقسموا بالأزلام ( معطوف على ما قبله أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام
والأزلام قداح الميسر وأحدها زلم قال الشاعر بات يقاسيها غلام كالزم
ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على لحم وضم
وقال آخر
فلئن جذيمة قتلت ساداتها
فنساؤها يضربن بالأزلام
والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدها مكتوب فيه افعل والآخر مكتوب فيه لا تفعل والثالث مهمل لا شئ عليه فيجعلها في خريطة معه فإذا أراد فعل شيء أدخل يده وهى متشابهة فأخرج واحدا منها فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه وإن خرج الثاني تركه وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله كما يقال استسقى أي استدعى السقي فالاستفهام طلب القسم والنصيب وجملة قداح الميسر عشرة وقد قدمنا بيانها وكانوا يضربون بها المقامرة وقيل إن الأزلام كعاب وفارس والروم التي يتقامرون بها وقيل هي الشطرنج وإنما حرم الله والاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من الكهانة قوله ) ذلكم فسق ( إشارة إلى الاستقسام بالألزام أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا والفسق الخروج عن الحد وقد تقدم بيان معناه وفى هذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر قوله ) اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ( والمراد اليوم الذى نزلت فيه الآية وهو يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع وقيل سنة ثمان وقيل المراد باليوم الزمان الحاضر وما يتصل به ولم يرد يوما معينا وبئس فيه لغتان ييس بياءين يأسا وأيس يأيس إياسا وإياسة قاله النضر بن شميل أي حصل لهم اليأس من


"""""" صفحة رقم 11 """"""
إبطال دينكم وأن يردوكم إلى دينهم كما كانوا يزعمون ) فلا تخشوهم ( أي لا تخافوا منهم أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم ) واخشون ( فأنا القادر على كل شيء إن نصرتكم فلا غالب لكم وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم قوله ) اليوم أكملت لكم دينكم ( جعلته كاملا غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها ولكمال أحكامه التى يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه ووفي ما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله ) لكم ( قال الجمهور المراد بالإكمال هنا نزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم قالوا وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا وآية الكلالة ونحوهما والمراد باليوم المذكور هنا هو يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب وقيل إنها نزلت في يوم الحج الأكبر قوله ) وأتممت عليكم نعمتي ( بإكمال الدين المشتمل على الأحكام وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور عليكم كما وعدتكم بقولي ) ولأتم نعمتي عليكم ( قوله ) ورضيت لكم الإسلام دينا ( أي أخبرتكم برضاي به لكم فإنه سبحانه لم يزل راضيا لأمة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بالإسلام فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة إن حملناه على ظاهره ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذى أنتم عليه اليوم دينا باقيا إلى انقضاء أيام الدنيا ودينا منتصب على التمييز ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا قوله ) فمن اضطر في مخمصة ( هذا متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض أي من دعته الضرورة ) في مخمصة ( أي مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات والخمص ضمور البطن ورجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة ومنه أخمص القدم ويستعمل كثيرا في الجوع قال الأعشى تبيتون في المشتاء ملأى بطونكم
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
قوله ) غير متجانف ( الجنف الميل والإثم الحرام أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم وهو بمعنى غير باغ ولا عاد وكل مائل فهو متجانف وجنف وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي متجنف ) فإن الله غفور رحيم ( به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغيا على غيره أو متعديا لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدم
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي أمامة قال بعثني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شعائر الإسلام فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة دم واجتمعوا عليها يأكلونها قالوا هلم يا صدى فكل قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم لما أنزل الله عليه قالوا وما ذاك قال فتلوت عليهم هذه الآية ) حرمت عليكم الميتة ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ) وما أهل لغير الله به ( قال وما أهل للطواغيت به ) والمنخنقة ( قال التى تخنق فتموت ) والموقوذة ( قال التى تضرب بالخشبة فتموت ) والمتردية ( قال التى تتردى من الجبل فتموت ) والنطيحة ( قال الشاة التى تنطح الشاة ) وما أكل السبع ( يقول ما أخذ السبع ) إلا ما ذكيتم ( يقول ذبحتم من ذلك وبه روح فكلوه ) وما ذبح على النصب ( قال النصب أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها ) وأن تستقسموا بالأزلام ( قال هى القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور ) ذلكم فسق ( يعني من أكل ذلك كله فهو فسق وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال الرداة التى تتردى في البئر والمتردية التي تتردى من الجبل وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ) وأن تستقسموا بالأزلام ( قال حصى بيض كانوا يضربون بها وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في الآية قال كانوا إذا أرادوا أمرا أو سفرا


"""""" صفحة رقم 12 """"""
يعمدون إلى قداح ثلاثة يكتبون على واحد منها أمرني وعلى الآخر نهاني ويتركون الثالث مخللا بينهما ليس عليه شيء ثم يجيلونها فإن خرج الذى عليه أمرني مضوا لأمرهم وإن خرج الذى عليه نهاني كفوا وإن خرج الذى ليس عليه شيء أعادوها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ) اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ( قال يئسوا أن يرجعوا إلى دينهم أبدا وأخرج البيهقي عنه في الآية قال يقول يئس أهل مكة أن يرجعوا إلى دينهم أبدا وأخرج البيهقى عنه في الآية قال يقول يئس أهل مكة أن يرجعوا إلى دينهم عبادة الأوثان أبدا ) فلا تخشوهم ( في اتباع محمد ) واخشون ( في عبادة الأوثان وتكذيب محمد فلما كان واقفا بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يديه والمسلمون يدعون الله ) اليوم أكملت لكم دينكم ( يقول حلالكم وحرامكم فلم ينزل بعد هذا حلال ولا حرام ) وأتممت عليكم نعمتي ( قال منتى فلم يحج معكم مشرك ) ورضيت ( يقول اخترت ) لكم الإسلام دينا ( فمكث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد نزول هذه الآية أحدا وثمانين يوما ثم قبضه الله إليه وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا وقد أتمه فلا ينقص أبدا وقد رضيه فلا يسخطه أبدا وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال قالت اليهود لعمر إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال وأي آية قالوا ) اليوم أكملت لكم دينكم ( قال عمر والله إني لأعلم اليوم الذى نزلت فيه على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والساعة التي نزلت فيها نزلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عشية عرفة في يوم جمعة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) فمن اضطر ( يعني إلى ما حرم مما سمى في صدر هذه السورة ) في مخمصة ( يعني في مجاعة ) غير متجانف لإثم ( يقول غير معتمد لإثم
سورة المائدة الآية ( 4 5 )
المائدة : ( 4 ) يسألونك ماذا أحل . . . . .
هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم بعد بيان ما حرمه الله عليهم وسيأتى ذكر سبب نزول الآية قوله ) ماذا أحل لهم ( أي شيء أحل لهم أو ما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالا ومن الصيد ومن طعام أهل الكتاب ومن نسائهم قوله ) قل أحل لكم الطيبات ( هي ما يستلذه آكله ويستطيبه مما أحله الله لعباده وقيل هي الحلال وقد سبق الكلام في هذا وقيل الطيبات الذبائح لأنها طابت بالتذكية وهو تخصيص للعام بغير مخصص والسبب والسياق لا يصلحان لذلك قوله ) وما علمتم من الجوارح ( هو معطوف على الطيبات بتقدير مضاف لتصحيح المعنى أي أحل لكم الطيبات وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية ) علمتم (


"""""" صفحة رقم 13 """"""
بضم العين وكسر اللام أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها قال القرطبي وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح وهو يتضمن الكلب وسائر جوارح الطير وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباغ الطير قال أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم ولم يأكل من صيده الذى صاده وأثر فيه بجرح أو تنييب وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف فإن كان الذى يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازى والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب يقال جرح فلان واجترح إذا اكتسب ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها ومنه اجتراح السيئات ومنه قوله تعالى ) ويعلم ما جرحتم بالنهار ( وقوله ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات ( قوله ) مكلبين ( حال والمكلب معلم الكلاب لكيفية الاصطياد والأخص معلم الكلاب وأن كان معلم سائر الجوارح مثله لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب ولم يكتف بقوله ) وما علمتم من الجوارح ( مع ان التكليب هو التعليم لقصد التأكيد لمالا بد منه من التعليم وقيل إن السبع يسمى كلبا فيدخل كل سبع يصاد به وقيل إن هذه الآية خاصة بالكلاب وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال وإلا فلا تطعمه قال ابن المنذر وسئل أبو جعفر البازى هل يحل صيده قال لا إلا أن تدرك ذكاته وقال الضحاك والسدى ) وما علمتم من الجوارح مكلبين ( هي الكلاب خاصة فإن كان الكلب الأسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي وقال أحمد ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما وبه قال ابن راهويه فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) الكلب الأسود شيطان أخرجه مسلم وغيره والحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره وبين الأسود من الكلاب وغيره وبين الطير وغيره ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي بن حاتم عن صيد البازي كما سيأتي قوله ) تعلمونهن مما علمكم الله ( الجملة في محل نصب على الحال أي مما علمكم الله مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذى تهتدون به إلى تعليمها وتدريبها حتى تصير قابلة لإمساك الصيد عند إرسالكم لها قوله ) فكلوا مما أمسكن عليكم ( الفاء للتفريع والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح ومن في قوله ) مما أمسكن عليكم ( للتبعيض لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد والعظم وما أكله الكلب ونحوه وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه كما في الحديث الثابت في الصحيح وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد الذى يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وهو مروى عن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وروى عن علي وابن عباس والحسن البصري والزهري وربيعة ومالك والشافعي في القديم أنه يؤكل صيده ويرد عليهم قوله تعالى ) مما أمسكن عليكم ( وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) لعدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك وهو في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ لهما فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه وأما ما أخرجه أبو داود بإسناد جيد من حديث أبي ثعلبة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإلا أكل منه وقد أخرجه أيضا بإسناد


"""""" صفحة رقم 14 """"""
جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه أيضا النسائي فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه الانتظار وجاع فأكل من الصيد لجوعه لا لكونه أمسكه على نفسه فإنه لا يؤثر ذلك ولا يحرم به الصيد وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني وحديث عمرو بن شعيب وهذا جمع حسن وقال آخرون إنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عدي وإن أكل غيره لم يحرم للحديثين الآخرين وقيل يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه ثم عاد فأكل منه
وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح ولم يسلكوا طريق الجمع لما فيها من البعد قالوا وحديث عدي ابن حاتم أرجح لكونه في الصحيحين وقد قررت هذا المسلك في شرحي للمنتقي بما يزيد الناظر فيه بصيرة قوله ) واذكروا اسم الله عليه ( الضمير في ) عليه ( يعود إلى ) وما علمتم ( أي سموا عليه عند إرساله أو لما أمسكن عليكم أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح واستدلوا بهذه الآية ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله وقال بعض أهل العلم إن المراد التسمية عند الأكل قال القرطبي وهو الأظهر واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد وقت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر ومسألة غير هذه المسألة فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل ولا ملجئ إلى ذلك وفى لفظ ف الصحيحين من حديث عدي إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي وهذا أقوى الأقوال وأرجحها قوله ) واتقوا الله إن الله سريع الحساب ( أي حسابه سبحانه سريع إتيانه وكل آت قريب
المائدة : ( 5 ) اليوم أحل لكم . . . . .
قوله ) اليوم أحل لكم الطيبات ( هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى وهى قوله ) أحل لكم الطيبات ( وقد تقدم بيان الطيبات قوله ) وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( الطعام اسم لما يؤكل ومنه الذبائح وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح وفى هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله وتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال وإن ذكر اليهودي على ذبيحته اسم عزير وذكر النصراني على ذبيحته اسم المسيح وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت وابن عباس والزهري وربيعة والشعبي ومكحول وقال علي وعائشة وابن عمر إذا سمعت الكتابي يسمى غير الله فلا تأكل وهو قول طاوس والحسن وتمسكوا بقوله تعالى ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( ويدل عليه أيضا قوله ) وما أهل لغير الله به ( وقال مالك إنه يكره ولا يحرم فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله وأما مع عدم العلم فقد حكى الكيا الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية ولما ورد في السنة من أكله ( صلى الله عليه وسلم ) من الشاة المصلية آلتي أهدتها إليه اليهودية وهو في الصحيح وكذلك الجراب الشحم الذى أخذه بعض الصحابة من خيبر وعلم بذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في الصحيح أيضا وغير ذلك والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى وأما المجوس فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساءهم لأنهم ليسوا بأهل الكتاب على المشهور عند أهل العلم وخالف في ذلك أبو ثور وأنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال أحمد


"""""" صفحة رقم 15 """"""
ابن حنبل أبو ثور كاسمه يعنى في هذه المسئلة وكأنه تمسك بما يروى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مرسلا أنه قال في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولم يثبت بهذا اللفظ وعلى فرض أن له أصلا ففيه زيادة تدفع ما قاله وهى قوله غير آكلى ذبائحهم ولا ناكحى نسائهم وقد رواه بهذه الزيادة جماعة ممن لا خبرة له بفن الحديث من المفسرين والفقهاء ولم يثبت الأصل ولا الزيادة بل الذى ثبت في الصحيح أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخد الجزية من مجوس هجر وأما بنو تغلب فكان علي بن أبي طالب ينهى عن ذبائحهم لأنهم عرب وكان يقول إنهم لم يتمسكوا بشئ من النصرانية إلا بشرب الخمر وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم قال ابن كثير وهو قول غير واحد من السلف والخلف وروى عن سعيد بن المسيب والحسن البصري أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب وقال القرطبي وقال جمهور الأمة إن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو من غيرهم وكذلك اليهود قال ولا خلاف بين العلماء أن مالا يحتاج إلى ذكاة كالطعام يجوز أكله قوله ) وطعامكم حل لهم ( أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم وهذا من باب المكافأة والمجازاة وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية قوله ) والمحصنات من المؤمنات ( اختلف في تفسير المحصنات هنا فقيل العفائف وقيل الحرائر وقرأ الشعبي بكسر الصاد وبه قرأ الكسائي
وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في البقرة والنساء والمحصنات مبتدأ ومن المؤمنات وصف له والخبر محذوف أي حل لكم وذكرهن هنا توطئه وتمهيدا لقوله ) والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ( والمراد بهن الحرائر دون الإماء هكذا قال الجمهور وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف أن هذه الآية تعم كل كتابيه حرة أو أمة وقيل المراد بأهل الكتاب هنا الإسرائيليات وبه قال الشافعي وهو تخصيص بغير مخصص وقال عبد الله بن عمر لا تحل النصرانية قال ولا أعلم شركا أكبر من أن تقول ربها عيسى وقد قال الله ) ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ( الآية ويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة للكتابيات من عموم المشركات فيبنى العام على الخاص وقد استدل من حرم نكاح الإماء الكتابيات بهذه الآية لأنه حملها على الحرائر وبقوله تعالى ) فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ( وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم وخالفهم من قال إن الآية تعم أو تخص العفائف كما تقدم والحاصل أنه يدخل تحت هذه الآية الحرة العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال إلا على قول ابن عمر في النصرانية ويدخل تحتها الحرة آلتي ليست بعفيفة والأمة العفيفة على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا معنييه وأما من لم يجوز ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر لم يقل بجواز نكاح الأمة عفيفة كانت أو غير عفيفة إلا بدليل آخر ويقول بجواز نكاح الحرة العفيفة كانت أو غير عفيفة وإن حمل المحصنات هنا على العفائف قال بجواز نكاح الحرة العفيفة والأمة العفيفة دون غير العفيفة منهما قوله ) إذا آتيتموهن أجورهن ( أي مهورهن وجواب إذا محذوف أي فهن حلال أو هي ظرف لخبر المحصنات المقدر أي حل لكم قوله ) محصنين ( منصوب على الحال أي حال كونكم أعضاء بالنكاح وكذا قوله ) غير مسافحين ( منصوب على الحال من الضمير في محصنين أو صفة لمحصنين والمعنى غير مجاهرين بالزنا قوله ) ولا متخذي أخدان ( معطوف على ) غير مسافحين ( أو على ) مسافحين ( ) ولا ( مزيدة للتأكيد والخدن يقع على الذكر والأنثى أي لم يتخذوا معشوقات فقد شرط الله في الرجال العفة وعدم المجاهرة بالزنا وعدم اتخاذ أخدان كما شرط في النساء أن يكن محصنات ) ومن يكفر بالإيمان ( أي بشرائع الإسلام ) فقد حبط عمله ( أي بطل ) وهو في الآخرة من الخاسرين ( وقرأ ابن السميفع ) فقد حبط ( بفتح الباء ا ه


"""""" صفحة رقم 16 """"""
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي رافع أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أمره بقتل الكلاب في الناس فقالوا يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فسكت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل الله ) يسألونك ماذا أحل لهم ( الآية وأخرج ابن جرير عن عكرمة نحوه وأخرج أيضا عن محمد بن كعب القرظي نحوه وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالا يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فنزلت وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسأله فذكر نحوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ) وما علمتم من الجوارح مكلبين ( قال هي الكلاب المعلمة والبازي والجوارح يعني الكلاب والفهود والصقور وأشباهها وأخرج ابن جرير عنه قال آية المعلم أن يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتي صاحبه وأخرج عنه أيضا قال إذا أكل الكلب فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وأخرج عبد بن حميد عنه نحوه وزاد وإذا أكل الصقر فلا تأكل لأن الكلب تستطيع أن تضر به والصقر لا تستطيع وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه في قوله ) وطعام الذين أوتوا الكتاب ( قال ذبائحهم وفى قوله ) والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ( قال حل لكم ) إذا آتيتموهن أجورهن ( يعنى مهورهن ) محصنين ( يعنى تنكحونهن بالمهر والبينة ) غير مسافحين ( غير متغالين بالزنا ) ولا متخذي أخدان ( يعنى يسرون بالزنا وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ) والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ( قال أحل الله لنا محصنتين محصنة مؤمنة ومحصنة من أهل الكتاب نساؤنا عليهم حرام ونساؤهم لنا حلال وأخرج ابن جرير عن جابر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا وأخرج عبد الرازق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قوله ) والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ( قال الحرائر وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال العفائف
سورة المائدة آية ( 6 )
المائدة : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) إذا قمتم ( إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن السبب كما في قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة فقالت طائفة هو عام في كل قيام إليها سواء كان القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغى له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وهو مروى عن على وعكرمة


"""""" صفحة رقم 17 """"""
وقال ابن سيرين كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة وقالت طائفة أخرى إن هذا الأمر خاص بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو ضعيف فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم وقالت طائفة الأمر للندب طلبا للفضل وقال آخرون إن الوضوء لكل صلاة كان فرضا عليهم بهذه الآية ثم نسخ في فتح مكة وقال جماعة هذا الأمر خاص بمن كان محدثا وقال آخرون المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة فيعم الخطاب كل قائم من نوم وقد أخرج مسلم وأحمد وأهل السنن عن بريدة قال كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يتوضأ عن كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته يا عمر وهو مروى من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يتوضأ عند كل صلاة قال قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون قال كنا نصلى الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث به وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق قوله ) فاغسلوا وجوهكم ( الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض فحده فى الطول من مبتدا سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين وفى العرض من الأذن إلى الأذن وقد ورد الدليل بتخليل اللحية واختلف العلماء فى غسل ما استرسل والكلام فى ذلك مبسوط في مواطنه وقد اختلف أهل العلم أيضا هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفى إمرار الماء والخلاف في ذلك معروف والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان معتبرا وإلا فلا قال في شمس العلوم غسل الشيء غسلا إذا أجرى عليه الماء ودلكه انتهى وأما المضمضة والاستنشاق فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلها بالسنة الصحيحة والخلاف في الوجوب وعدمه معروف وقد أوضحنا ما هو الحق في مؤلفاتنا قوله ) وأيديكم إلى المرافق ( إلى للغاية وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا وقيل إنها هنا بمعنى مع وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ولكن القاسم هذا متروك وجده ضعيف قوله ) وامسحوا برؤوسكم ( قيل الباء زائدة والمعنى امسحوا رءوسكم وذلك يقتضى تعميم المسح لجميع الرأس وقيل هى للتبعيض وذلك يقتضى أنه يجزئ مسح بعضه واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم فامسحوا بوجوهكم ولا يجزيء مسح بعض الوجه اتفاقا وقيل أنها للإلصاق أي ألصقوا أيديكم برءوسكم وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد انه يكفي مسح بعض الرأس كما أوضحناه فى مؤلفاتنا فكان هذا دليلا على المطلوب غير محتمل كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح وليس فى لغة العرب ما يقتضى أنه لا بد فى مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو اضرب زيدا أو اطعنه أو ارجمه فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب أو الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس فإن قلت يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين قلت ملتزم


"""""" صفحة رقم 18 """"""
لولا البيان من السنة في الوجه والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين بخلاف الرأس فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض قوله ) وأرجلكم إلى الكعبين ( قرأ نافع بنصب الأرجل وهى قراءة الحسن البصري والأعمش وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين لأنها معطوفة على الوجه وإلى هنا ذهب جمهور العلماء وقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الرجلين لأنها معطوفة على الرأس وإليه ذهب ابن جرير الطبري وهو مروى عن ابن عباس قال ابن العربي اتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم وتعلق الطبري بقراءة الجر قال القرطبي قد روى عن ابن عباس أنه قال الوضوء غسلتان ومسحتان قال وكان عكرمة يمسح رجليه وقال ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح وقال عامر الشعبي نزل جبريل بالمسح قال وقال قتادة افترض الله مسحتين وغسلتين قال وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين وقواه النحاس ولكنه قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة من فعله ( صلى الله عليه وسلم ) وقوله غسل الرجلين فقط وثبت عنه أنه قال ويل للأعقاب من النار وهو في الصحيحين وغيرهما فأفاد وجوب غسل الرجلين وأنه لا يجزئ مسحهما لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ فلو كان مجزئا لما قال ويل للأعقاب من النار وقد ثبت عنه أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلا توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر فقال له ارجع فأحسن وضوءك وأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة وقوله ) إلى الكعبين ( الكلام فيه كالكلام في قوله ) إلى المرافق ( وقد قيل فى وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب إنه لما كان في كل رجل كعبان ولم يكن فى كل يد إلا مرفق واحد ثنيت الكعاب تنبيها على ان لكل رجل كعبين بخلاف المرافق فإنها جمعت لأنه لما كان في كل يد مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره ذكر معنى هذا ابن عطية وقال الكواشي ثنى الكعبين وجمع المرافق لنفى توهم أن من كل وحدة امن الرجلين كعبين وإنما فى كل واحدة كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل بخلاف المرفق فهي أبعد عن الوهم انتهى
وبقى من فرائض الوضوء النية والتسمية ولم يذكر فى هذه الآية بل وردت بهما السنة وقيل إن فى هذه الآية ما يدل على النية لأنه لما قال ) إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ( كان تقدير الكلام فاغسلوا وجوهكم لها وذلك هو النية المعتبرة قوله ) وإن كنتم جنبا فاطهروا ( أي فاغتسلوا بالماء وقد ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم ألبتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء استدلالا بهذه الآية وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع عدم الماء وهذه الآية هي للواجد على أن التطهر هو أعم من الحاصل بالماء أو بما هو عوض عنه مع عدمه وهو التراب وقد صح عن عمر وابن مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم الجنب مع عدم الماء وقد تقدم تفسير الجنب في النساء قوله ) وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ( قد تقدم تفسير هذا في سورة النساء مستوفى وكذلك تقدم الكلام على ملامسة النساء وعلى التيمم وعلى الصعيد ومن قوله ) منه ( لابتداء الغاية وقيل للتبعيض قيل ووجه تكرير هذا هنا لاستيفاء الكلام فى أنواع الطهارة ) ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ( أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء أو بالتراب التضييق عليكم فى الدين ومنه قوله تعالى ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( ثم قال ) ولكن يريد ليطهركم ( من الذنوب وقيل من الحدث الأصغر والأكبر ) وليتم نعمته عليكم ( أي بالترخيص لكم فى التيمم


"""""" صفحة رقم 19 """"""
عند عدم الماء أو بما شرعه لكم من الشرائع التى عرضكم بها للثواب ) لعلكم تشكرون ( نعمته عليكم فتستحقون بالشكر ثواب الشاكرين
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم فى قوله ) إذا قمتم إلى الصلاة ( قال قمتم من المضاجع يعنى النوم وأخرج ابن جرير عن السدى مثله وأخرج ابن جرير أيضا عنه يقول إذا قمتم وأنتم على غير طهر وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن فى قوله ) فاغسلوا وجوهكم ( قال ذلك الغسل الدلك وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن أنس أنه قيل له إن الحجاج خطبنا فقال
اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم وانه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما قال أنس صدق الله وكذب الحجاج قال الله ) وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ( وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال اجتمع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على غسل القدمين وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد فى قوله ) من حرج ( قال من ضيق وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير فى قوله ) وليتم نعمته عليكم ( قال تمام النعمة دخول الجنة لم يتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة
سورة المائدة الآية ( 7 11 )
المائدة : ( 7 ) واذكروا نعمة الله . . . . .
) نعمة الله ( قيل هي الإسلام والميثاق العهد قيل المراد به هنا ما أخذه على بني آدم كما قال ) وإذ أخذ ربك من بني آدم ( الآية قال مجاهد وغيره نحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الله به وقيل هو خطاب لليهود والعهد ما أخذه عليهم في التوراة وذهب جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم إلى أنه العهد الذى أخذه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة العقبة عليهم وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره وأضافه تعالى إلى نفسه لأنه عن أمره وإذنه كما قال ) إنما يبايعون الله ( وبيعة العقبة مذكورة فى كتب السير وهذا متصل بقوله ) أوفوا بالعقود ( قوله ) إذ قلتم سمعنا وأطعنا ( أي وقت قولكم هذا القول وهذا متعلق بواثقكم أو بمحذوف وقع حالا أي كائنا هذا الوقت و ) بذات الصدور ( ما تخفيه الصدور لكونها مختصة بها لا يعلمها أحد ولهذا أطلق عليها ذات التى بمعنى الصاحب وإذا كان سبحانه عالما بها فكيف بما كان ظاهرا جليا
المائدة : ( 8 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ( قد تقدم تفسيرها في النساء وصيغة المبالغة فى ) قوامين ( تفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا


"""""" صفحة رقم 20 """"""
بها أتم قيام لله أي لأجله تعظيما لأمره وطمعا في ثوابه والقسط العدل وقد تقدم الكلام على قوله ) يجرمنكم ( مستوفى أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل وكتم الشهادة ) اعدلوا هو ( أي العدل المدلول عليه بقوله اعدلوا ) أقرب للتقوى ( آلتي أمرتم بها غير مرة أي أقرب لأن تتقوا الله أو لأن تتقوا النار
المائدة : ( 9 ) وعد الله الذين . . . . .
قوله ) لهم مغفرة وأجر عظيم ( هذه الجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني لقوله ) وعد ( على معنى وعدهم أن لهم مغفرة أو وعدهم مغفرة فوقعت الجملة موقع المفرد فأغنت عنه ومثله قول الشاعر وجدنا الصالحين لهم جزاء
وجنات وعينا سلسبيلا
المائدة : ( 10 - 11 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . .
قوله ) أصحاب الجحيم ( أي ملابسوها قوله ) إذ هم قوم ( ظرف لقوله ) اذكروا ( أو للنعمة أو لمحذوف وقع حالا منها ) أن يبسطوا ( أي بأن يبسطوا وقوله ) فكف ( معطوف على قوله ) هم ( وسيأتى بيان سبب نزول هذه الآية وبه يتضح المعنى
وقد أخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في قوله ) إذ قلتم سمعنا وأطعنا ( يعنى حين بعث الله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنزل عليه الكتاب قالوا آمنا بالنبي والكتاب وأقررنا بما فى التوراة فذكرهم الله ميثاقه الذى أقروا به على أنفسهم وأمرهم بالوفاء به وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال النعم الآلاء وميثاقه الذى واثقهم به قال الذى واثق به بني آدم في ظهر آدم عليه السلام وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله ) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ( الآية قال نزلت في يهود خيبر ذهب إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يستفتيهم في دية فهموا أن يقتلوه فذلك قوله ) ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ( الآية وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نزل منزلا فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها فعلق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله ثم أقبل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال من يمنعك مني قال الله قال الاعرابي مرتين أو ثلاثة من يمنعك مني والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول الله فشام الاعرابي السيف فدعا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه قال معمر وكان قتادة يذكر نحو هذا ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأرسلوا هذا الأعرابي ويتأول ) اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ( الآية وأخرج الحاكم وصححه عنه بنحوه وذكر أن اسم الرجل غورث بن الحارث وأنه لما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) الله ( سقط السيف من يده فأخذه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال من يمنعك منى قال كن خير آخذ قال فشهد أن لا إله إلا الله وأخرجه أيضا ابن إسحاق وأبو نعيم فى الدلائل عنه
وأخرج أبو نعيم فى الدلائل عن ابن عباس أن بني النضير هموا أن يطرحوا حجرا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه فجاء جبريل فأخبره بما هموا فقام ومن معه فنزلت ) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ( الآية وروى نحو هذا من طرق عن غيره وقصة الأعرابي وهو غورث المذكور ثابتة في الصحيح


"""""" صفحة رقم 21 """"""
سورة المائدة الآية ( 12 14 )
المائدة : ( 12 ) ولقد أخذ الله . . . . .
قوله ) ولقد أخذ الله ( كلام مستأنف يتضمن ذكر بعض ما صدر من بنى إسرائيل من الخيانة وقد تقدم بيان الميثاق الذى أخذه الله عليهم واختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع منهم على أن النقيب كبير القوم العالم بأمورهم الذى ينقب عنها وعن مصالحهم فيها والنقاب الرجل العظيم الذى هو في الناس على هذه الطريقة ويقال نقيب القوم لشاهدهم وضمينهم والنقيب الطريق في الجبل هذا أصله وسمى به نقيب القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم والنقيب أعلى مكانا من العريف فقيل المراد ببعث هؤلاء النقباء أنهم بعثوا أمناء على الإطلاع على الجبارين والنظر في قوتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك فاطعلوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بنى إسرائيل وأن يعلموا به موسى فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو وقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطة بأن يؤمنوا ويتقوا الله وهذا معنى بعثهم وسيأتى ذكر بعض ما قاله جماعة من السلف في ذلك قوله ) وقال الله إني معكم ( أي قال ذلك لبني إسرائيل وقيل للنقباء والمعنى إنى معكم بالنصر والعون واللام في قوله ) لئن أقمتم الصلاة ( هي الموطئة للقسم المحذوف وجوابه ) لأكفرن ( وهو ساد مسد جواب الشرط والتعزير التعظيم والتوقير وأنشد أبو عبيدة وكم من ماجد لهم كريم
ومن ليث يعزر في الندى
أي يعظم ويوقر ويطلق التعزير على الضرب والرد يقال عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح فقوله ) وعزرتموهم ( أي عظمتموهم على المعنى الأول أو رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني قوله ) وأقرضتم الله قرضا حسنا ( أي أنفقتم في وجوه الخير و ) قرضا ( مصدر محذوف الزوائد كقوله تعالى ) وأنبتها نباتا حسنا ( أو مفعول ثان لأقرضتم والحسن قيل هو ما طابت به النفس وقيل ما ابتغى به وجه الله وقيل الحلال
قوله ) فمن كفر بعد ذلك ( أي بعد الميثاق أو بعد الشرط المذكور ) فقد ضل سواء السبيل ( أي أخطأ وسط الطريق
المائدة : ( 13 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . .
وقوله (فيما نقضهم ميثاقهم ) الباء سببية وما زائدة أي فسبب تقضهم ميثاقهم لعناهم أي طردناهم وأبعدناهم
) وجعلنا قلوبهم قاسية ( أي صلبة لا تعى خيرا ولا تعقله وقرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير ألف وهى قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب يقال درهم قسى مخفف السين مشدد الياء أي زائف ذكر ذلك أبو عبيد وقال الأصمعي وأبو عبيدة درهم قسى كأنه معرب قاس وقرأ الأعمش قسية بتخفيف الياء


"""""" صفحة رقم 22 """"""
وقرأ الباقون ) قاسية ( ) يحرفون الكلم عن مواضعه ( الجملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية أي يبدلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله وقرأ السلمي والنخعي ? الكلام ? قوله ) ولا تزال تطلع على خائنة منهم ( أي لا تزال يا محمد تقف على خائنة منهم والخائنة الخيانة وقيل هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة وقد تقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة وقيل خائنة معصية قوله ) إلا قليلا منهم ( استثناء من الضمير في منهم ) فاعف عنهم واصفح ( قيل هذا منسوخ بآية السيف وقيل خاص بالمعاهدين
المائدة : ( 14 ) ومن الذين قالوا . . . . .
قوله ) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ( الجار والمجرور متعلق بقوله ) أخذنا ( والتقديم للاهتمام والتقدير وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم أي في التوحيد والإيمان بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وبما جاء به قال الأخفش هو كقولك أخذت من زيد ثوبه ودرهمه فرتبه الذين بعد أخذنا وقال الكوفيون بخلافة وقيل إن الضمير في قوله ) ميثاقهم ( راجع إلى بنى إسرائيل أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم من بنى إسرائيل وقال ) ومن الذين قالوا إنا نصارى ( ولم يقل ومن النصارى للإيذان بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار الله قوله ) فنسوا حظا مما ذكروا به ( أي نسوا من الميثاق المأخوذ عليهم نصيبا وافرا عقب أخذه عليهم ) فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ( أي ألصقنا ذلك بهم مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه يقال غرى بالشيء يغرى غريا بفتح الغين مقصورا وغراء بكسرها ممدودا أي أولع به حتى كأنه صار ملتصقا به ومثل الإغراء التحرش وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد والمراد بقوله ) بينهم ( اليهود والنصارى لتقدم ذكرهم جميعا وقيل بين النصارى خاصة لأنهم أقرب مذكور وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية وكفر بعضهم بعضا وتظاهروا بالعداوة في ذات بينهم قال النحاس وما أحسن ما قيل فى معنى ) فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ( إن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها
قوله ) وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ( تهديد لهم أي سيلقون جزاء نقض الميثاق
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية فى قوله ) ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ( قال أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره ) وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ( أي كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ) اثني عشر نقيبا ( قال من كل سبط من بنى إسرائيل رجال أرسلهم موسى إلى الجبارين فوجدوهم يدخل فى كم أحدهم اثنان منهم ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يافنة فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا فى تيههم ذلك فضرب موسى الحجر لكل سبط عينا حجرا لهم يحملونه معهم فقال لهم موسى اشربوا يا حمير فنهاه الله عن سبهم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) اثني عشر نقيبا ( قال هم من بنى إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة فجاءوا بحبه من فاكهتهم وقر رجل فقال اقدروا قوة قوم وبأسهم وهذه فاكهتهم فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال ) فاذهب أنت وربك فقاتلا ( وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط وأسماؤهم مذكورة فى السفر الرابع من التوراة وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وعزرتموهم ( قال أعنتموهم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ) وعزرتموهم (


"""""" صفحة رقم 23 """"""
قال نصرتموهم وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ) فبما نقضهم ميثاقهم ( قال هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه وأخرج ابن جرير عنه فى قوله ) يحرفون الكلم عن مواضعه ( يعنى حدود الله يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروا وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا فى قوله ) ونسوا حظا مما ذكروا به ( قال نسوا الكتاب وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ) ولا تزال تطلع على خائنة منهم ( قال هم يهود مثل الذى هموا به من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يوم دخل عليهم حائطهم
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ) ولا تزال تطلع على خائنة منهم ( قال كذب وفجور وفى قوله ) فاعف عنهم واصفح ( قال لم يؤمر يومئذ بقتالهم فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح ثم نسخ ذلك فى براءة فقال ) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( الآية وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي فى قوله ) فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ( قال أغرى بعضهم ببعض بالخصومات والجدال فى الدين
سورة المائدة الآية ( 15 16 )
المائدة : ( 15 ) يا أهل الكتاب . . . . .
الألف واللام في الكتاب للجنس والخطاب لليهود والنصارى ) قد جاءكم رسولنا ( أي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حال كونه ) يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ( المنزل عليكم وهو التوراة والإنجيل كآية الرحيم وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردة ) ويعفو عن كثير ( مما تخفونه فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد افتضاحكم وقيل المعنى إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به وقيل يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم والجملة في محل نصب عطفا على الجملة الحالية أعنى قوله ) يبين لكم ( قوله ) قد جاءكم من الله نور ( جملة مستأنفة مشتملة على بيان أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) قد تضمنت بعثته فوائد غير ما تقدم من مجرد البيان قال الزجاج النور محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل الإسلام والكتاب المبين القرآن فإنه المبين
المائدة : ( 16 ) يهدي به الله . . . . .
والضمير في قوله ) يهدي به ( راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور لكونهما كالشيء الواحد ) من اتبع رضوانه ( أي ما رضيه الله و ) سبل السلام ( طرق السلامة من العذاب الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة وقيل المراد بالسلام الإسلام ) ويخرجهم من الظلمات ( الكفرية ) إلى النور ( الإسلامي ) ويهديهم إلى صراط مستقيم ( إلى طريق يتوصلون بها إلى الحق لا عوج فيها ولا مخافة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ) رسولنا ( قال هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن جرير أيضا عن عكرمة قال إن نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) أتاه اليهود يسألونه عن الرجم فقال أيكم أعلم فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالذى أنزل التوراة على موسى والذى رفع الطور بالمواثيق التى أخذت عليهم حتى أخذه أفكل فقال إنه لما كثر فينا جلدنا مائة جلده وحالقنا الرءوس فحكم عليهم بالرجم فنزلت هذه الآية وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ) ويعفو عن كثير ( يقول


"""""" صفحة رقم 24 """"""
عن كثير من الذنوب وأخرج ابن جرير عن السدى قال ) سبل السلام ( هي سبيل الله الذى شرعه لعباده ودعاهم إليه وابتعث به رسله وهو الإسلام
سورة المائدة الآية ( 17 18 )
المائدة : ( 17 ) لقد كفر الذين . . . . .
ضمير الفصل في قوله ) هو المسيح ( يفيد الحصر قيل وقد قال بذلك بعض طوائف النصارى وقيل لم يقل به أحد منهم ولكن استلزم قولهم ) إن الله هو المسيح ( لا غيره وقد تقدم في آخر سورة النساء ما يكفى ويغنى عن التكرار قوله ) قل فمن يملك من الله شيئا ( الاستفهام للتوبيخ والتقريع والملك والملك الضبط والحفظ والقدرة من قولهم ملكت على فلان أمره أي قدرت عليه أي فمن يقدر أن يمنع ) إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ( وإذا لم يقدر أحد أن يمنع من ذلك فلا إله إلا الله ولا رب غيره ولا معبود بحق سواه ولو كان المسيح إلها كما تزعم النصارى لكان له من الأمر شيء ولقدر على أن يدفع عن نفسه أقل حال ولم يقدر على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها وتخصيصها بالذكر مع دخولها في عموم من فى الأرض لكون الدفع منه عنها أولى وأحق من غيرها فهو إذا لم يقدر على الدفع عنها أعجز عن أن يدفع عن غيرها وذكر من فى الأرض للدلالة على شمول قدرته وأنه إذا أراد شيئا كان لا معارض له في أمره ولا مشارك له في قضائه ) ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ( أي ما بين النوعين من المخلوقات قوله ) يخلق ما يشاء ( جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق الخلق بحسب مشيئته وأنه يقدر على كل شيء لا يستصعب عليه شيء
المائدة : ( 18 ) وقالت اليهود والنصارى . . . . .
قوله ) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ( أثبتت اليهود لأنفسها ما أثبتته لعزير حيث قالوا عزير ابن الله وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته للمسيح حيث قالوا المسيح ابن الله وقيل هو على حذف مضاف أي نحن أتباع أبناء الله وهكذا أثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء الله بمجرد الدعوى الباطلة والأمانى العاطلة فأمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يرد عليهم فقال ) قل فلم يعذبكم بذنوبكم ( أي إن كنتم كما تزعمون فما باله يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب بالقتل والمسخ وبالنار في يوم القيامة كما تعترفون بذلك لقولكم ) لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ( فإن الابن من جنس أبيه لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب وأنتم تذنبون والحبيب لا يعذب حبيبه وأنتم تعذبون فهذا يدل على أنكم كاذبون فى هذه الدعوى وهذا البرهان هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف قوله ) بل أنتم بشر ممن خلق ( عطف على مقدر يدل عليه الكلام أي فلستم حينئذ كذلك ) بل أنتم بشر ممن خلق ( أي من جنس من خلقه الله تعالى يحاسبهم على الخير والشر ويجازى كل عامل بعمله ) يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما (


"""""" صفحة رقم 25 """"""
من الموجودات ) وإليه المصير ( أي تصيرون إليه عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقى في الدلائل عن ابن عباس قال أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعمان بن أضاء وبحرى بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا ما تخوفنا يا محمد ) نحن أبناء الله وأحباؤه ( كقول النصارى فأنزل الله فيهم ) وقالت اليهود والنصارى ( إلى آخر الآية وأخرج أحمد في مسنده عن أنس قال مر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في نفر من أصحابه وصبى في الطريق فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول ابنى ابنى فسعت فأخذته فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه لتلقى ابنها في النار فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا والله لا يلقى حبيبه في النار وإسناده في المسند هكذا حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكره ومعنى الآية يشير إلى معنى هذا الحديث ولهذا قال بعض مشايخ الصوفية لبعض الفقهاء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فلم يرد عله فتلا الصوفي هذه الآية وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا وأخرج ابن جرير عن السدى في قوله ) يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ( يقول يهدى منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه
سورة المائدة الآية ( 19 )
المائدة : ( 19 ) يا أهل الكتاب . . . . .
المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى والرسول هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ويبين لكم حال والمبين هو ما شرعه الله لعباده وحذف للعلم به لأن بعثة الرسل إنما هي بذلك والفترة أصلها السكون يقال فتر الشيء سكن وقيل هي الانقطاع قاله أبو علي الفارسي وغيره ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة وفتر الرجل عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد فيه وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر والمعنى أنه انقطع الرسل قبل بعثه ( صلى الله عليه وسلم ) مدة من الزمان واختلف في قدر مدة تلك الفترة وسيأتى بيان ذلك قوله ) أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ( تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حين فترة أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم ومن في قوله ) من بشير ( زائدة للمبالغة في نفى المجئ والفاء في قوله ) فقد جاءكم ( هي الفصيحة مثل قول الشاعر فقد جئنا خراسانا
أي لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) والله على كل شيء قدير ( ومن جملة مقدوراته إرسال رسوله على فترة من الرسل
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يهود إلى الإسلام فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا ما قلنا لكم


"""""" صفحة رقم 26 """"""
هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل الله ) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ( الآية وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) جاء بالحق الذى فرق الله به بين الحق والباطل فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به قال وكانت الفترة بين عيسى ومحمد ستمائة سنة وما شاء الله من ذلك وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عنه قال كانت خمسمائة سنة وستين سنة وقال الكلبي خمسمائة سنة وأربعين سنة وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال كانت خمسمائة سنة وأخرج ابن جرير عن الضحاك قالى كانت أربعمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة وأخرج ابن سعد في كتاب الطبقات عن ابن عباس قال كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة ولم يكن بينهما فترة فإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم وكان بين ميلاد عيسى ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) خمسائة سنة وتسع وستون سنة بعث في أولها ثلاثة أنبياء كما قال الله تعالى ) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ( والذى عزز به شمعون وكان من الحواريين وكانت الفترة التى لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعة وثلاثين سنة وقد قيل غير ما ذكرناه
سورة المائدة الآية ( 20 26 )
المائدة : ( 20 ) وإذ قال موسى . . . . .
هذه الآيات متضمنة للبيان من الله سبحانه بأن أسلاف اليهود الموجودين في عصر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) تمردوا على موسى وعصوه كما تمرد هؤلاء على نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) وعصوه وفى ذلك تسلية له ( صلى الله عليه وسلم ) وروى عن عبد الله بن كثير أنه قرأ ) يا قوم اذكروا ( بضم الميم وكذا قرأ فيما أشبهه وتقديره ) يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم انبياء ( أي وقت هذا الجعل وإيقاع الذكر على الوقت مع كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة لأن الأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما وقع فيه بطريق الأولى وامتن عليهم سبحانه بجعل الأنبياء فيهم مع كونه قد جعل الأنبياء من غيرهم لكثرة من بعثه من الأنبياء منهم قوله ) وجعلكم ملوكا ( أي وجعل منكم ملوكا وإنما حذف حرف الجر لظهور أن معنى الكلام على تقديره


"""""" صفحة رقم 27 """"""
ويمكن أن يقال إن منصب النبوة لما كان لعظم قدره وجلالة خطره بحيث لا ينسب إلى غير من هو له قال فيه ) إذ جعل فيكم أنبياء ( ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قال به كما تقول قرابة الملك نحن الملوك قال فيه ) وجعلكم ملوكا ( وقيل المراد بالملك أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون فهم جميعا ملوك بهذا المعنى وقيل معناه أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بأذن وقيل غير ذلك والظاهر أن المراد من الآية الملك الحقيقي ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى فإن قلت قد جعل غيرهم ملوكا كما جعلهم قلت قد كثر الملوك فيهم كما كثر الأنبياء فهذا وجه الامتنان قوله ) وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ( أي من المن والسلوى والحجر والغمام وكثرة الأنبياء وكثرة الملوك وغير ذلك والمراد عالمى زمانهم وقيل إن الخطاب هاهنا لأمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهو عدول عن الظاهر لغير موجب والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أنه من كلام موسى لقومه وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيدا لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدسة
وقد اختلف في تعيينها فقال قتادة هي الشام وقال مجاهد الطور وما حوله وقال ابن عباس والسدى وغيرهما أريحاء وقال الزجاج دمشق وفلسطين وبعض الأردن وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده
المائدة : ( 21 ) يا قوم ادخلوا . . . . .
والمقدسة المطهرة وقيل المباركة ) التي كتب الله لكم ( أي قسمها وقدرها لهم في سابق علمه وجعلها مسكنا لكم ) ولا ترتدوا على أدباركم ( أي لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين جبنا وفشلا ) فتنقلبوا ( بسبب ذلك ) خاسرين ( لخير الدنيا والآخرة
المائدة : ( 22 ) قالوا يا موسى . . . . .
) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ( قال الزجاج الجبار من الآدميين العاثي وهو الذى يجبر الناس على ما يريد وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه فإنه يجبر غيره على ما يريده يقال أجبره إذا أكرهه وقيل هو مأخوذ من جبر العظم فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعا بحق أو باطل وقيل إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه قال الفراء لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين جبار من أجبر ودراك من أدرك والمراد هنا أنهم قوم عظام الأجسام طوال متعاظمون قيل هم قوم من بقية قوم عاد وقيل هم من ولد عيص بن إسحاق وقيل هم من الروم ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط وعنق هي بنت آدم قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة ذراعا وثلث ذراع قال ابن كثير وهذا شيء يستحيا من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب السفينه وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال ) رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ( وقال تعالى ) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين ( وقال تعالى ) لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ( وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد زنية هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع ثم فى وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم انتهى كلامه
قلت لم يأت فى أمر هذا الرجل ما يقتضى تطويل الكلام فى شأنه وما هذا بأول كذبة اشتهرت في الناس ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التى وضعها القصاص ونفقت عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية ولا معرفة به أن يدع التعرض لتفسير كتاب الله ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب


"""""" صفحة رقم 28 """"""
القصاص قوله ) فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ( هذا تصريح بما هو مفهوم من الجملة التى قبل هذه الجملة لبيان أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب
المائدة : ( 23 ) قال رجلان من . . . . .
قوله ) قال رجلان ( هما يوشع وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا وكانا من الاثنى عشر نقيبا كما مر بيان ذلك وقوله ) من الذين يخافون ( أي يخافون من الله عز وجل وقيل من الجبارين أي هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون من الجبارين وقيل من الذين يخافون ضعف بنى إسرائيل وجبنهم وقيل إن الواو في ) يخافون ( لبنى إسرائيل أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير ) يخافون ( بضم الياء أي يخافهم غيرهم قوله ) أنعم الله عليهما ( في محل رفع على أنه صفة ثانية لرجلان بالإيمان واليقين بحصول ما وعدوا به من النصر والظفر ) ادخلوا عليهم الباب ( أي باب بلد الجبارين ) فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ( قالا هذه المقالة لبنى إسرائيل والظاهر أنهما قد علما بذلك من خبر موسى أو قالاه ثقة بوعد الله أو كانا قد عرفا أن الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفا ورعبا
المائدة : ( 24 ) قالوا يا موسى . . . . .
) قالوا ( أي بنوا إسرائيل لموسى ) إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ( وكان هذا القول منهم فشلا وجبنا أو عنادا وجرءة على الله وعلى رسوله ) فاذهب أنت وربك فقاتلا ( قالوا هذا جهلا بالله عز وجل وبصفاته وكفرا بما يجب له أو استهانة بالله ورسوله وقيل أراد بالذهاب الإرادة والقصد وقيل أرادوا بالرب هارون وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه ) ها هنا قاعدون ( أي لا نبرح هاهنا لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر
المائدة : ( 25 ) قال رب إني . . . . .
) قال ( موسى ) رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ( يحتمل أن يعطف وأخي على نفسي وأن يعطف على الضمير في ) إني ( أي إني لا أملك إلا نفسي وأخي لا يملك إلا نفسه قال هذا تحسرا وتحزنا واستجلابا للنصر من الله عز وجل ) فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( أي افصل بيننا يعنى نفسه وأخاه وبين القوم الفاسقين وميزنا عن جملتهم ولا تلحقنا بهم في العقوبة وقيل المعنى فاقض بيننا وبينهم وقيل إنما أراد في الآخرة وقرأ عبيد بن عمير ) فافرق ( بكسر الراء
المائدة : ( 26 ) قال فإنها محرمة . . . . .
) قال فإنها ( أي الأرض المقدسة ) محرمة عليهم ( أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين ) أربعين سنة ( ظرف للتحريم أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة عليها فلا يخالف هذا التحريم ما تقدم من قوله ) التي كتب الله لكم ( فإنها مكتوبة لمن بقى منهم بعد هذه المدة وقيل إنه لم يدخلها أحد ممن قال ) إنا لن ندخلها ( فيكون توقيت التحريم بهذه المدة باعتبار ذراريهم وقيل إن ) أربعين سنة ( ظرف لقوله ) يتيهون في الأرض ( أي يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقا والموقت هو التيه وهو في اللغة الحيرة يقال منه تاه يتيه تيها أو توها إذا تحير فالمعنى يتحيرون في الأرض قيل إن هذه الأرض التى تاهوا فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لا قرار لهم
واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهارون أم لا فقيل لم يكونا معهم لأن التيه عقوبة وقيل كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم وقد قيل كيف يقع هذا لجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض اليسيرة في هذه المدة الطويلة قال أبو علي يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التى هم عليها إذا ناموا إلى المكان الذى ابتدءوا منه وقد يكون بغير ذلك من الأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة للعادة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ) وجعلكم ملوكا ( قال ملكهم الخدم وكانوا أول من ملك الخدم وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال كان الرجل من بنى إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عنه


"""""" صفحة رقم 29 """"""
فى الآية قال الزوجة والخادم والبيت وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي فى شعب الإيمان عنه أيضا فى قوله ) وجعلكم ملوكا ( قال المرأة والخدم ) وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ( قال الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم أو دابة وامرأة كتب ملكا وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار فى الموقفيات عن زيد بن أسلم قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من كان له بيت وخادم فهو ملك وأخرج أبو داود فى مراسيله عن زيد بن أسلم فى الآية قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) زوجة ومسكن وخادم وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأله رجل ألسنا من فقراء المهاجرين قال ألك امرأة تأوى إليها قال نعم قال ألك مسكن تسكنه قال نعم قال فأنت من الأغنياء قال إن لي خادما قال فأنت من الملوك وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد فى قوله ) وجعلكم ملوكا ( قال جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا ) وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ( قال المن والسلوى والحجر والغمام وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في الآية قال المن والسلوى والحجر والغمام وقد ثبت في الحديث الصحيح من أصبح منكم معافى فى جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وأخرج ابن جرير عنه فى قوله ) ادخلوا الأرض المقدسة ( قال الطور وما حوله وأخرج عنه أيضا قال هى أريحاء وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال هى ما بين العريش إلى الفرات وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال هي الشام وأخرج ابن جرير عن السدى في قوله ) التي كتب الله لكم ( قال التى أمركم الله بها وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين فسار بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهى أريحاء فبعث إليهم اثنى عشر عينا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجتنى الثمار من حائطه فجعل يجتنى الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الاثنى عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم قال فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم فقال اكتموا عنا فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول اكتم عنى فأشبع ذلك في عسكرهم ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما اللذان أنزل الله فيهما ) قال رجلان من الذين يخافون ( وقد روى نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص كما قدمنا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) فافرق ( يقول اقض وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه يقول افصل بيننا وبينهم وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ) فإنها محرمة عليهم ( قال أبدا وفى قوله ) يتيهون في الأرض ( قال أربعين سنة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال تاهوا أربعين سنة فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون وهو الذى قام بالأمر بعد موسى وهو الذى افتتحها وهو الذى قيل له اليوم يوم جمعة فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب فخشى إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس إنى مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط


"""""" صفحة رقم 30 """"""
فقربوه إلى النار فلم تأت فقال فيكم الغلول فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده فقال الغلول عندك فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن
سورة المائدة الآية ( 27 31 )
المائدة : ( 27 ) واتل عليهم نبأ . . . . .
وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه فالداء قديم والشر أصيل
وقد اختلف أهل العلم في ابنى آدم المذكورين هل هما لصلبه أم لا فذهب الجمهور إلى الأول وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني وقالا إنهما كانا من بنى إسرائيل فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود وكانت بينهما خصومة فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بنى إسرائيل قال ابن عطية وهذا وهم كيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى إسرائيل حتى يقتدى بالغراب قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم واسمهما قابيل وهابيل وكان قربان قابيل حزمة من سنبل لأنه كان صاحب زرع واختارها من أردإ زرعه حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها وكان قربان هابيل كبشا لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه فتقبل قربان هابيل فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام كذا قال جماعة من السلف ولم يتقبل قربان قابيل فحسده وقال لأقتلنك وقيل سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا وكان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من البطن الآخر ولا تحل له أخته التى ولدت معه فولدت مع قابيل أخت جميلة واسمها إقليما ومع هابيل أخت ليست كذلك واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل أنا أحق بأختى فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر فاتفقوا على القربان وأنه يتزوجها من تقبل قربانه قوله ) بالحق ( متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر ) واتل ( أي تلاوة متلبسة بالحق أو صفة لنبأ أي نبأ متلبسا بالحق والمراد بأحدهما هابيل وبالآخر قابيل و ) قال لأقتلنك ( استئناف بياني كأنه فماذا قال الذى لم يتقبل قربانه وقوله ) قال إنما يتقبل الله من المتقين ( استئناف كالأول كأنه قيل فماذا قال الذى تقبل قربانه وإنما للحصر أي إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم وكأنه يقول لأخيه إنما أتيت


"""""" صفحة رقم 31 """"""
من قبل نفسك لا من قبلي فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك
المائدة : ( 28 ) لئن بسطت إلي . . . . .
قوله ) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ( أي لأن قصدت قتلى واللام هي الموطئة و ) ما أنا بباسط ( جواب القسم ساد مسد جواب الشرط وهذا استسلام للقتل من هابيل كما ورد في الحديث إذا كانت الفتنة فكن كخير ابنى آدم وتلاالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآية قال مجاهد كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفا وأن لا يمتنع ممن يريد قتله قال القرطبي قال علماؤنا وذلك مما يجوز ورود التعبد به إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا وفى وجوب ذلك عليه خلاف والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر وفى الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع واحتجوا بحديث أبي ذر وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه فى كتاب التذكرة انتهى كلام القرطبي وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم وأهل السنن إلا النسائي وفيه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال له يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا كيف تصنع قلت الله ورسوله أعلم قال اقعد فى بيتك وأغلق عليك بابك قال فإن لم أترك قال فأت من أنت منهم فكن فيهم قال فآخذ سلاحي قال إذن تشاركهم فيما هم فيه ولكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك وفى معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى
المائدة : ( 29 ) إني أريد أن . . . . .
قوله ) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ( هذا تعليل لامتناعه من المقاتلة بعد التعليل الأول وهو ) إني أخاف الله رب العالمين (
اختلف المفسرون فى المعنى فقيل أراد هابيل إني أريد أن تبوء بالإثم الذى كان يلحقنى لو كنت حريصا على قتلك وبإثمك الذى تحملته بسبب قتلي وقيل المراد بإثمي الذى يختص بي بسبب سيأتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك فى قتلي وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت فى صحيح مسلم من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه ومثله قوله تعالى ) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ( وقيل المعنى إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى ) وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ( أي أن لا تميد بكم وقوله ) يبين الله لكم أن تضلوا ( أي أن لا تضلوا وقال أكثر العلماء إن المعنى ) إني أريد أن تبوء بإثمي ( أي بإثم قتلك لي ) وإثمك ( الذى قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي قال الثعلبي هذا قول عامة المفسرين وقيل هو على وجه الإنكار أي أو إني أريد على وجه الإنكار كقوله تعالى ) وتلك نعمة ( أي أو تلك نعمة قاله القشيري ووجهه بأن إرادة القتل معصية وسئل أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار فقال وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل وهذا بعيد جدا وكذلك الذى قبله وأصل باء رجع إلى المباءة وهى المنزل ) وباؤوا بغضب من الله ( أي رجعوا
المائدة : ( 30 ) فطوعت له نفسه . . . . .
قوله ) فطوعت له نفسه قتل أخيه ( أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع يده سهل عليه يقال تطوع الشيء أي سهل وانقاد وطوعه فلان له أي سهله قال الهروي طوعت وطاوعت واحد يقال طاع له كذا إذا أتاه طوعا وفى ذكر تطويع نفسه له بعد ما تقدم من قول قابيل ) لأقتلنك ( وقول هابيل ) لتقتلني ( دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة قوله ) فقتله ( قال ابن جرير ومجاهد وغيرهما روى أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه أبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدى به قابيل ففعل وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية
المائدة : ( 31 ) فبعث الله غرابا . . . . .
قوله ) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ( قيل إنه لما


"""""" صفحة رقم 32 """"""
قتل أخاه لم يدر كيف يواريه لكونه أول ميت مات من بني آدم فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه فما رآه قابيل قال ) يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ( فواراه والضمير المستكن في ) ليريه ( للغراب وقيل لله سبحانه و ) كيف ( فى محل نصب على الحال من ضمير ) يواري ( والجملة ثاني مفعولي يريه والمراد بالسوءة هنا ذاته كلها لكونها ميتة ) وقال ( استئناف جواب سؤال مقدر من سوق الكلام كأنه قيل فماذا قال عند أن شاهد الغراب يفعل ذلك و ) يا ويلتى ( كلمة تحسر وتحزن والألف بدل ياء المتكلم كأنه دعا ويلته بأن تحضر فى ذلك الوقت والويلة الهلكة والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه كما اهتدى الغراب إلى ذلك ) فأواري ( بالنصب على أنه جواب الاستفهام وقرئ بالسكون على تقدير فأنا أوارى ) فأصبح من النادمين ( على قتله وقيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده لا على قتله وقيل غير ذلك
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس قال نهي أن تنكح المرأة أخاها توءمها وأن ينكحها غيره من إخوتها وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة فقال أخو الدميمة أنكحني أختك وأنكحك أختي فقال لا أنا أحق بأختي فقربا قربانا فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض وصاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع قال ابن كثير في تفسيره إسناده جيد وكذا قال السيوطي في الدر المنثور وأخرج ابن جرير عنه قال كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقر به الرجل فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا ثم ذكرا ما قرباه وأخرج ابن جرير عن مجاهد فى قوله ) لئن بسطت إلي يدك ( قال كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ( يقول إني أريد أن تكون عليك خطيئتك ودمى فتبوء بهما جميعا وأخرج ابن جرير عنه ) بإثمي ( قال بقتلك إياي و ? إثمك ? قال بما كان منك قبل ذلك وأخرج عن قتادة والضحاك مثله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قي قوله ) فطوعت له نفسه قتل أخيه ( قال شجعته على قتل أخيه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة فى الآية قال زينت له نفسه وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله ) فطوعت له نفسه قتل أخيه ( فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ به رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه فلما رآه ) قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ( وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل وقد روى في صفة قتله لأخيه روايات الله أعلم بصحتها
سورة المائدة الآية ( 32 34 )


"""""" صفحة رقم 33 """"""
المائدة : ( 32 ) من أجل ذلك . . . . .
قوله ) من أجل ذلك ( أي من أجل ذلك القاتل وجريرته وبسبب معصيته وقال الزجاج أي من جنايته قال يقال أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذا وقرأ أبو جعفر ) من أجل ( بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة قال في شرح الدرة قرأ أبو جعفر منفردا من أجل ذلك بكسر الهمزة مع نقل حركتها إلى النون قبلها وقيل يجوز أن يكون قوله ) من أجل ذلك ( متعلقا بقوله ) من النادمين ( فيكون الوقف على قوله ) من أجل ذلك ( والأولى ما قدمنا والمعنى أن نبأ ابني آدم هو الذى تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل وعلى هذا جمهور المفسرين وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم فى قتل الأنفس ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء وتقديم الجار والمجرور على الفعل الذى هو متعلق به أعني كتبنا يفيد القصر أي من أجل ذلك لا من غيره ومن لابتداء الغاية ) أنه من قتل نفسا ( واحدة من هذه النفوس ) بغير نفس ( أي بغير نفس توجب القصاص فيخرج عن هذا من قتل نفسا بنفس قصاصا قوله ) أو فساد في الأرض ( قرأ الجمهور بالجر عطفا على نفس وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدل عليه أول الكلام تقديره أو أحدث فسادا فى الأرض وفى هذا ضعف
ومعنى قراءة الجمهور أن من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا وقد تقرر أن كل حكم مشروط يتحقق أحد شيئين فنقيضه مشروط بانتفائهما معا وكل حكم مشروط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه
وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو فقيل هو الشرك وقيل قطع الطريق وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض فالشرك فساد في الأرض وقطع الطريق فساد في الأرض وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال فساد في الأرض والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض فعرفت بهذا أنه يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض وهكذا الفساد الذى سيأتي في قوله ) ويسعون في الأرض فسادا ( يصدق على هذه الأنواع وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريبا قوله ) فكأنما قتل الناس جميعا ( اختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعا أشد من عقاب من قتل واحدا منهم فروى عن ابن عباس أنه قال
المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا أخرج هذا عنه ابن جرير وروى عن مجاهد أنه قال
المعنى أن الذى يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب


"""""" صفحة رقم 34 """"""
عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما فلو قتل الناس جميعا لم يزد على هذا قال ومن سلم من قتل فلم يقتل أحدا فكأنها أحيا الناس جميعا
وقد أخرج نحو هذا عنه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وروى عن ابن عباس أيضا أنه قال في تفسير هذه الآية أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعا أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وروى عن الحسن أنه قال فكأنما قتل الناس جميعا في الوزر وكأنما أحيا الناس جميعا في الأجر وقال ابن زيد المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا ) ومن أحياها ( أي من عفا عمن وجب قتله حكاه عنه القرطبي وحكى عن الحسن أنه العفو بعد القدرة يعنى أحياها وروى عن مجاهد أن إحياءها إنجاؤها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة حكاه عنه ابن جرير وابن المنذر وقيل المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع ) ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ( أي وجب على الكل شكره وقيل المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع لأنه أنكر الشرع وعلى كل حال فالإحياء هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة فهو مجاز إذ المعنى الحقيقي مختص بالله عز وجل والمراد بهذا التشبيه في جانب القتل تهويل أمر القتل وتعظيم أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل الجرءة والجسارة وفى جانب الإحياء الترغيب إلى العفو عن الجناة واستنقاذ المتورطين في الهلكات قوله ) ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ( جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم متضمنة للإخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاءوا العباد بما شرعه الله لهم من الأحكام التى من جملتها أمر القتل وثم في قوله ) ثم إن كثيرا منهم ( للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي والإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكر مما كتبه الله على بنى إسرائيل أي إن كثيرا منهم بعد ذلك الكتب ) في الأرض لمسرفون ( فى القتل
المائدة : ( 33 ) إنما جزاء الذين . . . . .
قوله ) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ( قد اختلف الناس فى سبب نزول هذه الآية فذهب الجمهور إلى أنها نزلت فى العرنيين
وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق ويسعى في الأرض بالفساد قال ابن المنذر قول مالك صحيح قال أبو الثور محتجا لهذا القول إن قوله في هذه الآية ) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ( يدل على أنها نزلت فى غير أهل الشرك لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم فدل ذلك على أن الآية نزلت فى أهل الإسلام انتهى وهكذا يدل على هذا قوله تعالى ) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ( وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) الإسلام يهدم ما قبله أخرجه مسلم وغيره وحكى ابن جرير الطبري في تفسيره عن بعض أهل العلم أن هذه الآية أعنى آية المحاربة نسخت فعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فى العرنيين ووقف الأمر على هذه الحدود
وروى عن محمد بن سيرين أنه قال كان هذا قبل أن تنزل الحدود يعنى فعله ( صلى الله عليه وسلم ) بالعرنيين وبهذا قال جماعة من أهل العلم وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله ( صلى الله عليه وسلم ) بالعرنيين منسوخ بنهى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن المثلة والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ وسيأتي سياق الروايات الواردة فى سبب النزول والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره لمن ارتكب ما تضمنته ولا اعتبار بخصوص السبب بل الاعتبار بعموم اللفظ قال القرطبي فى تفسيره ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت فى المرتدين أو اليهود انتهى ومعنى قوله مترتب أي ثابت قيل المراد بمحاربة الله المذكورة فى الآية هي محاربة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومحاربة المسلمين في عصره ومن بعد عصره بطريق العبارة دون الدلالة ودون القياس لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص حكمه


"""""" صفحة رقم 35 """"""
بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله ولرسوله إكبارا لحربهم وتعظيما لأذيتهم لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب والأولى أن تفسر محاربة الله سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي وحكم أمته حكمه وهم أسوته والسعي فى الأرض فسادا يطلق على أنواع من الشر كما قدمنا قريبا قال ابن كثير في تفسيره قال كثير من السلف منهم سعيد ابن المسيب إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض وقد قال تعالى ) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ( انتهى
إذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي فى الأرض فسادا فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك سواء كان مسلما أو كافرا في مصر وغير مصر فى كل قليل وكثير وجليل وحقير وأن حكم الله فى ذلك هو ما ورد فى هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب بل من كان ذنبه هو التعدي على دماء العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم فى كتاب الله أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص لأنا نعلم أنه قد كان فى زمنه ( صلى الله عليه وسلم ) من تقع منه ذنوب ومعاص غير ذلك ولا يجري عليه ( صلى الله عليه وسلم ) هذا الحكم المذكور فى هذه الآية وبهذا تعرف ضعف ما روى عن مجاهد فى تفسير المحاربة المذكورة فى هذه الآية أنها الزنا والسرقة ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد فى كتاب الله وفى سنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) لهما حكم غير هذا الحكم
وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية على مقتضى لغة العرب التى أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله بها فإياك أن تغتر بشيء من التفاصيل المروية والمذاهب المحكية إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا العموم أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب فأنت وذاك اعمل به وضعه فى موضعه وأما ما عداه فدع عنك نهبا صيح في حجراته
وهات حديثا ما حديث الرواحل
على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه أعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور إن من شهر السلاح فى قبة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله وبهذا قال مالك وصرح بأن المحارب عنده من حمل على الناس فى مصر أو فى برية أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة قال ابن المنذر اختلف عن مالك فى هذه المسألة فأثبت المحاربة فى المصر مرة ونفى ذلك مرة وروى عن ابن عباس غير ما تقدم فقال فى قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض وروى عن أبي مجلز وسعيد ابن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدى وعطاء على اختلاف فى الرواية عن بعضهم وحكاه ابن كثير عن الجمهور وقال أيضا وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة وقال أبو حنيفة إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يديه ورجليه وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه وقال أبو يوسف القتل يأتي على كل شيء ونحوه قول الأوزاعي وقال الشافعي إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلى لأن هذه الجناية


"""""" صفحة رقم 36 """"""
زادت على السرقة بالحرابة وإذا قتل قتل وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب وروى عنه أنه قال يصلب ثلاثة أيام وقال أحمد إن قتل قتل وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي ولا أعلم لهذه التفاصيل دليلا لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره وتفرد بروايته فقال حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت فى أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة قال أنس فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام قال أنس فسأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جبريل عن القضاء فيمن حارب فقال من سرق وأخاف الطريق فاقطع يده لسرقته ورجله بإضافته ومن قتل فاقتله ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يدرى كيف صحته قال ابن كثير فى تفسيره بعد ذكره لشيء من هذه التفاصيل التى ذكرناها ما لفظه ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذى رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره قوله ) ويسعون في الأرض فسادا ( هو إما منتصب على المصدرية أو على أنه مفعول له أو على الحال بالتأويل أي مفسدين قوله ) أو يصلبوا ( ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا لأنه أحد الأنواع التى خير الله بينها وقال قوم الصلب إنما يكون بعد القتل ولا يجوز أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله سبحانه في كتابه لعباده قوله ) أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ( ظاهرة قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هى اليمنى أو اليسرى وكذلك الرجلان ولا يعتبر إلا أن يكون القطع من خلاف إما يمنى اليدين مع يسرى الرجلين أو يسرى اليدين مع يمنى الرجلين وقيل المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط قوله ) أو ينفوا من الأرض ( اختلف المفسرون في معناه فقال السدى هو أن يطلب بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحد أو يخرج من دار الإسلام هربا وهو محكى عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدى والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري حكاه الرماني فى كتابه عنهم وحكى عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود وبه قال الليث بن سعد وروى عن مالك أنه ينفى من البلد الذى أحدث فيه إلى غيره ويحبس فيه كالزاني ورجحه ابن جرير والقرطبي وقال الكوفيون نفيهم سجنهم فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها والظاهر من الآية أنه يطرد من الأرض التى وقع منه فيها ما وقع من غير سجن ولا غيره والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك وليس هو مرادا هنا قوله ) ذلك لهم خزي في الدنيا ( الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام والخزى الذل والفضيحة
المائدة : ( 34 ) إلا الذين تابوا . . . . .
قوله ) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ( استثنى الله سبحانه التائبين قبل القدرة عليهم من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك وعليه عمل الصحابة وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة والحق الأول وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة فى الآية كما يدل عليه ذكر قيد ) قبل أن تقدروا عليهم ( قال القرطبي وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولى من حارب فإن قتل محارب أخا امرئ وأتاه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شئ ولا يجوز عفو ولى الدم
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير عن الضحاك فى قوله ) من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ( يقول من أجل ابن آدم


"""""" صفحة رقم 37 """"""
الذى قتل أخاه ظلما وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية يعنى قوله ) فكأنما قتل الناس جميعا ( أهى لنا كما كانت لبنى إسرائيل فقال إي والذى لا إله غيره وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس فى قوله ) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ( قال نزلت فى المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد فى الأرض أو حارب الله ورسوله وأخرج ابن جرير والطبري فى الكبير عنه في هذه الآية قال كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عهد ميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأما النفى فهو الضرب في الأرض فإن جاء تائبا فدخل فى الإسلام قبل منه ولم يؤخذ بما سلف وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية نزلت فى الحرورية وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن نفرا من عكل قدموا على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فى طلبهم قافة فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا فأنزل الله ) إنما جزاء الذين يحاربون ( الآية وفى مسلم عن أنس أنه قال إنما سمل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة وأخرج الشافعي فى الأم وعبد الرزاق والفرياني وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل قطع مع خلاف وإذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل وإذا خرج وأخذ المال وقتل قتل وصلب وإذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفى وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال من شهر السلاح فى قبة الإسلام وأفسد السبيل فظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخير فيه إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله قال ) أو ينفوا من الأرض ( يهربوا ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب وأخرج ابن جرير عنه قال نفيه أن يطلب وأخرج أيضا عن أنس نحوه وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال كان حارثة ابن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب فكلم رجالا من قريش أن يستأمنوا له عليا فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأتى عليا فقال يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا قال ) أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ( ثم قال ) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ( فقال سعيد وإن كان حارثة بن بدر قال وإن كان حارثة بن بدر قال هذا حارثة بن بدر قد جاء تائبا فهو آمن قال نعم فجاء به إليه فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أمانا
سورة المائدة الآية ( 35 37 )


"""""" صفحة رقم 38 """"""
المائدة : ( 35 ) يا أيها الذين . . . . .
) ابتغوا ( اطلبوا ) إليه ( لا إلى غيره و ) الوسيلة ( فعيلة من توسلت إليه إذا تقربت إليه قال عنترة إن الرجال لهم إليك وسيلة
إن يأخذوك تكحلى وتخضبى
وقال آخر إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا
وعاد النصابي بيننا والوسائل
فالوسيلة القربة التى ينبغى أن تطلب وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد وقتادة والسدى وابن زيد وروى عن ابن عباس وعطاء وعبد الله بن كثير قال ابن كثير في تفسيره وهذا الذى قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه والوسيلة أيضا درجة فى الجنة مختصة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد ثبت فى صحيح البخاري من حديث جابر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
من قال حيث يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة وفى الباب أحاديث وعطف ) وابتغوا إليه الوسيلة ( على ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ( يفيد أن الوسيلة غير التقوى وقيل هى التقوى لأنها ملاك الأمر وكل الخير فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى والظاهر أن الوسيلة التى هي القربة تصدق على التقوى وعلى غيرها من خصال الخير التى يتقرب العباد بها إلى ربهم ) وجاهدوا في سبيله ( من لم يقبل دينه ) لعلكم تفلحون )
المائدة : ( 36 ) إن الذين كفروا . . . . .
قوله ) إن الذين كفروا ( كلام مبتدأ مسوق لزجر الكفار وترغيب المسلمين في امتثال أوامر الله سبحانه ) لو أن لهم ما في الأرض ( من أموالها ومنافعها وقيل المراد لكل واحد منهم ليكون أشد تهويلا وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك و ) جميعا ( تأكيد وقوله ) ومثله ( عطف على ما فى الأرض و ) معه ( فى محل نصب على الحال ) ليفتدوا به ( ليجعلوه فدية لأنفسهم وأفرد الضمير إما لكونه راجعا إلى المذكور أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة أي ليفتدوا بذلك و ) من عذاب يوم القيامة ( متعلق بالفعل المذكور ) ما تقبل منهم ( ذلك وهذا هو جواب لو
المائدة : ( 37 ) يريدون أن يخرجوا . . . . .
قوله ) يريدون أن يخرجوا من النار ( هذا استئناف بياني كأنه قيل كيف حالهم فيما هم فيه من هذا العذاب الأليم فقيل يريدون أن يخرجوا من النار وقريء ) أن يخرجوا ( من أخرج ويضعف هذه القراءة ) وما هم بخارجين منها ( ومحل هذه الجملة أعنى قوله ) وما هم بخارجين منها ( النصب على الحال وقيل انها جملة اعتراضية
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وابتغوا إليه الوسيلة ( قال الوسيلة القربة وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة مثله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ) وابتغوا إليه الوسيلة ( قال تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه وأخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة قال يريد الفقير فقلت لجابر يقول الله ) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ( قال اتل أول الآية ) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ( ألا إنهم الذين كفروا وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس تزعم أن قوما يخرجون من النار


"""""" صفحة رقم 39 """"""
قد قال الله تعالى ) وما هم بخارجين منها ( فقال ابن عباس ويحك اقرأ ما فوقها هذه للكفار قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره لهذا إنه مما لفقته المجبرة ويا لله العجب من رجل لا يفرق بين أصح الصحيح وبين كذب الكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدرى ما هو وقد واترت الأحاديث تواترا لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الرواية بأن عصاة الموحدين يخرجون من النار فمن نكر هذا فليس بأهل للمناظرة لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة اللهم غفرا
سورة المائدة الآية ( 38 40 )
المائدة : ( 38 ) والسارق والسارقة فاقطعوا . . . . .
لما ذكر سبحانه حكم من يأخذ المال جهارا وهو المحارب عقبه بذكر من يأخذ المال خفية وهو السارق وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان لأن غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع الأحكام وقد اختلف أئمة النحو فى خبر السارق والسارقة هل هو مقدر أم هو فاقطعوا فذهب إلى الأول سيبويه وقال تقديره فيما فرض عليكم أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني ودخول الفاء لتضمن المبتدإ معنى الشرط إذ المعنى الذى سرق والتى سرقت وقرىء ) والسارق والسارقة ( بالنصب على تقدير اقطعوا ورجح هذه القراءة سيبويه قال الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيدا اضربه ولكن العامة أبت إلا الرفع يعنى عامة القراء والسرقة بكسر الراء اسم الشيء المسروق والمصدر من سرق يسرق سرقا قاله الجوهري وهو أخذ الشيء في خفية من الأعين ومنه استرق السمع وسارقة النظر قوله ) فاقطعوا ( القطع معناه الإبانة والإزالة وجمع الأيدى لكراهة الجمع بين تثنيتين وقد بينت السنة المطهرة أن موضع القطع الرسغ وقال قوم يقطع من المرفق وقال الخوارج من المنكب والسرقة لا بد أن تكون ربع دينار فصاعدا ولا بد أن تكون من حرز كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وقد ذهب إلى اعتبار الربع الدينار الجمهور وذهب قوم إلى التقدير بعشرة دراهم وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز وقال الحسن البصري إذا جمع الثياب في البيت قطع وقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه وشراح الحديث بما لا يأتى التطويل به ها هنا بكثير فائدة قوله ) جزاء بما كسبا ( مفعول له أي فاقطعوا للجزاء أو مصدر مؤكد لفعل محذوف أي فجازوهما جزاء والباء سببية وما مصدرية أي بسبب كسبهما أو موصولة أي جزاء بالذى كسباه من السرقة وقوله ) نكالا ( بدل من جزاء وقيل هو علة للجزاء والجزاء علة للقطع يقال نكلت به إذا فعلت به ما يجب أن ينكل به عن ذلك الفعل
المائدة : ( 39 ) فمن تاب من . . . . .
قوله ) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ( السياق يفيد أن المراد بالظلم هنا السرقة أي فمن تاب من بعد سرقته وأصلح أمره ) فإن الله يتوب عليه ( ولكن اللفظ عام فيشمل السارق وغيره من المذنبين والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقد استدل بهذا عطاء وجماعة على أن القطع يسقط بالتوبة وليس هذا الاستدلال بصحيح لأن هذه الجملة الشرطية لا تفيد إلا مجرد قبول التوبة وإن الله يتوب على من تاب وليس فيها ما يفيد أنه لا قطع على التائب وقد كان في زمن النبوة يأتى إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من وجب


"""""" صفحة رقم 40 """"""
عليه حد تائبا عن الذنب الذى ارتكبه طالبا لتطهيره بالحد فيحده النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقد روى عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال
للسارق بعد قطعه تب إلى الله ثم قال تاب الله عليك أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد وغيره أن هذه الآية نزلت فى المرأة التى كانت تسرق المتاع لما قالت للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد قطعها هل لي من توبة وقد ورد في السنة ما يدل على أن الحدود إذا رفعت إلى الأئمة وجبت وامتنع إسقاطها
المائدة : ( 40 ) ألم تعلم أن . . . . .
قوله ) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ( هذا الاستفهام للإنكار مع تقرير العلم وهو كالعنوان لقوله ) يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ( أي من كان له ملك السموات والأرض فهو قادر على هذا التعذيب الموكول إلى المشيئة والمغفرة الموكولة إليها
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) جزاء بما كسبا نكالا من الله ( قال لا ترثوا لهم فيه فإنه أمر الله الذى أمر به قال وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول اشتدوا على الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد فى قوله ) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ( يقول الحد كفارته والأحاديث فى قدر نصاب السرقة وفى سائر ما يتعلق بتفاصيل هذا الحد مذكورة فى كتب الحديث فلا نطيل بذلك
سورة المائدة الآية ( 41 44 )


"""""" صفحة رقم 41 """"""
المائدة : ( 41 ) يا أيها الرسول . . . . .
قوله ) لا يحزنك ( قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي والحزن والحزن خلاف السرور وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه قال اليزيدى حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما وفى الآية النهى له ( صلى الله عليه وسلم ) عن التأثر لمسارعة الكفرة فى كفرهم تأثرا بليغا لأن الله سبحانه قد وعده فى غير موطن بالنصر عليهم والمسارعة إلى الشيء الوقوع فيه بسرعة والمراد هنا وقوعهم فى الكفر بسرعة عند وجود فرصة وآثر لفظ فى على لفظ إلى للدلالة على استقرارهم فيه ومن فى قوله ) من الذين قالوا ( بيانية والجملة مبينة للمسارعين فى الكفر والباء فى ) بأفواههم ( متعلقه بقالوا لا بآمنا وهؤلاء الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون ) ومن الذين هادوا ( يعنى اليهود وهو معطوف على ) من الذين قالوا آمنا ( وهو تمام الكلام والمعنى أن المسارعين في الكفر طائفة المنافقين وطائفة اليهود وقوله ) سماعون للكذب ( خبر مبتدأ محذوف أي هم سماعون للكذب فهو راجع إلى الفريقين أو إلى المسارعين واللام فى قوله ) للكذب ( للتقوية أو لتضمين السماع معنى القبول وقيل إن قوله ) سماعون ( مبتدأ خبره ) من الذين هادوا ( أي ومن الذين هادوا قوم ) سماعون للكذب ( أي قابلون لكذب رءوسائهم المحرفين للتوراة قوله ) سماعون لقوم آخرين ( خبر ثان واللام فيه كاللام في للكذب وقيل اللام للتعليل فى الموضعين أي سماعون لكلام رسول الله لأجل الكذب عليه وسماعون لأجل قوم آخرين وجهوهم عيونا لهم لأجل أن يبلغوهم ما سمعوا من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قوله ) لم يأتوك ( صفة لقوم أي لم يحضروا مجلسك وهم طائفة من اليهود كانوا لا يحضرون مجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تكبرا وتمردا وقيل هم جماعة من المنافقين كانوا يتجنبون مجالس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال الفراء ويجوز سماعين كما قال ) ملعونين أينما ثقفوا ( قوله ) يحرفون الكلم من بعد مواضعه ( من جملة صفات القوم المذكورين أي يميلونه عن مواضعه التى وضعه الله فيها ويتأولونه على غير تأويله والمحرفون هم اليهود وقيل إن هذه الجملة خبر مبتدأ محذوف وقيل في محل نصب على الحال من ) لم يأتوك ( وقيل مستأنفة لا محل لها من الإعراب لقصد تعداد معايبهم ومثالبهم ومعنى ) من بعد مواضعه ( من بعد كونه موضوعا في مواضعه أو من بعد وضعه في مواضعه التى وضعه الله فيها من حيث لفظه أو من حيث معناه قوله ) يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ( جملة حالية من ضمير يحرفون أو مستأنفة أو صفة لقوم أو خبر مبتدأ محذوف والإشارة بقولهم ) هذا ( إلى الكلام المحرف أي إن أوتيتم من جهة محمد هذا الكلام الذى حرفناه فخذوه واعملوا به وإن لم تؤتوه بل جاءكم بغيره فاحذروا من قبوله والعمل به قوله ) ومن يرد الله فتنته ( أي ضلالته ) فلن تملك له من الله شيئا ( أي فلا تستطيع دفع ذلك عنه ولا تقدر على نفعه وهدايته وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها وظاهرها العموم ويدخل فيها هؤلاء الذين سياق الكلام معهم دخولا أوليا والإشارة بقوله ) أولئك ( إلى من تقدم من ذكرهم من الذين قالوا آمنا بأفواههم ومن الذين هادوا وهو مبتدأ وخبره الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم أي لم يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق كما طهر قلوب المؤمنين ) لهم في الدنيا خزي ( بظهور نفاق المنافقين وبضرب الجزية على الكافرين وظهور تحريفهم وكتمهم لما أنزل الله في التوراة
المائدة : ( 42 ) سماعون للكذب أكالون . . . . .
قوله ) سماعون للكذب ( كرره تأكيدا لقبحه وليكون كالمقدمة لما بعده وهو أكالون للسحت وهما من جملة أخبار ذلك المبتدأ المقدر سابقا والسحت بضم السين وسكون الحاء المال الحرام وأصله الهلاك والشدة من سحته إذا هلكه ومنه ) فيسحتكم بعذاب ( ومنه قول الفرزدق وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلا مسحت أو محلق


"""""" صفحة رقم 42 """"""
ويقال للحالق اسحت أي استأصل وسمى الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها وقال الفراء أصله كلب الجوع وقيل هو الرشوة والأول أولى والرشوة تدخل في الحرام دخولا أوليا وقد فسره جماعة بنوع من أنواع الحرام خاص كالهدية لمن يقضى له حاجة وحلوان الكاهن والتعميم أولى بالصواب
قوله ) فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ( فيه تخيير لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين الحكم بينهم والإعراض عنهم
وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم واختلفوا فى أهل الذمة إذا ترافعوا فيها بينهم فذهب قوم إلى التخيير وذهب آخرون إلى الوجوب وقالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله ) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ( وبه قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدى وهو الصحيح من قول الشافعي وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء قوله ) وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ( أي إن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم فلا سبيل لهم عليك لأن الله حافظك وناصرك عليهم وإن اخترت الحكم بينهم ) فاحكم بينهم بالقسط ( أي بالعدل الذى أمرك الله به وأنزله عليك
المائدة : ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . .
قوله ) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ( فيه تعجيب له ( صلى الله عليه وسلم ) من تحكيمهم إياه مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء به مع أن ما يحكمونه فيه هو موجود عندهم فى التوراة كالرجم ونحوه وإنما يأتون إليه ( صلى الله عليه وسلم ) ويحكمونه طمعا منهم في أن يوافق تحريفهم وما صنعوه بالتوراة من التغيير قوله ) ثم يتولون ( عطف على يحكمونك ) من بعد ذلك ( أي من بعد تحكيمهم لك وجملة قوله ) وما أولئك بالمؤمنين ( لتقرير مضمون ما قبلها
المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . .
وقوله ) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ( استئناف يتضمن تعظيم التوراة وتفخيم شأنها وأن فيها الهدى والنور وهو بيان الشرائع والتبشير بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وإيجاب اتباعه قوله ) يحكم بها النبيون ( هم أنبياء بنى إسرائيل والجملة إما مستأنفة أو حالية و ) الذين أسلموا ( صفة مادحة للنبيين وفيه إرغام لليهود المعاصرين له ( صلى الله عليه وسلم ) بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذى دان به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل المراد بالنبيين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وعبر عنه بلفظ الجمع تعظيما قوله ) للذين هادوا ( متعلق بيحكم والمعنى أنه يحكم بها النبيون للذين هادوا وعليهم والربانيون العلماء الحكماء وقد سبق تفسيره والأحبار العلماء مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبرون العلم أي يحسنونه قال الجوهري الحبر واحد أحبار اليهود بالفتح وبالكسر والكسر أفصح وقال الفراء هو بالكسر وقال أبو عبيدة هو بالفتح قوله ) بما استحفظوا من كتاب الله ( الباء للسببية واستحفظوا أمروا بالحفظ أي أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل والجار والمجرور متعلق بيحكم أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ قوله ) وكانوا عليه شهداء ( أي على كتاب الله والشهداء الرقباء فهم يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة والخطاب بقوله ) فلا تخشوا الناس ( لرؤساء اليهود وكذا في قوله ) ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ( والاشتراء والاستبدال وقد تقدم تحقيقه قوله ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( لفظ من من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولى الحكم وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا والإشارة بقوله ) أولئك ( إلى من والجمع باعتبار معناها وكذلك ضمير الجماعة في قوله ) هم الكافرون (


"""""" صفحة رقم 43 """"""
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ( قال هم اليهود ) من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ( قال هم المنافقون وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عنه قال إن الله أنزل ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( الظالمون ) الفاسقون ( أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يومئذ لم يظهر عليهم فقتلت الذليلة من العزيزة فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق فقالت الذليلة وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد ودية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم فأما إذ قدم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلا نعطيكم ذلك فكانت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بينهما ففكرت العزيزة فقالت والله ما محمد يعطيكم منهم ضعف ما نعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا لهم فدسوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من يخبر لكم رأيه فإن أعطاكم ما تريدون حكمتوه وإن لم يعطكم حذرتموه ولم تحكموه فدسوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ناسا من المنافقين يختبرون لهم رأيه فلما جاءوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا فأنزل الله ) يا أيها الرسول لا يحزنك ( إلى قوله ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( ثم قال فيهم والله أنزلت وإياهم عنى وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي فى الدلائل عن أبي هريرة قال أول مرجوم رجمه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من اليهود زنى رجل منهم وامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبى بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبى من أنبيائك قال فأتوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو جالس في المسجد وأصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى فى رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال أنشدكم بالله الذى أنزل التوراة على موسى ما تجدون فى التوراة على من زنى إذا أحصن قالوا يحمم ونجبه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما وسكت شاب منهم فلما رآه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سكت ألظ به النشدة فقال
اللهم إذ نشدتنا نجب فإنا نجد فى التوراة الرجم فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم )
فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل فى أسرة من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا والله لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإنى أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما قال الزهري فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ( فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) منهم وأخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي فى سننه من طريق أخرى عن أبي هريرة وذكر فيه أن الشاب المذكور هو عبد الله بن صوريا وأخرج نحو حديث أبي هريرة أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله


"""""" صفحة رقم 44 """"""
وسلم ما تجدون فى التوراة قالوا نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا يده فإذا آية الرجم قالوا صدق فأمر بهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرجما
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله في قوله ) ومن الذين هادوا سماعون للكذب ( قال يهود المدينة ) سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ( قال يهود فدك ) يحرفون الكلم ( قال يهود فدك يقولون ليهود المدينة ) إن أوتيتم هذا ( الجلد ) فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ( الرجم وأخرج أبو داود وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عنه قال زنى رجل من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا وذكر القصة وأخرج ابن جرير عن ابن عباس فى قوله ) أكالون للسحت ( قال أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال السحت الرشوة فى الدين قال سفيان يعنى فى الحكم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي فى شعب الإيمان عن ابن مسعود أيضا قال من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة أو يرد عليه حقا فأهدى له هدية فقبلها فذلك السحت فقيل له يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة فى الحكم فقال ذلك الكفر ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( وقد روى نحو هذا عنه من طرق وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال رشوة الحكام حرام وهى السحت الذى ذكره الله في كتابه
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت قال السحت الرشوة وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن السحت فقال الرشا فقيل له فى الحكم قال ذاك الكفر وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمر قال بابان من السحت يأكلهما الناس الرشاء فى الحكم ومهر الزانية وقد ثبت عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فى تحريم الرشوة ما هو معروف وأخرج أبو داود فى ناسخه وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال آيتان نسختا من سورة المائدة آية القلائد وقوله ) فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ( فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مخيرا إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم فنزلت ) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ( قال فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يحكم بينهم بما فى كتابنا وأخرج نحوه فى الآية الآخرة عنه أبو عبيدة وابن المنذر وابن مردويه وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة نحوه وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أن الآيات من المائدة التى قال فيها ) فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ( إلى قوله ) المقسطين ( إنما نزلت فى الدية من بنى النضير وقريظة وذلك أن قتلى بنى النضير كان لهم شرف يودون الدية كاملة وأن بنى قريظة كانوا يودون نصف الدية فتحاكموا فى ذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الحق فى ذلك فجعل الدية سواء وأخرج نحوه عنه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه فى قوله ) وعندهم التوراة فيها حكم الله ( يعنى حدود الله فأخبره الله بحكمه في التوراة قال ) وكتبنا عليهم فيها ( إلى قوله ) والجروح قصاص ( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن فى قوله ) يحكم بها النبيون الذين أسلموا ( يعنى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) للذين هادوا ( يعنى اليهود وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال الذين أسلموا النبي ومن قبله من


"""""" صفحة رقم 45 """"""
الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق وأخرج ابن جرير عن الحسن قال الربانيون والأحبار الفقهاء والعلماء وأخرج عن مجاهد قال الربانيون العلماء والفقهاء وهم فوق الأحبار وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال الربانيون العباد والأحبار العلماء وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الربانيون الفقهاء والعلماء وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال الربانيون هم المؤمنون والأحبار هم القراء وأخرج ابن جرير عن السدى ) فلا تخشوا الناس ( فتكتموا ما أنزلت ) ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ( على أن تكتموا ما أنزلت وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ) ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ( قال لا تأكلوا السحت على كتابي وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) ومن لم يحكم ( يقول من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي فى سننه عن ابن عباس فى قوله ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( قال إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفره وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ابن أبي رباح في قوله ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( هم الظالمون ) هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا ( هم الفاسقون قال كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال إنما أنزل الله ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( و الظالمون ) الفاسقون ( فى اليهود خاصة وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ( والظالمون و الفاسقون فقال رجل إن هذا فى بنى إسرائيل فقال حذيفة نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة كلا والله لتسلكن طريقهم قد الشراك وأخرج ابن المنذر نحوه عن ابن عباس
سورة المائدة الآية ( 45 50 )
المائدة : ( 45 ) وكتبنا عليهم فيها . . . . .
قوله ) وكتبنا (


"""""" صفحة رقم 46 """"""
وكتبنا معطوف على أنزلنا التوراة ومعناها فرضنا بين الله سبحانه في هذه الآية ما فرضه على بني إسرائيل من القصاص في النفس والعين والأنف والأذن والسن والجروح وقد استدل أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا إنه يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع لنا وقد قدمنا فى البقرة فى شرح قوله تعالى ) كتب عليكم القصاص في القتلى ( ما فيه كفاية
وقد اختلف أهل العلم فى شرع من قبلنا هل يلزمنا أم لا فذهب الجمهور إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو الحق وقد ذكر ابن الصباغ فى الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه قال ابن كثير في تفسيره وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة انتهى
وقد أوضحنا ما هو الحق فى هذا فى شرحنا على المنتقى وفى هذه الآية توبيخ لليهود وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم فى التوراة كما حكاه هنا ويفاضلون بين الأنفس كما سبق بيانه وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني قريظة ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير قوله ) والعين بالعين ( قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب فى جميعها على العطف وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بالنصب أيضا فى الكل إلا فى الجروح فبالرفع وقرأ الكسائي وأبو عبيد بالرفع فى الجميع عطفا على المحل لأن النفس قبل دخول الحرف الناصب عليها كانت مرفوعة على الابتداء وقال الزجاج يكون عطفا على المضمر فى النفس لأن التقدير إن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هى قال ابن المنذر ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام يتضمن بيان الحكم للمسلمين والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها والأذن إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها وكذلك السن فأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين أو ببعض الأنف أو ببعض الأذن أو ببعض السن فليس فى هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص
وقد اختلف أهل العلم فى ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته وكلامهم مدون فى كتب الفروع والظاهر من قوله ) والسن بالسن ( أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات وأنه يؤخذ بعضها ببعض ولا فضل لبعضها على بعض وإليه ذهب أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر وخالف فى ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومن تبعه وكلامهم مدون فى مواطنه ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ فى القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجني عليه فإن كانت ذاهبة فما يليها قوله ) والجروح قصاص ( أي ذوات قصاص وقد ذكر أهل العلم أنه لا قصاص فى الجروح التى يخاف منها التلف ولا فيما كان


"""""" صفحة رقم 47 """"""
لا يعرف مقداره عمقا أو طولا أو عرضا وقد قدر أئمة الفقه أرش كل جراحة بمقادير معلومة وليس هذا موضع بيان كلامهم ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر قوله ) فمن تصدق به فهو كفارة له ( أي من تصدق من المستحقين للقصاص بالقصاص بأن عفا عن الجاني فهو كفارة للمتصدق يكفر الله عنه بها ذنوبه
وقيل إن المعنى فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه والأول أرجح لأن الضمير يعود على هذا التفسير الآخر إلى غير مذكور قوله ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ( ضمير الفصل مع اسم الإشارة وتعريف الخبر يستفاد منها أن هذا الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية
المائدة : ( 46 ) وقفينا على آثارهم . . . . .
قوله ) وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ( هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة أي جعلنا عيسى ابن مريم يقفوا آثارهم أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل يقال قفيته مثل عقبته إذا أتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به فيتعدى إلى الثاني بالباء والمفعول الأول محذوف استغناء عنه بالظرف وهو على آثارهم لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه وانتصاب ) مصدقا ( على الحال من عيسى ) وآتيناه الإنجيل ( عطف على قفينا ومحل الجملة أعني ) فيه هدى ( النصب على الحال من الإنجيل ) ونور ( عطف على هدى
وقوله ) ومصدقا ( معطوف على محل ) فيه هدى ( أي أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه مشتملا على الهدى والنور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وقيل إن مصدقا معطوف على مصدقا الأول فيكون حالا من عيسى مؤكدا للحال الأول ومقررا له والأول أولى لأنه التأسيس خير من التأكيد قوله ) وهدى وموعظة للمتقين ( عطف على مصدقا داخل تحت حكمه منضما إليه أي مصدقا وهاديا وواعظا للمتقين
المائدة : ( 47 ) وليحكم أهل الإنجيل . . . . .
قوله ) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ( هذا أمر لأهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه فإنه قبل البعثة المحمدية حق وأما بعدها فقد أمروا فى غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فى القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من يحكم على أن اللام لام كي وقرأ الباقون بالجزم على أن اللام للأمر
فعلى القراءة الأولى تكون اللام متعلقة بقوله ) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ( وعلى القراءة الثانية هو كلام مستأنف قال مكي والاختيار الجزم لأن الجماعة عليه ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله لأهل الإنجيل وقال النحاس والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأن الله سبحانه لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه
المائدة : ( 48 ) وأنزلنا إليك الكتاب . . . . .
قوله ) وأنزلنا إليك الكتاب ( خطاب لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) والكتاب القرآن والتعريف للعهد و ) بالحق ( متعلق بمحذوف وقع حالا أي متلبسا بالحق وقيل هو حال من فاعل أنزلنا وقيل من ضمير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) و ) مصدقا لما بين يديه ( حال من الكتاب والتعريف في الكتاب أعني قوله ) مصدقا لما بين يديه من الكتاب ( للجنس أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبسا بالحق وحال كونه مصدقا لما بين يديه من كتب الله المنزلة لكونه مشتملا على الدعوة إلى الله والأمر بالخير والنهي عن الشر كما اشتمل عليه قوله ) ومهيمنا عليه ( عطف على مصدقا والضمير فى عليه عائد إلى الكتاب الذى صدقه القرآن وهيمن عليه والمهيمن الرقيب وقيل الغالب المرتفع وقيل الشاهد وقيل الحافظ وقيل المؤتمن قال المبرد أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء هرقت وبه قال الزجاج وأبو علي الفارسي وقال الجوهري هو من أمن غيره من الخوف وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء كما قالوا هراق الماء وأراقه يقال هيمن على الشيء يهيمن إذا كان له حافظا فهو له مهيمن كذا عن أبي عبيد وقرأ مجاهد وابن محيصن ? مهيمنا عليه ? بفتح الميم أي هيمن


"""""" صفحة رقم 48 """"""
عليه الله سبحانه والمعنى على قراءة الجمهور أن القرآن صار شاهدا بصحة الكتب المنزلة ومقررا لما فيها مما لم ينسخ وناسخا لما خالفه منها ورقيبا عليها وحافظا لما فيها من أصول الشرائع وغالبا لها لكونه المرجع فى المحكم منها والمنسوخ ومؤتمنا عليها لكونه مشتملا على ما هو معمول به منها وما هو متروك قوله ) فاحكم بينهم بما أنزل الله ( أي بما أنزله إليك فى القرآن لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده فى جميع الكتب السابقة عليه ) ولا تتبع أهواءهم ( أي أهواء أهل الملل السابقة وقوله ) عما جاءك من الحق ( متعلق بلا تتبع على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف ) عما جاءك من الحق ( متبعا لأهوائهم وقيل متعلق بمحذوف أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق وفيه النهي له ( صلى الله عليه وسلم ) عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذى أنزله الله عليه فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه وما أدركوا عليه سلفهم وإن كان باطلا منسوخا أو محرفا عن الحكم الذى أنزله الله على الأنبياء كما وقع فى الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب الله قوله ) لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ( الشرعة والشريعة فى الأصل الطريقة الظاهرة التى يتوصل بها إلى الماء ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين والمنهاج الطريقة الواضحة البينة وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الشريعة ابتداء الطريق والمنهاج الطريق المستمر ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها والإنجيل لأهله والقرآن لأهله وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قوله ) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ( بشريعة واحدة وكتاب واحد ورسول واحد ) ولكن ليبلوكم ( أي ولكن لم يشأ ذلك الاتحاد بل شاء الابتلاء لكم باختلاف الشرائع فيكون ) ليبلوكم ( متعلقا بمحذوف دل عليه سياق الكلام وهو ما ذكرنا ومعنى ) في ما آتاكم ( فيما أنزله عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والرسل هل تعملون بذلك وتذعنون له أو تتركونه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته وتميلون إلى الهوى وتشترون الضلالة بالهدى وفيه دليل على أن اختلاف الشرائع هو لهذه العلة أعني الابتلاء والامتحان لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص قوله ) فاستبقوا الخيرات ( أي إذا كانت المشيئة قد قضت باختلاف الشرائع فاستبقوا إلى فعل ما أمرتم بفعله وترك ما أمرتم بتركه والاستباق المسارعة ) إلى الله مرجعكم جميعا ( لا إلى غيره وهذه الجملة كالعلة لما قبلها
المائدة : ( 49 ) وأن احكم بينهم . . . . .
قوله ) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ( عطف على الكتاب أي أنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه وقد استدل بهذا على نسخ التخيير المتقدم فى قوله ) أو أعرض عنهم ( وقد تقدم تفسير ) ولا تتبع أهواءهم ( قوله ) واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ( أي يضلوك عنه ويصرفوك بسبب أهوائهم التى يريدون منك أن تعمل عليها وتؤثرها ) فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ( أي إن أعرضوا عن قبول حكمك بما أنزل الله عليك فذلك لما أراده الله من تعذيبهم ببعض ذنوبهم وهو ذنب التولي عنك والإعراض عما جئت به ) وإن كثيرا من الناس لفاسقون ( متمردون عن قبول الحق خارجون عن الإنصاف
المائدة : ( 50 ) أفحكم الجاهلية يبغون . . . . .
قوله ) أفحكم الجاهلية يبغون ( الاستفهام للإنكار والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر كما فى نظائره والمعنى أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك ويتولون عنه ويبتغون حكم الجاهلية والاستفهام فى ) ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ( للإنكار أيضا أي لا أحسن من حكم الله عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والأهواء
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس كتبنا عليهم فيها فى التوراة وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه قال كتب عليهم هذا فى التوراة وكانوا يقتلون الحر بالعبد فيقولون كتب علينا أن النفس بالنفس


"""""" صفحة رقم 49 """"""
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي فى سننه عن ابن عمر فى قوله ) فمن تصدق به فهو كفارة له ( قال يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر ابن عبد الله ) فهو كفارة له ( قال للمجروح وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ما من مسلم يصاب بشئ فى جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ) ومهيمنا عليه ( قال مؤتمنا عليه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عنه قال المهيمن الأمين والقرآن أمين على كل كتاب قبله وأخرج سعيد بن منصور وعبد به حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عنه فى قوله ) شرعة ومنهاجا ( قال سبيلا وسنة وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي فى الدلائل عن ابن عباس قال قال كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك فأبى ذلك وأنزل الله فيهم ) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ( إلى قوله ) لقوم يوقنون ( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فى قوله ) أفحكم الجاهلية يبغون ( قال يهود وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال هذا فى قتيل اليهود
سورة المائدة الآية ( 51 56 )
المائدة : ( 51 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ( الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة وقيل المراد بهم المنافقون ووصفهم بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك والأولى أن يكون خطابا


"""""" صفحة رقم 50 """"""
لكل من يتصف بالايمان أعم من أن يكون ظاهرا وباطنا أو ظاهر فقط فيدخل المسلم والمنافق ويؤيد هذا قوله ) فترى الذين في قلوبهم مرض ( والاعتبار بعموم اللفظ وسيأتي فى بيان سبب نزول الآية ما يتضح به المراد
والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء فى المصادفة والمعاشرة والمناصرة وقوله ) بعضهم أولياء بعض ( تعليل للنهي والمعنى أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم فى غاية من العداوة والشقاق وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وقيل المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعداوة ما جاء به وإن كانوا فى ذات بينهم متعادين متضادين ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هى شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم ولهذا عقب هذه الجملة التعليلة بما هو كالنتيجة لها فقال ) ومن يتولهم منكم فإنه منهم ( أي فإنه من جملتهم وفى عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هى التى قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية وقوله ) إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( تعليل للجملة التى قبلها أي أن وقوعهم فى الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين
المائدة : ( 52 ) فترى الذين في . . . . .
قوله ) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ( الفاء للسببية والخطاب إما للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من يصلح له أي ما ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه من الكفر هو بسبب ما فى قلوبهم من مرض النفاق وقوله ) يسارعون ( فى محل نصب إما على أنه المفعول الثاني إذا كانت الرؤية قلبية أو على أنه حال إذا كانت بصرية وجعل المسارعة فى موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة فى بيان رغوبهم فى ذلك حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون فى عدادهم وقد قرئ فيرى بالتحتية واختلف فى فاعله ما هم فقيل هو الله عز وجل وقيل هو كل ما تصح منه الرؤيا وقيل هو الموصول ومفعوله ) يسارعون فيهم ( على حذف أن المصدرية أي فيرى القوم الذين فى قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغا
والمرض فى القلوب هو النفاق والشك فى الدين وقوله ) يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ( جملة مشتملة على تعليل المسارعة فى الموالاة أي أن هذه الخشية هى الحاملة لهم على المسارعة وقيل إن الجملة حال من ضمير يسارعون والدائرة ما تدور من مكاره الدهر أى نخشى أن تظفر الكفار بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) فتكون الدولة لهم وتبطل دولته فيصيبنا منهم مكروه ومنه قول الشاعر
يرد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا
أي دولات الدهر الدائرة من قوم إلى قوم وقوله ) فعسى الله أن يأتي بالفتح ( رد عليهم ودفع لما وقع لهم من الخشية وعسى فى كلام الله وعد صادق لا يتخلف والفتح ظهور النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على الكافرين ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم وإجلاء بني النضير وقيل هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقيل فتح مكة والمراد بالأمر من عنده سبحانه هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم وقيل هو إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بما أسروا فى أنفسهم وأمره بقتلهم وقيل هو الجزية التى جعلها الله عليهم وقيل الخصب والسعة للمسلمين فيصبح المنافقون ) على ما أسروا في أنفسهم ( من النفاق الحامل لهم على الموالاة ) نادمين ( على ذلك لبطلان الأسباب التى تخيلوها


"""""" صفحة رقم 51 """"""
وانكشاف خلافها
المائدة : ( 53 ) ويقول الذين آمنوا . . . . .
قوله ? يقول الذين آمنوا ? قرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وأهل الكوفة بإثبات الواو وقرأ الباقون بحذفها فعلى القراءة الأولى مع رفع يقول يكون كلاما مبتدأ مسوقا لبيان ما وقع من هذه الطائفة وعلى قراءة النصب يكون عطفا على ) فيصبحوا ( وقيل على ) يأتي ( والأولى أولى لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة الكافرين لا عند إتيان الفتح وقيل هو معطوف على الفتح كقول الشاعر للبس عباءة وتقر عيني
وأما على قراءة حذف الواو فالجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر والإشارة بقوله ) أهؤلاء ( إلى المنافقين أي يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين ) أهؤلاء ( ) الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ( بالمناصرة والمعاضدة فى القتال أو يقول بعض المؤمنين لبعض مشيرين إلى المنافقين وهذه الجملة مفسرة للقول وجهد الأيمان أغلظها وهو منصوب على المصدر أو على الحال أي أقسموا بالله جاهدين قوله ) حبطت أعمالهم ( أي بطلت وهو من تمام قول المؤمنين أو جملة مستأنفة والقائل الله سبحانه والأعمال هى التى عملوها فى الموالاة أو كل عمل يعملونه
المائدة : ( 54 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ? يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم ? قرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين بفك الإدغام وهى لغة تميم وقرأ غيرهم بالإدغام وهذا شروع فى بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر وذلك نوع من أنواع الردة والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه بالإيتان بهم أبو بكر الصديق رضى الله عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين فى جميع الزمن ثم وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم ومن كونهم ) أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ( والأذلة جمع ذليل لا ذلول والأعزة جمع عزيز أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين ويجمعون بين المجاهدة فى سبيل الله وعدم خوف الملامة فى الدين بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوى ومناقبهم مثالب حسدا وبغضا وكراهة للحق وأهله والإشارة بقوله ) ذلك ( إلى ما تقدم من الصفات التي أختصهم الله بها والفضل اللطف والإحسان
المائدة : ( 55 ) إنما وليكم الله . . . . .
قوله ) إنما وليكم الله ( لما فرغ سبحانه من بيان من لا تحل موالاته بين من هو الولي الذى تجب موالاته ومحل ) الذين يقيمون الصلاة ( الرفع على أنه صفة للذين آمنوا أو بدل منه أو النصب على المدح وقوله ) وهم راكعون ( جملة حالية من فاعل الفعلين اللذين قبله والمراد بالركوع الخشوع والخضوع أى يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو خاشعون خاضعون لا يتكبرون وقيل هو حال من فاعل الزكاة والمراد بالركوع هو المعنى المذكور أى يضعون الزكاة فى مواضعها غير متكبرين على الفقراء ولا مترفعين عليهم وقيل المراد بالركوع على المعنى الثاني ركوع الصلاة ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة فى تلك الحال
المائدة : ( 56 ) ومن يتول الله . . . . .
ثم وعد سبحانه من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوهم وهو من وضع الظاهر موضع المضمر ووضع حزب الله موضع ضمير الموالين لله ولرسوله وللمؤمنين والحزب الصنف من الناس من قولهم حزبه كذا أى نابه فكأن المتحزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة التى تنوب وحزب الرجل أصحابه والحزب الورد وفى الحديث
فمن فاته حزبه من الليل وتحزبوا اجتمعوا والأحزاب الطوائف وقد وقع ولله الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء رسله وأولياء عباده المؤمنين من الغلب لعدوهم فإنهم غلبوا اليهود بالسبى والقتل والإجلاء وضرب


"""""" صفحة رقم 52 """"""
الجزية حتى صاروا لعنهم الله أذل الطوائف الكفرية وأقلها شوكة وما زالوا تحت كلكل المؤمنين يطحنونهم كيف شاءوا ويمتهنونهم كما يريدون من بعد البعثة الشريفة المحمدية إلى هذه الغاية
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي فى الدلائل وابن عساكر عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وكان أحد بني عوف بن الخزرج وله من حلفهم مثل الذى كان لهم من عبد الله بن أبي ابن سلول فخلعهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم وفيه وفى عبد الله بن أبي نزلت الآيات فى المائدة ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ( إلى قوله ) فإن حزب الله هم الغالبون ( وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال أسلم عبد الله بن أبي ابن سلول ثم قال إن بيني وبين قريظة والنضير حلفا وإني أخاف الدوائر فارتد كافرا وقال عبادة من الصامت أتبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ورسوله فنزلت وأخرج ابن مردويه أيضا من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده نحو ذلك وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال جاء عبادة فذكر نحو ما تقدم وأخرج ابن جرير عن الزهري قال لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن الصيف غركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال أما لو أصررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يدان بقتالنا فقال عبادة وذكر نحو ما تقدم عنه وعن عبد الله بن أبي وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا ( قال إنها فى الذبائح من دخل فى دين قوم فهو منهم وأخرج عبد ابن حميد عن حذيفة قال ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر وتلا ) ومن يتولهم منكم فإنه منهم ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية ) فترى الذين في قلوبهم مرض ( كعبد الله بن أبي ) يسارعون فيهم ( فى ولايتهم وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي فى سننه وابن عساكر عن قتادة قال أنزل الله هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ( وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس فلما قبض الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد أهل المدينة وأهل مكة وأهل الجواثي من عبد القيس وقال الذين ارتدوا نصلي الصلاة ولا نزكي والله لا تغصب أموالنا فكلم أبا بكر فى ذلك ليتجاوز عنهم وقيل لهم إنهم لو قد فقهوا أدوا الزكاة فقال والله لا أفرق بين شيء جمعه الله ولو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه فبعث الله عصائب مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة قال قتادة فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت فى أبي بكر وأصحابه ) فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ( إلى آخر الآية وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن الحسن نحوه وأخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال لما أنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ( ) عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه ( الآية قال عمر أنا وقومي يا رسول الله قال لا بل هذا وقومه يعني أبا موسى الأشعري وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة فى مسنده وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عياض الأشعري قال لما نزلت ) فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ( قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هم


"""""" صفحة رقم 53 """"""
قوم هذا وأشار إلى أبي موسى الأشعري وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم فى جمعه لحديث شعبة والبيهقي وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال تليت عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) فسوف يأتي الله بقوم ( الآية فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قومك يا أبا موسى أهل اليمن وأخرج ابن أبي حاتم فى الكنى والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قوله ) فسوف يأتي الله بقوم ( الآية فقال هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب وأخرج البخاري فى تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس فى الآية قال هم قوم من أهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال هم أهل القادسية وأخرج البخاري فى تاريخه عن القاسم بن مخيمرة قال أتيت ابن عمر فرحب بي ثم تلا ) من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ( الآية ثم ضرب على منكبي وقال أحلف بالله إنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطية ابن سعد قال فى قوله ) إنما وليكم الله ورسوله ( إنها نزلت فى عبادة بن الصامت وأخرج الخطيب فى المتفق والمفترق عن ابن عباس قال تصدق علي بخاتم وهو راكع فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) للسائل من أعطاك هذا الخاتم قال ذاك الراكع فأنزل الله فيه ) إنما وليكم الله ورسوله ( وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت فى علي بن أبي طالب وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب نحوه وأخرج ابن مردويه عن عمار نحوه أيضا وأخرج الطبراني فى الأوسط بسند فيه مجاهيل عنه نحوه
سورة المائدة الآية ( 57 63 )


"""""" صفحة رقم 54 """"""
المائدة : ( 57 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ( هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزؤا ولعبا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام والبيان بقوله ) من الذين أوتوا الكتاب ( إلى آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التى هي الباعثة على النهي قوله ) والكفار ( قرأ أبو عمرو والكسائي بالجر على تقدير من أي ومن الكفار قال الكسائي وفى حرف أبي ومن الكفار وقرأ من عداهما بالنصب قال النحاس وهو أوضح وأبين وقال مكي لولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفى المعنى والمراد بالكفار هنا المشركون وقيل المنافقون ) واتقوا الله ( بترك ما نهاكم عنه من هذا وغيره ) إن كنتم مؤمنين ( فإن الإيمان يقتضى ذلك
المائدة : ( 58 ) وإذا ناديتم إلى . . . . .
والنداء الدعاء يرفع الصوت وناداه مناداة ونداء صاح به وتنادوا أي نادى بعضهم بعضا وتنادوا أي جلسوا في النادي والضمير في ) اتخذوها ( للصلاة أي اتخذوا صلاتكم هزؤا ولعبا وقيل الضمير للمناداة المدلول عليها بناديتم قيل وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع وأما قوله تعالى فى الجمعة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فهو خاص بنداء الجمعة وقد اختلف أهل العلم فى كون الأذان واجبا أو غير واجب وفى ألفاظه وهو مبسوط في مواطنه قوله ) ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ( أي ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون لأن الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش
المائدة : ( 59 ) قل يا أهل . . . . .
قوله ) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ( يقال نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا عبت عليه قال الكسائى نقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضا ونقمت إذا كرهته وانتقم الله منه أى عاقبه والاسم منه النقمة والجمع نقمات مثل كلمة وكلمات وإن شئت سكنت القاف ونفلت حركتها إلى النون والجمع نقم مثل نعمة ونعم وقيل المعنى يسخطون وقيل ينكرون قال عبد الله بن قيس الرقيات ما نقموا من بنى أمية إلا
أنهم يحلمون إن غضبوا
وقال الله سبحانه ) وما نقموا منهم ( والمعنى فى الآية هل تعيبون أو تسخطون أو تنكرون أو تكرهون منا إلا إيماننا بالله وبكتبه المنزلة وقد علمتم بأنا على الحق ) وأن أكثركم فاسقون ( بترككم للإيمان والخروج عن امتثال أوامر الله وقوله ) وأن أكثركم فاسقون ( معطوف على ) أن آمنا ( أى ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان وفيه أن المؤمنين لم يجمعوا بين الأمرين المذكورين فإن الإيمان من جهتهم والتمرد والخروج من جهة الناقمين وقيل هو على تقدير محذوف أى واعتقادنا ) وأن أكثركم فاسقون ( وقيل إن قوله ) أن آمنا ( هو منصوب على أنه مفعول له والمفعول محذوف فيكون ) وأن أكثركم فاسقون ( معطوفا عليه عطف العلة على العلة والتقدير وما تنقمون منا إلا لأن آمنا ولأن أكثركم فاسقون وقيل معطوف على علة محذوفة أى لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون وقيل الواو فى قوله ) وأن أكثركم فاسقون ( هي التى بمعنى مع أى ما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون وقيل هو منصوب بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون أى ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون وقيل هو مرفوع على الابتداء والخبر محذوف أى وفسقكم معلوم فتكون الجملة حالية وقرئ بكسر إن من قوله ) وأن أكثركم فاسقون ( فتكون جملة مستأنفة
المائدة : ( 60 ) قل هل أنبئكم . . . . .
قوله ) قل هل أنبئكم بشر من ذلك ( بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه والمعنى هل أنبئكم بشر من نقمكم علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه أو بشر من أهل الكتاب أو بشر من دينهم وقوله ) مثوبة ( أى جزاء ثابتا وهى مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة ) فبشرهم بعذاب أليم ( وهى منصوبة على التمييز


"""""" صفحة رقم 55 """"""
من بشر وقوله ) من لعنه الله ( خبر لمبتدإ محذوف مع تقدير مضاف محذوف أى هو لعن من لعنه الله أو هو دين من لعنه الله ويجوز أن يكون فى محل جر بدلا من شر قوله ) وجعل منهم القردة والخنازير ( أى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وهم اليهود فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة وكفار مائدة عيسى منهم خنازير قوله ) وعبد الطاغوت ( قرأ حمزة بضم الباء من عبد وكسر التاء من ) الطاغوت ( أى جعل منهم عبد الطاغوت بإضافة عبد إلى الطاغوت والمعنى وجعل منهم من يبالغ فى عبادة الطاغوت لأن فعل من صيغ المبالغة كحذر وفطن للتبليغ فى الحذر والفطنة وقرأ الباقون بفتح الباء من ) عبد ( وفتح التاء من ) الطاغوت ( على أنه فعل ماض معطوف على فعل ماض وهو غضب ولعن كأنه قيل ومن عبد الطاغوت أو معطوف على القردة والخنازير أي جعل منهم القردة والخنازير وجعل منهم عبد الطاغوت حملا على لفظ من وقرأ أبي وابن مسعود ? وعبدوا الطاغوت ? حملا على معناها وقرأ ابن عباس ) وعبد ( بضم العين والباء كأنه جمع عبد كما يقال سقف وسقف
ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف أو جمع عابد كبازل وبزل وقرأ أبو واقد ) وعباد ( جمع عابد للمبالغة كعامل وعمال وقرأ البصريون وعباد جمع عابد أيضا كقائم وقيام ويجوز أن يكون جمع عبد وقرأ أبو جعفر الرقاشي وعبد الطاغوت على البناء للمفعول والتقدير وعبد الطاغوت فيهم وقرأ عون العقيلي وابن بريدة وعابد الطاغوت على التوحيد وروى عن ابن مسعود وأبى أنهما قرآ ? وعبدة الطاغوت ? وقرأ عبيد بن عمير ? وأعبد الطاغوت ? مثل كلب وأكلب وقرىء ) وعبد الطاغوت ( عطفا على الموصول بناء على تقدير مضاف محذوف وهى قراءة ضعيفة جدا والطاغوت الشيطان أو الكهنة أو غيرهما مما قد تقدم مستوفى
قوله ) أولئك شر مكانا ( الإشارة إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة وجعلت الشرارة للمكان وهى لأهله للمبالغة ويجوز أن يكون الإسناد مجازيا قوله ) وأضل عن سواء السبيل ( معطوف على شر أي هم أضل من غيرهم عن الطريق المستقيم والتفضيل في الموضعين للزيادة مطلقا أو لكونهم أشر وأضل مما يشاركهم فى أصل الشرارة والضلال
المائدة : ( 61 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . .
قوله ) وإذا جاؤوكم قالوا آمنا ( أي إذا جاءوكم أظهروا الإسلام قوله ) وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ( جملتان حاليتان أي جاءوكم حال كونهم قد دخلوا عندك متلبسين بالكفر وخرجوا من عندك متلبسين به لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك بل خرجوا كما دخلوا ) والله أعلم بما كانوا يكتمون ( عندك من الكفر وفيه وعيد شديد وهؤلاء هم المنافقون وقيل هم اليهود الذين قالوا ) آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره )
المائدة : ( 62 ) وترى كثيرا منهم . . . . .
قوله ) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم ( الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من يصلح له والضمير في ) منهم ( عائد إلى المنافقين أو اليهود أو إلى الطائفتين جميعا ) يسارعون في الإثم ( في محل نصب على الحال على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية والمسارعة المبادرة والإثم الكذب أو الشرك أو الحرام والعدوان الظلم المتعدى إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب والسحت الحرام فعلى قول من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة
المائدة : ( 63 ) لولا ينهاهم الربانيون . . . . .
والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود وقيل الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال ) لبئس ما كانوا يصنعون ( وهذا فيه زيادة على قوله ) لبئس ما كانوا يعملون ( لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم فإنها قد جاءت بما


"""""" صفحة رقم 56 """"""
فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أعظم ما افترضه الله عليه وأوجب ما أوجب عليه النهوض به اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر لا يخافون فيك لومة لائم وأعنا على ذلك وقونا عليه ويسره لنا وانصرنا على من تعدى حدودك وظلم عبادك إنه لا ناصر لنا سواك ولا مستعان غيرك يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ( إلى قوله ) والله أعلم بما كانوا يكتمون ( وأخرج البيهقي فى الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فى قوله ) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ( قال كان منادي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود والنصارى قد قاموا لا قاموا فإذا رأوهم ركعوا وسجدوا استهزءوا بهم وضحكوا منهم قال وكان رجل من اليهود تاجرا إذا سمع المنادى ينادى بالأذان قال أحرق الله الكاذب قال فبينما هو كذلك إذ دخلت جاريته بشعلة من نار فطارت شرارة منها في البيت فأحرقته وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدى قال كان رجل من النصارى فذكر نحو قصة الرجل اليهودي وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نفر من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال أومن بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به فأنزل الله فيهم ) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ( إلى قوله ) فاسقون ( وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) وجعل منهم القردة والخنازير ( قال مسخت من يهود وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك أنه قيل له كانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا قال نعم وكانوا مما خلق من الأمم وأخرج مسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن القردة والخنازير هما مما مسخ الله فقال إن الله لم يهلك قوما أو قال لم يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) وإذا جاؤوكم قالوا آمنا ( الآية قال أناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن جرير عن السدى في الآية قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهودا يقول دخلوا كفارا وخرجوا كفارا
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ( قال هؤلاء اليهود ) لبئس ما كانوا يعملون ( إلى قوله ) لبئس ما كانوا يصنعون ( قال يصنعون ويعملون واحد قال لهؤلاء حين لم ينتهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس فى قوله ) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ( قال فهل لا ينهاهم الربانيون والأحبار وهم الفقهاء والعلماء وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال ما فى القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية ) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار (


"""""" صفحة رقم 57 """"""
وأخرج ابن المبارك فى الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك بن مزاحم نحوه وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا حاجة لنا فى بسطها هنا
سورة المائدة الآية ( 64 66 )
المائدة : ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . .
قوله ) يد الله مغلولة ( اليد عند العرب تطلق على الجارحة ومنه قوله تعالى ) وخذ بيدك ضغثا ( وعلى النعمة يقولون كم يد لي عند فلان وعلى القدرة ومنه قوله تعالى ) قل إن الفضل بيد الله ( أو على التأييد ومنه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) يد الله مع القاضي حين يقضى وتطلق على معان أخر وهذه الآية هى على طريق التمثيل كقوله تعالى ) ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ( والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف ومنه قول الشاعر كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها
وكل باب من الخيرات مفتوح
فاستبدلت بعده جعدا أنامله
كأنما وجهه بالخل منضوح
فمراد اليهود هنا عليهم لعائن الله أن الله بخيل فأجاب سبحانه عليهم بقوله ) غلت أيديهم ( دعاء عليهم بالبخل فيكون الجواب عليهم مطابقا لما أرادوه بقوله ) يد الله مغلولة ( ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر فى الدنيا أو بالعذاب فى الآخرة ويقوى المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهوديا وإن كان ماله فى غاية الكثرة إلا وهو من أبخل خلق الله وأيضا المجاز أوفق بالمقام لمطابقته لما قبله قوله ) ولعنوا بما قالوا ( معطوف على ما قبله والباء سببية أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم ) يد الله مغلولة ( ثم رد سبحانه بقوله ) بل يداه مبسوطتان ( أي بل هو في غاية ما يكون من الجود وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبتة إلى اليد الواحدة وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام أي كلا ليس الأمر كذلك ) بل يداه مبسوطتان ( وقيل المراد بقوله ) بل يداه مبسوطتان ( نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها الباطنة وقيل نعمة المطر والنبات وقيل الثواب والعقاب وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ ) بل يداه مبسوطتان ( أي منطلقتان كيف يشاء قوله ) ينفق كيف يشاء ( جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه أي إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته فإن شاء وسع وإن شاء قتر فهو الباسط القابض فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا لشيء آخر فإن


"""""" صفحة رقم 58 """"""
خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى قوله ) وليزيدن كثيرا منهم ( الخ اللام هي لام القسم أي ليزيدن كثيرا من اليهود والنصارى ما أنزل الله إليك من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة ) طغيانا وكفرا ( أي طغيانا إلى طغيانهم وكفرا إلى كفرهم قوله ) وألقينا بينهم ( أي بين اليهود ) العداوة والبغضاء ( أو بين اليهود والنصارى قوله ) كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ( أي كلما جمعوا للحرب جمعا وأعدوا له عدة شتت الله جمعهم وذهب بريحهم فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها ثم يبطل الله ذلك والآية مشتملة عل استعارة بليغة وأسلوب بديع ) ويسعون في الأرض فسادا ( أي يجتهدون فى فعل ما فيه فساد ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله وقيل المراد بالنار هنا الغضب أي كلما أثاروا فى أنفسهم غضبا أطفأه الله بما جعله من الرعب فى صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم قوله ) والله لا يحب المفسدين ( إن كانت اللام للجنس فهم داخلون فى ذلك دخولا أوليا وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدة فسادهم وكونهم لا ينفكرون عنه
المائدة : ( 65 ) ولو أن أهل . . . . .
قوله ) ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ( أي لو أن المتمسكين بالكتاب وهم اليهود والنصارى على أن التعريف للجنس ) آمنوا ( الإيمان الذى طلبه الله منهم ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كما أمروا بذلك فى كتب الله المنزلة عليهم ) واتقوا ( المعاصي التى من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله ) لكفرنا عنهم سيئاتهم ( التى اقترفوها وإن كانت كثيرة متنوعة وقيل المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم
المائدة : ( 66 ) ولو أنهم أقاموا . . . . .
) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ( أي أقاموا ما فيهما من الأحكام التى من جملتها الإيمان بما جاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قوله ) وما أنزل إليهم من ربهم ( من سائر كتب الله التى من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي فى حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها ) لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتها وتعدد أنواعها قوله ) منهم أمة مقتصدة ( جواب سؤال مقدر كأنه قيل هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة أو البعض منهم دون البعض والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى ) وكثير منهم ساء ما يعملون ( وهم المصرون على الكفر المتمردون عن إجابة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والإيمان بما جاء به
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس قال قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس إن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله ) وقالت اليهود يد الله مغلولة ( الآية وأخرج أبو الشيخ عنه أنها نزلت فى فنحاص اليهودي وأخرج مثله ابن جرير عن عكرمة وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وقالت اليهود يد الله مغلولة ( أي بخيلة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ( قال حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه وهم يجدونه مكتوبا عندهم
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) كلما أوقدوا نارا للحرب ( قال حرب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى فى الآية كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه الله وأطفأ حدهم ونارهم وقذف فى قلوبهم الرعب وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ( قال آمنوا بما أنزل لله على محمد واتقوا ما حرم الله وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل (


"""""" صفحة رقم 59 """"""
قال العمل بهما وأما ما أنزل إليهم فمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) وما أنزل عليه وأما ) لأكلوا من فوقهم ( فأرسلت عليهم مطرا وأما ) ومن تحت أرجلهم ( يقول أنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم ) منهم أمة مقتصدة ( وهم مسلمة وأهل الكتاب وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) لأكلوا من فوقهم ( يعنى لأرسل عليهم السماء مدرارا ) ومن تحت أرجلهم ( قال تخرج الأرض من بركتها وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال الأمة المقتصدة الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا قال والغلو الرغبة والفسق التقصير عنه وأخرج أبو الشيخ عن السدى ) أمة مقتصدة ( يقول مؤمنة وأخرج ابن مردويه قال حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا أحمد بن يونس الضبى حدثنا عاصم بن علي حدثنا أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر حديثا قال ثم حدثهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال تفرقت أمة موسى على اثنتين وسبعين ملة واحدة منها فى الجنة وإحدى وسبعون منها فى النار وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار تعلو أمتي على الفريقين جميعا ملة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قالوا من هم يا رسول الله قال الجماعات الجماعات قال يعقوب بن زيد كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تلا فيه قرآنا قال ) ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ( إلى قوله ) منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ( وتلا أيضا ) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( يعنى أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قال ابن كثير فى تفسيره بعد ذكره لهذا الحديث ما لفظه وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروى من طرق عديدة قد ذكرناها فى موضع آخر انتهى قلت أما زيادة كونها فى النار إلا واحدة فقد ضعفها جماعة من المحدثين بل قال ابن حزم إنها موضوعة
سورة المائدة الآية ( 67
المائدة : ( 67 ) يا أيها الرسول . . . . .
العموم الكائن فى ما أنزل يفيد أنه يجب عليه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه لا يكتم منه شيئا وفيه دليل على أنه لم يسر أحد مما يتعلق بما أنزل الله إليه شيئا ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت من زعم أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) كتم شيئا من الوحي فقد كذب وفى صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال قلت لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه هل عندكم شيء من الوحي مما ليس فى القرآن فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا فى القرآن وما فى هذه الصحيفة قلت وما فى هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ) وإن لم تفعل ( ما أمرت به من تبليغ الجميع بل كتمت ولو بعضا من ذلك ) فما بلغت رسالته ( قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة إلا شعبة رسالته على التوحيد وقرأ أهل المدينة وأهل الشام رسالاته على الجمع قال النحاس والجمع أبين لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه انتهى وفيه نظر فإن نفى التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات كما ذكره علماء البيان على


"""""" صفحة رقم 60 """"""
خلاف فى ذلك وقد بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأمته ما نزل إليهم وقال لهم فى غير موطن هل بلغت فيشهدون له بالبيان فجزاه الله عن أمته خيرا ثم إن الله سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعا لمن يظن أنه حامل على كتم البيان وهو خوف لحوق الضرر من الناس وقد كان ذلك بحمد الله فإنه بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام ثم حمل من أبى من الدخول فى الدين على الدخول فيه طوعا أو كرها وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد شملهم وكانت كلمة الله هى العليا فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العزل حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم ما تظنون أني فاعل بكم فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة وقد رأينا من هذا فى أنفسنا وسمعنا منه فى غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة فى دين الله وشدة شكيمة فى القيام بحجة الله وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة وتوهمات باطلة فإن كل محنة فى الظاهر هى منحة فى الحقيقة لأنها لا تأتى إلا بخير فى الأولى والأخرى إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد قوله ) إن الله لا يهدي القوم الكافرين ( جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة أي إن الله لا يجعل لهم سبيلا إلى الإضرار بك فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال لما نزلت ) بلغ ما أنزل إليك من ربك ( قال يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع يجتمع علي الناس فنزلت ) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الله يعثني برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزلت ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( يعنى إن كتمت آية مما أنزل إليك لم تبلغ رسالته وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال نزلت هذه الآية ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ( على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم غدير خم فى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال كنا نقرأ على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ( وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) للناس فقال ألم تعلم أن الله قال ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ( والله ما ورثنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سوداء فى بيضاء
وأخرج ابن مردويه والضياء فى المختارة عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سئل أي آية أنزلت من السماء أشد عليك فقال كنت بمنى أيام موسم فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس فى الموسم فأنزل علي جبريل فقال ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ( الآية قال
فقمت عند العقبه فناديت يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة قال فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون فى وجهي ويقولون كذب صابئ فعرض علي عارض فقال يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم


"""""" صفحة رقم 61 """"""
كما دعا نوح على قومه بالهلاك فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه قال الأعمش فبذلك يفتخر بنو العباس ويقولون فيهم نزلت ) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ( هوى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أبا طالب وشاء الله عباس ابن عبد المطلب وأخرج عبد بن حميد الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما فى الدلائل عن عائشة قالت كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يحرس حتى نزلت ) والله يعصمك من الناس ( فأخرج رأسه من القبة فقال أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله قال الحاكم فى المستدرك صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرج الطبراني وابن مردويه من حديث أبي سعيد وقد روى فى هذا المعنى أحاديث وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال لما غزا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال الوارث من بني النجار لأقتلن محمدا فقال له أصحابه كيف تقتله قال أقول له أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به فأتاه فقال يا محمد أعطني سيفك أشمه فأعطاه إياه فرعدت يده حتى سقط السيف من يده فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حال الله بينك وبين ما تريد فأنزل الله سبحانه ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ( الآية قال ابن كثير وهذا حديث غريب من هذا الوجه وأخرج ابن حبان فى صحيحه وابن مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصة ولم يسم الرجل وأخرج ابن جرير من حديث محمد بن كعب القرظي نحوه وفى الباب روايات وقصة غورث بن الحارث ثابتة فى الصحيح وهى معروفة مشهورة
سورة المائدة الآية ( 68 75 )


"""""" صفحة رقم 62 """"""
المائدة : ( 68 ) قل يا أهل . . . . .
قوله ) على شيء ( فيه تحقير وتقليل لما هم عليه أي لستم على شيء يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل أي تعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه التى من جملتها أمركم باتباع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ونهيكم من مخالفته قال أبو علي الفارسي ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما قوله ) وما أنزل إليكم من ربكم ( قيل هو القرآن فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته ويجوز أن يكون المراد ما أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين قوله ) وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ( أي كفرا إلى كفرهم وطغيانا إلى طغيانهم والمراد بالكثير منهم من لم يسلم واستمر على المعاندة وقيل المراد به العلماء منهم وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها قوله ) فلا تأس على القوم الكافرين ( أي دع عنك التأسف عل هؤلاء فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم وفى المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم
المائدة : ( 69 ) إن الذين آمنوا . . . . .
قوله ) إن الذين آمنوا ( الخ جملة مستأنفة لترغيب من عداهم من المؤمنين والمراد بالمؤمنين هنا الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون ) والذين هادوا ( أي دخلوا في دين اليهود ? والصابون ? مرتفع على الابتداء وخبره محذوف والتقدير والصابون والنصارى كذلك قال الخليل وسيبويه والرفع محمول على التقديم والتأخير والتقدير إن الذين آمنوا هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابون والنصارى كذلك وأنشد سيبويه قول الشاعر
وإلا فاعلموا أنا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق
أي وإلا فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك ومثله قوله قول ضابي البرجمي فمن يك أمسى بالمدينة رحله
فإنى وقيار بها لغريب
أي فإنى لغريب وقيار كذلك وقال الكسائي والأخفش إن الصابون معطوف على المضمر في هادوا قال النحاس سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول الكسائي والأخفش هذا خطأ من وجهين أحدهما أن المضمر المرفوع لا يعطف عليه حتى يؤكد وثانيهما أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى إن الصابئين قد دخلوا فى اليهودية وهذا محال وقال الفراء إنما جاز الرفع لأن إن ضعيفة فلا تؤثر إلا فى الاسم دون الخبر فعلى هذا هو عنده معطوف على محل اسم إن أو على مجموع إن واسمها وقيل إن خبر إن مقدر والجملة الآتية خبر الصابئون والنصارى كما فى قول الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
وقيل إن إن هنا بمعنى نعم فالصابون مرتفع بالابتداء ومثله قول قيس بن الرقيات بكر العواذل فى الصباح
يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علاك
وقد كبرت فقلت إنه
قال الأخفش إنه بمعنى نعم والهاء للسكت وقد تقدم الكلام على الصابئين والنصارى في البقرة وقرئ الصابيون بياء صريحة للهمزة وقرئ الصابون بدون ياء وهو من صبا يصبو لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى وقرئ ) والصابئين ( عطفا على اسم إن قوله ) من آمن بالله ( مبتدأ خبره ) فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (


"""""" صفحة رقم 63 """"""
والمبتدأ وخبره خبر لإن ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والعائد إلى اسم إن محذوف أي من آمن منهم ويجوز أن يكون من آمن بدلا من اسم إن وما عطف عليه ويكون خبر إن ) فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( والمعنى على تقدير كون المراد بالذين آمنوا المنافقين كما قدمنا أن من آمن من هذه الطوائف إيمانا خالصا على الوجه المطلوب وعمل عملا صالحا فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا جميع أهل الإسلام المخلص والمنافق فالمراد بمن آمن من اتصف بالإيمان الخالص واستمر عليه ومن أحدث إيمانا خالصا بعد نفاقه
المائدة : ( 70 ) لقد أخذنا ميثاق . . . . .
قوله ) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ( كلام مبتدأ لبيان بعض أفعالهم الخبيثة وقد تقدم فى البقرة بيان معنى الميثاق ) وأرسلنا إليهم رسلا ( ليعرفوهم بالشرائع وينذروهم ) كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ( جملة شرطية وقعت جوابا لسؤال ناس من الأخبار بإرسال الرسل كأنه قيل ماذا فعلوا بالرسل وجواب الشرط محذوف أي عصوه وقوله ) فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ( جملة مستأنفة أيضا جواب عن سؤال ناس عن الجواب الأول كأنه قيل كيف فعلوا بهم فقيل فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر وفريقا آخر منهم قتلوهم وإنما قال ) وفريقا يقتلون ( لمراعاة رءوس الآى فمن كذبوه عيسى وأمثاله من الأنبياء وممن قتلوه زكريا ويحيى
المائدة : ( 71 ) وحسبوا ألا تكون . . . . .
قوله ) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا ( أي حسب هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختيار بالشدائد اعتزازا بقولهم ) نحن أبناء الله وأحباؤه ( قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي تكون بالرفع على أن أن هى المخففة من الثقيلة وحسب بمعنى علم لأن أن معناه التحقيق
وقرأ الباقون بالنصب على أن أن ناصبة للفعل وحسب بمعنى الظن قال النحاس والرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود ومثله ألا زعمت بسباسة اليوم أننى
كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي
قوله ) فعموا وصموا ( أي عموا عن أبصار الهدى وصموا عن استماع الحق وهذه إشارة إلى ما وقع من بنى إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا ثم تاب الله عليهم حين تابوا فكشف عنهم القحط ) ثم عموا وصموا كثير منهم ( وهذا إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم لقتل عيسى وارتفاع ) كثير ( على البدل من الضمير في الفعلين قال الأخفش كما تقول رأيت قومك ثلاثتهم وإن شئت كان على إضمار مبتدإ أي العمى والصم كثير منهم ويجوز أن يكون كثير مرتفعا على الفاعلية على لغة من قال أكلوني البراغيث ومنه قول الشاعر ولكن دفافي أبوه وأمه
بحوران يعصرن السليط أقاربه
وقرئ ) عموا وصموا ( بالبناء للمفعول أي أعماهم الله وأصمهم
المائدة : ( 72 ) لقد كفر الذين . . . . .
قوله ) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ( هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب والقائلون بهذه المقالة هم فرقة منهم يقال لهم اليعقوبية وقيل هم الملكانية قالوا إن الله عز وجل حل فى ذات عيسى فرد الله عليهم بقوله ) وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ( أي والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم قوله ) إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ( الضمير للشأن وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة وقيل هو من قول عيسى ) وما للظالمين من أنصار ( ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار
المائدة : ( 73 ) لقد كفر الذين . . . . .
قوله ) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ( وهذا كلام أيضا مبتدأ لبيان بعض مخازيهم والمراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة ولهذا يضاف إلى ما بعده ولا يجوز فيه


"""""" صفحة رقم 64 """"""
التنوين كما قال الزجاج وغيره وإنما ينون وينصب ما بعده إذا كان ما بعده دونه بمرتبة نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة والقائل بأنه سبحانه وتعالى ثالث ثلاثة هم النصارى والمراد بالثلاثة الله سبحانه وعيسى ومريم كما يدل عليه قوله أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين وهذا هو المراد بقوله ثلاثة أقانيم إقنيم الأب وإقنيم الابن وإقنيم روح القدس وقد تقدم فى سورة النساء كلام فى هذا ثم رد الله سبحانه عليهم هذه الدعوى الباطلة فقال ) وما من إله إلا إله واحد ( أي ليس في الوجود إلا الله سبحانه وهذه الجملة حالية والمعنى قالوا تلك المقالة والحال لأنه لا موجود إلا الله ومن في قوله ) من إله ( لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي ) وإن لم ينتهوا عما يقولون ( من الكفر ) ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ( جواب قسم محذوف ساد مسد جواب الشرط ومن فى ) منهم ( بيانية أو تبعيضية
المائدة : ( 74 ) أفلا يتوبون إلى . . . . .
) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ( الفاء للعطف على مقدر والهمزة للإنكار
المائدة : ( 75 ) ما المسيح ابن . . . . .
قوله ) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ( أي هو مقصور على الرسالة لا يجاوزها كما زعتم وجملة ) قد خلت من قبله الرسل ( صفة لرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله وما وقع منه من المعجزات لا يوجب كونه إلها فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها فإن الله أحيا العصا في يد موسى وخلق آدم من غير أب فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى ووجوده من غير أب يوجبان كونه إلها فإن كان كما تزعمون إلها لذلك فمن قبله من الرسل الذين جاءوا بمثل ما جاء به آلهة وأنتم لا تقولون بذلك قوله ) وأمه صديقة ( عطف على المسيح أي وما أمه إلا صديقة أي صادقة فيما تقوله أو مصدقة لما جاء به ولدها من الرسالة وذلك لا يستلزم الإلهيه لها بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء قوله ) كانا يأكلان الطعام ( استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر أى من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب بل هو عبد مربوب ولدته النساء فمتى يصلح لأن يكون ربا أما قولكم إنه كان يأكل الطعام بناسوته لا بلاهوته فهو كلام باطل يستلزم اختلاط الإله بغير الإله واجتماع الناسوت واللاهوت ولو جاز اختلاط القديم بالحادث لجاز أن يكون القديم حادثا ولو صح هذا فى حق عيسى لصح فى حق غيره من العباد ) انظر كيف نبين لهم الآيات ( أى الدلالات وفيه تعجيب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلهية ويغفلون عن كونها موجودة فى من لا يقولون بأنه إله ) ثم انظر أنى يؤفكون ( أى كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان يقال أفكه يأفكه إذا صرفه وكرر الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب وجاء بثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال جاء نافع ابن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حرملة فقالوا يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله حق فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكفرتم منها بما أمرتم أن تبينوه للناس فبرئت من أحداثكم فقالوا فإنا نؤخذ بما فى أيدينا وإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك فأنزل الله فيهم ) قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ( إلى قوله ) القوم الكافرين ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن فى قوله ) وحسبوا ألا تكون فتنة ( ) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا ( قال بلاء وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة مثله وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدى نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فى قوله ) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة (


"""""" صفحة رقم 65 """"""
قال النصارى يقولون ) إن الله ثالث ثلاثة ( وكذبوا وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال تفرقت بنو إسرائيل ثلاث فرق فى عيسى فقالت فرقه هو الله وقالت فرقة هو ابن الله وقالت فرقة هو عبد الله وروحه وهى المقتصدة وهى مسلمة أهل الكتاب
سورة المائدة الآية ( 76 81 )
المائدة : ( 76 ) قل أتعبدون من . . . . .
أمر الله سبحانه رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم وقطعا لشبهتهم أى أتعبدون من دون الله متجاوزين إياه ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا بل هو عبد مأمور وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه وأما هو فهو يعجز عن أن يملك لنفسه شيئا من ذلك فضلا عن أن يملكه لغيره ومن كان لا ينفع ولا يضر فكيف تتخذونه إلها وتعبدونه وأى سبب يقتضي ذلك والمراد هنا المسيح عليه السلام وقدم سبحانه الضر على النفع لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح ) والله هو السميع العليم ( أى كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والحال أن الله هو السميع العليم ومن كان كذلك فهو القادر على الضر والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم ومن جملة ذلك مضاركم ومنافعكم
المائدة : ( 77 ) قل يا أهل . . . . .
قوله ) تغلوا في دينكم ( لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة نهاهم عن اللغو فى دينهم وهو المجاوزة للحد كإثبات الإلهية لعيسى كما يقوله النصارى أو حطه عن مرتبته العلية كما يقوله اليهود فإن كل ذلك من الغلو المذموم وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط واختيارهما على طريق الصواب ) وغير ( منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أى غلوا غير غلو الحق وأما الغلو فى الحق بإبلاغ كلية الجهد فى البحث عنه واستخراج حقائقه فليس بمذموم وقيل إن النصب على الاستثناء المتصل وقيل على المنقطع ) ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ( وهم أسلاف أهل الكتاب من طائفتي اليهود والنصارى أى قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ) وأضلوا كثيرا ( من الناس ) وضلوا عن سواء السبيل ( أى عن قصدهم طريق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بعد البعثة والمراد أن أسلافهم ضلوا من قبل البعثة وأضلوا كثيرا من الناس إذ ذاك وضلوا من بعد البعثة إما بأنفسهم أو جعل ضلال من أضلوه ضلالا لهم لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه لهم وقيل المراد بالأول كفرهم بما


"""""" صفحة رقم 66 """"""
يقتضيه العقل وبالثاني كفرهم بما يقتضيه الشرع
المائدة : ( 78 ) لعن الذين كفروا . . . . .
قوله ) لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ( أي لعنهم الله سبحانه ) على لسان داود وعيسى ابن مريم ( أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم فى السبت وكفرهم بعيسى قوله ) ذلك بما عصوا ( جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر والإشارة بذلك إلى اللعن أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر
المائدة : ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . .
ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله ) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ( فأسند الفعل إليهم لكون فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعا والمعنى أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها أو تهيأ لفعلها ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير ) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( ثم إن الله سبحانه قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر ) لبئس ما كانوا يفعلون ( أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره
المائدة : ( 80 ) ترى كثيرا منهم . . . . .
) ترى كثيرا منهم ( أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه ) يتولون الذين كفروا ( أي المشركين وليسوا على دينهم ) لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ( أي سولت وزينت أو ما قدموه لأنفسهم ليردوا عليه يوم القيامة والمخصوص بالذم هو ) أن سخط الله عليهم ( أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو هو سخط الله عليهم على حذف المبتدإ وقيل هو أي أن سخط الله عليهم بدل من ما
المائدة : ( 81 ) ولو كانوا يؤمنون . . . . .
) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ( أي نبيهم ) وما أنزل إليه ( من الكتاب ) ما اتخذوهم ( أي المشركين ) أولياء ( لأن الله سبحانه ورسوله المرسل إليهم وكتابه المنزل عليهم قد نهوهم عن ذلك ) ولكن كثيرا منهم فاسقون ( أي خارجون عن ولاية الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) لا تغلوا في دينكم ( يقول لا تبتدعوا وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) وضلوا عن سواء السبيل ( قال يهود وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال ) لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ( إلى قوله ) فاسقون ( ثم قال كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا فلا نطول بذكرها وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ( يعني في الزبور ) وعيسى ابن مريم ( يعني في الإنجيل وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في الآية قال لعنوا على لسان داود فجعلوا قردة وعلى لسان عيسى فجعلوا خنازير وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه وأخرج الديلمى في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا قتلت


"""""" صفحة رقم 67 """"""
بنوا إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار فقام مائة واثنا عشر رجلا من عبادهم فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار فهم الذين ذكر الله ) لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ( الآيات وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ( قال ما أمرتهم وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوى الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه عن حذيفة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال يا معشر المسلمين إياكم والزنا فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأما التى في الدنيا فذهاب البهاء ودوام الفقر وقصر العمر وأما التى في الآخرة فسخط الله وسوء الحساب والخلود في النار ثم تلا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ( قال ابن كثير في تفسيره هذا الحديث ضعيف على كل حال وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ( قال المنافقون
سورة المائدة الآية ( 82 86 )
المائدة : ( 82 ) لتجدن أشد الناس . . . . .
قوله ) لتجدن ( الخ هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تعداد مساوى اليهود وهناتهم ودخول لام القسم عليها يزيدها تأكيدا وتقريرا والخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من يصلح له كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز والمعنى في الآية أن اليهود والمشركين لعنهم الله أشد جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ذلك وأن النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين واللام في ) للذين آمنوا ( في الموضعين متعلقة بمحذوف وقع صفة لعداوة ومودة وقيل هو متعلق بعداوة ومودة والإشارة بقوله ) ذلك ( إلى كونهم أقرب مودة والباء في ) بأن منهم قسيسين ( للسببية أي ذلك بسبب أن منهم قسيسين وهو جمع قس وقسيس قاله قطرب والقسيس العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء وطلبه قال الراجز يصبحن عن قس الأذى غوافلا
وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقس النميمة والقس أيضا رئيس النصارى في الدين والعلم وجمعه قسوس أيضا وكذلك القسيس مثل الشر والشرير ويقال في جمع قسيس تكسيرا قساوسة بإبدال أحد لسينين واوا والأصل قساسة فالمراد بالقسيسين في الآية المتبعون للعلماء والعباد وهو إما عجمي خلطته العرب بكلامها أو عربي والرهبان جمع راهب كركبان وراكب


"""""" صفحة رقم 68 """"""
والفعل رهب الله يرهبه أي خافه والرهبانية والترهب التعبد في الصوامع قال أبو عبيد وقد يكون رهبان للواحد والجمع قال الفراء ويجمع رهبان إذا كان للمفرد رهبان ورهابين كقربان وقرابين وقد قال جرير في الجمع رهبان مدين لو رأوك ترهبوا
وقال الشاعر في استعمال رهبان مفردا
لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبان يسعى ونزل
ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم لا يستكبرون عن قول الحق بل هم متواضعون بخلاف اليهود فإنهم على ضد ذلك وهذه الجملة معطوفة على الجملة التى قبلها
المائدة : ( 83 ) وإذا سمعوا ما . . . . .
) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ( معطوف على جملة ) وأنهم لا يستكبرون ( ) تفيض من الدمع ( أي تمتليء فتفيض لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء جعل الأعين تفيض والفائض إنما هو الدمع قصد للمبالغة كقولهم دمعت عينه قال امرؤ القيس
ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي
قوله ) مما عرفوا من الحق ( من الأولى لابتداء الغاية والثانية بيانية أي كان ابتداء الفيض ناشئا من معرفة الحق ويجوز أن تكون الثانية تبعيضيه وقرئ ) ترى أعينهم ( على البناء للمجهول وقوله ) يقولون ربنا آمنا ( استئناف مسوق لجواب سؤال مقدر كأنه قيل فما حالهم عند سماع القرآن فقال ) يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ( أي آمنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد وبمن أنزلته عليه فاكتبنا مع الشاهدين على الناس يوم القيامة من أمة محمد أو مع الشاهدين بأنه حق أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس
المائدة : ( 84 ) وما لنا لا . . . . .
قوله ) وما لنا لا نؤمن بالله ( كلام مستأنف والاستفهام للاستبعاد ) ولنا ( متعلق بمحذوف و ) لا نؤمن ( في محل نصب في الحال والتقدير أي شيء حصل لنا حال كوننا لا نؤمن بالله وبما جاء من الحق والمعنى أنهم استبعدوا انتفاء الإيمان منهم مع وجود المقتضى له وهو الطمع في إنعام الله فالاستفهام والنفي متوجهان إلى القيد والمقيد جميعا كقوله تعالى ) ما لكم لا ترجون لله وقارا ( والواو في ) ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ( للحال أيضا بتقدير مبتدإ أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في الدخول مع الصالحين فالحال الأولى والثانية صاحبهما الضمير في ) لنا ( وعاملهما الفعل المقدر أي حصل ويجوز أن تكون الحال الثانية من الضمير في ) نؤمن ( والتقدير وما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع في صحبة الصالحين
المائدة : ( 85 ) فأثابهم الله بما . . . . .
قوله ) فأثابهم الله بما قالوا ( الخ أثابهم على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه
المائدة : ( 86 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . .
قوله ) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ( التكذيب بالآيات كفر فهو من باب عطف الخاص على العام والجحيم النار الشديدة الإيقاد ويقال جحم فلان النار إذا شدد إيقادها ويقال أيضا لعين الأسد جحمة لشدة اتقادها
قال الشاعر
والحرب لا تبقى لجاحمها التحيل والمزاح
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) ولتجدن أقربهم مودة ( الآية قال هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله وفى لفظ إلا حدث نفسه بقتله قال ابن كثير وهو غريب جدا وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه وأخرج أبو الشيخ عنه قال هم ناس من الحبشة آمنوا إذا جاءتهم مهاجرة المؤمنين فذلك لهم وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن


"""""" صفحة رقم 69 """"""
عبد الله بن الزبير قال نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ( وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي فقدم عل النجاشي فقرأ كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع وهم الذين أنزل الله فيهم ) ولتجدن أقربهم مودة ( إلى قوله ) من الشاهدين (
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في الآية قال هم رسل النجاشي بإسلامه وإسلام قومه كانوا سبعين رجلا يختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه والسن وفى لفظ نعت من خيار أصحابه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاثين رجلا فلما أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة يس فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق فأنزل الله فيهم ) ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ( الآية ونزلت هذه الآية فيهم أيضا ) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ( إلى قوله ) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ( وأخرج عبد بن حميد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بدون ذكر العدد وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال بعث النجاشي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اثنى عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا فأنزل الله فيهم ) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ( الآية والروايات في هذا الباب كثيرة وهذا المقدار يكفى فليس المراد إلا بيان سبب نزول الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ) قسيسين ( قال هم علماؤهم وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال القسيسون عبادهم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله ) فاكتبنا مع الشاهدين ( قال أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم )
سورة المائدة الآية ( 87 88 )
المائدة : ( 87 ) يا أيها الذين . . . . .
الطيبات هي المستلذات لما أحله الله لعباده نهى الذين آمنوا عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا منها إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقربا إليه وأنه من الزهد في الدنيا فرفع النفس عن شهواتها أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله لهم كما يقع من كثير من العوام من قولهم حرام علي وحرمته على نفسي ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني قال ابن جرير الطبري لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح ولذلك رد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) التبتل على عثمان بن مظعون
فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه وعمل به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وسنه لأمته واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدى


"""""" صفحة رقم 70 """"""
هدى نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء قال فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذى قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التى جعلها الله سببا إلى طاعته قوله ) ولا تعتدوا ( أي لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم أي تترخصوا فتحللوا حراما كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما إن من حرم شيئا صار محرما عليه وإذا تناوله لزمته الكفارة وهو خلاف ما في هذه الآية وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ولعله يأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من هذا إن شاء الله وقوله ) إن الله لا يحب المعتدين ( تعليل لما قبله وظاهره أن تحريم كل اعتداء أي مجاوزة لما شرعه الله في كل أمر من الأمور
المائدة : ( 88 ) وكلوا مما رزقكم . . . . .
) وكلوا مما رزقكم الله ( حال كونه ) حلالا طيبا ( أي غير محرم ولا مستقذر أو أكلا حلالا طيبا أو كلوا حلالا طيبا مما رزقكم الله ثم وصاهم الله سبحانه بالتقوى فقال ) واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون )
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوة وإني حرمت علي اللحم فنزلت ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( وقد روى من وجه آخر مرسلا وروى موقوفا على ابن عباس وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية قال نزلت في رهط من الصحابة قالوا نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا نعم فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لكني أصوم وأفطر وأصلى وأنام وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما من دون ذكر أن ذلك سبب نزول الآية وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل وابن جرير عن أبي مالك أن هؤلاء الرهط هم عثمان بن مظعون وأصحابه وفى الباب روايات كثيرة بهذا المعنى وكثير منها مصرح بأن ذلك سبب نزول الآية وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارا له فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي فقالت امرأته هو حرام علي فقال الضيف هو حرام علي فلما رأى ذلك وضع يده وقال كلوا بسم الله ثم ذهب إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أصبت فأنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( وهذا أثر منقطع ولكن في صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه ما هو شبيه بهذا وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال كنا عند عبد الله فجيء بضرع فتنحى رجل فقال له عبد الله ادن فقال إني حرمت أن آكله فقال عبد الله ادن فاطعم وكفر عن يمينك وتلا هذه الآية وأخرجه أيضا الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه


"""""" صفحة رقم 71 """"""
سورة المائدة الآية ( 89 )
المائدة : ( 89 ) لا يؤاخذكم الله . . . . .
قد تقدم تفسير اللغو والخلاف فيه في سورة البقرة و ) في أيمانكم ( صلة ) يؤاخذكم ( قيل و ) في ( بمعنى من والإيمان جمع يمين وفى الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها ولا تجب فيها الكفارة وقد ذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل لا والله وبلى والله في كلامه غير معتقد لليمين وبه فسر الصحابة الآية وهم أعرف بمعاني القرآن قال الشافعي وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة قوله ) ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ( قريء بتشديد ) عقدتم ( وبتخفيفه وقريء ? عاقدتم ? والعقد على ضربين حسى كعقد الحبل وحكمى كعقد البيع واليمين والعهد قال الشاعر قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أو لا يفعلن في المستقبل أي ولكن يؤاخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها وأما اليمين الغموس فهي يمين مكر وخديعة وكذب قد باء الحالف بإثمها وليست بمعقودة ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور وقال الشافعي هي يمين معقودة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله والراجح الأول وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين متوجهة إلى المعقودة ولا يدل شيء منها على الغموس بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب وإنها من الكبائر بل من أكبر الكبائر وفيها نزل قوله تعالى ) إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ( الآية قوله ) فكفارته ( الكفارة هي مأخوذة من التكفير وهو التستير وكذلك الكفر هو الستر والكافر هو الساتر لأنها تستر الذنب وتغطيه والضمير في كفارته راجع إلى ما في قوله ) بما عقدتم ( ) إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ( المراد بالوسط هنا المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه وظاهره أنه يجزئ إطعام عشرة حتى يشبعوا وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال لا يجزئ إطعام العشرة غداء دون عشاء حتى يغديهم ويعشيهم قال أبو عمر هو قول أئمة الفتوى بالأمصار وقال الحسن البصري وابن سيرين يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا وسمنا أو خبزا ولحما وقال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبو قلابة ومقاتل يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر وروي ذلك عن علي وقال أبو حنيفة نصف صاع بر وصاع مما عداه وقد أخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس قال كفر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بصاع من تمر وكفر الناس به ومن لم يجد فنصف صاع من بر وفى إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي وهو مجمع على ضعفه وقال الدارقطني متروك قوله ) أو كسوتهم (


"""""" صفحة رقم 72 """"""
عطف على إطعام قرئ بضم الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني ? أو كأسوتهم ? يعني كأسوة أهليكم والكسوة في الرجال تصدق على ما يكسو البدن ولو كان ثوبا واحدا وهكذا في كسوة النساء وقيل الكسوة للنساء درع وخمار وقيل المراد بالكسوة ما تجزئ به الصلاة قوله ) أو تحرير رقبة ( أي إعتاق مملوك والتحرير الإخراج من الرق ويستعمل التحرير في فك الأسير وإعفاء المجهود بعمل عن عمله وترك إنزال الضرر به ومنه قول الفرزدق أبنى غدانة أنني حررتكم
فوهبتكم لعطية بن جعال
أي حررتكم من الهجاء الذى كان سيضع منكم ويضر بإحسابكم
ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي تجريء في الكفارة وظاهر هذه الآية أنها تجزئ كل رقبة على أي صفة كانت وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان فيها قياسا على كفارة القتل ) فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ( أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام وقرئ متتابعات حكى ذلك عن ابن مسعود وأبى فتكون هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قول الشافعي وقال مالك والشافعي في قوله الآخر يجزئ التفريق ) ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ( أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم ثم أمرهم بحفظ الأيمان وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها والإشارة بقوله ) كذلك ( إلى مصدر الفعل المذكور بعده أي مثل ذلك البيان ) يبين الله لكم ( وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز ) لعلكم تشكرون ( ما أنعم به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لما نزلت ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم قالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التى حلفنا عليها فأنزل الله ) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ( وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في اللغو قال هو الرجل يحلف على الحلال وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال هما الرجلان يتبايعان يقول أحدهما والله لا أبيعك بكذا ويقول الآخر والله لا أشتريه بكذا وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن النخعي قال اللغو أن يصل كلامه بالحلف والله لتأكلن والله لتشربن ونحو هذا لا يريد به يمينا ولا يتعمد حلفا فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة وقد تقدم الكلام في البقرة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ) ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ( قال بما تعمدتم وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة وفى إسناده النضر بن زرارة بن عبد الكريم الذهلي الكوفي قال أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات وقد تقدم حديث ابن عباس وتضعيفه وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت كنا نعطى في كفارة اليمين بالمد الذى نقتات به وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال إني أحلف لا أعطى أقواما ثم يبدو لي فأعطيهم فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو نصف صاع من قمح وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق قال في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين


"""""" صفحة رقم 73 """"""
وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت مثله وأخرج هؤلاء أيضا عن ابن عمر مثله وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة مثله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال تغديهم وتعشيهم إن شئت خبزا ولحما أو خبزا وزيتا أو خبزا وسمنا أو خبزا وتمرا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) من أوسط ما تطعمون أهليكم ( قال من عسركم ويسركم وأخرج ابن ماجه عنه قال الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة فنزلت ) من أوسط ما تطعمون أهليكم ( وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عنه نحو ذلك وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ) أو كسوتهم ( قال عباءة لكل مسكين قال ابن كثير حديث غريب وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال قلت يا رسول الله ) أو كسوتهم ( ما هو قال عباءة عباءة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال عباءة لكل مسكين أو شملة وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال الكسوة ثوب أو إزار وأخرج ابن جرير والبيهقي فى سننه عن ابن عباس قال في كفارة اليمين هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة الأول فالأول فإن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات
وأخرج ابن مردويه عنه نحوه
سورة المائدة الآية ( 90 93 )
المائدة : ( 90 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) يا أيها الذين آمنوا ( خطاب لجميع المؤمنين وقد تقدم تفسير الميسر في سورة البقرة ) والأنصاب ( هي الأصنام المنصوبة للعبادة ) والأزلام ( قد تقدم تفسيرها في أول هذه السورة والرجس يطلق على العذرة والأقذار وهو خبر للخمر وخبر المعطوف عليه محذوف وقوله ) من عمل الشيطان ( صفة لرجس أي كائن من عمل الشيطان بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له وقيل هو الذى كان عمل هذه الأمور بنفسه فاقتدى به بنو آدم والضمير في ) فاجتنبوه ( راجع إلى الرجس أو إلى المذكور وقوله ) لعلكم تفلحون ( علة لما قبله قال في الكشاف أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام ومنه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) شارب الخمر كعابد الوثن ومنها أنه جعلهما رجسا كما قال ) فاجتنبوا الرجس من الأوثان ( ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت ومنها أنه أمر بالاجتناب ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومحقة


"""""" صفحة رقم 74 """"""
ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال وهو وقوع التعادى والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلوات انتهى
وفى هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب وتحريم الصد ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس فضلا عن جعله شرابا يشرب قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم فأول ما نزل في أمرها ) يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ( فترك عند ذلك بعض من المسلمين شربها ولم يتركه آخرون ثم نزل قوله تعالى ) لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( فتركها البعض أيضا وقالوا لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها البعض في غير أوقات الصلاة حتى نزلت هذه الآية ) إنما الخمر والميسر ( فصارت حراما عليهم حتى كان يقول بعضهم ما حرم الله شيئا أشد من الخمر وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها وأنها من كبائر الذنوب
وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعا لا شك فيه ولا شبهة وأجمعوا أيضا على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمرا وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر دلت أيضا على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام
المائدة : ( 91 ) إنما يريد الشيطان . . . . .
وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية بقوله ) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ( ومن المفاسد الدينيه بقوله ) ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ( قوله ) فهل أنتم منتهون ( فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا انتهينا
المائدة : ( 92 ) وأطيعوا الله وأطيعوا . . . . .
ثم أكد الله سبحانه هذا التحريم بقوله ) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ( أي مخالفتهما أي مخالفة الله ورسوله فإن هذا وإن كان أمرا مطلقا فالمجيء به في هذا الموضع يفيد ما ذكرناه من التأكيد وهكذا ما أفاده بقوله ) فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ( أي إن أعرضتم عن الامتثال فقد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذى فيه رشادكم وصلاحكم ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم وفى هذا من الزجر ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه
المائدة : ( 93 ) ليس على الذين . . . . .
قوله ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ( أي من المطاعم التى يشتهونها والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر لكنه يجوز استعماله في الشرب ومنه قوله تعالى ) ومن لم يطعمه فإنه مني ( أباح الله سبحانه لهم في هذه الآية جميع ما طعموا كائنا ما كان مقيدا بقوله ) إذا ما اتقوا ( أي اتقوا ما هو محرم عليهم كالخمر وغيره من الكبائر وجميع المعاصي ) وآمنوا ( بالله ) وعملوا الصالحات ( من الأعمال التى شرعها الله لهم أي استمروا على عملها قوله ) ثم اتقوا ( عطف على اتقوا الأول أي اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه كان مباحا فيما سبق ) وآمنوا ( بتحريمه ) ثم اتقوا ( ما حرم عليهم بعد التحريم المذكور قبله مما كان مباحا من قبل ) وأحسنوا ( أي عملوا الأعمال الحسنة هذا معنى الآية وقيل التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة وقيل إن التكرير باعتبار المراتب الثلاثة المبدأ والوسط والمنتهى وقيل إن التكرار باعتبار ما يتقيه الإنسان فإنه ينبغى له أن يترك المحرمات توقيا من العذاب والشبهات توقيا من الوقوع في الحرام وبعض المباحات حفظا للنفس عن الخسة وقيل إنه لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى ) كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ( هذه الوجوه كلها مع قطع النظر عن سبب نزول الآية إما مع النظر إلى سبب نزولها وهو أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر فنزلت فقد قيل إن المعنى


"""""" صفحة رقم 75 """"""
) اتقوا ( الشرك ) وآمنوا ( بالله ورسوله ) ثم اتقوا ( الكبائر ) وآمنوا ( أي ازدادوا إيمانا ) ثم اتقوا ( الصغائر ) وأحسنوا ( أي تنفلوا قال ابن جرير الطبري الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال نزل في الخمر ثلاث آيات فأول شيء ) يسألونك عن الخمر والميسر ( الآية فقيل حرمت الخمر فقيل يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله فسكت عنهم ثم نزلت هذه الآية ) لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( فقيل حرمت الخمر فقالوا يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة فسكت عنهم ثم نزلت ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ( الآية فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حرمت الخمر وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال حرمت الخمر ثلاث مرات وذكر نحو حديث ابن عمر فقال الناس يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فراشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان فأنزل الله ) ليس على الذين آمنوا ( الآية وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال في نزل تحريم الخمر صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا ناسا فأتوه فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر وذلك قبل تحرم الخمر فتفاخروا فقالت الأنصار الأنصار خير من المهاجرين وقالت قريش قريش خير فأهوى رجل بلحي جمل فضرب على أنفي فأتيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فذكرت ذلك له فنزلت هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ( الآية وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال أنزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رءوفا رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ( إلى قوله ) فهل أنتم منتهون ( فقال ناس من المتكلفين هي رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر وفلان قتل يوم أحد فأنزل الله هذه الآية ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ( الآية وقد رويت في سبب النزول روايات كثيرة موافقة لما قد ذكرناه وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال الميسر هو القمار كله وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال قلت لجابر متى حرمت الخمر قال بعد أحد وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن عباس قال كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال النرد والشطرنج من الميسر وأخرج عبد بن حميد عن علي قال الشطرنج ميسر الأعاجم وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن النرد أهي من الميسر قال كل من ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من ميسر وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عنه أيضا أنه قيل له هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج قال كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر وأخرجوا أيضا عن ابن الزبير قال يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير والله يقول في كتابه ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر (


"""""" صفحة رقم 76 """"""
إلى قوله ) فهل أنتم منتهون ( وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره وأعطيت سلبه من أتاني به وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال الشطرنج من النرد بلغنا عن ابن عباس أنه ولى مال يتيم فأحرقها وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمير قال سئل ابن عمر عن الشطرنج فقال هي شر من النرد
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن عبيد قال رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتى عشرة مرة إلا أصحاب الشاة يعني أصحاب الشطرنج وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال تلك المجوسية فلا تلعبوا بها وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله وأخرج أحمد عن عبد الرحيم الخطمي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلى مثل الذى يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر قال اللاعب بالنرد قمارا كآكل لحم الخنزير واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك الخنزير وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن كثير قال مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بقوم يلعبون بالنرد فقال قلوب لاهية وأيدى عليلة وألسنة لاغية وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن قتادة قال الميسر القمار وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا كل شيء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال القمار من الميسر وأخرج بن أبي الدنيا وأبو الشيخ عنه قال ما كان من لعب فيه قمار أو قيام أو صياح أو شر فهو من الميسر وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن شريح أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال ثلاث من الميسر الصفير بالحمام والقمار والضرب بالكعاب
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها الأمور وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الأزلام قال هي كعاب فارس التى يقتمرون بها وسهام العرب
وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها والوعيد الشديد عليه وأن كل مسكر حرام وهي مدونة في كتب الحديث فلا نطول المقام بذكرها فلسنا بصدد ذلك بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير
سورة المائدة الآية ( 94 95 )


"""""" صفحة رقم 77 """"""
سورة المائدة الآية ( 96 99 )
المائدة : ( 94 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) ليبلونكم ( أي ليختبرنكم واللام جواب قسم محذوف كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفى الحرم كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت وكان نزول الآية في عام الحديبية أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم فكان إذا عرض صيد اختلفت فيه أحوالهم
وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية هل هم المحلون أو المحرمون فذهب إلى الأول مالك وإلى الثاني ابن عباس والراجح أن الخطاب للجميع ولا وجه لقصره على البعض دون البعض ومن في ) من الصيد ( للتبعيض وهو صيد البر قاله ابن جرير الطبري وغيره وقيل إن من بيانية أي شيء حقير من الصيد وتنكير شيء للتحقير قوله ) تناله أيديكم ورماحكم ( قرأ ابن وثاب ) يناله ( بالياء التحتية هذه الجملة تقتضى تعميم الصيد وأنه لا فرق بين ما يؤخذ باليد وهو ما لا يطيق الفرار كالصغار والبيض وبين ما تناله الرماح وهو ما يطيق الفرار وخص الأيدى بالذكر لأنها أكثر ما يتصرف به الصائد في أخذ الصيد وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم الآلات للصيد عند العرب قوله ) ليعلم الله من يخافه بالغيب ( أي ليتميز عند الله من يخافه منكم بسبب عقابه الأخروى فإنه غائب عنكم غير حاضر ) فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ( أي بعد هذا البيان الذى امتحنكم الله به لأن الاعتداء بعد العلم بالتحريم معاندة لله سبحانه وتجرئة عليه
المائدة : ( 95 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ( نهاهم عن قتل الصيد في حال الإحرام وفى معناه غير ) محلي الصيد وأنتم حرم ( وهذا النهي شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم لأنه يقال رجل حرام وامرأة حرام والجمع حرم وأحرم الرجل دخل في الحرم قوله ) ومن قتله منكم متعمدا ( المتعمد هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام والمخطيء هو الذى يقصد شيئا فيصيب صيدا والناسي هو الذى يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه وقد استدل ابن عباس وأحمد في رواية وداود عنه باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة على غيره بل لا تجب إلا عليه وحده وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو ثور وقيل إنها تلزم الكفارة المخطئ والناسى كما تلزم المتعمد وجعلوا قيد التعمد خارجا مخرج الغالب روى عن عمر والحسن والنخعي والزهري وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وروي عن ابن عباس وقيل إنه يجب التكفير على العامد الناسى لإحرامه وبه قال مجاهد قال فإن كان ذاكرا لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها قوله ) فجزاء مثل ما قتل من النعم ( أي فعليه جزاء مماثل لما قتله ومن النعم بيان للجزاء المماثل قيل المراد المماثلة في القيمة وقيل في الخلقة وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة وذهب إلى الثاني مالك والشافعي وأحمد والجمهور وهو الحق لأن البيان للماثل بالنعم يفيد ذلك وكذلك يفيده هديا بالغ الكعبة وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل وأن المحرم مخير وقرئ ) فجزاء مثل ما قتل ( وقرئ ) فجزاء مثل ( على إضافة جزاء إلى مثل


"""""" صفحة رقم 78 """"""
وقرئ ينصبهما على تقدير فليخرج جزاء مثل ما قتل وقرأ الحسن ) النعم ( بسكون العين تخفيفا ) يحكم به ( أي بالجزاء أو بمثل ما قتل ) ذوا عدل منكم ( أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين فإذا حكما بشئ لزم وإن اختلفا رجع إلى غيرهما ولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين وقيل يجوز وبالأول قال أبو حنيفة وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه وظاهر الآية تقتضى حكمين غير الجاني قوله ) هديا بالغ الكعبة ( نصب هديا على الحال أو البدل من مثل و ) بالغ الكعبة ( صفة لهديا لأن الإضافة غير حقيقية والمعنى أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك والإشعار والتقليد ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدى لا يبلغها وإنما أراد الحرم ولا خلاف في هذا قوله ) أو كفارة ( معطوف على محل من النعم وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف و ) طعام مساكين ( عطف بيان لكفارة أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف ) أو عدل ذلك ( معطوف على طعام وقيل هو معطوف على جزاء وفيه ضعف فالجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه و ) صياما ( منصوب على التمييز وقد قرر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام وقد ذهب إلى أن الجاني يخير بين الأنواع المذكورة جمهور العلماء وروي عن ابن عباس أنه لا يجزئ المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدى والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهم الميل قاله الكسائي وقال الفراء عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه وبفتح العين مثله من غير جنسه وبمثل قول الكسائي قال البصريون قوله ) ليذوق وبال أمره ( عليه لإيجاب الجزاء أي أوجبنا ذلك عليه ليذوق وبال أمره والذوق مستعار لإدراك المشقة ومثله ) ذق إنك أنت العزيز الكريم ( والوبال سوء العاقبة والمرعى الوبيل الذى يتأذى به بعد أكله وطعام وبيل إذا كان ثقيلا قوله ) عفا الله عما سلف ( يعنى في جاهليتكم من قتلكم للصيد وقيل عما سلف قبل نزول الكفارة ) ومن عاد ( إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد بعد هذا البيان ) فينتقم الله منه ( خبر مبتدأ محذوف أي فهو ينتقم الله منه قيل المعنى إن الله ينتقم منه في الآخرة فيعذبه بذنبه وقيل ينتقم منه بالكفارة قال شريح وسعيد بن جبير يحكم عليه في أول مرة فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له اذهب ينتقم الله منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر
المائدة : ( 96 ) أحل لكم صيد . . . . .
قوله ) أحل لكم صيد البحر ( الخطاب لكل مسلم أو للمحرمين خاصة وصيد البحر ما يصاد فيه والمراد بالبحر هنا كل ماء يوجد فيه صيد بحري وإن كان نهرا أو غديرا قوله ) وطعامه متاعا لكم وللسيارة ( الطعام لكل ما يطعم وقد تقدم وقد اختلف في المراد به هنا فقيل هو ما قذف به البحر وطفا عليه وبه قال كثير من الصحابة والتابعين وقيل طعامه ما ملح منه وبقى وبه قال جماعة وروي عن ابن عباس وقيل طعامه ملحه الذى ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره وبه قال قوم وقيل المراد به ما يطعم من الصيد أي ما يحل أكله وهو السمك فقط وبه قالت الحنفية والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم المأكول منه وهو السمك فيكون التخصيص بعد التعميم وهو تكلف لا وجه له ونصب ) متاعا ( على أنه مصدر أي متعمم به متاعا وقيل مفعول له مختص بالطعام أي أخل لكم طعام البحر متاعا وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير بل إذا كان مفعولا له كان من الجميع أي أحل لكم مصيد البحر وطعامه تمتيعا لكم أي لمن كان مقيما منكم يأكله طريا ) وللسيارة ( أي المسافرين منكم يتزودونه ويجعلونه قديرا وقيل السيارة هم الذين يركبونه خاصة قوله ) وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ( أي حرم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم محرمين وظاهرة تحريم صيده على المحرم ولو كان الصائد حلالا وإليه ذهب الجمهور إن كان حلالا صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله وهو القول الراجح


"""""" صفحة رقم 79 """"""
وبه يجمع بين الأحاديث وقيل إنه يحل له مطلقا وإليه ذهب جماعة وقيل يحرم عليه مطلقا وإليه ذهب آخرون وقد بسطنا هذا في شرحنا للمنتقي قوله ) واتقوا الله الذي إليه تحشرون ( أي اتقوا الله فيما نهاكم عنه الذى إليه تحشرون لا إلى غيره وفيه تشديد ومبالغة في التحذير وقرىء ) وحرم عليكم صيد البر ( بالبناء للفاعل وقرىء ) ما دمتم ( بكسر الدال
المائدة : ( 97 ) جعل الله الكعبة . . . . .
قوله ) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ( جعل هنا بمعنى خلق وسميت الكعبة كعبة لأنها مربعة والتكعيب التربيع وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة وقيل سميت كعبة لنتوئها وبروزها وكل بارز كعب مستديرا كان أو غير مستدير ومنه كعب القدم وكعوب القنا وكعب ثدي المرأة و ) البيت الحرام ( عطف بيان وقيل مفعول ثان ولا وجه له وسمي بيتا لأن له سقوفا وجدرا وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن وسمي حراما لتحريم الله سبحانه إياه وقوله ) قياما للناس ( كذا قرأ الجمهور وقرأ ابن عامر ) قيما ( وهو منصوب على أنه المفعول الثاني إن كان جعل هو المتعدي إلى مفعولين وإن كان بمعنى خلق كما تقدم فهو منتصب على الحال ومعنى كونه قياما أنه مدار لمعاشهم ودينهم أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم يأمن فيه خائفهم وينصر فيه ضعيفهم ويربح فيه تجارهم ويتعبد فيه متعبدهم قوله ) والشهر الحرام ( عطف على الكعبة وهو ذو الحجة وخصه من بين الأشهر الحرم لكونه زمان تأدية الحج وقيل هو اسم جنس والمراد به الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب فإنهم كانوا لا يطلبون فيها دما ولا يقاتلون بها عدوا ولا يهتكون فيها حرمة فكانت من هذه الحيثية قياما للناس ) والهدي والقلائد ( أي وجعل الله الهدى والقلائد قياما للناس والمراد بالقلائد ذوات القلائد من الهدى ولا مانع من أن يراد بالقلائد أنفسها والإشارة بذلك إلى الجعل أي ذلك الجعل ) لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ( أي لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمر السموات والأرض ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما فيهما فكل ما شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم ودفع لما يضركم ) وأن الله بكل شيء عليم ( هذا تعميم بعد التخصيص
المائدة : ( 98 ) اعلموا أن الله . . . . .
ثم أمرهم بأن يعلموا بأن الله لمن انتهك محارمه ولم يتب عن ذلك شديد العقاب وأنه لمن تاب وأناب غفور رحيم
المائدة : ( 99 ) ما على الرسول . . . . .
ثم أخبرهم أن ما على رسوله إلا البلاغ لهم فإن لم يمتثلوا ويطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم وما جنوا إلا عليها وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه وقام بما أمره الله به
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ) ومن قتله منكم متعمدا ( قال إن قتله متعمدا أو ناسيا أو خطأ حكم عليه فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه وفى قوله ) فجزاء مثل ما قتل من النعم ( قال إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فإن قتل أيلا ونحوه فعليه بقرة فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا فإن لم يجد صام عشرين يوما وإن قتل نعامه أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة فإن لم يجد أطعم ستين مسكينا فإن لم يجد صام ثلاثين يوما والطعام مد مد يشبعهم وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الحكم أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد وأخرجا نحوه عن عطاء
وقد روى نحو هذا عن جماعات من السلف من غير فرق بين العامد والخاطيء والناسي وروي عن آخرين اختصاص ذلك بالعامد
وللسلف فى تقدير الجزاء المماثل وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال في بيضة النعام
صيام يوم أو إطعام مسكين وأخرج ابن أبي شيبة عن


"""""" صفحة رقم 80 """"""
عبد الله بن ذكوان عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مثله وأخرج أيضا عن عائشة عنه ( صلى الله عليه وسلم ) نحوه وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال في بيض النعام ثمنه وقد استثنى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من حيوانات الحرم الخمس الفواسق كما ورد ذلك في الأحاديث فإنه يجوز للمجرم أن يقتلها ولا شيء عليه وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله تعالى ) أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ( ما لفظه ميتا فهو طعامه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفا مثله وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر الصديق نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة أن أبا بكر الصديق قال في قوله ) أحل لكم صيد البحر وطعامه ( قال صيد البحر ما تصطاده أيدينا وطعامه مالاثه البحر وفى لفظ طعامه كل ما فيه وفى لفظ طعامه ميتته ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التى ألقاها البحر فأكل الصحابة منها وقررهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على ذلك وحديث هو الطهور ماؤه والحل ميتته
وحديث أحل لكم ميتتان ودمان وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ( قال قياما لدينهم ومعالم حجهم وأخرج ابن جرير عنه قال قيامها أن يأمن من توجه إليها وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال جعل الله الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ( قال حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب وكان الرجل لو لقى قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه وكان الرجل لو لقى الهدى مقلدا وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فحمته ومنعته من الناس وكان إذا نفر تقلد قلادة من الاذخر أو من السمر فتمنعه من الناس حتى يأتى أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم ) قياما للناس ( قال أمنا
سورة المائدة الآية ( 100 104 )


"""""" صفحة رقم 81 """"""
المائدة : ( 100 ) قل لا يستوي . . . . .
قيل المراد بالخبيث والطيب الحرام والحلال وقيل المؤمن والكافر وقيل العاصي والمطيع وقيل الرديء والجيد والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال قوله ) ولو أعجبك كثرة الخبيث ( قيل الخطاب للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا والمراد نفي الاستواء في كل الأحوال ولو في حال كون الخبيث معجبا للرائي للكثرة التي فيه فإن هذه الكثرة مع الخبيث في حكم العدم لأن خبث الشيء يبطل فائدته ويمحق بركته ويذهب بمنفعته والواو إما للحال أو للعطف على مقدر أي لا يستوي الخبيث والطيب لو لم تعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبك كثرة الخبيث كقولك أحسن إلى فلان وإن أساء إليك أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء إليك وجواب لو محذوف أي ولو أعجبك كثرة الخبيث فلا يستويان
المائدة : ( 101 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ( أي لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم فقوله ) إن تبد لكم تسؤكم ( في محل جد صفة لأشياء أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة من كونها إذا بدت لكم أي ظهرت وكلفتم بها ساءتكم نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن السؤال عما لا يعنى ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سببا لإيجابه على السائل وعلى غيره قوله ) وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ( هذه الجملة من جملة صفة أشياء
والمعنى لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن وذلك مع وجود رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين أظهركم ونزول الوحي عليه ) تبد لكم ( أي تظهر لكم بما يجيب عليكم به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو ينزل به الوحي فيكون ذلك سببا للتكاليف الشاقة وإيجاب ما لم يكن واجبا وتحريم ما لم يكن محرما بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال
وقد ظن بعض أهل التفسير أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال مع وجود رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ونزول الوحي عليه فقال إن الشرطية الأولى أفادت عدم جواز السؤال والثانية أفادت جوازه فقال إن المعنى وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه الحاجة تبد لكم بجواب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عنها وجعل الضمير في ) عنها ( راجعا إلى أشياء غير الأشياء المذكورة وجعل ذلك كقوله ) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( وهو آدم ثم قال ) ثم جعلناه نطفة ( أي ابن آدم قوله ) عفا الله عنها ( أي عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك وقيل المعنى إن تلك الأشياء التى سألتم عنها هى مما عفا عنه ولم يوجبه عليكم فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من الله غير لازم وضمير ) عنها ( عائد إلى المسألة الأولى وإلى أشياء على الثاني على أن تكون جملة ) عفا الله عنها ( صفة ثالثة لأشياء والأول أولى لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسئول عنه قد شرعه الله ثم عفا عنه ويمكن أن يقال إن العفو بمعنى الترك أي تركها الله ولم يذكرها بشيء فلا تبحثوا عنها وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل ثم جاء سبحانه بصيغة المبالغة في كونه غفورا حليما ليدل بذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة لكثرة مغفرته وسعة حلمه
المائدة : ( 102 ) قد سألها قوم . . . . .
قوله ) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (


"""""" صفحة رقم 82 """"""
الضمير يرجع إلى المسألة المفهومة من ) لا تسألوا ( لكن ليست هذه المسألة بعينها بل مثلها في كونها مما لا حاجة إليه ولا توجبه الضرورة الدينية ثم لم يعملوا بها بل أصبحوا بها كافرين أي ساترين لها تاركين للعمل بها وذلك كسؤال قوم صالح الناقة وأصحاب عيسى المائدة ولا بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا لأن الأمر الذى تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال عنه فقال ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( وقال ( صلى الله عليه وسلم ) قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال
المائدة : ( 103 ) ما جعل الله . . . . .
قوله ) ما جعل الله من بحيرة ( هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه وجعل ههنا بمعنى سمى كما قال ) إنا جعلناه قرآنا عربيا ( والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة وهي مأخوذة من البحر وهو شق الأذن قال ابن سيده البحيرة هى التى خليت بلا راع قيل هي التى تجعل درها للطواغيت فلا يحتلبها أحد من الناس وجعل شق أذنها علامة لذلك وقال الشافعي كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكرا بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها وقيل إذا نتجت الناقة خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرموا ركوبها ودرها والسائبة الناقة تسبب أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزلة فلا يحبس عن رعى ولا ماء ولا يركبه أحد قال أبو عبيد قال الشاعر وسائبة لله تنمى تشكرا
إن الله عافا عامرا ومجاشعا
وقيل هي التى تسيب لله فلا قيد عليها ولا راعى لها ومنه قول الشاعر عقرتم ناقة كانت لربي
مسيبة فقوموا للعقاب
وقيل هى التى تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر فعند ذلك لا يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف وقيل كانوا يسيبون العبد فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد والوصيلة قيل هى الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى وقيل هى الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وقيل كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركت في الغنم وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها وكان لحمها حراما على النساء إلا أن يموت فيأكلها الرجال والنساء
والحام الفحل الحامي ظهره عن أن يركب وكانوا إذا ركب ولد الفحل قالوا حمى ظهره فلا يركب قال الشاعر حماها أبو قابوس في عز ملكه
كما قد حمى أولاد أولاده الفحل
وقيل هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذبا لا لشرع شرعه الله لهم ولا لعقل دلهم عليه وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها يفعلون هذه الأفاعيل التى هى محض الرقاعة ونفس الحمق
المائدة : ( 104 ) وإذا قيل لهم . . . . .
) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ( وهذه أفعال آبائهم وسننهم التى سنوها لهم وصدق الله سبحانه حيث يقول ) أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ( أي ولو كانوا جهلة ضالين والواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام وقيل للعطف على جملة مقدرة أي أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة وقد صارت هذه المقالة التى قالتها الجاهلية نصب أعين


"""""" صفحة رقم 83 """"""
المقلدة وعصاهم التي يتوكئون عليها إن دعاهم داعي الحق وصرخ لهم صارخ الكتاب والسنة فاحتجاجهم بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله مع مخالفة قوله لكتاب الله أو لسنة رسوله هو كقول هؤلاء وليس الفرق إلا في مجرد العبارة اللفظية لا في المعنى الذى عليه تدور الإفادة والاستفادة اللهم غفرا
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال خطب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خطبة ما سمعت مثلها قط فقال رجل من أبي فقال فلان فنزلت هذه الآية ) لا تسألوا عن أشياء ( وأخرج البخاري وغيره نحوه من حديث ابن عباس وقد بين هذا السائل في روايات أخر أنه عبد الله بن حذافة وأنه قال من أبي قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أبوك حذافة وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطب فقال يا أيها الناس إن الله قد افترض عليكم الحج فقام رجل فقال أكل عام يا رسول الله فسكت عنه فأعادها ثلاث مرات فقال لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وذلك أن هذه الآية أعني ) لا تسألوا عن أشياء ( نزلت في ذلك وقد أخرج عنه نحو هذا ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة الباهلي نحوه وأخرج ابن مردويه عن أبي مسعود نحوه أيضا وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه أيضا وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن علي نحوه وكل هؤلاء صرحوا في أحاديثهم أن الآية نزلت في ذلك وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال فما زالوا يسألون حتى يحرم عليهم وإذا حرم عليهم وقعوا فيه وأخرج ابن المنذر عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ) لا تسألوا عن أشياء ( قال البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن المسيب قال البحيرة التى يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحلمل عليها شيء والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر والحامي فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكرا ونحوه فأكله الرجال دون النساء وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا هذه بحيرة وأما السائبة فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا ولا يجزون لها وبرا ولا يحملون عليها شيئا وأما الوصيلة فالشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا في السابع فإن كان ذكرا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء وإن كانت أنثى استحيوها وإن كان ذكرا أو أنثى في بطن استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا وأما الحام فالفحل


"""""" صفحة رقم 84 """"""
من الأبل إذا ولد لولده قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئا ولا يجزون له وبرا ولا يمنعونه من حمى ولا من حوض يشرب منه وإن كان الحوض لغير صاحبه وأخرج نحوه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي
سورة المائدة الآية ( 105 )
المائدة : ( 105 ) يا أيها الذين . . . . .
أي الزموا أنفسكم أو احفظوها كما تقول عليك زيدا أي الزمه قرىء ) لا يضركم ( بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدل عليه اسم الفعل وقرأ نافع وغيره بالرفع على أنه مستأنف كقول الشاعر فقال رائدهم أرسوا نزاولها
أو علي أن ضم الراء للاتباع وقرئ ) لا يضركم ( بكسر الضاد وقرئ ? لا يضيركم ? والمعنى لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا اهتديتم للحق أنتم في أنفسكم وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد وقد قال الله سبحانه ) إذا اهتديتم ( وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا مضيقا متحتما فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك ) إلى الله مرجعكم ( يوم القيامة ) فينبئكم بما كنتم تعملون ( في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني والضياء في المختارة وغيرهم عن قيس بن أبي حازم قال قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ( وإنكم تضعونها على غير مواضعها وإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب وفى لفظ لابن جرير عنه والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجه وابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعثاني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له كيف تصنع في هذه الآية قال أية آية قلت قوله ) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ( قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم وفى لفظ قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عامر الأشعري أنه كان فيهم أعمى فاحتبس على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم أتاه فقال ما حبسك قال يا رسول الله قرأت هذه الآية ) أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم (


"""""" صفحة رقم 85 """"""
قال فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أين ذهبتم إنما هي لا يضركم من الكفار إذا اهتديتم وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله ) عليكم أنفسكم ( فقال يا أيها الناس إنا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال فلا يقبل منكم فيحنئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عنه في الآية قال مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف فإذا كان كذلك فعليكم أنفسكم وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية إنها لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن رجل قال كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي كعب فقرأ ) عليكم أنفسكم ( فقال إنما تأويلها فى آخر الزمان وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي مازن قال انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة فإذا قوم جلوس فقرأ أحدهم ) عليكم أنفسكم ( فقال أكثرهم لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال كنت في حلقة فيها أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وإني لأصغر القوم فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقلت أليس الله يقول ) عليكم أنفسكم ( فأقبلوا علي بلسان واحد فقالوا تنزع آية من القرآن لا نعرفها ولا ندرى ما تأويلها حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ثم أقبلوا يتحدثون فلما حضر قيامهم قالوا إنك غلام حدث السن وإنك نزعت آية لا ندري ما هي وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بنحو حديث أبي ثعلبة الخشني المتقدم وفى آخره كأجر خمسين رجلا منكم وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال ذكرت هذه الآية عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يجئ تأويلها لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام والروايات في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية ففيه ما يرشد إلى ما قدمناه من الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


"""""" صفحة رقم 86 """"""
سورة المائدة الآية ( 106 108 )
هذه الآيات اصعب ما في القرآن إعرابا
قال مكي هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما قال ابن عطية هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها وذلك بين من كتابه رحمه الله يعني من كتاب مكي قال القرطبي ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا قال السعد في حاشيته على الكشاف واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما
المائدة : ( 106 ) يا أيها الذين . . . . .
قوله ) شهادة بينكم ( أضاف الشهادة إلى البين توسعا لأنها جارية بينهم وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت ما وأضيفت إلى الظرف كقوله تعالى ) بل مكر الليل والنهار ( ومنه قول الشاعر تصافح من لاقيت لي ذا عداوة
صفايا وعني بين عينيك منزوى
أراد ما بين عينيك ومثله قول الآخر ويوما شهدناه سليما وعامرا
أي شهدنا فيه ومنه قوله تعالى ) هذا فراق بيني وبينك ( قيل والشهادة هنا بمعنى الوصية وقيل بمعنى الحضور للوصية وقال ابن جرير الطبري هي هنا بمعنى اليمين فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكما يجب فيه على الشاهد يمين واختار هذا القول القفال وضعف ذلك ابن عطية واختار أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود قوله ) إذا حضر أحدكم الموت ( ظرف للشهادة والمراد إذا حضرت علاماته لأن من مات لا يمكنه الإشهاد وتقديم المفعول للاهتمام ولكمال تمكن الفاعل عند النفس وقوله ) حين الوصية ( ظرف لحضر أو للموت أو بدل من الظرف الأول وقوله ) اثنان ( خبر شهادة علي تقدير محذوف أي شهادة اثنين أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف أي في فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان على تقدير أن يشهد اثنان ذكر الوجهين أبو علي الفارسي قوله ) ذوا عدل منكم ( صفة للاثنان وكذا منكم أي كائنان منكم أي من أقاربكم ) أو آخران ( معطوف على ) اثنان ( و ) من غيركم ( صفة له أي كائنان من الأجانب وقيل إن الضمير في ) منكم ( للمسلمين وفى ) غيركم ( للكفار وهو الأنسب لسياق الآية وبه قال أبو موسى الأشعري وعبد الله ابن عباس وغيرهما فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني ويشهد له السبب للنزول وسيأتي فإذا لم يكن مع الموصى من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما
المائدة : ( 107 ) فإن عثر على . . . . .
) فإن عثر ( بعد ذلك ) على أنهما ( كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل وذهب إلى الأول أعني تفسير ضمير ) منكم ( بالقرابة أو العشيرة وتفسير ) من غيركم ( بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء أن الآية منسوخة واحتجوا بقوله ) ممن ترضون من الشهداء ( وقوله ) وأشهدوا ذوي عدل منكم ( والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول وخالفهم الجمهور فقال الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ وأما قوله تعالى ) ممن ترضون من الشهداء ( وقوله ) وأشهدوا ذوي عدل منكم ( فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض


"""""" صفحة رقم 87 """"""
وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين ولا تعارض بين عام وخاص قوله ) إن أنتم ( هو فاعل فعل محذوف يفسره ضربتم أو مبتدأ وما بعده خبره والأول مذهب الجمهور من النحاة والثاني مذهب الأخفش والكوفيين والضرب في الأرض هو السفر وقوله ) فأصابتكم مصيبة الموت ( معطوف على ما قبله وجوابه محذوف أي إن ضربتم في الأرض فنزل بكم الموت وأردتم الوصية ولم تجدوا شهودا عليها مسلمين ثم ذهبا إلا ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم أن تحبسوهما ويجوز أن يكون استئنافا لجواب سؤال مقدر كأنهم قالوا فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة فقال تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم في شهادتهما
وخص بعد الصلاة أي صلاة العصر قاله الأكثر لكونه الوقت الذى يغضب الله على من حلف فيه فاجرا كما في الحديث الصحيح وقيل لكونه وقت اجتماع الناس وقعود الحكام للحكومة وقيل صلاة الظهر وقيل أي صلاة كانت قال أبو علي الفارسي ) تحبسونهما ( صفة لآخران واعترض بين الصفة والموصوف بقوله ) إن أنتم ضربتم في الأرض ( والمراد بالحبس توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحلفيهما وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما قوله ) فيقسمان بالله ( معطوف على ) تحبسونهما ( أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيان
وقد استدل بذلك ابن أبى ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة في شهادتهما وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو لوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها قوله ) إن ارتبتم ( جواب هذا الشرط محذوف دل عليه ما تقدم كما سبق قوله ) لا نشتري به ثمنا ( جواب القسم والضمير في ) به ( راجع إلى الله تعالى والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر فنحلف به كاذبين لأجل المال الذى ادعيتموه علينا وقيل يعود إلى القسم أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا وقيل يعود إلى الشهادة وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول أي لا نستبدل بشاهدتنا ثمنا قال الكوفيون المعنى ذا ثمن فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهذا مبنى على أن العروض لا تسمى ثمنا وعند الأكبر أنها تسمى ثمنا كما تسمى مبيعا قوله ) ولو كان ذا قربى ( أي ولو كان المقسم له أو المشهود له قريبا فإنا نؤثر الحق والصدق ولا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه أي ولو كان ذا قربى لا نشترى به ثمنا قوله ) ولا نكتم شهادة الله ( معطوف على ) لا نشتري ( داخل معه في حكم القسم وأضاف الشهادة إلى الله سبحانه لكونه الآمر باقامتها والناهي عن كتمها قوله ) فإن عثر على أنهما استحقا إثما ( عثر على كذا اطلع عليه يقال عثرت منه على خيانة أي اطلعت وأعثرت غيري عليه ومنه قوله تعالى ) وكذلك أعثرنا عليهم ( وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء ومنه قول الأعشى بذات لوث عصرناه إذ عثرت
فالتعس أولى لها من أن أقول لعا
والمعنى أنه إذا اطلع بعد التحليف على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا إثما أي استوجبا إثما إما بكذب في الشهادة أو اليمين أو بظهور خيانة قال أبو علي الفارسي الإثم هنا الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه فسمي إثما كما سمى ما يؤخذ بغير حق مظلمة وقال سيبويه المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمى هذا المأخوذ باسم المصدر قوله ) فآخران يقومان مقامهما ( أي فشاهدان آخران أو فحالفان آخران يقومان مقام الذين عثر على أنهما استحقا إثما فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق وليس المراد أنهما يحومان مقامهما في أداء الشهادة التى شهدها المستحقان للإثم قوله ) من الذين استحق عليهم الأوليان ( استحق مبني للمفعول في قراءة


"""""" صفحة رقم 88 """"""
الجمهور وقرأ علي وأبي وابن عباس وحفص على البناء للفاعل و ) الأوليان ( على القراءة الأولى مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما الأوليان كأنه قيل من هما فقيل هما الأوليان وقيل هو بدل من الضمير في يقومان أو من آخران وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والأولين جمع أول على أنه بدل من الذين أو من الهاء والميم في عليهم وقرأ الحسن الأولان والمعنى عل بناء الفعل للمفعول من الذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم فالأوليان تثنية أولى والمعنى على قراءة البناء للفاعل من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين لكونهما الأقربين إلى الميت فالأوليان فاعل استحق ومفعوله أن يجردوهما للقيام بالشهادة وقيل المفعول محذوف والتقدير من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها قوله ) فيقسمان بالله ( عطف على ) يقومان ( أي فيحلفان بالله لشهادتنا أي يميننا فالمراد بالشهادة هنا اليمين كما في قوله تعالى فشهادة احدكم أربع شهادات بالله أي يحلفان لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان أحق من شهادتهما أي من يمينهما على أنهما صادقان أمينان ) وما اعتدينا ( أي تجاوزنا الحق فى يميننا ) إنا إذا لمن الظالمين ( إن كنا حلفنا على باطل
المائدة : ( 108 ) ذلك أدنى أن . . . . .
قوله ) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ( أي ذلك البيان الذي قدمه الله سبحانه في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار أدنى أي أقرب إلى أن يؤدى الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة على وجهها فلا يحرفوا ولا يبدلوا ولا يخونوا وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذى شرعه الله في هذا الموضع من كتابه فالضمير في ) يأتوا ( عائد إلى شهود الوصية من الكفار وقيل إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم والمراد تحذيرهم من الخيانة وأمرهم بان يشهدوا بالحق قوله ) أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ( أي ترد على الورثة فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فيفتضح حينئذ شهود الوصية وهو معطوف على قوله ) أن يأتوا ( فتكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم هي أحد الأمرين إما احتراز شهود الوصية عن الكذب والخيانة فيأتون بالشهادة على وجهها أو يخافوا الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سببا لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة وقيل إن ) يخافوا ( معطوف على مقدر بعد الجملة الأولى والتقدير ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة عل وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة أو يخافوا الافتضاح برد اليمين فأي الخوفين وقع حصل المقصود ) واتقوا الله ( في مخالفة أحكامه ) والله لا يهدي القوم الفاسقين ( الخارجين عن طاعته بأي ذنب ومنه الكذب في اليمين أو الشهادة
وحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز أن من حضرته علامات الموت أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين فإن لم يجد شهودا مسلمين وكان في سفر ووجد كفارا جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته فإن ارتاب بهما ورثة الموصى حلفا بالله على أنهما شهدا بالحق وما كتما من الشهادة شيئا ولا خانا مما تركه الميت شيئا فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه من خلل في الشهادة أو ظهور شيء من تركة الميت زعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل بذلك
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في تاريخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية ) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ( قال برئ الناس منها غيري وغير


"""""" صفحة رقم 89 """"""
عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتيا الشام لتجارتهما وقد م عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرها أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي ابن البداء فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا أو ما دفع إلينا غيره قال تميم فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله ) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ( إلى قوله ) أن ترد أيمان بعد أيمانهم ( فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء وفى إسناده أبو النضر وهو محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير قال الترمذي بركة أهل العلم بالحديث وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم وأخذوا الجام قال وفيهم نزلت ) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ( الآية وفى إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي قال الترمذي قيل إنه صالح الحديث وقد روى ذلك أبو داود من طريقه وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي سبب نزول الآية وذكرها المفسرون في تفاسيرهم وقال القرطبي إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه القصة سبب نزول الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ( الآية قال هذا لمن مات وعنده المسلمون أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين مسلمين ثم قال ) أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ( فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين أمر الله بشهادة رجلين من غير ا لمسلمين فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد ما الصلاة اشتريا بشهادتهما ثمنا قليلا فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما وثم رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة فذلك قوله ) فإن عثر على أنهما استحقا إثما ( يقول إن اطلع على أن الكافرين كذبا ) ذلك أدنى أن ( يأتى الكافران ) بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ( فتترك شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء فليس على شهود المسلمين أقسام إنما الأقسام إذا كانا كافرين وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال هذا رجل خرج مسافرا ومعه مال فأدركه قدره فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإن أدى فسبيل ما أدى وإن جحد استحلف بالله الذى لا إله إلا هو دبر صلاة إن هذا الذى دفع إلي وما غيبت منه شيئا فإذا حلف برئ فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه فذلك الذي يقول الله ) اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ( وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله ) أو آخران من غيركم ( قال من


"""""" صفحة رقم 90 """"""
غير المسلمين من أهل الكتاب وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال هذه الآية منسوخة وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال كان ذلك في رجل توفى وليس عنده أحد من أهل الإسلام وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار إلا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه بالمدينة وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها وأخرج ابن جرير أيضا عن الزهري قال مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر إنما هي في المسلمين وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله ) تحبسونهما من بعد الصلاة ( قال صلاة العصر وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ) لا نشتري به ثمنا ( قال لا نأخذ به رشوة ) ولا نكتم شهادة الله ( وإن كان صاحبها بعيدا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ا لمنذر عن قتادة في قوله ) فإن عثر على أنهما استحقا إثما ( أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ) الأوليان ( قال بالميت وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ( يقول ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم ) أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ( يقول وأن يخافوا العتب وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ) أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ( قال فيبطل أيمانهم ويؤخذ أيمان هؤلاء
سورة المائدة الآية ( 109 111 )
المائدة : ( 109 ) يوم يجمع الله . . . . .
قوله ) يوم يجمع الله الرسل ( العامل في الظرف فعل مقدر أي اسمعوا أو اذكروا أو احذروا وقال الزجاج هو منصوب بقوله ) واتقوا الله ( المذكور في الآية الأولى وقيل بدل من مفعول ) واتقوا ( بدل اشتمال وقيل ظرف لقوله ) لا يهدي ( المذكور قبله وقيل منصوب بفعل مقدر متأخر تقديره ) يوم يجمع الله الرسل ( يكون من الأحوال كذا وكذا قوله ) ماذا أجبتم ( أي أي إجابة أجابتكم به أممكم الذين بعثكم الله إليهم أو أي جواب أجابوكم به وعلى الوجهين تكون ما منصوبة بالفعل المذكور بعدها وتوجيه السؤال إلى الرسل لقصد توبيخ قومهم وجوابهم بقولهم ) لا علم لنا ( مع أنهم عالمون بما أجابوا به عليهم تفويض منهم وإظهار للعجز وعدم القدرة ولا سيما مع علمهم بأن السؤال سؤال توبيخ فإن تفويض الجواب إلى الله أبلغ في حصول ذلك وقيل المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وقيل لا علم لنا بما اشتملت عليه بواطنهم وقيل المعنى لا علم لنا إلا


"""""" صفحة رقم 91 """"""
علم ما أنت أعلم به منا وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر
المائدة : ( 110 ) إذ قال الله . . . . .
قوله ) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ( إذ بدل من يوم يجمع وهو تخصيص بعد التعميم وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطا وتفريطا هذه تجعله إلها وهذه تجعله كاذبا وقيل هو منصوب بتقدير اذكر قوله ) اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ( ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه مع كونه ذاكرا لها عالما بتفضل الله سبحانه بها لقصد تعريف الأمم بما خصهما الله به من الكرامة وميزهما به من علو المقام أو لتأكيد الحجة وتبكيت الجاحد بأن منزلتهما عند الله هذه المنزلة وتوبيخ من اتخذهما إلهين ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله سبحانه وأنهما عبدان من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه ليس لهما من الأمر شيء قوله ) إذ أيدتك بروح القدس ( إذ ظرف للنعمة لأنها بمعنى المصدر أي اذكر إنعامي عليك وقت تأييدي لك أو حال من النعمة أي كائنة ذلك الوقت ) أيدتك ( قويتك مأخوذ من الأيد وهو القوة وفى روح القدس وجهان أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها وقيل إنه جبريل عليه السلام وقيل إنه الكلام الذي يحيى به الأرواح والقدس الطهر وإضافته إليه لكونه سببه وجملة ) تكلم الناس ( مبينة لمعنى التأييد و ) في المهد ( في محل نصب على الحال أي تكلم الناس حال كونك صبيا وكهلا لا يتفاوت كلامك في الحالتين مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما تفاوتا بينا وقوله ) وإذ علمتك الكتاب ( معطوف على ) إذ أيدتك ( أي واذكر نعمتي عليك وقت تعليمي لك الكتاب أي جنس الكتاب أو المراد بالكتاب الخط وعلى الأول يكون ذكر التوراة والإنجيل من عطف الخاص على العام وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما أما التوراة فقد كان يحتج بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال كما هو مصرح بذلك في الإنجيل وأما الإنجيل فلكونه نازلا عليه من عند الله سبحانه والمراد بالحكمة جنس الحكمة وقيل هي الكلام المحكم ) وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ( أي تصور تصويرا مثل صورة الطير ) بإذني ( لك بذلك وتيسيري له ) فتنفخ ( في الهيئة المصورة ) فتكون ( هذه الهيئة طائرا متحركا حيا كسائر الطيور ) وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ( لك وتسهيله عليك وتيسيره لك وقد تقدم تفسير هذا مطولا في البقرة فلا نعيده ) وإذ تخرج الموتى ( من قبورهم فيكون ذلك آية لك عظيمة ) بإذني ( وتكرير بإذني في المواضع الأربعة للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله سبحانه قوله ) وإذ كففت ( معطوف على ) وإذ تخرج ( كففت معناه دفعت وصرفت ) بني إسرائيل عنك ( حين هموا بقتلك ) إذ جئتهم بالبينات ( بالمعجزات الواضحات ) فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ( أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين لما عظم ذلك في صدرهم وانبهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية بل نسبوه إلى السحر
المائدة : ( 111 ) وإذ أوحيت إلى . . . . .
قوله ) وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ( هو معطوف على ما قبله وقد تقدم تفسير ذلك والوحي في كلام العرب معناه الإلهام أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم وقيل معناه أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة رسولي قوله ) قالوا آمنا ( جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا فقال قالوا آمنا ) واشهد بأننا مسلمون ( أي مخلصون للإيمان أي واشهد يارب أو واشهد يا عيسى
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ( فيفزعون فيقولون ) لا علم لنا ( فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول فلما سئلوا


"""""" صفحة رقم 92 """"""
قالوا لا علم لنا ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال قالوا لا علم لنا فرقا يذهل عقولهم ثم يرد الله إليهم عقولهم فيكونون هم الذين يسألون بقول الله ) فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ( وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا كان يوم القيامة يدعى بالأنبياء وأممها ثم يدعى بعيسى فيذكره نعمته عليه فيقر بها فيقول يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك الآية ثم يقول ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فينكر أن يكون قال ذلك فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون نعم هو أمرنا بذلك فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام حتى يوقع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات ( أي بالآيات التى وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والخبر بكثير من الغيوب وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ) وإذ أوحيت إلى الحواريين ( يقول قذفت في قلوبهم وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه
سورة المائدة الآية ( 112 115 )
المائدة : ( 112 ) إذ قال الحواريون . . . . .
قوله ) إذ قال الحواريون ( الظرف منصوب بفعل مقدر أي اذكر أو نحوه كما تقدم قيل والخطاب لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ الكسائي ) هل يستطيع ( بالفوقية ونصب ربك وبه قرأ علي وابن عباس وسعيد ابن جبير ومجاهد وقرأ الباقون بالتحتية ورفع ربك واستشكلت القراءة الثانية بأنه قد وصف سبحانه الحواريين بأنهم قالوا ) آمنا واشهد بأننا مسلمون ( والسؤال عن استطاعته لذلك ينافي ما حكوه عن أنفسهم وأجيب بأن هذا كان في أول معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله ولهذا قال عيسى في الجواب عن هذا الاستفهام الصادر منهم ) اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( أي لا تشكوا في قدرة الله وقيل إنهم ادعوا الإيمان والإسلام دعوى باطلة ويرده أن الحواريين هم خلصاء عيسى وأنصاره كما قال ) من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ( وقيل إن ذلك صدر ممن كان معهم وقيل إنهم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك وإنما هو كقول الرجل هل يستطيع فلان أن يأتي مع علمه بأنه يستطيع ذلك ويقدر عليه فالمعنى هل يفعل ذلك وهل يجيب إليه وقيل إنهم طلبوا الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام ) رب أرني كيف تحيي الموتى (


"""""" صفحة رقم 93 """"""
الآية ويدل على هذا قولهم من بعد ) وتطمئن قلوبنا ( وأما على القراءة الأولى فالمعنى هل تستطيع أن تسأل ربك قال الزجاج المعنى هل تستدعى طاعة ربك فيما تسأله فهو من باب ) واسأل القرية ( والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام من ماده إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليه قاله قطرب وغيره وقيل هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة فأجابهم عيسى عليه السلام بقوله ) اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( أي اتقوه من هذا السؤال وأمثاله إن كنتم صادقين في إيمانكم فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه الصفة وقيل إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبوه
المائدة : ( 113 ) قالوا نريد أن . . . . .
قوله ) قالوا نريد أن نأكل منها ( بينوا به الغرض من سؤالهم نزول المائدة وكذا ما عطف عليه من قولهم ) وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ( والمعنى تطمئن قلوبنا بكمال قدرة الله أو بأنك مرسل إلينا من عنده أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه ونعلم علما يقينا بأنك قد صدقتنا في نبوتك ونكون عليها من الشاهدين عند من لم يحضرها من بني إسرائيل أو من سائر الناس أو من الشاهدين لله بالوحدانية أو من الشاهدين أي الحاضرين دون السامعين
المائدة : ( 114 ) قال عيسى ابن . . . . .
ولما رأي عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قال ) اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ( أي كائنة أو نازلة من السماء وأصل اللهم عند سيبويه وأتباعه يا الله فجعلت الميم بدلا من حرف النداء وربنا نداء ثان وليس بوصف و ) تكون لنا عيدا ( وصف لمائدة وقرأ الأعمش يكون لنا عيدا أي يكون يوم نزولها لنا عيدا وقد كان نزولها يوم الأحد وهو يوم عيد لهم والعيد واحد الأعياد وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد وقيل للفرق بينه وبين أعواد جمع عود ذكر معناه الجوهري وقيل أصله من عاد يعود أي رجع فهو عود بالواو وتقلب ياء لانكسار ما قبلها مثل الميزان والميقات والميعاد فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان لأنهما يعودان في كل سنة وقال الخليل العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه قوله ) لأولنا وآخرنا ( بدل من الضمير في لنا بتكرير العامل أي لمن في عصرنا ولم يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم قوله ) وآية منك ( عطف على عيدا أي دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك وصحة إرسالك من أرسلته ) وارزقنا ( أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة أو ارزقنا رزقا نستعين به على عبادتك ) وأنت خير الرازقين ( بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطى سواك فأجاب الله سبحانه سؤال عيسى عليه السلام فقال
المائدة : ( 115 ) قال الله إني . . . . .
) إني منزلها ( أي المائدة ) عليكم )
هل نزلت المائدة أم لا؟
وقد اختلف أهل العلم هل نزلت عليهم المائدة أم لا فذهب الجمهور إلى الأول وهو الحق لقوله سبحانه ) إني منزلها عليكم ( ووعده الحق وهو لا يخلف الميعاد وقال مجاهد ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله لخلقه نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه وقال الحسن وعدهم بالإجابة فلما قال ) فمن يكفر بعد منكم ( استغفروا الله وقالوا لا نريدها قوله ) فمن يكفر بعد منكم ( أي بعد تنزيلها ) فإني أعذبه عذابا ( أي تعذيبا ) لا أعذبه ( صفة لعذابا والضمير عائد إلى العذاب بمعنى التعذيب أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب ) أحدا من العالمين ( قيل المراد عالمي زمانهم وقيل جميع العالمين وفى هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة قالت كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا ) هل يستطيع ربك ( إنما قالوا هل تستطيع أنت ربك أن تدعوه ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال أقرأني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) هل يستطيع ربك ( بالتاء يعني الفوقية وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها كذلك وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال المائدة الخوان وتطمئن توقن


"""""" صفحة رقم 94 """"""
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ) تكون لنا عيدا ( يقول نتخذ اليوم الذى نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا ) هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ( إلى قوله ) أحدا من العالمين ( فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخافوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير وقد روى موقوفا على عمار قال الترمذي والوقف أصح وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال المائدة سمكة وأريغفة وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عنه قال نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه سمك وخبز يأكلون منه أينما تولوا إذا شاءوا وأخرج ابن جرير نحوه عنه من طريق عكرمة وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون
سورة المائدة الآية ( 116 120 )
المائدة : ( 116 ) وإذ قال الله . . . . .
قوله ) وإذ قال الله ( معطوف على ما قبله في محل نصب بعامله أو بعامل مقدر هنا أي اذكر وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذا القول منه سبحانه هو يوم القيامة والنكتة توبيخ عباد المسيح وأمه من النصارى وقال السدي وقطرب إنه قال له هذا القول عند رفعه إلى السماء لما قالت النصارى فيه ما قالت والأول أولى قيل ) وإذ ( هنا بمعنى إذا كقوله تعالى ) ولو ترى إذ فزعوا ( أي إذا فزعوا وقول أبي النجم ثم جزاك الله عني إذ جزى
جنات عدن في السموات العلى
أي إذا جزى وقول الأسود بن جعفر الأسدي وفى الآن إذ هازلتهن فإنما
يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا


"""""" صفحة رقم 95 """"""
أي إذا هازلتهن تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه وقد قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما سبق وقيل لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادعوا عليه ما لم يقله وقوله ) من دون الله ( متعلق بقوله ) اتخذوني ( على أنه حال أي متجاوزين الحد ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين أي كائنين من دون الله قوله ) سبحانك ( تنزيه له سبحانه أي أنزهك تنزيها ) ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ( أي ما ينبغى لي أن أدعى لنفسي ما ليس من حقها ) إن كنت قلته فقد علمته ( رد ذلك إلى علمه سبحانه وقد علم أنه لم يقله فثبت بذلك عدم القول منه قوله ) تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ( هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك وهذا الكلام من باب المشاكلة كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان وقيل المعنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه وقيل تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد
المائدة : ( 117 ) ما قلت لهم . . . . .
قوله ) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ( هذه جملة مقررة لمضمون ما تقدم أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني ) أن اعبدوا الله ربي وربكم ( هذا تفسير لمعنى ) ما قلت لهم ( أي ما أمرتهم وقيل عطف بيان للمضمر في ) به ( وقيل بدل منه ) وكنت عليهم شهيدا ( أي حفيظا ورقيبا أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك ) ما دمت فيهم ( أي مدة دوامي فيهم ) فلما توفيتني ( قيل هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه وليس بشيء لأن الأخبار قد تظافرت بأنه لم يمت وأنه باق فى السماء على الحياة التى كان عليها فى الدنيا حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء قيل الوفاة فى كتاب الله سبحانه جاءت على ثلاثة أوجه بمعنى الموت ومنه قوله تعالى ) الله يتوفى الأنفس حين موتها ( وبمعنى النوم ومنه قوله تعالى ) وهو الذي يتوفاكم بالليل ( أي ينيمكم وبمعنى الرفع ومنه ) فلما توفيتني ( وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) كنت أنت الرقيب عليهم ( أصل المراقبة المراعاة أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم
المائدة : ( 118 ) إن تعذبهم فإنهم . . . . .
) إن تعذبهم فإنهم عبادك ( تصنع بهم ما شئت وتحكم فيهم بما تريد ) وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( أي القادر على ذلك الحكيم فى أفعاله قيل قاله على وجه الاستعطاف كما يستعطف السيد لعبده ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك وقيل قاله على وجه التسليم لأمر الله والانقياد له ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى العزيز الحكيم
المائدة : ( 119 ) قال الله هذا . . . . .
قوله ) قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ( أي صدقهم في الدنيا وقيل في الآخرة والأول أولى قرأ نافع وابن محيصن ) يوم ( بالنصب وقرأ الباقون بالرفع فوجه النصب أنه ظرف للقول أي قال الله هذا القول يوم ينفع الصادقين ووجه الرفع أنه خبر للمبتدإ هو وما أضيف إليه وقال الكسائي نصب ) يوم ( ها هنا لأنه مضاف إلى الجملة وأنشد على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقلت ألما أصح والشيب وازع
وبه قال الزجاج ولا يجيز البصريون ما قالاه إلا إذا أضيف الظرف إلى فعل ماض وقرأ الأعمش ) هذا يوم ينفع ( بتنوين يوم كما فى قوله ) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ( فكلاهما مقطوع عن الإضافة بالتنوين وقد تقدم تفسير قوله ) لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ( قوله ) رضي الله عنهم ورضوا عنه ( أي رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال ولا تتصوره عقولهم والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم وأعلى منازل الكرامة والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبدا ورضوان الله عنهم والفوز الظفر بالمطلوب على أتم الأحوال
المائدة : ( 120 ) لله ملك السماوات . . . . .
قوله ) لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ( جاء سبحانه بهذه الخاتمة دفعا لما سبق من إثبات من


"""""" صفحة رقم 96 """"""
أثبت إلهية عيسى وأمه وأخبر بأن ملك السموات والأرض له دون عيسى وأمه ودون سائر مخلوقاته وأنه القادر على كل شيء دون غيره وقيل المعنى أن له ملك السموات والأرض يعطي الجنات للمطيعين جعلنا الله منهم
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال تلقى عيسى حجته والله لقاه فى قوله ) وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ( قال أبو هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فلقاه الله سبحانه ) ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ( الآية وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال يقول الله هذا يوم القيامة ألا ترى أنه يقول ) هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ( وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال قال الله ذلك لما رفع عيسى إليه وقالت النصارى ما قالت وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) أن اعبدوا الله ربي وربكم ( قال سيدي وسيدكم وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ) كنت أنت الرقيب عليهم ( قال الحفيظ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ( قال ما كنت فيهم وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ) إن تعذبهم فإنهم عبادك ( يقول عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم ) وإن تغفر لهم ( أي من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال فزالوا عن مقالتهم ووحدوك ) فإنك أنت العزيز الحكيم ( وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه فى قوله ) هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ( يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم
S6
تفسير
سورة الأنعام
حول السورة
قال الثعلبي سورة الأنعام مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة وهي ) وما قدروا الله حق قدره ( إلى آخر ثلاث آيات و ) قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ( إلى آخر ثلاث آيات قال ابن عطية وهي الآيات المحكمات يعني فى هذه السورة وقال القرطبي هي مكية إلا آيتين هما ) وما قدروا الله حق قدره ( نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين وقوله تعالى ) وهو الذي أنشأ جنات معروشات ( نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال أنزلت سورة الأنعام بمكة وأخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عنه قال أنزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة وأخرج ابن مردويه عن أسماء قال نزلت سورة الأنعام على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد نحوه وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نزلت على سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد وهو من طريق إبراهيم بن نائلة شيخ الطبراني عن إسماعيل بن عمرو عن يوسف بن عطية بن عون عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكره وابن مردويه رواه عن الطبراني عن إسماعيل المذكور به وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن أنس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )


"""""" صفحة رقم 97 """"""
نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتقديس والأرض ترتج ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم وأخرج الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم والإسماعيلي في معجمه والبيهقي عن جابر قال لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم قال لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق وأخرج البيهقي وضعفه والخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب قال أنزل القرآن خمسا خمسا ومن حفظه خمسا خمسا لم ينسه إلا سورة الأنعام فإنها نزلت جملة يشيعها من كل سماء سبعون ملكا حتى أدوها إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما قرئت على عليل إلا شفاه الله وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب مرفوعا نحو حديث ابن عمر وأخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس قال سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة فهي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلن بالمدينة ) قل تعالوا أتل ما حرم ( إلى تمام الآيات الثلاث وأخرج الديلمي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا ينادي مناد يا قارئ سورة الأنعام هلم إلى الجنة بحبك إياها وتلاوتها وأخرج ابن المنذر عن أبي جحيفة قال نزلت سورة الأنعام جميعا معها سبعون ألف ملك كلها مكية إلا ) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ( فإنها مدنية
فضائل سورة الأنعام
وأخرج أبو عبيد في فضائله والدارمي في مسنده ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال الأنعام من نواجب القرآن وأخرج محمد بن نصر عن ابن مسعود مثله وأخرج السلفي بسند واه عن ابن عباس مرفوعا من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى ) ويعلم ما تكسبون ( نزل إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم ونزل إليه ملك من فوق سبع سموات ومعه مرزبة من حديد فإن أوحى الشيطان في قلبه شيئا من الشر ضربه ضربة حتى يكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى أنا ربك وأنت عبدي امش في ظلي واشرب من الكوثر واغتسل من السلسبيل وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من صلى الفجر في جماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام وكل الله به سبعين ملكا يسبحون الله ويستغفرون له إلى يوم القيامة وفى فضائل هذه السورة روايات عن جماعة من التابعين مرفوعة وغير مرفوعة قال القرطبي قال العلماء هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضى إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين
سورة الأنعام الآية ( 1 3 )


"""""" صفحة رقم 98 """"""
الأنعام : ( 1 ) الحمد لله الذي . . . . .
بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله للدلالة على أن الحمد كله له ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون وقد تقدم في سورة الفاتحة ما يغنى عن الإعادة له هنا ثم وصف نفسه بأنه الذى خلق السموات والأرض إخبارا عن قدرته الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد فإن من اخترع ذلك وأوجده هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد والخلق يكون بمعنى الاختراع وبمعنى التقدير وقد تقدم تحقيق ذلك وجمع السموات لتعدد طباقها وقدمها على الأرض لتقدمها في الوجود ) والأرض بعد ذلك دحاها ( قوله ) وجعل الظلمات والنور ( معطوف على خلق ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله ) خلق السماوات والأرض ( ثم ذكر خلق الأعراض بقوله ) وجعل الظلمات والنور ( لأن الجواهر لا تستغنى عن الأعراض
واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال جمهور المفسرين المراد بالظلمات سواد الليل وبالنور ضياء النهار وقال الحسن الكفر والإيمان قال ابن عطية وهذا خروج عن الظاهر انتهى والأولى أن يقال إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان ) أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ( وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها قال النحاس جعل هنا بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد وقال القرطبي جعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قال ابن عطية وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجمع والمفرد معطوفا على المفرد وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل ولهذا كان النهار مسلوخا من الليل قوله ) ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( معطوف على الحمد لله أو على خلق السموات والأرض وثم لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السموات والأرض والظلمات والنور فإن هذا يقتضى الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه لا الكفر به واتخاذ شريك له وتقديم المفعول للاهتمام ورعاية الفواصل وحذف المفعول لظهوره أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم ويكون من الكفرة الكفر
الأنعام : ( 2 ) هو الذي خلقكم . . . . .
قوله ) هو الذي خلقكم من طين ( في معناه قولان أحدهما وهو الأشهر وبه قال الجمهور أن المراد آدم عليه السلام وأخرجه مخرج الخطاب للجميع لأنهم ولده ونسله الثاني أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السموات والأرض إتباعا للعالم الأصغر بالعالم الأكبر والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين بالبعث ورد لجحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه قوله ) ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ( جاء بكلمة ) ثم ( لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت
وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين فقيل ) قضى أجلا ( يعنى الموت ) وأجل مسمى عنده ( يعنى القيامة وهو مروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك ومجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم وعطية والسدي وخصيف ومقاتل وغيرهم وقيل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت والثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو قريب من الأول وقيل الأول مدة الدنيا والثاني عمر الإنسان إلى حين موته وهو مروى عن ابن عباس ومجاهد وقيل الأول قبض الأرواح في النوم والثاني قبض الروح عند الموت وقيل الأول ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك والثاني أجل الموت وقيل الأول لمن مضى والثاني


"""""" صفحة رقم 99 """"""
لمن بقى ولمن يأتي وقيل إن الأول الأجل الذى هو محتوم والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه فإن كان برا تقيا وصولا لرحمه زيد في عمره وإن كان قاطعا للرحم لم يزد له ويرشد إلى هذا قوله تعالى ) وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ( وقد صح عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن صلة الرحم تزيد في العمر وورد عنه أن دخول البلاد التى قد فشا بها الطاعون والوباء من أسباب الموت وجاز الابتداء بالنكرة فى قوله ) وأجل مسمى عنده ( لأنها قد تخصصت بالصفة قوله ) ثم أنتم تمترون ( استبعاد لصدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه أي كيف تشكون فى البعث مع مشاهدتكم فى أنفسكم من الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك ويدفعه فإن من خلقكم من طين وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون وخلق لكم هذه الحواس والأطراف ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتا وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجماديه لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت ويرد إليها الأرواح التى فارقتها بقدرته وبديع حكمته
الأنعام : ( 3 ) وهو الله في . . . . .
قوله ) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ( قيل إن فى السموات وفى الأرض متعلق باسم الله باعتبار ما يدل عليه من كونه معبودا ومتصرفا ومالكا أي هو المعبود أو المالك أو المتصرف فى السموات والأرض كما تقول زيد الخليفة فى الشرق والغرب أي حاكم أو متصرف فيهما وقيل المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم فى السموات وفى الأرض فلا تخفى عليه خافية فيكون العامل فيهما ما بعدهما قال النحاس وهذا من أحسن ما قيل فيه وقال ابن جرير هو الله فى السموات ويعلم سركم وجهركم فى الأرض والأول أولى ويكون يعلم سركم وجهركم جملة مقررة لمعنى الجملة الأولى لأن كونه سبحانه فى السماء والأرض يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم وعلمه بما يكسبونه من الخير والشر وجلب النفع ودفع الضرر
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي أن هذه الآية أعني الحمد لله إلى قوله ) ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( نزلت في أهل الكتاب وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه نحوه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال نزلت هذه الآية في الزنادقة قالوا إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئا قبيحا وإنما يخلق النور وكل شيء حسن فأنزلت فيهم هذه الآية وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ) وجعل الظلمات والنور ( قال الكفر والإيمان واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال إن الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي مثله وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال ) يعدلون ( يشركون وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ) ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( قال الآلهة التى عبدوها عدلوها بالله وليس لله عدل ولا ند وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) هو الذي خلقكم من طين ( يعنى آدم ) ثم قضى أجلا ( يعنى أجل الموت ) وأجل مسمى عنده ( أجل الساعة والوقوف عند الله وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عنه فى قوله ) ثم قضى أجلا ( قال أجل الدنيا وفى لفظ أجل موته ) وأجل مسمى عنده ( قال الآخرة لا يعلمه إلا الله وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ) قضى أجلا ( قال هو اليوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة ) وأجل مسمى عنده ( قال هو أجل موت الإنسان


"""""" صفحة رقم 100 """"""
سورة الأنعام الآية ( 4 11 )
الأنعام : ( 4 ) وما تأتيهم من . . . . .
قوله ) وما تأتيهم ( الخ كلام مبتدأ لبيان بعض أسباب كفرهم وتمردهم وهو الإعراض عن آيات الله التى تأتيهم كمعجزات الأنبياء وما يصدر عن قدرة الله الباهرة مما لا يشك من له عقل أنه فعل الله سبحانه والإعراض ترك النظر في الآيات التى يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله و ) من ( في ) من آية ( مزيدة للاستغراق و ) من ( في ) من آيات ( تبعيضية أي وما تأتيهم آية من الآيات التى هى بعض آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين
الأنعام : ( 5 ) فقد كذبوا بالحق . . . . .
والفاء فى ) فقد كذبوا ( جواب شرط مقدر أي إن كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هو أعظم من ذلك وهو الحق ) لما جاءهم ( قيل المراد بالحق هنا القرآن وقيل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ( أي أخبار الشيء الذى كانوا به يستهزءون وهو القرآن أو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عن أن ما عبارة عن ذلك تهويلا للأمر وتعظيما له أي سيعرفون أن هذا الشيء الذى استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء وذلك عند إرسال عذاب الله عليهم كما يقال اصبر فسوف يأتيك الخبر عند إرادة الوعيد والتهديد وفى لفظ الأنباء ما يرشد إلى ذلك فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم
الأنعام : ( 6 ) ألم يروا كم . . . . .
قوله ) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ( كلام مبتدأ لبيان ما تقدمه والهمزة للإنكار و ) كم ( يحتمل أن تكون الاستفهامية وأن تكون الخبرية وهى معلقة لفعل الرؤية عن العمل فيما بعده و ) من قرن ( تمييز والقرن يطلق على أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم أي ألم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار كم أهلكنا من قبلهم من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم وقيل القرن مدة من الزمان وهى ستون عاما أو سبعون أو ثمانون أو مائة على اختلاف الأقوال فيكون ما فى الآية على تقدير مضاف محذوف أي من أهل قرن قوله ) مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ( مكن له فى الأرض جعل له مكانا فيها ومكنه فى الأرض أثبته فيها والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف ذلك وقيل إن هذه الجملة صفة لقرن والأول أولى و ) ما ( في ) ما لم نمكن ( نكرة موصوفة بما بعدها أي مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم والمعنى أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار


"""""" صفحة رقم 101 """"""
وقوة الأبدان وقد أهلكناهم جميعا فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى قوله ) وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ( يريد المطر الكثير عبر عنه بالسماء لأنه ينزل من السماء ومنه قول الشاعر إذا نزل السماء بأرض قوم
والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التى كثرت ولادتها للذكور وميناث التى تلد الإناث يقال در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة وانتصاب ) مدرارا ( على الحال وجريان الأنهار من تحتهم معناه من تحت أشجارهم ومنازلهم أي أن الله وسع عليهم النعم بعد التمكين لهم فى الأرض فكفروها فأهلكم الله بذنوبهم ) وأنشأنا من بعدهم ( أي من بعد إهلاكهم ) قرنا آخرين ( فصاروا بدلا من الهالكين وفى هذا بيان لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء
الأنعام : ( 7 ) ولو نزلنا عليك . . . . .
قوله ) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ( فى هذه الجملة بيان شدة صلابتهم فى الكفر وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتابا مكتوبا فى قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة ) فلمسوه بأيديهم ( حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين حاسة البصر وحاسة اللمس ) لقال الذين كفروا ( منهم ) إن هذا إلا سحر مبين ( ولم يعلموا بما شاهدوا ولمسوا وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بواسطة ملك لا يرونه ولا يحسونه والكتاب مصدر بمعنى الكتابة والقرطاس الصحيفة
الأنعام : ( 8 ) وقالوا لولا أنزل . . . . .
قوله ) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ( هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوته ( صلى الله عليه وسلم ) وكفرهم بها أي قالوا هلا أنزل الله عليك ملكا نراه ويكلمنا أنه نبي حتى نؤمن به ونتبعه كقولهم ) لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( ) ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ( أي لو أنزلنا ملكا على الصفة التى اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم ) لقضي الأمر ( أي لأهلكناهم إذ لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له لأن مثل هذه الآية البينة وهي نزول الملك على تلك الصفة إذ لم يقع الإيمان بعدها فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة ) ثم لا ينظرون ( أي لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له وقيل إن المعنى إن الله سبحانه لو أنزل ملكا مشاهدا لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء بل تزهق أرواحهم عند ذلك فيبطل ما أرسل الله له رسله وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده ) لنبلوهم أيهم أحسن عملا )
الأنعام : ( 9 ) ولو جعلناه ملكا . . . . .
قوله ) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ( أي لو جعلنا الرسول إلى النبي ملكا يشاهدونه ويخاطبونه لجعلنا ذلك الملك رجلا لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التى خلقه الله عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم لأن كل جنس يأنس بجنسه فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر أو الرسول إلى رسوله ملك مشاهدا مخاطبا لنفروا منه ولم يأنسوا به ولداخلهم الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته هذا أقل حال فلا تتم المصلحة من الإرسال وعند أن يجعله الله رجلا أي على صورة رجل من بني آدم ليسكنوا إليه ويأنسوا به سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه قوله ) وللبسنا عليهم ما يلبسون ( أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه قال الزجاج المعنى للبسنا عليهم أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم فأعلم الله عز وجل أنه لو نزل ملكا فى صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون واللبس الخلط يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته وأصله التستر بالثوب ونحوه ثم قال سبحانه مؤنسا لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ومسليا له
الأنعام : ( 10 ) ولقد استهزئ برسل . . . . .
) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون ( يقال حاق الشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا


"""""" صفحة رقم 102 """"""
نزل أي فنزل ما كانوا به يستهزءون وأحاط بهم وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به
الأنعام : ( 11 ) قل سيروا في . . . . .
) قل سيروا في الأرض ( أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين سافروا في الأرض وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبات وكيف كانت عاقبتهم بعد ما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم فيه فهذه ديارهم خاربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم مكفهرة فإذا كانت عاقبتهم هذه العاقبة فأنتم بهم لاحقون وبعد هلاكهم هالكون
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ( يقول ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه وفى قوله ) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ( يقول سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزءوا به من كتاب الله عز وجل وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله ) من قرن ( قال أمة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ( يقول أعطيناهم ما لم نعطكم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ( يقول يتبع بعضها بعضا وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هارون التيمي في الآية قال المطر في إبانه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ( يقول لو أنزلنا من السماء صحفا فيها كتاب ) فلمسوه بأيديهم ( لزادهم ذلك تكذيبا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) فلمسوه بأيديهم ( قال فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلدة وعبدة بن عبد يغوث وأبي بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك فأنزل الله ) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ( الآية وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ( قال ملك في صورة رجل ) ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ( لقامت الساعة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) لقضي الأمر ( يقول لو أنزل الله ملكا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) ولو أنزلنا ملكا ( قال ولو أتاهم ملك في صورته ) لقضي الأمر ( لأهلكناهم ) ثم لا ينظرون ( لا يؤخرون ) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ( يقول لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة ) وللبسنا عليهم ما يلبسون ( يقول لخلطنا عليهم ما يخلطون وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ( قال في صورة رجل في خلق رجل وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ( يقول في صورة آدمي وأخرج ابن جرير عن ابن زيد نحوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) وللبسنا عليهم ( يقول شبهنا عليهم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال مر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيما بلغني بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزءوا به فغاظه ذلك فأنزل الله ) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون (


"""""" صفحة رقم 103 """"""
سورة الأنعام الآية ( 12 21 )
الأنعام : ( 12 ) قل لمن ما . . . . .
قوله ) قل لمن ما في السماوات والأرض ( هذا احتجاج عليهم وتبكيت لهم والمعنى قل لهم هذا القول فإن قالوا فقل لله وإذا ثبت أن له ما في السموات والأرض إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ولكنه كتب على نفسه الرحمة أي وعد بها فضلا منه وتكرما وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده وارتفاع الوسائط دونه وفى الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه رحيم بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة ومن رحمته لهم إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأدلة قوله ) ليجمعنكم إلى يوم القيامة ( اللام جواب قسم محذوف قال الفراء وغيره يجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله ) الرحمة ( ويكون ما بعدها مستأنفا على جهة التبيين فيكون المعنى ) ليجمعنكم ( ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم وقيل المعنى ليجمعنكم في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه وقيل ) إلى ( بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة وقيل يجوز أن يكون موضع ) ليجمعنكم ( النصب على البدل من الرحمة فتكون اللام بمعنى أن والمعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أن يجمعنكم كما قالوا في قوله تعالى ) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ( أي أن يسجنوه وقيل إن جملة ) ليجمعنكم ( مسوقة للترهيب بعد الترغيب وللوعيد بعد الوعد أي إن أمهلكم برحمته فهو مجازيكم بجمعكم ثم معاقبة من يستحق عقوبته من العصاة والضمير في ) لا ريب فيه ( لليوم أو للجمع قوله ) الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ( قال الزجاج إن الموصول مرتفع على الابتداء


"""""" صفحة رقم 104 """"""
وما بعده خبره كما تقول الذي يكرمني فله درهم فالفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وقال الأخفش إن شئت كان ) الذين ( في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في ) ليجمعنكم ( أي ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم وأنكره المبرد وزعم أنه خطأ لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب لا يقال مررت بك زيد ولا مررت بي زيد وقيل يجوز أن يكون ) الذين ( مجرورا على البدل من المكذبين الذين تقدم ذكرهم أو على النعت لهم وقيل إنه منادى وحرف النداء مقدر
الأنعام : ( 13 ) وله ما سكن . . . . .
قوله ) وله ما سكن في الليل والنهار ( أي لله وخص الساكن بالذكر لأن ما يتصف بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة وقيل المعنى ما سكن فيهما أو تحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر وهذا من جملة الاحتجاج على الكفرة
الأنعام : ( 14 ) قل أغير الله . . . . .
قوله ) قل أغير الله أتخذ وليا ( الاستفهام للإنكار قال لهم ذلك لما دعوه إلى عبادة الأصنام ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليا لا لاتخاذ الولي مطلقا دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل والمراد بالولي هنا المعبود أي كيف أتخذ غير الله معبودا و ) فاطر السماوات والأرض ( مجرور على أنه نعت لاسم الله وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ وأجاز الزجاج النصب على المدح وأجاز أبو علي الفارسي نصبه بفعل مضمر كأنه قيل أترك فاطر السموات والأرض قوله ) وهو يطعم ولا يطعم ( قرأ الجمهور بضم الياء وكسر العين في الأول وضمها وفتح العين في الثاني أي يرزق ولا يرزق وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش بفتح الياء في الثاني وفتح العين وقرئ بفتح الياء والعين في الأول وضمها وكسر العين في الثاني على أن الضمير يعود إلى الولي المذكور وخص الإطعام دون غيره من ضروب الإنعام لأن الحاجة إليه أمس قوله ) قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ( أمره سبحانه بعد ما تقدم من اتخاذ غير الله وليا أن يقول لهم إنه مأمور بأن يكون أول من أسلم وجهه لله من قومه وأخلص من أمته وقيل معنى ) أسلم ( استسلم لأمر الله ثم نهاه الله عز وجل أن يكون من المشركين والمعنى أمرت بأن أكون أول من أسلم ونهيت عن الشرك أي يقول لهم هذا
الأنعام : ( 15 ) قل إني أخاف . . . . .
ثم أمره أن يقول ) إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ( أي إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره أو نهيه والخوف توقع المكروه وقيل هو هنا بمعنى العلم أي إني أعلم إن عصيت ربي أن لي عذابا عظيما
الأنعام : ( 16 ) من يصرف عنه . . . . .
قوله ) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ( قرأ أهل المدينة وأهل مكة وابن عامر على البناء للمفعول أي من يصرف عنه العذاب واختار هذه القراءة سيبويه وقرأ الكوفيون على البناء للفاعل وهو اختيار أبي حاتم فيكون الضمير على هذه القراءة لله ومعنى ) يومئذ ( يوم العذاب العظيم ) فقد رحمه ( الله أي نجاه وأنعم عليه وأدخله الجنة والإشارة بذلك إلى الصرف أو إلى الرحمة أي فذلك الصرف أو الرحمة ) الفوز المبين ( أي الظاهر الواضح وقرأ أبي ? من يصرف الله عنه ?
الأنعام : ( 17 ) وإن يمسسك الله . . . . .
قوله ) وإن يمسسك الله بضر ( أي إن ينزل الله بك ضرا من فقر أو مرض ) فلا كاشف له إلا هو ( أي لا قادر على كشفه سواه ) وإن يمسسك بخير ( من رخاء أو عافية ) فهو على كل شيء قدير ( ومن جملة ذلك المس بالشر والخير
الأنعام : ( 18 ) وهو القاهر فوق . . . . .
قوله ) وهو القاهر فوق عباده ( القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صار مقهورا ذليلا ومنه قول الشاعر تمنى حصين أن يسود خزاعة
فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
ومعنى ) فوق عباده ( فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم لا فوقية المكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفى القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد ) وهو الحكيم ( في أمره ) الخبير ( بأفعال عباده
الأنعام : ( 19 ) قل أي شيء . . . . .
قوله ) قل أي شيء أكبر شهادة ( أي مبتدأ وأكبر خبره وشهادة تمييز والشيء يطلق على القديم والحادث والمحال والممكن والمعنى أي شهيد أكبر شهادة فوضع شيء موضع شهيد


"""""" صفحة رقم 105 """"""
وقيل إن ) شيء ( هنا موضوع موضع اسم الله تعالى والمعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم فهو شهيد بيني وبينكم وقيل إن قوله ) الله شهيد بيني وبينكم ( هو الجواب لأنه إذا كان الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شهادة له ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل إنه قد تم الجواب عند قوله ) قل الله ( يعنى الله أكبر شهادة ثم ابتدأ فقال ) شهيد بيني وبينكم ( أي هو شهيد بيني وبينكم قوله ) وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ( أي أوحى الله إلى هذا القرآن الذي تلوته عليكم لأجل أن أنذركم به وأنذر به من بلغ إليه أي كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة وفى هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد كشمولها لمن قد كان موجودا وقت النزول ما لا يحتاج معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه وقرأ أبو نهيك ) وأوحي ( على البناء للفاعل وقرأ ابن عداة على البناء للمفعول قوله ) أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ( الاستفهام للتوبيخ والتقريع على قراءة من قرأ بهمزتين على الأصل أو بقلب الثانية وأما من قرأ على الخبر فقد حقق عليهم شركهم وإنما قال ) آلهة أخرى ( لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كذا قال الفراء ومثله قوله تعالى ) ولله الأسماء الحسنى ( وقال ) فما بال القرون الأولى ( ) قل لا أشهد ( أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام عليه وذلك لكون هذه الشهادة باطلة ومثله ) فإن شهدوا فلا تشهد معهم ( وما في ) مما تشركون ( موصولة أو مصدرية أي من الأصنام التى تجعلونها آلهة أو من إشراككم بالله
الأنعام : ( 20 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . .
قوله ) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ( الكتاب للجنس فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما أي يعرفون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال به جماعة من السلف وإليه ذهب الزجاج وقيل إن الضمير يرجع إلى الكتاب أي يعرفونه معرفة محققة بحيث لا يلتبس عليهم منه شيء و ) كما يعرفون أبناءهم ( بيان لتحقق تلك المعرفة وكمالها وعدم وجود شك فيها فإن معرفة الآباء للأبناء هي البالغة إلى غاية الإتقان إجمالا وتفصيلا قوله ) الذين خسروا أنفسهم ( في محل رفع على الابتدا وخبره ) فهم لا يؤمنون ( ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدإ معنى الشرط وقيل إن الموصول خبر مبتدأ محذوف وقيل هو نعت للموصول الأول وعلى الوجهين الأخيرين يكون ) فهم لا يؤمنون ( معطوفا على جملة ) الذين آتيناهم الكتاب (
والمعنى على الوجه الأول أن الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم وتمردهم لا يؤمنون بما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى الوجهين الأخيرين أن أولئك الذين آتاهم الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق وعدم العمل بالمعرفة التى ثبتت لهم فهم لا يؤمنون
الأنعام : ( 21 ) ومن أظلم ممن . . . . .
قوله ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ( أي اختلق على الله الكذب فقال إن في التوراة أو الإنجيل ما لم يكن فيهما ) أو كذب بآياته ( التى يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة فجمع بين كونه كاذبا على الله ومكذبا بما أمره الله بالإيمان به ومن كان هكذا فلا أحد من عباد الله أظلم منه والضمير في ) إنه لا يفلح الظالمون ( للشأن
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي قال إنا نجد في التوراة أن الله خلق السموات والأرض ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة فبها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها يتباذلون وبها يتزاورون وبها تحن الناقة وبها تنتج البقرة وبها تيعر الشاة وبها تتابع الطير وبها تتابع الحيتان في البحر فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده ورحمته أفضل وأوسع وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن سلمان عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة منها رحمة يتراحم بها الخلق


"""""" صفحة رقم 106 """"""
وتسعة وتسعون ليوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما قضى الله الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي وقد روى من طرق أخرى بنحو هذا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ) وله ما سكن في الليل والنهار ( يقول ما استقر في الليل والنهار وفى قوله ) قل أغير الله أتخذ وليا ( قال أما الولي فالذي تولاه ويقر له بالربوبية وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) فاطر السماوات والأرض ( قال بديع السموات والأرض وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري عنه قال كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعربيان يختصمان فى بئر فقال أحدهما أنا فطرتها يقول أنا ابتدأتها وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ) وهو يطعم ولا يطعم ( قال يرزق ولا يرزق وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ) من يصرف عنه ( قال من يصرف عنه العذاب وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله ) وإن يمسسك بخير ( يقول بعافية وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال جاء النمام بن زيد وقردم بن كعب وبحرى بن عمرو فقالوا يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا إله إلا الله بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو فأنزل الله ) قل أي شيء أكبر شهادة ( الآية وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال أمر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أن يسأل قريشا أي شيء أكبر شهادة ثم أمره أن يخبرهم فيقول الله شهيد بيني وبينكم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ) وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ( يعني أهل مكة ) ومن بلغ ( يعني من بلغه هذا القرآن من الناس فهو له نذير وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال لما نزلت هذه الآية ) وأوحي إلي هذا القرآن ( كتب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب وابن النجار عن ابن عباس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من بلغه القرآن فكأنما شافهته به ثم قرأ وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وفي لفظ من بلغه القرآن حتى تفهمه وتعقله كان كمن عاين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكلمه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله ) وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ( قال العرب ) ومن بلغ ( قال العجم وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال قال النضر وهو من بني عبد الدار إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى فأنزل الله ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ( الآية
سورة الأنعام الآية ( 22 23 )


"""""" صفحة رقم 107 """"""
سورة الأنعام الآية ( 24 30 )
الأنعام : ( 22 ) ويوم نحشرهم جميعا . . . . .
قوله ) ويوم نحشرهم ( قرأ الجمهور بالنون في الفعلين وقرئ بالياء فيهما وناصب الظرف محذوف مقدر متأخرا أي يوم نحشرهم كان كيت وكيت والاستفهام في ) أين شركاؤكم ( للتقريع والتوبيخ للمشركين وأضاف الشركاء إليهم لأنها لم تكن شركاء لله فى الحقيقة بل لما سموها شركاء أضيفت إليهم وهى ما كانوا يعبدونه من دون الله أو يعبدونه مع الله قوله ) الذين كنتم تزعمون ( أي تزعمونها شركاء فحذف المفعولان معا ووجه التوبيخ بهذا الاستفهام أن معبوداتهم غابت عنهم في تلك الحال أو كانت حاضرة ولكن لا ينتفعون بها بوجه من الوجوه فكان وجودها كعدمها
الأنعام : ( 23 ) ثم لم تكن . . . . .
قوله ) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( قال الزجاج تأويل هذه الآية أن الله عز وجل أخبر بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حتى رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فتقول ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى فالمراد بالفتنة على هذا كفرهم أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به وقاتلوا عليه إلا ما وقع منهم من الجحود والحلف على نفيه بقولهم ) والله ربنا ما كنا مشركين ( وقيل المراد بالفتنة هنا جوابهم أي لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبري فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذبا وجملة ) ثم لم تكن فتنتهم ( معطوفة على عامل الظرف المقدر كما مر والاستثناء مفرغ وقرئ فتنتهم بالرفع وبالنصب ويكن وتكن والوجه ظاهر وقرئ ? وما كان فتنتهم ? وقرئ ) ربنا ( بالنصب على النداء
الأنعام : ( 24 ) انظر كيف كذبوا . . . . .
) انظر كيف كذبوا على أنفسهم ( بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك ) وضل عنهم ما كانوا يفترون ( أي زال وذهب افتراؤهم وتلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى الله هذا على أن ما مصدرية وقيل هي موصولة عبارة عن الآلهة أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئا وهذا تعجيب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من حالهم المختلفة ودعواهم المتناقضة وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة لأنها دار لا يجرى فيها غير الصدق فمعنى ) والله ربنا ما كنا مشركين ( نفى شركهم عند أنفسهم وفى اعتقادهم ويؤيد هذا قوله تعالى ) ولا يكتمون الله حديثا )
الأنعام : ( 25 ) ومنهم من يستمع . . . . .
قوله ) ومنهم من يستمع إليك ( هذا كلام مبتدأ لبيان


"""""" صفحة رقم 108 """"""
ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا والضمير عائد إلى الذين أشركوا أي وبعض الذين أشركوا يستمع إليك حين تتلو القرآن ) وجعلنا على قلوبهم أكنة ( أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان كننت الشيء في كنه إذا جعلته فيه وأكننه أخفيته وجملة ) جعلنا على قلوبهم أكنة ( مستأنفة للإخبار بمضمونها أو في محل نصب على الحال أي وقد جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوا القرآن أو لئلا يفقهوه والوقر الصمم يقال وقرت أذنه تقر وقرا أي صمت وقرأ طلحة بن مصرف ) وقرا ( بكسر الواو أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير وهو مقدار ما يطيق أن يحمله وذكر الأكنة والوقر تمثيل لفرط بعدهم عن فهم الحق وسماعه كأن قلوبهم لا تعقل وأسماعهم لا تدرك ) وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ( أي لا يؤمنوا بشيء من الآيات التى يرونها من المعجزات ونحوها لعنادهم وتمردهم قوله ) حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ( حتى هنا هى الابتدائية التى تقع بعدها الجمل وجملة يجادلونك في محل نصب على الحال والمعنى أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم إذا جاءوك مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان بل يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين وقيل حتى هى الجارة وما بعدها في محل جر والمعنى حتى وقت مجيئهم مجادلين يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين وهذا غاية التكذيب ونهاية العناد والأساطير قال الزجاج واحدها أسطار وقال الأخفش أسطورة وقال أبو عبيدة أسطاره وقال النحاس أسطور وقال القشيري اسطير وقيل هو جمع لا واحد له كعباديد وأبابيل والمعنى ما سطره الأولون في الكتب من القصص والأحاديث قال الجوهري الأساطير الأباطيل والترهات
الأنعام : ( 26 ) وهم ينهون عنه . . . . .
قوله ) وهم ينهون عنه وينأون عنه ( أي ينهى المشركون الناس عن الإيمان بالقرآن أو بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ويبعدون هم في أنفسهم عنه وقيل إنها نزلت في أبي طالب فإنه كان ينهى الكفار عن أذية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويبعد هو عن إجابته ) وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ( أي ما يهلكون بما يقع منهم من النهي والنأى إلا أنفسهم بتعريضها لعذاب الله وسخطه والحال أنهم ما يشعرون بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم
الأنعام : ( 27 ) ولو ترى إذ . . . . .
قوله ) ولو ترى إذ وقفوا على النار ( الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من تتأتى منه الرؤية وعبر عن المستقبل يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه كما ذكره علماء المعاني و ) وقفوا ( معناه حبسوا يقال وقفته وقفا ووقف وقوفا وقيل معنى ) وقفوا على النار ( أدخلوها فتكون على بمعنى فى وقيل هى بمعنى الباء أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها ومفعول ترى محذوف وجواب لو محذوف ليذهب السامع كل مذهب والتقدير لو تراهم إذ وقفوا على النار لرأيت منظرا هائلا وحالا فظيعا ) فقالوا يا ليتنا نرد ( أي إلى الدنيا ) ولا نكذب بآيات ربنا ( أي التى جاءنا بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ونكون من المؤمنين ( بها العاملين بما فيها والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني أي تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين برفع الأفعال الثلاثة هي قراءة الكسائي وأهل المدينة وشعبة وابن كثير وأبي عمرو وقرأ حفص وحمزة بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني واختار سيبويه القطع في ) ولا نكذب ( فيكون غير داخل في التمني والتقدير ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب أي لا نكذب رددنا أو لم نرد قال وهو مثل دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله ) وإنهم لكاذبون ( لأن الكذب لا يكون في التمني وقرأ ابن عامر ) ونكون ( بالنصب وأدخل الفعلين الأولين في التمني وقرأ أبي ? ولا نكذب بآيات ربنا أبدا ? وقرأ هو وابن مسعود ? يا ليتنا نرد فلا نكذب ?


"""""" صفحة رقم 109 """"""
بالفاء والنصب والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج وقال أكثر البصريين لا يجوز الجواب إلا بالفاء
الأنعام : ( 28 ) بل بدا لهم . . . . .
قوله ) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ( هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان والتصديق أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد بل هو لسبب آخر
وهو أنه بدا لهم ما كانوا يخفون أي يجحدون من الشرك وعرفوا أنهم هالكون بشركهم فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة وقيل بدا لهم ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم وقيل بدا لهم ما كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى ) وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ( وقال المبرد بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه وهو مثل القول الأول وقيل المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة ) ولو ردوا ( إلى الدنيا حسبما تمنوا ) لعادوا ( لفعل ما نهوا عنه
الأنعام : ( 29 ) وقالوا إن هي . . . . .
من القبائح التي رأسها الشرك كما عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند ) وإنهم لكاذبون ( أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ولو شاهدوا ما شاهدوا وقيل المعنى وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان وقرأ يحيى بن وثاب ) ولو ردوا ( بكسر الراء لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال إلى الراء وجملة ) وإنهم لكاذبون ( معترضة بين المعطوف وهو وقالوا وبين المعطوف عليه وهو لعادوا أي لعادوا إلى ما نهوا عنه ) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ( أي ما هي إلا حياتنا الدنيا ) وما نحن بمبعوثين ( بعد الموت وهذا من شدة تمردهم وعنادهم حيث يقولون هذه المقالة على تقدير أنهم رجوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث
الأنعام : ( 30 ) ولو ترى إذ . . . . .
قوله ) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ( قد تقدم تفسيره فى قوله ولو ترى إذ وقفوا على النار أي حبسوا على ما يكون من أمر ربهم فيهم وقيل على بمعنى عند وجواب لو محذوف أي لشاهدت أمرا عظيما والاستفهام فى ) أليس هذا بالحق ( للتقريع والتوبيخ أي أليس هذا البعث الذي ينكرونه كائنا موجودا وهذا الجزاء الذي يجحدونه حاضرا ) قالوا بلى وربنا ( اعترفوا بما أنكروا وأكدوا اعترافهم بالقسم ) قال فذوقوا العذاب ( الذي تشاهدونه وهو عذاب النار ) بما كنتم تكفرون ( أي بسبب كفركم به أو بكل شيء مما أمرتم بالإيمان به فى دار الدنيا
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) ثم لم تكن فتنتهم ( قال معذرتهم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه ) ثم لم تكن فتنتهم ( قال حجتهم ) إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا فقال الله ) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ( فى القيامة ) ما كانوا يفترون ( يكذبون في الدنيا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله ) والله ربنا ما كنا مشركين ( ثم قال ) ولا يكتمون الله حديثا ( قال بجوارحهم وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ) انظر كيف كذبوا على أنفسهم ( قال باعتذارهم الباطل ) وضل عنهم ما كانوا يفترون ( قال ما كانوا يشركون وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) ومنهم من يستمع إليك ( قال قريش وفى قوله ) وجعلنا على قلوبهم أكنة ( قال كالجعبة للنبل وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ( قال يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا كمثل البهيمة التي لا تسمع النداء ولا تدرى ما يقال لها وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال الغطاء أكن قلوبهم أن يفقهوه والوقر الصمم و ) أساطير الأولين ( أساجيع الأولين وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال أساطير الأولين أحاديث الأولين وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال أساطير الأولين كذب الأولين وباطلهم


"""""" صفحة رقم 110 """"""
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ) وهم ينهون عنه وينأون عنه ( قال نزلت فى أبي طالب كان ينهى المشركين أن يردوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويتباعد عما جاء به وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن القاسم بن مخيمرة نحوه وأخرج ابن جرير عن عطاء نحوه أيضا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال ينهون عنه الناس أن يؤمنوا به وينأون عنه يتباعدون وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عنه قال لا يلقونه ولا يدعون أحدا يأتيه وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية في الآية قال كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال ينهون عن القرآن وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وينأون عنه يتباعدون عنه وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال في الآية قال نزلت في عمومة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ( قال من أعمالهم ) ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ( يقول ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التى كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال أخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال ) ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ( أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا
سورة الأنعام الآية ( 31 36 )
الأنعام : ( 31 ) قد خسر الذين . . . . .
قوله ) قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ( هم الذين تقدم ذكرهم والمراد من تكذيبهم بلقاء الله تكذيبهم بالبعث وقيل تكذيبهم بالجزاء والأول أولى لأنهم الذين قالوا قريبا ) إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( ) حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة (


"""""" صفحة رقم 111 """"""
أي القيامة وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها ومعنى بغتة فجأة يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة قال سيبويه وهى مصدر في موضع الحال قال ولا يجوز أن يقاس عليه فلا يقال جاء فلان سرعة و ) حتى ( غاية للتكذيب لا للخسران فإنه لا غاية له ) قالوا يا حسرتنا ( هذا جواب إذا جاءتهم أوقعوا النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ليدل ذلك على كسرة تحسرهم والمعنى يا حسرتنا احضري فهذا أوانك كذا قال سيبويه في هذا النداء وأمثاله كقولهم يا للعجب ويا للرجل وقيل هو تنبيه للناس على عظم ما يحل بهم من الحسرة كأنهم قالوا يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بنا من الحسرة والحسرة الندم الشديد ) على ما فرطنا فيها ( أي على تفريطنا في الساعة أي في الاعتداد لها والاحتفال بشأنها والتصديق بها ومعنى فرطنا ضيعنا وأصله التقدم يقال فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء ومنه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا فرطكم على الحوض ومنه الفارط أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم ) على ما فرطنا ( أي على ما قدمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد لها وقال ابن جرير والطبري إن الضمير في فرطنا فيها يرجع إلى الصفقة وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة ) قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا ( في صفقتنا وإن لم تذكر في الكلام فهو دال عليها لأن الخسران لا يكون إلى في صفقة وقيل الضمير راجع إلى الحياة أي على ما فرطنا في حياتنا قوله ) وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ( هذه الجملة حالية أي يقولون تلك المقالة والحال أنهم ) يحملون أوزارهم على ظهورهم ( أي ذنوبهم جمع وزر يقال وزر يزر فهو وازر وموزور وأصله من الوزر قال أبو عبيدة يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع احمل وزرك أي ثقلك ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية والمعنى أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها وجعلها محمولة على الظهور تمثيل ) ألا ساء ما يزرون ( أي بئس ما يحملون
الأنعام : ( 32 ) وما الحياة الدنيا . . . . .
قوله ) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ( أي وما متاع الدنيا إلا لعب ولهو على تقدير حذف مضاف أو ما الدنيا من حيث هي إلا لعب ولهو والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم ) ما هي إلا حياتنا الدنيا ( واللعب معروف وكذلك اللهو وكل ما يشغلك فقد ألهاك وقيل أصله الصرف عن الشيء ورد بأن اللهو بمعنى الصرف لامه ياء يقال لهيت عنه ولام اللهو واو يقال لهوت بكذا ) وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ( سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا أي هي خير الذين يتقون الشرك والمعاصي أفلا تعقلون ذلك قرأ ابن عامر ) ولدار الآخرة ( بلام واحدة وبالإضافة وقرأ الجمهور باللام التى للتعريف معها وجعل الآخرة نعتا لها والخبر خير وقرئ تعقلون بالفوقية والتحتية
الأنعام : ( 33 ) قد نعلم إنه . . . . .
قوله ) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ( هذا اللام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عما ناله من النعم والحزن بتكذيب الكفار له ودخول قد للتكثير فإنها قد تأتى لإفادته كما تأتي رب والضمير في ) أنه ( للشأن وقرئ بفتح الياء من يحزنك وضمها وقرئ ) يكذبونك ( مشددا ومخففا واختار أبو عبيد قراءة التخفيف قال النحاس وقد خولف أبو عبيد في هذا ومعنى ) يكذبونك ( على التشديد ينسبونك إلى الكذب ويردون عليك ما قلته ومعنى المخفف أنهم لا يجدونك كذابا يقال أكذبته وجدته كذابا وأبخلته وجدته بخيلا وحكى الكسائى عن العرب أكذبت الرجل أخبرت أنه جاء بالكذب وكذبته أخبرت أنه كاذب وقال الزجاج كذبته إذا قلت له كذبت وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب والمعنى أن تكذيبهم ليس يرجع إليك فإنهم يعترفون لك بالصدق ولكن تكذيبهم راجع إلى ما جئت به ولهذا قال ) ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التوبيخ لهم والإزراء عليهم ووصفهم بالظلم


"""""" صفحة رقم 112 """"""
لبيان أن هذا الذي وقع منهم ظلم بين
الأنعام : ( 34 ) ولقد كذبت رسل . . . . .
قوله ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ( هذا من جملة التسلية لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أي أن هذا الذى وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك فاقتد بهم ولا تحزن واصبر كما صبروا على ما كذبوا به وأوذوا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد و ) لكل أجل كتاب ( ) إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ( ) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ( ) إنهم لهم المنصورون (
) وإن جندنا لهم الغالبون ( ) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ( ) ولا مبدل لكلمات الله ( بل وعده كائن وأنت منصور على المكذبين ظاهر عليهم وقد كان ذلك ولله الحمد ) ولقد جاءك من نبإ المرسلين ( ما جاءك من تجرى قومهم عليهم في الابتداء وتكذيبهم لهم ثم نصرهم عليهم في الانتهاء وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل فيرجعون إليك ويدخلون في الدين الذي تدعوهم إليه طوعا أو كرها
الأنعام : ( 35 ) وإن كان كبر . . . . .
قوله ) وإن كان كبر عليك إعراضهم ( كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يكبر عليه إعراض قومه ويتعاظمه ويحزن له فبين له الله سبحانه أن هذا الذى وقع منهم من توليهم عن الإجابة له والإعراض عما دعا إليه هو كائن لا محالة لما سبق في علم الله عز وجل وليس في استطاعته وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك ثم علق ذلك بما هو محال فقال ) فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ( فتأتيهم بآية منه ) أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ( منها فافعل ولكنك لا تستطيع ذلك فدع الحزن و ) فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ( ) لست عليهم بمصيطر ( والنفق السرب والمنفذ ومنه النافقاء لجحر اليربوع ومنه المنافق وقد تقدم في البقرة ما يغنى عن الإعادة والسلم الدرج الذي يرتقى عليه وهو مذكر لا يؤنث وقال الفراء إنه يؤنث قال الزجاج وهو مشتق من السلامة لأنه يسلك به إلى موضع الأمن وقيل إن الخطاب وإن كان لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فالمراد به أمته لأنها كانت تضيق صدورهم بتمرد الكفرة وتصميمهم على كفرهم ولا يشعرون أن لله سبحانه في ذلك حكمة لا تبلغها العقول ولا تدركها الأفهام فإن الله سبحانه لو جاء لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بآية تضطرهم إلى الإيمان لم يبق للتكليف الذي هو الابتلاء والامتحان معنى ولهذا قال ) ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ( جمع إلجاء وقسر ولكنه لم يشأ ذلك ولله الحكمة البالغة ) فلا تكونن من الجاهلين ( فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل الجهل ولست منهم فدع الأمور مفوضة إلى عالم الغيب والشهادة فهو أعلم بما فيه المصلحة ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التى لو بدا لهم بعضها لكان إيمانهم بها اضطرارا
الأنعام : ( 36 ) إنما يستجيب الذين . . . . .
) إنما يستجيب الذين يسمعون ( أي إنما يستجيب لك إلى ما تدعو إليه الذين يسمعون سماع تفهم بما تقتضيه العقول وتوجبه الأفهام وهؤلاء ليس كذلك بل هو بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يعقلون لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة وفى آذانهم من الوقر ولهذا قال ) والموتى يبعثهم الله ( شبههم بالأموات بجامع أنهم جميعا لا يفهمون الصواب ولا يعقلون الحق أي أن هؤلاء لا يلجئهم الله إلى الإيمان وإن كان قادرا على ذلك كما يقدر على بعثة الموتى للحساب ) ثم إليه يرجعون ( إلى الجزاء فيجازى كلا بما يليق به كما تقتضيه حكمته البالغة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) قالوا يا حسرتنا ( قال الحسرة الندامة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله ) يا حسرتنا ( قال الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة فتلك الحسرة وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ) ألا ساء ما يزرون ( قال ما يعملون


"""""" صفحة رقم 113 """"""
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ) لعب ولهو ( قال كل لعب لهو وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والضياء في المختارة عن علي بن أبي طالب قال قال أبو جهل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله ) فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي يزيد المدني أن أبا جهل قال والله إني لأعلم أنه صادق ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي مسيرة نحو رواية علي بن أبي طالب وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ) ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( قال يعلمون أنك رسول الله ويجحدون وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ) ولقد كذبت رسل من قبلك ( قال يعزى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج مثله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال ) فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ( والنفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية أو تجعل لهم سلما في السماء فتصعد عليه ) فتأتيهم بآية ( أفضل مما أتيناهم به فافعل ) ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ( يقول سبحانه لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) نفقا في الأرض ( قال سربا ) أو سلما في السماء ( قال يعنى الدرج وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ) إنما يستجيب الذين يسمعون ( قال المؤمنون ) والموتى ( قال الكفار وأخرج هؤلاء عن مجاهد مثله
سورة الإنعام الآية ( 37 39 )
الأنعام : ( 37 ) وقالوا لولا نزل . . . . .
هذا كان منهم تعنتا ومكابرة حيث لم يقتدوا بما قد أنزله الله على رسوله من الآيات البينات التى من جملتها القرآن وقد علموا أنهم قد عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله ومرادهم بالآية هنا هي التي تضطرهم إلى الإيمان كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع أو نتق الجبل كما وقع لبني إسرائيل فأمره الله سبحانه أن يجيبهم بأن الله قادر على أن ينزل على رسوله آية تضطرهم إلى الإيمان ولكنه ترك ذلك لتظهر فائدة التكليف الذى هو الابتلاء والامتحان وأيضا لو أنزل آية كما طلبوا لم يمهلهم بعد نزولها بل سيعاجلهم بالعقوبة إذا لم يؤمنوا قال الزجاج طلبوا أن يجمعهم على الهدى يعني جمع إلجاء ) ولكن أكثرهم لا يعلمون ( أن الله قادر على ذلك وأنه تركه لحكمة بالغة لا تبلغها عقولهم
الأنعام : ( 38 ) وما من دابة . . . . .
قوله ) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ( الدابة من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو وقد تقدم بيان ذلك في البقرة ) ولا طائر ( معطوف على ) دابة ( مجرور في قراءة الجمهور وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق ) ولا طائر ( بالرفع عطفا على موضع من دابة على تقدير زيادة من و ) بجناحيه ( لدفع الإيهام لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير كقولهم طرفي حاجتي


"""""" صفحة رقم 114 """"""
أي أسرع وقيل إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ومع عدم الاعتدال يميل فأعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين وقيل ذكر الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه ونحو ذلك والجناح أحد ناحيتي الطير الذى يتمكن به من الطيران في الهواء وأصله الميل إلى ناحية من النواحي والمعنى ما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان من أمكنة الأرض ولا طائر يطير في أي ناحية من نواحيها ) إلا أمم أمثالكم ( أي جماعات مثلكم خلقهم الله كما خلقكم ورزقهم كما رزقكم داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شيء وقيل ? أمثالنا ? في ذكر الله والدلالة عليه وقيل ? أمثالنا ? في كونهم محشورين روى ذلك عن أبي هريرة وقال سفيان بن عيينة أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو كالأسد ومنهم من يشره كالخنزير ومنهم من يعوي كالكلب ومنهم من يزهو كالطاوس وقيل ) أمثالكم ( في أن لها أسماء تعرف بها وقال الزجاج ) أمثالكم ( في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنا ما كان قوله ) ما فرطنا في الكتاب من شيء ( أي ما أغلقنا عنه ولا ضيعنا فيه من شيء والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ فإن الله أثبت فيه جميع الحوادث وقيل إن المراد به القرآن أي ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين إما تفصيلا أو إجمالا ومثله قوله تعالى ) ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( وقال ) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ( ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله ) وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( فأمر من هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز بهذه الآية وبنحو قوله تعالى ) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ( وبقوله ) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ( و ) من ( في ) من شيء ( مزيدة للاستغراق قوله ) ثم إلى ربهم يحشرون ( يعنى الأمم المذكورة وفيه دلالة على أنها تحشر كما يحشر بنو آدم وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء ومنهم أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم وذهب ابن عباس إلي أن حشرها موتها به قال الضحاك والأول أرجح للآية ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ولقول الله تعالى ) وإذا الوحوش حشرت ( وذهبت طائفة من العلماء إلى أن المراد بالحشر المذكور في الآية حشر الكفار وما تخلل كلام معترض قالوا وأما الحديث فالمقصود به التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص واستدلوا أيضا بأن في هذا الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة ولفظه حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء وللحجر لم ركب على الحجر والعود لم خدش العود قالوا والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها
الأنعام : ( 39 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . .
قوله ) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ( أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون بألسنتهم نزلهم منزلة من لا يسمع ولا ينطق لعدم قبولهم لما ينبغى قبوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة وقال أبو علي يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة قوله ) في الظلمات ( أي من ظلمات الكفر والجهل والحيرة لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم والمعنى كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات وضموا إلى الصمم والبكم عدم الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ينتفع بها بحال وقد تقدم في البقرة تحقيق المقام بما يغنى عن الإعادة ثم بين سبحانه أن الأمر بيده ما شاء يفعل من شاء تعالى أن يضله أضله ومن شاء أن يهديه جملة على صراط مستقيم لا يذهب به إلى غير الحق ولا يمشي فيه إلا إلى صوب الاستقامة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله ) إلا أمم أمثالكم (


"""""" صفحة رقم 115 """"""
قال أصنافا مصنفة تعرف بأسمائها وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال الطير أمة والإنس أمة والجن أمة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال خلق أمثالكم وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريح في الآية قال الذرة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ) ما فرطنا في الكتاب من شيء ( يعني ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة نحوه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) ثم إلى ربهم يحشرون ( قال موت البهائم حشرها وفى لفظ قال يعني بالحشر الموت وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال ما من دابة ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن ثم يقال لها كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر ) يا ليتني كنت ترابا ( وإن شئتم فاقرءوا ) وما من دابة في الأرض ( الآية وأخرج ابن جرير عن أبي ذر قال انتطحت شاتان عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال لي يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا قلت لا قال لكن الله يدري وسيقضى بينهما قال أبو ذر ولقد تركنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما يقلب طائر جناحيه في السماء ولا ذكرنا منه علما وأخرجه أيضا أحمد وفى صحيح مسلم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء
سورة الأنعام الآية ( 40 45 )
الأنعام : ( 40 ) قل أرأيتكم إن . . . . .
قوله ) أرأيتكم ( الكاف والميم عند البصرين للخطاب ولا حظ لهما في الإعراب وهو اختيار الزجاج وقال الكسائي والفراء وغيرهما إن الكاف والميم في محل نصب بوقوع الرؤية عليهما والمعنى أرأيتم أنفسكم قال في الكشاف مرجحا للمذهب الأول إنه لا محل للضمير الثاني يعني الكاف من الإعراب لأنك تقول أرأيتك زيدا ما شأنه فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول أرأيت نفسك زيدا ما شأنه وهو خلف من القول انتهى والمعنى أخبروني ) إن أتاكم عذاب الله ( كما أتى غيركم من الأمم ) أو أتتكم الساعة ( أي القيامة ) أغير الله تدعون ( هذا على طريقة التبكيت والتوبيخ أي أتدعون غير الله في هذه الحالة من الأصنام التي تعبدونها أم تدعون الله سبحانه وقوله ) إن كنتم صادقين ( تأكيد لذلك التوبيخ أي أغير الله من الأصنام تدعون إن كنتم صادقين أن أصنامكم تضر وتنفع وأنها آلهة كما تزعمون
الأنعام : ( 41 ) بل إياه تدعون . . . . .
قوله ) بل إياه تدعون ( معطوف على منفى مقدر


"""""" صفحة رقم 116 """"""
أي لا تدعون غيره بل إياه تخصون بالدعاء ) فيكشف ما تدعون إليه ( أي فيكشف عنكم ما تدعونه إلى كشفه إن شاء أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك قوله ) وتنسون ما تشركون ( أي وتنسون عند أن يأتيكم العذاب ما تشركون به تعالى أي ما تجعلونه شريكا له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها ولا ترجون كشف ما بكم منها بل تعرضون عنها إعراض الناس وقال الزجاج يجوز أن يكون المعنى وتتركون ما تشركون
الأنعام : ( 42 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . .
قوله ) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ( كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أي ولقد أرسلنا إلى أمم كائنة من قبلك رسلا فكذبوهم ) فأخذناهم بالبأساء والضراء ( أي البؤس والضر وقيل البأساء المصائب في الأموال والضراء المصائب في الأبدان وبه قال الأكثر ) لعلهم يتضرعون ( أي يدعون الله بضراعة مأخوذ من الضراعة وهي الذل يقال ضرع فهو ضارع ومنه قول الشاعر لبيك يزيد ضارع لخصومة
ومختبط مما تطيح الطوائح
الأنعام : ( 43 ) فلولا إذ جاءهم . . . . .
قوله ) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ( أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لكنهم لم يتضرعوا وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب وذلك تضرع ضروري لم يصدر عن إخلاص فهو غير نافع لصاحبه والأول أولى كما يدل عليه ) ولكن قست قلوبهم ( أي صلبت وغلظت ) وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ( أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي
الأنعام : ( 44 ) فلما نسوا ما . . . . .
قوله ) فلما نسوا ما ذكروا به ( أي تركوا ما ذكروا به أو أعرضوا عما ذكروا به لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به إذ ليس هو من فعلهم وبه قال ابن عباس وابن جريج وأبو علي الفارسي والمعنى أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك ) فتحنا عليهم أبواب كل شيء ( أي لما نسوا ما ذكروا به استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم ) حتى إذا فرحوا بما أوتوا ( من الخير على أنواعه فرح بطر وأشر وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذى هم عليه حقا وصوابا ) أخذناهم بغتة ( أي فجأة وهم غير مترقبين لذلك والبغتة الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليها عند سيبويه قوله ) فإذا هم مبلسون ( المبلس الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال ومن ذلك اشتق اسم إبليس يقال أبلس الرجل إذا سكت وأبلست الناقة إذا لم ترع قال العجاج صاح هل تعرف رسما مكرسا
قال نعم أعرفه وأبلسا
أي تحير لهول ما رأى والمعنى فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح
الأنعام : ( 45 ) فقطع دابر القوم . . . . .
قوله ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا ( الدابر الآخر يقال دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجيء والمعنى أنه قطع آخرهم أي استؤصلوا جميعا حتى آخرهم قال قطرب يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا قال أمية بن أبي الصلت فأهلكوا بعذاب حص دابرهم
فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
ومنه التدبير لأنه أحكام عواقب الأمور قوله ) والحمد لله رب العالمين ( أي على هلاكهم وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين واقطع دابرهم وأبدلهم بالعدل الشامل لهم
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ) فأخذناهم بالبأساء والضراء ( قال خوف السلطان وغلاء السعر وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) فلما نسوا ما ذكروا به ( قال


"""""" صفحة رقم 117 """"""
يعني تركوا ما ذكروا به وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ) فلما نسوا ما ذكروا به ( قال ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ) فتحنا عليهم أبواب كل شيء ( قال رخاء الدنيا ويسرها وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي فى قوله ) حتى إذا فرحوا بما أوتوا ( قال من الرزق ) أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( قال مهلكون متغير حالهم ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا ( يقول فقطع أصل الذين ظلموا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله ) أخذناهم بغتة ( قال أمهلوا عشرين سنة ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع وإلا فهو كلام لا طائل تحته وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال المبلس المجهود المكروب الذى قد نزل به الشر الذي لا يدفعه والمبلس أشد من المستكين وفى قوله ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا ( قال استؤصلوا
سورة الأنعام الآية ( 46 49 )
الأنعام : ( 46 ) قل أرأيتم إن . . . . .
هذا تكرير للتوبيخ لقصد تأكيد الحجة عليهم ووحد السمع لأنه مصدر يدل على الجمع بخلاف البصر ولهذا جمعه والختم الطبع وقد تقدم تحقيقه فى البقرة والمراد أخذ المعاني القائمة بهذه الجوارح أو أخذ الجوارح نفسها والاستفهام في ) من إله غير الله يأتيكم به ( للتوبيخ ) ومن ( مبتدأ و ) إله ( خبره و ) غير الله ( صفة للخبر ووحد الضمير في ) به ( مع أن المرجع متعدد على معنى فمن يأتيكم بذلك المأخوذ أو المذكور وقيل الضمير راجع إلى أحد هذه المذكورات وقيل إن الضمير بمنزلة اسم الإشارة أي يأتيكم بذلك المذكور ثم أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالنظر في تصريف الآيات وعدم قبولهم لها تعجيبا له من ذلك والتصريف المجيء بها على جهات مختلفة تارة إنذار وتارة إعذار وتارة ترغيب وتارة ترهيب وقوله ) ثم هم يصدفون ( عطف على نصرف ومعنى يصدفون يعرضون يقال صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا
الأنعام : ( 47 ) قل أرأيتكم إن . . . . .
قوله ) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله ( أي أخبروني عن ذلك وقد تقدم تفسير البغتة قريبا أنها الفجأة قال الكسائي بغتهم يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجأة أي من دون تقديم مقدمات تدل على العذاب والجهرة أن يأتي العذاب بعد ظهور مقدمات تدل عليه وقيل البغتة إتيان العذاب ليلا والجهرة إتيان العذاب نهارا كما في قوله تعالى ) بياتا أو نهارا ( ) هل يهلك إلا القوم الظالمون ( الاستفهام للتقرير أي ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا القوم الظالمون وقريء ) يهلك ( على البناء للفاعل قال الزجاج معناه هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم انتهى
الأنعام : ( 48 ) وما نرسل المرسلين . . . . .
قوله ) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ( كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل أي مبشرين لمن أطاعهم


"""""" صفحة رقم 118 """"""
بما أعد الله له من الجزاء العظيم ومنذرين لمن عصاهم بما له عند الله من العذاب الوبيل وقيل مبشرين في الدنيا بسعة الرزق وفى الآخرة بالثواب ومنذرين مخوفين بالعقاب وهما حالان مقدرتان أي ما نرسلهم إلا مقدرين تبشيرهم وإنذارهم ) فمن آمن وأصلح ( أي آمن بما جاءت به الرسل ) وأصلح ( حال نفسه بفعل ما يدعونه إليه ) فلا خوف عليهم ( بوجه من الوجوه ) ولا هم يحزنون ( بحال من الأحوال هذا حال من آمن وأصلح
الأنعام : ( 49 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . .
وأما حال المكذبين فهو أنه يمسهم العذاب بسبب فسقهم أي خروجهم عن التصديق والطاعة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ) يصدفون ( قال يعدلون وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) يصدفون ( قال يعرضون وقال في قوله ) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ( قال فجأة آمنين أو جهرة قال وهم ينظرون وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال كل فسق في القرآن فمعناه الكذب
سورة الأنعام الآية ( 50 55 )
الأنعام : ( 50 ) قل لا أقول . . . . .
أمره الله سبحانه بأن يخبرهم لما كثر اقتراحهم عليه وتعنتهم بإنزال الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان أنه لم يكن عنده خزائن الله حتى يأتيهم بما اقترحوه من الآيات والمراد خزائن قدرته التى تشتمل على كل شيء من الأشياء ويقول لهم إنه لا يعلم الغيب حتى يخبرهم به ويعرفهم بما سيكون في مستقبل الدهر ) ولا أقول لكم إني ملك ( حتى تكلفوني من الأفعال الخارقة للعادة ما لا يطيقه البشر وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعنى ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) إن أتبع إلا ما يوحى إلي ( أي ما أتبع إلا ما يوحيه الله إلي وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملا بما يفيده القصر في هذه الآية والمسئلة مدونه في الأصول والأدلة عليها معروفة وقد صح عنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال أوتيت القرآن ومثله معه


"""""" صفحة رقم 119 """"""
) قل هل يستوي الأعمى والبصير ( هذا الاستفهام للإنكار والمراد أنه لا يستوي الضال والمهتدي أو المسلم والكافر أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم يتبعه والكلام تمثيل ) أفلا تتفكرون ( في ذلك حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما فإنه بين لا يلتبس على من له أدنى عقل وأقل تفكر
الأنعام : ( 51 ) وأنذر به الذين . . . . .
قوله ) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ( الإنذار الإعلام والضمير فى به راجع إلى ما يوحى وقيل إلى الله وقيل إلى اليوم الآخر وخص الذين يخافون أن يحشروا لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له فإنه لا يؤثر فيه ذلك قيل ومعنى يخافون يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين وقيل معنى الخوف على حقيقته والمعنى أنه ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يذكره وإن لم يكن مصدقا به في الأصل لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإن من كان كذلك تكون الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع قوله ) ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ( الجملة في محل نصب على الحال أي أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم ولا شفيع يشفع لهم من دون الله وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن أباءهم يشفعون لهم وهم أهل الكتاب أو أن أصنامهم تشفع لهم وهم المشركون
الأنعام : ( 52 ) ولا تطرد الذين . . . . .
قوله ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ( الدعاء العبادة مطلقا وقيل المحافظة على صلاة الجماعة وقيل الذكر وقراءة القرآن وقيل المراد الدعاء لله بجلب النفع ودفع الضرر قيل والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام على ذلك والاستمرار وقيل هو على ظاهره و ) يريدون وجهه ( في محل نصب على الحال والمعنى أنهم مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره قوله ) ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ( هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله ) وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ( وطعن عندك في دينهم وحسبهم فكيف وقد زكاهم الله عز وجل بالعبادة والإخلاص وهذا هو مثل قوله تعالى ) ولا تزر وازرة وزر أخرى ( وقوله ) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( وقوله ) إن حسابهم إلا على ربي ( قوله ) فتطردهم ( جواب النفي في قوله ) ما عليك من حسابهم من شيء ( وهو من تمام الاعتراض أي إذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل ومن في ) ما عليك من حسابهم من شيء ( للتبعيض والثانية للتوكيد وكذا في ) وما من حسابك عليهم من شيء ( قوله ) فتكون من الظالمين ( جواب للنهي أعني ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم ( أي فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين وحاشاه عن وقوع ذلك وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره ( صلى الله عليه وسلم ) من أهل الإسلام كقوله تعالى ) لئن أشركت ليحبطن عملك ( وقيل إن ) فتكون من الظالمين ( معطوف على ) فتطردهم ( على طريق التسبب والأول أولى
الأنعام : ( 53 ) وكذلك فتنا بعضهم . . . . .
قوله ) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ( أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض الناس ببعض والفتنة الاختبار أي عاملناهم معاملة المختبرين واللام في ) ليقولوا ( للعاقبة أي ليقول البعض الأول مشيرين إلى البعض الثاني ) أهؤلاء ( الذين ) من الله عليهم من بيننا ( أي أكرمهم بإصابة الحق دوننا قال النحاس وهذا من المشكل لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول وهو إن كان على طريقة الإنكار كفر وأجاب بجوابين


"""""" صفحة رقم 120 """"""
الأول أن ذلك واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الإنكار والثاني أنهم لما اختبروا بهذا كان عاقبته هذا القول منهم كقوله ) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ( قوله ) أليس الله بأعلم بالشاكرين ( هذا الاستفهام للتقرير والمعنى أن مرجع الاستحقاق لنعم الله سبحانه هو الشكر وهو أعلم بالشاكرين له فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل
الأنعام : ( 54 ) وإذا جاءك الذين . . . . .
قوله ) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ( هم الذين نهاه الله عن طردهم وهم المستضعفون من المؤمنين كما سيأتي بيانه ) فقل سلام عليكم ( أمره الله بأن يقول لهم هذا القول تطييبا لخواطرهم وإكراما لهم والسلام والسلامة بمعنى واحد فمعنى سلام عليكم سلمكم الله وقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد نزول هذه الآية إذا رآهم بدأهم بالسلام وقيل إن هذا السلام هو من جهة الله أي أبلغهم منا السلام قوله ) كتب ربكم على نفسه الرحمة ( أي أوجب ذلك إيجاب فضل وإحسان وقيل كتب ذلك في اللوح المحفوظ قيل هذا من جملة ما أمره الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك الذين أمره بإبلاغ السلام إليهم تبشيرا بسعة مغفرة الله وعظيم رحمته قوله ) أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ( قرأ ابن عامر وعاصم ونافع بفتح أن من أنه وقرأ الباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى تكون هذه الجملة بدلا من الرحمة أي كتب ربكم على نفسه أنه من عمل إلى آخره وعلى القراءة الثانية تكون هذه الجملة مفسرة للرحمة بطريق الاستئناف وموضع بجهالة النصب على الحال أي عمله وهو جاهل قيل والمعنى أنه فعل فعل الجاهلين لأن من عمل ما يؤدى إلى الضرر في العاقبة مع علمه بذلك أو ظنه فقد فعل فعل أهل الجهل والسفه لا فعل أهل الحكمة والتدبير وقيل المعنى أنه عمل ذلك وهو جاهل لما يتعلق به من المضرة فتكون فائدة التقييد بالجهالة الإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر قوله ) ثم تاب من بعده ( أي من بعد عمله ) وأصلح ( ما أفسده بالمعصية فراجع الصواب وعمل الطاعة ) فأنه غفور رحيم ( قرأ ابن عامر وعاصم بفتح الهمزة من ) فإنه ( وقرأ الباقون بالكسر فعلى القراءة الأولى تكون أن وما بعدها خبر مبتدأ محذوف أي فأمره أن الله غفور رحيم وهذا اختيار سيبويه واختار أبو حاتم أن الجملة في محل رفع على الابتداء والخبر مضمر كأنه قيل فله ) فأنه غفور رحيم ( قال لأن المبتدأ هو ما بعد الفاء وأما على القراءة الثانية فالجملة مستأنفة
الأنعام : ( 55 ) وكذلك نفصل الآيات . . . . .
قوله ) وكذلك نفصل الآيات ( أي مثل ذلك التفصيل نفصلها والتفصيل التبيين والمعنى أن الله فصل لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين وبين لهم حكم كل طائفة قوله ) ولتستبين سبيل المجرمين ( قال الكوفيون هو معطوف على مقدر أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين قال النحاس وهذا الحذف لا يحتاج إليه وقيل إن دخول الواو للعطف على المعنى قرئ ? لتستبين ? بالفوقية والتحتية فالخطاب على الفوقية للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أي لتستبين يا محمد سبيل المجرمين وسبيل منصوب على قراءة نافع وأما على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحفص بالرفع فالفعل مسند إلى سبيل وأما عل التحتية فالفعل مسند إلى سبيل أيضا وهى قراءة حمزة والكسائي وشعبة بالرفع وإذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) قل هل يستوي الأعمى والبصير ( قال الأعمى الكافر الذى عمى عن حق الله وأمره ونعمه عليه والبصير العبد المؤمن الذى أبصر بصرا نافعا فوحد الله وحده وعمل بطاعة ربه وانتفع بما أتاه الله وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال مر الملأ من قريش على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين


"""""" صفحة رقم 121 """"""
فقالوا يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ) أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ( أنحن نكون تبعا لهؤلاء اطردهم عنا فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله فيهم القرآن ) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ( إلى قوله ) والله عليم بالظالمين ( وقد أخرج هذا السبب مطولا ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وفيه إن الذين جاءوا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن خباب قال جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فذكر نحو حديث عبد الله بن مسعود مطولا قال ابن كثير هذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال لقد نزلت هذه الآية في ستة أنا وعبد الله بن مسعود وبلال ورجل من هذيل ورجلان لست أسميهما فقال المشركين للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا فوقع في نفس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ( وقد روى في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) بالغداة والعشي ( قال يعنى الصلاة المكتوبة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال الصلاة المكتوبة الصبح والعصر وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في الآية قال هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان أي أهل الفقه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ( يعنى أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء فقال الأغنياء للفقراء ) أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ( يعني أهؤلاء هداهم الله وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية وأخرج ابن المنذر عن ابن جريح ) أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ( أي لو كان لهم كرامة على الله ما أصابهم هذا الجهد وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال أتى قوم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما فما رد عليهم شيئا فانصرفوا فأنزل الله ) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ( الآية فدعاهم فقرأها عليهم وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال أخبرت أن قوله ) سلام عليكم ( كانوا إذا دخلوا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بدأهم بالسلام فقال ) سلام عليكم ( وإذا لقيهم فكذلك أيضا
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله ) وكذلك نفصل الآيات ( قال نبين الآيات وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ) ولتستبين سبيل المجرمين ( قال الذين يأمرونك بطرد هؤلاء
سورة الأنعام الآية ( 56 58 )


"""""" صفحة رقم 122 """"""
سورة الأنعام الآية ( 59 )
الأنعام : ( 56 ) قل إني نهيت . . . . .
قوله ) قل إني نهيت ( أمره الله سبحانه أن يعود إلى مخاطبة الكفار ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه من دون الله أي نهاه الله عن ذلك وصرفه وزجره ثم أمره سبحانه بأن يقول لهم ) لا أتبع أهواءكم ( أي لا أسلك المسلك الذى سلكتموه في دينكم من اتباع الأهواء والمشى على ما توجبه المقاصد الفاسدة التى يتسبب عنها الوقوع في الضلال قوله ) قد ضللت إذا ( أي اتبعت أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم وطرد من أردتم طرده ) وما أنا من المهتدين ( إن فعلت ذلك وهذه الجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها والمجيء بها اسمية عقب تلك الفعلية للدلالة على الدوام والثبات وقرىء ) ضللت ( بفتح اللام وكسرها وهما لغتان قال أبو عمرو ضللت بكسر اللام لغة تميم وهى قراءة ابن وثاب وطلحة بن مصرف والأولى هى الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز وهى قراءة الجمهور قال الجوهري والضلال والضلالة ضد الرشاد وقد ضللت أضل
قال الله تعالى ) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ( قال فهذه يعني المفتوحة لغة نجد وهى الفصيحة وأهل العالية يقول ضللت بالكسر أضل انتهى
الأنعام : ( 57 ) قل إني على . . . . .
قوله ) قل إني على بينة من ربي ( البينة الحجة والبرهان أي إني على برهان من ربي ويقين لا على هوى وشك أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه هو عن حجة برهانية يقينية لا كما هم عليه من اتباع الشبه الداحضة والشكوك الفاسدة التى لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة قوله ) وكذبتم به ( أي بالرب أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة والتذكير للضمير باعتبار المعنى وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد أي والحال أن قد كذبتم به أو جملة مستأنفة مبينة لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من الحجج الواضحة والبراهين البينة قوله ) ما عندي ما تستعجلون به ( أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلونه من العذاب فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قوله ) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ( وقولهم ) اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ( وقولهم ) متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ( وقيل ) ما عندي ما تستعجلون به ( من الآيات التى تقترحونها علي قوله ) إن الحكم إلا لله ( أي ما الحكم في كل شيء إلا لله سبحانه ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة والمراد الحكم الفاصل بين الحق والباطل قوله ) يقص الحق ( قرأ نافع وابن كثير وعاصم ) يقص ( بالقاف والصاد المهملة وقرأ الباقون ) يقضي ( بالضاد المعجمة والياء وكذا قرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب وهو مكتوب في المصحف بغير ياء فعلى القراءة الأولى هو من القصص أي يقص القصص الحق أو من قص أثره أي يتبع الحق فيما يحكم به وعلى القراءة الثانية هو من القضاء أي يقضى القضاء بين عباده والحق منتصب على المفعولية أو على أنه صفة لمصدر محذوف أي يقضى القضاء الحق أو يقص القصص الحق ) وهو خير الفاصلين ( أي بين الحق والباطل بما يقتضى به بين عباده ويفصله لهم في كتابه
الأنعام : ( 58 ) قل لو أن . . . . .
ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم ) لو أن عندي ما تستعجلون به ( أي ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدورا لي وفى وسعي ) لقضي الأمر بيني وبينكم ( أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه بكم بسؤالي له وطلبي ذلك أو المعنى لو كان العذاب الذى تطلبونه وتستعجلون به عندي وفى قبضتي لأنزلته بكم وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم ) والله أعلم بالظالمين ( وبالوقت الذى ينزل فيه عذابهم وبما تقتضيه


"""""" صفحة رقم 123 """"""
مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم
الأنعام : ( 59 ) وعنده مفاتح الغيب . . . . .
قوله ) وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ( المفاتح جمع مفتح بالفتح وهو المخزن أي عنده مخازن الغيب جعل للأمور الغيبية مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة أو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما فى المخازن منها على طريق الاستعارة أيضا ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميفع ) وعنده مفاتح الغيب ( فإن المفاتيح جمع مفتاح والمعنى إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب أو المفاتح التى يتوصل بها إلى المخازن وقوله ) لا يعلمها إلا هو ( جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التى استأثر الله بعلمها ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجا أوليا وفى هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق ( صلى الله عليه وسلم ) من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد قوله ) ويعلم ما في البر والبحر ( خصهما بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علما مفصلا لا يخفى عليه منه شيء أو خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما ) وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ( أي من ورق الشجر وهو تخصيص بعد التعميم أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم قال ابن عطية وهذا قول جار على طريقة الرموز ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغى أن يلتفت إليه ) ولا حبة ( كائنة ) في ظلمات الأرض ( أي في الأمكنة المظلمة وقيل في بطن الأرض ) ولا رطب ولا يابس ( بالخفض عطفا على حبة وهى معطوفة على ورقة وقرأ ابن السميفع والحسن وغيرهما بالرفع عطفا على موضع من ورقة وقد شمل وصف الرطوبة واليبوسة جميع الموجودات قوله ) إلا في كتاب مبين ( هو اللوح المحفوظ فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من ) إلا يعلمها ( وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله ) قل إني على بينة من ربي ( قال على ثقة وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله ) لقضي الأمر بيني وبينكم ( قال لقامت الساعة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ) وعنده مفاتح الغيب ( قال يقول خزائن الغيب وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ) وعنده مفاتح الغيب ( قال هن خمس ) إن الله عنده علم الساعة ( إلى قوله ) عليم خبير ( وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ) وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ( قال ما من شجرة من بر ولا بحر إلا وبها ملك يكتب ما يسقط من ورقها وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد نحوه وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحادة في قوله ) وما تسقط من ورقة ( قال لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده فذلك قوله ) وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ( وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله


"""""" صفحة رقم 124 """"""
( صلى الله عليه وسلم ) قال ما من زرع على الأرض ولا ثمار على أشجار إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلان فذلك قوله تعالى ) وما تسقط من ( الآية وقد رواه يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فذكره وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية ) ولا رطب ولا يابس ( فقال الرطب واليابس من كل شيء
سورة الأنعام الآية ( 60 62 )
الأنعام : ( 60 ) وهو الذي يتوفاكم . . . . .
قوله ) يتوفاكم بالليل ( أي ينيمكم فيقبض فيه نفوسكم التى بها تميزون وليس ذلك موتا حقيقة فهو مثل قوله ) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ( والتوفى استيفاء الشيء وتوفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته أجمع قال الشاعر إن بنى الأدرم ليسوا من أحد
ولا توفاهم قريش في العدد
قيل الروح إذا خرجت من البدن في ا لمنام بقيت فيه الحياة وقيل لا تخرج منه الروح بل الذهن فقط والأولى أن هذا أمر لا يعرفه إلا الله سبحانه قوله ) ويعلم ما جرحتم بالنهار ( أي كسبتم بجوارحكم من الخير والشر قوله ) ثم يبعثكم فيه ( أي فى النهار يعني اليقظة وقيل يبعثكم من القبور فيه أي فى شأن ذلك الذي قطعتم فيه أعماركم من النوم بالليل والكسب بالنهار وقيل فى الكلام تقديم وتأخير والتقدير هو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه وقيل ثم يبعثكم فيه أي فى المنام ومعنى الآية أن إمهاله تعالى للكفار ليس للغفلة عن كفرهم فإنه عالم بذلك ولكن ) ليقضى أجل مسمى ( أي معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق ) ثم إليه مرجعكم ( أي رجوعكم بعد الموت ) ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ( فيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
الأنعام : ( 61 ) وهو القاهر فوق . . . . .
قوله ) وهو القاهر فوق عباده ( المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية وقد تقدم بيانه في أول السورة قوله ) ويرسل عليكم حفظة ( أي ملائكة جعلهم الله حافظين لكم ومنه قوله ) وإن عليكم لحافظين ( والمعنى أنه يرسل عليكم من يحفظكم من الآفات ويحفظ أعمالكم والحفظة جمع حافظ مثل كتبة جمع كاتب ) وعليكم ( متعلق بيرسل لما فيه من معنى الاستيلاء وتقديمه على حفظة ليفيد العناية بشأنه وأنه أمر حقيق بذلك وقيل هو متعلق بحفظة قوله ) حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ( حتى يحتمل أن تكون هى الغائية أي ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما أمروا بحفظه مما يتعلق بكم ) حتى إذا جاء أحدكم الموت ( ويحتمل أن تكون الابتدائية والمراد بمجىء الموت مجيء علاماته وقرأ حمزة ) توفته رسلنا ( وقرأ الأعمش ? تتوفاه ? والرسل هم أعوان ملك الموت ومعنى توفته استوفت روحه ) لا يفرطون ( أي لا يقصرون ويضيعون وأصله من التقدم وقال أبو عبيدة لا يتوانون وقرأ عبيد بن عمير ) لا يفرطون ( بالتخفيف أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة
الأنعام : ( 62 ) ثم ردوا إلى . . . . .
قوله ) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ( معطوف على توفته والضمير راجع إلى أحد لأنه فى معنى الكل


"""""" صفحة رقم 125 """"""
مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة أي ردوا بعد الحشر إلى الله أي إلى حكمه وجزائه ) مولاهم ( مالكهم الذى يلي أمورهم ) الحق ( قرأ الجمهور بالجر صفة لاسم الله وقرأ الحسن ) الحق ( بالنصب على إضمار فعل أي أعني أو أمدح أو على المصدر ) وهو أسرع الحاسبين ( لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الكفر والروية والتدبر
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذ نفسه فإذا أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا ردها إليه فذلك قوله تعالى ) يتوفاكم بالليل ( وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال ما من ليلة إلا والله يقبض الأرواح كلها فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار ثم يدعو ملك الموت فيقول اقبض روح هذا وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في كتاب حياة الإنسان قائل يقول ثلاثا وقائل يقول خمسا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال أما وفاته إياهم بالليل فمنامهم وأما ) جرحتم بالنهار ( فيقول ما اكتسبتم بالنهار ) ثم يبعثكم فيه ( قال في النهار ) ليقضى أجل مسمى ( وهو الموت وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) ويعلم ما جرحتم ( قال ما كسبتم من الإثم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي فى قوله ) ويرسل عليكم حفظة ( قال هم المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس فى الآية قال أعوان ملك الموت من الملائكة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه فى قوله ) وهم لا يفرطون ( يقول لا يضيعون
سورة الأنعام الآية ( 63 65 )
الأنعام : ( 63 ) قل من ينجيكم . . . . .
قيل المراد بظلمات البر والبحر شدائدهما قال النحاس والعرب تقول يوم مظلم إذا كان شديدا فإذا عظمت ذلك قالت يوم ذو كوكب أي يحتاجون فيه لشدة ظلمته إلى كوكب وأنشد سيبويه بني أسد هل تعلمون بلاءنا
إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا
والاستفهام للتقريع والتوبيخ أي من ينجيكم من شدائدهما العظيمة قرأ أبو بكر عن عاصم ? خفية ? بكسر الخاء وقرأ الباقون بضمها وهما لغتان وقرأ الأعمش ) وخيفة ( من الخوف وجملة ) تدعونه ( في محل نصب على الحال أي من ينجيكم من ذلك حال دعائكم له دعاء تضرع وخفية أو متضرعين ومخفين والمراد بالتضرع هنا دعاء الجهر قوله ) لئن أنجيتنا ( كذا قرأ أهل المدينة وأهل الشام وقرأ الكوفيون ) لئن أنجانا ( والجملة فى محل نصب على تقدير القول أي قائلين لئن أنجيتنا من هذه الشدة التى نزلت بنا وهى الظلمات المذكورة ) لنكونن من الشاكرين (


"""""" صفحة رقم 126 """"""
لك على ما أنعمت به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد
الأنعام : ( 64 ) قل الله ينجيكم . . . . .
قوله ) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ( قرأ الكوفيون وهشام ) ينجيكم ( بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف وقراءة التشديد تفيد التكثير وقيل معناهما واحد والضمير فى ) منها ( راجع إلى الظلمات والكرب الغم يأخذ بالنفس ومنه رجل مكروب قال عنترة ومكروب كشفت الكرب عنه
بطعنة فيصل لما دعاني
اه ) ثم أنتم تشركون ( بالله سبحانه بعد أن أحسن إليك بالخلوص من الشدائد وذهاب الكروب شركاء لا ينفعونكم ولا يضرونكم ولا يقدرون على تخليصكم من كل ما ينزل بكم فكيف وضعتم هذا الشرك موضع ما وعدتم به من أنفسكم من الشكر
الأنعام : ( 65 ) قل هو القادر . . . . .
ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم ) هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ( أي الذى قدر على إنجائكم من تلك الشدائد ودفع عنكم تلك الكروب قادر على أن يعيدكم في شدة ومحنة وكرب يبعث عذابه عليكم من كل جانب فالعذاب المبعوث من جهة الفوق ما ينزل من السماء من المطر والصواعق والمبعوث من تحت الأرجل الخسف والزلازل والغرق وقيل ) من فوقكم ( يعني الأمراء الظلمة ) من تحت أرجلكم ( يعني السفلة وعبيد السوء قوله ) أو يلبسكم شيعا ( قرأ الجمهور بفتح التحتية من لبس الأمر إذا خلطه وقرأ أبو عبد الله المديني بضمها أي يجعل ذلك لباسا لكم قيل والأصل أو يلبس عليكم أمركم فحذف أحد المفعولين مع حرف الجر كما في قوله تعالى ) وإذا كالوهم أو وزنوهم ( والمعنى يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي النحل متفرقي الآراء وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا والشيع الفرق أي يخلطكم فرقا قوله ) ويذيق بعضكم بأس بعض ( أي يصيب بعضكم بشدة بعض من قتل وأسر ونهب ) ويذيق ( معطوف على ) يبعث ( وقرئ نذيق بالنون ) انظر كيف نصرف الآيات ( نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة ) لعلهم يفقهون ( الحقيقة فيعودون إلى الحق الذى بيناه لهم بيانات متنوعة
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ( يقول من كرب البر والبحر وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم فى تفسير الآية عن ابن عباس قال يقول إذا أضل الرجل الطريق دعا الله لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه فى قوله ) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ( قال يعني من أمرائكم ) أو من تحت أرجلكم ( يعني سفلتكم ) أو يلبسكم شيعا ( يعني بالشيع الأهواء المختلفة ) ويذيق بعضكم بأس بعض ( قال يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه من وجه آخر في تفسير الآية قال ) عذابا من فوقكم ( أئمة السوء ) أو من تحت أرجلكم ( قال خدم السوء وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا من وجه آخر قال ) من فوقكم ( من قبل أمرائكم وأشرافكم ) أو من تحت أرجلكم ( قال من قبل سفلتكم وعبيدكم وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مالك ) عذابا من فوقكم ( قال القذف ) أو من تحت أرجلكم ( قال الخسف وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أيضا ) من فوقكم ( قال الصيحة والحجارة والريح ) أو من تحت أرجلكم ( قال الرجفة والخسف وهما عذاب أهل التكذيب ) ويذيق بعضكم بأس بعض ( قال عذاب أهل الإقرار وأخرج البخاري وغيره عن جابر ابن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية ) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ( قال رسول الله صلى


"""""" صفحة رقم 127 """"""
الله عليه وآله وسلم أعوذ بوجهك ) أو من تحت أرجلكم ( قال أعوذ بوجهك ) أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ( قال هذا أهون أو أيسر وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم من حديث طويل عن ثوبان وفيه وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيهما وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها وأخرج أحمد والحاكم وصححه من حديث جابر بن عتيك نحوه وأخرج نحوه أيضا ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأخرج أيضا ابن أبي شيبة وابن مردويه من حديث حذيفة بن اليمان نحوه وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن أنس نحوه أيضا وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فى هذه الآية ) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ( فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء فى المختارة عن أبي بن كعب في هذه الآية قال هن أربع وكلهن عذاب وكلهن واقع لا محالة فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وذاق بعضهم بأس بعض وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم والأحاديث فى هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية
سورة الأنعام الآية ( 66 71 )


"""""" صفحة رقم 128 """"""
سورة الأنعام الآية ( 72 73 )
الأنعام : ( 66 ) وكذب به قومك . . . . .
قوله ) وكذب به قومك ( الضمير راجع إلى القرآن أو إلى العذاب وقومه المكذبون هم قريش وقيل كل معاند وجملة ) وهو الحق ( فى محل نصب على الحال أي كذبوا بالقرآن أو العذاب والحال أنه حق وقرأ ابن أبي عبلة ? وكذبت ? بالتاء ) قل لست عليكم بوكيل ( أي لست بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها قيل وهذه الآية منسوخة بآية القتال وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم فى وسعه
الأنعام : ( 67 ) لكل نبإ مستقر . . . . .
قوله ) لكل نبإ مستقر ( أي لكل شيء وقت يقع فيه والنبأ الشيء الذي ينبأ عنه وقيل المعنى لكل عمل جزاء قال الزجاج يجوز أن يكون وعيدا لهم بما ينزل بهم فى الدنيا وقال الحسن هذا وعيد من الله للكفار لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ) وسوف تعلمون ( ذلك بحصوله ونزوله بهم كما علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يتوعدهم به
الأنعام : ( 68 ) وإذا رأيت الذين . . . . .
قوله ) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ( الخطاب للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من يصلح له والخوض أصله في الماء ثم استعمل فى غمرات الأشياء التى هى مجاهل تشبيها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول وقيل هو مأخوذ من الخلط وكل شيء خضته فقد خلطته ومنه خاص الماء بالعسل خلطه والمعنى إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد والاستهزاء فدعهم ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في حديث مغاير له أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التى يستهان فيها بآيات الله إلى غاية هى الخوض في غير ذلك
وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم وذلك يسير عليه غير عسير وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة فيكون فى حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر
وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما فى مجالسة من يعصى الله بفعل شيء من المحرمات ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقدا أنه من الحق وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر قوله ) وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ( إما هذه هي الشرطية وتلزمها غالبا نون التأكيد ولا تلزمها نادرا ومنه قول الشاعر إما يصبك عدو في منازله
يوما فقل كيف يستعلى وينتصر
وقرأ ابن عباس ينسيك بتشديد السين ومثله قول الشاعر وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل
والمعنى إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد بعد الذكرى إذا ذكرت ) مع القوم الظالمين ( أي الذين


"""""" صفحة رقم 129 """"""
ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها قيل وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان وقيل لا وجه لهذا فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ونحو ذلك
الأنعام : ( 69 ) وما على الذين . . . . .
قوله ) وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ( أي ما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء وقيل المعنى ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض فى آيات الله فى مجالستهم لهم من شيء وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين من المؤمنين فى مجالسة الكفار إذا اضطروا إلى ذلك كما سيأتي عند ذكر السبب
قيل وهذا الترخيص كان في أول الإسلام وكان الوقت وقت تقية ثم نزل قوله تعالى ) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ( فنسخ ذلك قوله ) ولكن ذكرى لعلهم ( ذكرى فى موضع نصب على المصدر أو رفع على أنها مبتدأ وخبرها محذوف أي ولكن عليهم ذكرى وقال الكسائي المعنى ولكن هذه ذكرى والمعنى على الاستدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز أما على التفسير الأول فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين يخوضون فى آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما على التفسير الثاني فالترخيص فى المجالسة لا يسقط التذكير ) لعلهم يتقون ( الخوض فى آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم وأما جعل الضمير للمتقين فبعيد جدا
الأنعام : ( 70 ) وذر الذين اتخذوا . . . . .
قوله ) وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ( أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذى كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعبا ولهوا ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بإبلاغهم الحجة وقيل هذه الآية منسوخة بآية القتال وقيل المعنى أنهم اتخذوا دينهم الذى هم عليه لعبا ولهوا كما فى فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها وقيل المراد بالدين هنا العيد أي اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا وجملة ) وغرتهم الحياة الدنيا ( معطوفة على ) اتخذوا ( أي غرتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا ) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ( قوله ) وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ( الضمير فى به للقرآن أو للحساب والإبسال تسليم المرء نفسه للهلاك ومنه أبسلت ولدي أي رهنته فى الدم لأن عاقبة ذلك الهلاك قال النابغة ونحن رهنا بالإفاقة عامرا
بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا
أي فهلك والدرداء كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم فالمعنى وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت أي ترتهن وتسلم للهلكة وأصل الإبسال المنع ومنه شجاع باسل أي ممتنع من قرنه
قوله ) وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ( العدل هنا الفدية والمعنى وإن بذلت تلك النفس التى سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك وفاعل ) يؤخذ ( ضمير يرجع إلى العدل لأنه بمعنى المفدى به كما فى قوله ) ولا يؤخذ منها عدل ( وقيل فاعله منها لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه الفعل وكل عدل منصوب على المصدر أي عدلا كل عدل والإشارة بقوله ) أولئك ( إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا خبره ) الذين أبسلوا بما كسبوا ( أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا هم الذين سلموا للهلاك بما كسبوا ) لهم شراب من حميم ( جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف حال هؤلاء فقيل لهم شراب من حميم وهو الماء الحار ومثله قوله تعالى ) يصب من فوق رؤوسهم الحميم ( وهو هنا شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم
الأنعام : ( 71 ) قل أندعو من . . . . .
قوله ) قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ( أمره الله سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة والاستفهام للتوبيخ أي


"""""" صفحة رقم 130 """"""
كيف ندعوا من دون الله أصناما لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن أردنا منها نفعا ولا نخشى ضرها بوجه من الوجوه ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة ) ونرد على أعقابنا ( عطف على ) ندعوا ( والأعقاب جمع عقب أي كيف ندعوا من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها قال أبو عبيدة يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه وقال المبرد تعقب بالشر بعد الخير
وأصله من المعاقبة والعقبى وهما ما كان تاليا للشيء واجبا له أن يتبعه ومنه ) والعاقبة للمتقين ( ومنه عقب الرجل ومنه العقوبة لأنها تالية للذنب قوله ) كالذي استهوته الشياطين في الأرض ( هوى يهوى إلى الشيء أسرع إليه وقال الزجاج هو من هوى النفس أي زين له الشيطان هواه و ) استهوته الشياطين ( هوت به والكاف فى ) كالذي ( إما نعت مصدر محذوف أي نرد على أعقابنا ردا كالذى أو في محل نصب على الحال من فاعل نرد أي نرد حال كوننا مشبهين للذى استهوته الشياطين أي ذهبت به مردة الجن بعد أن كان بين الإنس قرأ الجمهور ) استهوته ( وقرأ حمزة استهواه على تذكير الجمع وقرأ ابن مسعود والحسن ? استهواه الشيطان ? وهو كذلك فى قراءة أبي و ) حيران ( حال أي حال كونه متحيرا تائها لا يدري كيف يصنع والحيران هو الذي لا يهتدى لجهة وقد حار يحار حيرة وحيرورة إذا تردد وبه سمى الماء المستنقع الذى لا منفذ له حائرا قوله ) له أصحاب يدعونه إلى الهدى ( صفة لحيران أو حالية أي له رفقة يدعونه إلى الهدى يقولون له ائتنا فلا يجيبهم ولا يهتدى بهديهم قوله ) قل إن هدى الله هو الهدى ( أمره الله سبحانه بأن يقول لهم ) إن هدى الله ( أي دينه الذى ارتضاه لعباده ) هو الهدى ( وما عداه باطل ) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ( ) وأمرنا ( معطوف على الجملة الاسمية أي من جملة ما أمره الله بأن يقوله واللام في ) لنسلم ( هى لام العلة والمعلل هو الأمر أي أمرنا لأجل نسلم لرب العالمين وقال الفراء المعنى أمرنا بأن نسلم لأن العرب تقول أمرتك لتذهب وبأن تذهب بمعنى وقال النحاس سمعت ابن كيسان يقول هى لام الخفض
الأنعام : ( 72 ) وأن أقيموا الصلاة . . . . .
قوله ) وأن أقيموا الصلاة واتقوه ( معطوف على ) لنسلم ( على معنى وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا ويجوز أن يكون عطفا على يدعونه على المعنى أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا ) وهو الذي إليه تحشرون ( فكيف تخالفون أمره
الأنعام : ( 73 ) وهو الذي خلق . . . . .
) وهو الذي خلق السماوات والأرض ( خلقا ) بالحق ( أو حال كون الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة قوله ) ويوم يقول كن فيكون قوله الحق ( أي واذكر يوم يقول كن فيكون أو واتقوا يوم يقول كن فيكون وقيل هو عطف على الهاء فى ) واتقوه ( وقيل إن ) يوم ( ظرف لمضمون جملة ) قوله الحق ( والمعنى وأمره المتعلق بالأشياء الحق أي المشهود له بأنه حق وقيل قوله مبتدأ والحق صفة له ) ويوم يقول كن فيكون ( خبره مقدما عليه والمعنى قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول كن فيكون وقيل إن قوله مرتفع بيكون والحق صفته أي يوم يقول كن فيكون قوله الحق وقرأ ابن عامر ) فنكون ( بالنون وهو إشارة إلى سرعة الحساب وقرأ الباقون بالياء التحتية وهو الصواب قوله ) وله الملك يوم ينفخ في الصور ( الظرف منصوب بما قبله أي له الملك فى هذا اليوم وقيل هو بدل من اليوم الأول والصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء وكذا قال الجوهري إن الصور القرن قال الراجز
لقد نطحناهم غداة الجمعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين
والصور بضم الصاد وبكسرها لغة وحكى عن عمرو بن عبيد أنه قرأ ) يوم ينفخ في الصور ( بتحريك الواو جمع صورة والمراد الخلق قال أبو عبيدة وهذا وإن كان محتملا يرد بما في الكتاب والسنة وقال الفراء


"""""" صفحة رقم 131 """"""
كن فيكون يقال إنه للصور خاصة أي ويوم يقول للصور كن فيكون قوله ) عالم الغيب والشهادة ( رفع عالم على أنه صفة للذى خلق السموات والأرض ويجوز أن يرتفع على إضمار مبتدإ أي هو عالم الغيب والشهادة وروى عن بعضهم أنه قرأ ) ينفخ ( بالبناء للفاعل فيجوز على هذه القراءة أن يكون الفاعل ) عالم الغيب ( ويجوز أن يرتفع بفعل مقدر كما أنشد سيبويه لببك يزيد ضارع لخصومة
ومختبط مما تطيح الطوائح
أي يبكيه مختبط وقرأ الحسن والأعمش ) عالم ( بالخفض على البدل من الهاء فى ) له الملك ( ) وهو الحكيم ( في جميع ما يصدر عنه ) الخبير ( بكل شيء
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ) وكذب به قومك ( يقول كذبت قريش بالقرآن ) وهو الحق ( وأما الوكيل فالحفيظ وأما ) لكل نبإ مستقر ( فكان نبأ القوم استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله ) وما أنا عليكم بوكيل ( قال نسخ هذه الآية آية السيف ) فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) لكل نبإ مستقر ( يقول حقيقة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال فى قوله ) لكل نبإ مستقر ( قال حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس فى قوله ) لكل نبإ مستقر ( قال فعل وحقيقة وما كان منه في الدنيا وما كان منه فى الآخرة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ( ونحو هذا فى القرآن قال أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فى قوله ) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ( قال يستهزئون بها نهى محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقعد معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر فليقم وذلك قول الله ) فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ( وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون فى آيات الله وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خاضوا واستهزءوا فقال المسلمون لا تصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم فأنزل الله هذه الآية وأخرج أبو الشيخ أيضا عن السدي أنه قال إن هذه الآية منسوخة بآية السيف وأخرج النحاس عن ابن عباس فى قوله ) وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ( قال نسخت هذه الآية المكية بالآية المدنية وهى قوله ) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ( الآية وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ) وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ( إن قعدوا ولكن لا يقعدوا وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن عمر بن العزيز أنه أتى بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ( قال هو مثل قوله ) ذرني ومن خلقت وحيدا ( يعني أنه للتهديد وأخرج عبد بن حميد وأبو داود فى ناسخه عن قتادة فى هذه


"""""" صفحة رقم 132 """"""
الآية قال نسختها آية السف وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه فى قوله ) لعبا ولهوا ( قال أكلا وشربا وأخرج ابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) أن تبسل ( قال أن تفضح وفى قوله ) أبسلوا ( قال فضحوا وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه فى قوله ) أن تبسل ( قال تسلم وفى قوله ) أبسلوا بما كسبوا ( قال أسلموا بجرائرهم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا فى قوله ) قل أندعو من دون الله ( قال هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله وقوله ) كالذي استهوته الشياطين في الأرض ( يقول أضلته وهم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها ويرى أنه فى شيء فيصبح وقد ألقته فى هلكة وربما أكلته أو تلقيه فى مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا فهذا مثل من أجاب الآلهة التى تعبد من دون الله وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا فى قوله ) كالذي استهوته الشياطين ( قال هو الرجل لا يستجيب لهدى الله وهو الرجل أطاع الشيطان وعمل فى الأرض بالمعصية وحاد عن الحق وضل عنه و ) له أصحاب يدعونه إلى الهدى ( ويزعمون أن الذى يأمرونه به هدى يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس يقول ) إن الهدى هدى الله ( والضلالة ما تدعو إليه الجن وأخرج ابن المبارك فى الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي فى البعث عن عبد الله بن عمرو قال سئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن الصور فقال قرن ينفخ فيه والأحاديث الواردة فى كيفية النفخ ثابتة فى كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ها هنا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) عالم الغيب والشهادة ( يعني أن عالم الغيب والشهادة هو الذى ينفخ في الصور
سورة الأنعام الآية ( 74 81 )


"""""" صفحة رقم 133 """"""
سورة الأنعام الآية ( 82 83
الأنعام : ( 74 ) وإذ قال إبراهيم . . . . .
قوله ) لأبيه آزر ( قال الجوهري آزر اسم أعجمي وهو مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام وقال ابن فارس إنه مشتق من القوة قال الجويني فى النكت من التفسير له ليس بين الناس اختلاف فى أن اسم والد إبراهيم تارخ والذى في القرآن يدل على أن اسمه آزر وقد تعقب في دعوى الاتفاق بما روى عن ابن إسحاق والضحاك والكلبي أنه كان له اسمان آزر وتارخ وقال مقاتل آزر لقب وتارخ اسم وقال سليمان التيمي إن آزر سب وعتب ومعناه في كلامهم المعوج وقال الضحاك معنى آزر الشيخ الهم بالفارسية وقال الفراء هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال يا مخطئ وروى مثله عن الزجاج وقال مجاهد هو اسم صنم وعلى هذا إطلاق اسم الصنم على أبيه إما للتعبير له لكونه معبوده أو على حذف مضاف أي قال لأبيه عابد آزر أو أتعبد آزر على حذف الفعل وقرأ ابن عباس أإزر بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وروى عنه أنه قرأ بهمزتين مفتوحتين ومحل ) إذ قال ( النصب على تقدير واذكر إذ قال إبراهيم ويكون هذا المقدر معطوفا على ) قل أندعو من دون الله ( وقيل هو معطوف على ) وذكر به أن تبسل ( وآزر عطف بيان قوله ) أتتخذ أصناما آلهة ( الاستفهام للإنكار أي أتجعلها آلهة لك تعبدها ) إني أراك وقومك ( المتبعين لك فى عبادة الأصنام ) في ضلال ( عن طريق الحق ) مبين ( واضح )
الأنعام : ( 75 ) وكذلك نري إبراهيم . . . . .
وكذلك نري إبراهيم ( أي ومثل تلك الإراءة نرى إبراهيم والجملة معترضة و ) ملكوت السماوات والأرض ( ملكهما وزيدت التاء والواو للمبالغة في الصفة ومثله الرغبوت والرهبوت مبالغة في الرغبة والرهبة قيل أراد بملكوت السموات والأرض ما فيهما من الخلق وقيل كشف الله له عن ذلك حتى رأى إلى العرش وإلى أسفل الأرضين وقيل رأى من ملكوت السموات والأرض ما قصه الله فى هذه الآية وقيل المراد بملكوتهما الربوبية والإلهية أي نريه ذلك وتوفقه لمعرفته بطريق الاستدلال التى سلكها ومعنى ) نرى ( أريناه حكاية حال ماضية قوله ) وليكون من الموقنين ( متعلق بمقدر أي أريناه ذلك ) وليكون من الموقنين ( وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والشمس والقمر فأراد أن ينبههم على الخطأ وقيل إنه ولد في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها وسبب جعله في السرب أن النمروذ رأى رؤيا أن ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود والله أعلم
الأنعام : ( 76 ) فلما جن عليه . . . . .
قوله ) فلما جن عليه الليل ( أي ستره بظلمته ومنه الجنة والمجن والجن كله من الستر قال الشاعر ولولا جنان الليل أدرك ركضنا
بذى الرمث والأرطي عياض بن ثابت
والفاء للعطف على ) قال إبراهيم ( أي واذكر إذ قال وإذ جن عليه الليل فهو قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه وجواب لما ) رأى كوكبا ( قيل رآه من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذى كان فيه وقيل رآه لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس قيل رأى المشتري وقيل الزهرة قوله ) هذا ربي ( جملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال عند رؤية الكوكب قيل وكان هذا منه عند قصور النظر لأنه في زمن الطفولية وقيل أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم وما يعتقدونه لأجل إلزامهم وبالثاني قال الزجاج وقيل هو على حذف حرف الاستفهام أي أهذا ربي ومعناه إنكار أن يكون مثل هذا رب ومثله قوله تعالى ) أفإن مت فهم الخالدون ( أي أخهم الخالدون ومثله قول الهذلي


"""""" صفحة رقم 134 """"""
رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع
فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي أهم هم وقول الآخر لعمرك ما أدري وإن كنت داريا
بسبع رمين الجمر أم بثمانيا
أي أبسبع وقيل المعنى وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول وقيل المعنى على حذف مضاف أي هذا دليل ربي ) فلما أفل ( أي غرب ) قال ( إبراهيم ) لا أحب الآفلين ( أي الآلهة التى تغرب فإن الغروب تغير من حال إلى حال وهو دليل الحدوث
الأنعام : ( 77 ) فلما رأى القمر . . . . .
) فلما رأى القمر بازغا ( أي طالعا يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع والبزغ الشق كان يشق بنوره الظلمة ) فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ( أي لئن لم يثبتني على الهداية ويوفقني للحجة ) لأكونن من القوم الضالين ( الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير
الأنعام : ( 78 ) فلما رأى الشمس . . . . .
) فلما رأى الشمس بازغة ( بازغا وبازغة منصوبان على الحال لأن الرؤية بصرية وإنما ) قال هذا ربي ( مع كون الشمس مؤنثة لأن مراده هذا الطالع قاله الكسائي والأخفش وقيل هذا الضوء وقيل الشخص ) هذا أكبر ( أي بما تقدمه من الكوكب والقمر ) قال يا قوم إني بريء مما تشركون ( أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها وما موصولة أو مصدرية قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر مستدلا على ذلك بأفولها الذى هو دليل حدوثها
الأنعام : ( 79 ) إني وجهت وجهي . . . . .
) إني وجهت وجهي ( أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عز وجل وذكر الوجه لأنه العضو الذى يعرف به الشخص أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم وقد تقدم معنى ) فطر السماوات والأرض حنيفا ( مائلا إلى الدين الحق
الأنعام : ( 80 ) وحاجه قومه قال . . . . .
قوله ) وحاجه قومه ( أي وقعت منهم المحاججة له فى التوحيد بما يدل على ما يدعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة فأجاب إبراهيم عليه السلام بما حكاه الله عنه أنه قال ) أتحاجوني في الله ( أي في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد وقرأ نافع بتخفيف نون أتحاجوني وقرأ الباقون بتشديدها بإدغام نون الجمع فى نون الوقاية ونافع خفف فحذف إحدى النونين وقد أجاز ذلك سيبويه وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن وجملة ? وقد هداني ? في محل نصب على الحال أي هداني إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية قوله ) ولا أخاف ما تشركون به ( قال هذا لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه أي إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع والضمير في به يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما فى ) ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ( أي إلا وقت مشيئته ربي بأن يلحقني شيئا من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التى لا تضر ولا تنفع والمعنى على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه وصدورهما حسب مشيئته ثم علل ذلك بقوله ) وسع ربي كل شيء علما ( أي إن علمه محيط بكل شيء فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته وإذا شاء إنزال شر بي كان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
الأنعام : ( 81 ) وكيف أخاف ما . . . . .
ثم قال لهم مكملا للحجة عليهم دافعا لما خوفوه به ) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ( أي كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله وهو الضار النافع الخالق الرازق أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذى لا يجدون عنه مخلصا ولا متحولا والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم و ) ما ( فى ) ما لم ينزل به عليكم سلطانا ( مفعول أشركتم أي ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطانا شركاء لله أو لمعنى أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها فكيف عبدوها واتخذوا آلهة وجعلوها شركاء لله سبحانه


"""""" صفحة رقم 135 """"""
قوله ) فأي الفريقين أحق بالأمن ( المراد بالفريقين فريق المؤمنين وفريق المشركين أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات ومعبودكم هى تلك المخلوقات فكيف تخوفوني بها وكيف أخافها وهى بهذه المنزلة ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه وبعد هذا فأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف ) إن كنتم تعلمون ( بحقيقة الحال وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة
الأنعام : ( 82 ) الذين آمنوا ولم . . . . .
ثم قال الله سبحانه قاضيا بينهم ومبينا لهم ) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا وقيل هو من تمام قول إبراهيم وقيل هو من قول قوم إبراهيم ومعنى ) ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( لم يخلطوه بظلم
والمراد بالظلم الشرك لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان ) يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ( والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية وأبي تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل والإشارة بقوله ) أولئك ( إلى الموصول المتصف بما سبق و ) لهم الأمن ( جملة وقعت خبرا عن اسم الإشارة هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه ) وهم مهتدون ( إلى الحق ثابتون عليه وغيرهم على ضلال وجهل
الأنعام : ( 83 ) وتلك حجتنا آتيناها . . . . .
والإشارة بقوله ) وتلك حجتنا ( إلى ما تقدم من الحجج التى أوردها إبراهيم عليهم أي تلك البراهين التى أوردها إبراهيم عليهم من قوله ) فلما جن عليه الليل ( إلى قوله ) وهم مهتدون ( ) حجتنا آتيناها إبراهيم ( أي أعطيناه إياها وأرشدناه إليها وجملة ) آتيناها إبراهيم ( فى محل نصب على الحال أو فى محل رفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة ) على قومه ( أي حجة على قومه ) نرفع درجات من نشاء ( بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة أو بما هو أعم من ذلك ) إن ربك حكيم عليم ( أي حكيم فى كل ما يصدر عنه عليم بحال عباده وأن منهم من يستحق الرفع ومنهم من لا يستحقه
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال فى قوله تعالى ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ( قال الآزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه يازر وأمه اسمها مثلى وامرأته اسمها سارة وسريته أم إسماعيل هاجر
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال اسم أبيه تارخ واسم الصنم آزر وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان التيمي أنه قرأ ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ( قال بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال إن والد إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما اسمه تارخ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله تعالى ) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ( قال الشمس والقمر والنجوم
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال فى الآية كشف ما بين السموات حتى نظر إليهن على صخرة والصخرة على حوت وهو الحوت الذى منه طعام الناس والحوت فى سلسلة والسلسلة في خاتم العزة وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد فى الآية قال سلطانهما وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس فى قوله ) وحاجه قومه ( يقول خاصموه وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) أتحاجوني ( قال أتخاصموني وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي بكر الصديق أنه فسر ) ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( بالشرك وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب


"""""" صفحة رقم 136 """"""
وكذلك أخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن حذيفة بن اليمان وكذلك أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سلمان الفارسي وكذلك أخرجا أيضا عن أبي بن كعب وكذلك أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس وأخرج عنه من طريق أخرى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ مثله وقد روى عن جماعة من التابعين مثل ذلك ويغنى عن الجميع ما قدمنا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فى تفسير الآية كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج فى قوله تعالى ) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ( قال خصمهم وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم فى قوله ) نرفع درجات من نشاء ( قال بالعلم وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء
سورة الأنعام الآية ( 84 90 )
الأنعام : ( 84 ) ووهبنا له إسحاق . . . . .
قوله ) ووهبنا له ( معطوف على جملة ) وتلك حجتنا ( عطف جملة فعلية على جملة اسمية وقيل معطوف على آتيناها والأول أولى والمعنى ووهبنا له ذلك جزاء له على الاحتجاج فى الدين وبذل النفس فيه و ) كلا هدينا ( انتصاب ) كلا ( على أنه مفعول لما بعده مقدم عليه للقصر أي كل واحد منهما هديناه وكذلك نوحا منصوب بهدينا الثاني أو بفعل مضمر يفسره ما بعده ) ومن ذريته ( أي من ذرية إبراهيم وقال الفراء من ذرية نوح
واختاره ابن جرير الطبري والقشيري وابن عطية واختار الأول الزجاج واعتراض عليه بأنه عد من هذه الذرية يونس ولوطا وما كانا من ذرية إبراهيم فإن لوطا هو ابن أخي إبراهيم وانتصب داود وسليمان بفعل مضمر أي وهدينا من ذريته داود وسليمان وكذلك ما بعدهما وإنما عد الله سبحانه هداية هؤلاء الأنبياء من النعم التى عددها على إبراهيم لأن شرف الأبناء متصل بالآباء ومعنى ) من قبل ( فى قوله ) ونوحا هدينا من قبل ( أي من قبل إبراهيم والإشارة بقوله ) وكذلك ( إلى مصدر الفعل المتأخر أي ومثل ذلك الجزاء ) نجزي المحسنين (
الأنعام : ( 85 ) وزكريا ويحيى وعيسى . . . . .
) وإلياس ( قال الضحاك هو من ولد إسماعيل وقال القتيبي هو من سبط يوشع بن نون وقرأ الأعرج والحسن وقتادة ) وإلياس ( بوصل الهمزة وقرأ أهل الجرمين وأبو عمرو وعاصم ) واليسع ( مخففا وقرأ الكوفيون إلا عاصما بلامين وكذا قرأ الكسائي ورد القراءة الأولى ولا وجه للرد فهو اسم أعجمي والعجمة لا تؤخذ بالقياس


"""""" صفحة رقم 137 """"""
بل تؤدى على حسب السماع ولا يمتنع أن يكون في الاسم لغتان للعجم أو تغيره العرب تغييرين قال المهدوي من قرأ بلام واحدة فالاسم يسع والألف واللام مزيدتان كما فى قول الشاعر رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
شديدا بأعباء الخلافة كاهلة
ومن قرأ بلامين فالاسم ليسع وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم فإن الله أفرد كل واحد منهما
وقال وهب اليسع صاحب إلياس وكانوا قبل يحيى وعيسى وزكريا وقيل إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته وقيل إلياس هو الخضر وقيل لا بل اليسع هو الخضر
الأنعام : ( 86 ) وإسماعيل واليسع ويونس . . . . .
) وكلا فضلنا على العالمين ( أي كل واحد فضلناه بالنبوة على عالمي زمانه والجملة معترضة
الأنعام : ( 87 ) ومن آبائهم وذرياتهم . . . . .
قوله ) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ( أي هدينا ) ومن ( للتبعيض أي هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم ) واجتبيناهم ( معطوف على فضلنا والاجتباء الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار مشتق من جبيت الماء فى الحوض جمعته فالاجتباء ضم الذى تجتبيه إلى خاصيتك قال الكسائي جبيت الماء في الحوض جبى مقصور والجابية الحوض قال الشاعر كجابية الشيخ العراقي تفهق
الأنعام : ( 88 ) ذلك هدى الله . . . . .
والإشارة بقوله ) ذلك هدى الله ( إلى الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة ) يهدي به ( الله ) من يشاء من عباده ( وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق ) ولو أشركوا ( أي هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله ) لحبط عنهم ( من حسناتهم ) ما كانوا يعملون ( والحبوط البطلان وقد تقدم تحقيقه فى البقرة
الأنعام : ( 89 ) أولئك الذين آتيناهم . . . . .
والإشارة بقوله ) أولئك الذين آتيناهم الكتاب ( إلى الأنبياء المذكورين سابقا أي جنس الكتاب ليصدق على كل ما أنزل على هؤلاء المذكورين ) والحكم ( العلم ) والنبوة ( الرسالة أو ما هو أعم من ذلك ) فإن يكفر بها هؤلاء ( الضمير فى بها للحكم والنبوة والكتاب أو للنبوة فقط والإشارة بهؤلاء إلى كفار قريش المعاندين لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) فقد وكلنا بها قوما ( هذا جواب الشرط أي ألزمنا بالإيمان بها قوما ) ليسوا بها بكافرين ( وهم المهاجرون والأنصار أو الأنبياء المذكورون سابقا وهذا اولى لقوله فيما بعد
الأنعام : ( 90 ) أولئك الذين هدى . . . . .
(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار إذ لا يصح أن يؤمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالاقتداء بهداهم وتقديم بهداهم على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله وقيل المعنى اصبر كما صبروا وقيل اقتد بهم في التوحيد وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة وفيها دلالة على أنه ( صلى الله عليه وسلم ) مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص قوله ) قل لا أسألكم عليه أجرا ( أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجرا على القرآن وأن يقول لهم ما ) هو إلا ذكرى ( يعني القرآن ) للعالمين ( أي موعظة وتذكير للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال الخال والد والعم والد نسب الله عيسى إلى أخواله فقال ) ومن ذريته ( حتى بلغ إلى قوله ) وزكريا ويحيى وعيسى ( وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال دخل يحيى بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين فقال الحجاج لم يكن من ذرية النبي فقال يحيى كذبت فقال لتأتيني على ما قلت ببينة فتلا ) ومن ذريته ( إلى قوله ) وعيسى ( فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه فقال صدقت وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي تجده فى كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده فذكر يحيى بن يعمر نحو ما تقدم وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر


"""""" صفحة رقم 138 """"""
وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) واجتبيناهم ( قال أخلصناهم وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد فى قوله ) ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ( قال يريد هؤلاء الذين هديناهم وفعلنا بهم وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال الحكم اللب وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) فإن يكفر بها هؤلاء ( يعني أهل مكة يقول إن يكفروا بالقرآن ) فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ( يعنى أهل المدينة والأنصار وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) فقد وكلنا بها قوما ( قال هم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله فيهم ) فبهداهم اقتده ( وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء العطاردي قال فى الآية هم الملائكة وأخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس فى قوله ) فبهداهم اقتده ( قال أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يقتدى بهداهم وكان يسجد في ص ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد سألت ابن عباس عن السجدة التى فى ص فقال هذه الآية وقال أمر نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) قل لا أسألكم عليه أجرا ( قال قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عروض الدنيا
سورة الأنعام الآية ( 91 94 )
الأنعام : ( 91 ) وما قدروا الله . . . . .
قوله ) وما قدروا الله حق قدره ( قدرت الشيء وقدرته عرفت مقداره وأصله الستر ثم استعمل فى معرفة الشيء أي لم يعرفوه حق معرفته حيث أنكروا إرساله للرسل وإنزاله للكتب وقيل المعنى وما قدروا نعم الله حق تقديرها وقرأ أبو حيوة ) وما قدروا الله حق قدره ( بفتح الدال وهى لغة ولما وقع منهم هذا الإنكار


"""""" صفحة رقم 139 """"""
وهم من اليهود أمر الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها فقال ) قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ( وهم يعترفون بذلك ويذعنون له فكان فى هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه من وقوع إنزال الله على البشر وهم الأنبياء عليهم السلام فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم وقيل إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك ويعلمونه بالأخبار من اليهود وقد كانوا يصدقونهم و ) نورا وهدى ( منتصبان على الحال و ) للناس ( متعلق بمحذوف هو صفة لهدى أي كائنا للناس قوله ) تجعلونه قراطيس ( أي تجعلون الكتاب الذى جاء به موسى في قراطيس تضعونه فيها ليتم لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل وكتم صفة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المذكورة فيه وهذا ذم لهم والضمير في ) تبدونها ( راجع إلى القراطيس وفى ) تجعلونه ( راجع إلى الكتاب وجملة تجعلونه فى محل نصب على الحال وجملة تبدونها صفة لقراطيس ) وتخفون كثيرا ( معطوف على ) تبدونها ( أي وتخفون كثيرا منها والخطاب فى ) وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ( لليهود أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقررة لما قبلها والذى علموه هو الذى أخبرهم به نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من الأمور التى أوحى الله إليه بها فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا علمه آباؤهم ويجوز أن يكون ما فى ) ما لم تعلموا ( عبارة عما علموه من التوراة فيكون ذلك على وجه المن عليهم بإنزال التوراة وقيل الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم فتكون ) ما ( عبارة عما علموه من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم أمره الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذى ألزمهم به حيث قال ) من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ( فقال ) قل الله ( أي أنزله الله ) ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( أي ذرهم فى باطلهم حال كونهم يلعبون أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون
الأنعام : ( 92 ) وهذا كتاب أنزلناه . . . . .
قوله ) وهذا كتاب أنزلناه مبارك ( هذا من جملة الرد عليهم فى قوله ) ما أنزل الله على بشر من شيء ( أخبرهم بأن الله أنزل التوراة على موسى وعقبه بقوله ) وهذا كتاب أنزلناه ( يعني على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فكيف تقولون ) ما أنزل الله على بشر من شيء ( ومبارك ومصدق صفتان لكتاب والمبارك كثير البركة والمصدق كثير التصديق والذى بين يديه ما أنزله الله من الكتب على الأنبياء من قبله كالتوراة والإنجيل فإنه يوافقها فى الدعوة إلى الله وإلى توحيده وإن خالفها فى بعض الأحكام قوله ) ولتنذر ( قيل هو معطوف على ما دل عليه مبارك كأنه قيل أنزلناه للبركات ولتنذر وخص أم القرى وهى مكة لكونها أعظم القرى شأنا ولكونها أول بيت وضع للناس ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض والمراد بمن حولها جميع أهل الأرض والمراد بأنذر أم القرى إنذار أهلها وأهل سائر الأرض فهو على تقدير مضاف محذوف كسؤال القرية ) والذين يؤمنون بالآخرة ( مبتدأ و ) يؤمنون به ( خبره والمعنى أن من حق من صدق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ويعمل بما فيه لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها ويندفع به ضرها وجملة ) وهم على صلاتهم يحافظون ( فى محل نصب على الحال وخص المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها
الأنعام : ( 93 ) ومن أظلم ممن . . . . .
قوله ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ( هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب على رسله أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أنه نبي وليس بنبي أو كذب على الله فى شيء من الأشياء ) أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء (


"""""" صفحة رقم 140 """"""
أي والحال أنه لم يوح إليه شيء وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم وإنما هذا شأن الكذابين رءوس الإضلال كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح قوله ) ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ( معطوف على ) من افترى ( أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن أوحى إلي ولم يوح إليه شيء أو ممن قال سأنزل مثل ما أنزل الله وهم القائلون ) لو نشاء لقلنا مثل هذا ( وقيل هو عبد الله بن أبي سرح فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأملى عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ثم أنشأناه خلقا آخر ( فقال عبد الله ) فتبارك الله أحسن الخالقين ( فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هكذا أنزلت فشك عبد الله حينئذ وقال لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف قوله ) ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ( الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو لكل من يصلح له والمراد كل ظالم ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولا أوليا وجواب لو محذوف أي لرأيت أمرا عظيما والغمرات جمع غمرة وهى الشدة وأصلها الشيء الذى يغمر الأشياء فيغطيها ومنه غمرة الماء ثم استعملت فى الشدائد ومنه غمرة الحرب قال الجوهري والغمرة الشدة والجمع غمر مثل نوبة ونوب وجملة ) والملائكة باسطوا أيديهم ( فى محل نصب أي والحال أن الملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواح الكفار وقيل للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد ومثله قوله تعالى ) ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (
قوله ) أخرجوا أنفسكم ( أي قائلين لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التى وقعتم فيها أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم وسلموها إلينا لنقبضها ) اليوم تجزون عذاب الهون ( أي اليوم الذى تقبض فيه أرواحكم أو أرادوا باليوم الوقت الذى يعذبون فيه الذى مبدؤه عذاب القبر والهون والهوان بمعنى أي اليوم تجزون عذاب الهوان الذى تصيرون به في إهانة وذلة بعد ما كنتم فيه من الكبر والتعاظم والباء فى ) بما كنتم تقولون على الله غير الحق ( للسببية أي بسبب قولكم هذا من إنكار إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به ) وكنتم عن آياته تستكبرون ( عن التصديق لها والعمل بها فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون ) جزاء وفاقا )
الأنعام : ( 94 ) ولقد جئتمونا فرادى . . . . .
قوله ) ولقد جئتمونا فرادى ( قرأ أبو حيوة فرادى بالتنوين وهى لغة تميم وقرأ الباقون بألف التأنيث للجمع فلم ينصرف وحكى ثعلب ? فراد ? بلا تنوين مثل ثلاث ورباع وفرادى جمع فرد كسكارى جمع سكران وكسالى جمع كسلان والمعنى جئتمونا منفردين واحدا واحدا كل واحد منفرد عن أهله وماله وما كان يعبده من دون الله فلم ينتفع بشيء من ذلك ) كما خلقناكم أول مرة ( أي على الصفة التى كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم والكاف نعت مصدر محذوف أي جئتمونا مجيئا مثل مجيئكم عند خلقنا لكم أو حال من ضمير فرادى أي مشابهين ابتداء خلقنا لكم ) وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ( أي أعطيناكم والحول ما أعطاه الله للإنسان من متاع الدنيا أي تركتم ذلك خلفكم لم تأتونا بشيء منه ولا انتفعتم به بوجه من الوجوه ) وما نرى معكم شفعاءكم الذين ( عبدتموهم وقلتم ) ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( و ) زعمتم أنهم فيكم شركاء ( لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها قوله ) لقد تقطع بينكم ( قرأ نافع والكسائي وحفص بنصب بينكم على الظرفية وفاعل تقطع محذوف أي تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم كما يدل عليه ) وما نرى معكم شفعاءكم ( وقرأ الباقون بالرفع على إسناد التقطع إلى البين أي وقع التقطع بينكم ويجوز أن يكون معنى قراءة النصب معنى قراءة الرفع فى إسناد الفعل إلى الظرف وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا وقرأ ابن مسعود


"""""" صفحة رقم 141 """"""
) لقد تقطع بينكم ( على إسناد الفعل إلى ما أي الذى بينكم ) وضل عنكم ما كنتم تزعمون ( من الشركاء والشرك وحيل بينكم وبينهم
الآثار الوارده في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) وما قدروا الله حق قدره ( قال هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله فمن آمن أن الله على كل شيء قدير قد قدر الله حق قدره ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتابا قال نعم قالوا والله ما أنزل الله من السماء كتابا فأنزل الله ) قل ( يا محمد ) من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ( إلى آخر الآية وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ) وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ( قالها مشركو قريش وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شيء فنزلت وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال نزلت في مالك بن الصيف وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فى التوراة أن الله يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا فغضب وقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له أصحابه ويحك ولا على موسى قال ما أنزل الله على بشر من شيء فنزلت وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) تجعلونه قراطيس ( قال اليهود وقوله ) وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ( قال هذه للمسلمين وأخرج عبد بن حميد وابن أبي جاتم عن قتادة فى قوله ) وعلمتم ما لم تعلموا ( قال هم اليهود آتاهم الله علما فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به فذمهم الله في علمهم ذلك وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) وهذا كتاب أنزلناه مبارك ( قال هو القرآن الذى أنزل الله علي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وأخرج عبد بن حميد عنه قال ) مصدق الذي بين يديه ( أي من الكتب التى قد خلت قبله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي فى الأسماء والصفات عن ابن عباس فى قوله ) ولتنذر أم القرى ( قال مكة ومن حولها قال يعني ما حولها من القرى إلى المشرق والمغرب
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال إنما سميت أم القرى لأن أول بيت وضعت بها وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة فى قوله ) ولتنذر أم القرى ( قال هى مكة قال وبلغني أن الأرض دحيت من مكة وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار نحوه وأخرج الحاكم فى المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال نزلت فى عبد الله بن أبي سرح ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ( الآية فلما دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ثم استأمن له وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى أنها نزلت فى عبد الله بن أبي سرح وكذلك روى ابن أبي حاتم عن السدي وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج فى قوله ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ( قال نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه ) ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ( قال نزلت فى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة لما نزلت ) والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا ( قال النضر وهو من بني عبد الدار والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا قولا كثيرا فأنزل الله ) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ( الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس فى


"""""" صفحة رقم 142 """"""
قوله غمرات الموت قال سكرات الموت وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال في قوله والملائكة باسطوا أيديهم هذا عند الموت والبسط الضرب يضربون وجوههم وأدبارهم وأخرج أبو الشيخ عنه قال في الآية هذا ملك الموت عليه السلام وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله والملائكة باسطوا أيديهم قال بالعذاب وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله عذاب الهون قال الهوان وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال قال النضر بن الحارث سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت ) ولقد جئتمونا فرادى ( الآية وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ) ولقد جئتمونا فرادى ( الآية قال كيوم ولد يرد عليه كل شيء نقص منه يوم ولد وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ) وتركتم ما خولناكم ( قال من المال والخدم ) وراء ظهوركم ( قال في الدنيا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ) لقد تقطع بينكم ( قال ما كان بينهم من الوصل وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله لقد تقطع بينكم قال تواصلكم في الدنيا
سورة الأنعام 95 99 ) إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (
الأنعام : ( 95 ) إن الله فالق . . . . .
قوله إن الله فالق الحب والنوى هذا شروع في تعداد عجائب صنعه تعالى وذكر ما يعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه والفلق الشق أي هو سبحانه فالق الحب فيخرج منه النبات وفالق النوى فيخرج منه الشجر وقيل معنى فالق الحب والنوى الشق الذي فيهما من أصل الخلقة وقيل معنى فالق خالق والنوى جمع نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ قوله يخرج الحي من الميت هذه الجملة خبر بعد خبر فهي في محل رفع وقيل هي جملة مفسرة لما قبلها لأن معناها معناه والأول أولى فإن معنى يخرج الحي من الميت يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة ومعنى ومخرج الميت من الحي مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحي وجملة ومخرج الميت من الحي معطوفة على يخرج الحي من الميت عطف جملة اسمية على جملة فعلية ولا ضير في ذلك وقيل معطوفة على فالق على تقدير أن جملة يخرج الحي من الميت مفسرة لما قبلها


"""""" صفحة رقم 143 """"""
والأول أولى والإشارة ? بذلكم ? إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقا و ) الله ( خبره والمعنى أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال والمفضل بكل إفضال والمستحق لكل حمد وإجلال ) فأنى تؤفكون ( فكيف تصرفون عن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته
الأنعام : ( 96 ) فالق الإصباح وجعل . . . . .
قوله ) فالق الإصباح ( مرتفع على أنه من جملة أخبار ) إن ( فى ) إن الله فالق الحب والنوى ( وقيل هو نعت للاسم الشريف فى ) ذلكم الله ( وقرأ الحسن وعيسى بن عمر ) فالق الإصباح ( بفتح الهمزة وقرأ الجمهور بكسرها وهو على قراءة الفتح جمع صبح وعلى قراءة الكسر مصدر أصبح والصبح والصباح أول النهار وكذا الإصباح وقرأ النخعي ) فالق الإصباح ( بفعل وهمزة مكسورة والمعنى فى ) فالق الإصباح ( أنه شاق الضياء عن الظلام وكاشفه أو يكون المعنى على حذف مضاف أي فالق ظلمة الإصباح وهى الغبش أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار لأنه يبدو مختلطا بالظلمة ثم يصير أبيض خالصا وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وعاصم وحمزة والكسائي ) وجعل الليل سكنا ( حملا على معنى ) فالق ( عند حمزة والكسائي وأما عند الحسن وعيسى فعطفا على فلق وقرأ الجمهور وجاعل عطفا على فالق وقرئ فالق وجاعل بنصبهما على المدح وقرأ يعقوب ? وجاعل الليل ساكنا ? والسكن محل السكون من سكن إليه إذا اطمأن إليه لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة فى معاشهم ويستريحون من التعب والنصب قوله ) والشمس والقمر حسبانا ( بالنصب على إضمار فعل أي وجعل الشمس والقمر وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره والشمس والقمر مجعولان حسبانا وبالجر عطفا على الليل على قراءة من قرأ وجاعل الليل قال الأخفش والحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب وقال يعقوب حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسبا وحسبانا والحساب الاسم وقيل الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح والحسبان بالكسر مصدر حسب
والمعنى جعلهما محل حساب تتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدل عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه وقيل الحسبان الضياء وفى لغة أن الحسبان النار ومنه قوله تعالى ) ويرسل عليها حسبانا من السماء ( والإشارة ب ) ذلك تقدير العزيز العليم ( إلى الجعل المدلول عليه بجاعل أو بجعل على القراءتين
والعزيز القاهر الغالب والعليم كثير العلم ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم
الأنعام : ( 97 ) وهو الذي جعل . . . . .
قوله ) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ( أي خلقها للاهتداء بها ) في ظلمات ( الليل عند المسير فى ) البر والبحر ( وإضافة الظلمات إلى البر والبحر لكونها ملابسة لهما أو المراد بالظلمات اشتباه طرقهما التى لا يهتدى فيها إلا بالنجوم وهذه إحدى منافع النجوم التى خلقها الله لها ومنها ما ذكره الله فى قوله ) وحفظا من كل شيطان مارد (
) وجعلناها رجوما للشياطين ( ومنها جعلها زينة للسماء ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على الله الفرية ) قد فصلنا الآيات ( التى بيناها بيانا مفصلا لتكون أبلغ فى الاعتبار ) لقوم يعلمون ( بما فى هذه الآيات من الدلالة على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته
الأنعام : ( 98 ) وهو الذي أنشأكم . . . . .
قوله ) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ( أي آدم عليه السلام كما تقدم وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته ) فمستقر ومستودع ( قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي بكسر القاف والباقون بفتحها وهما مرفوعان على أنهما مبتدآن وخبرهما محذوف والتقدير فمنكم مستقر أو فلكم مستقر التقدير الأول على القراءة الأولى والثاني على الثانية أي فمنكم مستقر على ظهر الأرض أو فلكم مستقر على ظهرها ومنكم مستودع فى الرحم أو فى باطن الأرض أو فى الصلب وقيل المستقر فى الرحم والمستودع فى الأرض وقيل المستقر فى القبر قال القرطبي وأكثر أهل


"""""" صفحة رقم 144 """"""
التفسير يقولون المستقر ما كان فى الرحم والمستودع ما كان فى الصلب وقيل المستقر من خلق والمستودع من لم يخلق وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم فى القبور إلى المبعث
ومما يدل على تفسير المستقر بالكون على الأرض قول الله تعالى ) ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ( وذكر سبحانه هاهنا ) يفقهون ( وفيما قبله ) يعلمون ( لأن فى إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرا وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس فى خلق النجوم للاهتداء فناسبه ذكر الفقه لإشعاره بمزيد تدقيق وإمعان فكر
الأنعام : ( 99 ) وهو الذي أنزل . . . . .
قوله ) وهو الذي أنزل من السماء ماء ( هذا نوع آخر من عجائب مخلوقاته والماء هو ماء المطر وفي ) فأخرجنا به ( التفات من الغيبة إلى التكلم إظهار للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه والضمير فى ) به ( عائد إلى الماء و ) نبات كل شيء ( يعني كل صنف من أصناف النبات المختلفة وقيل المعنى رزق كل شيء والتفسير الأول أولى ثم فصل هذا الإجمال فقال ) فأخرجنا منه خضرا ( قال الأخفش أي أخضر والخضر رطب البقول وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة وقيل يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب ) نخرج منه حبا ( هذه الجملة صفة لخضرا أي نخرج من الأغصان الخضر حبا متراكبا أي مركبا بعضه على بعضه كما فى السنابل ) ومن النخل ( خبر مقدم و ) من طلعها ( بدل منه وعلى قراءة من قرأ يخرج منه حب يكون ارتفاع قنوان على أنه معطوف على حب وأجاز الفراء فى غير القرآن قنوانا عطفا على حبا وتميم يقولون قنيان وقرأ بضم القاف وفتحها باعتبار اختلاف اللغتين لغة قيس ولغة أهل الحجاز والطلع الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض والاغريض يسمى طلعا أيضا والقوان جمع قنو والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسور النون والجمع على ما يقتضيه الإعراب ومثله صنوان والقنو العذق والمعنى أن القنوان أصله مع الطلع والعذق هو عنقود النخل وقيل القنوان الجمار والدانية القريبة التى ينالها القائم والقاعد قال الزجاج المعنى منها دانية ومنها بعيدة فحذف ومثله ) سرابيل تقيكم الحر ( وخص الدانية بالذكر لأن الغرض من الآية بيان القدر والامتنان وذلك فيما يقرب تناوله أكثر قوله ) وجنات من أعناب ( قرأ محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش وعاصم فى قراءته الصحيحة عنه برفع جنات وقرأ الباقون بالنصب وأنكر القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم حتى قال أبو حاتم هى محال لأن الجنات لا تكون من النخل قال النحاس ليس تأويل الرفع عل هذا ولكنه رفع الابتداء والخبر محذوف أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء ) وحور عين ( وقد أجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء وأما على النصب فقيل هو معطوف على ) نبات كل شيء ( أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب أو النصب بفعل يقدر متأخرا أي وجنات من أعناب أخرجناها وهكذا القول في انتصاب الزيتون والرمان وقيل هما منصوبان على الاختصاص لكونهما عزيزين و ) مشتبها ( منتصب على الحال أي كل واحد منهما يشبه بعضه بعضا فى بعض أوصافه ولا يشبه بعضه بعضا فى البعض الآخر وقيل إن أحدهما يشبه الآخر فى الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار حجمه ولا يشبه أحدهما الآخر فى الطعم وقيل خص الزيتون والرمان لقرب منابتهما من العرب كما فى قوله الله سبحانه ) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ( ثم أمرهم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا أينع والثمر فى اللغة جنى الشجر واليانع الناضج الذى قد أدرك وحان قطافه قال ابن الأنباري الينع جمع يانع كركب وراكب
وقال الفراء أينع احمر وقرأ حمزة والكسائي ) ثمرة ( بضم الثاء والميم وقرأ الباقون بفتحها إلا الأعمش فإنه قرأ ثمره بضم الثاء وسكون الميم تخفيفا وقرأ محمد بن السميفع وابن محيصن وابن أبي إسحاق ) وينعه ( بضم الياء التحتية


"""""" صفحة رقم 145 """"""
قال الفراء هي لغة بعض أهل نجد وقرأ الباقون بفتحها والإشارة بقوله ) إن في ذلكم ( إلى ما تقدم ذكره مجملا ومفصلا ) لآيات لقوم يؤمنون ( بالله استدلالا بما يشاهدونه من عجائب مخلوقاته التى قصها عليهم
الآثار الوارده في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى ) إن الله فالق الحب والنوى ( يقول خلق الحب والنوى وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال يفلق الحب والنوى عن النبات وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال الشقان اللذان فيهما وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه فى قوله ) يخرج الحي من الميت ( قال النخلة من النواة والسنبلة من الحبة ) ومخرج الميت من الحي ( قال النواة من النخلة والحبة من السنبلة وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ) يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ( قال الناس الأحياء من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء ومن الأنعام والنبات كذلك أيضا
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ) فأنى تؤفكون ( أي فكيف تكذبون وأخرج أيضا عن الحسن قال أنى تصرفون وأخرج أيضا عن ابن عباس فى ) فالق الإصباح ( قال خلق الليل والنهار وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى ) فالق الإصباح ( قال إضاءة الفجر وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر عن قتادة فى قوله ) فالق الإصباح ( قال فالق الصبح وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) وجعل الليل سكنا ( قال سكن فيه كل طير ودابة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) والشمس والقمر حسبانا ( يعني عدد الأيام والشهور والسنين
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ( قال يضل الرجل وهو فى الظلمة والجور عن الطريق وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والخطيب فى كتاب النجوم عن عمر بن الخطاب قال تعلموا من النجوم ما تهتدون به فى بركم وبحركم ثم أمسكوا فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ابن عمر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تعلموا من النجوم ما تهتدون به فى ظلمات البر والبحر ثم انتهوا
وقد ورد فى استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك أحاديث منها عند الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله وأخرج ابن شاهين والطبراني والحاكم والخطيب عن عبد الله بن أبي أوفى قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فذكر نحوه وأخرج أحمد فى الزهد والخطيب عن أبي الدرداء نحوه وأخرج الخطيب فى كتاب النجوم عن أبي هريرة نحو حديثه الأول مرفوعا وأخرج الحاكم فى تاريخه والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة أيضا قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاثة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله التاجر الأمين والإمام المقتصد وراعى الشمس بالنهار وأخرج عبد الله بن أحمد فى زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال سبعة فى ظل الله يوم لا ظل إلا ظله فذكر منهم الرجل الذى يراعي الشمس لمواقيت الصلاة
فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله والصلاة لا لغير ذلك وقد جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر طلوع الشمس وأول صلاة الظهر زوالها ووقت العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية ووقت المغرب غروب


"""""" صفحة رقم 146 """"""
الشمس وورد فى صلاة العشاء أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يصليها لوقت مغيب القمر ليلة ثالث الشهر وبها يعرف أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها فمن راعى الشمس والقمر بهذه الأمور فهو الذى أراده ( صلى الله عليه وسلم ) ومن راعاها لغير ذلك فهو غير مراد بما ورد وهكذا النجوم ورد النهي عن النظر فيها كما أخرج ابن مردويه والخطيب عن علي قال نهاني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن النظر فى النجوم
وأخرج ابن مردويه والمرهبي والخطيب عن أبي هريرة قال نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن النظر فى النجوم وأخرج الخطيب عن عائشة مرفوعا مثله وأخرج الطبراني وأبو نعيم فى الحلية والخطيب عن ابن مسعود قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس قال قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد فهذه الأحاديث محمولة على النظر فيها لما عدا الاهتداء والتفكر والاعتبار وما ورد فى جواز النظر فى النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر والاعتبار كما يدل عليه حديث ابن عمر السابق وعليه يحمل ما روى عن عكرمة فيما أخرجه الخطيب عنه أنه سأل رجلا عن حساب النجوم فجعل الرجل يتحرج أن يخبره فقال عكرمة سمعت ابن عباس يقول علم عجز الناس عنه ووددت أني علمته وقد أخرج أبو داود والخطيب عن سمرة بن جندب أنه خطب فذكر حديثا عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال أما بعد فإن ناسا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعبر بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة وقد ثبت فى الصحيحين وغيرهما فى كسوف الشمس والقمر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة مرفوعا إن الله نصب آدم بين يديه ثم ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه حتى ملئوا الأرض فهذا الحديث هو معنى ما فى الآية ) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ( وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس فى قوله ) فمستقر ومستودع ( قال المستقر ما كان فى الرحم والمستودع ما استودع فى أصلاب الرجال والدواب وفى لفظ المستقر ما فى الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما قد مات وفى لفظ المستقر ما كان فى الأرض والمستودع ما كان فى الصلب وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود فى الآية قال مستقرها فى الدنيا ومستودعها فى الآخرة وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال المستقر الرحم والمستودع المكان الذى يموت فيه
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة فى الآية قالا مستقر فى القبر ومستودع فى الدنيا أوشك أن يلحق بصاحبه
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي فى قوله ) نخرج منه حبا متراكبا ( قال هذا السنبل وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب ) قنوان دانية ( قال قريبة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) قنوان دانية ( قال قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قنوان الكبائس والدانية المنصوبة وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا فى ) قنوان دانية ( قال تهدل العذوق من الطلع وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) مشتبها وغير متشابه ( قال متشابها ورقه مختلفا ثمره وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن


"""""" صفحة رقم 147 """"""
كعب القرظي فى قوله ) انظروا إلى ثمره إذا أثمر ( قال رطبه وعنبه وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء ) وينعه ( قال نضجه
سورة الأنعام الآية ( 100 103 )
الأنعام : ( 100 ) وجعلوا لله شركاء . . . . .
هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم قال النحاس الجن المفعول الأول وشركاء المفعول الثاني كقوله تعالى ) وجعلكم ملوكا ( ) وجعلت له مالا ممدودا ( وأجاز الفراء أن يكون الجن بدلا من شركاء ومفسرا له وأجاز الكسائي رفع الجن بمعنى هم الجن كأنه قيل من هم فقيل الجن وبالرفع قرأ يزيد بن أبي قطيب وأبو حيان وقريء بالجر على إضافة شركاء إلى الجن للبيان والمعنى أنهم جعلوا شركاء لله فعبدوهم كما عبدوه وعظموهم كما عظموه وقيل المراد بالجن هاهنا الملائكة لاجتنانهم أي استتارهم وهم الذين قالوا الملائكة بنات الله وقيل نزلت فى الزنادقة الذين قالوا إن الله تعالى وإبليس أخوان فالله خالق الناس والدواب وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب وروى ذلك عن الكلبي ويقرب من هذا قول المجوس فإنهم قالوا للعالم صانعان هما الرب سبحانه والشيطان وهكذا القائلون كل خير من النور وكل شر من الظلمة وهم المانوية قوله ) وخلقهم ( جملة حالية بتقدير قد أي وقد علموا أن الله خلقهم أو خلق ما جعلوه شريكا لله قوله ) وخرقوا له بنين وبنات ( قرأ نافع بالتشديد على التكثير لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله والنصارى ادعو أن المسيح ابن الله واليهود ادعوا أن عزيرا ابن الله فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى وقرأ الباقون بالتخفيف وقرئ ? حرفوا ? من التحريف أي زوروا قال أهل اللغة معنى خرقوا اختلقوا وافتعلوا وكذبوا يقال اختلق الإفك واخترقه وخرقه أو أصله من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات قوله ) بغير علم ( متعلق بمحذوف هو حال أي كائنين بغير علم بل قالوا ذلك عن جهل خالص ثم بعد حكاية هذا الضلال البين والبهت الفظيع من جعل الجن شركاء لله وإثبات بنين وبنات له نزه الله نفسه فقال ) سبحانه وتعالى عما يصفون ( وقد تقدم الكلام فى معنى سبحانه ومعنى ) تعالى ( تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذى وصفوه به
الأنعام : ( 101 ) بديع السماوات والأرض . . . . .
قوله ) بديع السماوات والأرض ( أي مبدعهما فيكف يجوز أن ) يكون له ولد ( وقد جاء البديع بمعنى المبدع كالسميع بمعنى المسمع كثيرا ومنه قول عمرو بن معدي كرب أمن ريحانة الداعي السميع
يؤرقني وأصحابي هجوع
أي المسمع وقيل هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل والأصل بديع سمواته وأرضه وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله والظاهر أن رفعه على تقدير مبتدأ محذوف أو على أنه مبتدأ وخبره ) أنى يكون له ولد (


"""""" صفحة رقم 148 """"""
وقيل هو مرفوع على أنه فاعل ) تعالى ( وقرئ بالنصب على المدح والاستفهام فى ) أنى يكون له ولد ( للإنكار والاستبعاد أي من كان هذا وصفه وهو أنه خالق السموات والأرض وما فيهما كيف يكون له ولد وهو من جملة مخلوقاته وكيف يتخذ ما يخلقه ولدا ثم بالغ فى نفي الولد فقال ) ولم تكن له صاحبة ( أي كيف يكون له ولد والحال أنه لم تكن له صاحبة والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد وجملة ) وخلق كل شيء ( لتقرير ما قبلها لأن من كان خالقا كل شيء استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولدا ) وهو بكل شيء عليم ( لا تخفى عليه من مخلوقاته خافية
الأنعام : ( 102 ) ذلكم الله ربكم . . . . .
والإشارة بقوله ) ذلكم ( إلى الأوصاف السابقة وهو فى موضع رفع على الابتداء وما بعده خبره وهو الاسم الشريف و ) ربكم ( خبر ثان و ) لا إله إلا هو ( خبر ثالث و ) خالق كل شيء ( خبر رابع ويجوز أن يكون ) الله ربكم ( بدلا من اسم الإشارة وكذلك ) لا إله إلا هو خالق كل شيء ( خبر المبتدأ ويجوز ارتفاع خالق على إضمار مبتدأ وأجاز الكسائي والفرا النصب فيه ) فاعبدوه ( أي من كانت هذه صفاته فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء
الأنعام : ( 103 ) لا تدركه الأبصار . . . . .
قوله ) لا تدركه الأبصار ( الأبصار جمع بصر وهو الحاسة وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به قال الزجاج أي لا تبلغ كنه حقيقته فالمنفى هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا شك فيه ولا شبهة ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلا عظيما وأيضا قد تقرر فى علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية فالمراد به هذه الرؤية الخاصة والآية من سلب العموم لا من عموم السلب والأول تخلفه الجزئية والتقدير لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية فى الآخرة واعتضادها بقوله تعالى ) وجوه يومئذ ناضرة ( الآية قوله ) وهو يدرك الأبصار ( أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية وخص الأبصار ليجانس ما قبله وقال الزجاج فى هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر وما الشيء الذى صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى ) وهو اللطيف ( أي الرفيق بعباده يقال لطف فلان بفلان أي رفق به واللطف فى العمل الرفق فيه واللطف من الله التوفيق والعصمة وألطفه بكذا إذا أبره والملاطفة المبارة هكذا قال الجوهري وابن فارس و ) الخبير ( المختبر بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم ( قال والله خلقهم ) وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ( قال تخرصوا وأخرج ابن أبي حاتم عنه فى قوله ) وخرقوا ( قال جعلوا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال كذبوا وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه وأخرج ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فى قوله ) لا تدركه الأبصار ( قال لو أن الإنس والجن والملائكة والشياطين منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا قال الذهبي هذا حديث منكر انتهى وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال رأى محمد ربه قال عكرمة فقلت له أليس الله يقول ) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ( قال لا أم لك ذاك نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء


"""""" صفحة رقم 149 """"""
وفى لفظ إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر وأخرج ابن جرير عنه قال لا يحيط بصر أحد بالله
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي فى كتاب الرؤية عن الحسن فى قوله ) لا تدركه الأبصار ( قال فى الدنيا وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إسماعيل بن علية مثله
سورة الأنعام الآية ( 104 108 )
الأنعام : ( 104 ) قد جاءكم بصائر . . . . .
البصائر جمع بصيرة وهى فى الأصل نور القلب والمراد بها هنا الحجة البينة والبرهان الواضح وهذا الكلام وارد على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولهذا قال فى آخره ) وما أنا عليكم بحفيظ ( ووصف البصائر بالمجيء تفخيما لشأنها وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه كما يقال جاءت العافية وانصرف المرض وأقبلت السعود وأدبرت النحوس ) فمن أبصر فلنفسه ( أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن لها فنفع ذلك لنفسه لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار ) ومن عمي ( عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها فضرر ذلك على نفسه لأنه يتعرض لغضب الله فى الدنيا ويكون مصيره النار ) وما أنا عليكم بحفيظ ( برقيب أحصى عليكم أعمالكم وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم قال الزجاج نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان
الأنعام : ( 105 ) وكذلك نصرف الآيات . . . . .
) وكذلك نصرف الآيات ( أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها فى الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه قوله ) وليقولوا درست ( العطف على محذوف أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست أو علة لفعل محذوف يقدر متأخرا أي وليقولوا درست صرفناها وعلى هذا تكون اللام للعاقبة أو للصيرورة
والمعنى ومثل ذلك التصريف نصرف الآيات وليقولوا درست فإنه لا احتفال بقولهم ولا اعتداد بهم فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الاكتراث بقولهم وقد أشار إلى مثل هذا الزجاج وقال النحاس وفي المعنى قول آخر حسن وهو أن يكون معنى ) نصرف الآيات ( نأتي بها آية بعد آية ) وليقولوا درست ( علينا فيذكرون الأول بالآخر فهذا حقيقته والذى قاله أبو إسحاق يعني الزجاج مجاز وفى ) درست ( قراءات قرأ أبو عمرو وابن كثير دارست بألف بين الدال والراء كفاعلت وهى قراءة علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وأهل مكة وقرأ ابن عامر ) درست ( بفتح السكين وإسكان التاء من غير ألف كخرجت وهى قراءة الحسن وقرأ الباقون ) درست ( كضربت فعلى القراءة الأولى المعنى دارست أهل الكتاب ودارسوك أي ذاكرتهم وذاكروك ويدل على هذا ما وقع فى الكتاب العزيز من إخبار الله عنهم بقوله ) وأعانه عليه قوم آخرون ( أي أعان اليهود النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على القرآن ومثله قولهم ) أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (


"""""" صفحة رقم 150 """"""
وقولهم ) إنما يعلمه بشر ( والمعنى على القراءة الثانية قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت وهو كقولهم ) أساطير الأولين ( والمعنى على القراءة الثالثة مثل المعنى على القراءة الأولى قال الأخفش هى بمعنى دارست إلا أنه أبلغ وحكى عن المبرد أنه قرأ ) وليقولوا ( بإسكان اللام فيكون فيه معنى التهديد أي وليقولوا ما شاءوا فإن الحق بين وفى هذا اللفظ أصله درس يدرس دراسة فهو من الدرس وهو القراءة وقيل من درسته أي ذللته بكثرة القراءة وأصله درس الطعام أي داسه والدياس الدارس بلغة أهل الشام وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درسا أي أخلقته ودرست المرأة درسا أي حاضت ويقال إن فرج المرأة يكنى أبا دراس وهو من الحيض والدرس أيضا الطريق الخفي وحكى الأصمعي بعير لم يدرس أي لم يركب وروى عن ابن عباس وأصحابه وأبي وابن مسعود والأعمش أنهم قرءوا درس أي درس محمد الآيات وقرئ ) درست ( وبه قرأ زيد بن ثابت أي الآيات على البناء للمفعول ودارست أي دارست اليهود محمدا واللام فى ? لنبينه ? لام كي أي نصرف الآيات لكي نبينه لقوم يعلمون والضمير راجع إلى الآيات لأنها فى معنى القرآن أو إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل
الأنعام : ( 106 ) اتبع ما أوحي . . . . .
قوله ) اتبع ما أوحي إليك من ربك ( أمره الله باتباع ما أوحى إليه وأن لا يشغل خاطره بهم بل يشتغل باتباع ما أمره الله وجملة ) لا إله إلا هو ( معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لقصد تأكيد إيجاب الاتباع ) وأعرض ( معطوف على ) اتبع ( أمره الله بالإعراض عن المشركين بعدما أمره باتباع ما أوحى إليه وهذا قبل نزول آية السيف
الأنعام : ( 107 ) ولو شاء الله . . . . .
) لو شاء الله ما أشركنا ( أي لو شاء الله عدم إشراكهم ما أشركوا وفيه أن الشرك بمشيئة الله سبحانه والكلام فى تقرير هذا على الوجه الذى يتعارف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده ) وما جعلناك عليهم حفيظا ( أي رقيبا ) وما أنت عليهم بوكيل ( أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة
الأنعام : ( 108 ) ولا تسبوا الذين . . . . .
قوله ) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ( الموصول عبارة عن الآلهة التى كانت تعبدها الكفار والمعنى لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التى يدعونها من دون الله فيتسبب عن ذلك سبهم لله عدوانا وتجاوزا عن الحق وجهلا منهم
وفى هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشى أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم ومخالفة حق ووقوع فى باطل أشد كان الترك أولى به بل كان واجبا عليه وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم والبكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه وتركوا غيره من المعروف وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق وبغضا لاتباع المحقين وجراءة على الله سبحانه سبحانه فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك فى أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا فى كثير من الباطل وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البديعة فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع وهم شر من الزنادقة لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة وهى أصل أصيل فى سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه وقرأ أهل مكة ) عدوا ( بضم العين والدال وتشديد الواو وهى قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة وقرأ من


"""""" صفحة رقم 151 """"""
عداهم بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو ومعنى القراءتين واحد أي ظلما وعدوانا وهو منتصب على الحال أو على المصدر أو على أنه مفعول له ) كذلك زينا لكل أمة عملهم ( أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم من الخير والشر ) يضل من يشاء ويهدي من يشاء ( ) ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ( فى الدنيا من المعاصى التى لم ينتهوا عنها ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) قد جاءكم بصائر ( أي بينة ) فمن أبصر فلنفسه ( أي فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ) ومن عمي ( أي من ضل ) فعليها ( وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء فى المختارة عن ابن عباس أنه كان يقرأ دارست وقال قرأت وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عنه ) درست ( قال قرأت وتعلمت وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عنه أيضا قال دارست خاصمت جادلت تلوت وأخرج أبو الشيخ عن السدي ) وأعرض عن المشركين ( قال كف عنهم وهذا منسوخ نسخة القتال ) فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي فى الأسماء والصفات عن ابن عباس فى قوله ) ولو شاء الله ما أشركوا ( يقول الله تبارك وتعالى لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) وما أنت عليهم بوكيل ( أي بحفيظ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ( قال قالوا يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ) فيسبوا الله عدوا بغير علم ( وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ملعون من سب والديه قالوا يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه
سورة الأنعام الآية ( 109 113 )
الأنعام : ( 109 ) وأقسموا بالله جهد . . . . .
قوله ) وأقسموا بالله ( أي الكفار مطلقا أو كفار قريش وجهد الأيمان أشدها أي أقسموا بالله أشد


"""""" صفحة رقم 152 """"""
أيمانهم التى بلغتها قدرتهم وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم فلهذا أقسموا به وانتصاب جهد على المصدرية وهو بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد والمعنى أنهم اقترحوا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) آية من الآيات التى كانوا يقترحونها وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التى اقترحوها ) ليؤمنن بها ( وليس غرضهم الإيمان بل معظم قصدهم التحكم على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والتلاعب بآيات الله فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله ) إنما الآيات عند الله ( هذه الآية التى يقترحونها وغيرها وليس عندي من ذلك شيء فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها
قوله ) وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( قرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة من أنها وهى قراءة مجاهد ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود ) وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( قال مجاهد وابن زيد المخاطب بهذا المشركون أي وما يدريكم ثم حكم عليهم بقوله ) أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( وقال الفراء وغيره الخطاب للمؤمنين لأن المؤمنين قالوا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون فقال الله تعالى ) وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( وقرأ أهل المدينة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر ) أنها إذا جاءت ( بفتح الهمزة قال الخليل أنها بمعنى لعلها وفى التنزيل ) وما يدريك لعله يزكى ( أي أنه يزكى وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا أي لعلك ومنه قول الشاعر عدي بن زيد أعاذل ما يدريك أن منيتي
إلى ساعة فى اليوم أو فى ضحى الغد
أي لعل منيتي ومنه قول دريد بن الصمة أريني جوادا مات هزلا لأنني
أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
أي لعلني وقول أبي النجم قلت لشيبان ادن من لقائه
أني بعد اليوم من سوائه
أي لعلى وقول جرير هل أنتم عائجون بنا لأن
نرى العرصات أو أثر الخيام
أي لعلنا اه وقد وردت فى كلام العرب كثيرا بمعنى لعل وحكى الكسائي أنها كذلك فى مصحف أبي بن كعب وقال الكسائي أيضا والفراء إن ) لا ( زائدة والمعنى وما يشعركم أنها أي الآيات إذا جاءت يؤمنون فزيدت كما زيدت فى قوله تعالى ) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ( وفى قوله ) ما منعك ألا تسجد ( وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة لا وقالوا هو غلط وخطأ وذكر النحاس وغيره أن فى الكلام حذفا والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع
الأنعام : ( 110 ) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم . . . . .
قوله ) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ( معطوف على ) لا يؤمنون ( قيل والمعنى تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر ) كما لم يؤمنوا ( فى الدنيا ) ونذرهم ( في الدنيا أي نمهلهم ولا نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة وبعضها في الدنيا وقيل المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم فى الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور المعجزة وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم فى طغيانهم يعمهون أي يتحيرون والكاف فى ) كما لم يؤمنوا ( نعت مصدر محذوف وما مصدرية و ) يعمهون ( فى محل نصب على الحال


"""""" صفحة رقم 153 """"""
الأنعام : ( 111 ) ولو أننا نزلنا . . . . .
قوله ) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ( أي لا يؤمنون ولو نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوه بقولهم ) لولا أنزل عليه ملك ( ) وكلمهم الموتى ( الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم فقالوا لهم إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله فآمنوا به لم يؤمنوا ) وحشرنا عليهم كل شيء ( مما سألوه من الآيات ) قبلا ( أي كفلا وضمنا بما جئناهم به من الآيات البينات هذا على قراءة من قرأ قبلا بضم القاف وهم الجمهور وقرأ نافع وابن عامر قبلا بكسرها أي مقابلة
وقال محمد بن يزيد المبرد قبلا بمعنى ناحية كما تقول لي قبل فلان مال فقبلا نصب على الظرف وعلى المعنى الأول ورد قوله تعالى ) أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ( أي يضمنون كذا قال الفراء وقال الأخفش هو بمعنى قبيل قبيل أي جماعة جماعة وحكى أبو زيد لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا كله واحد بمعنى المواجهة فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوى القراءتان والحشر الجمع ) ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ( إيمانهم فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والاستثناء مفرغ ) ولكن أكثرهم يجهلون ( جهلا يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب
الأنعام : ( 112 ) وكذلك جعلنا لكل . . . . .
قوله ) وكذلك جعلنا لكل نبي ( هذا الكلام لتسلية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم أي مثل هذا الجعل ) جعلنا لكل نبي عدوا ( والمعنى كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار فجعلنا لكل واحد منهم عدوا من كفار زمنهم و ) شياطين الإنس والجن ( بدل من عدوا وقيل هو المفعول الثاني لجعلنا وقرأ الأعمش الجن والإنس بتقديم الجن والمراد بالشياطين المردة من الفريقين والإضافة بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف والأصل الإنس والجن الشياطين وجملة ) يوحي بعضهم إلى بعض ( فى محل نصب على الحال أي حال كونه يوسوس بعضه لبعض وقيل إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدو وسمى وحيا لأنه إنما يكون خفية بينهم وجعل تمويههم زخرف القول لتزيينهم إياه والمزخرف المزين وزخارف الماء طرائقه و ) غرورا ( منتصب على المصدر لأن معنى يوحى بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غرورا ويجوز أن يكون فى موضع الحال ويجوز أن يكون مفعولا له والغرور الباطل قوله ) ولو شاء ربك ما فعلوه ( الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقا من الأمور التى جرت من الكفار فى زمنه وزمن الأنبياء قبله أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ما فعلوه وأوقعوه وقيل ما فعلوا الإيحاء المدلول عليه بالفعل ) فذرهم ( أي اتركهم وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله ) ذرني ومن خلقت وحيدا ( ) وما يفترون ( إن كانت ما مصدرية فالتقدير اتركهم وافتراءهم وإن كانت موصولة فالتقدير اتركهم والذى يفترونه
الأنعام : ( 113 ) ولتصغى إليه أفئدة . . . . .
قوله ) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ( اللام فى لتصغى لام كي فتكون علة كقوله ) يوحى ( والتقدير يوحى بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى وقيل هو متعلق بمحذوف يقدر متأخرا أي لتصغى ) جعلنا لكل نبي عدوا ( وقيل إن اللام للأمر وهو غلط فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل والإصغاء الميل يقال صغوت أصغو صغوا وصغيت أصغى ويقال صغيت بالكسر ويقال أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض ويقال صغت النجوم إذا مالت للغروب وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها ومنه قول ذي الرمة تصغى إذا شدها بالكور جانحة
حتى إذا ما استوى فى غرزها وثبت
والضمير فى إليه لزخرف القول أو لما ذكر سابقا من زخرف القول وغيره أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم ) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ( من الكفار ) وليرضوه ( لأنفسهم بعد الإصغاء إليه ) وليقترفوا ما هم مقترفون ( من الآثام والاقتراف الاكتساب يقال خرج ليقترف لأهله أي


"""""" صفحة رقم 154 """"""
ليكتسب لهم وقارف فلان هذ ا الأمر إذا واقعه وقرفه إذا رماه بالريبة واقترف كذب وأصله اقتطاع قطعة من الشئ
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال نزلت ) وأقسموا بالله جهد أيمانهم ( فى قريش ) وما يشعركم ( يا أيها المسلمون ) أنها إذا جاءت لا يؤمنون ( وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال كلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قريشا فقالوا يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر وأن عيسى كان يحيى الموتى وأن ثمود لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أي شيء تحبون أن آتيكم به قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا قال فإن فعلت تصدقوني قالوا نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يدعو فجاءه جبريل فقال له إن شئت أصبح ذهبا فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم فقال بل يتوب تائبهم فأنزل الله ) وأقسموا بالله جهد أيمانهم ( إلى قوله ) يجهلون ( وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ( قال لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ) وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ( قال معاينة ) ما كانوا ليؤمنوا ( أي أهل الشقاء ) إلا أن يشاء الله ( أي أهل السعادة والذين سبق لهم فى علمه أن يدخلوا فى الإيمان وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ) وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ( أي فعاينوا ذلك معاينة وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال أفواجا قبيلا
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس فى قوله ) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ( قال إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم فيلتقى شيطان الإنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا أضلله بكذا وأضلله بكذا فهو ) يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ( وقال ابن عباس الجن هم الجان وليسوا شياطين والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجن يموتون فمنهم المؤمن ومنهم الكافر وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال الكهنة هم شياطين الأنس وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) يوحي بعضهم إلى بعض ( قال شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس فإن الله يقول ) وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ( وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة فى الآية قال من الإنس شياطين ومن الجن شياطين يوحى بعضهم إلى بعض وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس زخرف القول قال يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في قتنتهم وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا أيا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس قال يا نبي الله وهل للإنس شياطين قال نعم شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا
وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي فى الشعب عن أبي ذر مرفوعا نحوه وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) ولتصغى ( لتميل وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عنه ) ولتصغى ( تزيغ ) وليقترفوا ( يكتسبوا
سورة الأنعام الآية ( 114 117 )


"""""" صفحة رقم 155 """"""
الأنعام : ( 114 ) أفغير الله أبتغي . . . . .
قوله ) أفغير الله ( الاستفهام للإنكار والفاء للعطف على فعل مقدر والكلام هو على إرادة القول والتقدير قل لهم يا محمد كيف أضل وأبتغى غير الله حكما وغير مفعول لأبتغي مقدم عليه وحكما المفعول الثاني أو العكس
ويجوز أن ينتصب حكما على الحال والحكم أبلغ من الحاكم كما تقرر فى مثل هذه الصفة المشتقة أمره الله سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه من أن يجعل بينه وبينهم حكما فيما اختلفوا فيه وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم وجملة ) وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ( فى محل نصب على الحال أي كيف أطلب حكما غير الله وهو الذى أنزل عليكم القرآن مفصلا مبينا واضحا مستوفيا لكل قضية على التفصيل ثم أخبر نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بأن أهل الكتاب وإن أظهروا الجحود والمكابرة فإنهم يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بما دلتهم عليه كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء و ) بالحق ( متعلق بمحذوف وقع حالا أي متلبسا بالحق الذى لا شك فيه ولا شبهة ثم نهاه الله عن أن يكون من الممترين فى أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق أو نهاه عن مطلق الامتراء ويكون ذلك تعريضا لأمته عن أن يمترى أحد منهم أو الخطاب لكل من يصلح له أي فلا يكونن أحد من الناس من الممترين ولا يقدح فى ذلك كون الخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن خطابه خطاب لأمته
الأنعام : ( 115 ) وتمت كلمة ربك . . . . .
قوله ) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( قرأ أهل الكوفة كلمة بالتوحيد وقرأ الباقون بالجمع والمراد بالكلمات العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد
والمعنى أن الله قد أتم وعده ووعيده فظهر الحق وانطمس الباطل وقيل المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن و ) صدقا وعدلا ( منتصبان على التمييز أو الحال أو على أنهما نعت مصدر محذوف أي تمام صدق وعدل ) لا مبدل لكلماته ( لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به والجملة المنفية فى محل نصب على الحال أو مستأنفة ) وهو السميع ( لكل مسموع ) العليم ( بكل معلوم
الأنعام : ( 116 ) وإن تطع أكثر . . . . .
قوله ) وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ( أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من فى الأرض أضلوه لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين وهم الطائفة التى لا تزال على الحق ولا يضرها خلاف من يخالفها كما ثبت ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل المراد بالأكثر الكفار وقيل المراد بالأرض مكة أي أكثر أهل مكة ثم علل ذلك سبحانه بقوله ) إن يتبعون إلا الظن ( أي ما يتبعون إلا الظن الذى لا أصل له وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى الله ) وإن هم إلا يخرصون ( أي وما هم إلا يخرصون أي يحدسون ويقدرون وأصل الخرص القطع ومنه خرص النخل يخرص إذا حزره ليأخذ منه الزكاة فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به إذ لا يقين منه
الأنعام : ( 117 ) إن ربك هو . . . . .
وإذا كان هذا حال أكثر من فى الأرض فالعلم الحقيقي هو عند الله فاتبع ما أمرك به ودع عنك طاعة غيره وهو العالم بمن يضل عن سبيله ومن يهتدى إليه قال بعض أهل العلم إن ) أعلم ( فى الموضعين بمعنى يعلم قال ومنه قول حاتم الطائي فحالفت طي من دوننا حلفا
والله أعلم ما كنا لهم خولا


"""""" صفحة رقم 156 """"""
والوجه فى هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر فتكون من منصوبة بالفعل الذى جعل أفعل التفضيل نائبا عنه وقيل إن أفعل التفضيل على بابه والنصب بفعل مقدر وقيل إنها منصوبة بأفعل التفضيل أي إن ربك أعلم أي الناس يضل عن سبيله وقيل فى محل نصب بنزع الخافض أي بمن يضل قاله بعض البصريين وقيل فى محل جر بإضافة أفعل التفضيل إليها
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) مفصلا ( قال مبينا وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) صدقا وعدلا ( قال صدقا فيما وعد وعدلا فيما حكم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نصر السجزي فى الإبانة عن محمد بن كعب القرظي فى قوله ) لا مبدل لكلماته ( قال لا تبديل لشيء قاله فى الدنيا والآخرة لقوله ) ما يبدل القول لدي ( وأخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فى قوله ) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( قال لا إله إلا الله وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي اليمان عامر بن عبد الله قال دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ولكل قوم صنم يعبدونه فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن فى صدر الصنم بعصا ثم يعقره فكلما طعن صنما أتبعه ضربا بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجا من المسجد والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم )
سورة الأنعام الآية ( 118 120 )
الأنعام : ( 118 ) فكلوا مما ذكر . . . . .
لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار فى الأنعام من تلك السنن الجاهلية أمر الله المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقيل إنها نزلت فى سبب خاص وسيأتي ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله حل إن كان مما أباح الله أكله وقال عطاء فى هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح وكل مطعوم والشرط فى ) إن كنتم بآياته مؤمنين ( للتهييج والإلهاب أي بأحكامه من الأوامر والنواهي التى من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه
الأنعام : ( 119 ) وما لكم ألا . . . . .
والاستفهام فى ) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( للإنكار أي ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن الله لكم بذلك ? و ? الحال أن ) وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله ) قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ( إلى آخر الآية ثم استثنى فقال ) إلا ما اضطررتم إليه ( أي من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام وقد تقدم تحقيقه فى البقرة قرأ نافع ويعقوب ) وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( بفتح الفعلين على البناء للفاعل وهو الله سبحانه وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالضم فيهما على النباء للمفعول وقرأ عطية العوفي ) فصل ( بالتخفيف أي أبان وأظهر قوله ) وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ( هم الكفار الذين كانوا يحرمون البحيرة والسائبة ونحوهما فإنهم بهذه الأفعال المبنية على الجهل كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك جهل


"""""" صفحة رقم 157 """"""
وضلالة لا يرجع إلى شيء من العلم
الأنعام : ( 120 ) وذروا ظاهر الإثم . . . . .
ثم أمرهم الله أن يتركوا ظاهر الإثم وباطنه والظاهر ما كان يظهر كأفعال الجوارح والباطن ما كان لا يظهر كأفعال القلب وقيل ما أعلنتم وما أسررتم وقيل الزنا الظاهر والزنا المكتوم وأضاف الظاهر والباطن إلى الإثم لأنه يتسبب عنهما ثم توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على الله سبحانه
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال جاءت اليهود إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله ) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( إلى قوله ) وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ( وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( فإنه حلال ) إن كنتم بآياته ( يعني القرآن ) مؤمنين ( قال مصدقين ) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( يعني الذبائح ) وقد فصل لكم ما حرم عليكم ( يعني ما حرم عليكم من الميتة ) وإن كثيرا ( يعني من مشركي العرب ) ليضلون بأهوائهم بغير علم ( يعني في أمر الذبائح
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) إلا ما اضطررتم إليه ( أي من الميتة والدم ولحم الخنزير وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ) وذروا ظاهر الإثم ( قال هو نكاح الأمهات والبنات ) وباطنه ( قال هو الزنا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال الظاهر منه ) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ( و ) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ( الآية والباطن الزنا وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة فى الآية قال علانيته وسره
سورة الأنعام الآية ( 121 )
الأنعام : ( 121 ) ولا تأكلوا مما . . . . .
نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه
وقد اختلف أهل العلم فى ذلك فذهب ابن عمر ونافع مولاه والشعبي وابن سيرين وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل وبه قال أبو ثور وداود الظاهري أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية ولقوله تعالى فى آية الصيد ) فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ( ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه فى هذه الآية ) وإنه لفسق )
فوائد
وقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية فى الصيد وغيره وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء ابن أبي رباح وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله وهو تخصيص للآية بغير مخصص وقد روى أبو داود فى المرسل أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا أنتم وكلوا يفيد أن التسمية عند الأكل تجزئ مع التباس وقوعها


"""""" صفحة رقم 158 """"""
عند الذبح وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أن التسميه إن تركت نسيانا لم تضر وإن تركت عمدا لم يحل أكل الذبيحة وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلي وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال المسلم إن نسى أن يسمى حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله وهذا الحديث رفعه خطأ وإنما هو من قول ابن عباس وكذا أخرجه من قوله عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى ) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( كما سبق تقريره وبقوله ( صلى الله عليه وسلم ) رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما حديث أبي هريرة الذى أخرجه ابن عدي أن رجلا جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) اسم الله على كل مسلم فهو حديث ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره قوله ) وإنه لفسق ( الضمير يرجع إلى ) ما ( بتقدير مضاف أي وإن أكل ما لم يذكر لفسق ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا أي فإن الأكل لفسق وقد تقدم تحقيق الفسق
وقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله ) وإنه لفسق ( ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا بل الفسق الذبح لغير الله ويجاب عنه بأن طلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعا ) وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ( أي يوسوسون لهم بالوساوس المخالفة للحق المباينة للصواب قاصدين بذلك أن يجادلكم هؤلاء الأولياء بما يوسوسون لهم ) وإن أطعتموهم ( فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه ) إنكم لمشركون ( مثلهم
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي فى سننه عن ابن عباس قال قال المشركون وفي لفظ قال اليهود لا تأكلوا مما قتل الله وتأكلوا مما قتلتم أنتم فأنزل الله ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عنه قال لما نزلت ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا فقالوا له ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال وما ذبح الله بشمشار من ذهب يعني الميتة فهو حرام فنزلت ) وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ( قال الشياطين من فارس وأوليائهم من قريش وقد روى نحو ما تقدم فى حديث ابن عباس الأول من غير طريق وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عنه أيضا فى قوله ) وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ( قال إبليس أوحى إلى مشركي قريش
وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي فى سننه عنه أيضا فى قوله ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ( فنسخ واستثنى من ذلك فقال ) وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه وروى ابن أبي حاتم عن مكحول نحو قول ابن عباس فى النسخ


"""""" صفحة رقم 159 """"""
سورة الأنعام الآية ( 122 124 )
الأنعام : ( 122 ) أو من كان . . . . .
قوله ) أو من كان ميتا فأحييناه ( قرأ الجمهور بفتح الواو بعد همزة الاستفهام وقرأ نافع وابن أبي نعيم بإسكانها قال النحاس يجوز أن يكون محمولا على المعنى أي انظروا وتدبروا ) أفغير الله أبتغي حكما ( ) أو من كان ميتا فأحييناه ( والمراد بالميت هنا الكافر أحياه الله بالإسلام وقيل معناه كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه والأول أولى لأن السياق يشعر بذلك لكونه فى تنفير المسلمين عن اتباع المشركين وكثيرا ما تستعار الحياة للهداية وللعلم ومنه قول القائل وفى الجهل قبل الموت موت لأهله
فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحى بالعلم ميت
فليس له حتى النشور نشور
والنور عبارة عن الهداية والإيمان وقيل هو القرآن وقيل الحكمة وقيل هو النور المذكور في قوله تعالى ) يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ( والضمير فى به راجع إلى النور ) كمن مثله في الظلمات ( أي كمن صفته فى الظلمات ومثله مبتدأ والظلمات خبره والجملة صفة لمن وقيل مثل زائدة والمعنى كمن فى الظلمات كما تقول إنا أكرم من مثلك أي منك ومثله ) فجزاء مثل ما قتل من النعم ( ) ليس كمثله شيء ( وقيل المعنى كمن مثله مثل من هو فى الظلمات و ) ليس بخارج منها ( في محل نصب على الحال أي حال كونه ليس بخارج منها بحال من الأحوال
الأنعام : ( 123 ) وكذلك جعلنا في . . . . .
قوله ) وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ( أي مثل ذلك الجعل جعلنا فى كل قرية والأكابر جمع أكبر قيل هم الرؤساء والعظماء وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة وأصله الفتل فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها ) وما يمكرون إلا بأنفسهم ( أي وبال مكرهم عائد عليهم ) وما يشعرون ( بذلك لفرط جهلهم
الأنعام : ( 124 ) وإذا جاءتهم آية . . . . .
) وإذا جاءتهم آية ( من الآيات ) قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ( يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة ونظيره ) يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ( والمعنى إذا جاءت الأكابر آية قالوا هذه المقالة فأجاب الله عنهم بقوله ) الله أعلم حيث يجعل رسالته ( أي إن الله أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولا ويكون موضعا لها وأمينا عليها وقد اختار أن يجعل الرسالة فى محمد صفيه وحبيبه فدعوا طلب ما ليس من شأنكم ثم توعدهم بقوله ) سيصيب الذين أجرموا صغار ( أي ذل وهوان وأصله من الصغر كأن الذل يصغر إلى المرء نفسه وقيل الصغار هو الرضا بالذل روى ذلك عن ابن السكيت
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ) أو من كان ميتا فأحييناه ( قال كان كافرا ضالا فهديناه ) وجعلنا له نورا ( هو القرآن ) كمن مثله في الظلمات ( الكفر والضلالة وأخرج ابن أبي شيبة وابن


"""""" صفحة رقم 160 """"""
المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال نزلت فى عمار بن ياسر وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس فى قوله ) أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ( يعني عمر بن الخطاب ) كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( يعني أبا جهل بن هشام وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم فى الآية قال نزلت فى عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام كانا ميتين فى ضلالتهما فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزه وأقر أبا جهل فى ضلالته وموته وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دعا فقال اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة فى قوله ) وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ( قال نزلت فى المستهزئين وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس فى الآية قال سلطنا شرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال ) أكابر مجرميها ( عظماءها وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج فى قوله ) وإذا جاءتهم آية ( الآية قال قالوا لمحمد حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق لو كان هذا حقا لكان فينا من هو أحق أن يؤتى به من محمد ) وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس فى قوله ) سيصيب الذين أجرموا ( قال أشركوا ) صغار ( قال هوان
سورة الأنعام الآية ( 125 128 (
الأنعام : ( 125 ) فمن يرد الله . . . . .
قوله ) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ( الشرح الشق وأصله التوسعة وشرحت الأمر بينته وأوضحته والمعنى من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح ) ومن يرد ( إضلاله ) يجعل صدره ضيقا حرجا ( قرأ ابن كثير ) ضيقا ( بالتخفيف مثل هين ولين وقرأ الباقون بالتشديد وهما لغتان وقرأ نافع ) حرجا ( بالكسر ومعناه الضيق كرر المعنى تأكيدا وحسن ذلك اختلاف اللفظ وقرأ الباقون بالفتح جمع حرجة وهى شدة الضيق والحرجة الغيظة والجمع حرج وحرجات ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه وقال الجوهري مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية والحرج الإثم وقال الزجاج الحرج أضيق الضيق وقال النحاس حرج اسم الفاعل وحرج مصدر وصف به كما يقال رجل عدل قوله ) كأنما يصعد في السماء ( قرأ ابن كثير بالتخفيف من الصعود شبه الكافر فى ثقل الإيمان عليه بمن


"""""" صفحة رقم 161 """"""
يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء وقرأ النخعي يصاعد وأصله يتصاعد وقرأ الباقون ) يصعد ( بالتشديد وأصله يتصعد ومعناه يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء وقيل المعنى على جميع القراءات كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا على الإسلام وما فى ) كأنما ( هى المهيئة لدخول كأن على الجمل الفعلية قوله ) كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ( أي مثل ذلك الجعل الذى هو جعل الصدر ضيقا حرجا يجعل الله الرجس والرجس فى اللغة النتن وقيل هو العذاب وقيل هو الشيطان يسلطه الله عليهم وقيل هو ما لم خير فيه والمعنى الأول هو المشهور فى لغة العرب وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة وهو يصدق على جميع المعاني المذكورة
الأنعام : ( 126 ) وهذا صراط ربك . . . . .
والإشارة بقوله ) وهذا صراط ربك ( إلى ما عليه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومن معه من المؤمنين أي هذا طريق دين ربك لا اعوجاج فيه وقيل الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على التوفيق والخذلان أي هذا هو عادة الله فى عبادتة يهدى من يشاء ويضل من يشاء وانتصاب ) مستقيما ( على الحال كقوله تعالى ) وهو الحق مصدقا ( ) وهذا بعلي شيخا ( ) قد فصلنا الآيات ( أي بيناها وأوضحناها ) لقوم يذكرون ( ما فيها ويتفهمون معانيها
الأنعام : ( 127 ) لهم دار السلام . . . . .
) لهم دار السلام عند ربهم ( أي لهؤلاء المتذكرين الجنة لأنها دار السلامة من كل مكروه أو دار الرب السلام مدخرة لهم عند ربهم يوصلهم إليها ) وهو وليهم ( أي ناصرهم والباء فى ) بما كانوا يعملون ( للسببية أي بسبب أعمالهم ق
الأنعام : ( 128 ) ويوم يحشرهم جميعا . . . . .
وله ) ويوم نحشرهم جميعا ( الظرف منصوب بمضمر يقدر متقدما أي واذكر يوم نحشرهم أو ) ويوم نحشرهم ( نقول ) يا معشر الجن ( والمراد حشر جميع الخلق فى القيامة والمعشر الجماعة أي يوم الحشر نقول يا جماعة الجن ) قد استكثرتم من الإنس ( أي من الاستمتاع بهم كقوله ) ربنا استمتع بعضنا ببعض ( وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا فى حكم الأتباع لكم فحشرناهم معكم ومثله قولهم استكثر الأمير من الجنود والمراد التقريع والتوبيخ وعلى الأول فالمراد بالاستمتاع التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيها يريدون منهم ) وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ( أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها فذلك هو استمتاعهم بالجن وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر الرجل بواد فى سفره وخاف على نفسه قال أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر يعني ربه من الجن ومنه قوله تعالى ) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ( وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة واستمتاع الإنس وبالجن أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من الأكاذيب وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا كالكهان ) وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ( أي يوم القيامة اعترافا منهم بالوصول إلى ما وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به ولما قالوا هذه المقالة أجاب الله عليهم ف ) قال النار مثواكم ( أي موضع مقامكم والمثوى المقام والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر قوله ) خالدين فيها إلا ما شاء الله ( المعنى الذى تقتضيه لغة العرب فى هذا التركيب أنهم يخلدون فى النار فى كل الأوقات إلا في الوقت الذى يشاء الله عدم بقائهم فيها وقال الزجاج إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة أي خالدين فى النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم فى الحساب وهو تعسف لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم ولا يصدق على من لم يدخل النار وقيل الاستثناء راجع إلى النار أي إلا ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها فى بعض الأوقات كالزمهرير وقيل الاستثناء لأهل الإيمان وما بمعنى من أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا يدخل النار وقيل المعنى إلا ما شاء الله من كونهم فى الدنيا بغير عذاب وكل هذه التأويلات متكلفة والذى ألجأ إليها ما ورد فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من خلود الكفار فى النار أبدا ولكن لا تعارض بين عام وخاص


"""""" صفحة رقم 162 """"""
لاسيما بعد وروده في القرآن مكررا كما سيأتي فى سورة هود ) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد ( ولعله يأتي هنالك إن شاء الله زيادة تحقيق
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن المبارك فى الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي فى الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم وليس هو محمد بن علي قال سئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن هذه الآية ) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ( قالوا كيف يشرح صدره يا رسول الله قال نور يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وأخرج عبد بن حميد عن فضيل نحوه وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن نحوه أيضا وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي فى الشعب من طرق عن ابن مسعود قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين نزلت هذه الآية فذكر نحوه وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا من طريق أخرى وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي فى الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن عبد الله بن المستورد وكان من ولد جعفر بن أبي طالب قال تلا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآية فذكر نحوه وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا والمتصل يقوى المرسل فالمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى الآية قال كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله الله فى قلبه وأخرج البيهقي فى الأسماء والصفات عنه فى الآية يقول من أراد أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا والإسلام واسع وذلك حين يقول ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( يقول ما جعل عليكم فى الإسلام من ضيق وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة فى قوله ) دار السلام ( قال الجنة وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد قال السلام هو الله وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال الله هو السلام وداره الجنة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس فى قوله ) قد استكثرتم من الإنس ( يقول من ضلالتكم إياهم يعني أضللتم منهم كثيرا وفي قوله ) خالدين فيها إلا ما شاء الله ( قال إن هذه الآية لا ينبغى لأحد أن يحكم على الله فى خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا
سورة الأنعام الآية ( 129 132 )
الأنعام : ( 129 ) وكذلك نولي بعض . . . . .
قوله ) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ( أي مثل ما جعلنا بين الجن والإنس ما سلف ) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا (


"""""" صفحة رقم 163 """"""
والمعنى نجعل بعضهم يتولى البعض فيكونون أولياء لبعضهم بعضا ثم يتبرأ بعضهم من البعض فمعنى نولي على هذا نجعله وليا له وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس
وروى عنه أيضا أنه فسر هذه الآية بأن المعنى نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله فيكون فى الآية على هذا تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ظلمه منهم سلط الله عليه ظالما آخر وقال فضيل بن عياض إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجبا وقيل معنى نولي نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر والباء فى ) بما كانوا يكسبون ( للسببية أي بسبب كسبهم للذنوب ولينا بعضهم بعضا قوله
الأنعام : ( 130 ) يا معشر الجن . . . . .
) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ( أي يوم نحشرهم نقول لهم ) ألم يأتكم ( أو هو شروع فى حكاية ما سيكون فى الحشر وظاهره أن الله يبعث في الدنيا إلى الجن رسلا منهم كما يبعث إلى الإنس رسلا منهم وقيل معنى منكم أي ممن هو مجانس لكم فى الخلق والتكليف والقصد بالمخاطبة فإن الجن والإنس متحدون فى ذلك وإن كان الرسل من الإنس خاصة فهم من جنس الجن من تلك الحيثية وقيل إنه من باب تغليب الإنس على الجن كما يغلب الذكر على الأنثى وقيل المراد بالرسل إلى الجن هاهنا هم النذر منهم كما فى قوله ) ولوا إلى قومهم منذرين ( قوله ) يقصون عليكم آياتي ( صفة أخرى لرسل وقد تقدم بيان معنى القص قوله ) قالوا شهدنا على أنفسنا ( هذا إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم بإرسال رسله إليهم والجملة جواب سؤال مقدر فهي مستأنفة وجملة ) وغرتهم الحياة الدنيا ( فى محل نصب على الحال أو هى جملة معترضة ) وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ( هذه شهادة أخرى منهم على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين فى الدنيا بالرسل المرسلين إليهم والآيات التى جاءوا بها وقد تقدم ما يفيد ان مثل هذه الآية المصرحة بإقرارهم بالكفر على أنفسهم ومثل قولهم ) والله ربنا ما كنا مشركين ( محمول على أنهم يقرون فى بعض مواطن يوم القيامة وينكرون فى بعض آخر لطول ذلك اليوم واضطراب القلوب فيه وطيشان العقول وانغلاق الأفهام وتبلد الأذهان
الأنعام : ( 131 ) ذلك أن لم . . . . .
والإشارة بقوله ) ذلك ( إلى شهادتهم على أنفسهم أو إلى إرسال الرسل إليهم وأن فى ) أن لم يكن ربك مهلك القرى ( هى المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف والمعنى ذلك أن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى أو هى المصدرية والباء فى ) بظلم ( سببية أي لم أكن أهلك القرى بسبب ظلم من يظلم منهم والحال أن أهلها غافلون لم يرسل الله إليهم رسولا
والمعنى أن الله أرسل الرسل إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من القرى والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( وقيل المعنى ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه فهو سبحانه يتعالى عن الظلم بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء وقيل المعنى أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك فهو مثل قوله ) ولا تزر وازرة وزر أخرى ( ) ولكل درجات مما عملوا ( أي لكل من الجن والإنس درجات متفاوته مما عملوا فنجازيهم بأعمالهم كما قال فى آية أخرى
الأنعام : ( 132 ) ولكل درجات مما . . . . .
) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ( وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة والعاصي فى النار ) وما ربك بغافل عما يعملون ( من أعمال الخير والشر والغفلة ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره قرأ ابن عامر ) تعملون ( بالفوقية وقرأ الباقون بالتحتية
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة فى قوله ) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ( قال يولي الله بعض الظالمين بعضا فى الدنيا يتبع بعضهم بعضا فى النار وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن


"""""" صفحة رقم 164 """"""
عبد الرحمن بن زيد في الآيه مثل ما حكينا عنه قريبا وأخرج أبو الشيخ عن الأعمش فى تفسير الآية قال سمعتهم يقولون إذا فسد الزمان أمر عليهم شرارهم وأخرج الحاكم فى التاريخ والبيهقي فى الشعب من طريق يحيى بن هاشم حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما تكونون كذلك يؤمر عليكم قال البيهقي هذا منقطع ويحيى ضعيف وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فى قوله ) رسل منكم ( قال ليس فى الجن رسل وإنما الرسل فى الإنس والنذارة فى الجن وقرأ ) فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ( وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ فى العظمة أيضا عن الضحاك قال الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون وأخرج أبو الشيخ فى العظمة أيضا عن ليث بن أبي سليم قال مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار وذلك أن الله اخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده وأخرج أبو الشيخ فى العظمة أيضا عن ابن عباس قال الخلق أربعة فخلق فى الجنة كلهم وخلق فى النار كلهم وخلقان فى الجنة والنار فأما الذين فى الجنة كلهم فالملائكة وأما الذين فى النار كلهم فالشياطين وأما الذين فى الجنة والنار فالإنس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب
سورة الأنعام الآية ( 133 137 )
الأنعام : ( 133 ) وربك الغني ذو . . . . .
قوله ) وربك الغني ( أي عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة فى هذا المقام فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هى غاية التفضل والتطول ) إن يشأ يذهبكم ( أيها العباد العصاة فيستأصلكم بالعذاب المفضى إلى الهلاك ) ويستخلف ( من بعد ? إهلاك ? ) كم ما يشاء ( ) كم أهلكنا من ( ) من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منكم ) كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ( الكاف نعت مصدر محذوف وما مصدرية أي ويستخلف استخلافا مثل إنشائكم من ذرية قوم آخرين قيل هم أهل سفينة نوح ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم ولا استخلف غيرهم رحمة لهم ولطفا بهم
الأنعام : ( 134 ) إن ما توعدون . . . . .
) إن ما توعدون ( من البعث والمجازاة ) لآت ( لا محالة فإن الله لا يخلف الميعاد ) وما أنتم بمعجزين ( أي بفائتين عن ما هو نازل بكم وواقع عليكم يقال أعجزني فلان أي فاتني وغلبني
الأنعام : ( 135 ) قل يا قوم . . . . .
قوله ) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ( المكانة الطريقة أي اثبتوا على ما أنتم عليه فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم إني ثابت على ما أنا عليه ) فسوف تعلمون ( من هو على الحق ومن هو على الباطل وهذا وعيد شديد فلا يرد ما يقال كيف يأمرهم بالثبات على الكفر و ) عاقبة الدار (


"""""" صفحة رقم 165 """"""
هي العاقبة المحمودة التى يحمد صاحبها عليها أي من له النصر فى دار الدنيا ومن له وراثة الأرض ومن له دار الآخرة وقال الزجاج معنى مكانتكم تمكنكم فى الدنيا أي اعملوا على تمكنكم من أمركم وقيل على ناحيتكم وقيل على موضعكم قرأ حمزة والكسائي من يكون بالتحتية وقرأ الباقون بالفوقية والضمير فى ) إنه لا يفلح الظالمون ( للشأن أي لا يفلح من اتصف بصفة الظلم وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم لكونهم المتصفين بالظلم
الأنعام : ( 136 ) وجعلوا لله مما . . . . .
قوله ) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ( وهو بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم وتأثيرهم لآلهتهم على الله سبحانه أي جعلوا لله سبحانه مما خلق من حرثهم ونتاج دوابهم نصيبا ولآلهتهم نصيبا من ذلك يصرفونه فى سدنتها والقائمين بخدمتها فإذا ذهب ما لآلهتهم بانفاقه فى ذلك عوضوا عنه ما جعلوه لله وقالوا الله غني عن ذلك والزعم الكذب قرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي ) بزعمهم ( بضم الزاي وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان ) فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ( أي إلى المصارف التى شرع الله الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم وقرى الضيف ) وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ( أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه فى مصالحها ) ساء ما يحكمون ( أي ساء الحكم حكمهم فى إيثار آلهتهم على الله سبحانه وقيل معنى الآية أنهم كانوا إذا ذبحوا ماجعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله فهذا معنى الوصول إلى الله والوصول إلى شركائهم وقد قدمنا الكلام فى ذرأ
الأنعام : ( 137 ) وكذلك زين لكثير . . . . .
قوله ) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ( أي ومثل ذلك التزيين الذى زينه الشيطان لهم فى قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم زين لهم قتل أولادهم قال الفراء والزجاج شركاؤهم ها هنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان وقيل هم الغواة من الناس وقيل هم الشياطين وأشار بهذا إلى الوأد وهو دفن البنات مخافة السبى والحاجة وقيل كان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم كما فعله عبد المطلب قرأ الجمهور ) زين ( بالبناء للفاعل ونصبت ) قتل ( على أنه مفعول زين وجر أولاد بإضافة قتل إليه ورفع ) شركاؤهم ( على أنه فاعل زين وقرأ الحسن بضم الزاي ورفع قتل وخفض أولاد ورفع شركاؤهم على أن قتل هو نائب الفاعل ورفع شركاؤهم بتقدير يجعل يرجعه أي زينة شركاؤهم ومثله قول الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة
ومختبط ما تطيح الطوائح
أي يبكيه ضارع وقرأ ابن عامر وأهل الشام بضم الزاي ورفع قتل ونصب أولاد وخفض شركائهم على أن قتل مضاف إلى شركائهم ومعموله أولادهم ففيه الفصل بين المصدر وما هو مضاف إليه بالمفعول ومثله فى الفصل بين المصدر وما أضيف إليه قول الشاعر تمر على ما تستمر وقد شفت
علائل عبد القيس منها صدورها
بجر صدورها والتقدير شفت عبد القيس علائل صدورها قال النحاس إن هذه القراءة لا تجوز فى كلام ولا فى شعر وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف فى الشعر لاتساعهم فى الظروف وهو أي الفصل بالمفعول به فى الشعر بعيد فإجازته فى القرآن أبعد وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي إن قراءة ابن عامر هذه لا تجوز فى العربية وهي زلة عالم وإذا زل العالم لم يجز اتباعه ورد قوله إلى الإجماع وإنما أجازوا فى الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف كقول الشاعر كما خط الكتاب بكف يوما
يهودي يقارب أو يزيل
وقول الآخر لله در اليوم من لامها


"""""" صفحة رقم 166 """"""
وقال قوم ممن انتصر لهذه القراءة إنها إذا ثبتت بالتواتر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فهى فصيحة لا قبيحة قالوا وقد ورد ذلك فى كلام العرب وفي مصحف عثمان رضي الله عنه ) شركائهم ( بالياء
وأقول دعوى التواتر باطلة بإجماع القراء المعتبرين كما بينا ذلك في رسالة مستقلة فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فقراءته رد عليه ولا يصح الاستدلال لصحة هذه القراءة بما ورد من الفصل فى النظم كما قدمنا وكقول الشاعر فزججتها بمزجة
زج القلوص أبي مزاده
فإن ضرورة الشعر لا يقاس عليها وفي الآية قراءة رابعة وهى جر الأولاد والشركاء ووجه ذلك أن الشركاء بدل من الأولاد لكونهم شركاءهم فى النسب والميراث قوله ) ليردوهم ( اللام لام كي أي لكي يردوهم من الإرداء وهو الإهلاك ) وليلبسوا عليهم دينهم ( معطوف على ما قبله أي فعلوا ذلك التزيين لإهلاكهم ولخلط دينهم عليهم ) ولو شاء الله ما فعلوه ( أي لو شاء الله عدم فعلهم ما فعلوه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وإذا كان ذلك بمشيئة الله ) فذرهم وما يفترون ( فدعهم وافتراءهم فذلك لا يضرك
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبان بن عثمان قال الذرية الأصل والذرية النسل وأخرجا أيضا عن ابن عباس ) وما أنتم بمعجزين ( قال بسابقين وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه فى قوله ) على مكانتكم ( قال على ناحيتكم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي فى سننه عنه أيضا فى قوله ) وجعلوا لله ( الآية قال جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيبا وللشيطان والأوثان نصيبا فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله فى نصيب الشيطان تركوه وإن سقط مما جعلوه للشياطين فى نصيب الله ردوه إلى نصيب الشيطان وإن انفجر من سقى ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه وإن انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله نزحوه فهذا ما جعلوا لله من الحرث وسقى الماء وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله ) ما جعل الله من بحيرة ( الآية وأخرج ابن أبي حاتم عنه نحوه من طريق أخرى وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال جعلوا لله مما ذرأ من الحرث جزءا ولشركائهم جزءا فما ذهب به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا غني وما ذهب به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه والأنعام التى سموا لله البحيرة والسائبة وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد فى قوله ) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ( قال شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خوف العيلة
سورة الأنعام الآية ( 138 139 )


"""""" صفحة رقم 167 """"""
سورة الأنعام الآية ( 140 )
الأنعام : ( 138 ) وقالوا هذه أنعام . . . . .
هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم والحجر بكسر أوله وسكون ثانيه فى قراءة الجمهور وقرأ أبان بن عثمان ) حجر ( بضم الحاء والجيم وقرأ الحسن وقتادة بفتح الحاء وإسكان الجيم وقرأ ابن عباس وابن الزبير ) حرج ( بتقديم الراء على الجيم وكذا فى مصحف أبي وهو من الحرج يقال فلان يتحرج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه والحجر على اختلاف القراءات فيه هو مصدر بمعنى اسم المفعول أي محجور وأصله المنع فمعنى الآية هذه أنعام وحرث ممنوعة يعنون أنها لأصنامهم لا يطعمها إلا من يشاءون بزعمهم وهم خدام الأصنام والقسم الثاني قولهم ) وأنعام حرمت ظهورها ( وهي البحيرة والسائبة والحام وقيل إن هذا القسم الثاني مما جعلوه لآلهتهم أيضا والقسم الثالث ) وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ( وهى ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله وقيل إن المراد لا يحجون عليها افتراء على الله أي للافتراء عليه ) سيجزيهم بما كانوا يفترون ( أي بافترائهم أو بالذى يفترونه ويجوز أن يكون افتراء منتصبا على أنه مصدر أي افتروا افتراء أو حال أي مفترين وانتصابه على العلة أظهر
الأنعام : ( 139 ) وقالوا ما في . . . . .
ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ( يعنون البحائر والسوائب من الأجنة ) خالصة لذكورنا ( أي حلال لهم ) ومحرم على أزواجنا ( أي على جنس الأزواج وهن النساء فيدخل فى ذلك البنات والأخوات ونحوهن وقيل هو اللبن جعلوه حلالا للذكور ومحرما على الإناث والهاء في خالصة للمبالغة فى الخلوص كعلامة ونسابة قاله الكسائي والأخفش وقال الفراء تأنيثها لتأنيث الأنعام ورد بأن فى بطون الأنعام غير الأنعام وتعقب هذا الرد بأن ما فى بطون الأنعام أنعام وهى الأجنة وما عبارة عنها فيكون تأنيث خالصة باعتبار معنى ما وتذكير محرم باعتبار لفظها وقرأ الأعمش خالص قال الكسائي معنى خالص وخالصة واحد إلا أن الهاء للمبالغة كما تقدم عنه وقرأ قتادة ) خالصة ( بالنصب على الحال من الضمير فى متعلق الظرف الذى هو صلة لما وخبر المبتدإ محذوف كقولك الذى فى الدار قائما زيد هذا قول المبصريين وقال الفراء أنه انتصب على القطع وقرأ ابن عباس ) خالصة ( بإضافة خالص إلى الضمير على أنه بدل من ما وقرأ سعيد بن جبير خالصا ) وإن يكن ميتة ( قرئ بالتحتية والفوقية أي وإن يكن ذلك الذى فى بطون الأنعام ) ميتة فهم فيه ( أي فى الذى فى البطون ) شركاء ( يأكل منه الذكور والإناث ) سيجزيهم وصفهم ( أي بوصفهم على أنه منتصب بنزع الخافض والمعنى سيجزيهم بوصفهم الكذب على الله وقيل المعنى سيجزيهم جزاء وصفهم
الأنعام : ( 140 ) قد خسر الذين . . . . .
ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال ) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها ( أي بناتهم بالوأد الذى كانوا يفعلونه سفها أي لأجل السفه وهو الطيش والخفة لا لحجة عقلية ولا شرعية كائنا ذلك منهم ) بغير علم ( يهتدون به
قوله ) وحرموا ما رزقهم الله ( من الأنعام التى سموها بحائر وسوائب ) افتراء على الله ( أي للافتراء عليه أو افتروا افتراء عليه ) قد ضلوا ( عن طريق الصواب بهذه الأفعال ) وما كانوا مهتدين ( إلى الحق ولا هم من أهل لاستعداد لذلك
الآثار الواردة في تفسير الآيات
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس فى قوله ) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ( قال الحجر ما احرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد


"""""" صفحة رقم 168 """"""
فى قوله ) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ( قال ما جعلوا لله ولشركائهم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ) وحرث حجر ( قال حرام وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي فى الآية قال يقولون حرام أن يطعم الابن شيئا ) وأنعام حرمت ظهورها ( قال البحيرة والسائبة والحامي ) وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ( إذا نحروها وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وائل فى قوله ) وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ( قال لم تكن يحج عليها وهي البحيرة وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ( الآية قال اللبن وأخرج هؤلاء إلا ابن جرير عن مجاهد فى الآية قال السائبة والبحيرة محرم على أزواجنا قال النساء ) سيجزيهم وصفهم ( قال قولهم الكذب في ذلك وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال كانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه فكان للرجال دون النساء وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح وإن كانت ميتة كانوا فيها شركاء وأخرج عبد بن حميد والبخارى وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام ) قد خسر الذين قتلوا أولادهم ( إلى قوله ) وما كانوا مهتدين ( وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمه في الآية قال نزلت فيمن كان يئذ البنات من مضر وربيعة وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن قتاده في الآية قال هذا صنع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السبي والفاقة ويغذو كلبه ) وحرموا ما رزقهم الله ( قال جعلوه بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا تحكما من الشيطان في أموالهم
سورة الانعام الآية ( 141 142 (
الأنعام : ( 141 ) وهو الذي أنشأ . . . . .
هذا فيه تذكير لهم ببديع قدره الله وعظيم صنعه ) أنشأ ( أى خلق والجنات البساتين ) معروشات ( مرفوعات على الأعمدة ) وغير معروشات ( غير مرفوعات عليها وقيل المعروشات ما انبسط على وجه الأرض مما يعرش مثل الكرم والزرع والبطيخ وغير المعروشات ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار وقيل المعروشات ما أنبته الناس وعرشوه وغير المعروشات ما نبت فى البراري والجبال قوله ) والنخل والزرع ( معطوف على جنات وخصهما بالذكر مع دخولهما فى الجنات لما فيها من الفضيلة ) مختلفا أكله ( أي حال كونه مختلفا أكله فى الطعم والجودة والرداءة قال الزجاج وهذه مسئلة مشكلة فى النحو يعني انتصاب مختلفا على الحال لأنه يقال قد أنشأها ولم يختلف أكلها فالجواب أن الله سبحانه أنشأنها مقدرا فيها الاختلاف وقد بين هذا سيبويه بقوله مررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدرا للصيد به غدا كما تقول لتدخلن الدار آكلين شاربين أي مقدرين ذلك وهذه هي الحال المقدرة المشهورة عند النحاة المدونة فى كتب النحو وقال ) مختلفا أكله ( ولم يقل أكلهما اكتفاء بإعادة الذكر على أحدهما كقوله ) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها (


"""""" صفحة رقم 169 """"""
أو الضمير بمنزلة اسم الإشارة أي أكل ذلك قوله ) والزيتون والرمان ( معطوف على جنات أي وأنشأ الزيتون والرمان حال كونه متشابها وغير متشابه وقد تقدم الكلام على تفسير هذا ) كلوا من ثمره ( أي من ثمر كل واحد منهما أو من ثمر ذلك ) إذا أثمر ( أي إذا حصل فيه الثمر وإن لم يدرك ويبلغ حد الحصاد قوله ) وآتوا حقه يوم حصاده (
وقد اختلف أهل العلم هل هذه محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب فذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطى من حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما وذهب ابن عباس ومحمد ابن الحنفية والحسن والنخعي وطاوس وأبو الشعثاء وقتادة والضحاك وابن جريح أن هذه الآية منسوخة بالزكاة وأختاره ابن جرير ويؤيده أن هذه الآية مكية وآيه الزكاة مدنية فى السنة الثانية بعد الهجرة وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف وقالت طائفة من العلماء إن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب قوله ) ولا تسرفوا ( أي فى التصدق وأصل الإسراف فى اللغة الخطأ والإسراف في النفقة التبذير وقيل هو خطاب للولاة يقول لهم لا تأخذوا فوق حقكم وقيل المعنى لا تأخذوا الشيء بغير حقه وتضعونه فى غير مستحقه
الأنعام : ( 142 ) ومن الأنعام حمولة . . . . .
قوله ) ومن الأنعام حمولة وفرشا ( معطوف على جنات أي وأنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشا والحمولة ما يحمل عليها وهو يختص بالإبل فهي فعولة بمعنى فاعلة والفرش ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر فراشا يفترشه الناس وقيل الحمولة الإبل والفرش الغنم وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير والفرش الغنم وهذا لا يتم إلى على فرض صحة إطلاق اسم الأنعام على جميع هذه المذكورات وقيل الحمولة ما تركب والفرش ما يؤكل لحمه ) كلوا مما رزقكم ( من هذه الأشياء ) ولا تتبعوا خطوات الشيطان ( كما فعل المشركون من تحريم ما لم يحرمه الله وتحليل ما لم يحلله ) أنه ( أي الشيطان ) لكم عدو مبين ( مظهر للعداوة ومكاشف بها
الآثار الواردة في تفسير الآيات وسبب النزول
وقد أخرج ابن المنذر وابن