اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 27 مايو 2022

مجلد 4.جامع البيان الطبري

 

مجلد 4.جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،
[ 224 - 310 هـ ]

9292 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن أبيه ، عن شعبة بن التوأم ، عن قيس بن عاصم : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف ، قال فقال : ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ، ولا حلف في الإسلام. (1)
9293 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن داود بن أبي عبد الله ، عن ابن جُدْعان ، عن جدّته ، عن أمّ سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا حلف في الإسلام ، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة " . (2)
__________
(1) الحديثان : 9291 ، 9292 - مغيرة : هو ابن مقسم الضبي ، مضى في : 3349. أبوه : " مقسم الضبي " : مترجم في التعجيل ، ص : 409 ترجمة موجزة ، وأنه ذكره ابن حبان في الثقات. وهو تابعي ، روى عن النعمان بن بشير. وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 33. وابن أبي حاتم 4 / 1 / 414 - 415. ولم يذاكرا فيه جرحًا.
شعبة بن التوأم الضبي ، ويقال " التميمي " : تابعي ثقة. مترجم في التعجيل ، ص : 177 - 178 ، والإصابة 3 : 230 ، والكبير 2 / 2 / 244 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 368.
والحديث رواه الطيالسي : 1084 ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، أي بأول الإسنادين هنا.
ورواه أحمد في المسند 5 : 61 (حلبي) عن هشيم ، عن مغيرة. أي بثانيهما.
ونقله ابن كثير 2 : 432 ، عن ثانيهما. ثم أشار إلى رواية أحمد. ثم نقله ثانيًا ، ص 433 ، من رواية المسند.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 172. وقال : " رواه أحمد " . ثم لم يزد!
وأشار إليه ابن أبي حاتم في ترجمة " شعبة بن التوأم " ، فقال : " روى عن قيس بن عاصم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا حلف في الإسلام " .
(2) الحديث : 9293 - داود بن أبي عبد الله ، مولى بني هاشم : ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات ، كما في التهذيب. وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 417 ، فلم يذكر فيه جرحًا.
ابن جدعان : المشهور بذلك عند أهل هذا الشأن ، هو " علي بن زيد بن جدعان " . وقد روى الترمذي 4 : 25 ، بهذا الإسناد : " أبو كريب... " - حديث " المستشار مؤتمن " .
فظن الحافظ ابن عساكر - في كتاب الأطراف - أنه هو " علي بن زيد " . وتعقبه الحافظ المزي في تهذيب الكمال ، ص : 817 - 818 (مخطوط مصور) ، فقال : " وذلك وهم منه. والصواب : جده عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان " - يعني لقوله في الإسناد : " عن ابن جدعان ، عن جدته " .
وفي تهذيب الكمال ، وتهذيب التهذيب ، في ترجمة داود ، وفي ترجمة " عبد الرحمن " (3 : 191 ، و6 : 267 من تهذيب التهذيب) أن البخاري روى في الأدب المفرد حديث " المستشار مؤتمن " - من طريق داود " عن عبد الرحمن بن محمد " هذا. وأن ذاك هو الدليل على أن المراد ب " ابن جدعان " هو " عبد الرحمن بن محمد " . والذي رأيته في الأدب المفرد (ص : 29) بهذا الإسناد حديث مطول ، ولكن ليس فيه كلمة " المستشار مؤتمن " . فالظاهر أنهما يريدان أصل الحديث. ولكن رواية البخاري هي التي كشفت عن الصواب في اسم " ابن جدعان " .
وجدة ابن جدعان - هذه - مجهولة ، لم يعرف اسمها. وعندي أن جهالتها لا تضر. فالغالب - فيما أرى - أنها صحابية. لأن عبد الرحمن بن محمد تابعي ، روى عن عائشة ، وعن ابن عمر. فجدته يكلد العارف أن يوقن أنها صحابية ، أو مخضرمة على الأقل. والنساء في تلك العصور لم يعرفن باصطناع الروايات. ولذلك قال الذهبي في الميزان (3 : 395) : " فصل في النسوة المجهولات. وما علمت في النساء من اتهمت ، ولا من تركوها " . وقوله هنا " عن جدته " - في المطبوعة " عمن حدثه " ! وهو تحريف. وفي مطبوعة ابن كثير 2 : 432 - حين نقل هذا الحديث عن الطبري - " عن ابن جدعان ، حدثه " ! وهو تحريف أيضًا. وصوابه ، كما أثبتنا " عن جدته " . وقد ثبت على الصواب في مخطوطة الأزهر من تفسير ابن كثير (2 : 273 نسخة مصورة عندي).
والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 173. وقال : " رواه أبو يعلى ، والطبراني. وفيه جدة ابن أبي مليكة ، ولم أعرفها. وبقية رجاله ثقات " .
و " جدة ابن أبي مليكة " : هي " جدة ابن جدعان " ، لأن ابن جدعان - هنا - : هو " عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان " . فهو ابن أخي " علي بن زيد بن جدعان " ، وقد نسبوا إلى جدهم الأعلى. إذ " علي بن زيد " : هو " علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان " . وإنما الذي اشتهر عند المحدثين باسم " ابن أبي مليكة " - فهو " عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير... " . وهو ابن عم " علي بن زيد " .

(8/283)


9294 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا حسين المعلم وحدثنا مجاهد بن موسى قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، حدثنا حسين المعلم وحدثنا حاتم بن بكر الضبيّ قال ، حدثنا عبد الأعلى ، عن حسين المعلم قال ، حدثنا أبي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة : فُوا بحلفٍ ، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام " . (1)
__________
(1) الحديث : 9294 - حاتم بن بكر الضبي - شيخ الطبري : هكذا ثبت هنا اسم أبيه " بكر " . وقد مضى في : 3222 بالتصغير " بكير " . وبينا هناك أنه ثبت في التقريب والتهذيب " بكر " ، وفي الخلاصة " بكير " . وها هو ذا الاختلاف وقع في موضعين من الطبري. ثم رجعت إلى النسخة المخطوطة المصورة من تهذيب الكمال ، ص : 214 ، فظهر أن ناسخها أسقط كلمة " بكر " فأثبته " حاتم بن غيلان " ، ممنسوبًا إلى جده. وهو سهو من الناسخ يقينًا ، لأنه أثبته قبل ترجمة " حاتم بن حريث " . ولو كان أصله " حاتم بن غيلان " لأخره إلى موضعه في حرف الغين في آباء من اسمه " حاتم " ، فيكون موضعه بعد " حاتم بن العلاء " . فبقي الإشكال في اسم أبيه كما هو ؟
وهذا الحديث رواه الطبري هنا ، مختصرًا ، بثلاثة أسانيد : عن " حميد بن مسعدة ، عن حسين المعلم " . ثم عن " مجاهد بن موسى ، عن يزيد بن هارون ، عن حسين المعلم " . ثم عن " حاتم بن بكر الضبي ، عن عبد الأعلى ، عن حسين المعلم " . ثم يقول حسين المعلم " حدثنا أبي ، عن عمرو بن شعيب " .
وفي هذه الأسانيد إشكالان :
أولهما : أن " حميد بن مسعدة " مات سنة 244 ، فمن المحال أن يروى عن " حسين المعلم " ، ويقول - كما هنا - " حدثنا حسين المعلم " . لأن حسينًا مات سنة 145 ، فبين وفاتيهما 99 سنة!! والراجح عندي أن يكون الناسخون أسقطوا شيخًا بين حميد وحسين.
وثانيهما : أن " حسينًا المعلم " : هو " حسين بن ذكوان " . وهو يروي عن عمرو بن شعيب مباشرة. ولو كان هذا وحده لكان هناك احتمال أن يروي عنه أيضًا بواسطة أبيه. ولكن الإشكال في أن " ذكوان " والد " حسين المعلم " ليس له ذكر في دوواين الرجال بشيء من الرواية ، ولا ذكر أحد أن ابنه يروي عنه. فأنا أرجح أيضًا أن يكون قوله هنا " حدثنا أبي " زيادة خطأ من الناسخين.
ويؤيد أن زيادة " حدثنا أبي " تخليط من الناسخين - أن ابن كثير حين أشار إلى هذا الإسناد 2 : 432 ، قال : " ثم رواه - يعني الطبري - من حديث حسين المعلم ، وعبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، به " . فذكر أن حسينًا رواه عن عمرو بن شعيب. ولم يذكر أنه " عن حسين عن أبيه " .
وأما الحديث نفسه ، فإنه سيأتي معناه ، من رواية محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب : 9297 ، 9298 ، ومن رواية عبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو : 9299. ويأتي تخريجه هناك ، إن شاء الله.

(8/284)


9295 - حدثنا أبو كريب وعبدة بن عبد الله الصفار قالا حدثنا محمد بن بشر قال ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال ، حدثني سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جبير بن مطعم : أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال : لا حلف في الإسلام ، وأيُّما حِلف كان في الجاهلية ، فلم يزده الإسلام إلا شدة. (1)
__________
(1) الحديث : 9295 - زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي : ثقة معروف ، من شيوخ شعبة والثوري. أخرج له الجماعة.
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، قاضي المدينة : ثقة كثير الحديث ، وهو ثبت لا شك فيه. أخرج له الجماعة.
أبوه " إبراهيم بن عبد الرحمن " : تابعي ثقة ، من كبار التابعين. مترجم في التهذيب. والكبير 1 / 1 / 295 ، وابن سعد 5 : 39 - 40 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 111.
" جبير بن مطعم " : صحابي معروف ، من قريش ، من بني نوفل. قدم المدينة في فداء أسارى بدر. ثم أسلم بعد ذلك.
والحديث رواه أحمد في المسند : 16832ج4 ص83 حلبي ، من طريق زكريا ، وهو ابن أبي زائدة - بهذا الإسناد.
وكذلك رواه مسلم 2 : 270 ، والبيهقي 6 : 262 - كلاهما من طريق زكريا.
وذكره ابن كثير 2 : 432 - 433 ، من رواية المسند. ثم أشار إلى أنه رواه مسلم ، وأبو داود ، وابن جرير ، والنسائي.

(8/285)


9296 - حدثنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى قالا حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : شهدت حلف المطيِّبين. وأنا غلام مع عُمومتي ، فما أحبّ أن لي حٌمرَ النعم وأني أنْكُثُه زاد يعقوب في حديثه عن ابن علية. قال : وقال الزهري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يُصب الإسلام حلفًا إلا زاده شدة. قال : ولا حلفَ في الإسلام. قال : وقد ألَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قُريش والأنصار. (1)
__________
(1) الحديث : 9296 - بشر بن المفضل بن لاحق البصري : ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني. أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 2 / 84 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 366.
وهذا الحديث رواه الطبري بإسنادين من طريق عبد الرحمن بن إسحاق.
وهو : " عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله العامري " . وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره ، وأخرج له مسلم. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1 / 1 / 52 ، وابن سعد 5 : 151 - 152 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 218.
والحديث رواه أحمد : 1655 ، عن بشر بن المفضل ، عن عبد الرحمن بن إسحاق - بهذا الإسناد.
ثم روى له أوله : 1676 ، عن إسماعيل ، وهو ابن علية ، عن عبد الرحمن بن إسحاق.
وكذلك روى البخاري أوله ، في الأدب المفرد ، ص : 83 ، من طريق ابن علية. ووقع فيه هناك خطأ مطبعي ، يصحح من هذا الموضع.
وهذا الحديث في حقيقته حديثان :
أولهما : حديث متصل ، من حديث عبد الرحمن بن عوف.
وثانيهما : حديث مرسل. وهو قول الزهري : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... " - إلى آخره.
وقد فصلنا القول في ذلك في المسند : 1655.

(8/286)


9297 - حدثنا تميم بن المنتصر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عامَ الفتح ، قام خطيبًا في الناس فقال : " يا أيها الناس ، ما كان من حِلف في الجاهلية فإنّ الإسلام لم يزده إلا شدة ، ولا حلف في الإسلام " .
9298 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
9299 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا خالد بن مخلد قال ، حدثنا سليمان بن بلال قال ، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. (1)
* * *
__________
(1) الأحاديث : 9297 - 9299 ، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد. وقد مضى بنحوه : 9294.
يزيد - في الإسناد الأول : هو يزيد بن هارون.
عبد الرحمن - في الإسناد الثالث : هو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.
والحديث رواه أحمد في المسند - ضمن حديث مطول : 6692 ، عن يزيد بن هارون ، عن محمد بن إسحاق. وأشرنا إلى كثير من أسانيده هناك ، وفي الاستدراك : 2832.
ورواه البخاري في الأدب المفرد ، ص : 83 - 84 ، مختصرًا كما هنا ، عن خالد بن مخلد ، بالإسناد الأخير هنا.
وذكره ابن كثير 2 : 432 ، عن الرواية : 9298 هنا. ثم أشار إلى الروايتين : 9294 ، 9299.

(8/287)


قال أبو جعفر : فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًا وكانت الآية إذا اختُلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ ، (1) غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ - مع اختلاف المختلفين فيه ، ولوجُوب حكمها وَنفي النسخ عنه وجه صحيحٌ - (2) إلا بحجة يجب التسليم لها ، لما قد بينَّا في غير موضع من كتبنا الدلالةَ على صحةِ القول بذلك (3) (4) فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله : " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " ، هو ما ذكرنا من التأويل ، وهو أن قوله : " عقدت أيمانكم " من الحلف ، وقوله : " فآتوهم نصيبهم " من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي ، على ما أمرَ به من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرناها عنه (5) دون قول من قال : " معنى قوله : فآتوهم نصيبهم ، من الميراث " ، وان ذلك كان حكما ثم نُسخ بقوله : " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ، ودونَ ما سِوَى القول الذي قلناه في تأويل ذلك. (6)
وإذْ صَحّ ما قلنا في ذلك ، وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخةً. (7)
* * *
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " منسوخ هي " ، خطأ ، صوابه ما أثبت.
(2) سياق العبارة : " غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ... إلا بحجة يجب التسليم لها " ، والذي بينهما قيد اعترض به بين طرفي الكلام.
(3) انظر مقالته في : " الناسخ والمنسوخ " فيما سلف : 131 ، والتعليق 1 ، والمراجع هناك.
(4) قوله : " فالواجب... " ، جواب قوله آنفًا : " فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًصا " .
(5) السياق : " فالواجب أن يكون الصحيح من القول... هو ما ذكرنا من التأويل... دون قول من قال " .
(6) في المطبوعة والمخطوطة : " دون ما سوى القول " بلا واو عاطفة ، والصواب إثبات " واو العطف " ، عطفًا على قوله آنفًا : " دون قول من قال " .
(7) أشكل على ابن كثير هذا الموضع من كلام الطبري فرواه عنه ثم قال : " وفيه نظر ، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة ، ومنه ما كان على الإرث ، كما حكاه غير واحد من السلف وكما قال ابن عباس : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه ، حتى نسخ ذلك. فكيف يقول : إن هذه الآية محكمة غير منسوخة ، والله أعلم " .
وهذا الذي تعجب منه ابن كثير ، قد بينه الطبري ، وأقام عليه كل مذهبه ، في كل ناسخ ومنسوخ ، وقد كرره مرات كثيرة في تفسيره ، وقد أعاده هنا عند ذكر الناسخ والمنسوخ فقال : إن الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ ، واختلف المختلفون في حكمها ، وكان لنفي النسخ عنها وإثبات أنها محكمة وجه صحيح ، لم يجز لأحد أن يقضي بأن حكمها منسوخ ، إلا بحجة يجب التسليم لها. وقد بين أبو جعفر مرارًا أن الحجة التي يجب التسليم لها هي : ظاهر القرآن ، والخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما تأويل ابن عباس أو غيره من الأئمة ، فليس حجة في إثبات النسخ في آية ، لتأويلها على أنها محكمة وجه صحيح.
فالعجب لابن كثير ، حين عجب من أبي جعفر في تأويله وبيانه. ولو أنصف لنقض حجة الطبري في مقالته من الناسخ والمنسوخ ، لا أن يحتج عليه ويتعجب منه ، لحجة هي منقوضة عند الطبري ، قد أفاض في نقضها مرارًا في كتابه هذا ، وفي غيرها من كتبه كما قال ، رحم الله أبا جعفر ، وغفر الله لابن كثير.

(8/288)


القول في تأويل قوله : { إٍنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي ، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك ، وعلى غيره من أفعالكم ، مُرَاعٍ لكل ذلك ، حافظٌ ، حتى يجازي جميعَكم على جميع ذلك جزاءه ، أما المحسنَ منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى ، وأما المسيءَ منكم المخالفَ أمري ونهيي فبالسوأى. ومعنى قوله : " شَهيدا " ، ذو شهادة على ذلك. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الشهيد " فيما سلف 1 : 376 - 378 / 3 : 97. 145 / 6 : 60 ، 75 / 7 : 243

(8/289)


الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

القول في تأويل قوله : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (1) " الرجال قوّامون على النساء " ، الرجال أهل قيام على نسائهم ، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم " بما فضّل الله بعضهم على بعض " ، يعني : بما فضّل الله به الرجال على أزواجهم : من سَوْقهم إليهنّ مهورهن ، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم ، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهنّ ، ولذلك صارُوا قوّامًا عليهن ، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.
* * *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9300 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " الرجال قوّامون على النساء " ، يعني : أمرَاء ، عليها أن تطيعه فيما أمرَها الله به من طاعته ، وطاعته : أن تكون محسنةً إلى أهله ، حافظةً لماله. وفضَّله عليها بنفقته وسعيه.
9301 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض " ، يقول : الرجل قائمٌ على المرأة ، يأمرها بطاعة الله ، فَإن أبت فله أن يضربها ضربًا غير مبرِّح ، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه.
9302 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " يعني بذلك جل ثناؤه " ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(8/290)


أسباط ، عن السدي : " الرجال قوامون على النساء " ، قال : يأخذون على أيديهن ويُؤدّبونهن. (1)
9303 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول : " بما فضل الله بعضهم على بعض " ، قال : بتفضيل الله الرجال على النساء.
* * *
وذُكر أنّ هذه الآية نزلت في رجل لطم امرأته ، فخوصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فقضَى لها بالقصاص.
ذكر الخبر بذلك :
9304 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، حدثنا الحسن : أنّ رجلا لطمَ امرأته ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يُقِصّها منه ، فأنزل الله : " الرجالُ قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " ، فدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فتلاها عليه ، وقال : أردتُ أمرًا وأراد الله غيرَه.
9305 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " ، ذكر لنا أن رجلا لطم امرأته ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه.
9306 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " الرّجال قوّامون على النساء " ، قال : صك رجل امرأته ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يُقِيدَها منه ، فأنزل الله : " الرجال قوامون على النساء " .
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " ويؤدبوهن " ، وهو سهو من الناسخ ، وفي هامش المخطوطة حرف " ط " دلالة على الخطأ ، أو كأنه كان هكذا في الأصل الذي نقله عنه ، خطأ أيضًا.

(8/291)


9307 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن جرير بن حازم ، عن الحسن : أنّ رجلا من الأنصار لطم امرأته ، فجاءت تلتمس القصاص ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص ، فنزلت : ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) [سورة طه : 114] ، ونزلت : " الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضَهم على بعض " . (1)
9308 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : لطم رجلٌ امرأته ، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم القصاص. فبيناهم كذلك ، نزلت الآية.
9309 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " الرجال قوامون على النساء " ، فإن رجلا من الأنصار كان بينه وبين امرأته كلامٌ فلطمها ، فانطلق أهلها ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم : " الرجال قوامون على النساء " الآية.
* * *
وكان الزهري يقول : ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.
9310 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، سمعت الزهري يقول : لو أن رجلا شَجَّ امرأته أو جَرحها ، لم يكن عليه في ذلك قَوَدٌ ، وكان عليه العَقل ، إلا أن يعدُوَ عليها فيقتلها ، فيقتل بها. (2)
* * *
وأما قوله : " وبما أنفقوا من أموالهم " ، فإنه يعني : وبما ساقوا إليهن من
__________
(1) " سورة طه " سورة مكية باتفاق ، فيقول الحسن إنها نزلت في شأن المرأة الأنصارية وذلك بالمدينة ولا ريب ، قول فيه نظر.
(2) " القود " : القصاص. و " العقل " الدية وما أشبهها.
هذا ، وبحسب امرئ مسلم أن يحفظ من صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما رواه البخاري ومسلم : " أيضرب أحدكم امرأته ، ثم يجامعها في آخر اليوم " ، وما رواه ابن ماجه : " خياركم خياركم لنسائهم " .

(8/292)


صداق ، وأنفقوا عليهن من نفقة ، كما : -
9311 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : فضله عليها بنفقته وسعيه.
9312 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك مثله.
9313 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول : " وبما أنفقوا من أموالهم " ، بما ساقوا من المهر.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا : الرجال قوامون على نسائهم ، بتفضيل الله إياهم عليهن ، وبإنفاقهم عليهنّ من أموالهم.
* * *
و " ما " التي في قوله : " بما فضل الله " ، والتي في قوله : " وبما أنفقوا " ، في معنى المصدر.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " فالصالحات " ، المستقيمات الدين ، العاملات بالخير ، (1) كما : -
9314 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول : " فالصالحات " ، يعملن بالخير.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الصالح " فيما سلف 3 : 91 / 6 : 380 / 7 : 130.

(8/293)


وقوله : " قانتات " ، يعني : مطيعات لله ولأزواجهن ، كما : -
9315 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قانتات " ، قال : مطيعات.
9316 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قانتات " ، قال : مطيعات.
9317 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله. (1)
9318 - حدثني علي بن داود قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " قانتات " ، مطيعات.
9319 - حدثنا الحسن بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قانتات " ، أي : مطيعات لله ولأزواجهن.
9320 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : " مطيعات " .
9321 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " القانتات " ، المطيعات.
9322 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال : سمعت سفيان يقول في قوله : " قانتات " ، قال : مطيعات لأزواجهن.
وقد بينا معنى " القنوت " فيما مضى ، وأنه الطاعة ، ودللنا على صحة ذلك من الشواهد بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 9317 - هذا الأثر زدته من المخطوطة وقد حذفته المطبوعة ، وقد أحسن في حذفه لأنه تكرار لا معنى له للذي قبله ، ولكني أثبته هنا مخافة أن يكون الناسخ قد تجاوز بصره ، فوضع الإسناد مرة أخرى كما هو ، ويكون في الإسناد خلاف أخطأه نظره.
(2) انظر ما سلف 2 : 538 ، 539 / 5 : 228 - - 237 / 6 : 264 ، 401.

(8/294)


وأما قوله : " حافظات للغيب " ، فإنه يعني : حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن ، في فروجهن وأموالهم ، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره ، كما : -
9323 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " حافظات للغيب " ، يقول : حافظات لما استودعهن الله من حقه ، وحافظات لغيب أزواجهن.
9324 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " حافظات للغيب بما حفظ الله " ، يقول : تحفظ على زوجها مالَه وفرجَها حتى يرجع ، كما أمرَها الله.
9325 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء ما قوله : " حافظات للغيب " ، قال : حافظات للزوج.
9326 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج : سألت عطاء عن " حافظات للغيب " ، قال : حافظات للأزواج.
9327 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول : " حافظات للغيب " ، حافظات لأزواجهن ، لما غاب من شأنهن.
9328 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا أبو معشر قال ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيرُ النساء امرأةٌ إذا نظرتَ إليها سرَّتك ، وإذا أمرَتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك. قال : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرجال قوامون على النساء " الآية. (1)
* * *
__________
(1) الأثر : 9328 - في المطبوعة والمخطوطة : " سعيد عن أبي سعيد المقبري " ، وهو خطأ ظاهر ، كما سيتبين لك من تخريجه ؛ أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده : 306 من حديث أبي معشر ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وذكر ابن كثير في تفسيره 2 : 436 ، أن ابن أبي حاتم " رواه عن يونس بن حبيب ، عن أبي داود الطيالسي ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، به سواء " . فإن يكن ذلك كذلك ، فقد أخطأ ابن أبي حاتم في روايته عن أبي داود ، فالثابت في مسنده أنه من حديثه عن أبي معشر ، ولعله وهم ، فإن الآثار التي قبله مباشرة ، رواها أبو داود من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري.
وهذا الأثر نسبه السيوطي في الدر المنثور 2 : 151 ، لابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، والبيهقي في سننه. والذي وجدته في المستدرك للحاكم 2 : 161 ، من طريق ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، بمعناه بغير هذا اللفظ ، مختصرًا ، وقال : " صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " . ولم أعرف مكانه في سنن البيهقي.

(8/295)


قال أبو جعفر : وهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدُلّ على صحة ما قلنا في تأويل ذلك ، وأن معناه : صالحاتٌ في أديانهن ، مطيعاتٌ لأزواجهن ، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم.
* * *
وأما قوله : " بما حفظ الله " ، فإن القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأته عامة القرأة في جميع أمصار الإسلام : ( بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) ، برفع اسم " الله " ، على معنى : بحفظ الله إياهن إذ صيَّرهن كذلك ، كما : -
9329 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج سألت عطاء عن قوله : " بما حفظ الله " ، قال يقول : حفظهن الله.
9330 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال : سمعت سفيان يقول في قوله : " بما حفظ الله " ، قال : بحفظ الله إياها ، أنه جعلها كذلك.
* * *
وقرأ ذلك أبو جعفر يَزيد بن القَعْقاع المدني (1) ( بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) يعني :
__________
(1) " أبو جعفر : يزيد بن القعقاع المدني المخزومي " مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي ، أحد القراء العشرة ، تابعي مشهور كبير القدر ، أتوا به إلى أم سلمة أم المؤمنين ، وهو صغير ، فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة ، وصلى بابن عمر. كان إمام أهل المدينة في القراءة فسمي " القارئ " قال ابن معين : " كان ثقة قليل الحديث " . طبقات القراء 2 : 382 - 384.

(8/296)


بحفظهنّ الله في طاعته وأداء حقه بما أمرهن من حفظ غَيب أزواجهن ، كقول الرجل للرجل : " ما حَفِظتَ اللهَ في كذا وكذا " ، بمعنى : ما راقبته ولا حِفْتَهُ. (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصوابُ من القراءة في ذلك ما جاءت به قرأة المسلمين من القراءة مجيئًا يقطع عذرَ من بَلغه ويُثبّتُ عليهُ حجته ، دون ما انفرد به أبو جعفر فشذّ عنهم. وتلك القراءة ترفع اسم " الله " تبارك وتعالى : ( بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) ، مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب ، وقُبح نصبه في العربية ، لخروجه عن المعروف من منطق العرب.
وذلك أن العربَ لا تحذف الفاعلَ مع المصادر ، من أجل أنّ الفاعل إذا حذف معها لم يكن للفعل صاحبٌ معروف.
* * *
وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره ، ومعناه : فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، فاحسِنوا إليهن وأصلحوا.
* * *
وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود.
9331 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال ، حدثنا عيسى الأعمى ، عن طلحة بن مصرف قال : في قراءة عبد الله : ( فالصالحات قانتات للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن واللاتي تخافون نشوزهن ) .
9332 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل. قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) ، فأحسنوا إليهنّ.
__________
(1) في المخطوطة : " راقبته ولا خفته " ، وفي المطبوعة : " راقبته ولاحظته " وصواب قراءة المخطوطة ما أثبت ، بزيادة " ما " قبل " راقبته " ، وقوله : " ولا خفته " من الخوف.

(8/297)


9333 - حدثني علي بن داود قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " ، فأصلِحوا إليهن.
9334 - حدثني علي بن داود قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " ، يعني : إذا كن هكذا ، فأصلحوا إليهنّ.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ } (1)
اختلف أهلُ التأويل في معنى قوله : " واللاتي تخافونُ نشوزهن " .
فقال بعضهم : معناه : واللاتي تعلمون نشوزهن. ووجه صرف " الخوف " ، في هذا الموضع ، إلى " العلم " ، في قول هؤلاء ، نظيرُ صرف " الظن " إلى " العلم " ، لتقارب معنييهما ، إذ كان " الظن " ، شكًّا ، وكان " الخوفُ " مقرونًا برَجاء ، وكانا جميعًا من فعل المرء بقلبه (2) كما قال الشاعر : (3)
وَلا تَدْفِنَنَّي فِي الْفَلاةِ فَإِنَّني... أَخَافُ إذَا مَا مِتُّّ أَنْ لا أَذُوقُهَا (4)
معناه : فإنني أعلم ، وكما قال الآخر : (5)
__________
(1) لم يذكر في المخطوطة والمطبوعة : " فعظوهن " ، مع أنه فسرها بعد ، ولم يفردها عن هذا الموضع.
(2) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف 3 : 550 ، 551.
(3) هو أبو محجن الثقفي.
(4) سلف البيت وتخريجه في 3 : 551 ، وأزيد هنا ، معاني القرآن للفراء 1 : 146 ، 265 ، مع اختلاف يسير في الرواية ، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا الموضع ، فألحق ذلك بمكانه هناك.
(5) هو أبو الغول الطهوي.

(8/298)


أَتَانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُوُلُهُ... وَمَا خِفْتُ ، يَا سَلامُ أَنَّكَ عَائِبي (1)
بمعنى : وما ظننتُ.
* * *
وقال جماعة من أهل التأويل : معنى " الخوف " في هذا الموضع : الخوف الذي هو خلاف " الرجاء " . قالوا : معنى ذلك : إذا رأيتم منهن ما تخافون أن ينشزن عليكم ، من نظر إلى ما لا ينبغي لهن أن ينظرن إليه ، ويَدخُلن ويخرجن ، واسترْبتم بأمرهن ، فعِظُوهن واهجروهنّ. وممن قال ذلك محمد بن كعب. (2)
* * *
وأما قوله : " نشوزهن " ، فإنه يعني : استعلاءَهن على أزواجهن ، وارتفاعهن عن فُرُشهم بالمعصية منهن ، والخلاف عليهم فيما لزمهنّ طاعتهم فيه ، بغضًا منهن وإعراضًا عنهم.
* * *
وأصل " النشوز " الارتفاع. ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض : " نَشْز " و " نَشَاز " . (3)
" فعظوهن " ، يقول : ذكّروهن الله ، وخوِّفوهن وعيدَه ، في ركوبها ما حرّم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه. (4)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال : " النشوز " ، البغضُ ومعصيةُ الزوج.
9335 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
__________
(1) سلف تخريجه وشرحه فيما مضى 3 : 550 ، وأزيد هنا معاني القرآن للفراء 1 : 146 ، 265. وكان في المطبوعة هنا " أنك عاتبي " ، وهو خطأ فاسد ، وهو في المخطوطة غير منقوط.
(2) سيأتي خبر محمد بن كعب القرظي ، برقم : 9342.
(3) انظر تفسير " النشوز " ، و " النشز " فيما سلف 5 : 475 ، 476.
(4) انظر تفسير " الوعظ " فيما سلف 2 : 180 ، 181 / 6 : 14 / 7 : 233.

(8/299)


أسباط ، عن السدي : " واللاتي تخافون نشوزهن " ، قال : بغضهن.
9336 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " واللاتي تخافون نشوزهن " ، قال : التي تخاف معصيتها. قال : " النشوز " ، معصيته وخِلافه.
9337 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " واللاتي تخافون نشوزهن " ، تلك المرأة تنشز ، (1) وتستخفّ بحق زوجها ولا تطيع أمره. (2)
9338 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا روح قال ، حدثنا ابن جريج قال ، قال عطاء : " النشوز " ، أن تحبَّ فراقَه ، والرجلُ كذلك.
* * *
ذكر الرواية عمن قال ما قلنا في قوله : " فعظوهن " .
9339 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " فعظوهن " ، يعني : عظوهن بكتاب الله. قال : أمره الله إذا نشزت أن يعظَها ويذكّرها الله ، ويعظِّم حقّه عليها. (3)
9340 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن " ، قال : إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها : " اتقي الله وارجعي إلى فراشك " ! فإن أطاعته ، فلا سبيلَ له عليها.
9341 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " قيل المرأة تنشز " ، وهو كلام فاسد جدًا ، والصواب من الدر المنثور 2 : 154 ، 155 ، والسنن الكبرى 7 : 303.
(2) الأثر : 9337 - رواه البيهقي في السنن 7 : 303 ، من طريق عثمان بن سعيد ، عن عبد الله بن صالح ، بمثله مطولا ، وسيروي الطبري جزءًا منه برقم : 9339 ثم رقم : 9356.
(3) الأثر : 9339 - سنن البيهقي 3 : 303 ، وانظر التعليق على الأثر : 9337.

(8/300)


عن يونس ، عن الحسن قال : إذا نشزت المرأة على زوجها فليعظْها بلسانه. يقول : يأمرها بتقوى الله وطاعته.
9342 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا رأى الرجل خِفّةً في بَصرها ، (1) ومدخلَها ومخرجَها. قال يقول لها بلسانه : " قد رأيت منك كذا وكذا ، فانتَهِي " ! فإن أعْتَبت ، فلا سبيل له عليها. وإن أبت ، هَجر مَضجعها. (2)
9343 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، أخبرنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " فعظوهن " ، قال : إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها ، فإنه يقول لها : " اتقي الله وارجعي " .
9344 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عطاء : " فعظوهن " ، قال : بالكلام.
9345 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قوله : " فعظوهن " ، قال : بالألسنة.
9346 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير : " فعظوهن " قال : عظُوهن باللسان. (3)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " إذا رأى الرجل تقصيرها في حقه " ، وعلق عليه بقوله : " في بعض النسخ : إذا رأى الرجل خفة في بصرها ، وفي مدخلها ومخرجها " ، والذي في بعض النسخ ، هو الذي في مخطوطتنا ، مع حذف " في " قبل " وفي مدخلها " ، وهذا هو الصواب المحض ، والذي في المطبوعة لا شك في أنه تصرف قبيح من ناسخ. وذلك أن أبا جعفر ذكر هذا آنفًا ص : 299س : 5 : " إذا رأيتم منهن ما تخافون أن ينشزن ، من نظر إلى ما لا ينبغي لهن أن ينظرن إليه " ، ونسبه إلى محمد بن كعب القرظي ، وهذا هو معنى " وخفة في بصرها " ، أي : أنها تطمح ببصرها إلى غيره من الرجال.
(2) الأثر : 9342 - سيأتي آخره برقم : 9364. وقوله : " ومدخلها ومخرجها " بالنصب فيهما عطفًا على قوله : " خفة " ، وهي مفعول " رأى " . وقوله : " أعتبت " ، من قولك : " أعتبني فلان " ، إذا ترك ما كنت تجد عليه من أجله ، ورجع إلى ما أرضاك عنه ، بعد إسخاطه إياك عليه.
(3) الأثر : 9346 - " عمرو بن أبي قيس الرازي " ، مضت ترجمته برقم : 8611.

(8/301)


القول في تأويل قوله : { وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : معنى ذلك : فعظوهن في نشوزهن عليكم ، أيها الأزواج ، فإن أبينَ مراجعة الحقّ في ذلك والواجب عليهن لكم ، فاهجروهن بترك جماعهنَ في مضاجعتكم إياهن.
*ذكر من قال ذلك :
9347 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " فعظوهن واهجروهن في المضاجع " ، يعني : عظوهن ، فإن أطعنكم ، وإلا فاهجروهنّ.
9348 - حدثني محمد بن مسعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " واهجروهن في المضاجع " ، يعني بالهجران : أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها.
9349 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير قال : الهجر هجرُ الجماع.
9350 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " تخافون نشوزهن " ، فإن على زوجها أن يعظها ، فإن لم تقبل فليهجرها في المضجع. يقول : يرقدُ عندها ويولِّيها ظهره ويطؤُها ولا يكلمها هكذا في كتابي : " ويطؤها ولا يكلِّمها " . (1)
__________
(1) قوله : " هكذا في كتابي " من كلام أبي جعفر الطبري ، وهذه دقة متناهية ، وأمانة بالغة ، مع مخافة فساد المعنى من وجوه ، ولكنه أثبته كما وجده في كتابه ، مخافة أن يكون عنى أن الهجر هجر الكلام وحده ، لا هجر الوطء وإن كان الراجح خلاف ذلك ، وإلا لضمه إلى القول التالي ، وذكره مع الآثار التي في معناه هناك.

(8/302)


9351 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : يضاجعها ، ويهجر كلامها ، ويولِّيها ظهره.
9352 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، أخبرنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : لا يجامعها.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : واهجروا كلامَهن في تركهن مضاجعتكم ، (1) حتى يرجعن إلى مضاجعتكم.
*ذكر من قال ذلك :
9353 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، أنها لا تترك في الكلام ، ولكن الهِجران في أمر المضجع.
9354 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا أبو حمزة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير : " واهجروهن في المضاجع " ، يقول : حتى يأتين مضاجعكم. (2)
9355 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير : " واهجروهن في المضاجع " ، في الجماع.
9356 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : يعظها فإن هي قبلت ، وإلا هجرها في المضجع ، ولا يكلمها
__________
(1) في المطبوعة : " واهجروهن واهجروا " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) الأثر : 9354 - هذا الأثر مكرر في المخطوطة بنصه مرة أخرى.

(8/303)


من غير أن يَذَر نكاحها ، وذلك عليها شديدٌ. (1)
9357 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، أخبرنا شريك ، عن خصيف ، عن عكرمة : " واهجروهن في المضاجع " ، الكلامَ والحديثَ.
* * *
[وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا تقربوهن في فرشهن ، حتى يرجعن إلى ما تحبّون]. (2)
*ذكر من قال ذلك :
9358 - حدثني الحسن بن زُرَيق الطهوي قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : لا تضاجعوهن. (3)
9359 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال : الهجران أن لا يضاجعها.
9360 - وبه قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن عامر وإبراهيم قالا الهجران في المضجع ، أن لا يضاجعها على فراش.
9361 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قالا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يحبّ.
9362 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
__________
(1) الأثر : 9357 - هذا تتمة الأثر السالف رقم : 9337 ، فانظر التعليق عليه هناك.
(2) ما بين القوسين ، ساقط من المخطوطة والمطبوعة ، واستظهرته من معاني الآثار التالية ، وهو القول الثالث من الأقوال الأربعة في تفسير الآية.
(3) الأثر : 9358 - " الحسن بن زريق الطهوي الكوفي " . روى عن سفيان بن عيينة ، وأبي بكر بن عياش ، وجماعة. قال العقيلي : " يحدث عن ابن عيينة بحديث ليس له أصل من حديث ابن عيينة " يعني حديث أنس : " يا أبا عمير ، ما فعل النغير " . فاعتدل له ابن عدي فقال : " لم أر له أنكر منه ، فما أدري : وهم فيه ، أو أخطأ ، أو تعمد ، وبقية أحاديثه مستقيمة " . مترجم في لسان الميزان 2 : 207 ، 208 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 15.

(8/304)


شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم والشعبي أنهما كانا يقولان : " واهجروهن في المضاجع " ، قالا يهجرُها في المضجع.
9363 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حبان قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن مقسم : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : هجرها في مضجعها : أن لا يقرب فراشَها.
9364 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي قال : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : يعظها بلسانه ، فإن أعتبت فلا سبيل له عليها ، وإن أبتْ هجر مضجعها. (1)
9365 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن وقتادة في قوله : " فعظوهن واهجروهن " ، قالا إذا خاف نشوزَها وعظها. فإن قبلتْ ، وإلا هجر مضجعها.
9366 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : تبدأ يا ابن آدم ، فتعظها ، فإن أبت عليك فاهجرها يعني به : فراشَها.
* * *
وقال آخرون : معنى قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قولوا لهن من القول هُجْرًا في تركهنّ مضاجعتكم.
*ذكر من قال ذلك :
9367 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن رجل ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : يهجرها بلسانه ، ويُغْلظ لها بالقول ، ولا يدع جماعها.
9368 - وبه قال ، أخبرنا الثوري ، عن خصيف ، عن عكرمة قال : إنما
__________
(1) الأثر : 9364 - هو بعض الأثر السالف رقم : 9342.

(8/305)


الهجران بالمنطق : أنْ يغلظ لها ، وليس بالجماع.
9369 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن أبي الضحى في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : يهجر بالقول ، ولا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يريد.
9370 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن رجل عن الحسن قال : لا يهجرها إلا في المبيت ، في المضجع. ليس له أن يهجر في كلام ولا شيء إلا في الفراش.
9371 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثني يعلى ، عن سفيان في قوله : " واهجروهن في المضاجع " ، قال : في مجامعتها ، ولكن يقول لها : " تعالَىْ ، وافعلي " ، كلامًا فيه غلظة. فإذا فعلتْ ذلك ، فلا يكلِّفْها أن تحبه ، فإن قلبها ليس في يديها.
* * *
قال أبو جعفر : ولا معنى ل " الهجر " في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه.
أحدها : " هجر الرجل كلام الرجل وحديثه " ، وذلك رفضه وتركه ، يقال منه : " هَجر فلان أهله يهجرُها هجرًا وهجرانًا " .
والآخر : الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازئ ، يقال منه : " هجر فلانٌ في كلامه يَهْجُر هَجْرًا " ، إذا هذَى ومدّد الكلمة (1) " وما زالت تلك هِجِّيراه ، وإهْجِيرَاه " ، ومنه قول ذي الرمة :
رَمَى فَأَخْطَأَ ، وَالأقْدَارُ غَالِبَةٌ... فَانْصَعْنَ وَالْوَيْلُ هِجِّيرَاهُ وَالْحَرَبُ (2)
__________
(1) هذا التفسير لمعنى " الهجر " ، وهذه الصفة قلما تصيبها في كتب اللغة ، فأثبتها هناك.
(2) ديوانه : 16 ، والبيت من قصيدته الناصعة ، وهو من الأبيات التي وصف فيها حمر الوحش ، وصائدها من قبيلة جلان ، جاءت الحمر ظماء إلى الماء ، وتخفى لها الصائد قد أعد سهامه ، فلما وردت الحمر حين دعاها خرير الماء المنسكب ، ولم تكد تشرب منه نغبًا تكسر ما تلقى من حرارة العطش ، حتى رماها الصائد فأخطأها ، على مهارته وحذقه ، فإن قدر الله غالب كل مقتدر " فانصعن " أي : تفرقن هاربات ، وبقي الصائد دائبًا يدعو على نفسه بالويل والحرب. و " هجيراه " دأبه ، ألح إلحاحًا على ذلك لما أخفق. و " الحرب " نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له ، يدعو على نفسه بذلك من الغيظ.

(8/306)


والثالث : " هَجَر البعير " ، إذا ربطه صاحبه بـ " الهِجَار " ، وهو حبل يُربط في حَقْويها ورُسغها ، (1) ومنه قول امرئ القيس :
رَأَتْ هَلَكًا بِنِجَافِ الْغَبِيطِ... فَكَادَتْ تَجُدُّ لِذَاكَ الْهِجَارَا (2)
فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى ، فإنما هو " الإهجار " ، ويقال منه : " أهجر فلان في منطقه " إذا قال " الهُجْر " ، (3) وهو الفحش من الكلام " يُهْجر إهجارًا وهُجرًا " .
* * *
فإذ كان لا وجه لـ " الهَجْر " في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة (4) وكانت المرأة المخوف نشوزُها ، إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه فغير جائز أن تكون عظته لذلك حتى تفيء المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك ، (5) ثم يكون الزوج مأمورًا
__________
(1) الحقوان ، واحدهما حقو (بفتح فسكون) : الخاصرتان.
(2) ديوانه : 93 ، معجم ما استعجم : 991 ، واللسان (هلك) ثاني بيتين ، قالهما في ناقته ، والأول : أَرَى نَاقَةَ الْقَيْسِ قَدْ أَصْبَحَتْ ... عَلَى الأيْنِ ذَاتَ هِبَابٍ نَوَارَا
" القيس " يعني نفسه. و " الأين " شدة التعب. و " الهباب " : النشاط : و " النوار " ، النفور من شدة بأسها وقوتها. و " الهلك " (بفتحتين) : ما بين أعلى الجبل وأسفله ، أو المهواة بين الجبلين ، أو الشق الذاهب في الأرض. و " الغبيط " صحراء متسعة لبني يربوع ، وسطها منخفض وطرفها مرتفع ، كهيئة الغبيط وهو الرحل اللطيف وذكره امرؤ القيس في كثير من شعره. و " النجاف " جمع " نجف " جمع " نجفة " : وهي أرض مستطيلة مرتفعة لا يعلوها الماء ، تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بالعريض. وقوله " تجد " أي : تقطع حبل الهجار وهو حبل يشد في رسغها وذلك نفورًا من المهواة التي أفزعتها.
(3) " الهجر " هنا بضم الهاء وسكون الجيم.
(4) يعني " الهجر " بفتح الهاء وسكون الجيم.
(5) في المطبوعة : " ثم تصير " ، وفي المخطوطة مثله ، إلا أنه كتب " تصير " بقلم مضطرب ، والظاهر أن الناسخ لم يستطع قراءة الكلمة على وجهها فاضطرب قلمه. والصواب المحض " تفيء " أي ترجع ، وأما " ثم " فهو سهو منه ، بل هي " حتى " كما أثبتها ، وهي حق السياق.

(8/307)


بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه.
وإذ كان ذلك كذلك ، بطلَ قولُ من قال : " معنى قوله : " واهجروهن في المضاجع ، واهجروا جماعهن " .
أو يكون - إذ بطل هذا المعنى - بمعنى (1) واهجروا كلامهن بسبب هجرهنّ مضاجعكم. وذلك أيضًا لا وجه له مفهومٌ. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : أنه لا يَحِل لمسلم أن يهجر أخاه فَوْقَ ثلاث. (2) على أن ذلك لو كان حلالا لم يكن لهجرها في الكلام معنًى مفهوم. لأنها إذا كانت عنه منصرفةً وعليه ناشزًا ، فمن سُرورها أن لا يكلمها ولا يَرَاها ولا تراه ، فكيف يُؤْمر الرجل في حال بُغض امرأته إياه ، وانصرافها عنه بترك ما في تركه سُرُورها ، من ترك جماعها ومحادثتها وتكليمها ؟ (3) وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته ، إذا دعاها إلى فراشه ، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه. (4)
__________
(1) في المطبوعة : " فمعنى : واهجروا... " والفاء هنا خطأ لا شك فيه ، ولكن ناسخ المخطوطة كتب " لمعنى " باء ، ثم وضع نقطة النون على الباء ، فأساء الناشر قراءتها.
(2) هو من حديث أنس بن مالك ، رواه البخاري (الفتح 10 : 413) : " عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تَبَاغَضُوا ، ولا تَحاسدُوا ، ولا تَدابَرُوا ، وكونوا عِبَاد اللهِ إخوانًا ، ولا يحلُّ لامرئ مُسْلِمٍ أنْ يهجُرَ أَخاهُ فوق ثلاثٍ " .
وحديث أبي أيوب الأنصاري : " لا يحِلُّ لرجُل أن يهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثلاثٍ ، يلتقيانِ ، فيُعْرض هذا ويُعرِض هذا ، وخيرُهما الذي يبدأ بالسَّلام " ، (الفتح 10 : 413).
(3) في المطبوعة : " مجاذبتها " ، واخترت قراءتها كما أثبتها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة.
(4) هذه الحجة جيدة جدًا ، إذا اقتصر المرء على صورة واحدة من صور النشوز ، وعلة واحدة هي التي ذكرها أبو جعفر. ولكن للنشوز صور عديدة ، وعلله مختلفات ، وهذه الآية أدب عام يعمل به المرء المسلم عند حاجته إليه عند مخافة النشوز أو معرفته ومعرفة أسبابه. وسترى أن أبا جعفر قد أسقط جميع الأقوال ، ليفضي إلى تأويله الذي ذهب إليه ، وسنذكر رد أبي بكر بن العربي عليه في تعليق يأتي في آخر مقالة أبي جعفر.

(8/308)


أو يكون - إذ فسد هذان الوجهان - يكون معناه (1) واهجروا في قولكم لهنّ ، بمعنى : ردّدوا عليهن كلامكم إذا كلمتموهن ، بالتغليظ لهن. فإن كان ذلك معناه ، فلا وجه لإعمال " الهجر " في كناية أسماء النساء الناشزات أعني في " الهاء والنون " من قوله : " واهجروهن " . لأنه إذا أريد به ذلك المعنى ، كان الفعل غير واقع ، (2) إنما يقال : " هَجَر فلان في كلامه " ولا يقال : " هجر فلان فلانًا " .
فإذ كان في كلّ هذه المعاني ما ذكرنا من الخلل اللاحق ، فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يكون قوله : " واهجروهن " ، موجَّهًا معناه إلى معنى الرّبط بالهجار ، على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بحبل على ما وصفنا : " هَجَره فهو يهجره هجْرًا " .
* * *
وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام : واللاتي تخافون نشوزَهن فعظوهن في نشوزهن عليكم. فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهنّ ، وإن أبين الأوْبة من نشوزهن فاستوثقوا منهنّ رباطًا في مضاجعهن يعني : في منازلهن وبُيوتهن التي يضطجعن فيها ويُضاجعن فيها أزواجهنّ ، كما : -
9372 - حدثني عباس بن أبي طالب قال ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، عن شبل قال ، سمعت أبا قزعة يحدث ، عن عمرو بن دينار ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه : أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : يطعمها ، ويكسوها ، ولا يضرب الوجه ، ولا يقبِّح ، ولا يهجر إلا في البيت. (3)
__________
(1) تكرار " يكون " هنا في هذا السياق عربي جيد.
(2) " الفعل الواقع " هو الفعل المتعدي ، وانظر فهرس المصطلحات فيما سلف.
(3) الحديث : 9372 - عباس بن أبي طالب : هو " عباس بن جعفر بن عبد الله " . مضت ترجمته في : 880. شبل : هو ابن عباد المكي القارئ. مضى في : 280.
أبو قزعة - بفتح القاف والزاي والعين : هو سويد بن جحير بن بيان. مضت ترجمته في : 8281 ، 8283.
وقوله هنا : " يحدث عن عمرو بن دينار " - الراجح عندي أنه خطأ ناسخ في زيادة حرف " عن " . وأن يكون صوابه " يحدث عمرو بن دينار " . أي : أن شبل بن عباد سمع الحديث من أبي قزعة وهو يحدث به عمرو بن دينار. لأن الحديث معروف من حديث أبي قزعة عن حكيم بن معاوية ، ليس بينهما واسطة. وأبو قزعة وعمرو بن دينار من طبقة واحدة ، فقد يحدث أحدهما عن الآخر. ولكن الواقع هنا - فيما أرى - أن الحديث عن أبي قزعة عن حكيم مباشرة.
ثم استيقنت أن ما استظهرت هو الصواب. فإن هذا الحديث قطعة من حديث مطول ، رواه أحمد في المسند 4 : 446 - 447 (حلبي) ، عن عبد الله بن الحارث ، وعن يحيى بن أبي بكير - كلاهما عن شبل بن عباد ، قال : " سمعت أبا قزعة يحدث عمرو بن دينار ، يحدث عن حكيم بن معاوية البهزي... " - إلى آخره. فوقع في مطبوعة المسند " يحدث عن عمرو بن دينار " ، بزيادة " عن " ، كما في نسخة الطبري هنا. ولكن ثبت في مخطوطة الرياض - من المسند - (ج3 ص1074) ، على الصواب الذي ذكرنا ، بحذف كلمة " عن " . وهو الصواب إن شاء الله.
حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري : مضت ترجمته وترجمة أبيه في : 873.
والحديث يأتي تمام تخريجه في الرواية الثالثة : 9374.

(8/309)


9373 - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن شعبة بن الحجاج ، عن أبي قزعة ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نَحوه. (1)
9374 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، أخبرنا بهز بن حكيم ، عن جده قال ، قلت : يا رسول الله ، نساؤنا ، ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : حرثُك ، فأت حرثك أنَّى شئت ، غير أن لا تضرب الوجهَ ، ولا تقبِّح ، ولا تَهجر إلا في البيت ، وأطعم إذا طَعِمت ، واكْس إذا اكتسيتَ ، كيفَ وقد أفضى بعضكم إلا بعض ؟ إلا بما حَلّ عليها. (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 9373 - الحسن بن عرفة العبدي البغدادي ، شيخ الطبري ثقة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 31 - 32 ، وتاريخ بغداد 7 : 394 - 396. مات سنة 257 وقد جاوز 110 سنين.
والحديث رواه أحمد 4 : 447 (حلبي) ، عن يزيد بن هارون ، عن شعبة ، بهذا الإسناد.
(2) الحديث : 9374 - حبان - بكسر الحاء - بن موسى بن سوار السلمي : ثقة من شيوخ البخاري ومسلم. مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 84 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 271.
وهذا الحديث هو تكرار للحديثين قبله ، مطولا. وقد جاء بالأسانيد الصحاح بأطول من هذا أيضًا. ورواه عن حكيم بن معاوية ابناه : بهز وسعيد ، وغيرهما. فرواه أحمد في المسند ، مطولا ومختصرًا ، 4 : 446 ، 447 ، مرارًا ، و5 : 3 ، 5 (حلبي).
ورواه أبو داود : 2142 - 2144.
ورواه ابن ماجه : 1850 ، من طريق يزيد بن هارون ، كالرواية التي قبل هذه.
ورواه البيهقي 7 : 295 ، 305 ، مطولا ومختصرًا. وقال المنذري : 2057 ، من تهذيب السنن : " اختلف الأئمة في الاحتجاج بهذه النسخة ، فمنهم من احتج بها ، ومنهم من أبى ذلك. وخرج الترمذي منها شيئًا وصححه " . يريد نسخة " بهز بن حكيم عن أبيه عن جده " . والحق أنها صحيحة إذا صح الإسناد إلى بهز. وذكره ابن كثير 2 : 437 - مختصرًا - دون إسناد ، ونسبه للسنن والمسند.
وقوله : " إلا بما حل عليها " - وفي رواية المسند (ج5 ص5) : " إلا بما حل عليهن " - يعني : إلا بما حل لكم عليهن من الضرب الذي أذن الله به لكم إذا خفتم نشوزهن. وهو الذي نص الله عليه في هذه الآية الكريمة : (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن). ولا يتجاوز في ذلك الحد الذي أذن الله به : (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).

(8/310)


وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال عدّة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9375 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن الحسن قال : إذا نشزت المرأة على زوجها فليعظها بلسانه ، فإن قبلت فذاك ، وإلا ضَربها ضربًا غير مبرّح. فإن رجعت ، فذاك ، وإلا فقد حَلّ له أن يأخذ منها ويُخَلِّيها.
9376 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس في قوله : " واهجروهن في المضاجع واضربوهن " ، قال : يفعل بها ذاك ، ويضربها حتى تطيعه في المضاجع ، فإذا أطاعته في المضجع ، فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته.
9377 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، أخبرنا يحيى بن بشر : أنه سمع عكرمة يقول في قوله : " واهجروهن في المضاجع واضربوهن " ضربًا غير مبرح ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اضربوهن

(8/311)


إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرّح. (1)
* * *
قال أبو جعفر : فكلّ هؤلاء الذين ذكرنا قولهم : لم يوجبوا للهجر معنى غير الضرب. ولم يوجبوا هجرًا إذا كان هيئة من الهيئات التي تكون بها المضروبة عند الضرب ، (2) مع دلالة الخبر الذي رواه عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضربهن إذا عصين أزواجهن في المعروف ، من غير أمر منه أزواجهن بهجرهن (3) لما وصفنا من العلة.
قال أبو جعفر : فإن ظنّ ظانٌّ أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عكرمة ، ليس كما قلنا ، وصحّ أن تركَ النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ الرجل بهجر زوجته إذا عصته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر ، لو كان دليلا على صحة ما قلنا من أنّ معنى " الهجر " هو ما بيناه لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجَها أن يَعِظها إذا هي نشزت ، إذ كان لا ذِكر للعظة في خبر عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم
(4) فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا عصينكم في المعروف " ، دلالة بينة أنه لم يٌبح للرجل ضرب زوجته ، إلا بعد عظتها من نشوزها. وذلك أنه لا تكون لهُ عاصية ، إلا وقد تقدّم منه لها أمرٌ أو عِظَة بالمعروف على ما أمرَ الله به. (5)
* * *
__________
(1) الأثر : 9377 - الخبر الذي رواه عكرمة ، واحتج به الطبري بعد ، خبر مرسل. خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 155 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(2) يعني بقوله : " إذ كان هيئة من الهيئات... " ، أن المرأة المضروبة لا تضرب إلا لأنها هجرت فراش زوجها ، فالهجر حالة من حالاتها التي تكون عليها حين تضرب.
(3) السياق : " ولم يوجبوا هجرًا ... لما وصفنا من العلة " ، وفصل بينهما بالسبب الذي من أجله لم يوجبوا الهجر.
(4) قوله : " فإن الأمر في ذلك ... " جواب قوله في أول الفقرة السالفة : " فإن ظن ظان " ، وفصلت هذه الثانية فقرة مستقلة ، لأنها كالجواب ، ولئلا تختلط معاني الكلام.
(5) تأويل الطبري في هذا الموضع لمعنى " الهجر " ، وأنه الشد بالهجار ، والاستثياق منهن رباطًا في منازلهن وبيوتهن التي يضطجعن فيها ويضاجعن فيها أزواجهن تأويل مستغرب جدًا ، شذ به عن كل تأويل تأوله المتقدمون. وقد استدرك عليه العلماء بعده ، فمن أجود من قال في ذلك أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن 1 : 175 قال : " يا لها هفوة من عالم بالقرآن والسنة!! وإني لأعجبكم من ذلك : أن الذي جرأه على هذا التأويل ، ولم يرد أن يصرح بأنه أخذه منه ، وهو حديث غريب ، رواه ابن وهب عن مالك : أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام... " ثم ذكر قصة ضرب الزبير أسماء وضرتها ، وأنه عقد شعر واحدة بالأخرى ، وارتفاع أسماء إلى أبي بكر ، ونصيحة أبي بكر لها أن تصبر ، لأن الزبير رجل صالح ، وعسى أن يكون زوجها في الجنة ثم قال ابن العربي : " فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ ، مع فعل الزبير ، فأقدم على هذا التفسير لذلك. وعجبًا له ، مع تبحره في العلوم وفي لغة العرب ، كيف بعد عليه صواب القول ، وحاد عن سداد النظر " !!
واستخراج أبي بكر ضمير الطبري ، إذ ذكر الخبر الذي جرأه على هذا التفسير ، ليس يعجبني ، ولو كان الطبري أراده لذكره كعادته. ولكني أظن أبا جعفر قد تورط في هذا التأويل ، للعلل التي قدم ذكرها بعد كلامه في تفسير " الهجر " ، وأنه لو كان الكلام " فاهجروهن في المضاجع " ، ولم يقل سبحانه قبله " فعظوهن " ، لما احتاج أبو جعفر إلى هذا التأويل. وإذن فالذي دعاه إلى هذا التأويل هو تتابع الكلامين " فعظوهن " و " اهجروهن في المضاجع " ، ثم إنه أيضًا لم يجد مساغًا للجمع بين معنى " النشوز " ، ومعنى " الهجر " ، كما قلت في ص : 308 تعليق : 4. ولاستيفاء القول في ذلك مكان غير هذا المكان.

(8/312)


القول في تأويل قوله : { وَاضْرِبُوهُنَّ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فعظوهن ، أيها الرجال ، في نشوزهن ، فإن أبينَ الإياب إلى ما يلزمهن لكم ، فشدّوهن وثاقًا في منازلهن ، واضربوهن ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعته الله في اللازم لهنّ من حقوقكم.
* * *
وقال أهل التأويل : صفة الضرب التي أباح الله لزوج الناشز أن يضربها : الضربُ غيرُ المبرِّح.
*ذكر من قال ذلك :
9378 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ،

(8/313)


عن سعيد بن جبير : " واضربوهن " ، قال : ضربًا غير مبرح.
9379 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، أخبرنا أبو حمزة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير مثله.
9380 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال : الضرب غير مبرّح. (1)
9381 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، أخبرنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " واضربوهن " ، قال : ضربًا غير مبرح.
9382 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " واهجروهن في المضاجع واضربوهن " ، قال : تهجرها في المضجع ، فإن أقبلت ، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح ، ولا تكسر لها عظمًا. فإن أقبلت ، وإلا فقد حَلّ لك منها الفدية.
9383 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن وقتادة في قوله : " واضربوهن " ، قال : ضربًا غير مبرح.
9384 - وبه قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : " واضربوهن " ؟ قال : ضربًا غير مبرح.
9385 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " واهجروهن في المضاجع واضربوهن " ، قال : تهجرها في المضجع. فإن أبت عليك ، فاضربها ضربًا غير مبرح أي : غير شائن.
9386 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرّح ؟ قال : السواك وشبهه ، يضربها به.
__________
(1) في المطبوعة : " غير المبرح " وأثبت ما في المخطوطة.

(8/314)


9387 - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال ، قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح ؟ قال : بالسواك ونحوه.
9388 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته : " ضربًا غير مبرح " ، قال : السواك ونحوه. (1)
9389 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تهجروا النساء إلا في المضاجع ، واضربوهن ضربًا غير مبرح يقول : غير مؤثّر.
9390 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عطاء : " واضربوهن " ، قال : ضربًا غير مبرح.
9391 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حبان قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، حدثنا يحيى بن بشر ، عن عكرمة مثله.
9392 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " واضربوهن " ، قال : إن أقبلت في الهجران ، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح.
9393 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب قال : تهجر مضجعها ما رأيتَ أن تنزع. (2) فإن لم تنزع ، ضربها ضربًا غير مبرح.
9394 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن : " واضربوهن " ، قال : ضربًا غير مبرح.
__________
(1) يعني خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وقد مضى ذلك برقم : 8905 ، فراجع التخريج هناك.
(2) " تنزع " أي : تقلع عن نشوزها وتتركه.

(8/315)


9395 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان قال ، حدثنا ابن المبارك قال ، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ، عن رجل ، عن الحسن قال : ضربًا غير مبرح ، غير مؤثر.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أطعنكم ، أيها الناس ، نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن ، فلا تهجروهن في المضاجع. فإن لم يطعنكم ، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن. فإن راجعنَ طاعتكم عند ذلك وفِئْنَ إلى الواجب عليهن ، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن ، ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل. وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة : " إنك لست تحبّيني ، وأنت لي مبغضة " ، فيضربها على ذلك أو يُؤذيها. فقال الله تعالى للرجال : " فإن أطعنكم " أي : على بغضهنّ لكم فلا تجنَّوا عليهن ، ولا تكلفوهن محبتكم ، فإنّ ذلك ليس بأيديهن ، فتضربوهن أو تؤذوهن عليه.
* * *
ومعنى قوله : " فلا تبغوا " ، لا تلتمسوا ولا تطلبوا ، من قول القائل : " بغَيتُ الضالة " ، إذا التمستها ، (1) ومنه قول الشاعر في صفة الموت : (2)
بَغَاكَ وَمَا تَبْغِيِهِ ، حَتَّى وَجَدْتَهُ... كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا (3)
__________
(1) انظر تفسير : " بغي " فيما سلف 3 : 508 / 4 : 163 / 6 : 196 ، 564 ، 570 / 7 : 53.
(2) هو سحيم عبد بني الحسحاس.
(3) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 4 : 163 / 7 : 53.

(8/316)


بمعنى : طلبك وما تطلبه.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9396 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " ، قال : إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل.
9397 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس قال ، إذا أطاعته ، فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته.
9398 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قوله : " فلا تبغوا عليهن سبيلا " ، قال : العلل.
9399 - وقال أخبرنا عبد الرزاق قال : قال الثوري في قوله : " فإن أطعنكم " قال : إن أتت الفراش وهي تبغضه.
9400 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا يعلى ، عن سفيان قال : إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه ، لأن قلبها ليس في يديها.
9401 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : إن أطاعته فضاجعته ، فإن الله يقول : " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا " .
9402 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " ، يقول : فإن أطاعتك ، فلا تبغ عليها العلل.
* * *

(8/317)


القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) }
قال أبو جعفر يقول : إن الله ذو علوّ على كل شيء ، فلا تبغوا ، أيها الناس ، على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلوِّ أيديكم على أيديهن ، فإنّ الله أعلى منكم ومن كل شيء عليكم ، منكم عليهن (1) وأكبر منكم ومن كل شيء ، وأنتم في يده وقبضته ، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا. وهن لكم مطيعات ، فينتصر لهن منكم ربُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء ، وأكبر منكم ومن كل شيء. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه " وإن خفتم شقاق بينهما " ، وإن علمتم أيها الناس (3) " شقاق بينهما " ، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه ، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور. فأما من المرأة ، فالنشوز وتركها أداء حق الله
__________
(1) في المطبوعة : " فإن الله أعلى منكم ومن كل شيء ، وأعلى منكم عليهن " ، وفي المخطوطة : " ... ، عليهم منكم عليهن " ، فأراد الناشر تصحيحه فأفسده ، والصواب " عليكم ، منكم عليهن " وقوله : " عليكم " من سياق فإن الله أعلى منكم ومن كل شيء عليكم " .
(2) انظر تفسير : " العلي " فيما سلف 5 : 405.
(3) انظر تفسير " الخوف " بمعنى العلم فيما سلف قريبًا ص : 298 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(8/318)


عليها الذي ألزمها الله لزوجها. وأما من الزوج ، فتركُه إمساكها بالمعروف أو تسريحها بإحسان.
* * *
و " الشقاق " مصدر من قول القائل : " شاقَّ فلان فلانًا " إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور " فهو يُشاقُّه مشاقَّة وشقاقًا " ، وذلك قد يكون عداوة ، (1) كما : -
9403 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : " وإن خفتم شقاق بينهما " ، قال : إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقَّته يقول : عادته.
* * *
وإنما أضيف " الشقاق " إلى " البين " ، لأن " البين " قد يكون اسمًا ، كما قال جل ثناؤه : ( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) [سورة الأنعام : 94] ، في قراءة من قرأ ذلك. (2)
* * *
وأما قوله : " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية : مَنِ المأمور ببعثة الحكمين ؟ (3)
فقال بعضهم : المأمور بذلك : السلطانُ الذي يرفع ذلك إليه.
*ذكر من قال ذلك :
9404 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير : أنه قال في المختلعة : يعظها ، فإن انتهت وإلا هجرها. فإن انتهت ، وإلا ضربها. فإن انتهت ، وإلا رفع أمرَها إلى السلطان ، فيبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ، فيقول الحكم الذي من أهلها : " يفعل بها
__________
(1) انظر تفسير " الشقاق " فيما سلف 3 : 115 ، 116 ، 336.
(2) هذه القراءة برفع " بينكم " ، بمعنى : وصلكم الذي يصل بينكم.
(3) في المطبوعة : " ببعثه الحكمين " ، وهو خطأ في قراءة المخطوطة ، وهي غير منقوطة.

(8/319)


كذا " ، ويقول الحكم الذي من أهله : " تفعل به كذا " . فأيهما كان الظالم ردَّه السلطان وأخذ فوق يديه ، وإن كانت ناشزًا أمره أن يَخْلع.
9405 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، قال : بل ذلك إلى السلطان.
* * *
وقال آخرون : بل المأمور بذلك : الرجل والمرأة.
*ذكر من قال ذلك :
9406 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، إن ضربها. فإن رجعت ، فإنه ليس له عليها سبيل. فإن أبت أن ترجع وشاقّته ، فليبعث حكمًا من أهله ، وتبعث حكمًا من أهلها.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيما يُبعث له الحكمان ، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما ، وكيف وَجْهُ بَعْثهِما بينهما ؟
فقال بعضهم : يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما. وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما به ، أو وكله كل واحد منهما بما إليه ، فيعملان بما وكلهما به مَن وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه ، أو توكيل من وُكل منهما في ذلك.
*ذكر من قال ذلك :
9407 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن محمد ، عن عبيدة قال : جاء رجل وامرأته بينهما شقاقٌ إلى علي رضي الله عنه ، مع كل واحد منهما فِئام من الناس ، (1) فقال علي رضي الله عنه : ابعثوا حكمًا
__________
(1) " الفئام " : الجماعة الكثيرة.

(8/320)


من أهله وحكمًا من أهلها. ثم قال للحكمين : تدرِيان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا ، وإن رأيتما أن تفرِّقا أن تفرقا ، (1) قالت المرأة : رضيت بكتاب الله ، بما عليَّ فيه ولي. قال الرجل : أما الفرقة فلا. فقال علي رضي الله عنه : كذبتَ والله ، لا تنقلب حتى تقرَّ بمثل الذي أقرَّت به. (2)
9408 - حدثنا مجاهد بن موسى قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا هشام بن حسان وعبد الله بن عون ، عن محمد : أن عليَّا رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته ، ومع كل واحد منهما فئام من الناس. فأمرهما علي رضي الله عنه أن يبعثا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ، لينظرا. فلما دنا منه الحكمان ، قال لهما علي رضي الله عنه : أتدريان ما لكما ؟ لكما إن رأيتما أن تفرّقا فرقتما ، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما قال هشام في حديثه : فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعليّ ، فقال الرجل : أما الفرقة فلا! فقال عليّ : كذبتَ والله ، حتى ترضى مثل ما رضيت به وقال ابن عون في حديثه : كذبتَ والله ، لا تبرَحُ حتى ترضى بمثل ما رضيت به. (3)
9409 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا منصور وهشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : شهدت عليًّا رضي الله عنه ، فذكر مثله. (4)
9410 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ،
__________
(1) في المخطوطة : " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ، إن رأيتما أن تجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا " ، سقط من الكلام ما ثبت في المخطوطة ، وهو نص ما في المراجع التي سأذكرها بعد.
(2) الأثر : 9407 - رواه الشافعي في الأم 5 : 177 من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن أيوب بن أبي تميمة ، بمثله سواء. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7 : 305 ، 306. وقال الشافعي : " حديث علي ثابت عندنا " .
(3) الأثران : 9408 ، 9409 - أخرجه البيهقي في السنن 7 : 306 ، مختصرًا.
(4) الأثران : 9408 ، 9409 - أخرجه البيهقي في السنن 7 : 306 ، مختصرًا.

(8/321)


عن السدي قال : إذا هجرها في المضجع وضربها ، فأبت أن ترجع وشاقّته ، فليبعث حكمًا من أهله وتبعث حكمًا من أهلها. تقول المرأة لحكمها : " قد وليتك أمري ، فإن أمرتني أن أرجعَ رجعت ، وإن فرَّقت تفرقنا " ، وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئًا من الأشياء ، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع ، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق ، ويبعث الرجل حكمًا من أهله يوليه أمره ، ويخبره يقول له حاجته : إن كان يريدها أو لا يريد أن يطلقها ، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة ، وإلا قال له : " خذ لي منها ما لها علي ، وطلقها " ، فيوليه أمره ، فإن شاء طلق ، وإن شاء أمسك. ثم يجتمع الحكمان ، فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه ، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه. فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز ، إن طلَّقا وإن أمسكا. فهو قول الله : " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " . فإن بعثت المرأة حكمًا وأبى الرجل أن يبعث ، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكمًا.
* * *
وقال آخرون : إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان ، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه ، لا التفريق بينهما.
*ذكر من قال ذلك :
9411 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن وهو قول قتادة أنهما قالا إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه. وأما الفرقة ، فليست في أيديهما ولم يملَّكا ذلك يعني : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " .
9412 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا

(8/322)


من أهلها " ، الآية ، إنما يبعث الحكمان ليصلحا. فإن أعياهما أن يصلحا ، شهدا على الظالم بظلمه ، وليس بأيديهما فرقة ، ولا يملَّكان ذلك.
9413 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن قيس بن سعد قال : وسألت عن الحكمين ، (1) قال : ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائزٌ ، يقول الله تبارك وتعالى : " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما " . قال : يخلو حكم الرجل بالزوج ، وحكم المرأة بالمرأة ، فيقول كل واحد منهما لصاحبه : " اصدقني ما في نفسك " . فإذا صَدق كل واحد منهما صاحبه ، اجتمع الحكمان ، وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقًا : " لتصدقني الذي قال لك صاحبك ، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي " ، فذاك حين أرادا الإصلاح ، يوفق الله بينهما. فإذا فعلا ذلك ، اطَّلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه إليه ، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما ، فأتيا عليه فحكما عليه. فإن كانت المرأة قالا " أنت الظالمة العاصية ، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحق وتطيعي الله فيه " . وإن كان الرجل هو الظالم قالا " أنت الظالم المضارّ ، لا تدخل لها بيتًا حتى تنفق عليها وترجع إلى الحق والعدل " . فإن أبت ذلك كانت هي الظالمةَ العاصيةَ ، (2) وأخذ منها ما لها ، وهو له حلال طيب. وإن كان هو الظالمَ المسيءَ إليها المضارَّ لها طلقها ، ولم يحلّ له من مالها شيء. فإن أمسكها ، أمسكها بما أمر الله ، وأنفق عليها وأحسن إليها. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " سألت عن الحكمين " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب ، فالظاهر أنه بعض خبر ، لا بدء خبر ، وانظر التعليق رقم : 3.
(2) في المطبوعة : " وترجع إلى الحق والعدل ، فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ... " ، وفسد الكلام : وفي المخطوطة : " وترجع إلى الحق والعدل ما دامت ذلك كانت هي الظالمة العاصية وأخذ... " ، وهو تحريف من الناسخ ، وصواب قراءتها " فإن أبت ذلك " كما أثبتها. والصواب أيضًا إثبات الواو في " وأخذ " ، لا حذفها ، كما في المطبوعة.
(3) الأثر : 9413 - " قيس بن سعد المكي " مولى نافع بن علقمة ، روى عن طاوس ، وعطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير. ثقة. مترجم في التهذيب.
وكان هذا الإسناد في المطبوعة : " قال حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن قيس بن سعد " ، وكان في المخطوطة مثله ، إلا أن وضع بعد " شبل " إلى أعلى : " لا " وبعد " مجاهد " إلى أعلى " إلى " ، وذلك من إشاراتهم إلى حذف ما بينهما ، استغنوا بذلك عن الضرب عليه بالقلم. فلم يعرف الناشر قاعدتهم في الكتابة والحذوف ، فأثبت ما حقه الحذف. و " قيس بن سعد " كما ترى يروي عن مجاهد ، وليس مجاهد ممن يروي عنه. وهذا الخبر ، كأنه مما سأل عنه قيس بن سعد مجاهدًا أو عطاء ، كما مر في بعض أسانيده السالفة ، التي غاب عني مكانها اليوم.

(8/323)


9414 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي قال : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يبعث الحكمين ، حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها. فيقول الحكم من أهلها : " يا فلان ، ما تنقِم من زوجتك " ؟ فيقول : " أنقِم منها كذا وكذا " . قال فيقول : " أفرأيت إن نزعَت عما تكره إلى ما تحب ، هل أنت مُتقي الله فيها ، ومعاشرها بالذي يحق عليك في نفقتها وكسوتها " ؟ فإذا قال : " نعم " ، قال الحكم من أهله : " يا فلانة ما تنقمين من زوجك فلان " ؟ فيقول مثل ذلك ، فإن قالت : " نعم " ، جمع بينهما. قال : وقال علي رضي الله عنه : الحكمان ، بهما يجمع الله وبهما يفرِّق.
9415 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال الحسن : الحكمان يحكمان في الاجتماع ، ولا يحكمان في الفُرقة.
9416 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن " ، وهي المرأة التي تنشز على زوجها ، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك ، وهو بعد ما تقول لزوحها : " والله لا أُبرُّ لك قسمًا ولآذنَنَّ في بيتك بغير أمرك " ! ويقول السلطان : " لا نجيز لك خلعًا " حتى تقول المرأة لزوجها : " والله لا أغتسل لك من جنابة ، ولا أقيم لك صلاة " ! فعند ذلك يقول السلطان : " اخلع المرأة " !

(8/324)


9417 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن " ، قال : تعظها ، فإن أبت وغَلبت ، فاهجرها في مضجعها. فإن غلبت هذا أيضًا ، فاضربها. فإن غلبت هذا أيضًا ، بُعث حكم من أهله وحكم من أهلها. فإن غلبت هذا أيضًا وأرادت غيره ، فإنَّ أبِي قال أو : كان أبي يقول (1) ليس بيد الحكمين من الفرقة شيء ، إن رأيا الظلم من ناحية الزوج قالا " أنت يا فلان ظالم ، انزع " ! فإن أبى ، رفعا ذلك إلى السلطان. ليس إلى الحكمين من الفراق شيء.
* * *
وقال آخرون : بل إنما يبعث الحكمين السلطانُ ، على أن حكمهما ماضٍ على الزوجين في الجمع والتفريق.
*ذكر من قال ذلك :
9418 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، فهذا الرجل والمرأة ، إذا تفاسد الذي بينهما ، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحًا من أهل الرجل ، ومثله من أهل المرأة ، فينظران أيهما المسيء. فإن كان الرجل هو المسيء ، حَجَبوا عنه امرأته وقَصَروه على النفقة ، (2) وإن كانت المرأة هي المسيئة ، قصروها على زوجها ، ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرّقا أو يجمعا ، فأمرهما جائز. فإن رأيا
__________
(1) في المطبوعة : " فإن أبي كان يقول " ، وفي المخطوطة : " فإن أبي قال وكان أبي يقول " والصواب ما في المخطوطة ، إلا قوله " وكان أبي يقول " ، فصوابه " أو : كان أبي يقول " ، وقائل هذه الجملة هو : عبد الله بن زيد أسلم وأبوه هو : زيد بن أسلم.
(2) " قصره على الشيء " حبسه عليه ، وألزمه إياه ، إجبارًا وقهرًا ، وفي الحديث : " لتقصرنه على الحق قصرًا " ، أي : قهرًا وغلبة ، وهو من " القسر " ، وأبدلت السين صادًا ، وهما يتبادلان في كثير من الكلام.

(8/325)


أن يجمعا ، فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ، ثم ماتَ أحدهما ، فإنّ الذي رضي يَرِث الذي كره ، ولا يرث الكارهُ الراضيَ ، وذلك قوله : " إن يريدا إصلاحًا " ، قال : هما الحكمان " يوفق الله بينهما " .
9419 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا روح قال ، حدثنا عوف ، عن محمد بن سيرين : أن الحكم من أهلها والحكم من أهله ، يفرِّقان ويجمعان إذا رأيا ذلك " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " .
9420 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سألت سعيد بن جبير عن الحكمين فقال : لم أولد إذ ذاك! (1) فقلت : إنما أعني حَكم الشقاق. قال : يقبلان على الذي جاء التداري من عنده. (2) فإن فعل ، وإلا أقبلا على الآخر. فإن فعل ، وإلا حكما. فما حكما من شيء فهو جائز.
9421 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، أخبرنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل ، عن عامر في قوله : " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، قال : ما قضى الحكمان من شيء فهو جائز.
9422 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن داود ،
__________
(1) ذهب سعيد بن جبير حين سأله عمرو بن مرة عن " الحكمين " ، إلى أنه عنى الحكمين في أمر علي ومعاوية رضي الله عنهما ، واجتماعهما بدومة الجندل سنة 37 من الهجرة. فلذلك قال : " لم أولد إذ ذاك " ، لأن سعيد بن جبير رحمه الله قتله الحجاج سنة 95 ، وهو ابن تسع وأربعين سنة ، كأنه ولد سنة 46 من الهجرة ، بعد التحكيم. وروي أن سعيد بن جبير دعا ابنه حين دعي ليقتل ، فجعل ابنه يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة ؟ فكأنه ولد - على هذه الرواية سنة 38 من الهجرة ، وذلك أيضًا بعد تحكيم الحكمين.
(2) في المطبوعة : " الذي جاء الأذى من عنده " لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة. وهو من " التدارؤ " ، ترك همزه ، " تدارأ الرجلان " ، أي تشاغبا وخالف أحدهما صاحبه. وفي قول بعض الحكماء : " لا تتعلموا العلم لثلاث ، ولا تتركوه لثلاث : لا تتعلموه للتداري ، ولا للتماري ، ولا للتباهي ولا تدعوه رغبة عنه ، ولا رضًا بالجهل ، ولا استحياء من الفعل له " . وعنى بقوله : " التداري " هنا الخصومة والتداعي. وانظر الأثر التالي رقم : 9428.

(8/326)


عن إبراهيم قال : ما حكما من شيء فهو جائز. إن فرّقا بينهما بثلاث تطليقات أو تطليقتين ، فهو جائز. وإن فرقا بتطليقة فهو جائز. وإن حكما عليه بجزاء بهذا من ماله ، (1) فهو جائز : فإن أصلحا فهو جائز. وإن وضَعا من شيء فهو جائز.
9423 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا حبان قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن المغيرة ، عن إبراهيم في قوله : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، قال : ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما. إن طلقا ثلاثا فهو جائز عليهما. وإن طلقا واحدة وطلقاها على جُعْل ، فهو جائز ، (2) وما صنعا من شيء فهو جائز.
9424 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : إن شاء الحكمان أن يفرقا فرّقا. وإن شاءا أن يجمعا جمعَا.
9425 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني هشيم ، عن حصين ، عن الشعبي : أن امرأة نشزت على زوجها ، فاختصموا إلى شريح ، فقال شريح : ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها. فنظر الحكمان في أمرهما ، فرأيا أن يفرِّقا بينهما ، فكره ذلك الرجل ، فقال شريح : ففيم كانا اليوم ؟ وأجاز قولهما. (3)
9426 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس قال : بعثت
__________
(1) في المطبوعة : " بهذا من ماله " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وليس لها معنى هنا. ورجحت أن صوابها " بجزاء " ، لأنه سيأتي في الأثر التالي : " أو طلقاها على جعل " و " الجعل " (بضم فسكون) ، وهو المال المعطى على شيء ، أجرًا كان أو غيره. و " الجزاء " البدل ، فكأنه يعطي لها بدلا مما لقيت من إساءته ، وعقوبة للمسيء.
(2) انظر التعليق السالف.
(3) الأثر : 9425 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7 : 306.

(8/327)


أنا ومعاوية حكمين قال معمر : بلغني أن عثمان رضي الله عنه بعثهما ، وقال لهما : إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، وإن رأيتما أن تفرِّقا فرقتما. (1)
9427 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا روح بن عبادة قال ، حدثنا ابن جريج قال ، حدثني ابن أبي مليكة : أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة ابنة عتبة ، فكان بينهما كلام. فجاءت عثمان فذكرت ذلك له ، فأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس : لأفرقنَّ بينهما! وقال معاوية : ما كنت لأفرّق بين شيخين من بني عبد مناف! فأتياهما وقد اصطلحا. (2) .
9428 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، يكونان عَدْلين عليهما وشاهدين. وذلك إذا تدارأ الرجل والمرأة وتنازعا إلى السلطان ، (3) جعل عليهما حكمين : حكمًا من أهل الرجل ، وحكمًا من أهل المرأة ، يكونان أمينين عليهما جميعًا ، وينظران مِن أيهما يكون الفساد. فإن كان من قبل المرأة ، أجبرت على طاعة زوجها ، وأمِرَ أن يتقي الله ويحسن صحبتها ، وينفق عليها بقدر ما آتاه الله ، إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان. وإن كانت الإساءة من قبل الرجل ، أُمر بالإحسان إليها ، فإن لم يفعل قيل له : " أعطها حقها وخَلِّ سبيلها " . وإنما يلي ذلك منهما السلطان.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في قوله : " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، أن الله خاطب المسلمين بذلك ، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشِّقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما ، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض.
__________
(1) الأثر : 9426 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7 : 306
(2) الأثر : 9427 - رواه الشافعي في الأم 5 : 177 ، 178 من طريق مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، وخرجه البيهقي في السنن 7 : 306.
(3) انظر تفسير " تدارأ " فيما سلف ص : 326 ، تعليق : 2.

(8/328)


وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين ، وغير السلطان الذي هو سائس أمر المسلمين ، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه.
واختلفوا في الزوجين والسلطان ، ومن المأمورُ بالبعثة في ذلك : الزوجان ، أو السلطان ؟ (1) ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين ، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأمة فيه مختلفة.
وإذْ كان الأمر على ما وصفنا ، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يكون مخصوصًا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها. (2) وإذْ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية ، والأمر بقوله : " فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " ، إذْ كان مختلفًا بينهما : هل هما معنيِّان بالأمر بذلك أم لا ؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما فالواجبُ من القول ، إذ كان صحيحًا ما وصفنا ، صحيحًا أن يقال (3) إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكمًا من قبله لينظر في أمرهما ، وكان كل واحد منهما قد بعثه من قبله في ذلك ، لما لَه على صاحبه ولصاحبه عليه ، (4) فتوكيله بذلك من وكِّل جائز له وعليه.
وإن وكَّله ببعض ولم يوكله بالجميع ، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيًا جائزًا على ما وكله به. وذلك أن يوكله أحدهما بما له دون ما عليه.
وإن لم يوكل كل واحد من الزوجين بما له وعليه ، (5) أو بما له ، أو بما عليه ،
__________
(1) في المخطوطة : " الزوجين أو السلطان " ، وهو خطأ ظاهر.
(2) في المخطوطة والمطبوعة : " من أجمع الجميع " ، وهو خطأ ظاهر ، وفساد ، والصواب ما أثبت.
(3) في المطبوعة حذف " صحيحًا " هذه الثانية ، مع أنها مستقيمة لا ضير منها.
(4) في المطبوعة : " وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه " ، وهو كلام لا يستقيم البتة. وفي المخطوطة : " وكان كل واحد منهما من بعثه من قبله في ذلك لماقه على صاحبه ، ولصاحبه عليه " ، وظاهر أن قوله " من بعثه " هي : " قد بعثه " وأما قوله : " في ذلك لماقه " فإني رجحت أن صوابها " في ذلك لما له " ، وكأنه عنى أنه قد أرسله مملكًا في جميع أمره ، في جميع ماله على صاحبه ، ولصاحبه عليه. واستأنست في ذلك بالجزء التالي من هذا الكلام.
(5) في المطبوعة : " أو لم يوكل واحد من الزوجين " مكان ما في المخطوطة : " وإن لم يوكل " وهو تصرف معيب ، فإنه أفسد الكلام ، وزادها خلطًا على خلط.

(8/329)


إلا الحكمين كليهما ، (1) [لم يجز] إلا ما اجتمعا عليه ، دون ما انفرد به أحدهما. (2)
وإن لم يوكلهما واحد منهما بشيء ، وإنما بعثاهما للنظر بينهما ، ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ، (3) ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما لم يكن لهما أن يُحدثا بينهما شيئًا غير ذلك من طلاق ، أو أخذ مال ، أو غير ذلك ، ولم يلزم الزوجين ولا واحدًا منهما شيء من ذلك. (4)
* * *
فإن قال قائل : وما معنى الحكمين ، إذ كان الأمر على ما وصفت ؟
قيل : قد اختلف في ذلك.
فقال بعضهم : معنى " الحكم " ، النظرُ العدلُ ، كما قال الضحاك بن مزاحم في الخبر الذي ذكرناه ، الذي : -
9429 - حدثنا به يحيى بن أبي طالب ، عن يزيد ، عن جويبر عنه : لا أنتما قاضيان تقضيان بينهما
* * *
على السبيل التي بيَّنَّا من قوله. (5)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أنهما القاضيان ، يقضيان بينهما ما فوَّض إليهما الزوجان.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فليس للحكمين... " مكان ما في المطبوعة : " إلا الحكمين " ، وزاد الكلام اضطرابًا.
(2) الذي بين القوسين ، ظاهر جدًا أنه سقط من الناسخ ، هو أو ما في معناه. وبهذا استقامت هذه العبارة التي اقتضت من الجهد ما كنا في غنى عنه ، لو صحح الناسخ كتابته.
(3) في المطبوعة ، حذف قوله : " بينهما " .
(4) في المخطوطة : " لم يلزم " بحذف الواو ، والصواب ما في المطبوعة.
(5) قوله : " على السبيل التي بينا من قوله " ، هذا من كلام الطبري ، تعليقًا على سائر كلامه السالف. وعنى بذلك قول الضحاك الذي ذكره آنفًا برقم : 9428. ولو ترك هذا السياق بغير فواصل ، لما استطاع أن يفهمه إلا المصابر على المشقات.

(8/330)


قال أبو جعفر : وأي الأمرين كان ، فليس لهما ، ولا لواحد منهما ، الحكم بينهما بالفرقة ، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك ، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله ، وذلك ما لزم الرجلَ لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف ، إن كان هو الظالم لها.
فأما غير ذلك ، فليس ذلك لهما ، ولا لأحد من الناس غيرهما ، لا السلطان ولا غيره. وذلك أن الزوج إن كان هو الظالمَ للمرأة ، فللإمام السبيلُ إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق. وإن كانت المرأة هي الظالمةَ زوجها الناشزةَ عليه ، فقد أباح الله له أخذَ الفدية منها ، وجعل إليه طلاقها ، على ما قد بيناه في " سورة البقرة " . (1)
وإذْ كان الأمرُ كذلك ، لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج ، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه ، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس.
وإن بعث الحكمين السلطانُ ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك ، (2) ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة. يدل على ذلك ما قد بيناه قبلُ من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك ، والقائلين بقوله. (3) ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين ، ويتعرفا الظالم منهما من المظلوم ، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما.
وإنما قلنا : " ليس لهما التفريق " ، للعلة التي ذكرناها آنفًا. وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما ، إذا ارتفع إليه الزوجان ، فشكا كل واحد منهما صاحبه ، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل. لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل ، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 4 : 549 - 583.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " ولا يجوز لهما " بالواو ، والصواب بالفاء.
(3) انظر الآثار السالفة من 9407 - 9409.

(8/331)


وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

القول في تأويل قوله : { إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " إن يريدا إصلاحًا " ، إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة أعني : بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما يقول : " يوفق الله " بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما. وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه : مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9430 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن أبي هاشم ، عن مجاهد في قوله : " إن يريدا إصلاحًا " ، قال : أمَا إنه ليس بالرجل والمرأة ، ولكنه الحكمان.
9431 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير : " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما " ، قال : هما الحكمان ، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما.
9432 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما " ، وذلك الحكمان ، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب.
9433 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما " ، يعني بذلك الحكمين.
9434 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن

(8/332)


سعيد بن جبير : " إن يريدا إصلاحًا " ، قال : إن يرد الحكمان إصلاحًا أصلحا.
9435 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي هاشم ، عن مجاهد : " إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما " ، يوفق الله بين الحكمين.
9436 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا جويبر ، عن الضحاك قوله : " إن يريدا إصلاحًا " ، قال : هما الحكمان إذا نصحا المرأةَ والرجلَ جميعًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه : " إنّ الله كان عليمًا " ، بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره " خبيرًا " ، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما ، (1) لا يخفى عليه شيء منه ، حافظ عليهم ، حتى يجازي كلا منهم جزاءه ، بالإحسان إحسانًا ، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا.
* * *
القول في تأويل قوله جل ذكره : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وذِلُّوا لله بالطاعة ، واخضعوا له بها ، وأفردوه بالربوبية ، وأخلصوا له الخضوع والذلة ، بالانتهاء إلى أمره ، والانزجار
__________
(1) انظر تفسير " الخبير " فيما سلف 1 : 496 / 5 : 94 ، 586.

(8/333)


عن نهيه ، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا تعظمونه تعظيمكم إياه. (1)
" وبالوالدين إحسانًا " ، يقول : وأمركم بالوالدين إحسانًا يعني برًّا بهما ولذلك نصب " الإحسان " ، لأنه أمر منه جل ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالدين ، على وجه الإغراء. (2)
* * *
وقد قال بعضهم : معناه : " واستوصوا بالوالدين إحسانًا " ، وهو قريب المعنى مما قلناه.
* * *
وأما قوله : " وبذي القربى " ، فإنه يعني : وأمرَ أيضًا بذي القربى وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه ، ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين (3) إحسانًا بصلة رحمه.
* * *
وأما قوله : " واليتامى " ، فإنهم جمع " يتيم " ، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك. (4)
* * *
" والمساكين " وهو جمع " مسكين " ، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة ، فتمسكن لذلك. (5)
* * *
يقول تعالى ذكره : استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم ، وتعطفوا عليهم ، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " عبد " فيما سلف 1 : 160 ، 161 ، 362 / 3 : 120 ، 317 / 6 : 488.
(2) انظر تفسير " وبالوالدين إحسانًا " فيما سلف 2 : 290 - 292.
(3) انظر تفسير " ذي القربى " فيما سلف 2 : 292 / 3 : 344.
(4) انظر تفسير " اليتامى " فيما سلف 2 : 292 / 3 : 345 / 4 : 295 / 7 : 524 ، 541.
(5) انظر تفسير " المساكين " فيما سلف 2 : 137 ، 293 / 3 : 345 / 4 : 295 / 7 : 116.

(8/334)


وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)

القول في تأويل قوله : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم : معنى ذلك : والجار ذي القرابة والرحم منك.
*ذكر من قال ذلك :
9437 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " والجار ذي القربى " ، يعني : الذي بينك وبينه قرابة.
9438 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " والجار ذي القربى " ، يعني : ذا الرَّحم.
9439 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : " والجار ذي القربى " ، قال : جارك ، هو ذو قرابتك.
9440 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد في قوله : " والجار ذي القربى " ، قالا القرابة.
9441 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " والجار ذي القربى " ، قال : جارك الذي بينك وبينه قرابة.
9442 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " والجار ذي القربى " ، جارك ذو القرابة.
9443 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " والجار ذي القربى " ، إذا كان له جار له رحم ، فله حقَّان اثنان : حق القرابة ، وحق الجار.

(8/335)


9444 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " والجار ذي القربى " ، قال : الجار ذو القربى ، ذو قرابتك.
* * *
وقال آخرون : بل هو جارُ ذي قرابتك.
*ذكر من قال ذلك :
9445 - حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن ميمون بن مهران في قوله : " والجار ذي القربى " قال : الرجل يتوسل إليك بجوار ذي قرابتك.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا القول قولٌ مخالفٌ المعروفَ من كلام العرب. وذلك أن الموصوف بأنه " ذو القرابة " في قوله : " والجار ذي القربى " ، " الجار " دون غيره. فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة. ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل : " وجار ذي القربى " ، ولم يُقَل : " والجار ذي القربى " . فكان يكون حينئذ إذا أضيف " الجار " إلى " ذي القرابة " الوصية ببرّ جار ذي القرابة ، (1) دون الجار ذي القربى. وأما و " الجار " بالألف واللام ، فغير جائز أن يكوى " ذي القربى " إلا من صفة " الجار " . وإذا كان ذلك كذلك ، كانت الوصية من الله في قوله : " والجار ذي القربى " ببرّ الجار ذي القربى ، (2) دون جار ذي القرابة. وكان بينًا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك.
* * *
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " الوصية بين جار ذي القرابة " ، وهو كلام لا معنى له ، وهو تصحيف وتحريف ، صوابه ما أثبت.
(2) في المخطوطة والمطبوعة هنا أيضًا : " بين الجار ذي القربى " ، وهو خطأ وتصحيف كما أسلفت.

(8/336)


وقال آخرون : معنى ذلك : والجار ذي القربى منكم بالإسلام.
*ذكر من قال ذلك :
9446 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى قال ، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق ، عن نَوْف الشامي : " والجار ذي القربى " ، المسلم. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وهذا أيضًا مما لا معنى له. وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى ، غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نزل بلسانهم القرآن ، المعروفِ فيهم ، (2) دون الأنكر الذي لا تتعارفه ، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل : " فلان ذو قرابة " ، إنما يعني به : إنه قريب الرحم منه ، دون القرب بالدين كان صرفه إلى القرابة بالرحم ، أولى من صرفه إلى القرب بالدين.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالْجَارِ الْجُنُبِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم : معنى ذلك : والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه.
*ذكر من قال ذلك :
__________
(1) الأثر : 9446 - " نوف الشامي " ، هو : نوف بن فضالة الحميري البكالي ، مضت ترجمته برقم : 3965 ، وسيأتي في رقم : 9456.
(2) " المعروف " بالكسر ، صفة لقوله : " إلى الأغلب " . وفي المطبوعة : " المعروف وفيهم " ، وهو خطأ في الطباعة ولا شك.

(8/337)


9447 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " والجار الجنب " ، الذي ليس بينك وبينه قرابة.
9448 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " والجار الجنب " ، يعني : الجار من قوم جنب.
9449 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " والجار الجنب " ، الذي ليس بينهما قرابة ، وهو جار ، فله حق الجوار.
9450 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " والجار الجنب " ، الجار الغريب يكون من القوم.
9451 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " والجار الجنب " ، جارك من قوم آخرين.
9452 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " والجار الجنب " ، جارك لا قرابة بينك وبينه ، البعيد في النسب وهو جار.
9453 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد في قوله : " والجار الجنب " ، قال : المجانب.
9454 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " والجار الجنب " ، الذي ليس بينك وبينه رَحمٌ ولا قرابة. (1)
__________
(1) في المطبوعة : " ... وجه ولا قرابة " ، وهو لا معنى له ، والصواب من المخطوطة.

(8/338)


9455 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك : " والجار الجنب " ، قال : من قوم آخرين.
* * *
وقال آخرون : هو الجار المشرك.
*ذكر من قال ذلك :
9456 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن نوف الشامي : " والجار الجنب " ، قال : اليهوديّ والنصرانيّ. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قول من قال : " معنى ، الجنب ، في هذا الموضع : الغريبُ البعيد ، مسلمًا كان أو مشركًا ، يهوديًا كان أو نصرانيًا " ، لما بينا قبل من أن " الجار ذي القربى " ، هو الجار ذو القرابة والرحم. والواجب أن يكون " الجار ذو الجنابة " ، الجار البعيد ، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم.
* * *
وبعد ، فإن " الجُنب " ، في كلام العرب : البعيد ، كما قال أعشى بني قيس :
أَتَيْتُ حُرَيْثًا زَائِرًا عَنْ جَنَابَةٍ... فَكانَ حُرَيْثٌ فِي عَطَائِي جَامِدَا (2)
__________
(1) الأثر : 9456 - " عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي " ، مضت ترجمته برقم : 5796 ، وهو يروي عن سفيان الثوري ، وعن شيبان بن عبد الرحمن التميمي. وقد جاء في هذا الإسناد في المطبوعة " شيبان ، عن أبي إسحاق " ، وكذلك هو في المخطوطة ، ولكنه كتب " شيبان " كتابة سيئة ، كتابة شاك في قراءتها. وقد سلف في الإسناد رقم : 9446 قريبًا " سفيان ، عن أبي إسحاق " واضحة جدًا في المخطوطة ، فرجحتها لذلك ، وأثبتها هنا. وانظر التعليق على الأثر : 9446.
(2) ديوانه : 49 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 126 ، الكامل 2 : 26 ، وسيأتي في التفسير 20 : 26 (بولاق) من قصيدة هجا فيها الحارث بن وعلة بن مجالد بن زبان الرقاشي ، وكان جاء يسأله فقال له : " ولا كرامة!! ألست القائل : أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي حُرَيْثًا ... مُغَلْغَلَةً? أَحَانَ أَمِ ادَّرَانَا?
تهجوني وتصغرني ، ثم تسألني!! فكان مما قال له بعد البيت السالف ، فأوجعه : لَعَمْرُكَ مَا أَشْبَهْتَ وَعْلَةَ فَي النَّدَى ... شَمَائِلَهُ ، وَلا أَباهُ المُجَالِدَا
إذَا زَارَهُ يَوْمًا صَدِيقٌ ، كأنَّما ... يَرَى أُسُدًا فِي بَيْتِهِ وَأَسَاوِدَا
في شعر كثير ، و " حريث " تصغير " الحارث " ، تصغير ترخيم ، وقياسه " حويرث " . ورجل " جامد الكف ، وجماد الكف " : بخيل لا تلين صفاته. وكان في المطبوعة هنا : " جاهدا " وهو خطأ ، وفي الموضع الآخر من التفسير : " جاحدا " وهو خطأ أيضًا. وروى هنا : في عطائي " ، وروايته في التفسير 20 : 26 " عن عطائي " وهي المطابقة لرواية المراجع السالفة جميعًا ، ولا بأس بها.

(8/339)


يعني بقوله : " عن جنابة " ، عن بعد وغُربة. ومنه ، قيل : " اجتنب فلان فلانًا " ، إذا بعد منه " وتجنّبه " ، و " جنَّبه خيره " ، إذا منعه إياه. (1) ومنه قيل للجنب : " جُنُب " ، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل.
فمعنى ذلك : والجار المجانب للقرابة.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك.
فقال بعضهم : هو رفيق الرجل في سَفره.
*ذكر من قال ذلك :
9457 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) في المطبوعة : " وتجنبه خيره " ، أسقط : " وجنبه " بين الكلامين ، ففسد السياق ، والصواب من المخطوطة.

(8/340)


معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " والصاحب بالجنب " ، الرفيق.
9458 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان ، عن أبي بكير قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : " والصاحب بالجنب " ، الرفيق في السفر. (1)
9459 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " والصاحب بالجنب " ، صاحبك في السفر.
9460 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " والصاحب بالجنب " ، وهو الرفيق في السفر.
9461 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " والصاحب بالجنب " ، الرفيق في السفر ، منزله منزلك ، وطعامه طعامك ، ومسيره مسيرك.
9462 - حدثنا سفيان قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد : " والصاحب بالجنب " ، قالا الرفيق في السفر.
9463 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن جابر ، عن عامر ، عن علي وعبد الله قالا " الصاحب بالجنب " ، الرفيق الصالح.
__________
(1) الأثر : 9458 - " أبو بكير التيمي " ، مؤذن لتيم ، واسمه " مرزوق " . روى عن سعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد. وروى عنه ليث بن أبي سليم ، وإسرائيل ، وسفيان الثوري ، وشريك. مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة : " أبو بكر " وهو خطأ ، صوابه ما أثبت من المخطوطة. وسيأتي على الصواب في رقم : 9467 ، 9468.

(8/341)


9464 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني سليم ، عن مجاهد قال : " الصاحب بالجنب " ، رفيقك في السفر ، الذي يأتيك ويده مع يدك.
9465 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، قراءة على ابن جريج قال ، أخبرنا سليم : أنه سمع مجاهدًا يقول : " والصاحب بالجنب " ، فذكر مثله.
9466 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " والصاحب بالجنب " ، الصاحب في السفر.
9467 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو دكين قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي بكير ، عن سعيد بن جبير ، " والصاحب بالجنب " ، الرفيق الصالح.
9468 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي بكير ، عن سعيد بن جبير مثله.
9469 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " والصاحب بالجنب " ، قال : الرفيق في السفر.
9470 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك مثله.
* * *
وقال آخرون : بل هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه.
*ذكر من قال ذلك :
9471 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر أو القاسم عن علي وعبد الله رضوان الله عليهما : " والصاحب بالجنب " ، قالا هي المرأة. (1)
__________
(1) قوله : " رضوان الله عليهما " ، زيادة من المخطوطة.

(8/342)


9472 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن بعض أصحابه ، عن جابر ، عن علي وعبد الله مثله.
9473 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " والصاحب بالجنب " ، يعني : الذي معك في منزلك.
9474 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن هلال ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : أنه قال في هذه الآية : " والصاحب بالجنب " ، قال : هي المرأة.
9475 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي الهيثم ، عن إبراهيم : " والصاحب بالجنب " ، قال : المرأة.
9476 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال الثوري ، قال أبو الهيثم ، عن إبراهيم : هي المرأة.
9477 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي الهيثم ، عن إبراهيم مثله.
9478 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن محمد بن سوقة ، عن أبي الهيثم ، عن إبراهيم مثله.
9479 - حدثني عمرو بن بَيْذَق قال ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن محمد بن سوقة ، عن أبي الهيثم ، عن إبراهيم مثله. (1)
* * *
وقال آخرون : هو الذي يلزمك ويصحبك رَجاء نفعك.
*ذكر من قال ذلك :
__________
(1) الأثر : 9479 - " عمرو بن بيذق " (بالذال المعجمة) هكذا في المخطوطة ، شيخ الطبري ، لم أعرف له ترجمة ، وقد روى عنه في كتاب تاريخ الصحابة والتابعين ، الملحق بالتاريخ ص : 86 ، وكتبه هناك " عمرو بين بيدق " بالدال المهملة ، وكأن الأول أصح.

(8/343)


9480 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : " الصاحب بالجنب " ، الملازم وقال أيضًا : رفيقك الذي يرافقك.
9481 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : " والصاحب بالجنب " ، الذي يلصق بك ، وهو إلى جنبك ، ويكون معك إلى جنبك رجاءَ خيرك ونفعك.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك عندي : أن معنى : " الصاحب بالجنب " ، الصاحب إلى الجنب ، كما يقال : " فلان بجَنب فلان ، وإلى جنبه " ، وهو من قولهم : " جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا " ، إذا كان لجنبه. (1) ومن ذلك : " جَنَب الخيل " ، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا : الرفيقُ في السفر ، والمرأة ، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه ، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم ، لوجوب حق الصاحب على المصحوب ، وقد : -
9482 - حدثنا سهل بن موسى الرازي قال ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن فلان بن عبد الله ، عن الثقة عنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وسلم في غَيْضِة طرفاء ، (2) فقطع قَصِيلين ، أحدهما معوجٌّ ، والآخر معتدل ، (3) فخرج بهما ،
__________
(1) هذا النص من تفسير اللغة ، قلما تجده في كتاب من كتب اللغة.
(2) " الغيضة " ، مكان يجتمع فيه الماء ويفيض ، فينبت فيه الشجر ويلتف ، والجمع " غياض " . و " الطرفاء " من شجر العضاء ، وهدبه مثل هدب الأثل ، وليس له خشب ، إنما يخرج عصيًا سمحة في السماء ، وقد تتحمض به الإبل ، إذا لم تجد حمضًا غيره.
(3) في المطبوعة : " فصيلين " بالفاء ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة : " فصيلين " غير منقوطة ، وفي الدر المنثور : " فصلين " وليس لها معنى. و " القصيل " بالقاف : ما اقتصل (أي : اقتطع) من الزرع أخضر ، ومنه : " القصيل " وهو الذي تعلف به الدواب. يقال : " قصل الدابة " ، أي : علفها القصيل.

(8/344)


فأعطى صاحبه المعتدل ، وأخذ لنفسه المعوج ، فقال الرجل : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، أنت أحق بالمعتدل مني! فقال : " كلا يا فلان ، إن كل صاحب يصحب صاحبًا ، مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار. (1)
9483 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن حيوة قال ، حدثني شرحبيل بن شريك ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن خير الأصحاب عند الله تبارك وتعالى ، خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره. (2)
* * *
قال أبو جعفر : فإذ كان " الصاحب بالجنب " ، محتملا معناه ما ذكرناه : (3) من أن يكون داخلا فيه كل من جَنَب رجلا بصحبةٍ في سفر ، (4) أو نكاح ، أو انقطاع إليه واتصال به (5) ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ بعضَهم مما احتمله ظاهر التنزيل
__________
(1) الأثر : 9482 - " سهل بن موسى الرازي " انظر ما كتبت عنه برقم : 4319 ، وقبله رقم : 180. وأما " ابن أبي فديك " فهو : محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك ، مضت ترجمته برقم : 4319. وهذا الأثر على إرساله ضعيف ، لجهالة من روى عنهم ابن أبي فديك. ولم أجده إلا في الدر المنثور 2 : 159 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(2) الأثر : 9483 - رواه أحمد في مسنده رقم : 6566 من طريق عبد الله بن يزيد ، عن حيوة وابن لهيعة ، بمثله ، والحاكم في المستدرك 4 : 164 ، والترمذي : 3 : 129 ، من طريق عبد الله بن المبارك ، كرواية الطبري. قال أخي السيد أحمد : " إسناده صحيح " .
و " أبو عبد الرحمن الحبلي " ، هو : عبد الله بن يزيد المعافري ، مضت ترجمته برقم : 6657.
(3) في المطبوعة : " وإن كان الصاحب بالجنب معناه ما ذكرناه " ، أسقط " محتملا " ، لأنها كتبت في المخطوطة " متصلا " مختلطة الكتابة ، فلم يحسن قراءتها فحذفها ، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها. أما ما كان في المطبوعة والمخطوطة من قوله : " وإن كان " ، فهو خطأ محض لا تستقيم به الجملة ، صوابه ما أثبت : " فإذ كان " .
(4) في المطبوعة : " يصحبه في سفر " ، وهو خطأ معرق يختل به سياق الكلام. وهو في المخطوطة غير منقوط ، وصواب قراءته ما أثبت.
(5) قوله : " ولم يكن الله " معطوف على قوله : " فإذ كان الصاحب " .

(8/345)


(1) فالصواب أن يقال : جميعهم معنيّون بذلك ، وكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَابْنِ السَّبِيلِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم : " ابن السبيل " ، هو المسافر الذي يجتاز مارًا.
*ذكر من قال ذلك :
9484 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وابن السبيل " ، هو الذي يمر عليك وهو مسافر.
9484م - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وقتادة مثله.
9485 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " وابن السبيل " ، قال : هو المارُّ عليك ، وإن كان في الأصل غنيًّا.
* * *
وقال آخرون : هو الضيف.
*ذكر من قال ذلك :
9486 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) قوله " فالصواب " ، جواب قوله : " فإذ كان الصاحب... فالصواب أن يقال " .
(2) في المطبوعة : " وبكلهم قد أوصى... " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب ما أثبت.

(8/346)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وابن السبيل " ، قال : الضيف ، له حق في السفر والحضر.
9487 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وابن السبيل " ، وهو الضيف.
9488 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك : " وابن السبيل " ، قال : الضيف.
9489 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال ، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك مثله.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن " ابن السبيل " ، هو صاحب الطريق و " السبيل " : هو الطريق ، وابنه : صاحبه الضاربُ فيه (1) فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به ، إذا كان سفره في غير معصية الله ، أن يعينه إن احتاج إلى معونة ، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة ، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : والذين ملكتموهم من أرقائكم فأضاف " الملك " إلى " اليمين " ، كما يقال : " تكلم فوك " ، و " مشَتْ رجلك " ، و " بطشت يدك " ، بمعنى : تكلمتَ ، ومشيتَ ، وبطشتَ. غير أن ما وصف به كل
__________
(1) انظر تفسير " ابن السبيل " فيما سلف 3 : 345 - 347 / 4 : 295 وتفسير " السبيل " في 2 : 497 ، وسائر فهارس اللغة.
(2) " الحملان " (بضم الحاء وسكون الميم) : ما يحمل عليه من الدواب.

(8/347)


عضو من ذلك ، فإنما أضيف إليه ما وُصف به (1) لأنه بذلك يكون ، في المتعارف في الناس ، دون سائر جوارح الجسد. فكان معلومًا بوصف ذلك العضو بما وصف به من ذلك المعنى المراد من الكلام. فكذلك قوله : " وما ملكت أيمانكم " ، لأن مماليك أحدنا تحت يديه ، (2) إنما يَطعم ما تُناوله أيماننا ، ويكتسي ما تكسوه ، (3) وتصرِّفه فيما أحبَّ صرفه فيه بها. فأضيف ملكهم إلى " الأيمان " لذلك.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9490 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وما ملكت أيمانكم " ، ممّا خوّلك الله. كل هذا أوصى الله به.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما يعني مجاهد بقوله : " كل هذا أوصى الله به " ، الوالدين ، وذا القربى ، واليتامى ، والمساكين ، والجار ذا القربى ، والجار الجنب ، والصاحب بالجنب ، وابن السبيل. فأوصى ربنا جل جلاله بجميع هؤلاء عبادَه إحسانًا إليهم ، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم. فحقٌّ على عباده حفظ وصية الله فيهم ، ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ما وصفت به " في الموضعين ، والصواب من المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " يده " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " ونكسي ما يكسوه " ، وهو خطأ صوابه من المخطوطة ، وأفعال هذه الجملة إلى آخرها غير منقوطة في المخطوطة ، فأساء ناشر المطبوعة وضع النقط عليها ، فاختل معناها ، فقد كان فيها : " ... نطعم ... ونكسي ... ونصرفه " ، والصواب ما أثبت.

(8/348)


القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا (36) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " إن الله لا يحبّ من كان مختالا " ، إن الله لا يحب من كان ذا خُيَلاء.
و " المختال : " المفتعل " ، من قولك : " خال الرجل فهو يخول خَوْلا وخَالا " ، (1) ومنه قول الشاعر : (2)
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا... وإنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ (3)
ومنه قول العجاج :
وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجُهَّالْ (4)
__________
(1) هذا أحد وجهي الكلام ، والآخر : " خال يخال خيلا وخالا " ، بالياء ، ورجحه بعضهم لأنه من " الخيلاء " .
(2) هو أنس بن مساحق العبدي ، رجل من عبد القيس.
(3) حماسة أبي تمام 1 : 133 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 127 ، واللسان (خيل). وقبل البيت : أَلا أبْلِغَا خُلَّتِي رَاشِدًا ... قَدِيمًا ، وصِنْوِي إذَا ما تَصِلْ
بِأَنَّ الدَّقِيقَ يَهِيجُ الْجَلِيلَ ... وَأَنَّ الْعَزِيزَ لإذا سَاءَ ذَلْ
وَأَنَّ الْحَزَامَةَ أَنْ تَصْرِفُوا ... لِحَيٍّ سِوَانَا صُدُورَ الأسَلْ
وتقول في البيت " فخل " بضم الخاء وبفتحها ، أي : اذهب فاختل ما شاءت لك الخيلاء.
(4) وَالدَّهْرُ فِيهِ غَفْلَةٌ لِلْغُفَّالْ ... وَالْمَرْءُ يُبْلِيهِ بَلاء السِّرْبالْ
كَرُّ الَّليَالِي وَاخْتِلافُ الأحْوَالْ
وكان في المطبوعة : " ثياب الجمال " ، وهو تصحيف ، صوابه في المخطوطة.

(8/349)


الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)

وأما " الفخور " ، فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه ، وبسط له من فضله ، ولا يحمده على ما أتاه من طَوْله ، ولكنه به مختال مستكبر ، وعلى غيره به مُسْتطيل مفتخر. كما : -
9491 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " إن الله لا يحب من كان مختالا " ، قال : متكبرًا ، " فخورا " ، قال : يعدّ ما أُعطي ، وهو لا يشكر الله.
9492 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا محمد بن كثير ، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهرويّ قال : لا تجد سيِّئ الملِكة إلا وجدته مختالا فخورًا. (1) وتلا " وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا " ولا عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًا. وتلا( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) [سورة مريم : 32]
* * *
القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يحب المختال الفخور ، الذي يبخل ويأمر الناسَ بالبخل.
فـ " الذين " يحتمل أن يكون في موضع رفع ، ردًّا على ما في قوله : " فخورًا " ، من ذِكرٍ (2) ويحتمل أن يكون نصبًا على النعت ل " مَنْ " .
__________
(1) " الملكة " (بفتح الميم واللام) و(بكسر الميم وسكون اللام) ، وهو الذي يسيء إذا ملك شيئًا ، فتجبر وتغطرس ، وفي الحديث : " لا يدخل الجنة سيئ الملكة " ، وهو الذي يسيء إلى مماليكه أو إلى ما يقع تحت سلطانه.
(2) في المطبوعة : " من ذم " ، ولا معنى له البتة. والصواب من المخطوطة ، والمراد بقوله : " ذكر " ، الضمير ، وقد رد هذا الوجه أبو حيان في تفسيره 3 : 247 ، ولم ينسبه للطبري.

(8/350)


و " البخل " في كلام العرب : منع الرجل سائله ما لديه وعنده ما فضل عنه ، (1) كما : -
9493 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه في قوله : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، قال : البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه " والشح " : أن يشٍح على ما في أيدي الناس. قال : يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحِلِّ والحرام ، لا يقنع.
واختلفت القرأة في قراءة قوله : " ويأمرون الناس بالبخل " .
* * *
فقرأته عامة قرأة أهل الكوفة : " بِالْبَخَلِ " بفتح " الباء " و " الخاء " .
وقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض البصريين بضم " الباء " : " بِالْبُخْلِ " .
قال أبو جعفر : وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد ، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في قراءته.
* * *
وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، الذين كتموا اسمَ محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود ولم يبينوه للناس ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
*ذكر من قال ذلك :
9494 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحضرمي : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " من فضل عنه " ، وكأن الصواب المحض ما أثبت. وتفسير " البخل " هذا قلما تصيبه في كتب اللغة.

(8/351)


الله من فضله " ، قال : هم اليهود ، بخلوا بما عندهم من العلم وكَتَموا ذلك.
9495 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " إلى قوله : " وكان الله بهم عليما " ، ما بين ذلك في يهود.
9496 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9497 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، وهم أعداءُ الله أهلُ الكتاب ، بخلوا بحقّ الله عليهم ، وكتموا الإسلام ومحمدًا صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
9498 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، فهم اليهود " ويكتمون ما آتاهم الله من فضله " ، اسمَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم (1) وأما : " يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، يبخلون باسم محمد صلى الله عليه وسلم ، ويأمرُ بعضهم بعضًا بكتمانه.
9499 - حدثنا محمد بن مسلم الرازي قال ، حدثني أبو جعفر الرازي قال ، حدثنا يحيى ، عن عارم ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، قال : هذا للعلم ، ليس للدنيا منه شيء.
9500 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " ، قال : هؤلاء يهود. وقرأ : " ويكتمون ما آتاهم الله من فضله " ، قال : يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ،
__________
(1) في المطبوعة : " أو : يبخلون... " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/352)


ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب. إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ : ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) [سورة النساء : 53] من بخلهم.
9501 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان كَرْدَم بن زيد ، حليفُ كعب بن الأشرف ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبي نافع ، وبَحْريّ بن عمرو ، وحُيَيّ بن أخطب ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، يأتون رجالا من الأنصار ، وكانوا يخالطونهم ، ينتصحون لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم ، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا تسارعوا في النفقة ، فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل الله فيهم : " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله " ، أي : من النبوة ، (1) التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم " وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا " ، إلى قوله : " وكان الله بهم عليمًا " . (2)
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الآية على التأويل الأول : والله لا يحبّ ذوي الخُيلاء
__________
(1) في ابن هشام : " أي : من التوراة " ، وهي أجود الروايتين ، إن لم تكن هذه التي هنا من سهو الناسخ. ولكني خشيت أن يكون لها وجه ، فتركتها.
(2) الأثر : 9501 - رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته 2 : 208 ، 209 ، وهو تابع الآثار التي آخرها : 8338 فيما مضى قديمًا.
أما " كردم بن زيد " فإنه في سيرة ابن هشام : " كردم بن قيس " ، وهو المذكور في سيرة ابن هشام 2 : 160 ، أيضًا أنه حليف كعب بن الأشرف ، من بني النضير. أما " كردم بن زيد " في رواية الطبري عن ابن إسحاق ، فقد ذكره ابن هشام في سيرته 2 : 162 ، وعده من بني قريظة. هذا ، والذين ذكرهم في هذا الأثر من اليهود منسوبون في سيرة ابن هشام ، وهذه نسبتهم : " كردم بن قيس " و " حيي بن أخطب " من بني النضير و " كردم بن زيد " ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبي نافع ، من بني قريظة وبحري بن عمرو ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، من بني قينقاع.

(8/353)


والفخر ، الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس ، من اسم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه ، وهم به عالمون ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك مثل علمهم ، بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له ، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته مَنْ حرّم الله عليه كتمانه إيّاه.
* * *
وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد : " إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا " ، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم ، ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ، ما قاله الذين قالوا : إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، بالبخل بتعريف من جهل أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم أنه حقّ ، وأنّ محمدًا لله نبيّ مبعوث ، وغير ذلك من الحق الذي كان الله تعالى ذكره قد بيّنه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه. فبخل بتبيينه للناس هؤلاء ، وأمروا من كانت حاَله حالَهم في معرفتهم به : أن يكتموه من جَهِل ذلك ، ولا يبيِّنوه للناس.
وإنما قلنا : هذا القول أولى بتأويل الآية ، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل ، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمرُ الناس بالبخل ديانةً ولا تخلُّقًا ، بل ترى ذلك قبيحًا وتذمَّ فاعله ؛ (1) وَتمتدح - وإن هي تخلَّقَت بالبخل واستعملته في أنفسها - بالسخاء والجود ، (2) وتعدُّه من مكارم
__________
(1) في المطبوعة : " ويذم فاعله " بالياء ، وهو خطأ في قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، واستتبع هذا الخطأ من ناشر المطبوعة أن يغير ما كان في المخطوطة ، إذا اختلطت معاني الكلام عليه ، كما سترى.
(2) في المطبوعة : " ولا يمتدح... فالسخاء ، تعده... " ، لما أخطأ في قراءة الكلمة السالفة ، غير ما في المخطوطة كل التغيير زاد " لا " في " ويمتدح " ، وجعل " بالسخاء " " فالسخاء " ، وجعل " وتعده " ، " تعده " بحذف الواو أراد أن تستقيم العبارة ففسدت فسادًا مطلقًا بلا قيد ولا شرط!!
هذا ، وسياق الجملة : " بل ترى ذلك قبيحًا وتذم فاعله ، وتمتدح... بالسخاء والجود ، وتعده من مكارم الأخلاق " ، وأتى بقوله : " وإن هي تخلقت بالبخل ، واستعملته في أنفسها " ، اعتراضًا.

(8/354)


الأفعال وتحثُّ عليه. ولذلك قلنا : إنّ بخلهم الذي وصفهم الله به ، إنما كان بخلا بالعلم الذي كان الله آتاهموه فبخلوا بتبيينه للناس وكتموه ، دون البخل بالأموال إلا أن يكون معنى ذلك : الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وُسُبله ، ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك. فيكون بخلهم بأموالهم ، وأمرهم الناس بالبخل ، بهذا المعنى (1) - على ذكرنا من الرواية عن ابن عباس - فيكون لذلك وجه مفهومٌ في وصفهم بالبخل وأمرِهم به.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) }
قال أبو جعفر : يعني : بذلك جل ثناؤه : " وأعتدنا " ، وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم ، (2) من المعرفة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، المكذبين به بعد علمهم به ، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أمرَهم الله ببيانه له من الناس " عذابًا مهينًا " ، يعني : العقابَ المذلّ مَن عُذِّب بخلوده فيه ، (3) عَتادًا له في آخرته ، إذا قَدِم على ربه وَجدَه ، بما سلف منه من جحوده فرضَ الله الذي فرضَه عليه. (4)
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة " فهذا المعنى " ، والصواب ما أثبته ، وسياقه : فيكون بخلهم بأموالهم... بهذا المعنى...
(2) انظر تفسير : " أعتدنا " فيما سلف 8 : 103.
(3) انظر تفسير : " المهين " فيما سلف 2 : 347 ، 348 / 7 : 423 / 8 : 72.
(4) في المطبوعة : " وآخذه بما سلف... " والصواب ما في المخطوطة ، فإن أول هذه الجملة " إذا قدم على ربه ، وجد... " ، وهو تفسير " العتاد " .

(8/355)


وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)

القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وأعتدنا للكافرين بالله من اليهود الذين وصف الله صِفَتهم ، عذابًا مهينًا " والذين ينفقون أموالهم رئاءَ الناس. "
* * *
و " الذين " في موضع خفضٍ ، عطفًا على " الكافرين " .
* * *
وقوله : " رئاء الناس " ، يعني : ينفقه مُراءاة الناس ، في غير طاعة الله أو غير سبيله ، ولكن في سبيل الشيطان (1) " ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " ، يقول : ولا يصدقون بوحدانية الله ، ولا بالمَعَاد إليه يوم القيامة (2) - الذي فيه جزاء الأعمال - أنه كائن. (3)
* * *
وقد قال مجاهد (4) إن هذا من صفة اليهود! وهو بصفة أهل النفاق الذين كانوا أهلَ شرك ، (5) فأظهروا الإسلام تقيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلِ الإيمان به ، وهم على كفرهم مقيمون (6) أشبه منه بصفة اليهود. لأن اليهود كانت توحِّد الله وتصدّق بالبعث والمعاد. وإنما كان كفرُها ، تكذيبَها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " رئاء " فيما سلف 5 : 521 ، 522.
(2) في المطبوعة : " ولا بالميعاد " .
(3) قوله : " أنه كائن " ، سياقه " ولا يصدقون بالمعاد... أنه كائن " .
(4) يعني في الأثر رقم : 9495.
(5) في المطبوعة والمخطوطة : " وهو صفة أهل النفاق " ، وهو لا يستقيم ، كما سترى في التعليق التالي.
(6) السياق : " وهو بصفة أهل النفاق... أشبه منه بصفة اليهود " ، فصح التصحيح السالف. أما ناشر المطبوعة ، فإنه لما رأى الكلام غير مستقيم ، كتب : " أشبه منهم بصفة اليهود " ، فزاد الكلام فسادًا.

(8/356)


وبعدُ ، ففي فصل الله بين صفة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، وصفة الفريق الآخر الذين وصفهم في الآية قبلها ، وأخبر أنّ لهم عذابًا مهينًا بـ " الواو " الفاصلة بينهم (1) ما ينبئ عن أنهما صفتان من نوعين من الناس مختلفي المعاني ، وإن كان جميعهم أهلَ كفر بالله. (2) ولو كانت الصفتان كلتاهما صفة نوع من الناس ، لقيل إن شاء الله : " وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا " ، " الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس " ، ولكن فصل بينهم بـ " الواو " لما وصفنا.
* * *
فإن ظن ظان أن دخول " الواو " غير مستنكر في عطف صفة على صفة لموصوف واحد في كلام العرب فإنّ ذلك ، (3) وإن كان كذلك ، فإن الأفصح في كلام العرب إذا أريد ذلك ، ترك إدخال " الواو " . وإذا أريد بالثاني وصفٌ آخر غير الأوّل ، إدخال " الواو " . (4) وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأشهر من كلام مَنْ نزل بلسانه كتابُه ، أولى بنا من توجيهه إلى الأنكر من كلامهم.
* * *
__________
(1) السياق : ففي فصل الله... بالواو الفاصلة بينهم ، ما ينبئ " .
(2) في المطبوعة : " وإن كان جمعهم " ، وهو خطأ محض ، صوابه من المخطوطة ، وهي غير منقوطة.
(3) في المطبوعة : " في كلام العرب. قيل ذلك وإن كان كذلك " ، والذي دعا ناشر المخطوطة إلى ذلك أن الناسخ كتب " العربفان " وصل " باء " " العرب " ، بفاء " فإن " ، فاجتهد المصحح.
(4) في المطبوعة : " أدخل الواو " ، والصواب من المخطوطة.

(8/357)


القول في تأويل قوله : { وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يكن الشيطان له خليلا وصاحبًا ، يعمل بطاعته ، ويتبع أمره ، ويترك أمرَ الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته ، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات " فساء قرينًا " ، يقول : فساء الشيطان قرينًا.
* * *
وإنما نصب " القرين " ، لأن في " ساء " ذكرًا من الشيطان ، كما قال جل ثناؤه : ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ) [سورة الكهف : 50] ، وكذلك تفعل العرب في " ساء " ونظائرها (1) ومنه قول عدي بن زيد :
عَنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ ، وأبْصِرْ قَرِينَهُ... فَإنَّ الْقَرِينَ بِالمُقَارِنِ مُقْتَدِ (2)
يريد : بـ " القرين " ، الصّاحبَ والصديق.
* * *
__________
(1) انظر ما سلف في " ساء " 8 : 138 ، تعليق : 8 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 267 - 269 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 127.
(2) ديوانه ، في شعراء الجاهلية : 466 ، ومجموعة المعاني : 14 ، وغيرهما كثير. وقد أثبت البيت كما رواه أبو جعفر ، وكما جاء في المخطوطة ، أما ناشر المطبوعة فقد غيره ، وأثبت ما درج عليه من الرواية : عَنِ الْمَرْءِ لا تَسأَل وسَلْ عَنْ قَرِينِه ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارن يَقْتَدِي
وهو سوء تصرف لا شك فيه.

(8/358)


وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)

القول في تأويل قوله : { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وأيّ شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " لو آمنوا بالله واليوم الآخر " ، لو صدّقوا بأن الله واحدٌ لا شريك له ، وأخلصوا له التوحيد ، وأيقنوا بالبعث بعد الممات ، وصدّقوا بأن الله مُجازيهم بأعمالهم يوم القيامة " وأنفقوا مما رزقهم الله " ، يقول : وأدّوا زكاة أموالهم التي رَزَقهم الله وأعطاهموها ، طيبةً بها أنفسهم ، ولم ينفقوها رئاء الناس ، التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله ، والمحمدة بالباطل عند الناس " وكان الله " ، بهؤلاء الذين وصَف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقًا ، وهم بالله واليوم الآخر مكذّبون " عليمًا " ، يقول : ذا علم بهم وبأعمالهم ، (1) وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم ما ينفقون من أموالهم ، وأنهم يريدون بذلك الرَياء والسُّمعة والمحمدة في الناس ، وهو حافظ عليهم أعمالهم ، لا يخفَى عليه شيء منها ، حتى يجازيهم بها جزاءهم عند مَعادهم إليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم
__________
(1) في المخطوطة : " ذو علم " بالرفع ، ولا بأس به.

(8/359)


الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله " ، فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه ، من ثواب نفقته في الدنيا ، ولا من أجرها يوم القيامة " مثقال ذَرّة " ، أي : ما يزنها ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن ، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه ، كما : -
9502 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : أنه تلا " إن الله لا يظلم مثقال ذرّة وإن تَك حسنةً يضاعفها " ، قال : لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة ، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها. (1)
9503 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان بعض أهل العلم يقول : لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا.
* * *
وأما " الذرة " فإنه ذكر عن ابن عباس أنه قال فيها ، كما : -
9504 - حدثني إسحاق بن وهب الواسطيّ قال ، حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : " مثقال ذرة " ، قال : رأس نَملة حَمراء. (2)
* * *
قال أبو جعفر : قال لي إسحاق بن وهب : قال يزيد بن هارون : زعموا أن هذه
__________
(1) غفرانك اللهم! إن ناشر المطبوعة يسيء إساءات لا عداد لها في تحريف الكلام ، وتصرفه على غير أصل من فهم أو أمانة ، فلم يحسن قراءة المخطوطة كما أثبتها ، فجعل ما فيها لغوًا وكتب مكانه " لأن تفضل حسناتي ما يزن ذرة ، أحب إلي من الدنيا وما فيها " . ولا أدري ، ما كان أغناه عن مثل هذا العمل المنكر!
(2) الأثر : 9504 - " إسحاق بن وهب بن زياد العلاف " أبو يعقوب الواسطي. روى عنه البخاري ، وابن ماجه ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم. مترجم في التهذيب.
و " أبو عاصم " هو : الضحاك بن مخلد. مضى مرارًا.
و " شيب بن بشر " روى عن أنس ، وعكرمة ، ثقة لين الحديث ، يخطئ كثيرًا. مترجم في التهذيب.

(8/360)


الذرّة الحمراء ، ليس لها وزن. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك صحّت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
9505 - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا أبو داود قال ، حدثنا عمران ، عن قتادة ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لا يظلم المؤمن حسنةً ، يُثابُ عليها الرزق في الدنيا ، ويجزَى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا ، فإذا كان يومُ القيامة لم تكن له حسنةً. (2)
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا هشام بن سعد قال ، أخبرنا زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار : والذي نَفسي بيده ، ما أحدكم بأشدّ مُناشَدَةً في الحق يراه مصيبًا له ، من المؤمنين في إخوانهم إذا رأوا أن قد خَلصُوا من النار ، يقولون : " أي ربنا ، إخواننا ، كانوا يصلّون معنا ، ويصومون معنا ، ويحجون معنا ، ويجاهدون معنا ، قد أخذتهم النار " ! فيقول الله لهم : " اذهبوا ، فمن عرفتم صورته فأخرجوه " ! ويحرِّم صورتهم على النار ، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ، وإلى ركبتيه ، وإلى حَقْويه ، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا ، ثم يعودون فيتكلمون ، فيقول : " اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فأخرجوه " ! فيخرجون منها بشرًا كثيرًا. ثم
__________
(1) في المطبوعة : " إن هذه الدودة الحمراء " ، وهو خطأ محض ، وفي المخطوطة : " إن هذه الدود الحمراء " ، وهو تحريف.
(2) الحديث : 9505 - أبو داود : هو الطيالسي.
" عمران " : هو ابن داور القطان.
والحديث في مسند الطيالسي : 2011 ، بهذا الإسناد.
ورواه الإمام أحمد في المسند ، من طريق همام ، عن قتادة : 12264 ، 12291 ، 14063 (ج3 ص123 ، 125 ، 283 حلبي).
وكذلك رواه مسلم 2 : 344 - 345 ، من طريق همام. ثم رواه من طرق أخر.
وذكره ابن كثير 2 : 450 ، من رواية الطيالسي.
وذكره السيوطي 2 : 163 ، ونسبه لهؤلاء.

(8/361)


يعودون فيتكلمون ، فلا يزال يقولُ لهم ذلك حتى يقول : " اذهبوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرّة فأخرجوه " فكان أبو سعيد إذا حدَّث بهذا الحديث قال : إن لم تصدقوا ، فاقرأوا : " إنّ الله لا يظلم مثقال ذَرّة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " فيقولون : " رَبنا لم نَذرْ فيها خيرًا " . (1)
9507 - وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثني أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن ابن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدريّ ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه. (2)
* * *
وقال آخرون في ذلك ، بما : -
9508 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا صدقة بن أبي سهل قال ، حدثنا أبو عمرو ، عن زاذان قال : أتيت ابن مسعود فقال :
__________
(1) الحديث : 9506 - جعفر بن عون بن عمرو بن حريث ، المخزومي الكوفي : ثقة. أخرج له الجماعة.
والحديث قطعة من حديث طويل في الشفاعة. رواه الأئمة في الدواوين من أوجه كثيرة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري :
فرواه الطيالسي : 2179 ، عن خارجة بن مصعب ، عن زيد.
ورواه أحمد في المسند : 11144 (3 : 16 - 17 حلبي) ، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق ، عن زيد.
ورواه أيضًا : 11922 (3 : 94 - 95 حلبي) ، من طريق معمر ، عن زيد.
ورواه مسلم 1 : 66 - 67 ، من طريق حفص بن ميسرة ، عن زيد.
ثم رواه - ولم يذكر لفظه - من طريق جعفر بن عون ، عن هشام بن سعد. وهي الطريق التي رواها الطبري هنا.
وستأتي الإشارة إلى رواية البخاري ، في الحديث التالي.
(2) الحديث : 9507 - " الليث " : هو ابن سعد. خالد بن يزيد : هو الجمحي المصري. " ابن أبي هلال " : هو سعيد بن أبي هلال المصري.
والحديث مكرر ما قبله.
ورواه البخاري 13 : 358 - 361 (فتح) ، من طريق الليث بن سعد ، بهذا الإسناد. وذكر ابن كثير 2 : 449 قطعة منه ، نسبها للصحيحين.

(8/362)


إذا كان يومُ القيامة ، جمع الله الأولين والآخرين ، ثم نادى مناد من عند الله : " ألا من كان يطلب مظلمةً فليجئ إلى حقه فليأخذه " ! قال : فيفرح والله المرءُ أن يَذُوب له الحقّ على والده ، أو ولده ، أو زوجته ، فيأخذ منه ، وإن كان صغيرًا (1) ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ) [سورة المؤمنون : 101] فيقال له : " ائت هؤلاء حقوقهم " أي : أعطهم حقوقهم فيقول : " أي رب ، من أين وقد ذهبت الدنيا " ؟ فيقول الله لملائكته : " أي ملائكتي ، انظروا في أعماله الصّالحة ، وأعطوهم منها " ! فإن بقي مثقال ذَرّة من حسنة قالت الملائكة ؛ وهو أعلم بذلك منها : " يا ربنا ، أعطينا كل ذي حق حقه ، وبقي له مثقال ذرة من حسنة " فيقول للملائكة : ضعِّفوها لعبدي ، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة " ومصداق ذلك في كتاب الله : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " ، أي : الجنة ، يعطيها. وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته ، قالت الملائكة ، وهو أعلم بذلك : " إلهنا ، فنيت حسناته وبقي سيئاته ، وبقي طالبون كثيرٌ " ! فيقول الله : " ضعِّفوا عليها من أوزارهم ، واكتبوا له كتابًا إلى النار " (2) قال صدقة : أو صكًّا إلى جهنم ، شك صَدَقة أيتهما قال. (3)
9509 - وحدثت عن محمد بن عبيد ، عن هارون بن عنترة ، عن عبد الله بن السائب قال : سمعت زاذان يقول : قال عبد الله بن مسعود : يؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة ، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين : " هذا فلان بن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه " ، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها ، أو على ابنها ، أو على أخيها ، أو على زوجها ، (4) ثم قرأ ابن مسعود : ( فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ) [سورة المؤمنون : 101] ، فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء ، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا ، فينصبُ للناس فيقول : " ائتوا إلى الناس حقوقهم " ! فيقول : " رب فنيت الدنيا ، من أين أوتيهم حقوقهم ؟ فيقول : " خذوا من أعماله الصالحة ، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته " . فإن كان وليًّا لله ، ففضل له مثقال ذرّة ، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة ثمّ قرأ علينا : " إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة " وإن كان عبدًا شقيًّا ، قال الملك : " رب فنيت حسناته ، وبقي طالبون كثير " ! فيقول : " خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار " . (5)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فيفرح والله الصبي " ، وفي المخطوطة : " فيفرح والله الصر أن يذوب " ، وصواب قراءتها " المرء " كما أثبتها من المراجع المذكورة بعد.
" ذاب لي على فلان من الحق كذا ، يذوب " ، أي ثبت له ووجب.
(2) في المطبوعة : " ضعوا عليها من أوزارهم " ، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر الأثر التالي.
(3) الحديث : 9508 - صدقة بن أبي سهل : مترجم في التعجيل ، ص : 185 - 186. والكبير 2 / 2 / 298 ، برقم : 2891 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 434 - 435 ، برقم : 1907. ولم يذكرا فيه جرحًا ، فهو ثقة.
وشيخه " أبو عمرو " : لم أعرف من هو ؟ ففي هذه الكنية كثرة.
" زاذان " : هو الكندي الضرير. وهو تابعي ثقة معروف.
وانظر الإسناد التالي لهذا.
(4) انظر تفسير " يذوب " ، فيما سلف ص : 363 ، تعليق رقم : 1.
(5) الحديث : 9509 - هو تكرار للذي قبله بنحوه. ولكن الطبري جاء في أوله بصيغة التجهيل : " حدثت عن محمد بن عبيد " . فضاع هذا الإسناد بهذا التجهيل.
ونقله ابن كثير 2 : 449 - 450 ، عن ابن أبي حاتم : " حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن هارون بن عنترة ... " ، فزال الضعف عن أول الإسناد.
وهارون بن عنترة : مضى توثيقه وترجمته في : 405.
عبد الله بن السائب الكندي ، ويقال : الشيباني ، الكوفي : ثقة معروف. روى عنه الأعمش والثوري. وأخرج له مسلم.
فهذا الإسناد - عند ابن أبي حاتم - إسناد صحيح.
والحديث أثر موقوف على ابن مسعود. ولكني أراه من المرفوع حكمًا. فإن ما ذكره ابن مسعود مما لا يعرف بالرأي. وما كان ابن مسعود ليقول هذا من عند نفسه : وليس هو ممن ينقل عن أهل الكتاب ، ولا يقبل الإسرائيليات.
وقد ذكره ابن كثير - كما قلنا - ثم قال : " ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح " ونقله السيوطي 2 : 163 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
" الصك " : الكتاب. وقوله : " صكوا " فعل من " الصك " ، أي : اكتبوا له صكًا ، وهذا الفعل ، لم تذكره كتب اللغة ، وهذا شاهده.

(8/363)


قال أبو جعفر : فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا : إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه ، (1) فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه ، ولكنه يأخذه منه له ، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله (2) " وإن تك حسنة يضاعفها " ، يقول : وإن تُوجد له حسنة يضاعفها ، بمعنى : يضاعف له ثوابها وأجرها " ويُؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " ، يقول : ويعطه من عنده أجرًا عظيمًا ، " والأجر العظيم " (3) الجنة ، على ما قاله عبد الله.
* * *
ولكلا التأويلين وجه مفهوم أعني التأويل الذي قاله ابن مسعود ، والذي قاله قتادة وإنما اخترنا التأويل الأول ، لموافقته الأثرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته ، إذ كان في سياق الآية التي قبلها ، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته ، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان. ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " .
واختلفت القرأة في قراءة قَوله : " وإن تك حسنة " . فقرأت ذلك عامة قرأة العراق : ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ) بنصب " الحسنة " ، بمعنى : وإن تك زنةُ الذرّة حسنةً ، يضاعفها.
* * *
__________
(1) السياق : " وجب له مثقال ذرة... فما فوقه " .
(2) " التبعة " (بفتح التاء وكسر الباء) و " التباعة " (بكسر التاء) : ما اتبعت به صاحبك من ظلامة أو حق لك عنده.
(3) انظر تفسير " الأجر " فيما سلف 2 : 148 ، 512 / 5 : 519 / 7 : 501

(8/365)


وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة : ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ ) ، برفع " الحسنة " ، بمعنى : وإن توجد حسنةٌ ، على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك. (1)
وأما قوله : " يُضَاعفها " ، فإنه جاء بـ " الألف " ، ولم يقل : " يُضعِّفها " ، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية : (2) يُضاعفها أضعافًا كثيرة ، ولو أريد به في قوله (3) يضعِّف ذلك ضِعفين لقيل : " يضعِّفها " بالتشديد.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها.
فقال بعضهم : هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. واعتلّوا في ذلك بما : -
9510 - حدثنا الفضل بن الصباح قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن مبارك بن فضالة ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي قال : لقيت أبا هريرة فقلت له : إنه بلغني أنك تقول : إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة! قال : وما أعجبك من ذلك ؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة! (4)
وقال آخرون : بل ذلك : المهاجرون خاصة ، دون أهل البوادي والأعراب. واعتلوا في ذلك بما : -
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 269.
(2) يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن 1 : 127 ونصه : " يضاعفها " أضعافًا و " يضعفها " ضعفين.
(3) يعني : في قول أبي عبيدة.
(4) الحديث : 9510 - رواه أحمد في المسند : 7932 ، عن يزيد بن هارون ، بهذا الإسناد.
وهو حديث صحيح. فصلنا القول في تخريجه في المسند.
وذكره ابن كثير 2 : 451 ، عن رواية المسند ، ثم نقله من رواية ابن أبي حاتم بإسنادين.
ثم ذكره مرة أخرى من رواية ابن أبي حاتم ، عند تفسير الآية : 38 من سورة التوبة (ج4 ص168 - 169).
وذكره السيوطي 2 : 163 ، وقصر في تخريجه جدًا ، فلم ينسبه لغير الطبري. وذكر نحوه قبله ، ونسبه لابن أبي شيبة فقط.

(8/366)


9511 - حدثني محمد بن هارون أبو نشيط قال ، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي ، عن عبد الله بن عمير قال : نزلت هذه الآية ، في الأعراب : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) [سورة الأنعام : 60] قال : فقال رجل : فما للمهاجرين ؟ قال ، ما هو أعظم من ذلك : " إنّ الله لا يظلم مثقال ذَرّة وإن تَكُ حسنةً يضاعفها ويُؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " ، وإذا قال الله لشيء : " عظيم " ، فهو عظيم. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قولُ من قال : " عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب " . (2) وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضًا. فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها ، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا ، إذ كانت أخبارُه صلى الله عليه وسلم يصدِّق بعضها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك ، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة ، وللأعراب منهم عشر أمثالها ، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن قوله : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ، يعني : من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم
__________
(1) الحديث : 9511 - هذا الإسناد ضعيف ، من أجل " عطية العوفي " . وقد بينا ضعفه فيما مضى : 305.
وأما شيخ الطبري " محمد بن هارون بن إبراهيم الربعي " : فإنه ثقة. مترجم في التهذيب.
والحديث نقله ابن كثير 2 : 450 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من طريق فضيل بن مرزوق ، بهذا الإسناد. ولم يذكر شيئًا في تخريجه ، ولا في تعليله.
وذكره السيوطي 2 : 162 - 163 ، وزاد نسبته لسعيد بن منصور ، وابن المنذر والطبراني.
(2) في المطبوعة : " المهاجرين " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/367)


فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)

يُضاعف له ويؤته الله من لدنه أجرًا يعني يعطه من عنده " أجرًا عظيمًا " . يعني : عِوَضًا من حسنته عظيمًا ، وذلك " العوض العظيم " ، الجنة ، كما : -
9512 - حدثني المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا صدقة بن أبي سهل قال ، حدثنا أبو عمرو ، عن زاذان ، عن ابن مسعود : " ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " ، أي : الجنة يعطيها. (1)
9513 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني عباد بن أبي صالح ، عن سعيد بن جبير قوله : " ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " ، قال : الأجرُ العظيم ، الجنة. (2)
9514 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " ، قال : " أجرًا عظيمًا " ، الجنة.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (41) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : إنّ الله لا يظلم عباده مثقال ذرّة ، فكيف بهم " إذا جئنا من كل أمة بشهيد " ، يعني : بمن يشهد عليها بأعمالها ، وتصديقها رسلَها أو تكذيبها " وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا " ، (3) يقول : وجئنا بك ،
__________
(1) الأثر : 9512 - هو من الأثر السالف رقم : 9508.
(2) الأثر : 9513 - " عباد بن أبي صالح ذكوان ، السمان " هو : " عبد الله بن أبي صالح " . قال البخاري في الصغير : " منكر الحديث " . وقال ابن معين : " ثقة " ، وقال الساجي : " ثقة ، إلا أنه روى عن أبيه ما لم يتابع عليه " . مترجم في التهذيب.
(3) انظر تفسير " الشهيد " فيما سلف 1 : 376 - 378 / 3 : 97 ، 145 / 6 : 60 ، 75 / ...

(8/368)


يا محمد ، " على هؤلاء " ، أي : على أمتك " شهيدًا " . يقول شاهدًا ، كما : -
9515 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا " ، قال : إن النبيين يأتون يوم القيامة ، منهم من أسلم معه من قومه الواحدُ والاثنان والعَشَرة ، وأقلُّ وأكثر من ذلك ، حتى يُؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم ، لم يؤمن معه إلا ابنتاه ، فيقال لهم : هل بلَّغتم ما أرسلتُمْ به ؟ فيقولون : نعم. فيقال : من يشهد ، فيقولون : أمة محمد صلى الله عليه وسلم! فيقال لهم : اشهدوا ، إنّ الرسل أودعوا عندكم شهادة ، (1) فبم تشهدون ؟ فيقولون : ربنا نَشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال : من يشهد على ذلك ؟ فيقولون : محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه السلام ، فيشهدُ أن أمته قد صدَّقوا ، وأنّ الرسل قد بلَّغوا ، فذلك قوله : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) [سورة البقرة : 143].
9516 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج قوله : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " ، قال : رسولها ، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم " وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا " ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتَى عليها فاضت عيناه.
9517 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسن ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة في قوله : ( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) [سورة البروج : 3] ، قال : الشاهد محمد ، والمشهود يوم الجمعة. فذلك قوله : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا " .
__________
(1) في المطبوعة : " أتشهدون أن الرسل " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/369)


9518 - حدثني عبد الله بن محمد الزهري قال ، حدثنا سفيان ، عن المسعودي ، عن جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه ، عن عبد الله : " فكيف إذا جئنا منْ كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا " ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) . (1)
9519 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن المسعودي ، عن القاسم : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود : اقرأ علي. قال ، أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ قال : إني أحب أن أسمعه من غيري. قال : فقرأ ابن مسعود " النساء " حتى بلغ : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا " ، قال : استعبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكفّ ابن مسعود قال المسعودي ، فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " شهيدًا عليهم ما دمت فيهم ، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم ، وأنتَ على كل شيء شهيد " . (2)
* * *
__________
(1) الحديث : 9518 - سفيان : هو ابن عيينة.
المسعودي - هنا - : هو معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. وهو ثقة. أخرج له الشيخان. وترجمه البخاري في الكبير 4 / 1 / 390 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 277.
" جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي " : ثقة. ترجمه البخاري 1 / 2 / 193 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 484.
أبوه " عمرو بن حريث " : صحابي.
وهذا الحديث - على صحة إسناده - لم أجده من غير رواية الطبري. وابن كثير لم ينسبه لغيره 2 : 453 ، وكذلك السيوطي 2 : 164.
وانظر الحديث الذي بعده.
والآية ، تضمين لآية سورة المائدة 117.
(2) الحديث : 9519 - إبراهيم بن أبي الوزير - واسم أبي الوزير : عمر - بن مطرف المكي ، مولى بني هاشم : ثقة ، وثقه محمد بن بشار وغيره. مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 333 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 114 - 115.
وهذا الحديث في الحقيقة حديثان :
أولهما : رواية المسعودي - معن بن عبد الرحمن - عن القاسم. والظاهر أن القاسم هذا : هو أخوه " القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود " . وهو تابعي ثقة. ولكنه لم يدرك أن يروي عن جده " عبد الله بن مسعود " ، ولم يذكر هنا أنه " عن ابن مسعود " - حتى يكون إسنادًا منقطعًا. فهو حديث مرسل.
ولكن هذا الحديث الأول منهما ثابت صحيح بالأسانيد المتصلة. فقد رواه البخاري 9 : 81 (فتح) ، من طريق الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله. وكذلك رواه أحمد في المسند : 3606 ، 4118 ، من طريق الأعمش ، به. ورواه أحمد أيضًا : 3550 ، من رواية أبي حيان الأشجعي ، عن ابن مسعود ، و : 3551 ، من طريق أبي رزين ، عن ابن مسعود.
ونقله ابن كثير في فضائل القرآن ، ص : 77 ، عن البخاري. ثم قال : " وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه ، من طرق ، عن الأعمش. وله طرق يطول بسطها " .
ونقله في التفسير 2 : 452 - 453 ، عن البخاري أيضًا. ثم قال : " وقد روى من طرق متعددة عن ابن مسعود. فهو مقطوع به. ورواه أحمد من طريق أبي حيان ، وأبي رزين ، عنه " .
ونقله السيوطي 2 : 163 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل.
وثانيهما : رواية المسعودي ، عن جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه. وهذا مكرر للحديث السابق : 9518 ، ولكنه جعله هنا من حديث عمرو بن حريث ، لم يذكر فيه روايته عن ابن مسعود. فيكون مرسل صحابي. فهو صحيح بكل حال.
وقد رواه الحاكم في المستدرك 3 : 319 ، من طريق جعفر بن عون ، عن المسعودي ، عن جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه - مطولا - بقصة قراءة ابن مسعود هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن فيه النص الذي هنا " شهيدًا عليهم ما دمت فيهم... " . فأصل الحديث صحيح ثابت. ولذلك قال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " . ووافقه الذهبي.
ونقل السيوطي 2 : 163 رواية الحاكم ، مختصرة قليلا ، ولم ينسبها لغيره.

(8/370)


يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)

القول في تأويل قوله : { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : يوم نجيء من كلّ أمة بشهيد ، ونجيء بك على أمتك يا محمد شهيدًا " يود الذين كفروا " ، يقول : يتمنى الذين جحدوا وحدانية الله وعصوا رسوله ، " لو تُسَوَّى بهم الأرض " .. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " ود " فيما سلف 2 : 470 / 5 : 542.

(8/371)


واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز ومكة والمدينة : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) " بتشديد " " السين " و " الواو " وفتح " التاء " ، بمعنى : لو تَتَسوّى بهم الأرض ، ثم أدغمت " التاء " الثانية في " السين " ، يراد به : أنهم يودّون لو صاروا ترابًا فكانوا سواءً هم والأرض.
وقرأ آخرون ذلك : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بفتح " التاء " وتخفيف " السين " . وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة بالمعنى الأول ، غير أنهم تركوا تشديد " السين " ، واعتلوا بأن العرب لا تكاد تجمع بين تشديدين في حرف واحد.
وقرأ ذلك آخرون : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بمعنى : لو سوّاهم الله والأرض ، فصاروا ترابًا مثلها بتصييره إياهم ، كما يفعل ذلك بمن ذكر أنه يفعله به من البهائم.
قال أبو جعفر : وكل هذه القراءات متقاربات المعنى ، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ ، لأن من تمنى منهم أن يكون يومئذ ترابًا ، إنما يتمنى أن يكون كذلك بتكوين الله إياه كذلك. وكذلك من تمنى أن يكون الله جعله كذلك ، فقد تمنى أن يكون ترابًا. على أن الأمر وإن كان كذلك ، فأعجبُ القراءة إليّ في ذلك : ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بفتح " التاء " وتخفيف " السين " كراهية الجمع بين تشديدين في حرف واحد وللتوفيق في المعنى بين ذلك وبين قوله : ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) [سورة النبأ : 40]. فأخبر الله عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون أن كانوا ترابًا ، ولم يخبر عنهم أنهم قالوا : " يا ليتني كنت ترابًا " . فكذلك قوله : " لو تَسوّى بهم الأرض " فيسوَّوا هم. وهي أعجب إلي ، ليوافق ذلك المعنى الذي أخبرَ عنهم

(8/372)


بقوله : " يا ليتني كنتُ ترابًا " . وأما قوله : " ولا يكتمون الله حديثًا " ، فإن أهل التأويل تأوّلوه بمعنى : ولا تكتم الله جوارحُهم حديثًا ، وإن جحدتْ ذلك أفواههم.
ذكر من قال ذلك :
9520 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عمرو ، عن مطرف ، عن. المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : أتى رجلٌ ابن عباس فقال : سمعت الله يقول( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [سورة الأنعام : 23] ، وقال في آية أخرى : " ولا يكتمون الله حديثًا " . فقال ابن عباس : أما قوله : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهلُ الإسلام قالوا : " تعالوا فلنجحد " ! فقالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " ! فختم الله على أفواههم ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم ، فلا يكتمون الله حديثًا.
9521 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن رجل ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : أشياءُ تختلفُ علي في القرآن ؟ فقال : ما هو ؟ أشك في القرآن ؟ قال : ليس بالشك ، ولكنه اختلاف! قال : فهات ما اختلف عليك. قال : أسمع الله يقول : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [سورة الأنعام : 23] ، وقال : " ولا يكتمون الله حديثًا " ، وقد كتموا! فقال ابن عباس : أما قوله : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ، ولا يغفر شركًا ، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره جحد المشركون فقالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، رجاءَ أن يغفر لهم ، فختم على أفواههم ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، فعند ذلك : " يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا " .

(8/373)


9522 - حدثني المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا الزبير ، عن الضحاك : أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال : يا ابن عباس ، قول الله تبارك وتعالى : " يومئذ يودّ الذين

(8/374)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

كفروا وعصوا الرّسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا " ، وقوله : ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ؟ فقال له ابن عباس : إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : " ألقى علي ابن عباس مُتَشابه القرآن " ، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بَقيع واحد ، (1) فيقول المشركون : " إن الله لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحّده " ! فيقولون : " تعالوا نَقُل " ! (2) فيسألهم فيقولون : " والله رَبنا ما كنا مشركين " ، قال : فيختم على أفواههم ، ويستنطق جوارحهم ، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين ، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سُوِّيت بهم ولا يكتمون الله حديثًا.
9523 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " يومئذ يود الذين كفروا وعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا " ، يعني : أن تسوّى الأرضُ بالجبال والأرضُ ، عليهم. (3)
فتأويل الآية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ، لو تسوّى بهم الأرض ولم يكتموا الله حديثًا (4) كأنهم تمنوا أنهم سوُّوا مع الأرض ، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثًا.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : يومئذ لا يكتمون الله حديثًا ويودّون لو تسوّى بهم الأرض. وليس بمنكتم عن الله شيء من حديثهم ، لعلمه جل ذكره بجميع حديثهم وأمرهم ، فإن همْ كتموه بألسنتهم فجحدوه ، (5) لا يخفى عليه شيء منه.
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (6) " يا أيها الذين آمنوا " ، صدّقوا الله ورسوله " لا تقربوا الصلاة " ، لا تصلوا " وأنتم سكارى " ، وهو جمع " سكران " " حتى تعلموا ما تقولون " ، في صلاتكم فتميّزون فيها ما أمركم الله به أو ندبكم إلى قيله فيها ، (7) مما نهاكم عنه وزَجَركم.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في " السكر " الذي عناه الله بقوله : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " .
فقال بعضهم : عنى بذلك السّكر من الشراب.
__________
(1) " البقيع " : المكان المتسع من الأرض ، يكون فيه بعض الشجر.
(2) في المطبوعة : " تعالوا نجحد " ، غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، ولم يستطع أن يعرف لها معنى ، وهي صواب ، وإن كانت كتب اللغة قد قصرت في إثبات هذا المعنى. وذلك أن " نقل " هنا من " القول " يراد به الكذب أو التعريض به ، وقد مر بي ذلك في كتب السيرة مرارًا منها ، ما قرأته في سيرة ابن هشام 3 : 58 ، في خبر مقتل كعب الأشرف وقول محمد بن مسلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا رسول الله ، لا بد لنا من أن نقول " ! فقال رسول الله : " قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك " . وهو شبيه المعنى بالكذب.
(3) في المطبوعة : " أن تسوى الأرض بالجبال عليهم " حذف " الأرض " الثانية ، والصواب ما في المخطوطة.
(4) في المطبوعة : " ولا يكتمون الله حديثًا " ، وهو خطأ فاحش ، والصواب ما في المخطوطة.
(5) في المطبوعة : " فإنهم إن كتموه بألسنتهم " ، وهو خطأ فاحش أيضًا ، والصواب ما في المخطوطة.
(6) في المطبوعة والمخطوطة : " يعني بذلك جل ثناؤه " ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(7) في المطبوعة : " وتقرأون فيها مما أمركم الله... " وهو سياق مضطرب جدا ، وفي المخطوطة : " وتقرون فيها مما أمركم الله " غير منقوط ، وهو مضطرب أيضًا ، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت.

(8/375)


ذكر من قال ذلك
9524 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي : أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر ، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) فخلط فيها ، فنزلت : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " .
9525 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن حبيب : أن عبد الرحمن بن عوف صنعَ طعامًا وشرابًا ، فدعا نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأكلوا وشربوا حتى ثَمِلوا ، فقدّموا عليًّا يصلي بهم المغرب ، فقرأ : " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُون أَعْبُد مَا تَعْبُدُون ، وَأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ لَكُمْ دِيِنكُمْ وَلِيَ دِين " ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " .
9526 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ، قبل أن تحرّم الخمر ، فقال الله : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ، الآية.
9527 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي رزين في قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ، قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر. فقال : وكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر.
9528 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي رزين قال : كانوا يشربون بعد ما أنزلت التي في " البقرة " ، (1) وبعد التي في " النساء " ،
__________
(1) يعني آية سورة البقرة : 219 : " يسألونك عن الخمر والميسر " .

(8/376)


فلما أنزلت التي في " المائدة " تركوها. (1)
9529 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " ، قال : نهوا أن يصلوا وهم سكارى ، ثم نسخها تحريمُ الخمر.
9530 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9531 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ، قال : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ، ثم نسخ بتحريم الخمر.
9532 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي وائل ، وأبي رزين وإبراهيم في قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " و( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) [سورة البقرة : 90] ، وقوله : ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) [سورة النحل : 67] ، قالوا : كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى من النوم.
ذكر من قال ذلك
9533 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ، قال : ليست لمن يقربها سكران من الشراب ، إنما عُنِي بها سكر النوم. (2)
__________
(1) يعني آية سورة المائدة : 90 ، 91 : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " .
(2) في المطبوعة : " قال : سكر النوم " ، حذف ما بين ذلك ، وكان في المخطوطة : " لمن يقربها سكرا إنما عنى بها سكر النوم " بياض بين الكلام ، ووضع بهامش المخطوطة حرف " ط " بمعنى الخطأ. وقد اجتهدت قراءتها كما أثبتها.

(8/377)


9534 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سلمة ، عن الضحاك : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ، قال : لم يعن بها سكر الخمر ، وإنما عنى بها سكر النوم.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية ، تأويل من قال : ذلك نهيٌ من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر ، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك ، نهيٌ من الله وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه.
* * *
فإن قال لنا قائل : وكيف يكون ذلك معناه ، والسكران في حال زوال عقله ، نظيرُ المجنون في حال زوال عقله ، وأنت ممن يُحيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم لما يُؤمر وينهى ؟ (1)
قيل له : إن السكران لو كان في معنى المجنون ، لكان غير جائز أمرُه ونهيه. ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذَر ، غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأجزاء جسمه وأخدَرها ، (2) حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته ، وحدودها الواجبة عليه فيها ، من غير زوال عقله ، فهو بما أمر به ونهى عنه عارف فَهِمٌ ، وعن أداء بعضه عاجز بخدَرِ جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حدّ لا يعقل ما يأتي ويذر ، فذلك منتقل من السكر إلى الخَبل ومعاني المجانين ، (3) وليس ذلك
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " بما يؤمر... " ، والصواب " لما " كما أثبته.
(2) في المطبوعة : " وأحر جسمه وأخدره " غير ما في المخطوطة لأنه كتب " وأحرا حسمه وأخدرها " ، فلم يحسن قراءة " وأجزاء " ، فأفسد الكلام.
(3) في المطبوعة : " ومعدود في المجانين " ، غير ما في المخطوطة ، وكان فيها : " ومعاني المجانين " ، فلم يحسن قراءتها ، ففعل ما فعل كدأبه.

(8/378)


الذي خوطب بقوله : " لا تقربوا الصلاة " ، لأن ذلك مجنون ، وإنما خوطب به السكران ، والسكرانُ ما وصفنا صفته.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم ، معنى ذلك : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " " ولا تقربوها جنبًا إلا عابري سبيل " يعني : إلا أن تكون مجتازي طريق ، أي : مسافرين " حتى تغتسلوا " . (1)
*ذكر من قال ذلك :
9535 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : المسافر وقال ابن المثنى : في السفر.
9536 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، يقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم جُنب إذا وجدتم الماء ، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللتُ لكم أن تمسَّحوا بالأرض.
9537 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن عباد بن عبد الله أو : عن زِرّ عن علي رضي الله عنه : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : إلا أن تكونوا مسافرين فلم تجدوا الماء ، (2) فتيمموا. (3)
__________
(1) انظر تفسير : " الجنب " فيما سلف قريبًا ص : 340.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " فلا تجدوا الماء " ، والصواب ما أثبت.
(3) الأثر : 9537 - " عباد بن عبد الله الأسدي " . روى عن علي. وروى عنه المنهال بن عمرو. قال البخاري : " فيه نظر " ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وتكلم فيه أحمد. مترجم في التهذيب. وانظر الأثر التالي رقم : 9540.

(8/379)


9538 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : المسافر.
9539 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس بمثله.
9540 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله ، عن علي رضي الله عنه قال : نزلت في السفر : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، " وعابر السبيل " ، المسافر ، إذا لم يجد ماء تيمم.
9541 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا هارون ، عن ابن مجاهد ، عن أبيه : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : المسافر ، إذا لم يجد الماءَ فإنه يتيمم ، فيدخلُه فيصلي. (1)
9542 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : هو الرجل يكون في السفر ، فتصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي.
9543 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : مسافرين ، لا يجدون ماء فيتيممون صعيدًا طيبًا ، لم يجدوا الماء فيغتسلوا. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " فإنه يتيمم فيصلي " حذف " فيدخله " ، كأنه لم يعرف ماذا عنى بها فحذفها ، وهذا عمل سيئ قبيح. وقوله : " فيدخله " يعني : المسجد.
(2) في المطبوعة : " حتى يجدوا الماء فيغتسلوا " ، وفي المخطوطة : " لي يجدوا الماء فيغتسلوا " ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(8/380)


9544 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : مسافرين لا يجدون ماء.
9545 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن بكير بن الأخنس ، عن الحسن بن مسلم في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : إلا أن يكونوا مسافرين ، فلم يجدوا الماء فيتيمموا. (1)
9546 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن الحكم : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : المسافر تصيبه الجنابة ، فلا يجد ماء فيتيمم.
9547 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير وعن منصور ، عن الحكم في قوله : " إلا عابري سبيل " ، قالا المسافر الجنبُ ، لا يجد الماء فيتيمم فيصلي.
9548 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، إلا أن يكون مسافرًا.
9549 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن الحكم نحوه.
9550 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير قال : كنا نسمع أنه في السفر.
9551 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : هو المسافر الذي لا يجد الماء ، فلا بد
__________
(1) في المطبوعة : " فلا يجدون الماء فيتمموا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، إلا " فلم يجدوا " ، فقد كانت فيها " فلا يجدوا " .

(8/381)


له من أن يتيمم ويصلي ، فهو يتيمم ويصلي قال : كان أبي يقولُ هذا.
* * *
وقال آخرون معنى ذلك ، لا تقربوا المصَلَّى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوه جنبًا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل يعني : إلا مجتازين فيه للخروج منه.
فقال أهل هذه المقالة : أقيمت " الصلاة " مقام " المصلَّى " و " المسجد " ، إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيّامئذ ، لا يتخلَّفون عن التجميع فيها. (1) فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة ، كفايةٌ عن ذكر المساجد والمصلَّى الذي يصلون فيه.
*ذكر من قال ذلك :
9552 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن أبي عبيدة بن عبد الله ، عن أبيه في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : هو الممرُّ في المسجد. (2)
9553 - حدثنا أحمد بن حازم قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر الرازي ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن يسار ، عن ابن عباس : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " : ، قال : لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه ، فتمرّ مارًّا ولا تجلس. (3)
9554 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن سعيد في الجنب : يمر في المسجد مجتازًا وهو قائم ، لا يجلس وليس بمتوضئ. وتلا هذه الآية : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " .
__________
(1) في المطبوعة : " التجمع فيها " ، و " التجميع " هو : شهود صلاة الجماعة ، أو إقامة صلاة الجماعة.
(2) الأثر : 9552 - " أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود " ، أبوه : عبد الله بن مسعود الصحابي. مضت ترجمته في رقم : 43 ، 4570 ، وغيرهما.
(3) في المطبوعة : " فتمر مرًا " ، لم يحسن قراءة ما كان في المخطوطة ، على سوء كتابتها.

(8/382)


9555 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن نهشل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرَّا في المسجد ما لم يجلسا فيه.
9556 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو الزبير قال : كان أحدنا يمر في المسجد وهو جُنب مجتازًا.
9557 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : الجنب يمر في المسجد ولا يقعُد فيه.
9558 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قالا جميعًا ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم في قوله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : إذا لم يجد طريقًا إلا المسجد ، يمرّ فيه.
9559 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل قال ، حدثنا إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم في هذه الآية : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ، قال : لا بأس أن يمرّ الجنب في المسجد ، إذا لم يكن له طريق غيره.
9560 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم مثله.
9561 - حدثني المثنى قال ، حدثنا [الحماني] قال ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير قال : الجنب يمرّ في المسجد ولا يجلس فيه. ثم قرأ : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " . (1)
__________
(1) الأثر : 9561 - في المخطوطة : " حدثني المثنى قال حدثنا قال حدثنا شريك " ، وهو إسناد ناقص ، فجاء في المطبوعة فجعله " حدثني المثنى قال حدثنا شريك " ، واستظهرت أن يكون كما أثبته بين القوسين ، من الآثار التي تليه ، ومن رواية المثنى بمثل هذا الإسناد فيما سلف.

(8/383)


9562 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن عبد الكريم ، عن أبي عبيدة مثله.
9563 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة مثله.
9564 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن أبي الضحى مثله.
9565 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن إسماعيل ، عن الحسن قال : لا بأس للحائض والجنب أن يمرّا في المسجد ، ولا يقعدَا فيه.
9566 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن الزهري قال : رُخِّص للجنب أن يمرّ في المسجد.
9567 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن قول الله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم ، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد ، فأنزل الله تبارك وتعالى : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " .
9568 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، قال : لا يجتاز في المسجد ، إلا أن لا يجدَ طريقًا غيره.
9569 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن ابن مجاهد ، عن أبيه : لا يمر الجنب في المسجد ، يتخذُه طريقًا.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين بالتأويل لذلك ، تأويل من تأوَّله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل ، إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عَدِم

(8/384)


الماء وهو جنب في قوله : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) ، فكان معلومًا بذلك أن قوله (1) " ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ، لو كان معنيًّا به المسافر ، لم يكن لإعادة ذكره في قوله : " وإن كنتم مرضى أو على سفر " معنى مفهوم ، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك.
* * *
وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا ، لا تقربوا المساجد للصلاة مصلِّين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا تقربوها أيضًا جنبًا حتى تغتسلوا ، إلا عابري سبيل.
* * *
و " العابر السبيل " : المجتازُه مرًّا وقطعًا. يقال منه : " عبرتُ هذا الطريق فأنا أعبُرُهُ عَبْرا وعبورًا " . ومنه قيل : " عبر فلان النهرَ " ، إذا قطعه وجازه. ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار : " هي عُبْر أسفار ، وعَبْر أسفار " ، (2) لقوتها على الأسفار.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " وإن كنتم مرضى " ، من جرح أو جُدَرِيّ وأنتم جنب ، كما : -
9570 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا أبو
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " فكان معلوم بذلك " ، والصواب ما أثبت.
(2) في المطبوعة ، حذف " وعبر أسفار " الثانية ، كأنه ظنها تكرارًا. وإنما أراد واحدة بضم العين وسكون الباء ، والأخرى بفتح العين وسكون الباء وهناك ثالثة بكسر العين وسكون الباء.

(8/385)


المنبِّه الفضل بن سليم ، (1) عن الضحاك ، عن ابن مسعود قوله : " وإن كنتم مرضى أو على سفر " ، قال : المريض الذي قد أُرخص له في التيمم ، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل ، (2) والجريح لا يحل جراحته ، إلا جراحة لا يخشى عليها. (3)
9571 - حدثنا تميم بن المنتصر قال ، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن شريك ، عن إسماعيل السدي ، عن أبي مالك قال ، في هذه الآية : " وإن كنتم مرضى أو على سفر " ، قال : هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل ، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم.
9572 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإن كنتم مرضى " ، و " المرض " هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء ، (4) إن أصابه ضرَّ صاحبه ، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا.
9573 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن جبير في قوله : " وإن كنتم مرضى " ، قال : إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم. (5)
9574 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن إبراهيم : " وإن كنتم مرضى " ، قال : من القروح تكون في الذراعين.
__________
(1) الأثر : 9570 - " أبو المنبه : الفضل بن سليم " ، لم أجده ، وإنما وجدت " الفضل بن سليم العبدي " . روى عن القاسم بن خالد ، روى عنه مسلم بن إبراهيم. مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 2 / 63.
(2) في المطبوعة ، حذف قوله : " ولم يحل جبائره " كأنه لم يعرف لها معنى!! وهو أشهر من ذلك!
(3) في المخطوطة : " والجرح لا يحل جراحته " ، والصواب ما في المطبوعة.
(4) في المخطوطة : " التي يتخوف عليه منه الماء " ، وفي المطبوعة : " التي يتخوف عليها من الماء " ، والصواب بينهما ما أثبت.
(5) الأثر 9573 - " عزرة بن عبد الرحمن الخزاعي " ، مضى برقم : 2752 ، 2753. وقد كان في المطبوعة : " عروة " ، والصواب من المخطوطة ، وإن كانت غير منقوطة.

(8/386)


9575 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن منصور ، عن إبراهيم : " وإن كنتم مرضى " ، قال : القروح في الذراعين.
9576 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها ، يتيمم. ثم قرأ : " وإن كنتم مرضى أو على سفر " .
9577 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإن كنتم مرضى " ، و " المرض " ، أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ ، (1) فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه ، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء.
9578 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي : أنه سئل عن [قوله] : المجدور تُصيبه الجنابة ؟ قال : ذهب فرسان هذه الآية. (2)
* * *
وقال آخرون في ذلك ، ما : -
9579 - حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءً فتيمموا " ، قال : المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء ، ولا يقدر عليه ، وليس له خادم ولا عون ، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء ، وليس عنده من يأتيه به ، ولا يحبو إليه ، تيمم وصلَّى إذا
__________
(1) في المطبوعة : " أو القروح أو الجدري " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) هكذا في المخطوطة : " عن قوله : المجدور... " فأثبتها بين القوسين ، لأني في شك منها. وأما قوله : " ذهب فرسان هذه الآية " ، فإنه مما أشكل على معناه ، وربما رجحت أنه أراد أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ، تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد ، كما مضى في الأثر رقم : 9567. فيكون قوله : " ذهب فرسان هذه الآية " ، عن ذلك الشطر من الآية " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " ، وأنهم هم الأنصار من أصحاب رسول الله ، الذين كانت أبوابهم في المسجد ، وقد مضوا ، لم يبق اليوم منهم أحد. هذا غاية اجتهادي ، وفوق كل ذي علم عليم.

(8/387)


حلَّت الصلاة قال : هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به ، لا يترك الصلاة ، وهو أعذَرُ من المسافر.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذًا : وإن كنتم جَرْحى أو بكم قروحٌ ، أو كسر ، أو علّة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة ، وأنتم مقيمون غيرُ مسافرين ، فتيمموا صعيدًا طيبًا.
* * *
وأما قوله : " أو على سفر " ، فإنه يعني : أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحّاء جنب ، فتيمموا صعيدًا.
* * *
وكذلك تأويل قوله : " أو جاء أحد منكم من الغائط " ، يقول : أو جاء أحدٌ منكم من الغائط ، قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح ، فليتيمم صعيدًا أيضًا.
* * *
و " الغائط " : ما اتسع من الأودية وتصوَّب. وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان ، لأن العرب كانت تختار قضاءَ حاجتها في الغِيطان ، فكثر ذلك منها حتى غلب عليهم ذلك ، فقيل لكل من قضى حاجته التي كانت تقضي في الغِيطان ، حيثُ قضاها من الأرض : " مُتَغَوِّط " و " جاء فلان من الغائط " ، يعني به : قضى حاجته التي كانت تقضى في الغائط من الأرض. (1) .
* * *
وذكر عن مجاهد أنه قال في " الغائط " : الوادي.
9580 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أو جاء أحد منكم من الغائط " ، قال : الغائط ، الوادي.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الغائط " فيما سلف 5 : 354.

(8/388)


القول في تأويل قوله : { أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : أو باشرتم النساءَ بأيديكم.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في " اللمس " الذي عناه الله بقوله : " أو لامستم النساء " .
فقال بعضهم : عنى بذلك الجماع.
*ذكر من قال ذلك :
9581 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : ذكروا اللمس ، فقال ناس من الموالي : ليس بالجماع. وقال ناس من العرب : اللمس الجماع. قال : فأتيت ابن عباس فقلت : إنّ ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في " اللمس " ، فقالت الموالي : ليس بالجماع ، وقالت العرب : الجماع. قال : من أيّ الفريقين كنت ؟ قلت : كنت من الموالي. قال : غُلِب فريق الموالي ، إن " المس " و " اللمس " ، و " المباشرة " ، الجماع ، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. (1)
9582 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي قيس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله.
9583 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس : أنه قال : " أو لامستم النساء " ، قال : هو الجماع.
9584 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا أبي ،
__________
(1) الأثر : 9581 - أخرجه البيهقي في السنن 1 : 125 ، من طريق إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة.

(8/389)


عن قتادة ، عن سعيد بن جبير قال : اختلفتُ أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله : " أو لامستم النساء " ، فقال عبيد بن عمير : هو الجماع. وقلت أنا وعطاء : هو اللمس. قال : فدخلنا على ابن عباس فسألناه فقال : غُلِب فريقُ الموالي ، وأصابت العرب ، هو الجماع ، ولكن الله يعفُّ ويكني.
9585 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير : اختلفوا في الملامسة ، فقال سعيد بن جبير وعطاء : الملامسة ما دون الجماع. وقال عبيد : هو النكاح. فخرج عليهم ابن عباس فسألوه ، فقال : أخطأ الموليَان وأصَاب العربيّ ، الملامسة النكاح ، ولكن الله يكني ويعفّ.
9586 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بشر ، عن سعيد ، عن قتادة قال : اجتمع سعيد بن جبير وعطاء وعبيد بن عمير ، فذكر نحوه.
9587 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن عثمة قال ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة قال ، قال سعيد بن جبير وعطاء في التماس : (1) الغمز باليد. وقال عبيد بن عمير : الجماع. فخرج عليهم ابن عباس فقال : أخطأ الموليان وأصابَ العربيُّ ، ولكنه يعفّ ويكني. (2)
9588 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا قال ابن عباس : اللمس ، الجماع. (3)
9589 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن علية وعبد الوهاب ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مثله.
__________
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، ولعل صوابها : " اللماس " مصدر " لامس ملامسة ولماسًا " ، كما سيأتي في الآثار التالية.
(2) الأثر : 9587 - محمد بن عثمة ، هو : " محمد بن خالد بن عثمة " مضى برقم : 90 ، 5314 ، 5483.
(3) الأثر : 9588 - أخشى أن يكون في هذا الإسناد خرم.

(8/390)


9590 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، حدثنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " اللمس " و " المس " و " المباشرة " ، الجماع ، ولكن الله يكني بما شاءَ.
9591 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، حدثنا إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن عاصم الأحول ، عن بكر بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : الملامسة الجماع ، ولكن الله كريم يكني عما شاء.
9592 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا أيوب بن سويد ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن بكر بن عبد الله ، عن ابن عباس مثله.
9593 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن جعفر بن أبي وحشية ، عن سعيد بن جبير قال : اختلفت العرب والموالي في " الملامسة " على باب ابن عباس ، قالت العرب : الجماع. وقالت الموالي : باليد. قال : فخرج ابن عباس فقال : غُلِب فريق الموالي ، الملامسة الجماع.
9594 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير قال : كنا على باب ابن عباس ، فذكر نحوه.
9595 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، أخبرنا داود ، عن سعيد بن جبير قال : قعد قوم على باب ابن عباس ، فذكر نحوه.
9596 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : " أو لامستم النساء " ، الملامسة هو النكاح.
9597 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن الأعمش ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن سعيد بن جبير قال : اجتمعت الموالي والعرب في المسجد ، وابن عباس في الصُّفَّة ، فاجتمعت الموالي على أنّ " اللمس " دون الجماع ،

(8/391)


واجتمعت العرب على أنه الجماع. فقال ابن عباس : من أيّ الفريقين أنت ؟ قلت : من الموالي. قال : غُلِبت.
9598 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : اللمس ، الجماع.
9598م وبه عن سفيان ، عن عاصم ، عن بكر ، عن ابن عباس مثله.
9599 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن الأعمش ، عن حبيب ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : هو الجماع.
9600 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك ، عن زهير ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مثله.
9601 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن داود ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " أو لامستم النساء " ، قال : الجماع.
9602 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن علي رضي الله عنه قال : الجماع.
9603 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن قال : الجماع.
9604 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك ، عن خصيف قال : سألت مجاهدًا فقال ذلك.
9605 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة والحسن قالا غشيان النساء.
* * *
وقال آخرون : عنى الله بذلك كلَّ لمسٍ ، بيدٍ كان أو بغيرها من أعضاء جسد الإنسان وأوجبوا الوضوءَ على من مسَّ بشيء من جسده شيئًا من جسدها مفضيًا إليه.

(8/392)


*ذكر من قال ذلك :
9606 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله أنه قال ، شيئًا هذا معناه : الملامسة ما دون الجماع.
9607 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن هلال ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله أو : عن أبي عبيدة ، منصورٌ الذي شك قال : القبلة ، من المس.
9608 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن مخارق ، عن طارق ، عن عبد الله قال : اللمس ، ما دون الجماع.
9609 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم قال ، قال ابن مسعود : اللمس ، ما دون الجماع.
9610 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : القبلةُ ، من اللمس.
9611 - حدثنا أبو السائب قال ، حدثنا أبو معاوية وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن فضيل عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : القبلة ، من اللمس ، وفيها الوضوء.
9612 - حدثنا تميم بن المنتصر قال ، أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود مثله.
9613 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال : أخبرنا سليم بن أخضر قال ، أخبرنا ابن عون ، عن محمد قال : سألت عبيدة عن قوله : " أو لامستم النساء " ، قال : فأشار بيده هكذا وحكاه سليم وأراناه أبو عبد الله ، فضم أصابعه. (1)
__________
(1) الأثر : 9613 - " سليم بن أخضر البصري " . روى عن ابن عون ، قال ابن سعد : " كان ألزمهم لابن عون. وكان ثقة " . مترجم في التهذيب. " وأبو عبد الله " ، هو : " أحمد بن عبدة الضبي " مضى برقم : 5502.

(8/393)


9614 - حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية ، عن سلمة بن علقمة ، عن محمد قال : سألت عبيدة عن قوله : " أو لامستم النساء " ، قال بيده ، فطَبِنْتُ ما عَنىَ ، فلم أسأله. (1)
9615 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون قال : ذكروا عند محمد مسَّ الفرج ، وأظنهم ذكروا ما قال ابن عمر في ذلك ، فقال محمد : قلت لعبيدة : قوله : " أو لامستم النساء " ، فقال بيده. قال ابن عون بيده ، كأنه يتناوَل شيئًا يقبض عليه. (2)
9616 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا خالد ، عن محمد قال ، قال عبيدة : اللمس باليد.
9616م - قال [يعقوب] ، حدثنا ابن علية ، عن هشام ، عن محمد قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : " أو لامستم النساء " ، فقال بيده ، وضم أصابعه ، حتى عرفت الذي أراد.
9617 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني عبيد الله بن عمر ، عن نافع : أن ابن عمر كان يتوضأ من قُبْلة المرأة ، ويرى فيها الوضوء ، ويقول : هي من اللِّماس. (3)
9618 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، أخبرنا محمد بن يزيد ، عن
__________
(1) قوله : " قال بيده " ، أي : أومأ بيده وأشار. وقوله : " فطبنت ما عنى " ، أي : فطنت له وفهمته. يقال : " طبن الشيء يطبن طبنا وطبن له " أي : فظن له. و " رجل طبن " : فطن حاذق عالم بكل شيء. وفي المطبوعة : " فظننت ما عنى " ، ليست بشيء. وهي في المخطوطة ، سيئة النقط. والصواب ما أثبته ، وسيأتي في الأثر رقم : 9616 : " حتى عرفت الذي أراد " ، فهو المعرفة ، لا الظن كما ترى ، وكذلك الأثر رقم : 9626.
(2) " قال " في هذا الأثر ، في الموضعين ، بمعنى الإيماء والإشارة ، كما أسلفت في التعليق السالف.
(3) " اللماس " (بكسر اللام) مصدر " لامسه ملامسة ولماسًا " .

(8/394)


إسماعيل ، عن عامر قال : الملامسة ما دون الجماع.
9619 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا مُحِلّ بن محرز ، عن إبراهيم قال : اللمس من شهوة ينقض الوضوء. (1) .
9620 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا شعبة ، عن الحكم وحماد أنهما قالا اللمس ، ما دون الجماع.
9621 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عطاء قال : الملامسة ، ما دون الجماع.
9622 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن أصحاب عبد الله ، عن عبد الله قال : الملامسة ، ما دون الجماع.
9623 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن بيان ، عن عامر ، عن عبد الله قال : الملامسة ، ما دون الجماع.
9624 - قال حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله مثله.
9624م - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثني أبي ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله مثله.
9625 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بشر ، عن سعيد ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم قال ، قال عبد الله الملامسة ، ما دون الجماع. ثم قرأ : " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء " .
9626 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن هشام ، عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن : " أو لامستم النساء " ، فقال بيده هكذا ، فعرفت ما يعني.
__________
(1) الأثر : 9619 - " محل بن محرز الضبي الكوفي الأعور " . روى عن أبي وائل : وإبراهيم النخعي ، والشعبي. أدخله البخاري في الضعفاء ، فقال ابن أبي حاتم : " سمعت أبي قال : يحول من هناك " . قال يحيى القطان : " كان وسطا ، ولم يكن بذاك " . وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
و " محل " بضم
الميم ، وكسر الحاء ، واللام مشددة.

(8/395)


9627 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه وحسن بن صالح ، عن منصور عن هلال بن يساف ، عن أبي عبيدة قال : القبلة من اللمس.
9628 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، عن زهير ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة : القبلة والشيء. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قولُ من قال : " عنى الله بقوله : " أو لامستم النساء " ، الجماع دون غيره من معاني اللمس " ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ.
9629 - حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي قال ، أخبرنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل ، ثم يصلِّي ولا يتوضأ. (2)
9630 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة ، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه ، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت. (3)
__________
(1) قوله : " والشيء " ، هكذا هي في المطبوعة ، وفي المخطوطة " السي " غير منقوطة ، وأخشى أن يكون صوابها " والمس " .
(2) الحديثان : 9639 - 9630 - عروة ، في هذين الإسنادين : هو عروة بن الزبير ، ابن أخت عائشة ، على اليقين ، خلافًا لمن زعم أنه " عروة المزني " ، من اجل كلمة قالها الثوري : " ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني " ! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير ، فقد حدث غيره عنه.
والحديث رواه أحمد في المسند 6 : 210 (حلبي) ، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة " عن عروة بن الزبير " . وكذلك جاء التصريح بأنه " عروة بن الزبير " ، في رواية ابن ماجه : 502 ، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.
وكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه ، عقب الحديث : 180 ، بصيغة التمريض : " روى عن الثوري " . ثم نقضها هو نفسه ، فقال : " وقد روى حمزة الزيات ، عن حبيب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - حديثًا صحيحًا " .
والحديث رواه أيضًا أبو داود : 179 ، والترمذي : 86 (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع ، به. وفيهما " عن عروة " فقط ، كما هنا.
وقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث ، وخالفهم آخرون ، فأثبتوا صحته " عن عروة بن الزبير " . وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي 1 : 133 - 142. وأثبتنا صحته ، وترجيح القول بأن " الملامسة " في هذه الآية هي الجماع ، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا.
وانظر السنن الكبرى للبيهقي ، ورد ابن التركماني عليه 1 : 123 - 127 ، وابن كثير 2 : 465 - 466.
(3) الحديثان : 9639 - 9630 - عروة ، في هذين الإسنادين : هو عروة بن الزبير ، ابن أخت عائشة ، على اليقين ، خلافًا لمن زعم أنه " عروة المزني " ، من اجل كلمة قالها الثوري : " ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني " ! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير ، فقد حدث غيره عنه.
والحديث رواه أحمد في المسند 6 : 210 (حلبي) ، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة " عن عروة بن الزبير " . وكذلك جاء التصريح بأنه " عروة بن الزبير " ، في رواية ابن ماجه : 502 ، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.
وكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه ، عقب الحديث : 180 ، بصيغة التمريض : " روى عن الثوري " . ثم نقضها هو نفسه ، فقال : " وقد روى حمزة الزيات ، عن حبيب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - حديثًا صحيحًا " .
والحديث رواه أيضًا أبو داود : 179 ، والترمذي : 86 (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع ، به. وفيهما " عن عروة " فقط ، كما هنا.
وقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث ، وخالفهم آخرون ، فأثبتوا صحته " عن عروة بن الزبير " . وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي 1 : 133 - 142. وأثبتنا صحته ، وترجيح القول بأن " الملامسة " في هذه الآية هي الجماع ، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا.
وانظر السنن الكبرى للبيهقي ، ورد ابن التركماني عليه 1 : 123 - 127 ، وابن كثير 2 : 465 - 466.

(8/396)


9631 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا حفص بن غياث ، عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن زينب السهمية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقبَّل ثم يصلي ولا يتوضأ. (1)
9632 - حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال ، حدثنا شهاب بن عباد قال ، حدثنا مندل ، عن ليث ، عن عطاء ، عن عائشة وعن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينال مني القبلةَ بعد الوضوء ، ثم لا يعيد الوضوء (2)
__________
(1) الحديث : 9631 - حجاج : هو ابن أرطاة.
زينب السهمية : هي بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. فهي عمة عمرو بن شعيب. وذكرها ابن حبان في الثقات. وزعم الدارقطني أنها مجهولة!
والحديث في هذه الرواية مرسل ، لأن زينب السهمية تابعية ، لا صحابية.
وقد رواه أحمد في المسند موصولا 6 : 62 (حلبي) ، عن محمد بن فضيل ، عن الحجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن زينب السهمية ، عن عائشة. فارتفع الإرسال.
وكذلك رواه ابن ماجه : 503 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل ، به ، موصولا.
وأعله بعض الحفاظ بأن الحجاج بن أرطاة مدلس ، وأنه رواه هنا بقوله : " عن عمرو بن شعيب " ، لم يصرح بالتحديث.
(2) الحديث : 9632 - هذا الحديث يرويه الطبري هنا من وجهين :
فيرويه عن عمر بن شبة ، عن شهاب بن عباد ، عن مندل. ثم يرويه مندل عن ليث ، عن عطاء ، عن عائشة - ويرويه مندل أيضًا عن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة.
عمر بن شبة أبو زيد : مضت ترجمته في : 6310. شهاب بن عباد العبدي الكوفي أبو عمر : ثقة من شيوخ البخاري ومسلم. قال ابن عدي : " كان من خيار الناس " . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 236 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 363. ووقع اسمه محرفًا في المخطوطة والمطبوعة " سهاد بن عباد " ! ولا يوجد راو بهذا الاسم. ووقع أيضًا محرفًا تحريفًا آخر في ابن كثير 2 : 466 " هشام بن عباد " ! نقلا عن هذا الموضع من الطبري. وثبت على الصواب في المخطوطة الأزهرية من تفسير ابن كثير (2 : 301 نسخة مصورة عندي).
مندل - بفتح الميم والدال بينهما نون ساكنة - : هو ابن علي العنزي ، بفتح النون ، الكوفي. وهو مختلف فيه بين التوثيق والتضعيف. والراجح - عندي - أنه حسن الحديث. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 73 ، وابن سعد 6 : 265 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 434 - 435.
ليث : هو ابن أبي سليم.
عطاء : هو ابن أبي رباح.
وأبو روق : هو عطية بن الحارث الهمداني. مضى توثيقه في : 137.
والحديث من الوجه الأول : رواية " عطاء عن عائشة " - رواه أيضًا البزار في مسنده ، من طريق محمد بن موسى بن أعين ، عن أبيه ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عطاء ، عن عائشة ، به. نقله ابن التركماني في الجوهر النقي 1 : 125 (مع السنن الكبرى) ، والزيلعي في نصب الراية 1 : 74 (طبعة مصر). وهذا إسناد صحيح ، ولا علة له.
وقد رواه الدارقطني ، ص : 50 ، من طريق عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن عطاء ، عن عائشة. وهذا إسناد صحيح أيضًا. ولكن الدارقطني حاول إعلاله بعلة غير قادحة. فذكر أن الثوري رواه عن عبد الكريم ، عن عطاء ، فقط ، من قوله يعني : من كلام عطاء. وقال : " وهو الصواب " ! وهذه علة متهافتة. فالوصل والرفع زيادتان من ثقة ، فهما مقبولتان.
تنبيه : وقع في الجوهر النقي في هذا الحديث " عن عبد الكريم ، عن عائشة " ، دون ذكر " عن عطاء " . وهو خطأ مطبعي لا شك فيه. بدلالة نقل الزيلعي ، وبأن باقي الكلام في الجوهر النقي يدل على أنه " عن عطاء عن عائشة " - يقينا.
والحديث من الوجه الثاني : رواية إبراهيم التيمي ، عن عائشة - رواه أحمد في المسند 6 : 210 (حلبي) ، عن وكيع ، عن سفيان - وهو الثوري - عن أبي روق ، به.
وكذلك رواه أبو داود : 178 ، والنسائي 1 : 39 ، والدارقطني ، ص 50 ، 51 ، والبيهقي 1 : 126 - 127 ، كلهم من طريق الثوري ، عن أبي روق ، به. وقال أبو داود : " هو مرسل. إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا " . وقال النسائي : " ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا " . وأشار إليه الترمذي 1 : 138 (بشرحنا) ، وقال : " وهذا لا يصح أيضًا. ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا عن عائشة " .
وهذا الحديث قد روي موصولا أيضًا ، من رواية إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن عائشة. وقد بينت ذلك مفصلا في شرح الترمذي.
ثم للحديث إسناد آخر صحيح عن عائشة :
فرواه الدارقطني ، ص : 49 ، من طريق سعيد بن بشير ، عن منصور ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة. ونقله عنه الزيلعي وابن التركماني.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 247 ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط. وفيه سعيد بن بشير : وثقه شعبة وغيره ، وضعفه يحيى وجماعة " . و " سعيد بن بشير " رجحنا توثيقه في : 5439.

(8/397)


9633 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال ، حدثني أبي قال ، حدثني

(8/398)


يزيد بن سنان ، عن عبد الرحمن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبِّلها وهو صائم ، ثم لا يفطر ، ولا يحدث وضوءًا. (1)
ففي صحة الخبر فيما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الدلالةُ الواضحة على أنّ " اللمس " في هذا الموضع ، لمس الجماع ، لا جميع معاني اللمس ، كما قال الشاعر :
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا (2)
يعني بذلك : ننك لماسًا. (3)
* * *
__________
(1) الحديث : 9633 - هذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة. ولم أجده في مسند أحمد أيضًا.
ونقله ابن كثير 2 : 466 ، عن الطبري ، ولم ينسبه لغيره.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 247 ، وقال : " رواه الطبراني في الأوسط. وفيه يزيد بن سنان الرهاوي : ضعفه أحمد ويحيى وابن المديني ، ووثقه البخاري وأبو حاتم ، وثبته مروان بن معاوية. وبقية رجاله موثقون " . ويزيد هنا ، مختلف فيه كما قال الهيثمي. والراجح عندنا توثيقه. وهو مترجم في التهذيب ، وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 337 ، فلم يذكر فيه جرحًا ، ولم يذكره في الضعفاء ، وترجمه ابن أبي حاتم 4 / 2 / 266.
(2) مضى تخريجه في 4 : 126 ، تعليق : 1.
(3) قوله : " لماسًا " أي ، ملامسة. وكأنه جعل " اللميس " مصدرًا من " اللمس " ، مثل " المسيس " مصدرًا من " المس " . وهو قول غريب لم أجده عند غيره. بل أكثرهم يقول : " لميس : اسم امرأة " ، ومعنى " امرأة لميس " : هي المرأة اللينة الملمس.

(8/399)


وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جنابة ، وفيهم جراح. (1)
9634 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن محمد بن جابر ، عن حماد ، عن إبراهيم ، في المريض لا يستطيع الغُسل من الجنابة ، أو الحائض ، قال : يجزيهم التيمم. وقال : أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة ففشت فيهم ، (2) ثم ابتلوا بالجنابة ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط " ، الآية كلها.
* * *
وقال آخرون : نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعوَزَهم الماء فلم يجدوه في سفر لهم.
*ذكر من قال ذلك :
9635 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت عبيد الله بن عمر ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عائشة أنها قالت : كنت في مَسِير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كنا بذات الجيش ضلَّ عِقدي ، (3) فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالتماسه ، فالتُمِس فلم يوجد ، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم وأناخ الناس ، فباتوا ليلتهم تلك ، فقال الناس : حبست عائشة النبي صلى الله عليه وسلم! قالت : فجاء إليّ أبو بكر ورأس النبي صلى الله عليه
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " وهم جراح " ، و " جريح " جمعه " جرحى " ، لا يجمع على " جراح " ، ولم أجد من نص عليه ، أو على شذوذ على القياس. ورجحت أن الناسخ كتب " وهم " مكان " وفيهم " فأثبتها كذلك.
(2) في المطبوعة " ونال أصحاب رسول الله... " مكان : " وقال : أصاب أصحاب رسول الله " ، كأنه أخطأ قراءة المخطوطة.
(3) " ضل الشيء " : إذا ضاع.

(8/400)


وسلم في حجري وهو نائم ، فجعلَ يَهمِزُني ويَقْرصني ويقول (1) من أجل عقدك حبست النبيَّ صلى الله عليه وسلم! قالت : فلا أتحرك مخافة أن يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أوجعني ، فلا أدري كيف أصنع! فلما رآني لا أُحير إليه ، انطلق. (2) فلما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وأراد الصلاة فلم يجد ماء ، قالت : فأنزل الله تعالى آية التيمم. قالت : فقال ابن حضير : ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر! (3)
9636 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر ، ففقدت عائشة قلادة لها ، فأمر الناس بالنزول ، فنزلوا وليس معهم ماء. فأتى أبو بكر على عائشة فقال لها : شَقَقت على الناس! وقال أيوب بيده ، يصف أنه قرصها (4) قال : وَنزلت آية التيمم ، ووُجدت القلادة في مُناخ البعير ، فقال الناس : ما رأينا قط امرأة أعظم بركة منها! (5)
__________
(1) همز صاحبه : غمزه بيده ولمزه ونخسه.
(2) يقال : " أحار عليه جوابه ، وأحار له جوابًا ، فهو يحير " ، إذا رد عليه. ويقال : " ما أحار بكلمة " ، و " ما أحار إلى جوابًا " . أي ما رد جوابًا. وقولها : " لا أحير إليه " ، أي : ما أجيبه ولا أكمله.
وكان في المطبوعة : " لا أجير " بالجيم ، وهو خطأ. والصواب ما أثبت من المخطوطة.
(3) الحديث : 9635 - عبيد الله بن عمر : هو العمري ، أحد الفقهاء السبعة.
وهذا الحديث ظاهره الإرسال. لأنه - هنا - من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة. وعبد الرحمن لم يدرك أن يسمع من عمة أبيه عائشة.
وسيأتي بنحوه : 9641 ، من رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة - متصلا. ونخرجه هناك ، إن شاء الله.
(4) قوله : " قال بيده " أي أومأ وأشار ، كما سلف مرارًا.
(5) الحديث : 9636 - وهذا أيضًا مرسل ، لأن ابن أبي مليكة حكى القصة دون أن يذكر من حدثه. وهو تابعي.
وسيأتي نحو معناه : 9639 ، من رواية ابن أبي مليكة ، عن ذكوان حاجب عائشة.
وسيأتي أيضًا : 9642 ، من رواية ابن أبي مليكة ، عن قصة ابن عباس وعائشة ، دون واسطة ذكوان.

(8/401)


9637 - حدثني محمد بن عبد الله الهلالي قال ، حدثني عمران بن محمد الحداد قال ، حدثني الربيع بن بدر قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن رجل منا ، من بَلَعْرَج ، (1) يقال له الأسلع قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحَلُ له ، فقال لي ذات ليلة : يا أسلع ، قم فارحلْ لي. قلت : يا رسول الله ، أصابتني جنابة! فسكت ساعة ، ثم دعاني وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد ، ووصف لنا ضربتين. (2)
__________
(1) " بلعرج " يعني : بني الأعرج ، كما يقولون في " بني العنبر " " بلعنبر " ، وكان حقه أن يكون " بلأعرج " ، (بفتح الباء وسكون اللام وفتح الهمزة) ، ولكنه عاد فسهل الهمزة ، وألقى حركتها على اللام ، فصارت مفتوحة الباء واللام ساكنة العين. و " بنو الأعرج " هم : بنو الأعرج بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. واسم " الأعرج " : الحارث ، قطعت رجله ، كما ذكر أبو عبيدة في النقائض : 1025.
(2) الحديث : 9637 - محمد بن عبد الله الهلالي - شيخ الطبري - مضى في : 1275 ، 6180.
عمران بن محمد الحداد : لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع.
الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد السعدي الأعرجي ، ولقبه " عليلة " : ضعيف مجمع على ضعفه.
أبوه " بدر " ، وجده " عمرو بن جراد " : فيهما جهالة. فلم يرو عنهما غير الربيع بن بدر ، وهو ضعيف كما قلنا.
والحديث رواه الطبري عقب هذا ، من طريق عمرو بن خالد ، عن الربيع ، به ، نحوه.
ورواه ابن سعد في الطبقات 7 / 1 / 45 ، في ترجمة " الأسلع " ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن الربيع بن بدر. ووقع عنوان الترجمة فيه هكذا " ميمون بن سنباذ الأسلع " . وهو تخليط من الطابع. فإن " ميمون بن سنباذ " غير " الأسلع " وإنما هي عنوان مستقل ، دون ترجمة ، كما يقع في ابن سعد كثيرًا ، ثم " الأسلع " عنوان ترجمة أخرى.
ورواه الدارقطني ، ص : 66 ، والطحاوي في معاني الآثار 1 : 67 - 68 ، والبيهقي في السنن الكبرى 1 : 208 - كلهم من طريق الربيع بن بدر. وقال البيهقي : " الربيع بن بدر ضعيف ، إلا أنه غير منفرد به " .
ونقله الزيلعي في نصب الراية 1 : 153 ، ونقل كلام البيهقي ، وتعقبه بأن هذا لا يكفي في الاحتجاج به حتى يعلم الوجه الآخر ودرجته. وكذلك تعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي.
والوجه الآخر الذي أشار إليه البيهقي - نقله ابن كثير 2 : 472 - 473 ، من رواية ابن مردويه ، من طريق العباس بن أبي سرية ، " حدثني الهيثم بن رزيق المالكي ، من بني مالك بن كعب بن سعد ، وعاش مائة وسبعة عشر سنة ، عن أبيه ، عن الأسلع بن شريك... " - فذكر الحديث ، بنحوه.
و " العباس بن أبي سرية " : لم أعرف من هو ؟ ولم أجد له ترجمة.
و " الهيثم بن رزيق " : ترجمه ابن أبي حاتم 4 / 2 / 83 - 84 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وأشار إلى هذه الرواية. وله ترجمة موجزة في لسان الميزان 6 : 206 ، ولم يذكر أنه يروي عن أبيه. و " رزيق " : بتقديم الراء ، كما في المشتبه ، ص : 221 ، والمخطوطة الأزهرية من ابن كثير 2 : 307. ووقع مغلوطًا في المراجع التي نشير إليها.
وأبوه " رزيق " : ترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 504 (في باب الراء).
وقد رواه أيضًا الطبراني في الكبير ، من هذا الوجه. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 261 - 262 ، وقال : " وفيه الهيثم بن رزيق. قال بعضهم : لا يتابع على حديثه " .
وذكر الهيثمي أيضًا رواية الربيع بن بدر ، بلفظين 1 : 262 ، ونسبهما للطبراني في الكبير ، وأعلمهما بضعف الربيع.
وذكر الحافظ ابن حجر هذه الروايات في الإصابة 1 : 34 - 35 ، في ترجمة " الأسلع " . وفيها فوائد كثيرة.

(8/402)


9638 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا عمرو بن خالد قال ، حدثني الربيع بن بدر قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن رجل منا يقال له الأسلع ، قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله إلا أنه قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا (1) أو قال : ساعةً ، الشك من عمرو قال : وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا أسلع فتيمم. قال : فتيممت ثم رحَلت له. قال : فسرنا حتى مررنا بماء ، فقال : يا أسلع ، مَسَّ أو : أمِسّ بهذا جلدك. قال : وأراني التيمم ، كما أراه أبوه : ضربة للوجه ، وضربة لليدين والمرفقين. (2)
9639 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا حفص بن بُغيل قال ، حدثنا زهير بن معاوية قال ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم قال ، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة : أنه حدثه ذكوان أبو عمرو ، حاجبُ عائشة : أن ابن عباس دخل عليها في مرضها فقال : أبشري ، كنت أحبَّ نساء رسول الله صلى
__________
(1) قوله : " شيئًا " ، أي قليلا ، وقد فسر في هذا الخبر ، " ساعة " وقد أسلفت شرح ذلك بشواهده ، وأنه من نوادر اللغة التي أغفلتها المعاجم في 6 : 448 ، تعليق : 2.
(2) في المطبوعة : " إلى المرفقين " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/403)


الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن رَسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ إلا طيبًا ، وسقطت قلادتك ليلة الأبْوَاء ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقطها حتى أصبح في المنزل ، فأصبح الناس ليس معهم ماء ، فأنزل الله : " تيمموا صعيدًا طيبًا " ، فكان ذلك من سببك ، وما أذن الله لهذه الأمة من الرخصة. (1)
9640 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، (2) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها ، فوجدوها. وأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا بغير وضوء. فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرًا ، فوالله ما نزل بك أمر
__________
(1) الحديث : 9639 - حفص ين بغيل الهمداني المرهبي الكوفي : مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 170 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، فهو ثقة. و " بغيل " : بضم الباء الموحدة وفتح الغين المعجمة. ووقع في المطبوعة " نفيل " . وهو تصحيف. وفي المخطوطة غير منقوط.
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة : هو التابعي المعروف. وقد مضت ترجمته في : 6605 ، ووقع في المطبوعة " عبد الله بن عبيد الله عن ابن أبي مليكة " ! جعل راويين. وهو خطأ صرف ، فليس في شيوخ عبد الله بن عثمان بن خثيم ، ولا في تلاميذ ابن أبي مليكة - من يسمى " عبد الله بن عبيد " ، بالاستقصاء التام الذي في تهذيب الكمال (مخطوط مصور). وابن خثيم يروي عن ابن أبي مليكة مباشرة.
ثم هذا الحديث - بعينه - معروف من روايته عنه ، كما سيأتي.
ذكوان أبو عمرو المدني ، حاجب عائشة ومولاها : تابعي ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 238 ، وابن سعد 5 : 218 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 451.
والحديث قطعة من حديث طويل ، رواه أحمد في المسند : 2496 ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن ابن خثيم ، عن ابن أبي مليكة ، عن ذكوان.
ثم رواه أيضًا : 3262 ، بمعناه ، عن عبد الرازق ، عن معمر ، عن ابن خثيم.
وسيأتي مختصرًا ، بنحوه ، من طريق ابن عيينة : 9642.
وكان استئذان ابن عباس على عائشة ، حين كانت تموت. ولذلك قال لها ابن عباس حينذاك : " أبشري ، ما بينك وبين أن تلقي محمدًا صلى الله عليه وسلم والأحبة ، إلا أن تخرج الروح من الجسد " . رضي الله عنها وأرضاها.
وقوله : " وما أذن الله لهذه الأمة من الرخصة " - هذا هو الصواب الثابت في المطبوعة ، وهو الموافق لرواية المسند 2496. ويؤيده ما في الرواية الأخرى منه : 3262 : " فكان في ذلك رخصة للناس عامة في سببك " . ووقع في المخطوطة هنا " لهذه الآية " . وهو خطأ لا معنى له.
(2) قوله : " هلكت " ، أي انقطعت وضاعت وضلت.

(8/404)


تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرًا! (1)
9641 - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال ، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أنها قالت : سقطت قلادة لي بالبَيداء ، ونحن داخلون إلى المدينة ، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حِجْري راقد ، أقبل أبي فلكزني لَكْزة ثم قال : حبست الناس! ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ وحَضرت الصبح ، فالتمس الماء فلم يوجد ، ونزلت : " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " الآية. قال أسيد بن حضيرك لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة! (2)
9642 - حدثني الحسن بن شبيب قال ، حدثنا ابن عيينة قال ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عبد الله بن أبي مليكة قال : دخل ابن عباس على عائشة فقال : كنتِ أعظم المسلمين بركة على المسلمين! سقطت قلادتك بالأبواء ، فأنزل الله فيك آية التيمم! (3)
* * *
__________
(1) الحديث : 9640 - رواه أحمد في المسند 6 : 57 (حلبي) ، عن ابن نمير بهذا الإسناد.
وكذلك رواه البخاري 1 : 373 (فتح) ، من طريق ابن نمير.
ورواه مسلم 1 : 109 - 110 ، وأبو داود : 317 ، وابن ماجه : 568 ، والبيهقي في السنن الكبرى 1 : 214 - من طرق ، عن هشام بن عروة ، نحوه.
ونقله ابن كثير 2 : 471 ، عن رواية المسند.
وانظر الحديث التالي لهذا.
(2) الحديث : 9641 - مضى معناه بإسناد منقطع : 9635 ، من رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن عائشة. وأما هذا فمتصل ، يرويه عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة.
وقد رواه مالك في الموطأ ، ص : 53 - 54 ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة.
وكذلك رواه أحمد في المسند 6 : 179 (حلبي) ، والبخاري 1 : 365 - 368 (فتح). ومسلم 1 : 109 ، والنسائي 1 : 59 - كلهم من طريق مالك.
ونقله ابن كثير 2 : 471 - 472 ، عن رواية البخاري.
(3) الحديث : 9642 - الحسن بن شبيب بن راشد بن مطر ، أبو علي المؤدب ، شيخ الطبري : ترجمه ابن أبي حاتم ترجمة موجزة 1 / 2 / 18 ، وترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 7 : 328 ، والحافظ في لسان الميزان 2 : 213 - 214. وقال ابن عدي : " حدث عن الثقات بالبواطيل ، ووصل أحاديث هي مرسلة " . وقال الدارقطني : " يعتبر به ، وليس بالقوي " .
وهذا الحديث عن هذا الشيخ فيه غلط يقينًا ولعله من تخليطه!! فإنه يرويه عن ابن عيينة ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم - مباشرة ، بالتصريح بالسماع. وهذا - في ذاته - ممكن ، لأن ابن عيينة سمع من ابن خثيم. ولكن هذا الحديث بعينه ليس كذلك :
فقد رواه أحمد في المسند : 1905 ، بأطول مما هنا - عن سفيان ، وهو ابن عيينة : " عن معمر ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم " . فأثبت الواسطة بين ابن عيينة وابن خثيم. ولا نستسيغ أن نوازن بين الإمام أحمد وهذا الشيخ " الحسن بن شبيب " .
وقد رواه - بنحوه - البخاري 8 : 371 - 372 ، وابن سعد في الطبقات 8 : 51 ، كلاهما من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين ، عن ابن أبي مليكة.
وفي هذه الروايات الثلاث ، كما في رواية الطبري هنا : أنه من حكاية ابن أبي مليكة للقصة ، دون أن يذكر أنه أخبره بها " ذكوان حاجب عائشة " ، كما مضى في الرواية : 9639.
والراجح عندي أن تكون هذه الروايات مرسلة ، وأن ابن أبي مليكة لم يشهد احتضار عائشة ودخول ابن عباس عليها ، وأنه سمع ذلك من مولاها ذكوان. ولكن حاول الحافظ في الفتح التكلف في احتمال أن يكون شهد ذلك. وهو تكلف بعيد.

(8/405)


واختلفت القرأة في قراءة قوله : " أو لامستم النساء " .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين : ( أَوْ لامَسْتُمُ ) بمعنى : أو لمستم نساءكم ولَمَسْنَكم.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : ( أو لمستم النساء ) بمعنى : أو لمستم ، أنتم أيها الرجال ، نساءكم. وهما قراءتان متقاربتا المعنى. لأنه لا يكون الرجل لامسًا امرأته إلا وهي لامِستُه. فـ " اللمس " في ذلك يدل على معنى " اللِّماس " ، و " اللماس " على معنى " اللمس " من كل واحد منهما صاحبه. فبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب ، لاتفاق معنييهما.
* * *

(8/406)


القول في تأويل قوله : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " فلم تجدوا ماء " ، " أو لمستم النساء ، فطلبتم الماء لتتطَّهروا به فلم تجدوه بثمن ولا غير ثمن " فتيمموا " يقول : فتعمَّدوا.
* * *
وهو : " تفعَّلوا " من قول القائل : " تيممت كذا " إذا قصدته وتعمدته " فأنا أتيمّمه " ، وقد يقال منه : " يَمَّمه فلان فهو يُيممه " ، و " أمّمته أنا " و " أمَمْته " خفيفة ، و " تيممت وتأمَّمت " ، ولم يسمع فيها " يَمَمْت " خفيفة. (1) ومنه قول أعشى بني ثعلبة :
تَيَمَّمْتَ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ... مِنَ الأرْضِ مِنْ مَهْمَةٍ ذِي شَزَنْ (2)
يعني بقوله : " تيمَّمت " ، تعمدت وقصدت. (3)
* * *
وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله : " فَأُمُّوا صَعِيدًا " .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9643 - حدثني عبد الله بن محمد قال ، حدثنا عبدان قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول في قوله : " فتيمموا صعيدًا طيبًا " ، قال : تحرَّوا وتعمَّدوا صعيدًا طيبًا. (4)
* * *
__________
(1) بل روى ذلك اللحياني فقال : " أمو ، ويموا " .
(2) سلف البيت وشرحه وتخريجه في 5 : 558.
(3) انظر تفسير : " تيمم " فيما سلف 5 : 558 ، 559.
(4) الأثر : 9643 - " عبد الله بن محمد " هو : " عبد الله بن محمد بن يزيد ، أبو محمد الحنفي " و " عبدان " ، هو : " عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد الأزدي " .
مضت ترجمتهما برقم : 5000 ، ومضى هذا الإسناد نفسه برقم : 5009 ، 6198 ، 6200 ، وانظر الإسناد التالي : 9648 ، 9676.

(8/407)


وأما " الصعيد " ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه.
فقال بعضهم : هو الأرض الملساء التي لا نَبات فيها ولا غِرَاس.
*ذكر من قال ذلك :
9644 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " صعيدًا طيبًا " ، قال : التي ليس فيها شجر ولا نبات.
* * *
وقال آخرون : بل هو الأرض المستوية.
*ذكر من قال ذلك :
9645 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " الصعيد " ، المستوي.
* * *
وقال آخرون : بل " الصعيد " ، التراب.
*ذكر من قال ذلك :
9646 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير قال ، حدثنا عمرو بن قيس الملائي قال : الصعيد ، التراب. (1)
* * *
وقال آخرون : " الصعيد " ، وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون : بل هو وجه الأرض ذاتِ التراب والغُبَار.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى ذلك بالصواب قول من قال : " هو وجه الأرض الخالية من النبات والغُروس والبناء ، المستوية " ، ومنه قول ذي الرمة :
__________
(1) الأثر : 9646 - " الحكم بن بشير بن سلمان " ، مضت ترجمته برقم : 1497 ، 6171. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الحكم بن بشر " ، وهو خطأ.
" عمرو بن قيس الملائي " مضت ترجمته : 886 ، 6171.

(8/408)


كَأنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ... دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ (1)
يعني : تضرب به وجه الأرض.
* * *
وأما قوله : " طيبًا " ، فإنه يعني به : طاهرًا من الأقذار والنجاسات. (2)
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : " طيبًا " .
فقال بعضهم : حلالا.
*ذكر من قال ذلك :
9647 - حدثني عبد الله بن محمد قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول في قوله : " صعيدًا طيبًا " قال ، قال بعضهم : حلالا.
* * *
وقال بعضهم بما : -
9648 - حدثني عبد الله قال ، حدثنا عبدان قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة ، قال : قلت لعطاء : " فتيمموا صعيدًا طيبًا " ، قال : طيّب ما حولك. (3) قلت : مكان جَرْدٌ غير بَطِح ، (4) أيجزئ عني ؟ قال : نعم. (5)
* * *
__________
(1) ديوانه : 571 ، من قصيدته المحكمة المشهورة. والبيت من أبياته في ذكر ظبية أودعت ولدها الصغير بين أشجار ، فإذا ارتفعت شمس الضحى نال منه التعب ، فانطرح على الأرض ، كأنه سكران أثقله النعاس. وقوله : " دبابة " : تدب في أوصال شاربها ، يعني الخمر. وكان في المطبوعة : " وما به " ، وهو خطأ. و " خرطوم " ، صفة للخمر السريعة الإسكار ، تأخذ شاربها حتى يشمخ بخرطومه - أي : أنفه - من شدة السكر وغلبته.
(2) انظر تفسير " طيب " فيما سلف 3 : 301 / 5 : 555 / 7 : 424.
(3) في المطبوعة : " الطيب ما حولك " ، وكان مثلها في المخطوطة ، إلا أنه ضرب على الألف واللام.
(4) قوله : " جرد " (بفتح فسكون) : وهي الأرض الفضاء لا نبت فيها ، وكأنه عنى أنها كانت ذات نبات ثم جردها الشتاء والقحط. وقوله : " بطح " على وزن " فرح " وهو الرمل في البطحاء ، وهو " الأبطح " ، أيضًا ، وهو أرض ترابها سهل لين فيه دقاق الحصى. وكان في المطبوعة : " غير أبطح " ، ولكني أثبت ما في المخطوطة.
(5) الأثر : 9648 - انظر التعليق على الإسناد السالف رقم : 9643.

(8/409)


ومعنى الكلام : فإن لم تجدوا ماء ، أيها الناس ، وكنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لمستم النساء ، فأردتم أن تصلّوا " فتيمموا " ، يقول : فتعمدوا وجه الأرض الطاهرة " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم ، ولكنه ترك ذكر " منه " ، اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
* * *
و " المسح منه بالوجه " ، أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر ، أو ما قام مقامه ، فيمسَح بما علق من الغُبار وجهه. فإن كان الذي علق به من الغُبار كثيرًا فنفخ عن يديه أو نفضه ، فهو جائز. وإن لم يعلَق بيديه من الغبار شيء وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد ، ثم مسح بهما أو بها وجهه ، أجزأه ذلك ، لإجماع جميع الحجَّة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به ، أن ذلك مجزئَه ، لم يخالف ذلك من يجوز أن يُعْتَدّ خلافًا. (1) فلما كان ذلك إجماعًا منهم ، كان معلومًا أن الذي يراد به من ضَرْب الصعيد باليدين ، مباشرةُ الصعيد بهما ، بالمعنى الذي أمرً الله بمباشرته بهما ، لا لأخْذِ ترابٍ منه.
* * *
وأما " المسح باليدين " ، فإن أهل التأويل اختلفوا في الحدِّ الذي أمر الله بمسحه من اليدين.
__________
(1) في المطبوعة : " أن يعتد بخلافه " ، غير ما في المخطوطة ، وهو معرق في الصواب. وقوله : " يعتد خلافًا " أي : يحسب خلافا. وأقام " خلافًا " المصدر ، صفة مثل " عدل " ، ومعناه : الذي يعد خلافه خلافًا.

(8/410)


فقال بعضهم : حدّ ذلك الكفّان إلى الزَّندين ، وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين.
*ذكر من قال ذلك :
9649 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن أبي مالك قال : تيمّم عمّارٌ فضرب بيديه إلى التراب ضربةً واحدة ، ثم مسح بيديه واحدة على الأخرى ، ثم مسح وجهه ، ثم ضرب بيديه أخرى ، فجعل يلوي يَدَه على الأخرى ، ولم يمسح الذراع. (1)
9650 - حدثنا أبو السائب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن ابن أبي خالد قال : رأيت الشعبي وصفَ لنا التيمم : فضرب بيديه إلى الأرض ضربة ، ثم نفضهما ومسح وجهه ، ثم ضرب أخرى ، فجعل يلوي كفَّيه إحداهما على الأخرى. ولم يذكر أنه مسح الذراع.
9651 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو الأحوص ، عن حصين ، عن أبي مالك قال : وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب ، ثم رفعهما فنفخهما ، فمسح وجهه وكفيه ، ثم قال : هكذا التيمم.
9652 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا أبو تميلة قال ، حدثنا سلام مولى حفص قال ، سمعت عكرمة يقول : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين.
9653 - حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن سعيد وابن جابر : أن مكحولا كان يقول : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع ويتأوّل مكحول القرآن في ذلك : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) [سورة المائدة : 6] ، وقوله في التيمم : " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " ، ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء " إلى المرافق " قال مكحول : قال الله
__________
(1) الأثر : 9649 - رواه بغير هذا اللفظ ، البيهقي في السنن الكبرى 1 : 210 ، وانظر الأثر الآتي رقم : 9651.

(8/411)


( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) [سورة المائدة : 38] ، فإنما تقطع يد السارق من مَفصِل الكوع.
9654 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا بشر بن بكر التنيسي ، عن ابن جابر : أنه رأى مكحولا يتيمم ، يضرب بيديه على الصعيد ، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه بواحدةٍ.
9655 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي قال : التيمم ضربة للوجه والكفين.
* * *
وعلة من قال هذه المقالة من الأثر ، ما :
9656 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبدة ومحمد بن بشر ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار بن ياسر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم ، فقال : مرة للكفين والوجه (1) وفي حديث ابن بشر : أن عمارًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن التيمم. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " على الوجه " ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) الحديث : 9656 - سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، مولى خزاعة : تابعي ثقة. أخرج له الجماعة.
أبوه : عبد الرحمن بن أبزى ، له صحبة ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم معه.
والحديث رواه أحمد في المسند 4 : 263 (حلبي) ، عن عفان ، عن أبان ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، بهذا الإسناد ، نحوه.
فزاد في الإسناد " عن عزرة " بين قتادة وسعيد.
وعزرة : هو ابن عبد الرحمن بن زراة الخزاعي. مضت ترجمته في : 2752 ، 2753.
وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى ، ص : 67 ، من طريق عفان ، عن أبان.
وكذلك رواه أبو داود : 327 ، والترمذي : 144 بشرحنا - كلاهما من طريق يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عزرة ، به.
وقال الترمذي : " حديث عمار حديث حسن صحيح. وقد روى عن عمار من غير وجه " .
وكذلك رواه البيهقي 1 : 210 ، من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد بن أبي عروبة.
ثم قال البيهقي : " وكذلك رواه جماعة عن ابن أبي عروبة. ورواه عيسى بن يونس ، عن ابن أبي عروبة - دون ذكر عزرة في إسناده. وكذلك رواه أبان بن يزيد العطار ، عن قتادة ، واختلف عليه في ذكر عزرة في إسناده.
ورواه الدارمي 1 : 190 ، عن عفان - وهو الشيخ الذي رواه عنه أحمد بن حنبل ، عن أبان بن يزيد العطار ، عن قتادة ، عن سعيد بن عبد الرحمن - بدون ذكر عزرة في الإسناد.
أفيكون هذا من الاختلاف على " أبان " الذي أشار إليه البيهقي ؟ قد يكون. ولكني أراه بعيدًا ، لأن هذا إنما هو في النسخة المطبوعة من الدارمي ، وهي مملوءة بالغلط والتحريف ، لا يعتمد عليها. وقد ثبت ذكر " عن عزرة " في مخطوطة عتيقة صحيحة بدار الكتب ، من كتاب الدارمي. فهي العمدة في ذلك - إلى أن شيخ الدارمي هو شيخ أحمد. وقد رواه عنه بزيادة " عن عزرة " ، كما ذكرنا آنفًا.
وأيا ما كان فالإسناد صحيح ، لأن قتادة يروي أيضًا عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى مباشرة. ولكن الذين زادوا " عزرة " في الإسناد أكثر وأحفظ ممن لم يذكره. وإن صح الإسنادان ، فلعله يكون من المزيد في متصل الأسانيد.
ولكن متن الحديث هنا محرف " مرة بالكفين على الوجه " ! وهذا لا معنى له. وصوابه في المخطوطة : " مرة للوجه والكفين " . وهو الموافق لمعنى الحديث في الروايات الأخر. ولفظ المسند : " ضربة للوجه والكفين " أيضًا.
والحديث ذكره ابن كثير 2 : 469 ، عن رواية المسند. ووقع فيه (مخطوطًا ومطبوعًا) " عروة " بدل " عزرة " . وهو تحريف من الناسخين.

(8/412)


9657 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبيد بن سعيد القرشي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبزى ، قال : جاء رجل إلى عمر فقال : إنّي أجنبت فلم أجد الماء! فقال عمر : لا تصل. فقال له عمار : أما تذكر أنّا في مسيرٍ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجنبت أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعَّكت في التراب وصلَّيت ، (1) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : " إنما كان يكفيك " ، وضرَب كفّيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة ؟ (2)
__________
(1) " تمعك في التراب " : تمرغ فيه.
(2) الحديث : 9657 - عبيد بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص ، القرشي الأموي : ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما. وهو أخو " يحيى بن سعيد الحافظ " .
الحكم : هو ابن عتيبة الكندي.
ابن أبزى : هو سعيد بن عبد الرحمن ، المترجم في الحديث الذي قبل هذا.
والحديث على ظاهر الإسناد الذي هنا - يكون منقطعًا ، فإنه يكون من رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى للحادثة في عهد عمر ، وهو لم يدرك ذلك يقينًا ، لأنه من صغار التابعين. وهو إنما يروي هذا عن أبيه.
فلا أدري أوقعت هذه الرواية للطبري هكذا ، أم هو تخليط من الناسخين.
وأما الحديث في ذاته فهو صحيح من هذا الوجه :
فقد رواه أحمد في المسند 4 : 265 (حلبي) ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذر - وهو ابن عبد الله المرهبي الهمداني - عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه : " أن رجلا أتى عمر... " ، إلخ.
وكذلك رواه الطيالسي ، عن شعبة ، بنحوه : 638.
وكذلك رواه البخاري 1 : 375 - 377 ، بأسانيد من طريق شعبة.
وكذلك رواه مسلم 1 : 110 ، وأبو داود : 324 - 326 ، والنسائي 1 : 59 - 60 ، و60 - 61 ، وابن ماجه : 569 ، والبيهقي في السنن الكبرى 1 : 209 - 210 ، بأسانيد - كلهم من طريق شعبة ، به نحوه.
ففي كل هذه الأسانيد أنه من رواية سعيد عن أبيه. أما زيادة " ذر بن عبد الله المرهبي " في الإسناد بين الحكم وسعيد. فإنه ثبت عند الشيخين - البخاري ومسلم - تصريح الحكم بأنه سمعه من " ابن عبد الرحمن بن أبي أبزى عن أبيه ، مثل حديث ذر " . فقد سمعه عن سعيد بالواسطة ، ثم سمعه منه مباشرة.
وسيأتي حديثان آخران لعمار في شأن التيمم : 9670 ، 9672.

(8/413)


وقالوا : أمر الله في التيمم بمسح الوجه واليدين ، فما مسح من وجهه ويديه في التيمم أجزأه ، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له من أصل أو قياس.
* * *
وقال آخرون : حدُّ المسح الذي أمر الله به في التيمم ، أن يمسح جميع الوجه واليدين إلى المرفقين.
*ذكر من قال ذلك :
9658 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوراث بن سعيد قال ، حدثنا أيوب عن نافع : أن ابن عمر تيمم بمربد النعم ، (1) فضرب ضربة فمسح وجهه ، وضرب ضربة فمسح يديه إلى المرفقين.
9659 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر قال : سمعت عبيد الله ،
__________
(1) " المربد " (بكسر فسكون) : المكان تحبس فيه الإبل والغنم. و " مربد النعم " بالمدينة.

(8/414)


عن نافع ، عن عبد الله أنه قال : التيمم مسحتان ، يضرب الرجل بيديه الأرض يمسح بهما وجهه ، ثم يضرب بهما مرة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين. (1)
9660 - حدثني ابن المثنى قال ، حدثنا يحيى بن عبيد الله قال ، أخبرني نافع ، عن ابن عمر في التيمم قال : ضربة للوجه ، وضربة للكفين إلى المرفقين.
9661 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان يقول في المسح في التيمم : إلى المرفقين. (2)
9662 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا ابن عون قال : سألت الحسن عن التيمم ، فضرب بيديه على الأرض فمسح بهما وجهه ، وضرب بيديه فمسح بهما ذراعيه ظاهرَهما وباطنهما.
9663 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن عامر : أنه قال في هذه الآية : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) [سورة المائدة : 6] ، وقال في هذه الآية( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (3) [سورة المائدة : 6] ، قال : أمر أن يمسح في التيمم ، ما أمر أن يغسل في الوضوء ، وأبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء : الرأس والرجلان.
9664 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية وحدثنا ابن المثنى قال ، حدثني محمد بن أبي عدي جميعًا ، عن داود ، عن الشعبي في التيمم قال :
__________
(1) في المخطوطة : " ثم يمسح بهما مرة أخرى " ، والصواب ما في المطبوعة.
(2) الآثار : 9658 - 9661 - انظر ما أخرجه البيهقي في سننه 1 : 207 من أثر ابن عمر.
(3) هذه الآية من سورة المائدة ، وفيها " منه " ، أما آية سورة النساء التي نحن فيها ، فليس فيها " منه " ، ولكن ثبت في المخطوطة " منه " ، فرددتها إلى آية المائدة.

(8/415)


ضربة للوجه ، ولليدين إلى المرفقين. (1)
9665 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال : أمر بالتيمم ، فيما أمر بالغسل.
9666 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب قال : سألت سالم بن عبد الله عن التيمم ، فضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه على الأرض ضربة أخرى ، فمسح بهما يديه إلى المرفقين.
9667 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، وأخبرنا حبيب بن الشهيد ، عن الحسن : أنه سئل عن التيمم فقال : ضربة يمسح بها وجهه ، ثم ضربة أخرى يمسح بها يديه إلى المرفقين.
* * *
وعلة من قال هذه المقالة : أن التيمم بدلٌ من الوضوء ، وعلى المتيمم أن يبلغ بالتراب من وجهه ويديه ما كان عليه أن يبلغه بالماء منهما في الوضوء. (2) واعتلوا من الأثر بما : -
9668 - حدثني به موسى بن سهلٍ الرملي قال ، حدثنا نعيم بن حماد قال ، حدثنا خارجة بن مصعب ، عن عبد الله بن عطاء ، عن موسى بن عقبة ، عن الأعرج ، عن أبي جهيم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول ، فسلَّمت عليه ، فلم يرد عليَّ. فلما فرغ قام إلى حائط فضرب بيديه عليه ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه إلى الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين ، ثم ردَّ عليَّ السلام. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " وضربة لليدين " ، زاد " ضربة " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " على المتيمم " بإسقاط الواو ، وأثبتها من المخطوطة.
(3) الحديث : 9668 - نعيم بن حماد بن معاوية ، الخزاعي الفارضي : ثقة من شيوخ البخاري ، تكلم فيه بعضهم بما لا يقدح. مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 100 ، وابن سعد 7 / 2 / 205 - 206 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 463 - 464 ، وتاريخ بغداد 13 : 306 - 314.
خارجة بن مصعب بن خارجة الخراساني : مختلف فيه جدًا. والأكثر على تضعيفه. ولكن أعدل كلمة فيه كلمة الحاكم في المستدرك 1 : 499 ، قال : " خارجة لم ينقم عليه إلا روايته عن المجهولين ، وإذا روى عن الثقات الأثبات فروايته مقبولة " .
عبد الله بن عطاء : إن لم يكن الطائفي المكي فلا أدري من هو ؟ وأخشى أن يكون من المجهولين الذين يروي عنهم نعيم بن حماد.
الأعرج : هو عبد الرحمن بن هرمز ، التابعي الثقة المشهور. وما رأيت له رواية عن أبي جهيم ، وما إخاله أدركه. وهو يروي هذا الحديث عن " عمير مولى ابن عباس " عن أبي جهيم ، كما سيأتي.
فلا أدري أسقط هذا من نسخ الطبري ، أم هو هكذا في هذه الرواية ؟ فيكون من غلط نعيم بن حماد ، أو من غلط شيخه عبد الله بن عطاء!
وقد نقله ابن كثير 2 : 468 - 469 ، كما ثبت هنا. فإن كان خطأ في النسخ ، كان خطأ قديمًا.
أبو جهيم - بالتصغير - بن الحارث بن الصمة الأنصاري : صحابي معروف.
والحديث في أصله ثابت صحيح ، بغير إسناد الطبري هذا الذي لا يكاد يقوم!
فرواه البخاري 1 : 374 - 375 (فتح) : " حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث [هو ابن سعد] ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، سمعت عميرًا مولى ابن عباس ، قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ، فقال أبو جهيم : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ، فسلم عليه ، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار ، فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام " .
فهذه هي الرواية الصحيحة. أما ما هنا من زيادة " إلى المرفقين " - فهي زيادة ضعيفة الإسناد كما ترى. وقد أشار الحافظ إلى روايتين أخريين فيهما : " فمسح بوجهه وذراعيه " ، وضعفهما بضعف رواتهما ، وقال " والثابت في حديث أبي جهيم بلفظ : يديه ، لا ذراعيه " .
وانظر السنن الكبرى للبيهقي 1 : 205.
ورواه أيضًا أبو داود : 329 ، والنسائي 1 : 59 - كلاهما من طريق الليث بن سعد ، به.
وذكره مسلم في صحيحه 1 : 110 - 111 تعليقًا ، قال : " وروى الليث بن سعد " - إلخ. ويظهر أنه لم يكن متوثقا منه. فوقع فيه وهم في موضعين : " عبد الرحمن بن يسار " ، بدل " عبد الله بن يسار " . و " أبو جهم " بالتكبير ، بدل " أبو جهيم " . وقد نص الحافظ في الفتح على وهمه في الموضعين.
ورواه أيضًا أحمد في المسند : 17614 (ج4 ص169 حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة : " حدثنا عن الرحمن الأعرج " ، فذكر الحديث ، كرواية البخاري.
ووقع للحافظ ابن حجر وهم شديد في هذه الرواية ، في الإصابة 7 : 35 ، في ترجمة أبي جهيم ، فقال : " ورواه ابن لهيعة ، عن عبد الله بن يسار ، عن أبي جهيم! أخرجه أحمد " ! ورواية أحمد ليست كما قال. بل هي كروايات البخاري وأبي داود والنسائي ، اللاتي ذكرهن من قبل.

(8/416)


وقال آخرون : الحدّ الذي أمر الله أن يبلغ بالتراب إليه في التيمم : الآباط.

(8/417)


*ذكر من قال ذلك :
9669 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن البرقي قال ، حدثني عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، عن الأوزاعي ، عن الزهري قال : التيمم إلى الآباط.
وعلة من قال ذلك : أن الله أمر بمسح اليد في التيمم ، كما أمر بمسح الوجه. وقد أجمعوا أن عليه أن يمسح جميع الوجه ، فكذلك عليه جميع اليد ، ومن طرف الكفّ إلى الإبط " يدٌ " . واعتلوا من الخبر بما : -
9670 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا صيفي بن ربعي ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي اليقظان قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهلك عقد لعائشة ، (1) فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح ، فتغيَّظ أبو بكر على عائشة ، فنزلت عليه الرخصة ، المسح بالصعيد. فدخل أبو بكر فقال لها : إنك لمباركة! نزل فيك رخصة! فضربنا بأيدينا : ضربة لوجوهنا ، (2) وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط. (3)
* * *
__________
(1) " هلك العقد " انقطع فضاع.
(2) في المطبوعة : " لوجهنا " بالإفراد ، والصواب من المخطوطة.
(3) الحديث : 9670 - صيفي بن ربعي الأنصاري : ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب. وترجمه ابن أبي حاتم 2 / 1 / 448 ، وروى عن أبيه ، قال : " صالح الحديث ، ما أرى بحديثه بأسًا " . ووقعت ترجمته في مطبوعة ابن أبي حاتم في ترجمتين برقمين ، اتباعًا لإحدى نسخه المخطوطة. ووهم مصححه الفاضل في ترجيحها على المخطوطة الأخرى التي جعلت فيه ترجمة واحدة.
أبو اليقظان : هو عمار بن ياسر. وهذه كنيته.
والحديث رواه الطيالسي في مسنده : 637 ، عن ابن أبي ذئب ، بهذا الإسناد ، مطولا.
وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 1 : 208 ، من طريق الطيالسي.
ورواه أحمد في المسند 4 : 320 (حلبي) ، عن حجاج ، عن ابن أبي ذئب ، بهذا الإسناد.
ورواه ابن ماجه : 565 ، من طريق الليث بن سعد ، عن الزهري ، بهذا الإسناد.
والحديث من هذا الوجه بهذا الإسناد - منقطع ، لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك عمار بن يسار ، وروايته عنه مرسلة.
وقد ثبت أن عبيد الله سمعه من أبيه من عمار ، وسمعه من ابن عباس عن عمار. فاتصل إسناده من هذين الوجهين :
قال البيهقي - بعد روايته - : " وكذلك رواه معمر بن راشد ، ويونس بن يزيد الأيلي ، والليث بن سعد ، وابن أخي الزهري ، وجعفر بن برقان - عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عمار " .
ثم رواه - بنحوه - من طريق مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة " أنه أخبره عن أبيه ، عن عمار بن ياسر " .
وقال أبو داود - بعد الحديث : 320 ، الذي سنذكره بعد - قال : " وقال مالك : عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عمار. وكذلك قال أبو أويس ، عن الزهري " .
ورواه ابن ماجه : 566 ، من طريق سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، وهو ابن دينار ، عن الزهري : " عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عمار بن ياسر " - مختصرًا.
وأما من رواية عبيد الله عن ابن عباس : فرواه أحمد في المسند 4 : 263 - 264 ، من طريق صالح - وهو ابن كيسان - عن الزهري : " حدثني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمار بن ياسر " - فذكره مطولا.
وكذلك رواه البيهقي 1 : 208 - 209 ، من طريق أحمد في المسند.
وذكره ابن كثير 2 : 472 ، من رواية المسند.
وكذلك رواه أبو داود : 320 ، والنسائي 1 : 60 - كلاهما من طريق صالح ، عن الزهري ، به - بذكر ابن عباس في الإسناد.
وقال الطيالسي - بعد الحديث : 637 ، الذي ذكرناه آنفًا - : " روى هذا الحديث محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمار " .
وكذلك نص أبو داود في السنن ، والبيهقي - بعد روايتهما الحديث من طريق صالح - على أن ابن إسحاق رواه عن الزهري ، وذكر فيه " عن ابن عباس " .
وأياما كان : فالحديث صحيح. ولسنا نرى هذا اضطرابًا ، بل هي طرق متعددة ثابتة ، لا تكون واحدة منها علة لغيرها.

(8/418)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن الحدّ الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصِّر عنه في مسحه بالتراب من يديه : الكفان إلى الزّندين ، لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز. ثم هو فيما جاوز ذلك مخيّر ، إن شاء بلغ بمسحه المرفقين ، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرًا فيما جاوز الكفين : أن الله لم يحدَّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدًّا لا يجوز التقصير عنه. فما مسح المتيمم من يديه أجزأه ، إلا ما أُجمع عليه ، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه. وقد أجمع الجميعُ على أن التقصير عن الكفين غير

(8/419)


مجزئ ، فخرج ذلك بالسنة ، (1) وما عدا ذلك فمختلف فيه. وإذا كان مختلفًا فيه ، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجًا مما لزمه من فرض ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في الجنب ، هل هو ممن دخل في رخصة التيمم إذا لم يجد الماء أم لا ؟
فقال جماعة من أهل التأويل من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين : حكم الجنب فيما لزمه من التيمم إذا لم يجد الماء ، حكم من جاء من الغائط وسائر من أحدَث ممن جُعل التيمم له طهورًا لصلاته. وقد ذكرت قول بعض من تأوّل قول الله : " أو لامستم النساء " ، أو جامعتموهن ، وتركنا ذكر الباقين لكثرة من قال ذلك.
* * *
واعتلَّ قائلو هذه المقالة ، بأن للجنب التيمم إذا لم يجد الماء في سفره ، بإجماع الحجة على ذلك نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم ، الذي يقطع العذر ويزيل الشك.
* * *
وقال جماعة من المتقدمين : لا يجزئ الجنب غيرُ الاغتسال بالماء ، وليس له أن يصلي بالتيمم ، والتيمم لا يطهره. قالوا : وإنما جعل التيمم رخصة لغير الجنب. وتأولوا قول الله : " ولا جنبًا إلا عابري سبيل " . قالوا : وقد نهى الله الجنب أن يقرب مصَلَّى المسلمين إلا مجتازًا فيه حتى يغتسل ، ولم يرخِّص له بالتيمم.
قالوا : وتأويل قوله : " أو لامستم النساء " أو لامستموهن باليد ، دون الفرج ، ودون الجماع.
قالوا : فلم نجد الله رخص للجنب في التيمم ، بل أمره بالغسل ، وأن لا يقرب الصلاة إلا مغتسلا. قالوا : والتيمم لا يطهِّره لصلاته.
*ذكر من قال ذلك :
9671 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية ، عن
__________
(1) في المطبوعة : " فخرج ذلك بالسنة " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/420)


الأعمش ، عن شقيق قال : كنت مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ، فقال أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن ، أرأيت رجلا أجنبَ فلم يجد الماء شهرًا ، أيتيمم ؟ فقال عبد الله : لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا. فقال أبو موسى : فكيف تصنعون بهذه الآية في " سورة المائدة " : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) [سورة المائدة : 6] ؟ فقال عبد الله : إن رُخّص لهم في هذا ، لأوشكوا إذا بَرَد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد! فقال له أبو موسى : إنما كرهتم هذا لهذا! قال : نعم! قال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فأجنبت فلم أجد الماء ، فتمرَّغت في الصعيد كما تَمَرَّغ الدابة. قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بكفيه ضربة واحدة ، ومسح بهما وجهه ، ومسح كفيه " ؟ قال عبد الله : ألم تر عُمرَ لم يقنع لقول عمار ؟ (1)
9672 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك ، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : كنا عند عمر بن الخطاب رحمه الله ، (2) فأتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا
__________
(1) الحديث : 9671 - أبو السائب : هو سلم بن جنادة ، مضت ترجمته في : 48 شقيق : هو ابن سلمة ، أبو وائل الأسدي ، التابعي الكبير المخضرم.
والحديث رواه أحمد في المسند 4 : 264 - 265 (حلبي) ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش بهذا الإسناد.
وكذلك رواه البخاري 1 : 386 (فتح) ، ومسلم 1 : 110 ، وأبو داود : 321 : والنسائي 1 : 61 - كلهم من طريق أبي معاوية عن الأعمش.
ورواه أحمد أيضًا 4 : 265 ، من طريق عبد الواحد ، وهو ابن زياد العبدي ، عن الأعمش ، به ، بنحوه.
ونقله ابن كثير 2 : 269 عن هذه الرواية من المسند.
وكذلك رواه مسلم 1 : 110 ، من طريق عبد الواحد.
ورواه البيهقي 1 : 211 ، من طريق يعلى بن عبيد ، عن الأعمش. ثم قال : " أخرجه البخاري ومسلم ، من أوجه عن الأعمش. وأشار البخاري إلى رواية يعلى بن عبيد ، وهو أثبتهم سياقة للحديث " . وإشارة البخاري هي فيه 1 : 387 ، عقب رواية أبي معاوية.
(2) في المطبوعة : " رضي الله عنه " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/421)


نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء! فقال عمر : أمّا أنا ، فلو لم أجد الماء لم أكن لأصلِّي حتى أجد الماء. قال عمار بن ياسر : أتذكر يا أمير المؤمنين ، حيث كنا بمكان كذا وكذا ، ونحن نرعي الإبل ، فتعلم أنّا أجنبنا ؟ قال : نعم! فأما أنا فتمرغت في التراب ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن كان الصعيد لكَافيك! وضرب بكفَيه الأرض ، ثم نفخ فيهما ، ثم مسح وجهه وبعضَ ذراعيه ؟ فقال : اتق الله يا عمار! فقال : يا أمير المؤمنين ، إن شئت لم أذكره! فقال : لا ولكن نُوَلِّيك من ذلك ما تولَّيت. (1)
9673 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن الحكم قال : سمعت إبراهيم في دُكان مسلم الأعور ، فقلت : أرأيت إن لم تجد الماء وأنت جنب ؟ قال : لا أصلي. (2)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء ، والصلاةِ (3) بقوله : " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا " . وقد بينا ثَمَّ أن معنى " الملامسة " ، في هذا الموضع : الجماع ، بنقل الحجة التي لا يجوزُ الخطأ فيما نقلته مجمعةً عليه ، ولا السهو ولا التواطؤ والتشاعر ، (4) بأن حكم الجنب في ذلك حكم سائر من أحدث فلزمه التطهر لصلاته مع ما قد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التي قد ذكرنا بعضها ، وتركنا ذكر كثير منها ، استغناءً بما ذكرنا منها عما لم نذكر ، وكراهة منا إطالة الكتاب باستقصاء جميعه.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " فلم تجدوا ماء فتيمموا " ، وهل ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه طلب الماء ، (5) أم ذلك أمر منه بالتيمم كلما لزمه الطلب وهو محدِثَ حدثًا يجب عليه منه الوضوء بالماء ، لو كان للماء واجدًا ؟
فقال بعضهم : ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه فرضُ الطلب بعد الطلب ، محدثًا كان أو غير محدث.
*ذكر من قال ذلك :
9674 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن الحجاج ، عن أبي إسحاق ،
__________
(1) الحديث : 9672 - عبد الرحمن : هو ابن مهدي.
سفيان : هو الثوري.
سلمة : هو ابن كهيل. مضت ترجمته في 439 ، 2435.
أبو مالك : هو غزوان الغفاري ، وهو تابعي معروف ، مضى مرارًا.
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى : ثقة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 94 وهو أخو " سعيد بن عبد الرحمن " المترجم في : 9656 ، 9657.
ووقع في الطبري هنا من الناسخين يقينًا ، إذ سقط منه مخطوطًا ومطبوعًا [عن عبد الرحمن بن أبزى]. فصار ظاهر الإسناد أن عبد الله بن عبد الرحمن هو الذي كان عند عمر وحكى القصة! وما كان هذا قط ، لأن عبد الله لم يدرك ذلك ، وليست له رواية إلا عن أبيه. ولا يحتمل السياق هنا أن يكون هذا اختلاف رواية.
ثم مما يقطع بذلك أن النسائي روى هذا الحديث 1 : 60 ، عن محمد بن بشار - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد نفسه ، وفيه : [عن عبد الرحمن بن أبزى] ، التي زدناها هنا.
وكذلك رواه أحمد في المسند 4 : 319 (حلبي) ، عن عبد الرحمن بن مهدي - شيخ شيخ الطبري هنا ، بهذا - الإسناد. وفيه هذه الزيادة. ولكن وقع في مطبوعة المسند خطأ مطبعي " عن أبي ثابت " بدل " عن أبي مالك " ، وصححناه من مخطوطة المسند التي عندنا.
فالحديث يرويه سلمة بن كهيل ، عن شيخين ، هما : أبو مالك ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى - كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي أبزى.
وقد أشار البيهقي 1 : 209 - 210 إلى روايات لسلمة بن كهيل في هذا الحديث ، زعمها اضطرابًا من سلمة ، ولكن الظاهر أنها اختلاف روايات من الرواة عنه.
وقوله - في متن الحديث - " قال : نعم. فأما أنا فتمرغت... " - هذا هو الثابت أيضًا في رواية النسائي. وفي طبعة مصر " أما أنا " بدون الفاء. وهو سياق صحيح ، على تقدير حذف " قال " بعد قوله " نعم " . لظهور أن قوله " فأما أنا " من كلام عمار بن ياسر ، لا من كلام عمر. ومثل هذا كثير. ولفظ المسند في هذا الموضع : " قال : نعم ، قال : فإني تمرغت في التراب " .
(2) الأثر : 9673 - " مسلم الأعور " ، هو " مسلم بن كيسان الضبي " ، ضعيف يتكلمون فيه ، ولكن ليس له مدخل في هذا الأثر. و " إبراهيم " هو النخعي.
(3) قوله : " والصلاة " مجرورًا عطفًا على " أمره الله بالتيمم... والصلاة " .
(4) " التشاعر " ، التعالم والتواطؤ. وقد سلفت هذه الكلمة في 6 : 127 ، تعليق : 2 و155 ، تعليق : 1. وكان في المطبوعة : " والتضافر " ، غيرها إذ لم يفهمها.
(5) في المطبوعة : " هل ذلك أمر " بحذف الواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/422)


عن الحارث ، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول : التيمم لكل صلاة.
9675 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، أخبرنا هشيم قال ، أخبرنا الحجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي مثله.
9676 - حدثني عبد الله بن محمد قال ، حدثنا عبدان المروزي قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، أخبرنا عبد الوراث قال ، أخبرنا عامر الأحول ، عن نافع : أنه حدثه عن ابن عمر مثل ذلك. (1)
9677 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، أخبرنا مجالد ، عن الشعبي قال : لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة.
9678 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن سعيد ، عن قتادة قال : يتيمم لكل صلاة ويتأوّل هذه الآية : " فلم تجدوا ماء " .
9679 - قال أخبرنا ابن المبارك قال ، حدثنا الفريابي ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد وعبد الكريم بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قالوا : التيمم لكل صلاة. (2)
9680 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن النخعي قال : يتيمم لكل صلاة.
* * *
وقال أخرون : بل ذلك أمرٌ من الله بالتيمم بعد طلب الماء مَنْ لزمه فرض الطلب إذا كان محدثًا. فأما من لم يكن أحدث بعد تطهره بالتراب ، فلزمه فرض الطلب ، فليس عليه تجديد تيممه ، وله أن يصلي بتيممه الأول.
*ذكر من قال ذلك :
__________
(1) الأثر : 9676 - انظر التعليق على الأثر : 9643.
(2) الأثر : 9679 - " يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري " القاضي ، روى عن أنس. و " عبد الكريم بن أبي المخارق " ، الفقيه روى عن أنس.
" وربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي " ، وهو : ربيعة الرأي ، صاحب الفتوى بالمدينة. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " وعبد الكريم بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن " ، وهو خطأ ، ولا يستقيم مع السياق أيضًا.

(8/424)


9681 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا سفيان بن حبيب ، عن يونس ، عن الحسن قال : التيمم بمنزلة الوضوء.
9682 - حدثنا إسماعيل بن موسى السدي قال ، حدثنا عمر بن شاكر ، عن الحسن قال : يصلي المتيمم بتيممه ما لم يحدث ، فإن وجد الماء فليتوضأ. (1)
9683 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا هشام ، عن الحسن قال : كان الرجل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث. وكذلك التيمم.
9684 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا هشام ، عن الحسن قال : كان الرجل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد.
9685 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن الحسن قال : يصلي الصلوات بالتيمم ما لم يحدث.
9686 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا سفيان بن حبيب ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : التيمم بمنزلة الوضوء.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب ، قول من قال : " يتيمم المصلي لكل صلاة لزمه طلب الماء للتطهر لها فرضًا " ، لأن الله جل ثناؤه أمر كل قائم إلى الصلاة بالتطهر بالماء ، فإن لم يجد الماء فالتيمم. ثم أخرج القائمَ إلى الصلاة من كان قد تقدم من قيامه إليها الوضوء بالماء (2) سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (3) إلا أن يكون قد أحدث حدثًا ينقض طهارته ، فيسقط فرض الوضوء عنه بالسنة. وأما القائم إليها وقد تقدم قيامه إليها بالتيمم لصلاة قبلها ، ففرض التيمم له لازم بظاهر التنزيل ، بعد طلبه الماء إذا أعوزه.
* * *
__________
(1) الأثر : 9682 - " عمر بن شاكر البصري " . يروي عن أنس المناكير. روى عنه إسماعيل بن موسى السدي الفزاري. مترجم في التهذيب.
(2) في المطبوعة : " قد تقدم قيامه إليها " ، بحذف " من " ، وهي صواب في مكانها ، كما في المخطوطة.
(3) قوله : " سنة رسول الله " مرفوع ، فاعل قوله : " ثم أخرج القائم... سنة رسول الله " .

(8/425)


القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لم يزل (1) " عفوا " ، عن ذنوب عباده ، (2) وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به ، كما عفا لكم ، (3) أيها المؤمنون ، عن قيامكم إلى الصلاة التي فرضها عليكم في مساجدكم وأنتم سكارى " غفورًا " ، يقول : فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معاجلتهم العذابَ على خطاياهم ، كما ستر عليكم ، أيها المؤمنون ، بتركه معاجلتكم على صلاتكم في مساجدكم سكارى. يقول : فلا تعودوا لمثلها ، فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك ، مُنَكِّلَة. (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه : " ألم تر إلى الذين " . فقال قوم : معناه : ألم تخبر ؟
* * *
وقال آخرون : معناه ألم تعلم ؟ (5)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " كان " بمعنى : لم يزل ، فيما سلف 7 : 523 / 8 : 51 ، 88 ، 98 ، 229.
(2) انظر تفسير " العفو " فيما سلف 7 : 215 ، 327.
(3) في المطبوعة : " كما عفا عنكم " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.
(4) قوله : " منكلة " (بضم الميم وفتح النون وتشديد الكاف مكسورة) من التنكيل : وهو إنزال العقاب الشديد ، إذا رآه غير نكل عنه وحذره. ولو قرئت : " منكلة " ، (بفتح الميم وسكون النون واللام المفتوحة) ، لكانت صوابًا ، ومثلها : " المنكل " وهو النكال أيضًا.
(5) انظر تفسير " ألم تر " فيما سلف 3 : 160 / 5 : 429 ، 430 / 6 : 288 ومعاني القرآن للفراء 1 : 270.

(8/426)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : ألم تر بقلبك ، يا محمد ، علمًا (1) " إلى الذين أوتوا نصيبًا " . وذلك أن " الخبر " و " العلم " لا يجليان رؤية ، ولكنه رؤية القلب بالعلم. فذلك كما قلنا فيه. (2)
* * *
وأما تأويل قوله : " إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " ، فإنه يعني : إلى الذين أعطوا حظَّا من كتاب الله فعلموه (3)
وذكر أن الله عنى بذلك طائفة من اليهود الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك :
9687 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل " ، فهم أعداء الله اليهود ، اشتروا الضلالة.
9688 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " إلى قوله : " يحرفون الكلم عن مواضعه " ، قال : نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي. (4)
9689 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق
__________
(1) في المخطوطة : " ألم تر بعلمك " ، وهو خطأ ، صوابه ما في المبطوعة.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " لذلك " ، وصواب السياق ما أثبت.
(3) انظر تفسير " الإيتاء " في فهارس اللغة وتفسير " النصيب " فيما سلف 4 : 206 / 6 : 288 / 8 : 274.
(4) هكذا في المخطوطة أيضًا " رفاعة بن زيد بن السائب " ، وسترى أنه : " ... بن زيد بن التابوت " في الأثر التالي ، وأسماء يهود مشكلة ، فلم أستطع أن أقطع بخطئها ، فلعل " السائب " اسم جده ، ولقبه " التابوت " .

(8/427)


قال ، (1) حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم - يعني من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال : " راعنا سمعَك ، يا محمد حتى نفهمك " ! ثم طعن في الإسلام وعابه ، فأنزل الله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة " إلى قوله : " فلا يؤمنون إلا قليلا " (2)
9690 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، (3) بإسناده ، عن ابن عباس ، مثله.
* * *
__________
(1) كان في المطبوعة والمخطوطة : " عن أبي إسحاق " ، وهو خطأ فاحش.
(2) الأثر : 9689 - سيرة ابن هشام 2 : 209 ، وهو تال للأثر السالف رقم : 9501.
(3) في المطبوعة وحدها : " عن أبي إسحاق " ، والمخطوطة صواب هنا.

(8/428)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)

القول في تأويل قوله : { يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " يشترون الضلالة " ، اليهود الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ، يختارون الضلالة وذلك : الأخذ على غير طريق الحقّ ، وركوبُ غير سبيل الرشد والصواب ، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهج الحق. (1) وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة : مقامهم على التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتركهم الإيمان به ، وهم عالمون أنّ السبيل الحقَّ الإيمانُ به ،
__________
(1) انظر تفسير " الاشتراء " فيما سلف 1 : 312 - 315 / 2 : 340 - 342 ، 455 / 3 : 328 / 6 : 527 وتفسير " الضلالة " 1 : 195 ، 313 / 2 : 495 ، 496 / 6 : 66 ، 500 ، 584 / 7 : 369.

(8/428)


وتصديقه بما قد وجدوا من صفته في كتبهم التي عندهم.
* * *
وأما قوله : " ويريدون أن تضلوا السبيل " ، يعني بذلك تعالى ذكره : ويريد هؤلاء اليهود الذين وصَفهم جل ثناؤه بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب " أن تضلوا " أنتم ، يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، المصدقين به " أن تضلوا السبيل " ، يقول : أن تزولوا عن قصد الطريق ومَحَجَّة الحق ، فتكذبوا بمحمد ، وتكونوا ضلالا مثلهم.
وهذا من الله تعالى ذكره تحذيرٌ منه عبادَه المؤمنين ، أن يستنصحوا أحدًا من أعداء الإسلام في شيء من أمر دينهم ، أو أن يسمعوا شيئًا من طعنهم في الحق.
* * *
ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عن عداوة هؤلاء اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم ، فقال جل ثناؤه : " والله أعلم بأعدائكم " ، يعني بذلك تعالى ذكره : والله أعلم منكم بعداوَة هؤلاء اليهود لكم ، أيها المؤمنون. يقول : فانتهوا إلى طاعتي فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم ، (1) فإني أعلم بما هم عليه لكم من الغشِّ والعداوة والحسد ، وأنهم إنما يبغونكم الغوائل ، ويطلبون أن تضلوا عن محجة الحق فتهلكوا.
* * *
وأما قوله : " وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا " ، فإنه يقول : فبالله ، أيها المؤمنون ، فثقوا ، وعليه فتوكلوا ، وإليه فارغبوا ، دون غيره ، يكفكم مهمَّكم ، وينصركم على أعدائكم " وكفى بالله وليًّا " ، يقول : وكفاكم وحسْبكم بالله ربكم وليًّا يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم ، والحراسة من أن يستفزّكم أعداؤكم عن دينكم ، أو يصدّوكم
__________
(1) في المخطوطة : " مما نهيتكم عنه " ، وفي المطبوعة : " عما نهيتكم عنه " ، والصواب ما أثبت.

(8/429)


مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)

عن اتباع نبيكم (1)
" وكفى بالله نصيرًا " ، يقول : وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم ، وعلى من بغاكم الغوائل ، وبغى دينكم العَوَج. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ }
قال أبو جعفر : ولقوله جل ثناؤه : " من الذين هادوا يحرفون الكلم " ، وجهان من التأويل.
أحدهما : أن يكون معناه : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " " من الذين هادوا يحرفون الكلم " ، فيكون قوله : " من الذين هادوا " من صلة " الذين " . وإلى هذا القول كانت عامة أهلِ العربية من أهل الكوفة يوجِّهون قوله : " من الذين هادوا يحرِّفون " . (3)
* * *
والآخر منهما : أن يكون معناه : من الذين هادوا من يُحرِّف الكلم عن مواضعه ، فتكون " مَن " محذوفة من الكلام ، اكتفاء بدلالة قوله : " من الذين هادوا " ، عليها. وذلك أن " مِن " لو ذكرت في الكلام كانت بعضًا ل " مَن " ، فاكتفى بدلالة " مِنْ " ، عليها. والعرب تقول : " منا من يقول ذلك ، ومِنا لا يقوله " ، (4) بمعنى : منا
__________
(1) انظر تفسير : " الولي " فيما سلف 2 : 489 ، 564 / 5 : 424 / 6 : 142 ، 313 ، 497.
(2) انظر تفسير " النصير " فيما سلف 2 : 489 ، 564 / 5 : 581 / 6 : 443 ، 449.
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 271.
(4) في المطبوعة : " والعرب تقول : منا من يقول ذلك " بزيادة " من " وهو خطأ ، والصواب من معاني القرآن للفراء. أما المخطوطة فكان فيها : " والعرب تقول ذلك ومثالا لا يقوله " وهو من عبث الناسخ وإسقاطه.

(8/430)


من يقول ذاك ، ومنا من لا يقوله فتحذف " مَن " اكتفاء بدلالة " مِنْ " عليه ، كما قال ذو الرمة :
فَظَلُّوا ، وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ... وَآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ (1)
يعني : ومنهم مَن دمعه ، وكما قال الله تبارك وتعالى : ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) [سورة الصافات : 164]. وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجِّهون تأويل قوله : " من الذين هادوا يحرفون الكلم " ، غير أنهم كانوا يقولون : المضمر في ذلك " القوم " ، كأن معناه عندهم : من الذين هادوا قوم يحرِّفون الكلم ، ويقولون : نظير قول النابغة :
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ (2)
يعني : كأنك جمل من جمال أقيش.
فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع " مِن " إلا " مَن " أو ما أشبهها. (3)
* * *
__________
(1) ديوانه 485 ، وقبله : مع اختلاف الرواية : بَكَيْتُ عَلَى مَيٍّ بِهَا إذْ عَرَفْتُهَا ... وَهِجْتُ الْهَوَى حَتَّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَجْلِي
فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ غَالِبٌ لَهُ ... وَآخَرُ يَثْنِي عَبْرَةَ العَيْنِ بالهَمْلِ
وَهَلْ هَمَلانُ الْعَيْنِ رَاجِعُ مَا مَضَى ... مِنَ الوَجْدِ ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَيُّ مِنْ أَهْلِي
وكان في المطبوعة : " يذري دمعة العين بالمهل " وهو خطأ ، وتغيير من الطابع ، وفي المخطوطة " يثني " كما في الديوان.
وقوله : " يثني دمعة العين " ، أي يرد هملانها. وقوله : " بالهمل " متعلق بقوله " دمعة " ووضع " دمعة " هنا مصدرًا لقوله : " دمعت عينه دمعًا ودمعانًا ودموعًا " ، وزاده هو " دمعة " على وزن " رحمة " في المصادر وكذلك في رواية " عبرة " ، كلاهما مصدر ، ولم تثبته كتب اللغة. يقول : وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا ، يعني : لولا ذلك لسالت دموعه غزارًا.
(2) مضى تخريجه فيما سلف 1 : 179 ، تعليق : 2 ، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا المكان ، فأثبته.
(3) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 271.

(8/431)


قال أبو جعفر : والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك : قول من قال : قوله : " من الذين هادوا " ، من صلة " الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " ، لأن الخبرين جميعًا والصفتين ، من صفة نوع واحد من الناس ، وهم اليهود الذين وصفَ الله صفتهم في قوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " . وبذلك جاء تأويلُ أهل التأويل ، فلا حاجة بالكلام إذ كان الأمر كذلك إلى أن يكون فيه متروك.
* * *
وأما تأويل قوله : " يُحَرِّفون الكلِمَ عن مواضعه " ، (1) فإنه يقول : يبدِّلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله.
* * *
و " الكلم " جماع " كلمة " .
* * *
وكان مجاهد يقول : عنى بـ " الكلم " ، التوراة.
9691 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " يحرفون الكلم عن مواضعه " ، تبديل اليهود التوراة.
9692 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
وأما قوله : " عن مواضعه " ، فإنه يعني : عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " التحريف " فيما سلف 2 : 248 ، 249.

(8/432)


القول في تأويل قوله : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا }
يعني بذلك جل ثناؤه : من الذين هادوا يقولون : سمعنا ، يا محمد ، قولك ، وعصينا أمرك ، كما : -
9693 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : " سمعنا وعصينا " ، قال : قالت اليهود : سمعنا ما نقول ولا نطيعك.
9694 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9695 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9696 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " سمعنا وعصينا " ، قالوا : قد سمعنا ، ولكن لا نطيعك.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره : أنهم كانوا يسبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول ، ويقولون له : اسمع منا غير مسمع ، كقول القائل للرجل يَسُبُّه : " اسمع ، لا أسمعَك الله " ، كما : -
9697 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " واسمع غير مسمع " ، قال : هذا قول أهل الكتاب يهود ، كهيئة ما يقول الإنسان :

(8/433)


" اسمع لا سمعت " ، أذًى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشتمًا له واستهزاءً.
9698 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " واسمع غير مسمع " قال : يقولون لك : " واسمع لا سمعت " .
وقد روي عن مجاهد والحسن : أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى : واسمع غير مقبول منك.
ولو كان ذلك معناه لقيل : " واسمع غير مسموع " ، ولكن معناه : واسمع لا تسمع ، ولكن قال الله تعالى ذكره : " ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين " ، فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم ، والطعن في الدين بسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد : " واسمع غير مسمع " ، يقول : غير مقبول ما تقول ، فهو كما : -
9699 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : " واسمع غير مسمع " ، قال : غير مُسْتمع - قال ابن جريج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : " واسمع غير مسمع " ، غير مقبول ما تقول.
9700 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9701 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : " واسمع غير مسمع " ، قال : كما تقول اسمع غير مَسْموع منك.
9702 - وحدثنا موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،

(8/434)


عن السدي قال : كان ناس منهم يقولون : " واسمع غير مسمع " ، كقولك : اسمع غير صاغِرٍ. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : " وراعنا " ، أي : راعنا سمعك ، افهم عنّا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في " سورة البقرة " بأدلته ، بما فيه الكفاية عن إعادته. (2)
* * *
ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليًّا بألسنتهم " ، يعني تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه ، (3) واستخفافًا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم ، وطعنًا في الدين ، كما : -
9703 - حدثني الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال قتادة : كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : " راعنا سمعك " ! يستهزئون بذلك ، فكانت اليهود قبيحة أن يقال : (4) " راعنا سمعك " " ليًّا بألسنتهم " والليّ : تحريكهم ألسنتهم بذلك " وطعنًا في الدين " .
9704 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " راعنا ليًّا بألسنتهم " ، كان
__________
(1) في المطبوعة : " غير صاغ " ، والصواب من المخطوطة.
(2) انظر ما سلف 2 : 459 - 467.
(3) انظر تفسير " اللي " و " اللي بالألسنة " فيما سلف 6 : 535 - 537.
(4) في المخطوطة والمطبوعة : " فكان في اليهود قبيحة فقال " ، وهو كلام لا يستقيم البتة ، وصوابه الذي لا شك فيه ما أثبت ، وانظر كونها كلمة قبيحة لليهود في 2 : 460.

(8/435)


الرجل من المشركين يقول : " أرعني سمعك " ! يلوي بذلك لسانه ، يعني : يحرِّف معناه.
9705 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أييه ، عن ابن عباس : " من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه " ، إلى " وطعنًا في الدين " ، فإنهم كانوا يستهزئون ، ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويطعنون في الدين.
9706 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين " ، قال : " راعنا " ، طعنهم في الدين ، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ، ويكذبوه. قال : و " الرَّاعن " ، الخطأ من الكلام. (1)
9707 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر قال ، حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : " ليا بألسنتهم " ، قال : تحريفًا بالكذب.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم ، قالوا لنبي الله : " سمعنا يا محمد قولك ، وأطعنا أمرك ، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله ، واسمع منا ، وانظرنا ما نقول ، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا " " لكان خيرًا لهم وأقوم " ، يقول : لكان ذلك خيرًا لهم عند الله " وأقوم " ، يقول : وأعدل وأصوبَ في القول.
* * *
__________
(1) انظر القول في " الراعن " فيما سلف 2 : 465 ، 466.

(8/436)


وهو من " الاستقامة " من قول الله : ( وَأَقْوَمُ قِيلا ) [سورة المزمل : 6] ، بمعنى : وأصوبُ قيلا (1) كما : -
9708 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم " ، قال : يقولون اسمع منا ، فإنا قد سمعنا وأطعنا ، وانظرنا فلا تعجل علينا.
9709 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد قوله : " وانظُرنا " ، قال : اسمع منا.
9710 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : " وانظرنا " ، قال : أفهمنا.
9711 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، " وانظرنا " ، قال : أفهمنا.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة ، من توجيههما معنى : " وانظرنا " إلى : " اسمع منا " وتوجيه مجاهد ذلك إلى " أفهمنا " فما لا نعرف في كلام العرب ، (2) إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى " أفهمنا " ، انتظرنا نفهم ما تقول أو : انتظرنا نقل حتى تسمع منا فيكون ذلك معنًى مفهومًا ، وإن كان غير تأويلٍ للكلمة ولا تفسير لها. (3) ولا نعرف : " انظرنا " في كلام العرب ، (4) إلا بمعنى : انتظرنا وانظر إلينا فأما " انظرنا " بمعنى : انتظرنا ، فمنه قول الحطيئة :
وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتَكُمْ... يَوْمًا يَجِيء بها مَسْحِي وَإِبْسَاسِي (5)
__________
(1) انظر تفسر " أقوم " فيما سلف 6 : 77 ، 78.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " ما لا نعرف " بغير فاء ، ولكني زدتها لأنها أعرق في العربية وأقوم للسياق.
(3) في المخطوطة والمطبوعة : " غير تأويل الكلمة " والصواب ما أثبت.
(4) في المطبوعة : " فلا نعرف " بالفاء ، والأجود ما في المخطوطة ، كما أثبته.
(5) ديوانه : 52 ، والكامل 1 : 351 ، وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت ، وأثبته على حاله ، لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره ، ودليل على حفظه الشعر ، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط فإن هذه القصيدة ، هي التي هجا بها الزبرقان بن بدر ، ومدح بغيض ابن عامر ، والتي شكاه من أجلها الزبرقان إلى عمر بن الخطاب فحبسه ، يقول للزبرقان لما غضب حين استضافه بغيض : مَا كانَ ذَنْبُ بَغِيض لا أَبَا لَكُمُ ... فِي بَائِسٍ جَاءَ يَحْدُو آخِرَ الناسِ
لَقَدْ مَرَيْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتكُمْ ... يَوْمًا يجِيءُ بِهَا مَسْحِي وَإبْسَاسِي
وَقَدْ مَدَحْتُكُمْ عَمْدًا لأُرْشِدَكُمْ ... كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ مَتْحٍي وَإمْرَاسِي
ثم يليه بيت الشاهد الذي كان ينبغي أن يذكره هنا أبو جعفر ، كما ذكره فيما سلف في تفسير " انظرنا " من سورة البقرة 2 : 467 ، 468 وقد شرحته هناك. ولولا أن أثبت حال أبي جعفر في كتابه ، لألغيت البيت المذكور في المتن ، ولوضعت هذا البيت : وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ ... لِلْخِمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي
وقوله : " لقد مريتكم " من قولهم : " مري الناقة يمريها مريًا " : إذا مسح ضرعها لتدر. و " الدرة " : الدفعة من اللبن و " المسح " مسح الضرع للحلب. و " الإبساس " : هو صوت الراعي ، يلينه لناقته عند الحلب لتسكن ويسهل حلبها. يقول : لقد ترفقت لكم ، أستخرج خيركم بالمديح الرقيق والقول اللين ، فلم ألمق خيرًا ، ولم تجودوا به.
وكان في المخطوطة : " يجيء به " وهو خطأ.

(8/437)


وأما " انظرنا " ، بمعنى : انظر إلينا ، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات :
ظَاهِرَاتُ الجَمالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْنَ... كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ (1)
__________
(1) ديوانه : 171 ، من قصيدته التي فخر فيها بقريش ، ومدح مصعب بن الزبير ، وذكر نساء عبد شمس بن عبد مناف فقال : وَحِسَانٌ مِثْلُ الدُّمَي عَبْشَمِيَّاتٌ ... عَلَيْهِن بَهْجَةٌ وَحَيَاءُ
لا يَبِعْنَ العِيَابَ في مَوْسِمٍ النَّاسِ ... إذَا طَافَ بِالعِيابِ النِّسَاءُ
ظَاهِرَاتُ الجَمَالِ والسَّرْو ........ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و " السرو " : الشرف وكرم المحتد. وهي أجود الروايتين ، وقوله : " كما ينظر الأراك الظباء " ، من حسن التشبيه ، ودقة الملاحظة للعلاقة بين الشرف والسؤدد. وما يكون للمرء من شمائل وسمت وهيأة. ويعني أنهن قد ينصبن أجيادهن ، كأنهن ظباء تعطو الأراك لتناله. وذلك أظهر لجمال أجيادهن ، وحركتهن. والجيد فيه دلالة من دلائل الخلق لا يخطئها بصير.

(8/438)


بمعنى : كما ينظر إلى الأراك الظباء. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (46) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك : ولكن الله تبارك وتعالى أخْزَى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، فأقصاهم وأبعدهم من الرشد واتباع الحق (2) " بكفرهم " ، يعني : بجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات " فلا يؤمنون إلا قليلا " ، يقول : فلا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم ، ولا يقرُّون بنبوته " إلا قليلا " ، يقول : لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به ، يا محمد ، إلا إيمانًا قليلا كما : -
9712 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فلا يومنون إلا قليلا " ، قال : لا يؤمنون هم إلا قليلا.
قال أبو جعفر : وقد بيّنا وجه ذلك بعلله في " سورة البقرة " . (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير نظيرة هذه الكلمة من آية البقرة : " وقولوا انظرنا " 2 : 467 - 469.
(2) انظر تفسير " اللعنة " فيما سلف 2 : 328 / 3 : 254 ، 261 / 6 : 577.
(3) يعني تفسير قوله تعالى " فقليلا ما يؤمنون " 2 : 329 - 331.

(8/439)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)

القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب " ، اليهود من بني إسرائيل ، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله لهم : يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به " آمنوا " يقول : صدِّقوا بما نزلنا إلى محمد من الفرقان " مصدقًا لما معكم " ، يعني : محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران " من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : " طمسه إياها " : محوه آثارها حتى تصير كالأقْفَاء.
وقال آخرون : معنى ذلك أن نطمس أبصارها فنصيّرها عمياء ، ولكن الخبر خرج بذكر " الوجه " ، والمراد به بصره " فنردّها على أدبارها " ، فنجعل أبصارَها من قبل أقفائها.
*ذكر من قال ذلك :
9713 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثنا عمي قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا " إلى قوله : " من قبل أن نطمس وجوهًا " ، وطمسها : أن تعمى " فنردها على أدبارها " ، يقول : أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم ، فيمشون القهقرى ، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.

(8/440)


9714 - حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبْدي قال ، حدثنا أبو قتيبة ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي في قوله : " من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " ، قال : نجعلها في أقفائها ، فتمشي على أعقابها القهقرى. (1)
9715 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، بنحوه إلا أنه قال : طمْسُها : أن يردَّها على أقفائها.
9716 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " فنردها على أدبارها " ، قال : نحوِّل وجوهها قِبَل ظهورها.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك (2) من قبل أن نعمي قومًا عن الحق " فنردها على أدبارها " ، في الضلالة والكفر.
*ذكر من قال ذلك :
9717 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها " ، فنردها عن الصراط ، عن الحق (3) " فنردها على أدبارها " ، قال : في الضلالة.
9718 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أن نطمس وجوهًا " عن صراط الحق " فنردها على أدبارها " ، في الضلالة.
9719 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك قراءة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله.
__________
(1) الأثر : 9714 - " أبو العالية ، إسماعيل بن الهيثم العبدي " ، لم نجده ، وانظر ما سلف رقم : 9365 ، 9366.
و " أبو قتيبة " هو : سلم بن قتيبة ، مضت ترجمته برقم : 1899 ، 1924 ، 9365.
(2) في المطبوعة ، أسقط : " بل " .
(3) في المطبوعة : " عن الصراط الحق " ، أسقط " عن " الثانية.

(8/441)


9720 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، الحسن : " نطمس وجوهًا " ، يقول : نطمسها عن الحق " فنردها على أدبارها " ، على ضلالتها.
9721 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب " إلى قوله : " كما لعنّا أصحاب السبت " ، قال : نزلت في مالك بن الصَّيِّف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، من بني قينقاع. أما " أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " ، يقول : فنعميها عن الحق ونُرجعها كفارًا.
9722 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها " ، يعني : أن نردهم عن الهدى والبصيرة ، فقد ردَّهم على أدبارهم ، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها ، وناحيتهم التي هم بها " فنردها على أدبارها " ، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام. (1)
*ذكر من قال ذلك :
9723 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها " ، قال : كان أبي يقول : إلى الشأم.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : " من قبل أن نطمس وجوهًا " ، فنمحو أثارها
__________
(1) في المطبوعة : " بدءًا من الشام " ، وأثبت في المخطوطة ، وكلتاهما صواب. و " بديًا " ، في بدء أمرهم. وتفسير " الوجوه " هنا : النواحي.

(8/442)


ونسوِّيها " فنردها على أدبارها " ، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر ، كما وجوه القردة منابت للشعر ، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. فقالوا : إذا أنبت الشعر في وجوههم ، فقد ردَّها على أدبارها ، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قولُ من قال : معنى قوله : " من قبل أن نطمس وجوها " ، من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء " فنردها على أدبارها " ، فنجعل أبصارها في أدبارها ، يعني بذلك : فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه ، فيكون معناه : فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا ، فيمشون القهقرى ، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.
* * *
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب : لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة " ، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " الآية ، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم ، (2) إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به. ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا.
* * *
وإذْ كان ذلك كذلك ، فبيّنٌ فساد قول من قال : تأويل ذلك : أن نعمِيها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجْه ردِّ من هو في الضلالة فيها ؟! وإنما يرد في الشيء من كان خارجًا منه. فأما من هو فيه ، فلا وجه لأن يقال : " نرده فيه " .
* * *
وإذْ كان ذلك كذلك ، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدَّد للذين ذكرهم في هذه
__________
(1) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 272.
(2) السياق : ثم حذرهم... بأسه وسطوته...

(8/443)


الآية بردّه وجوهَهم على أدبارهم كان بيّنًا فساد تأويل من قال : معنى ذلك : يهددهم بردِّهم في ضلالتهم.
* * *
وأما الذين قالوا : معنى ذلك : من قبل أن نجعل الوجوه منابتَ الشعر كهيئة وجوه القردة ، فقولٌ لقول أهل التأويل مخالف. وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين ، على خطئه شاهدًا.
* * *
وأما قول من قال : معناه : من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها ، فنردّهم إلى الشأم من مساكنهم بالحجاز ونجدٍ ، فإنه وإن كان قولا له وجه مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد. (1) وذلك أن المعروف من " الوجوه " في كلام العرب ، التي هي خلاف " الأقفاء " ، وكتاب الله يُوَجَّه تأويله إلى الأغلب في كلام مَن نزل بلسانه ، حتى يدلّ على أنه معنيٌّ به غير ذلك من الوجوه ، الذي يجب التسليم له. (2)
* * *
وأما " الطمس " ، فهو العُفُوّ والدثور في استواء. منه يقال : " طمست أعلام الطريق تطمِسُ طُموسًا " ، إذا دثرت وتعفَّت ، فاندفنت واستوت بالأرض ، كما قال كعب بن زهير :
مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إذَا عَرقَتْ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأعْلام مَجْهُولُ (3)
يعني : " طامس الأعلام " ، دائر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذي
__________
(1) في المطبوعة : " كما يدل عليه " ، وفيه خطأ ، وفي المخطوطة : " كما يدل على " وفيه خطآن. والصواب ما أثبت.
(2) في المطبوعة : " من الوجوه التي ذكرت ، دليل يجب التسليم له " ، زاد فيما كان في المخطوطة لتستقيم الجملة ، وكان فيها : " من الوجوه التي يجب التسليم له " والأمر أهون من ذلك ، أخطأ فكتب " التي " مكان " الذي " ، وهو حق السياق.
(3) سلف البيت وتخريجه في 4 : 424 ، تعليق : 4.

(8/444)


قد تعفَّى غَرُّ ما بين جفني عينيه فدثر : (1) " أعمى مطموس ، وطمْيس " ، كما قال الله جل ثناؤه : ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ) [سورة يس : 66].
* * *
قال أبو جعفر : " الغَرُّ " ، الشقّ الذي بين الجفنين. (2)
* * *
فإن قال قائل : فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية ، فهل كان ما توعَّدهم به ؟ (3)
قيل : لم يكن ، لأنه آمن منهم جماعة ، منهم : عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، (4) وأسد بن عبيد ، ومُخَيْرِق ، (5) وجماعة غيرهم ، فدفع عنهم بإيمانهم.
ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم ، ما : -
9724 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير وحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة جميعًا ، عن ابن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد
__________
(1) في المطبوعة : " الذي قد تعفى ما بين جفني... " حذف " غر " ، لأنه لم يحسن قراءتها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وانظر شرح أبي جعفر لكلمة " غر " ، والتعليق عليه بعد.
(2) في المطبوعة : (العراسق الذي بين الخفين) ، واستدرك عليه الناشر الأول ، وكتب فيه خلطًا شديدًا ، نقله عنه آخرون!! وأما المخطوطة التي لم يحسن الناشر قراءتها فكان فيها : العرالسق الذي بين الخفين " كله غير منقوط ، وصوابه قراءته ما أثبت. وأصل ذلك أن " الغر " (بفتح الغين وتشديد الراء) هو الشق في الأرض. و " الغر " أيضًا : الكسر يكون في الثوب ، والغضون في الجلد ، وهو مكاسر الجلد ، ومنه قليل : " اطو الثوب على غره " أي على كسره. وقد جاءت هذه الكلمة في تفسير أبي جعفر 23 : 17 ، 18 مصحفة بالزاي : " والطمس على العين هو أن لا يكون بين جفني العين (غز) ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين " . وانظر شرح ابن إسحاق في سيرته 2 : 210 : " المطموس العين : الذي ليس بين جفنيه شق " .
فتبين من هذا صحة قراءتنا وصوابها ، وخلط من لا يحسن أن يخلط ، فضلا عن أن يصيب!!
(3) " كان " هنا تامة ، بمعنى : وقع وحدث.
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " أسد بن سعية " وعند ابن إسحاق : " أسيد بن سعية " (بفتح الألف وكسر السين). والاختلاف في اسمه واسم أبيه كثير.
(5) لم أجد " مخيرق " في غير هذا الموضع ، وهو في سائر الكتب وفي ترجمته " مخيريق " ، والاختلاف في أسماء بني إسرائيل كثير. فتركته على حاله هنا ، لأنه هكذا ثبت في المخطوطة.

(8/445)


مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود : منهم عبد الله بن صوريا ، وكعب بن أسد فقال لهم : يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ! (1) فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا ، وأصرّوا على الكفر ، فأنزل الله فيهم : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها " ، الآية (2)
9725 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن عيسى بن المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم إسلامَ كعبٍ ، (3) فقال : أسلم كعب في زمان عمر ، أقبل وهو يريد بيت المقدس ، فمرّ على المدينة ، فخرج إليه عمر فقال : يا كعب ، أسلم! قال : ألستم تقرأون في كتابكم : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) [سورة الجمعة : 5] ؟ وأنا قد حملت التوراة! قال : فتركه. ثم خرج حتى انتهى إلى حمص ، قال : فسمع رجلا من أهلها حزينًا وهو يقول : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " ، الآية. فقال كعب : يا رب آمنت ، يا رب أسلمت! مخافة أن تصيبه الآية ، ثم رجع فأتى أهله باليمن ، ثم جاء بهم مسلمين.
* * *
__________
(1) في المخطوطة : " الذي حكم به لحق " ، وفي هامش النسخة بخط عتيق : " الصواب : بعثت " ، وأخطأ من كتب ، فالصواب ما في المطبوعة ، وهو نص سيرة ابن هشام.
(2) الأثر 9724 - سيرة ابن هشام 2 : 209 ، وهو تابع الأثر السالف : 9689 ، 9690.
(3) يعني " كعب الأحبار " .

(8/446)


القول في تأويل قوله : { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (47) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " أو نلعنهم " ، أو نلعنكم فنخزيكم ونجعلكم قردة " كما لعنا أصحاب السبت " ، يقول : كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم. (1) قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله : " آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم " ، كما قال : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا ) [سورة يونس : 22]. (2)
وقد يحتمل أن يكون معناه : " من قبل أن نطمس وجوها فنردَّها على أدبارها " ، أو نلعن أصحاب الوجوه فجعل " الهاء والميم " في قوله : " أو نلعنهم " ، من ذكر أصحاب الوجوه ، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك :
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9726 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب " إلى قوله : " أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت " ، أي : نحوّلهم قردة.
9727 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن : " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت " ، يقول : أو نجعلهم قردة.
9728 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
__________
(1) انظر تفسير " اللعنة " فيما سلف قريبًا ص : 439 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر ما سلف 1 : 154 / 3 : 304 ، 305 / 6 : 238 ، 464 ، ومواضع أخرى كثيرة فيما سلف.

(8/447)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)

أسباط ، عن السدي : " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت " ، أو نجعلهم قردة.
9729 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت " ، قال : هم يهود جميعًا ، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت. (1)
* * *
وأما قوله : " وكان أمر الله مفعولا " ، فإنه يعني : وكان جميع ما أمر الله أن يكون ، كائنًا مخلوقًا موجودًا ، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه. و " الأمر " في هذا الموضع : المأمور سمي " أمر الله " ، لأنه عن أمره كان وبأمره.
والمعنى : وكان ما أمر الله مفعولا.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم " وإن الله لا يغفر أن يشرك به ، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر ، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام.
* * *
وإذ كان ذلك معنى الكلام ، فإن قوله : " أن يشرك به " ، في موضع نصب بوقوع " يغفر " عليها (2) وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرًا. وذلك أن يوجَّه معناه إلى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ، على تأويل الجزاء ،
__________
(1) انظر خبر " أصحاب السبت " فيما سلف 2 : 166 - 175.
(2) " الوقوع " تعدى الفعل إلى مفعول ، كما سلف مرارًا كثيرة.

(8/448)


كأنه قيل : إن الله لا يغفر ذنبًا مع شرك ، أو عن شرك. (1)
وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون " أن " في موضع خفض في قول بعض أهل العربية. (2)
* * *
وذكر أن هذه الآية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت : ( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [سورة الزمر : 53].
ذكر الخبر بذلك :
9730 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال ، حدثني مُجَبَّر ، عن عبد الله بن عمر : أنه قال : لما نزلت : ( يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) الآية ، قام رجل فقال : والشرك ، يا نبيَّ الله. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " . (3)
__________
(1) في معاني القرآن للفراء 1 : 272 : " مع شرك ، ولا عن شرك " ، والصواب في التفسير.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 272 فهذه مقالته.
(3) الحديث : 9730 - ابن أبي جعفر : هو عبد الله بن أبي جعفر الرازي : مضت ترجمته وترجمة أبيه في : 7030.
الربيع : هو ابن أنس البكري. مضت ترجمته في : 5480.
مجبر - بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة المفتوحة ، بوزن " محمد " - : هو ابن أخي عبد الله بن عمر. و " مجبر " لقبه ، واسمه : " عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب " . ذكره المصعب في نسب قريش ، ص : 356 ، وابن حزم في جمهرة الأنساب ، ص : 146 ، والمشتبه للذهبي ، ص : 462. مترجم في التعجيل ، ص : 392 - 393 ، وله ذكر فيه أيضًا في ترجمة ابنه " عبد الرحمن " ص : 256 - 257.
وله رواية في المسند : 1402 ، عن عثمان وطلحة. وأظنها رواية منقطعة ، فإن طبقته أصغر من أن يدركهما.
وله ذكر في الموطأ ص : 397 : " مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أنه لقي رجلا من أهله يقال له المجبر ، قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر ، جهل ذلك ، فأمره عبد الله أن يرجع ، فيحلق أو يقصر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض " .
ولم أجد له ترجمة غير ذلك. فهذا تابعي عرف شخصه ، ولم يذكر بجرح ، فأقل حالاته أن يكون حديثه حسنًا.
والحديث نقله ابن كثير 2 : 481 ، عن هذا الموضع. ثم قال : " وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر " .
وذكره السيوطي 1 : 169 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم.
وسيأتي عقب هذا بإسناد ضعيف ، لإبهام شيخ الطبري.

(8/449)


9731 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " إن الله لا يغفر أن يشرك له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ، قال : أخبرني مُجَبَّر ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : لما نزلت هذه الآية : ( يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) الآية ، قام رجل فقال : والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي ، فقال : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " .
9732 - حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا الهيثم بن جَمّاز قال ، حدثنا بكر بن عبد الله المزني ، عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نَشُك في قاتلِ النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وقاطع الرَّحم ، حتى نزلت هذه الآية : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ، فأمسكنا عن الشهادة. (1)
وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه عليه ، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله.
* * *
__________
(1) الحديث : 9732 - آدم : هو ابن أبي إياس العسقلاني. مضت ترجمته في : 187 ، الهيثم بن جماز البكاء ، الحنفي البصري القاضي : ضعيف ، ضعفه أحمد ، وابن معين ، والنسائي ، وغيرهم. مترجم في لسان الميزان 6 : 204 - 205 ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 216. وابن أبي حاتم 4 / 2 / 81 ، والضعفاء للنسائي ، ص : 30.
و " جماز " : بفتح الجيم وتشديد الميم وآخره زاي. ووقع في المخطوطة والمطبوعة " حماد " ، وهو تصحيف. وكذلك وقع مصحفًا في التهذيب 11 : 100 ، عند ذكره بترجمة " الهيثم بن أبي الهيثم " .
بكر بن عبد الله المزني : تابعي ثقة معروف ، أخرج له الجماعة.
والحديث ذكره السيوطي 2 : 169 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، والبزار.
ومعناه ثابت عن ابن عمر من روايات أخر :
ففي الدر المنثور 2 : 169 " أخرج ابن الضريس ، وأبو يعلى ، وابن المنذر ، وابن عدي - بسند صحيح ، عن ابن عمر ، قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال : إني ادخرت دعوتي ، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ، ثم نطقنا بعد ورجونا " . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 5 ، وقال : " رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح ، غير حرب بن سريج ، وهو ثقة " .
وفي مجمع الزوائد 10 : 210 - 211 " عن ابن عمر ، قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر ، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال : أخرت شفاعتي لأهل الكبائر يوم القيامة. رواه البزار ، وإسناده جيد " . وهو نحو الذي قبله.
وفيه أيضًا روايات بهذا المعنى عن ابن عمر 10 : 193.
هذا ، وكان في المخطوطة : " لا نشك في المؤمن ، وآكل مال اليتيم " : بينهما بياض وقبل " المؤمن " في أعلاه حرف " ط " ، وهذا دال على أن النسخة التي نقل عنها كانت غير واضحة فأثبتنا ما جاء في الروايات الأخر.

(8/450)


القول في تأويل قوله : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " ومن يشرك بالله " في عبادته غيره من خلقه " فقد افترى إثما عظيما " ، يقول : فقد اختلق إثما عظيمًا. (1) وإنما جعله الله تعالى ذكره " مفتريًا " ، لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله ، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولدًا. فقائل ذلك مُفترٍ. وكذلك كل كاذب ، فهو مفترٍ في كذبه مختلقٌ له.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " افترى " فيما سلف 6 : 292.

(8/451)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)

القول في تأويل قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر ، يا محمد بقلبك ، (1) الذين يزكون أنفسهم من اليهود فيبرِّئونها من الذنوب ويطهرونها. (2)
* * *
واختلف أهل التأويل ، في المعنى الذي كانت اليهود تُزَكي به أنفسها.
فقال بعضهم : كانت تزكيتهم أنفسَهم ، قولهم : " نحن أبناء الله وأحباؤه " .
*ذكر من قال ذلك :
9733 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يُظلمون فتيلا " ، وهم أعداء الله اليهود ، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه ، فقالوا : " نحن أبناء الله وأحِبّاؤه " . وقالوا : " لا ذنوب لنا " .
9734 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، قال : هم اليهود والنصارى ، قالوا : " نحن أبناء الله وأحباؤه " . وقالوا : " لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى " .
9735 - وحدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك قال : قالت يهود : " ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون! فإن كانت لهم ذنوب فإنّ لنا ذنوبًا! فإنما نحن
__________
(1) انظر تفسير " ألم تر " فيما سلف قريبًا : 426 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " التزكية " فيما سلف : 369 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(8/452)


مثلهم " ! قال الله تعالى ذكره : ( انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا )
9736 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، قال : قال أهل الكتاب : " لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى " ، وقالوا : " نحن أبناء الله وأحباؤه " ، وقالوا : " نحن على الذي يحب الله " . فقال تبارك وتعالى : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء " ، حين زعموا أنهم يدخلون الجنة ، وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأهل طاعته.
9737 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل لله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا " ، نزلت في اليهود ، قالوا : " إنا نعلم أبناءنا التوراة صغارًا ، فلا تكون لهم ذنوب ، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا ، ما عملنا بالنهار كُفَّر عنا بالليل " .
* * *
وقال آخرون : بل كانت تزكيتهم أنفسَهم ، تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في صلاتهم ، زعمًا منهم أنهم لا ذنوب لهم.
*ذكر من قال ذلك :
9738 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " يزكون أنفسهم " ، قال : يهود ، كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمُّونهم ، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. فتلك التزكية.
9739 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9740 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن الأعرج ، عن مجاهد قال : كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في

(8/453)


الدعاء والصلاة يؤمُّونهم ، ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم ، فتلك تزكية قال ابن جريج : هم اليهود والنصارى.
9741 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن حصين ، عن أبي مالك في قوله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، قال : نزلت في اليهود ، كانوا يقدمون صبيانهم يقولون : " ليست لهم ذنوب " .
9742 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي مكين ، عن عكرمة في قوله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، قال ، كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحِنْث يصلُّون بهم ، يقولون : " ليس لهم ذنوب " ! فأنزل الله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، الآية. (1)
* * *
وقال آخرون : بل تزكيتهم أنفسهم ، كانت قولهم : " إن أبناءنا سيشفعون لنا ويزكوننا " .
*ذكر من قال ذلك :
9743 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، وذلك أن اليهود قالوا : " إن أبناءنا قد تُوُفُّوا ، وهم لنا قربة عند الله ، وسيشفعون ويزكوننا " ! فقال الله لمحمد : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " إلى " ولا يظلمون فتيلا " .
* * *
وقال آخرون : بل ذلك كان منهم ، تزكية من بعضهم لبعض.
*ذكر من قال ذلك :
9744 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ،
__________
(1) الأثر : 9742 - " أبو مكين " هو : نوح بن ربيعة الأنصاري ، مولاهم. مترجم في التهذيب.

(8/454)


عن الأعمش ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : قال عبد الله : إن الرجل ليغدو بدينه ، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًا ، فيقول : " والله إنك لذَيْتَ وذَيْتَ " ، ولعله أن يرجع ولم يَحْلَ من حاجته بشيء ، (1) وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " الآية. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من قال : معنى " تزكية القوم " ، الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم ، وَصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا ، وأنهم لله أبناء وأحبّاء ، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه. لأن ذلك هو أظهر معانيه ، لإخبار الله عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.
* * *
وأما الذين قالوا : معنى ذلك : " تقديمهم أطفالهم للصلاة " ، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم.
* * *
وأما قوله جل ثناؤه : " بل الله يزكي من يشاء " ، فإنه تكذيب من الله المزكِّين أنفسهم من اليهود والنصارى ، المبرِّئيها من الذنوب. يقول الله لهم : ما الأمر كما
__________
(1) في المطبوعة : " ويجعله أن يرجع " ، وهو خطأ لا شك فيه ، والصواب في المخطوطة. وقوله : " لم يحل من حاجة بشيء " ، أي لم يظفر منها بشيء ، ولم يصب شيئًا مما ابتغى ، وهو لا يستعمل إلا مع النفي والجحد بهذا المعنى.
وقوله : " ذيت وذيت " من ألفاظ الكنايات ، بمعنى : " كيت وكيت " .
(2) الأثر : 9744 - " يحيى بن إبراهيم بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي " سلفت ترجمته برقم : 5379.
و " قيس بن مسلم الجدلي العدواني " روى عن طارق بن شهاب ، وروى عنه الأعمش ، وسفيان الثوري وآخرون. قال أحمد " ثقة في الحديث ، كان مرجئًا " وقال أحمد عن سفيان : " يقولون : ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله " .
و " طارق بن شهاب الأحمسي " ، روى عنه الأربعة. ورأى طارق النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه مرسلا ، وروى عن الخلفاء الأربعة ، وبلال ، وحذيفة ، وخالد بن الوليد.

(8/455)


زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا ، وأنكم برآء مما يكرهه الله ، ولكنكم أهل فِرْية وكذب على الله ، وليس المزكَّي من زكى نفسه ، ولكنه الذي يزكيه الله ، والله يزكي من يشاء من خلقه فيطهره ويبرِّئه من الذنوب ، بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معاصيه ، إلى ما يرضاه من طاعته.
* * *
وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك ، لقوله جل ثناؤه : " انظر كيف يفترون على الله الكذب " ، وأخبر أنهم يفترون على الله الكذب بدعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأن الله قد طهرهم من الذنوب.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (49) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه ، فيبخسهم في تركه تزكيتهم ، وتزكية من ترك تزكيته ، وفي تزكية من زكى من خلقه شيئًا من حقوقهم ، ولا يضع شيئًا في غير موضعه ، ولكنه يزكي من يشاء من خلقه ، فيوفِّقه ، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه. كل ذلك إليه وبيده ، وهو في كل ذلك غير ظالم أحدًا ممن زكاه أو لم يزكه فتيلا.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الفتيل " .
فقال بعضهم : هو ما خرج من بين الإصبعين والكفين من الوسخ ، إذا فتلتَ إحداهما بالأخرى.
*ذكر من قال ذلك :
9745 - حدثني سليمان بن عبد الجبار [ قال ، حدثنا محمد بن الصلت]

(8/456)


قال ، حدثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : الفتيل ما خرج من بين إصبعيك. (1) 9746 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن التيمي قال : سألت ابن عباس عن قوله : " ولا يظلمون فتيلا " ، قال : ما فتلت بين إصبعيك.
9747 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن يزيد بن درهم أبي العلاء قال ، سمعت أبا العالية ، عن ابن عباس : " ولا يظلمون فتيلا " ، قال : الفتيل ، هو الذي يخرج من بين إصبعي الرجل. (2)
9748 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " ولا يظلمون فتيلا " ، والفتيل ، هو أن تدلُك إصبعيك ، (3) فما خرج بينهما فهو ذلك.
9749 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ،
__________
(1) الأثر : 9745 - " سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط " مضى برقم : 5994 وكذلك مضت ترجمة : " محمد بن الصلت " ، وترجمة " أبي كدينة : يحيى بن المهلب " . هذا وقد كان الإسناد مخرومًا فيما رجحت ، سقط منه ذكر " محمد بن الصلت " كما مضى في 5994 ، 7964 ، وكما سيأتي الإسناد نفسه برقم : 9799 ، ولأن سليمان بن عبد الجبار ، لم يلحق " أبا كدينة " .
و " قابوس " هو : قابوس بن أبي ظبيان الجنبي ، روى عن أبيه حصين بن جندب. وهو ضعيف ، لا يحتج به ، كما قال ابن سعد. قال ابن حبان : " كان رديء الحفظ ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له " .
وأبوه : " حصين بن جندب الجنبي ، أبو ظبيان. روى عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وهو ثقة. مترجم في التهذيب.
(2) الأثر : 9747 - " يزيد بن درهم ، أبي العلاء العجمي " ، أخو : محمد بن درهم ، روى عن أنس بن مالك ، والحسن ، وهذا هو يروي أيضًا عن أبي العالية ، ولم يذكروه. روى عنه وكيع ، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال الفلاس : " ثقة " ، وقال ابن معين : " ليس بشيء " . وذكره ابن حبان في الثقات وقال : " يخطئ كثيرًا " . مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 2 / 260 ، ولسان الميزان 6 : 286. وانظر الأثر التالي : 9811 ، والتعليق عليه.
هذا ، وكان في المطبوعة : " زيد بن درهم : ... " ، والصواب من المخطوطة.
(3) في المطبوعة " تدلك بين إصبعيك " ، زاد " بين " وليست في المخطوطة.

(8/457)


عن أبي مالك في قوله : " ولا يظلمون فتيلا " ، قال : الفتيل : الوَسخ الذي يخرج من بين الكفين.
9750 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، قال : الفتيل ، ما فتلت به يديك ، فخرج وَسَخ.
9751 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : " ولا يظلمون فتيلا " ، قال : ما تدلكه في يديك فيخرج بينهما.
* * *
وأناس يقولون : الذي يكون في بَطن النواة.
*ذكر من قال ذلك :
9752 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " فتيلا " ، قال : الذي في بطن النواة.
9753 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء قال : الفتيل ، الذي في بطن النواة.
9754 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثني طلحة بن عمرو : أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول ، فذكر مثله.
9755 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير : أنه سمع مجاهدًا يقول : الفتيل ، الذي في شِقّ النواة.
9756 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن سعيد قال ، حدثنا سفيان بن سعيد ، عن منصور ، عن مجاهد قال : الفتيل ، في النَّوى.
9757 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا

(8/458)


معمر ، عن قتادة في قوله : " ولا يظلمون فتيلا " ، قال : الفتيل الذي في شِقّ النواة.
9758 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول : الفتيل ، شق النواة.
9759 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : الفتيل ، الذي في بطن النواة.
9760 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك قال : الفتيل ، الذي يكون في شِقّ النواة.
9761 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ولا يظلمون فتيلا " ، فتيل النواة.
9762 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا قرة ، عن عطية قال : الفتيل ، الذي في بطن النواة. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأصل " الفتيل " ، المفتول ، صرف من " مفعول " إلى " فعيل " كما قيل : " صريع " و " دهين " من " مصروع " و " مدهون " .
وإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه إنما قصد بقوله : " ولا يظلمون فتيلا " ، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها ، فكيف بما له خطر ؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى ، كالذي هو في شق النواة وبطنها ، وما أشبه ذلك من
__________
(1) الأثر : 9762 - " أبو عامر " هو أبو عامر العقدي ، عبد الملك بن عمرو ، مضت ترجمته برقم : 4143.
و " قرة " هو قرة بن خالد السدوسي ، روى عن أبي رجاء العطاردي ، وابن سيرين ، والحسن. وروى عنه شعبة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأبو داود الطيالسي ، وغيرهم. مترجم في التهذيب و " عطية " هو : عطية بن سعد بن جنادة العوفي. مترجم في رقم : 305.

(8/459)


انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)

الأشياء التي هي مفتولة ، مما لا خطر له ، ولا قيمة فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى " الفتيل " ، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له ، مما دل عليه ظاهر التنزيل.
* * *
القول في تأويل قوله : { انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : انظر ، يا محمد ، كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون : " نحن أبناء الله وأحباؤه " ، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى ، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذبَ والزور من القول ، فيختلقونه على الله " وكفى به " ، يقول : وحسبهم بقيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على الله " إثمًا مبينًا " ، يعني أنه يبين كذبهم لسامعيه ، ويوضح لهم أنهم أفَكَةٌ فجرة ، (1) كما : -
9763 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " ، قال : هم اليهود والنصارى " انظر كيف يفترون على الله الكذب " (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(2) انظر تفسير " ألم تر " ، فيما سلف قريبًا : 452 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك وتفسير " النصيب " فيما سلف : 427 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(8/460)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51)

القول في تأويل قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر بقلبك ، يا محمد ، إلى الذين أُعطوا حظًّا من كتاب الله فعلموه " يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، يعني : يصدِّقون بالجبت والطاغوت ، ويكفرون بالله ، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر ، والتصديقَ بهما شرك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الجبت " و " الطاغوت " .
فقال بعضهم : هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله.
*ذكر من قال ذلك :
9764 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، أخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه قال : " الجبت " و " الطاغوت " ، صنمان.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " الأصنام ، و " الطاغوت " تراجمة الأصنام. (1)
*ذكر من قال ذلك :
9765 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، " الجبت " الأصنام ، و " الطاغوت " ، الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبّرون عنها الكذبَ ليضلوا الناس.
* * *
وزعم رجال أنّ " الجبت " ، الكاهن ، و " الطاغوت " ، رجل من اليهود يدعى
__________
(1) يعني بقوله : " تراجمة الأصنام " ، الكهان ، تنطق على ألسنة الأصنام ، كأنها تقول للناس بلسانهم ، ما قالته تلك بألسنتها.

(8/461)


كعب بن الأشرف ، وكان سيِّد اليهود.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " ، السحر ، و " الطاغوت " ، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك :
9766 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حسان بن فائد قال : قال عمر رحمه الله : " الجبت " السحر ، و " الطاغوت " الشيطان. (1)
9767 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حسان بن فائد العبسي ، عن عمر مثله. (2)
9768 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عمن حدثه ، عن مجاهد قال : " الجبت " السحر ، و " الطاغوت " الشيطان.
9769 - حدثني يعقوب قال ، أخبرنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا ، عن الشعبي قال : " الجبت " ، السحر ، و " الطاغوت " ، الشيطان.
9770 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، قال : " الجبت " السحر ، و " الطاغوت " ، الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه ، وهو صاحب أمرهم.
9771 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن قيس ، عن مجاهد قال : " الجبت " السحر ، و " الطاغوت " ، الشيطان والكاهن.
* * *
__________
(1) الأثر : 9766 - " حسان بن فائد العبسي " ، مضى برقم : 5834 ، وكان في المطبوعة في هذا الأثر والذي يليه : " حسان بن قائد العنسي " . ومضى هذا الإسناد برقم : 5835.
(2) الأثر : 9767 - مضى برقم : 5834.

(8/462)


وقال آخرون : " الجبت " ، الساحر ، و " الطاغوت " ، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك :
9772 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : كان أبي يقول : " الجبت " ، الساحر ، و " الطاغوت " ، الشيطان.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " ، الساحر ، و " الطاغوت " ، الكاهن.
*ذكر من قال ذلك :
9773 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية : " الجبت والطاغوت " ، قال : " الجبت " الساحر ، بلسان الحبشة ، و " الطاغوت " الكاهن.
9774 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن رفيع قال : " الجبت " ، الساحر ، و " الطاغوت " ، الكاهن.
9775 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثني عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن أبي العالية أنه قال : " الطاغوت " الساحر ، و " الجبت " الكاهن.
9776 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن داود ، عن أبي العالية ، في قوله : " الجبت والطاغوت " ، قال : أحدهما السحر ، والآخر الشيطان.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " الشيطان ، و " الطاغوت " الكاهن.
*ذكر من قال ذلك :
9777 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، كنا نحدَّث أن الجبت شيطان ، والطاغوت الكاهن.

(8/463)


9778 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله.
9779 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : " الجبت " الشيطان ، و " الطاغوت " الكاهن.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " الكاهن ، و " الطاغوت " الساحر. (1)
*ذكر من قال ذلك :
9780 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير قال : " الجبت " الكاهن ، و " الطاغوت " الساحر.
9781 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا حماد بن مسعدة قال ، حدثنا عوف ، عن محمد قال في الجبت والطاغوت ، قال : " الجبت " الكاهن ، والآخر الساحر.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " حيي بن أخطب ، و " الطاغوت " ، كعب بن الأشرف.
*ذكر من قال ذلك :
9782 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، " الطاغوت " : كعب بن الأشرف ، و " الجبت " : حيي بن أخطب.
9783 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : " الجبت " : حيي بن أخطب ، و " الطاغوت " : كعب بن الأشرف.
9784 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " والطاغوت الشيطان " ، وصواب السياق ما أثبت.

(8/464)


جويبر ، عن الضحاك في قوله : " الجبت والطاغوت " ، قال : " الجبت " : حيي بن أخطب ، و " الطاغوت " : كعب بن الأشرف.
* * *
وقال آخرون : " الجبت " كعب بن الأشرف ، و " الطاغوت " الشيطان.
*ذكر من قال ذلك :
9785 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد قال : " الجبت " : كعب بن الأشرف ، و " الطاغوت " : الشيطان ، كان في صورة إنسان.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل : " يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، أن يقال : يصدِّقون بمعبودَين من دون الله ، يعبدونهما من دون الله ، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أن " الجبت " و " الطاغوت " : اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله ، أو طاعة ، أو خضوع له ، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم ، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك ، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها ، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله ، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله ، فكانا جبتين وطاغوتين.
* * *
وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت : " طاغوت " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 5 : 419 ، وسائر الآثار في " الطاغوت " من رقم : 5834 - 5845.

(8/465)


القول في تأويل قوله : { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا (51) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء " ، يعني بذلك : هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر " أهدى " ، يعني : أقوم وأعدل " من الذين آمنوا " ، يعني : من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم " سبيلا " ، يعني : طريقًا.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما ذلك مَثَلٌ. ومعنى الكلام : أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما ، بأنهم قالوا : (1) إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به ، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله ، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف ، وأنه قائل ذلك.
ذكر الآثار الواردة بما قلنا :
9786 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة ، قالت له قريش : أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم ؟ (2) قال : نعم. قالوا : ألا ترى إلى هذا
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " وأنهم قالوا " بالواو ، والواو متصلة بالألف في المخطوطة ، والصواب ما أثبته ، وقوله : " بأنهم " متعلق بقوله : " إن الله وصف... " .
(2) في المطبوعة : " خير أهل المدينة " ، وفي المخطوطة " حبر " ، وإن كانت غير منقوطة في كثير من المواضع. ووقع في لسان العرب مادة (صنبر) : " خير " وفي مادة (بتر) : " حبر " ، فأثبتها ورجحتها ، لأنهم إنما سألوه عن شأن الدين ، والحبر : العالم من أهل الكتاب ، فهو المسئول عن مثل ما سألوه عنه من أمر خير الدينين.

(8/466)


الصُّنبور المنبتر من قومه ، (1) يزعم أنه خير منا ، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية ؟ قال : أنتم خير منه. قال : فأنزلت : ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) [سورة الكوثر : 3] ، وأنزلت : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " إلى قوله : " فلن تجد له نصيرًا " .
9787 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن عكرمة في هذه الآية : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " ثم ذكر نحوه.
9788 - وحدثني إسحاق بن شاهين قال ، أخبرنا خالد الواسطي ، عن داود ، عن عكرمة قال : قدم كعب بن الأشرف مكة ، فقال له المشركون : احكم بيننا ، وبين هذا الصنبور الأبتر ، فأنت سيدنا وسيد قومك! فقال كعب : أنتم والله خيرٌ منه! فأنزل الله تبارك وتعالى : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " ، إلى آخر الآية. (2)
9789 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، أخبرنا أيوب ، عن عكرمة : أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش ، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، (3) وأمرهم أن
__________
(1) " الصنبور " : سفعات تنبت في جذع النخلة ، غير مستأرضة في الأرض. ثم قالوا للرجل الفرد الضعيف الذليل الذي لا أهل له ولا عقب ولا ناصر " صنبور " . فأراد هؤلاء الكفار من قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي ، صنبور نبت في جذع نخلة ، فإذا قلع انقطع : فكذلك هو إذا مات ، فلا عقب له. وكذبوا ، ونصر الله رسوله وقطع دابر الكافرين.
و " المنبتر " و " الأبتر " : المنقطع الذي لا عقب له.
(2) الأثر : 9788 - " إسحاق بن شاهين الواسطي " ، مضى برقم : 8211 ، ولم نجد له ترجمة . و " خالد الواسطي " ، هو : خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي " مضى برقم : 7211.
(3) " استجاش القوم " : طلب منهم أن يجيشوا جيشًا.

(8/467)


يغزوه ، وقال : إنا معكم نقاتله. فقالوا : إنكم أهل كتاب ، وهو صاحب كتاب ، ولا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم! فإن أردت أن نخرج معك ، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما. ففعل. ثم قالوا : نحن أهدى أم محمد ؟ فنحن ننحر الكوماء ، (1) ونسقي اللبن على الماء ، ونصل الرحم ، ونقري الضيف ، ونطوف بهذا البيت ، ومحمد قطع رحمه ، وخرج من بلده ؟ قال : بل أنتم خير وأهدى! فنزلت فيه : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " .
9790 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : قال : لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من بني النضير ما كان ، (2) حين أتاهم يستعينهم في دية العامريَّين ، فهمّوا به وبأصحابه ، (3) فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة ، فعاهدهم على محمد ، فقال له أبو سفيان : يا أبا سعد ، إنكم قوم تقرؤون الكتابَ وتعلمون ، ونحن قوم لا نعلم! فأخبرنا ، ديننا خير أم دين محمد ؟ قال كعب : اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء ، ونسقي الحجيج الماء ، ونقري الضيف ، ونعمر بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه! قال : دينكم خير من دين محمد ، فاثبتوا عليه ، ألا ترون أنّ محمدًا يزعم
__________
(1) " الكوماء " : هي الناقة المشرقة السنام العاليته ، وهذه خير النوق وأسمنها وأعزها عليهم ، والجمع " كوم " .
(2) في المطبوعة : " واليهود بني النضير " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) ذلك في سنة أربع من الهجرة ، فأرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وتمالأوا على أن يلقوا عليه حجرًا من فوق جدار البيت الذي كان رسول الله جالسًا إلى جنبه ، فأطلعه الله على ذلك من أمرهم ، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة ، ثم أمر بالتهيؤ لحرب بني النضير ، فحاصرهم ، وأجلاهم ، وفيهم نزلت " سورة الحشر " بأسرها. انظر سيرة ابن هشام 3 : 199 - 213.

(8/468)


أنه بُعِث بالتواضع ، وهو ينكح من النساء ما شاء! وما نعلم مُلْكًا أعظم من ملك النساء!! (1) فذلك حين يقول : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " .
9791 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش ، قال : كفار قريش أهدى من محمد! " عليه السلام " قال ابن جريج : قدم كعب بن الأشرف ، فجاءته قريش فسألته عن محمد ، فصغَّر أمره ويسَّره ، وأخبرهم أنه ضالٌّ. قال : ثم قالوا له : ننشدك الله ، نحن أهدى أم هو ؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكُوم ، ونسقي الحجيج ، ونعمر البيت ، ونطعم ما هبَّت الريح ؟ (2) قال : أنتم أهدى.
* * *
وقال آخرون : بل هذه الصفة ، صفة جماعة من اليهود ، منهم : حُيَيّ بن أخطب ، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم.
ذكر الأخبار بذلك :
9792 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن قاله قال ، أخبرني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة : حيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع ، (3) والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، (4)
__________
(1) لم تزل هذه مقالة كل طاعن على رسول الله من المستشرقين وأذنابهم في كل أرض ، والكفر كله ملة واحدة ، والذي يلقى على ألسنتهم ، هو الذي ألقى على لسان هذا اليهودي الفاجر ، عدو الله وعدو رسوله.
(2) قوله : " نطعم ما هبت الريح " ، يراد به معنى الدوام. ولو أرادوا به زمن الشتاء في القحط ، لكان صوابًا.
(3) في المطبوعة : " وأبو رافع " بزيادة الواو ، وهو خطأ : " أبو رافع " كنية سلام ابن أبي الحقيق. والصواب من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(4) في المطبوعة : " والربيع بن أبي الحقيق " أسقط " بن الربيع " ، والصواب من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.

(8/469)


وأبو عمار ، (1) ووَحْوَح بن عامر ، وهوذة بن قيس فأما وحوح وأبو عمار وهوذة ، (2) فمن بني وائل ، وكان سائرهم من بني النضير فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل ، فاسألوهم : أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم ، فقالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، إلى قوله : " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " . (3)
9793 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، الآية ، قال : ذُكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، ورجلين من اليهود من بني النضير ، لقيا قريشًا بمَوْسم ، (4) فقال لهم المشركون : أنحن أهدى أم محمد وأصحابه ؟ فإنا أهل السِّدانة والسقاية ، وأهل الحرم ؟ فقالا لا بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان ، إنما حملهما على ذلك حَسَد محمد وأصحابه.
* * *
وقال آخرون : بل هذه صفة حيي بن أخطب وحده ، وإياه عنى بقوله : " ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " .
*ذكر من قال ذلك :
9794 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " إلى آخر الآية ، قال : جاء حيي بن
__________
(1) " أبو عمار " في المطبوعة في الموضعين " أبو عامر " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(2) " أبو عمار " في المطبوعة في الموضعين " أبو عامر " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(3) الأثر : 9792 - سيرة ابن هشام 2 : 210 ، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم : 9724.
(4) الموسم : مجتمع الناس ، في سوق أو في حج أو غيرهما.

(8/470)


أخطب إلى المشركين فقالوا : يا حيي ، إنكم أصحاب كتب ، فنحن خير أم محمد وأصحابه ؟ فقال : نحن وأنتم خير منهم! فذلك قوله : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب " إلى قوله : " ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا " .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في ذلك ، قولُ من قال : إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود. وجائز أن تكون كانت الجماعةَ الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد ، أو يكون حُيَيًّا وآخر معه ، (1) إما كعبًا ، وإما غيره.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " أن يكون " ، وهو خطأ لا ريب فيه ، صوابه ما أثبت.

(8/471)


أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)

القول في تأويل قوله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " أولئك " ، هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت ، هم " الذين لعنهم الله " ، يقول : أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته ، بإيمانهم بالجبت والطاغوت ، وكفرهم بالله ورسوله عنادًا منهم لله ولرسوله ، وبقولهم للذين كفروا : " هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " " ومن يلعن الله " ، يقول : ومن يخزه الله فيبعده من رحمته " فلن تجد له نصيرًا " ، يقول : فلن تجد له ، يا محمد ، ناصرًا ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به ، فيدفع ذلك عنه ، كما : -
9795 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن

(8/471)


أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)

قتادة قال : قال كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ما قالا يعني من قولهما : " هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " وهما يعلمان أنهما كاذبان ، فأنزل الله : " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا " . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " أم لهم نصيب من الملك " ، أم لهم حظ من الملك ، يقول : ليس لهم حظ من الملك ، (2) كما : -
9796 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أم لهم نصيب من الملك " ، يقول : لو كان لهم نصيب من الملك ، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا.
9797 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج : قال الله : " أم لهم نصيب من الملك " ، قال : فليس لهم نصيب من الملك ، [لم يؤتوا الناس نقيرًا] " فإذا لا يؤتون الناس نقيرًا " ، (3) ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك ، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا ، من بُخْلهم.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى : " النقير " .
فقال بعضهم : هو النقطة التي في ظهر النواة.
__________
(1) انظر تفسير " اللعنة " فيما سلف : 439 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك وتفسير " النصير " فيما سلف : 430 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " النصيب " فيما سلف : 460 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة حذف جملة " لم يؤتوا الناس نقيرًا " كلها ، وهي في الحقيقة جملة قلقة ، فأثبتها كما هي بين قوسين.

(8/472)


*ذكر من قال ذلك :
9798 - حدثني المثنى قال ، حدثني عبد الله قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " نقيرًا " ، يقول : النقطة التي في ظهر النواة.
9799 - حدثني سليمان بن عبد الجبار قال ، حدثنا محمد بن الصلت قال ، حدثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : النقير الذي في ظهر النواة. (1)
9800 - حدثني جعفر بن محمد الكوفي المروزي قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : النقير وَسط النواة. (2)
9801 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا " ، " النقير " نقيرُ النواة : وَسطها.
9802 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا " ، يقول : لو كان لهم نصيب من الملك ، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا و " النقير " ، النكتة التي في وَسَط النواة.
9803 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثني طلحة بن عمرو : أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول : النقير الذي في ظَهر النواة.
__________
(1) الأثر : 9799 - انظر التعليق على الأثر رقم : 9745.
(2) الأثر : 9800 - " جعفر بن محمد الكوفي المروزي " ، لم أعرف من هو ، ولكني رأيت أبا جعفر روى عنه في التاريخ 5 : 18 ، دون ذكر " المروزي " ، و " جعفر بن محمد " كثير ، ولكن لم أجد هذه النسب التي ذكرها الطبري. و " عبيد الله " لم أعرفه.

(8/473)


9804 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك قال : " النقير " ، النقرة التي تكون في ظهر النواة.
9805 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن أبي مالك قال : " النقير " ، الذي في ظهر النواة.
* * *
وقال آخرون : " النقير " ، الحبة التي تكون في وَسَط النواة.
*ذكر من قال ذلك :
9806 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " نقيرًا " ، قال : " النقير " ، حبة النواة التي في وَسَطها.
9807 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا " ، قال : النقير ، حبة النواة التي في وسطها.
9808 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سفيان بن سعيد ، عن منصور ، عن مجاهد قال : " النقير " ، في النوى.
9809 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير : أنه سمع مجاهدًا يقول : " النقير " ، نقير النواة الذي في وسطها.
9810 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول : " النقير " ، نقير النواة الذي يكون في وَسط النواة.
* * *

(8/474)


وقال آخرون : معنى ذلك : نَقْرُ الرجل الشيء بَطَرف أصابعه.
*ذكر من قال ذلك :
9811 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن يزيد بن درهم أبي العلاء قال ، سمعت أبا العالية : ووضع ابن عباس طرف الإبهام على ظهر السبابة ، ثم رفعهما وقال : هذا النقير. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال ، إن الله وصف هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له ، ولو كانوا ملوكًا وأهلَ قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بمعنى " النقير " ، أن يكون أصغرَ ما يكون من النُّقر. وإذا كان ذلك أولى به ، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النُّقر ، وقد يدخل في ذلك كل ما شَاكلها من النُّقر. ورفع قوله : " لا يؤتون الناس " ، ولم ينصبْ بـ " إذَنْ " ، ومن حكمها أن تنصب الأفعال المستقبلة إذا ابتدئ الكلام بها ، لأن معها " فاء " . ومن حكمها إذا دخل فيها بعضُ حروف العطف ، أن توجه إلى الابتداء بها مرة ، وإلى النقل عنها إلى غيرها أخرى. وهذا الموضع مما أريد بـ " الفاء " فيه ، النقل عن " إذَنْ " إلى ما بعدها ، وأن يكون معنى الكلام : أم لهم نصيب ، فلا يؤتون الناس نقيرًا إذَنْ. (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 9811 - " يزيد بن درهم ، أبي العلاء " مضى برقم : 9747 في مثل هذا الإسناد ، وقد علقت عليه هناك. وكان في المطبوعة هنا أيضًا " زيد بن درهم " ، وقد بينت خطأ ذلك هناك. أما المخطوطة هنا ، فكان فيها : " عن ابن در بن درهم " سيئة الكتابة ، متصلة الراءين ، غير منقوطة.
(2) القول في " إذن " استوفاه الفراء في معاني القرآن 1 : 273 ، 274.

(8/475)


أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54)

القول في تأويل قوله : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " أم يحسدون الناس " ، أم يحسد هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود ، كما : -
9812 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " أم يحسدون الناس " ، قال : يهود.
9813 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9814 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة مثله.
* * *
وأما قوله : " الناس " ، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عَنَى الله به.
فقال بعضهم : عنى الله بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم خاصةً.
*ذكر من قال ذلك :
9815 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط قال ، أخبرنا هشيم ، عن خالد ، عن عكرمة في قوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، قال : " الناس " في هذا الموضع ، النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصةً.
9816 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثني أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.

(8/476)


9817 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس مثله.
9818 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، قال : " الناس " ، محمدًا صلى الله عليه وسلم.
9819 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول ، فذكر نحوه.
* * *
وقال آخرون : بل عنى الله به العرب.
*ذكر من قال ذلك :
9820 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، أولئك اليهود ، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إنّ الله عاتب اليهودَ الذين وصف صفتهم في هذه الآيات ، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلا على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذَبة : أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله. (1)
* * *
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن ما قبل قوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا : " هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا " ، فإلحاق قوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، بذمهم على ذلك ، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبهُ
__________
(1) في المطبوعة : " أم يحسدون " ، والصواب من المخطوطة.

(8/477)


وأولى ، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل " الفضل " الذي أخبر الله أنه آتى الذين ذكرهم في قوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " . (1) فقال بعضهم : ذلك " الفضل " هو النبوّة.
*ذكر من قال ذلك :
9821 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله. بعث الله منهم نبيًا ، فحسدوهم على ذلك.
9822 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج : " على ما آتاهم الله من فضله " ، قال : النبوة.
وقال آخرون : بل ذلك " الفضل " الذي ذكر الله أنه آتاهموه ، هو إباحته ما أباح لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النساء ، ينكح منهن ما شاء بغير عدد. قالوا : وإنما يعني : بـ " الناس " ، محمدًا صلى الله عليه وسلم ، على ما ذكرتُ قبل.
*ذكر من قال ذلك :
9823 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " الآية ، وذلك أن أهل الكتاب قالوا : " زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع ، وله تسع نسوة ، ليس همه إلا النكاح! فأيّ ملك أفضَلُ من هذا " ! فقال الله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " .
9824 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
__________
(1) انظر تفسير " الفضل " فيما سلف في فهارس اللغة.

(8/478)


أسباط ، عن السدي : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، يعني : محمدًا ، أن ينكح ما شَاء من النساء.
9825 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ، وذلك أن اليهود قالوا : " ما شأن محمد أُعطي النبوّة كما يزعم ، وهو جائع عارٍ ، وليس له هم إلا نكاحُ النساء ؟ " فحسدوه على تزويج الأزواج ، وأحل الله لمحمد أن ينكح منهن ما شاء أن ينكح. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بالصواب ، قولُ قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل : أن معنى " الفضل " في هذا الموضع : النبوّة التي فضل الله بها محمدًا ، وشرّف بها العرب ، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية ، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رحمة الله عليهم ، (2) على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح.
* * *
__________
(1) الأثر : 9825 - في المخطوطة والمطبوعة : " حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت الضحاك يقول " ، أسقط من الإسناد ما أثبته. وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم : 9819.
وقد أسلفت أن مقالة اليهود هذه ، قد تلقفها من بعدهم أهل الضغن على محمد رسول الله ، ولا يزالون يبثونها في كتبهم ، وقد تعلق بها أشياعهم من أهل الضلالة المتعبدين لسادتهم من المستشرقين في زماننا هذا.
(2) في المطبوعة : " رضي الله عنهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد فعلت ذلك مرارًا دون أن أنبه عليه في بعض المواضع.

(8/479)


القول في تأويل قوله : { فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : أم يحسد هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات الناسَ على ما آتاهم الله من فضله ، من أجل أنهم ليسوا منهم ؟ فكيف لا يحسدون آل إبراهيم ، فقد آتيناهم الكتاب ويعني بقوله : " فقد آتينا آل إبراهيم " ، فقد أعطينا آل إبراهيم ، يعني : أهله وأتباعه على دينه (1) " الكتاب " ، يعني كتاب الله الذي أوحاه إليهم ، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزّبور ، وسائر ما آتاهم من الكتب.
* * *
وأما " الحكمة " ، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتابًا مقروءًا (2) " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " .
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى " الملك العظيم " الذي عناه الله في هذه الآية. (3)
فقال بعضهم : هو النبوّة.
*ذكر من قال ذلك :
9826 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " أم يحسدون الناس " ، قال : يهود " على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب " ، وليسوا منهم " والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا " ، قال : النبوّة.
__________
(1) انظر تفسير " آل " فيما سلف 2 : 37 / 3 : 222 ، تعليق : 1 / 6 : 326.
(2) انظر تفسير " الحكمة " فيما سلف 7 : 369 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الملك " فيما سلف 1 : 148 - 150 / 2 : 488 / 5 : 312 ، 314 ، 371 / 6 : 299 ، 300.

(8/480)


9827 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله إلا أنه قال : " ملكًا " ، النبوّة.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك تحليلُ النساء. قالوا : وإنما عنى الله بذلك : أم يحسدون محمدًا على ما أحلّ الله له من النساء ، فقد أحل الله مثل الذي أحله له منهن ، لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء ، فكيف لم يحسدوهم على ذلك ، وحسدوا محمدًا عليه السلام ؟
*ذكر من قال ذلك :
9828 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فقد آتينا آل إبراهيم " ، سليمان وداود " الحكمة " ، يعني : النبوة " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " ، في النساء ، فما باله حَلّ لأولئك وهم أنبياء : أن ينكح داود تسعًا وتسعين امرأة ، وينكح سليمان مئة ، ولا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا ؟
* * *
وقال آخرون : بل معنى قوله : " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " ، الذي آتى سليمان بن داود.
*ذكر من قال ذلك :
9829 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " . يعني ملكَ سليمان.
* * *
وقال آخرون : بل كانوا أُيِّدوا بالملائكة.
*ذكر من قال ذلك :
9830 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا

(8/481)


فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)

إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن همام بن الحارث : " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " ، قال : أُيِّدوا بالملائكة والجنود.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية وهي قوله : " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " القولُ الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال : " يعني ملك سليمان " . لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب ، دون الذي قال إنه ملك النبوّة ، ودون قول من قال : إنه تحليلُ النساء والملك عليهن. (1) لأن كلام الله الذي خوطب به العرب ، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه ، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك ، يجبُ التسليم لها.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل : { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فمن الذين أوتوا الكتاب من يهود بني إسرائيل ، الذين قال لهم جل ثناؤه : " آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها " " مَنْ آمن به " ، يقول : من صدَّق بما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مصدّقًا لما معهم " ومنهم من صدّ عنه " ، ومنهم من أعرَض عن التصديق به ، (2) كما : -
9831 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فمنهم من آمن به " ، قال : بما أنزل على محمد من يهود " ومنهم من صدّ عنه " .
__________
(1) انظر تفسير " الملك " فيما سلف 1 : 148 - 150 / 2 : 488 / 5 : 312 ، 314 ، 371 / 6 : 299 ، 300.
(2) انظر تفسير " الصد " فيما سلف 4 : 300 / 7 : 53.

(8/482)


9832 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
* * *
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ الله الذي توعِّدهم به في قوله : ( آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ) في الدنيا ، (1) وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة ، لإيمان من آمن منهم ، وأن الوعيدَ لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا ، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فلما آمن بَعضُهم ، خرجوا من الوعيد الذي توعَّده في عاجل الدنيا ، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة ، فقال لهم : كفاكم بجهنم سعيرًا. (2)
* * *
ويعني بقوله : " وكفى بجهنم سعيرًا " ، وحسبكم ، أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي " بجهنم سعيرًا " ، يعني : بنار جهنم ، تُسعَر عليكم أي : تُوقدُ عليكم.
* * *
وقيل : " سعيرًا " ، أصله " مسعورًا " ، من " سُعِرت تُسعَر فهي مسعورة " ، كما قال الله : ( وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ) [سورة التكوير : 12] ، ولكنها صرفت إلى " فعيل " ، كما قيل : " كف خضيب " ، و " لحية دهين " ، بمعنى : مخضوبة ومدهونة - و " السعير " ، الوقود. (3)
* * *
__________
(1) هي الآية السالفة من " سورة النساء " رقم : 47.
(2) انظر ما سلف ص : 445س : 4 وما بعده.
(3) انظر تفسير " السعير " فيما سلف : 30.

(8/483)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)

القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ }
قال أبو جعفر : هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار ، وبرسوله. يقول الله لهم : إن الذين جحدوا ما أنزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم ، من آياتي يعني : من آيات تنزيله ، ووَحي كتابه ، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به " سوف نصليهم نارًا " ، يقول : سوف ننضجهم في نارٍ يُصلون فيها أي يشوون فيها (1) " كلما نضجت جلودهم " ، يقول : كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت " بدلناهم جلودًا غيرها " ، يعني : غير الجلود التي قد نضجت فانشوت ، كما : -
9833 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن ثوير ، عن ابن عمر : " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها " ، قال : إذا احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا بيضًا أمثالَ القراطيس. (2)
9834 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا كلما نضجت جلودهم
__________
(1) انظر تفسير " الإصلاء " فيما سلف : 27 - 29 ، 231.
(2) الأثر : 9833 - " ثوير " ، هو : ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة الهاشمي. مضت ترجمته برقم : 3212 ، 5414. وفي المطبوعة : " نوير " ، وفي المخطوطة غير منقوط.
في المطبوعة : " جلودًا بيضاء " ، وهو خطأ ، والصواب في المخطوطة.
و " القراطيس " جمع " قرطاس " : وهو الصحيفة البيضاء التي يكتب فيها.

(8/484)


بدلناهم جلودًا غيرَها " ، يقول : كلما احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرَها.
9835 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " كلما نضجت جلودهم " ، قال : سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول : جلدُ أحدهم أربعون ذراعًا ، (1) وسِنُّه سبعون ذراعًا ، وبطنه لو وضع فيه جبل وَسِعه. (2) فإذا أكلت النار جلودهم بُدّلوا جلودًا غيرها.
9836 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك قال : بلغني عن الحسن : " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها " ، قال : ننضجهم في اليوم سبعين ألف مرة.
9837 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو عبيدة الحداد ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن قوله : " كلما نضجت جلودهم بدلناهم غيرها " ، قال : تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد. قال : وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعًا ، والله أعلم بأيِّ ذراع! (3) .
* * *
قال أبو جعفر : فإن سأل سائل فقال : وما معنى قوله جل ثناؤه : " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها " ؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلودًا غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا ، فيعذَّبوا فيها ؟ فإن جاز ذلك عندك ، فأجز أن يُبدَّلوا أجسامًا وأرواحًا غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذّب! وإن أجزت ذلك ، لزمك أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار ، غيرُ الذين أوعدهم الله العقابَ على كفرهم به ومعصيتهم إياه ، وأن يكون الكفار قد ارتفعَ عنهم العذاب!!
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " أن جلده... " ، وأثبت ما في المخطوطة. وعنى بذلك غلظ الجلد ، كما سيأتي في رقم : 9837.
(2) في المطبوعة : " لوسعه " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) الأثر : 9837 - " أبو عبيدة الحداد " ، هو : عبد الواحد بن واصل السدوسي. مضت ترجمته برقم : 8284.
و " هشام بن حسان القردوسي " مضى برقم : 2827.

(8/485)


قيل : إن الناس اختلفوا في معنى ذلك.
فقال بعضهم : العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم ، (1) وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب. وأما الجلد واللحم ، فلا يألمان. قالوا : فسواء أعيد على الكافر جلدهُ الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيره ، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذَّبة ، وإنما الآلمةُ المعذبةُ : النفسُ التي تُحِس الألم ، ويصل إليها الوجع. قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، فغير مستحيل أن يُخْلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يحصى عدده ، ويحرق ذلك عليه ، ليصل إلى نفسه ألم العذاب ، إذ كانت الجلود لا تألَمُ.
* * *
وقال آخرون : بل الجلودُ تألم ، واللحمُ وسائرُ أجزاء جِرْم بني آدم. وإذا أحرق جلدهُ أو غيره من أجزاء جسده ، وصل ألم ذلك إلى جميعه. قالوا : ومعنى قوله : " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها " : بدلناهم جلودًا غير محترقة. وذلك أنها تعاد جديدة ، والأولى كانت قد احترقتْ ، فأعيدت غير محترقة ، فلذلك قيل : " غيرها " ، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا ، التي عصوا الله وهى لهم. قالوا : وذلك نظيرُ قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتمًا من خاتم مَصُوغ ، (2) بتحويله عن صياغته التي هُو بها ، إلى صياغة أخرى : " صُغْ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره " ، فيكسره ويصوغ له منه خاتمًا غيره ، والخاتم المصوغ بالصّياغة الثانية هو الأول ، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتمًا قيل : " هو غيره " . قالوا : فكذلك معنى قوله : " كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها " ، لما
__________
(1) في المخطوطة : " الذي هو الجلد واللحم " ، وهو لا يستقيم ، وأصاب ناشر المطبوعة الأولى في زيادة " غير " .
(2) " استصاغه خاتما " : طلب إليه أن يصوغ له خاتمًا. وهذه صيغة لم تذكرها كتب اللغة ، وهي عربية معرقة ، وقياس صحيح.

(8/486)


احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق ، (1) قيل : " هي غيرها " ، على ذلك المعنى.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : " كلما نضجت جلودهم " ، (2) سرابيلهم ، بدلناهم سرابيل من قَطِران غيرها. فجعلت السرابيل [من] القطران لهم جلودًا ، (3) كما يقال للشيء الخاص بالإنسان : " هو جِلدة ما بين عينيه ووجهه " ، لخصُوصه به. قالوا : فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه : ( سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) [سورة إبراهيم : 50] ، لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم ، جعلت لهم جلودًا ، فقيل : كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق ، بدلوا سرابيل من قطران آخر. قالوا : وأما جلود أهل الكفر من أهل النار ، فإنها لا تحترق ، (4) لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها ، (5) وفي فنائها رَاحتها. قالوا : وقد أخبر الله تعالى ذكره عنها : أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا : وجلود الكفار أحد أجسامهم ، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار ، جاز ذلك في جميع أجزائها. وإذا جاز ذلك ، وجب أن يكون جائزًا عليهم الفناء ، ثم الإعادة والموت ، ثم الإحياء ، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون. قالوا : وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون ، دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم ، والجلود أحدُ تلك الأجزاء.
* * *
وأما معنى قوله : " ليذوقوا العذاب " ، فإنه يقول : فعلنا ذلك بهم ، ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته ، بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات الله ويجحدونها.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " الاحتراق " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " وقال آخرون : معنى ذلك " ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(3) الزيادة التي بين القوسين ، لا غنى عنها.
(4) في المطبوعة : " لا تحرق " والجيد ما في المخطوطة كما أثبته.
(5) يعني : أنها عندئذ تفنى حتى تعاد مرة أخرى ، وفناؤه يوجب فترة يخف فيها عنهم العذاب. وهذا باطل كما سترى في الحجج التالية.

(8/487)


القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) }
قال أبو جعفر : يقول : إن الله لم يزل (1) " عزيزًا " في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه ، لا يقدر على الامتناع منه أحد أرادَه بضرّ ، ولا الانتصار منه أحدٌ أحلّ به عقوبة " حكيمًا " في تدبيره وقضائه. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا (57) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " والذين آمنوا وعملوا الصالحات " ، والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وصدّقوا بما أنزل الله على محمد مصدّقًا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم " وعملوا الصالحات " ، يقول : وأدّوا ما أمرهم الله به من فرائضه ، واجتنبوا ما حرّم الله عليهم من معاصيه ، وذلك هو " الصالح " من أعمالهم " سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار " ، يقول : سوف يدخلهم الله يوم القيامة " جنات " ، يعني : بساتين (3) " تجري من تحتها الأنهار " ، يقول : تجري من تحت تلك الجنات الأنهار " خالدين فيها أبدًا " ، يقول : باقين فيها أبدًا بغير نهاية ولا انقطاع ، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا " لهم فيها أزواج " ، يقول : لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها " أزواج
__________
(1) انظر تفسير " كان " بمعنى : لم يزل فيما سلف : 426 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " في فهارس اللغة.
(3) انظر تفسير " جنة " فيما سلف : 7 : 494 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.

(8/488)


مطهرة " ، يعني : بريئات من الأدناس والرَّيْب والحيض والغائط والبول والحَبَل والبُصاق ، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا. وقد ذكرنا ما في ذلك من الآثار فيما مضى قبل ، وأغنى ذلك عن إعادتها. (1)
* * *
وأما قوله : " وندخلهم ظِلا ظليلا " ، فإنه يقول : وندخلهم ظلا كَنينًا ، كما قال جل ثناؤه : ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) [سورة الواقعة : 30] ، وكما : -
9838 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن وحدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قالا جميعًا ، حدثنا شعبة قال ، سمعت أبا الضحاك يحدّث ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إنّ في الجنة لشجرةً يسيرُ الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها ، شجرةُ الخلد. (2)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 395 - 397 / 6 : 261 ، 262.
(2) الحديث : 9838 - عبد الرحمن : هو ابن مهدي.
أبو الضحاك البصري : تابعي ، لم يعرف إلا بهذا الحديث ، ولم يرو عنه أحد غير شعبة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 395.
والحديث رواه أحمد في المسند : 9870 ، عن محمد بن جعفر وحجاج ، و : 9951 ، عن عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي - ثلاثتهم عن شعبة. (المسند 2 : 455 ، 462 حلبي).
وذكر الحافظ في المزي في تهذيب الكمال (مخطوط مصور) أنه رواه ابن ماجه في التفسير.
ونقله ابن كثير 2 : 490 ، عن هذا الموضع من الطبري.
وأصل الحديث ثابت عن أبي هريرة ، من أوجه كثيرة ، في المسند والصحيحين وغيرهما ، دون زيادة " شجرة الخلد " . انظر المسند : 7490. وقد أشرنا لكثير من طرقه هناك.

(8/489)


إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)

القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }
* * *
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية.
فقال بعضهم : عني بها ولاة أمور المسلمين.
*ذكر من قال ذلك :
9839 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبي مكين ، عن زيد بن أسلم قال : نزلت هذه الآية : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، في ولاة الأمر. (1)
9840 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، حدثنا ليث ، عن شهر قال : نزلت في الأمراء خاصة " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " .
9841 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، حدثنا إسماعيل ، عن مصعب بن سعد قال ، قال علي رضي الله عنه كلماتٍ أصاب فيهن : " حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ، وأن يؤدِّيَ الأمانة ، وإذا فعل ذلك ، فحقّ على الناس أن يسمعوا ، وأن يُطيعوا ، وأن يجيبوا إذا دُعوا " . (2)
9842 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد ، عن علي بنحوه.
__________
(1) الأثر : 9839 - " أبو أسامة " هو : حماد بن أسامة بن زيد القرشي ، مضى برقم : 5265. و " أبو مكين " هو : نوح بن ربيعة ، مضى برقم : 9742.
(2) الأثر : 9841 - " مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري " . روى عن أبيه ، وعلي ، وطلحة ، وعكرمة ابن أبي جهل ، وغيرهم ، تابعي ثقة ، قال ابن سعد : " كان ثقة كثير الحديث " . مترجم في التهذيب.

(8/490)


9843 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال ، حدثنا موسى بن عمير ، عن مكحول في قول الله : " وأولي الأمر منكم " ، قال : هم أهلُ الآية التي قبلها : " إن الله يأمرُكم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها " ، إلى آخر الآية.
9844 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنا ابن زيد قال ، قال أبي : هم الوُلاة ، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.
وقال آخرون : أمر السلطان بذلك : أن يعِظوا النساء. (1)
*ذكر من قال ذلك :
9845 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " إن الله يأمرُكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، قال : يعني السلطان ، يعظون النساء. (2)
* * *
وقال آخرون : الذي خوطب بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفتاح الكعبة ، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة.
*ذكر من قال ذلك :
9846 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، قال : نزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، قَبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة ، ودخل به البيت يوم الفتح ، (3) فخرج وهو يتلو هذه الآية ، فدعا عثمان
__________
(1) في المطبوعة : " أن يعطوا الناس " ، غير ما في المخطوطة ، وهو الذي أثبته ، ولكنه كان في المخطوطة غير منقوط ، فلم يحسن قراءته ، فكتب ما لا معنى له. والمقصود بذلك أن على الأمراء أن يعظوا النساء في النشوز وغيره ، حتى يردوهن إلى أزواجهن. وهو القول المنسوب إلى ابن عباس في كتب التفسير.
(2) في المطبوعة : " يعظون الناس " ، وهو خطأ ، وانظر التعليق السالف.
(3) في المطبوعة : " مفاتيح الكعبة ، ودخل بها البيت " ، وكان في المخطوطة : " مفاتيح الكعبة ودخل به البيت " ، ورد اللفظ مفردًا " المفتاح " في هذا الأثر والذي يليه ، وكذلك نقله ابن كثير في تفسيره 2 : 492 " مفتاح الكعبة " بالإفراد ، فصححت نص المخطوطة ، كما في ابن كثير.

(8/491)


فدفع إليه المفتاح. قال : وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية : فداهُ أبي وأمي! (1) ما سمعته يَتلوها قبل ذلك!
9847 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا الزنجي بن خالد ، عن الزهري قال : دفعه إليه وقال : أعينوه. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي ، قولُ من قال : هو خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم ، وما ائتمنوا عليه من أمورهم ، بالعدل بينهم في القضية ، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية (3) في : ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) ، فأمرهم بطاعتهم ، وأوصى الرّاعي بالرعية ، وأوصى الرعية بالطاعة ، كما : -
9848 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) قال : قال أبي : هم السلاطين. وقرأ ابن زيد : ( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ) [سورة آل عمران : 26] ، وإنما نقول : هم العلماء الذي يُطيفون على
__________
(1) في المطبوعة : " فداؤه أبي وأمي " ، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير.
(2) الأثر : 9847 - " الزنجي بن خالد " هو : مسلم بن خالد بن فروة ، أبو خالد الزنجي ، الفقيه المكي. وإنما سموه " الزنجي " قالوا : لأنه كان شديد السواد. وقالوا : لأنه كان أشقر كالبصلة. وقالوا : كان أبيض مشربًا بحمرة ، وإنما سمى " الزنجي " لمحبته التمر. قالت له جاريته : " ما أنت إلا زنجي " ، لأكل التمر ، فبقي عليه هذا اللقب.
ومن الزنجي تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكًا. ولكنهم تكلموا في حديثه ، فقال البخاري : " منكر الحديث ، يكتب حديثه ولا يحتج به " . وذكروا عللا في ضعف حديثه وهو صدوق. مترجم في التهذيب.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " فدل على ذلك ما وعظ به الرعية " ، وهو كلام فاسد جدًا ، أخل بحجة الطبري ، والصواب ما أثبت.

(8/492)


السلطان ، (1) ألا ترى أنه أمرهم فبدأ بهم ، بالولاة فقال (2) " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ؟ و " الأمانات " ، هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقَسْمه ، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " الآية كلها. فأمر بهذا الولاة. ثم أقبل علينا نحن فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) .
* * *
وأما الذي قال ابن جريج من أنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة ، فإنه جائز أن تكون نزلت فيه ، وأريد به كل مؤتمن على أمانة ، فدخلَ فيه ولاة أمور المسلمين ، وكلّ مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا. ولذلك قال من قال : عُني به قضاءُ الدين ، وردّ حقوق الناس ، كالذي : -
9849 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، فإنه لم يرخص لموسِر ولا معسر أن يُمسكها.
9850 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، عن الحسن : أن
__________
(1) حذف ناشر المطبوعة هذه الجملة إذ لم يفهمها ، وجعل سياق الكلام هكذا : " ... ممن تشاء ، ألا ترى أنه أمر فقال : إن الله يأمركم " ، وهذا فساد شديد ، وهجر للأمانة ، وعبث بكلام أهل التاويل. وقائل هذا الكلام هو ابن زيد ، بعد أن ذكر تأويل أبيه زيد بن أسلم.
وقوله : " يطيفون على السلطان " هم الذين يقاربونه ويدنيهم في مجالسه ويستشيرهم. من قوله : " طاف بالشيء وطاف عليه وأطاف به وأطاف عليه " : دار حوله.
(2) في المطبوعة : " أنه أمر فقال... " كما ذكرت في التعليق السالف. وسياق عبارته أنه أمر العلماء بالولاة - فبدأ بهم ، أي : بالعلماء. والعلماء هم الذين يفتون الولاة في قسمة الفيء والصدقات ، لأنهم هم أهل العلم بها. فهذا خطاب للعلماء الذين ائتمنوا على الدين. ثم قال للولاة : " وإذا حكمتم بين الناس " ، كما ترى في سياق الأثر.

(8/493)


نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك. (1)
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذًا إذ كان الأمر على ما وصفنا : إن الله يأمركم ، يا معشر ولاة أمور المسلمين ، أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيّتكم من فَيْئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم ، على ما أمركم الله بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له ، بعد أن تصير في أيديكم ، لا تظلموها أهلها ، ولا تستأثروا بشيء منها ، ولا تضعوا شيئًا منها في غير موضعه ، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصيرَ في أيديكم ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف ، وذلك حكمُ الله الذي أنزله في كتابه ، وبيّنه على لسان رسوله ، لا تعدُوا ذلك فتجورُوا عليهم.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : يا معشر ولاة أمور المسلمين ، إن الله نعم الشيء يَعظكم به ، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وأن تحكموا بين الناس بالعدل (2)
* * *
" إن الله كان سميعًا " ، يقول : إن الله لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون ، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم
__________
(1) الأثر : 9850 - قال ابن كثير في تفسيره 2 : 490 " وفي حديث الحسن ، عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك " . رواه الإمام أحمد ، وأهل السنن " .
(2) انظر تفسير " نعما " فيما سلف 5 : 582.

(8/494)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)

بين الناس ولما تُحاورونهم به (1) " بصيرًا " بما تفعلون فيما ائتمنتم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم ، (2) وما تقضون به بينهم من أحكامكم : بعدل تحكمون أو جَوْر ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، حافظٌ ذلك كلَّه ، حتى يجازي محسنكم بإحسانه ، ومسيئكم بإساءته ، أو يعفو بفضله.
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة ، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته ، كما : -
9851 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن عصى أميري فقد عصاني. (3)
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " .
__________
(1) في المطبوعة : " ولم تجاوزوهم به " ، ولا معنى لها البتة ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكنه لم يفهم ما أراد ، فحرفه وغيره.
(2) في المطبوعة : " فيما ائتمنتكم عليه " ، غير ما في المخطوطة لغير شيء.
(3) الحديث : 9851 - ورواه أحمد في المسند مرارًا ، من طرق مختلفة ، منها : 7330 ، 7428 ، 7643. ورواه الشيخان وغيرهما ، كما فصلنا هناك.
وذكره ابن كثير 2 : 497 ، بقوله : " وفي الحديث المتفق على صحته " . وهو كما قال.

(8/495)


فقال بعضهم : ذلك أمرٌ من الله باتباع سنته.
*ذكر من قال ذلك :
9852 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عمرو قال ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن عطاء في قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ، قال : طاعة الرسول ، اتباع سُنته.
9853 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا يعلى بن عبيد ، عن عبد الملك ، عن عطاء : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ، قال : طاعة الرسول ، اتباع الكتاب والسنة.
9854 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك ، عن عطاء مثله.
* * *
وقال آخرون : ذلك أمرٌ من الله بطاعة الرّسول في حياته.
*ذكر من قال ذلك :
9855 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ، إن كان حيًّا.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : هو أمرٌ من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمرَ ونهى ، وبعد وفاته باتباع سنته. (1) وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته ، ولم يخصص بذلك في حال دون حال ، (2) فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له.
* * *
واختلف أهل التأويل في " أولي الأمر " الذين أمر الله عبادَه بطاعتهم في هذه الآية.
__________
(1) في المطبوعة : " في اتباع سنته " ، وكان في المخطوطة " في باتباع سنتنا " ، وضرب على " في " .
(2) في المطبوعة : " لم يخصص ذلك " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/496)


فقال بعضهم : هم الأمراء.
*ذكر من قال ذلك :
9856 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة في قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : هم الأمراء. (1)
9857 - حدثنا الحسن بن الصباح البزار قال ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال ، أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، نزلت في رجل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على سرية. (2)
9858 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبيد الله بن مسلم بن هرمز ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس السهمي ، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في السرية. (3)
__________
(1) الحديث : 9856 - هذا موقوف على أبي هريرة. وإسناده صحيح. ومعناه صحيح.
وقد ذكره الحافظ في الفتح 8 : 191 ، وقال : " أخرجه الطبري بإسناد صحيح " .
(2) الحديث : 9857 - يعلى بن مسلم بن هرمز البصري المكي : ثقة ، أخرج له الشيخان. ووثقه ابن معين وأبو زرعة. مترجم في التهذيب. والكبير للبخاري 4 / 2 / 417 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 302. وهو أخو " عبد الله بن مسلم " الآتي في الإسناد بعده - كما رجحه البخاري وغيره.
والحديث رواه أحمد في المسند : 3124 ، عن حجاج ، وهو ابن محمد ، بهذا الإسناد. وفيه تسمية الرجل ، أنه " عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي " .
وكذلك رواه البخاري 8 : 190 - 191 ، عن صدقة بن الفضل ، عن حجاج بن محمد ، به.
وذكره ابن كثير 2 : 494 ، عن رواية البخاري ، ثم قال : " وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه ، من حديث حجاج بن محمد الأعور ، به. وقال الترمذي : حديث حسن غريب ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج " .
وقصة عبد الله بن حذافة رواها أحمد في المسند : 11662 (ج3 ص67 حلبي) ، من حديث أبي سعيد الخدري. روى معناها أيضًا من حديث علي بن أبي طالب : 622.
(3) الحديث : 9858 - عبد الله بن مسلم بن هرمز : هو أخو يعلى الذي في الحديث السابق - على الراجح. وعبد الله هذا : فيه ضعف ، مع أن الثوري يروي عنه ، والثوري لا يروي إلا عن ثقة. فالظاهر أن ضعفه من قبل حفظه. وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 164 - 165.
ووقع في المخطوطة والمطبوعة هنا " عبيد الله " ، بدل " عبد الله " وهو خطأ واضح.
والحديث بمعنى الذي قبله.

(8/497)


9859 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث قال : سأل مسلمةُ ميمونَ بن مهران عن قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
9860 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال. قال أبي : هم السلاطين. قال وقال ابن زيد في قوله : " وأولي الأمر منكم " ، قال أبي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطاعةَ الطاعة ، وفي الطاعة بلاء. وقال : ولو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء (1) يعني : لقد جعلت [الأمر] إليهم والأنبياء معهم ، (2) ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن ز كريا ؟
9861 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريَّة عليها خالد بن الوليد ، وفيها عمار بن ياسر ، فساروا قِبَل القوم الذين يريدون ، فلما بلغوا قريبًا منهم عرَّسوا ، (3) وأتاهم ذو العُيَيْنَتين فأخبرهم ، (4) فأصبحوا قد هربوا ، (5) غير رجل أمر أهله فجمعوا
__________
(1) في المطبوعة : " ولو شاء الله لجعل " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " يعني : لقد جعل إليهم الأنبياء معهم " ، وهو مستقيم ، ولكنه كان في المخطوطة : " لقد جعلت إليهم الأنبياء معهم " ، فاستظهرت سقوط " الأمر " ، فوضعته بين قوسين.
(3) " عرس القوم تعريسًا " : إذا نزلوا في السفر من آخر الليل ، يقعون وقعة للاستراحة ، ثم ينيخون وينامون نومة خفيفة ، ثم يثورون مع انفجار الصبح سائرين.
(4) " ذو العيينتين " و " ذو العوينتين " ، و " ذو العينين " : الجاسوس.
(5) في المطبوعة وابن كثير 2 : 496 " وقد هربوا " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8/498)


متاعهم ، (1) ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد ، فسأل عن عمار بن ياسر ، فأتاه فقال : يا أبا اليقظان ، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا عبده ورسوله ، وإنّ قومي لما سمعوا بكم هربوا ، وإني بقيت ، فهل إسلامي نافعي غدًا ، وإلا هربت ؟ قال عمار : بل هو ينفعك ، فأقم. فأقام ، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل ، فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارًا الخبر ، فأتى خالدًا ، فقال : خلِّ عن الرجل ، فإنه قد أسلم ، وهو في أمان مني. فقال خالد : وفيم أنت تجير ؟ فاستبَّا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال خالد : يا رسول الله ، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا خالد ، لا تسبَّ عمارًا ، فإنه من سب عمارًا سبه الله ، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله ، ومن لعن عمارًا لعنه الله. فغضب عمار فقام ، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه ، فرضي عنه ، فأنزل الله تعالى قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " . (2)
* * *
وقال آخرون : هم أهل العلم والفقه.
*ذكر من قال ذلك :
9862 - حدثني سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن علي بن صالح ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله..... (3)
__________
(1) في المخطوطة : " غير رجال من أهله " ، وهو فاسد ، وأثبت ما في المطبوعة وتفسير ابن كثير.
(2) الأثر : 9861 - أخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 497 ، ثم قال : " وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق ، عن السدي مرسلا. ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير ، عن السدي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، فذكر بنحوه. والله أعلم " .
(3) الأثر : 9862 - كان هذا الأثر والذي يليه متصلين ، " ... عن جابر بن عبد الله قال حدثنا جابر بن نوح " وهو خطأ وفساد لا شك فيه. وكأن هذا الأثر كان : " حدثني بذلك سفيان بن وكيع... " أو : " عن جابر بن عبد الله قال : هم أهل العلم والفقه " . أو ما شابه ذلك. ولكني وضعت النقط دلالة على الخزم.

(8/499)


9863 - .... قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن الأعمش ، عن مجاهد في قوله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : أولي الفقه منكم. (1)
9864 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا ليث ، عن مجاهد في قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : أولي الفقه والعلم.
9865 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح : " وأولي الأمر منكم " ، قال : أولي الفقه في الدين والعقل.
9866 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9867 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، يعني : أهل الفقه والدين.
9868 - حدثني أحمد بن حازم قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن حصين ، عن مجاهد : " وأولي الأمر منكم " ، قال : أهل العلم.
9869 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء بن السائب في قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : أولي العلم والفقه.
__________
(1) الأثر : 9863 - كأن صواب هذا الإسناد : " حدثني أبو كريب ، قال حدثنا جابر بن نوح " ، فإن أبا كريب هو يروي عن جابر بن نوح ، كما سلف مرارًا ، أقربها رقم : 9842 ، ولكني تركته على حاله ، ووضعت مكان ذلك نقطًا.

(8/500)


9870 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن عطاء : " وأولي الأمر منكم " ، قال : الفقهاء والعلماء.
9871 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : " وأولي الأمر منكم " ، قال : هم العلماء.
9872 - قال ، وأخبرنا عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : " وأولي الأمر منكم " ، قال : هم أهل الفقه والعلم.
9873 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : " وأولي الأمر منكم " ، قال : هم أهل العلم ، ألا ترى أنه يقول : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) [سورة النساء : 83] ؟
* * *
وقال آخرون : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك :
9874 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : كان مجاهد يقول : أصحاب محمد قال : وربما قال : أولي العقل والفقه ودين الله. (1)
* * *
وقال آخرون : هم أبو بكر وعمر رحمهما الله. (2)
*ذكر من قال ذلك :
__________
(1) في المطبوعة : " أولي الفضل " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " رضي الله عنهما " .

(8/501)


9875 - حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال ، حدثنا حفص بن عمر العدني قال ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ، قال : أبو بكر وعمر. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان [لله] طاعةً ، وللمسلمين مصلحة ، (2) كالذي : -
9876 - حدثني علي بن مسلم الطوسي قال ، حدثنا ابن أبي فديك قال ، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة ، عن هشام بن عروة ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيليكم بعدي ولاة ، فيليكم البَرُّ ببِرِّه ، والفاجر بفجوره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، وصلُّوا وراءهم. فإن أحسنوا فلكم ولهم ، وإن أساؤوا فلكم وعليهم. (3)
__________
(1) الأثر : 9875 - " أحمد بن عمرو البصري " ، لم أجده في كتب التراجم ، وظننت أنه " أحمد بن عمرو بن عبد الخالق " البزار ، أبو بكر العتكي البصري ، من أهل البصرة ، قال الخطيب : " كان ثقة حافظًا ، صنف المسند ، وتكلم على الأحاديث ، وبنى عللها ، وقدم بغداد وحدث بها " ومات بالرملة سنة 291 ، فهو خليق أن يكون رآه أبو جعفر وروى عنه في بغداد أو في الرملة. مترجم في تاريخ بغداد 4 : 334.
و " حفص بن عمر العدني " مضت ترجمته برقم : 6796.
(2) الزيادة بين القوسين ، أراها زيادة لا غنى عنها.
(3) الحديث : 9876 - ابن أبي فديك : هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني. وهو ثقة معروف ، من شيوخ الشافعي وأحمد. أخرج له الجماعة.
عبد الله بن محمد بن عروة : هو عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير المدني. قال أبو حاتم : " هو متروك الحديث ، ضعيف الحديث جدًا " . وقال ابن حبان : " يروى الموضوعات عن الثقات " . مترجم في لسان الميزان 3 : 331 - 332 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 158.
فهذا حديث ضعيف جدًا ، لم نجده إلا في هذا الموضع.
وقد نقله ابن كثير 2 : 495 ، والسيوطي 2 : 177 - ولم ينسباه لغير الطبري.

(8/502)


9877 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا يحيى ، عن عبيد الله قال ، أخبرني نافع ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : على المرء المسلم ، الطاعةُ فيما أحب وكره ، إلا أن يؤمر بمعصية ؛ فمن أمر بمعصية فلا طاعة. (1)
9878 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثني خالد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. (2)
فإذ كان معلومًا أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل ، وكان الله قد أمر بقوله : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " بطاعة ذَوِي أمرنا كان معلومًا أن الذين أمرَ بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا ، هم الأئمة ومن ولَّوْه المسلمين ، (3) دون غيرهم من الناس ، وإن كان فرضًا القبول من كل من أمر بترك معصية الله ودعا إلى طاعة الله ، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه ، إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعيّة ، فإن على من أمروه بذلك طاعتهم ، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية.
__________
(1) الحديثان : 9877 ، 9878 - يحيى في الإسناد الأول : هو ابن سعيد القطان.
وخالد - في الإسناد الثاني : هو ابن الحارث الهجيمي البصري. مضت ترجمته في : 7818.
عبيد الله - في الإسنادين : هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، العمري.
ووقع في المطبوعة ، في الإسنادين : " يحيى بن عبيد الله " ، " خالد بن عبيد الله " ! وهو خطأ واضح ، صوابه من المخطوطة.
والحديث رواه أحمد في المسند : 4668 ، عن يحيى ، وهو القطان ، بمثل الإسناد الأول هنا.
ورواه أيضًا : 6278 ، عن ابن نمير ، عن عبيد الله ، به.
وقد شرحناه شرحًا وافيًا ، وخرجناه - في الموضع الأول.
وذكره ابن كثير 2 : 494 ، من رواية أبي داود - من طريق يحيى القطان. ثم نسبه للشيخين من طريق يحيى.
وقصر السيوطي جدًا ، إذ ذكره 2 : 177 ، ونسبه لابن أبي شيبة ، وابن جرير - فقط! وهو في المسند والصحيحين وغيرهما.
(2) الحديثان : 9877 ، 9878 - يحيى في الإسناد الأول : هو ابن سعيد القطان.
وخالد - في الإسناد الثاني : هو ابن الحارث الهجيمي البصري. مضت ترجمته في : 7818.
عبيد الله - في الإسنادين : هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، العمري.
ووقع في المطبوعة ، في الإسنادين : " يحيى بن عبيد الله " ، " خالد بن عبيد الله " ! وهو خطأ واضح ، صوابه من المخطوطة.
والحديث رواه أحمد في المسند : 4668 ، عن يحيى ، وهو القطان ، بمثل الإسناد الأول هنا.
ورواه أيضًا : 6278 ، عن ابن نمير ، عن عبيد الله ، به.
وقد شرحناه شرحًا وافيًا ، وخرجناه - في الموضع الأول.
وذكره ابن كثير 2 : 494 ، من رواية أبي داود - من طريق يحيى القطان. ثم نسبه للشيخين من طريق يحيى.
وقصر السيوطي جدًا ، إذ ذكره 2 : 177 ، ونسبه لابن أبي شيبة ، وابن جرير - فقط! وهو في المسند والصحيحين وغيرهما.
(3) في المطبوعة : " ومن ولاه المسلمون " ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولم يرد أبو جعفر معنى ما كان في المطبوعة ، بل أراد : ومن ولاه الأئمة أمور المسلمين.

(8/503)


وإذ كان ذلك كذلك ، كان معلومًا بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن اختلفتم ، أيها المؤمنون ، في شيء من أمر دينكم : أنتم فيما بينكم ، أو أنتم وولاة أمركم ، فاشتجرتم فيه (1) " فردوه إلى الله " ، يعني بذلك : فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم ، أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله ، يعني بذلك : من كتاب الله ، فاتبعوا ما وجدتم وأما قوله : " والرسول " ، فإنه يقول : فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًا ، وإن كان ميتًا فمن سنته " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " ، يقول : افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله " واليوم الآخر " ، يعني : بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب ، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك. فلكم من الله الجزيل من الثواب ، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9879 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا ليث ، عن مجاهد في قوله : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " ، قال : فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله والرسول. قال يقول : فردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله.
__________
(1) انظر تفسير " تنازع " فيما سلف 7 : 289.

(8/504)


ثم قرأ مجاهد هذه الآية : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) [سورة النساء : 83].
9880 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " فردوه إلى الله والرسول " ، قال : كتاب ، الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم :
9881 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " فردوه إلى الله والرسول " ، قال : إلى الله " ، إلى كتابه وإلى " الرسول " ، إلى سنة نبيه.
9882 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، قال : سأل مسلمةُ ميمونَ بن مهران عن قوله : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " ، قال : " الله " ، كتابه ، و " رسوله " سنته ، فكأنما ألقمه حجرًا.
9883 - حدثنا أحمد بن حازم قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، أخبرنا جعفر بن مروان ، عن ميمون بن مهران : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " ، قال : الرد إلى الله ، الردّ إلى كتابه والرد إلى رسوله إن كان حيًا ، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة.
9884 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " ، يقول : ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " .
9885 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " ، إن كان الرسول حيًا و " إلى الله " قال : إلى كتابه.
* * *

(8/505)


القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (59) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ذلك " ، فردُّ ما تنازعتم فيه من شيء إلى الله والرسول ، " خير " لكم عند الله في معادكم ، وأصلح لكم في دنياكم ، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة ، وترك التنازع والفرقة " وأحسن تأويلا " ، يعني : وأحمد مَوْئلا ومغبّة ، وأجمل عاقبة.
* * *
وقد بينا فيما مضى أن " التأويل " " التفعيل " من " تأوّل " ، وأنّ قول القائل : " تأوّل " ، " تفعّل " ، من قولهم : " آل هذا الأمر إلى كذا " ، أي : رجع بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك :
9886 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وأحسن تأويلا " ، قال : حسن جزاء.
9887 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله.
9888 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " ذلك خير وأحسن تأويلا " ، يقول : ذلك أحسنُ ثوابًا ، وخير عاقبةً.
9889 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وأحسن تأويلا " قال : عاقبة.
__________
(1) انظر ما سلف 6 : 204 - 206.

(8/506)


9890 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ذلك خير وأحسن تأويلا " ، قال : وأحسن عاقبة قال : و " التأويل " ، التصديق.
* * *

(8/507)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)

القول في تأويل قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " ألم تر " ، يا محمد ، بقلبك ، فتعلم إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب ، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قلبك من الكتب ، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت يعني إلى : من يعظمونه ، ويصدرون عن قوله ، ويرضون بحكمه من دون حكم الله ، (1) " وقد أمروا أن يكفروا به " ، يقول : وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذي يتحاكون إليه ، فتركوا أمرَ الله واتبعوا أمر الشيطان " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا " ، يعني : أن الشيطان يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى ، فيضلهم عنها ضلالا بعيدًا يعني : فيجور بهم عنها جورًا شديدًا (2) .
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان ، ليحكم بينهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرهم.
__________
(1) انظر تفسير " الطاغوت " فيما سلف 5 : 416 - 419 / 8 : 461 - 465.
(2) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف : 8 : 428 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.

(8/507)


*ذكر من قال ذلك :
9891 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن عامر في هذه الآية : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، قال : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة ، فكان المنافق يدعو إلى اليهود ، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة ، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين ، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة ، فأنزل الله فيه هذه الآية : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " حتى بلغ " ويسلموا تسليمًا " .
9892 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عامر في هذه الآية : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " ، فذكر نحوه وزاد فيه : فأنزل الله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " ، يعني المنافقين " وما أنزل من قبلك " ، يعني اليهود " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، يقول : إلى الكاهن " وقد أمروا أن يكفروا به " ، أمر هذا في كتابه ، وأمر هذا في كتابه ، أن يكفر بالكاهن.
9893 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي قال : كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم ، وبين رجل من اليهود ، خصومة ، فقال اليهودي : أحاكمك إلى أهل دينك أو قال : إلى النبي لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم ، فاختلفا ، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة ، قال : فنزلت : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " ، يعنى : الذي من الأنصار " وما أنزل من قبلك " ، يعني : اليهوديّ (1) " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، إلى الكاهن " وقد أمروا
__________
(1) في المخطوطة : " اليهود " .

(8/508)


أن يكفروا به " ، يعني : أمر هذا في كتابه ، وأمر هذا في كتابه. وتلا " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا " ، وقرأ : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " إلى " ويسلموا تسليما " .
9894 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه قال : زعم حضرميٌّ أن رجلا من اليهود كان قد أسلم ، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق ، (1) فقال اليهودي له : انطلق إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه. قال : فأبى ، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحاكما إليه. قال الله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل
__________
(1) المدرأة : المدافعة والخصومة.

(8/509)


من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " .
9895 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " ، الآية ، حتى بلغ " ضلالا بعيدًا " ، ذُكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين : رجل من الأنصار يقال له " بشر " ، وفي رجل من اليهود ، في مدارأة كانت بينهما في حق ، فتدارءا بينهما ، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما ، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم. فعاب الله عز وجل ذلك وذُكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما ، وقد علم أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه. فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ، ويدعوه إلى الكاهن ، فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون ، فعابَ ذلك على الذي يزعم أنه مسلم ، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب ، فقال : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " إلى قوله : " صدودًا " .
9896 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، قال : كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم. وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية ، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة ، قتلوا به منهم. فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير ، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر. (1) فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير ، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النضيري : يا رسول الله ، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية ، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة : لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين ، ودماؤنا مثل دمائكم ، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية ، فقد جاء الله بالإسلام! فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) [سورة المائدة : 54] ، فعيَّرهم ، ثم ذكر قول النضيري : " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا ، ونقتل منهم ولا يقتلونا " ، فقال( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ) [سورة المائدة : 50]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه ، فتفاخرت النضير وقريظة ، فقالت النضير : نحن أكرم منكم! وقالت قريظة : نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة ، (2) الكاهن الأسلمي ، فقال المنافق من قريظة والنضير : انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا! (3)
__________
(1) " الوسق " مكيلة معلومة في زمانهم ، كانت تبلغ حمل بعير.
(2) في المطبوعة : " أبو برزة الأسلمي " وهو خطأ محض ، والصواب ما كان في المخطوطة ، فإن أبا برزة الأسلمي - نضلة بن عبيد - فهو صحابي جليل ، و " برزة " بفتح الباء بعدها راء ساكنة بعدها زاي. وأما " أبو بردة " فهو بالباء المضمومة بعدها راء ساكنة بعدها دال.
وذكر الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بردة الأسلمي إلى الإسلام ، فأبى ، ثم كلمه ابناه في ذلك ، فأجاب إليه وأسلم. وقال الحافظ ابن حجر : " وعند الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال : كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود ، فذكر القصة في نزول قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزعمون... " الإصابة في ترجمته. وذكر الهيثمي خبر ابن عباس في مجمع الزوائد 7 : 6 ، وفيه أيضًا " أبو برزة الأسلمي " ، وهو خطأ ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح " . وكذلك رواه ابن كثير في تفسيره 2 : 500 وفيه أيضًا " أبو برزة " وهو خطأ.
(3) في المطبوعة هنا أيضًا " أبو برزة " ، وانظر التعليق السالف. ويقال : " نفر الحاكم أحد المتخاصمين على صاحبه تنفيرًا " : أي قضى عليه بالغلبة. وهو من " المنافرة " وذلك أن يتفاخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ، ثم يحكما بينهما رجلا ، يغلب أحدهما على الآخر.

(8/510)


وقال المسلمون من قريظة والنضير : لا بل النبي صلى الله عليه وسلم يُنفِّر بيننا ، فتعالوا إليه! فأبى المنافقون ، وانطلقوا إلى أبي بردة فسألوه ، (1) فقال : أعظِموا اللُّقمة يقول : أعظِموا الخَطَر (2) فقالوا : لك عشرة أوساق. قال : لا بل مئة وسْق ، ديتي ، (3) فإني أخاف أن أنفِّر النضير فتقتلني قريظة ، أو أنفِّر قريظة فتقتلني النضير! فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق ، وأبى أن يحكم بينهم ، فأنزل الله عز وجل : " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " وهو أبو بردة (4) " وقد أمروا أن يكفروا به " إلى قوله : " ويسلموا تسليما " .
* * *
وقال آخرون : " الطاغوت " ، في هذا الموضع ، هو كعب بن الأشرف.
*ذكر من قال ذلك :
9897 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " ، و " الطاغوت " رجل من اليهود كان يقال له : كعب بن الأشرف ، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا ، بل نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله : " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، الآية.
9798 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " ، قال : تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من
__________
(1) في المطبوعة هنا مرة ثالثة : " أبو برزة " .
(2) " الخطر " هو المال الذي يجعل رهنًا بين المتراهنين ، وأراد به الجعل الذي يدفعه كل واحد من المتنافرين إلى الحكم. وسماه " اللقمة " مجازًا ، وهذا كله لم تقيده كتب اللغة ، ولم أجده في أخبار المنافرات. فيستفاد من هذا الخبر. أن الحكم في المنافرة كانوا يجعلون له جعلا يأخذه بعد استماعه للمنافرة ، وبعد الحكم.
(3) " أوساق " جمع " وسق " ومضى تفسيره " الوسق " فيما سلف ص : 510 ، تعليق : 1.
(4) في المطبوعة هنا مرة رابعة " أبو برزة " .

(8/511)


اليهود ، فقال المنافق : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال اليهودي : اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الله تبارك وتعالى : " ألم تر إلى الذين يزعمون " الآية ، والتي تليها فيهم أيضًا. (1)
9899 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " ، فذكر مثله إلا أنه قال : وقال اليهودي : اذهب بنا إلى محمد.
9900 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " إلى قوله : " ضلالا بعيدًا " ، قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة ، أحدهم مؤمن والآخر منافق ، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، فأنزل الله : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ) .
9901 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، قال : تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود ، فقال اليهودي : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. و