اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل/ واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

المصحف

 تحميل المصحف

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 27 مايو 2022

مجلد 5. جامع البيان {تفسير الطبري}

 

مجلد 5. جامع البيان في تأويل القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،
[ 224 - 310 هـ ]

عن الأعمش قال : كان أصحاب عبد الله يقرأون : ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ).
12506 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع قال ، سمعت سفيان ، يقول : إذا فرّق صيام ثلاثة أيام لم يجزِه. قال : وسمعته يقول في رجل صامَ في كفارة يمين ثم أفطر ، قال ، يستقبل الصومَ.
12507 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " فصيام ثلاثة أيام " ، قال : إذا لم يجد طعامًا ، وكان في بعض القراءة : ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ). وبه كان يأخذ قتادة. (1)
12508 - حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة ، الأوّلَ فالأوّل ، فإن لم يجد من ذلك شيئًا فصِيَام ثلاثة أيام متتابعات.
* * *
وقال آخرون : جائز لمن صامهنّ أن يصومهن كيف شاء ، مجتمعات ومفترقات.
ذكر من قال ذلك :
12509 - حدثني يونس قال ، أخبرنا أشهب قال ، قال مالك : كل ما ذكر الله في القرآن من الصيام ، فأن يُصَام تِبَاعًا أعجبُ. فإن فرقها رجوتُ أن تجزئ عنه.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى
__________
(1) الأثر : 12507 - " جامع بن حماد " انظر ما سلف رقم : 12344 ، 12367 ، 12423.

(10/561)


ذكره أوجب على من لزمته كفّارة يمين ، إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا أن يكفرّها بصيام ثلاثة أيام ، ولم يشرطْ في ذلك متتابعة. فكيفما صامهنَّ المكفِّر مفرَّقة ومتتابعة ، أجزأه. لأن الله تعالى ذكره إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام ، فكيفما أتَى بصومهنّ أجزأ.
* * *
فأما ما روى عن أبيّ وابن مسعود من قراءتهما : ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) ، فذلك خلاف ما في مصاحفنا. وغير جائز لنا أن نشهد لشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله. (1) غيرَ أني أختار للصائم في كفَّارة اليمين أن يُتَابع بين الأيام الثلاثة ، ولا يفرِّق. لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته ، وهم في غير ذلك مختلفون. ففعل ما لا يُخْتَلف في جوازه ، أحبُّ إليَّ ، وإن كان الآخر جائزًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ذلك " ، هذا الذي ذكرت لكم أنه كفارة أيمانكم ، من إطعام العشرة المساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير الرقبة ، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئًا هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها إذا حلفتم واحفظوا ، أيها الذين آمنوا أيمانكم أن تحنثوا فيها ، ثم تُضِيعُوا الكفارة فيها بما وصفته لكم (2) " كذلك يبين الله لكم آياته " ، كما بين لكم كفارة أيمانكم ،
__________
(1) في المطبوعة : " أن تشهد بشئ " ، والصواب من المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " ثم تصنعوا " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(10/562)


كذلك يبين الله لكم جميع آياته يعني أعلام دينه فيوضِّحها لكم لئلا يقول المضيع المفرِّط فيما ألزمه الله : " لم أعلم حكم الله في ذلك! " " لعلكم تشكرون " ، يقول : لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التجزئة القديمة التي نقلت عنها نسختنا ، وفيها ما نصه :
" يتلوه القول في تأويل قوله
{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}.
وصلى الله على محمد النبيّ وعلى آله وسلّم كثيرًا " .
ثم يتلوه ما نصه :
" بسم الله الرحمن الرحيم ربِّ أعِنْ يَا كريم "

(10/563)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)

القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) }
قال أبو جعفر : وهذا بيانٌ من الله تعالى ذكره للذين حرَّموا على أنفسهم النساءَ والنومَ واللحمَ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، تشبُّهَا منهم بالقسيسين والرهبان ، فأنزل الله فيهم على نبيِّه صلى الله عليه وسلم كتابَه يَنْهاهم عن ذلك فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) ، [سورة المائدة : 87].

(10/563)


فنهاهم بذلك عن تحريم ما أحلّ الله لهم من الطيبات. ثم قال : ولا تعتدوا أيضًا في حدودي ، فتحلُّوا ما حرَّمت عليكم ، فإن ذلك لكم غير جائز ، كما غيرُ جائزٍ لكم تحريم ما حلّلت ، وإنيّ لا أحبُّ المعتدين. ثم أخبرهم عن الذي حرّم عليهم مما إذا استحلوه وتقدَّموا عليه ، كانوا من المعتدين في حدوده فقال لهم : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ، إن الخمر التي تشربونها ، والميسِرَ الذي تَتَياسرونه ، والأنصاب التي تذبحُون عندها ، والأزلام التي تستقسمون بها " رجْس " ، يقول : إثم ونَتْنٌ سَخِطه الله وكرهه لكم " من عمل الشيطان " ، يقول : شربكم الخمر ، وقماركم على الجُزُر ، وذبحكم للأنصاب ، واستقسامكم بالأزلام ، من تزيين الشيطانِ لكم ، ودعائه إياكم إليه ، وتحسينه لكم ، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربُّكم ، ولا مما يرضاه لكم ، بل هو مما يسخطه لكم " فاجتنبوه " ، يقول : فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه (1) " لعلكم تفلحون " ، يقول : لكي تنجَحُوا فتدركوا الفلاحَ عند ربكم بترككم ذلك. (2)
* * *
وقد بينا معنى " الخمر " ، و " الميسر " ، و " الأزلام " فيما مضى ، فكرهنا إعادته. (3)
* * *
وأما " الأنصاب " ، فإنها جمع " نُصُب " ، وقد بينا معنى " النُّصُب " بشواهده فيما مضى. (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 10 : 292 ، تعليق : 3. والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " اجتنب " فيما سلف 8 : 233 ، وهي هناك غير مفسرة ، ثم 8 : 340.
(3) انظر تفسير " الخمر " فيما سلف 4 : 320 ، 321.
وتفسير " الميسر " فيما سلف 4 : 321 ، 322 - 325.
وتفسير " الأزلام " فيما سلف 9 : 510 - 515.
(4) انظر تفسير " النصب " 9 : 507 - 509.

(10/564)


إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)

وروي عن ابن عباس في معنى " الرجس " في هذا الموضع ، ما : -
12510 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " رجس من عمل الشيطان " ، يقول : سَخَطٌ.
* * *
وقال ابن زيد في ذلك ، ما : -
12511 - حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " رجس من عمل الشيطان " ، قال : " الرجس " ، الشرُّ.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنما يُريد لكم الشيطانُ شربَ الخمر والمياسرةَ بالقِدَاح ، ويحسِّن ذلك لكم ، إرادةً منه أن يوقع بينكم العَداوَة والبغضاءَ في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح ، (1) ليعادي بعضكم بعضًا ، ويبغِّض بعضَكم إلى بعض ، فيشتِّت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان ، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام " ويصدّكم عن ذكر الله " ، يقول : ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم ، (2) وباشتغالكم بهذا الميسر ، عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم " وعن الصلاة " ، التي فرضها عليكم ربكم " فهل أنتم منتهون " ،
__________
(1) انظر تفسير " البغضاء " فيما سلف 7 : 145/10 : 136.
(2) انظر تفسير " الصد " فيما سلف 9 : 489 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(10/565)


يقول : فهل أنتم منتهون عن شرب هذه ، والمياسرة بهذا ، (1) وعاملون بما أمركم به ربُّكم من أداء ما فرَض عليكم من الصلاة لأوقاتها ، ولزوم ذكره الذي به نُجْح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم ؟.
* * *
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية.
فقال بعضهم : نزلت بسبب كان من عمر بن الخطاب ، وهو أنه ذكر مكروهَ عاقبة شربها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأل الله تحر يمَها. (2)
ذكر من قال ذلك :
12512 - حدثنا هناد بن السريّ ، قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال ، قال عمر : اللهمّ بيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا! قال : فنزلت الآية التي في " البقرة " : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) ، [سورة البقرة : 219]. قال : فدُعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا! فنزلت الآية التي في " النساء " : ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) [سورة النساء : 43]. قال : وكان مُنَادِي النبي صلى الله عليه وسلم يُنادي إذا حضرت الصلاة : لا يقربنّ الصلاة السكران! قال : فدُعِي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا! قال : فنزلت الآية التي في " المائدة " : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ " إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " . فلما انتهى إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " قال عمر : انتهينا انتهينا !! (3)
__________
(1) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف 482 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(2) انظر ما سلف في تحريم الخمر 4 : 330 - 336/8 : 376 ، 377.
(3) الأثر : 12512 - " أبو ميسرة " هو : " عمرو بن شرحبيل الهمداني " ، سمع عمر ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما من الصحابة. مضى برقم : 2839 ، 2840 ، 9228. وهذا الخبر رواه أبو جعفر من خمس طرق ، عن أبي إسحق ، عن أبي ميسرة.
ورواه أحمد في مسنده رقم : 378 من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحق ، بمثله ، وأبو داود في سننه 3 : 444 رقم : 3670 ، بمثله ، وفيه : " بيانًا شفاء " . والنسائي في سننه 8 : 286 ، 287 ، بمثله. والترمذي في سننه في كتاب التفسير من طريق محمد بن يوسف ، عن إسرائيل ، مرفوعًا ، ثم من طريق أبي كريب محمد بن العلاء ، عن وكيع. عن إسرائيل ، مرسلا. ولكن جاء هنا في رواية هناد بن السري ، عن وكيع ، مرفوعًا. وقال الترمذي بعد ذكر رواية أبي كريب : " وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف " ، يعني أنه أصح مرسلا. وانظر ما سيأتي في باقي التخريج.
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 278 ، من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل بمثله ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، من طريق عبيد الله بن موسى أيضًا ، ومن طريق إسمعيل بن جعفر ، عن إسرائيل ، بمثله.
ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 39 ، من طريق محمد بن يوسف ، عن إسرائيل ، (كطريق الترمذي) وفيه زيادة : " فإنها تذهب العقل والمال " ، الآتية في رقم : 12513 ، وليس في رواية الترمذي.
ورواه الواحدي في أسباب النزول : 154 ، من طريق أحمد بن حنبل ، عن خلف بن وليد ، عن إسرائيل ، بمثل ما في المسند.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 1 : 499 ، 500/ ثم 3 : 225 ، وقد صحح أخي السيد أحمد هذا الحديث في المسند رقم : 378 ، ثم قال : " وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 499 ، 500/3 : 226 وقال : هكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من طرق عن أبي إسحق. وكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طريق الثوري ، عن أبي إسحق ، عن أبي ميسرة ، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي ، عن عمر ، وليس له عنه سواه. ولكن قال أبو زرعة : لم يسمع منه. والله أعلم. وقال علي بن المديني : " هذا إسناد صالح صحيح. وصححه الترمذي. وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله : انتهينا - إنها تذهب المال وتذهب العقل " .
قال أخي السيد أحمد : " وقول أبي زرعة أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر ، لا أجد له وجهًا. فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس ، وهو تابعي قديم مخضرم ، مات سنة 63. وفي طبقات ابن سعد 6 : 73 ، عن أبي إسحق قال : أوصى أبو ميسرة أخاه الأرقم : لا تؤذن بي أحدًا من الناس ، وليصل علي شريح قاضي المسلمين وإمامهم وشريح الكندي ، استقضاه عمر على الكوفة ، وأقام على القضاء ستين سنة ، فأبو ميسرة أقدم منه " .
أقول : ولم يذكر أحد غير أبي زرعة فيما بحثت ، أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر ، بل كلهم ذكر سماعه من عمر.

(10/566)


12513 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، حدثنا أبى ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال ، قال عمر : اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ، فإنها تَذْهب بالعقل والمال! ثم ذكر نحو حديث وكيع. (1)
__________
(1) الأثر : 12513 - هذه الزيادة : " فإنها تذهب العقل والمال " ، أشرت إليها في التعليق السالف في رواية أبي جعفر النحاس ، وذكرها ابن كثير ، من رواية ابن أبي حاتم.

(10/567)


12514 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن زكريا ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال ، قال عمر بن الخطاب : اللهم بيِّن لنا ، فذكر نحوه.
12515 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب ، مثله.
12516 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس بن بكير ، قال ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عمر بن الخطاب ، مثله. (1)
12517 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثني أبو معشر المدني ، عن محمد بن قيس ، قال : لما قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسِر ، فسألوه عن ذلك ، فأنزل الله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمها أكبر من نفعهما ) [سورة البقرة : 219] ، فقالوا : هذا شيء قد جاء فيه رخْصة ، نأكل الميسر ونشرَب الخمر ، ونستغفر من ذلك!. حتى أتى رجلٌ صلاةَ المغرب ، فجعل يقرأ : ( قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ) [سورة الكافرون]. فجعل لا يجوز ذلك ، (2)
ولا يدري ما يقرأ ، فأنزل الله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) [سورة النساء : 43]. فكان الناس يشربون الخمرَ ، حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها ، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون. فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله تعالى ذكره : " إنما
__________
(1) الآثار : 12514 - 12516 - انظر التخريج في رقم : 12512.
(2) في المطبوعة ، والدر المنثور : " لا يجود ذلك " (بتشديد الواو المكسورة) ، وفي المخطوطة كما أثبته غير منقوطة ، وهو الصواب إن شاء الله.

(10/568)


الخمر والميسر والأنصاب والأزلام " إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " ، فقالوا : انتهينا يا رب ! (1)
* * *
وقال آخرون : نزلت هذه الآية بسبب سعد بن أبي وقاص. وذلك أنه كان لاحَى رجلا على شراب لهما ، فضربه صاحبه بلَحْيَىْ جمل ، ففَزَر أنفه ، فنزلت فيهما. (2)
ذكر الرواية بذلك :
12518 - حدثنا محمد بن المثني قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه سعد أنه قال : صنع رجلٌ من الأنصار طعامًا ، فَدَعانا. قال : فشربنا الخمرَ حتى انتشينا ، فتفاخرت الأنصار وقريش ، فقالت الأنصار : نحن أفضلُ منكم! قال : فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَى جملٍ فضرب به أنف سعد ففَزَره ، فكان سعد أفزَرَ الأنف. قال : فنزلت هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " إلى آخر الآية. (3)
__________
(1) الأثر : 15217 - ذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 318 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(2) " لاحاه يلاحيه ملاحاة ولحاء " : إذا نازعه وشاتمه و " لحي الجمل " (بفتح اللام وسكون الحاء) : وهما " لحيان " : وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم. يقال : لحي الجمل ، ولحي الإنسان ، وغيرهما. وكان في المطبوعة : " لحي " بالإفراد ، وأثبت ما في المخطوطة بالتثنية : " لحيي " و " فزر الشيء " : صدعه. و " فزر أنفه " : شقه.
(3) الأثر : 12518 - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد. كلها صحيح.
فرواه من هذه الطريق الأولى أحمد في مسنده رقم : 1567 ، 1614 ، مطولا. ورواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة في مسنده : 28 ، رقم : 208.
ورواه مسلم من طريق أبي جعفر هذه ، عن محمد بن المثنى نفسه (15 : 186 ، 187) وفيه " وكان أنف سعد مفزورًا " ، بخلاف رواية أبي جعفر " أفزر الأنف " . ورواه مطولا بغير هذا اللفظ من طريق " الحسن بن موسى ، عن زهير ، عن سماك " .
ورواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، من طريق وهب بن جرير ، عن شعبة.
ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 40 ، من طريق زهير ، عن سماك.
ورواه الواحدي في أسباب النزول : 154.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 230 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 315 ، وقصر في نسبته ، وزاد أيضًا نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.
وكان في المخطوطة : " صنع رجل من الأنصار فدعانا " ، أسقط " طعامًا " ، وهي ثابتة في المطبوعة ، وفي جميع روايات الخبر. ولذلك أثبتها.
وقوله : " فكان سعد أفرز الأنف " ، في جميع الروايات : " مفزور الأنف " ، أي مشقوقه ، كما سلف في التعليق : 2 ، ص569 ولم تقيد كتب اللغة : " أفزر الأنف " ، على " أفعل " . وهذا مما يثبت صحته ، وهو جائز في العربية.

(10/569)


12519 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو الأحوص ، قال حدثنا شعبة ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد قال ، قال سعد : شربتُ مع قوم من الأنصار ، فضربت رجلا منهم أظنّ بفكّ جمل فكسرته ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فلم ألبث أن نزل تحريم الخمر : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " ، إلى آخر الآية. (1)
12520 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : شربت الخمر مع قوم من الأنصار ، فذكر نحوه. (2)
12521 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن ابن شهاب أخبره ، أن سالم بن عبد الله حدَّثه : أن أول ما حُرِّمت الخمر ، أن سعد بن أبي وقاص وأصحابًا له شربوا فاقتتلوا ، فكسروا أنف سعدٍ ، فأنزل الله : " إنما الخمر والميسر " ، الآية. (3)
* * *
__________
(1) الأثر : 12519 - في المطبوعة : " قال حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك " ، وهو خطأ لا شك فيه وكان في المخطوطة في آخر الصفحة : " قال حدثنا أبو الأحوص قال " ثم بدأ في الصفحة التالية : " عن سماك... " ، فنسى الناسخ في نسخة فأسقط " حدثنا شعبة " ، وبدأ : " عن سماك " .
(2) الأثر : 12520 - هذا الأثر والذي قبلها طريقان أخريان للأثر رقم : 12518 ، انظر التخريج في التعليق عليه.
(3) الأثر : 12521 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 315 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(10/570)


وقال آخرون : نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار.
ذكر من قال ذلك :
12522 - حدثنا الحسين بن علي الصدائي قال ، حدثنا حجاج بن المنهال قال ، حدثنا ربيعة بن كلثوم عن جبر ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا. حتى إذا ثملوا ، عبث بعضهم على بعض. (1) فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول : فعل بي هذا أخي فلان! وكانوا إخوة ، ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا! حتى وقعت في قلوبهم ضغائن ، (2) فأنزل الله : " إنما الخمر والميسر " إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " ! فقال ناس من المتكلِّفين : رجْسٌ في بطن فلانُ قتل يوم بدر ، (3) وقتل فلان يوم أحُدٍ! فأنزل الله : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ) [سورة المائدة : 93] ، . الآية. (4)
__________
(1) في المطبوعة : " عبث بعضهم ببعض " ، وهكذا جاء في جمبع روايات الأثر ، فيما بين يدي من الكتب ، ولكنها في المخطوطة كما أثبتها ، وهي صحيحة إن شاء الله.
(2) في المطبوعة : " في قلوبهم الضغائن " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " هي رجس ، وهي في بطن فلان " ، وهكذا في سائر المراجع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه صواب أيضا.
(4) الأثر : 12522 - " ربيعة بن كلثوم بن جبر الديلي البصري " ، روى له مسلم والنسائي ، متكلم فيه ، وهو ثقة. مضى برقم : 6240. وكان في المطبوعة : " ربيعة بن كلثوم عن جبير ، عن أبيه " ، وهو خطأ. وفي المخطوطة " ربيعة بن كلثوم عن جبر ، عن أبيه " ، وهو خطأ أيضًا ، وإن كان فيها " جبر " على الصواب. وجاء في المستدرك خطأ " جبير " وهو خطأ يصحح. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/266 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 1/2/477 ، 478 ، وثقه يحيى بن معين. وفيه عن علي بن المديني ، قال : " سمعت يحيى بن سعيد يقول ، قلت : " لربيعة بن كلثوم في حديث ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، هو : عن ابن عباس ؟ قال : وهل كان يروي سعيد بن جبير إلا عن ابن عباس ؟ " .
وأبوه " كلثوم بن جبر بن مؤمل الديلي " ، ثقة ، وثقه أحمد مضى برقم : 6240 ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/227 ، وابن أبي حاتم 3/2/164.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، 286 ، والحاكم في المستدرك 4 : 141 ، ولم يذكر فيه شيئًا ، ولكن قال الذهبي في تعليقه على المستدرك : " قلت : صحيح على شرط مسلم " . وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 18 ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح " . ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 40 مختصرًا ، بغير إسناد.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 230 ، من رواية البيهقي في السنن ، وقال : " ورواه النسائي في التفسير ، عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة ، عن حجاج بن منهال " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 315. وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(10/571)


12523 - حدثنا محمد بن خلف قال ، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي ، عن أبي تميلة ، عن سلام مولى حفص بن أبي القاسم ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : بينما نحن قعود على شرابٍ لنا ، [ونحن على رَمْلة ، ونحن ثلاثة أو أربعة ، وعندنا باطِيةٌ لنا] ، ونحن نشرب الخمر حِلا إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، وقد نزل تحريم الخمر : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصابُ والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان " ، إلى آخر الآيتين ، " فهل أنتم منتهون " ، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " ؟ قال : وبعض القوم شربته في يده ، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيهتهم ، فقالوا : انتهينا ربّنا! انتهينا ربَّنا! (1)
* * *
__________
(1) الأثر : 12523 - " محمد بن خلف بن عمار العسقلاني " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 126 ، 6534.
" سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي " . كوفي ثقة. روى عنه البخاري ومسلم. قال أبو زرعة : " ذاكرت عنه أحمد بأحاديث ، فعرفه " وقال : صدوق ، وكان يطلب معنا الحديث " . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/471 ، وابن أبي حاتم 2/1/59.
و " أبو تميلة " ، هو : " يحيى بن واضح الأنصاري " مضى مرارًا ، آخرها رقم : 9009.
و " سلام ، مولى حفص ، أبو القاسم الليثي " ، مروزي ، مترجم في الكبير 2/2/134 ، وابن أبي حاتم 2/1/262. وقال البخاري في الكبير : " سمع عبد الله بن بريدة ، عن أبيه : نزلت في تحريم الخمر " ، قاله سعيد الجرمي : سمع يحيى بن واضح ، سمع سلاما " ، إشارة إلى هذا الخبر. ولم يذكر البخاري فيه جرحًا. وقال المعلق على الجرح والتعديل لابن أبي حاتم : " وفي الثقات : سلام الليثي ، والد أبي عبيد القاسم بن سلام " . وكان في المطبوعة هنا : " مولى حفص بن أبي قيس " لا أدري كيف استحل لنفسه تغيير ما كان في المخطوطة صوابًا ، إلى خطأ لا ندري ما هو.
و " ابن بريدة " ، هو " عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي " قاضي مرو ، أخوه : " سليمان بريدة " ، كانا توأمين. روى عن أبيه ، وابن عباس ، وابن عمرو ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وغيرهم من الصحابة. تكلم فيه أحمد بن حنبل. قال الجوزجاني : " قلت لأبي عبد الله : سمع عبد الله من أبيه شيئًا ؟ قال : ما أدري ، عامة ما يروى عن بريدة عنه. وضعف حديثه " . ووثقه ابن معين وأبو حاتم. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 13. وكان في المطبوعة " أبي بريدة " ، وهو خطأ محض ، صوابه في المخطوطة.
وأبوه " بريدة بن الحصيب الأسلمي " ، صحابي قديم الإسلام ، قبل بدر. استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه.
وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 230 ، من رواية أبي جعفر ، وفيه " عن أبي بريدة " كخطأ المطبوعة. والسيوطي في الدر المنثور 2 : 315.
والزيادة التي بين القوسين من تفسير ابن كثير ، وهو لم ينقل هذا عن غير الطبري ، فلذلك زدتها ، والظاهر أنها سقطت من ناسخ نسختنا. وإن كان السيوطي قد ذكر الأثر بغير هذه الزيادة.
وقوله : " ونحن على رملة " ، يعني ، في رملة منبتة مريعة. و " الباطية " : ناجود الخمر ، وهي إناء عظيم من زجاج ، تملأ من الشراب ، وتوضع بين الشرب يغرفون منها ويشربون. وقوله : " قال بالإناء " ، يعني : أماله ثم نزعه ، كفعل الحجام وهو ينزع كأس الحجامة.

(10/572)


وقال آخرون : إنما كانت العداوة والبغضاء ، كانت تكون بين الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب الميسر ، لا بسبب السُّكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر. فلذلك نهاهم الله عن الميسر.
ذكر من قال ذلك :
12524 - حدثنا بشر قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال بشر : وقد سمعته من يزيد وحدثنيه قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الرجل في الجاهلية يقامِر على أهله وماله ، فيقعد حَرِيبًا سليبًا ينظر إلى ماله في يَدَي غيره ، (1) فكانت تُورِث بينهم عداوة وبغضاءَ ، فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه. والله أعلم بالذي يصلح خلقه. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " حزينًا سليبًا " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت. " حرب الرجل ماله ، فهو محروب وحريب " : إذا أخذ حريبته ، وهو ماله الذي يعيش به ، وتركه بلا شيء.
(2) الأثر : 12524 - " جامع بن حماد " ، انظر ما علقته على الأثر رقم : 12344.
واذكر أن هذا الأثر قد مضى قبل ، ولكن خفي علي مكانه.

(10/573)


وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال ، إنّ الله تعالى قد سمَّى هذه الأشياء التي سمّاها في هذه الآية " رجسًا " ، وأمر باجتنابها.
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية ، وجائز أن يكون نزولها كان بسبب دُعاء عمر رضى الله عنه في أمر الخمر وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نالَ سعدًا من الأنصاري عند انتِشائهما من الشراب وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدَهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يَسَرَه وبغضِه ، (1) وليس عندنا بأيِّ ذلك كان ، خيرٌ قاطع للعذر. غير أنه أيّ ذلك كان ، فقد لزم حكم الآية جميعَ أهل التكليف ، وغيرُ ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نزلت هذه الآية. فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان ، فرضٌ على جميع من بلغته الآية من التكليفُ اجتنابُ جميع ذلك ، كما قال تعالى : " فاجتنبوه لعلكم تفلحون " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه " " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول " ، في اجتنابكم
__________
(1) " يسره " ، يعني : غلبه في الميسر ، وأخذ ماله. قال الزمخشري : " من المجاز : أسروه ، ويسروا ماله. وتياسرت الأهواء قلبه ، قال ذو الرمة : بِتَفْرِيقِ أَظْعَانٍ تيايَسَرْنَ قَلْبَهُ ... وَخَانَ العَصَا مِنْ عَاجِلِ البَيْنِ قَادِحُ
وهذا اللفظ كما استعمله أبو جعفر ، لم تقيده كتب اللغة ، ولكن مقالة الزمخشري دالة على صوابه ، كما قالوا من " القمار " : " قمره " .

(10/574)


ذلك ، واتباعكم أمره فيما أمركم به من الانزجار عما زجَركم عنه من هذه المعانِي التي بيَّنها لكم في هذه الآية وغيرها ، وخالِفوا الشيطان في أمره إيّاكم بمعصية الله في ذلك وفي غيره ، فإنه إنما يبغي لكم العداوةَ والبغضاءَ بينكم بالخمر والميسر
" واحذروا " ، يقول : واتقوا الله وراقبوه أن يراكم عند ما نهاكم عنه من هذه الأمور التي حرّمها عليكم في هذه الآية وغيرها ، أو يفقِدَكم عند ما أمركم به ، فتُوبقوا أنفسكم وتهلكوها " فإن توليتم " ، يقول : فإن أنتم لم تعملوا بما أمرناكم به ، وتنتهوا عما نهيناكم عنه ، ورجعتم مدبرين عما أنتم عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله ، واتباع ما جاءكم به نبيكم (1) " فاعملوا أنما على رسولنا البلاغُ المبين " ، يقول : فاعلموا أنه ليس على من أرسلناه إليكم بالنِّذَارة غير إبلاغكم الرسالة التي أرسل بها إليكم ، (2) مبينةً لكم بيانًا يُوضِّح لكم سبيل الحقّ ، والطريقَ الذي أمرتم أن تسلكوه. (3) وأما العقاب على التولية والانتقام بالمعصية ، فعلى المُرْسَل إليه دون الرسل.
وهذا من الله تعالى وعيد لمن تولَّى عن أمره ونهيه. يقول لهم تعالى ذكره : فإن توليتم عن أمري ونهيي ، فتوقّعوا عقابي ، واحذَرُوا سَخَطي.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " التولي " فيما سلف : 393 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) " النذارة " (بكسر النون) قال صاحب القاموس : " النذير : الإنذار كالنذارة ، بالكسر. وهذه عن الإمام الشافعي رضي الله عنه " . انظر رسالة الشافعي ص : 14 ، الفقرة : 35 ، وتعليق أخي السيد أحمد عليها.
(3) انظر تفسير " مبين " فيما سلف 9 : 428 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(10/575)


لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)

القول في تأويل قوله : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للقوم الذين قالوا إذْ أنزل الله تحريم الخمر بقوله : " إنما الخمرُ والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " : كيفَ بمن هلك من إخواننا وهم يشربونها ؟ وبنا وقد كنّا نشربها ؟ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم حرج فيما شربوا من ذلك ، في الحال التي لم يكن الله تعالى حرَّمه عليهم (1) " إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " ، يقول : إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه ، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه ، (2) وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم ، فأطاعوهما في ذلك كله " وعملوا الصالحات " ، يقول : واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم (3) " ثم اتقوا وآمنوا " ، يقول : ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارِمه بعد ذلك التكليف أيضًا ، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به ، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا " ثم اتقوا وأحسنوا " ، يقول : ثم خافوا الله ، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسان ، وذلك " الإحسان " ، هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال ، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى رّبهم طلبَ رِضاه ، وهربًا من عقابه (4) " والله يحب المحسنين " ، يقول : والله يحب المتقرِّبين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها.
__________
(1) انظر تفسير " الجناح " 9 : 268 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك وتفسير " طعم " فيما سلف 5 : 342.
(2) انظر تفسير " اتقى " فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(3) انظر تفسير " الصالحات " فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).
(4) انظر تفسير " الإحسان " فيما سلف : 512 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(10/576)


فالاتقاء الأوّل : هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق ، والدينونة به والعمَل والاتقاء الثاني : الاتقاء بالثبات على التصديق ، وترك التبديل والتغيير والاتقاء الثالث : هو الاتقاء بالإحسان ، والتقرُّب بنوافل الأعمال.
* * *
فإن قال قائل : ما الدليل على أنّ " الاتقاء " الثالث ، هو الاتقاء بالنوافل ، دون أن يكون ذلك بالفرائضِ ؟
قيل : إنه تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الجناح عن شاربي الخمر التي شربوها قبل تحريمه إيّاها ، إذا هم اتقوا الله في شربها بعد تحريمِها ، وصدّقوا الله ورسوله في تحريمها ، وعملوا الصالحات من الفرائض. ولا وجه لتكرير ذلك وقد مضى ذكرُه في آيةٍ واحدة.
* * *
وبنحو الذي قلنا من أن هذه الآية نزلت فيما ذكرنا أنها نزلت فيه ، جاءت الأخبار عن الصَّحابة والتابعين.
* ذكر من قال ذلك :
12525 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : يا رسول الله ، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ فنزلت : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح " ، الآية. (1)
__________
(1) الأثران : 12525 ، 12526 - إسنادهما صحيح.
رواه أحمد في مسنده : 2088 ، 2452 ، 2691 مطولا ، 2775.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .
ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 143 ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي ، وقال : " صحيح " .
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 233 ، من حديث أحمد في المسند.
وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 320 ، وزاد نسبته إلى الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان.

(10/577)


12526 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الله ، عن إسرائيل بإسناده ، نحوه.
12527 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد قال ، أخبرنا عباد بن راشد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : بينَا أنا أدير الكأس على أبي طلحة ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وسهيل بن بيضاء ، وأبي دجانة ، حتى مالت رءوسهم من خَليط بُسْرٍ وتمر. (1) فسمعنا مناديًا ينادي : ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت! قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج ، حتى أهرقنا الشراب ، وكسرنا القِلال ، (2) وتوضأ بعضنا ، واغتسل بعضنا ، فأصبْنَا من طِيب أمِّ سليم ، ثم خرجنا إلى المسجد ، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " ، إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " . فقال رجل : يا رسول الله ، فما منزلةُ من مات منا وهو يشربها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية ، فقال رجل لقتادة : سمعتَه من أنس بن مالك ؟ قال : نعم! قال رجل لأنس بن مالك : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم! وحدّثني من لم يكذب ، والله ما كنا نكذب ، ولا ندري ما الكذب! (3)
__________
(1) " البسر " (بضم الباء وسكون السين) : التمر قبل أن يرطب ، وهو ما لون منه ولم ينضج ، فإذا نضج فقد أرطب.
(2) " القلال " جمع " قلة " (بضم القاف) : وهي الجرة الكبيرة.
(3) الأثر : 12527 - " عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي البصري " ، ثقة. مضى برقم : 6822 ، 10317.
و " عباد بن راشد التميمي " ، قال أحمد : " ثقة صدوق " ، وضعفه يحيى بن معين ، وتركه يحيى القطان. روى له البخاري مقرونًا بغيره. ومضى برقم 11060.
و " أم سليم " المذكورة في الخبر ، هي : " أم سليم بنت ملحان الأنصارية " ، لها صحبة ، وهي والدة أنس بن مالك ، وزوج أبي طلحة الأنصاري ، خطبها أبو طلحة وهو مشرك ، فأبت عليه إلا أن يسلم ، فأسلم.
وذكر هذا الخبر ابن كثير في تفسيره 3 : 228 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، وكذلك السيوطي في الدر المنثور 2 : 320.
وخبر أنس هذا ، رواه البخاري من طريق أخرى بغير هذا اللفظ (الفتح 8 : 209). ومسلم في صحيحه بغير هذا اللفظ من طرق 13 : 148 - 151. والنسائي في السنن 8 : 287 ، 288.

(10/578)


12528 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : لما حرمت الخمر قالوا : كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ فنزلت : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، الآية. (1)
12529 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال ، قال البراء : مات ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر ، فلما نزل تحريمها ، قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها ؟ فنزلت هذه الآية : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ، الآية. (2)
12530 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا داود ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : نزلت : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات
__________
(1) الأثران : 12528 ، 12529 - رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 97 ، رقم : 715 ، من طريق شعبة ، به.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحق (طريق أبي جعفر رقم : 12528) ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " . ثم رواه من طريق : " محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة " (طريق أبي جعفر رقم : 12529) ، ثم قال : " هذا حديث حسن صحيح " .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 231 ، من مسند أبي داود الطيالسي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 320 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.
(2) الأثران : 12528 ، 12529 - رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 97 ، رقم : 715 ، من طريق شعبة ، به.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحق (طريق أبي جعفر رقم : 12528) ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " . ثم رواه من طريق : " محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة " (طريق أبي جعفر رقم : 12529) ، ثم قال : " هذا حديث حسن صحيح " .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 231 ، من مسند أبي داود الطيالسي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 320 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(10/579)


جناح فيما طعموا " ، فيمن قُتِل ببدر وأحُدٍ مع محمد صلى الله عليه وسلم.
12531 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا خالد بن مخلد قال ، حدثنا علي ابن مسهر ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : لما نزلت : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيل لي : أنت منهم. (1)
12532 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، إلى قوله : " والله يحب المحسنين " ، لما أنزل الله تعالى ذكره تحريم الخمر في " سورة المائدة " ، بعد " سورة الأحزاب " ، (2) قال في ذلك
__________
(1) الأثر : 12531 - " خالد بن مخلد القطواني " ثقة ، مضى برقم 2206 ، 4577 ، 8166 ، 8397.
و " علي بن مسهر القرشي " ، ثقة ، مضى برقم : 4453 ، 5777.
وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه (16 : 14) من طرق ، عن علي بن مسهر ، عن الأعمش ، بمثله.
ورواه الترمذي من طريق سفيان بن وكيع ، عن خالد بن مخلد ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .
ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 143 ، 144 ، من طريق سليمان بن قرم ، عن الأعمش ، بزيادة في لفظه ، وقال : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وإنما اتفقا على حديث شعبة ، عن أبي إسحق ، عن البراء ، مختصر هذا المعنى " ، ولم أجده حديث البراء في الصحيحين ، كما قال الحاكم. وأما الذهبي فلم يزد في تعليقه على المستدرك إلا أن قال : " صحيح " . ولم أجد من نسب حديث البراء إلى الشيخين ، وهو الذي مضى برقم : 12528 ، 12529. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 18 ، بمثل لفظ الحاكم في المستدرك ، ثم قال : " في الصحيح بعضه ، رواه الطبراني ، ورجاله ثقات " . وهذا هو الصحيح لا ما قال الحاكم.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 233 وقال : " رواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي من طريقه " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 321 ، في موضعين ، قال في مثل لفظ الحاكم : " أخرجه الطبراني ، وابن مردويه ، والحاكم وصححه " . ثم رواه مختصرًا كرواية أبي جعفر ، ونسبه إلى مسلم ، والترمذي والنسائي ، وابن مردويه ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ.
(2) قوله : " بعد سورة الأحزاب " ، كأنه يعني بعد نزول سورة الأحزاب ، وليس في سورة الأحزاب ذكر تحريم الخمر ، وكأنه عنى بذلك " بعد غزوة الأحزاب " ، وأخشى أن يكون قوله : " سورة الأحزاب " ، سهوا من الناسخ ، والصواب " غزوة الأحزاب " ، ولكن هكذا جاء في الدر المنثور أيضًا 2 : 321 ، ونسب الخبر ، لعبد بن حميد ، وابن جرير.

(10/580)


رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصيب فلانٌ يوم بدر ، وفلانٌ يوم أحد ، وهم يشربونها! فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة! فأنزل الله تعالى ذكره : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " ، يقول : شربها القومُ على تقوى من الله وإحسانٍ ، وهي لهم يومئذ حلال ، ثم حرِّمت بعدهم ، فلا جناح عليهم في ذلك.
12533 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، قالوا : يا رسول الله ، ما نقول لإخواننا الذين مضوا ؟ كانوا يشربون الخمر ، ويأكلون الميسر! فأنزل الله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، يعني قبل التحريم ، إذا كانوا محسنين متقين وقال مرة أخرى : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " من الحرام قبل أن يحرَّم عليهم " إذا ما اتقوا وأحسنوا " ، بعد ما حُرِّم ، وهو قوله : ( فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ) ، [سورة البقرة : 275].
12534 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرَّم الخمر ، فلم يكن عليهم فيها جناح قبلَ أن تحرَّم. فلما حرِّمت قالوا : كيف تكون علينا حرامًا ، وقد مات إخواننا وهم يشربونها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا

(10/581)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)

ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " ، يقول : ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرِّمها ، إذا كانوا محسنين متقين " والله يحب المحسنين " .
12535 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " ، لمن كان يشرب الخمرَ ممن قتل مع محمد صلى الله عليه وسلم ببدرٍ وأحُدٍ.
12536 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك قوله : " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح " ، الآية ، هذا في شأن الخمر حين حرِّمت ، سألوا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية.
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله " ليبلونّكم الله بشيء من الصيد " ، يقول : ليختبرنكم الله (1) " بشيء من الصيد " ، يعني : ببعض الصيد.
وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء ، لأنه لم يبلُهم بصيد البحر ، وإنما ابتلاهم بصيد البرّ ، فالابتلاء ببعض لا بجميع. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " بلا " فيما سلف : 389 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة : " فالابتلاء ببعض لم يمتنع " ، وهو كلام فارغ من كل معنى. وفي المخطوطة : " فالابتلاء ببعض لا يخشع " ، أساء الناسخ ، الكتابة ، فأساء الناشر التصرف. وصواب العبارة ما أثبت ، لأن أبا جعفر أراد أن يقول إن قوله تعالى : " بشيء من الصيد " ، هو صيد البر خاصة ، دون صيد البحر ، ولم يعم الصيد جميعه بالتحريم. وهذا بين جدًا فيما سيأتي بعد في تفسير هذه الآيات. فصح ما أثبته من قراءة المخطوطة السيئة الكتابة.

(10/582)


وقوله : " تناله أيديكم " ، فإنه يعني : إما باليد ، كالبيض والفراخ وإما بإصابة النَّبْل والرماح ، وذلك كالحمر والبقر والظباء ، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجّكم.
* * *
وبنحو ذلك قالت جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
12537 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ، قال : " أيديكم " ، صغارُ الصَّيد ، أخذ الفراخ والبيض و " الرماح " قال : كبارُ الصيد.
12538 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن داود ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
12539 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " تناله أيديكم ورماحكم " ، قال : النَّبْل " رماحكم " ، تنال كبير الصيد ، (1) " وأيديكم " ، تنال صغير الصيد ، أخذ الفرخ والبيض.
12540 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد في قوله : " ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ، قال : ما لا يستطيع أن يفرَّ من الصيد.
__________
(1) في المطبوعة : " قال : النبل ، ورماحكم تنال... " بزيادة " واو " للعطف ، والصواب ما في المخطوطة ، بحذف " الواو " .

(10/583)


12541 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد. وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، مثله.
12542 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " أيديكم ورماحكم " ، قال : هو الضعيف من الصيد وصغيره ، يبتلي الله تعالى ذكره به عباده في إحرامهم ، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم. فنهاهم الله أن يقرَبوه.
12543 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان الثوري ، عن حميد الأعرج ، وليث ، عن مجاهد في قوله : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ، قال : الفراخ والبيض ، وما لا يستطيع أن يفّر.
* * *
القول في تأويل قوله : { لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : ليختبرنكم الله ، أيها المؤمنون ، ببعض الصيد في حال إحرامكم ، كي يعلم أهلَ طاعة الله والإيمان به ، والمنتهين إلى حدوده وأمره ونهيه ، (1) ومن الذي يخاف الله فيتقي ما نهاه عنه ، (2) ويجتنبه خوف عقابه " بالغيب " ، بمعنى : في الدنيا ، بحيث لا يراه. (3) .
* * *
وقد بينا أن " الغيب " ، إنما هو مصدر قول القائل : " غاب عنّى هذا الأمر
__________
(1) في المطبوعة : " والمنتهون إلى حدوده " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.
(2) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف من فهارس اللغة.
(3) يعني أبو جعفر ، بحيث لا يرى العقاب عيانًا في الدنيا ، كما يراه عيانًا في الآخرة.

(10/584)


فهو يغيب غَيْبًا وغَيْبَةً " ، وأنّ ما لم يُعَاين ، فإن العرب تسميه " غَيْبًا " . (1)
* * *
فتأويل الكلام إذًا : ليعلم أولياء الله من يخافُ الله فيتقي محارمَه التي حرمها عليه من الصيد وغيره ، بحيث لا يراه ولا يُعاينه.
* * *
وأما قوله : " فمن اعتدى بعد ذلك " ، فإنه يعني : فمن تجاوز حدَّ الله الذي حدّه له ، (2) بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام ، فاستحلَّ ما حرَّم الله عليه منه بأخذِه وقتله " فله عذابٌ ، من الله " أليم " ، يعني : مؤلم موجع. (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف 1 : 236 ، 237 / 6 : 405.
(2) انظر تفسير " اعتدى " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).
(3) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

(10/585)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)

القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله " لا تقتلوا الصيد " ، الذي بينت لكم ، وهو صيد البر دون صيد البحر " وأنتم حرم " ، يقول : وأنتم محرمون بحج أو عمرة.
* * *
و " الحرم " ، جمع " حَرَام " ، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد. تقول : " هذا رجل حرام " و " هذه امرأة حرَام " . فإذا قيل : " محرم " ، قيل للمرأة : " محرمة " . و " الإحرام " ، هو الدخول فيه ، يقال : " أحرَم القوم " ، إذا دخلوا في الشهر الحرام ، أو في الحَرَم.
* * *
فتأويل الكلام : لا تقتلوا الصيدَ وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة.
* * *
وقوله : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عبادَه حكمَ القاتل من المحرمين الصيدَ الذي نهاه عن قتله متعمدًا. (1)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة " العَمْد " الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارةَ والجزاء في قتله الصيد.
__________
(1) انظر تفسير " التعمد " فيما سلف 9 : 57.

(10/7)


فقال بعضهم : هو العمد لقتل الصيد ، مع نسيان قاتله إحرامَه في حال قتله. وقال : إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدًا قتله ، فلا حكم عليه ، وأمره إلى الله.
قالوا : وهذا أجلُّ أمرًا من أن يحكم عليه ، أو يكونَ له كفارة.
* ذكر من قال ذلك :
12544 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم " ، من قتله منكم ناسيًا لإحرامه ، متعمدًا لقتله ، فذلك الذي يحكم عليه. فإن قتله ذاكرًا لحُرْمه ، (1) متعمدًا لقتله ، لم يحكم عليه.
12545 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، في الذي يقتل الصيد متعمدًا وهو يعلم أنه محرم ، ويتعمد قتله ، (2) قال : لا يحكم عليه ، ولا حج له. وقوله : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، قال : هو العمد المكفر ، وفيه الكفارة والخطأ ، أن يصيبَه وهو ناس لإحرامه ، متعمدًا لقتله أو يصيبه وهو يريد غيره. فذلك يحكم عليه مرة. (3)
12546 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا " ، غير ناس لحُرْمه (4) ولا مريدٍ غيرَه ، فقد حلّ ، وليست له رخصة. ومن قتله ناسيًا ، أو أراد غيره فأخطأ به ، فذلك العمدُ المكفَّر.
12547 - حدثنا يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، قال : متعمدًا لقتله ، ناسيًا لإحرامه.
__________
(1) في المخطوطة " ذاكرا " في آخر السطر وفي أوله : " الحرمه " وصواب قراءتها ما في المطبوعة. و " الحرم " (بضم الحاء وسكون الراء) : الإحرام بالحج.
(2) في المطبوعة : " ومتعمد قتله " والصواب من المخطوطة.
(3) قوله : " مرة " يعني مرة واحدة فإن عاد لم يحكم عليه ، ومن عاد فينتقم الله منه.
(4) " الحرم " (بضم فسكون) مضى تفسيره في التعليق رقم : 1.

(10/8)


12548 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا الفضيل بن عياض ، عن ليث ، عن مجاهد قال : العمد هو الخطأ المكفَّر.
12549 - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا يونس بن محمد قال ، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال ، حدثنا ليث قال ، قال مجاهد : قول الله : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم " ، قال : فالعمد الذي ذكر الله تعالى ذكره : أن يصيب الصيدَ وهو يريد غيره فيصيبه ، فهذا العمد المكفَّر ، فأما الذي يصيبه غيرَ ناس ولا مريد لغيره ، فهذا لا يحكم عليه. هذا أجلُّ من أن يحكم عليه. (1)
12550 - حدثنا ابن وكيع ، ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الهيثم ، عن الحكم ، عن مجاهد : أنه قال في هذه الآية : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، قال : يقتله متعمدًا لقتله ، ناسيًا لإحرامه.
12551 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي قال ، حدثنا شعبة ، عن الهيثم ، عن الحكم ، عن مجاهد ، مثله.
12552 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، قال ابن جريج " ومن قتله منكم متعمدًا " ، غير ناس لحُرْمه ولا مريدٍ غيرَه ، فقد حلَّ ، وليست له رخصة. ومن قتله ناسيًا لحرمه ، أو أراد غيره فأخطأ به ، فذلك العمد المكفَّر.
12553 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، للصيد ، ناسيًا لإحرامه " فمن اعتدى بعد ذلك " ، متعمدًا للصيد يذكرُ إحرامه. (2)
12554 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن أبي عدي قال ، حدثنا إسماعيل بن مسلم قال : كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدًا ذاكرًا
__________
(1) الأثر : 12549 - " يونس بن محمد بن مسلم البغدادي " الحافظ مضى برقم : 5090.
(2) الأثر : 12553 - " سهل بن يوسف الأنماطي " مضى في مثل هذا الإسناد رقم : 10648.

(10/9)


لإحرامه : لم يحكم عليه قال إسماعيل : وقال حماد ، عن إبراهيم ، مثل ذلك.
12555 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عفان بن مسلم قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال : أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الآية : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم " ، الآية ، فسألته ، فقال : كان عطاء يقول : هو بالخيار ، أيَّ ذلك شاء فعل ، إن شاء أهدى ، وإن شاء أطعم ، وإن شاء صام. فأخبرت به جعفرًا وقلت : ما سمعت فيه ؟ فتلكأ ساعة ، ثم جعل يضحك ولا يخبرني ، ثم قال : كان سعيد بن جبير يقول : يحكم عليه من النعم هديًا بالغ الكعبة ، وإنما جُعل الطعام والصيام [كفارة] ، فهذا لا يبلغُ ثمن الهدي ، (1) والصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة.
12556 - حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا ابن أبي مريم قال ، أخبرنا نافع بن يزيد قال ، أخبرني ابن جريج قال ، قال مجاهد : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، غير ناس لحُرْمه ، ولا مريدٍ غيره ، فقد حلّ ، وليست له رخصة. ومن قتله ناسيًا ، أو أراد غيره فأخطأ به ، فذلك العمد المكفَّر.
12557 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : أما الذي يتعمد فيه للصيد وهو ناس لحرمه ، أو جاهل أنّ قتله غيرُ محرَّم ، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدًا بعد نهي الله ، وهو يعرف أنه مُحْرِم ، وأنه حرام ، فذلك يوكَل إلى نقمة الله ، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة.
12558 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، قال : متعمدًا لقتله ، ناسيًا لإحرامه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ... هديًا بالغ الكعبة فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه ، فقوم طعامًا ، فتصدق به ، فإن لم يجد حكم عليه الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة " غير ما كان في المخطوطة كل التغيير. والذي كان في المخطوطة هو ما أثبته حاشى الزيادة التي بين القوسين زدتها استظهارا من سياق الآية ليستقيم الكلام. وقوله : " فهذا لا يبلغ ثمن الهدي " كأنه يعني إطعام المساكين. والجملة بعد ذلك تحتاج إلى فضل تأمل ، ولم أجد الخبر في مكان غير هذا المكان.

(10/10)


وقال آخرون : بل ذلك هو العمد من المحرِم لقتل الصيد ، ذاكرًا لحُرْمه.
* ذكر من قال ذلك :
12559 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان.
12560 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، حدثنا ابن جريج وحدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو عاصم عن ، ابن جريج قال ، قال طاوس : والله ما قال الله إلا " ومن قتله منكم متعمدًا " .
12561 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرني بعض أصحابنا ، عن الزهري أنه قال : نزل القرآن بالعَمْد ، وجرت السنة في الخطأ يعني : في المحرم يصيب الصيدَ.
12562 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " ، قال : إن قتله متعمدًا أو ناسيًا ، حكم عليه. وإن عاد متعمدًا عُجِّلت له العقوبة ، إلا أن يعفو الله.
12563 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير قال : إنما جعلت الكفارة في العمد ، ولكن غُلِّظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.
12564 - حدثنا عمرو بن على قال ، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، نحوه.
12565 - حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا ابن أبي مريم قال ، أخبرنا نافع بن يزيد قال ، خبرنا ابن جريج قال : كان طاوس يقول : والله ما قال الله إلا " ومن قتله منكم متعمدًا " .
* * *

(10/11)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره حرّم قتل صيد البر على كل محرِم في حال إحرامه ما دام حرامًا بقوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد " ثم بيَّن حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدًا لقتله ، ولم يخصص به المتعمِّد قتلَه في حال نسيانه إحرامَه ، ولا المخطئَ في قتله في حال ذكره إحرامَه ، بل عمَّ في التنزيل بإيجاب الجزاء ، كلَّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدًا. (1) وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب ، ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، (2) ولا إجماع من الأمة. ولا دلالةَ من بعض هذه الوجوه.
فإذْ كان ذلك كذلك ، فسواءٌ كان قاتل الصيد من المحرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامه ، أو عامدًا قتله ناسيًا لإحرامه ، أو قاصدًا غيره فقتله ذاكرًا لإحرامه في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى ذكره ، وهو : مثلُ ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين ، أو كفارة طعامُ مساكين ، أو عدل ذلك صيامًا.
* * *
وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما ، (3) دون القول الذي قاله مجاهد. (4)
وأما ما يلزم بالخطأ قاتله ، فقد بيّنا القول فيه في كتابنا : (كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع ) ، بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع. وليس هذا الموضع موضع ذكره ، لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل ، وليس في التنزيل للخطإ ذكر ، فنذكر أحكامه.
* * *
__________
(1) السياق : " بل عم... كل قاتل صيد " " كل " مفعول : " عم " .
(2) في المخطوطة : " من كتاب نص ولا خبر الرسول صلى الله عليه وسلم " . وما في المطبوعة أحسن في السياق.
(3) يعني رقم : 12559 ، 12561.
(4) يعني رقم : 12544 - 12551 ورقم : 12556 ، 12558.

(10/12)


وأما قوله : " فجزاء مثلُ ما قتل من النعم " ، فإنه يقول : وعليه كِفاءٌ وبَدل ، (1) يعني بذلك : جزاء الصيد المقتول. يقول تعالى ذكره : فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول ، مثل ما قتل من النعم. (2)
* * *
وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : (فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم) .
* * *
وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة وبعض البصريين : (فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم) ، بإضافة " الجزاء " إلى " المثل " وخفض " المثل " .
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : ( فجزاء مثل ما قتل ) بتنوين " الجزاء " ورفع " المثل " ، بتأويل : فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتل.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك بالصواب ، قراءة من قرأ : ( فجزاء مثل ما قتل ) بتنوين " الجزاء " ورفع " المثل " ، لأن الجزاء هو المثل ، فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه.
وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بالإضافة ، رأوا أن الواجبَ على قاتل الصيد أن يَجْزِي مثله من الصيد بمثلٍ من النعم. وليس ذلك كالذي ذهبوا إليه ، بل الواجب على قاتله أن يجزي المقتولَ نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك ، فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى ذكره على قاتل الصيد ، ولن يضاف الشيء إلى نفسه. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " كفارة وبدل " والصواب من المخطوطة. و " كفاء الشيء " (بكسر الكاف) : مثله ونظيره من قولهم : " كافأه على الشيء مكافأة وكفاء " : جزاه.
(2) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف 2 : 27 ، 28 ، 314/6 : 576/7 : 2279 : 57.
(3) في المطبوعة : " ولن يضاف... " وهو غير جيد ، وفي المخطوطة : " فإن يضاف " ورجحت أن يكون صوابها ما أثبت.

(10/13)


ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه ، بالتنوين ونصب " المثل " . (1) ولو كان " المثل " غير " الجزاء " لجاز في المثل النصب إذا نوِّن " الجزاء " ، كما نصب " اليتيم " إذ كان غير " الإطعام " في قوله : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [سورة البلد : 14 ، 15] وكما نصب " الأموات " " والأحياء " ، ونون " الكِفَات " في قوله : أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [سورة المرسلات : 25 ، 26] ، إذ كان " الكفات " غير " الأحياء " " والأموات " . وكذلك الجزاء لو كان غير " المثل " ، لاتسعت القراءة في " المثل " بالنصب إذا نون " الجزاء " . ولكن ذلك ضاق ، فلم يقرأه أحد بتنوين " الجزاء " ونصب " المثل " ، إذ كان " المثل " هو " الجزاء " ، وكان معنى الكلام : ومن قتله منكم متعمدًا فعليه جزاءٌ هو مثلُ ما قتل من النعم. (2)
* * *
ثم اختلف أهل العلم في صفة " الجزاء " ، وكيف يجزي قاتلُ الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم. (3) .
فقال بعضهم : ينظر إلى أشبه الأشياء به شبهًا من النعم ، فيجزيه به ، ويهديه إلى الكعبة.
* ذكر من قال ذلك :
12566 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، قال : أما " جزاء مثل ما قتل من النعم " فإن قتل نعامة أو حمارًا
__________
(1) بل روى ذلك أبو الفتح ابن جني في كتابه " المحتسب " ونسبها لأبي عبد الرحمن يعني السلمي فيما أرجح. وذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات ص : 34 ونسبها إلى محمد بن مقاتل وإن كان ما في المطبوع : " فجزاء مث " بنصب " جزاء " والصواب بنصب " مثل " .
(2) في المخطوطة : " هو ما قتل من النعم " والصواب ما في المطبوعة.
(3) في المطبوعة : " بمثله من النعم " وفي المخطوطة : " مثل من النعم " فرأيت قراءتها كما أثبتها.

(10/14)


فعليه بَدَنة. وإن قتل بقرة أو أيِّلا أو أرْوَى (1) فعليه بقرة. أو قتل غزالا أو أرنبًا فعليه شاة. وإن قتل ضبًّا أو حرباءَ أو يَرْبوعًا ، فعليه سَخْلة قد أكلت العُشب وشربت اللبن. (2)
12567 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن ابن مجاهد قال ، سئل عطاء : أيغَرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره ؟ قال : أليس يقول الله تعالى ذكره : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " ؟ (3)
12568 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قال مجاهد : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، قال : عليه من النعم مثله.
12569 - حدثنا هناد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس في قوله : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، قال : إذا أصاب المحرم الصيدَ ، وجب عليه جزاؤه من النعم. فإن وجد جزاءه ذبَحه فتصدق به ، فإن لم يجد جزاءه قوَّم الجزاء دراهم ، ثم قوم الدراهمَ حِنطة ، ثم صام مكان كل نصف صاع يومًا. قال : وإنما أريد بالطعام الصوم ، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً.
12570 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : " فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به
__________
(1) " الأيل " (بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة) : وهو ذكر الوعول. و " الأروى " إناث الوعول وهو اسم لجمعها واحدتها " أروية " (بضم الهمزة وسكون الراء والواو مكسورة والياء مشددة مفتوحة). وجاء بها هنا وهو يعني " الأروية " .
(2) " السخلة " (بفتح فسكون) : ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى.
(3) الأثر : 12567 - " هرون بن المغيرة بن حكيم البجلي " مضى برقم : 3356 ، 5526.
وأما " ابن مجاهد " فلم أستطع أن أعرف من هو ، وكان في المطبوعة : " أبي مجاهد " وأثبت ما في المخطوطة وكأنه الصواب ، وإن أعياني أن أعرف صدر اسمه.

(10/15)


ذوا عدل منكم هديًا بالغَ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا " ، قال : إذا أصاب المحرم الصيد ، حكم عليه جزاؤه من النعم. فإن لم يجد ، نظر كم ثمنه قال ابن حميد : نظر كم قيمته فقوّم عليه ثمنه طعامًا ، فصام مكان كل نصف صاع يومًا " أو كفارة طعام مساكين ، أو عدلُ ذلك صيامًا " ، قال : إنما أريد بالطعام الصيام ، فإذا وجد الطعام وَجد جزاءه.
12571 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم " فإن لم يجد هديًا ، قُوِّم الهدي عليه طعامًا ، وصام عن كل صاع يومين.
12572 - حدثنا هناد قال ، حدثنا عبد بن حميد ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس في هذه الآية : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة " ، قال : إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه ، فإن لم يكن عنده قوم عليه ثمنه طعامًا ، ثم صام لكل نصف صاع يومًا.
12573 - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : ابتدرت وصاحبٌ لي ظبيًا في العقبة ، فأصبته ، فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له ، فأقبل علي رجل إلى جنبه ، فنظرا في ذلك قال فقال : اذبح كبشًا. (1)
__________
(1) الأثر : 12573 - " عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي " المعروف بالقبطي و " ابن القبطية " . رأى عليا وأبا موسى. مترجم في التهذيب.
و " قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي " روى عن عمر وشهد خطبته بالجابية ثقة في فقهاء الطبقة الأولى من فقهاء أهل الكوفة بعد الصحابة. مترجم في التهذيب.
هذا وخبر قبيصة بن جابر سيرويه أبو جعفر من طرق من رقم : 12573 - 12577ن ثم : 12586 - 15288 بألفاظ مختلفة. ورواه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 181 من طريق سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك.
ونقله ابن كثير في تفسيره 3 : 237 ، 238 وهو رقم : 12588 عن هذا الموضع من تفسير أبي جعفر وأشار إلى بعض طرقه هنا. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 329 بنحو من لفظ رقم : 12588 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم قال : " وصححه " ولم أجده في مظنته من المستدرك للحاكم.

(10/16)


12574 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن الشعبي قال : أخبرني قبيصة بن جابر ، نحوا مما حدَّث به عبد الملك.
12575 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن المسعودي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : قتل صاحب لي ظبيًا وهو محرم ، فأمره عمر أن يذبح شاة فيتصدق بلحمها ويُسْقي إهابها. (1)
12576 - حدثني هناد قال : حدثنا ابن أبي زائدة ، عن داود بن أبي هند ، عن بكر بن عبد الله المزني قال : قتل رجلٌ من الأعراب وهو محرم ظبيًا ، فسأل عمر ، فقال له عمر : اهدِ شاة. (2)
12577 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو الأحوص ، عن حصين وحدثنا أبو هشام الرفاعي قال : حدثنا ابن فضيل قال ، حدثنا حصين عن الشعبي قال ، قال قبيصة بن جابر : أصبت ظبيًا وأنا محرم ، فأتيت عمر فسألته عن ذلك ، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف. فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ أمرَه أهون من ذلك! قال : فضربني بالدِّرّة حتى سابقته عدوًا! (3) قال : ثم قال : قتلتَ الصيد وأنتَ محرم ، ثم تَغْمِص الفُتيا! (4) قال : فجاء عبد الرحمن ، فحكما شاة.
__________
(1) الأثر : 12575 - هو مختصر الأثر رقم : 12588 وسيأتي تفسير " يسقى إهابها " في التعليق عليه هناك.
(2) الأثر : 12576 - هذا خبر مرسل عن عمر " بكر بن عبد الله المزني " لم يسمع من عمر. ولكنها قصة قبيصة بن جابر التي ذكرها قبل.
(3) " الدرة " (بكسر الدال) : عصا قصيرة يحملها السلطان او غيره يدب بها. ودرة أمير المؤمنين عمر أشهر درة في التاريخ.
(4) " غمص الشيء يغمصه غمصا " : حقره واستصغره واستهان به. يعني : اتحتقر الفتيا وتستهين بها وتزدريها ؟

(10/17)


12578 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم " ، قال : إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه ، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجد ، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد ، فصيام ثلاثة أيام. فإن قتل أيِّلا أو نحوه ، فعليه بقرة. وإن قتل نعامة أو حمارَ وحش أو نحوه ، فعليه بدنة من الإبل.
12579 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا أبو عاصم قال : أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : أرأيت إن قتلتُ صيدًا فإذا هو أعور ، أو أعرج ، أو منقوص ، أغرم مثله ؟ قال : نعم ، إن شئت. قلت : أوْفَي أحبُّ إليك ؟ قال : نعم. وقال عطاء : وإن قتلت ولدَ الظبي ، ففيه ولد شاة. وإن قتلت ولد بقرة وحشية ، ففيه ولد بقرة إنسية مثله ، فكلّ ذلك على ذلك.
12580 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي قال ، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار أوالنعامة فعليه مثله من الإبل. وما كان ذا قرن من صيد البر من وعِلٍ أو أيِّل ، فجزاؤه من البقر. وما كان من ظبي فمن الغنم مثله. وما كان من أرنب ، ففيها ثَنِيَّة. (1) وما كان من يربوع وشبهه ، ففيه حَمَلٌ صغير. وما كان من جرادة أو نحوها ، ففيه قبضة من طعام. وما كان من طير البر ، ففيه أن يقوَّم ويتصدق بثمنه ، وإن شاء صام لكل نصف صاع يومًا. وإن أصاب فرخ طير برِّية أو بيضها ، فالقيمة فيها طعامٌ أو صوم على الذي يكون في الطير. غير أنه قد ذكر في بيض النعام إذا إصابها المحرم ، أن يحمل الفحل على عدة من أصاب من البيض على
__________
(1) " الثنية " يعني الثنية من المعز ، وهو ما دخل في السنة الثانية أو الثالثة.

(10/18)


بِكارة الإبل ، (1) فما لَقِح منها أهداه إلى البيت ، وما فسد منها فلا شيء فيه.
12581 - حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا ابن أبي مريم قال ، أخبرنا نافع قال ، أخبرني ابن جريج قال ، قال مجاهد : من قتله يعني الصيد ناسيًا ، أو أراد غيره فأخطأ به ، فذلك العمد المكفَّر ، فعليه مثله هديًا بالغ الكعبة. فإن لم يجد ، ابتاع بثمنه طعامًا. فإن لم يجد ، صام عن كل مُدٍّ يومًا. وقال عطاء : فإن أصاب إنسان نعامة ، كان له إن كان ذا يسار مُوَسَّعًا (2) إن شاء يهدي جزورًا أو عَدْلَها طعامًا أو عدلها صيامًا ، أيّتهن شاء ، (3) من أجل قوله : فجزاء ، أو كذا أو كذا (4) قال : فكل شيء في القران : " أو " " أو " ، فليختر منه صاحبه ما شاء.
12582 - حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا ابن أبي مريم قال ، أخبرنا نافع قال ، أخبرني ابن جريج قال ، أخبرني الحسن بن مسلم قال : من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاة فصاعدًا ، فذلك الذي قال الله تعالى ذكره : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " . وأما " كفارة طعام مساكين " ، فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي ، العصفورَ يقتل ، فلا يكون فيه. قال : " أو عدل ذلك صيامًا " ، عدل النعامة ، أو عدل العصفور ، أو عدل ذلك كله.
* * *
وقال آخرون : بل يقوَّم الصيد المقتول قيمتَه من الدراهم ، ثم يشتري القاتل بقيمته نِدًّا من النعم ، ثم يهديه إلى الكعبة.
__________
(1) " البكارة " (بكسر الباء) جمع " بكر " و " بكرة " (بفتح الباء) : وهو الفتى من الإبل بمنزلة الغلام من اللناس.
(2) في المطبوعة : " كان له إن كان ذا يسار ما شاء " بحذف " الواو من قوله " وإن كان " وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة : " كان له وإن كان ذا يسار من سا " فرأيت أن أقرأها كما أثبتها فهو حق المعنى. لأنه يريد أن يقول : إن الله وسع له ورخص في هذا النخيير الذي ذكره بعد.
(3) في المطبوعة : " أيهن شاء " وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب.
(4) في المطبوعة : " أو كذا " مرة واحدة وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب.

(10/19)


* ذكر من قال ذلك :
12583 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبدة ، عن إبراهيم قال : ما أصاب المحرم من شيء ، حكم فيه قيمته.
12584 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن حماد قال : سمعت إبراهيم يقول : في كل شيء من الصيد ثمنه.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في تأويل الآية ، ما قال عمر وابن عباس ، ومن قال بقولهما : أن المقتول من الصيد يُجْزَي بمثله من النعم ، كما قال الله تعالى ذكره : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " . وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم ، وقد قال الله تعالى : " من النعم " ، لأن الدراهم ليست من النعم في شيء.
* * *
فإن قال قائل : فإن الدراهمَ وإن لم تكن مثلا للمقتول من الصيد ، فإنه يشتري بها المثل من النعم ، فيهديه القاتل ، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيًا بما قتل من الصيد مثلا من النعم!
قيل له : أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرًا [ أو معيبا ، ولا يصاب بقيمته من النعم إلا] (1) كبيرًا أو سليمًا أو كان المقتول من الصيد كبيرًا أو سليمًا بقيمته من النعم إلا صغيرًا أو معيبًا (2) أيجوز له أن يشتريَ بقيمته خلافه وخلافَ صفته فيهديه ، أم لا يجوز ذلك له ، وهو لا يجوز إلا خلافه ؟ فإن زعم أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلا مثله ، ترك قوله في ذلك. لأنّ أهل هذه المقالة يزعمون أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمة ذلك فيهديه ، (3) إلا ما
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرا أو كبيرا او سليما أو كان المقتول من الصيد... " وهو كلام لا يستقيم إلا بهذه الزيادة التي زدتها بين القوسين وتصحيح " أو كبيرا " بما أثبته " إلا كبيرا " وهو ما اسظهرته من سياق كلام أبي جعفر.
(2) في المطبوعة : " ولا يصيب بقيمته... " والصواب ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " بقيمته ذلك " وهو خطأ صوابه في المخطوطة.

(10/20)


يجوز في الضحايا. وإذا أجاز شراءَ مثل المقتول من الصيد بقيمته وإهداءها وقد يكون المقتول صغيرًا معيبًا ، (1) أجاز في الهدي ما لا يجوز في الأضاحي. (2)
وإن زعم أنه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا أوضح بذلك من قوله الخلافَ لظاهر التنزيل. وذلك أنّ الله تعالى ذكره ، أوجب على قاتل الصيد من المحرِمين عمدًا ، المثلَ من النعم إذا وجده. وقد زعم قائل هذه المقالة أنه لا يجب عليه المثل من النعم ، وهو إلى ذلك واجدٌ سبيلا.
ويقال لقائل ذلك : أرأيت إن قال قائل آخر : " ما على قاتل ما لا تبلغُ من الصيد قيمته ما يصاب به من النَّعم ما يجوز في الأضاحي من إطعام ولا صيام. (3) لأن الله تعالى إنما خيَّر قاتل الصيد من المحرمين في أحد الثلاثة الأشياء التي سماها في كتابه ، فإذا لم يكن له إلى واحد من ذلك سبيل ، سقط عنه فرض الآخرَيْن. لأن الخيار إنما كان له ، وله إلى الثلاثة سبيل. فإذا لم يكن له إلى بعض ذلك سبيل ، بطل فرض الجزاء عنه ، لأنه ليس ممن عُني بالآية نظيرَ الذي قلت أنت : " إنه إذا لم يكن المقتول من الصيد يبلغ قيمته ما يصاب من النعم مما يجوز في الضحايا ، فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النعم عنه ، وإنما عليه الجزاء بالإطعام أو الصيام " ، هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " وإذا أجازوا شرى مثل المقتول " وصواب كل ذلك ما أثبت وإنما وهم الناسخ في " أجازوا " فإن جواب " إذا " يدل على خلافه وصواب ما أثبت.
(2) في المطبوعة : " أجازوا في الهدي " غير ما في المخطوطة لوهم الناسخ كما قلت في التعليق السالف.
(3) في المطبوعة : " ما لا يبلغ " وهو في المخطوطة غير منقوطة وصوابها ما أثبت. وسياق هذه الجملة : " ما على قاتل ما تبلغ... من إطعام ولا صيام " يعني ليس على قاتل صيد لا تبلغ قيمته أن يشتري بها من النعم ما يجوز مثله في الأضاحي إطعام أو صيام.

(10/21)


القول في تأويل قوله : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم يعني : فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل (1) " هديًا " ، يقول : يقضي بالجزاء ذوا عدل ، أي يُهْدَي فيبلغ الكعبة. (2) و " الهاء " في قوله : " ويحكم به " ، عائدة على " الجزاء " . (3) .
* * *
قال أبو جعفر : ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل : أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه ، فإن ذكر أنه أصاب ظبيًا صغيرًا ، حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم ، فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرًا ، حكما عليه من الضأن بكبير. وإن كان الذي أصاب حمار وَحْش ، حكما عليه ببقرة. إن كان الذي أصاب كبيرًا من البقر ، وإن كان صغيرًا فصغيرًا. وإن كان المقتول ذكرًا فمثله من ذكور البقر. وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى. ثم كذلك ذلك ، ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبهًا من النعم ، (4) فيحكمان عليه به ، كما قال تعالى ذكره .
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، على اختلافٍ في ذلك بينهم.
* ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه :
__________
(1) انظر تفسير " العدل " فيما سلف 6 : 51 ، 60 .
(2) في المطبوعة : " أن يهدي " وأثبت ما في المخطوطة.
(3) انظر تفسير " الهدي " فيما سلف 4 : 34 ، 35/9 : 466.
(4) في المخطوطة : " ينظر إلى أشبه الأشياء " والصواب ما في المطبوعة.

(10/22)


12585 - حدثنا هنّاد بن السريّ قال : حدثنا ابن أبي زائدة قال : أخبرنا داود بن أبي هند ، عن بكر بن عبد الله المزني قال : كان رجلان من الأعراب محرِمين ، فأحاش أحدهما ظبيًا ، فقتله الآخر. (1) فأتيا عمر ، وعنده عبد الرحمن بن عوف ، فقال له عمر : (2) وما ترى ؟ قال : شاة ، قال : وأنا أرى ذلك ، اذهبا فأهديا شاة. فلما مضَيا قال أحدهما لصاحبه : ما درَى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه!! فسمعها عمر ، فردّهما فقال : هل تقرأان سورة المائدة ؟ فقالا لا! فقرأها عليهما : (3) " يحكم به ذوا عدل منكم " ، ثم قال : استعنت بصاحبي هذا.
12586 - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيًا في العقبة ، فأصبته ، فأتيت عمر بن الخطاب ، فذكرت ذلك له. فأقبل على رجل إلى جنبه ، فنظرا في ذلك. قال فقال : اذبح كبشًا قال يعقوب في حديثه ، فقال لي : اذبح شاة فانصرفت فأتيت صاحبي فقلت : إن أميرَ المؤمنين لم يدرِ ما يقول! فقال صاحبي : انحر ناقتك. فسمعها عمر بن الخطاب ، فأقبل عليَّ ضربًا بالدِّرة وقال : تقتل الصيد وأنت محرم ، وتَغْمِصُ الفُتْيا! (4) إن الله تعالى يقول في كتابه : " يحكم به ذوا عدل منكم " ، هذا ابن عوف ، وأنا عمر! (5)
12587 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن
__________
(1) في المطبوعة : " فأجاش " بالجيم وهو خطأ وفي المخطوطة غير منقوط. " حاش الصيد حوشا وحياشا " و " أحاشه " و " أحوشه " و " حشت عليه الصيد " و " أحشته " : إذا نفرته نحوه وأخذته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة ثم سقته نحوه وجمعته عليه.
(2) في المخطوطة في الموضعين : " عمرو " وهو خطأ محض ، وفي المطبوعة في الآخرة منهما " عمرو " وهو خطأ.
(3) في المطبوعة : " فقرأها عليهما " والصواب ما في المخطوطة.
(4) انظر تفسير " غمص الفتيا " فيما سلف ص : 17 تعليق : 4.
(5) الأثر : 12586 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 12573.

(10/23)


الشعبي قال ، أخبرني قبيصة بن جابر ، بنحو ما حدث به عبد الملك.
12588 - حدثنا هناد وأبو هشام قالا حدثنا وكيع ، عن المسعودي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : خرجنا حجاجًا (1) فكنا إذا صلينا الغداة ، اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدث ، (2) قال : فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبيٌ أو بَرَح ، (3) فرماه رجل منا بحجر ، فما أخطأ خُشَّاءه ، (4) فركب رَدْعَه ميتًا. (5) قال : فعظَّمنا عليه. فلما قدمنا مكة ، خرجت معه حتى أتينا عمر ، فقص عليه القصة. قال : وإذا إلى جنبه رجلٌ كان وجهه قُلْبُ فضة (6) يعني عبد الرحمن بن عوف فالتفت إلى صاحبه فكلمه. قال : ثم أقبل علي الرجل قال : أعمدًا قتلته أم خطأ ؟ قال الرجل : لقد تعمَّدت رميه ، وما أردت قتله. فقال عمر : ما أراك إلا قد أشركتَ بين العمد والخطأ ، أعمد إلى شاة فاذبحها ، وتصدق بلحمها ، وَاسْقِِ إهابَها. (7) قال : فقمنا من عنده ، فقلت : أيها الرجل ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " خرجنا " لم يذكر " حجاجا " ولكن ابن كثير نقله عن هذا الموضع وفيه " حجاجا " وكذلك هي في رواية البيهقي في السنن 5 : 181. وإذن فقد سقط من الناسخ " حجاجا " فلذلك أثبتها.
(2) " صلاة الغداة " هي صلاة الفجر.
(3) " سنح الظبي " أتاك عن يسارك و " برح " : أتاك عن يمينك.
(4) في المطبوعة : " خششاءه " وأثبت ما في المخطوطة وهي بضم الخاء وتشديد الشين المفتوحة وكلتاهما صواب وبهما روى الخبر. و " الخشاء " و " الخششاء " : وهو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتئ خلف الأذن.
(5) في المطبوعة : " فركب وودعه ميتا " وهو كلام ساقط جدا. وفي المخطوطة : " فركب ودعه ميتا " وهو تصحيف صوابه ما أثبت. يقال للقتيل : " ركب ردعه " : إذا خر لوجهه على دمه. وركوبه عليه : أن الدم يسيل ثم يخر عليه صريعا. وأصل " الردع " ما تلطخ به الشيء من زعفران أو غيره ، وهو أثره ولونه.
(6) " القلب " (بضم فسكون " : سوار يكون قلدا واحدا أي ليا واحدا. وفي الحديث : " أن فاطمة حلت الحسن والحسين رضي الله عنهما بقلبين من فضة " أي : سوارين من فضة. وصفة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في طبقات ابن سعد 3/1/94 : " كان رجلا طويلا حسن الوجه رقيق البشرة فيح جدّا (ميل في الظهر أو العنق) أبيض مشربا حمرة لا يغير لحيته ولا رأسه " .
(7) قوله " أسق إهابها " يعني : أعط إهابها من يدبغه ويتخذ من جلده سقاء. و " السقاء " ظرف الماء من الجلد. و " الإهاب " : الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ.

(10/24)


عظِّم شعائر الله! (1) فما درى أمير المؤمنين ما يُفتيك حتى سأل صاحبه! اعمد إلى ناقتك فانحرها ، ففعلَّ ذاك! (2) قال قبيصة : ولا أذكر الآية من " سورة المائدة " : " يحكم به ذوا عدل منكم " قال : فبلغ عمر مقالتي ، فلم يفجأنا إلا ومعه الدِّرّة! قال : فعلا صاحبي ضربًا بالدّرة ، (3) وجعل يقول : أقتلت في الحرم وسفَّهت الحُكم! قال : ثم أقبل عليّ فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا أحِلَّ لك اليوم شيئًا يحرُم عليك مني! (4) قال : يا قبيصة بن جابر ، إنّي أراك شابَّ السن ، فسيحَ الصدر (5) بيِّن اللسان ، وإن الشاب يكون فيه تسعةُ أخلاق حسنة وخلق سييء ، فيفسد الخلق السييء الأخلاقَ الحسنة ، فإياك وعثرات الشباب! (6)
12589 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن مخارق ، عن طارق قال : أوطأ أربدُ ضَبًّا (7) فقتله - وهو محرم. فأتى عمر ليحكم عليه ، فقال له عمر : احكم معي! فحكما فيه جَدْيًا قد جَمَع الماء والشجر. (8) ثم قال عمر : " يحكم به ذوا عدل منكم " . (9)
12590 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدًا ، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك ، وعنده عبد الله بن صفوان ، فقال ابن عمر لابن صفوان : إما إن أقول فتصدقني ، وإما أن تقول فأصدقك. فقال ابن صفوان : بل أنت فقل. فقال ابن عمر ، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان.
12591 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا هشام ، عن ابن سيرين ، عن شريح ، أنه قال : لو وجدت حكمًا عدلا لحكمت في الثعلب جَدْيًا ، وجديٌ أحبُّ إليّ من الثعلب. (10)
__________
(1) في المخطوطة : " أعظم شعائر الله " وما في المطبوعة هو الموافق لما في سنن البيهقي وهو أولاهما لمطابقته نص آية " سورة الحج " : " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب " .
(2) في المطبوعة : " ففعل ذاك " والصواب هو ما في المخطوطة وابن كثير يقول : فلعل ذلك أن يكون جزاء مثل ما قتلت من الصيد. وفي ابن كثير : " يعني أن يجزئ عنك " وهذا النص ليس في المخطوطة فلذلك لم أزده في هذا الموضع ، أخشى أن يكون من كلام ابن كثير.
(3) روى البيهقي هذا الخبر بغير هذا اللفظ وقال عند هذا الموضع : " فما علمت بشيء والله ما شعرت إلا به يضرب بالدرة على وقال مرة : على صاحبي " فهذه التي هنا هي إحدى الروايتين.
(4) يعني أنه لما أقبل عليه عمر وعوف أنه ضاربه كما ضرب صاحبه رهب عمر واخافه بقوله : إنه لن يحله من ضرب بشرة هي عليه حرام إلا بحقها. فلذلك هاب عمر أن يضربه كما ضرب صاحبه. فانظر إلى ما طبع عليه أسلافنا من حرية الطباع وما وقذ الإسلام من عرامهم حتى كف عمر يده مخافة أن يصيب من أبشار المسلم حراما لا يحل له إلا بحقه.
(5) قوله : " فسيح الصدر " أي : واسع الصدر وذلك من دلائل القوة ومتانة التركيب وهذه المقالة من عمر من أبلغ ما يهدى إلى الشباب فإن البلاء إنما يأتي من سوء الخلق ، وخلق سيئ واحد يجر وراءه جميع مساوي الأخلاق.
(6) الأثر : 12588 - انظر تخريج خبر قبيصة بن جابر فيما سلف في التعليق على رقم : 12573.
وختم البيهقي هذا الأثر (السنن 5 : 181) وهو من رواية ابن أبي عمر ، عن سفيان عن عبد الملك بن عمير : " قال ابن أبي عمر ، قال سفيان : وكان عبد الملك إذا حدث بهذا الحديث قال : ما تركت منه ألفا ولا واوا " .
(7) " أوطأ " يعني : حمل دابته حتى وطئت الضب أي داسته. فسرته كذلك لأنهم يقولون : " وطئ الشيء ووطأته ، وتوطأه " بمعنى : داسه ولم يذكروا " أوطأه " وإن كنت أرى القياس يعين عليه.
(8) قوله : " جمع الماء والشجر " يعني : فطم ورعى الماء والشجر وهذا تفسير لم أجده في شيء من مراجع اللغة او مجازها. ينبغي إثباته.
(9) الأثر : 12589 - " مخارق " هو " مخارق بن خليفة بن جابر " ويقال : " مخارق بن عبد الله " و " مخارق بن عبد الرحمن " البجلي الأحمسي ، ثقة مضى برقم : 11682.
و " طارق " هو : " طارق بن شهاب البجلي الأحمسي " مضى برقم : 9744 ، 11682 ، 12073 - 12075 ، 12085.
و " أربد " هو " أربد بن عبد الله البجلي " أدرك الجاهلية هكذا ترجم له ابن حجر في الإصابة في القسم الثالث ، وذكر هذا الخبر مبينا فيه اسمه ثم قال : " إسناده صحيح ورواه الأعمش عن سليمان بن ميسره ، عن طارق ، ولم يسم الرجل " .
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 182 من طريق الشافعي عن سفيان بن عيينة. وهو في الأم 2 : 165 ومسند الشافعي للسندي : 332 وشرحه الأستاذ حامد مصطفى بمثل ما شرحته قبل.
(10) في المطبوعة : " من الثعلب " وأثبت ما في المخطوطة وهو الجيد.

(10/25)


12592 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن بكير قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي مجلز : أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدًا وهو محرم ، وعنده ابن صفوان ، فقال له ابن عمر : إما أن تقول فأصدقك ، أو أقول فتصدقني. قال : قل وأصدقك.
12593 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل قال ، أخبرني ابن جرير البجلي قال : أصبت ظبيًا وأنا محرم ، فذكرت ذلك لعمر ، فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. فأتيت عبد الرحمن وسعدًا ، فحكما عليّ تيسًا أعْفَر قال أبو جعفر : " الأعفر " : الأبيض. (1)
12594 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن منصور بإسناده عن عمر ، مثله.
12595 - حدثنا عبد الحميد قال ، أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن
__________
(1) الأثر : 12593 - " أبو وائل " هو " شقيق بن سلمة الأسدي " مضى مرارا كثيرة. و " أبو جرير البجلي " لم يترجم له غير ابن سعد في الطبقات 6 : 106ن 107 وقال : " روى عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد " وساق هذا الخبر مختصرا من طريق إسحق بن يوسف الأزرق عن سفيان عن منصور عن أبي وائل ثم ساقه مطولا بنحو لفظه في خبر أبي جعفر : من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل عن منصور عن شقيق.
ورواه البيهقي في السنن 5 : 181 ، 182 من طريق عبيد الله بن معاذ عن شعبة عن منصور بنحو لفظ أبي جعفر. ثم قال في آخره : " زاد فيه جرير بن عبد الحميد عن منصور : وأنا ناس لإحرامي " . وهذه الزيادة في خبري ابن سعد ، في الأول : " وأنا ناس لإهلالي " وفي الآخر : " ولا أذكر إهلالي " .
ونقله ابن كثير في تفسيره 3 : 239 عن هذا الموضع من تفسير الطبري. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 329 وزاد نسبته لأبي الشيخ.
وفي المطبوعة : " ابن جرير البجلي " والصواب من المخطوطة وهي غير منقوطة. وفي ابن كثير مثل ما في المطبوعة وفي سنن البيهقي والدر المنثور : " أبو حريز " والصواب ما في طبقات ابن سعد.
وكان في المطبوعة : " فأتيت عبد الرحمن وسعيدا " والصواب ما أثبت من المخطوطة و " عبد الرحمن " هو " عبد الرحمن بن عوف " و " سعد " هو : " سعد بن أبي وقاص " .

(10/27)


أشعث بن سوار ، عن ابن سيرين قال : كان رجل على ناقة وهو محرم ، فأبصر ظبيًا يأوي إلى أكمة ، فقال : لأنظرنّ أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي ؟ (1) فوقعت عَنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها ، (2) فأتى عمر فذكر ذلك له ، فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء قال : وهي البيضاء.
12596 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا أيوب ، عن محمد : أن رجلا أوطأ ظبيًا وهو محرم ، (3) فأتى عمر فذكر ذلك له ، وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف ، فأقبل على عبد الرحمن فكلمه ، ثم أقبل على الرجل فقال : أهد عنزا عفراء .
12597 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم : أنه كان يقول : ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة ، استقبل به ، فيحكم فيه ذوا عدل. (4)
12598 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثني وهب بن جرير قال ، حدثنا شعبة ، عن يعلي ، عن عمرو بن حبشي قال : سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر ، عن رجل أصاب ولدَ أرنب ، فقال : فيه ولد ماعز ، فيما أرى أنا. ثم قال لي : أكذاك ؟ فقلت : أنت أعلم مني. فقال : قال الله تعالى ذكره : " يحكم به ذوا عدل منكم " . (5)
12599 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي وسهل بن يوسف ،
__________
(1) في المطبوعة : " لأنظر أنا أسبق " وفي المخطوطة : " لأنظر وأنا أسبق " وصواب قراءتها ما أثبت.
(2) " العنز " الأنثى من المعزى والأوعال والظباء.
(3) انظر تفسير " أوطأ " فيما سلف ص : 26 تعليق : 1.
(4) أي لم يمض فيه حكم سابق. وقوله : " استقبل به " يعني : ابتدأ النظر فيه ، بغير حكم سابق.
(5) الأثر : 12598 - " عمرو بن حبشي " تابعي ثقة ، مضى ومضى ضبط اسمه برقم : 2340.

(10/28)


عن حميد ، عن بكر : أن رجلين أبصرا طبيًا وهما محرمان ، فتراهنا ، وخطرُ كل واحد منهما لمن سبق إليه. (1) فسبق إليه أحدهما ، فرماه بعصاه فقتله. فلما قدما مكة ، أتيا عمر يختصمان إليه ، وعنده عبد الرحمن بن عوف ، فذكرا ذلك له ، فقال عمر : هذا قِمارٌ ، ولا أجيزه! ثم نظر إلى عبد الرحمن ، فقال : ما ترى! قال : شاة. فقال عمر : وأنا أرى ذلك. فلما قَفَّى الرجلان من عند عمر ، قال أحدهما لصاحبه : ما درى عُمر ما يقول حتى سأل الرجل! فردّهما عمر فقال : إن الله تعالى ذكره لم يرضَ بعمر وحده ، فقال : " يحكم به ذوا عدل منكم " ، وأنا عمر ، وهذا عبد الرحمن بن عوف.
* * *
وقال آخرون : بل ينظر العَدْلان إلى الصيد المقتول ، فيقوّمانه قيمته دراهمَ ، ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هَدْيًا. فالحاكمان يحكمان ، في قول هؤلاء ، بالقيمة. وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمتَه في الموضع الذي أصابه فيه.
* * *
وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول : " ما أصاب المحرم من شيء ، حكم فيه قيمته " ، (2) وهو قول جماعة من متفقِّهة الكوفيين.
* * *
وأما قوله : " هديًا " فإنه مُصَدَّر على الحال من " الهاء " التي في قوله : " يحكم به " .
* * *
وقوله : " بالغ الكعبة " من نعت " الهدي " وصفته. وإنما جاز أن ينعت به ، وهو مضاف إلى معرفة ، (3) لأنه في معنى النكرة. وذلك أن معنى قوله : " بالغ
__________
(1) " الخطر " (بفتحتين) : الرهن وهو السبق الذي يترامى عليه في التراهن. و " أخطر المال " جعله خطرا بين المتراهنين ، و " تخاطروا " : تراهنوا وكان في المطبوعة : " وجعل كل واحد منهما " وهذه الكلمة في المخطوطة سيئة الكتابة جدا ، رأيت أن أستظهر قراءتها كذلك من معنى الرهان. وهو الصواب إن شاء الله.
(2) هو رثم : 12583.
(3) في المطبوعة : " ينعت وهو مضاف " حذف " به " فاختل الكلام.

(10/29)


الكعبة " ، يبلغُ الكعبة. فهو وإن كان مضافًا فمعناه التنوين ، لأنه بمعنى الاستقبال ، وهو نظير قوله : ( هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) [سورة الأحقاف : 24] ، فوصف بقوله : " ممطرنا " " عارضًا " ، لأن في " ممطرنا " معنى التنوين ، لأن تأويله الاستقبال ، فمعناه : هذا عارض يمطرنا. فكذلك ذلك في قوله : " هديًا بالغً الكعبة " .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أو عليه كفارة طعام مساكين و " الكفارة " معطوفة على " الجزاء " في قوله : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " .
واختلف القرأة في قراءة ذلك :
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة : ( أو كفارة طعام مساكين ) بالإضافة. وأما قرأة أهل العراق ، فإنّ عامتهم قرءوا ذلك بتنوين " الكفارة " ورفع " الطعام " : أو كفارة طعام مساكين
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب ، قراءة من قرأ بتنوين " الكفارة " ورفع " الطعام " ، للعلة التي ذكرناها في قوله : " فجزاء مثلُ ما قتل من النعم " . (1) .
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : " أو كفارة طعام مساكين " . (2) فقال بعضهم : معنى ذلك أنّ القاتل وهو محرم صيدًا عمدًا ، لا يخلو من
__________
(1) انظر ما سلف ص : 13ن 14.
(2) انظر تفسير " الكفارة " فيما سلف 10 : 531 تعليق : 11 والمراجع هناك.

(10/30)


وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر الله تعالى ذكره : من مثل المقتول هديًا بالغَ الكعبة ، أو طعامُ مسكين كفارة لما فعل ، أو عدلُ ذلك صيامًا إلا أنه مخيَّر في أيِّ ذلك شاء فعل ، وأنه بأيِّها كان كفَّر فقد أدّى الواجب عليه. وإنما ذلك إعلامٌ من الله تعالى عبادَه أن قاتل ذلك كما وصف لن يخرُجَ حكمه من إحدى الخلال الثلاثة. قالوا : فحكمه إن كان على المثل قادرًا أن يحكم عليه بمثل المقتول من النعم ، لا يجزيه غيرُ ذلك ما دام للمثل واجدًا. قالوا : فإن لم يكن له واجدًا ، أو لم يكن للمقتول مثلٌ من النعم ، فكفارته حينئذ إطعام مساكين.
* ذكر من قال ذلك :
12600 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعامُ مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وَبال أمره " قال : إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد ، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه ، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجد ، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيِّلا أو نحوه ، فعليه بقرة. فإن لم يجدها ، أطعم عشرين مسكينًا. (1) فإن لم يجد ، صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامة أو حمارَ وحش أو نحوه ، فعليه بَدَنَة من الإبل. فإن لم يجد ، أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد ، صام ثلاثين يومًا. والطعام مدٌّ مُدٌّ شِبَعَهم. (2)
12601 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد
__________
(1) في المطبوعة : " فإن لم يجد " وأثبت ما في المخطوطة.
(2) الأثر : 12600 - وسيأتي برقم : 12633 في المطبوعة : " يشبعهم " وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي في المخطوطة هناك : " وشبعهم " بالواو والجيد ما هنا.

(10/31)


وأنتم حرمٌ " إلى قوله : " يحكم به ذوا عدل منكم " فالكفارة : من قتل ما دون الأرنب ، إطعام.
12602 - حدثنا هناد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : إذا أصاب المحرم الصيد ، حكم عليه جزاؤه من النعم. فإن وجد جزاءَه ، ذبحه فتصدق به. وإن لم يجد جزاءه ، قُوِّم الجزاء دراهم ، ثم قوِّمت الدراهم حنطة ، ثم صام مكان كل صاع يومًا. قال : إنما أريد بالطعام الصوم ، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً.
12603 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن زهير ، عن جابر ، عن عطاء ومجاهد وعامر : " أو عدل ذلك صيامًا " ، قال : إنما الطعام لمن لم يجد الهَدْي. (1)
12604 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم أنه كان يقول : إذا أصاب المحرم شيئًا من الصيد ، عليه جزاؤه من النعم. فإن لم يجد قُوِّم الجزاء دراهم ، ثم قومت الدراهم طعامًا ، ثم صامَ لكل نصف صاع يومًا.
12605 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد قال : إذا أصاب المحرم الصيد فحكم عليه ، فإن فضل منه ما لا يتم نصف صاع ، صام له يومًا. ولا يكون الصوم إلا على من لم يجد ثمن هديٍ ، فيحكم عليه الطعام. فإن لم يكن عنده طعام يتصدق به ، حكم عليه الصوم ، فصام مكان كل نصف صاع يومًا " كفارة طعام مساكين " ، قال : فيما لا يبلغ ثمن هدي " أو عدل ذلك صيامًا " ، من الجزاء ، إذا لم يجد ما يشتري به هديًا ، أو ما يتصدق به ، مما لا يبلغ ثمن هدي ، حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يومًا.
__________
(1) زاد في المطبوعة : " ليذوق " وقطع الآية ، وأثبت ما في المخطوطة.

(10/32)


12606 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قال مجاهد : " ومن قتل منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، قال : عليه من النعم مثلُه هديًا بالغَ الكعبة. ومن لم يجد ، ابتاع بقيمته طعامًا ، فيطعم كل مسكين مُدَّين. فإن لم يجد ، صام عن كل مدَّين يومًا.
12607 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، إلى قوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، قال : إذا قتل صيدًا ، فعليه جزاؤه مثل ما قتل من النعم. فإن لم يجد ، حكم عليه ، ثم [قُوِّم] الفداءُ ، كم هو درهمًا ، ثمّ قدر ثمن ذلك بالطعام على المسكين ، (1) فصام عن كل مسكين يومًا ، ولا يحل طعام المسكين ، لأن من وجد طعام المسكين فهو يجد الفداء.
12608 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج قال : قال لي الحسن بن مسلم : من أصاب الصيد فيما جزاؤه شاة ، (2) فذلك الذي قال الله تعالى ذكره : " فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم " . وما كان من كفارة بإطعام مساكين ، (3) مثل العصفورة يقتل ولا يبلغ أن يكون فيه هدي " أو عدل ذلك صيامًا " ، (4) قال عدل النعامة أو العصفور ، (5) أو عدل ذلك كله. فذكرت ذلك لعطاء فقال : كل شيء في القرآن " أو " " أو " ، فلصاحبه أن يختار ما شاء.
__________
(1) في المطبوعة : " فإن لم يجد ما حكم عليه قوم الفداء كم هو درهما ، وقدر ثمن ذلك..ز " وفي المخطوطة : " فإن لم يجد حكم عليه ثم الفداء كم هو درهما بين قدر ثمن ذلك... " ومكان (بين) (ثم) بين القوسين والعبارة بعد ذلك كله مشكلة ، لم أستطع أن أهتدي إلى مكانها في كتاب آخر ولا أن ألتمس لها تحريفا أرضى عنه.
(2) في المطبوعة : " مما جزاؤه " وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " من كفارة طعام " وأثبت ما في المخطوطة.
(4) في المطبوعة : زاد في الآية " ليذوق " ثم قطع الآية.
(5) في المطبوعة : " أو العصفور " وأثبت ما في المخطوطة.

(10/33)


12609 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، أخبرنا سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، في قوله : " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، فإن لم يجد جزاءً ، قوِّم عليه الجزاءُ طعامًا ، ثم صاع لكل صاع يومين.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أن للقاتل صيدًا عمدًا وهو محرم ، الخيارُ بين إحدى الكفارات الثلاث ، وهي : الجزاء بمثله من النعم ، والطعام ، والصوم. قالوا : وإنما تأويل قوله : " فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا " ، فعليه أن يجزي بمثله من النعم ، أو يكفر بإطعام مساكين ، أو بعدل الطعام من الصيام.
* ذكر من قال ذلك :
12610 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، في قول الله تعالى ذكره : " فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم له ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا " ، قال : إن أصابَ إنسان محرم نعامة ، فإن له وإن كان ذا يسار (1) أن يهدي ما شاء ، جزورًا ، أو عدلها طعامًا ، أو عدلها صيامًا. قال : كل شيء في القرآن " أو " " أو " ، فليختر منه صاحبه ما شاء.
12611 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حجاج ، عن عطاء ، في قوله : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " قال : " ما كان في القرآن : أو كذا أو كذا " ، فصاحبه فيه بالخيار ، أيَّ ذلك شاء فعل.
12612 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أسباط وعبد الأعلى ، عن داود ،
__________
(1) في المطبوعة : " إن كان ذا يسار " حذف الواو كما فعل في الأثر السالف : ص : 19 تعليق : 2 والصواب ما في المخطوطة.

(10/34)


عن عكرمة قال : ما كان في القرآن " أو " " أو " ، فهو فيه بالخيار. وما كان : " فمن لم يجد " ، فالذي يليه ثم الذي يليه. (1)
12613 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن عمرو ، عن الحسن ، مثله.
12614 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا ليث ، عن عطاء ومجاهد ، أنهما قالا في قوله : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " قالا ما كان في القران : " أو كذا أو كذا " ، فصاحبه فيه بالخيار ، أيَّ ذلك شاء فعل.
12615 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك : ما كان في القرآن : " أو كذا أو كذا " ، فصاحبه فيه بالخيار ، أيَّ ذلك شاء فعل.
12616 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو حُرّة ، عن الحسن قال وأخبرنا عبيدة ، عن إبراهيم قالا كل شيء في القرآن " أو " " أو " ، فهو بالخيار ، أيّ ذلك شاء فعل. (2)
12617 - حدثنا هناد قال ، حدثنا حفص ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كل شيء في القرآن " أو " " أو " فصاحبه مخيَّر فيه ، وكل شيء : " فمن لم يجد " فالأول ، ثم الذي يليه.
* * *
واختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة ، في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم ، إذا اختار الكفارة بأحدهما دونَ الهدي.
__________
(1) في المطبوعة : " فمن لم يجد فالأول ثم الذي يليه " وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب محض.
(2) الأثر : 12616 - " أبو حرة البصري " هو " واصل بن عبد الرحمن " مضى برقم : 6385 وكان في المطبوعة هنا " أبو حمزة " والصواب من المخطوطة.

(10/35)


فقال بعضهم : إذا اختار التكفير بذلك ، فإنّ الواجب عليه أن يقوِّم المثلَ من النعم طعامًا ، ثم يصوم مكان كلّ مُدّ يومًا
* ذكر من قال ذلك :
12618 - حدثنا هناد قال ، أخبرنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : ما " أو عدل ذلك صيامًا " ؟ قال : إن أصاب ما عَدْله شاة ، أقيمت الشاة طعامًا ، ثم جعل مكان كل مدّ يومًا يصومه.
* * *
وقال آخرون : بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم ، أن يقوِّم الصيد المقتولَ طعامًا ، ثم الصدقة بالطعام إن اختار الصدقة. (1) وإن اختار الصوم صام.
* * *
ثم اختلفوا أيضا في الصوم.
فقال بعضهم : يصوم لكل مدّ يومًا.
* * *
وقال آخرون : يصوم مكان كل نصف صاع يومًا.
وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يومًا.
* * *
* ذكر من قال : المقوَّم لإطعام هو الصيد المقتول. (2)
12619 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد " ، الآية ، قال : كان قتادة يقول : يحكمان في النعم ، فإن كان ليس
__________
(1) في المطبوعة : " ثم يتصدق بالطعام " وأثبت ما في المخطوطة وهو لا بأس به.
(2) في المطبوعة : " المتقوم للإطعام " وفي المخطوطة بهذا الرسم غير منقوطة وصواب قراءتها ما أثبت.

(10/36)


عنده ما يبلغ ذلك ، (1) نظروا ثمنه فقوَّموه طعامًا ، ثم صام مكان كل صاع يومين.
* * *
وقال آخرون : لا معنى للتكفير بالإطعام ، لأن من وجد سبيلا إلى التكفير بالإطعام ، فهو واجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا. ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا لم يجزه التكفير بغيره. قالوا : وإنما ذكر الله تعالى ذكره الكفارة بالإطعام في هذا الموضع ، ليدلّ على صفة التكفير بالصوم لا أنه جعل التكفير بالإطعام إحدى الكفارات التي يكفر بها قتل الصيد. (2) وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل. (3)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله : " فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، أن يكون مرادا به : فعلى قاتله متعمدًا مثلُ الذي قتل من النعم لا القيمة ، إن اختار أن يجزيه بالمثل من النعم. وذلك أن القيمة إنما هي من الدنانير أو الدراهم. والدراهم أو الدنانير ليست للصيد بمثل ، والله تعالى ذكره إنما أوجب الجزاء مثلا من النعم.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله : " أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا " أن يكون تخييرًا ، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأيِّ هذه الكفارات الثلاث شاء. لأن الله تعالى ذكره ، جعل ما أوجبَ في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله ، وتكفيرًا لذنبه ، في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حرامًا عليه إتلافه في حال إحرامه ، وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه ، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه ، وقد كان له حلالا قبل حال
__________
(1) في المطبوعة : " فإن كان ليس صيده ما يبلغ ذلك " وهو خطأ صوابه في المخطوطة.
(2) في المخطوطة : " لأنه جعل التكفير... " وصوابه ما في المطبوعة.
(3) انظر ما سلف ص : 15 وما بعدها.

(10/37)


إحرامه ، [عقوبة لفعله ، وتكفيرًا لذنبه] وحلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه ، ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد. (1) ثم جعل عليه إن حلقه جزاءً من حلقه إياه. فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من أذاته ، (2) مخيَّر في تكفيره ، فعله ذلك بأيِّ الكفارات الثلاث شاء. لا فرق بين ذلك (3) فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين ، (4) .
ومن أبى ما قلنا فيه ، قيل له : حكم الله تعالى ذكره على قاتل الصيد بالمثل من النعم ، أو كفارة طعام مساكين ، أو عدله صيامًا كما حكم على الحالق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فزعمتَ أن أحدهما مخيَّر في تكفير ما جعل منه ، عِوَضٌ بأيّ الثلاث شاء ، وأنكرت أن يكونَ ذلك للآخر ، فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك فجعل الخيارَ فيه حيث أبيت ، وأبى حيث جعلته له فرقٌ من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا إذا ألزم في الآخر مثله. (5)
__________
(1) كانت هذه الجملة في المطبوعة : " كما جعل الفدية من صيام او صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه ثم منع من حلقه في حال إحرامه ، نظير الصيد " . وهو كلام غير مستقيم وهو اختصار لما في المخطوطة.
وكان في المخطوطة هكذا : " كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان حلالا قبل حال إحرامه كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه ، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد " . وهي جملة مختلطة فيها بلا شك زيادة من الناسخ وهو قوله : " كما جعل الفدية من صيام أو صدقة او نسك " واستظهرت أن مكان هذه العبارة كما وضعته بين القوسين ، لتتم المناظرة بين الفعلين والعقوبتين والجزاءين وبذلك استقام الكلام إن شاء الله.
(2) في المطبوعة : " من إيذائه " وأثبت ما في المخطوطة وهو غير منقوطة.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " في تكفيره فعليه ذلك " وهو خطأ محض صوابه ما أثبت.
(4) في المطبوعة : " فمثله إن شاء الله قاتل الصيد " وفي المخطوطة : " فمثله مما شاله قاتل الصيد " واستظهرت الصواب من نص الآية " ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم " .
(5) انظر ما قاله أبو جعفر في الحلق فيما سلف 4 : 76 - 78.

(10/38)


ثم اختلفوا في صفة التقويم إذا أراد التكفير بالإطعام.
فقال بعضهم : يقوَّم الصيد قيمته بالموضع الذي أصابه فيه. (1) وهو قول إبراهيم النخعي ، وحماد ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد. وقد ذكرت الرواية عن إبراهيم وحماد فيما مضى بما يدل على ذلك ، (2) وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه.
* * *
وقال آخرون : بل يقوَّم ذلك بسعر الأرض التي يكفِّر فيها. (3)
* ذكر من قال ذلك :
12620 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر قال في محرم أصاب صيدًا بخراسان ، قال : يكفر بمكة أو بمنًى. وقال : يقوّم الطعام بسعر الأرض التي يكفّر بها.
12621 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو يمان ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن الشعبي ، في رجل أصاب صيدًا بخراسان ، قال : يحكم عليه بمكة.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن قاتل الصيد إذا جزأه بمثله من النَّعم ، فإنما يجزيه بنظيره في خلق وقدره في جسمه ، (4) من أقرب الأشياء به شبهًا من الأنعام. فإن جزاه بالإطعام ، قوّمه قيمته بموضعه الذي أصابه فيه ، لأنه هنالك وجب عليه التكفير بالإطعام. ثم إن شاء أطعم بالموضع الذي أصابه فيه ، وإن شاء بمكة ، وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء ، لأن الله تعالى ذكره ؛ إنما شَرَط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصيد دون غيره من جزائه ، فللجازي
__________
(1) في المطبوعة : " قيمته بالموضع " وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب محض وليس في المخطوطة " فيه " وإثباتها واجب.
(2) يعني ما سلف رقم : 12583 ، 12584/ 12604 ، 12605.
(3) في المطبوعة : " يكفر بها " وأثبت ما في المخطوطة.
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " في خلق " والجيد ما أثبت.

(10/39)


بغير الهدى أن يجزيه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم.
* ذكر من قال ذلك :
12622 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، حدثنا ابن أبي عروبة ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم قال : ما كان من دم فبمكة. وما كان من صدقة أو صوم ، حيث شاء.
* * *
وقد خالف ذلك مخالفون ، فقالوا : لا يجزئ الهدى والإطعام إلا بمكة. فأما الصوم ، فإن لم يكن كفَّر ، به يصوم حيث شاء من الأرض. (1)
* ذكر من قال ذلك :
12623 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن حماد بن سلمة ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء قال : الدم والطعام بمكة ، والصيامُ حيث شاء.
12624 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن مالك بن مغول ، عن عطاء قال : كفارة الحج بمكة.
12625 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أين يُتصدق بالطعام إن بدا له ؟ قال : بمكة ، من أجل أنه بمنزله الهدي ، قال : " فجزاء مثل ما قتل من النعم أو هديًا بالغ الكعبة " ، من أجل أنه أصابه في حَرَم يريد البيت فجزاؤه عند البيت.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فأما الصوم فإن كفر به يصوم حيث شاء من الأرض " وفي المخطوطة : " فإن لم يكن كفر به أن يصومه حيث شاء من الأرض " وصواب قراءتها ما أثبت.

(10/40)


فأما الهدي ، فإنّ من جَزَى به ما قتل من الصيد ، (1) فلن يجزئه من كفارة ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة كما قال تعالى ذكره (2) وينحره أو يذبحه ويتصدق به على مساكين الحرم وعنَى بالكعبة في هذا الموضع ، الحرم كله. (3) ولمن قدَّم بهديه الواجبَ من جزاء الصيد ، أن ينحره في كل وقت شاء ، قبل يوم النحر وبعده ، ويطعمه. وكذلك إن كفر بالطعام ، (4) فله أن يكفر به متى أحب وحيث أحب. وإن كفّر بالصوم فكذلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التكفير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى.
* ذكر من قال ذلك :
12626 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : " أو عدل ذلك صيامًا " ، هل لصيامه وقت ؟ قال : لا إذ شاء وحيث شاء ، وتعجيله أحبُّ إليّ.
12627 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : رجل أصابَ صيدًا في الحج أو العمرة ، فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرَّم أو غيره من الشهور ، أيجزئ عنه ؟ قال : نعم. ثم قرأ : " هديًا بالغ الكعبة " قال هناد : قال يحيى : وبه نأخذ. (5)
__________
(1) في المطبوعة : " فأما الهدي ، فإنه من جراء ما قتل من الصيد " وهو كلام فاسد جدا وفي المخطوطة : " فإن من جرائه ما قتل من الصيد " غير منقوطة وهذا صواب قراءتها.
(2) في المطبوعة : " إلا أن يبلغه الكعبة طيبا وينحره أو يذبحه " وهو فاسد المعنى وفي المخطوطة : " إلا أن يبلغه الكعبة طيبا قال تعالى ذكره وينحره... " وصواب قراءة " طسا " غير منقوطة " كما " كما أثبتها.
(3) في المطبوعة : " ويعني بالكعبة " وفي المخطوطة " وعنا بالكعبة " وصواب قراءتها ما أثبت.
(4) في المطبوعة : " بالطعام " وأثبت ما في المخطوطة.
(5) الأثر : 12627 - " يحيى " هو " ابن أبي زائدة " وهو : " يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة " ومضى مرارا.

(10/41)


12628 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج وابن أبي سليم ، عن عطاء قال : إذا قدمتَ مكة بجزاء صيدٍ فانحره ، فإن الله تعالى ذكره يقول : " هديًا بالغ الكعبة " ، إلا أن يقدَم في العشر ، فيؤخِّرُه إلى يوم النحر. (1)
12629 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء قال : يتصدّق الذي يصيب الصيدَ بمكة. فإن الله تعالى ذكره يقول : " هديًا بالغ الكعبة " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : أو على قاتل الصيد محرِمًا ، عدلُ الصّيد المقتول من الصيام. وذلك أن يقوّم الصيد حيًّا غير مقتول قيمته من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم ، ثم يصوم مكان كل مدٍّ يومًا. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عَدَل المدَّ من الطعام بصوم يوم في كفَّارة المُوَاقع في شهر رمَضَان. (2)
* * *
فإن قال قائل : فهلا جعلت مكان كلّ صاع في جزاءِ الصيد ، صومَ يوم ، قياسًا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في نظيره ، وذلك حكمه على كَعْب بن عُجْرة إذ أمره أن يطعم إنْ كفَّر بالإطعام فَرْقًا من طعام ، وذلك ثلاثة آصُعٍ بين ستّة مساكين (3) إنْ كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام ، فجعل الأيام
__________
(1) في المطبوعة : " فيخر " بغير ضمير وأثبت ما في المخطوطة.
(2) انظر الأخبار في كفارة من أتى أهله في نهار رمضان وهو صائم في السنن الكبرى البيهقي 4 : 221 - 225.
(3) انظر خبر " كعب بن عجرة " إذ شكا رأسه من صئبانه ، فيما سلف في التفسير 4 : 58 - 69 الآثار رقم : 3334 - 3359.

(10/42)


الثلاثة في الصوم عَدْلا من إطعام ثلاثة آصع ، فإن ذلك بالكفارة في جزاءِ الصيد ، أشبهُ من الكفارة في قتلِ الصيد بكفَّارة المُواقع امرأتَه في شهر رمضان ؟. قيل : إن " القياس " ، إنما هو رَدُّ الفروع المختلف فيها ، إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها. ولا خلافَ بين الجميع من الحجّة أنه لا يجزئ مكفِّرًا كفَّر في قتل الصيد بالصوم ، أن يعدِلَ صوم يوم بصاعِ طعام. فإذْ كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز خلافها فيما حدَّثت به من الدين مجمعةً عليه ، (1) صحَّ بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعامَ في قتل الصيد ، مخالف حكم معادلته إيَّاه في كفارة الحلق ، إذْ كان غير جائز ردّ أصْلٍ على أصْلٍ قياسًا. وإنما يجوز أن يقاس الفرعُ على الأصل. (2) وسواء قال قائل : " هلا رددتَ حكم الصوم في كفارة قتلِ الصيد ، على حكمه في حَلْق الأذى فيما يُعْدل به من الطعام " ؟ وآخر قال : " هلا رددت حكم الصوم في الحلق ، على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يُعدلُ به من الطعام ، فتُوجب عليه مكان كل مدٍّ أو مكان كل نصف صاع صومَ يوم " ؟
* * *
وقد بينا فيما مضى قبل أن " العَدْل " في كلام العرب بالفتح ، هو قدر الشيء من غير جنسه (3) وأن " العِدْل " هو قدره من جنسه. (4)
وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : " العدل " مصدر من قول القائل : " عَدَلت بهذا عَدْلا حسنًا " . قال : " والعَدْل " أيضًا بالفتح ،
__________
(1) في المطبوعة : " حدت به من الدين " (بتشديد الدال والتاء في آخره) وفي المخطوطة " حدث به " بالثاء وصواب قراءتها ما أثبت.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " إذا كان غير جائز وداخل على آخر قياسا " وفي المخطوطة مثلها مهملة غير منقوطة. وهو كلام لا معنى له ، بل الصواب المحض ما أثبت وذلك أن الكاتب كتب : " وداحل " وصوابها : " رد أصل " ثم كتب " على أحر " وصوابها : " على أصل " وهو ظاهر كلام أبي جعفر كما رأيت قبل ، وكما ترى بعد.
(3) في المطبوعة : " وهو قدر... " بزيادة " الواو " وهو خطأ.
(4) انظر تفسير " العدل " فيما سلف 2 : 35 ، 574. ثم معاني القرآن للفراء 1 : 320 ، ثم مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 53 ، 175 ، 176.

(10/43)


المثل. ولكنهم فرَّقوا بين " العدل " في هذا وبين " عِدْل المتاع " ، بأن كسروا " العين " من " عِدْل المتاع " ، وفتحوها من قول الله تعالى : (1) وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ [سورة البقرة : 123] ، وقول الله عز وجل : " أو عدل ذلك صيامًا " ، كما قالوا : " امرأة رَزان " وحجر رَزين " . (2)
وقال بعضهم : " العدل " هو القسط في الحق ، و " العِدْل " بالكسر ، المثل. وقد بينا ذلك بشواهد فيما مضى. (3) .
* * *
وأما نصب " الصيام " فأنه على التفسير ، (4) كما يقال : " عندي ملء زقٍّ سمنًا " ، و " قدر رطلٍ عسلا " . (5)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. (6)
__________
(1) في المطبوعة : " من قولهم " وفي المخطوطة : " من قول هم " وهو خطأ غريب والصواب ما كتبت إن شاء الله.
(2) نص هذا الكلام ذكره صاحب لسان العرب في مادة (عدل) ولم يشر إليه في مادة (رزن) فهو مما يقيد في اللسان في موضعه. وجاء في اللسان " وعجز رزين " وهو خطأ يصحح ، إنما الصواب " وحجر " و " حجر رزين " : ثقيل. وقد صرح صاحب أساس البلاغة فقال : " وامرأة رزان ، ولا يقال " رزينة " .
(3) يعني ما سلف في 2 : 35.
(4) " التفسير " هو التمييز وانظر ما سلف في فهارس المصطلحات.
(5) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 320.
(6) عند هذا الموضع انتهى المجلد الثامن من مخطوطة التفسير التي اعتمدناها. وفيها هنا ما نصه :
" تم المجلد الثامن بحمد الله وعونه
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا.
يتلوه في التاسع إن شاء الله تعالى :
ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو
عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء : ما
" عَدْل ذلك صيامًا " ؟
قال : عدل الطعام من الصيام.
وكان الفراغ منه في شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وسبعمئة " .
ثم يليه في أول الجزء التاسع ما نصه :
" بسْم الله الرَّحمن الرحِيمِ
رَبِّ يَسِّرْ
بقية تفسير : " أَوْ عَدْلُ ذلك صِيَامًا " .

(10/44)


12630 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : ما " عدل ذلك صيامًا " ؟ قال : عَدْل الطعامِ من الصيام. قال : لكل مدٍّ يومًا ، يأخذ زعَم بصيام رمضان وبالظِّهار. (1) وزعم إن ذلك رأى يراه ، ولم يسمعه من أحد ، ولم تمض به سنة. قال : ثم عاودته بعد ذلك بحين ، قلت : ما " عدل ذلك صيامًا " ؟ قال : إن أصاب ما عَدْله شاةٌ ، قوِّمت طعامًا ، ثم صام مكان كل مدٍّ يومًا. قال : ولم أسأله : هذا رأي أو سنة مسنونة ؟
12631 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله عز وجل : " أو عدل ذلك صيامًا " ، قال : بصوم ثلاثةَ أيام إلى عشرة أيام.
12632 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد : " أو عدل ذلك صيامًا " ، من الجزاء ، إذا لم يجد ما يشتري به هديًا ، أو ما يتصدق به مما لا يبلُغ ثمنَ هدي ، حكم عليه الصيامُ مكان كل نصفِ صاعٍ يومًا.
12633 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " أو عدل ذلك صيامًا " ، قال : إذ قتل المحرم شيئًا من الصيد ، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه ، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجدها ، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام
__________
(1) في المطبوعة : " يؤخذ " وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب. ومعنى قوله : " يأخذ " هنا ، يعني به يقيس ذلك بكفارة المواقع أهله في نهار رمضان ، وبكفارة الظهار.

(10/45)


ثلاثة أيام. وإن قتل أيِّلا أو نحوه ، فعليه بقرة. فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا ، فإن لم يجد ، صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامةً أو حمارَ وحش أو نحوه ، فعليه بدنة من الإبل. فإن لم يجد ، أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد ، صام ثلاثين يومًا. والطعام : مدٌّ مدٌّ ، شِبَعَهم. (1)
12634 - حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد ، [سألته] المحرِم يصيب الصيد (2) فيكون عليه الفدية ، شاة ، أو البقرة أو البدنة. فلا يجد ، (3) فما عدل ذلك من الصيام أو الصدقة ؟ قال : ثمن ذلك ، فإن لم يجد ثمنه ، قوّم ثمنه طعامًا يتصدق به لكل مسكين مُدّ ، ثم يصومُ بكُلّ مدٍّ يومًا. (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : أوجبت على قاتل الصيد محرمًا ما أوجبت من الجزاء والكفارة الذي ذكرت في هذه الآية ، (5) كي يذوق وبال أمره وعذابه.
* * *
يعني : " بأمره " ، ذنبه وفعله الذي فعله من قتله ما نهاه الله عز وجل عن قتله في حال إحرامه.
* * *
__________
(1) الأثر : 12633 - مضى هذا الأثر برقم : 12600 وفيه " شبعهم " بغير واو. وفي المخطوطة هنا " وشبعهم " بالواو والجيد حذف الواو. وفي المطبوعة هنا غيرها كما غيرها في الموضع السالف وكتب : " يشبعهم " .
(2) في المطبوعة : " عن سعيد : المحرم... " وفي المخطوطة : " عن سعيد : عن المحرم " فظاهر أنه سقط من الناسخ قوله : " وسألته " كما أثبتها بين القوسين وهو حق السياق كما ترى. والذي حذفه لناشر " عن " حذف مفسد للكلام.
(3) في المطبوعة : " ... أو البدنة فإن لم يجد فما عدل ذلك... " وهو تغيير فاسد جدا ، أداه إليه التصرف المعيب كما رأيت في التعليق السالف.
(4) في المطبوعة : " لكل مد " باللام وأثبت ما في المخطوطة.
(5) في المطبوعة : " ما أوجبت من الحق او الكفارة " وهو كلام لا معنى له ، وفي المخطوطة : " ما أوجبت من الحق او الكفارة " غير منقوطة وهذا صواب قراءتها كما أثبته.

(10/46)


يقول : فألزمته الكفارة التي ألزمته إياها ، لأذيقه عقوبة ذنبه. بإلزامه الغرامة ، والعمل ببدنه مما يتعبه ويشق عليه. (1) .
* * *
وأصل " الوبال " ، الشدّة في المكروه ، ومنه قول الله عز وجل : فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا [سورة المزمل : 16].
* * *
وقد بيّن تعالى ذكره بقوله : " ليذوق وبالَ أمره " ، أنَّ الكفاراتِ اللازمةَ الأموالَ والأبْدَانَ ، عقوباتٌ منه لخلقه ، وإن كانت تمحيصًا لهم ، وكفارةً لذُنُوبهم التي كفَّروها بها.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
12635 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " وبال أمره " ، فعقوبة أمرِه.
* * *
القول في تأويل قوله : { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ }
قال أبو جعفر : يقول جل من قائل لعباده المؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم : عفا الله ، أيها المؤمنون ، عمَّا سلف منكم في جاهليتكم ، من إصابتكم الصيد وأنتم حُرُم ، و قتلِكموه ، فلا يؤاخذكم بما كان منكم في ذلك قبل تحريمه إياه عليكم ، ولا يلزمكم له كفارةً في مال ولا نفس. ولكن من عاد منكم لقتله وهو محرم ،
__________
(1) انظر تفسير " ذاق " فيما سلف 7 : 96 ، 446 ، 4528 : 487.

(10/47)


بعد تحريمه بالمعنى الذي كان يَقْتُله في حال كفره ، وقبل تحريمه عليه ، من استحلاله قتلَه ، فينتقم الله منه. (1)
* * *
وقد يحتمل أن يكون معناه : (2) من عاد لقتله بعد تحريمه في الإسلام ، فينتقم الله منه في الآخرة. فأما في الدنيا ، فإن عليه من الجزاء والكفَّارة فيها ما بيَّنت.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك :
12636 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء : ما " عفا الله عما سلف " ؟ قال : عما كان في الجاهلية. قال قلت : ما " ومن عاد فينتقم الله منه " ؟ قال : من عاد في الإسلام ، فينتقم الله منه. وعليه مع ذلك الكفارة.
12637 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء ، فذكر نحوه وزاد فيه ، وقال : وإن عاد فقتل ، عليه الكفارة. قلت : هل في العَوْد من حدٍّ يعلم ؟ قال : لا قلت : فترى حقًّا على الإمام أن يعاقبه ؟ قال : هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ، ولكن يفتدي.
12638 - حدثنا سفيان قال ، حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد ، عن ابن جريج ، عن عطاء : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، قال : في الإسلام ، وعليه مع ذلك الكفارة. قلت : عليه من الإمام عقوبة ؟ قال : لا. (3)
__________
(1) انظر تفسير " عفا " فيما سلف من فهارس اللغة وتفسير " سلف " فيما سلف 6 : 14/ 8 : 137 ، 150.
(2) في المطبوعة : " أن يكون ذلك معناه " زاد " ذلك " ليهلك العبارة!! وليست في المخطوطة.
(3) الأثر : 12638 - " سفيان " هو : " سفيان بن وكيع " . مضى مرارا.
*و " محمد بن بكر بن عثمان البرساني " مضى برقم : 5438.
*و " أبو خالد " هو الأحمر " سليمان بن حيان الأزدي " مضى برقم : 3956.

(10/48)


12639 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء : " عفا الله عما سلف " ، عمَّا كان في الجاهلية " ومن عاد " ، قال : في الإسلام " فينتقم الله منه " ، وعليه الكفارة. قال قلت لعطاء : فعليه من الإمام عقوبة ؟ قال : لا.
12640 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : يحكم عليه في الخطإ والعمد والنسيان ، وكلَّما أصاب ، قال الله عز وجل : " عفا الله عما سلف " ، قال : ما كان في الجاهلية " ومن عاد فينتقم الله منه " ، مع الكفارة قال سفيان ، قال ابن جريج : فقلت : أيعاقبه السلطان ؟ قال : لا.
12641 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد ، عن ابن جريج قال ، قلت لعطاء : " عفا الله عما سلف " ، قال : عما كان في الجاهلية.
12642 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : يحكم عليه كلَّما عاد.
12643 - حدثنا هناد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد قال : كلَّما أصاب المحرم الصيد ناسيًا حُكِم عليه.
12644 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كلَّما أصاب الصيدَ المحرمُ حُكِم عليه.
12645 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء قال : من قتل الصيد ثم عاد ، حكم عليه.
12646 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن جبير قال : يحكم عليه ، أفيُخْلَع! أفيُتْرك!. (1)
__________
(1) في المطبوعة : " فيخلع أو يترك " فأفسد معنى الكلام إفسادا والصواب من المخطوطة. وهذا الاستفهام تعجب ممن سأله : " أيحكم عليه كلما عاد " فأجابه بذلك تأكيدا للحكم عليه كلما قتل الصيد. يعني أن العائد عليه الحكم في كل مرة! وإلا لأصبح مخلوعا متروكا يفعل بعد ذلك ما شاء في قتله الصيد وهو محرم. وانظر الأثر الآتي رقم : 12652.

(10/49)


12647 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن سعيد بن جبير : الذي يصيب الصيد وهو محرم فيحكم عليه ثم يعود ؟ قال : يحكم عليه.
12648 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا كثير بن هشام قال ، حدثنا الفرات بن سلمان ، عن عبد الكريم ، عن عطاء قال : يحكم عليه كلَّما عاد. (1)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : عفا الله عما سلف منكم في ذلك في الجاهلية ، ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه ، بإلزامه الكفّارة.
* ذكر من قال ذلك :
12649 - حدثني ابن البرقي قال ، حدثنا عمرو ، عن زهير ، عن سعيد بن جبير وعطاء في قوله الله تعالى ذكره : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، قالا " ينتقم الله " ، يعني بالجزاء " عفا الله عما سلف " ، في الجاهلية.
* * *
وقال آخرون في ذلك : عفا الله عما سلف من قتل من قتلَ منكم الصيدَ حرامًا في أول مرة. ومن عاد ثانية لقتله بعد أولى حرامًا ، فاللهُ وليُّ الانتقام منه ، دون كفارة تلزمه لقتله إياه.
* ذكر من قال ذلك :
12650 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) الأثر : 12648 - " كثير بن هشام الكلابي " أبو سهل الرقي. نزل بغداد روى عنه أحمد وإسحق وابن معين ومحمد بن بشار بندار وغيرهم. مترجم في التهذيب والكبير للبخاري 4 1/218 وابن أبي حاتم 3/2/158.
و " الفرات بن سلمان الحضرمي الجزري الرقي " قال أبو حاتم : " لا بأس به محله الصدق صالح الحديث مترجم في تعجيل المنفعة : 331 والبخاري في الكبير 41/129 ولم يذكر فيه جرحا وابن أبي حاتم 32/80 وكان في المطبوعة : " بن سليمان " والصواب من المخطوطة.
ثم انظر إسناد الأثر التالي رقم : 12663

(10/50)


معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : من قتل شيئًا من الصيد خطأ وهو محرم ، حكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له : " ينتقم الله منك " ، كما قال الله عز وجل.
12651 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال . إذا أصاب المحرم الصيدَ حُكم عليه. فإن عاد ، لم يحكم عليه ، وكان ذلك إلى الله عز وجل ، إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه. ثم قرأ هذه الآية : " ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام " .
12652 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا داود ، عن عامر قال : جاء رجل إلى شريح فقال : إني أصبت صيدًا وأنا محرم! فقال : هل أصبت قبل ذلك شيئًا ؟ قال : لا. قال : لو قلت " نعم " ، وكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك ، إنه عزيز ذو انتقام! قال داود : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال : بل يحكم عليه ، أفَيخْلَع! (1)
12653 - حدثني أبو السائب وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : إذا أصابَ الرجلُ الصيدَ وهو محرم ، قيل له أصبت صيدًا قبل هذا ؟ (2) فإن قال : " نعم " ، قيل له : اذهب ، فينتقم الله منك! وإن قال " لا " ، حكم عليه.
12654 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، في الذي يقتل الصيد ثم يعود ، قال : كانوا يقولون : من عاد لا يحكم عليه ، أمرُه إلى الله عز وجل.
12655 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن داود بن أبي هند ،
__________
(1) في المطبوعة : " أو يخلع " غير ما في المخطوطة بلا طائل والصواب ما أثبت من المخطوطة وانظر ما فعله في خاتمة الأثر رقم : 12646 والتعليق عليه ص49. رقم : 1.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " مثل هذا " وهو خطأ صوابه ما أثبت.

(10/51)


عن الشعبي : أن رجلا أتى شريحًا فقال : أصبت صيدًا ؟ ، قال : أصبت قبله صيدًا ؟ قال : لا. قال : أما إنك لو قلت " نعم " ، لم أحكم عليك.
12656 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا ابن أبي عدي قال ، حدثنا داود ، عن الشعبي ، عن شريح ، مثله.
12657 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن الأشعث ، عن محمد ، عن شريح ، في الذي يصيب الصيد قال : يحكم عليه ، فإن عاد انتقمَ الله منه.
12658 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكّام بن سلم ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثلُ ما قتل من النعم بحكم به ذوا عدل منكم " ، قال : يحكم عليه في العمد مرة واحدة ، فإن عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : " اذهب ينتقم الله منك " ، ويحكم عليه في الخطأ أبدًا.
12659 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير قال : رُخّص في قتل الصيد مرة ، فمن عاد لم يدعه الله تعالى ذكره حتى ينتقم منه.
12660 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، مثله.
12661 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي ، جميعًا عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، فيمن أصاب صيدًا فحكم عليه ، ثم أعاد ، قال : لا يحكم ، ينتقم الله منه.
12662 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إنما قال الله عز وجل : " ومن قتله منكم متعمدًا " ، يقول : متعمدًا لقتله ، ناسيًا لإحرامه ، فذلك الذي يحكم عليه ، فإن عاد لا يحكم عليه ، وقيل له : " ينتقم الله منك " .
12663 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا كثير بن هشام قال ، حدثنا الفرات

(10/52)


بن سلمان ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد : إن عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : " ينتقم الله منك " . (1)
12664 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا الأشعث ، عن الحسن ، في الذي يصيب الصيد فيحكم عليه ثم يعود ، قال : لا يحكم عليه.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : عفا الله عما سلف من قتلكم الصيد قبل تحريم الله تعالى ذكره ذلك عليكم. ومن عاد لقتله بعد تحريم الله إياه عليه ، عالمًا بتحريمه ذلك عليه ، عامدًا لقتله ، ذاكرًا لإحرامه ، فإن الله هو المنتقم منه ، ولا كفارة لذنبه ذلك ، ولا جزاء يلزمه له في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
12665 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، قال : من عاد بعد نهي الله - بعد أن يعرف أنه محرَّم ، وأنه ذاكرٌ لِحُرْمه (2) - لم ينبغ لأحد أن يحكم عليه ، ووكلوه إلى نقمة الله عز وجل. فأما الذي يتعمد قتلَ الصيد وهو ناس لحرمه ، أو جاهل أنّ قتله محرَّم ، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدًا بعد نهي الله ، وهو يعرف أنه محرَّم ، وأنه حَرام ، (3) فذلك يوكل إلى نقمة الله ، فذلك الذي جعل الله عليه النقمة.
* * *
وهذا شبيه بقول مجاهد الذي ذكرناه قبل. (4)
* * *
__________
(1) الأثر : 12663 - " كثير بن هشام الكلابي " و " الفرات بن سلمان الجزري " مضيا قريبا برقم : 12648 ، وكان في المطبوعة هنا أيضا " الفرات بن سليمان " وهو خطأ صوابه ما في المخطوطة.
(2) " الحرم " (بضم الحاء وسكون الراء) : الإحرام وقد سلف شرحه.
(3) " حرام " أي : محرم.
(4) يعني ما سلف رقم : 12662.

(10/53)


وقال آخرون : عُنِي بذلك شخصٌ بعينه.
* ذكر من قال ذلك :
12666 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا معتمر بن سليمان قال ، حدثنا زيد أبو المعلى : أن رجلا أصاب صيدًا وهو محرم ، فتجُوِّز له عنه. ثم عاد ، فأرسل الله عليه نارًا فأحرقته ، فذلك قوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، قال : في الإسلام. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا ، قولُ من قال : معناه : " ومن عاد في الإسلام لقتله بعد نهي الله تعالى ذكره عنه ، فينتقم الله منه ، وعليه مع ذلك الكفارة " ، لأن الله عز وجل إذْ أخبر أنه ينتقم منه ، لم يخبرنا وقد أوجب عليه في قتله الصيد عمدًا ما أوجب من الجزاء أو الكفارة بقوله : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثلُ ما قتل من النعم " أنه قد أزال عنه الكفارة في المرة الثانية والثالثة ، بل أعلم عبادَه ما أوجبَ من الحكم على قاتل الصيد من المحرمين عمدًا ، ثم أخبر أنه منتقم ممن عاد ، ولم يقل : " ولا كفارة عليه في الدنيا " .
* * *
فإن ظن ظانّ أن الكفارة مزيلةٌ العقابَ ، (2) ولو كانت الكفارةُ لازمةً له في الدنيا ، لبطلَ العقاب في الآخرة ، فقد ظنّ خطأ. وذلك أن الله عز وجلّ أن يخالف بين عقوبات معاصيه بما شاء وأحب ، فيزيد في عقوبته على بعض معاصيه مما ينقصُ من بعض ، وينقص من بعض مما يزيد في بعض ، كالذي فعل من ذلك في مخالفته بين عقوبته الزانيَ البكرَ والزانيَ الثيِّبَ المحصن ، وبين سارق
__________
(1) الأثر : 12666 - " زيد " " أبو المعلى " مترجم في " زيد بن مرة " و " زيد بن أبي ليلى " " أبو المعلى " مولى بني العدوية. قال أبو حاتم : " صالح الحديث " وقال أبو داود الطيالسي : " وكان ثقة " . مترجم في لسان الميزان 2 : 511 والكبير للبخاري 2/1/370 ، وعلق عليه ناشر التاريخ. تعليقا وافيا. وابن أبي حاتم 1/2/573.
(2) في المطبوعة : " مزيلة للعقاب " بزيادة اللام وهو تغيير لعبارة أبي جعفر في المخطوطة. وقوله : " العقاب " منصوب مفعول به لقوله : " مزيلة " .

(10/54)


ربع دينار وبين سارق أقلَّ من ذلك . فكذلك خالف بين عقوبته قاتلَ الصيد من المحرمين عمدًا ابتداءً ، وبين عقوبته عَوْدًا بعد بدء. فأوجب على الباديء المثلَ من النعم ، أو الكفارة بالإطعام ، أو العدل من الصيام ، وجعل ذلك عقوبة جُرْمه بقوله : " ليذوق وبال أمره " ، وجعل على العائد بعد البدء ، وزاده من عقوبته ما أخبر عبادَه أنه فاعل به من الانتقام ، تغليظًا منه عز وجل للعود بعد البدء. ولو كانت عقوباته على الأشياء متفقة ، لوجب أن لا يكون حدٌّ في شيء ، مخالفًا حدًّا في غيره ، ولا عقابٌ في الآخرة ، أغلظ من عقابٍ. وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان.
* * *
وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك : ومن عاد في الإسلام بعد نَهْي الله عن قتله لقتله بالمعنى الذي كان القوم يقتلونه في جاهليتهم ، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم ، وذلك قتله على استحلال قتله . قال : فأما إذا قتله على غير ذلك الوجه وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال فعليه الجزاء والكفارة كلَّما عاد.
وهذا قول لا نعلم قائلا قاله من أهل التأويل. وكفي خطأ بقوله ، خروجه عن أقوال أهل العلم ، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه ، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده ؟ وذلك أن الله عز وجل عمّ بقوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، كلَّ عائد لقتل الصيد بالمعنى الذي تقدم النهي منه به في أوّل الآية ، ولم يخصّ به عائدًا منهم دون عائد. فمن ادَّعى في التنزيل ما ليس في ظاهره ، كُلِّف البرهانَ على دعواه من الوجه الذي يجب التسليمُ له.
* * *
وأما من زعم أن معنى ذلك : ومن عاد في قتله متعمدًا بعد بدء لقتل تقدم منه في حال إحرامه ، فينتقم الله منه ، كان معنى قوله : (1) " عفا الله عما سلف " ،
__________
(1) في المطبوعة : " فإن معنى قوله " وهو خطأ في قراءة المخطوطة وإفساد للسياق والمعنى جميعا.

(10/55)


إنما هو : عفا الله عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءًا (1) فإنّ في قول الله تعالى ذكره : " ليذوق وبال أمره " ، دليلا واضحًا على أن القول في ذلك غير ما قال ، لأن العفو عن الجرم : تركُ المؤاخذة به. ومن أذيق وبال جرمه ، فقد عوقب به. وغير جائز أن يقال لمن عوقب : " قد عفي عنه " . وخبر الله عز وجل أصدق من أن يقع فيه تناقض.
* * *
فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين في أوّل مرّة ، قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة ، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به ؟
قيل له : فإن كان ذلك جائزًا أن يكون تأويلَ الآية عندك وإن كان مخالفًا لقول أهل التأويل فما تُنكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله تعالى ذكره على العود بعد البدء ، هو تلك الزيادة التي عفاها عنه في أول مرة ، (2) مما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبال أمره ، فيذيقه في عوده بعد البدء وبالَ أمره الذي أذاقه المرة الأولى ويترك عفوَه عما عفا عنه في البدء ، فيؤاخذه به ؟ فلن يقول في ذلك شيئا إلا ألزم في الآخر مثله. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }
قال أبو جعفر : يقول عز وجل : والله منيعٌ في سلطانه ، لا يقهره قاهرٌ ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ، ولا من عقوبة من أراد عقوبته ، مانع. لأن
__________
(1) قوله : " فإن قول الله..ز " جواب قوله : " فأما من زعم... " .
(2) يقال : " عفا له ذنبه " متعديا و " عفا له عن ذنبه " لازما.
(3) في المطبوعة : " فلم يقل في ذلك شيئا " وفي المخطوطة : " فلم يقول... " وصواب قراءتها ما أثبت.

(10/56)


الخلق خلقه ، والأمر أمره ، له العزة المَنَعة. (1)
وأما قوله : " ذو انتقام " ، فإنه يعني به : معاقبتَه لمن عصاه على معصيته إياه.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " عزيز " فيما سلف 10 : 289 تعليق 1 ، والمراجع هناك.

(10/57)


أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)

القول في تأويل قوله : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " أحل لكم " ، أيها المؤمنون ، " صيد البحر " وهو ما صيد طريًّا ، كما : -
12667 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال عمر بن الخطاب في قوله : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : صيده ، ما صيد منه. (1)
12668 - حدثني ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن سماك قال : حُدِّثت ، عن ابن عباس قال : خطب أبو بكر الناس فقال : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : فصيده ما أخذ. (2)
12669 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : صيده ، ما صيد منه. (3)
12670 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي قال ، حدثنا محمد بن سلمة
__________
(1) الأثر : 12667 - " عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " مضى برقم : 3911 قال ابن سعد : " كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه " . وقال شعبة : " أحاديثه واهية " . وقد مضى الكلام فيه. وكان في المخطوطة هنا " عمرو بن أبي سلمة " وهو خطأ سيأتي على الصواب في رقم : 12687 في المخطوطة.
وأبوه : " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " مضى برقم : 8 ، 67 ، 3015 ، 8394 ، ثقة. وهذا الخبر مختصر الخبر الآتي رقم : 12687 وسياتي تخريجه هناك.
(2) الأثر : 12668 - سيأتي هذا الخبر بنفس هذا الإسناد بغير هذا اللفظ برقم 12686.
(3) الأثر : 12669 - رواه البيهقي في السنن 9 : 255 من طريق خلف بن خليفة عن حصين مطولا بنحوه.

(11/57)


الحرّاني ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : صيده ، الطريّ. (1)
12671 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الهذيل بن بلال قال ، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس في قوله : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : صيدُه ، ما صِيد. (2)
12672 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : الطريّ.
12673 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا الحسن بن علي بن الحنفيّ أو : الحسين ، شك أبو جعفر عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قال : كان ابن عباس يقول : صيد البحر ، ما اصطاده. (3)
__________
(1) الأثر : 12670 - " سليمان بن عمر بن خالد الرقي القرشي " الأقطع مضى برقم : 6254.
وكان في المطبوعة : " البرقي " وهو خطأ محض.
و " محمد بن سلمة الحراني الباهلي " ثقة مضى برقم : 175.
(2) الأثر : 12671 - " هذيل بن بلا الفزاري المدائني " " أبو البهلول " ضعيف قال ابن معين " ليس بشيء " . وقال أبو زرعة : " هو لين ليس بالقوي " . وقال ابن حيان : " يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل فصار متروكا " . وقال ابن سعد : " كان ضعيفا " . ولكن قال أبو حاتم : " محله الصدق يكتب حديثه " . وضعفه النسائي والدارقطني. مترجم في الكبير 4/2/245 ولم يذكر فيه جرحا وابن أبي حاتم 4/2/113 وفي تعجيل المنفعة : 430 ولسان الميزان 6 : 192 وميزان الاعتدال 3 : 251. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " هذيل ابن هلال " بالهاء وهو خطأ محض. وسيأتي على الصواب في المخطوطة : " بلال " في رقم : 12693 ، ولكن الناشر سيغيره هناك إلى " هلال " خطأ أيضا.
*و " عبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي " روى عن أبيه وقيل لم يسمع منه وروى عن عائشة وابن عباس وابن عمر. روى عنه " هذيل بن بلال " وجرير بن حازم وابن جريج والأوزاعي وعكرمة بن عمار وغيرهم. ثقة. وكان مستجاب الدعوة. مترجم في التهذيب.
(3) الأثر : 12673 " الحسن بن علي الحنفي " أو " الحسين بن علي الحنفي " لم أجد لأحدهما ترجمة في المراجع التي بين يدي. وكان في المطبوعة : " الجعفي " وهو تغيير بلا هدى. فإن " الجعفي " هو " الحسين بن علي الجعفي " مضى مرارا كثيرة وهو أجل من أن يشك في اسمه أبو جعفر أو سفيان بن وكيع. ثم انظر الأثر التالي رقم : 12692.

(11/58)


12674 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : الطريّ.
12675 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن الحجاج ، عن العلاء بن بدر ، عن أبي سلمة قال : " صيد البحر " ، ما صيد. (1)
12676 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : الطريّ.
12677 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، مثله.
12678 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : السمك الطريّ.
12679 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أحل لكم صيد البحر " ، أما " صيد البحر " ، فهو السمك الطريّ ، هي الحيتان.
12680 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : صيده ، ما اصطدته طريًّا - قال معمر ، وقال قتادة : صيده ، ما اصطدته. (2)
12681 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " أحل لكم صيد البحر " ، قال : حيتانه.
__________
(1) الأثر : 12675 - " العلاء بن بدر " نسب إلى جده وهو : " العلاء بن عبد الله بن بدر الغنوي " مضى برقم : 7939.
(2) الأثر : 12680 - " أبو سفيان " هو " أبو سفيان المعمري " " محمد بن حميد اليشكري " . مضى برقم : 1787 ، 8829.

(11/59)


12682 - حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا عمر بن أبي سلمة قال ، سئل سعيد عن صيد البحر فقال ، قال مكحول ، قال زيد بن ثابت : صيده ، ما اصطدت. (1)
12683 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، قال : يصطاد المحرِم والمحلُّ من البحر ، ويأكلُ من صيده.
12684 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : قال أبو بكر : طعام البحر كلُّ ما فيه وقال جابر بن عبد الله : ما حَسر عنه فكُلْ. وقال : كلّ ما فيه يعني : جميع ما صيدَ (2) .
12685 - حدثنا سعيد بن الربيع قال ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر : " وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، قال : هو كل ما فيه.
* * *
وعنى ب " البحر " ، في هذا الموضع ، الأنهار كلها. والعرب تسمى الأنهار " بحارًا " ، كما قال تعالى ذكره : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) . (3)
__________
(1) الأثر : 12682 - " عمرو بن أبي سلمة التنيسي " مضى برقم : 3997 ، 5230 ، 5444 ، 6628 ، وكان في المطبوعة هنا " عمر بن أبي سلمة " وهو خطأ ذاك أقدم من هذا (انظر ما مضى رقم : 12667). والصواب من المخطوطة.
و " سعيد " هذا هو " سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي " مضى رقم : 6529 8966 ، 9071. ومضى أيضا في الأثر : 3977 غير مترجم في مثل هذا الإسناد.
وهذا الخبر أخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 232 ولم ينسبه لغير الطبري.
(2) الأثر : 12684 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 232 ، ولم ينسبه لغير الطبري .
(3) مضى ذكر " البحر " في سورة البقرة : 50 (2 : 50) ولم يشرح هذا الحرف هناك. وهذا من وجوه اختصار تفسيره. ولكن جاء تفسير " البحر " في الأثر السالف رقم : 3985 بغير هذا المعنى ، فانظره.

(11/60)


قال أبو جعفر : فتأويل الكلام : أحل لكم ، أيها المؤمنون ، طريّ سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حِلِّكم وحَرَمكم ، وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رَمى به إلى ساحله.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : " وطعامه " .
فقال بعضهم : عني بذلك : ما قذف به إلى ساحله ميتًا ، نحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك :
12686 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن سماك قال ، حدثت عن ابن عباس قال : خطب أبو بكر الناس فقال : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، وطعامه ، ما قَذَف. (1)
12687 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كنت بالبحرين ، فسألونى عما قذف البحر. قال : فأفتيتهم أن يأكلوا. فلما قدمتُ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ذكرت ذلك له ، فقال لي : بم أفتيتهم ؟ (2) قال ، قلت : أفيتهم أن يأكلوا ؟ قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدِّرَّة! قال : ثم قال : إن الله تعالى قال في كتابه : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، فصيده ، ما صيد منه وطعامه ، ما قَذَف. (3)
__________
(1) الأثر : 12686 - مضى بهذا الإسناد بغير هذا اللفظ فيما سلف رقم : 12668. وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3 : 242 والسيوطي في الدر المنثور 2 : 331 وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(2) في المخطوطة : " بما أفتيتهم " وهو الأصل وهو صواب.
(3) الأثر : 12687 - مضى مختصرا بهذا الإسناد رقم : 12667. وذكرت هناك ما قالوه في ضعف " عمر بن أبي سلمة " .
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 9 : 254 ، من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانه عن عمر بن أبي سلمة بنحوه.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 331 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد ، وابن المنذر وأبي الشيخ.

(11/61)


12688 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، قال : طعامه ما قَذَف.
12689 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس في قوله : " احل لكم صيد البحر وطعامه " ، قال : طعامه ما قذف.
12690 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس ، مثله.
12691 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " طعامه " ، كل ما ألقاه البحر. (1)
12692 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا الحسن بن علي أو : الحسين بن على الحنفي ، شك أبو جعفر عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : " طعامه " ، ما لفظ من ميتته. (2)
12693 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الهذيل بن بلال قال ، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس : " أحل لكم صيد البحر وطعامه " ، قال : " طعامه " ، ما وجد على الساحل ميتًا. (3)
__________
(1) الأثر : 12691 - " حسين بن علي بن الوليد الجعفي " مضى مرارا منها رقم : 29 ، 174 ، 4415 ، 7287 ، 7499. وهو غير الذي سيأتي بعده ، كما أشرت إليه في التعليق على الأثر رقم : 12673.
(2) الأثر : 12692 - " الحسن بن علي الحنفي " أو " الحسين بن علي الحنفي " مضى الكلام عنه ، وإني لم أجده فيما سلف رقم : 12673. وغيره هنا في المطبوعة وكتب " الجعفي " وهو هنا أيضا في المخطوطة : " الحنفي " .
(3) الأثر : 12693 - " الهذيل بن بلال الفزاري المدائني " مضى برقم : 12671 ، وهو في المخطوطة هنا " بلال " ولكن غيره الناشر في المطبوعة فكتب : " هلال " وهو خطأ كما بينت هناك.
*و " عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي " مضى أيضا برقم : 12671.

(11/62)


12694 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عباس قال : " طعامه " ، ما قذف به.
12695 - حدثنا سعيد بن الربيع قال ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر رضي الله عنه : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، هو كل ما فيه.
12696 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، عن ابن جريج قال ، أخبرني عمرو بن دينار ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : قال أبو بكر : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، ميتته قال عمرو : وسمعت أبا الشعثاء يقول : (1) ما كنت أحسب طعامه إلا مالحه.
12697 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثني الضحاك بن مخلد ، عن ابن جريج قال ، أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، ميتته. (2)
12698 - حدثنا حميد بن مسعدة (3) قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان ، عن عكرمة : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، ما قذف.
12699 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا معمر بن سليمان قال ، سمعت عبيد الله ، عن نافع قال : جاء عبد الرحمن إلى عبد الله فقال : البحر قد ألقى حيتانًا كثيرة ؟ قال : فنهاه عن أكلها ، ثم قال : يا نافع ، هات
__________
(1) في المطبوعة : " وسمع " وفي المخطوطة : " وسمعه " وصواب قراءتها ما أثبت كما سيأتي في رقم : 12702.
(2) الأثر : 12697 - " أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد " اسمه " عبد الله بن حفص " ثقة مضى برقم : 3035.
(3) في المخطوطة : " جرير بن مسعدة " والصواب ما في المطبوعة.

(11/63)


المصحف! فأتيته به ، فقرأ هذه الآية : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، قال ، قلت : " طعامه " ، هو الذي ألقاه. قال : فالحقْهُ ، فمُرْهُ بأكله. (1)
12700 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ، عن نافع : أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر ، فقال : إن البحر قذف حيتانًا كثيرة ميتة ، أفنأكلها ؟ قال : لا تأكلوها! فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ " سورة المائدة " ، فأتى على هذه الآية : " وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، قال : اذهب ، فقل له فليأكله ، فإنه طعامه. (2)
12701 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، بنحوه.
12702 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، عن ابن جريج قال ، أخبرني عمرو بن دينار ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال ، قال أبو بكر رضي الله عنه : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : ميتته قال عمرو : سمعت أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب " طعامه " إلا مالحه. (3)
12703 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، عن ابن جريج قال ، أخبرنا نافع : أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان كثيرة ألقاها البحر ، أميتة هي ؟ قال : نعم! فنهاه عنها ، ثم دخل البيت فدعا
__________
(1) الأثر : 12699 - " عبد الرحمن " هو : " عبد الرحمن بن أبي هريرة " و " عبد الله " هو " عبد الله بن عمر " وسيأتي تخريجه في الذي يليه.
(2) الأثر : 12700 - هو طريق أخرى للأثر السالف.
*وهذا الخبر رواه مالك عن نافع بمثله في الموطأ : 494. ورواه البيهقي عن مالك في السنن الكبرى 9 : 255. وسيأتي من طريق أخرى برقم : 12703.
*ونقله ابن كثير في تفسيره 3 : 242 ولم يخرجه وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 332 ، وقصر في نسبته وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر.
(3) الأثر : 12702 - مضى هذا الأثر من رواية أبي جعفر عن " محمد بن المثنى " بمثل إسناده هنا رقم : 12696.

(11/64)


بالمصحف فقرأ تلك الآية : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، كل شيء أخرج منه ، فكله ، فليس به بأس. وكل شيء فيه يأكل ، ميت أو بساحليه. (1)
12704 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر قال قتادة : " طعامه " ، ما قذف منه. (2)
12705 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد ، عن ليث ، عن شهر ، عن أبي أيوب قال : ما لفظ البحر فهو طعامه ، وإن كان ميتًا.
12706 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو الأحوص ، عن ليث ، عن شهر ، قال : سئل أبو أيوب عن قول الله تعالى ذكره : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا " ، قال : هو ما لفظ البحر.
* * *
وقال آخرون : عنى بقوله : " وطعامه " ، المليح من السمك (3) فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم : أحل لكم سمك البحر ومَليحه في كل حال ، في حال إحلالكم وإحرامكم. (4)
* ذكر من قال ذلك :
12707 - حدثنا سليمان بن عُمَر بن خالد الرقيّ قال ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : " وطعامه " ، قال : " طعامه " ، المالح منه. (5)
__________
(1) الأثر : 12703 - مضى هذا الخبر بثلاثة أسانيد أخرى رقم : 12699 - 12701 وخرجته في رقم : 12700. وفي المطبوعة : " ميتا " بالنصب وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب لا بأس به. وفي المطبوعة : " بساحله " بالإفراد وفي المخطوطة بالتثنية كما أثبتها.
(2) الأثر : 12704 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 12680 " أبو سفيان " هو : المعمري ، " محمد بن حميد اليشكري " .
(3) " المليح " على وزن " فعيل " هو المملح يقال : " سمك مال ومليح ومملوح ومملح " .
(4) في المطبوعة أسقط من العبارة " في حال " وأثبتها من المخطوطة.
(5) الأثر : 12707 - " سليمان بن عمر بن خالد الرقي " مضى برقم : 12670 ، وكذلك هو في المخطوطة أما في المطبوعة فقد جعله " سليمان بن عمرو بن خالد البرقي " وهو خطأ في موضعين صوابه ما أثبت.
أما قوله : " المالح منه " فقد استنكر الجوهري وغيره أن يقال : " سمك مالح " وقال يونس : " لم أسمع أحدا من العرب يقول : مالح " . والذي لم يسمعه يونس سمعه غير هو جاء في فصيح الشعر وهكذا جاء في الآثار التي هنا وهو صواب لا شك فيه عندي والصواب ما قاله ابن بري أن وجه جوازه هذا من جهة العربية أن يكون على النسب مثل قولهم : " ماء دافق " أي ذو دفق. وكذلك " ماء مالح " أي : ذو ملح وكما يقال : " رجل تارس " أي ذو نرس و " رجل دارع " أي ذو درع. قال : ولا يكون هذا جاريا على الفعل وهو الصواب إن شاء الله. (انظر لسان العرب ، مادة : ملح).

(11/65)


12708 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وطعامه متاعًا لكم " ، يعني : بطعامه ، مالحه ، وما قذف البحر منه ، مالحه. (1)
12709 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وطعامه متاعًا لكم " ، وهو المالح.
12710 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن مجمّع التيمي ، عن عكرمة في قوله : " متاعًا لكم " قال : المليح. (2)
12711 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس وأبي حصين ، عن سعيد بن جبير قال : المليح.
12712 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن
__________
(1) في المطبوعة : " وما قذف البحر من مالحه " غير ما في المخطوطة فأفسد العبارة. وقوله " مالحه " الأخيرة خبر المبتدأ " ما قذف البحر منه " .
(2) الأثر : 12710 - " سفيان " هو الثوري.
و " مجمع التيمي " هو : " مجمع بن سمعان " أو " مجمع بن صمعان " أبو حمزة التيمي الكوفي النساج الحائك. قال ابن عيينة : " كان له من الفضل غير قليل " . روى عنه أبو حيان التيمي وسفيان الثوري. ووثقه يحيى بن معين. مترجم في الكبير للبخاري 4/1/409 وابن أبي حاتم 4/1/295. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " سفيان بن مجمع التيمي " وهو خطأ لا شك فيه. وليس في الرواة من يسمى كذلك.

(11/66)


منصور ، عن إبراهيم : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : المليح ، وما لَفَظ.
12713 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير في قوله : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، قال : يأتي الرجل أهلَ البحر فيقول : " أطعموني " ! فإن قال : " غريضًا " ، ألقوا شبكتهم فصادوا له. وإن قال : " أطعموني من طعامكم " ، أطعموه من سمكهم المالح. (1)
12714 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء ، عن سعيد : " أحل لكم صيد البحر وطعامه " ، قال : المنبوذ ، السمك المالح.
12715 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير : " وطعامه " ، قال : المالح.
12716 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم : " وطعامه " ، قال : هو مليحُه . (2) ثم قال : ما قَذَف.
12717 - حدثنا ابن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وطعامه " ، قال : مملوح السمك.
12718 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرني الثوري ، عن منصور قال : كان إبراهيم يقول : " طعامه " ، السمك المليح. ثم قال بعد : ما قذفَ به.
12719 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير قال : " طعامه " ، المليح.
12720 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد قال : " طعامه " ، السمك المليح.
__________
(1) الأثر : 12713 - سيأتي مطولا برقم : 12753.
(2) في المطبوعة : " مالحه " وأثبت ما في المخطوطة وهكذا قراءتها على سوء كتابة الناسخ.

(11/67)


12721 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : الصِّير قال شعبة ، فقلت لأبي بشر : ما الصِّير ؟ قال : المالح. (1)
12722 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا هشام بن الوليد قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن جعفر بن أبي وحشية ، عن سعيد بن جبير قوله : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : الصِّير. قال قلت : ما الصير ؟ قال : المالح.
12723 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : أما " طعامه " ، فهو المالح.
12724 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، ما تزوّدت مملوحًا في سفرك.
12725 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد وسعيد بن الربيع الرازي قالا حدثنا سفيان ، عن عمرو قال ، قال جابر بن زيد : كنا نُحَدَّث أن " طعامه " مليحه ، ونكره الطافي منه. (2)
* * *
__________
(1) " الصير " (بكسر الصاد) ويقال له : " الصحناة " وقيل : هي السمكات المملوحة التي تعمل منها الصحناة وهي كالفسيخ في بلادنا ذكرها جرير في شعره فقال في هجاء آل المهلب وهم من الأزد : إن الخلافة لم تقدر ليملكها ... عبد لأزدية في بظرها عقف
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتووا كنعدا من مالح جدفوا
و " الكنعد " : ضرب من السمك. وقوله : " جدفوا " أكلوا " الجدف " (بفتحتين) وهو يكون باليمن تاكله الإبل فتجزأ به عن الماء ولا يحتاج مع اكله إلى شرب ماء.
وفي المخطوطة في المواضع كلها : " الصر " مهملة لا تقرأ صوابها في المطبوعة.
(2) الأثر : 12725 - " سفيان " هو الثوري أو " سفيان بن عيينة " كلاهما روى عن عمرو بن دينار. " عمرو " هو " عمرو بن دينار " . وكان في المطبوعة : " سفيان بن عمرو " وهو خطأ محض.
و " جابر بن زيد الأزدي " هو " أبو الشعثاء " مضى كثيرا وترجم في : 5316 ، 5472.

(11/68)


وقال آخرون : " طعامه " ، ما فيه.
* ذكر من قال ذلك :
12726 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : طعام البحر ، ما فيه.
12726 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن حريث ، عن عكرمة : " وطعامه متاعًا لكم " ، قال : ما جاء به البحر بموجه ، هكذا. (1)
12728 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن حسن بن صالح ، عن ليث ، عن مجاهد قال : " طعامه " ، كل ما صيد منه. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا ، قولُ من قال : " طعامه " ، ما قذفه البحر ، أو حَسَر عنه فوُجد ميتًا على ساحله. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قبله صيدَ الذي يصاد ، فقال : " أحل لكم صيد البحر " ، فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يُصَدْ منه ، فقال : أحل لكم ما صدتموه من البحر ، وما لم تصيدوه منه.
وأما " المليح " ، فإنه ما كان منه مُلِّح بعد الاصطياد ، فقد دخل في جملة قوله : " احل لكم صيد البحر " ، فلا وجه لتكريره ، إذ لا فائدة فيه. وقد أعلم
__________
(1) في المطبوعة : " ماء به البحر بوجه " فغير وحذف " هكذا " كأنه ظن " هكذا " إشارة إلى استشكال كلمة " بموجه " ! وهذا غريب. وقوله : " هكذا " يريد بذلك الإشارة إلى أنه جاء طافيا.
(2) الأثر : 12728 - " حميد بن عبد الرحمن بن حميد الراسي " مضى برقم : 4926 ، 8770. و " الحسن بن صالح بن صالح بن حي الثوري " مضى برقم : 178 ، 5347 ، 7594.

(11/69)


عبادَه تعالى ذكره : إحلالَه ما صيد من البحر بقوله : " أحل لكم صيد البحر " . فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك : " ومليحه الذي صيد حلال لكم " ، لأن ما صيد منه فقد بُيِّن تحليله ، طريًّا كان أو مليحًا ، بقوله : " أحل لكم صيد البحر " والله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة.
* * *
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا خبر ، وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقلِه عنه من الصحابة ، وذلك ما : -
12729 - حدثنا هناد بن السريّ قال ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم " ، قال : " طعامه " ، ما لفظه ميتًا فهو طعامه " . (1)
* * *
وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة.
12730 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن عمرو ،
__________
(1) الأثر : 12729 ، 12730 - " عبدة بن سليمان الكلابي " قال أحمد : " ثقة ثقة وزيادة مع صلاح في بدنه " . روى له أصحاب الكتب الستة. ومضى مرارا برقم : 222 ، 2323 ، 2758 ، 3022 ، ومواضع غيرها ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي ثقة وروى له أصحاب الكتب الستة ومضى برقم : 8 ، 3015.
و " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " تابعي جليل إمام ثقة. مضى برقم : 8 ، 67 ، 3015 ، 8394 ، وغيرها.
وهذا الخبر لم أجد أحدا ذكره إلا السيوطي في الدر المنثور 2 : 331 ولم ينسب هذا المرفوع إلا لابن جرير أما الخبر الآتي وهو الموقوف فإنه زاد نسبته لابن أبي حاتم.
وأما الخبر الموقوف الثاني رقم : 12730 ففيه " ابن أبي زائدة " وهو " يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة " وهو من حفاظ الكوفيين كان متقنا ثبتا صاحب سنة ، مستقيم الحديث. روى له أصحاب الكتب الستة ومضى برقم : 850 ، 4246.
فإسناد المرفوع والموقوف كلاهما إسناد صحيح ورجالهما ثقات حفاظ. وكتبه محمود محمد شاكر.

(11/70)


عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة في قوله : " أحل لكم صيد البحر وطعامه " ، قال : " طعامه " ، ما لفظه ميتًا. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " متاعًا لكم " ، منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلده ، يستمتع بأكله وينتفع به (2) " وللسيارة " ، يقول : ومنفعةً أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض ، ومسافرين يتزوّدونه في سفرهم مليحًا.
* * *
و " السيارة " ، جمع " سيّار " . (3)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
12731 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرني أبو إسحاق ، عن عكرمة أنه قال في قوله : " متاعًا لكم وللسيارة " ، قال : لمن كان بحضرة البحر " وللسيارة " ، السَّفْر.
12732 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله : " وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، ما قذف البحر ، وما يتزوّدون في أسفارهم من هذا المالح يتأوّلها على هذا.
12733 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع عن حماد قال ، حدثنا
__________
(1) الأثر : 12730 - انظر التعليق على الأثر السالف.
(2) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف 8 : 551 تعليق : 1 والمراجع هناك.
(3) اقتصرت كتب اللغة على أن " السيارة " : القافلة أو القوم يسيرون وأنه أنث على معنى الرفقة أو الجماعة. وجعله أبو جعفر جمعا ، كقولهم " جمال " و " جمالة " (بتشديد الميم) و " حمار " و " حمارة " .

(11/71)


يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، مملوح السمك ، ما يتزودون في أسفارهم.
12734 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقيّ قال ، حدثنا مسكين بن بكير قال ، حدثنا عبد السلام بن حبيب النجاري ، عن الحسن في قوله : " وللسيارة " ، قال : هم المحرمون. (1)
12735 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، أما " طعامه " ، فهو المالح منه ، بلاغٌ يأكل منه السيار في الأسفار. (2)
12736 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، قال : " طعامه " ، مالحه ، وما قذف البحر منه ، يتزوَّده المسافر وقال مرة أخرى : مالحه ، وما قذف البحر. فمالحه يتزوده المسافر.
12737 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وطعامه متاعًا للكم وللسيارة " ، يعني المالح يتزوّده. (3)
__________
(1) الأثر : 12734 - " سليمان بن عمر بن خالد الرقي " مضى برقم : 6254 ، 12670 ، 12707ن وغيره في المطبوعة كما غيره فيما سلف فجعله " سليمان بن عمرو بن خالد البرقي " وهو خطأ محض صوابه في المخطوطة.
و " مسكين بن بكير الحراني " أبو عبد الرحمن الحذاء روى عنه أحمد بن حنبل ثقة. مترجم في التهذيب.
أما " عبد السلام بن حبيب النجاري " فلم أجد في الرواة عن الحسن أو غيره من اسمه ذاك. ووجدت في الرواة عن الحسن البصري " عبد السلام بن أبي الجنوب المدني " وهو شيخ مدني متروك مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 3/1/45 وميزان الاعتدال 2 : 129. فلعله يكون هو.
(2) " بلاغ " يعني " بلغة " (بضم الباء) وهو ما يتبلغ به المرء من الزاد أي يكتفي به حتى يبلغ مستقره. وكان في المطبوعة : " السيارة " بالتاء في آخره وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " فيتزوده " والجيد ما في المخطوطة.

(11/72)


وكان مجاهد يقول في ذلك بما : -
12738 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وطعامه متاعا لكم " ، قال : أهل القرَى " وللسيارة " ، أهل الأمصَار.
12739 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : " متاعًا لكم " ، قال : لأهل القرى " وللسيارة " ، قال : أهل الأمصار ، والحيتانُ للناس كلهم. (1)
* * *
وهذا الذي قاله مجاهد : من أن " السيارة " هم أهل الأمصار ، لا وجه له مفهوم ، إلا أن يكون أراد بقوله : " هم أهل الأمصار " ، هم المسافرون من أهل الأمصار ، فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة ، من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى. فأما " السيارة " ، فلا نعقله : المقيمون في أمصارهم. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " أهل الأمصار وأجناس الناس كلهم " وأداه إلى هذا ما جاء في الدر المنثور 2 : 232 عن مجاهد : " وطعامه قال : حيتانه متاعا لكم لأهل القرى وللسيارة أهل الأسفار وأجناس الناس كلهم " ثم ما جاء في المخطوطة مما دخله التحريف وذلك : " أهل الأمصار والحباب للناس كلهم " والدر المنثور لا يوثق بطباعته والجملة فيه خطأ لا شك فيه ، فقوله " أهل الأسفار " لا شك أنها " أهل الأمصار " وأما قوله : " حيتانه " هنا فإن ذلك من سوء اختصار السيوطي فإن " حيتانه " تفسير لقوله : " صيد البحر " كما مضى في الاثر رقم : 12681 من تفسير مجاهد لصيد البحر. وأما " طعامه " فقد فسرها مجاهد " السمك المليح " كما مضى في رقم : 12720 وهو مراد هنا في هذا الموضع. فظاهر أنه أراد : " طعامه السمك المليح متاعا لكم لأهل القرى وللسيارة أهل الأمصار والحيتان للناس كلهم " يعني أنه لا يدخل قوله تعالى : " متاعا لكم وللسيارة " في بيان قوله تعالى : " أحل لكم صيد البحر " بل في بيان قوله : " وطعامه " وهو السمك المليح. هذا هو الصواب وأما ما في الدر المنثور وما في المطبوع من هذا التفسير فكلام لا يستقيم.
(2) في المطبوعة : " فأما السيارة فلا يشمل المقيمين في أمصارهم وهو كلام مريض وهو في المخطوطة كما أثبته غير منقوط وهذا صواب قراءته. والمعنى : فلا نعقله أن يكون معناه : المقيمون في أمصارهم. وقد مضى استعمال أبي جعفر " نعقله " في مثل هذه العبارة في مواضع سلفت ليس عندي الآن بيانها.

(11/73)


القول في تأويل قوله : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : وحرم الله عليكم ، أيها المؤمنون ، صيد البر " ما دمتم حرمًا " ، يقول : ما كنتم محرمين ، لم تحِلوا من إحرامكم. (1)
* * *
ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عَنى الله تعالى ذكره بقوله : " وحُرِّم عليكم صيدُ البر " .
فقال بعضهم : عنى بذلك : أنه حرَّم علينا كل معاني صيد البر : من اصطياد ، وأكل ، وقتل ، وبيع ، وشراء ، وإمساك ، وتملُّك.
* ذكر من قال ذلك :
12740 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن أبيه قال : حج عثمان بن عفان ، فحج عليّ معه ، قال : فأتي عثمان بلحم صيد صاده حَلال ، فأكل منه ، ولم يأكل عليّ ، فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا! فقال عليّ : " وحُرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " . (2)
__________
(1) انظر تفسير " ما دام " فيما سلف 10 : 185 وتفسير " حرم " فيما سلف : 7.
(2) الأثر : 12740 - " يزيد بن أبي زياد الكوفي " مولى بني هاشم صدوق في حفظه شيء بعد ما كبر. مضى برقم : 2028.
و " عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم " لقبه : " ببة " ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه رسول الله روى عن جماعة من الصحابة. روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " عبد الله بن الحارث عن نوفل : وهو خطأ صرف.
وأبوه : " الحارث بن نوفل بن الحارث " . روى عن رسول الله وعن عائشة. استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أعمال مكة ، ومات بالبصرة في خلافة عثمان. مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 232 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
وقوله : " صاده حلال " يعني : رجل حلال غير محرم بحج.
وسيأتي هذا الخبر بلفظ آخر ، وإسناد آخر. في رقم : 12745 ، 12746.

(11/74)


12741 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هرون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن سماك ، عن صبيح بن عبد الله العبسي قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العَرُوض ، (1) فنزل قديدًا ، فمرّ به رجل من أهل الشام معه باز وصقر ، فاستعاره منه ، فاصطاد به من اليعاقيب ، (2) فجعلهن في حظيرة. فلما مرّ به عثمان طبخهن ، ثم قدمهن إليه ، فقال عثمان : كلوا! فقال بعضهم : حتى يجيء علي بن أبي طالب ، رحمة الله عليه. فلما جاء فرأى ما بين أيديهم ، قال علي : إنا لن نأكل منه! فقال عثمان : مالك لا تأكل ؟ فقال : هو صيد ، ولا يحل أكله وأنا محرم! فقال عثمان : بيِّن لنا! فقال عليّ : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " ، فقال عثمان : أو نحن قتلناه ؟ فقرأ عليه : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " . (3)
12742 - حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد قالا أخبرنا
__________
(1) " العروض " (بفتح العين) : مكة والمدينة وأكنافهما.
(2) " اليعاقيب " جمع " يعقوب " طائر وهو ذكر الحجل والقطا.
(3) الأثر : 12741 - " هرون بن المغيرة بن حكيم البجلي " ثقة مضى برقم : 6656 ، 5526. و " عمرو بن أبي قيس الرازي ثقة مضى برقم : 6887 ، 9346.
و " سماك " هو " سماك بن حرب " ثقة مضى مرارا.
و " صبيح بن عبد الله العبسي " روى عن علي وروى عنه سماك بن حرب. مترجم في الكبير البخاري 2/2 / 319 وابن أبي حاتم 2 /1/ 449. ولم يذكرا فيه جرحا. وقد مضى ذكره في التعليق على رقم : 7595 (وقع هناك خطأ فيما نقلته عن التاريخ الكبير " على الفروض " وصوابه " على العروض " فليصحح هناك وفي تاريخ البخاري). وفي المخطوطة والمطبوعة : " صبيح بن عبيد الله " والتصحيح من البخاري وابن أبي حاتم.
وهذا الخبر رواه البخاري مختصرا في التاريخ قال : " حدثني حسن بن خلف أخبرنا إسحق عن شريك عن سماك عن صبيح بن عبد الله العبسي " . وهو الإسناد التالي لهذا.

(11/75)


إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن سماك بن حرب ، عن صبيح بن عبيد الله العبسي قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العَرُوض ثم ذكر نحوه ، وزاد فيه ، قال : فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث ، ثم أتى فقيل له بمكة : هل لك في ابن أبي طالب ، أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه! (1) فأرسل إليه عثمان ، وسأله عن أكل الصفيف ، فقال : أما أنتَ فتأكل ، وأما نحن فتنهانا ؟ فقال : إنه صيد عام أوّلَ وأنا حلال ، فليس عليّ بأكله بأس ، وصيد ذلك يعني اليعاقيب وأنا محرم ، وذبحن وأنا حرَام. (2)
12743 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا يونس ، عن الحسن : أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسًا بلحم الصيد للمحرم ، وكرهه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه. (3)
12744 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال ، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن عليًا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال.
12745 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث : أنه شهد عثمان وعليًّا أُتيا بلحم ، فأكل عثمان ولم يأكل عليّ ، فقال عثمان : أنحن صِدْنا أو
__________
(1) " الصفيف " هو لحم يشرح عراضا حتى ترق البضعة منه فتراها تشف شفيفا ويوسع مثل الزغفان ثم يشرر في الشمس حتى يجف. فإذا دق الصفيف فهو " القديد " . وكان في المخطوطة في هذا الموضع " تصفف " وفي الذي يليه " التصفيف " غير منقوطة وهو رسم خطأ صوابه في المطبوعة.
(2) الأثر : 12742 - " إسحق الأزرق " هو إسحق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي " مضى برقم : 3339 ، 4224. وكان في المخطوطة والمطبوعة " أبو إسحق الأزرق ، وهو خطأ وسهو من ناسخ وهو على الصواب في إسناد البخاري الذي نقلته آنفا في تخريج الأثر السالف.
(3) الأثر : 12743 - " عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري " مضى برقم : 2154 ، 6589 ، 6591 ، 6819.
و " يونس " هو : " يونس بن عبيد بن دينار العبدي " مضى برقم : 2616 ، 4931.

(11/76)


صيد لنا ؟ فقرأ عليّ هذه الآية : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " . (1)
12746 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه قال : حج عثمان بن عفان ، فحج معه علي ، فأتي بلحم صَيدٍ صاده حلالٌ ، فأكل منه وهو محرم ، ولم يأكل منه عليّ ، فقال عثمان : إنه صيدَ قبل أن نحرم! فقال له علي : ونحن قد نزلنا وأهالينا لنا حلال ، (2) أفيحللن لنا اليوم ؟ (3)
12747 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : أن عليًّا أتى بِشِقّ عَجُز حمار وهو محرم ، فقال : إنّي محرم. (4)
12748 - حدثنا ابن بزيع قال ، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا سعيد ، عن يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه كان يكرهه على كل حال ، ما كان محرمًا. (5)
__________
(1) الأثر : 12745 - مضى هذا الخبر برواية " عبد الله بن الحارث بن نوفل " عن أبيه " الحارث بن نوفل " برقم : 12740 ، وسيأتي رقم : 12747.
(2) في المطبوعة : " ونحن قد بدا لنا " وفي المخطوطة : " ونحن مر لنا " غير منقوطة وهذه قراءتها فيما أرجح.
(3) الأثر : 12746 - " عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " أحاديثه واهية ، يكتب حديثه ولا يحتج به ، مضى برقم : 3911 ، 12667.
وسيأتي هذا الخبر بإسناد آخر رقم : 12755 ، مختصرا بغير هذا اللفظ.
(4) الأثر : 12747 - " هرون " هو " هرون بن المغيرة " مضى قريبا برقم : 12741.
و " عمرو " هو " عمرو بن أبي قيس " مضى أيضا برقم : 12741.
و " عبد الكريم " هو " عبد الكريم بن مالك الجزوي " مضى برقم : 892 ، 1566. وكان في المخطوطة والمطبوعة : " عن عمرو بن عبد الكريم " وهو خطأ. ليس في الرواة من يسمى بذلك.
ومضى هذا الخبر بإسناديه رقم : 12740 ، 12745.
(5) الأثر : 12748 - " سعيد " هو " سعيد بن أبي عروبة " .
و " يعلى بن حكيم الثقفي " روى عن سعيد بن جبير وعكرمة ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وقال أبو حاتم : " لا بأس به " مترجم في التهذيب.

(11/77)


12749 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا ابن جريج قال ، أخبرنا نافع : أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام ، أخذ له أو لم يؤخذ له ، وَشِيقةً وغيرها. (1)
12750 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن عبد الله قال ، أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يأكل الصيدَ وهو محرم ، وإن صاده الحلالُ.
12751 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق : أنّ طاوسًا كان ينهى الحرامَ عن أكل الصيد ، وشيقة وغيرها ، صيد له أو لم يُصد له.
12752 - حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا خالد بن الحارث قال ، حدثنا الأشعث قال ، قال الحسن : إذا صاد الصيد ثم أحرمَ لم يأكل من لحمه حتى يحلّ. فإن أكل منه وهو محرم ، لم ير الحسن عليه شيئًا. (2)
12753 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام وهارون عن عنبسة ، عن سالم قال : سألت سعيد بن جبير ، عن الصيد يصيده الحلال ، أيأكل منه المحرم ؟ فقال : سأذكر لك من ذلك ، إن الله تعالى ذكره قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " ، فنهي عن قتله ، ثم قال : " ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم " ، ثم قال تعالى ذكره : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة " ، قال : يأتي الرجل أهلَ البحر فيقول : " أطعموني " ، فإن
__________
(1) " الوشيقة " : لحم يغلي في ماء وملح إغلاءة واحدة ، ولا ينضج فيتهرأ ثم يخرج فيصير في الجبجبة وهو جلد بعير يقور ، ثم يجعل ذلك اللحم فيه ، فيكون لهم زادا في أسفارهم.
(2) الأثر : 12752 - " خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي " ثقة مضى برقم : 7507 ، 7818 ، 9878.

(11/78)


قال : " غريضًا " ، ألقوا شبكتهم فصادوا له ، وإن قال : " أطعموني من طعامكم " ، أطعموه من سمكهم المالح. ثم قال : " وحُرِّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا " ، وهو عليك حرام ، صدته أو صاده حلال. (1)
* * *
وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " ، ما استحدَث المحرم صيدَه في حال إحرامه أو ذبحه ، أو استُحْدِث له ذلك في تلك الحال. فأما ما ذبحه حلال وللحلال ، فلا بأس بأكله للمحرم. وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه ، فغير محرم عليه إمساكه.
* ذكر من قال ذلك :
12754 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال ، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا سعيد قال ، حدثنا قتادة : أن سعيد بن المسيب حدّثه ، عن أبي هريرة : أنه سئل عن صيد صاده حلال ، أيأكله المحرم ؟ قال : فأفتاه هو بأكله ، ثم لقي عمر بن الخطاب رحمه الله فأخبره بما كان من أمره ، فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعتُ لك رأسك . (2)
12755 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه قال : نزل عثمان بن عفان رحمه الله العَرْجَ وهو محرم ، (3) فأهدى صاحبُ العرج له قَطًا ، (4) قال : فقال لأصحابه : كلوا فإنه إنما اصطيد
__________
(1) الأثر : 12753 - مضى هذا الأثر مختصرا برقم : 12713.
(2) الأثر : 12754 - إسناده صحيح. وخرجه السيوطي في الدر المنثور باختلاف يسير في لفظه ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وسيأتي هذا الأثر بأسانيد أخرى رقم : 12756 ، 12757 ، 12762.
(3) " العرج " (بفتح فسكون) وهي قرية جامعة على طريق مكة من المدينة ، على جادة الحاج.
(4) في المخطوطة : " رطا " غير منقوطة كأنها تقرأ " بطا " ولكن الذي جاء في الروايات السالفة وما سيأتي برقم : 12771 أنها " قطا " أو " يعاقيب " وهي ذكور الحجل والقطا ، والصواب إن شاء الله ما كان في المطبوعة : " قطا " . و " القطا " : طائر كالحمام.

(11/79)


على اسمي ، (1) قال : فأكلوا ولم يأكل. (2)
12756 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان بالرَّبَذة ، فسألوه عن لحم صيدٍ صاده حلال ، ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر. (3)
12757 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن عمر ، نحوه. (4)
12758 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الشعثاء قال : سألت ابن عمر عن لحم صيد يُهديه الحلال إلى الحرام ، فقال : أكله عمر ، وكان لا يرى به بأسًا. قال قلت : تأكله ؟ قال : عمر خير مني. (5)
__________
(1) قوله : " إنما اصطيد على اسمي " أي من أجله ، وهو تعبير قديم يقيد ، ولا يزال يجري على ألسنة العامة إلى هذا اليوم وهو صحيح فصيح. وانظر ما يفسره في خبر مالك في الموطأ : 354 ، وسيأتي رقم : 12764.
(2) الأثر : 12755 - " عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " مضى قريبا رقم : 12746. وسيأتي من طريق أخرى برقم : 12771 بغير هذا اللفظ عن أبي سلمة من فعله هو.
(3) الأثر : 12756 ، 12757 - مضى برقم : 12754.
(4) الأثر : 12756 ، 12757 - مضى برقم : 12754 .
(5) الأثر : 12758 ، 12759_ " أبو إسحق " هو : " أبو إسحق السبيعي الهمداني " .
و " أبو الشعثاء " سيأتي في الأثر رقم : 12763 أنه " أبو الشعثاء الكندي " وهو غير " أبي الشعثاء ، جابر بن زيد " الذي مضى برقم : 5136 ، 5472 ، 12406 ، 12725.
و " أبو الشعثاء الكندي " هو : " يزيد بن مهاصر " كوفي روى عن ابن عمر ، وابن عباس. ترجم له البخاري في الكبير 4 /2 / 363 في " يزيد بن مهاصر " وقال : " كناه محمد بن عبد الله بن نمير " ولم يزد على ذلك. وترجم له ابن أبي حاتم 4/2/287 في " يزيد بن مهاصر أبو الشعثاء الكندي " ثم قال : " روى عنه أبو إسحق الهمداني وأبو العنبس ويونس بن أبي إسحق وأبو سنان الشيباني " . ثم عاد فترجم له 42/391 وقال : " روى عنه أبو سنان الشيباني وسعيد بن سعيد الثعلبي. سمعت أبي يقول ذلك ، ويقول : " لا يسمى وهو كوفي. قال علي بن المديني : أبو الشعثاء الذي روى عنه أبو إسحق الهمداني ويونس بن أبي إسحق ، وأبو العنبس وأبو سنان هو الكندي وليس هو سليم [يعني : سليم بن أسود المحاربي] - سمعت أبي يقول : أبو الشعثاء الكندي اسمه : يزيد بن مهاصر. وخالف عليا في ذلك " .
فظاهر هذا أنه غير " أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي " ولكني رأيت الحافظ ابن حجر قال في ترجمة " أبي العنبس " في التهذيب 8 : 189 أنه روى عن " أبي الشعثاء جابر بن يزيد الكندي " فلا أدري أوهم الحافظ أم هكذا اختلف عليه في ذلك.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن 5 : 189 من طريق عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبي إسحق ، سمعت أبا الشعثاء " .
وسيأتي برقم : 12763 ، بغير هذا اللفظ مختصرا. وكتبه محمود محمد شاكر.

(11/80)


12759 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال ، حدثنا أبو إسحاق ، عن أبي الشعثاء قال : سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام ، قال : كان عمر يأكله. قال قلت : فأنت ؟ قال : كان عمر خيرًا مني.
12760 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : استفتاني رجلٌ من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم ، فأمرته أن يأكله. فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له : إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم ، قال : فما أفتيته ؟ قال : قلت : أفتيته أن يأكله. قال : فوالذي نفسي بيده ، لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة! وقال عمر : إنما نُهيت أن تصطاده. (1)
12761 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا مصعب بن المقدام قال ، حدثنا خارجة عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن كعب قال : أقبلت في أناس محرمين ، فأصبنا لحمَ حمار وحش ، فسألني الناس عن أكله ، فأفتيتهم بأكله ، وهم محرمون. فقدمنا على عمر ، فأخبروه أنّي أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون ،
__________
(1) الأثر : 12760 - مضى مختصرا برقم : 12754 ، بغير هذا الإسناد. " هشام " هو " هشام صاحب الدستوائي " .
و " يحيى " هو " يحيى بن أبي كثير الطائي " ثقة روى له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم : 9189 ، 11505 - 11507.
و " أبو سلمة " هو " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " مضى مرارا ، منها رقم : 12667.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 188 ، من طريق : " حفص بن عبد الله السلمي ، عن إبراهيم بن طهمان عن هشام " بمثله.

(11/81)


فقال عمر : قد أمَّرته عليكم حتى ترجعوا. (1)
12762 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : مررت بالرَّبَذة ، فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال ؟ فأفتيتهم أن يأكلوه. فلقيت عمر بن الخطاب ، فذكرت ذلك له. قال : بم أفتيتهم ؟ (2) قال : أفتيتهم أن يأكلوا. قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك. (3)
12763 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح ، عن يونس ، عن أبي الشعثاء الكندي قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام لقوا قومًا حلالا ومعهم لحم صيد ، فإما باعوهم ، وإما أطعموهم ؟ فقال : حلال. (4)
__________
(1) الأثر : 12761 - " مصعب بن المقدام الخثعمي " ثقة وضعفه بعضهم ، ولكن روى له مسلم مضى برقم : 1291 ، 3001.
و " خارجة " هو " خارجة بن مصعب بن خارجة الخراساني " وقد مضى برقم : 9668 ، قال أخي السيد أحمد هناك : " مختلف فيه جدا والأكثر على تضعيفه ، ولكن أعدل كلمة فيه كلمة الحاكم في المستدرك 1 : 499 : خارجة لم ينقم عليه إلا روايته عن المجهولين ، وإذا روى عن الثقات الأثبات فروايته مقبولة " .
و " زيد بن أسلم " ثقة ثبت. مضى كثيرا.
و " عطاء " هو " عطاء بن يسار " مضى مرارا.
و " كعب " هو " كعب الأحبار " .
وهذا الخبر صحيح ، رواه مالك في الموطأ : 352 عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مطولا. ورواه البيهقي في السنن 5 : 189 ، من طريق مالك.
(2) في المخطوطة : " بما أفتيتهم " فكتبتها على ما درجنا عليه " بم " وفي المطبوعة : " فبم " .
(3) الأثر : 12762 - مضى حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة من طريقين أخريين رقم : 12754 ، 12756.
وهذا الخبر رواه مالك في الموطأ 351 عن يحيى بن سعيد بغير هذا اللفظ ثم رواه بعد من طريق " ابن شهاب عن سالم بن عبد الله : أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر " ولفظه أقرب إلى لفظ أبي جعفر هذا.
(4) الأثر : 12763 - " يونس " هو " يونس بن أبي إسحق السبيعي مضى مرارا وانظر التعليق على رقم : 12758 ، 12759.
و " أبو الشعثاء الكندي " مضى الكلام في أمره واسمه فيما سلف في التعليق على الأثرين رقم 75 : 12 ، 12759 ، ومضى تخريجه هناك.

(11/82)


12764 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال ، حدثنا محمد بن سعيد قال ، حدثنا هشام يعني ابن عروة قال ، حدثنا عروة ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب : أن عبد الرحمن حدثه : أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركبٍ فيهم عمرو بن العاص ، حتى نزلوا بالرَّوحاء ، فقُرِّب إليهم طير وهم محرمون ، فقال لهم عثمان : كلوا ، فإني غير آكله! فقال عمرو بن العاص : أتأمرنا بما لست آكلا ؟ فقال عثمان : إني لولا أظنّ أنه اصطيد من أجلي ، لأكلت! (1) فأكل القوم. (2)
12765 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه : أن الزبير كان يتزوّد لحوم الوحش وهو محرم. (3)
12766 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال ، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام.
12767 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون ، عن عمرو ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام ، وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال.
__________
(1) في المطبوعة : " صيد من أجلي " وأثبت ما في المخطوطة.
(2) الأثر : 12764 - " يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي " تابعي ثقة جليل ، وينسب إلى جده فيقال : " يحيى بن حاطب " مضى برقم : 8367.
و " عبد الرحمن " هو أبوه " عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي " وهو في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة وفقهائهم ، ثقة قليل الحديث. مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 191 من طريف أحمد بن يوسف السلمي ، عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه بنحوه.
(3) الأثر : 12765 - إسناده صحيح ، رواه مالك في الموطأ : 350 ، عن هشام ابن عروة عن أبيه : " أن الزبير بن العوام كان يتزود صفيف الظباء وهو محرم " هذا لفظه. فأراد بقوله " لحوم الوحش " الظباء فهي من الوحش.

(11/83)


12768 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " ، فجعل الصيد حرامًا على المحرم صيده وأكله ما دام حرامًا. وإن كان الصيدُ صِيدَ قبل أن يحرم الرجل ، فهو حلالٌ. وإن صاده حرامٌ لحلال ، فلا يحلّ له أكله.
12769 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال ؟ قال : كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان : ما صيد قبل أن يُحرِم أكل منه ، وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه.
12770 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا ابن جريج قال : كان عطاء يقولُ إذا سئل في العَلانِية : أيأكل الحرامُ الوَشيقةَ والشيء اليابس ؟ (1) يقول بيني وبينه : لا أستطيع أن أبيِّن لك في مجلس ، إن ذبح قبل أن نُحرم فكل ، وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع. (2)
* * *
وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " ، وحرم عليكم اصطياده. قالوا : فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله ، بعد أن يكون مِلكه إياه على غير وجه الاصطياد له ، وبيعه وشراؤه جائز. قالوا : والنهي من الله تعالى ذكره ، عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني.
* ذكر من قال ذلك :
12771 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال ، حدثنا ابن أبي مريم
__________
(1) " الوشيقة " مضى تفسيرها في ص : 78 ، تعليق : 1.
(2) هكذا هذا الخبر في المخطوطة إلا أنه كتب : " وإن ذبح قبل أن تحرم " بالواو. وأنا في شك من سياق هذا الخبر ، أخشى أن يكون سقط منه شيء فإن السياق يقتضي أن يقال : إذا سئل في العلانية يقول : لا. ولكن هكذا جائ ، ولم أجده في مكان آخر ، فتركته على حاله حتى يصححه من يجده.

(11/84)


قال ، حدثنا يحيى بن أيوب قال ، أخبرني يحيى ، أن أبا سلمة اشترى قَطًا وهو بالعَرْجِ وهو محرم ، ومعه محمد بن المنكدر ، فأكلها. (1)
فعاب عليه ذلك الناس. (2)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره ، عمَّ تحريم كل معاني صيد البرّ على المحرم في حال إحرامه ، من غير أن يخص من ذلك شيئًا دون شيء ، فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حرامًا ، بيعه وشراؤه واصطياده وقتله ، وغير ذلك من معانيه ، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذبحه حلال لحلال ، فيحلّ له حينئذ أكله ، للثابت عن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : -
12772 - حدثناه يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج وحدثني عبد الله بن أبي زياد قال ، حدثنا مكي بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الملك بن جريج قال ، أخبرني محمد بن المنكدر ، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان ، عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم ، فأهدي لنا طائرٌ ، فمنا من أكل ، ومنا من تَورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكل ، (3) وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. (4)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فأكله " وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب.
(2) الأثر : 12771 - " عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي " شيخ الطبري مضى برقم : 1909 ، 4612 ، 4923.
و " ابن أبي مريم " هو " سعيد بن أبي مريم " مضى برقم : 160 ، 5455 ، 8335.
و " يحيى بن أيوب الغافقي " مضى برقم : 3877 ، 4330.
و " يحيى " هو " يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري " مضى برقم : 4859 ، 9679.
و " أبو سلمة " هو " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " . مضى قريبا.
(3) في المطبوعة : " وافق من أكل " وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب الموافق لما في صحيح مسلم. وقوله : " وفق من أكل " : دعا له بالتوفيق ، واستصوب فعله.
(4) الأثر : 12772 - " يحيى بن سعيد " هو القطان.
و " مكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمي " الحافظ روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب.
و " معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان التيمي " ثقة.
وأبوه " عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي " هو " شارب الذهب " صحابي أسلم يوم الحديبية ، وقيل يوم الفتح.
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 8 : 111 ، 112 ، والبيهقي في السنن الكبرى 5 : 188.

(11/85)


فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جَثَّامة أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رِجْلَ حمارِ وحش يقطر دمًا ، فردّه فقال : إنا حُرُم (1) وفيما روي عن عائشة : أن وَشِيقة ظبي أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، فردّها (2) وما أشبه ذلك من الأخبار ؟
قيل : إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى ، بيانُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ من ذلك ما ردّ وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه ، وهو حلال لحلال ، ثم أهداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام ، فرده وقال : " إنه لا يحل لنا لأنا حرم " ، وإنما ذكر فيه أنه أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد فردّه. وقد يجوز أن يكون ردُّه ذلك من أجل أنّ ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.
وقد بيَّن خبر جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله : " لحم صيد [البر] للمحرم حلال إلا ما صاد أو صيد له " ، (3) معنى ذلك كله.
فإذ كان كلا الخبرين صحيحًا مخرجهما ، فواجبٌ التصديقُ بهما ، وتوجيه كلّ واحد منهما إلى الصحيح من وجه ، وأن يقال : " ردُّه ما ردّ من ذلك من أجل
__________
(1) حديث الصعب بن جثامة ، رواه مسلم في صحيحه من طرق 8 : 103 - 106 ، والسنن الكبرى للبيهقي 5 : 191 ، 194 واستوفى تخريجه هناك.
(2) حديث عائشة رواه أحمد في المسند 6 : 40. وقد مضى تفسير " الوشيقة " فيما سلف ص : 78 تعليق : 1.
(3) حديث جابر بن عبد الله خرجه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 190 ، فانظر ما قاله فيه ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 333 وقال : أخرجه أحمد والحاكم وصححه. وزدت ما بين القوسين من الخبر ، وهو ساقط من المخطوطة والمطبوعة.

(11/86)


أنه كان صِيد من أجله وإذنه في كل ما أذن في أكله منه ، من أجل أنه لم يكن صِيد لمحرم ولا صاده محرم ، فيصح معنى الخبرين كليهما.
* * *
واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله : " وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرمًا " .
فقال بعضهم : " صيد البر " ، كل ما كان يعيش في البرّ والبحر ، وإنما " صيد البحر " ، ما كان يعيش في الماء دون البرّ ويأوي إليه
* ذكر من قال ذلك :
12773 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا " ، قال : ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصده ، (1) وما كان حياته في الماء فذاك. (2)
12774 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا الحجاج ، عن عطاء قال : ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه ، نحو السلحفاة والسرطان والضفادع.
12775 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن الحجاج ، عن عطاء قال : كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم ، فعليه الكفارة.
12776 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال ، حدثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير قال : خرجنا
__________
(1) في المطبوعة : " لا تصيده " وفي المخطوطة : " ولا تصده " وهذا صواب قراءتها.
(2) الأثر : 12773 - في المخطوطة : " هل كان حياته في الماء فذاك " ولا أدري ما " وهل " هنا وما في المطبوعة أشبه بالصواب. وهذا الأثر أخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 332/ بمثل ما في المطبوعة ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ.

(11/87)


حجاجًا معنا رجلٌ من أهل السَّواد معه شُصُوص طير ماءٍ ، فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا. (1)
12777 - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت يزيد بن أبي زياد قال ، حدثنا حجاج ، عن عطاء : أنه كَرِه للمحرم أن يذبح الدجاج الزِّنجي ، لأن له أصلا في البر. (2)
* * *
وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البرّ أكثر من كونه في البحر. (3)
* ذكر من قال ذلك :
12778 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، ابن جريج أخبرناه ، قال : سألت عطاء عن ابن الماء ، أصيد برّ أم بحر ؟ وعن أشباهه ؟ فقال : حيث يكون أكثر ، فهو صيده.
12779 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن عطاء بن أبي رباح قال ، أكثر ما يكون حيث يُفْرِخ ، فهو منه.
* * *
__________
(1) الأثر : 12776 - " يزيد بن أبي زياد الكوفي " مضى قريبا برقم : 12740 ، وكان في حفظ يزيد شيء بعد ما كبر.
و " عبد الملك بن سعيد بن جبير الأسدي " روى عن أبيه وعكرمة. وروى عنه يزيد بن أبي زياد. وهو ثقة عزيز الحديث. مترجم في التهذيب وكان في المطبوعة والمخطوطة : " عبد الملك عن سعيد بن جبير " وهو خطأ محض.
(2) الأثر : 12777 - هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : " وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى " وهذا إشعار بأنه سيروي الحديث السالف عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه ولكن اختلف الأمر جدا. فإذا هو عن " حجاج عن عطاء " وإذا معناه بمعزل عن معنى الحديث الذي قبله ، بل هو بمعنى الحديث رقم : 12775 وعن حجاج عن عطاء أيضا ولكن ذلك من رواية " ابن حميد " لا من رواية " أبي كريب " فتبين بذلك أنه ليس يصح أن يكون هذا الأخير قد تأخر عن مكانه. فأخشى أن يكون الناسخ قد اضطرب فاضطرب تصحيح هذا الموضع.
(3) في المخطوطة : " ما كان أكثر كونه في البر " بزيادة " أكثر " هنا ، وهو لا يصح.

(11/88)


القول في تأويل قوله : { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) }
قال أبو جعفر : وهذا تقدُّمٌ من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه.
يقول تعالى ذكره : واخشوا الله ، أيها الناس ، واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه (1) وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم صلى الله عليه وسلم ، من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم وفي غيرها ، فإنّ لله مصيرَكم ومرجعَكم ، (2) فيعاقبكم بمعصيتكم إياه ، ومجازيكم فيثيبكم على طاعتكم له.
* * *
القول في تأويل قوله : { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم ، (3) ومسيئهم عن محسنهم ، وظالمهم عن مظلومهم " والشهر الحرام والهدي والقلائد " ، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض ، إذ لم يكن لهم قيامٌ غيره ، وجعلها معالم لدينهم ، ومصالح أمورهم.
* * *
و " الكعبة " ، سميت فيما قيل " كعبة " لتربيعها.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " اتقى " فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(2) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف 4 : 228 /229 ، 6/ 9 : 425.
(3) انظر تفسير " جعل " فيما سلف 3 : 18.

(11/89)


* ذكر من قال ذلك :
12780 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : إنما سميت " الكعبة " ، لأنها مربعة.
12781 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي سعيد المؤدب ، عن النضر بن عربي ، عن عكرمة قال : إنما سميت " الكعبة " ، لتربيعها. (1)
* * *
وقيل " قيامًا للناس " بالياء ، وهو من ذوات الواو ، لكسرة القاف ، وهي " فاء " الفعل ، فجعلت " العين " منه بالكسرة " ياء " ، كما قيل في مصدر : " قمت " " قيامًا " و " صمت " " صيامًا " ، فحوّلت " العين " من الفعل : وهي " واو " " ياء " لكسرة فائه. وإنما هو في الأصل : " قمت قوامًا " ، و " صمت صِوَامًا " ، وكذلك قوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس " ، فحوّلت ، واوها ياء ، إذ هي " قوام " . (2)
وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله قال الراجز : (3)
قَِوامُ دُنْيَا وَقَوَامُ دِين (4)
فجاء به بالواو على أصله.
* * *
وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهرَ الحرام والهديَ والقلائد قوامًا لمن كان يحرِّم ذلك من العرب ويعظّمه ، (5) بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تُبَّاعه.
__________
(1) الأثر : 12781 - " هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي " " أبو النضر " الإمام الحافظ مضى برقم : 184 ، 8239.
و " أبو سعيد المؤدب " هو : " محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي " ثقة مأمون مضى برقم 8239 ، 12310.
(2) انظر تفسير " قيام " فيما سلف 7 : 568 ، 569.
(3) هو حميد الأرقط.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 177.
(5) في المطبوعة : " يحترم ذلك " وصوابه من المخطوطة وفي المخطوطة : " ويعطيه " وصوابه ما في المطبوعة.

(11/90)


وأما " الكعبة " ، فالحرم كله. وسمّاها الله تعالى " حرامًا " ، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها ، أو يُعْضد شجرها ، (1) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. (2)
* * *
وقوله : " والشهر الحرام والهدي والقلائد " ، يقول تعالى ذكره : وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضًا قيامًا للناس ، كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قيامًا.
* * *
و " الناس " الذين جعل ذلك لهم قيامًا ، مختلفٌ فيهم.
فقال بعضهم : جعل الله ذلك في الجاهلية قيامًا للناس كلهم.
* * *
وقال بعضهم : بل عنى به العربَ خاصة.
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل " القوام " ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال : عنى الله تعالى ذكره بقوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس " ، القوام ، على نحو ما قلنا.
12782 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا من سمع خُصَيفًا يحدث ، عن مجاهد في : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس " ، قال : قوامًا للناس.
12783 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير : " قيامًا للناس " ، قال : صلاحًا لدينهم.
12784 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا داود ، عن ابن جريج ، عن مجاهد في : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس " ، قال : حين لا
__________
(1) " الخلي " : الرطب الرقيق من النبات. و " اختلى الخلي " : جزه وقطعه ونزعه. و " عضد الشجرة " قطعها.
(2) انظر ما سلف 3 : 45 - 51.

(11/91)


يرْجون جنة ولا يخافون نارًا ، فشدّد الله ذلك بالإسلام.
12785 - حدثني هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جبير قوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس " ، قال : شدةً لدينهم.
12786 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي الهيثم ، عن سعيد بن جيير ، مثله.
12787 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس " ، قال : قيامها ، أن يأمن من توجَّه إليها.
12788 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد " ، يعني قيامًا لدينهم ، ومعالم لحجهم.
12789 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد " ، جعل الله هذه الأربعةَ قيامًا للناس ، هو قوام أمرهم.
* * *
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها ، (1) فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك ، من أن " القوام " للشيء ، هو الذي به صلاحه ، كما الملك الأعظم ، قوامُ رعيته ومن في سلطانه ، (2) لأنه مدبِّر أمرهم ، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم ، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد ، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " من قائلها " بالإفراد وما أثبته أولى بالصحة.
(2) في المطبوعة : " كالملك " والصواب الجيد ما في المخطوطة.

(11/92)


في الجاهلية ، وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم ، ومتوجَّههم لصلاتهم ، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
12790 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد " ، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية ، (1) فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس. وكان إذا نفر تقلَّد قلادة من الإذْخِر أو من لِحَاء السمُر ، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله ، (2) حواجزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.
12791 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد " ، قال : كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض. قال : ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض ، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا ، يُدْفع بعضُهم عن بعض به ، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم ، والقلائد. قال : ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسِخ.
__________
(1) عندي أن الصواب " ألقاها الله " باللام في هذا الموضع ، والذي يليه ، ولكن هكذا هي في المخطوطة.
(2) " الإذخر " : حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ويطحن فيدخل في الطيب. و " اللحاء " قشر الشجر. و " السمر " (بفتح السين وضم الميم) : شجر من الطلح.

(11/93)


جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)

12792 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " والقلائد " ، كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ ، فيعرفون بذلك.
* * *
وقد أتينا على البيان عن ذكر : " الشهر الحرام " و " الهدي " و " القلائد " ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ذلك " ، تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره : صيرت لكم ، أيها الناس ، ذلك قيامًا ، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث ، مما به قوامكم ، علمًا منه بمنافعكم ومضاركم ، أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم ، ولتعلموا أنه بكل شيء " عليم " ، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم ، وهو محصيها عليكم ، حتى يجازي المحسنَ منكم بإحسانه ، والمسيء منكم بإساءته. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الشهر الحرام " فيما سلف 3 : 575 - 579/4 : 299 ، 300 وما بعدها/9 : 466 وتفسير " الهدي " فيما سلف 4 : 24 ، 25/9 : 466/11 : 22 وتفسير " القلائد " فيما سلف 9 : 467 - 470.
(2) انظر تفسير " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة.

(11/94)


اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)

القول في تأويل قوله : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : اعلموا ، أيها الناس ، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض ، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها ، وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها ، شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه ، على معصيته إياه وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه ، فساترٌ عليه ، وتاركٌ فضيحته بها رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) }
قال أبو جعفر : وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره : ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم ، أيها الناس ، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد ، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا ، ثم إلينا الثواب على الطاعة ، (2) وعلينا العقاب على المعصية " والله يعلم ما تبدون وما تكتمون " ، يقول : وغير خفي علينا المطيعُ منكم ، القابلُ رسالتنا ، العاملُ بما أمرته بالعمل به من المعاصي الآبي رسالتنا ، التارك العمل بما أمرته بالعمل به ، (3) لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق
__________
(1) انظر تفسير " شديد العقاب " و " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة.
(2) انظر تفسير " البلاغ " فيما سلف 10 : 575.
(3) في المطبوعة : " من المعاصي التارك العمل " أسقط ما كان في المخطوطة ، وكان فيها : " من المعاصي التي ، رسالتنا " هكذا كتبت وبين الكلام بياض ورسم " ، " بالحمرة. فآثرت قراءتها كما أثبتها.

(11/95)


قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)

به بلسانه " وما تكتمون " ، يعني : ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر ، أو يقين وشك ونفاق. (1)
يقول تعالى ذكره : فمن كان كذلك ، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور ، وظواهر أعمال النفوس ، مما في السموات وما في الأرض ، وبيده الثواب والعقاب فحقيق أن يُتَّقى ، وأن يُطاع فلا يعصى.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، قل يا محمد : لا يعتدل الرديء والجيد ، والصالح والطالح ، والمطيع والعاصي (2) ولو أعجبك كثرة الخبيث " ، يقول : لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله ، ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم ، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا ، دون أهل معصيته وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا.
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة ، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم ، كما : -
__________
(1) انظر تفسير " تبدون " و " تكتمون " في فهارس اللغة " بدا " و " كتم " .
(2) انظر تفسير : " استوى " فيما سلف 9 : 85 وتفسير " الخبيث " فيما سلف 5 : 558 ، 559/7 : 424 ، 527 وتفسير " الطيب " فيما سلف 10 : 513 تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(11/96)


12793 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، " لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة " الخبيث " ، قال : الخبيث ، هم المشركون و " الطيب " ، هم المؤمنون.
* * *
وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالمراد به بعض أتباعه ، يدل على ذلك قوله : " فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون "
* * *
القول في تأويل قوله : { فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم ، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث ، فتصيروا منهم " يا أولي الألباب " ، يعني بذلك أهلَ العقول والحِجَى ، الذين عقلوا عن الله آياته ، وعرفوا مواقع حججه. (1) " لعلكم تفلحون " ، يقول : اتقوا الله لتفلحوا ، أي : كي تنجحوا في طلبكم ما عنده. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " أولي الألباب " فيما سلف 3 : 383/ 4 : 162 /5 : 580 /6 : 211 وفي التعليق على المواضع السالفة خطأ ، يصحح من هنا.
(2) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف 10 : 564 تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(11/97)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)

القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ }
قال أبو جعفر : ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام ، امتحانًا له أحيانًا ، واستهزاءً أحيانًا. فيقول له بعضهم : " من أبي " ؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته : " أين ناقتي " ؟ فقال لهم تعالى ذكره : لا تسألوا عن أشياءَ من ذلك كمسألة عبد الله بن حُذافة إياه من أبوه " إن تبد لكم تسؤكم " ، يقول : إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ، ساءكم إبداؤها وإظهارها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر الرواية بذلك :
12794 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا حفص بن بُغَيل قال ، حدثنا زهير بن معاوية قال ، حدثنا أبو الجويرية قال : قال ابن عباس لأعرابيّ من بني سليم : هل تدري فيما أنزلت هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ؟ حتى فرغ من الآية ، فقال : كان قوم يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : " من أبي " ؟ والرجل تضل ناقته فيقول : " أين ناقتي " ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية. (1)
__________
(1) الأثر : 12794 - " حفص بن بغيل الهمداني المرهبي " ، ثقة مضى برقم : 9639 ، وكان في المطبوعة هنا " بعض بني نفيل " ، وفي المخطوطة : " بعض بن نفيل " ، وكله خطأ ، وكذلك جاء خطأ في فتح الباري " حفص بن نفيل " بالفاء ، وهو " بغيل " بالغين ، على التصغير.
و " زهير بن معاوية الجعفي " ، هو " أبو خيثمة " . ثقة ثبت ، روى له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم : 2144 ، 2222.
و " أبو الجويرية " هو " حطان بن خفاف بن زهير بن عبد الله بن رمح بن عرعرة الجعفي " ، روى عن ابن عباس. ثقة ، قال ابن عبد البر : " أجمعوا على أنه ثقة " . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1109 ، وابن أبي حاتم 1/2/304.
وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح 8 : 212) من طريق الفضل بن سهل ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية ، عن أبي الجويرية ، بنحوه. وأشار إلى إسناد أبي جعفر ، الحافظ ابن حجر في شرح الحديث. وقال ابن كثير في تفسيره 3 : 250 ، وذكر حديث البخاري : " تفرد به البخاري " .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 334 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه.

(11/98)


12795 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا أبو عامر وأبو داود قالا حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس قال : سأل الناسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوه بالمسألة ، (1) فصعد المنبر ذات يوم ، فقال : " لا تسألوني عن شيء إلا بيَّنْتُ لكم! (2) قال أنس : فجعلت أنظر يمينًا وشمالا فأرى كل إنسان لافًّا ثوبَه يبكي ، فأنشأ رجل كان إذا لاحَى يُدعى إلى غير أبيه ، (3) فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟ فقال : " أبوك حذافة " ! قال : فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وأعوذ بالله من سوء الفتن! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم أرَ الشرّ والخيرَ كاليوم قط! (4) إنه صُوِّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط ! وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية : " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " . (5)
__________
(1) " أحفاه بالمسألة " و " أحفى السؤال " : ألح عليه ، وأكثر الطلب واستقصى في السؤال.
(2) في المطبوعة : " إلا بينته " بالضمير كما في صحيح مسلم وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب أيضا.
(3) يقال : " أنشأ فلان يفعل كذا " أي : أقبل يفعل أو ابتدأ يفعل وهو هنا في هذا الموضع والذي يليه ، أحسنه أن يفسر : " أقبل " و " لاحى الرجل أخاه " : إذا نازعه وسابه وشاتمه.
(4) في المطبوعة : " لم أر في الشر والخير " بزيادة " في " كما في مسلم : " لم أر كاليوم قط في الخير والشر " واتبعت المخطوطة فحذفت " في " .
(5) الأثر : 12795 - " أبو عامر " هو العقدي : " عبد الملك بن عمرو القيسي " ، ثقة مأمون ، مضى مرارا كثيرة جدا.
و " أبو داود " هو الطيالسي.
و " هشام " هو الدستوائي.
وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه من طرق (15 : 114 ، 115) ، من طريق : يوسف ابن حماد المعنى ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، ثم أشار إلى روايته من طريق يحيى بن حبيب الحارثي ، عن خالد بن الحارث ، عن هشام ومن طريق محمد بن بشار ، عن محمد ابن أبي عدي ، عن هشام. وهو مثل طريق أبي جعفر. وسيأتي أيضًا برقم : 12797. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 334 ، واقتصر على نسبته لابن جرير ، وابن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وقصر فلم ينسبه إلى صحيح مسلم.

(11/99)


12796 - حدثني محمد بن معمر البحراني قال ، حدثنا روح بن عبادة قال ، حدثنا شعبة قال ، أخبرني موسى بن أنس قال ، سمعت أنسًا يقول ، قال رجل : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : " أبوك فلان " ! قال : فنزلت : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " . (1)
12797 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، قال : فحدَّثنا أن أنس بن مالك حدَّثهم : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفَوْه بالمسألة ، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال : " لا تسألوني اليومَ عن شيء إلا بينته لكم! فأشفقَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه
__________
(1) الأثر : 12796 " محمد بن معمر بن ربعي القيسي البحراني " ، شيخ الطبري روى عنه أصحاب الكتب الستة ، ومضى برقم : 241 ، 3056 ، 5393.
و " روح بن عبادة القيسي " ، مضى برقم : 3015 ، 3355 ، 3912.
و " موسى بن أنس بن مالك الأنصاري " ، تابعي ثقة قليل الحديث ، مضى برقم : 11475.
وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه من طريقين عن شعبة ، من طريق منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي ، عن أبيه ، عن شعبة (الفتح 8 : 210 - 212) مطولا ، وأشار بعده إلى رواية النضر ، وروح بن عبادة ، عن شعبة ثم رواه من طريق محمد بن عبد الرحيم ، عن روح ، عن شعبة ، مختصرًا كالذي هنا (الفتح 13 : 230) وخرجه الحافظ ابن حجر في الموضعين.
ورواه مسلم في صحيحه (15 : 112) ، من طريق محمد بن معمر ، بمثل رواية أبي جعفر.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 334 ، وزاد نسبته إلى الترمذي ، والنسائي ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(11/100)


وسلم أن يكون بين يديه أمر قد حضر ، فجعلتُ لا ألتفت يمينًا ولا شمالا إلا وجدت كُلا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيدعى إلى غير أبيه ، فقال : يا نبي الله ، من أبي ؟ قال : " أبوك حذافة " ! قال : ثم قام عمر (1) أو قال : فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا عائذًا بالله أو قال : أعوذ بالله من سوء الفتن! قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أر في الخير والشر كاليوم قط ، صُوِّرت لي الجنة والنارُ حتى رأيتهما دون الحائط. (2)
12798 - حدثنا أحمد بن هشام وسفيان بن وكيع قالا حدثنا معاذ بن معاذ قال ، حدثنا ابن عون ، قال : سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله : " ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، قال : ذاك يوم قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به! قال : فقام رجل ، فكره المسلمون مَقامه يومئذ ، فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ، قال : فنزلت هذه الآية. (3)
12799 - حدثنا الحسين بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : نزلت : " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم
__________
(1) في المطبوعة : " ثم قال عمر " غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(2) الأثر : 12797 - هو مكرر الأثر رقم : 12795 بنحو لفظه ورواه أبو جعفر هنا من طريق سعيد عن قتادة وهي طريق مسلم التي رواها في صحيحه ، كما أشرت إليه في تخريج الخبر رقم : 12795.
(3) الأثر : 12798 - " أحمد بن هشام " شيخ أبي جعفر ، لم أستطع أن أحدد من يكون ، وهناك : " أحمد بن هشام بن بهرام " ، " أبو عبد الله المدائني " مترجم في تاريخ بغداد 5 : 197.
و " أحمد بن هشام بن حميد " ، " أبو بكر المصري " ، سكن البصرة ، وحدث بها. مترجم أيضًا في تاريخ بغداد 5 : 198.
وأما " معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري " ، " أبو المثنى " ، الحافظ البصري ، فقد سلف برقم : 10482.

(11/101)


تسؤكم " ، في رجل قال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : أبوك فلان.
12800 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني سفيان ، عن معمر ، عن قتادة قال : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكثروا عليه ، فقام مغضبًا خطيبًا فقال : سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي إلا حدثتكم! فقام رجل فقال : من أبي ؟ قال : أبوك حذافة. واشتدّ غضبه وقال : سلوني! فلما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم ، فجثا عمر على ركبتيه فقال : رضينا بالله ربًّا قال معمر ، قال الزهري ، قال أنس مثل ذلك : فجثا عمر على ركبتيه (1) فقال : رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والذي نفسي بيده ، لقد صُوِّرت لي الجنةُ والنارُ آنفًا في عرض هذا الحائط ، فلم أر كاليوم في الخير والشر قال الزهري ، فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدًا أعقّ منك قط! أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارفَ أهلُ الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس!! فقال : والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقتُه. (2)
12801 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، قال : غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا من الأيام ، فقام
__________
(1) هذه إشارة من سفيان إلى رواية يونس عن الزهري ورواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري : " برك عمر " أو " فبرك عمر على ركبتيه " كما في مسلم 15 : 113 ، والبخاري (الفتح 13 : 230).
(2) الأثر : 12800 - هذا الخبر من رواية سفيان ، عن معمر ، عن قتادة عن أنس ومن روايته عن معمر ، عن الزهري ، عن أنس. وأخرجه البخاري في صحيحه (الفتح 13 : 230) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وأخرجه مسلم في صحيحه (15 : 112) من يونس ، عن الزهري ، ثم أشار في (15 : 114) إلى طريق عبد الرازق ، عن معمر. أما خبر طريق قتادة ، عن أنس ، فقد مضى برقم : 12795 ، 12797.
*وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 249.

(11/102)


خطيبًا فقال : سلوني ، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا نبأتكم به! فقام إليه رجل من قريش ، من بني سهم ، يقال له " عبد الله بن حذافة " ، وكان يُطْعن فيه ، قال : فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : أبوك فلان! فدعاه لأبيه. فقام إليه عمر فقبَّل رجله وقال : يا رسولَ الله ، رضينا بالله ربًّا ، وبك نبيًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبالقرآن إمامًا ، فاعف عنا عفا الله عنك! فلم يزل به حتى رَضِيَ ، فيومئذ قال : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " . (1)
12802 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارٌّ وجهه! حتى جلس على المنبر ، فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ قال : في النار ، فقام آخر فقال : من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ! فقام عمر بن الخطاب فقال : رضينا بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ، وبالقرآن إمامًا ، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشِرْك ، والله يعلمُ من آباؤنا! قال : فسكن غضبه ، ونزلت : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " . (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 12801 - روى الحاكم في المستدرك 3 : 631 من طريق نعيم بن حماد عن هشيم عن سيار عن أبي وائل :
" أن عبد الله بن حذافة بن قيس قال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : أبُوك حُذافة ، الولد للفراش وللعَاهر الحجَرُ. قال : لو دعوتتي لحبشيٍّ لاتبعته! فقالت له أُمُّه : لقد عَرَّضتني! فقال : إنِّي أردتُ أن أستريح! " .
(2) الأثر : 12802 - " الحارث " هو " الحارث بن أبي أسامة " منسوبًا إلى جده ، وهو " الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي " ، مضت ترجمته برقم : 10295.
و " عبد العزيز " هو " عبد العزيز بن أبان الأموي " ، من مولد سعيد بن العاص ، كان كذابًا يضع الأحاديث ، وذمه يطول. ومضى برقم : 10295.
و " قيس " هو " قيس بن الربيع الأسدي " ، وهو ثقة ، ولكنهم ضعفوه ، ومضى أيضًا برقم 10295.
و " أبو حصين " هو " عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي " ، روى له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم : 642 643 ، 8961 ، 8962.
و " أبو صالح " هو " ذكوان السمان " ، من أجل الناس وأوثقهم. سلف مرارًا.
وإسناد هذا الخبر إلى " قيس بن الربيع " ، إسناد هالك ، ولكن ابن كثير في تفسيره 2 : 249 ، ساقه عن هذا الموضع من الطبري ثم قال : " إسناده جيد " ، وكيف ، وفيه " عبد العزيز بن أبان " ؟
وذكر هذا الخبر ، الجصاص في أحكام القرآن 2 : 483 ، يقول : " روى قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي هريرة " ، ولم يذكر إسناده.

(11/103)


وقال آخرون : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحجّ.
* ذكر من قال ذلك :
12803 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا منصور بن وردان الأسدي قال ، حدثنا علي بن عبد الأعلى قال ، لما نزلت هذه الآية : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) سورة آل عمران : 97] ، قالوا : يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فسكت. ثم قالوا : أفي كل عام ؟ فسكت. ثم قال : لا ولو قلت : " نعم " لوجبت " ! فأنزل الله هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " . (1)
__________
(1) الأثر : 12803 - " منصور بن وردان الأسدي " العطار الكوفي ، شيخ أحمد. روى عن فطر بن خليفة ، وعلي بن عبد الأعلى. ذكره ابن حبان في الثقات ، ووثقه أحمد. وقال ابن أبي حاتم : " يكتب حديثه " . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/347 ، وابن أبي حاتم 4/1/180.
" على بن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي " ، أبو الحسن الأحول. وثقه البخاري والترمذي ، وقال الدارقطني : " ليس بالقوي " مترجم ، في التهذيب.
وهذا الخبر ، رواه أحمد في المسند رقم 905 ، من طريق منصور بن وردان الأسدي ، عن علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البختري ، عن علي قال ، بمثل ما في رواية أبي جعفر غير موصولة.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير عن أبي سعيد ، عن منصور بن وردان ، بإسناده بمثل رواية أحمد ، وقال : " هذا حديث حسن غريب من حديث علي " .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 293 ، 294 ، من طريق أحمد بن موسى بن إسحق التميمي ، عن مخول بن إبراهيم النهدي ، عن منصور بن وردان. ولم يقل فيه الحاكم شيئًا ، وقال الذهبي في تعليقه : " مخول : رافضي ، وعبد الأعلى ، هو ابن عامر ، ضعفه أحمد " .
ورواه ابن ماجه في السنن رقم : 2884 من طريق محمد بن عبد الله بن نمير ، وعلي بن محمد ، عن منصور بن وردان ، بمثله.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 195/3 : 250 ، وذكر خبر الترمذي وما قاله ثم قال : " وفيما قال نظر. لأن البخاري قال : لم يسمع أبو البختري من علي " .
و " قال أخي السيد أحمد في شرح المسند (رقم : 905) : " إسناده ضعيف ، لانقطاعه ، ولضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي " .

(11/104)


12804 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن إبراهيم بن مسلم الهجري ، عن ابن عياض ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " إن الله كتب عليكم الحج! فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه ، حتى عاد مرتين أو ثلاثًا ، فقال : من السائل ؟ فقال : فلان! فقال : والذي نفسي بيده ، لو قلت " نعم " لوجبت ، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه ، ولو تركتموه لكفرتم! فأنزل الله هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، حتى ختم الآية. (1)
12805 - حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال ، سمعت أبي قال ، أخبرنا الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد قال ، سمعت أبا هريرة يقول : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ، كتب الله عليكم
__________
(1) الأثر : 12804 - " عبد الرحيم بن سليمان الطائي الرازي " ، الأشل. ثقة مضى برقم : 2028 ، 2030 ، 2254 ، 8156 ، 8157 ، 8161. وكان في المطبوعة والمخطوطة " عبد الرحمن بن سليمان " ، والصواب من تفسير ابن كثير.
و " إبراهيم بن مسلم الهجري " ضعيف ، لين الحديث ، مترجم في الكبير للبخاري 1/1/326 ، وضعفه ، وابن أبي حاتم 1/1/131 ، وميزان الاعتدال للذهبي 1 : 31.
و " أبو عياض " هو : " عمرو بن الأسود العنسي " ، ويقال : " عمير بن الأسود " ، ثقة ، مضى برقم : 11255. وكان في المطبوعة : " ابن عياض " ، والصواب من المخطوطة.
وهذا خبر ضعيف إسناده ، لضعف " إبراهيم بن مسلم الهجري " .
ذكره الجصاص في أحكام القرآن 2 : 483 ونقله ابن كثير في تفسيره عن هذا الموضع 3 : 250.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 335 ، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن مردويه.

(11/105)


الحج. فقام مِحْصن الأسدي فقال : أفي كل عام ، يا رسول الله ؟ فقال : " أمَا إنّي لو قلت " نعم " لوجبت ، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم ، اسكتوا عنى ما سكتُّ عنكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم! فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، إلى آخر الآية. (1)
12806 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد قال : سمعت أبا هريرة يقول : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ، إلا أنه قام : فقام عُكَّاشة بن محصن الأسدي. (2)
12807 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال ، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر قال ، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى ، عن صفوان
__________
(1) الأثر : 12805 - " محمد بن علي بن الحسن بن شقيق العبدي " ثقة ، مضى برقم : 1591 ، 2575 ، 9951.
وأبوه " علي بن الحسن بن شقيق " ثقة أيضًا مضى برقم : 1591 ، 2575.
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " بن الحسين بن شقيق " ، وهو خطأ.
و " الحسين بن واقد المروزي " ، ثقة ، مضى برقم : 4810 ، 6311.
و " محمد بن زياد القرشي الجمحي " أبو الحارث ، روى له أصحاب الكتب الستة ، روى عن أبي هريرة وعائشة ، وعبد الله بن الزبير. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/82 ، وابن أبي حاتم 3/2/257.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده مختصرًا ومطولا. رواه مختصرًا من طريق محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، وليس فيه ذكر الحج ، ولا السؤال ، ولا ذكر السائل ، في المسند 2 : 447 ، 448 ، من طريق وكيع ، عن حماد ، عن محمد بن زياد. ثم رواه : 2 : 467 ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد.
ثم رواه مطولا فيه ذكر الحج ، والسؤال عنه ، والسائل " رجل " ، لم يبين في الخبر اسمه (2 : 508) من طريق يزيد بن هرون ، عن الربيع بن مسلم القرشي ، عن محمد بن زياد ، وليس فيه ذكر الآية ونزولها.
ومن هذه الطريق رواه مسلم في صحيحه (9 : 100) ، عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هرون بمثله.
ورواه البخاري مختصرًا أيضًا (الفتح 13 : 219 - 224) من طريق إسمعيل بن أبي أويس ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 4 : 325 ، 326 من طريق عبيد الله بن موسى ، عن الربيع بن مسلم القرشي ، ومن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، عن يزيد بن هرون.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 335 ، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ ، وابن مردويه ، بمثل رواية أبي جعفر هنا.
وفي جميع ذلك جاء " فقال رجل " ، مبهمًا ليس فيه التصريح باسمه ، وقال النووي في شرحه على مسلم (9 : 101) : " هذا الرجل هو الأقرع بن حابس ، كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية والرواية التي جاء فيها مبينا هي من حديث ابن عباس ، وفيها : " فقام الأقرع بن حابس فقال " ، رواها أحمد في مسنده من طرق عن ابن شهاب الزهري ، عن أبي سنان ، عن ابن عباس ، وهي رقم : 2304 ، 2642 ، 3303 ، 3510 ، 3520 وكذلك رواها البيهقي في السنن الكبرى 4 : 326.
وقد أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (13 : 220) إلى حديث مسلم ، وما فيه من زيادة السؤال عن الحج ، ثم قال : " وأخرجه الدارقطني مختصرًا وزاد فيه " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " وله شاهد عن ابن عباس ، عند الطبري في التفسير " . قلت : يعني الأثر السالف رقم : 12794 ، لا هذا الأثر. ولم يشر الحافظ إلى خبر الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد.
وقد اختلف على " الحسين بن واقد " في اسم الرجل الذي سأل ، فجاء في هذا الخبر " محصن الأسدي " ، وفي الذي يليه " عكاشة بن محصن الأسدي " ، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره 3 : 250 ، 251 ، الخبر السالف رقم 12804 ، ثم قال : " ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة وقال : فقام محصن الأسدي ، وفي رواية من هذا الطريق : عكاشة بن محصن ، وهو أشبه " ، ولم يزد على ذلك.
وهذا اختلاف في اسم الرجل " الأقرع بن حابس " ، أو " عكاشة بن محصن الأسدي " ، وأوثقهما أن يكون " الأقرع بن حابس " ، فإنها جاءت بأسانيد صحاح لا شك في صحتها. أما علة ما جاء في رواية أبي جعفر ، فذلك أن " الحسين بن واقد المروزي " ، ثقة ، قال النسائي : " لا بأس به " ووثقه ابن معين. ولكن قال ابن حبان : " من خيار الناس ، وربما أخطأ في الروايات " ، وقال أحمد : " في أحاديثه زيادة ، ما أدري أي شيء هي! ونفض يده " ، وقال الساجي : " فيه نظر ، وهو صدوق ، يهم " .
و " رواية الثقات الحفاظ عن " محمد بن زياد ، عن أبي هريرة " ، لم يذكر فيها " عكاشة ابن محصن " ، ولم يبين الرجل ، ولكن الحسين بن واقد ، رواه عن محمد بن زياد ، فبين الرجل ، وخالف البيان الذي روي من طرق صحاح عن ابن عباس أنه " الأقرع بن حابس " ، فهذا من فعل " الحسين بن واقد " ، ييد ما قاله أحمد وغيره : أن في أحاديثه زيادة لا يدري أي شيء هي! وكتبه محمود محمد شاكر.
(2) الأثر : 12806 - هو مكرر الأثر السالف ، وقد ذكرت القول فيه هناك.

(11/106)


بن عمرو قال ، حدثني سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال : كتب عليكم الحج! " فقام رجل من الأعراب فقال : أفي كل عام ؟ قال : فغَلِقَ كلامُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسكتَ (1) واستغضب ، (2) فمكث طويلا ثم تكلم فقال : من السائل ؟ فقال الأعرابي : أنا ذا! فقال : ويحك! ماذا يُؤْمِنك أن قول " نعم " ، ولو قلت " نعم " لوجبت ، ولو وجبت لكفرتم! ألا إنه إنما أهلك الذين قبلكم أئمة الحَرَج ، (3) والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض ، وحرَّمت عليكم منها موضع خُفٍّ ، لوقعتم فيه! قال : فأنزل الله تعالى عند ذلك : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء " ، إلى آخر الآية. (4)
12808 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، وذلك أن رسول الله أذّن في الناس فقال : " يا قوم ، كتب عليكم الحجّ! " فقام رجل من بني أسد فقال :
__________
(1) في المطبوعة وابن كثير : " فعلا كلام رسول الله " ، وهو خطأ لا شك فيه. وفي المخطوطة " فعلن " كأن آخرها " نون " وهي غير منقوطة. وفي مجمع الزوائد : " فعلق " بالعين المهملة ، وأرجح أن الصواب ما أثبته. يقال : " غلق فلان ، في حدته " (بفتح الغين وكسر اللام) أي : نشب ، قال شمر : " يقال لكل شيء نشب في شيء فلزمه : قد غلق " ، ومنه : " استغلق الرجل " : إذا ارتج عليه ولم يتكلم ، يعني أنه انقطع كلامه. فكأن هذا هو الصواب إن شاء الله.
وقوله بعد : " وأسكت " (بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الكاف) بالبناء للمعلوم فعل لازم ، بمعنى سكت. قال اللحياني : " يقال تكلم الرجل ثم سكت - بغير ألف - فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل : " أسكت " ، وقيل " : " أسكت " أطرق ، من فكرة أو داء أو فرق. وفسروا الخبر أنه : " أعرض ولم يتكلم " . وبعض الخبر في اللسان (سكت).
(2) في المطبوعة وابن كثير زيادة : " وأغضب واستغضب " ، لا أدري من أين جاءا بها. وليست " وأغضب " في المخطوطة. وقوله : " واستغضب " ضبطت في المخطوطة بفتحة على الضاد ، وكذلك ضبطت في لسان العرب (سكت) ولم يذكر أصحاب اللغة : " استغضب " لازمًا ، بل ذكروا " غضب " و " أغضبته فتغضبب " ، ولكن ما جاء هنا له شاهد من قياس اللغة لا يرد. فهذا مما يزاد على نص المعاجم. ولو قرئ : " استغضب " بالبناء للمجهول ، لكان جيدًا أيضًا وهو قياس محض " استغضب ، فغضب " .
(3) قوله : " أئمة الحرج " ، يعني الذين يبتدئون السؤال عن أشياء ، تحرم على الناس من أجل سؤالهم ، فهم كالأئمة الذين تقدموا الناس ، فألزموهم الحرج. و " الحرج " أضيق الضيق.
(4) الأثر : 12807 - " زكريا بن يحيى بن أبان المصري " ، روى عنه أبو جعفر آنفًا رقم : 5973 ، وقال أخي السيد أحمد هناك : " لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب " ، وصدق ، لم يرد اسمه مبينًا كما جاء هنا وهناك. ولكن قد روى عنه أبو جعفر في مواضع من تاريخه 1 : 39 قال : " حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال ، حدثنا ابن عفير " ، ثم روى عنه في المنتخب من كتاب " ذيل المذيل " (13 : 39) : " حدثني زكرياء بن يحيى بن أبان المصري ، قال ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث " ، ثم في (13 : 63) : " حدثني زكرياء بن يحيى بن أبان المصري قال ، حدثنا أحمد بن أشكاب " ثم في (13 : 109) : " حدثني زكرياء بن يحيى قال ، حدثنا أحمد بن يونس " فالذين حدث عنهم كلهم مصريون.
وأخشى أن يكون هو " زكريا بن يحيى الوقار المصري " ، " أبو يحيى " مترجم في لسان الميزان 2 : 485 ، وابن أبي حاتم 1/2/601 وميزان الاعتدال 1 : 350 ، روى عن عبد الله بن وهب المصري فمن بعده ، وعن زكريا بن يحيى الأدم المصري ، والقاسم بن كثير المصري. وولد زكريا بن يحيى الوقار سنة 174 ، ومات سنة 254 ، فهو مظنة أن يروى عنه أبو جعفر ، كان من الصلحاء العباد الفقهاء ، ولكن قال ابن عدي : " يضع الحديث ، كذبه صالح جزرة. قال صالح : حدثنا زكريا الوقار ، وكان من الكذابين الكبار " . وقال أيضًا : " رأيت مشايخ مصر يثنون على أبي يحيى في العبادة والاجتهاد والفضل ، وله حديث كثير ، بعضه مستقيم ، وبعضه موضوعات وكان هو يتهم بوضعها ، لأنه يروى عن قوم ثقات أحاديث موضوعة. والصالحون قد رسموا بهذا : أن يرووا أحاديث موضوعة ، ويتهم جماعة منهم بوضعها " .
وأما " أبو زيد " : " عبد الرحمن بن أبي الغمر " ، المصري الفقيه من شيوخ البخاري روى عنه خارج الصحيح ، مضى برقم : 4329. وفي المطبوعة : " بن أبي العمر " بالعين المهملة وهو خطأ.
و " أبو مطيع " : " معاوية بن يحيى الشامي الأطرابلسي " ، ثقة ، وقال ابن معين : " ليس بذاك القوي " ، وقال الدارقطني : " ضعيف " . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/336 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4/1/384 ، ووثقه أبو زرعة.
و " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي " ، ثقة مضى برقم : 7009.
و " سليم بن عامر الكلاعي ، الخبائري " ، ثقة روى عن أبي أمامة ، وغيره من الصحابة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/126 ، وابن أبي حاتم 2/1/211.
وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا 3 : 204 وقال : " رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن جيد " .
ونقله ابن كثير في تفسيره 3 : 251 عن هذا الموضع من التفسير ، وقال : " في إسناده ضعف " ، وكأن علة ضعفه عنده ، هو " زكريا بن يحيى بن أبان المصري " ، وفي إسناده في ابن كثير خطأ ، كتب " عبد العزيز بن أبي الغمر " ، وهو خطأ محض.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 335 ، وزاد نسبته لابن مردويه. ثم انظر ما ختم به أبو جعفر فصله هذا ص : 112 ، أن مخرج هذا الأخبار صحاح عنده.

(11/108)


يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فأغْضِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا ، فقال : والذي نفس محمد بيده ، لو قلت " نعم " لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، وإذًا لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه! فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة ، فأصبحوا بها كافرين. فنهى الله تعالى عن ذلك وقال : لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ، ولكن انتظروا ، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تِبيانه. (1)
12809 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح قال ، حدثنا علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم " ، قال : لما أنزلت آية الحج ، نادى النبيّ صلى الله عليه وسلم في الناس فقال : يا أيها الناس ، إن الله قد كتب عليكم الحج فحُجُّوا. فقالوا : يا رسول الله ، أعامًا واحدًا أم كل عام ؟ ، فقال : لا بل عامًا واحدًا ، ولو قلت " كل عام " ، لوجبت ، ولو وجبت لكفرتم. ثم قال الله تعالى ذكره : (2) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، قال : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء ، فوعظهم فانتهوا.
12810 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ، فقيل :
__________
(1) الأثر : 12808 - قد بين أخي السيد أحمد في الخبر رقم : 305 ، ضعف هذا الإسناد الدائر في التفسير وقال : " هو إسناد مسلسل بالضعف من أسرة واحدة " ثم شرح الإسناد شرحًا مفصلا.
(2) في المطبوعة أسقط " ثم " وهي لا غنى عنها في هذا الموضع وهي ثابتة في المخطوطة.

(11/110)


أواجب هو يا رسول الله كل عام ؟ قال : لا لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت ما أطقتم ، ولو لم تطيقوا لكفرتم. ثم قال : سلوني ، فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته ، وإن سألني عن أبيه! فقام إليه رجل فقال : من أبي ؟ قال : أبوك حذافة بن قيس. فقام عمر فقال : يا رسول ، رضينا بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
* * *
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي.
* ذكر من قال ذلك :
12811 - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال ، حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس " لا تسألوا عن أشياء " ، قال : هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : " ما جعل الله من كذا ولا كذا ؟ (1) قال : وأما عكرمة فإنه قال : إنهم كانوا يسألونه عن الآيات ، فنهوا عن ذلك. ثم فال : " قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " . قال : فقلت قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس ، فما لك تقول هذا ؟ فقال : هَيْهَ. (2)
12812 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن ابن عون ،
__________
(1) القائل هو " خصيف " .
(2) قوله : " هيه " هنا بفتح الهاء وسكون الياء وفتح الهاء الآخرة. يقال ذلك للشيء ينحى ويطرد. وأما " هيه " (بكسر الهاء الأولى وكسر الآخرة أو فتحها) فهي مثل " إيه " ، تقال أمرًا للرجل ، تستزيده من الحديث المعهود بينكما. وإشارة عكرمة بالطرد والتنحية ، لما كان بين مجاهد وعكرمة وانظر ما سلف من سوء رأي مجاهد في عكرمة في التعليق على رقم : 10445 ، 10469.

(11/111)


عن عكرمة قال : هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أبي وقال سعيد بن جبير : هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ، قولُ من قال : نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم المسائلَ ، كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه ، ومسألة سائله إذ قال : " الله فرض عليكم الحج " ، أفي كل عام ؟ وما أشبه ذلك من المسائل ، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.
وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس ، فقولٌ غير بعيد من الصواب ، ولكنْ الأخبارُ المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه ، وكرهنا القولَ به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسئلة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها ، كما كره الله لهم المسألة عن الحج : " أكل عام هو ، أم عامًا واحدًا " ؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه ، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلِّها ، فأخبرَ كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله ، وأجل غيره. (1) وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة ، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذُكرت صحاحٌ ، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " أو أجل غيره " ، استجلب " أو " مكان " واو " العطف ، فأفسد الكلام إفسادًا.

(11/112)


القول في تأويل قوله : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه ، من فرائض لم يفرضها الله عليهم ، وتحليل أمور لهم يحلّلها لهم ، وتحريم أشياء لم يحرِّمها عليهم قبلَ نزول القرآن بذلك : أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي مما لم أنزل به كتابًا ولا وحيًا ، لا تسألوا عنه ، فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيانٌ بوحي وتنزيل ساءكم ، لأن التنزيل بذلك إذا جاءكم إنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم ، إما بإيجاب عمل عليكم ، ولزوم فرض لكم ، وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤونة وكلفة وإما بتحريم ما لو لم يأتكم بتحريمه وحي ، كنتم من التقدم عليه في فُسْحة وسَعة وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه ، وفي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتم ترونه حقًّا إلى ما كنتم ترونه باطلا ولكنكم إن سألتم عنها بعد نزول القرآن بها ، وبعد ابتدائكم ببيان أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم ، (1) ليسَّر عليكم ما أنزلته إليه من بيان كتابي ، وتأويل تنزيلي ووحيي (2)
وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : -
12813 - حدثنا به هناد بن السري قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن داود
__________
(1) في المطبوعة : " وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي " ، وهو كلام بلا معنى ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لا فيها : " سان " غير منقوطة ، فقرأها خلطأً.
(2) في المطبوعة " بين لكم ما أنزلته إليه من إتيان كتابي " ، وهي أيضًا كلام بلا معنى ، وكان في المخطوطة هكذا " لسس عليكم ما أنزلته إليه من اساي كتابي " ، وصواب قراءتها إن شاء الله هو ما أثبت.

(11/113)


بن أبي هند ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني قال : إن الله تعالى ذكره فرَض فرائض فلا تضيِّعوها ، ونهى عن أشياء فلا تَنْتَهِكوها ، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. (1)
12814 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء قال : كان عبيد بن عمير يقول : إن الله تعالى أحلّ وحرَّم ، فما أحلّ فاستحلُّوه ، وما حرَّم فاجتنبوه ، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله عفاه. ثم يتلو : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " .
12815 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا الضحاك قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، أخبرني عطاء ، عن عبيد بن عمير أنه كان يقول : إنّ الله حرّم وأحلَّ ، ثم ذكر نحوه.
* * *
وأما قوله : " عفا الله عنها " فإنه يعني به : عفا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها ، أن يؤاخذكم بها ، أو يعاقبكم عليها ، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم (2) " والله غفورٌ " ، يقول : والله ساتر ذنوب من تاب منها ، فتارك أن يفضحه في الآخرة " حليم " [ذو أناة عن ] أن يعاقبه بها ، لتغمده التائبَ منها برحمته ، وعفوه ، عن عقوبته عليها. (3)
* * *
__________
(1) الأثر : 12813 - هذا الخبر ، رواه أبو جعفر موقوفًا على أبي ثعلبة الخشني ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 336 مرفوعًا ، ونسبه لابن المنذر ، والحاكم وصححه. وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 252 فقال : " وفي الحديث الصحيح أيضًا " ، ولم أستطع أن أجده في المستدرك ، أو غيره من الكتب الصحاح.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " إن عرف " ، والسياق يقتضي : " إذ " .
(3) انظر تفسير " غفور " فيما سلف من فهارس اللغة وتفسير " حليم " فيما سلف 5 : 117 ، 521/ 7 : 327 وزدت ما بين القوسين من تفسير أبي جعفر السالف ، فإن الكلام بغير ذلك أو شبهه غير مستقيم كل الاستقامة.

(11/114)


قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، روي الخبر عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا. وذلك ما : -
12816 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " لا تسألوا عن أشياء " ، يقول : لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ، ولكن انتظروا ، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قد سأل الآيات قومٌ من قبلكم ، فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين ، منكرين أن تكون دلالة على حقيقة ما احتُجَّ بها عليهم ، وبرهانًا على صحة ما جُعلت برهانًا على تصحيحه كقوم صالح الذين سألوا الآيةَ ، فلما جاءتهم الناقة آيةً عقروها وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل عليهم من السماء ، فلما أعطوها كفروا بها ، وما أشبه ذلك.
فحذَّر الله تعالى المؤمنين بنبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلكوا سبيل من قبلهم من الأمم التي هلكت بكفرهم بآيات الله لما جاءتهم عند مسألتهموها ، فقال لهم : لا تسألوا الآيات ، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، فقد سأل الآيات من قبلكم قومٌ ، فلما أوتوها أصبحوا بها كافرين ، كالذي : -
__________
(1) الأثر : 12816 - هو بعض الأثر السالف رقم : 12808.

(11/115)


مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)

12817 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ؛ حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة ، فأصبحوا بها كافرين ، فنهى الله عن ذلك. (1)
12818 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قد سألها قوم من قبلكم " ، قد سأل الآيات قوم من قبلكم ، وذلك حين قيل له : غيِّر لنا الصَّفا ذهبًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما بحر الله بحيرة ، ولا سيَّب سائبة ، ولا وصل وصيلة ، ولا حَمَى حاميًا ولكنكم الذين فعلتم ذلك ، أيها الكفرة ، فحرَّمتموه افتراء على ربكم ، كالذي : -
12819 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثني أبي وشعيب بن الليث ، عن الليث ، عن ابن الهاد وحدثني يونس قال ، حدثنا عبد الله بن يوسف قال ، حدثني الليث قال ، حدثني ابن الهاد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار ، وكان أول من سيَّب السُّيَّب " . (2)
__________
(1) الأثر : 12817 - هو بعض الأثر السالف رقم : 12808.
(2) الأثر : 12819 - رواه أبو جعفر بإسنادين : أولهما " محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري " ، ثقة مضى برقم : 2377.
وأبوه : " عبد الله بن عبد الحكم بن أعين " ، الفقيه المصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، و " شعيب بن الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري " ، ثقة ، مضى برقم : 3034 ، 5314
وأبوه " الليث بن سعد " الإمام الجليل القدر ، مضى برقم : 186 ، 187 ، 2072 ، 2584 ، 9507.
و " ابن الهاد " هو : " يزيد بن الهاد " منسوبا إلى جده ، وهو : " يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد " ثقة ، مضى برقم : 2031 ، 3034 ، 4314.
وأما الإسناد الثاني فتفسيره :
" يونس " هو " يونس بن عبد الأعلى الصدفي " ثقة مضى برقم : 1679 ، 3503 وغيرها.
و " عبد الله بن يوسف التنيسي الكلاعي " ثقة من شيوخ البخاري. مترجم في التهذيب.
وخبر أبي هريره هذا ، من طريق الليث بن سعد ، عن يزيد بن الهاد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رواه أحمد في المسند رقم : 8773 ، وأشار إليه البخاري في صحيحه (الفتح 8 : 214) وقد رواه قبل من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب ، عن سعيد ، ورواه أحمد قبل ذلك منقطعا رقم : 7696 ، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي هريرة وقد استوفى أخي السيد أحمد في شرحه بيان ذلك. وأما مسلم فقد رواه في صحيحه 17 : 189 من طريق صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب عن سعيد.
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 253 ، وذكر رواية البخاري الآنفة : " قال الحاكم : أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت ، عن الزهري هكذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف ، وسكت ولم ينبه عليه قال ابن كثير : وفيما قاله الحاكم نظر ، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد عن ابن الهاد عن الزهري نفسه ، والله أعلم " . وتفسير كلام ابن كثير أن ابن الهاد قد ثبت سماعه من الزهري. ولم يبين هو ما أراد أبو الحجاج بما قال ولم يفسره. ولم يشر الحافظ ابن حجر في الفتح (8 : 214) إلى شيء مما قاله المزي.
وأما " القصب " (بضم فسكون) : هي الأمعاء كلها. وأما قوله : " سيب السيب " فإن " سيب الدابة أو الناقة أو الشيء " : تركه يسيب حيث شاء ، أي يذهب حيث شاء. وأما " السيب " (بضم السين وتشديد الياء المفتوحة) فهو جمع " سائبة " على مثال " نائحة ونوح " و " نائم ونوم " كما سلف في تعليقي على الأثر رقم : 10447 ، وشاهده رواه ابن هشام في سيرته هذا البيت (1 : 93) : حَوْلَ الوَصَائِل فِي شُرَيْفٍ ... حِقَّةٌ وَالحَامِيَاتُ ظُهُورُها
وَالسُّيَّبُ وتجمع " سائبة " أيضًا على " سوائب " وهو القياس. وقد جاء في إحدى روايتي صحيح مسلم (17 : 189) : " أول من سيب السيوب " (بضم السين والياء) وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار : " أول من سيب السوائب ، وفي الرواية الأخرى : أول من سيب السيوب " ، ولم يبين ذلك. وبيانه أن " السيوب " جمع " سيب " (بفتح فسكون) مصدر سميت به " السائبة " وقد جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف في يوم الشورى : " وإن الحيلة بالنطق أبلغ من السيوب في الكلم " وفسروه تفسيرين ، الأول ما في لسان العرب : " السيوب : ما سيب وخلى فساب أي ذهب " والآخر ما قاله الزمخشري في الفائق : " السيوب مصدر : ساب كان قياسا جمع " سائب " و " سائبة " على " سيوب " فإن ما جاء مصدره على " فعول " كان جمع " فاعل " منه على " فعول " مثل " شاهد وشهود " و " قاعد وقعود " و " حاضر وحضور " وقد ذكرت ذلك في تعليق سالف وانظر شرح الشافية 2 : 158. فهذا تفسير ما أغفله القاضي عياض ، والنووي في شرح صحيح مسلم.
وكان في المطبوعة : " أول من سيب السائبة " ، غير ما في المخطوطة وهو اطراح سيئ لأمانة العلم!! وكتبه محمود محمد شاكر.

(11/116)


12820 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا

(11/117)


محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون : يا أكثم ، رأيتُ عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدف يجرّ قُصْبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ، ولا به منك! فقال أكثم : عسَى أن يضرّني شبهه ، يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا إنك مؤمن وهو كافر ، إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل ، وبحر البحيرة ، وسيَّب السائبة ، وحمى الحامي " . (1)
12821 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس قال ، حدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قد عرفت أوّلَ من بَحَر البحائر ، رجلٌ من مُدْلج كانت له ناقتان ، فجدَع آذانهما ، وحرّم ألبانهما وظهورَهما ، وقال : هاتان لله! ثم احتاج إليهما ، فشرب ألبانهما ، وركب ظهورهما. قال : فلقد رأيته في النار يؤذِي أهل النار ريح قُصْبه. (2)
12822 - حدثنا هناد قال ، حدثنا عَبْدة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عُرِضت عليَّ النار ، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن خندف يجرّ قصْبه في النار ، وهو أوّل من غيَّر دين إبراهيم ، وسيب السائبة ، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون! فقال أكثم : يا رسول الله ، أيضرني شبهه ؟ قال : " لا لأنك مُسلم ، وإنه كافر " . (3)
__________
(1) الأثر : 12820 - " محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي " روى له أصحاب الكتب الستة ، تابعي ثقة كثير الحديث مضى برقم : 4249.
و " أبو صالح " هو : " ذكوان السمان " ، تابعي ثقة. مضى مرارًا.
وأما " محمد بن إسحق " ، صاحب السيرة ، فقد مضى توثيق أخي السيد أحمد له في رقم : 221 وفي غيره من كتبه.
وهذا الخبر ساقه ابن كثير في تفسيره 3 : 254 ، هو ورقم : 12822 ، وفي البداية والنهاية 2 : 189 ، ثم قال " وليس هذان الطريقان في الكتب من هذا الوجه " يعني الصحاح وإلا فإن هذا الخبر ثابت بإسناد محمد بن إسحق في سيرة ابن هشام 1 : 78 ، 79 وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بغير إسناد ص : 55 وذكره ابن الأثير بإسناده 1 : 123 ، 124 ، وابن حجر في الإصابة (ترجمة : أكثم بن الجون) ونسبه لابن أبي عروبة وابن مندة من طريق ابن إسحق وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 338 فخلط في تخريجه تخليطا شديدا فقال : " أخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه " وإنما ذلك رقم : 12822 ، الآتي بعد. وسيأتي هذا الخبر مطولا من طريق أخرى رقم : 12827 ، وهو إسناد أبي جعفر الثاني في رواية سيرة ابن إسحق.
وقوله : " عسى أن يضرني شبهه " يعني : لعله يضرني شبهه ، يتخوف أن يكون ذلك. وفي المطبوعة : " أخشى أن يضرني شبهه " وهو مخالف للرواية ، وإنما اختلط عليه خط ناسخ المخطوطة إذ كتبها مختلطة : " تحتي " كأنه أراد أن يكتب شيئًا ، ثم عاد عليه حتى صار " عسى " منقوطة وبمثل ما في المطبوعة ، جاءني في الدر المنثور. وكثرة مثل ذلك دلتني على أن هذه النسخة المخطوطة التي ننشرها هي التي وقعت في يد السيوطي ، والصواب ما أثبته من السيرة ، ومن نقل عنها.
وكان في المخطوطة أيضًا : " وحمى الحمى " ، وهو خطأ محض ، صوابه من مراجع هذا الخبر.
(2) الأثر : 12821 - " هشام بن سعد المدني " " يتيم زيد بن أسلم " كان من أوثق الناس عن زيد وهو ثقة ، وتكلم فيه بعضهم مضى برقم : 5490. وهذا خبر مرسل.
وسيأتي من طريق معمر ، عن زيد بن أسلم برقم : 12824.
(3) الأثر : 12822 - " عبدة " هو " عبدة بن سليمان الكلابي " ثقة مضى قريبا برقم : 12729. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " عبيدة " وهو خطأ صوابه في تفسير ابن كثير.
و " محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي " و " أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " مضيا أيضًا في مثل هذا الإسناد رقم : 12729 وهذا إسناد رجاله ثقات.
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 4 : 605 ، من طريق أبي حاتم الرازي ، عن محمد ابن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو وفيه " فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف " مصرحا ثم قال : " وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي.
وقد مر بك أن ابن كثير قال في تفسيره 3 : 254 والبداية والنهاية 2 : 189 ، أنه ليس في الكتب يعني الصحاح ولم يزد.
وأما الحافظ ابن حجر فخرجه في الإصابة (ترجمة أكثم بن الجون) من طريق أحمد بن حنبل ، عن محمد بن بشر العبدي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، بمثله ثم أشار إلى طريق الحاكم في المستدرك. ولكن أعياني أن أجد خبر أحمد في المسند.
وأما الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم فقد رواه في كتاب جمهرة الأنساب ص : 223 من طريق علي بن عمر الدارقطني عن الحسين بن إسمعيل القاضي المحاملي عن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن محمد بن عمرو. ثم قال أبو محمد بعد سياقه أحاديث البخاري ومسلم وهذا الحديث وهي أربعة هذا ثالثها : " أما الحديث الأول والثالث والرابع ، ففي غاية الصحة والثبات " فحكم لهذا الخبر بالصحة.
وفي المطبوعة هنا : " عمرو بن فلان بن فلان بن فلان بن خندف " " فلان " ثلاث مرات وهو مخالف لما في المخطوطة ، وخطأ بعد ذلك فإن ما بين " عمرو " و " خندف " اثنان لا ثلاثة. وهكذا في المخطوطة والمطبوعة : " لا لأنك مسلم " ولولا اتفاقهما لرجحت أن تكون : " لا إنك مسلم " كما في رواية غيره.

(11/118)


12823 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال : رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجرّ قُصْبه في النار ، وهو أوّل من سيّب السوائب. (1)
12824 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف أوّل من سيب السوائب ، وأوّل من غيَّر عهد إبراهيم! قالوا : من هو ، يا رسول الله ؟ قال : عمرو بن لُحَيّ أخو بني كعب ، لقد رأيته يجرّ قُصْبه في النار ، يؤذي ريحه أهل النار. وإني لأعرف أوّل من بحر البحائر! قالوا : من هو ، يا رسول الله ؟ قال : رجل من بني مدلج ، كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما ، وحرّم ألبانهما ، ثم شرب ألبانهما بعدَ ذلك ، فلقد رأيته في النار هو ، وهما يعضّانه بأفواههما ، ويخبطانه بأخفافهما. (2)
__________
(1) الأثر : 12823 - هذا خبر مرسل كما ترى ، لم يرفعه عبد الرزاق.
(2) الأثر : 12824 - هذا أيضًا خبر مرسل ، وهو طريق أخرى للخبر السالف رقم : 12821. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (8 : 214 ، 215) ثم قال : " والأول أصح " ، يعني ذكر هذا الرجل من بني مدلج ، أنه أول من بحر البحائر ، وأن الصواب ما جاء في الأخبار الصحاح قبل ، أنه عمرو بن لحي.
و " بنو مدلج " هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن اليأس ابن مضر بن نزار بن معد ليسوا من قريش. وكانت فيهم القيافة والعيافة ، منهم " مجزز المدلجي " الذي سر النبي صلى الله عليه وسلم بقيافته (جمهرة الأنساب : 176 ، 177).

(11/120)


و " البحيرة " الفعيلة من قول القائل : " بَحَرْت أُذن هذه الناقة " ، إذا شقها ، " أبحرُها بحرًا " ، والناقة " مبحورة " ، ثم تصرف " المفعولة " إلى " فعيلة " ، فيقال : " هي بحيرة " . وأما " البَحِرُ " من الإبل فهو الذي قد أصابه داءٌ من كثرة شرب الماء ، يقال منه : " بَحِر البعيرُ يبحر بَحَرًا " ، (1) ومنه قول الشاعر : (2)
لأعْلِطَنَّهُ وَسْمًا لا يُفَارَقُهُ ... كَمَا يُحَزُّ بِحَمْيِ المِيسَمِ البَحِرُ (3)
وبنحو الذي قلنا في معنى " البحيرة " ، جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
12825 - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، أخبرنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن أبيه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (4) أرأيت
__________
(1) هذه على وزن " فرح يفرح فرحًا " .
(2) أعياني أن أجد قائله.
(3) سيأتي في التفسير 29 : 19 (بولاق) لسان العرب (بحر). " علط البعير يعلطه علطًا " وسمه بالعلاط. و " العلاط " (بكسر العين) : سمة في عرض عنق البعير ، فإذا كان في طول العنق فهو " السطاع " (بكسر السين). هذا تفسير اللغة أنه في العنق وأما أبو جعفر الطبري فقد قال في تفسيره (29 : 19) " والعرب تقول : والله لأسمنك وسما لا يفارقك يريدون الأنف " ثم ذكر البيت وقال : " والنجر " : داء يأخذ الإبل فتكوى على أنوفها. وذكر هناك بالنون والجيم كما أثبته وله وجه سيأتي إلا أني أخشى أن يكون الصواب هناك ، كما هو هنا بالباء والحاء ، وقوله : " بحمى الميسم " . يقال : " حمى المسمار حميا وحموا " : سخن في النار و " أحميت المسمار في النار إحماء " . و " الميسم " المكواة التي يوسم بها الدواب. وأما " البحر " فقد فسره أبو جعفر ولكن الأزهري قال : " الداء الذي يصيب البعير فلا يروى من الماء هو النجر بالنون والجيم ، والبجر بالباء والجيم وأما البحر : فهو داء يورث السل " .
وهذا البيت في هجاء رجل وإيعاده بالشر شرا يبقى أثره.
وكان في المطبوعة : " لأعطنك " بالكاف في آخره والصواب من المخطوطة ومما سيأتي في المطبوعة من التفسير (29 : 19) ومن لسان العرب.
(4) في المطبوعة ، أسقط " له " وهي ثابته في المخطوطة : وهي صواب.

(11/121)


إبلك ألست تنتجها مسلَّمةً آذانُها ، فتأخذ الموسى فتجْدَعها ، تقول : " هذه بحيرة " ، وتشق آذانها ، تقولون : " هذه صَرْم " ؟ قال : نعم! قال : فإن ساعدَ الله أشدّ ، وموسَى الله أحدَ! كلّ مالك لك حلالٌ ، لا يحرَّم عليك منه شيء. (1)
12826 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال ، سمعت أبا الأحوص ، عن أبيه قال أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل تُنتَجُ إبل قومك صحاحًا آذانُها ، فتعمد إلى الموسَى فتقطع آذانها فتقول : " هذه بُحْرٌ " ، وتشقها أو تشق جلودها فتقول : " هذه صُرُمٌ " ، فتحرّمها عليك وعلى أهلك ؟ قال : نعم! قال : فإن ما آتاك الله لك حِلّ ، وساعد الله أشدّ ، وموسى الله أحدّ وربما قال : ساعدُ الله أشد من ساعدك ، وموسى الله أحدّ من موساك. (2)
__________
(1) الأثر : 12825 - هذا الخبر رواه أبو جعفر بإسنادين هذا والذي يليه. " عبد الحميد بن بيان القناد " شيخ أبي جعفر ، مضى مرارا.
و " محمد بن يزيد الكلاعي " الواسطي وثقه أحمد وهو من شيوخه مضى برقم : 11408.
و " إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي " ثقة مضى برقم : 5694 ، 5777.
و " أبو إسحق " هو السبيعي الإمام. مضى مرارا.
و " أبو الأحوص " هو : " عوف بن مالك بن نضلة الجشمي " تابعي ثقة ، مضى برقم : 6172.
وأبوه : " مالك بن نضلة بن خديج الجشمي " ويقال : " مالك بن عوف بن نضلة " وبهذا ترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 17. وأما في التاريخ الكبير للبخاري 4/1/303 ، فإني رأيت فيه : " مالك بن يقظة الخزاعي والد أبي الأحوص له صحبة " . و " أبو الأحوص " المشهور هو " عوف بن مالك بن نضلة " فظني أن الذي في التاريخ خطأ فإني لم أجد هذا الاسم في الصحابة فيكون فيه خطأ في " يقظة " وهو " نضلة " وفي " الخزاعي " وهو : " الجشمي " والله أعلم.
وهذا الخبر جاء في المخطوطة كما أثبته وفي المطبوعة : " وتشق آذانها وتقول " بالإفراد فأثبت ما في المخطوطة.
وقوله : " مسلمة آذانها " أي : سليمة صحاحًا. وسأشرح ألفاظه في آخر الخبر الآتي وما كان من الخطأ في المطبوعة والمخطوطة في " صرم " بعد تخريجه هناك.
(2) الأثر : 12826 - هذا الخبر ، مكرر الذي قبله.
*رواه من طريق شعبة ، عن أبي إسحق مطولا أبو داود الطيالسي في مسنده : 184 رقم : 1303.
*ورواه أحمد في المسند عن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحق ثم من طريق عفان عن شعبة في المسند 3 : 473.
*ورواه البيهقي في السنن الكبرى 10 : 10 من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحق.
*وخرجه ابن كثير في تفسيره من رواية ابن أبي حاتم 3 : 256 مطولا ولم ينسبه إلى غيره.
*وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 337 مطولا جدًا ونسبه إلى أحمد ، وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات. أما لفظه عند السيوطي فلا أدري لفظ من يكون ، فإنه ليس لفظ من ذكرت آنفا تخريج الخبر من كتبهم.
*ثم رواه أحمد في المسند 4 : 136 ، 137 من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو ابن عمرو عن عمه أبي الأحوص عن أبيه بلفظ آخر مختلف كل الاختلاف.
*وهذا شرح غريب هذين الخبرين. " نتج الناقة ينتجها نتجا " (على وزن : ضرب) : إذا تولى نتاجها أي ولادها. وأما قوله في الخبر الثاني : " هل تنتج إبل قومك " فهو بالبناء للمجهول. يقال : " نتجت الناقة تنتج " (بالبناء للمجهول) : إذا ولدت.
*و " جدع الأنف والأذن والشفة " : إذا قطع بعض ذلك. وأما قوله : " هذه صرم " فقد كتبت في المخطوطة والمطبوعة في الخبرين " حرم " بالحاء وكذلك وقع في تفسير ابن كثير ، والصواب من المراجع التي ذكرتها ومن بيان كتب اللغة في تفسير هذا الخبر.
*وتقرأ " صرم " في الخبر الأول بفتح فسكون و " الصرم " القطع سماها المصرومة بالمصدر كما يدل على صواب ذلك من قراءته ما جاء في شرح اللفظ في لسان العرب مادة (صرب). وأما في الخبر الثاني فإن قوله : " هذه بحر " (بضم الباء والحاء) جمع " بحيرة " وقوله : " هذه صرم " (بضم الصاد والراء) جمع " صريمة " وهي التي قطعت أذنها وصرمت. وهذا صريح ما قاله صاحب اللسان في مادتي " صرم " و " صرب " والزمخشري في الفائق " صرب " وروى أحمد في المسند 4 : 136 ، 137 : " صرماء " ولم تشر إليها كتب اللغة. وأما الومخشري وصاحب اللسان فقد رويا : " وتقول : صربى " (على وزن سكرى). وقال في تفسيرها : كانوا إذا جدعوا البحيرة أعفوها من الحلب إلا للضيف فيجتمع اللبن في ضرعها من قولهم : " صرب اللبن في الضرع " : إذا حقنه لا يحلبه. ورويا أنه يقال إن الباء مبدلة من الميم كقولهم " ضربة لازم ، ولازب " ، وأنه أصح التفسيرين.

(11/122)


وأما " السائبة " : فإنها المسيَّبة المخلاة. وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه ، فيحرِّم الانتفاع به على نفسه ، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبدَه سائبةً ، فلا ينتفع به ولا بولائه. (1)
__________
(1) انظر تفسير " السائبة " فيما سلف 3 : 386 تعليق : 1.

(11/123)


وأخرجت " المسيَّبة " بلفظ " السائبة " ، كما قيل : " عيشة راضية " ، بمعنى : مرضية.
* * *
وأما " الوصيلة " ، فإن الأنثى من نَعَمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنًا بذكر وأنثى ، قيل : " قد وصلت الأنثى أخاها " ، بدفعها عنه الذبح ، فسمَّوها " وَصيلة " .
* * *
وأما " الحامي " ، فإنه الفحل من النعم يُحْمَى ظهره من الركوب والانتفاع ، بسبب تتابُعِ أولادٍ تحدُث من فِحْلته.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء ، وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك.
* ذكر الرواية بما قيل في ذلك :
12827 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، (1) عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ : أن أبا صالح السمان حدّثه : أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعيّ : يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرّ قُصْبه في النار ، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ، ولا به منك! (2) فقال أكثم : أيضرّني شبهه يا نبيّ الله ؟ قال : لا إنك مؤمن وهو كافر ، (3) وإنه كان أوّل من غيَّر دين إسماعيل ، ونصب الأوثان ، وسيَّب السائبَ فيهم. (4)
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " عن أبي إسحق " وهو خطأ محض كما ترى في تخريجه.
(2) مضى في الأثر : 12820 ، " فما رأيت رجلا " وهذه رواية أخرى.
(3) في المطبوعة : " لا لأنك مسلم " غيرها وهي في المخطوطة وابن هشام كما أثبتها.
(4) في المطبوعة : " سيب السوائب فيهم " وأثبت ما في المخطوطة وإن كان الناسخ كتب " السائب فيهم " وصوابه من سيرة ابن هشام.
وهذا الشطر من الخبر هو حديث أبي هريرة وقد مضى آنفًا برقم : 12820 ومضى تخريجه هناك. أما الشطر الثاني الذي وضعته في أول السطر فإنه من كلام ابن إسحق نفسه ، كما سترى في التخريج.

(11/124)


وذلك أن الناقة إذا تابعت بين عشرإناث ليس فيها ذكر ، (1) سُيِّبت فلم يركب ظهرها ، ولم يجزَّ وبرها ، ولم يشرَب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقّ أذنها ، ثم خلّى سبيلها مع أمها في الإبل ، فلم يركب ظهرها ، ولم يجزّ وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها ، فهي " البحيرة " ابنة " السائبة " .
و " الوصيلة " ، أن الشاة إذا نَتَجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر ، جعلت " وصيلة " ، قالوا : " وصلت " ، فكان ما وَلدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم ، (2) إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله ، ذكورُهم وإناثهم (3) .
و " الحامي " أنّ الفحل إذا نُتِج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكرٌ ، حمي ظهره ولم يركب ، ولم يجزّ وبره ، ويخلَّى في إبله يضرب فيها ، لا ينتفع به بغير ذلك. يقول الله تعالى ذكره : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " إلى قوله : " ولا يهتدون " .
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " إذاتابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيهما ذكر " إلا أن في المخطوطة : " ليس فيهم " وهما خطأ محض ، وصواب هذه العبارة هو ما أثبته من سيرة ابن هشام وغيرها إلا أنني جعلت " فيهن " مكان " بينهن " في سيرة ابن هشام لما سيأتي بعد في الخبر " فيهن " مكان " بينهن " فيما يقابلها من سيرة ابن هشام.
(2) الأثر : 12827 - صدر هذا الخبر إلى قوله : " سيب السائب فيهم " هو حديث أبي هريرة السالف رقم : 12820 ، وهو في سيرة ابن هشام 1 : 78 ، 79 ، وقد خرجته هناك.
وأما الشطر الثاني إلى آخر الخبر ، فهو من كلام ابن إسحق وهو في سيرة ابن هشام 1 : 91 ، 92.
(3) في المطبوعة : لذكورهم دون إناثهم ، وفي المخطوطة : لذكورهم بينهم ، غير منقوطة والصواب من سيرة ابن هشام.

(11/125)


12828 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق في هذه الآية : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " قال أبو جعفر : سقط عليّ فيما أظنّ كلام منه قال : فأتيت علقمة فسألتُه ، فقال : ما تريد إلى شيء كانت يَصنعه أهل الجاهلية. (1)
12829 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم قال : أتيت علقمة ، فسألته عن قول الله تعالى : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حامٍ " ، فقال : وما تصنع بهذا ؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية! قال : فأتيت مسروقًا فسألته ، فقال : " البحيرة " ، كانت الناقة إذا ولدت بطنًا خمسًا أو سبعًا ، شقوا أذنها ، وقالوا : " هذه بحيرة " قال : " ولا سائبة " ، قال : كان الرجل يأخذ بعضَ ماله فيقول : " هذه سائبة " قال : " ولا وصيلة " ، قال : كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث ، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى في بطن قالوا : " وصلت أخاها " ، فلا يأكلونهما. قال : فإذا مات الذكر أكله الذكور دون الإناث قال : " ولا حام " ، قال : كان البعير إذا وَلد وولد ولده ، قالوا : " قد قضى هذا الذي عليه " ، فلم ينتفعوا بظهره. قالوا : " هذا حمًى " . (2)
__________
(1) في المطبوعة : " كانت تصنعه " والصواب من المخطوطة.
(2) الأثر : 12829 - " يحيى بن إبراهيم المسعودي " شيخ الطبري هو : " يحيى ابن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي " مضى برقم : 84 ، 5379 ، 8811 ، 9744.
وأبوه : " إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي " مضى برقم : 84 ، 5379 ، 8811 ، 9744.
وأبوه " محمد بن أبي عبيدة المسعودي " مضى في ذلك أيضا.
وجده " أبو عبيدة بن معن المسعودي " مضى أيضًا.
وكان في المطبوعة هنا : " هذا حام " وأثبت ما في المخطوطة.

(11/126)


12830 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن عبيد ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صبيح قال : سألت علقمة عن قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، قال : ما تصنع بهذا ؟ هذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية.
12831 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، ويحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص : " ما جعل الله من بحيرة " ، قال : البحيرة : التي قد ولت خمسة أبطن ثم تركت.
12832 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن الشعبي : " ما جعل الله من بحيرة " . قال : البحيرة ، المخضرمة (1) " ولا سائبة " ، والسائبة : ما سُيِّب للعِدَى (2) و " الوصيلة " ، إذا ولدت بعد أربعة أبطن فيما يرى جرير ثم ولدت الخامس ذكرًا وأنثى ، وصلتْ أخاها و " الحام " ، الذي قد ضرب أولادُ أولاده في الإبل.
12833 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، بنحوه إلا أنه قال : و " الوصيلة " التي ولدت بعد أربعة أبطن ذكرًا وأنثى ، قالوا : " وصلت أخاها " ، وسائر الحديث مثل حديث ابن حميد.
__________
(1) " المخضرمة " من النوق والشاء المقطوعة نصف الأذن أو طرف الأذن أو المقطوعة إحدى الأذنين وهي سمة الجاهلية. وفي الحديث : " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر على ناقة مخضرمة " .
(2) " العدي " (بكسر العين ودال مفتوحة) : الغرباء يعني الأضياف كما جاء في سائر الأخبار. هكذا هي في المخطوطة " العدي " أما المطبوعة ففيها : " للهدي " وهو تحريف وخطأ محض. ولو كان في كتابة الناسخ خطأ فأقرب ذلك أن تكون " للمعتري " يقال : " عراه يعروه واعتراه " إذا غشيه طالبا معروفه. ويقال : " فلان تعروه الأضياف وتعتريه " أي تغشاه وبذلك فسروا قول النابغة : أَتَيْتُكَ عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِيْ ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنَّ بِيَ الظُّنُون
أي : ضيفًا طالبًا لرفدك.

(11/127)


12834 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا إسحاق الأزرق ، عن زكريا ، عن الشعبي : أنه سئل عن " البحيرة " ، فقال : هي التي تجدع آذانها. وسئل عن " السائبة " ، فقال : كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم ، فتذهب فتختلطُ بغنم الناس ، (1) فلا يشرب ألبانها إلا الرجال ، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا.
12835 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " ما جعل الله من بحيرة " وما معها : " البحيرة " ، من الإبل يحرّم أهل الجاهلية وَبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال ، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها ، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها. فإذا ضَرَب الجمل من ولد البحيرة ، (2) فهو " الحامي " . و " الحامي " ، اسمٌ. (3) و " السائبة " من الغنم على نحو ذلك ، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد ، كان على هيئتها. فإذا ولدت في السابع ذكرًا أو أنثى أو ذكرين ، ذبحوه ، فأكله رجالهم دون نسائهم. وإن توأمت أنثى وذكرًا فهي " وصيلة " ، (4) لترك ذبح الذكر بالأنثى. (5) وإن كانتا أنثيين تركتا.
12836 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ،
__________
(1) في المطبوعة : " ... عند آلهتهم لتذبح فتخلط بغنم الناس " غير ما في المخطوطة فأفسد الكلام إفسادًا. وقوله : " فتذهب فتختلط " ذكرت في 7 : 457 تعليق : 6 أن العرب تجعل " ذهب " من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام طلبا لتصوير حركة أو بيان فعل مثل قولهم : " قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه " لا يراد بهما معنى " الذهاب " و " القعود " ومثلهما كثير في كلامهم ثم انظر هذا ص : 250ن 251 ، تعليق : 1.
(2) " ضرب " من " الضراب " (بكسر الضاد) وهو سفاد الجمل الناقة ونزوه عليها.
(3) في المطبوعة حذف قوله : " والحامي اسم " لظنه أنه زيادة لا معنى لها. ولكنه أراد أن " الحامي " اسم لهذا الجمل من ولد البحيرة ، وليس باسم فاعل.
(4) قوله : " توأمت " هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة ولم أجدهم قالوا في ذلك المعنى إلا : " أتأمت المرأة وكل حامل " : إذا ولدت اثنين في بطن واحد. فهذا حرف لا أدري ما أقول فيه إلا أنه هكذا جاء هنا.
(5) في المطبوعة والمخطوطة : " ترك " بغير لام ، والذي أثبته أشبه عندي بالصواب.

(11/128)


حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، فالبحيرة ، الناقة ، كان الرجل إذا ولدت خمسة أبطن ، فيعمد إلى الخامسة ، ما لم تكن سَقْبًا ، (1) فيبتك آذانها ، ولا يجزّ لها وبرًا ، ولا يذوق لها لبنًا ، فتلك " البحيرة " " ولا سائبة " ، كان الرجل يسيِّب من ماله ما شاء " ولا وصيلة " ، فهي الشاة إذا ولدت سبعًا ، عمد إلى السابع ، فإن كان ذكرًا ذبح ، وإن كانت أنثى تركت ، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما ، قالوا : " وصلت أخاها " ، فيتركان جميعًا لا يذبحان. فتلك " الوصيلة " وقوله : " ولا حام " ، كان الرجل يكون له الفحل ، فإذا لقح عشرًا قيل : " حام ، فاتركوه " .
12837 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، ليسيِّبوها لأصنامهم " ولا وصيلة " ، يقول : الشاة " ولا حام " يقول : الفحلُ من الإبل.
12838 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، تشديدٌ شدّده الشيطانُ على أهل الجاهلية في أموالهم ، وتغليظ عليهم ، فكانت " البحيرة " من الإبل ، (2) إذا نتج الرجلُ خمسًا من إبله ، نظر البطن الخامس ، فإن كانت سقبًا ذبح فأكله الرجال دون النساء ، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرُهم وأنثاهم ، وإن كانت حائلا وهي الأنثى تركت ، فبتكت أذنها ، فلم يجزّ لها وَبرٌ ، ولم يشرب لها لبن ، ولم يركب لها ظهرٌ ، ولم يذكر لله عليها اسم.
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " فما لم يكن سقبا " وصواب ذلك ما أثبت. و " السقب " الذكر من ولد الناقة. قال الأصمعي : إذا وضعت الناقة ولدها فولدها ساعة تضعه " سليل " قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى. فإذا علم فإن كان ذكرا فهو " سقب " .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " مثل الإبل " وهو خطأ لا شك فيه.

(11/129)


وكانت " السائبة " ، يسيبون ما بدا لهم من أموالهم ، فلا تُمنع من حوض أن تشرع فيه ، (1) ولا من حمًى أن ترتع فيه وكانت " الوصيلة " من الشاء ، من البطن السابع ، إذا كان جديًا ذبح فأكله الرجال دون النساء. وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم. وإن جاءت بذكر وأنثى قيل : " وصلت أخاها فمنعته الذبح " و " الحام " ، كان الفحل إذا ركب من بني بنيه عشرة ، أو ولد ولده ، قيل : " حام حمى ظهره " ، فلم يزَمَّ ولم يخطم ولم يركب.
12839 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، فالبحيرة من الإبل ، كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، إن كان الخامس سقبًا ذبحوه فأهدوه إلى آلهتهم ، وكانت أمه من عُرْض الإبل. وإن كانت رُبَعة استحيوها ، (2) وشقوا أذن أمِّها ، وجزّوا وبرها ، وخلوها في البطحاء ، فلم تجُزْ لهم في دية ، ولم يحلبوا لها لبنًا ، ولم يجزّوا لها وبرًا ، ولم يحملوا على ظهرها ، وهي من الأنعام التي حرمت ظهورها وأما " السائبة " ، فهو الرجل يسيِّب من ماله ما شاء على وجه الشكر إن كثر ماله أو برأ من وَجع ، أو ركب ناقة فأنجح ، فإنه يسمي " السائبة " (3) يرسلها فلا يعرض لها أحدٌ من العرب إلا أصابته عقوبة في الدنيا وأما " الوصيلة " ، فمن الغنم ، هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة ، فكان آخر ذلك جديًا ، ذبحوه وأهدوه لبيت الآلهة ، وإن كانت عناقًا استحيوها ، (4) وإن كانت جديًا وعناقًا استحيوا الجدي من أجل العَناق ، فإنها وصيلة وصلت
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " فلا تمتنع " ، والصواب ما أثبت.
(2) " الربع " (بضم الراء وفتح الباء) : الفصيل الذي ينتح في الربيع ، وهو أول النتاح ، والأنثى " ربعة " .
(3) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " يسمى السائبة " ، وأرجح أن الصواب : " يسيب السائبة " ،
(4) " العناق " (بفتح العين) : الأنثى من ولد المعز.

(11/130)


أخاها وأما " الحام " ، فالفحل يضرب في الإبل عشرَ سنين ويقال : إذا ضرب ولد ولده قيل : " قد حمى ظهره " ، فيتركونه لا يمسُّ ولا ينحرُ أبدًا ، ولا يمنع من كلأ يريده ، وهو من الأنعام التي حُرِّمت ظهورها.
12840 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب في قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، قال : " البحيرة " من الإبل ، التي يمنح درّها للطواغيت (1) و " السائبة " من الإبل ، كانوا يسيِّبونها لطواغيتهم و " الوصيلة " ، من الإبل ، كانت الناقة تبتكر بأنثى ، ثم تثنى بأنثى ، (2) فيسمونها " الوصيلة " ، يقولون : " وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر " ، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو : يذبحونها ، الشك من أبي جعفر و " الحام " ، الفحل من الإبل ، كان يضربُ. الضرابَ المعدودة. (3) فإذا بلغ ذلك قالوا : " هذا حام ، قد حمى ظهره " ، فترك ، فسموه " الحام " قال معمر قال قتادة ، إذا ضرب عشرة.
12841 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : " البحيرة " من الإبل ، كانت الناقة إذا نُتِجت خمسة أبطن ، فإن كان الخامس ذكرًا ، (4) كان للرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى ، بتكوا آذانها ثم أرسلوها ، فلم ينحروا لها ولدًا ، ولم يشربوا لها لبنًا ، ولم يركبوا لها ظهرًا وأما " السائبة " ، فإنهم كانوا يسيِّبون بعض إبلهم ، فلا تُمنع حوضًا أن تشرع فيه ، ولا مرعًى أن ترتع فيه " والوصيلة " ، الشاة كانت إذا
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " يمنع " بالعين ، وصوابه بالحاء.
(2) في المطبوعة : " تبكر " ، والصواب من المخطوطة. ويقال : " ابتكرت الحامل " ، إذا ولدت بكرها ، و " أثنت " في الثاني ، و " ثلثت " في الثالث.
(3) في المطبوعة : " المعدود " بغير تاء في آخره ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.
(4) في المطبوعة : " فإن كان الخامس " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.

(11/131)


ولدت سبعة أبطن ، فإن كان السابع ذكرًا ، ذبح وأكله الرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى تركت.
12842 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سلمان ، عن الضحاك : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، أما " البحيرة " فكانت الناقة إذا نَتَجُوها خمسة أبطن نحروا الخامس إن كان سقبًا ، وإن كان رُبَعة شقُّوا أُذنها واستحيوها ، وهي " بحيرة " ، وأما السَّقب فلا يأكل نساؤهم منه ، وهو خالص لرجالهم ، فإن ماتت الناقة أو نَتَجوها ميْتًا ، فرجالهم ونساؤهم فيه سواءٌ ، يأكلون منه وأما " السائبة " ، فكان يسيِّب الرجل من ماله من الأنعام ، فيُهْمَل في الحمى ، فلا ينتفع بظهره ولا بولده ولا بلبنه ولا بشعره ولا بصوفه وأما " الوصيلة " ، فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحُوا السابع إذا كان جديًا ، وإن كان عناقًا استحيوه ، وإن كان جديًا وعناقًا استحيوهما كليهما ، وقالوا : " إن الجدي وصلته أخته ، فحرَّمته علينا " وأما " الحامي " ، فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده قالوا : " قد حمى هذا ظهره ، وأحرزه أولاد ولده " ، (1) فلا يركبونه ، ولا يمنعونه من حِمى شجر ، ولا حوض مَا شرع فيه ، وإن لم يكن الحوض لصاحبه. وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم : لا إن ركبوا ، ولا إن حملوا ، ولا إن حلبوا ، ولا إن نتجوا ، ولا إن باعوا. ففي ذلك أنزل الله تعالى ذكره : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة " ، إلى قوله : " وأكثرهم لا يعقلون " .
12843 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام " ، قال : هذا شيء كان يعمل به أهل الجاهلية ، (2) وقد ذهب. قال : " البحيرة " ، كان الرجل
__________
(1) في المطبوعة : " وأحرز أولاد ولده " ، صوابه من المخطوطة. " أحرزه " : صانه وحفظه ووقاه.
(2) في المطبوعة : " كانت تعمل به " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/132)


يجدع أذني ناقته ، ثم يعتقها كما يعتق جاريته وغلامه ، لا تحلب ولا تركب و " السائبة " ، يسيبها بغير تجديع و " الحام " إذا نتج له سبع إناث متواليات ، قد حمي ظهره ، ولا يركب ، ولا يعمل عليه و " الوصيلة " ، من الغنم : إذا ولدت سبع إناث متواليات ، حمت لحمها أن يؤكل.
12844 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا عبد الله بن يوسف قال ، حدثنا الليث بن سعد قال ، حدثني ابن الهاد ، عن ابن شهاب قال ، قال سعيد بن المسيب : " السائبة " التي كانت تسيَّب فلا يحمل عليها شيء و " البحيرة " ، التي يمنح دَرُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد (1) و " الوصيلة " ، الناقة البكر تبتكر أوّل نتاج الإبل بأنثى ، (2) ثم تثني بعد بأنثى ، وكانوا يسمُّونها للطواغيت ، يدعونها " الوصيلة " ، أنْ وصلت أخواتها إحداهما بالأخرى (3) " والحامي " ، فحل الإبل ، يضرب العَشْر من الإبل. فإذا نقضَ ضِرابه (4) يدعونه للطواغيت ، وأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئًا ، وسموه " الحامي " .
* * *
قال أبو جعفر : وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام ، فلا نعرف قومًا يعملون بها اليوم.
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " يمنع درها " ، والصواب ما أثبت.
(2) في المطبوعة والمخطوطة هنا " تبكر " ، وانظر ما سلف ص : 131 تعليق2.
(3) حذف في المطبوعة : " أخواتها " ، ولا ضرورة لحذفها ، فالكلام مستقيم.
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " نقص ضرابه " ، وهو لا معنى له ، والصواب : " نفض " بالنون والفاء والضاد. يقال " نفضت الإبل وأنفضت " : نتجت كلها. قال ذو الرمة : كِلاَ كَفْأَتَيهْا تُنْفِضَانِ ، وَلَمْ يَجِدْ ... لَهَا ثِيلَ سَقْبٍ في النِّتَاجَيْنِ لاَ مِسُ
يعني : أن كل واحد من الكفأتين (يعني النتاجين) تلقى ما في بطنها من أجنتها ، فتوجد إناثًا ليس فيها ذكر. وقوله : " نفض ضرابه " ، لم تذكر كتب اللغة هذه العبارة ، ولكن هذا هو تفسيرها : أن تلد النوق التي ضربها إناثًا متتابعات ليس بينهن ذكر ، كما سلف في الآثار التي رواها أبو جعفر.

(11/133)


فإذا كان ذلك كذلك وكانَ ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه (1) إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر ، ولا في الشرك ، نعرفه إلا بخبر ، (2) وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلافَ الذي ذكرنا ، فالصواب من القول في ذلك أن يقال : أما معاني هذه الأسماء ، فما بيّنا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية ، وأما كيفية عمل القوم في ذلك ، فما لا علم لنا به. وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا ، وغير ضائرٍ الجهلُ بذلك إذا كان المرادُ من علمه المحتاجُ إليه ، موصلا إلى حقيقته ، (3) وهو أن القوم كانوا يحرِّمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله ، (4)
اتباعًا منهم خطوات الشيطان ، فوبَّخهم الله تعالى ذكره بذلك ، وأخبرهم أن كل ذلك حلال. فالحرام من كل شيء عندنا ما حرَّم الله تعالى ذكره ورسوله صلى الله عليه وسلم ، بنصٍّ أو دليل ، والحلال منه ما حلله الله ورسوله كذلك. (5)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنيّ ب " الذين كفروا " في هذا الموضع ، والمراد بقوله : " وأكثرهم لا يعقلون " .
فقال بعضهم : المعنيّ ب " الذين كفروا " اليهود ، وب " الذين لا يعقلون " ، أهل الأوثان.
__________
(1) كان في المطبوعة : " لا توصل إلى عمله " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.
(2) السياق : " لا يوصل إلى عمله. . . إلا بخبر " .
(3) في المطبوعة : " موصلا إلى حقيقته " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب المعنى.
(4) في المطبوعة : " كانوا محرمين من أنعامهم " ، والجيد من المخطوطة.
(5) في المطبوعة : " ما أحله الله " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/134)


* ذكر من قال ذلك :
12845 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن دواد بن أبي هند ، عن محمد بن أبي موسى : " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " ، قال : أهل الكتاب " وأكثرهم لا يعقلون " ، قال : أهل الأوثان. (1)
* * *
وقال آخرون : بل هم أهل ملّة واحدة ، ولكن " المفترين " ، المتبوعون و " الذين لا يعقلون " ، الأتباع.
* ذكر من قال ذلك :
12846 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا خارجة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي في قوله : " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون " ، هم الأتباع وأما " الذين افتروا " ، فعقلوا أنهم افتروا. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن المعنيين بقوله : " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " ، الذين بحروا البحائر ، وسيَّبوا السوائب ، ووصلوا الوصائل ، وحموا الحوامي ، مثل عمرو بن لحي وأشكاله ممن سنّ لأهل الشرك السنن الرديئة ، وغيَّر دين الله دين الحق ، (3) وأضافوا إلى الله تعالى ذكره : أنه هو الذي حرّم ما حرّموا ، وأحلَّ ما أحلوا ، افتراءً على الله الكذب وهم يعلمون ، واختلاقًا عليه الإفك وهم يفهمون ، (4) فكذبهم الله تعالى ذكره في
__________
(1) الأثر : 12845 - " محمد بن أبي موسى " ، مضى برقم : 10556.
(2) في المطبوعة : " يعقلون أنهم افتروا " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " ممن سنوا لأهل الشرك ، . . . وغيروا " بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض ، لا يرده أنه قال بعده " وأضافوا " بالجمع.
(4) في المطبوعة : " وهم يعمهون " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(11/135)


قيلهم ذلك ، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا ، فقال تعالى ذكره : ما جعلت من بحيرة ولا سائبة ، ولكن الكفار هم الذين يفعلون ذلك ، ويفترون على الله الكذب.
(1) وأن يقال ، إن المعنيين بقوله : " وأكثرهم لا يعقلون " ، هم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين ، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم ، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون ، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله ، كذبةٌ في إخبارهم ، أفَكَةٌ ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون ، وفي إخبارهم صادقون. وإنما معنى الكلام : وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذي حرَّمه هؤلاء المشركون وأضافوه إلى الله تعالى ذكره كذب وباطل. (2) وهذا القول الذي قلنا في ذلك ، نظير قول الشعبي الذي ذكرنا قبلُ. (3) ولا معنى لقول من قال : " عني بالذي كفروا أهل الكتاب " ، وذلك أن النكير في ابتداء الآية من الله تعالى ذكره على مشركي العرب ، فالختم بهم أولى من غيرهم ، إذ لم يكن عرض في الكلام ما يُصرف من أجله عنهم إلى غيرهم.
* * *
وبنحو ذلك كان يقول قتادة :
12847 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وأكثرهم لا يعقلون " ، يقول : تحريمُ الشيطان الذي حرّم عليهم ، (4) إنما كان من الشيطان ، ولا يعقلون.
* * *
__________
(1) قوله : " وأن يقال " ، معطوف على قوله في أول الفقرة : " وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال. . . " .
(2) انظر تفسير " افترى " فيما سلف 6 : 292/8 : 451.
(3) في المطبوعة ، أسقط " قبل " ، لسوء كتابتهافي المخطوطة.
(4) في المطبوعة : " يقول : لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم " ، زاد وغير ، فأفسد الجملة إفسادًا ، وهو يظن أنه يصلحها.

(11/136)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)

القول في تأويل قوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيِّبون السوائب ؟ الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى ذكره يفترون على الله الكذب : تعالوا إلى تنزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله ، ليتبين لكم كذبُ قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريمكم ما تحرِّمون من هذه الأشياء (1) أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا : حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءَنا يعملون به ، ويقولون : " نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة ، وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم ، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل " . (2) قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أوَ لو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئًا ؟ يقول : لم يكونوا يعلمون أنّ ما يضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، كذبٌ وفريةٌ على الله ، لا حقيقة لذلك ولا صحة ، لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك ، افتراءً على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ذكره ما يضيفون ولا كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب ، (3) بل كانوا على ضلالة وخطأ.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " تعالوا " فيما سلف 6 : 474 ، 483 ، 485/8 : 513.
(2) انظر تفسير " حسب " فيما سلف 4 : 244/7 : 405.
(3) في المطبوعة : " ما كانوا فيما هم به عاملون " ، وفي المخطوطة : " كانوا " بغير " ما " ، والسياق يقتضي ما أثبت ، لأنه معطوف على قوله آنفاً : " يقول : لم يكونوا يعلمون. . . "

(11/137)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها ، واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ذكره ، وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها ، فإنه " لا يضركم من ضَلّ " ، يقول : لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق ، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم ، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله.
* * *
ونصب قوله : " أنفسكم " بالإغراء ، والعرب تغري من الصفات ب " عليك " و " عندك " ، و " دونك " ، و " إليك " . (1)
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم معناه : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم .
* ذكر من قال ذلك :
12848 - حدثنا سوار بن عبد الله قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا أبو الأشهب ، عن الحسن : أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم " ، فقال ابن مسعود : " ليس هذا بزمانها ، قولوها ما قُبلت منكم ، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم " . (2)
__________
(1) " الصفات " حروف الجر ، والظروف ، كما هو بين من سياقها. وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 322 ، 323.
(2) الأثر : 12848 - " سوار بن عبد الله بن سوار العنبري " ، القاضي ، شيخ الطبري. ثقة ، مترجم في التهذيب. وأبوه : " عبد الله بن سوار العنبري " القاضي ، ثقة. مترجم في التهذيب.
و " أبو الأشهب " هو : " جعفر بن حيان السعدي العطاردي " ، ثقة ، روي له الستة ، مضى برقم : 11408.
وسيأتي تخريج الأثر في التعليق على رقم : 12850.

(11/138)


12849 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن قال : ذكر عند ابن مسعود (1) " يا أيها الذين آمنوا " ، ثم ذكر نحوه.
12850 - حدثنا يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن قال : قال رجل لابن مسعود : ألم يقل الله : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم " ؟ قال : ليس هذا بزمانها ، قولوها ما قُبلت منكم ، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم. (2)
12851 - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا شبابة بن سوار قال ، حدثنا الربيع بن صبيح ، عن سفيان بن عقال قال : قيل لابن عمر : لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ، فإن الله تعالى ذكره يقول : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ؟ فقال ابن عمر : إنها ليست لي ولا لأصحابي ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا فليبلِّغ الشاهد الغائبَ " ، فكنَّا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَب ، (3) ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ، إن قالوا لم يقبل منهم. (4)
__________
(1) في المطبوعة : " ذكر ابن مسعود " ، بإسقاط " عند " ، والصواب من المخطوطة.
(2) في الأثر : 12848 - 12850 - خبر الحسن ، عن ابن مسعود ، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 19 ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح ، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من ابن مسعود " .
(3) " الغيب " (بفتح الغين والياء) جمع " غائب " ، مثل " خادم " و " خدم " .
(4) الأثر : 12851 - " الحسن بن عرفة العبدي البغدادي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 9373.
و " شبابة بن سوار الفزازي " ، مضى برقم : 37 ، 6701 ، 10051.
و " الربيع بن صبيح السعدي " ، مضى برقم : 6403 ، 6404 ، 10533.
و " سفيان بن عقال " ، مترجم في الكبير2/2/94 ، وابن أبي حاتم 2/1/219 ، وكلاهما قال : " روي عن ابن عمر ، روى عنه الربيع " ، ولم يزيدا.
وخرجه في الدر المنثور 2 : 340 ، وزاد نسبته لابن مردويه.

(11/139)


12852 - حدثنا أحمد بن المقدام قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أبي قال ، حدثنا قتادة ، عن أبي مازن قال : انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة ، فإذا قومٌ من المسلمين جلوس ، فقرأ أحدهم هذه الآية : " عليكم أنفسكم " ، فقال أكثرهم : لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم. (1)
12853 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن أبي مازن ، بنحوه. (2)
12854 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف ، عن سوّار بن شبيب قال ، كنت عند ابن عمر ، إذ أتاه رجل جليدٌ في العين ، شديد اللسان ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه ، (3) وكلهم مجتهد لا يألو ، وكلهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً ، (4) وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك! فقال رجل من القوم : وأيَّ دناءة تريد ، أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك! (5) قال : فقال الرجل : إني لستُ إيّاك أسأل ، أنا أسأل الشيخ! فأعاد على عبد الله
__________
(1) الأثر : 12852 ، 12853 - " أبو مازن الأزدي الحداني " ، كان من صلحاء الأزد ، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة ، عن صاحب له ، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44 . ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر " الرجل " الذي روى عنه قتادة ، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم : 12856 " عن قتادة ، عن رجل قال : كنت في خلافة عثمان بالمدينة " ، فهذا " الرجل " هو " أبو مازن " ، ولا شك. ثم يأتي في رقم : 12857 " عن قتادة ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد ، من بني الحدان " ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه ، ليس بينهما " رجل " كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.
(2) الأثر : 12852 ، 12853 - " أبو مازن الأزدي الحداني " ، كان من صلحاء الأزد ، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة ، عن صاحب له ، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم 4/2/44 . ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر " الرجل " الذي روى عنه قتادة ، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم : 12856 " عن قتادة ، عن رجل قال : كنت في خلافة عثمان بالمدينة " ، فهذا " الرجل " هو " أبو مازن " ، ولا شك. ثم يأتي في رقم : 12857 " عن قتادة ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد ، من بني الحدان " ، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه ، ليس بينهما " رجل " كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.
(3) في المطبوعة : " قد قرأوا " بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(4) في ابن كثير 3 : 259 ، رواه عن هذا الموضع من التفسير ، وزاد فيه هنا : " . . . أن يأتي دناءة ، إلا الخير " ، وليست في مخطوطتنا.
(5) في المطبوعة : " وأي دناءة تزيد " ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/140)


الحديث ، فقال عبد الله بن عمر : لعلك ترى لا أبا لك ، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم! (1) عظهم وانههم ، فإن عصوك فعليك بنفسك ، فإن الله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون " . (2)
12855 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن : أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال : إن هذا ليس بزمانها ، إنها اليوم مقبولة ، (3) ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال : فلا يقبل منكم فحينئذ : عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضلّ " . (4)
12856 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن رجل قال : كنت في خلافة عثمان بالمدينة ، في حلقة فيهم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه ، (5) فقرأ رجل : " عليكم
__________
(1) في المطبوعة ، وابن كثير : " فتقتلهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قديم.
(2) الأثر : 12854 - " سوار بن شبيب السعدي الأعرجي " ، و " بنو الأعرج " ، حي من بني سعد. و " الأعرج " هو " الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم " ، قطعت رجله يوم " تياس " ، فسمي " الأعرج " . وهو ثقة ، كوفي ، روى عن ابن عمر ، روى عنه عوف ، وعكرمة بن عمار. مترجم في الكبير 2/2/168 ، وابن أبي حاتم 2/1/270.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3 : 259 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 341 ، واقتصر على نسبته إلى ابن مردويه.
(3) قوله : " إنها اليوم مقبولة " ، يعني : كلمة الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) الأثر : 12855 - انظر التعليق على الآثار : 12848 - 12850.
وكان في المطبوعة هنا : " . . . من ضل إذا اهتديتم " ، بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.
(5) قوله : " يسندون إليه " أي : ينتهون إلى عمله ومعرفته وفقهه ، ويلجئون إليه في فهم ما يشكل عليهم. ويقال : " أسندت إليه أمري " ، أي : وكلته إليه ، واعتمدت عليه. وقال الفرزدق : إلَى الأَبْرَشِ الكَلْبِيّ أَسْنَدْتُ حَاجَةً ... تَوَاكَلَها حَيًّا تَمِيمٍ ووَائِلِ
وهذا كله مما ينبغي تقييده في كتب اللغة ، فهو فيها غير بين.

(11/141)


أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، فقال الشيخ : إنما تأويلها آخرَ الزمان.
12857 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحي الأزد من بني الحُدَّان ، (1) قال : انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة ، فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (2) فقرأ رجل من القوم هذه الآية " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال فقالَ رجلٌ من أسنِّ القوم : دَعْ هذه الآية ، فإنما تأويلها في آخر الزمان. (3)
12858 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا ابن فضالة ، عن معاوية بن صالح ، عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنّي لأصغر القوم ، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقلت أنا : أليس الله يقول في كتابه : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد وقالوا : أتنتزِع بآية من القرآن لا تعرفها ، (4) ولا تدري ما تأويلها!! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : " إنك غلام
__________
(1) في المطبوعة : " بني الجدان " بالجيم ، وهو خطأ.
(2) في المطبوعة : " فيها أصحاب رسول الله : ، وفي المخطوطة : " فيها من أصحاب رسول الله " ، فضرب بالقلم على " فيها " فأثبتها على الصواب.
(3) الأثران : 12856 ، 12857 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم : 12852 ، 12853.
(4) في المطبوعة : " تنزع بآية من القرآن " ، غير ما في المخطوطة ، وما غيره صواب.
ولكن يقال : " انتزع معنى جيدًا ، ونزعه " ، أي : استخرجه واستنبطه ويقال : " انتزع بالآية والشعر " ، أي : تمثل به.

(11/142)


حدَثُ السن ، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي ، وعسى أن تدرك ذلك الزمان ، إذا رأيت شحًّا مطاعًا ، وهوًى متبعًا وإعجابَ كل ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. (1)
12859 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هارون قال ، حدثنا إسحاق الرازي ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن عبد الله بن مسعود في قوله : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون " ، قال : كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا ، فكان بين رجلين ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه ، فقال رجل من جلساء عبد الله : ألا أقوم فآمرُهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر ؟ فقال آخر إلى جنبه : عليك بنفسك ، فإن الله تعالى يقول : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ! قال : فسمعها ابن مسعود فقال : مَهْ ، (2) لَمَّا يجئ تأويل هذه بعد! (3) إن القرآن أنزل حيث أنزل ، ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه ما وقع تأويلهن
__________
(1) الأثر : 12858 - " ابن فضالة " هو : " مبارك بن فضالة بن أبي أمية " ، أبو فضالة البصري. وفي تفسير ابن كثير : " حدثنا أبو فضالة " ، ومضى برقم : 154 ، 597 ، 611 ، 1901.
و " معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي " ، أحد الأعلام ، مضى مرارًا منها : 186 ، 187 ، 2072 ، 8472 ، 11255 ، ولم تذكر لمعاوية بن صالح ، رواية عن جبير بن نفير ، بل روى عنه ابنه عبد الرحمن بن جبير.
و " جبير بن نفير " إسلامي جاهلي ، مضى برقم : 6656 ، 7009.
وهذا الخبر منقطع الإسناد ، ونقله ابن كثير في تفسيره 3 : 260 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 340 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(2) " مه " ، هكذا في المطبوعة ، وابن كثير ، والدر المنثور و " مه " كلمة زجر بمعنى : كف عن هذا. وفي المخطوطة مكانها : " مهل " ، وأخشى أن تكون خطأ من الناسخ ، ولو كتب " مهلا " ، لكان صوابًا ، يقال : " مهلا يا فلان " أي : رفقًا وسكونًا ، لا تعجل.
(3) في المطبوعة : " لم يجئ " ، ومثلها في ابن كثير والدر المنثور ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/143)


على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومنه آيٌ وَقع تأويلهن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بيسير ، (1) ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي يقع تأويلهنّ عند الساعة على ما ذكر من الساعة ، (2) ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار ، (3) فما دامت قلوبكم واحدة ، وأهواؤكم واحدة ، ولم تُلبَسوا شيعًا ، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوب والأهواء ، وأُلبستم شيعًا ، وذاق بعضكم بأس بعض ، فامرؤ ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. (4)
12860 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن ابن مسعود : أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه ، ثم ذكر نحوه. (5)
12861 - حدثني أحمد بن المقدام قال ، حدثنا حرمي......... قال : سمعت الحسن يقول : تأوّل بعضُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فقال بعض
__________
(1) في المطبوعة : " آي قد وقع " بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " على ما ذكر من أمر الساعة " ، بزيادة " أمر " ، وفي المخطوطة أسقط الناسخ " على " ، وإثباتها هو الصواب.
(3) في المطبوعة : " من أمر الحساب " بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) الأثر : 12859 - " ليث بن هرون " ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.
و " إسحق الرازي " ، هو : " إسحق بن سليمان الرازي " ، مضى برقم : 6456 ، 102338 ، 11240. وانظر الإسناد الآتي رقم : 12866.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره 3 : 258 ، 259 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 339 ، 340 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، ونعيم بن حماد في الفتن ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.
وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.
(5) الأثر : 12860 - انظر الأثر السالف.

(11/144)


أصحابه : دعوا هذه الآية ، فليست لكم. (1)
12862 - حدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرّملي قال ، حدثنا أيوب بن سويد قال ، حدثنا عتبة بن أبي حكيم ، عن عمرو بن جارية اللخمي ، عن أبي أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، فقال : لقد سألت عنها خبيرًا ، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبا ثعلبة ، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، فإذا رأيت دنيا مؤثَرة ، وشحًّا مطاعًا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك نفسك! إنّ من بعدكم أيام الصبر ، (2) للمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملا! قالوا : يا رسول الله ، كأجر خمسين عاملا منهم ؟ قال : لا كأجر خمسين عاملا منكم. (3)
__________
(1) الأثر : 12861 - هذا إسناد ناقص لا شك في ذلك.
" أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي " ، أبو الأشعث. روى عنه البخاري والترمذي والنسائي ، وغيرهم. صالح الحديث. ولد في نحو سنة 156 ، وتوفي سنة 253.
و " حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي " ، مضى برقم : 8513. ومات سنة 201 ، ومحال أن يكون أدرك الحسن وسمع منه. فإن " الحسن البصري " مات في نحو سنة 110 فالإسناد مختل ، ولذلك وضعت بينه وبين الحسن نقطًا ، دلالة على نقص الإسناد.
(2) في المطبوعة : " أرى من بعدكم " ، والصواب من المخطوطة. وفي المخطوطة : " المتمسك " بغير لام الجر ، وكأن الصواب ما في المطبوعة.
(3) الأثر : 12862 - سيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.
" إسمعيل بن إسرائيل اللآل الرملي " ، مضى برقم : 10236 ، 12213 ، وذكرنا هناك أنه في ابن أبي حاتم " السلال " ، ومضى هناك " 10236 " الدلال " ، وجاء هنا " اللآل " ، صانع اللؤلؤ وبائعه ، ولا نجد ما يرجح واحدة من الثلاث.
و " أيوب بن سويد الرملي " ، ثقة متكلم فيه. مضى برقم : 12213.
و " عتبة بن أبي حكيم الشعباني الهمداني ، ثم الأردني " ، ثقة ، ضعفه ابن معين. مضى برقم : 12213.
و " عمرو بن جارية اللخمي " ، ثقة ، مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة " عمرو بن خالد " وهو خطأ محض. وفي المخطوطة كتب " خالد " ثم جعلها " جارية " ، وهو الصواب.
و " أبو أمية الثعباني " اسمه " يحمد " (بضم الياء وكسر الميم) وقيل : اسمه " عبد الله بن أخامر " . ثقة. مترجم في التهذيب.
و " أبو ثعلبة الخشني " اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. صحابي.
وسيأتي تخريجه في الذي يليه.

(11/145)


12863 - حدثنا علي بن سهل قال ، أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن ابن المبارك وغيره ، عن عتبة بن أبي حكيم ، [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، عن أبي أمية الشعباني قال : سألت أبا ثعلبة الخشني : كيف نَصنع بهذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ؟ فقال أبو ثعلبة : سألت عنها خبيرًا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا ، وهوًى متبعًا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بِخُوَيصة نفسك ، (1) وذَرْ عوامَّهم ، فإن وراءكم أيامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم. (2)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ بعده وهلك.
__________
(1) " خويصة " تصغير " خاصة " .
(2) الأثر : 12863 - " عتبة بن أبي حكيم " ، في المخطوطة : " عبدة بن أبي حكيم " ، وهو خطأ ظاهر.
وفي المخطوطة والمطبوعة ، أسقط : [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، فوضعتها بين قوسين.
وهذا هو نفسه إسناد الترمذي.
وهذا الخبر ، رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق سعيد بن يعقوب الطالقاني ، عن عبد الله بن المبارك ، عن عقبة بن أبي حكيم ، بنحو لفظه هنا. ثم قال الترمذي : " قال عبد الله بن المبارك : وزادني غير عتبة قيل : يا رسول الله ، أجر خمسين رجلا منا أو منهم ؟ قال : لا ، بل أجر خمسين رجلا منكم " . ثم قال الترمذي : " هذا حديث حسن غريب " .
وأخرجه ابن ماجه في سننه رقم : 4014 من طريق هشام بن عمار ، عن صدقة بن خالد ، عن عتبة بن أبي حكيم ، بنحو لفظه.
ورواه أبو داود في سننه 4 : 174 ، رقم : 4341 ، من طريق أبي الربيع سليمان بن داود العتكي ، عن ابن المبارك ، بمثله.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 258 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 339 ، وزاد نسبته إلى البغوي في معجمه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب ، والحاكم في المستدرك وصححه.

(11/146)


* ذكر من قال ذلك :
12864 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَ " ، يقول : إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام ، فلا يضره من ضل بعدُ ، إذا عمل بما أمرته به.
12865 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، يقول : أطيعوا أمري ، واحفظوا وصيَّتي.
12866 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هارون قال ، حدثنا إسحاق الرازي ، عن أبي جعفر الرازي ، عن صفوان بن الجون قال : دخل عليه شابّ من أصحاب الأهواء ، فذكر شيئًا من أمره ، فقال صفوان : ألا أدلك على خاصة الله التي خصَّ بها أولياءه ؟ " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل " ، الآية. (1)
12867 - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال ، حدثنا أبو المطرف المخزومي قال ، حدثنا جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، ما لم يكن سيف أو سوط. (2)
__________
(1) الأثر : 12866 - " ليث بن هرون " ، لم أجده ، وانظر الإسناد السالف رقم 12859.
و " إسحق " ، هو : " إسحق بن سليمان الرازي " ، وانظر رقم : 12859.
وأما " صفوان بن الجون " ، فهو هكذا في المخطوطة أيضًا ، ولم أجد له ترجمة. وفي الدر المنثور 2 : 341 ، " عن صفوان بن محرز " ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.
و " صفوان بن محرز بن زياد المازني ، أو الباهلي " . روى عن ابن عمر ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري. روى عنه جامع بن شداد ، وعاصم الأحول ، وقتادة. كان من العباد ، اتخذ لنفسه سربًا يبكي فيه. مات سنة 74 ، مترجم في التهذيب. ومضى برقم : 6496.
(2) الأثر : 12867 - " عبد الكريم بن أبي عمير " ، مضى برقم : 7578 ، 11368 و " أبو المطوف المخزومي " ، لم أجد له ذكرًا.

(11/147)


12868 - حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال ، تلا الحسن هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فقال الحسن : الحمد لله بها ، والحمد لله عليها ، ما كان مؤمن فيما مضى ، ولا مؤمن فيما بقي ، إلا وإلى جانبه منافق يكرَه عمله. (1)
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، فاعملوا بطاعة الله " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، فأمرتم بالمعروف ، ونهيتم عن المنكر.
* ذكر من قال ذلك :
12869 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ، عن سعد البقال ، عن سعيد بن المسيب : " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال : إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
12870 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن أبي العميس ، عن أبي البختري ، عن حذيفة : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال : إذا أمرتم ونهيتم.
12871 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن ابن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال ، قال أبو بكر : تقرءون هذه الآية : " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن الناس إذا رأوا الظالم قال ابن وكيع فلم يأخذوا على يديه ، أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. (2)
__________
(1) الأثر : 12868 - " ضمرة بن ربيعة الفلسطيني الرملي " ، ثقة ، مضى برقم : 7134. وكان في المطبوعة : " مرة بن ربيعة " ، لم يحسن قراءة المخطوطة.
وهذه الكلمة التي قالها الحسن ، لو خفيت على الناس قديمًا ، فإن مصداقها في زماننا هذا يراه المؤمن عيانًا في حيث يغدو ويروح.
(2) الأثر : 12871 - خبر قيس بن أبي حازم ، عن أبي بكر ، رواه أبو جعفر بأسانيد ، من رقم : 12871 - 12878 ، موقوفًا على أبي بكر ، إلا رقم : 12876 ، 12878 ، فرواهما متصلين مرفوعين ، وإلا رقم : 12874 ، فهو مرسل. وأكثر طرق أبي جعفر طرق ضعاف.
ورواه من طريق " إسمعيل بن أبي خالد " ، عن قيس بن أبي حازم برقم : 12871 ، 12873. فمن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده رقم : 1 ، 16 ، 29 ، 30 ، 53 ، متصلا مرفوعًا. وقال ابن كثير في تفسيره 3 : 258 : " وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة ، وابن حبان في صحيحه ، وغيرهم ، من طرق كثيرة ، عن جماعة كثيرة ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، به متصلا مرفوعًا. ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره " .
و " إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي " ، ثقة. مضى برقم : 5694 ، 5777.
و " قيس بن أبي حازم الأحمسي " ، ثقة ، روى له الستة ، روى عن جماعة من الصحابة ، وهو متقن الرواية. مترجم في التهذيب.
وهذا إسناد صحيح.

(11/148)


12872 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير وابن فضيل ، عن بيان ، عن قيس قال ، قال أبو بكر : إنكم تقرءون هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، يعمُّهم الله بعقابه. (1)
12873 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن أبي بكر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه.
12874 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، يقول : مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، قال أبو بكر بن أبي قحافة : يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله : " عليكم أنفسكم " ، فيقول أحدكم : عليَّ نفسي ، والله لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر ، أو ليَستعملن عليكم شراركم ، فليسومنّكم سوء العذاب ، ثم ليدعون الله خياركم ، فلا يستجيب لهم.
__________
(1) الأثر : 12872 - " ابن فضيل " هو : " محمد بن فضيل بن غزوان الضبي " ، مضى مرارًا كثيرة.
و " بيان " هو : " بيان بن بشر الأحمسي " ، ثقة ، مضى برقم 6501.
وقد مضى تخريج الخبر في الذي قبله ، وسيأتي من هذه الطريق أيضًا برقم : 12875.
وهو إسناد صحيح.

(11/149)


12875 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا ابن فضيل قال ، حدثنا بيان ، عن قيس بن أبي حازم قال ، قال أبو بكر وهو على المنبر : يا أيها الناس ، إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها : " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، عَمَّهم الله بعقابه.
12876 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثني عيسى بن المسيب البجلي قال ، حدثنا قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه ، والظالم فلم يأخذوا على يديه ، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب. (1)
12877 - حدثنا الربيع قال ، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا سعيد بن سالم قال ، حدثنا منصور بن دينار ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن قيس بن أبي حازم قال : صَعد أبو بكر المنبرَ منبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس ، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدُّونها رُخصة ، والله ما أنزل الله في كتابه أشدَّ منها : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ،
__________
(1) الأثر : 12876 - " الحارث " هو : " الحارث بن محمد بن أبي أسامة " ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 10553 ، وترجمته في رقم : 10295.
و " عبد العزيز " ، هو : " عبد العزيز بن أبان الأموي " ، مضت ترجمته برقم : 10295 ، قال ابن معين : " كذاب خبيث ، يضع الأحاديث " .
و " عيسى بن المسيب البجلي " ، قاضي الكوفة. وكان شابًا ولاه خالد بن عبد الله القسري. ضعيف متكلم فيه ، حتى قال ابن حبان : " كان قاضي خراسان ، يقلب الأخبار ، ولا يفهم ، ويخطئ ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به " . مترجم في ابن أبي حاتم 3/1/288 ، وميزان الاعتدال 2 : 317 ، وتعجيل المنفعة : 328 ، ولسان الميزان 4 : 405.
فهذا إسناد هالك ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبي بكر.

(11/150)


أو ليعمنكم الله منه بعقاب. (1)
12878 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا إسحاق بن إدريس قال ، حدثنا سعيد بن زيد قال ، حدثنا مجالد بن سعيد ، عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس : يا أيها الناس ، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي ؟ : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه ، عمّهم الله بعقاب. (2)
* * *
وقال آخرون : بل معنى هذه الآية : لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب.
__________
(1) الأثر : 12877 - " أسد بن موسى المرداني " ، " أسد السنة " ، مضى برقم : 23 ، 2530.
و " سعيد بن سالم القداح " ، متكلم فيه ، وثقه ابن معين ، غير أن ابن حبان قال : " يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به " . مترجم في التهذيب.
و " منصور بن دينار التميمي الضبي " ، ضعفوه. مترجم في الكبير 4/ 1/ 347 ، وابن أبي حاتم 4/1/171 ، وميزان الاعتدال 3 : 201 ، وتعجيل المنفعة : 412 ، ولسان الميزان 6 : 95.
و " عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد " ، ثقة ، من صغار التابعين مضى برقم : 503 ، 504
فهذا خبر ضعيف الإسناد ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبي بكر.
(2) الأثر : 12878 - " محمد بن بشار " ، هو " بندار " ، مضى مئات من المرات. وكان في المطبوعة هنا " محمد بن سيار " ، أساء قراءة المخطوطة.
" وإسحق بن إدريس الأسواري البصري " ، منكر الحديث ، تركه الناس ، قال ابن معين : " كذاب ، يضع الحديث " . وقال ابن حبان : " كان يسرق الحديث " . مترجم في الكبير 1/1/382 ، وابن أبي حاتم 1/1/213 ، وميزان الاعتدال 1 : 86 ، ولسان الميزان 1 : 352.
و " سعيد بن زيد بن درهم الجهضمي " ، ثقة ، متكلم فيه ، حتى ضعفوا حديثه. مضى برقم : 11801.
و " مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني " ، قال أحمد : " يرفع حديثًا لا يرفعه الناس " ، وهو ثقة ، متكلم فيه. ومضى برقم : 1614 ، 2987 ، 2988 ، 11156.
وهذا أيضًا إسناد ضعيف.

(11/151)


* ذكر من قال ذلك :
12879 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله : " لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " ، قال : يعني من ضلّ من أهل الكتاب.
12880 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية : " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، قال : أنزلت في أهل الكتاب.
* * *
وقال آخرون : عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق.
* ذكر من قال ذلك :
12881 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل إذا اهتديتم " ، قال : كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفَّهت آباءك وضللتهم ، وفعلت وفعلت ، وجعلت آباءك كذا وكذا! كان ينبغي لك أن تنصرهم ، وتفعل!
فقال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم " .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية ، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها ، وهو : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به ، وانتهوا عما نهاكم الله عنه " لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " ، يقول : فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله ، (1) وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم
__________
(1) في المطبوعة : " إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله " ، وهو لا معنى له ، أساء قراءة ما في المخطوطة ، لسوء كتابتها.

(11/152)


الله به فيه ، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه ، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك ، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله ، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب ، لأن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط ، ويتعاونوا على البر والتقوى. ومن القيام بالقسط ، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى ، الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس تركُ ذلك ، لم يكن للأمر به معنًى ، إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تركَ ذلك ، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة ، فيكون مرخصًا له تركه ، إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه.
وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى ، فبيِّنٌ أنه قد دخل في معنى قوله : " إذا اهتديتم " ، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك : " إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر " ، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده : اعملوا ، أيها المؤمنون ، بما أمرتكم به ، وانتهوا عما نهيتكم عنه ، ومروا أهل الزَّيغ والضلال وما حاد عن

(11/153)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)

سبيلي بالمعروف ، وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا ، فلهم ولكم ، وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم ، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم ، (1) وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر ، فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا ، (2) ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه ، فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به : " يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم " ، يقول : ليشهد بينكم " إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية " ، يقول : وقت الوصية " اثنان ذوا عدل منكم " ، يقول : ذوا رشد وعقل وحِجًى من المسلمين ، (3) كما : -
12882 - حدثنا محمد بن بشار وعبيد الله بن يوسف الجبيري قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب في قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [سورة الطلاق : 2] ، قال : ذَوَي عقل. (4)
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " ذوا عدل منكم " .
فقال بعضهم : عنى به : من أهل ملتكم.
__________
(1) انظر تفسير " المرجع " فيما سلف 6 : 464/10 : 391 ، تعليق : 2.
(2) انظر تفسير " أنبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).
(3) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(4) الأثر : 12882 - " عبيد الله بن يوسف الجبيري " ، " أبو حفص البصري " ، شيخ الطبري ، ثقة. روي له ابن ماجه. مترجم في التهذيب. وفي المخطوطة : " عبد الله بن يوسف " ، وهو خطأ. ومضى في رقم : 109 ، ولم يترجم هناك.
وهذا الخبر في تفسير الآية الثانية من " سورة الطلاق " ، ولم يذكره أبو جعفر هناك في تفسير الآية. فهذا من ضروب اختصاره تفسيره.

(11/154)


* ذكر من قال ذلك :
12883 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب قال : شاهدان " ذوا عدل منكم " ، من المسلمين.
12884 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم " ، من المسلمين.
12885 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال : اثنان من أهل دينكم.
12886 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : سألته ، عن قول الله تعالى ذكره : " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال : من الملة.
12887 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، بمثله إلا أنه قال فيه : من أهل الملة.
12888 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن هشام ، عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : " اثنان ذوا عدل منكم " ، قال : من أهل الملة.
12889 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، مثله.

(11/155)


12890 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن هشام ، عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة ، فذكر مثله.
12891 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي ، عن حماد ، عن ابن أبي نجيح وقال ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، مثله.
12892 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " ذوا عدل منكم " ، قال : ذوا عدل من أهل الإسلام.
12893 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ذوا عدل منكم " ، قال : من المسلمين.
12894 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان سعيد بن المسيب يقول : " اثنان ذوا عدل منكم " ، أي : من أهل الإسلام.
* * *
وقال آخرون : عنى بذلك : ذوا عدل من حَيِّ الموصِي. وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
* * *
واختلفوا في صفة " الاثنين " اللذين ذكرهما الله في هذه الآية ، ما هي ، وما هما ؟
فقال بعضهم : هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي.
* * *
وقال آخرون : هما وصيان.
* * *
وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان. قولَه : " شهادة بينكم " ، ليشهد شاهدان

(11/156)


ذوا عدل منكم على وصيتكم.
* * *
وتأويل الذين قالوا : " هما وصيان لا شاهدان " قولَه : " شهادة بينكم " ، بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريضُ ، من قولك : " شهدت وصية فلان " ، بمعنى حضرته. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بقوله : " اثنان ذوا عدل منكم " ، تأويلُ من تأوّله بمعنى أنهما من أهل الملة ، دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن الله تعالى ذكره ، عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " فغير جائز أن يصرف ما عمَّه الله تعالى ذكره إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون العائدُ من ذكره على العموم ، (2) كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم.
* * *
وأولى المعنيين بقوله : " شهادة بينكم " اليمين ، لا " الشهادة " التي يقوم بها مَنْ عنده شهادة لغيره ، لمن هي عنده ، على مَن هي عليه عند الحكام. (3) لأنا لا نعلم لله تعالى ذكره حكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين ، فيكون جائزًا صرفُ " الشهادة " في هذا الموضع ، إلى " الشهادة " التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة.
__________
(1) انظر تفسير " شهد " فيما سلف من فهارس اللغة ، واختلاف معانيها.
(2) في المطبوعة : " من ذكرهم " ، وما في المخطوطة صواب محض.
(3) كان صدر هذه العبارة في المخطوطة : " شهادة بينكم ، لأن الشهادة . . . " ، أسقط لفظ " اليمين " ، وجعل " لا الشهادة " ، " لأن الشهادة " ، وهو فاسد ، والذي في المطبوعة هو الصواب المحض إن شاء الله ، وهو مطابق لما رواه القرطبي في تفسيره 6 : 348 ، عن أبي جعفر الطبري.

(11/157)


وفي حكم الآية في هذه ، اليمينَ على ذوي العدل وعلى من قام مقامهم ، باليمين بقوله (1) " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك ، من أن " الشهادة " فيه : الأيمان ، دون الشهادة التي يقضَى بها للمشهود له على المشهود عليه وفسادِ ما خالفه.
* * *
فإن قال قائل : فهل وجدتَ في حكم الله تعالى ذكره يمينًا تجب على المدَّعي ، فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة ؟
فإن قلتَ : " لا " ، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت ، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله : " فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما " ، هما المدعيين.
وإن قلت : " بلى " ، قيل لك : وفي أيّ حكم لله تعالى ذكره وجدتَ ذلك ؟ قيل : وجدنا ذلك في أكثر المعاني. وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالا فيقرّ به المدّعَى عليه قِبَله ذلك ، ويدّعي قضاءه. فيكون القول قول ربّ الدين (2)
والرجل يعرّف في يد الرجل السلعةَ ، فيزعم المعرّف في يده أنه اشتراها من المدّعِي ، أو أنّ المدعي وهبها له ، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجبَ الله تعالى ذكره في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الخائنين فيما خانا فيه. (3)
__________
(1) في المطبوعة هنا " في اليمين بقوله " غير ما في المخطوطة ، وأفسد الكلام. والسياق " وفي حكم الآية . . . باليمين . . . أوضح الدليل . . . " .
(2) قوله : " والرجل يعترف " ، معطوف على قوله : " في حكم الرجل . . . . " . وكان في المطبوعة هنا " والرجل يعترف . . . فيزعم المعترفة " ، وهو خطأ ، وصوابه ما أثبت كما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " . . . على الجانبين فيما جنيا فيه " ، وهو لا معنى له هنا. وفي المخطوطة : " على الجانبين فيما صاهما فيه " ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/158)


قال أبو جعفر : واختلف أهل العربية في الرافع قولَه : " شهادة بينكم " ، وقولَه : " اثنان ذوا عدل منكم " .
فقال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : " شهادة بينكم " ، شهادة اثنين ذوي عدل ، ثم ألقيت " الشهادة " ، وأقيم " الاثنان " مقامها ، فارتفعا بما كانت " الشهادة " به مرتفعة لو جعلت في الكلام. (1) قال : وذلك في حذف ما حذف منه ، وإقامة ما أقيم مقام المحذوف نظيرُ قوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف : 82] ، وإنما يريد : واسأل أهل القرية ، وانتصبت " القرية " بانتصاب " الأهل " ، وقامت مقامه ، ثم عطف قوله : " أو آخران " على " الاثنين " .
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة : رفع " الاثنين " ب " الشهادة " ، أي : ليشهدكم اثنان من المسلمين ، أو آخران من غيركم.
* * *
وقال آخر منهم : رفعت " الشهادة " ، ب " إذا حضر " . وقال : إنما رفعت بذلك ، لأنه قال : " إذا حضر " فجعلها " شهادة " محذوفة مستأنفة ، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق ، لأنه قال تعالى ذكره : " أو آخران من غيركم " ، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال ، وليست مما يثبت. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : " الشهادة " مرفوعة بقوله : " إذا حضر " ، لأن قوله : " إذا حضر " ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " بما كانت الشاهدة به مرتفعة " ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما أثبت.
(2) في المطبوعة : " مما ثبت " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/159)


بمعنى : عند حضور أحدكم الموت ، و " الاثنان " مرفوع بالمعنى المتوهَّم ، وهو : أن يشهد اثنان فاكتفي من قيل : " أن يشهد " ، بما قد جرى من ذكر " الشهادة " في قوله : " شهادة بينكم " .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن " الشهادة " مصدر في هذا الموضع ، و " الاثنان " اسم ، والاسم لا يكون مصدرًا. غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. (1) فالأمر وإن كان كذلك ، فصرْفُ كل ذلك إلى أصح وُجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين : ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت ، عدلان من المسلمين ، أو آخران من غير المسلمين.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " أو آخران من غيركم " .
فقال بعضهم : معناه : أو آخران من غير أهل ملتكم ، نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك :
12859 - حدثنا حميد بن مسعدة وبشر بن معاذ قالا (2) حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب.
__________
(1) " الأفعال " : المصادر. وانظر فهارس المصطلحات فيما سلف.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " يونس بن معاذ " ، وهو خطأ محض. و " بشر بن معاذ " عن يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة " إسناد دائر في أكثر صفحات هذا التفسير.

(11/160)


12896 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة قال ، سمعت قتادة يحدث ، عن سعيد بن المسيب : " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب.
12897 - حدثني أبو حفص الجبيري ، عبيد الله بن يوسف قال ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، مثله. (1)
12898 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد ، مثله.
12899 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسليمان التيمي ، عن سعيد بن المسيب ، أنهما قالا في قوله : " أو آخران من غيركم " ، قالا من غير أهل ملتكم.
12900 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة قال ، حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول ، مثل ذلك.
12901 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا التيمي ، عن أبي مجلز قال : من غير أهل ملتكم.
12902 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، مثله.
12903 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أشهدهم ، وإلا أشهد رجلين من المشركين.
12904 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو قتيبة قال ، حدثنا هشيم ، عن المغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير في قوله : " أو آخران من غيركم " ، قالا
__________
(1) الأثر : 12897 - " أبو حفص الجبيري " ، " عبيد الله بن يوسف " ، مضى قريبًا رقم : 12882.

(11/161)


من غير أهل ملتكم. (1)
12905 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد : " أو آخران من غيركم " ، قال : من أهل الكتاب.
12906 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا محمد بن سواء قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، مثله. (2)
12907 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، مثله.
12908 - حدثنا عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم " ، من المسلمين ، فإن لم تجدوا من المسلمين ، فمن غير المسلمين.
12909 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عامر ، عن شريح في هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال : إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته ، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا ، فشهادتهم جائزة. (3) فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما ، أجيزت شهادة المسلمين ، وأبطلت شهادة الآخرَيْن. (4)
__________
(1) الأثر : 12904 - " أبو قتيبة " هو " سلم بن قتيبة الشعيري الفريابي " . مضى برقم : 1899 ، 1924 ، 6395 ، 9714. وكان في المطبوعة : " قتيبة " ، غير كنية ، والصواب من المخطوطة.
(2) الأثر : 12906 - " عمرو " هو " عمرو بن علي الفلاس " ، مضى مرارًا.
و " محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري " . صدوق ، ثقة ، متكلم فيه. مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة : " محمد بن سوار " وهو خطأ ، وفي المخطوطة : " محمد بن سوا " ، وأساء الناشر قراءته.
(3) في المطبوعة : " فشهادتها " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وسيأتي كذلك في رقم : 12974.
(4) الأثر : 12909 - في المخطوطة والمطبوعة : " حدثني المثنى " . والصواب ما أثبته ، وسيأتي هذا الخبر في موضعين بهذا الإسناد على الصواب ، وذلك رقم : 12943 ، 12974 ، ولذلك رددته إلى الصواب.

(11/162)


12910 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح : أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية ، ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفَر.
12911 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي والنصرانيّ إلا في سفر ، ولا تجوز في سفر إلا في وصية. (1)
12912 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن شريح ، نحوه.
12913 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كتب هشام بن هُبَيرة لمسلمة عن شهادة المشركين على المسلمين ، فكتب : " لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية ، ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرًا " .
12914 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أشهب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : سألته عن قول الله تعالى ذكره : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير الملة.
12915 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، بمثله.
12916 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن هشام ، عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة ، عن ذلك فقال : من غير أهل الملة.
12917 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن هشام ، عن ابن
__________
(1) في المطبوعة : " اليهود والنصارى " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/163)


سيرين ، عن عبيدة قال : من غير أهل الصلاة.
12918 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : من غير أهل دينكم.
12919 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : من غير أهل الملة.
12920 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا أبو حرّة ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير أهل ملتكم.
12921 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال ، حدثنا هشام بن محمد قال ، سألت سعيد بن جبير عن [ قول الله : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير أهل ملتكم] . (1)
12922 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
12923 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : من غير أهل ملتكم.
12924 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " أو آخران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام.
12925 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، قال أبو إسحاق : " أو آخران من غيركم " ، قال : من اليهود والنصارى قال
__________
(1) الأثر : 12921 - انتهى هذا الأثر في المخطوطة عند قوله : " . . . سعيد بن جبير عن " ووضع الناسخ في المخطوطة حرف (ط) بالأحمر في الهامش ، دلالة على الخطأ والشك. أما المطبوعة ، فزادت ما وضعته بين القوسين ، وهو صواب في المعنى إن شاء الله.

(11/164)


قال شريح : لا تجوز شهادة اليهوديّ والنصراني إلا في وصية ، ولا تجوز في وصية إلا في سفر.
12926 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا ، عن الشعبي : أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقوقَا هذه. (1) قال : فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهده رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعريّ فأخبراه ، وقدِما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأحلفهما وأمضى شهادتهما. (2)
12927 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة ، عن مغيرة الأزرق ، عن الشعبي : أن أبا موسى قضى بها بدَقوقَا.
12928 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عثمان بن الهيثم قال ، حدثنا عوف ، عن محمد : أنه كان يقول في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، شاهدان من المسلمين وغير المسلمين.
12929 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " أو آحران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام.
12930 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، أخبرنا أبو حفص ، عن ليث ، عن مجاهد قال : من غير أهل الإسلام.
__________
(1) " دقوقا " و " دقوقاء " ، مقصورًا وممدودًا ؛ مدينة بين إربل وبغداد معروفة ، لها ذكر في الأخبار والفتوح ، كان بها وقعة للخوارج ، وكثر ذكرها في بعض أشعار الخوارج.
وكان في المطبوعة : " . . . بدقوقا ، ولم يجد أحدًا من المسلمين " ، حذف ما أثبته من المخطوطة.
وأساء. وظاهر من الخبر أن الشعبي قال هذا ، وهو يومئذ بدقوقا. وهو أيضًا ثابت في سنن أبي داود.
(2) الأثر : 12926 - رواه أبو داود في سننه 3 : 417 رقم : 3605 .

(11/165)


12931 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني عبد الله بن عياش قال : قال زيد بن أسلم في هذه الآية : " شهادة بينكم " الآية كلها ، قال : كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام ، وذلك في أوّل الإسلام ، والأرض حرب ، والناس كفار ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة ، وكان الناس يتوارثون بالوصية ، ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض ، وعمل المسلمون بها. (1)
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو آخران من غير حَيِّكم وعشيرتكم.
* ذكر من قال ذلك :
12932 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم قال ، حدثنا عوف ، عن الحسن في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال : شاهدان من قومكم ومن غير قومكم. (2)
12933 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري قال : مضت السُّنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر ، إنما هي في المسلمين. (3)
12934 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : " اثنان ذوا عدل منكم " ، أي : من عشيرته " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير عشيرته.
__________
(1) الأثر : 12931 - " عبد الله بن عياش بن عباس القتباني " ، " أبو حفص " المصري. مضى برقم : 12177. وكان في المطبوعة : " عبد الله بن عباس " ، وهو خطأ ، وهو على الصواب في المخطوطة.
(2) الأثر : 12932 - " عثمان بن الهيثم بن الجهم بن عيسى العصري العبدي " ، وهو " الأشج العصري " ثقة. علق عنه البخاري. يروي عن عوف الأعرابي ، مترجم في التهذيب.
(3) الأثر : 12933 - " صالح بن أبي الأخضر اليمامي " ، خادم الزهري ، مضى برقم : 9312.

(11/166)


12935 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن ثابت بن زيد ، عن عاصم ، عن عكرمة : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير أهل حيِّكم.
12936 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي ، عن ثابت بن زيد ، عن عاصم ، عن عكرمة : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير حيكم.
12937 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا ثابت بن زيد ، عن عاصم الأحول ، عن عكرمة في قول الله تعالى ذكره : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير أهل حيه يعني : من المسلمين.
12938 - حدثني الحارث بن محمد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك ، عن الحسن : " أو آخران من غيركم " ، قال : من غير عشيرتك ، ومن غير قومك ، كلهم من المسلمين.
12939 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قوله : " أو آخران من غيركم " ، قال : مسلمين من غير حيكم.
12940 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني عقيل قال : سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى ذكره : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " ، إلى قوله : " والله لا يهدي القوم الفاسقين " ، قلت : أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله ، من غير أهل المرء الموصي ، أهما من المسلمين ، أم هما من أهل الكتاب ؟ وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما ، أتراهما من [غير] أهل المرء الموصي ، (1) أم هما من غير
__________
(1) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها. وفي المخطوطة كما كانت في المطبوعة ، إلا أن الناسخ وضع في الهامش علامة الشك ، وهي هكذا (1) ، فأثبت الصواب إن شاء الله.

(11/167)


المسلمين ؟ قال ابن شهاب : لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أئمة العامة ، سنة أذكرها ، وقد كنا نتذاكرها أناسًا من علمائنا أحيانًا ، فلا يذكرون فيها سُنة معلومة ، ولا قضاءً من إمام عادل ، ولكنه يختلف فيها رأيهم. وكان أعجبهم فيها رأيًا إلينا ، الذين كانوا يقولون : هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين ، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ، ويغيب عنه بعضهم ، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى ، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضرُوا من وصية. فإن سلّموا جازت وصيته ، وإن ارتابوا أن يكونوا بدَّلوا قولَ الميت ، وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء ، حَلَف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة ، وهي صلاة المسلمين ، فيقسمان بالله : " إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين " . فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ، ما لم يعثر على أنهما [استحقا إثمًا في شيء من ذلك ، فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا في شيء من ذلك ] ، (1) قام آخران مقامهما من أهل الميراث ، من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأوَّلان المستحلفان أول مرة ، فيقسمان بالله لشهادتنا [ أحق من شهادتكما] ، (2) على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به " وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين " " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم " ، الآية.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب ، تأويل من تأوّله : أو آخران من غير أهل الإسلام. وذلك أن الله تعالى عرَّف عباده المؤمنين عند
__________
(1) هذه الجملة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ، ووضع في المطبوعة مكانها : " فإن عثر " ، واقتصر على ذلك ، واستظهرت الجملة من سياق أبي جعفر.
(2) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من الآية والسياق.

(11/168)


الوصية ، شهادة اثنين من عدول المؤمنين ، أو اثنين من غير المؤمنين. ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم ، أو رجلين من غير عشيرتكم ، وإنما يقال : صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين.
فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام ، فغير جائز صرف معنى كلام الله تعالى ذكره إلا إلى أحسن وجوهه. (1)
وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى : " ذوا عدل منكم " ، إنما هو من أهل دينكم وملتكم ، بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه.
وإذ صح ذلك بما دللنا عليه ، فمعلوم أن معنى قوله : " أو آخران من غيركم " ، إنما هو : أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك ، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا ، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَيْ وثَن ، أو على أي دين كانا. لأنّ الله تعالى ذكره لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دونَ ملة ، بعد أن يكونا من [غير] أهل الإسلام. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين : صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ وقتَ الوصية ، أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم ، أيها المؤمنون ، أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم ، إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " صرف مغلق كلام الله " ، وفي المخطوطة : " معلق " ، وصواب قراءتها " معنى "
(2) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، وإلا فسد الكلام.

(11/169)


وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر : " الضارب في الأرض " . (1)
" فأصابتكم مصيبة الموت " ، يقول : فنزل بكم الموت. (2)
* * *
ووجَّه أكثر التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير ، وقالوا : معناه : شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ، اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا ، فإن لم يوجدا فآخران من غيركم وإنما فعل ذلك من فعله ، لأنه وجَّه معنى " الشهادة " في قوله : " شهادة بينكم " ، إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيامَ صاحبها عند الحاكم ، أو يُبطلها. * ذكر بعض من تأول ذلك كذلك :
12941 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر في قوله : " ذوا عدل منكم " ، من المسلمين. فإن لم تجدوا من المسلمين ، فمن غير المسلمين.
12942 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب في قوله : " اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال : اثنان من أهل دينكم " أو آخران من غيركم " ، من أهل الكتاب ، إذا كان ببلادٍ لا يجد غيرهم.
12943 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عامر ، عن شريح في هذه الآية : " شهادة بينكم " إلى قوله : " أو آخران من غيركم " ، قال : إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته ، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا ، أو مجوسيًّا ، فشهادتهم جائزة.
__________
(1) انظر تفسير " الضرب في الأرض " فيما سلف 5 : 593/7 : 332/9 : 123.
(2) انظر تفسير " الإصابة " فيما سلف 8 : 514 ، 538 ، 555/10 : 393 ، 404

(11/170)


12944 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " ، قال : هذا في الحضر " أو آخران من غيركم " ، في السفر " إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، هذا ، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين ، (1) فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما.
12945 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية ، قال : إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر ، فيشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد رجلين من المسلمين ، فرجلين من أهل الكتاب.
12946 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله : " ذوا عدل منكم " ، فهذا لمن مات وعنده المسلمون ، فأمره الله أن يشهد على وصيته عَدْلين من المسلمين. ثم قال : " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، فأمره الله تعالى ذكره بشهادة رجلين من غير المسلمين.
* * *
ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخيير ، وقالوا : إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع ، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما ، وائتمانَ الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدِّياه إلى ورثته بعد وفاته ، إن ارتيب بهما. قالوا : وقد
__________
(1) في المطبوعة : " هذا الرجل " ، زاد " في " ، وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي على الصواب في رقم : 12954.

(11/171)


يتَّمِن الرجلُ على ماله من رآه موضعًا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر. (1) وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى ، وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد.
* * *
القول في تأويل قوله : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ، إن شهد اثنان ذوا عدل منكم ، أو كان أوصى إليهما أو آخران من غيركم إن كنتم في سفر فحضرتكم المنيّة ، فأوصيتم إليهما ، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم. فإذا أنتم أوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال ، فأصابتكم مصيبة الموت ، فأدَّيا إلى ورثتكم ما اتَّمنتموهما وادَّعوا عليهما خيانة خاناها مما اتُّمنا عليه ، (2) فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما يقول : تستوقفونهما بعد الصلاة. وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف ، وهو : " فأصابتكم مصيبة الموت ، وقد أسندتم وصيتكم إليهما ، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال " ، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة " فيقسمان بالله إن ارتبتم " ، يقول : فيحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما اُّتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها أو تبديلها و " الارتياب " ، هو الاتهام (3) " لا نشتري به ثمنًا " ،
__________
(1) في المطبوعة : " وقد يأمن الرجل على ماله " ، وفي المخطوطة : " سمى الرجل " غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت. " أمن الرجل على كذا ، وائتمنه ، واتمنه " (الأخيرة ، مشددة التاء). وانظر ما سلف 5 : 298 ، تعليق : 4.
(2) في المطبوعة في المواضع كلها " ائتمن " مكان " اتمن " ، وانظر التعليق السالف.
(3) انظر تفسير " الارتياب " فيما سلف 6 : 78 ، وتفسير " الريب " فيما سلف 8 : 592 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك.

(11/172)


يقول : يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا ، يقول : لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه ، وعلى مال نذهب به ، (1) أو لحقّ نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وَليُّهم وميِّتهم. (2)
* * *
و " الهاء " في قوله : " به " ، من ذكر " الله " ، والمعنيُّ به الحلف والقسم ، ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به ، فعُرِف معنى الكلام ، اكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف. (3)
" ولو كان ذا قربى " ، يقول : يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضًا فنكذب فيها لأحد ، ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا. (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.
* ذكر من قال ذلك :
12947 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب في شهادتهما ، استحلفا بعد الصلاة بالله : لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلا.
* * *
وقوله : " تحبسونهما من بعد الصلاة " ، من صلاة الآخرين. ومعنى الكلام :
__________
(1) انظر تفسير " الاشتراء " و " الثمن " فيما سلف من فهارس اللغة (شرى) و (ثمن).
(2) في المطبوعة : " أوصى إلينا وإليهم وصيهم " ، غير ما في المخطوطة مع وضوحه!!
(3) في المطبوعة : " فيعرف من معنى الكلام ، واكتفى به . . . " ، وفي المخطوطة : " فيعرف معنى الكلام " ، والصواب ما أثبت ، بجعل " فيعرف " " فعرف " ، وحذف " من " ، وحذف الواو من " واكتفى " .
(4) انظر تفسير " ذو القربى " فيما سلف 2 : 292/3 : 344/8 : 334 .

(11/173)


أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة ، إن ارتبتم بهما ، فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى.
* * *
واختلفوا في " الصلاة " التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، فقال : " تحبسونهما من بعد الصلاة " .
فقال بعضهم : هي صلاة العصر.
* ذكر من قال ذلك :
12948 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا عن الشعبي : أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ، فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال : فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعري فأخبراه ، وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال : فأحلفهما بعد العصر : بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما ، ولا غيَّرا ، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال : فأمضى شهادتهما. (1)
12949 - حدثنا ابن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : " أو آخران من غيركم " ، قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك ، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب ، فإنهما يحلفان بعد العصر.
12950 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، بمثله.
12951 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
__________
(1) الأثر : 12948 - انظر الأثر السالف رقم : 12926 ، والتعليق عليه. والأثر التالي رقم : 12953.

(11/174)


قوله : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى " فأصابتكم مصيبة الموت " ، فهذا رجل مات بغُرْبة من الأرض ، وترك تركته ، وأوصى بوصيته ، وشهد على وصيته رجلان. فإن ارتيب في شهادتهما ، استحلفا بعد العصر. وكان يقال : عندها تصير الأيمان.
12952 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير : أنهما قالا في هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " ، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر ، فليشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب. فإذا قدما بتركته ، فإن صدّقهما الورثة قُبِل قولهما ، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر : بالله ما كذبنا ولا كتمنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
12953 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يحيى بن القطان قال ، حدثنا زكريا قال ، حدثنا عامر : أن رجلا توفي بدَقُوقا ، فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها. فأحلفهما أبو موسى دُبُر صلاة العصر في مسجد الكوفة : بالله ما كتما ولا غيرا ، وأن هذه الوصية. فأجازها. (1)
* * *
وقال آخرون : بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما.
* ذكر من قال ذلك :
12954 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله : " ذوا عدل منكم " ، قال : هذا في الوصية عند الموت ، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما لَهُ وعليه ، قال : هذا في الحضر " أو آخران من غيركم " في السفر " إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، هذا ، الرجل
__________
(1) الأثر : 12953 - انظر التعليق على رقم : 12948.

(11/175)


يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين ، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما ، ويدفع إليهما ميراثه. فيقبلان به. فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مالَ صاحبهم ، تركوا الرجلين. وإن ارتابوا ، رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله : " تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم " . قال عبد الله بن عباس : كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ، (1) ففتح الصحيفة ، فأنكر أهل الميت ، وخوَّنوهما. فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت له : " إنهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، ويحلفان بالله : لا نشتري ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين ، أنّ صاحبهم لبهذا أوصى ، وأنّ هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ، ولم تجز لكما شهادة ، وعاقبتكما! فإذا قال لهما ذلك ، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا ، قولُ من قال : " تحبسونهما من بعد صلاة العصر " . لأن الله تعالى عرَّف " الصلاة " في هذا الموضع بإدخال " الألف واللام " فيها ، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف ، إما في جنس ، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك ، وكانت " الصلاة " في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات ، لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى ، لأن لهم صلوات ليست واحدة ، فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك. فإذْ كان ذلك كذلك ، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) " العلج " (بكسر العين وسكون اللام) : الرجل من كفار العجم.

(11/176)


صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين ، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات (1) كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله : " تحبسونهما من بعد الصلاة " ، هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت ، وذلك لقربه من غروب الشمس.
* * *
وكان ابن زيد يقول في قوله : " لا نشتري به ثمنًا " ، ما : -
12955 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " لا نشتري به ثمنًا " ، قال : نأخذ به رشوة.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (106) }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار : ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بإضافة " الشهادة " إلى " الله " ، وخفض اسم الله تعالى يعني : لا نكتم شهادة لله عندنا.
* * *
وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي : -
12956 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن ابن عون ، عن عامر : أنه كان يقرأ : ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) بقطع " الألف " ، وخفض اسم الله هكذا حدثنا به ابن وكيع.
* * *
وكأن الشعبي وجَّهَ معنى الكلام إلى : أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ،
__________
(1) انظر خبر العجلانيين في السنن الكبرى للبيهقي 7 : 398 ، وما بعدها.

(11/177)


ولا نكتم شهادةً عندنا. ثم ابتدأ يمينًا باستفهام : بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما ، لمن الآثمين.
* * *
وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية ، وذلك ما : -
12957 - حدثني أحمد بن يوسف التغلبي قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا عباد بن عباد ، عن ابن عون ، عن الشعبي : أنه قرأ : ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) (1) قال أحمد : قال أبو عبيد : تنوّن " شهادة " ويخفض " الله " على الاتصال. قال : وقد رواها بعضهم بقطع " الألف " على الاستفهام. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام. (3)
* * *
وقرأها بعضهم : ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بتنوين " الشهادة " ، ونصب اسم " الله " بمعنى : ولا نكتم الله شهادةً عندنا.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب ، قراءة من قرأ : ( ولا نكتم شهادة الله ) ، بإضافة " الشهادة " إلى اسم " الله " ، وخفض اسم " الله " لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا تتناكر صحَّتَها الأمة.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " شهادة الله " ، هو خطأ ، صوابه في المخطوطة. وقراءة الشعبي أو قراءاته التي رويت عنه - مذكورة في تفسير أبي حيان 4 : 44 ، والمحتسب لابن جني ، فراجعها هناك.
(2) الأثر : 12957 - " أحمد بن يوسف التغلبي الأحول " ، مضى برقم : 5919 ، 5954 ، 7664 ، وكان في المطبوعة هنا " الثعلبي " ، وهو خطأ بيناه هناك.
و " عباد بن عباد الرملي الأرسوفي " ، " أبو عتبة الخواص " . روى عن ابن عون. مترجم في التهذيب.
(3) في المطبوعة : " وخفض إنا لقراءة الشعبي " ، وهو خلط لا معنى له ، صوابه من المخطوطة.

(11/178)


فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)

وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك : ولا نكتم شهادة الله ، وإن كان بعيدًا. (1)
12958 - حدثني بذلك يونس قال ، أخبرنا ابن زيد ، عنه.
القول في تأويل قوله : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فإن عُثِر " ، فإن اطُّلع منهما أو ظهر. (2)
وأصل " العثر " ، الوقوع على الشيء والسقوط عليه ، ومن ذلك قولهم : " عثرت إصبع فلان بكذا " ، إذا صدمته وأصابته ووقعت عليه ، ومنه قول الأعشي ميمون بن قيس :
بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إذَا عَثَرَتْ... فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا (3)
__________
(1) في المطبوعة : " وإن كان صاحبها بعيدًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في شك منه على كل حال ، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء. ولم أجد مقالة ابن زيد فيما بين يدي من الكتب.
(2) في المطبوعة : " فيهما " ، والصواب " منهما " .
(3) ديوانه : 83 ، من قصيدته في هوذة بن علي الحنفي ، وقد مضى خبرها 2 : 94 ، تعليق : 1 ، ومضى منها أبيات في 1 : 106/2 : 540 ، وقيل البيت في ذكر أرض مخوفة الليل ، وهي " البلدة " المذكورة في البيت التالي : وَبَلْدَةٍ يَرْهَبُ الجَوًّابُ دُلْجَتَهَا ... حَتَّى تَرَاهُ عَلَيْهَا يَبْتَغِي الشِّيَعَا
لاَ يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا مَا يُؤَنِّسُهُ ... بِاللَّيْلِ إلاَّ نَئِيمَ البُومِ والضُّوَعَا
كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نَفْسِي ، وَشَايَعَنِي ... هَمِّي عَلَيْهَا ، إذَا مَا آلُهَا لَمَعَا
" الدلجة " : سير الليل. و " الشيع " الأصحاب. و " النئيم " : صوت البوم ، أو الصوت الضعيف من صوته. و " الضوع " ، طائر من طيور الليل ، إذا أحس بالصباح صدح ، وقيل هو : " الكروان " . و " الآل " السراب ، و " اللوث " : القوة ، يصف ناقته أنها ذات لحم وشحم ، قوية على السير. وقوله : " بذات لوث " ، متعلق بقوله : " كلفت " و " عفرناة " (بفتح العين والفاء) صفة للناقة بأنها قوية كأنها من نشاطها مجنونة. و " التعس " ؛ الانحطاط والعثور.
وقوله : " ولعًا " ، كلمة تقال للعاثر ، يدعى له بأن ينتعش من عثرته ، ومعناها الارتفاع ، " لعا لفلان " أي أقامه الله من عثرته ، لما وصف الأعشي ناقته بالقوة والنشاط ، أنكر أن يكون لها عثرة في سرعتها ، فإذا عثرت ، كان الدعاء عليها بأن يكبها الله لمنخريها ، أولى به من أن يدعو بإقالة عثرتها.

(11/179)


يعني بقوله : " عثرت " ، أصاب منسِمُ خُفِّها حجرًا أو غيرَه. (1) ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيًّا ، كقولهم : (عَثَرتْ على الغَزْل بأَخَرة* فلم تَدَعْ بنَجْدٍ قَرَدَةَ) ، بمعنى : وقعت. (2)
* * *
وأما قوله : " على أنهما استحقا إثمًا " ، فإنه يقول تعالى ذكره : فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله : لا نشتري بأيماننا ثمنًا ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله " على أنهما استحقا إثمًا " ، يقول : على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثمًا ، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خُنّا ولا بدَّلنا ولا غيَّرنا. فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئًا ، أو غيرا وصيته ، أو بدّلا فأثما بذلك من حلفهما بربهما (3) " فآخران يقومان مقامهما " ، يقول ، يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت ، الأوليان الموصَى إليهما.
__________
(1) في المطبوعة : " ميسم خفها حجر أو غيره " ، والصواب ما أثبت. و " المنسم " (بفتح فسكون فكسر) : طرف خف البعير ، والنعامة والفيل. و " منسما البعير " ظفراه اللذان في يديه ، وهما له كالظفر للإنسان.
(2) هذا مثل. مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 181 ، الأمثال للميداني 1 : 395 ، والأمثال لأبي هلال العسكري : 142. قوله " بأخرة " (بفتح الألف والخاء والراء) أي : أخيرًا. تقول : " ما عرفته إلا بأخرة " ، أي : أخيرًا. " ونجد " ، هي الأرض المعروفة. " قردة " . وجمعها " قرد " (كله بفتحات) ، هو : ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد ، وهو نفاية الصوف. وأصله أن المرأة تترك الغزل وهي تجد ما تغزل من قطن أو كتان ، حتى إذا فاتها ، تتبعت القرد (نفاية الصوف) في القمامات ، ملتقطة لتغزله. ويضرب مثلا في التفريط مع الإمكان ، ثم الطلب مع الفوت. قال أبو هلال : " وهذا مثل قول العامة : نعوذ بالله من الكسلان إذا نشط " . وروى هذا المثل صاحب لسان العرب في (قرد) ، ونصه " عكرت على الغزل . . . " ، وفسره " عكرت ، أي : عطفت " . وهو بهذه الرواية لا شاهد فيه.
(3) قوله " فأثما . . . بربهما " ، انظر ما قلت في " أثم بربه " فيما سلف 4 : 530 تعليق : 3 ، / ثم 6 : 92 ، تعليق : 2 ، وبيانه هناك.

(11/180)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
12959 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : " أو آخران من غيركم " ، قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك ، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب ، فإنهما يحلفان بعد العصر. فإذا اطُّلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئًا ، حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا ، ثم استحقوا.
12960 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، بمثله.
12961 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : " أو آخران من غيركم " ، من غير المسلمين " تحبسونهما من بعد الصلاة " ، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلا. فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : " إن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد " . فذلك قوله : " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا " ، يقول : إن اطلع على أنّ الكافرَيْن كذبا " فآخران يقومان مقامهما " ، يقول : من الأولياء ، فحلفا بالله : " إن شهادة الكافرين باطلة ، وإنا لم نعتد " ، فتردّ شهادة الكافرين ، وتجوز شهادة الأولياء.
19262 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا " ، أي : اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما.
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حَكَم اللهُ تعالى ذكره على الشاهدين

(11/181)


بالأيمان فنقلها إلى الآخرين ، (1) بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثمًا.
فقال بعضهم : إنما ألزمهما اليمين ، إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى بغير الذي يجوز في حكم الإسلام. (2) وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله ، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله.
* ذكر من قال ذلك :
12963 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " إلى قوله : " ذوا عدل منكم " ، من أهل الإسلام " أو آخران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام " إن أنتم ضربتم في الأرض " إلى : " فيقسمان بالله " ، يقول : فيحلفان بالله بعد الصلاة ، فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى ذكره من الفريضة ، (3) يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام " فآخران يقومان مقامهما " ، من أولياء الميت ، فيحلفان بالله : " ما كان صاحبنا ليوصي بهذا " ، أو : " إنهما لكاذبان ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما " .
12964 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السديّ قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، يحلفان بالله : لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين " ، إن صاحبكم لبهذا أوصى ، وإنّ هذه لتركته : فإذا شهدا ، وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا ، قال لأولياء الرجل : اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما ، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة ، أو أحدًا يطعُن عليهما ، رددنا شهادتهما. فينطلق الأولياء فيسألون ، فإن وجدوا أحدًا يطعُن عليهما ، أو هما غير
__________
(1) في المخطوطة : " فمن نقلها " ، والصواب ما في المطبوعة ، أو شبيه بالصواب.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " لغير الذي يجوز " ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(3) " الفريضة " ، يعني المواريث.

(11/182)


مرضيين عندهم ، أو اطُّلع على أنهما خانا شيئًا من المال وجدُوه عندهما ، أقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام ، (1) وحلفوا بالله : " لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليها ، أحق من شهادتهما بما شهدا ، وما اعتدينا " . فذلك قوله : " فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " .
* * *
وقال آخرون : بل إنما ألزم الشاهدان اليمين ، لأنهما ادَّعيا أنه أوصى لهما ببعض المال. وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك ، إذا ارتابوا بدعواهما. (2)
* ذكر من قال ذلك :
12965 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعد قال ، حدثنا إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر في قوله : " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " ، قال : زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا " . أي بدعواهما لأنفسهما " فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " ، أنّ صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أنّ الشاهدين ألزما اليمينَ في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله ، ودعواهم قبلهما خيانةَ مالٍ معلوم المبلغ ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما ، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما ، فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما ، أو على أحدهما ، إنما صحح دعواه إذا حُقِّق حقه أو : الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادَّعى عليهما الوارث أو بجميعه ، ثم
__________
(1) في المطبوعة : " فأقبل الأولياء فشهدوا " ، وفي المخطوطة : " فأقبل الأولياء شهدوا " ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(2) في المخطوطة : " إذا ارتابا " .

(11/183)


دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة ، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بيِّنة ، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة ، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود ، ارتيب بشهادتهما أو لم يُرْتَبْ بها ، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك ولا - إذا لم نجد ذلك كذلك - صحّ بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، (1) ولا بإجماع من الأمة. لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى ذكره ، فيكون أصلا مسلمًا. والقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة ، كان واضحًا فسادُه.
وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا ، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله ، أفسد (2) من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أنّ من حكم الله تعالى ذكره أن مدّعيًا لو ادّعى في مال ميت وصية ، أنّ القول قولُ ورثة المدعي في ماله الوصية مع أيمانهم ، دون قول مدعي ذلك مع يمينه ، وذلك إذا لم يكن للمدعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما ، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياء الميت ، إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثمًا في أيمانهم. فمعلوم بذلك فساد قول من قال : " ألزم اليمينَ الشهودُ ، لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت من ماله " .
على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبارُ عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَضَى به حين نزلت هذه الآية ، بين الذين نزلت فيهم وبسببهم.
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) في المطبوعة : " فلم نجد ذلك كذلك صح . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وسياقه " ولا . . . صح بخير عن الرسول " ، وقوله : " إذا لم نجد ذلك كذلك " اعتراض.
(2) السياق : " فالقول بأن الشاهدين . . . أفسد " ، يعني : أفسد من القول السابق.

(11/184)


12966 - حدثني ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن يحيى بن أبي زائدة ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بدَّاء ، فمات السَّهمي بأرض ليس فيها مسلم. فلما قدِما بتركته ، فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب ، (1) فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وُجِد الجام بمكة ، فقالوا : اشتريناه من تميم الداريّ وعديّ بن بدّاء! فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا : " لشهادتنا أحق من شهادتهما " ، وأنّ الجام لصاحبهم. قال : وفيهم أنزلت : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " . (2)
__________
(1) " الجام " : إناء من فضة ، وهو عربي صحيح. " مخوص بالذهب " : عليه صفائح من ذهب على هيئة خوص النخل ، وهو ورقه. و " التخويص " : أن يجعل على الشيء صفائح من الذهب ، على قدر عرض خوص النخل.
(2) الأثر : 12966 - " محمد بن أبي القاسم " ، الطويل ، الكوفي. روى عن أبيه ، وعبد الله وعبد الملك ، ابني سعيد بن جبير ، وعن عكرمة. وروى عنه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وأبو أسامة ، وحماد بن أسامة. وثقه ابن معين ، وأبو حاتم. وقال البجيري وقال البخاري " : " لا أعرف محمد بن أبي القاسم كما أشتهي ، وكان علي بن عبد الله يستحسن هذا الحديث (يعني حديث تميم الداري) قيل له : رواه غير محمد بن أبي القاسم ؟ قال : لا. قال : وروى عنه أبو أسامة ، إلا أنه غير مشهور " . وقال الحافظ ابن حجر ، بعد ذكر محمد بن أبي القاسم : " وما له في البخاري ، ولا لشيخه عبد الملك بن سعيد بن جبير ، غير هذا الحديث الواحد. ورجال الإسناد الإسناد ، ما بين علي بن عبد الله المديني (شيخ البخاري) ، وابن عباس ، كوفيون " .
و " عبد الملك بن سعيد بن جبير الأسدي " ، الكوفي ، عزيز الحديث ، ثقة. مضى برقم : 12776.
و " تميم الداري " ، هو " تميم بن أوس بن خارجة اللخمي " ، منسوب إلى جده " الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم " ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سنة تسع وأسلم. وكان نصرانيا ، وهو الذي قال لرسول الله : " ألا أعمل لك منبرًا كما رأيت يصنع بالشأم! " فصنع المنبر. وكان عابدًا.
وأما " عدي بن بداء " (بتشديد الدال) ، فكان نصرانيا ، ذكر أنه أسلم ، ولكن صحح ابن حجر في ترجمته في الإصابة أنه مات نصرانيًّا.
وهذا الحديث ، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 5 : 307 309) ، وفي التاريخ الكبير 1/1/215 ، وأبو داود في سننه 3 : 418 ، ورقم : 3606 ، والبيهقي في السنن الكبرى 10 : 165 ، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 133 ، وأحكام القرآن للجصاص 2 : 490 ، والترمذي في سننه (في كتاب التفسير) ، وقال : " هذا حديث حسن غريب ، وهو حديث ابن أبي زائدة " .
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 266 ، نقلا عن الطبري ، ولم يذكر روايته في صحيح البخاري. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 342 ، فقصر في نسبته إلى البخاري في صحيحه ، ونسبه إليه في التاريخ ، ثم زاد نسبته إلى ابن المنذر ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(11/185)


12967 - حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال ، حدثنا محمد بن سلمة الحراني قال ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن أبي النضر ، عن باذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب ، عن ابن عباس ، عن تميم الدرايّ في هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " ، قال : برئ الناس منها غيري وغير عديّ بن بدّاء وكانا نصرانيّين يختلفان إلى الشأم قبل الإسلام. فأتيا الشأم لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بريل بن أبي مريم بتجارة ، ومعه جامُ فضّة يريد به الملك ، وهو عُظم تجارته ، (1) فمرض ، فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يُبلغا ما ترك أهله. قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجامَ فبعناه بألف درهم ، فقسمناه أنا وعديّ بن بدّاء ، [فلما قدمنا إلى أهله ، دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام ، فسألوا عنه] ، (2) فقلنا : ما ترك غيرَ هذا ، وما دفع إلينا غيره : قال تميم : فلما أسلمتُ بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، تأثَّمت من ذلك ، (3) فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، وأدّيت إليهم خمسمئة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها! فوثبوا إليه ، (4) فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) في المخطوطة : " وهي عظم " ، وأثبت ما في المطبوعة ، لمطابقته لما في المراجع الأخرى. وقوله : " عظم تجارته " ، أي : معظمها ، يعني أن الجام كان أنفس ما معه وأغلاه ثمنًا.
(2) هذه الجملة التي بين القوسين ، ليست في المخطوطة ولا المطبوعة ، وهي ثابتة في المراجع الأخرى ، وأثبتها من نص الناسخ والمنسوخ.
(3) " تأثم من الشيء " ، تحرج منه ، ووجده إثمًا يريد البراءة منه.
(4) قوله : " فوثبوا إليه " ، حذفها ناشر المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة ، وفي الناسخ والمنسوخ.

(11/186)


فسألهم البينة ، فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يُعَظَّم به على أهل دينه ، فحلف ، فأنزل الله تعالى ذكره : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله : " أن ترد أيمان بعد أيمانهم " ، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا ، (1) فنزعتُ الخمسمئة من عدي بن بدَّاء. (2)
12968 - حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة وابن سيرين وغيره قال ، وثنا الحجاجُ ، عن ابن جريج ، عن عكرمة دخل حديث بعضهم في بعض : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " الآية ، قال : كان عدي وتميم الداري ، وهما من لَخْم ، نصرانيَّان ، يتَّجران إلى مكة في الجاهلية. فلما هاجرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حوَّلا متجرهما إلى المدينة ، فقدم ابن أبي مارية ، مولى عمرو بن العاص المدينة ، وهو يريد الشأم تاجرًا ، فخرجوا جميعًا ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، مرض ابن أبي مارية ، فكتب وصيَّته بيده تم دسَّها في متاعه ، ثم أوصى إليهما. فلما مات فتحا متاعه ، فأخذا ما أرادا ، ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا ، ففتح أهله متاعه ، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به ، وفقدوا شيئًا ، فسألوهما عنه ، فقالوا : هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا. قال لهما أهله : فباع شيئًا أو ابتاعه ؟ قالا لا! قالوا : فهل استهلك من متاعه شيئًا ؟ (3) قالا لا! قالوا : فهل تَجَر
__________
(1) في المخطوطة : " حلفا " ، بغير فاء ، وأثبت ما في المطبوعة والمراجع.
(2) الأثر : 12967 - " الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني " ، " أبو مسلم الحراني " ، ثقة مأمون ، مضت ترجمته برقم : 10411 ، وكان في المطبوعة هنا : " الحسن بن أبي شعيب " أسقط " بن أحمد " ، مع ثبوتها في المخطوطة ، وعذره أنه رأى الناسخ كتب " الحسن بن يحيى أحمد قال ابن أبي شعيب " ، وضرب على " يحيى " وعلى " قال " ، فضرب هو أيضا على " بن أحمد " فحذفها! ! وهو تساهل رديء.
و " محمد بن سلمة الحراني الباهلي " ، ثقة ، مضت ترجمته برقم : 175 ، وقد ورد في إسناد محمد ابن إسحق ، مئات من المرات.
و " أبو النضر " هو " محمد بن السائب الكلبي " ، ضعيف جدًا ، رمي بالكذب. وقد روى الثوري عن الكلبي نفسه أنه قال : " ما حدثت عني ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، فهو كذب ، فلا تروه " . مضت ترجمته برقم : 72 ، 246 ، 248.
وأما " باذان ، مولى أم هانئ " ، أو " باذام " فهو " أبو صالح " ، ثقة ، مضى برقم : 112 ، 168 وغيرها. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/144 ، وابن أبي حاتم 1/1/431.
وكان في المطبوعة والمخطوطة ، والناسخ والمنسوخ جميعًا " زاذان ، مولى أم هانئ " ، وهذا شيء لم يقله أحد ، ولذلك غيرته إلى الصواب الذي أجمعوا عليه ، وكأنه خطأ من الناسخ.
وأما " تميم الداري " ، و " عدي بن بداء " فقد سلفا في الأثر السابق.
وأما " بريل بن أبي مريم " ، مولى بني سهم ، أو مولى عمرو بن العاص السهمي ، صاحب هذه التجارة ، فقد ترجم له ابن حجر في الإصابة في " بديل " بالدال ، وكذلك ابن الأثير في أسد الغابة. وكان بديل مسلمًا من المهاجرين.
يقال في اسمه " بديل بن أبي مريم " ، و " بديل بن أبي مارية " ، ثم اختلف في " بديل " ، فروي بالدال ، وروي " بريل " بالراء ، وروي " بزيل " بالزاي ، وروي " برير " ، وقال ابن الأثير : " والذي ذكره الأئمة في كتبهم : يزيل ، بضم الباء وبالزاي ، ونحن نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى " . هكذا قال ووعد ، ثم لم أجد له ذكرًا في كتابه بعد ذلك ، فلا أدري أنسي ابن الأثير ، أم في كتابه خرم أو نقص!!
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 5 : 308 ، ما لم يذكره في الإصابة ، فقال : " بزيل " بموحدة ، وزاي ، مصغر. وكذا ضبطه ابن ماكولا ، ووقع في رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن تميم نفسه عنه الترمذي والطبري (يعني هذا الخبر) : بديل ، بدال ، بدل الزاي. ورأيته في نسخة من تفسير الطبري : بريل ، براء بغير نقطة. ولابن مندة من طريق السدي ، عن الكلبي : بديل بن أبي مارية " . ثم قال : " ووهم من قال فيه : بديل بن ورقاء ، فإنه خزاعي ، وهذا سهمي ، وكذا وهم من ضبطه بذيل ، بالذال المعجمة " .
وكان في المطبوعة " بديل " ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، وأخشى أن تكون مخطوطتنا هذه ، هي " النسخة الصحيحة من تفسير الطبري " التي ذكرها الحافظ ابن حجر ، أو هي منقولة عن النسخة التي ذكرها ووصفها وصححها.
وهذا الخبر ، رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 133 ، والترمذي في سننه في كتاب التفسير ؛ بهذا الإسناد نفسه. وقال الترمذي : " هذا حديث غريب ، وليس إسناده بصحيح. وأبو النضر ، الذي روى عنه محمد بن إسحق هذا الحديث ، هو عندي : محمد بن السائب الكلبي ، يكنى أبا النضر ، وقد تركه أهل العلم بالحديث ، وهو صاحب التفسير. سمعت محمد بن إسمعيل. يقول : محمد بن سائب الكلبي ، يكنى أبا النضر ، ولا نعرف لسالم أبي النضر المديني رواية عن أبي صالح (باذان) مولى أم هانئ. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار ، عن غير هذا الوجه " ، ثم ساق الترمذي الأثر السالف بإسناده.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 341 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في المعرفة.
(3) قولهم : " فهل استهلك من متاعه شيئًا " ، أي : أضاعه وافتقده ، وهذا حرف لم تقيده كتب اللغة ، استظهرت معناه من السياق. وقد جاء في حديث عائشة (صحيح مسلم 2 : 59 ، وتفسير الطبري رقم : 9640) أن عائشة : " استعارت من أسماء قلادة فهلكت " ، أي : ضاعت ، كما فسرته فيما سلف 8 : 404 ، رقم : 2. فقوله : " استهلك " هنا ، من معنى هذا الحرف الذي لم تقيده كتب اللغة ببيان واضح ، وهو " استفعل " ، بمعنى : وجده قد ضاع. وهو من صحيح القياس وجيده ، وهذا شاهده إن شاء الله.

(11/187)


تجارة ؟ (1) قالا لا! قالوا : فإنا قد فقدنا بعضَه! فاتُّهما ، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " إلى قوله : " إنا إذا لمن الآثمين " . قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر : بالله الذي لا إله إلا هو ، ما قبضنا له غيرَ هذا ، ولا كتمنا " . قال : فمكثنا ما شاء الله أن يمكثَا ، (2) ثم ظُهِرَ معهما على إناء من فضةٍ منقوش مموَّه بذهب ، (3) فقال ، أهله : هذا من متاعه ؟ قالا نعم ، ولكنا اشترينا منه ، ونسينا أن نذكره حين حلفنا ، فكرهنا أن نكذِّب أنفسنا! (4) فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية الأخرى : " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيَّبا ويستحقَّانه. ثم إنّ تميمًا الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول : صدق الله ورسوله : أنا أخذت الإناء! (5)
12969 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " ، الآية كلها. قال : هذا شيء [كان] حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة ، (6) وكانت الأرض كلها كفرًا ، (7) فقال الله تعالى ذكره : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم " ، من المسلمين " أو آخران من غيركم " ، من غير أهل الإسلام " إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت " ، قال : كان الرجل يخرج مسافرًا ، والعرب أهلُ كفر ، فعسى أن يموت في سفره ، فيُسند وصيته إلى رجلين منهم " فيقسمان بالله إن ارتبتم " ، في أمرهما. إذا قال الورثة : كان مع صاحبنا كذا وكذا ، فيقسمان بالله : ما كان معه إلا هذا الذي قلنا " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا " ، أنما حلفا على باطل وكذب " فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " بالميت " فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين " ، ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا ، قال هؤلاء : لم يكن معه! قال : ثم عثر على بعض المتاع عندهما ، فلما عثر على ذلك رُدّت القسامة على وارثه ، (8) فأقسما ، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى : " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم " ، (9) فتبطل أيمانهم " واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين " ، الكاذبين ، الذين يحلفون على الكذب. وقال ابن زيد : قدم تميمٌ الداريّ وصاحب له ، وكانا يومئذ مشركين ، ولم يكونا أسلما ، فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجلٌ ، وجاءا بتركته. فقال أولياء الميت :
__________
(1) " تجر يتجر تجرًا وتجارة " (على وزن : نصر ينصر) : باع وشرى. وأرادوا به هنا معنى الشراء بالعوض ، فيما أستظهر ، فإنهم قد سألوه قبل عن البيع والابتياع.
(2) في المطبوعة : " فمكثنا ما شاء الله أن نمكث " ، غير الناشر ما في المخطوطة ، وأفسد.
(3) " ظهر " (بالبناء للمجهول) ، أي : عثر معها على إناء.
(4) في المخطوطة : " نفسا " غير منقوطة ، ولو شئت قرأتها : " نفسينا " ، مكان " أنفسنا " ، وهما صواب.
(5) الأثر : 12968 - " أبو سفيان " هو : المعمري ، " محمد بن حميد اليشكري " ، مضى برقم : 1787 ، 8829.
و " الحسين " الراوي عنه ، هو " سنيد بن داود " ، مضى مرارًا.
و " ابن أبي مارية " ، هو " بديل بن أبي مارية " ، وقد بينت ذلك في التعليق على الأثر السالف.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 342 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(6) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها للسياق ، وكان في المخطوطة : " . . . لم يكن السلام " ، والصواب ما في المطبوعة.
(7) في المطبوعة : " كفر " بالرفع ، وأخشى أن يكون الأصل : " وكانت الأرض كلها دار كفر " ، أو ما أشبه ذلك ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، وهو صواب أيضًا.
(8) " القسامة " (بفتح القاف) ، أراد بها هنا : اليمين.
(9) قوله تعالى : " بعد أيمانهم " لم تكن في المخطوطة ولا المطبوعة ، والصواب إثباتها.

(11/189)


كان مع صاحبنا كذا وكذا ، وكان معه إبريق فضة! وقال الآخران : لم يكن معه إلا الذي جئنا به! فحلفا خَلْف الصلاة ، ثم عثر عليهما بعدُ والإبريق معهما. فلما عثر عليهما ، رُدَّت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم ، ثم ضمنهما الذي حلف عليه الأوليان.
12970 - حدثنا الربيع قال ، حدثنا الشافعي قال ، أخبرنا أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري ، عن بكير بن معروف ، عن مقاتل بن حيان قال بكير ، قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول الله : " اثنان ذوا عدل منكم " ، أن رجلين نصرانيين من أهل دارِين ، أحدهما تميمي ، والآخر يماني ، صاحَبهما مولًى لقريش في تجارة ، فركبوا البحر ، ومع القرشي مال معلومٌ قد علمه أولياؤه ، من بين آنية وبزّ ورِقَة. (1) فمرض القرشي ، فجعل وصيته إلى الداريّين ، فمات ، وقبض الداريّان المال والوصية ، فدفعاه إلى أولياء الميت ، وجاءا ببعض ماله ، وأنكر القوم قلّة المال ، فقالوا للداريَّين : إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به ، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا ، فوُضِع فيه ، (2) وهل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا لا! قالوا : فإنكما خنتمانا! فقبضوا المال ، ورفعوا أمرهما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى آخر الآية. فلما نزل : أن يُحْبسا من بعد الصلاة ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقاما بعد الصلاة ، فحلفا بالله رب السموات : " ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به ، وإنا لا نشتري بأيماننا
__________
(1) " البز " : الثياب ، أو ضروب منها ، وبائعها يقال له : " البزاز " . و " الرقة " (بكسر الراء وفتح القاف) : الفضة ، وأصلها " الورق " (بفتح الواو وكسر الراء) ، ثم حذفت الواو ، وجعلت الهاء في آخرها عوضًا عن الواو.
(2) يقال : " وضع في تجارته يوضع ضعة ، ووضيعة فهو موضوع فيها " ويقال : " أوضع " (كلاهما بالبناء للمجهول) ، ويقال : " وضع في تجارته وضعًا " (مثل : فرح فرحًا) : غبن فيها ، وخسر من رأس المال.

(11/191)


ثمنًا قليلا من الدنيا ، ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين " . فلما حلفا خلَّى سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناءً من آنية الميت ، فأُخذ الداريَّان ، فقالا اشتريناه منه في حياته! وكذبا ، فكلِّفا البينة ، فلم يقدرا عليها. فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى ذكره : " فإن عثر " ، يقول : فإن اطُّلع " على أنهما استحقا إثمًا " ، يعني الداريين ، إن كتما حقًّا " فآخران " ، من أولياء الميت " يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " ، فيقسمان بالله : " إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا ، وإن الذي يُطلب قبل الداريين لحقّ ، وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين " ، هذا قول الشاهدين أولياء الميت " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها " ، يعني : الداريَّين والناس ، أن يعودوا لمثل ذلك. (1)
* * *
قال أبو جعفر : ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا ، دليلٌ واضح على صحة ما قلنا ، من أنّ حكم الله تعالى ذكره باليمين على الشاهدين في هذا الموضع ، إنما هو من أجل دعوى وَرَثته على المسنَد إليهما الوصية ، خيانةً فيما دفع الميت من ماله إليهما ، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيه المدعي ذلك قِبَله إلا بيمين وأن نقل اليمين إلى ورثة الميت بما أوجبه الله تعالى ذكره ، بعد أن عثر على الشاهدين [أنهما استحقا إثمًا] ، في أيمانهما ، (2) ثم ظُهِر على كذبهما فيها ، إن القوم ادَّعوا
__________
(1) الأثر : 12970 - " معاذ بن موسى الجعفري " ، " أبو سعيد " ، لم أجد له ترجمة إلا في تعجيل المنفعة : 406 ، لم يزد على أن قال : " معاذ بن موسى ، عن بكير بن معروف.
وعند الشافعي ، رحمه الله تعالى " . وكان في المطبوعة : " سعيد بن معاذ بن موسى " وهو خطأ ، مخالف للمخطوطة.
و " بكير بن معروف الأسدي " ، " أبو معاذ النيسابوري ، الدامغاني " صاحب التفسير ، وهو صاحب مقاتل. قال ابن عدي : " ليس بكثير الرواية ، وأرجو أنه لا بأس به ، وليس حديثه بالمنكر جدًا " ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/117 ، وابن أبي حاتم 1/1/406.
وكان في المطبوعة : " بكر " ، وهو خطأ صرف.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى 10 : 164 من طريق إسمعيل بن قتيبة ، عن أبي خالد يزيد بن صالح ، عن بكير بن معروف ، عن مقاتل بن حيان. ثم رواه (10 : 165) من طريق أبي العباس الأصم ، عن الربيع بن سليمان ، عن الشافعي ، ثم أحال لفظه على الذي قبله.
(2) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، استظهرتها من نص الآية.

(11/192)


فيما صَحَّ أنه كان للميت دعوًى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك ، مما يكون اليمينُ فيها على ورثة الميت دون المدَّعَى ، وتكون البينة فيها على المدعي وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل. (1)
وفيها أيضًا ، (2) البيانُ الواضح على أن معنى " الشهادة " التي ذكرها الله تعالى في أول هذه القصة إنما هي اليمين ، كما قال الله تعالى في مواضع أُخر : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، [سورة النور : 6]. فالشهادة في هذا الموضع ، معناها القَسم ، من قول القائل : " أشهد بالله إني لمن الصادقين " ، (3) وكذلك معنى قوله : " شهادة بينكم " إنما هو : قسَم بينكم " إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية " ، أن يقسم اثنان ذوا عدل منكم ، إن كانا اتُّمنا على مال فارتيب بهما ، أو اتُّمِنَ آخران من غير المؤمنين فاتُّهما. (4) وذلك أن الله تعالى ذكره ، لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظُهر على خيانتهما إلى الآخرين ، قال : " فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما " . ومعلومٌ أنّ أولياء الميت المدعين قِبل اللذين ظُهر على خيانتهما ، غير جائز أن يكونا شهداء ، بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعًى عليه لمدّع. لأنه لا يعلم لله تعالى ذكره حكم قضى فيه لأحد بدعواه ويمينه على مدعًى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعَى عليه ولا برهان. فإذ كان معلومًا أن قوله : " لشهادتنا أحق من شهادتهما " ، إنما معناه : قسمُنا أحق من قَسَمهما وكان قسم اللذين عُثر على أنهما أثِمَا ، هو الشهادة التي ذكر
__________
(1) في المطبوعة : " مما قلنا من التأويل " ، وفي المخطوطة : " ما قبلنا من التأويل " ، وصواب القراءة ما أثبت.
(2) قوله : " وفيها أيضًا " ، الضمير عائد على قوله في أول الفقرة السالفة : " ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا " ، وهي عطف عليه.
(3) في المطبوعة : " إنه لمن الصادقين " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) انظر ما كتبه في " اتمن " فيما سلف ص : 172 ، تعليق : 1 ، 2

(11/193)


الله ذكره تعالى في قوله : " أحق من شهادتهما " صحَّ أن معنى قوله : " شهادة بينكم " ، بمعنى : " الشهادة " في قوله : " لشهادتنا أحق من شهادتهما " ، وأنها بمعنى القسم.
* * *
قال أبو جعفر : واختلفت القرأة في قراءة قوله : " من الذين استحق عليهم الأوليان " .
فقرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشأم : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ ، بضم " التاء " .
* * *
وروي عن علي ، وأبيّ بن كعب ، والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ، بفتح " التاء " .
* * *
واختلفت أيضًا في قراءة قوله : " الأوليان " .
فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشأم والبصرة : (الأَوْلَيَان).
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة : (الأَوَّلِينَ).
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوَّلانِ).
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في قوله : " من الذين استحق عليهم " ، قراءة من قرأ بضم " التاء " ، لإجماع الحجة من القرأة عليه ، مع مشايعة عامة أهل التأويل على صحة تأويله ، (1) وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله : فآخران من أهل الميت ، الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم ،
__________
(1) في المطبوعة : " مع مساعدة أهل التأويل " ، وفي المخطوطة : " مع مساعه " غير منقوطة ، وآثرت قراءتها كما كتبتها. و " المشايعة " ، الموافقة والمتابعة.

(11/194)


يقومان مقام المستحقَّيْ الإثم فيهما ، بخيانتهما ما خانَا من مال الميت.
وقد ذكرنا قائلي ذلك ، أو أكثر قائليه ، فيما مضى قبل ، ونحن ذاكُرو باقيهم إن شاء الله ذلك :
12971 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " شهادة بينكم " ، أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران ، لا يحضُره غير اثنين منهم. فإن رضي ورَثته ما عاجل عليه من تركته فذاك ، وحلف الشاهدان إن اتُّهما : إنهما لصادقان " فإن عثر " وُجد......... ، (1) حلف الاثنان الأوليان من الورثة ، فاستحقّا وأبطَلا أيمانَ الشَّاهدين.
* * *
وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح " التاء " ، أرادوا أن يوجهوا تأويلَه إلى : " فآخران يقومان مقامهما " ، مقام المؤتمنين اللذين عُثِر على خيانتهما في القَسم ، و " الاستحقاق به عليهما " ، دعواهما قِبَلهما من " الذين استحقَّ " على المؤتمنين على المالِ على خيانتهما القيامَ مقامهما في القَسَم والاستحقاق ، الأوليان بالميت. (2) وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه ، فقرأ ذلك : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ بفتح " التاء " و " الأوليان " ، (3) على معنى : الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهبٌ صحيحٌ ، وقراءةٌ غير مدفوعة صحَّتها ، غير أنا نختار الأخرى ،
__________
(1) في المطبوعة : " فإن عثر ، وجد لطخ حلف الاثنان . . . " ، وقوله : " لطخ " هنا من عجائب الكلام ، وفي المخطوطة بعد : " فإن عثر وجد " بياض إلى آخر السطر ، مع علامات بعد الكلام بالحمرة. والظاهر أن النسخة التي نقل عنها ناشر المطبوعة ، كان فيها في هذا الموضع حرف (ط) دلالة على الخطأ ، فكتب مكانها ما كتب. ووضعت أنا مكان البياض في المخطوطة نقطًا ، والظاهر أن سياق الكلام كان : " فإن عثر ، وجد أنها استحقا إثمًا " حلف الاثنان . . . " ، ولكني آثرت ترك البياض كما هو في المخطوطة ، والمعنى ظاهر.
(2) في المطبوعة : " في الأوليان " بزيادة " في " ، أثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.
(3) في المطبوعة ، حذف قوله : " والأوليان " ، وساق الكلام على سياق واحد. وأثبت ما في المخطوطة.

(11/195)


لإجماع الحجة من القرأة عليها ، مع موافقتها التأويل الذي ذكرْنا عن الصحابة والتابعين.
12972 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن وكريب ، عن علي : أنه كان يقرأ : (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانْ). (1)
12973 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن واصل مولى أبي عُيينة ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبيّ بن كعب : أنه كان يقرأ : (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَان). (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأما أولى القراءات بالصَّواب في قوله : " الأوليان " عندي ،
__________
(1) الأثر : 12972 - " أبو إسحق " ، هو السبيعي.
و " أبو عبد الرحمن " هو " السلمي " القارئ ، " عبد الله بن حبيب " مضى برقم : 82.
و " كريب " هو " كريب بن أبي كريب " ، روى عن علي. وروى عنه أبو إسحق ، مترجم في الكبير4/1/231 ، وابن أبي حاتم 3/2/168 ، ولم يذكرا فيه جرحا. وترجمه في لسان الميزان ، وقال : " يروي المقاطيع ، من ثقات ابن حبان " .
(2) الأثر : 12973 - " مالك بن إسمعيل بن درهم النهدي " ، " أبو غسان " ، مضى برقم : 2989 ، 4433 ، 4926 ، 8292. وأخشى أن يكون راوي هذا الخبر هو " مؤمل بن إسمعيل العدوي " ، لا " مالك بن إسمعيل " ، ولكن هكذا ثبت في المخطوطة.
و " حماد بن زيد بن درهم الأزدي " ، مضى برقم : 856 ، 1682 ، 5454.
و " واصل مولى أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة " ، ثقة ، روى عن يحيى بن عقيل الخزاعي ، والحسن البصري ، ورجاء بن حيوة ، وأبي الزبير المكي. روى عنه هشام بن حسان من أقرانه ، ومهدي بن ميمون ، وحماد بن زيد ، وغيرهم. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/172 ، وابن أبي حاتم 4/2/30. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " وائل بن أبي عبيدة " ، وهو خطأ لا شك فيه ، بيانه في التاريخ الكبير للبخاري.
و " يحيى بن عقيل الخزاعي البصري " ، روى عن يحيى بن يعمر ، وابن أبي أوفى ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن معين : " ليس به بأس " ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/292 وابن أبي حاتم 4/2/176.
وأما " يحيى بن يعمر القيس الجدلي " ، فهو ثقة جليل ، يروي عن الصحابة والتابعين. كان نحويًا صاحب علم بالعربية والقرآن ، وهو أول من نقط المصاحف. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/311 ، وابن أبي حاتم 4/2/196.

(11/196)


فقراءة من قرأ : (الأَوْلَيَانِ) لصحة معناها. (1) وذلك لأن معنى : " فآخران يقومان مقامهما من الذين استُحِقّ عليهم الأوليان " : فآخران يقومان مقامهما من الذي استُحقّ] فيهم الإثم ، (2) ثم حذف " الإثم " ، وأقيم مقامه " الأوليان " ، لأنهما هما اللذان ظَلَما وأثِما فيهما ، بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم ، وعُثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان اُّتمنهما عليه الميت ، (3) كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مِثل ذلك ، من حذفهم الفعل اجتراء بالاسم ، (4) وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. (5) ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة ، وهو قوله : " شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان " ، ومعناه : أن يشهد اثنان ، وكما قال : " فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنًا " ، فقال : " به " ، فعاد بالهاء على اسم الله ، وإنما المعنى : لا نشتري بقسمنا بالله ، فاجتزئ بالعود على اسم الله بالذكر ، والمراد به : " لا نشتري بالقسم بالله " ، استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزئ ، بذكر " الأوليين " من ذكر " الإثم " الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إيَّاهما ، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته ، وذلك قوله : " فإن عثر على أنَّهما استحقا إثمًا " .
* * *
وأما الذين قرءوا ذلك(الأَوَّلِينَ) ، فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن " الذين " ، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع ، إذْ كان " الذين " جميعًا ، (6) وخفضًا ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " بصحة معناها " بالباء ، والصواب ما أثبته.
(2) الذي وضعته بين الأقواس ، هو حق السياق والمعنى ، فإن السياق يقتضي أن يذكر الآية ، ثم يذكر تأويلها ، وهكذا فعلت ، وهو الصواب إن شاء الله.
(3) في المطبوعة : " ائتمنهما " ، وانظر ما كتبته سالفًا ص : 172 ، تعليق 1 ، 2 ، وص : 193 تعليق : 4.
(4) " الفعل " ، هو المصدر ، كما سلف مرارًا ، وانظر فهارس المصطلحات.
(5) انظر ما سلف ص : 160.
(6) في المطبوعة : " جمعا " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/197)


إذ كان " الذين " مخفوضًا ، وذلك وجه من التأويل ، غير أنه إنما يقال للشيء " أوّل " ، إذا كان له آخر هو له أوّل. وليس للذين استحق عليهم الإثم ، آخرهم له أوّل. بل كانت أيمان اللذين عثر على أنهما استحقَّا إثمًا قبل أيمانهم ، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخرًا أولى أن يكونوا " آخرين " ، من أن يكونوا " أوّلين " ، وأيمانهم آخرة لأولى قبلها.
* * *
وأما القراءة التي حكيت عن الحسن ؛ فقراءةٌ عن قراءَة الحجة من القرأة شاذة ، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بُعدها من الصواب.
* * *
واختلف أهل العربية في الرافع لقوله : " الأوليان " ، إذا قرئ كذلك.
فكان بعض نحويي البصرة (1) يزعم أنه رفع ذلك ، بدلا من : " آخران " في قوله : " فآخران يقومان مقامهما " . وقال : إنما جاز أن يبدل " الأوليان " ، وهو معرفة ، من " آخران " وهو نكرة ، لأنه حين قال : " يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم " ، كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرِفة في المعنى ، فقال : " الأوليان " ، فأجرى المعرفة عليهما بدلا. قال : ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير ، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز : (2)
عَلَيَّ يَوْمَ يَمْلِكُ الأُمُورَا... صَوْمُ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَا
وَبَادِنًا مُقَلَّدًا مَنْحُورَا (3)
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : " فقال بعض نحويي . . . " ، والصواب ما أثبت.
(2) لم أعرف قائله.
(3) " البادن " : الضخم السمين المكتنز ، ولم أجدهم قالوا : " البادن " وأرادوا به " البدنة " (بفتح الباء والدال) ، وهي الناقة التي كانوا يسمنونها ثم تهدى إلى البيت ، ثم تنحر عنده. ولعل الراجز استعملها على الصفة ، ومع ذلك فهي عندي غريبة تقيد. و " المقلد " ، الذي وضعت عليه القلائد ، إشعارًا بأنه هدي يساق إلى الكعبة. ذكر الراجز ما نذره إذا ولى هذا الرجل أمور الناس.

(11/198)


قال : فجعله : عليَّ واجب ، لأنه في المعنى قد أوجب. (1)
* * *
وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول : لا يجوز أن يكون " الأوليان " بدلا من : " آخران " ، من أجل أنه قد نَسَق " فيقسمان " على " يقومان " في قوله (2) " فآخران يقومان " ، فلم يتمّ الخبر بعد " مِنْ " . (3) قال : ولا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر. (4) وقال : غير جائز : " مررت برجل قام زيدٍ وقَعَد " ، و " زيد " بدل من " رجل " .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : " الأوليان " مرفوعان بما لم يسمَّ فاعله ، وهو قوله : (اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ) وأنهما وُضِعا موضع الخبر عنهما ، (5) فعمل فيهما ما كان عاملا في الخبر عنهما. وذلك أن معنى الكلام : " فآخران يقومان مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثم بالخيانة " ، فوضع " الأوليان " موضع " الإثم " كما قال تعالى ذكره في موضع آخر : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة التوبة : 19] ، ومعناه : أجعلتم سقاية الحاجِّ وعمارةَ المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر
__________
(1) تركت هذه الجملة كما هي في المخطوطة والمطبوعة. وإن كنت أرجح أنه استشهد بالرجز على أنه نصب " صوم شهور " ، وعطف عليه " وبادنًا مقلدًا منحورًا " ، على معنى : قد أوجبت على نفسي صوم شهور ، وبادنًا مقلدًا منحورًا. فإن صح ذلك فيكون صواب هذه العبارة : " فجعله : على واجب لأنه في المعنى : قد أوجبت " .
(2) " نسق " ، أي : عطف.
(3) في المطبوعة : " فلم يتم الخبر عند من قال . . . " ، غير ما في المخطوطة ، وهذا خطأ محض. الصواب ما في المخطوطة ، يريد : بعد " من الذين استحق عليهم الأوليان " .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " قال " بغير واو ، والصواب إثباتها كما يدل عليه السياق.
ثم كتب في المطبوعة بعد ذلك " كما قال : غير جائز . . . " ، بزيادة " كما " ، وهي في المخطوطة ، مكتوبة متصلة بالراء ، فآثرت قراءتها " وقال " ، لأنه حق السياق.
(5) في المطبوعة : " وأنهما موضع الخبر " أسقط " وضعا " ، وهي ثابتة في المخطوطة.

(11/199)


وكما قال : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، [سورة البقرة : 93] ، وكما قال بعض الهذليين. (1)
يُمَشِّي بَيْنَنَا حَانُوتُ خَمْرٍ... مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ الْقِطَاطِ (2)
وهو يعني : صاحب حانوت خمر ، فأقام " الحانوت " مقامه ، لأنه معلوم أن " الحانوت " ، لا يمشي! ولكن لما كان معلومًا عنده أنَّه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه ، حذف " الصاحب " ، واجتزأ بذكر " الحانوت " منه. فكذلك قوله : " من الذين استُحِقّ عليهم الأوليان " ، إنما هو من الذين استُحِقّ فيهم خيانتهما ، فحذفت " الخيانة " وأقيم " المختانان " ، مقامها. فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر.
* * *
وأما قوله : " عليهم " في هذا الموضع ، فإن معناها : فيهم ، كما قال تعالى : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ، [سورة البقرة : 102] ، يعني : في
__________
(1) هو المنخل الهذلي
(2) ديوان الهذليين 2 : 21 ، والمعاني الكبير : 472. واللسان (حنت) (قطط) (خرص) ، من قصيدة له طويلة ، يذكر مواضي أيامه ، ثم يقول بعد البيت في صفة الخمر : رَكُودٍ في الإنَاءِ لَهَا حُمَيَّا ... تَلَذُّ بأَخْذِها الأَيْدِي السَّوَاطِي
مُشَعْشَعَةٍ كَعَيْنِ الدَّيكِ ، لَيْسَتَْتْ ، ... إذَا ذِيقَتْ ، مِنَ الخَلِّ الخِمَاطِ
وقوله : " الخرس " ، جمع " أخرس " ، وهو الذي ذهب كلامه عيًا أو خلقة. ويعني به : خدمًا من العجم لا يفصحون ، فلذلك سماهم " خرسًا " . وروى بعضهم " من الخرص " ، وهو خطأ ، فيه نبّه عليه الأزهري رحمه الله.
و " الصراصرة " نبط الشأم. وعندي أنهم سموا بذلك ، لشيء كان في أصواتهم وهم يتكلمون ، في أصواتهم صياح وارتفاع وامتداد ، كأنه صرصة البازي. و " القطاط " جمع " قطط " (بفتحتين) و " قط " (بفتح وتشديد) : وهو الرجل الشديد جعودة الرأس. وقوله : " ركود في الإناء " ، يعني أنها صافية ساكنة. و " حميا الخمر " ، سورتها وأخذها بالبدن. و " الأيدي السواطي " ، التي تسطو إليها ، أي : تتناولها معجلة شديدة الرغبة فيها. و " مشعشعة " : قد أرقها مزجها بالماء. و " الخماط " من الخمر : التي أصابتها ريح ، فلم تستحكم ولم تبلغ الحموضة.

(11/200)


ملك سليمان ، وكما قال : وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [سورة طه : 71]. ف " في " توضع موضع " على " ، و " على " في موضع " في " ، كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام ، (1)
ومنه قول الشاعر : (2)
مَتَى مَا تُنِْكرُوها تَعْرِفُوهَا... عَلَى أَقْطَارِهَا عَلَقٌ نَفِيثُ (3)
وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى ذكره : " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الأوليان " ، أنهما رجلان آخرَان من المسلمين ، أو رجلان أعدل من المقسمين الأوَّلَين
* ذكر من قال ذلك :
12974 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عامر ، عن شريح في هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم " ، قال : إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 299/2 : 411 ، 412 ، وغيرها من المواضع في باب تعاقب الحروف.
(2) هو أبو المثلم الهذلي.
(3) ديوان الهذليين 2 : 224 ، مشكل القرآن : 295 ، 430 ، والمعاني الكبير : 969 ، 970 ، والاقتضاب : 451 ، والجواليقي : 373 ، واللسان (نفث) وغيرها. من أبيات في ملاحاة بينه وبين صخر الغي ، من جراد دم كان أبو المثلم يطلب عقله ، أي ديته ، وقبل البيت : لَحَقٌ بَنِي شُغَارَةَ أن يَقُولوا ... لِصَخْرِ الغَيِّ : مَاذَا تَسْتَبِيثُ?
أي : ماذا تستثير ؟ وإنما أراد الحرب ، فقال له بعد : " متى ما تنكروها . . . " ، أي : إذا جاءت الحرب أنكرتموها ، ولكن ما تكادون تنكرونها ، حتى تروا الدم يقطر من نواحيها ، يعني كتائب المحاربين. و " العلق " : الدم ، و " الأقطار " : النواحي. و " النفيث " ، الدم الذي تنفثه القروح والجروح.
وقد خلط البطليوسي في شرح هذا الشعر ، فزعم أن الضمير في قوله : " متى ما تنكروها " ، عائد " إلى المقالة " ، يعني هذا الهجاء بينهما ، وأتى في ذلك بكلام لا خير فيه ، أراد به الإغراب كعادته.

(11/201)


وصيته ، فأشهد يهوديًّا ، أو نصرانيًّا ، أو مجوسيًّا ، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان فشهدَا بخلاف شهادتهم ، أجيزت شهادة المسلمين ، وأبطلت شهادة الآخرين. (1)
12975 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فإن عثر " ، أي : اطلع منهما على خيانة ، على أنهما كذبا أو كَتما ، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلافِ ما قالا أجيزت شهادة الآخرين ، وأبطلت شهادة الأوَّلين.
12976 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء قال : كان ابن عباس يقرأ : (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ) قال ، كيف يكون " الأوليان " ، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين ؟
12977 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا عبدة ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : كان يقرأ : (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ) قال ، وقال : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين ، كيف يقومان مقامهما ؟
قال أبو جعفر : فذهب ابن عباس ، فيما أرى ، إلى نحو القول الذي حكيتُ عن شريح وقتادة ، من أنّ ذلك رجلان آخران من المسلمين ، يقومان مقام النَّصرانيين ، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوزُ شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين.
وفي إجماع جميع أهل العلم على أنْ لا حكم لله تعالى ذكره يجب فيه على شاهدٍ يمينٌ فيما قام به من الشهادة ، دليلٌ واضح على أنّ غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى ذكره : " فآخران يقومان مقامهما " أولى به.
__________
(1) الأثر : 12974 - مضى هذا الخبر برقم : 12909 ، 12943 ، وانظر التعليق على رقم : 12909.

(11/202)


وأما قوله " الأوليان " ، فإن معناه عندنا : الأوْلى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى. (1) وقد يحتمل أن يكون معناه : الأولى باليمين منهما فالأولى ثم حذف " منهما " ، (2) والعرب تفعل ذلك فتقول : " فلان أفضل " ، وهي تريد : " أفضل منك " ، وذلك إذا وضع " أفعل " موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه " الألف واللام " ، فعلوا ذلك أيضًا ، إذا كان جوابًا لكلام قد مضى ، فقالوا : " هذا الأفضل ، وهذا الأشرف " ، يريدون : هو الأشرف منك.
* * *
وقال ابن زيد : معنى ذلك : الأوليان بالميت.
12978 - حدثني يونس ، عن ابن وهب ، عنه.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللَّذين عثر على أنهما استحقا إثمًا بخيانتهما مالَ الميت ، الأوْليان باليمين والميِّت من الخائنين : " لشهادتنا أحقُّ من شهادتهما " ، يقول : لأيماننا أحقُّ من أيمان المقسمَين المستحقَّين الإثم ، وأيمانِهما الكاذبة في أنَّهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميّتنا ، وكذا في أيمانِهما التي حلفا بها " وما اعتدينا " ، يقول : وما تجاوزنا الحقَّ في أيماننا.
* * *
وقد بينا أن معنى " الاعتداء " ، المجاوزة في الشيء حدَّه. (3)
* * *
__________
(1) السياق : " الأولى بالميت . . . فالأولى " .
(2) في المطبوعة : " ثم حذف فيهما " ، وهو خطأ صرف ، وهي في المخطوطة غير منقوطة.
(3) انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).

(11/203)


ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)

" إنا إذًا لمن الظالمين " يقول : " إنّا إن كنا اعتدينا في أيماننا ، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين " لمن الظالمين " ، يقول : لَمِنْ عِدَادِ مَنْ يأخذ ما ليس له أخذه ، (1) ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ذلك " ، هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء إذا ارتبتم في أمرهم ، واتهمتموهم بخيانة لمالِ من أوصى إليهم ، من حبسهم بعد الصلاة ، واستحلافكم إيَّاهم على ما ادَّعى قِبَلهم أولياء الميت " أدنى " لهم " أن يأتوا بالشهادة على وجهها " ، يقول : هذا الفعل ، إذا فعلتم بهم ، أقربُ لهم أن يصدُقوا في أيمانهم ، (3) ولا يكتموا ، ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا (4) " أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم " ، يقول : أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقُّوا إثمًا في أيمانهم بالله ، أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت ، بعد أيمانهم التي عُثِر عليها أنها كذب ، فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم ، فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم ، مخافةَ الفضيحة على أنفسهم ، وحذرًا أن يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " لمن عدا ومن يأخذ " ، غير ما في المخطوطة ، وأساء أقبح الإساءة.
(2) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة.
(3) انظر تفسير " أدنى " فيما سلف 6 : 78/7 : 548.
(4) انظر تفسير " على وجهه " فيما سلف 2 : 511.

(11/204)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وقد تقدّمت الروايةُ بذلك عن بعضهم ، نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعضِ من بَقي منهم.
12979 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " فإن عُثر على أنهما استحقّا إثمًا " ، يقول : إن اطُّلع على أنّ الكافرين كذبَا " فآخران يقومان مقامهما " ، يقول : من الأولياء ، فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة ، وأنا لم نعتد ، فتردّ شهادة الكافرين ، وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره : ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها ، أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم. وليس على شُهود المسلمين أقسْام ، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين.
12980 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة " الآية ، يقول : ذلك أحرَى أن يصدقوا في شهادتهم ، وأن يخافوا العَقِب. (1)
12981 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أو يخافوا أن تردَّ أيمان بعد أيمانهم " ، قال : فتبطل أيمانهم ، وتؤخذ أيمانُ هؤلاء.
* * *
وقال آخرون : [معنى ذلك تحبسونهما من بعد الصلاة. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، على أنهما استحقا إثمًا ، فآخران يقومان مقامهما]. (2)
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) في المطبوعة : " وأن يخافوا العقاب " ، والصواب ما في المخطوطة و " العقب " (بفتح فكسر) : العاقبة ، وذلك عاقبة أمرهما في وبطلان أيمانهم ، وعاقبة رد الفضيحة على أنفسهم.
(2) هذه الجملة كلها مضطربة المعنى ، ولا تطابق الأثر التالي ، وظني أن في الكلام سقطًا ، أسقط الناسخ سطرًا أو نحوه ، وتركتها على حالها في المخطوطة والمطبوعة ، ولكني وضعتها بين قوسين ، شكًّا مني في صحتها.

(11/205)


12982 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، فيحلفان بالله : " لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين ، أنّ صاحبكم لبهذا أوصى ، وأنّ هذه لتركته " . فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : " إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما ، فضحتكما في قومكما ، ولم أجز لكما شهادة ، وعاقبتكما " . فإن قال لهما ذلك ، فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وخافوا الله ، أيها الناس ، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً ، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله ، وأن تخونوا من اتَّمنكم (1) " واسمعوا " ، يقول : اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به ، فاعملوا به ، وانتهوا إليه " والله لا يهدي القوم الفاسقين " ، يقول : والله لا يوفِّق من فَسَق عن أمر ربّه ، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربَّه.
* * *
وكان ابن زيد يقول : " الفاسق " ، في هذا الموضع ، هو الكاذب. (2)
12983 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " والله لا يهدي القومَ الفاسقين " ، الكاذبين ، يحلفون على الكذب.
* * *
__________
(1) انظر ما كتبته في " اتمن " فيما سلف ص : 197 ، تعليق : 3.
(2) انظر تفسير " الفاسق " بهذا المعنى من تفسير ابن زيد ، فيما سلف رقم : 12103 في الجزء 10 : 376. ثم انظر تفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).

(11/206)


وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ ، إلا أن الله تعالى ذكره عَمَّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفسَّاق ، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض بخبر ولا عقلٍ ، فذلك على معاني " الفسق " كلها ، حتى يخصِّص شيئًا منها ما يجب التسليمُ له ، فيُسلِّم له.
* * *
ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين ، هل هو منسوخ ، أو هو مُحكَم ثابت ؟
فقال بعضهم : هو منسوخ
* ذكر من قال ذلك :
12984 - حدثنا أبو كريب قال ، ثنا ابن إدريس ، عن رجل قد سماه ، عن حماد ، عن إبراهيم قال : هي منسوخة.
12985 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : هي منسوخة يعني هذه الآية : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " ، الآية.
* * *
وقال جماعة : هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قولَ أكثرهم فيما مضَى.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية غيرُ منسوخ (1) وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام ، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، أنّ من ادُّعِي عليه
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " أن حكم الآية منسوخ " ، وهو خطأ فاحش ، فإن أبا جعفر يقول بعد ذلك أنها غير منسوخة ، كما سترى ، فالصواب ما أثبته.

(11/207)


دَعْوى ممَّا يملكه بنو آدم ، أنّ المدَّعَى عليه لا يبرئه مما ادُّعي عليه إلا اليمين ، إذا لم يكن للمدَّعِي بيّنة تصحح دَعواه وأنه إن اعترف في يَدِ المدَّعى [عليه] سلعةً له ، (1) فادَّعَى أنها له دون الذي في يده ، فقال الذي هي في يده : " بل هي لي ، اشتريتها من هذا المدَّعِي " ، أنّ القول قول من زَعَم الذي هي في يده أنه اشتراها منه ، دون من هي في يده مع يمينه ، إذا لم يكن للذي هي في يده بيّنة تحقق به دعواه الشراءَ منه.
فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلافَ فيه بين أهل العلم ، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمرَ وصية الموصِي إلى عدلين من المسلمين ، أو إلى آخرين من غيرهم ، إنما ألزَم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما ذكر عنه ، الوصيَّين اليمينَ حين ادَّعَى عليهما الورثة ما ادَّعوا ، ثم لم يلزم المدَّعَى عليهما شيئًا إذ حلفا ، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفُوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم ، فزعما أنهما اشترياه من ميتهم ، فحينئذ ألزم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ورثَة الميِّت اليمين ، لأن الوصيين تحوَّلا مُدَّعِيين بدعواهما ما وجدَا في أيديهما من مال الميِّت أنه لهما ، اشتريَا ذلك منه ، فصارَا مُقِرَّين بالمال للميِّت ، مدَّعيين منه الشراء ، فاحتاجا حينئذ إلى بيِّنةٍ تصحِّح دعواهما ، وصارتْ وورثة الميتِ ربِّ السلعة ، (2) أولى باليمين منهما. فذلك قوله تعالى ذكره : " فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما " ، الآية.
__________
(1) في المطبوعة : " وأنه إن اعترف وفي يدي المدعي سلعة " ، غير ما في المخطوطة ، وفيها : " وأنه إن اعترف في يد المدعي سلعة " ، فأثبت ذلك ، وهو الصواب ، وزدت " عليه " بين القوسين ، لأنه حق المعنى.
وقوله : " اعترف " بمعنى : عرفها وميزها ، كما سيأتي في سائر الفقرة.
(2) في المطبوعة : " . . . تصحح دعواهما ، وورثة الميت رب السلعة " ، حذف قوله " وصارت " ، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها ، وهي في المخطوطة ثابتة ، إلا أن الناسخ أساء كتابتها.

(11/208)


فإذ كان تأويل ذلك كذلك ، فلا وجه لدعوَى مدَّعٍ أن هذه الآية منسوخة ، لأنه غير جائز أن يُقْضَى على حُكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ ، إلا بخبَرٍ يقطع العذرَ : أمّا من عند الله ، أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو بورود النَّقل المستفيض بذلك. فأمَّا ولا خبر بذلك ، ولا يدفع صحته عقل ، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ.
* * *

(11/209)


يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)

القول في تأويل قوله : { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (109) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واتقوا الله ، أيها الناس. واسمعوا وَعْظه إياكم وتذكيرَه لكم ، واحذروا يَوْم يَجْمع الله الرسل ثم حذف " واحذروا " ، واكتفى بقوله : " واتقوا الله واسمعوا " ، عن إظهاره ، كما قال الراجز :
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا (1)
يريد : " وسقيتها ماء باردًا " ، فاستغنى بقوله " علفتها تبنًا " من إظهار " سقيتها " ، إذ كان السامع إذا سَمِعه عرف معناه. فكذلك في قوله : " يوم يجمع الله والرسل " ، حذف " واحذروا " لعلم السامع معناه ، اكتفاءً بقوله : " واتقوا الله واسمعوا " ، إذ كان ذلك تحذيرًا من أمر الله تعالى ذكره ، خلقَه عقابَه على معاصيه.
* * *
وأما قوله : " ماذا أُوجبتم " ، فإنه يعني به : ما الذي أجابتكم به أممكم ، (2) حين
__________
(1) مضى تخريج البيت وتفسيره فيما سلف 1 : 264 ، وكان في المطبوعة هنا : " حتى غدت همالة " ، غير ما في المخطوطة.
(2) انظر تفسير " ماذا " فيما سلف 4 : 292 ، 346 ، 347/8 : 359.

(11/209)


دعوتموهم إلى توحيدي ، والإقرار بي ، والعمل بطاعتي ، والانتهاء عن معصيتي ؟ " قالوا لا علم لنا " .
* * *
فاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : معنى قولهم : " لا علم لنا " ، لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم ، ولكنهم ذَهِلوا عن الجواب من هَوْلِ ذلك اليوم ، ثم أجابوا بعد أن ثَابَتْ إليهم عقولهم بالشَّهادة على أممهم.
* ذكر من قال ذلك :
12986 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل. قال ، حدثنا أسباط ، عن السديّ : " يوم يجمع الله الرسل فيقول مَاذا أجبتم قالوا لا علم لنا " ، قال : فذلك أنهم نزلوا منزلا ذَهِلت فيه العقول ، (1) فلما سئلوا قالوا : " لا علم لنا " ، ثم نزلوا منزلا آخر ، فشهدوا على قومهم.
12987 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة......... قال : سمعت الحسن يقول في قوله : " يوم يجمع الله الرسل " ، الآية ، قال : من هول ذلك اليوم. (2)
12988 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن مجاهد في قوله : " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، فيفزعون ، فيقول : ماذا أجبتم ؟ فيقولون : لا علم لنا !
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : لا علم لنا إلا ما علّمتنا.
__________
(1) في المطبوعة : " ذلك أنهم لما نزلوا " ، وفي المخطوطة : " فذلك أنهم لما نزلوا " وأثبت ما في المخطوطة ، وحذفت " لما " لأنه لا موضع لها هنا ، وكأنها زيادة من عجلة الناسخ.
(2) الأثر : 12987 - هذا إسناد ناقص بلا شك ، بين " عتبة " ، و " الحسن البصري " ، فوضعت مكانه النقط ، وقد أعجلت أن أجد مثله فيما سلف ، فتركته حتى أجد تمامه.

(11/210)


* ذكر من قال ذلك :
12989 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مجاهد في قوله : " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، فيقولون : لا علم لنا إلا ما علمتنا " إنك أنتَ علام الغيوب " .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : قالوا لا علم لنا ، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منَّا.
* ذكر من قال ذلك :
12990 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا " ، إلا علم أنت أعلم به منا.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : " ماذا أجبتم " ، ماذا عملوا بعدكم ؟ وماذا أحدثوا ؟
* ذكر من قال ذلك :
12991 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، ماذا عملوا بعدكم ؟ وماذا أحدثوا بعدكم ؟ " قالوا قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب " .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب ، قولُ من قال : " معناه : لا علم لنا ، إلا علم أنت أعلم به منّا " ، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا : " لا علم لنا إنَّك أنتَ علام الغيوب " ، أي : إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفيِّ العلوم وجليِّها. فإنما نَفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره لا أنَّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا. كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يُخْبرون بما أجابتهم به الأمم ،

(11/211)


إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)

وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء ، (1) فقال تعالى ذكره : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [سورة البقرة : 143].
* * *
وأما الذي قاله ابن جريج ، من أن معناه : " ماذا عملت الأمم بعدكم ؟ وماذا أحدثوا ؟ " فتأويل لا معنَى له. لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يَحدُث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك ، وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك ، فإنما يقال لها : ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك ؟ وظاهرُ خَبر الله تعالى ذكره عن مسألته إيّاهم ، يدلّ على غير ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لعباده : احذروا يومَ يجمع الله الرسلَ فيقول لهم : ماذا أجابتكم أممكم في الدنيا " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس " .
* * *
ف " إذْ " من صلة " أجبتم " ، كأنّ معناها : ماذا أجابت عيسى الأمم التي أرسل إليها عيسى.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " سيشهدون على تبليغهم " ، حرف ما في المخطوطة وأساء.

(11/212)


فإن قال قائل : وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إيَّاها في عهد عيسى ، ولم يكن في عهد عيسى من الرُّسل إلا أقلُّ ذلك ؟ (1)
قيل : جائزٌ أن يكون الله تعالى ذكره عنى بقوله : " فيقول ماذا أجبتم " ، الرسلَ الذين كانوا أرسلوا في عهد عيسى ، فخرَج الخبر مخرج الجميع ، والمراد منهم من كان في عهد عيسى ، كما قال تعالى ذكره : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [سورة آل عمران : 173] ، والمراد واحدٌ من الناس ، وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس. (2)
قال أبو جعفر : ومعنى الكلام : " إذ قال الله " ، حين قال " يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس " ، يقول : يا عيسى اذكر أياديّ عندك وعند والدتك ، (3) إذ قوّيتك برُوح القُدس و أعنتُك به. (4)
* * *
وقد اختلف أهل العربية في " أيدتك " ، ما هو من الفعل.
فقال بعضهم : هو " فعّلتك " ، [ " من الأيد " ] ، كما قولك : " قوّيتك " " فعّلت " من " القوّة " . (5)
* * *
وقال آخرون : بل هو " فاعلتك " من " الأيد " .
__________
(1) في المطبوعة : " إلا أقل من ذلك " ، زاد " من " ، فأفسد الكلام ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) انظر ما سلف : 405 413.
(3) انظر تفسير " النعمة " فيما سلف من فهارس اللغة (نعم).
(4) انظر تفسير " أيد " فيما سلف 2 : 319/5 : 379/6 : 242.
(5) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها. وفي المطبوعة : " كما في قوله " بزيادة " في " ، والصواب ما في المخطوطة بحذفها.

(11/213)


وروي عن مجاهد أنه قرأ : (إذْ آيَدْتُك) ، بمعنى " أفعلتك " ، من القوّة والأيد. (1) .
* * *
وقوله : " بروح القدس " ، يعني : بجبريل. يقول : إذ أعنتك بجبريل.
* * *
وقد بينت معنى ذلك ، وما معنى " القدس " ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قِيله ، لعيسى : " اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس " ، في حال تكليمك الناسَ في المهدِ وكهلا.
* * *
وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره : أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد ،
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 325. وهذا الذي ذكره هنا في " أيدتك " تفصيل أغفله في بيانه السالف في : 2 : 319 ، وهذا من ضروب اختصاره في التفسير ، وهو دال أيضًا على طريقته في تأليف هذا التفسير.
(2) انظر تفسير " روح القدس " فيما سلف 2 : 320 ، 321/5 : 379.

(11/214)


وكهلا كبيرًا فردّ " الكهل " على قوله " في المهد " ، لأن معنى ذلك : صغيرًا ، كما قال الله تعالى ذكره : دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ، [سورة يونس : 12] .
* * *
وقوله : " وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " ، يقول : واذكر أيضًا نعمتي عليك " إذ علمتك الكتاب " ، وهو الخطّ " والحكمة " ، وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك ، وهو الإنجيل " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير " ، يقول : كصورة الطير...... (1) " بإذني " ، يعني بقوله " تخلق " تعمل وتصلح - " من الطين كهيئة الطير بإذني " ، يقول : بعوني على ذلك ، وعلمٍ منّي به " فتنفخ فيها " ، يقول : فتنفخ في الهيئة ، قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني " وتبرئ الأكمه " ، يقول : وتشفي " الأكمهَ " ، وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا ، المطموس البصر " والأبرص بإذني " .
* * *
وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرًا بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
__________
(1) مكان هذا النقط بياض في المخطوطة ، وفي هامشها حرف (ط) ، دلالة على موضع خطأ. فأثبتها كذلك. وإن كنت أرجح أن سياق أبي جعفر يقتضي أن تكون عبارته هكذا :
{وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ، يعني بقوله : " تخلق " ، تعمل وتصلح " من الطين كهيئة الطير " ، يقول : كصورة الطير : " بإذني " ، يقول : بعوني على ذلك . . . ومع ذلك ، فقد تركت ما في المخطوطة على ما هو عليه.
(2) انظر تفسير " المهد " فيما سلف 6 : 417 وتفسير " الكهل " 6 : 417 ، 418 وتفسير " الكتاب " ، و " الحكمة " فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) و (حكم) وأما تفسير " خلق " و " هيأة " بهذا المعنى ، فلم يذكره فيما سلف ، وإن كان ذلك مضى في 6 : 424 وتفسير " أبرأ " 6 : 428 وتفسير " الأكمه " 6 : 428 - 430 وأما " الأبرص " فلم يفسره وتفسير " الإذن " فيما سلف 10 : 145 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(11/215)


وقوله " وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات " ، يقول : واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفِّي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك ، (1) وقد هموا بقتلك " إذ جئتهم بالبينات " ، يقول : إذ جئتهم بالأدِلة والأعلام المعجزة على نبوّتك ، (2) وحقيقة ما أرسلتك به إليهم. (3) " فقال الذين كفروا منهم " ، يقول تعالى ذكره : فقال الذين جحدُوا نبوَّتك وكذبوك من بني إسرائيل " إن هذا إلا سحر مبين " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة : إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني : يبين عمَّا أتى به لمن رأه ونظر إليه ، أنه سحر لا حقيقةَ له.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة : ( إن هذا إلا ساحر مبين ) ، بمعنى : " ما هذا " ، يعني به عيسى ، " إلا ساحر مبين " ، يقول : يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه ، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادق. (4)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتَا المعنى ، متفقتان غير مختلفتين. وذلك أن كل من كان موصوفًا بفعل " السحر " ، فهو موصوف بأنه " ساحر " . ومن كان موصوفًا بأنه " ساحر " ، فأنه موصوف بفعل
__________
(1) انظر تفسير " الكف " فيما سلف 8 : 548 ، 579/ 9 : 29/10 : 101
(2) انظر تفسير " البينات " فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(3) في المطبوعة : " وحقية ما أرسلتك " ، غيرها كما فعل مرارًا كثيرة فيما سلف ، والصواب ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف 10 : 242 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

(11/216)


وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

" السحر " . فالفعل دالٌ على فاعله ، والصفة تدلُّ على موصوفها ، والموصوف يدل على صفته ، والفاعلُ يدلُّ على فعله. فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واذكر أيضًا ، يا عيسى ، إذ ألقيت (1) " إلى الحواريين " ، وهم وزراء عيسى على دينه.
* * *
وقد بينا معنى ذلك ، ولم قيل لهم " الحواريون " ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله : " وإذ أوحيت " ، وإن كانت متفقة المعاني.
فقال بعضهم ، بما : -
12992 - حدثني به محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل
__________
(1) انظر تفسير " أوحى " فيما سلف 6 : 405 ، 406/9 : 399.
(2) انظر تفسير " الحواريون " فيما سلف 6 : 449 - 451.

(11/217)


إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)

قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإذ أوحيت إلى الحواريين " ، يقول : قدفت في قلوبهم.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : ألهمتهم.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا : وإذْ ألقيتُ إلى الحواريين أنْ صدّقوا بي وبرسولي عيسى ، فقالوا : " آمنا " ، أي : صدقنا بما أمرتنا أن نؤمنَ يا ربنا " واشهد " علينا " بأننا مسلمون " ، يقول : واشهد علينا بأننا خاضِعُون لك بالذّلة ، سامعون مطيعُون لأمرك.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واذكر ، يا عيسى ، أيضًا نعمتي عليك ، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ، إذ قالوا لعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء - ف " إذ " ، الثانية من صلة " أوحيت " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : " يستطيع ربك "
فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين : (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بالتاء(رَبَّكَ) بالنصب ، بمعنى : هل تستطيع أن تسأل ربك ؟ أو : هل تستطيع أن تدعوَ ربَّك ؟

(11/218)


أو : هل تستطيع وترى أن تدعوه ؟ وقالوا : لم يكن الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكره قادرٌ أن ينزل عليهم ذلك ، وإنما قالوا لعيسى : هل تستطيع أنت ذلك ؟ (1)
12993 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن ابن أبي مليكة قال : قالت عائشة : كان الحواريون لا يشكّون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة ، ولكن قالوا : يا عيسى هل تَسْتطيع ربَّك ؟
12994 - حدثني أحمد بن يوسف التَّغْلِبيّ قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا ابن مهدي ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة ، عن حسّان بن مخارق ، عن سعيد بن جبير : أنه قرأها كذلك : (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) ، وقال : تستطيع أن تسأل ربَّك. وقال : ألا ترى أنهم مؤمنون ؟ (2)
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والعراق : (هَلْ يَسْتَطِيعُ) بالياء(رَبُّكَ) ، بمعنى : أن ينزل علينا ربُّك ، كما يقول الرجل لصاحبه : " أتستطيع أن تنهض معنا في كذا " ؟ وهو يعلم أنه يستطيع ، ولكنه إنما يريد : أتنهض معنا فيه ؟ وقد يجوز أن يكون مرادُ قارئه كذلك : هل يستجيب لك ربك ويُطِيعك أنْ تنزل علينا ؟
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 325.
(2) الأثر : 12994 - " أحمد بن يوسف التغلبي " ، مضى قريبًا برقم : 12957 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا : " الثعلبي " ، وهو خطأ.
و " جابر بن يزيد بن رفاعة العجلي " ، ثقة عزيز الحديث. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/210 ، وابن أبي حاتم 1/1/498.
" حسان بن مخارق " . قال البخاري : " أراه : الشيباني " ، مترجم في الكبير 2/1/31 ، وابن أبي حاتم 1/2/235 ، وقال المعلق على تاريخ البخاري : " في الثقات رجلان ، أحدهما في التابعين : حسان بن مخارق الكوفي ، يروي عن أم سلمة. روى عنه أبو إسحق الشيباني والآخر في أتباع التابعين : حسان بن مخارق الشيباني ، وقد قيل : حسان بن أبي المخارق ، أبو العوام ، يروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ : هل تستطيع ربك. روى عنه جابر بن يزيد ، وجعلهما ابن أبي حاتم واحدًا " .
وكان في المطبوعة : " حيان بن مخارق " حرف ما هو صواب في المخطوطة.

(11/219)


قال أبو جعفر : وأولى القراءتين عندي بالصواب ، قراءة من قرأ ذلك : (هَلْ يَسْتَطِيعُ) بالياء(رَبُّكَ) برفع " الربّ " ، بمعنى : هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه ؟
وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب ، لما بيّنّا قبلُ من أن قوله : " إذ قال الحواريون " ، من صلة : " إذ أوحيت " ، وأنَّ معنى الكلام : وإذ أوحيت إلى الحواريون أن آمنوا بي وبرسولي ، إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربَّك ؟ فبيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك ، أن الله تعالى ذكره قد كرِه منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه ، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قِيلهم ذلك ، والإقرارِ لله بالقدرة على كل شيء ، وتصديقِ رسوله فيما أخبرهم عن ربِّهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم ، عند قيلهم ذلك له ، استعظامًا منه لما قالوا : " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " . ففي استتابة الله إيّاهم ، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك ، واستعظام نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم (1) الدلالةُ الكافيةُ من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع " الرب " ، إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى ، لو كانوا قالوا له : " هل تستطيع أن تسأل ربَّك أن ينزل علينا مائدة من السماء " ؟ أن يُستكبر هذا الاستكبار.
فإن ظنّ ظانّ أنّ قولهم ذلك له إنما استُعظِمَ منهم ، (2) لأنّ ذلك منهم كان مسألة آيةٍ ، [فقد ظنّ خطأ]. (3) فإن الآيةَ ، إنّما يسألها الأنبياء مَنْ كان بها مكذّبًا
__________
(1) السياق : " . . . ففي استتابة الله إياهم . . . الدلالة الكافية . . . " ، وما بينهما عطوف.
(2) في المطبوعة : " إنما هو استعظام منهم " ، غير ما في المخطوطة وزاد على نصها ، فضرب على الكلام فسادا لا يفهم!! و " استعظم " بالبناء للمجهول.
(3) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، لا أشك أن الناسخ قد أسقطها غفلة ، فاضطرب سياق الكلام ، وسياق حجة أبي جعفر ، فاضطر الناشر أن يعبث بكلمات أبي جعفر لكي تستقيم معه ، فأفسد الكلام إفسادًا بينًا لا يحل له. وقد رددت الكلام إلى أصله ، كما سترى في التعليقات التالية.

(11/220)


ليتقرَّر عنده حقيقةُ ثبوتها وصحَّة أمرها ، كما كانت مسألة قريش نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل لهم الصَّفَا ذهبًا ، ويفجر فجَاج مكة أنهارًا ، مَنْ سأله من مشركي قومه وكما كانت مسألة صالح الناقةَ من مكذّبي قومه ومسألة شُعَيْب أن يسقط كِسْفًا من السماءِ ، من كفّار من أرسل إليه. (1)
فإنْ وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، (2) على هذا الوجه كانت مسألتهم ، فقد أحلّهم الذين قرءوا ذلك ب " التاء " ونصب " الرب " محلا أعظم من المحلِّ الذي ظنوا أنَّهم يحيدون بهم عنه (3) أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسلٌ ، وأن الله تعالى ذكره على ما سألوا من ذلك قادر.
فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك ، وإنما كانت مسألتهم إيَّاه ذلك على نحو ما يسأل أحدُهم نبيَّه ، إذا كان فقيرًا ، أن يسأل له ربه أن يُغْنيه وإن عرضتْ له حاجة ، (4) أن يسأل له ربه أن يقضيَها ، فليسَ ذلك من مسألةَ الآية في شيء ، (5) بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه ، فسأل نبيَّه مسألةَ ربه أن يقضيها له.
وخبر الله تعالى ذكره عن القوم ، ينبئ بخلاف ذلك. وذلك أنهم قالوا لعيسى ، إذ قال لهم : " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " " نُريد أن نأكل منها وتطمئنَّ
__________
(1) في المطبوعة : " من أرسل إليهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.
(2) في المطبوعة : " وكان الذين سألوا . . . " ، حذف " فإن " ، وعطف الكلام بعضه على بعض فاضطرب اضطرابًا فاحشًا.
(3) في المطبوعة : " الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه " ، سبحانه وتعالى ، ولكن ما فعله الناشر بنص المخطوطة جعل هذا الكلام كله لا معنى له. وكان في المخطوطة : " يحمدوا ربهم " ، مضطربة الكتابة ، فأساء الناشر قراءتها ، وأبلغ في الإساءة حين غير الكلام على الوجه الذي نشره به.
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " إن عرضت به حاجة " ، وهو غير عربي ، عربيته ما أثبت
(5) في المطبوعة : " فأنى ذلك من مسألة الآية " ، وفي المخطوطة : " فإن ذلك " وصواب ذلك ما أثبت.

(11/221)


قلوبنا ونعلم أنْ قد صدقتنا " . فقد أنبأ هذا من قِيلهم ، (1) أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدَقهم ، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته. فلا بيان أبين من هذا الكلام ، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبَهم مرضٌ وشك فى دينهم وتصديق رسولهم ، وأنهم سَألوا ما سألوا من ذلك اختبارًا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
12995 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ليث ، عن عقيل ، عن ابن عباس : أنه كان يحدِّث عن عيسى صلى الله عليه وسلم : أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا ، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ؟ فإن أجرَ العامل على من عمل له! ففعلوا ، ثم قالوا : يا معلِّم الخير ، قلت لنا : " إن أجر العامل على من عمل له " ، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا ، ففعلنا ، ولم نكن نعمل لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرُغ طعامًا ، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ قال عيسى : " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " " قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبُنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين " ، إلى قوله : " لا أعذبه أحدًا من العالمين " . قال : فأقبلت الملائكة تطير بمائدةٍ من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة ، حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.
12996 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " ، قالوا : هل يطيعك ربُّك ، إن سألته ؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطَّعام إلا اللحم ، فأكلوا منها.
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " فقد أنبأ هذا عن قيلهم " ، وهو خطأ محض ، مخل بالسياق.

(11/222)


وأما " المائدة " فإنها " الفاعلة " من : " ماد فلان القوم يَميدهم مَيْدًا " ، إذا أطعمهم ومارهم ، ومنه قول رؤبة :
نُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْ... إلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ (1)
يعني بقوله : " الممتاد " ، المستعْطَى. ف " المائدة " المطعِمة ، سميت " الخوان " بذلك ، لأنها تطعم الآكل ممّا عليها. و " المائد " ، المُدَار به في البحر ، يقال : " مادَ يَمِيدُ مَيْدًا " .
* * *
وأما قوله : " قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " ، فإنه يعني : قال عيسى للحواريّين القائلين له : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " راقبوا الله ، أيها القوم ، وخافوه (2) أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا ، فإن الله لا يعجزه شيء أراده ، وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء ، كفرٌ به ، فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته " إن كنتم مؤمنين " ، يقول : إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " ؟
* * *
__________
(1) ديوانه : 40 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 183 ، واللسان (ميد) ، وسيأتي في التفسير 12 : 84 (بولاق) ، من رجز تمدح فيه بنفسه ، ومدح قومه تميما وسعدًا وخندفًا. ثم قبله في آخرها يذكر قومه : نَكْفِي قُريشًا مَنْ سَعَى بِالإفْسَادْ ... مِنْ كُلِّ مَرْهُوبِ الشِّقَاقِ جَحَّادْ
ومُلْحِدٍ خَالَطَ أَمْرَ الإلْحَادْ
وقوله : " نهدي " بالنون ، لا بالتاء كما في لسان العرب ، وكما كان في المطبوعة هنا. و " المترفون " : المتنعمون المتوسعون في لذات الدنيا وشهواتها. و " الأنداد " جمع " ند " (بكسر النون) وهو هنا بمعنى " الضد " ، يقال للرجل إذا خالفك ، فأردت وجهًا تذهب إليه ، ونازعك في ضده : " هو ندى ، ونديدي " . ويأتي أيضًا بمعنى " المثل والشبيه " . ورواية الديوان ، ورواية أبي جعفر في المكان الآتي بعد : " الصداد " ، جمع " صاد " ، وهو المعرض المخالف. يقول : نقتل الخارجين على أمير المؤمنين ، ثم نهدي إليه رؤوسهم ، وهو المسئول دون الناس.
(2) في المطبوعة : " وخافوا " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/223)


قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)

القول في تأويل قوله : { قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم : " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " ، في قولكم لي " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " : إنا إنما قلنا ذلك ، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة ، فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء " وتطمئن قلوبنا " ، يقول : وتسكن قلوبنا ، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد ، (1) " ونعلم أن قد صدقتنا " ، ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث " ونكون عليها " ، يقول : ونكون على المائدة " من الشاهدين " ، يقول : ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء ، ولك على صدقكَ في نبوّتك. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الاطمئنان " فيما سلف 5 : 492/9 : 165.
(2) انظر تفسير " الشاهد " فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).

(11/224)


قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)

القول في تأويل قوله : { قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم ، أنه أجاب القوم إلى ما سألوا من مسألة ربه مائدةً تنزل عليهم من السماء.

(11/224)


ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا " . فقال بعضهم : معناه : نتخذ اليومَ الذي نزلت فيه عيدًا نُعَظِّمه نحن ومن بعدَنا.
* ذكر من قال ذلك :
12997 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا " ، يقول : نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظِّمه نحن ومن بعدنا.
12998 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله " تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا " ، قال : أرادوا أن تكون لعَقِبهم من بعدهم.
12999 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا " ، قال : الذين هم أحياء منهم يومئذ " وآخرنا " ، من بعدهم منهم.
13000 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، قال سفيان : " تكون لنا عيدًا " ، قالوا : نصلي فيه. نزلت مرتين.
* * *
وقال آخرون : معناه : نأكل منها جميعًا.
* ذكر من قال ذلك :
13001 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ليث ، عن عقيل ، عن ابن عباس أنه قال : أكل منها يعني : من المائدة حين وضعت بين أيديهم ، آخر الناس ، كما أكل منها أولهم.
* * *
وقال آخرون : معنى قوله " عيدًا " ، عائدة من الله تعالى ذكره علينا ، وحجة وبرهانًا.
* * *

(11/225)


قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب ، قولُ من قال : " معناه : تكون لنا عيدًا ، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه ، ونصلي له فيه ، كما يعبد الناس في أعيادهم " ، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في " العيد " ، ما ذكرنا ، دون القول الذي قاله من قال : " معناه : عائدة من الله علينا " . وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به ، أولى من توجيهه إلى المجهول منه ، ما وجد إليه السبيل.
* * *
وأما قوله : " لأولنا وآخرنا " ، فإن الأولى من تأويله بالصواب ، قولُ من قال : " تأويله : للأحياء منا اليوم ، ومن يجيء بعدنا منا " ، للعلة التي ذكرناها في قوله : " تكون لنا عيدًا " ، لأن ذلك هو الأغلب من معناه.
* * *
وأما قوله : " وآية منك " ، فإن معناه : وعلامةً وحجة منك يا رب ، على عبادك في وحدانيتك ، وفي صدقي على أنّي رسولٌ إليهم بما أرسلتني به (1) " وارزقنا وأنت خير الرازقين " ، وأعطنا من عطائك ، فإنك يا رب خير من يعطي ، وأجود من تفضَّل ، لأنه لا يدخل عطاءه منٌّ ولا نكَد. (2)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في " المائدة " ، هل أنزلت عليهم ، أم لا ؟ وما كانت ؟
فقال بعضهم : نزلت ، وكانت حوتًا وطعامًا ، فأكل القوم منها ، ولكنها رفعت بعد ما نزلت بأحداثٍ منهم أحدثوها فيما بينهم وبين الله تعالى ذكره.
ذكر من قال ذلك :
13002 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
__________
(1) انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(2) وانظر تفسير " الرزق " فيما سلف من فهارس اللغة (رزق).

(11/226)


شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : نزلت المائدة ، خبزًا وسمكًا.
13003 - حدثني الحسين بن علي الصدائي قال ، حدثنا أبي ، عن الفضيل ، عن عطية قال : " المائدة " ، سمكة فيها طعم كلِّ طعام.
13004 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن فضيل ، عن مسروق ، عن عطية قال : " المائدة " ، سمك فيه من طعم كل طعام.
13005 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن قال : نزلت المائدة خبزًا وسمكًا.
13006 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين ، خِوانٌ عليه خبز وسمك ، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا.
13007 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا المنذر بن النعمان ، أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله : " أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا " ، قال : نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات قال الحسن ، قال أبو بكر : (1) فحدَّثت به عبد الصمد بن معقل فقال : سمعت وهبًا ، وقيل له : وما كان ذلك يُغْني عنهم ؟ فقال : لا شيء ، ولكن الله حَثَا بين أضعافهن البركة ، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ، ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون ، حتى أكلوا جميعهم وأفضَلُوا.
13008 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد قال : هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا.
13009 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
__________
(1) " أبو بكر " هو " عبد الرزاق " ، وهو : " عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري " .

(11/227)


عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " مائدة من السماء " ، قال : مائدة عليها طعام ، أُتوا بها ؛ حين عرض عليهم العذاب إن كفروا. ألوان من طعام ينزل عليهم. (1)
13010 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن إسحاق بن عبد الله : أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات ، يأكلون منها ما شاؤوا. قال : فسرق بعضهم منها وقال : " لعلها لا تنزل غدًا! " ، فرفعت.
13011 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن سماك بن حرب ، عن رجل من بني عجل قال : صليت إلى جنب عَمار بن ياسر ، فلما فرغ قال : هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل ؟ قال فقلت : لا! قال : إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد. قال : فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا ، أو تخونوا ، أو ترفعوا ، فإن فعلتم فإنّي أعذبكم عذابًا لا أعذّبه أحدا من العالمين! قال : فما تمّ يومهم حتى خبئوا ورَفعوا وخانوا ، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم معشر العرب ، كنتم تتْبعون أذنابَ الإبل والشاء ، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم ، تعرفون حسبه ونسبه ، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهارون على العرَب ، ونهاكم أن تكنزوا الذهبَ والفضة. وايمْ الله. لا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تكنزوهما ، ويعذِّبكم عذابًا أليمًا.
13012 - حدثنا الحسن بن قزعة البصري قال ، حدثنا سفيان بن حبيب قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن عمار بن ياسر
__________
(1) في المطبوعة ، غير هذه العبارة تغيرًا شاملا مزيلا لمعناها ، فكتب : مائدة عليها طعام ، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن تنزل عليهم " ، وأثبت ما في المخطوطة.
أما المعنى الذي صحح الناشر الأول عليه هذا الأثر ، فهو مخالف لهذا كل المخالفة ، لأنه من قول من قال : " لم تنزل على بني إسرائيل مائدة " ، وهو قول مروي عن مجاهد فيما سيأتي رقم : 13021.

(11/228)


قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزلت المائدة خبزًا ولحمًا ، وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ولا يرفعوا لغدٍ ، فخانوا وادّخروا ورفعوا ، فمسخوا قردة وخنازير. (1)
13013 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال ، حدثنا يوسف بن خالد قال ، حدثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في المائدة قال : كانت طعامًا ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا.
* * *
* ذكر من قال ذلك :
13014 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن عمار قال : نزلت المائدة وعليها ثمرٌ من ثمر الجنة ، فأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا ، قال : فخان القوم وخبئوا وادَّخروا ، فحوّلهم الله قردة وخنازير. (2)
13015 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذُكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمرُ من ثمار الجنة ، وأمروا أن لا
__________
(1) الأثر : 13012 - " الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي البصري " ، ثقة. مضى برقم : 8281.
و " سفيان بن حبيب البصري " ، ثقة ، مضى برقم : 11302 ، 11321.
و " خلاس بن عمرو الهجري " ، مضى مرارًا ، منها : 4557 ، 5134 ، وغيرهما.
وكان في المطبوعة : " جلاس بن عمرو " ، وهو خطأ.
وهذا الخبر ، رواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه ، بإسناده عن الحسن بن قزعة ، ثم قال : " هذا حديث رواه أبو عاصم وغير واحد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن عمار ، موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة حدثنا حميد بن مسعدة ، حدثنا سفيان بن حبيب ، عن سعيد بن أبي عروبة ، نحوه ، ولم يرفعه. وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلا " .
وانظر الأثر التالي رقم : 13014 ، وهو الخبر الموقوف.
(2) الأثر : 13014 - انظر التعليق على رقم : 13012 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا " جلاس بن عمرو " وهو خطأ.

(11/229)


يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد ، بلاء ابتلاهم الله به ، (1) وكانوا إذا فعلوا شيئًا من ذلك ، أنبأهم به عيسى ، فخان القوم فيه فخبئوا وادّخروا لغدٍ.
* * *
وقال آخرون : كان عليها من كلّ طعام إلا اللحم.
* ذكر من قال ذلك :
13016 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ميسرة قال : كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل ، اختلفت عليها الأيدي بكل طعام.
13017 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عطاء ، عن ميسرة وزاذان قالا كانت الأيدي تختلف عليها بكل طعام.
13018 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن زاذان وميسرة ، في : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدةً من السماء " ، قالا رأوا الأيدي تختلف عليها بكل شيء إلا اللحم. (2)
* * *
وقال آخرون : لم ينزل الله على بني إسرائيل مائدة.
* * *
ثم اختلف قائلو هذه المقالة.
فقال بعضهم : إنما هذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لخلقه ، نهاهم به عن مسألة نبيّ الله الآيات.
* ذكر من قال ذلك :
13019 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " أبلاهم الله به " ، وهو لا يصح ، صواب قراءته ما أثبت.
(2) الأثران : 13017 ، 13018 - " زاذان الكندي الضرير " ، مضى برقم : 9508.

(11/230)


عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " أنزل علينا مائدة من السماء " ، قال : مثل ضُرب ، لم ينزل عليهم شيء.
* * *
وقال آخرون : إنّ القوم لما قيل لهم : " فمن يكفر بعدُ منكم فإني أعذِّبه عذابًا لا أعذِّبه أحدًا من العالمين " ، استعفَوْا منها فلم تنزل.
* ذكر من قال ذلك :
13020 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم : " فمن يكفر بعد منكم " ، إلى آخر الآية ، قالوا : لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.
13021 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن منصور بن زاذان ، عن الحسن : أنه قال في المائدة : لم تنزل. (1)
13022 - حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام ، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن تَنزل عليهم.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه.
وإنما قلنا ذلك ، للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم ، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.
وبعدُ ، فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه ، ولا يقع في خبره الْخُلف ، وقد قال تعالى ذكره مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك : " إني منزلها عليكم " ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره :
__________
(1) الأثر : 13021 - " منصور بن زاذان الثقفي الواسطي " ، أبو المغيرة. ثقة ، روى عن أبي العالية ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، وابن سيرين. مترجم في التهذيب.

(11/231)


قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)

" إني منزلها عليكم " ، ثم لا ينزلها ، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول : " إني منزلها عليكم " ، ثم لا ينزلها عليهم ، جاز أن يقول : " فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين " ، ثم يكفر منهم بعد ذلك ، فلا يعذّبه ، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك.
* * *
وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة ، فأن يقال : كان عليها مأكول. وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا ، وجائزٌ أن يكون كانَ ثمرًا من ثمر الجنة ، وغيرُ نافع العلم به ، ولا ضارّ الجهل به ، إذا أقرَّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) }
قال أبو جعفر : وهذا جواب من الله تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى مسألةَ ربهم ، من إنزاله مائدة عليهم. فقال تعالى ذكره : إني منزلها عليكم ، أيها الحواريون ، فمطعمكموها " فمن يكفر بعد منكم " ، يقول : فمن يجحد بعد إنزالها عليكم ، وإطعاميكموها - منكم رسالتي إليه ، وينكر نبوة نبيِّي عيسى صلى الله عليه وسلم ، ويخالفْ طاعتي فيما أمرته ونهيته " فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين " ، من عالمي زمانه. ففعل القوم ، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم ، فيما ذكر لنا ، فعذبوا ، فيما بلغنا ، بأن مُسِخوا قردة وخنازير ، كالذي : -
13023 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " إني منزلها عليكم " الآية ، ذكر لنا أنهم حوِّلوا خنازير.

(11/232)


وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)

13024 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عدي ، ومحمد بن جعفر ، عن عوف ، عن أبي المغيرة القوّاس ، عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشدّ الناس عذابًا ثلاثة : المنافقون ، ومن كفر من أصحاب المائدة ، وآل فرعون. (1)
13025 - حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن عوف قال : سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول : قال عبد الله بن عمرو : إنّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة : من كفر من أصحاب المائدة ، والمنافقون ، وآل فرعون. (2)
13026 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " فمن يكفر بعد منكم " ، بعد ما جاءته المائدة " فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين " ، يقول : أعذبه بعذاب لا أعذبه أحدًا من العالمين غير أهل المائدة.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ، " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمِّيَ إلهين من دون الله " .
* * *
__________
(1) الأثران : 13025 ، 13026 - " أبو المغيرة القواس " ، روى عن عبد الله بن عمرو. روى عنه عوف. وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال : " لا أعلم أحدًا يسميه " . ضعفه سليمان التيمي ، ووثقه ابن معين. مترجم في الكنى للبخاري : 70 ، وابن أبي حاتم 4/2/439.
(2) الأثران : 13025 ، 13026 - " أبو المغيرة القواس " ، روى عن عبد الله بن عمرو. روى عنه عوف. وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال : " لا أعلم أحدًا يسميه " . ضعفه سليمان التيمي ، ووثقه ابن معين. مترجم في الكنى للبخاري : 70 ، وابن أبي حاتم 4/2/439.

(11/233)


وقيل : إن الله قال هذا القولَ لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
13028 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، قال : لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه ، قالت النصارى ما قالت ، وزعموا أنّ عيسى أمرَهم بذلك ، فسأله عن قوله فقال : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب " إلى قوله : " وأنت على كل شيء شهيد " .
* * *
وقال آخرون : بل هذا خبر من الله تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك في القيامة.
* ذكر من قال ذلك :
13029 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، قال : والناس يسمعون ، فراجعه بما قد رأيت ، وأقرَّ له بالعبودية على نفسه ، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول : أنه إنما كان يقول باطلا.
13030 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ميسرة قال : قال الله : يا عيسى ، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله ؟ فأُرْعِدت مفاصله ، وخشي أن يكون قد قال ، فقال : سبحانك ، إن كنت قلته فقد علمته الآية.
13031 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،

(11/234)


عن قتادة في قوله : " يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، متى يكون ذلك ؟ قال : يوم القيامة ، ألا ترى أنه يقول : " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " ؟
فعلى هذا التأويل الذي تأوَّله ابن جريج ، يجب أن يكون " وإذ " بمعنى : و " إذا " ، كما قال في موضع آخر : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا ، [سورة سبأ : 51] ، بمعنى : يفزعون ، وكما قال أبو النجم :
ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى... جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلا (1)
والمعنى : إذا جزى ، وكما قال الأسود : (2)
فَالآنَ ، إذْ هَازَلْتُهُنَّ ، فإنَّمَا... يَقُلْنَ : ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبَا !!ٌٌ (3)
بمعنى : إذا هازلتهن.
__________
(1) الأضداد لابن الأنباري : 102 ، والصاحبي : 112 ، واللسان (طها) وسيأتي بعد قليل في هذا الجزء ص : 317 ، بزيادة بيت. وقوله : " العلالي " ، جمع " علية " (بكسر العين ، وتشديد اللام المكسورة ، والياء المشدودة) : وهي الغرفة العالية من البيت. وأرد بذلك : " في عليين " ، المذكورة في القرآن. وقد قال هدبة من خشرم أيضًا ، فتصرف : كأنَّ حَوْطًا ، جزاهُ اللهُ مَغْفِرَةً ... وَجَنَّةً ذاتَ عِلِّيٍّ وأشْرَاعِ
و " الأشراع " ، السقائف.
(2) هو الأسود بن يعفر النهشلي ، أعشى بني نهشل.
(3) ديوان الأعشين : 293 ، والأضداد لابن الأنباري : 101 ، من قصيدة له ، ذهب أكثرها فلم يوجد منها في الكتب المطبوعة ، غير هذا البيت ، وخمسة أبيات أخرى ، في ديوانه ، وفي العيني (هامش خزانة الأدب 4 : 103) ، وهي أبيات جياد : صَحَا سَكَرٌ مِنْه طَوِيلٌ بِزَيْنَيَا ... تَعَاقَبَهُ لَمَّا اسْتَبَانَ وجَرَّبَا
وَأَحْكَمَهُ شَيْبُ القَذَالِ عَنِ الصِّبَا ... فَكَيْفَ تَصَابِيه وَقَدْ صَار أَشْيَبَا?
وَكَان لَهُ ، فِيمَا أَفَادَ ، خَلاَئِلٌ ... عَجِلْنَ ، إذَا لاقَيْنَهُ ، قُلْنَ : مَرْحَبَاٌ!!
فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَهُ عَنْ بِمَا بهِ ... أصَعَّدَ فَي عُلْوِ الهَوَى أم تَصَوَّبَا?
طَوَامِحُ بالأَبْصَارِ عَنْه ، كَأَنَّمَا ... يَرَيْنَ عَلَيْهِ جُلَّ أَدْهَمَ أجْرَبَا

(11/235)


وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا ، وجَّه تأويل الآية إلى : " فمن يكفر بعدُ منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين " في الدنيا وأعذبه أيضًا في الآخرة : " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك ، قولُ من قال بقول السدي ، وهو أن الله تعالى ذكره قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه ، وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى ، لعلَّتين :
إحداهما : أن " إذْ " إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضيَ من الفعل ، وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يحدث ، إذا عرف السامعون معناها. وذلك غير فاشٍ ، ولا فصيح في كلامهم ، (1) وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل ، (2) أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.
والأخرى : أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء ، أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه ، فيجوز أن يُتَوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره : إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
* * *
فإن قال قائل : وما كان وجه سؤال الله عيسى : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك ؟
قيل : يحتمل ذلك وجهين من التأويل :
__________
(1) انظر ما سلف من القول في " إذ " و " إذا " 1 : 349 - 444 ، 493/3 : 92 ، 98/6 : 407 ، 550/7 : 333/9 : 627. وانظر ما سيأتي ص : 317.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " فتوجيه " بالفاء ، والجيد ما أثبت.

(11/236)


أحدهما : تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيُه ، كما يقول القائل لآخر : " أفعلت كذا وكذا " ؟ مما يعلم المقولُ له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له : " أفعلته " ، على وجه النهي عن فعله ، والتهديد له فيه.
والآخر : إعلامه أنّ قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده ، وبدّلوا دينهم بعده. فيكون بذلك جامعًا إعلامَه حالَهم بعده ، وتحذيرًا له قيله. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأما تأويل الكلام ، فإنه : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين " ، أي : معبودين تعبدونهما من دون الله. قال عيسى : تنزيهًا لك يا رب وتعظيمًا أن أفعل ذلك أو أتكلم به (2) ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " ، يقول : ليس لي أن أقول ذلك ، لأني عبد مخلوق ، وأمي أمَةٌ لك ، وكيف يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبية ؟ (3) " إن كنت قلته فقد علمته " ، يقول : إنك لا يخفى عليك شيء ، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمُرهم به.
* * *
القول في تأويل قوله : { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (116) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم : أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفي أمه الكفرةُ من النصارى ، أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به ، فقال : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت
__________
(1) في المطبوعة : " وتحذيره " ، غير ما كان في المخطوطة لغير طائل.
(2) انظر تفسير " سبحان " فيما سلف 1 : 474 - 476 ، 495/2 : 537/6 : 423.
(3) في المطبوعة : " فهل يكون للعبد " ، وفي المخطوطة : " فيكون يكون للعبد " ، هكذا ورجحت قراءتها كما أثبتها.

(11/237)


مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

قلته فقد علمته " . ثم قال : " تعلم ما في نفسي " ، يقول : إنك ، يا رب ، لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي ، فكيف بما قد نطقتُ به وأظهرته بجوارحي ؟ يقول : لو كنت قد قلت للناس : ا " تخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، كنت قد علمته ، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به ، فكيف بما قد نطقت به ؟ " ولا أعلم ما في نفسك " ، يقول : ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه ، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه " إنك أنت عَلام الغيوب " ، يقول : إنك أنت العالم بخفيّات الأمور التي لا يطلع عليها سواك ، ولا يعلمها غيرك. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى ، يقول : ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم ، وهو أن قلت لهم : " اعبدوا الله ربي وربكم " " وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم " ، يقول : وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم (2) " فلما توفيتني " ،
__________
(1) انظر تفسير " علام الغيوب " فيما سلف قريبًا : 211 وتفسير " الغيب " 1 : 236 ، 237/6 : 405/10 : 585.
(2) انظر تفسير : " شهيد " فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) وتفسير " ما دام " فيما سلف 10 : 185/ 11 : 74.

(11/238)


يقول : فلما قبضتني إليك (1) " كنت أنت الرقيب عليهم " ، يقول : كنت أنت الحفيظ عليهم دوني ، (2) لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.
وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله : " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " .
" وأنت على كل شيء شهيد " يقول : وأنت تشهد على كل شيء ، لأنه لا يخفى عليك شيء ، وأما أنا ، فإنما شهدت بعض الأشياء ، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم ، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيتُ وشهدت.
* * *
وبنحو الذي قلنا في قوله : " كنت أنت الرقيب عليهم " ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13032 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى : " كنت أنت الرقيب عليهم " ، أما " الرقيب " ، فهو الحفيظ.
13033 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " كنت أنت الرقيب عليهم " ، قال : الحفيظ.
* * *
وكانت جماعة من أهل العلم تقول : كان جواب عيسى الذي أجاب به ربَّه من الله تعالى ، توقيفًا منه له فيه. (3)
* ذكر من قال ذلك :
13034 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن معمر ،
__________
(1) انظر تفسير " توفاه " فيما سلف 6 : 455 - 461/8 : 73/9 : 100.
(2) انظر تفسير " الرقيب " فيما سلف 7 : 523.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " توفيقًا " (بالفاء قبل القاف) ، في هذا الموضع وما يليه.
وهو خطأ من الناسخ والناشر لا شك فيه ، صوابه ما أثبت. يقال : " وقفت الرجل على الكلمة توقيفًا " ، إذا علمته الكلمة لم يكن يعلمها ، أو غابت عنه. أي أنها كانت من تعليم الله إياه ، لم يقلها من عند نفسه.

(11/239)


إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)

عن ابن طاوس ، عن أبيه : " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " ، قال : الله وقَّفَه. (1)
13035 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو داود الحفري قال ، قرئ على سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس قال : احتج عيسى ، والله وقّفه : " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، الآية.
13036 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن ميسرة قال : قال الله تعالى ذكره : " يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ؟ قال : فأُرعدت مفاصله ، وخشى أن يكون قد قالها ، فقال : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب " .
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة ، بإماتتك إياهم عليها " فإنهم عبادك " ، مستسلمون لك ، لا يمتنعون مما أردت بهم ، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به " وإن تغفر لهم " ، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها ، فتستر عليهم " فإنك أنت العزيز " ، (2) في
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " الله وفقه " ، وانظر التعليق السالف ، وكذلك ما سيأتي في الأثر التالي.
(2) انظر تفسير " العباد " ، و " المغفرة " ، و " العزيز " ، و " الحكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) ، (غفر) ، (عزز) ، (حكم).

(11/240)


قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)

انتقامه ممن أراد الانتقام منه ، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه " الحكيم " ، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة ، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب ، كالذي : -
13037 - حثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم " ، فتخرجهم من النصرانية ، وتهديهم إلى الإسلام " فإنك أنت العزيز الحكيم " . وهذا قول عيسى في الدنيا.
13038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ، قال : والله ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة قوله : " هذا يوم ينفع الصادقين " . فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة : (هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) ، بنصب " يوم " .
* * *
وقرأه بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة ، وعامة قرأة أهل العراق : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ، برفع " يوم " . فمن رفعه رفعه ب " هذا " ، وجعل " يوم " اسمًا ، وإن كانت إضافته غير محضة ، لأنه قد صار كالمنعوت. (1)
__________
(1) في المطبوعة : " لأنه صار " ، أسقط " قد " .

(11/241)


وكان بعض أهل العربية يزعم أن العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل " اليوم " و " الليلة " ، عملهم فيما بعدها. إن كان ما بعدها رفعًا رفعوها ، كقولهم : " هذا يومُ يركب الأمير " ، و " ليلةُ يصدر الحاج " ، و " يومُ أخوك منطلق " . وإن كان ما بعدها نصبًا نصبوها ، وذلك كقولهم : " هذا يومَ خرج الجيش ، وسار الناس " ، و " ليلةَ قتل زيد " ، ونحو ذلك ، وإن كان معناها في الحالين " إذ " و " إذا " .
* * *
وكأن من قرأ هذا هكذا رفعًا ، وجَّه الكلام إلى أنه من قيل الله يوم القيامة.
* * *
وكذلك كان السدي يقول في ذلك.
13039 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال الله : " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " ، هذا فصل من كلام عيسى ، وهذا يوم القيامة.
* * *
يعني السدي بقوله : " هذا فصل من كلام عيسى " : أن قوله : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " إلى قوله : " فإنك أنت العزيز الحكيم " ، من خبر الله عز وجل عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه ، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة.
* * *
وأما النصب في ذلك ، فإنه يتوجه من وجهين :
أحدهما : أن إضافة " يوم " ما لم تكن إلى اسم ، تجعله نصبًا ، لأن الإضافة غير محضة ، وإنما تكون الإضافة محضة ، إذا أضيف إلى اسم صحيح. ونظير " اليوم " في ذلك : " الحين " و " الزمان " ، وما أشبههما من الأزمنة ، كما قال النابغة :

(11/242)


عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا... وَقُلْتُ ألَمَّا تَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ (1)
والوجه الآخر : أن يكون مرادًا بالكلام : هذا الأمر وهذا الشأن ، يومَ ينفع الصادقين فيكون " اليوم " حينئذ منصوبًا على الوقت والصفة ، بمعنى : هذا الأمر في يوم ينفع الصادقين صدقهم.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب : ( هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) ، بنصب " اليوم " ، على أنه منصوب على الوقت والصفة. لأن معنى الكلام : إنّ الله جل وتعالى ذكره أجاب عيسى حين قال : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته " ، إلى قوله : " فإنك أنت العزيز الحكيم " ، فقال له عز وجل : هذا القولُ النافعُ أو هذا الصدق النافع يوم ينفع الصادقين صدقهم. ف " اليوم " وقت القول والصدق النافع.
* * *
فإن قال قائل : فما موضع " هذا " ؟
قيل : رفع.
فإن قال : فأين رَافعه ؟
__________
(1) ديوانه : 38 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 327 ، وسيبويه 1 : 369 ، والخزانة 3 : 151 والعيني (هامش الخزانة) 3 : 406/ 4 : 357 ، وسيأتي في هذا التفسير 19 : 88/ ثم 30 : 57 ، (بولاق) ، ورواية أبي جعفر هنا " ألما تصح " كرواية الفراء ، وفي سائر المراجع " ألما أصح " . وهما روايتان صحيحتا المعنى.
وهذا البيت من قصيدته التي قالها معتذرا إلى النعمان بن المنذر ، متنصلا مما قذفه به مرة بن ربيعة عند النعمان ، يقول قبله : فَكَفْكَفْتُ مِنِّي عَبْرَةً فَرَدَدْتُهَا ... على النَّحْرِ ، مِنْها مُسْتَهِلٌّ ودامِعٌ
يقول : عاقبت نفسي على تشوقها إلى ما فات من صباي ، فقد شبت وشابت لداتي ، وقلت لنفسي : ألم تفق بعد من سكرة الصبا ، وعهد الناس بالمشيب أنه يكف من غلواء الشباب!

(11/243)


قيل : مضمر. وكأنه قال : قال الله عز وجل : هذا ، هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، كما قال الشاعر : (1)
أَمَا تَرَى السَّحَابَ كَيْفَ يَجْرِي ?... هذا ، وَلا خَيْلُكَ يَا ابْن بِشْرِ
يريد : هذا هذا ، ولا خيلك.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام ، إذ كان الأمر على ما وصفنا لما بينا : قال الله لعيسى : هذا القول النافع في يوم ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم ذلك ، في الآخرة عند الله " لهم جنات تجري من تحتها الأنهار " ، يقول : للصادقين في الدنيا ، جنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة ، ثوابًا لهم من الله عز وجل على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه ، فوفوا به لله ، فوفى الله عز وجل لهم ما وعدهم من ثوابه " خالدين فيها أبدًا " ، يقول : باقين في الجنات التي أعطاهموها " أبدًا " ، دائمًا ، لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول. (2)
* * *
وقد بينا فيما مضى أن معنى " الخلود " ، الدوام والبقاء. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : رَضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين
__________
(1) لم أعرف هذا الراجز
(2) انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف 9 : 227/10 : 185.
(3) انظر فهارس اللغة فيما سلف (خلد).

(11/244)


لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)

صدقوا في الوفاء له بما وعدوه ، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه " ورضوا عنه " ، يقول : ورضوا هم عن الله تعالى ذكره في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم ، من جزيل ثوابه (1) " ذلك الفوز العظيم " ، يقول : هذا الذي أعطاهم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها ، مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم ، هو الظفر العظيم بالطَّلِبة ، (2) وإدراك الحاجة التي كانوا يطلبونها في الدنيا ، ولها كانوا يعملون فيها ، فنالوا ما طلبوا ، وأدركوا ما أمَّلوا.
* * *
القول في تأويل قوله : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أيها النصارى ، " لله ملك السموات والأرض " ، يقول : له سلطان السموات والأرض (3) " وما فيهن " ، دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم ، ودون أمه ، ودون جميع من في السموات ومن في الأرض ، فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهن ، وعيسى وأمُّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال ، يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال ، أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن. ينبِّههم وجميعَ خلقه على موضع حجته عليهم ، ليدَّبروه ويعتبروه فيعقلوا عنه " وهو على كل شيء
__________
(1) انظر تفسير " الرضا " فيما سلف 6 : 262/9 : 480/10 : 144.
(2) انظر تفسير " الفوز " . فيما سلف 7 : 452 ، 472/8 : 71 .
(3) انظر تفسير " الملك " فيما سلف 8 : 480 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(11/245)


قدير " ، (1) يقول تعالى ذكره : والله الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن ، قادرٌ على إفنائهن وعلى إهلاكهن ، وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم ، لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده ، لأن قدرته القدرةُ التي لا تشبهها قدرة ، وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة.
* * *
(آخر تفسير سورة المائدة) (2)
__________
(1) انظر تفسير " قدير " فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).
(2) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :
" آخر تفسير سورة المائدة صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم يَتْلُوهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْعَامِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ "

(11/246)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)

تفسير سورة الأنعام القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنعام بسم الله الرحمن الرحيم رَبِّ يسِّرْ
* * *
القول في تأويل قوله : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " الحمد لله " ، الحمدُ الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأندادِ والآلهة ، ودون ما سواه مما تعبده كَفَرةُ خلْقه من الأوثان والأصنام .
وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر يُنْحَى به نحو الأمر. يقول : أخلصوا الحمد والشكر للذي خَلَقَكم ، أيها الناس ، وخلق السماوات والأرض ، ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا ، (1) فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمة عليكم ، لا من تعبدونه من دونه ، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه .
* * *
وقد بينا الفصل بين معنى " الحمد و " الشكر " بشواهده فيما مضى قبل . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وأظلم الليلَ ، وأنارَ النَّهار ، كما : -
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " أحدا شيئًا " ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(2) انظر تفسير " الحمد " فيما سلف 1 : 135 - 141.

(11/247)


13040 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وجعل الظلمات والنور " ، قال : الظلمات ظلمة الليل ، والنور نورُ النهار .
13041 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : أمّا قوله : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " ، فإنه خلق السَّماوات قبل الأرض ، والظلمةَ قبل النور ، والجنّة قَبل النار .
* * *
فإن قال قائل : فما معنى قوله إذًا : " جعل " .
قيل : إن العرب تجعلها ظرفًا للخبرِ والفِعْل فتقول : " جعلت أفعل كذا " ، و " جعلت أقوم وأقعد " ، تدل بقولها " جعلت " على اتصال الفعل ، كما تقول " علقت أفعل كذا " لا أنها في نفسها فِعْلٌ. يدلُّ على ذلك قول القائل : " جعلت أقوم " ، وأنه لا جَعْلَ هناك سوى القيام ، وإنما دَلَّ بقوله : " جعلت " على اتّصال الفعل ودوامه ، (1)
ومن ذلك قول الشاعر : (2)
وَزَعَمْتَ أنَّكَ سَوْفَ تَسْلُكُ فَارِدًا... وَالمَوْتُ مُكْتَنِعٌ طَرِيقَيْ قَادِرِ
فَاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِنْ يَمِينِكَ إنَّمَا... حِنْثٌ اليَمِينِ عَلَى الأثِيمِ الفَاجِرِ (3)
__________
(1) انظر ما كتبته على الأثر رقم : 8317 ، ج 7 : 547 ، تعليق : 6/ ثم الأثر : 12834 ، ج : 11 : 128 ، تعليق : 1 ، في قوله : " فذهب ينزل " وقوله : " تذهب فتختلط " ، وقد سميتها هناك ألفاظ الاستعانة. وقد أجاد أبو جعفر العبارة عن هذا المعنى ، فقيده وحفظه.
(2) لم أعرف قائله.
(3) لم أجد البيتين فيما بين يدي من الكتب ، وإن كنت أذكر أني قرأتهما قبل ، ثم لا أدري أين ؟ وكان البيت الأول في المطبوعة : وَزَعَمْتَ أَنَّكَ سَوفَ تَسْلُك قادِرًا ... وَالموتُ مُتَّسِعٌ طَرِيقي قادِرِ
وهو كلام صفر من المعنى. وكان في المخطوطة هكذا. وزعمتَ أنك سوف تسلك مال را ... الموت ملسع طريقي قادرِ
ورجحت قراءته كما أثبته ، وكما أتوهم أني أذكر من معنى الشعر ، وأظنه من كلام شاعر يقوله لأخيه أو صاحبه ، أراد أن ينفرد في طريقه وحلف ليفعلن ذلك ، فسخر منه ، وقال له ما قال. وقوله : " فارد " ، أي منفردًا منقطعًا عن رفيقك وصاحبك. وقوله : " والموت مكتنع " ، أي : دان قد أشرف عليك. يقال " كنع الموت واكتنع " دنا وقرب ، قال : الراجز : وَاكْتَنَعَتْ أُمُّ اللُّهَيْمِ وَاكْتَنَعْ
و " أم اللهيم " ، كنية الموت ، لأنه يلتهم كل شيء.
هذا اجتهادي في تصحيح الشعر ، حتى يوجد في مكان غيره.

(11/250)


يقول : " فاجعل تحلّل " ، بمعنى : تحلل شيئًا بعد شيء لا أن هناك جَعْلا من غير التحليل . فكذلك كل " جَعْلٍ " في الكلام ، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصال ، لا أن له حظًّا في معنى الفعْل.
* * *
فقوله : " وجعل الظلمات والنور " ، إنما هو : أظلم ليلَهما ، وأنارَ نَهارَهُما.
* * *
القول في تأويل قوله : { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، معجِّبًا خلقَه المؤمنين من كفَرة عباده ، ومحتجًّا على الكافرين : إنّ الإله الذي يجبُ عليكم ، أيها الناس ، حمدُه ، هو الذي خلَق السماوات والأرض ، الذي جعل منهما معايشَكم وأقواتكم ، وأقواتَ أنعامكم التي بها حياتكم. فمن السماوات ينزل عليكم الغيثُ ، وفيها تجري الشمس والقمر باعتِقابٍ واختلاف لمصالحكم. ومن الأرض ينبُتُ الحب الذي به غذاؤكم ، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم ، مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم ،

(11/251)


أيها الناس " بربهم " ، الذي فعل ذلك وأحدثه " يعدلون " ، يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه ، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثانَ ، وليس منها شيء شرِكه في خلق شيءٍ من ذلك ، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم ، بل هو المنفرد بذلك كله ، وهم يشركون في عبادتهم إيّاه غيره . فسبحان الله ما أبلغها من حجة ، وأوجزها من عظة ، لمن فكَّر فيها بعقل ، وتدبرها بفهم !
* * *
ولقد قيل : إنها فاتحة التوراة .
* ذكر من قال ذلك :
13042 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب قال : فاتحة التوراة فاتحة " الأنعام " : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجَعَل الظلمات والنور ثم الذين كَفَروا بربِّهم يعدلون " . (1)
13043 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن حباب ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب ، مثله وزاد فيه : وخاتمة التوراة خاتمة " هود " .
* * *
يقالُ من مساواة الشيء بالشيء : " عدلتُ هذا بهذا " ، إذا ساويته به ، " عَدْلا " . وأما في الحكم إذا أنصفت فيه ، فإنك تقول : " عَدَلت فيه أعدلُ عَدْلا " . (2)
__________
(1) الأثر : 13042 - " عبد العزيز بن عبد الصمد العمي " ، " أبو عبد الصمد " ، ثقة حافظ ، من شيوخ أحمد ، روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب.
و " أبو عمران الجوني " هو " عبد الملك بن حبيب الأزدي " ، ثقة ، مضى برقم : 80.
و " عبد الله بن رباح الأنصاري " ، ثقة ، مضى برقم : 4810.
و " كعب " ، هو كعب الأحبار المشهور بأخباره الإسرائيلية.
(2) انظر تفسير " العدل فيما سلف 2 : 35/11 : 43 ، 44.

(11/252)


وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : " يعدلون " ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13044 - حدثني ابن محمد عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " يعدلون " ، قال : يشركون .
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بذلك :
فقال بعضهم : عُني به أهل الكتاب .
* ذكر من قال ذلك :
13045 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى قال : جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربِّهم يعدِلون " ، قال له : أليس الذين كفروا بربِّهم يعدلون ؟ قال : بلى ! قال : وانصرف عنه الرجل ، فقال له رجل من القوم : يا ابن أبزى ، إن هذا قد أراد تفسيرَ هذه غير هذا! إنه رجلٌ من الخوارج ! فقال : ردّوه عليّ . فلما جاءه قال : هل تدري فيمن نزلت هذه الآية ؟ قال : لا! قال : إنها نزلت في أهل الكتاب ، اذهبْ ، ولا تضعها على غير حدِّها . (1)
__________
(1) الأثر : 13045 - " يعقوب القمي " ، هو " يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي " ، ثقة ، مضى برقم : 617 ، 7269 ، 8158.
و " جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي " ، ثقة ، مضى برقم : 87 ، 617 ، 4347 ، 7269.
و " ابن أبزى " هو : " سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي " ، ثقة ، مضى برقم : 9656 ، 9657 ، 9672.
وأراد السائل من الخوارج بسؤاله ، الاستدلال بالآية على تكفير أهل القبلة ، في أمر تحكيم علي بن أبي طالب. وذلك هو رأي الخوارج.

(11/253)


هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

وقال آخرون : بل عُنى بها المشركون من عبدةِ الأوثان .
* ذكر من قال ذلك :
13046 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال : [هؤلاء : أهل صراحيه] . (1)
13047 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال : هم المشركون .
13048 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، قال : الآلهة التي عبَدوها ، عدلوها بالله . قال : وليس لله عِدْلٌ ولا نِدٌ ، وليس معه آلهة ، ولا اتخذ صاحبةً ولا ولدًا .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إنّ الله تعالى ذكره أخبر أنّ الذين كفروا بربهم يعدلون ، فعمّ بذلك جميع الكفّار ، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. فجميعهم داخلون في ذلك : يهودهم ، ونصاراهم ، ومجوسهم ، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر .
* * *
القول في تأويل قوله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " هو الذي خلقكم من طين " ، أن الله الذي خلق السماوات والأرض ، وأظلم ليلهما وأنَار نهارهما ، ثم كفر به مع
__________
(1) في المطبوعة : " هؤلاء أهل صراحة " ، وهو كلام لا معنى له ، وفي المخطوطة ما أثبته بين القوسين ، لم أستطع أن أحل رموزه ، فلعله يوجد بعد في كتاب غير الكتب التي في أيدينا ، فتبين صحته.

(11/254)


إنعامه عليهم الكافرون ، (1) وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرُّهم . هو الذي خلقكم ، أيها الناس ، من طين. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره : أنَّ الناس وَلدُ مَنْ خلقه من طين ، فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم ، إذ كانوا وَلَده .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13049 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " هو الذي خلقكم من طين " ، بدءُ الخلق ، خلقَ الله آدم من طين .
13050 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " هو الذي خلقكم من طين " ، قال : هو آدم .
13051 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أمّا " خلقكم من طين " ، فآدم .
13052 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك بن مزاحم قال : خلق آدم من طين ، وخلق الناس من سُلالةٍ من ماءٍ مَهين .
13053 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " خلقكم من طين " ، قال : خلق آدم من طين ، ثم خلقنا من آدم حين أخذَنا من ظهره .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " فكفر به " ، أما المخطوطة ، ففيها الذي أثبته إلا أنه كتب " ثمكفر به " ووصل " ثم " بقوله : " كفر " ، وهذا من عجب الكتابة ولطائف النساخ.

(11/255)


القول في تأويل قوله : { ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : معنى قوله : " ثم قضى أجلا " ، ثم قضى لكم ، أيها الناس ، " أجلا " . وذلك ما بين أن يُخْلق إلى أن يموت " وأجل مسمى عنده " ، وذلك ما بين أن يموت إلى أن يبعث .
* ذكر من قال ذلك :
13054 - حدثنا ابن وكيع وهناد بن السري قالا حدثنا وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن في قوله : " قضى أجلا " ، قال : ما بين أن يخلق إلى أن يموت " وأجل مسمى عنده " ، قال : ما بين أن يموت إلى أن يبعث . (1)
13055 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عِنده " ، كان يقول : أجل حياتك إلى أن تموت ، وأجل موتك إلى أن تُبْعث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره .
13056 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك بن مزاحم : " قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال : قضى أجل الموت ، وكل نفسٍ أجلها الموت . قال : ولن يؤخر الله نفسًا
__________
(1) الأثر : 13054 - " وكيع " هو " وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي " .
وأبوه : " الجراح بن مليح الرؤاسي " ، مضيا في مواضع مختلفة.
و " أبو بكر الهذلي " مختلف في اسمه قيل هو : " سلمى بن عبد الله بن سلمى " ، وقيل : " روح بن عبد الله " . ومضى برقم : 597 ، 8376 ، وهو ضعيف.

(11/256)


إذا جاء أجلها " وأجل مسمى عنده " ، يعني : أجل الساعة ، ذهاب الدنيا ، والإفضاءُ إلى الله .
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم قضى الدنيا ، وعنده الآخرة .
* ذكر من قال ذلك :
13057 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله : " أجلا " ، قال : الدنيا " وأجل مسمى عنده " ، الآخرة .
13058 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن زكريا بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قضى أجلا " ، قال : الآخرة عنده " وأجل مسمى " ، الدنيا .
13059 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أجلا " ، قال : الآخرة عنده " وأجل مسمًّى " ، قال : الدنيا .
13060 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أجلا " ، قال : الآخرة عنده " وأجل مسمى " ، قال : الدنيا .
13061 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والحسن : " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قالا قضى أجل الدنيا ، من حين خلقك إلى أن تموت " وأجل مسمى عنده " ، يوم القيامة .
13062 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ،

(11/257)


عن مجاهد وعكرمة : " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قال : قَضَى أجل الدنيا " وأجل مسمى عنده " ، قال : هو أجل البعث .
13063 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن مجاهد وعكرمة : " ثم قضى أجلا " ، قال : الموت " وأجل مسمى عنده " ، الآخرة .
13064 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة والحسن في قوله : " قضى أجلا وأجل مسمى عنده " ، قالا قضى أجل الدنيا ، منذ يوم خلقت إلى أن تموت " وأجل مسمى عنده " ، يوم القيامة .
13065 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد : " قضى أجلا " ، قال : أجل الدنيا " وأجل مسمى عنده " ، قال : البعث .
13066 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عنده " ، يعني : أجل الموت " والأجل المسمى " ، أجلُ الساعة والوقوفِ عند الله .
13067 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قضى أجلا " ، قال : أمّا " قضى أجلا " ، فأجل الموت " وأجل مسمى عنده " ، يوم القيامة .
* * *
وقال آخرون في ذلك بما : -
13068 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : " ثم قضى أجلا وأجل

(11/258)


مسمى عنده " ، قال : أمّا قوله : " قضى أجلا " ، فهو النومُ ، تُقْبض فيه الروح ، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة " وأجل مسمى عنده " ، هو أجل موت الإنسان .
* * *
وقال آخرون بما : -
13069 - حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب في قوله : " هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون " ، قال : خلق آدم من طين ، ثم خلقنا من آدم ، أخذنا من ظهره ، ثم أخذ الأجل والمِيثاق في أجلٍ واحد مسمًّى في هذه الحياة الدنيا .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : معناه : ثم قضى أجلَ الحياة الدنيا " وأجلٌ مسمى عنده " ، وهو أجل البَعْث عنده .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأنه تعالى ذكره نبَّه خلقَه على موضع حُجَّته عليهم من أنفسهم فقال لهم : أيها الناس ، إن الذي يعدِلُ به كفارُكم الآلهةَ والأندادَ ، هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين ، فجعلكم صورًا أجساًما أحياءً ، بعد إذ كنتم طينًا جمادًا ، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم ، ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم وأجل مسمى عندَه لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم . (1) وذلك نظير قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، [سورة البقرة : 28].
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الأجل " فيما سلف 5 : 7/6 : 43 ، 76/8 : 548.
وتفسير " مسمى " فيما سلف 6 : 43.

(11/259)


القول في تأويل قوله : { ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَر على خلق السماوات والأرض ، وإظلام الليل وإنارة النهار ، وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم ، (1) وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم .
* * *
و " المرية " في كلام العرب ، هي الشك. وقد بيّنت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
وقد : -
13070 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " ثم أنتم تمترون " ، قال : الشك . قال : وقرأ قول الله : فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [سورة هود : 17] ، قال : في شكٍّ منه.
13071 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ثم أنتم تمترون " ، بمثله .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وعلى إنشائه " بزيادة الواو ، وهي مفسدة وهي خطأ صرف ، لم يفهم سياق أبي جعفر ، فإن قوله : " على إنشائه إياكم " متعلق بقوله : " ثم أنتم تشكون في قدرة من قدر . . . " ، أي : تشكون في قدرة من فعل ذلك ، على إنشائه إياكم.
(2) انظر تفسير " الامتراء " فيما سلف 3 : 190 ، 191/6 : 472.

(11/260)


وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)

القول في تأويل قوله : { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذي له الألوهةُ التي لا تنبغي لغيره ، المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم ، أيها الناس ، الذي يعدل به كفاركم مَن سواه ، هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سِرَّكم وجَهْركم ، فلا يخفى عليه شيء. يقول : فربكم الذي يستحقُّ عليكم الحمدَ ، ويجب عليكم إخلاصُ العبادة له ، هو هذا الذي صفته لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا نفع ، ولا يعمل شيئًا ، ولا يدفع عن نفسه سُوءًا أريد بها .
* * *
وأما قوله : " ويعلم ما تكسبون " ، يقول : ويعلم ما تَعمَلون وتجرَحُون ، فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدِلون أوثانَهم وآلهتهم " آية من آيات ربهم " ، يقول : حجّة وعلامة ودلالة من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته ، وحقيقة نبوتك ، يا محمد ، وصدق ما أتيتهم به من عندي (2) " إلا كانوا عنها معرضين " ، يقول : إلا
__________
(1) انظر تفسير " كسب " فيما سلف 10 : 297 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).

(11/261)


فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)

أعرضوا عنها ، يعني عن الآية ، فصدّوا عن قَبُولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلّت على صحته ، جهلا منهم بالله ، واغترارًا بحلمه عنهم . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فقد كذب هؤلاء العادلون بالله ، الحقَّ لما جاءهم ، وذلك " الحق " ، هو محمد صلى الله عليه وسلم (2) كذّبوا به ، وجحدوا نبوَّته لما جاءهم. قال الله لهم متوعّدًا على تكذيبهم إياه وجحودِهم نبوَّته : سوف يأتي المكذّبين بك ، يا محمد ، من قومِك وغيرهم " أنْباء ما كانوا به يستهزءون " ، يقول : سوف يأتيهم أخبارُ استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتي وأدلَّتي التي آتيتهم . (3) ثم وفى لهم بوعيده لمّا تمادَوا في غيِّهم ، وعَتْوا على ربهم ، فقتلتهم يوم بدرٍ بالسَّيف .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف 9 : 310 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الحق " فيما سلف 10 : 377 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف 10 : 391 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
وتفسير " الاستهزاء " فيما سلف 1 : 301 - 303.

(11/262)


أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)

القول في تأويل قوله : { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم : ألم يرَ هؤلاء المكذبون بآياتي ، الجاحدون نبوّتك ، كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون وهم الأمم الذين وطَّأت لهم البلادَ والأرض توطئة لم أوطِّئها لهم ، (1) وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم ؟ كما : -
13072 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ، يقول : أعطيناهم ما لم نعطكم .
* * *
قال أبو جعفر : أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها ، وأعطتهم الأرض رَيْع نَباتها ، وجابوا صخورَ جبالها ، ودرَّت عليهم السماء بأمطارها ، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني ، فغمَطُوا نعمة ربهم ، وعصوا رسولَ خالقهم ، وخالفوا أمرَ بارئهم ، وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلي ، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم ، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم ، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة ، وبعضهم بالصيحة ، وغير ذلك من أنواع العذاب .
* * *
ومعنى قوله : " وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا " ، المطرَ. ويعني بقوله : " مدرارًا " ، غزيرة دائمةً " وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " ، يقول : وأحدثنا من بعد
__________
(1) في المطبوعة : " وطأة لم أوطئها " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/263)


الذين أهلكناهم قرنًا آخرين ، فابتدأنَا سِواهم .
* * *
فإن قال قائل : فما وجهُ قوله : " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ؟ ومن المخاطب بذلك ؟ فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غَيَبٍ بقوله : " ألم يروا كم أهلكنا من قَبَلهم من قرن " ؟
قيل : إن المخاطب بقوله : " ما لم نمكن لكم " ، هو المخبر عنهم بقوله : " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن " ، ولكن في الخبر معنى القول ومعناه : قُلْ ، يا محمد ، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قَرْن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم.
والعرب إذا أخبرت خبرًا عن غائبٍ ، وأدخلت فيه " قولا " ، فعلت ذلك ، فوجهت الخبرَ أحيانًا إلى الخبر عن الغائب ، وأحيانًا إلى الخطاب ، فتقول : " قلت لعبد الله : ما أكرمه " ، و " قلت لعبد الله : ما أكرمك " ، وتخبر عنه أحيانًا على وجه الخبر عن الغائب ، ثم تعود إلى الخطاب. وتخبر على وجه الخطاب له ، ثم تعود إلى الخبر عن الغائب. وذلك في كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (1)
* * *
وقد كان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك : كأنه أخبرَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خاطبه معهم. وقال : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس : 22] ، فجاء بلفظ الغائب ، وهو يخاطب ، لأنه المخاطَب .
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 153 - 154/ 2 : 293 ، 294 ، 357 ، 388/ 3 : 170/ 6 : 564.

(11/264)


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

القول في تأويل قوله : { وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) }
قال أبو جعفر : وهذا إخبار من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم ، عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثانَ والآلهة والأصنام. يقول تعالى ذكره : وكيف يتفقهون الآيات ، أم كيف يستدِلُّون على بُطْلان ما هم عليه مُقِيمون من الكفر بالله وجحودِ نبوتك ، بحجج الله وآياته وأدلته ، وهم لعنادهم الحقَّ وبعدِهم من الرشد ، لو أنزلت عليك ، يا محمد ، الوحيَ الذي أنزلته عليك مع رسولي ، في قِرْطاس يعاينونه ويمسُّونه بأيديهم ، (1) وينظرون إليه ويقرءونه منه ، معلَّقًا بين السماء والأرض ، بحقيقة ما تدعوهم إليه ، وصحَّةِ ما تأتيهم به من توحيدي وتنزيلي ، لقال الذين يعدلُون بي غيري فيشركون في توحيدِي سواي : " إنْ هذا إلا سحرٌ مبينٌ " ، أي : ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحرتَ به أعيننا ، ليست له حقيقة ولا صحة (2) " مبين " ، يقول : مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له. (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13073 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم " ، قال : فمسوه ونظروا إليه ، لم يصدِّقوا به .
__________
(1) انظر تفسير " لمس " فيما سلف 8 : 399/ 10 : 83 .
(2) انظر تفسير " السحر " فيما سلف 2 : 436 - 442.
(3) انظر تفسير " مبين " فيما سلف 10 : 575 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(11/265)


وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)

13074 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم " ، يقول : فعاينوه معاينة " لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحرٌ مبين " .
13075 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم " ، يقول : لو نزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم ، لزادهم ذلك تكذيبًا.
13076 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس " ، الصحف.
13077 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " في قرطاس " ، يقول : في صحيفة " فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إنْ هذا إلا سحرٌ مبين " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء المكذبون بآياتي ، العادلون بي الأندادَ والآلهةَ ، يا محمد ، لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي ، وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به ، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعتَ به عذرَهم : هَلا نزل عليك ملك من السماء في صورته ، (1) يصدّقكَ على ما جئتنا به ، ويشهد لك بحقيقة ما تدَّعي من أنَّ الله أرسلك إلينا!
__________
(1) انظر تفسير " لولا " فيما سلف 2 : 552 ، 553/10 : 448 وما سيأتي ص : 343.

(11/266)


كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن المشركين في قِيلهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم : وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [سورة الفرقان : 7] ، " ولو أنزلنا مَلَكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول : ولو أنزلنا ملكًا على ما سألوا ، ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي ، لجاءهم العذابُ عاجلا غيرَ آجل ، (1) ولم يُنْظروا فيؤخَّروا بالعقوبة مراجعةَ التوبة ، (2) كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات ، ثم كفرت بعد مجيئها ، من تعجيل النقمة ، وترك الإنظار ، كما : -
13078 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول : لجاءهم العذاب.
13079 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، يقول : ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكًا ، ثم لم يؤمنوا ، لم يُنْظَروا.
13080 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " لولا أنزل عليه ملك " في صورته " ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر " ، لقامت الساعة.
13081 - حدثنا ابن وكيع ، عن أبيه قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان الثوري ، عن عكرمة : " لقضي الأمر " ، قال : لقامت الساعة.
13082 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر " ، قال يقول : لو أنزل الله ملكًا
__________
(1) انظر تفسير " قضى " فيما سلف 2 : 542/4 : 195/9 : 164.
(2) انظر تفسير " انظر " فيما سلف 3 : 264/6 : 577.

(11/267)


ثم لم يؤمنوا ، لعجل لهم العذاب.
* * *
وقال آخرون في ذلك بما : -
13083 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، أخبرنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قوله : " ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون " ، قالا لو آتاهم ملك في صورته لماتوا ، ثم لم يؤخَّرُوا طرفةَ عينٍ .
* * *

(11/268)


وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

القول في تأويل قوله : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء العادلِين بي ، القائلين : لولا أنزل على محمّدٍ ملك بتصديقه - ملكًا ينزل عليهم من السماء ، يشهد بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ، ويأمرهم باتباعه " لجعلناه رجلا " ، يقول : لجعلناه في صورة رجل من البشر ، لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك في صورته . يقول : وإذا كان ذلك كذلك ، فسواء أنزلت عليهم بذلك ملكًا أو بشرًا ، إذ كنت إذا أنزلت عليهم ملكًا إنما أنزله بصورة إنسيّ ، وحججي في كلتا الحالتين عليهم ثابتة : بأنك صادق ، وأنّ ما جئتهم به حق.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13084 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : " ولو جعلناه

(11/268)


ملكًا لجعلناه رجلا " ، يقول : ما آتاهم إلا في صورة رجل ، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة .
13085 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " ، في صورة رجل ، في خَلْق رجل.
13086 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " ، يقول : لو بعثنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة آدم. (1)
13087 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " ، يقول : في صورة آدمي.
13088 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله .
13089 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا " قال : لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل ، لم نرسله في صورة الملائكة .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وللبسنا عليهم " : ولو أنزلنا ملكًا من السماء مصدِّقًا لك ، يا محمد ، شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي ، الجاحدين آياتِك على حقيقة نبوّتك ، فجعلناه في صورة رجل من بني آدم ،
__________
(1) في المطبوعة : " آدمي " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/269)


إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملك بصورته التي خلقتُه بها التبس عليهم أمرُه ، فلم يدروا أملك هو أمْ إنسيّ! فلم يوقنوا به أنَّه ملك ، ولم يصدّقوا به ، وقالوا : " ليس هذا ملكًا " ! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك ، وصحة برهانك وشاهدك على نبوّتك.
* * *
يقال منه : " لَبَست عليهم الأمر أَلْبِسُه لَبْسًا " ، إذا خلطته عليهم " ولبست الثوبَ ألبَسُه لُبْسًا " . و " اللَّبوس " ، اسم الثياب. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (2)
13089 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يقول : لشبَّهنا عليهم.
13090 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يقول : ما لبَّس قوم على أنفسهم إلا لَبَّس الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس.
13091 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يقول : شبَّهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم .
* * *
وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول آخر ، وهو ما : -
13092 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي
__________
(1) انظر تفسير " اللبس " فيما سلف 1 : 567 ، 568/6 : 503 - 505
وتفسير " اللباس " فيما سلف 1 : 567 ، 568/ 3 : 489 ، 490.
(2) انظر أثرًا آخر في تفسير هذه الآية فيما سلف رقم : 882 (ج 1 : 567) ، لم يذكره في الآثار المفسرة ، وهو باب من أبواب اختصاره لتفسيره.

(11/270)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)

قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، فهم أهل الكتاب ، فارقوا دينهم ، وكذَّبوا رسلهم ، وهو تحريفُ الكلام عن مواضعه .
13093 - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك في قوله : " وللبسنا عليهم ما يلبسون " ، يعني : التحريفَ ، هم أهل الكتاب ، فرقوا كتبهم ودينَهم ، وكذَّبوا رسلهم ، فلبَّس الله عليهم ما لبَّسوا على أنفسهم .
* * *
وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أوّل السورة ، بأن تكون في أمر المشركين من عبدة الأوثان ، أشبهُ منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ، مسليًّا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبةَ ما يلقى منهم من أذىَ الاستهزاء به ، والاستخفاف في ذات الله : هَوِّنْ عليك ، يا محمد ، ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك ، المستخفِّين بحقك فيّ وفي طاعتي ، وامضِ لما أمرتك به من الدُّعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي ، فإنهم إن تمادوا في غيِّهم ، وأصَرُّوا على المقام على كفرهم ، نسلك بهم سبيلَ أسلافهم من سائر الأمم من غيرهم ، من تعجيل النقمة
__________
(1) انظر ما سلف ص : 254.

(11/271)


قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

لهم ، وحلول المَثُلاثِ بهم. فقد استهزأت أمم من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك ، وفعلوا مثل ما فعل قومُك بك " فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون " ، يعني بقوله : " فحاق " ، فنزل وأحاط بالذين هزئوا من رسلهم " ما كانوا به يستهزئون " ، يقول : العذابُ الذي كانوا يهزءون به ، وينكرون أن يكون واقعًا بهم على ما أنذرتهم رسلهم .
* * *
يقال منه : " حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقَانًا " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13094 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فحاق بالذين سخروا منهم " ، من الرسل " ما كانوا به يستهزئون " ، يقول : وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " قل " ، يا محمد لهؤلاء العادلين بيَ الأوثانَ والأندادَ ، المكذِّبين بك ، الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي " سيروا في الأرض " ، يقول : جولوا في بلاد المكذِّبين رسلَهم ، الجاحدين آياتي مِنْ قبلهم من ضُرَبائهم وأشكالهم من الناس " ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " ، يقول : ثم انظروا كيف أعقَبَهم تكذيبهم ذلك ، الهلاكَ والعطبَ وخزيَ الدنيا وعارَها ، وما حَلَّ بهم من سَخَط الله عليهم ، من البوار وخراب

(11/272)


قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)

الديار وعفوِّ الآثار. فاعتبروا به ، إن لم تنهكم حُلُومكم ، ولم تزجركم حُجج الله عليكم ، عمَّا أنتم [عليه] مقيمون من التكذيب ، (1) فاحذروا مثل مصارعهم ، واتقوا أن يحلّ بكم مثلُ الذي حلّ بهم.
* * *
وكان قتادة يقول في ذلك بما : -
13095 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " ، دمَّر الله عليهم وأهلكهم ، ثم صيَّرهم إلى النار.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم " لمن ما في السماوات والأرض " ، يقول : لمن ملك ما في السماوات والأرض ؟ ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبدَ كل شيء ، وقهر كل شيء بملكه وسلطانه لا للأوثان والأنداد ، ولا لما يعبدونه ويتخذونه إلهًا من الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضُرًّا.
وقوله : " كتب على نفسه الرحمة " ، يقول : قضى أنَّه بعباده رحيم ، لا يعجل عليهم بالعقوبة ، ويقبل منهم الإنابة والتوبة. (2)
وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة.
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
(2) انظر تفسير " كتب " فيما سلف 10 : 359 ، تعليق : 1.

(11/273)


يقول تعالى ذكره : أن هؤلاء العادلين بي ، الجاحدين نبوّتك ، يا محمد ، إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم ، وإني قد قضيت في خَلْقي أنّ رحمتي وسعت كل شيء ، كالذي : -
13096 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن ذكوان ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما فرغ الله من الخلق ، كتب كتابًا : " إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي " . (1)
13097 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا داود ، عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : إنّ الله تعالى ذكره لما خلق السماء والأرض ، خلق مئة رحمةٍ ، كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض. فعنده تسع وتسعون رحمةً ، وقسم رحمة بين الخلائق. فبها يتعاطفون ، وبها تشرب الوَحْش والطير الماءَ. فإذا كان يوم ذلك ، (2) قصرها الله على المتقين ، وزادهم تسعًا وتسعين. (3)
13098 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، نحوه إلا أن ابن أبي عدي لم يذكر في حديثه : " وبها تشرب الوحش والطير الماء " . (4)
__________
(1) الأثر : 13096 - إسناده صحيح. وهو حديث مشهور.
" ذكوان " ، هو " أبو صالح " .
ورواه البخاري (الفتح 13 : 325) من طريق أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، بغير هذا اللفظ ، مطولا.
وانظر تعليق أخي السيد أحمد على المسند رقم : 7297 ، 7491 ، 7520.
(2) في المطبوعة : " فإذا كان يوم القيامة ، قصرها " ، وأثبت ما في المخطوطة. وأما سائر المراجع فذكرت ما كان في المطبوعة. والذي في المخطوطة جائز ، فإن " ذلك " إشارة إلى معهود معروف ، وهو يوم القيامة.
(3) الأثران : 13097 ، 13098 - " داود " ، هو " داود بن أبي هند " مضى مرارًا.
و " أبو عثمان " ، هو " أبو عثمان النهدي " : " عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي " ، تابعي ثقة ، أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.
(4) الأثران : 13097 ، 13098 - " داود " ، هو " داود بن أبي هند " مضى مرارًا.
و " أبو عثمان " ، هو " أبو عثمان النهدي " : " عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي " ، تابعي ثقة ، أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.

(11/274)


13099 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : نجد في التوراة عطفتين : أن الله خلق السماوات والأرض ، ثم خلق مئة رحمة أو : جعل مئة رحمة قبل أن يخلق الخلق. ثم خلق الخلق ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة. قال : فبها يتراحمون ، وبها يتباذلون ، وبها يتعاطفون ، وبها يتزاورون ، (1) وبها تحنُّ الناقة ، وبها تثُوجُ البقرة ، (2) وبها تيعر الشاة ، (3) وبها تتَّابع الطير ، وبها تتَّابع الحيتان في البحر. (4) فإذا كان يوم القيامة ، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده. ورحمته أفضل وأوسع.
13100 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان في قوله : " كتب على نفسه الرحمة " ، الآية قال : إنا نجد في التوراة عَطْفتين ثم ذكر نحوه إلا أنه قال : (5) " وبها تَتَابع الطير ، وبها تَتَابع الحيتان في البحر " . (6)
__________
(1) في المخطوطة ، فوق " يتزاورون " ، حرف (ط) ، دلالة على الشك أو الخطأ. ولا أدري ما أراد بذلك ، والذي في المخطوطة والمطبوعة ، مثله في الدر المنثور.
(2) في المطبوعة : " تنئج البقرة " ، وفي الدر المنثور : " تنتج البقرة " ، وهو خطأ.
والذي في المطبوعة ، صواب في المعنى. يقال : " نأج الثور ينئج " ، إذا صاح. وأما الذي في المخطوطة ، فهو صواب أيضًا ، ولذلك أثبته ، يقال : " ثاجت البقرة تثاج وتثوج ، ثوجًا وثواجًا " : صوتت. قال صاحب اللسان : " وقد يهمز ، وهو أعرف. إلا أن ابن دريد قال : ترك الهمز أعلى " .
(3) " يعرت الشاة تيعر يعارًا " : صاحت.
(4) أنا في شك في قوله " تتابع الطير " و " تتابع الحيتان " ، ولكن هكذا هو المطبوعة والمخطوطة ، وهو معنى شبيه بالاستقامة. وانظر التعليق التالي.
(5) في المطبوعة : " إلا أنه ما قال " ، زاد " ما " ، لأنه استشكل عليه الكلام ، فإن الذي قاله في هذا الخبر ، هو الذي قاله في الخبر السالف. والظاهر والله أعلم أن الأولى كما ضبطتها هناك " تتابع " (بفتح ثم تاء مفتوحة مشددة) وأن هذه الثانية " تتابع " (بفتح التاء الثانية غير مشددة) على حذف إحدى التاءات الثلاث.
(6) الأثران : 13099 ، 13100 - خرجهما السيوطي في الدر المنثور 3 : 6 ، وقال : " أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن سلمان . . . " ، وساق الخبر.

(11/275)


13101 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، قال ابن طاوس ، عن أبيه : إن الله تعالى ذكره لما خلق الخلق ، لم يعطف شيء على شيء ، حتى خلق مئة رحمة ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، فعطف بعضُ الخلق على بعض.
13102 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، بمثله .
13103 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، وأخبرني الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، حسبته أسنده قال : إذا فرغ الله عز وجلّ من القضاء بين خلقه ، أخرج كتابًا من تحت العرش فيه : " إن رحمتي سبقت غضبي ، وأنا أرحم الراحمين " ، قال : فيخرج من النار مثل أهل الجنة أو قال : " مِثلا أهل الجنة " ، ولا أعلمه إلا قال : " مثلا " ، وأما " مثل " فلا أشك مكتوبًا ها هنا ، وأشار الحكم إلى نحره ، " عتقاء الله " ، فقال رجل لعكرمة : يا أبا عبد الله ، فإن الله يقول : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [سورة المائدة : 37] ؟ قال : ويلك ! أولئك أهلها الذين هم أهلها.
13104 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، حسبت أنه أسنده قال : إذا كان يوم القيامة ، أخرج الله كتابًا من تحت العرش ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال : فقال رجل : يا أبا عبد الله ، أرأيت قوله : " يريدون أن يخرجوا من النار " ؟ وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى .
13105 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما

(11/276)


قضى الله الخلق ، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : " إنّ رحمتي سبقت غضبي " . (1)
13106 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عبد الله بن عمرو : أنه كان يقول : إن لله مئة رحمة ، فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا ، يتراحم بها الجن والإنس ، وطائر السماء ، وحيتان الماء ، ودوابّ الأرض وهوامّها. وما بين الهواء. واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمة ، حتى إذا كان يوم القيامة ، اختلج الرحمةَ التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا ، (2) فحواها إلى ما عنده ، فجعلها في قلوب أهل الجنة ، وعلى أهل الجنة. (3)
13107 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : قال عبد الله بن عمرو : إن لله مئة رحمة ، أهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة ، يتراحم بها الجنّ والإنس ، والطير والبهائم وهوامُّ الأرض.
13108 - حدثنا محمد بن عوف قال ، أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال ، حدثنا صفوان بن عمرو قال ، حدثني أبو المخارق زهير بن سالم قال ، قال عمر لكعب : ما أوَّل شيء ابتدأه الله من خلقه ؟ فقال كعب : كتب الله كتابًا لم يكتبه بقلم ولا مداد ، ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت (4) " أنا الله لا إله إلا أنا ، سبقت رحمتي غضبي " . (5)
* * *
__________
(1) الأثر : 13105 - رواه أحمد في مسنده بهذا الإسناد رقم : 8112 ، ولفظه : " غلبت غضبي " . وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه هناك. وانظر التعليق على الأثر السالف رقم : 13096.
(2) " اختلج الشيء " : جذبه وانتزعه.
(3) الأثر : 13106 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 6 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي الشيخ.
(4) هكذا في المطبوعة ، وفي الدر المنثور ، " يتلوها " ، وهي في المخطوطة كذلك ، إلا أنها غير منقوطة ، وأنا في ريب من أمر هذا الحرف ، أخشى أن يكون محرفًا عن شيء آخر لم أتبينه ، وإن كان المعنى مستقيما على ضعف فيه.
(5) الأثر : 13108 - " محمد بن عوف بن سفيان الطائي " ، شيخ الطبري مضى ، برقم : 5445 ، 12194.
و " أبو المغيرة " : عبد القدوس بن الحجاج الخولاني " ، مضى برقم : 10371 ، 12194.
و " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي " ، مضى برقم : 7009 ، 12807.
و " أبو المخارق " : " زهير بن سالم العنسي " . ذكره ابن حبان في الثقات ، " روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا " . وقال الدارقطني : " حمصي ، منكر الحديث " ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/390 ، وابن أبي حاتم 1/2/587 ، وميزان الاعتدال 1 : 353.
وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 6 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير. وهو خبر كما ترى ، عن كعب الأحبار ، مشوب بما كان من دأبه في ذكر الإسرائليات.

(11/277)


القول في تأويل قوله : { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ }
قال أبو جعفر : وهذه " اللام " التي في قوله : " ليجمعنكم " ، لام قسم .
* * *
ثم اختلف أهل العربية في جالبها ، فكان بعض نحويي الكوفة يقول : إن شئت جعلت " الرحمة " غاية كلام ، ثم استأنفت بعدها : " ليجمعنكم " . قال : وإن شئت جعلتَه في موضع نصب يعني : كتب ليجمعنكم كما قال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [سورة الأنعام : 54] ، يريد : كتب أنه من عمل منكم قال : والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جوابُ كلام الأيمان ب " أن " المفتوحة وب " اللام " ، (1) فيقولون : " أرسلت إليه أن يقوم " ، " وأرسلت إليه ليقومن " . قال : وكذلك قوله : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، [سورة يوسف : 35] . قال : وهو في القرآن كثير. ألا ترى أنك لو قلت : " بدا لهم أن يسجنوه " ، لكان صوابًا ؟ (2)
__________
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وهو في معاني القرآن " جواب الأيمان " ، وهو الأجود.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 328. وهذا نص كلامه.

(11/278)


وكان بعض نحويي البصرة يقول : نصبت " لام " " ليجمعنكم " ، لأن معنى : " كتب " [ : فرضَ ، وأوجب ، وهو بمعنى القسم] ، (1) كأنه قال : والله ليجمعنكم.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يكون قوله : " كتب على نفسه الرحمة " ، غايةً ، وأن يكون قوله : " ليجمعنكم " ، خبرًا مبتدأ ويكون معنى الكلام حينئذ : ليجمعنكم الله ، أيها العادلون بالله ، ليوم القيامة الذي لا ريب فيه ، لينتقم منكم بكفركم به.
وإنما قلت : هذا القول أولى بالصواب من إعمال " كتب " في " ليجمعنكم " ، لأن قوله : " كتب " قد عمل في الرحمة ، فغير جائز ، وقد عمل في " الرحمة " ، أن يعمل في " ليجمعنكم " ، لأنه لا يتعدَّى إلى اثنين.
* * *
فإن قال قائل : فما أنت قائل في قراءة من قرأ : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ ، [سورة الأنعام : 54] بفتح " أنّ " ؟
قيل : إن ذلك إذ قرئ كذلك ، فإن " أنّ " بيانٌ عن " الرحمة " ، وترجمة عنها. لأن معنى الكلام : كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [ من تاب ] من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ويعفو ، (2) و " الرحمة " ، يترجم عنها ويبيَّن معناها بصفتها. وليس من صفة الرحمة " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " ، فيكون مبينًا به عنها. فإذ كان ذلك كذلك ، فلم يبق إلا أن تنصب بنية تكرير " كتب " مرة أخرى معه ، ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك ، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود في ظاهره.
__________
(1) الزيادة التي بين القوسين ، استظهرتها من سياق التفسير ، ليستقيم الكلام. وهي ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.
(2) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، استظهرتها من معنى الآية. وانظر ما سيأتي في تفسيرها ص : 392 ، 393.

(11/279)


وأما تأويل قوله : " لا ريب فيه " ، فإنه لا شك فيه ، (1) يقول : في أنّ الله يجمعكم إلى يوم القيامة ، فيحشركم إليه جميعًا ، ثم يؤتى كلَّ عامل منكم أجرَ ما عمل من حسن أو سيئ .
* * *
القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " الذين خسروا أنفسهم " ، العادلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقول تعالى ذكره : ليجمعن الله " الذين خسروا أنفسهم " ، يقول : الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندَّ والعَدِيل ، فأوبقوها بإستيجابهم سَخَط الله وأليم عقابه في المعاد. (2)
* * *
وأصل " الخسار " ، الغُبْنُ. يقال منه " : خسر الرجل في البيع " ، إذا غبن ، كما قال الأعشى :
لا يَأخُذُ الرِّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ... وَلا يُبَالِي خَسَرَ الخَاسِر (3)
__________
(1) انظر تفسير " الريب " فيما سلف 8 : 592 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة والمخطوطة " بإيجابهم سخط الله " وهو لا يستقيم صوابه ما أثبت.
(3) ديوانه : 105 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 187. وهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة " خسر الخاسر " ، ورواية ديوانه وغيره : " غَبَنَ الْخَاسِر " بتحريك الباء بالفتح. والذي نص عليه أصحاب اللغة أن " الغبن " بفتح وسكون ، في البيع ، وأن " الغبن " (بفتحتين) في الرأي ، وهو ضعفه. فكأن ما جاء في رواية ديوان الأعشى ، ضرورة ، حركت الباء وهي ساكنة إلى الفتح. وأما رواية أبي جعفر ، فهي على الصواب يقال : " خسر خسرًا (بفتح فسكون) ، وخسرًا (بفتحتين). "
وهذا البيت من قصيدته في هجاء علقمة بن علاثة ومدح عامر بن الطفيل ، ذكرت خبرها في أبيات سلفت منها 1 : 474/2 : 131/5 : 477 ، 478. وقبل البيت : حَكَّمْتُمُونِي ، فَقَضَى بَيْنَكُمْ ... أَبْلَجُ مِثْلُ القَمَرِ البَاهِرِ

(11/280)


وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)

وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
وموضوع " الذين " في قوله : " الذين خسروا أنفسهم " ، نصبٌ على الرد على " الكاف والميم " في قوله : " ليجمعنكم " ، على وجه البيان عنها. وذلك أنّ الذين خسروا أنفسهم ، هم الذين خوطبوا بقوله : " ليجمعنّكم " .
* * *
وقوله : " فهم لا يؤمنون " ، يقول : " فهم " ، لإهلاكهم أنفسهم وغَبْنهم إياه حظَّها " لا يؤمنون " ، أي لا يوحِّدون الله ، ولا يصدِّقون بوعده ووعيده ، ولا يقرُّون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثانَ ، فيخلصوا له التوحيد ، ويُفْرِدوا له الطاعة ، ويقرّوا بالألوهية ، جهلا " وله ما سكن في الليل والنهار " ، يقول : وله ملك كل شيء ، لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكنٌ في الليل والنهار. فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا " وهو السميع " ، يقول : وهو السميع ما يقول هؤلاء المشركون فيه ، من ادّعائهم له شريكًا ، وما يقول غيرهم من خلقه (2) " العليم " ، بما يضمرونه في أنفسهم ، وما يظهارونه بجوارحهم ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فهو يحصيه عليهم ، ليوفّي كل
__________
(1) انظر تفسير " الخسار " فيما سلف 10 : 409 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة : " من خلاف ذلك " ، غير ما في المخطوطة بسوء رأيه.

(11/281)


قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

إنسان ثوابَ ما اكتسبَ ، وجزاء ما عمل .
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : " سكن " ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13109 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وله ما سكن في الليل والنهار " ، يقول : ما استقرَّ في الليل والنهار.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ ، والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك ، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان : أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره : " أتخذ وليًّا " ، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث ، (1) كما : -
13110 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قل أغير الله اتخذ وليًّا " ، قال : أما " الولي " ، فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية .
* * *
" فاطر السماوات والأرض " ، يقول : أشيئًا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليًّا ؟ ف " فاطر السماوات " ، من نعت " الله " وصفته ، ولذلك خُفِض. (2)
__________
(1) انظر تفسير " الولي " فيما سلف 10 : 424 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 328 ، 329.

(11/282)


ويعني بقوله : " فاطر السماوات والأرض " ، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما ، كالذي : -
13111 - حدثنا به ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد قال : سمعت ابن عباس يقول : كنت لا أدري ما " فاطر السماوات والأرض " ، حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما لصاحبه : " أنا فَطَرتها " ، يقول : أنا ابتدأتها.
13112 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فاطر السماوات والأرض " ، قال : خالق السماوات والأرض.
13113 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فاطر السماوات والأرض " ، قال : خالق السماوات والأرض.
* * *
يقال من ذلك : " فطرها الله يَفطُرُها وَيفطِرها فَطرًا وفطورًا " (1) ومنه قوله : هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك : 3] ، يعني : شقوقًا وصدوعًا. يقال : " سيف فُطارٌ " ، إذا كثر فيه التشقق ، وهو عيب فيه ، ومنه قول عنترة :
وَسَيْفِي كَالْعَقِيقَةِ فَهْوَ كِمْعِي ، ... سِلاحِي ، لا أَفَلَّ وَلا فُطَارَا (2)
__________
(1) هذه العبارة عن معنى " فطر " ، فاسدة جدًا ، ولا شك عندي في أن الكلام قد سقط منه شيء ، فتركته على حاله ، مخافة أن يكون في نص أبي جعفر شيء لم تقيده كتب اللغة. ومن شاء أن يستوفي ذلك ، فليراجع كتب اللغة.
(2) ديوانه ، في أشعار الستة الجاهلين : 384 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 19 ، واللسان (فطر) (عقق) (كمع) (فلل) ، من أبياته التي قالها وتهدد بها عمارة بن زياد العبسي ، وكان يحسد عنترة على شجاعته ، ويظهر تحقيره ، ويقول لقومه بني عبس : " إنكم قد أكثرتم من ذكره ، ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه ، وحتى أعلمكم أنه عبد " ! فقال عنترة : أحَوْلِي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيهَا ... لِتَقْتُلَنِي? فَهَا أنَا ذَا ، عُمَارَا!
مَتَى ما تَلْقَنِى خِلْوَينَ ، تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطَارَا
وَسَيْفِي صَارِمٌ قَبَضَتْ عَلَيْهِ ... أشَاجِعُ لا تَرَى فِيهَا انْتِشَارَا
وسَيْفِي كالعَقِيقِة . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و " العقيقة " : شقة البرق ، وهو ما انعق منه ، أي : تشقق. و " الكمع " و " الكميع " الضجيع. و " الأفل " : الذي قد أصابه الفل ، وهو الثلم في حده.

(11/283)


ومنه يقال : " فَطَر ناب الجمل " ، إذا تشقق اللحم فخرج ، ومنه قوله : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [سورة الشورى : 5] ، أي : يتشققن ، ويتصدعن.
* * *
وأما قوله : " وهو يطعم ولا يطعم " ، فإنه يعني : وهو يرزق خلقه ولا يرزق ، كما : -
13114 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وهو يطعم ولا يطعم " ، قال : يَرْزق ، ولا يُرزق.
* * *
وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك : (1) (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ) ، أي : أنه يُطعم خلقه ، ولا يأكل هو ولا معنى لذلك ، لقلة القراءة به.
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " أنه كان يقول ذلك " ، وهو خلط شديد ، صواب قراءته ما أثبت. وهذه القراء التالية ، ذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات : 36 ، ونسبها إلى الأعمش ، وذكرها أبو حيان في تفسيره 4 : 85 ، 86 ، ونسبها أيضًا إلى مجاهد وابن جبير ، وأبي حيوة ، وعمرو بن عبيد ، وأبي عمرو ، في رواية عنه.

(11/284)


القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله ، ويحثّونك على عبادتها : أغير الله فاطر السماوات والأرض ، وهو يرزقني وغيري ولا يرزقه أحد ، أتخذ وليًّا هو له عبد مملوك وخلق مخلوق ؟ وقل لهم أيضًا : إني أمرني ربي : " أن أكون أول من أسلم " يقول : أوّل من خضع له بالعبودية ، وتذلّل لأمره ونهيه ، وانقاد له من أهل دهرِي وزماني " ولا تكوننَّ من المشركين " ، يقول : وقل : وقيل لي : لا تكونن من المشركين بالله ، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء.
وجعل قوله : " أمرت " بدلا من : " قيل لي " ، لأن قوله " أمرت " معناه : " قيل لي " . فكأنه قيل : قل إني قيل لي : كن أول من أسلم ، ولا تكونن من المشركين فاجتزئ بذكر " الأمر " من ذكر " القول " ، إذ كان " الأمر " ، معلومًا أنه " قول " .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين العادلين بالله ، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم : إنّ ربي نهاني عن عبادة شيء سواه " وإني أخاف إن عصيت ربي " ، فعبدتها " عذاب يوم عظيم " ، يعني : عذاب يوم القيامة. ووصفه تعالى ب " العظم " لعظم هَوْله ، وفظاعة شأنه .
* * *

(11/285)


مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

القول في تأويل قوله : { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) }
قال أبو جعفر : اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة : مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ، بضم " الياء " وفتح " الراء " ، بمعنى : من يُصرف عنه العذاب يومئذ .
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة : (مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ) ، بفتح " الياء " وكسر " الراء " ، بمعنى : من يصرف الله عنه العذاب يومئذ.
* * *
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي ، قراءة من قرأه : (يَصْرِفْ عَنْهُ) ، بفتح " الياء " وكسر " الراء " ، لدلالة قوله : " فقد رحمه " على صحة ذلك ، وأنّ القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله : " من يصرف " ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله ، كان الوجه في قوله : " فقد رحمه " أن يقال : " فقد رُحِم " غير مسمى فاعله. وفي تسمية الفاعل في قوله : " فقد رحمه " ، دليل بيِّن على أن ذلك كذلك في قوله : " من يَصرف عنه " .
* * *
وإذا كان ذلك هو الوجه الأولَى بالقراءة ، فتأويل الكلام : منْ يصرف عنه من خلقه يومئذ عذابه فقد رحمه " وذلك هو الفوز المبين " ، ويعني بقوله : " وذلك " ، وصرفُ الله عنه العذاب يوم القيامة ، ورحمته إياه " الفوز " ، أي : النجاة من الهلكة ، والظفر بالطلبة (1) " المبين " ، يعني الذي بيَّن لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطَّلِبة. (2)
__________
(1) انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ص : 245 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " مبين " فيما سلف ص : 265 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك.

(11/286)


وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

وبنحو الذي قلنا في قوله : " من يصرف عنه يومئذ " قال أهل التأويل :
* ذكر من قال ذلك :
13115 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله " من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه " ، قال : من يصرف عنه العذاب .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، إن يصبك الله (1) " بضر " ، يقول : بشدة في دنياك ، وشظَف في عيشك وضيق فيه ، (2) فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أوّل من أسلم لأمره ونهيه ، وأذعن له من أهل زمانك ، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام ، ودون كل شيء سواها من خلقه " وإن يمسسك بخير " ، يقول : وإن يصبك بخير ، أي : برخاء في عيش ، وسعة في الرزق ، وكثرة في المال ، فتقرّ أنه أصابك بذلك " فهو على كل شيء قدير " ، يقول تعالى ذكره : والله الذي أصابك بذلك ، فهو على كل شيء قدير (3) هو القادر على نفعك وضرِّك ، وهو على كل شيء يريده قادر ، لا يعجزه شيء يريده ، ولا يمتنع منه شيء طلبه ، ليس كالآلهة الذليلة المَهينة التي لا تقدر على اجتلاب نفع على أنفسها ولا غيرها ، ولا دفع ضر عنها ولا غيرها. يقول تعالى ذكره : فكيف
__________
(1) انظر تفسير " المس " فيما سلف 10 : 482 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الضر " فيما سلف 7 : 157/10 : 334.
(3) انظر تفسير " قدير " فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).

(11/287)


وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)

تعبد من كان هكذا ، أم كيف لا تخلص العبادة ، وتقرُّ لمن كان بيده الضر والنفع ، والثواب والعقاب ، وله القدرة الكاملة ، والعزة الظاهرة ؟
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وهو " ، نفسَه ، يقول : والله الظاهر فوق عباده (1) ويعني بقوله : " القاهر " ، المذلِّل المستعبد خلقه ، العالي عليهم. وإنما قال : " فوق عباده " ، لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره إياهم. ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه .
فمعنى الكلام إذًا : والله الغالب عبادَه ، المذلِّلهم ، العالي عليهم بتذليله لهم ، وخلقه إياهم ، فهو فوقهم بقهره إياهم ، وهم دونه " وهو الحكيم " ، يقول : والله الحكيم في علِّوه على عباده ، وقهره إياهم بقدرته ، وفي سائر تدبيره (2) " الخبير " ، بمصالح الأشياء ومضارِّها ، الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها ، ولا يقع في تدبيره خلل ، ولا يدخل حكمه دَخَل. (3)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " والله القاهر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب في التفسير.
(2) انظر تفسير " الحكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (حكم).
(3) انظر تفسير (الخبير " فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).

(11/288)


قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

القول في تأويل قوله : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين الذين يكذّبون ويجحدون نبوَّتك من قومك : أيُّ شيء أعظم شهادة وأكبر ؟ ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة : " الله " ، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في [شهادة] غيره من خلقه من السهو والخطأ ، والغلط والكذب. (1) ثم قل لهم : إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة ، شهيدٌ بيني وبينكم ، بالمحقِّ منا من المبطل ، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه ، وقد رضينا به حكمًا بيننا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل :
* ذكر من قال ذلك :
13116 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " أيّ شيء أكبر شهادة " ، قال : أمر محمد أن يسأل قريشًا ، ثم أمر أن يخبرهم فيقول : " الله شهيد بيني وبينكم " .
13117 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .
* * *
__________
(1) الزيادة بين القوسين لا بد منها للسياق.

(11/289)


القول في تأويل قوله : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك : " الله شهيد بيني وبينكم " " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " عقابَه ، وأُنذر به من بَلَغه من سائر الناس غيركم إن لم ينته إلى العمل بما فيه ، وتحليل حلاله وتحريم حرامه ، والإيمان بجميعه نزولَ نقمة الله به. (1)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
13118 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " أيّ شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : يا أيها الناس ، بلِّغوا ولو آية من كتاب الله ، فإنه من بَلَغه آيةٌ من كتاب الله ، فقد بلغه أمر الله ، أخذه أو تركه. (2)
13119 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " لأنذركم به ومن بلغ " ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بلِّغوا عن الله ، فمن بلغه آيه من كتاب الله ، فقد بلغه أمر الله.
13120 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي
__________
(1) قوله : " نزول " منصوب ، مفعول به لقوله قبله : " وأنذر به من بلغه " . وانظر تفسير " الوحي " فيما سلف ص : 217 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) في المخطوطة : " أخذه أو تاركه " ، وجائر أن تقرأ : " آخذه أو تاركه " .

(11/290)


عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي : " لأنذركم به ومن بلغ " ، قال : من بلغه القرآن ، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ : " ومن بلغ أئنكم لتشهدون " .
13121 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن حسن بن صالح قال : سألت ليثًا : هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة ؟ قال : كان مجاهد يقول : حيثما يأتي القرآنُ فهو داعٍ ، وهو نذير. ثم قرأ : " لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون " .
13122 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ومن بلغ " ، من أسلم من العجم وغيرهم .
13123 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13124 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا خالد بن يزيد قال ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب في قوله : " لأنذركم به ومن بلغ " ، قال : من بلغه القرآن ، فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم .
13125 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " ، يعني أهل مكة " ومن بلغ " ، يعني : ومن بلغه هذا القرآن ، فهو له نذير.
13126 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : سمعت سفيان الثوري يحدّث ، لا أعلمه إلا عن مجاهد : أنه قال في قوله : " وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به " ، العرب " ومن بلغ " ، العجم.
13127 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،

(11/291)


حدثنا أسباط ، عن السدي : " لأنذركم به ومن بلغ " ، أما " من بلغ " ، فمن بلغه القرآن فهو له نذير.
13128 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ، قال يقول : من بلغه القرآن فأنا نذيره. وقرأ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف : 158] . قال : فمن بلغه القرآن ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم نذيره .
* * *
قال أبو جعفر : فمعنى هذا الكلام : لأنذركم بالقرآن ، أيها المشركون ، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم.
* * *
ف " من " في موضع نصب بوقوع " أنذر " عليه ، " وبلغ " في صلته ، وأسقطت " الهاء " العائدة على " من " في قوله : " بلغ " ، لاستعمال العرب ذلك في صلات " مَن " و " ما " و " الذي " . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين ، الجاحدين نبوَّتك ، العادلين بالله ، ربًّا غيره : " أئنكم " ، أيها المشركون " لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى " ، يقول : تشهدون أنّ معه معبودات غيره من الأوثانَ والأصنام.
* * *
وقال : " أُخْرَى " ، ولم يقل " أخَر " ، و " الآلهة " جمع ، لأن الجموع يلحقها ،
__________
(1) انظر معاني القرآن 1 : 329.

(11/292)


التأنيث ، (1) كما قال تعالى : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى [سورة طه : 51] ، ولم يقل : " الأوَل " ولا " الأوَّلين " . (2)
* * *
ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد " لا أشهد " ، بما تشهدون : أن مع الله آلهة أخرى ، بل أجحد ذلك وأنكره " قل إنما هو إله واحد " ، يقول : إنما هو معبود واحد ، لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة " وإنني برئ مما تشركون " ، يقول : قل : وإنني بريء من كلّ شريك تدعونه لله ، وتضيفونه إلى شركته ، وتعبدونه معه ، لا أعبد سوى الله شيئًا ، ولا أدعو غيره إلهًا.
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود بأعيانهم ، من وجه لم تثبت صحته ، وذلك ما : -
13129 - حدثنا به هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال ، جاء النحَّام بن زيد ، وقردم بن كعب ، وبحريّ بن عمير فقالوا : يا محمد ، ما تعلم مع الله إلهًا غيرَه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا إله إلا الله ، بذلك بعثت ، وإلى ذلك أدعو! فأنزل الله تعالى فيهم وفي قولهم : " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم " إلى قوله : " لا يؤمنون " . (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " أخرى " فيما سلف 3 : 459/6 : 173.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 329.
(3) الأثر : 13129 - سيرة ابن هشام 2 : 217 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 12284.هذا ، وقد مر هذا الإسناد مئات من المرات ، وهو إسناد أبي جعفر إلى ابن إسحق ، ثم من ابن إسحق إلى ابن عباس ، وهذه أول مرة يذكر أبو جعفر أن هذا الإسناد لم تثبت صحته عنده ، كما قدم قبل ذكره.

(11/293)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)

القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الذين " آتيناهم الكتاب " ، التوراة والإنجيل يعرفون أنما هو إله واحد ، لا جماعة الآلهة ، وأن محمدًا نبيُّ مبعوث " كما يعرفون أبناءهم " .
وقوله : " الذين خسروا أنفسهم " ، من نعت " الذين " الأولى.
* * *
ويعنى بقوله : " خسروا أنفسهم " ، أهلكوها وألقوها في نار جهنم ، بإنكارهم محمدًا أنه لله رسول مرسل ، وهم بحقيقة ذلك عارفون (1) " فهم لا يؤمنون " ، يقول : فهم بخسارتهم بذلك أنفسهم لا يؤمنون.
* * *
وقد قيل : إنّ معنى " خسارتهم أنفسهم " ، أن كل عبد له منزل في الجنة ومنزل في النار. فإذا كان يوم القيامة ، جعل الله لأهل الجنة منازلَ أهل النار في الجنة ، وجعل لأهل النار منازلَ أهل الجنة في النار ، فذلك خسران الخاسرين منهم ، لبيعهم منازلهم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار ، بما فرط منهم في الدنيا من معصيتهم الله ، وظلمهم أنفسهم ، وذلك معنى قول الله تعالى ذكره : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، [سورة المؤمنون : 11] . (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " خسر " فيما سلف قريبًا ص : 281 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 329 ، 230.

(11/294)


وبنحو ما قلنا في معنى قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " قال أهل التأويل. (1)
* ذكر من قال ذلك :
13130 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، يعرفون أنّ الإسلام دين الله ، وأن محمدًا رسول الله ، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل .
13131 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، النصارى واليهود ، يعرفون رسول الله في كتابهم ، كما يعرفون أبناءهم.
13132 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، [يعني : النبي صلى الله عليه وسلم : (2) " كما يعرفون أبناءهم " ، لأن نَعْته معهم في التوراة].
13133 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم . قال : زعم أهل المدينة عن أهل الكتاب ممن أسلم ، أنهم قالوا : والله لنحن أعرف به من أبنائنا ، من أجل الصفة والنعت الذي نجده
__________
(1) انظر تأويل نظيرة هذه الآية فيما سلف 3 : 187 ، 188 ، [سورة : البقرة 146] .
(2) الأثر : 13132 - هذا الأثر مبتور في المطبوعة والمخطوطة ، والزيادة بين القوسين من الدر المنثور 3 : 8 ، من تفسير السدي ، من رواية أبي الشيخ ، والظاهر أن هذا النقص قديم في نسخ تفسير أبي جعفر ، وأن نسخة السيوطي ، كانت مبتورة هنا أيضًا ، ولذلك لم ينسب هذا الأثر إلا إلى أبي الشيخ وحده ، دون ابن جرير.

(11/295)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)

في الكتاب ، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدثَ النساء ! (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن أشدُّ اعتداءً ، وأخطأ فعلا وأخطأ قولا " ممن افترى على الله كذبًا " ، يعني : ممن اختلق على الله قيلَ باطل ، (2) واخترق من نفسه عليه كذبًا ، (3) فزعم أن له شريكًا من خلقه ، وإلهًا يعبد من دونه - كما قاله المشركون من عبدة الأوثان - أو ادعى له ولدًا أو صاحبةً ، كما قالته النصارى " أو كذب بآياته " ، يقول : أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم ، كذّبت بها اليهود (4) " إنه لا يفلح الظالمون " ، يقول : إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل ، ولا يدركون البقاءَ في الجنان ، والمفترون عليه الكذب ، والجاحدون بنبوة أنبيائه. (5)
* * *
__________
(1) يعني : لا يدرون أسلم لهم أبناؤهم من أصلابهم ، أم خالطهم سفاح من سفاحهن! وانظر رواية ذلك في خبر عمر بن الخطاب ، وسؤاله عبد الله بن سلام ، والله أعلم بصحيح ذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 329.
(2) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف ص : 136 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) " اخترق " و " اختلق " و " افترى " : ابتدع الكذب ، وفي التنزيل : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون " (الأنعام : 100).
(4) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(5) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص : 97 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(11/296)


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)

القول في تأويل قوله : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا ، والمكذبين بآياته ، لا يفلحون اليومَ في الدنيا ، ولا يوم نحشرهم جميعًا - يعني : ولا في الآخرة.
ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف.
* * *
وتأويل الكلام : إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ، " ويوم نحشرهم جميعًا " ، فقوله : " ويوم نحشرهم " ، مردود على المراد في الكلام. لأنه وإن كان محذوفًا منه ، فكأنه فيه ، لمعرفة السامعين بمعناه " ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم " ، يقول : ثم نقول ، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب ، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا ، والمكذِّبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة (1) " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ، أنهم لكم آلهة من دون الله ، افتراء وكذبًا ، وتدعونهم من دونه أربابًا ؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !
* * *
القول في تأويل قوله : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم : " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ؟ إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك ، إذ فتناهم فاختبرناهم ، (2)
__________
(1) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص : 89 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسيره " الفتنة " فيما سلف 10 : 478 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(11/297)


" إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين " ، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.
* * *
ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ) بالتاء ، بالنصب ، (1) بمعنى : لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم (2) " والله ربنا ما كنا مشركين " غير أنهم يقرءون " تكن " بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة ، لمجاورته الفتنة ، وهي خبر. (3) وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك ، وهو قوله :
فَمَضَى وَقَدَّمَهَا ، وكانت عادةً... مِنْهُ إذا هيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا (4)
فقال : " وكانت " بتأنيث " الإقدام " ، لمجاورته قوله : " عادة " .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين : (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بالياء ، (فِتْنَتَهُمْ) بالنصب ، (إلا أَنْ قَالُوا) ، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.
غير أنهم ذكَّروا " يكون " لتذكير " أن " . (5)
قال أبو جعفر : وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب ، لأن " أنْ " أثبت في المعرفة من " الفتنة " . (6)
* * *
__________
(1) في المطبوعة ، حذف قوله : " بالتاء " ، لغير طائل.
(2) في المطبوعة : " اختبارنا لهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو فصيح العربية.
(3) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 188.
(4) من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه 1 : 130.
والضمير في قوله : " فمضى " إلى حمار الوحش ، وفي قوله : " وقدمها " إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء.
و " عردت " : فرت ، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة ، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده. فراجع معلقته.
(5) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 188.
(6) أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في " فتنتهم " ، وهي قراءتنا في مصحفنا ، قراءة حفص. وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا ، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف 7 : 273 - 275. وانظر تفسير أبي حيان 4 : 95 .

(11/298)


واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " ثم لم تكن فتنتهم " .
فقال بعضهم : معناه : ثم لم يكن قولهم .
* ذكر من قال ذلك :
13134 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال قتادة في قوله : " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال : مقالتهم قال معمر : وسمعت غير قتادة يقول : معذرتهم .
13135 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قوله : " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال : قولهم .
13136 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا " ، الآية ، فهو كلامهم " قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " .
13137 - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك : " ثم لم تكن فتنتهم " ، يعني : كلامهم .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : معذرتهم .
* ذكر من قال ذلك :
13138 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة : " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال : معذرتهم.
13139 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، يقول : اعتذارهم بالباطل والكذب.
* * *

(11/299)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : معناه : ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم ، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله " إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، فوضعت " الفتنة " موضع " القول " ، لمعرفة السامعين معنى الكلام. وإنما " الفتنة " ، الاختبار والابتلاء (1) ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار ، وضعت " الفتنة " التي هي الاختبار ، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم .
* * *
واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله : " إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " .
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين : وَاللَّهِ رَبِّنَا ، خفضًا ، على أن " الرب " نعت لله .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من التابعين : (وَاللهِ رَبَّنَا) ، بالنصب ، بمعنى : والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك ، قراءةُ من قرأ : (وَاللهِ رَبَّنَا) ، بنصب " الرب " ، بمعنى : يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم : " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ؟ وكان من جواب القوم لربهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف قريبًا ص 297 ، رقم : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 330.

(11/300)


انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

ويعني بقوله : " ما كنا مشركين " ، ما كنا ندعو لك شريكًا ، ولا ندعو سواك. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انظر ، يا محمد ، فاعلم ، كيف كذَب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثانَ والأصنامَ ، في الآخرة عند لقاء الله على أنفسهم بقيلهم : " والله يا ربنا ما كنا مشركين " ، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها يتخلّقون في الدنيا ، (2) من الكذب والفرية .
* * *
ومعنى " النظر " في هذا الموضع ، النظر بالقلب ، لا النظر بالبصر. وإنما معناه : تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة .
* * *
وقال : " كذبوا " ، ومعناه : يكذبون ، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها ، صار كالشيء الذي قد كانَ ووُجد .
* * *
" وضل عنهم ما كانوا يفترون " ، يقول : وفارقهم الأنداد والأصنام ، وتبرءوا منها ، فسلكوا غير سبيلها ، لأنها هلكت ، [وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء] ، (3)
__________
(1) انظر ما سلف رقم : 9520 - 9522 (ج 8 : 373 ، 374).
(2) في المطبوعة : " بها متخلقين " ، وفي المخطوطة : " بها متخلقون " ، وهذا صواب قراءتها.
(3) هكذا جاء في المطبوعة ما وضعته بين القوسين ، وهو في المخطوطة : " وعبدوا الذين كانوا يعبدونها إصرا " ، غير منقوطة. ولم أهتد إلى الصواب ، وأخشى أن يكون سقط من الكلام سطر أو بعضه ، فلذلك آثرت أن أضع ما في المطبوعة بين قوسين ، ولأني في ريبة من أمره.

(11/301)


ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله ، وعبادتهم إياها ، وإشراكهم إياها في سلطان الله ، فضلت عنهم ، وعوقب عابدُوها بفريتهم.
* * *
وقد بينا فيما مضى أن معنى " الضلال " ، الأخذ على غير الهدى. (1)
* * *
وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة الله يومئذ.
ذكر الرواية بذلك :
13140 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عمرو ، عن مطرّف ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال : سمعت الله يقول : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، (2) وقال في آية أخرى : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، [سورة النساء : 42] ؟ قال ابن عباس : أما قوله : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام : قالوا : " تعالوا نجحد " ، فقالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ، " ولا يكتمون الله حديثًا " . (3)
__________
(1) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف 10 : 124 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة : " أتى رجل ابن عباس فقال ، قال الله : والله ربنا . . . " ، أما المخطوطة ففيها خرم ، كان فيها : " أتى رجل ابن عباس وقال في آية أخرى " ، ولذلك تصرف ناشر المطبوعة. والذي أثبته هو الصواب ، وهو نص الأثر الذي رواه أبو جعفر قديمًا ، كما سيأتي في التخريج. وقد صححت حروفًا في هذا الخبر من الأثر السالف ولم أشر إليها هنا.
(3) الأثر : 13140 - مضى هذا الخبر برقم : 9520 (ج 8 : 373).هذا وقد اختصر أبو جعفر أخبار ابن عباس هذه ، فإنه روى هناك خبرين آخرين رقم : 9521 ، 9522 ، تبين منهما أن السائل هو نافع بن الأزرق ، وكان يأتي ابن عباس ليلقى عليه متشابه القرآن. وهذا من ضروب اختصار أبي جعفر في تفسيره هذا. وأيضًا فإنه سيأتي هنا آثار في تفسير آية سورة النساء : 42 (ج 8 : 371 - 375) لم يذكرها هناك ، كما سترى في الآثار التالية.

(11/302)


13141 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : قول أهل الشرك ، حين رأوا الذنوب تغفر ، ولا يغفر الله لمشرك " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " ، بتكذيب الله إياهم .
13142 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
13143 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، ثم قال : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، [سورة النساء " 42] ، بجوارحهم .
13144 - حدثنا ابن وكيع ، قال ، حدثنا أبي ، عن حمزة الزيات ، عن رجل يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : حلفوا واعتذروا ، قالوا : " والله ربنا " . (1)
13145 - حدثني المثنى قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ، عن سعيد بن جبير قال ، أقسموا واعتذروا : " والله ربنا " .
13146 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن حمزة الزيات ، عن رجل يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير ، بنحوه .
13147 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن سفيان بن زياد العُصْفري ، عن سعيد بن جبير في قوله : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد ، قال من فيها من المشركين : " تعالوا نقول : لا إله إلا الله ، لعلنا نخرج مع هؤلاء " . قال : فلم يصدَّقوا . قال : فحلفوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " . قال : فقال الله : " انظر كيف كذبوا
__________
(1) الأثر : 13144 - " هشام " ، الذي يروي عنه " حمزة الزيات " ، لم أعرفه.

(11/303)


على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون " . (1)
13148 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي : يشركون. (2)
13149 - حدثنا الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا المنهال بن عمرو ، عن سعيد عن جبير ، عن ابن عباس في قوله : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم ، قالوا : تعالوا إذا سئلنا قلنا : " والله ربنا ما كنا مشركين " . فسئلوا ، فقالوا ذلك ، فختم الله على أفواههم ، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم ، فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك : " لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا " .
13150 - حدثني الحارث قال ، حدثني عبد العزيز قال ، حدثنا مسلم بن خلف ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : يأتي على الناس يوم القيامة ساعة ، لما رأوا أهلُ الشرك أهلَ التوحيد يغفر لهم (3) فيقولون : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : " انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون " . (4)
13151 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز ، قال حدثنا سفيان عن رجل ، عن سعيد بن جبير : أنه كان يقول : " والله ربِّنا ما كنا مشركين " ، يخفضها. قال : أقسموا واعتذروا قال الحارث قال ، عبد العزيز ، قال سفيان مرة أخرى : حدثني هشام ، عن سعيد بن جبير .
* * *
__________
(1) الأثر : 13147 - " سفيان بن زياد العصفري " ، مضى برقم : 2331.
(2) في المطبوعة : " يشركون به " بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " لما رأى أهل الشرك " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لغة من لغات العرب جائزة.
(4) الأثر : 13150 - " مسلم بن خلف " ، لم أجد له ترجمة ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف.

(11/304)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)

القول في تأويل قوله : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ من قومك ، يا محمد " من يستمع إليك " ، يقول : من يستمع القرآن منك ، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك ، وأمره ونهيه ، ولا يفقه ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه ، ولا يتدبره ، ولا يصغي له سمعه ، ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك ، إنما يسمع صوتك وقراءَتك وكلامك ، ولا يعقل عنك ما تقول ، لأن الله قد جعل على قلبه " أكنّة " .
* * *
وهي جمع " كنان " ، وهو الغطاء ، مثل : " سِنان " ، " وأسنة " . يقال منه : " أكننت الشيءَ في نفسي " ، بالألف ، " وكننت الشيء " ، إذا غطيته ، (1) ومن ذلك : بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، [سورة الصافات : 49] ، وهو الغطاء ، (2) ومنه قول الشاعر : (3)
تَحْتَ عَيْنٍ ، كِنَانُنَا... ظِلُّ بُرْدٍ مُرَحَّلُ (4)
__________
(1) انظر ما سلف 5 : 102 ، 103.
(2) الأجود أن يقال : " وهو المغطى " ، وكأنه كان كذلك ، وكأن الذي في المطبوعة والمخطوطة تحريف. ولكن ربما عبر القدماء بمثل هذا التعبير ، ولذلك تركته على حاله. وقد قال الطبري في ج 5 : 102 ، وذكر الآية : " أي : مخبوء " .
(3) هو عمر بن أبي ربيعة.
(4) ليس في ديوانه ، ولكنه من قصيدته التي في ديوانه : 125 - 126 ، وهو في الأغاني 1 : 184 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 46 ، 188 ، واللسان (كنن) ، وغيرها. من أبياته التي أولها : هَاجَ ذَا القَلَبَ مَنْزِلُ ... دَارِسُ الآيِ مُحْوِلُ
وقبله في رواية أبي الفرج في أغانيه. أرْسَلَتْ تَسْتَحِثّى وَتُفَدِّي وتَعْذُل ... أَيُّنَا بَاتَ لَيْلَةً بَيْنَ غُصْنَيْنِ يُوبَلُ
وروايته للبيت :
تَحْتَ عَيْنٍ ، يُكِنُّنَا ... بُرْدُ عَصْبٍ مُهَلْهَل
ورواية ابن بري ، وصحح رواية أبي عبيدة وأبي جعفر : تَحْتَ عَيْنٍ ، كِنَانُنَا ... بُرْدُ عَصْبٍ مُرَحَّلُ
" العين " في البيت السحاب. و " المرحل من الثياب ، الذي عليه تصاوير الرحال.

(11/305)


يعني : غطاؤُهم الذي يكنُهم. (1)
* * *
" وفي آذانهم وقرًا " ، يقول تعالى ذكره : وجعل في آذانهم ثِقلا وصممًا عن فهم ما تتلو عليهم ، والإصغاء لما تدعوهم إليه.
* * *
والعرب تفتح " الواو " من " الوَقْر " في الأذن ، وهو الثقل فيها وتكسرها في الحمل فتقول : " هو وِقْرُ الدابة " . ويقال من الحمل : " أوقرْتُ الدَّابة فهي مُوقَرة " ومن السمع : " وَقَرْتُ سمعه فهو موقور " ، ومنه قول الشاعر : (2)
وَلِي هَامَةٌ قَدْ وَقَّر الضَّرْبُ سَمْعَهَا
وقد ذكر سماعًا منهم : " وُقِرَتْ أذنه " ، إذا ثقلت " فهي موقورة " " وأوقرتِ النخلةُ ، فهي مُوقِر " كما قيل : " امرأة طامث ، وحائض " ، لأنه لا حظّ فيه للمذكر. فإذا أريد أن الله أوقرها ، قيل " مُوقَرةٌ " .
* * *
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 188 ، وهو شبيه بنص كلامه.
(2) لم أهتد إلى قائله ، وإن كنت أذكر أني قرأت هذا الشعر في مكان.

(11/306)


وقال تعالى ذكره : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " ، بمعنى : أن لا يفقهوه ، كما قال : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء : 176] ، بمعنى : أن لا تضلوا ، (1) لأن " الكنّ " إنما جعل على القلب ، لئلا يفقهه ، لا ليفقهه. (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13152 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا " ، قال : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا ، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ، ولا تدري ما يُقَال لها.
13153 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا " ، أما " أكنة " ، فالغطاءُ أكنّ قلوبهم ، لا يفقهون الحق " وفي آذانهم وقرًا " ، قال : صمم .
13154 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " ومنهم من يستمع إليك " ، قال : قريش .
13155 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 9 : 445 ، 446.
(2) انظر تفسير " فقه " فيما سلف 8 : 557.

(11/307)


القول في تأويل قوله : { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (25) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام ، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك " كل آية " ، يقول : كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجَا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك (1) " لا يؤمنوا بها " ، يقول : لا يصدّقون بها ، ولا يقرّون بأنها دالّة على ما هي عليه دالة " حتى إذا جاؤوك يجادلونك " ، يقول : حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به " يجادلونك " ، يقول : يخاصمونك (2) " يقول الذين كفروا " ، يعنى بذلك : الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها ، يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتجَّ بها عليهم ، وبيانَه الذي بيَّنه لهم " إن هذا إلا أساطير الأوّلين " ، أي : ما هذا إلا أساطير الأوّلين.
* * *
و " الأساطير " جمع " إسْطارة " و " أُسطُورة " مثل " أفكوهة " و " أضحوكة " وجائز أن يكون الواحد " أسطارًا " مثل " أبيات " ، و " أبابيت " ، و " أقوال وأقاويل " ، (3) من قول الله تعالى ذكره : وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ، [سورة الطور : 2] . من : " سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرا " .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(2) انظر تفسير " جادل " فيما سلف 4 : 141/9 : 190 ، 193.
(3) يعني بقوله : " أسطارًا " ، جمع " سطر " ، كما هو بين.

(11/308)


فإذ كان من هذا : فإن تأويله : ما هذا إلا ما كتبه الأوَّلون.
* * *
وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأوّلونه بهذا التأويل ، ويقولون : معناه : إنْ هذا إلا أحاديث الأوّلين .
13156 - حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .
13157 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، أمّا " أساطير الأوّلين " ، فأسَاجيع الأولين. (1)
* * *
وكان بعض أهل العلم وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى بكلام العرب يقول : " الإسطارةُ " لغةٌ ، ومجازُها مجازُ الترهات. (2)
* * *
وكان الأخفش يقول : قال بعضهم : واحده " أسطورة " . وقال بعضهم : " إسطارة " . قال : ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد ، نحو " العباديد " (3) و " المَذَاكير " ، و " الأبابيل " . (4) قال : وقال بعضهم : واحد " الأبابيل " ، " إبِّيل " ، وقال بعضهم : " إبَّوْل " مثل " عِجَّوْل " ، (5) ولم أجد العرب تعرف له واحدًا ، وإنما هو مثل " عباديد " لا واحد لها. وأما " الشَّماطيط " ، فإنهم يزعمون
__________
(1) " الأساجيع " جمع " أسجوعة " : يراد به الكهان على هيئة كلامهم.
(2) في المطبوعة : " لغة ، الخرافات والترهات " غير ما في المخطوطة ، وهو نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 189. وهذا من سيئ العبث بالكتب!
(3) في المطبوعة : " عباييد " ، وهو صواب ، إلا أني أثبت ما في المخطوطة. يقال : " جاء القوم عباديد ، وعبابيد " ، أي متفرقون.
(4) " المذاكير " ، يقال في الفرد أيضًا. وفي الخبر أن عبدًا أبصر جارية لسيده ، فجب السيد مذاكيره فاستعمله لرجل واحد ، وأراد به شيئه ، وما تعلق به.
و " أبابيل " : جماعات من هنا ، وجماعات من هنا.
(5) يقال : " عجل " و " عجول " (بكسر العين ، وتشديد الجيم المفتوحة ، وسكون الواو) : ولد البقرة ، وجمعه " عجاجيل " .

(11/309)


أن واحده " شمطاط " . (1) قال : وكل هذه لها واحد ، إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به ، لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعًا. (2) قال : وسمعت العرب الفصحاء تقول : " أرسل خيله أبابيل " ، تريد جماعات ، فلا تتكلم بها بواحدة. (3) وكانت مجادلتهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في هذه الآية ، فيما ذُكِر ، ما : -
13158 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " حتى إذا جاءوك يجادلونك " الآية ، قال : هم المشركون ، يجادلون المسلمين في الذَّبيحة ، يقولون : " أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون ، وأما ما قتل الله فلا تأكلون! وأنتم تتَّبعون أمرَ الله تعالى ذكره " ! (4)
* * *
__________
(1) " شماميط " : قطع متفرقة ، يقال : " ذهب القوم شماميط " : إذا تفرقوا أرسالا.
(2) في المطبوعة : " جمعا " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " فلا تتكلم بها موحدة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد كرهت عبث الناشر بنص أبي جعفر!!
(4) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت منه نسختنا ، وفيها ما نصه :
" يتلوه القولُ في تأويل قوله
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَونَ عَنْهُ وَإنْ يُهْلِكُونَ}
{إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}
وَصَلَّى اللهُ على مُحَمدٍ النبيِّ وَعَلى آلِهِ وَسَلّم كثيرًا الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينِ " ثم يتلوه ما نصه : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ رَبِّ يَسِّرْ " .رْ "

(11/310)


وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)

القول في تأويل قوله : { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " .
فقال بعضهم : معناه : هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله ، ينهونَ الناس عن اتباع محمّد صلى الله عليه وسلم والقبول منه " وينأَوْن عنه " ، يتباعدون عنه.
* ذكر من قال ذلك :
13159 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص بن غياث وهانئ بن سعيد ، عن حجاج ، عن سالم ، عن ابن الحنفية : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال : يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيبونه ، وينهون الناس عنه. (1)
13160 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، يعني : ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به " وينأون عنه " ، يعني : يتباعدون عنه.
13161 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، أن يُتَّبع محمد ، ويتباعدون هم منه.
__________
(1) الأثر : 13159 - " هانئ بن سعيد النخعي " ، صالح الحديث ، مترجم في الكبير 4/2/233 ، وابن أبي حاتم 4/2/102.
و " حجاج " هو " حجاج بن أرطاة " ، مضى مرارًا.
و " سالم " ، هو " سالم بن أبي الجعد " ، مضى أيضًا.
و " ابن الحنفية " هو : " محمد بن علي بن أبي طالب " ، مضى أيضًا.

(11/311)


13162 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، يقول : لا يلقونَه ، ولا يَدَعُون أحدًا يأتيه.
13163 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول في قوله : " وهم ينهون عنه " ، يقول : عن محمد صلى الله عليه وسلم .
13164 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، جمَعُوا النهي والنأي. و " النأي " ، التباعد. (1) وقال بعضهم : بل معناه : " وهم ينهون عنه " عن القرآن ، أن يسمع له ويُعمَل بما فيه.
ذكر من قال ذلك :
13165 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وهم ينهون عنه " ، قال : ينهون عن القرآن ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم " وينأون عنه " ، ويتباعدون عنه.
13166 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : " وهم ينهون عنه " ، قال : قريش ، عن الذكر " وينأون عنه " ، يقول : يتباعدون .
13167 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قريش ، عن الذكر. " ينأون عنه " ، يتباعدون.
13168 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال : ينهون عن القرآن ،
__________
(1) في المخطوطة : " والنهي التباعد " ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة بلا شك.

(11/312)


وعن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتباعدون عنه.
13169 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ينأون عنه " ، قال : " وينأون عنه " ، يباعدونه. (1)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : وهم ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم " وينأون عنه " ، يتباعدون عن دينه واتّباعه .
* ذكر من قال ذلك :
13170 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وقبيصة وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عمن سمع ابن عباس يقول : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى عن محمد أن يُؤذَى ، وينأى عما جاء به أن يؤمن به .
13171 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت قال ، حدثني من سمع ابن عباس يقول : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال : نزلت في أبي طالب ، ينهى عنه أن يؤذى ، وينأى عما جاء به.
13172 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عمن سمع ابن عباس : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى المشركين أن يؤذُوا محمدًا ، وينأى عمّا جاء به.
13173 - حدثنا هناد قال ، حدثنا عبدة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن القاسم بن مخيمرة قال : كان أبو طالب ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصدِّقه. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " يبعدون " ، وفي المخطوطة : " يبعدونه " ، وآثرت قراءتها كما أثبتها.
(2) الأثر : 13173 - " القاسم بن مخيمرة الهمداني " ، " أبو عروة " ، روى عن عبد الله بن عمرو ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي أمامة ، وغيرهم من التابعين. ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير 4/1/167 ، وابن أبي حاتم 3/2/120.

(11/313)


13174 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ومحمد بن بشر ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن القاسم بن مخيمرة في قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال : نزلت في أبي طالب قال ابن وكيع ، قال ابن بشر : كان أبو طالب ينهي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذَى ولا يصدّق به.
13175 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس بن بكير ، عن أبي محمد الأسدي ، عن حبيب بن أبي ثابت قال ، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قول الله تعالى ذكره : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، نزلت في أبي طالب ، كان ينهى عن أذى محمد ، وينأى عما جاء به أن يتّبعه. (1)
13176 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن القاسم بن مخيمرة في قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ، قال : نزلت في أبي طالب.
13177 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب قال : ذاك أبو طالب ، في قوله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " . (2)
13178 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثني سعيد بن أبي أيوب قال ، قال عطاء بن دينار في قول الله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ،
__________
(1) الأثر : 13175 - " أبو محمد الأسدي " ، لم أعرف من هو ، ولم أجد من يكنى به. وأخشى أن يكون هو " عبد العزيز بن سياه الأسدي " ، الآتي في الأثر رقم : 13177 و " عبد العزيز " يروي عنه يونس بن بكير.
(2) الأثر : 13177 - " عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي " ، مضى مرارًا كثيرة.
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " عبد الله بن موسى " ، وهو خطأ محض.
و " عبد العزيز بن سياه الأسدي " ، ثقة ، محله الصدق ، وكان من كبار الشيعة. وروى عنه عبيد الله بن موسى ، ويونس بن بكير ، ووكيع ، وغيرهم. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/383.
وانظر التعليق على الأثر السالف ، فإني أرجح أن " أبا محمد الأسدي " ، كنية : " عبد العزيز بن سياه الأسدي " .

(11/314)


أنها نزلت في أبي طالب ، أنه كان ينهى الناسَ عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينأى عما جاء به من الهدى. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ، قولُ من قال : تأويلُه : " وهم ينهون عنه " ، عن إتباع محمد صلى الله عليه وسلم مَنْ سواهم من الناس ، وينأون عن اتباعه.
وذلك أن الآيات قبلَها جرت بذكر جماعة المشركين العادِلين به ، والخبرِ عن تكذيبهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، والإعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه ، فالواجب أن يكون قوله : " وهم ينهون عنه " ، خبرًا عنهم ، إذ لم يأتنا ما يدُلُّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. بل ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدلّ على صحة ما قلنا ، من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، دون أن يكون خبرًا عن خاصٍّ منهم .
* * *
وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : وإن يرَ هؤلاء المشركون ، يا محمد ، كلَّ آية لا يؤمنوا بها ، حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون : " إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأوَّلين وأخبارهم " ! وهم ينهون عن استماع التنزيل ، وينأون عنك فيبعدون منك ومن اتباعك " وإن يهلكون إلا أنفسهم " ، يقول : وما يهلكونَ بصدّهم عن سبيل الله ، وإعراضهم عن تنزيله ، وكفرهم بربهم - إلا أنفسهم لا غيرها ، وذلك أنهم يكسِبُونها بفعلهم ذلك ، سخط الله وأليم عقابه ،
__________
(1) الأثر : 13178 - " سعيد بن أبي أيوب الخزاعي المصري " ، وهو " سعيد بن مقلاص " ، ثقة ثبت. ومضى في الأثرين رقم : 5615 ، 6743 ، غير مترجم. مترجم في التهذيب ، والكبير2/1/419 ، وابن أبي حاتم 2/1/66.
و " عطاء بن دينار المصري " ، من ثقات أهل مصر ، مضى برقم : 160.

(11/315)


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)

وما لا قِبَل لها به (1) " وما يشعرون " ، يقول : وما يدرون ما هُمْ مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم. (2)
* * *
والعرب تقول لكل من بعد عن شيء : " قد نأى عنه ، فهو ينأى نَأْيًا " . ومسموع منهم : " نأيتُكَ " ، (3) بمعنى : " نأيت عنك " . وأما إذا أرادوا : أبعدتُك عني ، قالوا : " أنأيتك " . ومن " نأيتك " بمعنى : نأيتُ عنك ، قول الحطيئة :
نَأَتْكَ أُمَامَةُ إلا سُؤَالا... وَأَبْصَرْتَ مِنْهَا بِطَيْفٍ خَيَالا (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم : " ولو ترى " ، يا محمد ، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ ، الجاحدين نبوّتك ، الذين وصفت لك صفتهم " إذ وُقفوا " ، يقول : إذ حُبِسوا " على النار " ، يعني : في النار - فوضعت " على " موضع " في " كما قال : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو
__________
(1) انظر تفسير " الهلاك " فيما سلف قريبًا ص : 263.
(2) انظر تفسير " شعر " فيما سلف 1 : 277 ، 278/6 : 502.
(3) في المطبوعة : " مسموع منهم : نأيت " ، خطأ ، صوابه في المخطوطة.
(4) ديوانه : 31 ، من قصيدته التي مدح بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، معتذرًا له من هجاء الزبرقان بن بدر ، وبعد البيت : خَيَالا يَرُوعُكَ عِنْدَ المَنَا ... مِ وَيَأْبَى مَعَ الصُّبْحِ إِلا زَوَالا
كِنَانيَّةٌ ، دَارُهَا غَرْبَةٌ ... تُجِدُّ وِصَالا وتُبْلِي وصَالا

(11/316)


الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة : 102] ، بمعنى في ملك سليمان. (1)
* * *
وقيل : " ولو ترى إذ وقفوا " ، ومعناه : إذا وقفوا لما وصفنا قبلُ فيما مضى : أن العرب قد تضع " إذ " مكان " إذا " ، و " إذا " مكان " إذ " ، وإن كان حظّ " إذ " أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجد فقضي ، وحظ " إذا " أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد ، (2) ولكن ذلك كما قال الراجز ، وهو أبو النجم :
مَدَّ لَنَا فِي عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا... ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى
جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلَى (3)
فقال : " ثم جزاه الله عنا إذ جزى " فوضع ، " إذ " مكان " إذا " .
* * *
وقيل : " وقفوا " ، ولم يُقَل : " أُوقِفوا " ، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب. يقال : " وقَفتُ الدابة وغيرها " ، بغير ألف ، إذا حبستها. وكذلك : " وقفت الأرضَ " ، إذا جعلتها صدقةً حَبيسًا ، بغير ألف ، وقد : -
13179 - حدثني الحارث ، عن أبي عبيد قال : أخبرني اليزيديّ والأصمعي ، كلاهما ، عن أبي عمرو قال : ما سمعت أحدًا من العرب يقول : " أوقفت الشيء " بالألف. قال : إلا أني لو رأيت رجلا بمكانٍ فقلت : " ما أوقفك ها هنا ؟ " ، بالألف ، لرأيته حسنًا. (4)
__________
(1) انظر تفسير " على " بمعنى " في " فيما سلف 1 : 299/ 2 : 411 ، 412/11 : 200 ، 201 ومواضع أخرى ، التمسها في فهارس النحو والعربية.
(2) انظر " إذا " و " إذ " فيما سلف ص : 236 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) مضى بيتان منها فيما سلف ص : 235 ، والبيت الأول من الرجز ، في اللسان (طها) وقال : " وإنما أراد : رب طه ، فحذف الألف " . وكان رسم " طها " في المطبوعة والمخطوطة : " طه " ، فآثرت رسمها كما كتبها صاحب اللسان (طها).
(4) الأثر : 13179 - انظر هذا الخبر في لسان العرب " وقف " . وكان في المطبوعة : " الحارث بن أبي عبيد " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة. وقد مضى هذا الإسناد مرارًا.

(11/317)


" فقالوا يا ليتنا نردّ " ، يقول : فقال هؤلاء المشركون بربهم ، إذ حُبسوا في النار : " يا ليتنا نردّ " ، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله " ولا نكذب بآيات ربنا " ، يقول : ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها " ونكون من المؤمنين " ، يقول : ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله ، متَّبعي أمره ونهيه.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين : ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، بمعنى : يا ليتنا نردُّ ، ولسنا نكذب بآيات ربنا ، ولكنّا نكون من المؤمنين.
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بمعنى : يا ليتنا نرد ، وأن لا نكذب بآيات ربنا ، ونكونَ من المؤمنين. وتأوَّلوا في ذلك شيئًا : -
13180 - حدثنيه أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن هارون قال : في حرف ابن مسعود : ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ) بالفاء .
* * *
وذكر عن بعض قرأة أهل الشام ، أنه قرأ ذلك : ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ) بالرفع(وَنَكُونَ) بالنصب ، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردَّ ، وأن يكونوا من المؤمنين ، وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا .
* * *
واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا.
فقال بعض نحويي البصرة : " ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين " ، نصبٌ ، لأنه جواب للتمني ، وما بعد " الواو " كما بعد " الفاء " . قال : وإن شئت رفعتَ وجعلته على غير التمني ، كأنهم قالوا : ولا نكذِّبُ والله بآيات ربنا ، ونكونُ

(11/318)


والله من المؤمنين. هذا ، إذا كان على ذا الوجه ، كان منقطعًا من الأوّل. قال : والرفع وجهُ الكلام ، لأنه إذا نصب جعلها " واوَ " عطف. فإذا جعلها " واو " عطف ، فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذِّبوا ، وأن يكونوا من المؤمنين. قال : وهذا ، والله أعلم ، لا يكون ، لأنهم لم يتمنوا هذا ، إنما تمنوا الردّ ، وأخبروا أنهم لا يكذبون ، ويكونون من المؤمنين.
* * *
وكان بعض نحويي الكوفة يقول : لو نصب " نكذب " و " نكون " على الجواب بالواو ، لكان صوابًا. قال : والعرب تجيب ب " الواو " ، و " ثم " ، كما تجيب بالفاء. يقولون : " ليت لي مالا فأعطيَك " ، " وليت لي مالا وأُعْطيَك " ، " وثم أعطيَك " . قال : وقد تكون نصبًا على الصَّرف ، كقولك : " لا يَسَعُنِي شيء ويعجِزَ عَنك. (1)
* * *
وقال آخر منهم : لا أحبُّ النصب في هذا ، لأنه ليس بتمنٍّ منهم ، إنما هو خبرٌ ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنِّي.
* * *
وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب " بالواو " ، وبحرف غير " الفاء " . وكان يقول : إنما " الواو " موضع حال ، لا يسعني شيء ويضيقَ عنك " ، أي : وهو يضيق عنك. قال : وكذلك الصَّرف في جميع العربية. قال : وأما " الفاء " فجواب جزاء : " ما قمت فنأتيَك " ، أي : لو قمت لأتينَاك. قال : فهذا حكم الصرف و " الفاء " . قال : وأمّا قوله : " ولا نكذب " ، و " نكون " فإنما جاز ، لأنهم قالوا : " يا ليتنا نرد " ، في غير الحال التي وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم في تلك ،
__________
(1) " الصرف " ، مضى تفسيره فيما سلف 1 : 569 ، تعليق : 1/3 : 552 ، تعليق : 1/7 : 247 ، تعليق : 2.

(11/319)


فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا في تلك الحال.
* * *
قال أبو جعفر : وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا : ولو ترى إذ وقفوا على النار ، فقالوا : قد وقفنا عليها مكذِّبين بآيات ربِّنا كفارًا ، فيا ليتنا نردّ إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا.
وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنزيل ، وذلك قول الله تعالى ذكره : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة ، والتكذيب لا يقع في التمني. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنَّه لم يتدبر التأويل ، ولَزِم سَنَن العربيّة.
* * *
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك : ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بالرفع في كليهما ، بمعنى : يا ليتنا نردّ ، ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا ، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا ، لا على التمنّي منهم أن لا يكذِّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه ، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني ، لاستحال تكذيبهم فيه ، لأن التمني لا يكذَّب ، وإنما يكون التصديقُ والتكذيبُ في الأخبار.
* * *
وأما النصب في ذلك ، فإني أظنّ بقارئه أنه توخَّى تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه ، (1) وذلك قراءته ذلك : ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء
__________
(1) في المطبوعة : " فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله " ، وهو كلام غث.
وفي المخطوطة : " . . . أنه برحا تأويل قراءة عبد الله " غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/320)


كذلك ، لا شك في صحة إعرابه. ومعناه في ذلك : أن تأويله إذا قرئ كذلك : لو أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا ، ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَى من حكى عن العرب من السماع منهم الجوابَ بالواو ، و " ثم " كهيئة الجواب بالفاء ، صحيحًا ، فلا شك في صحّة قراءة من قرأ ذلك : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ نصبًا على جواب التمني بالواو ، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلا فإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنزيل. ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحًا ، بل المعروف من كلامها : الجوابُ بالفاء ، والصرفُ بالواو.
* * *

(11/321)


بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)

القول في تأويل قوله : { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء العادلين بربهم ، (1) الجاحدين نبوتك ، يا محمد ، في قيلهم إذا وقفوا على النار : " يا ليتنا نردُّ ولا نكذب بأيات ربنا ونكون من المؤمنين " الأسَى والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك ، (2) لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه ، على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم ، فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد ، ففضحهم بها ، ثم جازاهم بها جزاءَهم .
يقول : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها " من قبل ذلك في الدنيا ، فظهرت " ولو رُدُّوا " ، يقول : ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا
__________
(1) في المطبوعة : " ما قصد هؤلاء " ، وهو لا شيء ولكن حمله عليه أنه في المخطوطة " ما هؤلاء العادلين " ، واستظهرت الصواب من قوله بعد : " لكن بهم الإشفاق " .
(2) السياق : " ما بهؤلاء العادلين بربهم . . . الأسى والندم . . . " .

(11/321)


وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

" لعادوا لما نهوا عنه " ، يقول : لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك ، من جحود آيات الله ، والكفر به ، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم " إنهم لكاذبون " ، في قيلهم : " لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين " ، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب ، لا إيمانًا بالله.
* * *
وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13181 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " ، يقول : بدت لهم أعمالهم في الآخرة ، التي أخفوها في الدنيا .
13182 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " ، قال : من أعمالهم .
13183 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه " ، يقول : ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم ، لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين ، العادلين به الأوثان والأصنام ، الذين ابتدأ هذه السورة بالخبرعنهم.

(11/322)


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)

يقول تعالى ذكره : " وقالوا إنْ هي إلا حياتنا الدنيا " ، يخبر عنهم أنهم ينكرون أنّ الله يُحيي خلقه بعد أن يُميتهم ، ويقولون : " لا حياة بعد الممات ، ولا بعث ولا نشور بعد الفناء " . فهم بجحودهم ذلك ، وإنكارهم ثوابَ الله وعقابَه في الدار الآخرة ، لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية ، لأنهم لا يرجون ثوابًا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعملٍ صالح بعد موت ، ولا يخافون عقابًا على كفرهم بالله ورسوله وسيّئٍ من عمل يعملونه. (1)
* * *
وكان ابن زيد يقول : هذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار : أنهم لو ردُّوا إلى الدنيا لقالوا : " إن هي إلا حياتُنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " .
13184 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " ، وقالوا حين يردون : " إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " لو ترى " ، يا محمد ، هؤلاء القائلين : ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " إذ وقفوا " ، يوم القيامة ،
__________
(1) في المطبوعة : " وشيء من عمل " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/323)


قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

أي : حبسوا ، (1) " على ربهم " ، يعني على حكم الله وقضائه فيهم " قال أليس هذا بالحق " ، يقول : فقيل لهم : أليس هذا البعثُ والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونَه في الدنيا ، حقًّا ؟ فأجابوا ، فقالوا : بلى " والله إنه لحقّ " قال فذوقوا العذاب " ، يقول : فقال الله تعالى ذكره لهم : فذوقوا العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون (2) " بما كنتم تكفرون " ، يقول : بتكذيبكم به وجحودكموه الذي كان منكم في الدنيا .
* * *
القول في تأويل قوله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " ، قد هلك ووُكس ، في بيعهم الإيمان بالكفر (3) " الذين كذبوا بلقاء الله " ، يعني : الذين أنكروا البعثَ بعد الممات ، والثواب والعقابَ ، والجنةَ والنارَ ، من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك " حتى إذا جاءَتهم الساعة " ، يقول : حتى إذا جاءتهم السَّاعة التي يَبْعث الله فيها الموتى من قبورهم.
* * *
وإنما أدخلت " الألف واللام " في " الساعة " ، لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها ، وأنها مقصود بها قصدُ الساعة التي وصفت.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " وقف " فيما سلف قريبا ص : 316.
(2) انظر تفسير " ذاق العذاب " فيما سلف ص : 47 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " خسر " فيما سلف ص : 294 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(11/324)


ويعني بقوله : " بغتة " ، فجأةً ، من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إيّاه.
* * *
يقال منه : " بغتُّه أبغته بَغْتةً " ، إذا أخذته كذلك :
* * *
" قالوا يا حَسْرتَنا على ما فرّطنا فيها " ، يقول تعالى ذكره : وُكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة من النار ، فإذا جاءتهم الساعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا ، وتبيَّنوا خسارة صفقة بَيْعهم التي سلفت منهم في الدنيا ، تندُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْن الذي غبنوه أنفسهم ، وجليلِ الخسران الذي لا خسرانَ أجلَّ منه " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، يقول : يا ندامتنا على ما ضيّعنا فيها ، يعني : صفقتهم تلك. (1)
* * *
و " الهاء والألف " في قوله : " فيها " ، من ذكر " الصفقة " ، ولكن اكتفى بدلالة قوله : " قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله " عليها من ذكرها ، إذ كان معلومًا أن " الخسران " لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. (2)
* * *
وإنما معنى الكلام : قد وُكس الذين كذبوا بلقاء الله ، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته ، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطه وعقوبته ، ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك ، حتى تقوم الساعة ، فإذا جاءتهم الساعة بغتةً فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم ، قالوا حينئذ ، تندمًا : " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) انظر تفسير " الحسرة " فيما سلف 3 : 295/7 : 335.
(2) في المطبوعة : " قد خسرت " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(11/325)


13185 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، أمّا " يا حسرتنا " ، فندامتنا " على ما فرطنا فيها " ، فضيعنا من عمل الجنة .
13186 - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا يزيد بن مهران قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " يا حسرتنا " ، قال : " يرى أهلُ النار منازلهم من الجنة فيقولون : يا حسرتنا " . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاء الله ، " يحملون أوزارهم على ظهورهم " . وقوله : " وهم " من ذكرهم " يحملون أوزارهم " ، يقول : آثامهم وذنوبهم.
* * *
واحدها " وِزْر " ، يقال منه : " وَزَر الرجل يزِر " ، إذا أثم ، قال الله : " ألا ساء ما يزرون " . (2) فإن أريد أنهم أُثِّموا ، (3) قيل : " قد وُزِر القوم فهم يُوزَرُون ، وهم موزورون " .
* * *
__________
(1) الأثر : 13186 - " يزيد بن مهران الأسدي " ، الخباز ، أبو خالد. صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : " يغرب " . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/290.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 9 ، وقال : " أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والخطيب بسند صحيح ، عن أبي سعيد الخدري " ، وذكر الخبر.
(2) في المطبوعة ، حذف قوله : " قال الله : ألا ساء ما يزرون " .
(3) " أثموا " بضم الهمزة وتشديد الثاء المكسورة ، بالبناء للمجهول أي : رموا بالإثم.

(11/326)


قد زعم بعضهم أن " الوِزْر " الثقل والحمل. ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد ، ولا من رواية ثِقة عن العرب.
* * *
وقال تعالى ذكره : " على ظهورهم " ، لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكِب وغير ذلك ، فبيَّن موضع حملهم ما يحملون منْ ذلك.
* * *
وذكر أنّ حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم ، نحو الذي : -
13187 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلْمان قال ، حدثنا عمرو بن قيس الملائي قال : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبُه ريحًا ، (1) فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : لا إلا أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن صورتك ! فيقول : كذلك كنت في الدنيا ، أنا عملك الصالح ، طالما ركبتك في الدنيا ، فاركبني أنت اليوم! وتلا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، [سورة مريم : 85]. وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنُه ريحًا ، فيقول ، هل تعرفني ؟ فيقول : لا إلا أن الله قد قَبّح صورتك وأنتن ريحك ! فيقول : كذلك كنتُ في الدنيا ، أنا عملك السيئ ، طالما ركبتني في الدنيا ، فأنا اليوم أركبك وتلا " وهم يحملون أوزارهم على ظُهورهم ألا ساء ما يزرون " . (2)
__________
(1) في المطبوعة : " استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحًا " ، وهو كلام غث غير مستقيم ، وكان في المخطوطة : " استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحًا " ، سقط من الناسخ ما أثبته " شيء " ، واستظهرته من قوله بعد : " يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا " .
(2) الأثر : 13187 - " الحكم بن بشير بن سلمان النهدي " ، ثقة ، مضى مرارًا رقم : 1497 ، 2872 ، 3014 ، 6171 ، 9646. وكان في المطبوعة هنا " سليمان " وهو خطأ ، صححته في المخطوطة ، والمراجع ، كما سلف أيضًا.
و " عمرو بن قيس الملائي " ، مضى مرارًا ، رقم : 886 ، 1497 ، 3956 ، 6171 ، 9646.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 9 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. وإسناد أبي حاتم فيما رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 303 : " حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي مرزوق " ، وساق الخبر مختصرًا بغير هذا اللفظ.

(11/327)


13188 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، فإنه ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره ، (1) إلا جاء رجل قبيح الوجه ، أسودُ اللون ، مُنتن الريح ، عليه ثياب دَنِسة ، حتى يدخل معه قبره ، فإذا رآه قال له : ما أقبح وجهك! قال : كذلك كان عملك قبيحًا! قال : ما أنتن ريحك! قال : كذلك كان عملك منتنًا! قال : ما أدْنس ثيابك! قال فيقول : إن عملك كان دنسًا. قال : من أنت ؟ قال : أنا عملك! قال : فيكون معه في قبره ، فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذَّات والشهوات ، فأنت اليوم تحملني. قال : فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخلَه النار ، فذلك قوله : " يحملون أوزارهم على ظهورهم " .
* * *
وأما قوله تعالى ذكره : " ألا ساء ما يزرون " ، فإنه يعني : ألا ساء الوزر الذي يزرون - أي : الإثم الذي يأثمونه بربهم ، (2) كما : -
13189 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ألا ساء ما يزرون " ، قال : ساء ما يعملون .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " قال ليس من رجل ظالم يموت " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) كان في المطبوعة : " الذي يأثمونه كفرهم بربهم " ، زاد " كفرهم " ، وأفسد الكلام.
وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض. وقد بينت آنفا معنى قوله " أثم فلان بربه " 4 : 530 ، تعليق : 3/6 : 92/11 : 180 ، تعليق : 3.

(11/328)


وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

القول في تأويل قوله : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) }
قال أبو جعفر : وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفارَ المنكرين البعثَ بعد الممات في قولهم : إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، [سورة المائدة : 29].
يقول تعالى ذكره ، مكذبًا لهم في قبلهم ذلك : " ما الحياة الدنيا " ، أيها الناس " إلا لعب ولهو " ، يقول : ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقرّبت منكم في داركم هذه ، (1) ونعيمَها وسرورَها ، فيها ، (2) والمتلذذُ بها ، والمنافسُ عليها ، إلا في لعب ولهو ، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذِ فيها بملاذّها ، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها ، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر ، (3) كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه ، ثم يعقبه منه ندمًا ، ويُورثه منه تَرحًا. يقول : لا تغتروا ، أيها الناس ، بها ، فإن المغتر بها عمّا قليل يندم " وللدار الآخرة خير للذين يتقون " ، يقول : وللعمل بطاعته ، والاستعدادُ للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تَبقى منافعها لأهلها ، ويدوم سرورُ أهلها فيها ، خيرٌ من الدار التي تفنى وشيكًا ، (4) فلا يبقى لعمالها فيها سرور ، ولا يدوم لهم فيها نعيم " للذين
__________
(1) انظر تفسير " الحياة الدنيا " فيما سلف 1 : 245.
(2) سياق الجملة : " ما باغي لذات الحياة . . . ونعيمها وسرورها " ، بالعطف ثم قوله : " فيها " ، سياقه : " ما باغي لذات الحياة . . . فيها " . وقوله بعد : " والمتلذذ بها " مرفوع معطوف على قوله : " ما باغي لذات الحياة " .
(3) في المطبوعة : " فتمر عليه وتكر " غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، وهو الصواب " تمر " من " المرارة " ، أي : تصير مرة بعد حلاوتها ، وكدرة بعد صفائها.
(4) في المطبوعة ، حذف قوله " وشيكا " ، كأنه لم يحسن قراءتها. " وشيكا " : سريعًا.

(11/329)


قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)

يتقون " ، يقول : للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه ، والمسارعة إلى رضاه " أفلا تعقلون " ، يقول : أفلا يعقل هؤلاء المكذّبون بالبعث حقيقةَ ما نخبرهم به ، من أن الحياة الدنيا لعب ولهوٌ ، وهم يرون من يُخْتَرم منهم ، (1) ومن يهلك فيموت ، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها ، واستعباد النفس لها ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له ، بغير إشراك شيءٍ سواه معه .
* * *
القول في تأويل قوله : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قد نعلم " ، يا محمد ، إنه ليحزنك الذي يقول المشركون ، وذلك قولهم له : إنه كذّاب " فإنهم لا يكذبونك " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك
[فقرأته جماعة من أهل الكوفة : (فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ) بالتخفيف] ، (2) بمعنى : إنهم لا يُكْذِبونك فيما أتيتهم به من وحي الله ، ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحًا ، بل يعلمون صحته ، ولكنهم يجحَدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به.
* * *
__________
(1) " اخترم الرجل " (بالبناء للمجهول) و " اخترمته المنية من بين أصحابه " ، أخذته من بينهم وخلا منه مكانه ، كأن مكانه صار خرمًا في صفوفهم.
(2) هذه الزيادة بين القوسين ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، ولكن زيادتها لا بد منها ، واستظهرتها من نسبة هذه القراءة ، فهي قراءة علي ونافع والكسائي. انظر معاني القرآن للفراء 1 : 331 ، وتفسير أبي حيان 4 : 111 ، وغيرهما.

(11/330)


وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون : " أكذبت الرجل " ، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه. قال : ويقولون : " كذَّبْتُه " ، إذا أخبرت أنه كاذبٌ. (1)
* * *
وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بمعنى : أنهم لا يكذّبونك علمًا ، بل يعلمون أنك صادق ولكنهم يكذبونك قولا عنادًا وحسدًا .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة ، ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم.
وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ويدفعونه عما كان الله تعالى ذكره خصه به من النبوّة ، فكان بعضهم يقول : " هو شاعر " ، وبعضهم يقول : " هو كاهن " ، وبعضهم يقول : " هو مجنون " ، وينفي جميعُهم أن يكون الذي أتَاهم به من وحي السماء ، ومن تنزيل رب العالمين ، قولا. وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته ، وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسدًا له وبغيًا.
* * *
فالقارئ : (فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ) بمعنى (2) أن الذين كانوا يعرفون
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 331.
(2) في المطبوعة : " يعني به " وفي المخطوطة : " معنى أن الذين . . . " ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/331)


حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول ، يجحدونَ أن يكون ما تتلوه عليهم من تنزيل الله ومن عند الله ، قولا - وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علمًا صحيحًا مصيبٌ ، (1) لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته.
وفي قول الله تعالى في هذه السورة : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [سورة المائدة : 20] ، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم المعاند في جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم ، مع علمٍ منهم به وبصحة نبوّته. (2)
* * *
وكذلك القارئ : (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) (3) بمعنى : أنهم لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عنادًا ، لا جهلا بنبوّته وصدق لَهْجته مصيب ، (4) لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَنْ هذه صفته.
وقد ذَهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل .
* * *
* ذكر من قال : معنى ذلك : فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيٌّ لله صادق .
13190 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك " ، قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزينٌ ، فقال له : ما يُحزنك ؟ فقال : كذَّبني هؤلاء! قال فقال له جبريل : إنهم لا يكذبونك ، هم يعلمون أنك صادق ، " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13191 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل ، عن
__________
(1) السياق : " فالقارئ . . . مصيب " .
(2) في المطبوعة : " . . . على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوته . . . مع علم منهم به وصحة نبوته " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب ، إلا أنه في المخطوطة أيضًا " به وصحة نبوته " ، فرأيت السياق يقتضي أن تكون " وبصحة " ، فأثبتها.
(3) في المطبوعة : " يعني أنهم . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) السياق : " وكذلك القارئ . . . مصيب " .

(11/332)


أبي صالح قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين ، فقال له : ما يحزنك ؟ . فقال : كذَّبني هؤلاء! فقال له جبريل : إنهم لا يكذبونك ، إنهم ليعلمون أنك صادق ، " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13192 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، قال : يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
13193 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط : عن السدي في قوله : " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة ، إن محمدًا ابن أختكم ، فأنتم أحقُّ مَنْ كَفَّ عنه ، (1) فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوهُ اليوم ، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [صلى الله عليه وسلم] رجعتم سالمين ، وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا فيومئذ سمّي " الأخنس " ، وكان اسمه " أبيّ " (2) فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل ، فقال : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد ، أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل : وَيْحك ، والله إن محمدًا لصادق ، وما كذب محمّد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله : " فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، " فآيات الله " ، محمدٌ صلى الله عليه وسلم .
__________
(1) في تفسير ابن كثير 3 : 305 ، في هذا الموضع : " فأنتم أحق من ذب عنه " .
(2) سمى " الأخنس " ، لأنه من " خنس يخنس خنوسا " ، إذا انقبض عن الشيء وتأخر ورجع.

(11/333)


13194 - حدثني الحارث بن محمد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا قيس ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير : " فإنهم لا يكذبونك " ، قال : ليس يكذّبون محمدًا ، ولكنهم بآيات الله يجحدون .
* * *
* ذكر من قال : ذلك بمعنى : فإنهم لا يكذّبونك ، ولكنهم يكذِّبون ما جئت به.
13195 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما نتهمك ، ولكن نتَّهم الذي جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره : " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
13196 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب : أنّ أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنّا لا نكذبك ، ولكن نكذب الذي جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره : " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك ، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به .
* ذكر من قال ذلك :
13197 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب : " فإنهم لا يكذبونك " ، قال : لا يبطلون ما في يديك .
* * *
وأما قوله : " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ، فإنه يقول : ولكن المشركين بالله ، بحجج الله وآي كتابه ورسولِه يجحدون ، فينكرون صحَّة ذلك كله.
* * *
وكان السدي يقول : " الآيات " في هذا الموضع ، معنيٌّ بها محمّد صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ. (1)
* * *
__________
(1) انظر آخر الأثر السالف رقم : 13193.

(11/334)


وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)

القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) }
قال أبو جعفر : وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعزيةٌ له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إيّاه على ما جاءهم به من الحق من عند الله .
يقول تعالى ذكره : إن يكذبك ، يا محمد ، هؤلاء المشركون من قومك ، فيجحدوا نبوّتك ، وينكروا آيات الله أنّها من عنده ، فلا يحزنك ذلك ، واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله ، حتى يأتي نصر الله ، (1) فقد كُذبت رسلٌ من قبلك أرسلتهم إلى أممهم ، فنالوهم بمكروه ، فصبروا على تكذيب قومهم إياهم ، ولم يثنهم ذلك من المضيّ لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه ، حتى حكم الله بينهم وبينهم " ولا مبدّل لكلمات الله " ، يقول : ولا مغيِّر لكلمات الله و " كلماته " تعالى ذكره : ما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، من وعده إياه النصر على من خَالفه وضادّه ، والظفرَ على من تولّى عنه وأدبر " ولقد جاءك من نبإ المرسلين " ، يقول : ولقد جاءك يا محمد ، من خبر من كان قبلك من الرسل ، (2) وخبر أممهم ، وما صنعتُ بهم حين جحدوا آياتي وتمادَوا في غيهم وضلالهم أنباء وترك ذكر " أنباء " ، لدلالة " مِنْ " عليها.
يقول تعالى ذكره : فانتظر أنت أيضًا من النصرة والظفر مثل الذي كان منِّي فيمن
__________
(1) إذ في المخطوطة : " حتى أتاهم نصر الله " ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه ما في المطبوعة.
(2) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص : 262 ، تعليق : 3 ، والمراجع.

(11/335)


وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم ، واقتد بهم في صبرهم على ما لَقُوا من قومهم.
* * *
وبنحو ذلك تأوَّل من تأوَّل هذه الآية من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13198 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا " ، يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون ، ويخبره أن الرسل قد كُذّبت قبله ، فصبروا على ما كذبوا ، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين .
13199 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : " ولقد كذبت رسل من قبلك " ، قال : يعزّي نبيَّه صلى الله عليه وسلم .
13200 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " ولقد كذبت رسل من قبلك " ، الآية ، قال : يعزِّي نبيّه صلى الله عليه وسلم .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن كان عظم عليك ، يا محمد ، إعراض هؤلاء المشركين عنك ، وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي

(11/336)


بعثتُك به ، فشقَّ ذلك عليك ، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم (1) " فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض " ، يقول : فإن استطعت أن تتَّخذ سَرَبا في الأرض مثلَ نَافِقاء اليَرْبُوع ، وهي أحد جِحَرِته فتذهب فيه (2) " أو سُلمًا في السماء " ، يقول : أو مصعدًا تصعد فيه ، كالدَّرَج وما أشبهها ، كما قال الشاعر : (3)
لا تُحْرِزُ الْمَرْءُ أَحْجَاءُ البِلادِ ، وَلا... يُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلالِيم (4)
" فتأتيهم بآية " ، منها يعني بعلامةٍ وبرهان على صحة قولك ، (5) غير الذي أتيتك فافعل. (6)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك : قال بعض أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13201 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص : 262 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " ابتغى " فيما سلف 10 : 394 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) هو تميم بن أبي بن مقبل.
(4) من قصيدة له جيدة ، نقلها قديمًا ، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 190 ، وشرح شواهد المغني : 227 ، واللسان (سلم) (حجا) ، وغيرها ، وقبل البيت ، وهي أبيات حسان : إنْ يَنْقُصِ الدّهْرُ مِنِّي ، فالفَتَى غَرَضٌ ... لِلدَّهْرِ ، من عَوْدهِ وَافٍ وَمَثْلُومُ
وَإنْ يَكُنْ ذَاكَ مِقْدَارًا أُصِبْتُ بِهِ ... فَسِيرَة الدَّهْرِ تَعْوِيجٌ وتَقْويمُ
مَا أطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَن الفَتَى حَجَرٌ ... تَنْبُو الحَوَادِثَ عَنْهُ وهو مَلْمُومُ
لا يمنع المرءَ أنصارٌ وَرَابيةٌ ... تَأْبَى الهَوَانَ إذَا عُدَّ الجَرَاثِيمُ
لا يُحْرِزُ المَرْءَ . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و " أحجاه البلاد " : نواحيها وأطرافها. ويروى " أعناء البلاد " ، وهو مثله في المعنى.
(5) انظر تفسير " آية " فيما سلف في فهرس اللغة (أيي).
(6) قوله : " فافعل " ، أي : " إن استطعت أن تبتغي نفقًا . . . فافعل " .

(11/337)


معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء " ، و " النفق " السَّرب ، فتذهب فيه " فتأتيهم بآية " ، أو تجعل لك سلَّمًا في السماء ، (1) فتصعد عليه ، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به ، فافعل .
13202 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض " ، قال : سَرَبًا " أو سلمًا في السماء " ، قال : يعني الدَّرَج .
13203 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء " ، أما " النفق " فالسرب ، وأما " السلم " فالمصعد.
13204 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قوله : " نفقًا في الأرض " ، قال : سربًا .
* * *
وتُرِك جواب الجزاء فلم يذكر ، لدلالة الكلام عليه ، ومعرفة السامعين بمعناه. وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يُفهم معناه عند المخاطبين به ، فيقول الرجل منهم للرجل : " إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا ، إن قدرت على مَعُونتنا " ، ويحذف الجواب ، وهو يريد : إن قدرت على معونتنا فافعل. فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب ، لم يحذفوه. لا يقال : " إن تقم " ، فتسكت وتحذف الجواب ، لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره ،
__________
(1) في المخطوطة : " تجعل لهم سلمًا " ، والجيد ما في المطبوعة.

(11/338)


حتى يقال : " إن تقم تصب خيرًا " ، أو : " إن تقم فحسن " ، وما أشبه ذلك. (1) ونظيرُ ما في الآية مما حذف جَوَابه وهو مراد ، لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر : (2)
فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ ، وَلا تَذْ... هَبْ بِكِ التُّرَّهَاتُ فِي الأهْوَالِ (3)
والمعنى : فبحظٍّ مما نعيش فعيشي. (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار ، يا محمد ، فيحزنك تكذيبهم إياك ، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين ، وصوابٍ من محجة الإسلام ، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة ، وملتكم وملتهم واحدة ، لجمعتهم على ذلك ، ولم يكن بعيدًا عليَّ ، لأنّي القادرُ على ذلك بلطفي ، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي ، ونافذ قضائي فيهم ، من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم " فلا تكونن " ، يا محمد ، " من الجاهلين " ، يقول :
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 331 ، 332.
(2) هو عبيد بن الأبرص.
(3) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 3 : 284. وكان البيت في المخطوطة على الصواب كما أثبته ، وإن كان غير منقوط. أما المطبوعة ، فكان فيها هكذا. فتحطْ مما يعش ولا تذهب ... بك التُرهّات في الأهوال
أساء قراءة المخطوطة ، وحرفه.
(4) في المطبوعة : " والمعنى : فتحط مما يعش فيعشى " ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة.

(11/339)


فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجَمع على الهدى جميع خلقه بلطفه ، (1) وأنَّ من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه ، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ من الكافرين به اختيارًا لا إضطرارًا ، فإنك إذا علمت صحة ذلك ، لم يكبر عليك إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق ، وتكذيبُ من كذَّبك منهم .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13205 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يقول الله سبحانه : لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.
* * *
قال أبو جعفر : وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره ، الدلالةُ الواضحة على خطإ ما قال أهل التَّفْويض من القدريّة ، (2) المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاءَ توفيقه من خلقه ، يلطفُ بها له حتى يهتدِيَ للحقّ ، فينقاد له ، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله. وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية لجميع من كفر به ، حتى يجتمعوا على الهدى ، فعلَ. ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم ، كانوا مهتدين لا ضلالا. وهم لو كانوا مهتدين ، كان لا شك أنّ كونهم مهتدين كان خيرًا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى ، تركٌ منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه ، مما هو قادر على فعله بهم ، وقد
__________
(1) انظر تفسير " الجاهل " فيما سلف 2 : 182 ، وتفسير " جهالة " 8 : 88 - 92.
(2) " أهل التفويض " : هم الذين يقولون : إن الأمر فوض إلى الإنسان ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده. انظر ما سلف 1 : 162 ، تعليق : 1.
وأما " القدرية " ، و " أهل القدر " ، فهم الذين ينفون القدر. وأما الذين يثبتون القدر ، وهم أهل الحق ، فهم : " أهل الإثبات " . وانظر ما سلف 1 : 162 ، تعليق : 1.

(11/340)


ترك فعله بهم. وفي تركه فعل ذلك بهم ، أوضحُ الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية ، ويتسبّبون بها إلى الإيمان.
* * *

(11/341)


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

القول في تأويل قوله : { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا يكبُرنّ عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك ، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربّهم والإقرار بنبوّتك ، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك ، (1) إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق ، وسهَّل لهم اتباع الرُّشد ، دون من ختم الله على سمعه ، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها ، فهم كما وصفهم به الله تعالى ذكره : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [سورة البقرة : 171] " والموتى يبعثهم الله " ، يقول : والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى ، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا ، ولا يعقلون دعاء ، ولا يفقهون قولا إذ كانوا لا يتدبرون حُجج الله ، ولا يعتبرون آياته ، ولا يتذكرون فينزجرون عما هم عليه من تكذيب رُسل الله وخلافهم. (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) انظر تفسير " الاستجابة " فيما سلف 3 : 483 ، 484/7 : 486 - 488.
(2) في المطبوعة : " ولا يتذكرون فينزجروا " وفي المخطوطة : " ولا يتذكروا فينزجروا " والصواب ما أثبته.

(11/341)


13206 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " إنما يستجيب الذين يسمعون " ، المؤمنون ، للذكر " والموتى " ، الكفار ، حين يبعثهم الله مع الموتى.
13207 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13208 - حدثني بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " إنما يستجيب الذين يسمعون " ، قال : هذا مَثَل المؤمن ، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذَّبوا بآياتنا صم وبكم ، وهذا مثل الكافر أصم أبكم ، لا يبصر هدًى ولا ينتفع به.
13209 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان الثوري ، عن محمد بن جحادة ، عن الحسن : " إنما يستجيب الذين يسمعون " ، المؤمنون " والموتى " ، قال : الكفار.
13210 - حدثني ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن جحادة قال : سمعت الحسن يقول في قوله : " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله " ، قال : الكفار.
* * *
وأما قوله : " ثم إليه يرجعون " ، فإنه يقول تعالى ذكره : ثم إلى الله يرجع المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول ، (1) والكفارُ الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئًا ، فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب ، ويعاقب هذا الكافرَ بما أوعدَ أهل الكفر به من العقاب ، لا يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة.
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " ثم إلى الله يرجعون المؤمنون " ، وليس بشيء هنا ، والجيد ما أثبته.

(11/342)


وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)

القول في تأويل قوله : { وَقَالُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنزلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء العادلون بربهم ، المعرضون عن آياته : " لولا نزل عليه آيه من ربه " ، يقول : قالوا : هلا نزل على محمد آية من ربه ؟ (1) كما قال الشاعر : (2)
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَل مَجْدِكُمْ... بَنِي ضَوْطَرَي ، لَولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (3)
بمعنى : هلا الكميَّ.
* * *
و " الآية " ، العلامة. (4)
* * *
وذلك أنهم قالوا : مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [سورة الفرقان : 7 ، 8] . قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لقائلي هذه المقالة لك : " إنّ الله قادر على أن ينزل آية " ، يعني : حجة على ما يريدون ويسألون " ولكن أكثرهم لا يعلمون " ، يقول : ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية ، (5) لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نزلها من البلاء ، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك ، ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزلها عليك ، لم يقولوا ذلك ، ولم يسألوكه ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " لولا " فيما سلف 2 : 552 ، 553/10 : 448/ 11 : 262 ،
(2) هو جرير.
(3) مضى البيت وتخريجه وتفسيره وصواب نسبته فيما سلف 2 : 552 ، 553.
(4) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(5) في المخطوطة : " ولكن أكثرهم الذين يقولون " ، والجيد ما في المطبوعة.

(11/343)


وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

القول في تأويل قوله : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المعرضين عنك ، المكذبين بآيات الله : أيها القوم ، لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون ، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم ، أو يترك مجازاتكم عليها ، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ ، (1) ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء ، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة ، (2) تعرف كما تعرفون ، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون ، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها ، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب ، ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالها. يقول : فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض ، والطير في الهواء ، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها ، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب ، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء ، أحرى أن لا يُضيع أعمالكم ، ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها ، أيها الناس ، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها ، إن خيرًا فخيرًا ، وإن شرًّا فشرًّا ، إذ كان قد خصكم من نعمه ، وبسط عليكم من فضله ، ما لم يعمَّ به غيركم في الدنيا ، وكنتم بشكره أحقَّ ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى ، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميِّزون ، والفهم
__________
(1) انظر تفسير " دابة " فيما سلف 3 : 275.
(2) انظر تفسير " أمة " فيما سلف 10 : 465 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(11/344)


الذي لم يعطه البهائم والطيرَ ، الذي به بين مصالحكم ومضارِّكم تفرِّقون.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13211 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " أمم أمثالكم " ، أصناف مصنفة تُعرَف بأسمائها .
13212 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13213 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " ، يقول : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة.
13214 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " إلا أمم أمثالكم " ، يقول : إلا خلق أمثالكم .
13215 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج في قوله : " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " ، قال : الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب .
* * *
وأما قوله : " ما فرطنا في الكتاب من شيء " ، فإن معناه : ما ضيعنا إثبات شيء منه ، كالذي : -
13216 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " ما فرطنا في الكتاب من شيء " ، ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.
13217 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله :

(11/345)


" ما فرطنا في الكتاب من شيء " ، قال : لم نُغفِل الكتاب ، ما من شيء إلا وهو في الكتاب. (1)
13218 - وحدثني به يونس مرة أخرى ، قال في قوله : " ما فرطنا في الكتاب من شيء " ، قال : كلهم مكتوبٌ في أم الكتاب .
* * *
وأما قوله : " ثم إلى ربهم يحشرون " ، فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى " حشرهم " ، الذي عناه الله تعالى ذكره في هذا الموضع. (2)
فقال بعضهم : " حشرها " ، موتها.
* ذكر من قال ذلك :
13219 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن سعيد ، عن مسروق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " ، قال ابن عباس : موت البهائم حشرها. (3)
13220 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " ثم إلى ربهم يحشرون " ، قال : يعني بالحشر ، الموت .
13221 - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " ثم
__________
(1) في المطبوعة : " لم نغفل ما من شيء . . . " ، أسقط " الكتاب " ، وهي ثابتة في المخطوطة.
(2) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص : 297 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) الأثر : 13219 - " عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي " ، سلف قريبًا رقم : 13177 ، وكان هنا في المطبوعة والمخطوطة أيضًا " عبد الله بن موسى " ، وهو خطأ ، أشرت إليه فيما سلف.

(11/346)


إلى ربهم يحشرون " ، يعني بالحشر : الموت.
* * *
وقال آخرون : " الحشر " في هذا الموضع ، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة.
* ذكر من قال ذلك :
13222 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة في قوله : " إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون " ، قال : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء ، ثم يقول : " كوني ترابًا " ، فلذلك يقول الكافر : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ : 40] . (1)
13223 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الأعمش ، عمن ذكره ، (2) عن أبي ذر قال : بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه
__________
(1) الأثر : 13222 - " جعفر بن برقان الكلابي " ، ثقة ، مضى برقم : 4577 ، 7836.و " يزيد بن الأصم بن عبيد البكائي " ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 7836.وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 316 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن جعفر الجذري ، عن يزيد بن الأصم ، وقال : " جعفر الجذري هذا ، هو ابن برقان ، قد احتج به مسلم ، وهو صحيح على شرطه ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 308 ، 309 ، ثم قال : " وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور " . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 11 ، وزاد نسبته لأبي عبيد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم. و " الجماء " : الشاة إذا لم تكن ذات قرن. و " القرناء " : الشاة الكبيرة القرن.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " عن الأعمش ذكره " ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه من تفسير ابن كثير. وقوله " عمن ذكره " كأنه يعني : " منذر الثوري " أو " الهزيل بن شرحبيل " كما يتبين من التخريج.

(11/347)


وسلم إذ انتطحت عنزان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدرون فيما انتطحتا ؟ قالوا : لا ندري! قال : " لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما. (1)
13224 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن سليم قال ، حدثنا فطر بن خليفة ، عن منذر الثوري ، عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا أبا ذَرّ ، أتدري فيم انتطحتا " ؟ قلت : لا! قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما! قال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا.
* * *
__________
(1) الأثران : 13223 ، 13224 - " إسحق بن سليمان الرازي العبدي " ، ثقة مضى برقم : 6456 ، 10238 ، 11240.و " فطر بن خليفة القرشي " ، ثقة ، مضى برقم : 3583 ، 6175 ، 7511. وكان في المطبوعة : " مطر بن خليفة " ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة. و " منذر الثوري " ، هو : " منذر بن يعلى الثوري " ، ثقة ، قليل الحديث روى عن التابعين ، لم يدرك الصحابة. مضى برقم : 10839. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 153 ، مختصرًا من طريق ابن نمير ، عن الأعمش ، عن منذر ، عن أشياخ من التيم ، قالوا ، قال أبو ذر : " لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا " . ثم رواه أيضًا في المسند 5 : 162 ، من ثلاث طرق ، مطولا ومختصرًا كالسالف ، أولها مطولا من طريق محمد بن جعفر ، عن سليمان ، عن منذر الثوري ، عن أشياخ لهم ، عن أبي ذر ثم من الطريق نفسه مختصرًا كالسالف ثم من طريق حجاج ، عن فطر ، عن المنذر ، بمعناه. قد تبين من رواية أحمد أن الذي روى عنه الأعمش في الإسناد الأول ، هو منذر الثوري نفسه.
وإسناد هذه كلها إما منقطعة ، كإسناد أبي جعفر أو فيها مجاهيل ، كأسانيد أحمد. ثم رواه أحمد في مسنده بغير هذا اللفظ ، (5 ، 172 ، 173) من طريق عبيد الله بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن ثروان ، عن الهزيل بن شرحبيل ، عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا وشاتان تقترتان ، فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها. قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : ما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : عجبت لها! والذي نفسي بيده ليقادن لها يوم القيامة " .وكان في المسند : " عبد الرحمن بن مروان " ، وهو خطأ ، وإنما الراوي عن الهزيل ، هو " ابن ثروان " . وهذا إسناد حسن متصل.

(11/348)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه. وجائز أن يكون معنيًّا بذلك حشر القيامة وجائز أن يكون معنيًّا به حشر الموت وجائز أن يكون معنيًّا به الحشران جميعًا ، ولا دلالة في ظاهر التنزيل ، ولا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ ذلك المراد بقوله : " ثم إلى ربهم يحشرون " ، إذ كان " الحشر " ، في كلام العرب الجمع ، (1) ومن ذلك قول الله تعالى ذكره : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [سورة ص : 19] ، يعني : مجموعة. فإذ كان الجمع هو " الحشر " ، وكان الله تعالى ذكره جامعًا خلقه إليه يوم القيامة ، وجامعهم بالموت ، كان أصوبُ القول في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها وأن يقال : كل دابة وكل طائر محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة ، إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله : " ثم إلى ربهم يحشرون " ، ولم يخصص به حشرًا دون حشر.
* * *
فإن قال قائل : فما وجهُ قوله : " ولا طائر يطير بجناحيه " ؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه ؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة ؟
قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنزل هذا الكتاب بلسان قوم ، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم. فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا : " كلمت فلانًا بفمي " ، و " مشيت إليه برجلي " ، و " ضربته بيدي " ، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم ، ويستعملونه في خطابهم ، ومن ذلك قوله تعالى ذكره : (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَي) [سورة ص : 23]. (2)
__________
(1) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص : 346 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة : ذكر الآية كقراءتها في مصحفنا ، هكذا : " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " ، وليس هذا موضع استشهاد أبي جعفر ، والصواب في المخطوطة كما أثبته. وهي قراءة عبد الله بن مسعود ، وقد ذكرها أبو جعفر في تفسيره بعد (23 : 91 ، بولاق) ثم قال : [وذلك على سبيل توكيد العرب الكلمة ، كقولهم : هذا رجل ذكر " ، ولا يكادون يفعلون ذلك إلا في المؤنث والمذكر الذي تذكيره وتأنيثه في نفسه ، كالمرأة والرجل والناقة ، ولا يكادون أن يقولوا : " هذه دار أنثى ، وملحفة أنثى " ، لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها].

(11/349)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته (1) " صمٌّ " ، عن سماع الحق " بكم " ، عن القيل به (2) " في الظلمات " ، يعني : في ظلمة الكفر حائرًا فيها ، (3) يقول : هو مرتطم في ظلمات الكفر ، لا يبصر آيات الله فيعتبر بها ، ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبَّره وأحكم تدبيره ، وقدَّره أحسن تقدير ، وأعطاه القوة ، وصحح له آلة جسمه لم يخلقه عبثًا ، ولم يتركه سدًى ، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه ، دون معصيته وما يسخطه. فهو لحيرته في ظلمات الكفر ، وتردّده في غمراتها ، غافلٌ عمَّا الله قد أثبت له في أمّ الكتاب ، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر الأمم. ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلالَه من خلقه عن الإيمان إلى الكفر ، والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته ، فموفّقه بفضله وطَوْله للإيمان به ، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه ، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أمّ الكتاب السعادة ، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء ، وأنّ بيده الخير كلُّه ، وإليه الفضل كله ، له الخلق والأمر. (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(2) انظر تفسير " صم " و " بكم " فيما سلف 1 : 328 - 331/3 : 315.
(3) وحد الضمير بعد الجمع فقال : " حائرا فيها " ، يعني الكافر المكذب بآيات الله ، وهو جائز في مثل هذا الموضع من التفسير.
(4) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
وتفسير " الصراط المستقيم " فيما سلف 10 : 429 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.

(11/350)


قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة :
13225 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " صم وبكم " ، هذا مثل الكافر ، أصم أبكم ، لا يبصر هدًى ، ولا ينتفع به ، صَمَّ عن الحق في الظلمات ، لا يستطيع منها خروجًا ، متسكِّع فيها.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في معنى قوله : " أرأيتكم " .
فقال بعض نحويي البصرة : " الكاف " التي بعد " التاء " من قوله : " أرأيتكم " إنما جاءت للمخاطبة ، وتركت " التاء " مفتوحة كما كانت للواحد. قال : وهي مثل " كاف " " رويدك زيدًا " ، إذا قلت : أرود زيدًا هذه " الكاف " ليس لها موضع مسمى بحرف ، لا رفع ولا نصب ، وإنما هي في المخاطبة مثل كاف " ذاك " . ومثل ذلك قول العرب : " أبصرَك زيدًا " ، (1) يدخلون " الكاف " للمخاطبة.
* * *
وقال آخرون منهم : معنى : " أرأيتكم إن أتاكم " ، أرأيتم. قال : وهذه " الكاف " تدخل للمخاطبة مع التوكيد ، و " التاء " وحدها هي الاسم ، كما أدخلت " الكاف " التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة ، كقولهم : " هذا ، وذاك ، وتلك ، وأولئك " ، فتدخل " الكاف " للمخاطبة ، وليست باسم ، و " التاء " هو الاسم للواحد والجميع ، تركت على حال واحدة ، ومثل ذلك قولهم :
__________
(1) في المطبوعة : " انصرك زيدًا " بالنون ، والصواب بالباء كما سيأتي.

(11/351)


" ليسك ثَمَّ إلا زيد " ، يراد : ليس و " لا سِيَّك زيد " ، فيراد : ولا سيما زيد و " بلاك " فيراد ، " بلى " في معنى : " نعم " و " لبئسك رجلا ولنعمك رجلا " . وقالوا : " انظرك زيدًا ما أصنع به " و " أبصرك ما أصنع به " ، بمعنى : أبصره. وحكى بعضهم : " أبصركُم ما أصنع به " ، يراد : أبصروا و " انظركم زيدًا " ، أي انظروا. وحكي عن بعض بني كلاب : " أتعلمك كان أحد أشعرَ من ذي الرمة ؟ " فأدخل " الكاف " .
وقال بعض نحويي الكوفة : " أرأيتك عمرًا " أكثر الكلام فيه ترك الهمز. قال : و " الكاف " من " أرأيتك " في موضع نصب ، كأن الأصل : أرأيت نفسك على غير هذه الحال ؟ قال : فهذا يثني ويجمع ويؤنث ، فيقال : " أرأيتما كما " و " أرأيتموكم " . و " وَأَرَأَيْتُنَّكُنَّ " ، (1) أوقع فعله على نفسه ، وسأله عنها ، ثم كثر به الكلام حتى تركوا " التاء " موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع ، فقالوا : " أرأيتكم زيدًا ما صنع " ، و " أرأيتكنّ ما صنع " ، فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها ، فجعلوها بدلا من " التاء " ، (2) كما قال : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [سورة الحاقة : 19] ، و " هاء يا رجل " ، و " هاؤما " ، ثم قالوا : " هاكم " ، اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع. فكأن " الكاف " في موضع رفع ، إذ كانت بدلا من " التاء " . وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ، وهي كقول القائل : " عليك زيدًا " ، " الكاف " في موضع خفض ، والتأويل رفع. فأما ما يُجْلب فأكثر ما يقع على الأسماء ، ثم تأتي بالاستفهام فيقال : " أرأيتك زيدًا هل قام " ، لأنها صارت بمعنى : أخبرني عن زيد ، ثم بيَّن عما يستخبر. فهذا أكثر الكلام. ولم يأت
__________
(1) في المطبوعة فصل وكتب " أرأيتن كن " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق لما في معاني القرآن للفراء.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 333 ، 334.

(11/352)


بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)

الاستفهام يليها. (1) لم يقل : " أرأيتك هل قمت " ، لأنهم أرادوا أن يبيِّنوا عمن يسأل ، ثم تُبيّن الحالة التي يسأل عنها. وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم ، (2) فقالوا : " أرأيت إن أتيت زيدًا هل يأتينا " (3) و " أرأيتك " أيضًا و " أرأيتُ زيدًا إن أتيته هل يأتينا " ، إذا كانت بمعنى : " أخبرني " ، فيقال باللغات الثلاث.
* * *
قال أبو جعفر : وتأويل الكلام : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ : أخبروني ، إن جاءكم ، أيها القوم ، عذاب الله ، كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالصاعقة أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم ، وتبعثون لموقف القيامة ، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم من البلاء ، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من عظيم البلاء ؟ " إن كنتم صادقين " ، يقول : إن كنتم محقّين في دعواكم وزعمكم أنّ آلهتكم التي تدعونها من دون الله تنفع أو تضر.
* * *
القول في تأويل قوله : { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مكذِّبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان : ما أنتم ، أيها المشركون بالله الآلهةَ والأندادَ ، إن أتاكم عذابُ الله أو أتتكم الساعة ،
__________
(1) في المطبوعة ، مكان " يليها " " ثنيها " وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " وربما جاء بالخبر " وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة ، وإن كانت غير منقوطة ولا مهموزة. ومن أجل هذا التصرف ، تصرف في عبارة أبي جعفر كما سترى في التعليق التالي.
(3) في المطبوعة : " فقالوا : أرأيت زيدًا هل يأتينا " ، حذف " إن أتيت " لسوء تصرفه كما في التعليق السابق.

(11/353)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)

بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهول النازل بكم من آلهة ووثن وصنم ، بل تدعون هناك ربّكم الذي خلقكم ، وبه تستغيثون ، وإليه تفزعون ، دون كل شيء غيره " فيكشف ما تدعون إليه " ، يقول : فيفرِّج عنكم عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه ، عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم ، لأنه القادر على كل شيء ، ومالك كل شيء ، دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان والأصنام " وتنسون ما تشركون " ، يقول : وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ، ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه ، فتجعلونه له ندًّا من وثن وَصنم ، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : متوعدًا لهؤلاء العادلين به الأصنامَ ومحذِّرَهم أن يسلك بهم إن هم تمادَوا في ضلالهم سبيلَ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم ، في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا ومخبرًا نبيَّه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل : " لقد أرسلنا " ، يا محمد ، " إلى أمم " ، يعني : إلى جماعات وقرون (1) " من قبلك فأخذناهم بالبأساء " ، يقول : فأمرناهم ونهيناهم ، فكذبوا رسلنا ، وخالفوا أمرنا ونهينا ، فامتحناهم بالابتلاء " بالبأساء " ، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة (2) " والضراء " ، وهي
__________
(1) انظر تفسير " أمة " فيما سلف ص : 344 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " البأساء فيما سلف 3 : 349 - 252/ 4 : 288.

(11/354)


الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. (1)
* * *
وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في " سورة البقرة " ، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
وقوله : " لعلهم يتضرعون " يقول : فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إليّ ، ويخلصوا لي العبادة ، ويُفْردوا رغبتهم إليَّ دون غيري ، بالتذلل منهم لي بالطاعة ، والاستكانة منهم إليّ بالإنابة.
* * *
وفي الكلام محذوفٌ قد استغني بما دلّ عليه الظاهرمن إظهاره دون قوله : (3) " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم " ، وإنما كان سبب أخذه إياهم ، تكذيبهم الرسل وخلافهم أمرَه لا إرسال الرسل إليهم. وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن معنى الكلام : " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك " رسلا فكذبوهم ، " فأخذناهم بالبأساء " .
* * *
و " التضرع " : هو " التفعل " من " الضراعة " ، وهي الذلة والاستكانة.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الضراء " فيما سلف 3 : 349 - 352/4 : 288/7 : 214.
(2) انظر المراجع كلها في التعليقين السالفين.
(3) في المطبوعة : " بما دل عليه الظاهر عن إظهاره من قوله " ، غير ما في المخطوطة ، وأثبت في المخطوطة بنصه ، وإن كنت أخشى أن يكون سقط من الناسخ كلام.

(11/355)


فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

القول في تأويل قوله : { فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) }
قال أبو جعفر : وهذا أيضًا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما تُرك. وذلك أنه تعالى ذكره أخبرَ عن الأمم التي كذّبت رسلها أنه أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا له ، (1) ثم قال : " فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " ، ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام : " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون " ، فلم يتضرعوا ، " فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا " .
ومعنى : " فلولا " ، في هذا الموضع ، فهلا. (2) والعرب إذ أوْلَتْ " لولا " اسمًا مرفوعًا ، جعلت ما بعدها خبرًا ، وتلقتها بالأمر ، (3) فقالت : " فلولا أخوك لزرتك " و " لولا أبوك لضربتك " ، وإذا أوْلتها فعلا أو لم تُولها اسمًا ، جعلوها استفهامًا فقالوا : " لولا جئتنا فنكرمك " ، و " لولا زرت أخاك فنزورك " ، بمعنى : " هلا " ، كما قال تعالى ذكره : لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [سورة المنافقون : 10]. وكذلك تفعل ب " لوما " مثل فعلها ب " لولا " . (4)
* * *
فتأويل الكلام إذًا : فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها ، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء " تضرعوا " ، فاستكانوا لربهم ، وخضعوا لطاعته ، فيصرف ربهم عنهم بأسه ، وهو عذابه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة حذف " له " وهي في المخطوطة : " به " ، وهذا صواب قراءتها.
(2) انظر تفسير " لولا " فيما سلف ص : 343 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة : " وتلتها " ، غير ما في المخطوطة وأفسد الكلام.
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 334 ، 335.

(11/356)


فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)

وقد بينا معنى " البأس " في غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
" ولكن قست قلوبهم " ، يقول : ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم ، وأصرُّوا على ذلك ، واستكبروا عن أمر ربهم ، استهانةً بعقاب الله ، واستخفافًا بعذابه ، وقساوةَ قلب منهم. (2) " وزين لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون " ، يقول : وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فلما نسوا ما ذكروا به " ، فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا ، (3) كالذي : -
13226 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " فلما نسوا ما ذكروا به " ، يعني : تركوا ما ذكروا به.
13227 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن
__________
(1) انظر تفسير " البأس " فيما سلف 3 : 354 ، 355/8 : 580.
(2) انظر تفسير " قسا " فيما سلف 2 : 233 - 237/10 : 126 ، 127.
(3) انظر تفسير " النسيان " فيما سلف 2 : 9 ، 473 - 480/5 : 164/6 : 132 ، 133 - 135/10 : 129.
وانظر تفسير " التذكير " فيما سلف 10 : 130 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك.

(11/357)


ابن جريج قوله : " نسوا ما ذكروا به " ، قال : ما دعاهم الله إليه ورسله ، أبوْه وردُّوه عليهم.
* * *
" فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء " ، يقول : بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش ، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام ، استدراجًا منَّا لهم ، كالذي : -
13228 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، قال : رخاء الدنيا ويُسْرها ، على القرون الأولى.
13229 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، قال : يعني الرخاء وسعة الرزق .
13230 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط . عن السدي قوله : " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، يقول : من الرزق.
* * *
فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : " فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء " ، وقد علمت أن بابَ الرحمة وباب التوبة [لم يفتحا لهم] ، لم تفتح لهم أبواب أخر غيرهما كثيرة ؟ (1)
قيل : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ من معناه ، وإنما معنى ذلك : فتحنا عليهم ، استدراجًا منا لهم ، أبوابَ كل ما كنا سددنا عليهم بابه ، عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا ، إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله تعالى
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم وأبواب أخر غيره كثيرة " إلا أن المخطوطة ليس فيها إلا " أبواب أخر " بغير واو ، ورجحت أنه سقط من الكلام ما أثبته ، وأن صوابه ما صححت من ضمائره.

(11/358)


ذكره ، لأنّ آخر هذا الكلام مردودٌ على أوله. وذلك كما قال تعالى ذكره في موضع آخر من كتابه : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، [سورة الأعراف : 94 - 95] ، ففتح الله على القوم الذين ذكر في هذه الآية [أنهم نسوا ما] ذكرهم ، (1) بقوله : " فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، هو تبديله لهم مكانَ السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم ، من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة ، ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية ، وهو " فتح أبواب كل شيء " كان أغلق بابه عليهم ، مما جرى ذكره قبل قوله : " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، فردّ قوله : " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، عليه.
* * *
ويعني تعالى بقوله : " حتى إذا فرحوا بما أتوا " ، يقول : حتى إذا فرح هؤلاء المكذّبون رسلهم بفتحنا عليهم أبوابَ السَّعة في المعيشة ، والصحة في الأجسام ، كالذي : -
13231 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " ، من الرزق .
13232 - حدثنا الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدّث ، عن حماد بن زيد قال : كان رجل يقول : رَحم الله رجلا تلا هذه الآية ، ثم فكر فيها ماذا أريد بها : " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " .
13233 - حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا ابن أبي رجاء رجل من أهل الشعر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن محمد بن النضر الحارثي في
__________
(1) هذه الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق.

(11/359)


قوله : " أخذناهم بغتة " ، قال : أُمهلوا عشرين سنة. (1)
* * *
ويعني تعالى ذكره بقوله : " أخذناهم بغتة " ، أتيناهم بالعذاب فجأة ، وهم غارُّون لا يشعرون أن ذلك كائن ، ولا هو بهم حالٌّ ، (2) كما : -
13234 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " ، قال : أعجبَ ما كانت إليهم ، وأغَرَّها لهم. (3)
13235 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي " أخذناهم بغتة " ، يقول : أخذهم العذابُ بغتةً .
13236 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أخذناهم بغتة " ، قال : فجأة آمنين.
* * *
وأما قوله : " فإذا هم مبلسون " ، فإنهم هالكون ، منقطعة حججهم ، نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلَهم ، كالذي : -
13237 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال :
__________
(1) الأثر : 13233 - " ابن أبي رجاء " ، لم أعرفه ، وكان في المطبوعة : " من أهل الثغر " ، وحذف " رجل " ، وأثبت ما في المخطوطة. و " محمد بن النضر الحارثي " ، أبو عبد الرحمن العابد ، مترجم في الكبير1/1/252 ، وابن أبي حاتم 4/1/110 ، وحلية الأولياء 8 : 217 ، وصفة الصفوة 3 : 93. وهذا الخبر رواه أبو نعيم في الحلية 8 : 220 من طريق أبي بكر بن مالك ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن محمد بن منبه ، ابن أخت ابن المبارك ، عن عبد الله بن المبارك.
فأخشى أن يكون " ابن أبي رجاء " هو " محمد بن منبه " ابن أخت بن المبارك. وعسى أن توجد ترجمته " محمد بن منبه " ، فيعرف منها ما نجهل ، ويصحح ما في المخطوطة أهو " رجل من أهل الشعر " ، أم " من أهل الثغر " ، كما في المطبوعة.
(2) انظر تفسير " بغتة " فيما سلف ص : 325.
(3) في المطبوعة : " وأعزها لهم " (بالعين والزاي) والصواب " أغرها " ، من " الغرور " و " الغرة " (بالغين والراء المهملة).

(11/360)


حدثنا أسباط ، عن السدي : " فإذا هم مبلسون " ، قال : فإذا هم مهلكون ، متغيِّر حالهم.
13238 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا شيخ ، عن مجاهد : " فإذا هم مبلسون " ، قال : الاكتئاب. (1)
13239 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : " فإذا هم مبلسون " ، قال : " المبلس " الذي قد نزل به الشرّ الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المستكين ، وقرأ : فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ، [سورة المؤمنون : 76] . وكان أول مرة فيه معاتبة وبقيّة. (2) وقرأ قول الله : " أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون " " فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " ، حتى بلغ " وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " ، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. (3) وقرأ : " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " ، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأوّل ، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم .
13240 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن أبي شريح ضبارة بن مالك ، عن أبي الصلت ، عن حرملة أبي عبد الرحمن ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيت الله يعطي عبدَه في دنياه ، إنما هو استدراج. ثم تلا هذه الآية : " فلما نسوا ما ذكِّروا به " إلى قوله : " والحمد لله رب العالمين " . (4)
13241 - وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب ، عن ابن لهيعة ، عن عقبة
__________
(1) في المطبوعة : " فإذا هم مبلسون قال : فإذا هم مهلكون " ، لا أدري من أين جاء بهذا. والذي في المخطوطة هو ما أثبت ، إلا أنه غير منقوط ، فرجحت قراءته كما أثبته. وسيأتي أن معنى " الإبلاس " ، الحزن والندم.
(2) في المطبوعة : " معاتبة وتقية " ، ولا معنى لذلك هنا ، وفي المخطوطة : " ولقية " وصواب قراءتها ما أثبت. و " البقية " ، الإبقاء عليهم.
(3) في المخطوطة والمطبوعة هنا في الموضعين : تقية " ، وهو خطأ ، انظر التعليق السالف.
(4) الأثران : 13240 ، 13241 - " سعيد بن عمرو السكوني " ، مضى برقم : 5563 ، 6521. و " بقية بن الوليد الحمصي " ، مضى مرارًا ، أولها رقم : 152 ، وآخرها : 9224. وهو ثقة ، ولكنهم نعوا عليه التدليس. و " ضبارة بن مالك " نسب إلى جده هو " ضبارة بن عبد الله بن مالك بن أبي السليك الحضري الألهاني " ، " أبو شريح الحمصي " ، ويقال أيضًا " ضبارة بن أبي السليك " ، ذكره ابن حبان في الثقات وقال : " يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه " . وذكره ابن عدي في الكامل وساق له ستة أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/343 ، وابن أبي حاتم 2/1/471. و " أبو الصلت " ، مذكور في ترجمة " ضبارة " في التهذيب ، وموصوف بأنه " الشامي " ، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من كتب التراجم. وأما " حرملة ، أبو عبد الرحمن " ، فهذا مشكل ، فإن " حرملة بن عمران بن قراد التجيبي المصري " ، كنيته " أبو حفص " ، لم أجد له كنية غيرها. ولا أستخير أن يكون ذلك خطأ من ناسخ ، فأخشى أن تكون " أبو عبد الرحمن " ، كنية أخرى له. وهو ثقة ، كان من أولى الألباب. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/64 ، وابن أبي حاتم 1/2/273.و " عقبة بن مسلم التجيبي المصري " ، إمام المسجد العتيق ، مصري تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. و " عقبة بن عامر الجهني " ، قديم الهجرة والسابقة والصحبة. وكان عالمًا فقهيًا فصيح اللسان ، شاعرًا ، كاتبًا ، وهو أحد من جمع القرآن. وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر بعد من طريق ابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، ورواه أحمد في مسنده 4 : 145 ، من طريق يحيى بن غيلان ، عن رشدين بن سعد ، عن حرملة بن عمران ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، بمثله. وخرجه الهيثمي في مجمع الزاوئد 7 : 20 ، ونسبه لأحمد والطبراني ، ولم يذكر في إسناده شيئًا من صحة أو ضعف. وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 311 من رواية أحمد ، وأشار إلى طريق ابن جرير ، وابن أبي حاتم. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 12 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.

(11/361)


بن مسلم ، عن عقبة بن عامر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإذا رأيت الله تعالى ذكره يعطي العبادَ ما يسألون على معاصيهم إياه ، فإنما ذلك استدراج منه لهم! ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " الآية.
* * *
وأصل " الإبلاس " في كلام العرب ، عند بعضهم : الحزن على الشيء والندم عليه وعند بعضهم : انقطاع الحجة ، والسكوت عند انقطاع الحجة وعند

(11/362)


بعضهم : الخشوع وقالوا : هو المخذول المتروك ، ومنه قول العجاج :
يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ?... قَالَ : نَعَمْ! أَعْرِفُه! وَأَبْلَسَا (1)
فتأويل قوله : " وأبلسا " ، عند الذين زعموا أن " الإبلاس " ، انقطاع الحجة والسكوت عنده ، بمعنى : أنه لم يُحِرْ جوابًا. (2)
وتأوَّله الآخرون بمعنى الخشوع ، وترك أهله إياه مقيمًا بمكانه.
والآخرون بمعنى الحزن والندم.
يقال منه : " أبلس الرجل إبلاسًا " ، ومنه قيل : لإبليس " إبليس " . (3)
* * *
__________
(1) مضى البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 1 : 509 ، ولم أشر هناك إلى مجيئه في التفسير في هذا الموضع ثم في 21 : 18 (بولاق) ، وأزيد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 192 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 335.
(2) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 335 .
(3) انظر ما قاله أبو جعفر في تفسير " إبليس " فيما سلف 1 : 509 ، 510.

(11/363)


فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

القول في تأويل قوله : { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " ، فاستؤصل القوم الذين عَتَوا على ربهم ، وكذّبوا رسله ، وخالفوا أمره ، عن آخرهم ، فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتةً إذ جاءهم عذاب الله.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13242 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،

(11/363)


حدثنا أسباط ، عن السدي : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " ، يقول : قُطع أصل الذين ظلموا.
13243 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " ، قال : استؤصلوا.
* * *
و " دابر القوم " ، الذي يدبرُهم ، وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم. يقال في الكلام : " قد دَبَر القومَ فلانٌ يدبُرُهم دَبْرًا ودبورًا " ، إذا كان آخرهم ، ومنه قول أمية :
فَاُهْلِكُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصَرُوا (1)
* * *
" والحمد لله رب العالمين " ، يقول : والثناء الكامل والشكر التام " لله رب العالمين " ، على إنعامه على رسله وأهل طاعته ، (2) بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر ، وتحقيق عِدَاتِهم ما وَعدوهم على كفرهم بالله وتكذيبهم رسله (3) من نقم الله وعاجل عذابه. (4)
* * *
__________
(1) ديوانه : 32 ، من أبيات يحكى فيها صفة الموقف في يوم الحشر. يقال : " حص الشعر " ، إذا حلقه ، لم يبق منه شيئًا.
(2) انظر تفسير " الحمد " ، و " رب العالمين " فيما سلف في سورة الفاتحة.
(3) في المطبوعة : " وتحقيق عدتهم ما وعدهم " ، وفي المخطوطة : " عداتهم ما وعدوهم " ، وصواب قراءة ذلك كله ما أثبته.
(4) السياق : " . . . ما وعدوهم . . . من نقم الله وعاجل عذابه " .

(11/364)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)

القول في تأويل قوله : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بي الأوثانَ والأصنامَ ، المكذبين بك : أرأيتم ، أيها المشركون بالله غيرَه ، إن أصمَّكم الله فذهب بأسماعكم ، وأعماكم فذهب بأبصاركم ، وختم على قلوبكم فطبع عليها ، حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة ، ولا تفهموا مفهومًا ، (1) أيّ إله غير الله الذي له عبادة كل عابد " يأتيكم به " ، يقول : يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام ، فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقدر على ذهابه بذلك منكم ، وعلى ردّه عليكم إذا شاء ؟
وهذا من الله تعالى ذكره ، تعليم نبيَّه الحجة على المشركين به ، يقول له : قل لهم : إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا ، وإنما يستحق العبادةَ عليكم من كان بيده الضر والنفع ، والقبض والبسط ، القادرُ على كل ما أراد ، لا العاجز الذي لا يقدر على شيء.
ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " انظر كيف نصرف الآيات " ، يقول : انظر كيف نتابع عليهم الحجج ، ونضرب لهم الأمثال والعبر ، ليعتبروا ويذكروا فينيبوا ، (2) " ثم هم يصدفون " ، يقول : ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج ، وتنبيهنا إياهم بالعبر ، عن الادّكار والاعتبار يُعْرضون.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الختم على القلب " فيما سلف 1 : 258 262.
(2) انظر تفسير " التصريف " فيما سلف 3 : 275 ، 276.

(11/365)


يقال منه : " صدف فلانٌ عني بوجهه ، فهو يصدِفُ صُدوفًا وصَدفًا " ، أي : عدل وأعرض ، ومنه قول ابن الرقاع :
إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ ، ... وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ (1)
وقال لبيد :
يُرْوِي قَوامِحَ قَبْلَ اللَّيْلِ صَادِفَةً... أَشْبَاهَ جِنّ ، عَلَيْهَا الرَّيْطُ وَالأزُرُ (2)
فإن قال قائل : وكيف قيل : " من إله غير الله يأتيكم به " ، فوحّد " الهاء " ،
__________
(1) لم أجد البيت ، ولم أعرف مكان القصيدة.
(2) ديوانه ، القصيدة رقم : 12 ، البيت : 22. وهذا البيت من أبيات أحسن فيها الثناء على نفسه ، وقبله : ولا أقُولُ إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ ... يَا وَيْحَ نَفْسِيَ مَمَّا أَحْدَثَ القَدَرُ
ولا أضِلُّ بأَصْحَابٍ هَدَيْتُهُمُ ... إذَا المُعَبَّدُ في الظَّلْمَاء يَنْتَشِرُ
وأُرْبِحُ التَّجْرَ ، إنْ عَزَّتْ فِضَالُهُمُ ... حَتَّى يَعُودَ سَلِيمًا حَوْلَهُ نَفَرُ
غَرْبُ المَصَبَّةِ ، مَحْمُودٌ مَصَارِعُهُ ... لاَهِي النَّهَارِ ، أسِيرُ الليل ، مُحْتَقِرُ
يُرْوى قَوَامحَ . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا أضِلُّ بأَصْحَابٍ هَدَيْتُهُمُ ... إذَا المُعَبَّدُ في الظَّلْمَاء يَنْتَشِرُ
وأُرْبِحُ التَّجْرَ ، إنْ عَزَّتْ فِضَالُهُمُ ... حَتَّى يَعُودَ سَلِيمًا حَوْلَهُ نَفَرُ
إِنْ يُتْلِفُوا يُخْلِفُوا فِي كُلِّ مَنْفَضَةٍ ... مَا أَتْلَفُوا لاِبْتِغَاءِ الحَمْدِ أوْ عَقَرُوا
" المعبد " : الطريق الموطوء ، يقول : إذا انتشر الطريق المعبد ، فصار طرقًا مختلفة ، اهتديت إلى قصده ولزمته ، فلم أضل. و " التجر " باعة الخمر ، و " الفضال " بقايا الخمر في الباطية والدن. و " عزت " : قلت وغلت. يقول : اشتري الخمر بالثمن الغالي إذا عزت ، ثم أسقي أصحابي حتى يصرعوا حول الزق ، كأنهم يعودون سليما ملدوغًا. وقوله : " غرب المصبة " ، يصف " الزق " ، يقول : يكثر ما يصبه من خمر ، وإذا صرع شاربًا ، كانت صرعته محمودة الأثر ، محمودة العاقبة. وقوله : " لاهي النهار " ، يعني أنه لا يمس بها ، فإذا جاء الليل أخذوه كالأسير بينهم ، ومحتقر ، لأنه يدفع من هنا ومن هنا. وقوله : " يروى قوامح " ، يعني الزق ، يبلغ بهم الري ، و " القوامح " : التي كرهت الشراب وعافته. يقول : كانوا يكرهون الشراب نهارًا فيصدفون عنه ، فإذا أقبل الليل أقبل على أشباه جن من النشاط والإقبال ، عليهم الريط والأزر ، يعني أنهم أهل ترف ونعمة إذا جاء الليل ، وسمروا ، وشربوا.

(11/366)


وقد مضى الذكر قبلُ بالجمع فقال : " أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأنصاركم وختم على قلوبكم " ؟
قيل : جائز أن تكون " الهاء " عائدة على " السمع " ، فتكون موحّدة لتوحيد " السمع " وجائز أن تكون معنيًّا بها : من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة ، فتكون موحده لتوحيد " ما " . والعرب تفعل ذلك ، إذا كنتْ عن الأفعال وحّدت الكناية ، وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل ، كقولهم : " إقبالك وإدبارك يعجبني " . (1)
* * *
وقد قيل : إن " الهاء " التي في " به " كناية عن " الهدى " . (2)
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله : " يصدفون " ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13244 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " يصدفون " ، قال : يعرضون.
13245 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13246 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " يصدفون " ، قال : يعدلون.
13247 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " نصرف الآيات ثم هم يصدفون " ، قال : يعرضون عنها.
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 335.
(2) وهذا أيضًا ذكره الفراء في معاني القرآن 1 : 335.

(11/367)


قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)

13248 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ثم هم يصدفون " ، قال : يصدُّون .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ ، المكذبين بأنك لي رسول إليهم : أخبروني (1) " إن أتاكم عذاب الله " ، وعقابه على ما تشركون به من الأوثان والأنداد ، وتكذيبكم إيايَ بعد الذي قد عاينتم من البرهان على حقيقة قولي " بغتة " ، يقول : فجأة على غرة لا تشعرون (2) " أو جهرة " ، يقول : أو أتاكم عذاب الله وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه " هل يهلك إلا القوم الظالمون " ، يقول : هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة ، وترك عبادة من يستحق علينا العبادة ؟
وقد بينا معنى " الجهرة " في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ، وأنها من " الإجهار " ، وهو إظهار الشيء للعين ، (3) كما : -
13249 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " جهرة " ، قال : وهم ينظرون .
13250 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) انظر تفسير " أرأيتكم " فيما سلف قريبًا ص : 351 353.
(2) انظر تفسير " بغتة " فيما سلف : 325 ، 360.
(3) انظر تفسير " الجهرة " فيما سلف 2 : 80/9 : 358.

(11/368)


وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)

ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة " ، فجأة آمنين " أو جهرة " ، وهم ينظرون .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة ، جزاءً منَّا لهم على طاعتنا (1) وبإنذار من عصَانا وخالف أمرنا ، عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة ، جزاءً منا على معصيتنا ، لنعذر إليه فيهلك إن هلك عن بينة (2) " فمن آمن وأصلح " ، يقول : فمن صدَّق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه ، وقبل منهم ما جاؤوه به من عند الله ، وعمل صالحًا في الدنيا " فلا خوف عليهم " ، عند قدومهم على ربهم ، من عقابه وعذابه الذي أعدَّه الله لأعدائه وأهل معاصيه " ولا هم يحزنون " ، عند ذلك على ما خلَّفوا وراءَهم في الدنيا. (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " التبشير " فيما سلف 9 : 318 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " النذير " فيما سلف 10 : 158.
(3) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 1 : 551/2 : 150 ، 512 ، 513/5 : 519/7 : 396.

(11/369)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأما الذين كذَّبوا بمن أرسلنا إليه من رسلنا ، وخالفوا أمرنا ونهينا ، ودافعوا حجتنا ، فإنهم يباشرهم عذابُنا وعقابنا ، على تكذيبهم ما كذبوا به من حججنا (1) " بما كانوا يفسقون " ، يقول : بما كانوا يكذّبون.
* * *
وكان ابن زيد يقول : كل " فسق " في القرآن ، فمعناه الكذب. (2)
13251 - حدثني بذلك يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، عنه. (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " المس " فيما سلف ص : 287 ، تعليق : 1 ؛ والمراجع هناك.
(2) انظر ما سلف قريبًا ص : 206 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك. وانظر أيضًا الأثران رقم : 12103 ، 12983.
(3) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :
" يتلوه القولُ في تأويل قوله {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إليِّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والبَصِيرُ أفَلا تتفكَّرُون} وَصَلَّى الله على محمد النبي وآله وسلم كثيرًا " ثم يتلوه ما نصه : " بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم رَبِّ أَعِنْ "

(11/370)


قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)

القول في تأويل قوله : { قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قل لهؤلاء المنكرين نبوّتك : لستُ أقول لكم إنّي الرب الذي له خزائنُ السماوات والأرض ، وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء ، (1) فتكذبوني فيما أقول من ذلك ، لأنه لا ينبغي أن يكون ربًّا إلا من له ملك كل شيء ، وبيده كل شيء ، ومن لا يخفى عليه خافية ، وذلك هو الله الذي لا إله غيره " ولا أقول لكم إني ملك " ، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا ، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك (2) " إن أتبع إلا ما يوحى إليّ " ، يقول : قل لهم : ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه ، إلا وحي الله الذي يوحيه إليّ ، وتنزيله الذي ينزله عليّ ، (3) فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره ، (4) وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك ، وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه ، بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة ، فما وجه إنكاركم ذلك ؟
وذلك تنبيه من الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم على موضع حُجته على منكري نبوّته من مشركي قومه.
" قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، يقول تعالى ذكره : قل ، يا محمد ،
__________
(1) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف : 238 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " ملك " فيما سلف 1 : 444 - 447/4 : 262 ، 263.
(3) انظر تفسير " الوحي " فيما سلف : 290 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(4) في المطبوعة : " وأمر لأمره " ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها.

(11/371)


لهم : هل يستوي الأعمى عن الحق ، والبصير به " والأعمى " ، هو الكافر الذي قد عَمى عن حجج الله فلا يتبيَّنها فيتبعها " والبصير " ، المؤمن الذي قد أبصرَ آيات الله وحججه ، فاقتدى بها واستضاء بضيائها (1) " أفلا تتفكرون " ، يقول لهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله : أفلا تتفكرون فيما أحتجّ عليكم به ، أيها القوم ، من هذه الحجج ، فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه ، من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربّكم ، وتكذيبكم إياي مع ظهور حجج صدقي لأعينكم ، فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون ، إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون ؟ (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13252 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، قال : الضال والمهتدي.
13253 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
13254 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، الآية ، قال : " الأعمى " ، الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه و " البصير " ، العبد المؤمن الذي أبصر بصرًا نافعًا ، فوحّد الله وحده ، وعمل بطاعة ربه ، وانتفع بما آتاه الله.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الأعمى " و " البصير " فيما سلف من فهارس اللغة (عمى) ، و (بصر).
(2) في المخطوطة : " تعودون " ، والجيد ما في المطبوعة.

(11/372)


وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)

القول في تأويل قوله : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وأنذر ، يا محمد ، بالقرآن الذي أنزلناه إليك ، القومَ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، علمًا منهم بأن ذلك كائن ، فهم مصدقون بوعد الله ووعيده ، عاملون بما يرضي الله ، دائبون في السعي ، (1) فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله (2)
" ليس لهم من دونه وليّ " ، أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم ، " وليّ " ، ينصرهم فيستنقذهم منه ، (3) " ولا شفيع " ، يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه (4) " لعلهم يتقون " ، يقول : أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم ، فيطيعوا ربهم ، ويعملوا لمعادهم ، ويحذروا سَخطه باجتناب معاصيه.
* * *
وقيل : " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا " ، ومعناه : يعلمون أنهم يحشرون ، فوضعت " المخافة " موضع " العلم " ، (5) لأنّ خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك. (6)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " دائمون في السعي " ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) انظر تفسير " الإنذار " فيما سلف : 290 ، 369.
وتفسير " الحشر " فيما سلف ص : 346 - 349 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " ولى " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(4) انظر تفسير " شفيع " فيما سلف 8 : 580 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(5) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف 4 : 550/8 : 298 ، 299 ، 318/9 : 123 ، 267.
(6) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 336.

(11/373)


وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)

وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه ما أنزل الله إليه من وحيه ، وتذكيرهم ، والإقبال عليهم بالإنذار وصدَّ عنه المشركون به ، (1) بعد الإعذار إليهم ، وبعد إقامة الحجة عليهم ، حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) }
قال أبو جعفر : ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين ، قال المشركون له : لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!
* ذكر الرواية بذلك :
13255 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا أبو زبيد ، عن أشعث ، عن كردوس الثعلبي ، عن ابن مسعود قال : مرّ الملأ من قريش بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ، وعنده صهيب وعمار وبلال وخبّاب ، ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك! فنزلت
__________
(1) في المطبوعة : " وصده عن المشركين به " ، غير ما في المخطوطة فأفسد الكلام إفسادًا لا يحل.

(11/374)


هذه الآية : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، إلى آخر الآية. (1)
13256 - .........حدثنا جرير ، عن أشعث ، عن كردوس الثعلبي ، عن عبد الله قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه . (2)
13257 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا حفص بن غياث ، عن أشعث ، عن كردوس ، عن ابن عباس قال : مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملأ من قريش ، ثم ذكر نحوه. (3)
__________
(1) الأثر : 13255 - " أبو زبيد " هو : " عبثر بن القاسم الزبيدي " ، ثقة ، مضى برقم : 12336 ، 12402 ، وكان في المطبوعة " أبو زيد " خالف المخطوطة وأخطأ. و " أشعث " ، هو " أشعث بن سوار " ، ثقة ، مضى مرارًا و " كردوس الثعلبي " ، هو " كردوس بن العباس الثعلبي " ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/242 ، 243 ، وابن أبي حاتم 3/2/175 ، وفيها الاختلاف في اسم أبيه ، وفي نسبته " التغلبي " بالتاء والغين ، و " الثعلبي " ، كما جاءت في رواية أبي جعفر.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد ، هذا واللذان يليانه . . . وأخرجه أحمد في مسنده رقم : 3985 ، من طريق أسباط ، عن أشعث ، عن كردوس ، عن ابن مسعود ، بمثله مختصرًا وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ، وقال : " رواه أحمد والطبراني وذكر زيادة الطبراني ، وهي موافقة لما في التفسير ورجال أحمد رجال الصحيح ، غير كردوس ، وهو ثقة " . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 12 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية.
(2) الأثر : 13256 - وضعت نقطًا في صدر هذا الإسناد ، فإن أبا جعفر لا يدرك أن يروي عن " جرير بن عبد الحميد الضبي " ، وإنما يروى عنه شيوخه ، مثل " محمد بن حميد الرازي " ، كما في الأثر رقم : 10 ، وغيره.
(3) الأثر : 13257 - في المطبوعة والمخطوطة : " عن كردس ، عن ابن عباس " وهو خطأ لا شك فيه ، فإن هذا الخبر لم يرو عن غير ابن مسعود ، وكردوس لم يذكر أنه روى عن ابن عباس ، والخبر لم ينسبه أحد في الكتب إلى غير عبد الله بن مسعود ، وكردوس ، هو " كردوس بن عباس الثعلبي " كما سلف في التعليق رقم : 13255 ، وفي المخطوطة كتب " عن " بين " كردوس بن عباس " ، من فوق ، فكأنه زيادة من الناسخ. وهذا الخبر رواه أبو جعفر ، غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود ، فلا أدري أوهم الناسخ وأسقط ، أم هكذا الرواية.

(11/375)


13258 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعد الأزدي وكان قارئ الأزد ، عن أبي الكنود ، عن خبّاب ، في قول الله تعالى ذكره : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " إلى قوله : " فتكون من الظالمين " ، قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاريّ ، فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب ، في أناس من الضعفاء من المؤمنين. (1) فلما رأوهم حوله حَقَروهم ، فأتوه فقالوا : إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلَنا ، فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال : نعم! قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال : فدعا بالصحيفة ، ودعا عليًّا ليكتب. قال : ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بهذه الآية : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يردون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين " ، ثم قال : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، ثم قال : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفةَ من يده ، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول : " سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " ! فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ، فأنزل الله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [سورة الكهف : 28]. قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد ،
__________
(1) في المطبوعة : " من ضعفاء المؤمنين " ، غير ما في المخطوطة.

(11/376)


فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها ، قمنا وتركناه حتى يقوم. (1)
13259 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنود ، عن خباب بن الأرت بنحو حديث الحسين بن عمرو ، إلا أنه قال في حديثه : فلما رأوهم حوله نفّروهم ، فأتوه فخلَوا به. وقال أيضًا : " فتكون من الظالمين " ، ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " الآية. وقال أيضًا : فدعانا فأتيناه وهو يقول : " سلام عليكم " ، فدنونا منه يومئذ حتى وَضعنا ركبنا على ركبتيه وسائر الحديث نحوه. (2)
__________
(1) الأثر : 13258 - " الحسن بن عمرو بن محمد العنقري " ، ضعيف لين ، مضى برقم : 1625 ، 1883 ، 6139 ، 8035. وأبوه " عمرو بن محمد العنقري " ، ثقة جائز الحديث ، مضى برقم : 6139. و " أسباط " ، هو " أسباط بن نصر الهمداني " ، ضعفه أحمد ، ورجح أخي توثيقه ، كما مضى في التعليق على الأثر رقم : 168. وأما " السدي " ، فهو " إسمعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي " ، وهو ثقة ، مضى أيضًا برقم : 168. و " أبو سعيد الأزدي " ، قارئ الأزد ، فهو " أبو سعد الأرحبي " ، أو " أبو سعيد الأرحبي " ، كما سيأتي في الأثر التالي ، ذكره ابن حبان في الثقات ، مضى برقم : 8700 ، وكان في المطبوعة هنا " أبو سعيد " ، وأثبت ما في المخطوطة. و " أبو الكنود الأزدي " ، مختلف في اسمه ، قيل " عبد الله بن عامر " ، وقيل " عبد الله بن عمران " ، وغير ذلك. ذكره ابن حبان في الثقات ، ولم يرو له غير ابن ماجه من أصحاب الكتب الستة ، روى له هذا الخبر نفسه. مترجم في التهذيب. وهذا الخبر رواه ابن ماجه من هذه الطريق نفسها ، مع زيادة يسيرة في لفظه ، في سننه ص1382 ، رقم : 4127. وقال في الزوائد : " إسناده صحيح ، ورجاله ثقات ، وقد روى مسلم ، والنسائي ، والمصنف بعضه من حديث سعد بن أبي وقاص و " .أما ابن كثير ، فقد قال في تفسيره ، وذكر الخبر من تفسير ابن أبي حاتم من هذه الطريق نفسها (3 : 315 ، 316) : " وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية ، والأقرع بن حابس ، وعيينة ، إنما أسلما بعد الهجرة بدهر " . وهذا هو الحق إن شاء الله.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 13 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي يعلى ، وأبي نعيم في الحلية ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل.
(2) الأثر : 13259 - " أبو سعيد الأزدي " ، هو " أبو سعيد الأرحبي " ، وهو الذي سلف في الأثر السابق ، وهو " أبو سعد " هناك ، ولكنه هنا " أبو سعيد " ، وكلاهما صواب كما أسلفت.

(11/377)


13260 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وحدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والكلبي : أنّ ناسًا من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن سرَّك أن نتبعك ، فاطرد عنا فلانًا وفلانًا ، ناسًا من ضعفاء المسلمين! فقال الله تعالى ذكره : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " .
13261 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ " إلى قوله : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " الآية ، قال : وقد قال قائلون من الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانًا وفلانًا لأناس كانوا دونهم في الدنيا ، ازدراهم المشركون ، فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية إلى آخرها.
13262 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، بلال وابن أم عبد ، كانا يجالسان محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فقالت قريش محقِّرتهما : لولاهما وأمثالهما لجالسناه! فنُهي عن طردهم ، حتى قوله : " أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، قال : " قل سلام عليكم " ، فيما بين ذلك ، في هذا.
13263 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا سفيان ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه قال ، قال سعد : نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم ابن مسعود ، قال : كنا نسبق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه ، فقالت قريش : يدني هؤلاء دوننا! فنزلت : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " . (1)
__________
(1) الأثر : 13263 - " سفيان " ، هو الثوري.
" المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي " . ثقة. مترجم في التهذيب.
وأبوه " شريح بن هانئ بن يزيد الحارث " ، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وروى عن أبيه ، وعمر ، وعلي ، وبلال ، وسعد ، وأبي هريرة ، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. مترجم في التهذيب. و " سعد " هو " سعد بن أبي وقاص " ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " سعيد " ، وهو خطأ. وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 15 : 187 من طريقين ، من طريق سفيان ، عن المقدام ابن شريح وعن طريق إسرائيل ، عن المقدام. ورواه ابن ماجه في سننه ص 1383 رقم : 4128 ، من طريق قيس بن الربيع ، عن المقدام بن شريح ، بمثله ، بغير هذا اللفظ. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 13 ، وزاد نسبته لأحمد ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الدلائل.

(11/378)


13264 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله : " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم " الآية ، قال : جاء عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، ومطعم بن عديّ ، والحارث بن نوفل ، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل ، في أشراف من بني عبد مناف من الكفار ، إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب ، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءَنا ، فإنما هم عبيدنا وعُسَفاؤنا ، (1) كان أعظم في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتّباعنا إياه ، وتصديقنا له! قال : فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به ، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلتَ ذلك ، حتى تنظر ما الذي يريدون ، وإلام يصيرون من قولهم ؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية : " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " إلى قوله : " أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، قال : وكانوا : بلال ، وعمارُ بن ياسر ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وصبيح مولى أسيد (2) ومن الحلفاء : ابن
__________
(1) " العسفاء " جمع " عسيف " ، وهو العبد ، والأجير المستهان به.
(2) في المطبوعة : " وكانوا بلالا . . . وسالما . . . وصبيحا " ، بالنصب ، كما في الدر المنثور ، وابن كثير ، ولكن الذي في المخطوطة هو الصواب الجيد. هذا إن صح أن هذه الرواية هي الصواب ، وإلا فإني وجدت في الإصابة ، في ترجمة " صبيح " هذا وفيه : " عن حجاج ، عن ابن جريج ، وفيه : كانوا ثلاثة ، عمار بن ياسر ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وصبيح " . فإن صح هذا ، كان خطأ قوله " بلال " ، وإنما صوابه " ثلاثة " ، ولكنني لا أستطيع أن أرجح ذلك الآن.

(11/379)


مسعود ، والمقداد بن عمرو ، ومسعود بن القاريّ ، وواقد بن عبد الله الحنظلي ، وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين ، ومرثد بن أبي مرثد وأبو مرثد ، من غنيّ ، حليفُ حمزة بن عبد المطلب وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا " الآية. فلما نزلت ، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مَقالته ، فأنزل الله تعالى ذكره : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " ، الآية. (1)
13265 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أستحيي من الله أن يرَاني مع سلمان وبلال وذَوِيهم ، (2) فاطردهم عنك ، وجالس فلانًا وفلانًا! قال فنزل القرآن : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه " فقرأ ، حتى بلغ : " فتكون من الظالمين " ، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم . ثم قال : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين " . ثم قال : وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم ، فأبلغهم منّي السلام ، وبشرهم وأخبرهم أني قد غفرت لهم! وقرأ : " وإذا جاءك الذين يؤمنون
__________
(1) الأثر : 13264 - " مسعود بن القاري " ، هو " مسعود بن ربيعة بن عمرو القاري " ، نسبة إلى " القارة " ، وهو حليف بني زهرة.
و " واقد بن عبد الله الحنظلي التميمي " ، حليف بني عدي بن كعب. و " عمرو بن عبد عمرو بن فضلة الخزاعي " ، " ذو الشمالين " ، حليف بني زهرة. وقد روي أن عمارًا قال : " كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة كلهم أضبط : ذو الشمالين ، وعمر بن الخطاب ، وأبو ليلى " ، و " الأضبط " : الذي يعمل بيديه جميعًا.
(2) قوله : " وذويهم " يعني : أصحابهم وأشباههم ، وقد أسلفت في الجزء 3 : 261 ، تعليق : 2 ، أن للنحاة كلامًا كثيرًا ، ودعوى أن إضافة " ذو " إلى الضمير ، يكون في ضرورة الشعر ، وقلت إنه أتى في النثر قديمًا ، وهذا الخبر من أدلة ما قلت.

(11/380)


بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، فقرأ حتى بلغ : " وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين " ، قال : لتعرفها.
* * *
واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرَّهط ، الذين نهى الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طردهم ، يدعون ربّهم به.
فقال بعضهم : هي الصلوات الخمس. (1)
* ذكر من قال ذلك :
13266 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ " ، يعني : يعبدون ربّهم " بالغداة والعشيّ " ، يعني : الصلوات المكتوبة .
13267 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن أبي حمزة ، عن إبراهيم في قوله : " يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، قال : هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص ، (2) هلك من لم يجلس إليهم.
13268 - حدثنا هناد بن السري وابن وكيع قالا حدثنا ابن فضيل ،
__________
(1) في المطبوعة : " الصلوات المكتوبة " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) كان في المطبوعة والمخطوطة : " ولو كان يقول القصاص " بإسقاط " ما " وهو خطأ.
" القصاص " جمع " قاص " ، وهو الذي يتصدر في مسجد أو غيره ، ثم يأخذ يعظ الناس ، ويذكرهم بأخبار الماضين ، فربما دخل قصصه الزيادة والنقصان ، ولذلك جاء في الحديث : " القاص ينتظر المقت " . وفي الحديث : " إن بني إسرائي لما قصوا هلكوا " ، يعني : لما تزيدوا في الخبر والحديث وكذبوا ، وهذا من شر الفعل ، ولكن ما دخلت فيه بنو إسرائيل فعذبهم الله وأهلكهم به ، ودخلناه نحن سعيًا ، فعاقبنا الله بشتات أمرنا ، وضعف علمائنا ، وذهاب هيبتنا من صدور أعدائنا.
فاللهم اهدنا سواء سبيلك. ثم انظر الأثر التالي رقم : 13270 ، والأثر : 132277 ، 13282

(11/381)


عن الأعمش ، عن إبراهيم : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، قال : هي الصلاة .
13269 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، الصلاة المفروضة ، الصبح والعصر.
13270 - حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال ، حدثنا حسين الجعفي قال ، أخبرني حمزة بن المغيرة ، عن حمزة بن عيسى قال : دخلت على الحسن فسألته فقلت : يا أبا سعيد ، أرأيت قول الله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف : 28] ، أهم هؤلاء القُصّاص ؟ قال : لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة. (1)
13271 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا ورقاء جميعًا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : الصلاة المكتوبة .
13272 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : يعبدون ربّهم " بالغداة والعشي " ، يعني الصلاة المفروضة .
13273 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
__________
(1) الأثر : 13270 - " محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي " ، شيخ الطبري ، لم أجد له ذكرًا. وكان في المطبوعة هنا " موسى بن عبد الرحمن الكندي " ، غير ما في المخطوطة ، وحذف " محمد بن " ، وهذا تصرف معيب قبيح. و " حسين الجعفي " هو " حسين بن علي بن الوليد الجعفي " ، مضى مرارًا كثيرة ، وكان في المطبوعة : " حسن الجعفي " ، وهو خطأ محض. و " حمزة بن المغيرة بن نشيط المخزومي " العابد ، مضى برقم : 184.
وأما " حمزة بن عيسى " ، فلم أجد في الرواة من يسمى بذلك ، وأرجح أن الناسخ أخطأ ، فأعاد كتابة " حمزة " ، فاختلط الاسم ، فلا يصححه إلا أن يوجد في مكان آخر.

(11/382)


قتادة قوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف : 28] ، هما الصلاتان : صلاة الصبح وصلاة العصر .
13274 - حدثني ابن البرقي قال ، حدثنا ابن أبي مريم قال ، حدثنا يحيى بن أيوب قال ، حدثنا محمد بن عجلان ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر في هذه الآية : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية ، أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة. (1)
13275 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد وإبراهيم : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، قالا الصلوات الخمس.
13276 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله .
13277 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : المصلين المؤمنين ، بلال وابن أم عبد قال ابن جريج ، وأخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قال : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب ، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ ، فقال سعيد : ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! (2) قال مجاهد : فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال : وما قال ؟ قلت : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : وفي هذا ذَا ؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن ، إنما ذاك في الصلاة.
__________
(1) الأثر : 13274 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 219 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه. وهذا إسناد صحيح.
(2) في المطبوعة : " ما أسرعهم إلى هذا المجلس " ، وفي المخطوطة : " ما أسرع إلى هذا المجلس " ، فرأيت أن يكون الصواب ما أثبت.

(11/383)


13278 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا وكيع ، عن أبيه ، عن منصور ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال : الصلاة المكتوبة. (1)
13279 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر قال : هي الصلاة .
13280 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا وكيع ، عن أبيه ، عن إسرائيل ، عن عامر قال : هي الصلاة .
13281 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " ، يقول : صلاة الصبح وصلاة العصر.
13282 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد قال : صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول ، فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فانثال الناس عليه ، فقال : يا أيها الناس ، إليكم! فقيل : يرحمك الله ، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف : 28]. فقال : وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة. (2)
__________
(1) الأثر : 13278 - " عبد الرحمن بن أبي عمرة بن محصن بن ثعلبة الأنصاري " ، روى عن أبيه ، وعثمان بن عفان ، وعبادة بن الصامت. قال ابن سعد : " كان ثقة كثير الحديث " مترجم في التهذيب.
وسيأتي هذا الأمر مطولا برقم : 13282.
(2) الأثر : 13282 هو مطول الأثر السالف رقم : 13278. وقوله : " انثال عليه الناس " : تتابعوا عليه وتقاطروا من كل ناحية.
وهذا الخبر ، دليل على صحة معرفة أئمتنا السالفين بحق دينهم ، وحق كتابهم المنزل عليهم من ربهم ودليل أيضًا على فساد ما وقع فيه علماؤنا وكتابنا ، ومن تعرض منا لكتاب الله بالهوى ، حتى صار هذا المرفوض الذي رفضه الأئمة ، حجة يستدل بها الجهال من الصوفية وأهل المخرقة بالولايات وادعاء الكرامات. فاللهم باعد بيننا وبين الجهالة ، واحملنا على سواء السبيل.
* * *
هذا وهذه الأخبار التي ذكرها هنا ، وفسر فيها آية سورة الكهف : 28 ، لم يرو أكثره في تفسير " سورة الكهف " ، وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر تفسيره هذا.

(11/384)


وقال آخرون : هي الصلاة ، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه ، ولا تأخيرهم عن مجلسه ، وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول ، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ .
* ذكر من قال ذلك :
13283 - حدثني محمد بن سعد ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " الآية ، فهم أناس كانوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفقراء ، فقال أناس من أشراف الناس : نؤمن لك ، وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا خلفنا!
* * *
وقال آخرون : بل معنى " دعائهم " كان ، ذكرُهم الله تعالى ذكره .
* ذكر من قال ذلك :
13284 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي وحدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قوله : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : أهل الذكر.
13285 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن منصور : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي " ، قال : هم أهل الذكر.
13286 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : لا تطردهم عن الذكر.
* * *
وقال آخرون : بل كان ذلك ، تعلمهم القرآن وقراءته.
* ذكر من قال ذلك :

(11/385)


13287 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن أبي جعفر قوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف : 28] ، قال : كان يقرئهم القرآن ، من الذي يَقُصُّ على النبي صلى الله عليه وسلم ؟! (1)
* * *
وقال آخرون : بل عنى بدعائهم ربّهم ، عبادتهم إياه.
* ذكر من قال ذلك :
13288 - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " يدعون ربهم بالغداة والعشي " ، قال : يعني : يعبدون ، ألا ترى أنه قال : لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [سورة غافر : 43] ، يعني : تعبدون. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " قال كان يقرئهم القرآن النبي صلى الله عليه وسلم " حذف من المخطوطة.
ما أثبته : " من الذي يقص على " ، ثم وصل الكلام ، فأساء وخان وأفسد!! وهذا الكلام جملتان منفصلتان ، الأولى : " كان يقرئهم القرآن " والأخرى الاستفهام : " من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم " ، وكلتاهما رد على من تأول الآية ، على أنها مراد بها القصاص وهم الوعاظ ، كما يظهر من الآثار : 13267 ، 13270 ، 13277 ، 13282 ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئ هؤلاء القرآن ، فأمر أن يصبر نفسه معهم. ولو كان مرادًا بالآية القصاص ، لكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا أن يصبر نفسه مع من يجلس يعظه ويذكره بالله - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم! فلذلك قال : " من الذي يقص على النبي صلى الله عليه وسلم! " ، أي : من هذا الذي يعظ رسول الله ويذكره بالله وبأيام الله ؟!
وهذه حجة مبينة في فساد من تأول الآية على غير الوجه الصحيح الذي أجمعت عليه الحجة.
(2) هكذا جاءت الآية في المخطوطة والمطبوعة ، وأنا أكاد أقطع بأن ذلك خطأ ، من سهو راو أو سهو من أبي جعفر نفسه ، وأرجح أنه أراد آية " سورة غافر : 66
{قُلْ إنّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدُ الذِّيِنَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللهِ}
أما الآية التي استبدل بها ، فلا يستقيم أن يكون الدعاء فيها بمعنى العبادة.

(11/386)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قومًا كانوا يدعون ربّهم بالغداة والعشي ، و " الدعاء لله " ، يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلامًا وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمالَ التي كان عليهم فرضُها ، وغيرُها من النوافل التي ترضي عن العامل له عابدَه بما هو عامل له. (1) وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها ، فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي ، لأن الله قد سمى " العبادة " ، " دعاء " ، فقال تعالى ذكره : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، [سورة غافر : 60]. وقد يجوز أن يكون ذلك على خاصّ من الدعاء.
ولا قول أولى بذلك بالصحة ، من وصف القوم بما وصفهم الله به : من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي ، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم ، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء.
فتأويل الكلام إذًا : يا محمد ، أنذر القرآن الذي أنزلته إليك ، الذين يعلمون أنهم إلى ربهم محشورون فهم من خوف ورودهم على الله الذي لا شفيع لهم من دونه ولا نصير ، في العمل له دائبون (2) إذ أعرض عن إنذارك واستماع ما أنزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك ، استكبارًا على الله ولا تطردهم ولا تُقْصِهم ، فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه ، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه ، وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه ، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم ، وأداء ما ألزمهم من فرائضه ، ونوافل تطوّعهم ، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة
__________
(1) في المطبوعة : والمخطوطة التي ترضى والعامل له عابده " ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " دائمون " ، وأرجح أن الذي أثبت هو الصواب.

(11/387)


والعشي ، يلتمسون بذلك القربة إلى الله ، والدنوّ من رضاه " ما عليك من حسابهم من شيء " ، يقول : ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء " فتطردهم " ، حذارَ محاسبتي إياك بما خوّلتهم في الدنيا من الرزق.
* * *
وقوله : " فتطردهم " ، جواب لقوله : " ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء " .
وقوله : " فتكون من الظالمين " جواب لقوله : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " .
* * *

(11/388)


وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

القول في تأويل قوله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، وكذلك اختبرنا وابتلينا ، كالذي : -
13289 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر وحدثنا الحسين بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر عن قتادة : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، يقول : ابتلينا بعضهم ببعض.
* * *
وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى " الفتنة " ، وأنها الاختبار والابتلاء ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص : 297 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(11/388)


وإنما فتنة الله تعالى ذكره بعضَ خلقه ببعضٍ ، مخالفتُه بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق ، فجعل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا ، وبعضًا قويًّا ، وبعضًا ضعيفًا ، فأحوج بعضهم إلى بعض ، اختبارًا منه لهم بذلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13290 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " ، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء ، فقال الأغنياء للفقراء : " أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا " ، يعني : هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسُخريًّا. (1)
* * *
وأما قوله : " ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا " ، يقول تعالى : اختبرنا الناس بالغنى والفقر ، والعزّ والذل ، والقوة والضعف ، والهدى والضلال ، كي يقول من أضلّه الله وأعماه عن سبيل الحق ، للذين هداهم الله ووفقهم : " أهؤلاء منّ الله عليهم " ، بالهدى والرشد ، وهم فقراء ضعفاء أذلاء (2) " من بيننا " ، ونحن أغنياء أقوياء ؟ استهزاءً بهم ، ومعاداةً للإسلام وأهله.
يقول تعالى ذكره : " أليس الله بأعلم بالشاكرين " ، وهذا منه تعالى ذكره إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق ، وخذلهم عنه وهم أغنياء وتقريرٌ لهم : أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرًا نعمتي ، ممن هو لها كافر. فمنِّي على من مَنَنْتُ عليه منهم بالهداية ، جزاء شكره
__________
(1) في المطبوعة : " سخرية " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) انظر تفسير " المن " فيما سلف 7 : 369/9 : 71.

(11/389)


وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)

إياي على نعمتي ، وتخذيلي من خذلت منهم عن سبيل الرشاد ، عقوبة كفرانه إياي نعمتي ، لا لغنى الغني منهم ولا لفقر الفقير ، لأن الثواب والعقاب لا يستحقه أحدٌ إلا جزاءً على عمله الذي اكتسبه ، لا على غناه وفقره ، لأن الغنى والفقر والعجز والقوة ليس من أفعال خلقي.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بهذه الآية.
فقال بعضهم : عنى بها الذين نهى الله نبيَّه عن طردهم. وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه. (1)
وقال آخرون : عنَى بها قومًا استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظامٍ ، فلم يؤيسهم الله من التوبة.
* ذكر من قال ذلك :
13291 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سفيان ، عن مجمع قال ، سمعت ماهان قال : جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبًا عظامًا. قال ماهان : فما إخاله ردّ عليهم شيئًا. قال : فأنزل
__________
(1) انظر ما سلف رقم : 13258 ، وما بعده.

(11/390)


الله تعالى ذكره هذه الآية : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " الآية. (1)
13292 - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن مجمع ، عن ماهان : أنّ قومًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا! فما إخاله ردّ عليهم شيئًا ، فانصرفوا فأنزل الله تعالى ذكره : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " . قال : فدعاهم فقرأها عليهم.
13293 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن مجمّع التميمي قال ، سمعت ماهان يقول : فذكر نحوه.
* * *
وقال آخرون : بل عُني بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم ، فكان ذلك منهم خطيئة ، فغفرها الله لهم وعفا عنهم ، وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد ، وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية ، قولُ من قال : المعنيُّون بقوله : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " ، غيرُ الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم. لأن قوله : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا " ، خبر مستأنَفٌ بعد تقضِّي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله
__________
(1) الآثار : 13291 - 13293 - " سفيان " هو : ابن عيينة.
و " مجمع " ، هو " مجمع بن صمان " أبو حمزة التميمي " ، ثقة ، مضى برقم : 12710.
و " ماهان " الحنفي ، أبو سالم الأعور العابد ، مضى برقم : 3226.
(2) انظر ما سلف رقم : 13264 ، 13265.

(11/391)


عليه وسلم عن طردهم. ولو كانوا هم ، لقيل : " وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم " . وفي ابتداء الله الخبرَ عن قصة هؤلاء ، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين ، ما ينبئ عن أنهم غيرُهم.
فتأويل الكلام إذًا إذ كان الأمر على ما وصفنا وإذا جاءك ، يا محمد ، القومُ الذين يصدِّقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا ، فيقرّون بذلك قولا وعملا مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم ، هل لهم منها توبة ، فلا تؤيسهم منها ، وقل لهم : " سلام عليكم " ، أَمَنَةُ الله لكم من ذنوبكم ، أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها (1) " كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، يقول : قضى ربكم الرحمة بخلقه (2) " أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تابَ من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك :
فقرأته عامة قرأة المدنيين : (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا) ، فيجعلون " أنّ " منصوبةً على الترجمة بها عن " الرحمة " (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، على ائتناف " إنه " بعد " الفاء " فيكسرونها ، ويجعلونها أداة لا موضع لها ، بمعنى : فهو له غفور رحيم أو : فله المغفرة والرحمة. (3)
* * *
وقرأهما بعض الكوفيين بفتح " الألف " منهما جميعًا ، بمعنى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ثم ترجم بقوله : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ، عن الرحمة ، (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فيعطف ب " أنه " الثانية على " أنه " الأولى ، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " سلام " فيما سلف 10 : 145 ، ومادة (سلم) في فهارس اللغة.
(2) انظر تفسير " كتب " فيما سلف ص : 273 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 336 ، 337.
(4) انظر ما قاله أبو جعفر في بيان هذه القراءة فيما سلف ص : 278 - 280.

(11/392)


وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة : بكسر " الألف " من " إنه " و " إنه " على الابتداء ، وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأهما بالكسر : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) ، على ابتداء الكلام ، وأن الخبر قد انتهى عند قوله : " كتب ربكم على نفسه الرحمة " ، ثم استؤنف الخبر عما هو فاعلٌ تعالى ذكره بمن عمل سوءًا بجهالة ثم تاب وأصلح منه.
* * *
ومعنى قوله : " إنه من عمل منكم سوءًا بجهالة " ، أنه من اقترف منكم ذنبًا ، فجهل باقترافه إياه (2) ثم تاب وأصلح " فإنه غفورٌ " ، لذنبه إذا تاب وأناب ، وراجع العمل بطاعة الله ، وترك العود إلى مثله ، مع الندم على ما فرط منه " رحيم " ، بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13294 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عثمان ، عن مجاهد : " من عمل منكم سوءًا بجهالة " ، قال : من جهل : أنه لا يعلم حلالا من حرام ، ومن جهالته ركب الأمر.
13295 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله .
13296 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد :
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 336 ، 337.
(2) انظر تفسير " الجهالة " فيما سلف 8 : 89 - 93 ، وهو بيان جيد جدًا.

(11/393)


وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)

" يعملون السوء بجهالة " ، قال : من عمل بمعصية الله ، فذاك منه جهل حتى يرجع .
13297 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا بكر بن خنيس ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : " من عمل منكم سوءًا بجهالة " ، قال : كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل. (1)
13298 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال : كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال : " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وكذلك نفصل الآيات " ، وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها ، يا محمد ، إلى هذا الموضع ، حجتَنا على المشركين من عبدة الأوثان ، وأدلتَنا ، وميَّزناها لك وبيَّناها ، كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل
__________
(1) الأثر : 13297 - " بكر بن خنيس الكوفي " العابد ، يروى عن ليث بن أبي سليم ، وعبد الرحمن بن زياد ، وإسمعيل بن أبي خالد ، وعطاء بن أبي رباح. قال ابن عدي : " وهو ممن يكتب حديثه ، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لا بأس بهم ، وهو نفسه رجل صالح ، إلا أن الصالحين يشبه عليهم الحديث ، وربما حدثوا بالتوهم ، وحديثه في جملة الضعفاء ، وليس ممن يحتج بحديثه " ، وقيل فيه ما هو أشد. مترجم في التهذيب.
(2) الأثر : 13298 - " خالد بن دينار التميمي السعدي " ، " أبو خلدة " ، ثقة ، مضى برقم : 44 ، 12239.

(11/394)


غيرهم ، فنبينها لك ، حتى تبين حقه من باطله ، وصحيحهُ من سقيمه.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : " ولتستبين سبيل المجرمين " .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة : (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء(سَبِيلَ الْمُجِرمِينَ) بنصب " السبيل " ، على أن " تستبين " ، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، كأن معناه عندهم : ولتستبين ، أنت يا محمد ، سبيل المجرمين.
* * *
وكان ابن زيد يتأول ذلك : ولتستبين ، أنت يا محمد ، سبيلَ المجرمين الذين سألوك طردَ النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه .
13299 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن ريد : " ولتستبين سبيلَ المجرمين " ، قال : الذين يأمرونك بطرد هؤلاء .
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصرين : (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء(سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ) برفع " السبيل " ، على أن القصد للسبيل ، ولكنه يؤنثها وكأن معنى الكلام عندهم : وكذلك نفصل الآيات ، ولتتضح لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة : (وَلِيَسْتَبِينَ) بالياء(سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ) برفع " السبيل " على أن الفعل للسبيل ، ولكنهم يذكرونه ومعنى هؤلاء في هذا الكلام ، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في : " ولتستبين " ورفع " السبيل " ، واحدٌ ، وإنما الاختلاف بينهم في تذكير " السبيل " وتأنيثها. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب عندي في " السبيل " الرفع ، لأن الله تعالى ذكره فصَّل آياته في كتابه وتنزيله ، ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميعُ من خوطب بها ، لا بعضٌ دون بعض.
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 337.

(11/395)


قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)

ومن قرأ " السبيل " بالنصب ، فإنما جعل تبيين ذلك محصورًا على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما القراءة في قوله : " ولتستبين " ، فسواء قرئت بالتاء أو بالياء ، لأن من العرب من يذكر " السبيل " وهم تميم وأهل نجد ومنهم من يؤنث " السبيل " وهم أهل الحجاز. وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار ، ولغتان مشهورتان من لغات العرب ، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءته بالأخرى ، ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع " السبيل " للعلة التي ذكرنا. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : " نفصل الآيات " قال أهل التأويل.
13300 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " وكذلك نفصل الآيات " ، نبين الآيات .
13301 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في : " نفصل الآيات " ، نبين.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين بربّهم من قومِك ، العادلين به الأوثان والأنداد ، الذين يدعونك إلى موافقتهم على دينهم وعبادة الأوثان : إنّ الله نهاني أن أعبد الذين
__________
(1) انظر تفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) وتفسير " استبان " في مادة (بين) من فهارس اللغة.

(11/396)


قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)

تدعون من دونه ، فلن أتبعكم على ما تدعونني إليه من ذلك ، ولا أوافقكم عليه ، ولا أعطيكم محبّتكم وهواكم فيه. وإن فعلت ذلك ، فقد تركت محجَّة الحق ، وسلكت على غير الهدى ، فصرت ضالا مثلكم على غير استقامة. (1)
* * *
وللعرب في " ضللت " لغتان : فتح " اللام " وكسرها ، واللغة الفصيحة المشهورة هي فتحها ، وبها قرأ عامة قرأة الأمصار ، وبها نقرأ لشهرتها في العرب. وأما الكسر فليس بالغالب في كلامها ، والقراأة بها قليلون. فمن قال " ضَلَلتُ " قال : " أَضِلُّ " ، ومن قال " ضَلِلتُ " قال في المستقبل " أَضَلُّ " . وكذلك القراءة عندنا في سائر القرآن : (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلنَا) بفتح اللام [سورة السجدة : 10].
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم ، الداعين لك إلى الإشراك بربك " إني على بيّنة من ربي " ، أي إني على بيان قد تبينته ، وبرهان قد وضح لي " من ربي " ، يقول : من توحيدي ، (2) وما أنا عليه من إخلاص عُبُودته (3) من غير إشراك شيء به.
* * *
وكذلك تقول العرب : " فلان على بينة من هذا الأمر " ، إذا كان على بيان
__________
(1) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(2) في المطبوعة : " توحيده " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " عبوديته " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/397)


منه ، (1) ومن ذلك قول الشاعر : (2)
أَبَيِّنَةً تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ... وقَوْلِ سُوَيْدٍ قَدْ كَفَيْتُكُمُ بِشْرَا (3)
* * *
" وكذبتم به " يقول : وكذبتم أنتم بربكم و " الهاء " في قوله " به " من ذكر الرب جلّ وعز " ما عندي ما تستعجلون به " ، يقول : ما الذي تستعجلون من نقم الله وعذابه بيدي ، ولا أنا على ذلك بقادر. وذلك أنهم قالوا حين بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتوحيده ، فدعاهم إلى الله ، وأخبرهم أنه رسوله إليهم : هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [سورة الأنبياء : 3] . وقالوا للقرآن : هو أضغاث أحلام . وقال بعضهم : بل هو اختلاق اختلقه. وقال آخرون : بل محمد شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك ، وإنما أنت رسول ، وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به ، وأنّ الله يقضي الحق فيهم وفيك ، ويفصل به بينك وبينهم ، فيتبين المحقُّ منكم والمبطل (4) " وهو خير الفاصلين " ، أي : وهو خير من بيّن وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم ، لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حَيْف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة ، ولا في قضائه جور ، لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور ، فهو أعدل الحكام وخيرُ الفاصلين.
وقد ذكر لنا في قراءة عبد الله : (وَهُو أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ).
13302 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : أنه قال : في قراءة عبد الله :
__________
(1) انظر تفسير " البينة " فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(2) لم أعرف قائله.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 193.
(4) انظر تفسير " الفصل " فيما سلف 5 : 338.

(11/398)


(يَقْضِي الْحَقَّ وَهُو أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ).
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : " يقصُّ الحق " . (1)
فقرأه عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة أهل الكوفة والبصرة : " إنِ الْحُكْمُ إلا لِلهِ يَقُصُّ الْحَقَّ " ، بالصاد ، بمعنى " القصص " ، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى ذكره : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [سورة يوسف : 3] . وذكر ذلك عن ابن عباس.
13303 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال ، " يقص الحق " ، وقال : نحن نقص عليك أحسن القصص .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة والبصرة : ( إنِ الْحُكْمُ إلا لِلهِ يَقْضِي الْحَقَّ) بالضاد ، من " القضاء " ، بمعنى الحكم والفصل بالقَضَاء ، (2) واعتبروا صحة ذلك بقوله : " وهو خير الفاصلين " ، وأن " الفصل " بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقَصَص.
* * *
وهذه القراءة عندنا أولى القراءَتين بالصواب ، لما ذكرنا لأهلِها من العلّة.
* * *
فمعنى الكلام إذًا : ما الحكم فيما تستعجلون به ، أيها المشركون ، من عذاب الله وفيما بيني وبينكم ، إلا الله الذي لا يجور في حكمه ، وبيده الخلق والأمر ، يقضي الحق بيني وبينكم ، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " يقضي الحق " ، وهو سهو هنا ، والصواب ما أثبته.
(2) انظر تفسير " قضى " فيما سلف 2 : 542 ، 543 ، وسائر فهارس اللغة.

(11/399)


قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

القول في تأويل قوله : { قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأوثان ، المكذبيك فيما جئتهم به ، السائليك أن تأتيهم بآية استعجالا منهم بالعذاب : لو أنّ بيدي ما تستعجلون به من العذاب " لقضي الأمر بيني وبينكم " ، ففصل ذلك أسرع الفصل ، بتعجيلي لكم ما تسألوني من ذلك وتستعجلونه ، ولكن ذلك بيد الله ، الذي هو أعلم بوقت إرساله على الظالمين ، الذين يضعون عبادتهم التي لا تنبغي أن تكون إلا لله في غير موضعها ، فيعبدون من دونه الآلهة والأصنام ، وهو أعلم بوقت الانتقام منهم ، وحالِ القضاء بيني وبينهم.
* * *
وقد قيل : معنى قوله : " لقضي الأمر بيني وبينكم " ، بذبح الموت. (1)
13304 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن جريج قال ، بلغني في قوله : " لقضي الأمر " ، قال : ذبح الموت .
* * *
وأحسب أن قائل هذا القول ، نزع لقوله (2) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [سورة مريم : 39] ، فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قصة تدل على معنى ما قاله هذا القائل في " قضاء الأمر " ، (3) وليس
__________
(1) في المطبوعة : " الذبح للموت " ، وفي المخطوطة : " الذبح الموت " ، وآثرت قراءتها كما أثبتها.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " أن قائل هذا النوع نزع " ، وهو كلام عجب ، لا أظن أبا جعفر يتدانى إلى مثله. والصواب ما أثبته بلا شك.
(3) رواه أبو جعفر في تفسيره 16 : 66 (بولاق) ، وهو الخبر الذي جاء فيه أنه يجاه يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، ثم ينادي في أهل الجنة والنار هل يعرفونه ، فيقولون : لا! فيقال : هذا الموت ، ثم يؤخذ فيذبح ، ثم ينادي : يا أهل النار ، خلود فلا موت ، ويا أهل الجنة ، خلود فلا موت.

(11/400)


وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)

قوله : " لقضي الأمر بيني وبينكم " من ذلك في شيء ، وإنما هذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن استعجله فصلَ القضاء بينه وبينهم من قوله بآية يأتيهم بها : لو أن العذاب والآيات بيدي وعندي ، لعاجلتكم بالذي تسألوني من ذلك ، ولكنه بيد من هو أعلم بما يُصلح خلقه ، منّي ومن جميع خلقه .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ }
قال أبو جعفر : يقول : وعند الله مفاتح الغيب. (1)
و " المفاتح " : جمع " مِفْتَح " ، يقال فيه : " مِفْتح " و " مِفْتَاح " . فمن قال : " مِفْتَح " ، جمعه " مفاتح " ، ومن قال : " مفتاح " ، جمعه " مفاتيح " .
* * *
ويعني بقوله : " وعنده مفاتح الغيب " ، خزائن الغيب ، كالذي : -
13305 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وعنده مفاتح الغيب " ، قال ، يقول : خزائن الغيب.
13306 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن ابن مسعود قال : أعطي نبيُّكم كل شيءٍ إلا مفاتح الغيب. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " يقول : وعنده مفاتح الغيب " ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) الأثر : 13306 - " عبد الله بن سلمة المرادي " ، تابعي ثقة ، من فقهاء الكوفة بعد الصحابة. مضى برقم : 12398.
وهذا خبر الإسناد ، رواه أحمد في مسنده : 3659 ، انظر شرح أخي السيد أحمد لهذا الخبر هناك.

(11/401)


13307 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : " وعنده مفاتح الغيب " ، قال : هن خمس : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ إلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة لقمان : 34] .
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا : والله أعلم بالظالمين من خلقه ، وما هم مستحقُّوه وما هو بهم صانع ، فإنّ عنده علم ما غاب علمه عن خلقه فلم يطلعوا عليه ولم يدركوه ، ولن يعلموه ولن يدركوه (1) " ويعلم ما في البر والبحر " ، يقول : وعنده علم ما لم يغب أيضًا عنكم ، لأن ما في البر والبحر مما هو ظاهر للعين ، يعلمه العباد. فكأن معنى الكلام : وعند الله علم ما غابَ عنكم ، أيها الناس ، مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثرَ بعلمه نفسَه ، ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمه جميعُكم ، لا يخفى عليه شيء ، لأنه لا شيءَ إلا ما يخفى عن الناس أو ما لا يخفى عليهم. فأخبر الله تعالى ذكره أن عنده علم كل شيء كان ويكون ، وما هو كائن مما لم يكن بعد ، وذلك هو الغيب. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ولم يعلموه ، ولن يدركوه " ، وفي المخطوطة : " ولم يعلموه ولا يدركوه " ، والصواب الدال عليه السياق ، هو ما أثبته.
(2) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف ص : 371 تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(11/402)


القول في تأويل قوله : { وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولا تسقط ورقةٌ في الصحاري والبراري ، ولا في الأمصار والقرى ، إلا الله يعلمها " ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " ، يقول : ولا شيء أيضًا مما هو موجود ، أو ممّا سيوجد ولم يوجد بعد ، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ ، مكتوبٌ ذلك فيه ، ومرسوم عددُه ومبلغه ، والوقت الذي يوجد فيه ، والحالُ التي يفنى فيها.
ويعني بقوله : " مبين " ، أنه يبين عن صحة ما هو فيه ، بوجود ما رُسم فيه على ما رُسم. (1)
* * *
فإن قال قائل : وما وجهُ إثباته في اللوح المحفوظ والكتاب المبين ، ما لا يخفى عليه ، وهو بجميعه عالم لا يُخَاف نسيانَه ؟
قيل له : لله تعالى ذكره فعل ما شاء. وجائز أن يكون كان ذلك منه امتحانًا منه لحفَظَته ، واختبارًا للمتوكلين بكتابة أعمالهم ، فإنهم فيما ذُكر مأمورون بكتابة أعمال العباد ، ثم بعرضها على ما أثبته الله من ذلك في اللوح المحفوظ ، حتى أثبت فيه ما أثبت كل يوم. وقيل إن ذلك معنى قوله : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، [سورة الجاثية : 29] . وجائز أن يكون ذلك لغير ذلك ، مما هو أعلم به ، إمّا بحجة يحتج بها على بعض ملائكته ، وأما على بني آدم وغير ذلك ، وقد : -
__________
(1) انظر تفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

(11/403)


13308 - حدثني زياد بن يحيى الحسّاني أبو الخطاب قال ، حدثنا مالك بن سعير قال ، حدثنا الأعمش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث قال : ما في الأرض من شجرة ولا كمغرِز إبرة ، إلا عليها ملك موكّل بها يأتي الله بعلمها : (1) يبسها إذا يبست ، ورطوبتها إذا رَطبت. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " يأتي الله يعلمه يبسها " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، وهذا عبث من الناشر.
(2) الأثر : 13308 - " زياد بن يحيى بن زياد بن حسان الحساني النكري " ، أبو الخطاب ، ثقة ، روى له الستة. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/549.
هذا ، وقد جاء في المخطوطة وتفسير ابن كثير " زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب " ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن الذي يروي عن " مالك بن سعير " هو " زياد بن يحيى الحساني ، أبو الخطاب " ، فضلا عن أنه ليس في الرواة من يسمى " زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب " . و " مالك بن سعير بن الخمس التميمي " ، قال أبو زرعة وأبو حاتم : " صدوق " ، وضعفه أبو داود ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو مترجم في التهذيب ، والبخاري في الكبير 4/1/315 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4/1/209.
و " يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي " هو مولى " عبد الله بن الحارث " ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 12740.
و " عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم " ، هو " ببة " ، ثقة ، مضى برقم : 12740.
وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره من طريق ابن أبي حاتم ، عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري ، عن مالك بن سعير ، بمثله.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 15 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وأبي الشيخ.

(11/404)


وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : وقل لهم ، يا محمد ، والله أعلم بالظالمين ، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم " ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، يقول : ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار.

(11/404)


ومعنى " التوفي " ، في كلام العرب استيفاء العدد ، (1) كما قال الشاعر : (2)
إِنَّ بَنِي الأدْرَم لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ... وَلا تَوَفَّاهُمْ قُرَيْشٌ فِي العَدَدْ (3)
بمعنى : لم تدخلهم قريش في العدد.
* * *
وأما " الاجتراح " عند العرب ، فهو عمل الرجل بيده أو رجله أو فمه ، وهي " الجوارح " عندهم ، جوارح البدن فيما ذكر عنهم. ثم يقال لكل مكتسب عملا " جارح " ، لاستعمال العرب ذلك في هذه " الجوارح " ، ثم كثر ذلك في الكلام حتى قيل لكل مكتسب كسبًا ، بأيّ أعضاء جسمه اكتسب : " مجترِح " . (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13309 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، أما " يتوفاكم بالليل " ففي النوم وأما " يعلم ما جرحتم بالنهار " ، فيقول : ما اكتسبتم من الإثم.
13310 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، يعني : ما اكتسبتم من الإثم .
__________
(1) انظر تفسير : التوفي " فيما سلف 6 : 455 ، 456/8 : 73/9 : 100/11 : 239
(2) هو منظور الوبري.
(3) اللسان (وفي) ، وسيأتي في التفسير 21 : 61 (بولاق) ، وكان في المطبوعة هنا : " إن بني الأدم " ، وفي اللسان " إن بني الأدرد " ، وهما خطأ ، صوابه ما جاء في التفسير بعد.
و " بنو الأدرم " هو بنو " تيم بن غالب بن فهر بن مالك " ، وهم من قريش الظواهر ، لا قريش الأباطح . وهذا الراجز يهجوهم بأن قريشًا أهل الأباطح ، لا يجعلون بني الأدرم (وهم من قريش الظواهر) تمامًا لعددهم ، ولا يستوفون بهم عددهم إذا عدوا.
(4) انظر تفسير " الجوارح " و " الاجتراح " فيما سلف 9 : 543 ، 544.

(11/405)


13311 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : " ما جرحتم بالنهار " ، قال : ما عملتم بالنهار .
13312 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله .
13313 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وهو الذي يتوفاكم بالليل " ، يعني بذلك نومهم " ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، أي : ما عملتم من ذنب فهو يعلمه ، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
13314 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار " ، قال : أمّا وفاته إياهم بالليل ، فمنامهم وأما " ما جرحتم بالنهار " ، فيقول : ما اكتسبتم بالنهار.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا الكلام وإن كان خبرًا من الله تعالى عن قدرته وعلمه ، فإنّ فيه احتجاجًا على المشركين به ، الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم. فقال تعالى ذكره محتجًا عليهم : " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى " ، يقول : فالذي يقبض أرواحكم بالليل ويبعثكم في النهار ، لتبلغوا أجلا مسمى ، وأنتم ترون ذلك وتعلمون صحّته ، غير منكرٍ له القدرة على قبض أرواحكم وإفنائكم ، ثم ردِّها إلى أجسادكم ، وإنشائكم بعد مماتكم ، فإن ذلك نظير ما تعاينون وتشاهدون ، وغير منكر لمن قدر على ما تعاينون من ذلك ، القدرةُ على ما لم تعاينوه. وإن الذي لم تروه ولم تعاينوه من ذلك ، شبيه ما رأيتم وعاينتم.
* * *

(11/406)


القول في تأويل قوله : { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) }
(1)
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : " ثم يبعثكم " ، يثيركم ويوقظكم من منامكم (2) " فيه " يعني في النهار ، و " الهاء " التي في " فيه " راجعة على " النهار " (3) " ليقضي أجلٌ مسمى " ، يقول : ليقضي الله الأجل الذي سماه لحياتكم ، وذلك الموت ، فيبلغ مدته ونهايته (4) " ثم إليه مرجعكم " ، يقول : ثم إلى الله معادكم ومصيركم (5) " ثم ينبئكم بما كنتم تعملون " ، يقول : ثم يخبركم بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا ، (6) ثم يجازيكم بذلك ، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13315 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ثم يبعثكم فيه " ، قال : في النهار.
13316 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : " ثم يبعثكم فيه " ، في النهار ، و " البعث " ، اليقظة .
13317 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله .
__________
(1) أسقط في المطبوعة والمخطوطة : " ثم يبعثكم فيه " ، وهو نص التلاوة.
(2) انظر تفسير " البعث " فيما سلف 2 : 84 ، 85/5 : 457/10 : 229.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " والهاء التي فيه راجعة " ، بإسقاط " في " ، والصواب إثباتها.
(4) انظر تفسير " أجل مسمى " فيما سلف 6 : 43/11 : 259.
(5) انظر تفسير " المرجع " فيما سلف 6 : 464/10 : 391/11 : 154.
(6) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص : 335 تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(11/407)


وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)

13318 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ثم يبعثكم فيه " ، قال : بالنهار. (1)
13319 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عبد الله بن كثير : " ثم يبعثكم فيه " ، قال : يبعثكم في المنام.
* * *
" ليقضي أجل مسمى " ، وذلك الموت.
* ذكر من قال ذلك :
13320 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " ليقضي أجل مسمى " ، وهو الموت .
13321 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ليقضي أجل مسمى " ، قال : هو أجل الحياة إلى الموت .
13322 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عبد الله بن كثير : " ليقضي أجل مسمى " ، قال : مدّتهم .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " وهو القاهر " ، والله الغالب خلقه ، العالي عليهم بقدرته ، (2) لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم ، المذلَّل المعْلُوّ عليه
__________
(1) في المطبوعة : " في النهار " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) انظر تفسير " القاهر " فيما سلف ص : 288.

(11/408)


لذلته (1) " ويرسل عليكم حفظة " ، وهي ملائكته الذين يتعاقبونكم ليلا ونهارًا ، يحفظون أعمالكم ويحصونها ، ولا يفرطون في حفظ ذلك وإحصائه ولا يُضيعون. (2)
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13323 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " ويرسل عليكم حفظة " ، قال : هي المعقبات من الملائكة ، يحفظونه ويحفظون عمله.
13324 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، يقول : حفظة ، يا ابن آدم ، يحفظون عليك عملك ورزقك وأجلك ، إذا توفَّيت ذلك قبضت إلى ربك " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، يقول تعالى ذكره : إن ربكم يحفظكم برسل يعقِّب بينها ، يرسلهم إليكم بحفظكم وبحفظ أعمالكم ، إلى أن يحضركم الموت ، وينزل بكم أمر الله ، فإذا جاء ذلك أحدكم ، توفاه أملاكنا الموكَّلون بقبض الأرواح ، ورسلنا المرسلون به " وهم لا يفرطون " ، في ذلك فيضيعونه. (3)
* * *
فإن قال قائل : أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت ، فكيف قيل : " توفته رسلنا " ، " والرسل " جملة وهو واحد ؟ أو ليس قد قال : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ
__________
(1) في المطبوعة : " المغلوب عليه لذلته " وهو خطأ وسوء تصرف ، والذي في المخطوطة هو الصواب.
(2) انظر تفسير " الحفظ " بمعانيه فيما سلف 5 : 167/8 : 296 ، 297 ، 562/10 : 343 ، 562.
(3) انظر تفسير " التوفي " فيما سلف ص : 405 تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(11/409)


الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [سورة السجدة : 11] ؟
قيل : جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده ، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت ، فيكون " التوفي " مضافًا وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إلى ملك الموت (1) إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره ، كما يضاف قتلُ من قتل أعوانُ السلطان وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان ، إلى السلطان ، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه ، ولا وليه بيده.
* * *
وقد تأول ذلك كذلك جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13325 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، حدثنا الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم في قوله : " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، قال : كان ابن عباس يقول : لملك الموت أعوانٌ من الملائكة.
13326 - حدثني أبو السائب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن عبيد الله في قوله : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، قال : سئل ابن عباس عنها فقال : إن لملك الموت أعوانًا من الملائكة .
13327 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم في قوله : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، قال : أعوان ملك الموت.
13328 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، قال : الرسل توفَّى الأنفس ، ويذهب بها ملك الموت.
13329 - حدثنا هناد قال ، حدثنا حفص ، عن الحسن بن عبيد الله ،
__________
(1) السياق : " فيكون التوفي مضافًا . . . إلى ملك الموت " .

(11/410)


عن إبراهيم ، عن ابن عباس : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، أعوان ملك الموت من الملائكة. (1)
13330 - [حدثنا هناد قال ، حدثنا حفص ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن ابن عباس : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " . قال : أعوان ملك الموت من الملائكة]. (2)
13331 - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم : " توفته رسلنا " ، قال : هم الملائكة أعوان ملك الموت .
13332 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : " توفته رسلنا " ، قال : إن ملك الموت له رسل ، فيرسل ويرفع ذلك إليه وقال الكلبي : إن ملك الموت هو يلي ذلك ، فيدفعه ، إن كان مؤمنًا ، إلى ملائكة الرحمة ، وإن كان كافرًا إلى ملائكة العذاب .
13333 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة : " توفته رسلنا " ، قال : يلي قبضَها الرسل ، ثم يدفعونها إلى ملك الموت .
13334 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن منصور عن إبراهيم في قوله : " توفته رسلنا " ، قال : تتوفاه الرسل ، ثم يقبض منهم ملك الموت الأنفس قال الثوري : وأخبرني الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم قال : هم أعوان لملك الموت قال الثوري : وأخبرني
__________
(1) الأثر : 13329 - كان تفسير هذه الآية في هذا الخبر : " قال : الرسل توفى الأنفس ، ويذهب بها ملك الموت " ، وهذا مخالف كل المخالفة لما في المخطوطة ، فأثبت ما فيها ، وكأنه الصواب إن شاء الله.
(2) الأثر : 13330 - هذا الأثر ليس في المخطوطة ، ولذلك وضعته بين قوسين ، وظني أنه تكرار من تصرف ناسخ ، فإن إسناده إسناد الذي قبله ، إلا أنه ليس فيه " عن إبراهيم " بين " الحسن بن عبيد الله " و " ابن عباس " .

(11/411)


رجل ، عن مجاهد قال : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء ، وجعلت له أعوان يتوفَّون الأنفس ثم يقبضها منهم.
13335 حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم ، عن ابن عباس في قوله : " توفته رسلنا " ، قال : أعوان ملك الموت من الملائكة .
13336 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم قال : الملائكة أعوان ملك الموت .
13337 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم : " توفته رسلنا " ، قال : يتوفونه ، ثم يدفعونه إلى ملك الموت .
13338 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه قال : سألت الربيع بن أنس عن ملك الموت ، أهو وحده الذي يقبض الأرواح ، قال : هو الذي يلي أمرَ الأرواح ، وله أعوان على ذلك ، ألا تسمع إلى قول الله تعالى ذكره : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ؟ [سورة الأعراف : 37] . وقال : " توفته رسلنا وهم لا يفرطون " ، غير أن ملك الموت هو الذي يسير كل خطوة منه من المشرق إلى المغرب. قلت : أين تكون أرواح المؤمنين ؟ قال : عند السدرة في الجنة .
13339 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا محمد بن مسلم ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن مجاهد قال : ما من أهل بيت شَعَرٍ ولا مَدَرٍ إلا وملك الموت يُطيف بهم كل يوم مرتين .
* * *
وقد بينا أن معنى " التفريط " ، التضييع ، فيما مضى قبل. (1) وكذلك تأوله المتأوّلون في هذا الموضع .
__________
(1) انظر تفسير " التفريط " فيما سلف ص : 345 ، 346.

(11/412)


ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

13340 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وهم لا يفرطون " ، يقول : لا يضيعون.
13341 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وهم لا يفرطون " ، قال : لا يضيعون .
* * *
القول في تأويل قوله : { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم ردت الملائكة الذين توفَّوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم ، إلى الله سيدهم الحق ، (1) " ألا له الحكم " ، يقول : ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه (2) " وهو أسرعُ الحاسبين " ، يقول : وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم ، أيها الناس ، وأحصاها ، وعرف مقاديرها ومبالغها ، (3) لأنه لا يحسب بعقد يد ، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية ، و لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (4) [سورة سبأ : 3].
* * *
__________
(1) انظر تفسير " المولى " فيما سلف 6 : 141/7 : 278 ، وغيرها من فهارس اللغة مادة (ولي).
(2) انظر تفسير " الحكم " فيما سلف 9 : 175 ، 324 ، 462.
(3) انظر تفسير " الحساب " فيما سلف : 207 ، 274 ، 275/6 : 279.
(4) هذا تضمين آية " سورة سبأ " : 3.

(11/413)


قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)

القول في تأويل قوله : { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم ، الداعين إلى عبادة أوثانهم : من الذين ينجيكم " من ظلمات البر " ، إذا ضللتم فيه فتحيَّرتم ، فأظلم عليكم الهدى والمحجة ومن ظلمات البحر إذا ركبتموه ، فأخطأتم فيه المحجة ، فأظلم عليكم فيه السبيل ، فلا تهتدون له غير الله الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء (1) " تضرعًا " ، منكم إليه واستكانة جهرًا (2) " وخفية " ، يقول : وإخفاء للدعاء أحيانًا ، وإعلانًا وإظهارًا تقولون : لئن أنجيتنا من هذه يا رب (3) أي من هذه الظلمات التي نحن فيها " لنكونن من الشاكرين " ، يقول : لنكونن ممن يوحدك بالشكر ، ويخلص لك العبادة ، دون من كنا نشركه معك في عبادتك.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
__________
(1) في المطبوعة : " الذي مفزعكم " ، والصواب من المخطوطة.
(2) انظر تفسير " التضرع " فيما سلف ص : 355.
(3) في المطبوعة والمخطوطة ، كان نص الآية {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ} وهي قراءة باقي السبعة ، وقراءتنا المثبتة في مصحفنا هي قراءة الكوفيين. وقد جرى أبو جعفر في تفسيره على قراءة عامة الناس ، ولم يشر إلى قراءتنا ، وجرى على ذلك في تفسيره الآية. وقال القرطبي : قرأ الكوفيون " لئن أنجانا " ، واتساق المعنى بالتاء ، كما قرأ أهل المدينة والشام.
وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 338. وظني أن أبا جعفر قد اختصر التفسير في هذا الموضع اختصارًا شديدًا ، فترك كثيرًا كان يظن به أن يقوله.

(11/414)


قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

* ذكر من قال ذلك :
13342 - حدثني محمد بن سعيد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخفية " ، يقول : إذا أضل الرجل الطريق ، دعا الله : " لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين " . (1)
13343 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر " ، يقول : من كرْب البر والبحر.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء العادلين بربهم سواه من الآلهة ، إذا أنت استفهمتهم عمن به يستعينون عند نزول الكرب بهم في البر والبحر : الله القادرُ على فَرَجكم عند حلول الكرب بكم ، ينجيكم من عظيم النازل بكم في البر والبحر من همّ الضلال وخوف الهلاك ، ومن كرب كل سوى ذلك وهمّ لا آلهتكم التي تشركون بها في عبادته ، ولا أوثانكم التي تعبدونها من دونه ، التي لا تقدر لكم على نفع ولا ضرّ ، ثم أنتم بعد تفضيله عليكم بكشف النازل بكم من الكرب ، ودفع الحالِّ بكم من جسيم الهم ، تعدلون به آلهتكم وأصنامكم ، فتشركونها في عبادتكم إياه. وذلك منكم جهل
__________
(1) تركت الخبر على قراءة الناس لا قراءتنا في مصحفنا.

(11/415)


قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

بواجب حقه عليكم ، وكفر لأياديه عندكم ، وتعرضٌ منكم لإنزال عقوبته عاجلا بكم.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان ، يا محمد : إن الذي ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر ومن كل كرب ، ثم تعودون للإشراك به ، هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ، لشرككم به ، وادّعائكم معه إلهًا آخر غيره ، وكفرانكم نعمه ، مع إسباغه عليكم آلاءه ومِنَنه.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في معنى " العذاب " الذي توعد الله به هؤلاء القوم أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم.
فقال بعضهم : أما العذاب الذي توعدهم به أن يبعثه عليه من فوقهم ، فالرجم. وأما الذي توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم ، فالخسف.
* ذكر من قال ذلك :
13344 - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك : عذابًا من فوقكم ، أو من تحت أرجلكم ، قال : الخسف. (1)
13345 - حدثنا سفيان قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن الأشجعي ،
__________
(1) في المطبوعة ، كنص الآية ، ولكني رددت ما في المخطوطة إلى حاله.

(11/416)


عن سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، مثله .
13346 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو سلمة ، عن شبل ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، قال الخسف .
13347 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، فعذاب السماء " أو من تحت أرجلكم " ، فيخسف بكم الأرض .
13348 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " قال : كان ابن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر : ألا أيها الناس ، إنه نزل بكم. إن الله يقول : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد " أو من تحت أرجلكم " ، لو خسف بكم الأرض أهلككم ، لم يبق منكم أحد " أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " ، ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. (1)
* * *
وقال آخرون : عنى بالعذاب من فوقكم ، أئمةَ السوء " أو من تحت أرجلكم " ، الخدم وسِفلة الناس.
* ذكر من قال ذلك :
13349 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعت خلادًا يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول : إن ابن عباس كان يقول في هذه :
__________
(1) في المطبوعة خلاف ما في المخطوطة ، وفي المخطوطة أخطاء. في المخطوطة : " . . . عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو جاءكم عذاب من السماء " ، وفيها أيضًا : " أو من تحت أرجلكم يخسف بكم الأرض " ، وصواب هاتين فيما في المطبوعة ، وكان في المطبوعة نصب " أحد " في الموضعين ، وكان فيها أيضًا : " أهلككم ولم يبق " بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/417)


" قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، فأما العذاب من فوقكم ، فأئمة السوء وأما العذاب من تحت أرجلكم ، فخدم السوء. (1)
13350 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، يعني من أمرائكم " أو من تحت أرجلكم " ، يعني : سفلتكم .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي ، قولُ من قال : عنى بالعذاب من فوقهم ، الرجمَ أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، الخسفَ وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى " فوق " و " تحت " الأرجل ، هو ذلك ، دون غيره. وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح ، غير أن الكلام إذا تُنُوزع في تأويله ، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها.
* * *
__________
(1) الأثر : 13349 - " خلاد " ، هو " خلاد بن سليمان الحضرمي المصري " ، كان خياطًا أميًّا لا يكتب ، وكان من الخائفين. روى عنه ابن وهب. ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/172 ، وابن أبي حاتم 1/2/365.
وأما " عامر بن عبد الرحمن " ، فإن البخاري وابن أبي حاتم ، ذكراه في ترجمة خلاد ، وذكر أنه سمع منه ، ولكني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع. وهذا عجيب.

(11/418)


القول في تأويل قوله : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أو يخلطكم " شيعًا " ، فرقًا ، واحدتها " شِيعة " .
* * *
وأما قوله : " يلبسكم " فهو من قولك : " لبَسْت عليه الأمر " ، إذا خلطت ، " فأنا ألبِسه " . وإنما قلت إن ذلك كذلك ، لأنه لا خلاف بين القرأة في ذلك بكسر " الباء " ، ففي ذلك دليل بَيِّنٌ على أنه من : " لبَس يلبِس " ، وذلك هو معنى الخلط. وإنما عنى بذلك : أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا مفترقة. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13351 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أو يلبسكم شيعًا " ، الأهواء المفترقة.
13352 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : يفرق بينكم.
13353 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : ما كان منكم من الفتن والاختلاف. (2)
13354 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في
__________
(1) انظر تفسير " لبس " فيما سلف 1 : 567 ، 568/6 : 503 - 505/11 : 270
(2) في المطبوعة : " من التفرق " ، وفي المخطوطة : " من العير " غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/419)


قوله : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف ، والأهواء ، وسفك دماء بعضهم بعضًا .
13355 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي ، قال : حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : الأهواء والاختلاف.
13356 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " أو يلبسكم شيعًا " ، يعني بالشيع ، الأهواء المختلفة .
* * *
وأما قوله : " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، فإنه يعني : بقتل بعضكم بيد بعض.
* * *
والعرب تقول للرجل ينال الرجل بسلام فيقتله به : " قد أذاق فلان فلانًا الموت " ، و " أذاقه بأسه " ، وأصل ذلك من : " ذوق الطعام " وهو يطعمه ، ثم استعمل ذلك في كل ما وصل إلى الرجل من لذة وحلاوة ، أو مرارة ومكروه وألم. (1)
* * *
وقد بينت معنى " البأس " في كلام العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13357 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) انظر تفسير " الذوق " فيما سلف 7 : 96 ، 446 ، 452/8 : 487/11 : 47 ، 324 ولكنه لن يبينه بيانًا شافيًا في المواضع السالفة ، وأبان عنه هنا إبانة تامة ، وهذا ضرب من ضروب اختصاره في تفسيره.
(2) انظر تفسير " البأس " فيما سلف 8 : 580/11 : 357.

(11/420)


حدثنا أسباط ، عن السدي : " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، بالسيوف .
13358 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو النعمان عارم قال ، حدثنا حماد ، عن أبي هارون العبدي ، عن عوف البكالي أنه قال في قوله : " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال : هي والله الرجال في أيديهم الحراب ، يطعُنون في خواصركم .
13359 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب.
13360 - حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : عذاب هذه الأمة أهل الإقرار ، بالسيف " أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " وعذاب أهل التكذيب ، الصيحة والزلزلة.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.
فقال بعضهم : عني بها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفيهم نزلت.
* ذكر من قال ذلك :
13361 - حدثني محمد بن عيسى الدامغاني قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " الآية ، قال : فهن أربع ، وكلهن عذاب ، فجاء مستقرّ اثنتين ، (1) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ، فألبسوا شيعًا ، وأذيق بعضهم بأس بعض ، وبقيت اثنتان ، فهما لا بدّ واقعتان يعني : الخسف والمسخ. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " فجاء منهن اثنتان " ، غير ما في المخطوطة ، وهو واضح فيها جدًا ، وهو صواب أيضًا.
(2) الأثر : 13361 - " محمد بن عيسى الدامغاني " ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم : 3225.
وانظر خبر أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، رقم : 13380. وتخريجه هناك.

(11/421)


13362 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعفاكم منه " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : ما كان فيكم من الفتن والاختلاف.
13363 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13364 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا " ، الآية. ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَلى ذات يوم الصبح فأطالها ، فقال له بعض أهله : يا نبي الله ، لقد صلّيت صلاة ما كنت تصَليها ؟ قال : إنها صلاةُ رَغبة ورَهبة ، وإني سألت ربّي فيها ثلاثًا ، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم ، فيهلكهم ، فأعطانيها. وسألته أن لا يسلط على أمتي السنة ، فأعطانيها. (1) وسألته أن لا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعنيها. ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله.
13365 - حدثنا أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع الرازي قالا حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، سمع جابرًا يقول : لما أنزل الله تعالى ذكره على النبي صلى الله عليه وسلم : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، قال : أعوذ بوجهك " أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال : هاتان أيسر أو : أهون. (2)
__________
(1) " السنة " ، الجدب والقحط.
(2) الأثر : 13665 - " أحمد بن الوليد القرشي " ، مضى برقم : 1692 : " وأحمد بن الوليد " بدون نسبة ، وقال أخي السيد أحمد هناك : " ولم أعرف من هو " . وأزيد أني وجدت أبا جعفر يروي في تاريخه 1 : 167 عن شيخه " أحمد بن الوليد الرملي " ثم سماه " أحمد بن الوليد " بلا نسبة ، وهو يروي في هذه الأسانيد ، عن : " إبراهيم بن زياد " ، و " إسحق بن المنذر " و " عبد الملك بن يزيد " ، و " عمرو بن عون " و " محمد بن الصباح " و " سعدويه " . ثم روي عنه في المنتخب من ذيل المذيل (تاريخه 13 : 104) ، وروى " أحمد بن الوليد " في هذا الإسناد ، عن " الربيع بن يحيى " . جمعت هذا حتى أتحقق معرفته ونسبته ، أما تخريج الخبر ، ففي التعليق التالي.

(11/422)


13366 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن جابر ، قال : لما نزلت : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، قال : نعوذ بك ، نعوذ بك " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : هو أهون. (1)
13367 - حدثني زياد بن عبيد الله المزني قال ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال ، حدثنا أبو مالك قال ، حدثني نافع بن خالد الخزاعي ، عن أبيه : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود ، فقال : قد كانت صلاة رغبة ورهبة ، فسألت الله فيها ثلاثًا ، فأعطاني اثنتين ، وبقي واحداة. سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به مَن قبلكم ، فأعطانيها. وسألت الله أن لا يسلِّط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم ، فأعطانيها. وسألته أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض ، فمنعنيها قال أبو مالك : فقلت له : أبوك سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم ، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2)
__________
(1) الأثران : 13365 ، 13366 - " عمرو " ، هو " عمرو بن دينار " . رواه البخاري (الفتح 8 : 219) من طريق حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار. وقال الحافظ ابن حجر : " وقع في الاعتصام من وجه آخر ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، سمعت جابرًا ، وكذا للنسائي من طريق معمر ، عن عمرو بن دينار ويعني ما رواه البخاري الفتح 13 ، 329 وسيأتي من طريق معمر ، عن عمرو بن دينار فيما يلي رقم : 13372. ورواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " .
(2) الأثر : 13367 - " زياد بن عبيد الله المزني " ، هكذا جاء هنا " المزني " ، ومضى برقم : 8284 : " زياد بن عبيد الله المري " ، وقد كتب عنه أخي السيد أحمد فيما سلف ، وقال إنه لم يعرفه ، وقال إنه من المحتمل أن يكون : " زياد بن عبد الله بن خزاعي " ، لأنه يروى أيضًا عن " مروان بن معاوية " ، ولكن مجيئه هنا أيضًا " زياد بن عبيد الله " يضعف هذا الاحتمال.
و " مروان بن معاوية الفزاري " ثقة ، من شيوخ أحمد. مضى برقم : 1222 ، 3322 ، 3842 ، 7685.
و " أبو مالك " هو " الأشجعي " ، واسمه " سعد بن طارق بن أشيم " ؛ روى عن أبيه ، وأنس ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وربعي بن حراش ، وغيرهم ، وثقه أحمد. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/59 ، وابن أبي حاتم 2/1/86.
و " نافع بن خالد الخزاعي " ، روى عن أبيه ، روى عنه أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق ، مترجم في لسان الميزان 6 : 145 ، والكبير للبخاري 4/2/85 ، وابن أبي حاتم 4/1/457. ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه جرحًا ، ولكن الحافظ ابن حجر أخطأ في لسان الميزان خطأ شنيعًا ، فقال : " قال ابن أبي حاتم عن أبيه في ترجمته : هو ونافع مجهولان " ، وهو سهو شديد ، فإن الذي قال ذلك عنه ابن أبي حاتم ، خالد آخر ، وهو موجود في كتابه 1/2/362 برقم : 1643 هكذا : " خالد ، روى عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، روى عنه ابنه محمد. سمعت أبي يقول ذلك ، ويقول : هما مجهولان " . أما " خالد الخزاعي " ، فقد قال عنه : " روى عنه ابنه نافع ، يعد في الكوفيين ، سمعت أبي يقول ذلك " ، وهو موجود قبل تلك الترجمة برقم : 1642. وهذا سهو شديد ينبغي أن يصحح. وأبوه : " خالد الخزاعي الأزدي " غير مبين النسب ، ترجم له البخاري في الكبير 2/1/127 ، وقال : " يعد في الكوفيين " ، وقال ابن أبي حاتم 1/2/362 : " له صحبة ، روى عنه ابنه نافع " ، كما ذكرت قبل. وترجم له الحافظ في الإصابة.
وهذا خبر رجاله ثقات ، كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته. وقد أشار إلى هذا الخبر ، البخاري في تاريخه 2/1/127 ، من طريق ابن أبي زائدة ، عن سعد بن طارق ، عن نافع بن خالد الخزاعي ، قال حدثني أبي ، وكان من أصحاب الشجرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى والناس ينظرون ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود. وأشار إليه الحافظ أيضًا في الفتح (8 : 221) ، وأما في الإصابة فقد قال : " روى الحسن بن سفيان ، وأبو يعلى ، والطبراني في تفسيره ، وغيرهم ، من طريق أبي مالك. . . . " ثم ذكر الخبر وقال : " رجاله ثقات " .
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 222 ، بنحوه ، ثم قال : " رواه الطبراني بأسانيد ، ورجال بعضها رجال الصحيح ، غير نافع بن خالد. وقد ذكره ابن أبي حاتم ، ولم يجرحه أحد. ورواه البزار " . وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 329 ، من رواية الحافظ أبي بكر بن مردويه ، عن عبد الله بن إسمعيل بن إبراهيم الهاشمي ، وميمون بن إسحق بن الحسن الحنفي ، كلاهما عن أحمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي ، مطولا. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 19 ، ونسبه لابن جرير وابن مردويه ، ولم يزد شيئًا. وأخرج الترمذي في الفتن ، من حديث خباب بن الأرت ، مثله ، كما سيأتي في رقم : 13370. وقوله : " يستبيح بيضتهم " ، يريد : جماعتهم وأصلهم ومجتمعهم ، وموضع سلطانهم ، ومستقر دعوتهم. يقول : لا تسلط عليهم عدوًا يستأصلهم ويهلكهم جميعًا. قالوا : وذلك أن أصل البيضة إذا أهلك ، كان ذلك هلاك كل ما فيها من طعم أو فرخ. وإذا لم يهلك أصل البيضة ، ربما سلم بعض فراخها. وقال غيرهم : " البيضة " : ساحة القوم ومعظم دارهم. وهذا أقرب عندي.

(11/423)


13368 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور عن

(11/424)


معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : إن الله زَوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربَها ، وإنّ ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها ، وإني أعطيت الكنزين الأحمرَ والأبيض ، وإني سألت ربّي أن لا يهلك قومي بسَنَةٍ عامة ، وأن لا يلبسهم شيعًا ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فقال : يا محمد ، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، ولا أسلِّط عليهم عدوًّا ممن سواهم فيهلكهم بعامة ، (1) حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ، وبعضهم يقتل بعضًا ، وبعضهم يسبي بعضًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، فإذا وضع السيف في أمتي ، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة. (2)
13369 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، أخبرني أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه إلا أنه قال : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين. (3)
13370 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن الزهري قال : راقب خباب بن الأرتّ ، وكان بدريًّا ، النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، حتى إذا فرغ ، وكان في الصبح ، قال له : يا رسول الله ، لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها ؟ قال : أجل ، إنها صلاة رَغَبٍ ورَهَبٍ ، سألت ربي ثلاث خصال ، فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة : سألته أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم ، فأعطاني. وسألته أن لا يسلط علينا عدوًّا ، فأعطاني. وسألته أن لا يلبسنا شيعًا ، فمنعني. (4)
__________
(1) في المطبوعة : " فيهلكهم " ، وفي المخطوطة : " فيهلكوهم هم " ، وخلط في كتابتها ، والصواب من المسند.
(2) الأثر : 13268 - " أبو الأشعث الصنعاني " ، هو " شراحبيل بن آدة " ، من صنعاء الشام ، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. و " أبو أسماء الرحبي " ، هو " عمرو بن مرثد " تابعي ثقة ، مضى برقم : 4844. و " شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري " ، صحابي ، قال عباد بن الصامت : " شداد بن أوس. من الذين أوتوا العلم والحلم ، ومن الناس من أوتى أحدهما " . وهذا الخبر ، رواه أحمد في مسنده 4 : 123 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، بمثل رواية أبي جعفر. وأشار إلى روايته من حديث شداد ، الحافظ ابن حجر في الفتح (8 : 221) وقال : " وأخرج الطبري من حديث شداد ، نحوه ، بإسناد صحيح " ، يعني : نحو حديث ثوبان كما سأشير إليه بعد. وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 328 ، 329 ، من مسند أحمد ، وقال : " ليس في شيء من الكتب الستة ، وإسناده جيد قوي. وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد ، وعباد بن منصور ، وقتادة ، ثلاثتهم عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنحوه والله أعلم " . وروي هذا الخبر بنحو هذا اللفظ من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان. بنحو هذا اللفظ. رواه مسلم في صحيحه 18 : 12 ، 14 ، وأبو داود في سننه 4 : 138 ، مطولا ، وخرجه السيوطي عن ثوبان. في الدر المنثور 3 : 17 ، وقال : " أخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبزار ، وابن حبان ، والحاكم وصححه ، واللفظ له ، وابن مردويه " ثم ساق لفظ الحاكم في المستدرك.مطولا. قوله : " زوى لي الأرض " : جمعها وقبضها حتى يراها جميعًا.
و " السنة " : القحط. وقال النووي في شرح مسلم : " وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة وقعت كلها بحمد الله ، كما أخبر به صلى الله عليه وسلم. قال العلماء : المراد بالكنزين الذهب والفضة. والمراد كنزي كسرى وقيصر ، ملكي العراق والشام. فيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداد في جهتي المشرق والمغرب. وهكذا وقع. وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب. وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى " .
(3) الأثر : 13369 - انظر التعليق على الأثر السالف. ومن هذه الطريق ، رواه أحمد في مسنده 4 : 123 ، بمثل ما ذكر أبو جعفر.
(4) الأثر : 13370 - هذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5 : 108 ، والترمذي في كتاب الفتن ، موصولا ، من طريق الزهري ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن خباب بن الأرت ، عن خباب بن الأرت ، مولى بني زهرة. وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 328 ، من مسند أحمد ، ثم قال : " ورواه النسائي من حديث شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، به ، ومن وجه آخر. وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن صالح ابن كيسان. والترمذي في الفتن من حديث النعمان بن راشد ، كلاهما عن الزهري ، به. وقال : حسن صحيح " . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 18 ، وقال : " أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، عن خباب بن الأرت " ، وساق الخبر. وقوله : " رغب ورهب " كلاهما بفتحتين ، أي : الرغبة والرهبة.

(11/425)


13371 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الزهري في قوله : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : راقب خبابُ بن الأرت ، وكان بدريًّا ، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه إلا أنه قال : ثلاث خصلات. (1)
13372 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك " أو من تحت أرجلكم " ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : هذه أهون. (2)
13373 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : سألت ربّي أربعًا ، فأعطيت ثلاثًا ومنعت واحداة : سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم يستبيح بيضتهم ، ولا يسلط عليهم جوعًا ، ولا يجمعهم على ضلالة ، فأعطيتهن وسألته أن لا
__________
(1) الأثر : 13371 - انظر التعليق على الأثر السالف.
(2) الأثر : 13372 - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم : 13365 ، 13366 ، فهذه طريق أخرى.

(11/427)


يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض ، فمنعتُ.
13374 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني سألت ربي خصالا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة : سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة ، فأعطانيها. وسألته لا يُظهر عليهم عدوًّا من غيرهم ، فأعطانيها. وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم ، فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم ، فمنعنيها.
13375 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية ، قوله : " ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال الحسن : ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يُشهده عليهم : " انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون " ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ، فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ، ولا يلبس أمته شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل ، فهبط إليه جبريل عليه السلام فقال : يا محمد ، إنك سألت ربك أربعًا ، فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين : لن يأتيهم عذاب من فوقهم ، ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم ، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها وردِّ كتاب ربها ، ولكنهم يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض ، (1) وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتاب والتصديق بالأنبياء ، ولكن يعذبون بذنوبهم ، وأوحي إليه : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ، يقول : من أمتك { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ } من العذاب وأنت حي { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } [سورة الزخرف : 41 ، 42]. فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه ، فقال : أيّ مصيبة أشدّ من أن
__________
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة : " ولكنهم يلبسهم . . . " ، وهو جائز ، والأجود " ولكنه يلبسهم " ، وأخشى أن يكون ما في النسخ من الناسخ.

(11/428)


أرى أمتي يعذب بعضها بعضًا! وأوحي إليه : { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } ، [سورة العنكبوت : 1 ، 3] ، فأعلمه أن أمته لم تخصّ دون الأمم بالفتن ، وأنها ستبلى كما ابتليت الأمم. ثم أنزل عليه : { قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [سورة المؤمنون : 93 ، 94] ، فتعوّذ نبي الله ، فأعاذه الله ، لم يرَ من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة. ثم أنزل عليه آية حذّر فيها أصحابه الفتنة ، فأخبره أنه إنما يُخَصّ بها ناسٌ منهم دون ناس ، فقال : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، [سورة الأنفال : 25] ، فخصّ بها أقوامًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده ، وعصم بها أقوامًا.
13376 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : لما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما يكون في أمته من الفرقة والاختلاف ، فشق ذلك عليه ، ثم دعا فقال : اللهم أظهر عليهم أفضلهم بقية. (1)
13377 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو الأسود قال ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن أبي الزبير قال : لما نزلت هذه الآية : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بالله من ذلك ! قال : " أو من تحت أرجلكم " ، قال : أعوذ بالله من ذلك قال : " أو يلبسكم شيعًا " ، قال : هذه أيسر ! ولو استعاذه لأعاذه. (2)
__________
(1) في المطبوعة : " أفضلهم تقية " ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت ، فإنها في المخطوطة غير منقوطة " وقوله : " بقية " ، أي : إبقاء على من يظهر عليه ويظفر به.
(2) الأثر : 13377 - " خالد بن يزيد " هو الجمحي ، المصري. مضى برقم : 3965 ، 5465 ، 9185 ، 9507 ، 12283. و " أبو الزبير " ، هو " محمد بن مسلم المكي " ، مضى مرارًا.

(11/429)


13378 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا المؤمل البصري قال ، أخبرنا يعقوب بن إسماعيل بن يسار المديني قال ، حدثنا زيد بن أسلم قال : لما نزلت : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض بالسيوف! فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله! قال : نعم! فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبدًا! فأنزل الله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . (1)
* * *
وقال آخرون : عنى ببعضها أهل الشرك ، وببعضها أهل الإسلام .
* ذكر من قال ذلك :
13379 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن هارون بن موسى ، عن حفص بن سليمان ، عن الحسن في قوله : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " ، قال : هذا للمشركين " أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض " ، قال : هذا للمسلمين.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول عندي أن يقال : إنّ الله تعالى ذكره توعَّد بهذه الآية أهلَ الشرك به من عبدة الأوثان ، وإياهم خاطبَ بها ، لأنها
__________
(1) الأثر : 13378 - " المؤمل البصري " ، هو : " مؤمل بن إسمعيل البصري " ، وقد سلف مرارًا برقم : 2057 ، 3337 ، 5728 ، 8356 ، 8367.
وأما " يعقوب بن إسمعيل بن يسار المديني " ، فلم أجد له ذكرًا في كتب التراجم ، وهذا غريب.

(11/430)


بين إخبار عنهم وخطاب لهم ، وذلك أنها تتلو قوله : " قل ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخُفْية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون " ، ويتلوها قوله : " وكذب به قومك وهو الحق " . وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين ، فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك ، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين ، كان بيّنًا أن ذلك وعيدٌ لمن تقدّم وصف الله إياه بالشرك ، وتأخر الخبر عنه بالتكذيب لا لمن لم يجر له ذكر. غير أن ذلك وإن كان كذلك ، فإنه قد عم وعيدُه بذلك كلَّ من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله ، والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها.
وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سألت ربي ثلاثًا ، فأعطاني اثنتين ، ومنعني واحدة " ، فجائز أن هذه الآية نزلت في ذلك الوقت وعيدًا لمن ذكرتُ من المشركين ، ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى ذكره بمعصيتهم إياه هذه العقوبات ، فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه ، من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها ، ولم يُعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها.
وأما الذين تأوّلوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة ، فإني أراهم تأوّلوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يُسخط الله ، نحو الذي ركب مَن قبلهم من الأمم السالفة ، من خلافه والكفر به ، فيحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من المثلات والنقمات ، وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله : " جاء منهن اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة. وبقيت اثنتان ، الخسف والمسخ " ، وذلك أنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه

(11/431)


وسلم أنه قال : " سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف " ، (1) وأن قومًا من أمته سيبيتون على لهو ولعب ، ثم يصبحون قردة وخنازير. (2) وذلك إذا كان ، فلا شك أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته. وقد روي نحو الذي روي عن أبي العالية ، عن أبيّ.
13380 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا سفيان قال ، أخبرنا أبي ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا " ، قال : أربع خِلال ، وكلهن عذاب ، وكلهن واقعٌ قبل يوم القيامة ، فمضت اثنتان بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ، ألبسوا شيعًا ، وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان واقعتان لا محالة : الخسف والرجم. (3)
* * *
__________
(1) هذا حديث عائشة ، رواه الترمذي في الفتن بإسناده ، ونصه :
" عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ. قالت : قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا ظهر الخَبَثُ " ، قال الترمذي : " هذا حديثٌ غريبٌ من حديث عائشة ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وعبد الله بن عمر ، تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه " يعني راوي الخبر : " عبد الله بن عمر ، عن عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة " .
(2) روى البخاري (الفتح 10 : 47 - 49) من حديث أبي مالك وأبي عامر الأشعري قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليكونن من أُمتي قومٌ يستحِلُّون الحِرِ (أي : الزنا) والحرير والخمر والمعازف ، وليزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَم ، تروح عليهم سارحةٌ لهم ، فيأتيهم رجلٌ لحاجته ، فيقولون : ارجع إلينا غدًا! فيبيِّتهم الله تعالى ويضع العَلَم ، ويمسخ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة " .
(3) الأثر : 13380 - إسناده صحيح ، رواه أحمد في مسنده 5 : 134 ، 135 من طريق وكيع ، عن أبي جعفر الراوي ، عن الربيع. عن أبي العالية ، مثله.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 21 ، ثم قال : " رواه أحمد ، ورجاله ثقات. قلت : والظاهر أن من قوله : فمضت اثنتان ، إلى آخره ، من قول رفيع (يعني أبا العالية) ، فإن أبي بن كعب لم يتأخر إلى زمن الفتنة " . وذكر مثل ذلك من علة هذا الخبر ، الحافظ ابن حجر في الفتح (8 : 220) ثم قال : " وأعل أيضًا بأنه مخالف لحديث جابر وغيره. وأجيب بأن طريق الجمع : أن الإعاذة المذكورة في حديث جابر وغيره ، مقيدة بزمان مخصوص ، وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة ، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم. وقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : " قل هو القادر " ، إلى آخرها فقال : أما إنها كائنة ، ولم يأت تأويلها بعد. وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر بأن المراد بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها " . وذكر الخبر ابن كثير في تفسيره 3 : 331 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 17 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية. * * *
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :
يتلوه القول في تأويل قوله :
{انظر كيف نصرِّفُ الآيات لعَلَّهم يَفْقَهونَ}
وصلى الله على محمد النبيّ وعلى آله وسلم كثيرًا. ثم يبدأ بعده بما نصه :
" بسم الله الرحْمن الرحيم رَبِّ يَسِّر "

(11/432)


القول في تأويل قوله : { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انظر ، يا محمد ، بعين قلبك إلى ترديدنا حججنا على هؤلاء المكذبين بربّهم الجاحدين نعمه ، وتصريفناها فيهم (1) " لعلهم يفقهون " ، يقول : ليفقهوا ذلك ويعتبروه ، (2)
__________
(1) انظر تفسير " تصريف الآيات " فيما سلف : 365
(2) انظر تفسير " فقه " فيما سلف 8 : 557/11 : 307

(11/433)


وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

فيذّكروا ويزدجروا عما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله منهم ، من عبادة الأوثان والأصنام ، والتكذيب بكتاب الله تعالى ذكره ورسوله صلى الله عليه وسلم .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وكذب ، يا محمد ، قومك بما تقول وتخبر وتوعد من الوعيد " وهو الحق " ، يقول : والوعيدُ الذي أوعدناهم على مقامهم على شركهم : من بعث العذاب من فوقهم ، أو من تحت أرجلهم ، أو لبسهم شيعًا ، وإذاقة بعضهم بأس بعض " الحق " الذي لا شك فيه أنه واقع إن هم لم يتوبوا وينيبوا مما هم عليه مقيمون من معصية الله والشرك به ، إلى طاعة الله والإيمان به " قل لست عليكم بوكيل " ، يقول : قل لهم ، يا محمد ، لست عليكم بحفيظ ولا رقيب ، وإنما رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم (1) " لكل نبأ مستقر " ، يقول : لكل خبر مستقر ، (2) يعني قرار يستقرّ عنده ، ونهاية ينتهي إليه ، فيتبين حقه وصدقه ، من كذبه وباطله " وسوف تعلمون " ، يقول : وسوف تعلمون ، أيها المكذبون بصحة ما أخبركم به من وعيد الله إياكم ، أيها المشركون ، حقيقته عند حلول عذابه بكم ، (3) فرأوا ذلك وعاينوه ، فقتلهم يومئذ بأيدي أوليائه من المؤمنين.
__________
(1) انظر تفسير " الوكيل " فيما سلف 9 : 424 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص : 407 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة : " وحقيقته عند حلول عذابه بكم " ، وضع مكان " حقيقته " " وحقيته " ، وزاد " واوا " . فعل بها ما فعل بصواحباتها فيما سلف ص : 216 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(11/434)


وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13381 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفصل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وكذب به قومك وهو الحق " ، يقول : كذبت قريش بالقرآن ، وهو الحق وأما " الوكيل " ، فالحفيظ ، وأما " لكل نبأ مستقر " ، فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يَعِدهم من العذاب.
13382 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " لكل نبأ مستقر " ، لكل نبأ حقيقة ، إما في الدنيا وإما في الآخرة " وسوف تعلمون " ، ما كان في الدنيا فسوف ترونه ، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم.
13383 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " لكل نبأ مستقر " ، يقول : حقيقة.
13384 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون " ، يقول : فعل وحقيقة ، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة.
* * *
وكان الحسن يتأوّل في ذلك أنه الفتنة التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
13385 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن جعفر بن حيان ، عن الحسن أنه قرأ : " لكل نبأ مستقر " ، قال : حبست عقوبتها ، حتى [إذا] عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. (1)
* * *
__________
(1) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.

(11/435)


وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

القول في تأويل قوله : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا رأيت ، يا محمد ، المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنزلناها إليك ، ووحينا الذي أوحيناه إليك ، و " خوضهم فيها " ، كان استهزاءَهم بها ، وسبَّهم من أنزلها وتكلم بها ، وتكذيبهم بها (1) " فأعرض عنهم " ، يقول : فصد عنهم بوجهك ، وقم عنهم ، ولا تجلس معهم (2) " حتى يخوضوا في حديث غيره " ، يقول : حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم " وإما ينسينك الشيطان " ، يقوله : وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا ، ثم ذكرت ذلك ، فقهم عنهم ، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوضُ فيه بما خاضوا به فيه. وذلك هو معنى " ظلمهم " في هذا الموضع. (3)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13386 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ، قال : نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في
__________
(1) انظر تفسير " الخوض " فيما سلف 9 : 320.
(2) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص : 337 ، تعليق : 1 ، والمراجع كلها.
(3) انظر تفسير " الظلم " في فهارس اللغة فيما سلف (ظلم).

(11/436)


آيات الله يكذبون بها ، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكر مع القوم الظالمين. (1)
13387 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة بنحوه.
13388 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " ، قال : الذين يكذبون بآياتنا.
13389 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " ، قال : كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزءوا به ، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وأما قوله : " وإما ينسينك الشيطان " ، يقول : نَهْيَنَا فتقعد معهم ، (2) فإذا ذكرت فقم.
13390 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " يخوضون في آياتنا " ، قال : يكذبون بآياتنا .
13391 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن ليث ، عن أبي جعفر قال : لا تجالسوا أهل الخصومات ، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله .
__________
(1) في المطبوعة : " بعد الذكرى " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض ، كما سترى في التفسير ص : 439.
(2) في المطبوعة : " يقول : نسيت فتعقد معهم " ، وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة : " نهينا فتعقد معهم " ، وهو مضطرب ، واستظهرت صوابها من تفسير الآية فيما سلف. وقوله : " نهينا " مفعول قوله في الآية : " وإما ينسينك الشيطان " ، وذلك على عادة أهل التأويل الأوائل في الاختصار.

(11/437)


13392 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " ، وقوله : { الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } [سورة الأنعام : 159] ؛ وقوله : { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [سورة آل عمران : 105] ؛ وقوله : { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [سورة الشورى : 13] ، ونحو هذا في القرآن ، قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمِراء والخصومات في دين الله .
13393 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " ، قال : يستهزئون بها. قال : نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى ، فإذا ذكر فليقم. فذلك قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " قال ابن جريج : كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه ، فإذا سمعوا استهزءوا ، فنزلت : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " ، الآية. (1)
13394 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " ، قال : يكذبون.
13395 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك قوله : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ، يعني المشركين " وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " ، إن نسيت فذكرتَ فلا تجلس معهم.
* * *
__________
(1) الأثر : 13393 - سيأتي ، تفسير ابن جريج فيما بعد بتمامه رقم : 13396.

(11/438)


وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)

القول في تأويل قوله : { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن اتقى الله فخافه ، فأطاعه فيما أمره به ، واجتنب ما نهاه عنه ، فليس عليه بترك الإعراض عن هؤلاء الخائضين في آيات الله في حال خوضهم في آيات الله ، شيء من تبعة فيما بينه وبين الله ، إذا لم يكن تركه الإعراضَ عنهم رضًا بما هم فيه ، وكان لله بحقوقه متقيًا ، (1) ولا عليه من إثمهم بذلك حرج ، ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ ذكرى لأمر الله " لعلهم يتقون " ، يقول : ليتقوا.
* * *
ومعنى " الذكرى " ، الذكرُ. و " الذكر " و " الذكرى " بمعنًى.
* * *
وقد يجوز أن يكون " ذكرى " في موضع نصب ورفع :
فأما النصب ، فعلى ما وصفت من تأويل : ولكن ليعرضوا عنهم ذكرى.
وأما الرفع ، فعلى تأويل : وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض ، ولكن إعراضهم ذكرى لأمر الله لعلهم يتقون. (2)
* * *
وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالقيام عن المشركين إذا خاضوا في آيات الله ، لأن قيامه عنهم كان مما يكرهونه ، فقال الله له : إذا خاضوا في آيات الله فقم عنهم ، ليتقوا الخوضَ فيها ويتركوا ذلك.
__________
(1) هكذا في المخطوطة أيضا " بحقوقه متقيًا " ، وأرجح أن تكون : " بخوفه متقيًا " ، ولم أغيرها لأن الأخرى تكاد تكون جائزة.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 339.

(11/439)


* ذكر من قال ذلك :
13396 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه ، فإذا سمعوا استهزءوا ، فنزلت : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ، الآية ، قال : فجعل إذا استهزءوا قام ، فحذروا وقالوا لا تستهزءوا فيقوم! فذلك قوله : " لعلهم يتقون " ، أن يخوضوا فيقوم ، ونزل : " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء " ، إن قعدوا معهم ، ولكن لا تقعدوا. ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة : وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ، [سورة النساء : 140] ، فنسخ قولَه : " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء " ، الآية.
13397 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء " ، يقول : من حساب الكفار من شيء " ولكن ذكرى " ، يقول : إذا ذكرت فقم " لعلهم يتقون " مساءتكم ، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم ، فكفوا عنكم. ثم نسخها الله بعد ، فنهاهم أن يجلسوا معهم أبدًا ، قال : وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا ، الآية .
13398 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء " ، إن قعدوا ، ولكن لا تقعد .
13399 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

(11/440)


وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

13400 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك : " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى " ، قال : وما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ذرْ هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعبًا ولهوًا ، (1) فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته ، (2) واللهوَ والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم ، فأعرض عنهم ، فإني لهم بالمرصاد ، وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون ، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا ، ونسيانهم المعادَ إلى الله تعالى ذكره والمصيرَ إليه بعد الممات ، كالذي : -
13401 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا } ، قال : كقوله : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } ، [سورة المدثر : 11] .
13402 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " ذر " فيما سلف 6 : 22/7 : 424.
(2) انظر تفسير " اللعب " فيما سلف 10 : 429 ، 432.

(11/441)


وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ، [سورة التوبة : 5 ]. وكذلك قال عدد من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13403 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام بن يحيى ، عن قتادة : " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا " ، ثم أنزل في " سورة براءة " ، فأمر بقتالهم.
13404 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبدة بن سليمان قال : قرأت على ابن أبي عروبة فقال : هكذا سمعته من قتادة : " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا " ، ثم أنزل الله تعالى ذكره " براءة " ، وأمر بقتالهم فقال : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [سورة التوبة : 5].
* * *
وأما قوله : " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت " ، فإنه يعني به : وذكّر ، يا محمد ، بهذا القرآن هؤلاء المولِّين عنك وعنه (1) " أن تبسل نفس " ، بمعنى : أن لا تبسل ، كما قال : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [سورة النساء : 176] ، بمعنى : أن لا تضلوا (2) وإنما معنى الكلام : وذكرهم به ليؤمنوا ويتبعوا ما جاءهم من عند الله من الحق ، (3) فلا تُبْسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار ولكن حذفت " لا " ، لدلالة الكلام عليها.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " أن تبسل نفس " .
فقال بعضهم : معنى ذلك : أن تُسْلَم.
__________
(1) انظر تفسير " التذكير " فيما سلف 6 : 63 ، 64 ، 66 ، 211/10 : 130/11 : 357
(2) انظر ما سلف 9 : 445 ، 446.
(3) في المطبوعة : " وذكر به " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/442)


* ذكر من قال ذلك :
13405 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة قوله : " أن تبسل نفس بما كسبت " ، قال : تُسلم .
13406 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : " أن تبسل نفس " ، قال : أن تُسلم .
13407 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن ، مثله .
13408 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " أن تبسل " ، قال : تسلم.
13409 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أن تبسل نفس " ، قال : تسلم.
13410 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد : أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا ، أسلموا.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : تُحْبس.
* ذكر من قال ذلك :
13411 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " أن تبسل نفس " ، قال : تؤخذ فتحبس .
13412 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله .
13413 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في

(11/443)


قوله : " أن تبسل نفس بما كسبت " ، أن تؤخذ نفس بما كسبت.
* * *
وقال آخرون : معناه : تُفضَح.
* ذكر من قال ذلك :
13414 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت " ، يقول : تفضح.
* * *
وقال آخرون : معناه : أن تجزَى.
* ذكر من قال ذلك :
13415 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد قال ، قال الكلبي : " أن تبسل " ، أن تجزَى.
* * *
وأصل " الإبسال " التحريم ، يقال منه : " أبسلت المكان " ، إذا حرّمته فلم يقرب ، (1) ومنه قوله الشاعر : (2)
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ فِي النَّدَى ، ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وَعِتَابِي (3)
__________
(1) في المطبوعة : " فلم تقر به " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) هو ضمرة بن ضمرة النهثلي.
(3) نوادر أبي زيد : 2 ، الأمالي 2 : 279 ، الشعر والشعراء : 250 ، الوحشيات رقم : 424 ، الأزمنة والأمكنة 1 : 160 ، اللسان (بسل) وغيرها ، وبعد هذا البيت من أبيات حسان : قالها لامرأته إذ عاتبته على حلب إبله ونحرها لضيفه وأهله ، وتحبب إليه الشح ، وتنهاه عن بذل المال ، في القحط والجدب : أَأَصُرُّهَا ، وَبُنَيُّ عَمِّي سَاغِبٌ ... فَكَفَاكِ من إبَةٍ عَلَيَّ وَعَابِ!
وَلَقَدْ عَلِمْتُ ، فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ ... أَنْ سَوْفَ يَخلِجُني سَبيلُ صِحَابِي
أرَأيتِ إنْ صَرَخَتْ بِلَيْلٍ هَامَتي ... وَخَرَجْتُ مِنْهَا عَارِيًا أثْوَابِي
هَلْ تَخْمِشَنْ إبِلِي عَلَيَّ وُجُوهَهَا ... أمْ تَعْصِبَنَّ رُؤُوسَهَا بِسِلاَبِ!!
" بكرت " ، عجلت في أول السحر. " بعد وهن " ، أي بعد قومة من جوف الليل. أرقها ما يبذل لبني عمه من ماله ، فلم تتأن به مطلع النهار حتى أخذت تلومه في وجه الصبح. ثم أخذ يذكرها بالمروءة فيقول : " أأصرها " ، يعني النوق ، يشد عليها الصرار (وهو خيط يشد فوق الخلف) ، لئلا تحلب ، أو يرضعها ولدها ، يقول : لا أفعل ذلك ، وبني عمي جياع حتى ، أرويهم ؛ و " السغب " الجوع ، فإن ذلك لؤم. و " الإبة " الخزي يستحي منه ، و " العاب " ، العيب. يقول : كفاك بهذا الفعل لؤمًا يخزي فاعله. ثم احتج عليها بما يجد بنو عمه وضيفانه من اللوعة عليه إذا مات ، وأن الإبل لا تفعل ذلك. فقال لها : إن الموت سبيل كل حي ، وأني سلك سبيل أصحابي الذين ذهبوا وخلفوني ، فإن هذه السبيل تخجلني (أي : تجذبني وتنتزعني) كما خلجتهم من قبل. وقوله : " صرخت بليل هامتي " ، وهو من عقائد الجاهلية ، أبطله الله بالإسلام ، يزعمون أن روح القتيل تصير طائرًا كالبومة يزقو عند قبره ، يقول : اسقوني ، اسقوني! وقوله : " عاريًا أثوابي " أي : عاريًا من أثوابي التي كنت أستمتع بلباسها في الدنيا. ويروى : " باليًا أثوابي " ، ويعني عندئذ : أكفانه التي تبلى في التراب. وقول " هل تخمش إبلي " ، أي : هل تلطم الإبل على وجوهها فيخمشها اللطم ويؤثر فيها ويجرحها ، كما يفعل بنو عمي وبنات عمي إذا مت. و " السلاب " : عصائب للرأس سود ، يلبسنها عند الحداد. يقول : هذا حزن بنات عمي علي ، فهل تفعل الإبل فعلهن حتى آسى على نحرها وإهلاكها في إطعامهم وإروائهم في زمان الجدب وهم جياع ؟

(11/444)


أي : حرام [عليك ملامتي وعتابي] . ومنه قولهم : " أسد باسل " ، (1) ويراد به : لا يقربه شيء ، فكأنه قد حرَّم نفسه ، ثم يجعل ذلك صفة لكل شديد يتحامى لشدته. ويقال : " أعط الراقي بُسْلَتَه " ، (2) يراد بذلك : أجرته ، " وشراب بَسِيل " ، بمعنى متروك. وكذلك " المبسَلُ بالجريرة " ، وهو المرتهن بها ، قيل له : " مُبْسَل " ، لأنه محرَّم من كل شيء إلا مما رُهن فيه وأُسلم به ، ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي :
وَإبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ... بَعَوْنَاهُ وَلا بِدَمٍ مُرَاقِ (3)
__________
(1) كانت هذه العبارة في المطبوعة والمخطوطة : " أي حرام. ومنه قولهم : وعتابي أسد آسد " ، وهو خطأ صرف. استظهرت صوابه من سياق الشرح ، ومن معاني القرآن للفراء 1 : 339 ، وزدت ما بين القوسين استظهارًا أيضًا.
(2) في المطبوعة : " بسيلته " ، وهو خطأ صرف ، صوابه في المخطوطة ، لم يحسن قراءتها. وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 339.
(3) نوادر أبي زيد : 151 ، مجاز القرآن 1 : 194 ، المعاني الكبير : 1114 ، واللسان (بسل) (بعا) ، يقول : فَلَوْلا أَنَّنِي رَحُبَتْ ذِرَاعِي ... بِإعْطَاءِ المَفَارِقِ والحِقَاقِ
وَإنْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْنَاهً ، وَلا بِدَمٍ مُرَاقِ
لَقِيتُمْ مِنْ تَدَرُّئِكُمْ عَلَيْنَا ... وَقَتْلِ سَرَاتِنَا ذَاتَ العَرَاقِي
" المفارق " جمع " ناقة مفرق " ، فارقها ولدها. و " الحقاق " جمع " حقة " (بكسر الحاء) ، وهي الناقة إذا استكملت السنة الثالثة ، ودخلت في الرابعة. يقول : طابت نفسي ببذل ذلك من المال ، لكن أحقن الدماء ، وأبقي على الوشائج. و " بعا الذنب يبعوه بعوا " : اجترمه واكتسبه. يقول لهم : وأسلمت إليكم بني في الفداء ، ولم نجرم جريمة ، ولم نرق دمًا ، فنحمل الحمالة في الذي اجترحناه. و " تدرأ على فلان " أي : تطاول وتهجم. و " السراة " أشراف القوم. و " ذات العراقي " ، أي : ذات الدواهي المنكرة ، يقول : لولا ما فعلت إبقاء ، لفعلنا بكم الأفاعيل.

(11/445)


وقال الشنفرى : (1)
هُنَالِكَ لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي... سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلا بِالْجَرَائِرِ (2)
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا : وذكّر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا وغيرهم ممن سلك سبيلهم من المشركين ، كيلا تُبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها ، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله (3) " ليس لها من دون الله " ، يقول : ليس لها ، حين تسلم بذنوبها فترتهن بما كسبت من آثامها ، أحدٌ ينصرها فينقذها من الله الذي جازاها بذنوبها جزاءها (4) " ولا شفيع " ، يشفع لها ، لوسيلة له عنده. (5)
* * *
__________
(1) وتروى لتأبط شرا.
(2) ديوانه (الطرائف) : 36 ، وفيه المراجع ، ومجاز القرآن 1 : 195 ، اللسان (بسل). وقبله ، وهي أبيات مشهورة : لا تَقْبُرُونِي ، إنَّ قَبْرِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ ، وَلِكنْ أبْشِرِي أمَّ عامِرِ
إذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي ، وَفِي الرّأسِ أكْثَرِي ، ... وَغُودِرَ عِنْدَ المُلْتَقَى ثَمَّ سَائِري
و " سمير الليالي " : أبد الليالي ، ويروى " سجيس الليالي " ، وهو مثله.
(3) انظر تفسير " كسب " فيما سلف ص : 261 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير " من دون " فيما سلف 11 : 486 ، وفهارس اللغة (دون).
(5) انظر تفسير " شفيع " فيما سلف ص : 373 : تعليق 4 ، والمراجع هناك.

(11/446)


القول في تأويل قوله : { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن تعدل النفس التي أبسلت بما كسبت ، يعني : " وإن تعدل كل عدل " ، يعني : كل فداء.
* * *
يقال منه : " عَدَل يعدِل " ، إذا فدى ، " عَدْلا " ، ومنه قول الله تعالى ذكره : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ، [سورة المائدة : 95] ، وهو ما عادله من غير نوعه. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13416 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " ، قال : لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها.
13417 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " ، فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به ما قُبل منها.
13418 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " ، قال : " وإن تعدل " ، وإن تفتد ، يكون له الدنيا وما فيها يفتدي بها " لا يؤخذ منه " ، عدلا عن نفسه ، لا يقبل منه.
* * *
وقد تأوّل ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى : وإن تُقسط كل قسط لا يقبل منها. وقال : إنها التوبة في الحياة. (2)
__________
(1) انظر تفسير " العدل " فيما سلف 2 : 34 ، 35 ، 574/11 : 43 ، 44.
(2) هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 195.

(11/447)


وليس لما قال من ذلك معنى ، وذلك أن كل تائب في الدنيا فإن الله تعالى ذكره يقبل توبته.
* * *
القول في تأويل قوله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كل فداء لم يؤخذ منهم ، هم " الذين أبسلوا بما كسبوا " ، يقول : أسلموا لعذاب الله ، فرهنوا به جزاءً بما كسبوا في الدنيا من الآثام والأوزار ، (1) " لهم شرابٌ من حميم " .
* * *
و " الحميم " هو الحارّ ، في كلام العرب ، وإنما هو " محموم " صرف إلى " فعيل " ، ومنه قيل للحمّام ، " حمام " لإسخانه الجسم ، ومنه قول مرقش :
فِي كُلِّ مُمْسًى لَهَا مِقْطَرَةٌ... فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ (2)
يعني بذلك ماء حارًّا ، ومنه قول أبي ذويب الهذلي في صفة فرس :
__________
(1) انظر تفسير " أبسل " فيما سلف قريبًا وتفسير " كسب " ص : 446 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(2) المفضليات : 505 ، واللسان (قطر) (حمم) ، وسيأتي في التفسير 11 : 61 (بولاق). من قصيدته في ابنة عجلان ، جارية صاحبته فاطمة بنت المنذر ، وكان لابنه عجلان قصر بكاظمة ، وكان لها حرس يجرون الثياب كل ليلة حول قصرها ، فلا يطؤه إلا بنت عجلان. وكانت تأخذ كل عشية رجلا من أهل المال يبيت عندها ، فبات عندها المرقش ليلة ، وقال ذاك الشعر ، فوصفها بالنعمة والترف. و " المقطرة " : المجمرة ، يكون فيها القطر (بضم فسكون) ، وهو العود الذي يتبخر به. و " الكباء " : ضرب من العود. يصف ما هي فيه من الترف ، بين تبخر بالعود الطيب ، وتنزه بالاستحمام بالماء الساخن ، من شدة عنايتها ببدنها.

(11/448)


تَأبَى بِدِرَّتِهَا إذَا مَا اسْتُضْغِبَتْ... إلا الْحَمِيمَ فَإنّهُ يَتَبَضَّعُ (1)
يعني بالحميم : عرق الفرس.
* * *
وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية شرابًا من حميم ، لأن الحارّ من الماء لا يروي من عطش. فأخبر أنهم إذا عطشوا في جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم ، ولكن بما يزيدون به عطشًا على ما بهم من العطش " وعذاب أليم " ، يقول : ولهم أيضًا مع الشراب الحميم من الله العذابُ الأليم والهوان المقيم " بما كانوا يكفرون " ، يقول : بما كان من كفرهم في الدنيا بالله ، وإنكارهم توحيده ، وعبادتهم معه آلهة دونه.
* * *
13419 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا " ، قال يقال : أسلموا.
13420 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " أولئك الذين أبسلوا " ، قال : فُضحوا.
13421 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا " ، قال : أخذوا بما كسبوا.
* * *
__________
(1) ديوانه 17 ؛ المفضليات 879 ، اللسان (حمم) (بصع) (بضع) ، وغيرها. وهذا من الأبيات التي أخذت على أبي ذؤيب ، وأنه لا علم له بالخيل. وقد اختلف في روايته. روي : وإذا ما استغضبت " و " إذ اما استكرهت " ، ورواية الطبري مذكورة في اللسان في (بضع) وروي أيضًا " يتصبع " بالصاد. أي يسيل قليلا قليلا. و " تبضع العرق " بالضاد ، سال سيلا منقطعًا. وانظر شرح هذا البيت في المراجع ، فإنه يطول ذكره هنا. وأما رواية : " استضغبت " ، وهي التي هنا ، فقد فسرت بأنه : فزعت ، لأن " الضاغب " ، هو الذي يختبئ في الخمر ليفزع بمثل صوت الأسد. و " الضغاب " و " الضغيب " صوت الأرنب والذئب إذا تضور.

(11/449)


قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)

القول في تأويل قوله : { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا }
قال أبو جعفر : وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم على حجته على مشركي قومه من عبدة الأوثان. يقول له تعالى ذكره : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ والأنداد ، والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم : أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا ، فنخصه بالعبادة دون الله ، وندع عبادة الذي بيده الضر والنفع والحياة والموت ، إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر ؟ فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره ، أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه ولا يخشى ضره!
* * *
" ونرد على أعقابنا " ، يقول : ونرد إلى أدبارنا ، فنرجع القهقري خلفنا ، لم نظفر بحاجتنا.
* * *
وقد بينا معنى : " الرد على العقب " ، وأن العرب تقول لكل طالب حاجة لم يظفر بها : " رد على عقبيه " ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وإنما يراد به في هذا الموضع : ونرد من الإسلام إلى الكفر " بعد إذ هدانا الله ، فوفقنا له ، فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان ، يهوي في الأرض حيران.
* * *
وقوله : " استهوته " ، " استفعلته " ، من قول القائل : " هوى فلان إلى كذا يهوي
__________
(1) انظر تفسير " الرد على الأعقاب " فيما سلف 3 : 163 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 196.

(11/450)


إليه " ، ومن قول الله تعالى ذكره : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، [سورة إبراهيم : 37] ، بمعنى : تنزع إليهم وتريدهم.
* * *
وأما " حيران " ، فإنه " فعلان " من قول القائل : " قد حار فلان في الطريق ، فهو يَحَار فيه حَيرة وحَيَرَانًا وَحيرُورة " ، (1) وذلك إذ ضل فلم يهتد للمحجَّة.
" له أصحاب يدعونه إلى الهدى " ، يقول : لهذا الحيران الذي قد استهوته الشياطين في الأرض ، أصحابٌ على المحجة واستقامة السبيل ، يدعونه إلى المحجة لطريق الهدى الذي هم عليه ، يقولون له : ائتنا.
* * *
وترك إجراء " حيران " ، لأنه " فعلان " ، وكل اسم كان على " فعلان " مما أنثاه " فعلى " فإنه لا يجري في كلام العرب في معرفة ولا نكرة.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لمن كفَر بالله بعد إيمانه ، فاتبع الشياطين ، من أهل الشرك بالله وأصحابه الذين كانوا أصحابه في حال إسلامه ، المقيمون على الدين الحق ، يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه مقيمون ، والصواب الذي هم به متمسكون ، وهو له مفارق وعنه زائل ، يقولون له : " ائتنا فكن معنا على استقامة وهدى " ! وهو يأبى ذلك ، ويتبع دواعي الشيطان ، ويعبد الآلهة والأوثان.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ، وخالف في ذلك جماعة.
* ذكر من قال ذلك مثل ما قلنا :
__________
(1) " حيرورة " ، مصدر مثل " صيرورة " ، ولم تذكره كتب اللغة ، فهذا مما يستفاد من أبي جعفر ، ويزاد على كتب اللغة.

(11/451)


13422 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا " ، قال : قال المشركون للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا ، واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم. فقال الله تعالى ذكره : " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا " ، هذه الآلهة " ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله " ، فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض ، يقول : مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان ، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق ، فضلّ الطريق ، فحيرته الشياطين ، واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم ، يقولون : " ائتنا ، فإنا على الطريق " ، فأبى أن يأتيهم. فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد ، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام.
13423 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا " ، قال : هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها ، وللدعاة الذين يدعونَ إلى الله ، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا ضالا (1) إذ ناداه مناد : " يا فلان بن فلان ، هلمّ إلى الطريق " ، وله أصحاب يدعونه : " يا فلان ، هلم إلى الطريق " ! فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة ، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق. وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان. يقول : مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله ، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت ، فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله : " كالذي استهوته الشياطين في الأرض " ، وهم " الغيلان " يدعونه باسمه واسم أبيه واسم جده ، فيتبعها ، فيرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في الهلكة ، وربما أكلته
__________
(1) قوله " تائهًا ضالا " ، ساقطة من المطبوعة ، ثابتة في المخطوطة.

(11/452)


أو تلقيه في مضلّة من الأرض يهلك فيها عطشًا. فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تُعبد من دون الله عز وجل.
13424 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : " استهوته الشياطين في الأرض " ، قال : أضلته في الأرض حيران.
13425 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " ما لا ينفعنا ولا يضرنا " ، قال : الأوثان .
13426 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى وحدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " استهوته الشياطين في الأرض حيران " ، قال : رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق ، فذلك مثل من يضلّ بعد إذ هدي. (1)
13427 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، حدثنا رجل ، عن مجاهد قال ، " حيران " ، هذا مثل ضربه الله للكافر ، يقول : الكافر حيران ، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب.
13428 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا " ، حتى بلغ " لنسلم لرب العالمين " ، علمها الله محمدًا وأصحابه ، يخاصمون بها أهلَ الضلالة.
* * *
وقال آخرون في تأويل ذلك ، بما : -
13429 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي
__________
(1) في المطبوعة : " كذلك مثل " ، وفي المخطوطة : " لذلك مثل . . . " ، والصواب ما أثبت.

(11/453)


قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى " ، فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله ، وهو رجل أطاعَ الشيطان ، وعمل في الأرض بالمعصية ، وحار عن الحقّ وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدًى. يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس : إن الهدى هدى الله ، والضلالة ما تدعو إليه الجنّ.
* * *
فكأنّ ابن عباس على هذه الرواية يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال ، ويزعمون أنّ ذلك هدى ، وأنّ الله أكذبهم بقوله : " قل إنّ هدى الله هو الهدى " ، لا ما يدعوه إليه أصحابه.
وهذا تأويل له وجه ، لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيرانَ إليه أصحابه " هدى " ، وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه : أنهم هم الذين سموه ، ولكن الله سماه " هدى " ، وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه. وغير جائز أن يسمي الله " الضلال " هدى ، لأن ذلك كذب ، وغير جائز وصف الله بالكذب ، لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته. وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب ، لو كان ذلك خبرًا من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له : " تعال إلى الهدى " ، فأما وهو قائل : " يدعونه إلى الهدى " ، فغير جائز أن يكون ذلك ، وهم كانوا يدعونه إلى الضلال.
* * *
وأما قوله : " ائتنا " ، فإن معناه : يقولون : ائتنا ، هلم إلينا فحذف " القول " ، لدلالة الكلام عليه.
* * *
وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك : (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا) .
13430 - حدثنا بذلك ابن وكيع قال ، حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن

(11/454)


أبي إسحاق قال : في قراءة عبد الله : (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا).
13431 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرني عبد الله بن كثير ، أنه سمع مجاهدًا يقول : في قراءة ابن مسعود : (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا) ، قال : " الهدى " الطريق ، أنه بين.
* * *
وإذا قرئ ذلك كذلك ، كان " البين " من صفة " الهدى " ، ويكون نصب " البين " على القطع من " الهدى " ، (1) كأنه قيل : يدعونه إلى الهدى البين ، ثم نصب " البين " لما حذفت " الألف واللام " ، وصار نكرة من صفة المعرفة.
* * *
وهذه القراءة التي ذكرناها عن ابن مسعود تؤيد قول من قال : " الهدى " في هذا الموضع ، هو الهدى على الحقيقة.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان ، القائلين لأصحابك : " اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ، فإنا على هدى " : ليس الأمر كما زعمتم " إن هدى الله هو الهدى " ، يقول : إن طريق الله الذي بينه لنا وأوضحه ، وسبيلنا الذي أمرنا بلزومه ، ودينه الذي شرعه لنا فبينه ، هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها ، لا عبادة الأوثان والأصنام
__________
(1) انظر تفسير " القطع " فيما سلف من فهارس المصطلحات ، وهذا بيان صريح أن " القطع " هو النكرة إذا صار صفة لمعرفة.

(11/455)


وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)

التي لا تضر ولا تنفع ، فلا نترك الحق ونتبع الباطل " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " ، يقول : وأمرَنا ربنا وربّ كل شيء تعالى وجهه ، (1) لنسلم له ، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية ، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة.
* * *
وقد بينا معنى " الإسلام " بشواهده فيما مضى من كتابنا ، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
وقيل : " وأمرنا لنسلم " ، بمعنى : وأمرنا كي نسلم ، وأن نسلم لرب العالمين لأن العرب تضع " كي " و " اللام " التي بمعنى " كي " ، مكان " أن " و " أن " مكانها .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأمرنا أنْ أقيموا الصلاة.
* * *
وإنما قيل : " وأن أقيموا الصلاة " ، فعطف ب " أن " على " اللام " من " لنسلم " ، لأن قوله : " لنسلم " معناه : أن نسلم ، فردّ قوله : " وأن أقيموا " على معنى : " لنسلم " ، إذ كانت " اللام " التي في قوله : " لنسلم " ، لامًا لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال ، وكانت " أن " من الحروف التي تدل على الاستقبال دلالة " اللام " التي في " لنسلم " ، فعطف بها عليها ، لاتفاق معنيهما فيما ذكرت.
__________
(1) انظر تفسير " العالمين " فيما سلف من فهارس اللغة (علم).
(2) انظر تفسير " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة (سلم).

(11/456)


ف " أن " في موضع نصب بالردّ على اللام. (1)
* * *
وكان بعض نحويِّي البصرة يقول : إما أن يكون ذلك ، " أمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة " ، يقول : أمرنا كي نسلم ، كما قال : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) [سورة يونس : 104] ، أي : إنما أمرت بذلك. (3) ثم قال : " وأن أقيموا الصلاة واتقوه " ، أي : أمرنا أن أقيموا الصلاة أو يكون أوصل الفعل باللام ، والمعنى : أمرت أن أكون ، كما أوصل الفعل باللام في قوله : هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، [سورة الأعراف : 154].
* * *
فتأويل الكلام : وأمرنا بإقامة الصلاة ، وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا (4) " واتقوه " ، يقول : واتقوا رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له ، فخافوه واحذروا سَخطه ، بأداء الصلاة المفروضة عليكم ، والإذعان له بالطاعة ، وإخلاص العبادة له " وهو الذي إليه تحشرون " ، يقول : وربكم رب العالمين ، هو الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة ، (5) فيجازي كلَّ عامل منكم بعمله ، وتوفي كل نفس ما كسبت.
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 339.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " وأمرت لأن أكون من المؤمنين " ، وهذه ليست آية في كتاب الله ، بل الآية هي التي ذكرت ، وهي حق الاستدلال في هذا الموضع.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " إنما أمرت لذلك " ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت.
(4) انظر تفسير " إقامة الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) (صلا).
(5) انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص : 373 تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(11/457)


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد ، الداعيك إلى عبادة الأوثان : " أمرنا لنسلم لرب العالمين ، الذي خلق السماوات والأرض بالحق ، لا من لا ينفع ولا يضر ، ولا يسمع ولا يبصر " .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " بالحق " .
فقال بعضهم : معنى ذلك ، وهو الذي خلق السماوات والأرض حقًّا وصوابًا ، لا باطلا وخطأ ، كما قال تعالى ذكره : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا [سورة ص : 27] . قالوا : وأدخلت فيه " الباء " و " الألف واللام " ، كما تفعل العرب في نظائر ذلك فتقول : " فلان يقول بالحق " ، بمعنى : أنه يقول الحق. قالوا : ولا شيء في " قوله بالحق " غير إصابته الصواب فيه لا أنّ " الحق " معنى غير " القول " ، وإنما هو صفةٌ للقول ، إذا كان بها القول ، كان القائل موصوفًا بالقول بالحق ، وبقول الحق. قالوا : فكذلك خلق السماوات والأرض ، حكمة من حكم الله ، فالله موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه لا أنّ ذلك حقٌّ سوى خَلْقِهما خَلَقَهما به. (1)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " سوى خلقهما به " ، أساء وحذف وبدل وأفسد الكلام ، ثم ضبط " سوى " فعلا بتشديد الواو ، وجعل " خلقهما به " مصدرًا منصوبًا بالفعل. وهو فساد وخطل.
والصواب ما في المخطوطة : " سوى " (بكسر السين) بمعنى " غير " و " خلقهما " الأولى مصدر مضاف مجرور ، و " خلقهما به " فعل ماض. وهذا حق المعنى وصوابه. وهذا من عبث الناشرين والمصححين ، يستعيذ المرء من مثله ، فإنه ناقض للأمانة أولا ، ولمعاني العقل والفقه بعد ذلك.

(11/458)


وقال آخرون : معنى ذلك : خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما : اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، [سورة فصلت : 11] . قالوا : فالحق ، في هذا الموضع معنيّ به : كلامه. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله : " ويوم يقول كن فيكون قوله الحق " ، " الحق " هو قوله وكلامه. (1) قالوا : والله خلق الأشياء بكلامه وقيله ، فما خلق به الأشياء فغير الأشياء المخلوقة. (2) قالوا : فإذْ كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون كلام الله الذي خلق به الخلق غيرَ مخلوق.
* * *
وأما قوله : " ويوم يقول كن فيكون " ، فإن أهل العربية اختلفوا في العامل في " يوم يقول " ، وفي معنى ذلك.
فقال بعض نحويي البصرة : " اليوم " مضاف إلى " يقول كن فيكون " . (3) قال : وهو نصب ، وليس له خبر ظاهر ، والله أعلم ، وهو على ما فسرت لك كأنه يعني بذلك أن نصبه على : واذكر يوم يقول كن فيكون. قال : وكذلك : " يوم ينفخ في الصور " ، قال : وقال بعضهم : يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة. (4)
* * *
وقال بعضهم : " يقول كن فيكون " للصور خاصة (5) فمعنى الكلام على تأويلهم : يوم يقول للصور كن فيكون ، قوله الحق يوم ينفخ فيه عالم الغيب والشهادة
__________
(1) هذه العبارة فيها في المخطوطة سقط وتكرار ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.
(2) كانت هذه العبارة في المطبوعة : " كما خلق به الأشياء غير المخلوقة " ، وهو كلام ساقط جدًا ، فاسد المعنى بل هو غاية في فساد المعنى. والذي في المخطوطة : " مما خلق به الأشياء بغير الأشياء المخلوقة " ، وهي محرفة ، صواب قراءتها ما أثبت ، يدل على ذلك الجملة الآتية. ويعني أن الذي خلق به الأشياء - هو غير الأشياء المخلوقة ، وإذا كان غيرها ، فهو غير مخلوق.
(3) في المخطوطة : " مضاف إلى كن فيكون " ، والصواب ما في المطبوعة.
(4) هذه الجملة الأخيرة لم أعرف لها هنا موقعًا ، ولكني تركتها على حالها. وهي منقطعة عما بعدها بلا شك ، فإن الذي يليها هو مقالة الفراء من الكوفيين. وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.
(5) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 340.

(11/459)


فيكون " القول " حينئذ مرفوعًا ب " الحق " و " الحق " ب " القول " ، وقوله : " يوم يقول كن فيكون " ، و " يوم ينفخ في الصور " ، صلة " الحق " .
* * *
وقال آخرون : بل قوله : " كن فيكون " ، معنيٌّ به كل ما كان الله مُعِيده في الآخرة بعد إفنائه ، ومنشئه بعد إعدامه فالكلام على مذهب هؤلاء ، متناهٍ عند قوله : " كن فيكون " ، وقوله : " قوله الحق " ، خبر مبتدأ وتأويله : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ، ويوم يقول للأشياء كن فيكون خلقهما بالحق بعد فنائهما. ثم ابتدأ الخبر عن قوله ووعده خلقَه أنه معيدهما بعد فنائهما عن أنه حق فقال : قوله هذا ، الحقّ الذي لا شك فيه. وأخبر أن له الملك يوم ينفخ في الصور ف يوم ينفخ في الصور " ، يكون على هذا التأويل من صلة " الملك " .
وقد يجوز على هذا التأويل أن يكون قوله : " يوم ينفخ في الصور " من صلة " الحق " .
* * *
وقال آخرون : بل معنى الكلام : ويوم يقول لما فني : " كن " ، فيكون قوله الحق ، فجعل " القول " مرفوعًا بقوله " ويوم يقول كن فيكون " ، وجعل قوله : " كن فيكون " ، للقول محلا وقوله : " يوم ينفخ في الصور " ، من صلة " الحق " كأنه وجه تأويل ذلك إلى : ويومئذ قوله الحق يوم ينفخ في الصور. وإن جعل على هذا التأويل " يوم ينفخ في الصور " بيانًا عن اليوم الأول ، كان وجهًا صحيحًا. ولو جعل قوله : " قوله الحق " ، مرفوعًا بقوله : " يوم ينفخ في الصور " ، وقوله : " يوم ينفخ في الصور " ، محلا وقوله : " ويوم يقول كن فيكون " من صلته ، كان جائزًا.
* * *

(11/460)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبرَ أنه المنفرد بخلق السماوات والأرض دون كل ما سواه ، معرِّفًا من أشرك به من خلقه جهلَه في عبادة الأوثان والأصنام ، وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه ، ولا دفع ضر عنها ومحتجًّا عليهم في إنكارهم البعثَ بعد الممات والثوابَ والعقاب ، بقدرته على ابتداع ذلك ابتداءً ، وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه ، فقال : " وهو الذي خلق " ، أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء " السماوات والأرض بالحق " ، حجة على خلقه ، ليعرفوا بها صانعها ، وليستدلُّوا بها على عظيم قدرته وسلطانه ، فيخلصوا له العبادة " ويوم يقول كن فيكون " ، يقول : ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات كذلك : " كن فيكون " ، كما شاء تعالى ذكره ، فتكون الأرض غير الأرض ويكون [الكلام] عند قوله : " كن فيكون " متناهيًا. (1)
وإذا كان كذلك معناه ، وجب أن يكون في الكلام محذوفٌ يدلّ عليه الظاهر ، ويكون معنى الكلام : ويوم يقول كذلك : " كن فيكون " تبدل [السماوات والأرض] غير السماوات والأرض. (2) ويدلّ على ذلك قوله : " وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق " ، ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال : " قوله الحق " ، بمعنى وعدُه هذا الذي وَعدَ تعالى ذكره ، من تبديله السماوات والأرض غير الأرض والسماوات ، الحقُّ الذي لا شك فيه " وله الملك يوم ينفخ في الصور " ، فيكون قوله : " يوم ينفخ في الصور " ، من صلة " الملك " ويكون معنى
__________
(1) في المطبوعة : " فتكون الأرض غير الأرض عند قوله : كن فيكون ، متناهيًا " ، وهي كلام سقيم ، أسقط من المخطوطة : " ويكون " ، هي ثابتة فيها ، ولكن أسقط الناسخ ما وضعته بين القوسين ، وبذلك استقامت العبارة. وهذا بين من السياق.
(2) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وفي المخطوطة : " تبدله " مكان " تبدل " والصواب ما في المطبوعة. والناسخ في هذا الموضع قد أسقط الكلام وأفسده.

(11/461)


الكلام : ولله الملك يومئذ ، لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السماوات والأرض غيرهما.
وجائز أن يكون " القول " أعنى : " قوله الحق " ، مرفوعًا بقوله : " ويوم يقول كن فيكون " ، ويكون قوله : " كن فيكون " محلا للقول مرافعًا ، فيكون تأويل الكلام : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ، ويوم يبدلها غير السماوات والأرض ، فيقول لذلك : " كن فيكون " ، " قوله الحق " .
* * *
وأما قوله : " وله الملك يوم ينفخ في الصور " ، فإنه خُصّ بالخبر عن ملكه يومئذ ، وإن كان الملك له خالصًا في كل وقت في الدنيا والآخرة ، لأنه عنى تعالى ذكره أنه لا منازع له فيه يومئذ ولا مدّعي له ، وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه في الدنيا من الجبابرة ، فأذعن جميعهم يومئذ له به ، وعلموا أنهم كانوا من دعواهم في الدنيا في باطل.
* * *
واختلف في معنى " الصور " في هذا الموضع.
فقال بعضهم : هو قرن ينفخ فيه نفختان : إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض ، والثانية لنشر كل مَيْتٍ. واعتلوا لقولهم ذلك بقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر : 68] ، وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور : هو قرن يُنفخ فيه. (1)
* * *
__________
(1) رواه أحمد في مسند عبد الله بن عمرو رقم : 6507 ، وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه.
ورواه أبو داود في سننه 4 : 326 ، رقم : 326 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، والترمذي في باب " ما جاء في الصور " ، وقال : " هذا حديث حسن صحيح " . ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 560 ، وقال : " حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي. و " القرن " ، البوق يتخذ من القرون ، ينفخ فيه.

(11/462)


وقال آخرون : " الصور " في هذا الموضع جمع " صورة " ، ينفخ فيها روحها فتحيا ، كقولهم : (1) " سور " لسور المدينة ، وهو جمع " سورة " ، كما قال جرير :
سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعَ (2)
* * *
والعرب تقول : " نفخ في الصور " و " نفخ الصور " ، ومن قولهم : " نفخ الصور " (3)
قول الشاعر : (4)
لَوْلا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ... وَلا خُرَاسَانَ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ (5)
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إن إسرافيلَ قد التقم الصور وحنى جبهته ، ينتظر متى يؤمر فينفخ " ، (6) وأنه قال : " الصور قرن ينفخ فيه " . (7)
* * *
وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : " يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة " ، يعني : أن عالم الغيب والشهادة ، هو الذي ينفخ في الصور.
13432 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا عبدالله بن صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : " عالم الغيب والشهادة " ،
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " لقولهم " ، والصواب بالكاف كما أثبته.
(2) مضى تخريجه وتمامه فيما سلف 2 : 17 ، 242.
(3) انظر تفسير " نفخ " فيما سلف 6 : 426 ، 427.
(4) لم أعرف قائله.
(5) معاني القرآن للفراء 1 : 340 ، نسب قريش : 345 ، المعرب للجواليقي : 267 اللسان (صور). و " ابن جعدة " ، هو : " عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي " ، وكان أبوه " جعدة بن هبيرة " على خراسان ، ولاه علي بن أبي طالب. و " القهندز " (بضم القاف والهاء وسكون النون ، وضم الدال). من لغة أهل خراسان ، يعنون بها : الحصن أو القلعة.
(6) رواه الترمذي في باب " ما جاء في الصور " ، وفي أول تفسير سورة الزمر وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 337 ، ثم قال : " رواه مسلم في صحيحه " ، ولم أستطع أن أعرف مكانه في صحيح مسلم.
(7) انظر التعليق السالف ص : 462 ، تعليق : 1

(11/463)


يعني : أنّ عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور .
* * *
فكأن ابن عباس تأوّل في ذلك أن قوله : " عالم الغيب والشهادة " ، اسم الفاعل الذي لم يسمَّ في قوله : " يوم ينفخ في الصور " ، وأن معنى الكلام : يوم ينفخ الله في الصور ، عالم الغيب والشهادة. كما تقول العرب : " أُكلَ طعامك ، عبدُ الله " ، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله. وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع ، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله : " عالم الغيب والشهادة " ، مرفوعًا على أنه نعت ل " الذي " ، في قوله : " وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق " .
* * *
وروي عنه أيضًا أنه كان يقول : " الصور " في هذا الموضع ، النفخة الأولى.
13433 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة " ، يعني بالصور : النفخة الأولى ، ألم تسمع أنه يقول : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى يعني الثانية فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر : 68].
* * *
ويعني بقوله : " عالم الغيب والشهادة " ، عالم ما تعاينون : أيها الناس ، فتشاهدونه ، (1) وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه (2) " وهو الحكيم " ، في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم ، ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود ، ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب (3) "
__________
(1) انظر تفسير " الشهادة " فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).
(2) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف ص : 402 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الحكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (حكم).

(11/464)


الخبير " ، بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسيئ ، حافظ ذلك عليهم ليحازيهم على كل ذلك. (1) يقول تعالى ذكره : فاحذروا ، أيها العادلون بربكم ، عقابَه ، فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون ، وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الخبير " فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).

(11/465)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)

القول في تأويل قوله : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر ، يا محمد لحجاجك الذي تحاجّ به قومك ، وخصومتك إياهم في آلهتهم ، وما تراجعهم فيها ، مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على باطل ما عليه قومك مقيمون ، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين ، وحقيقة ما أنت عليهم به محتج (1) (2) حِجَاج إبراهيم خليلي قومَه ، ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان ، وانقطاعه إلى الله والرضا به وليًّا وناصرًا دون الأصنام ، (3) فاتخذه إمامًا واقتد به ، واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا إذ قال لأبيه مفارقًا لدينه ، وعائبًا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه : يا آزر . (4)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وحقية ما أنت عليهم محتج " ، وفي المخطوطة : " وحقيقة أنعم عليهم محتج " . فعل ناشر المطبوعة في " حقيقة " ما فعل في أشباهها ، كما سلف ص : 434 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك. وأما ما كان في المخطوطة : " ما أنعم عليهم محتج " ، فالصواب فيما أرجح أن الناسخ جمع الكلمتين في كلام واحد ، فكتب " ما أنت به " ، " ما أنعم " .
(2) السياق : " واذكر ، يا محمد ، . . . حجاج إبراهيم " .
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " واليا وناصرًا " ، والصواب ما أثبت.
(4) السياق : " واذكر يا محمد ، . . . حجاج إبراهيم . . . إذ قال لأبيه . . . يا آزر "

(11/465)


ثم اختلف أهل العلم في المعنيّ ب " آزر " ، وما هو ، اسم هو أم صفة ؟ (1) وإن كان اسمًا ، فمن المسمى به ؟ فقال بعضهم : هو اسم أبيه.
* ذكر من قال ذلك :
13434 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر " ، قال : اسم أبيه " آزر " .
13435 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثني محمد بن إسحاق قال : " آزر " ، أبو إبراهيم. وكان ، فيما ذكر لنا والله أعلم ، رجلا من أهل كُوثَى ، من قرية بالسواد ، سواد الكوفة .
13436 - حدثني ابن البرقي قال ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر قال : هو " آزر " ، وهو " تارح " ، مثل " إسرائيل " و " يعقوب " .
* * *
وقال آخرون : إنه ليس أبا إبراهيم.
* ذكر من قال ذلك :
13437 - حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد قال : ليس " آزر " ، أبا إبراهيم.
13437 - حدثني الحارث قال ، حدثني عبد العزيز قال ، حدثنا الثوري قال ، أخبرني رجل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر " ، قال : " آزر " لم يكن بأبيه ، إنما هو صنم.
13439 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ،
__________
(1) في المطبوعة : " اسم أم صفة " ، حذف " هو " !

(11/466)


عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " آزر " اسم ، صنم.
13440 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر " ، قال : اسم أبيه ، ويقال : لا بل اسمه " تارح " ، واسم الصنم " آزر " . يقول : أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهة. (1)
* * *
وقال آخرون : هو سبٌّ وعيب بكلامهم ، ومعناه : معوَجٌّ . كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق. (2)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ } بفتح " آزر " على اتباعه " الأب " في الخفض ، ولكنه لما كان اسمًا أعجميًّا فتحوه ، إذ لم يجروه ، وإن كان في موضع خفض.
* * *
وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك : (آزَرُ) بالرفع على النداء ، بمعنى : يا آزر.
* * *
فأما الذي ذكر عن السديّ من حكايته أن " آزر " اسم صنم ، وإنما نصبَه بمعنى : أتتخذ آزر أصنامًا آلهة فقولٌ من الصواب من جهة العربية بعيدٌ. وذلك أن العرب لا تنصب اسمًا بفعلٍ بعد حرف الاستفهام ، لا تقول : " أخاك أكلمت " ؟ وهي تريد : أكلمت أخاك.
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندي ، قراءةُ من قرأ بفتح
__________
(1) في المخطوطة : " أتتخذ أصنامًا آلهة " ، ليس فيها " آزر " ، وما في المطبوعة قريب من الصواب إن شاء الله ، لما سيأتي في نقد أبي جعفر مقالة السدي بعد قليل.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 340.

(11/467)


" الراء " من(آزَرَ) ، على اتباعه إعراب " الأب " ، وأنه في موضع خفض ففتح ، إذ لم يكن جاريًا ، لأنه اسم عجمي. وإنما اخترتُ قراءة ذلك كذلك ، (1) لإجماع الحجة من القرأة عليه.
وإذْ كان ذلك هو الصواب من القراءة ، وكان غير جائز أن يكون منصوبًا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام ، صحَّ لك فتحه من أحد وجهين :
إما أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله ، فيكون في موضع خفض ردًّا على " الأب " ، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا ترك إجراؤه ففتح ، كما تفعل العرب في أسماء العجم. (2)
أو يكون نعتًا له ، فيكون أيضًا خفضًا بمعنى تكرير اللام عليه ، (3) ولكنه لما خرج مخرج " أحمر " و " أسود " ترك إجراؤه ، وفعل به كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ : وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ : أتتخذ أصنامًا آلهة. (4)
وإذ لم يكون له وِجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين ، فأولى القولين بالصواب منهما عندي قولُ من قال : " هو اسم أبيه " ، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه ، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم ، دون القول الآخر الذي زعم قائلُه أنه نعتٌ.
* * *
فإن قال قائل : فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى " تارح " ، فكيف يكون " آزر " اسمًا له ، والمعروف به من الاسم " تارح " ؟
__________
(1) في المطبوعة : " وإنما أجيزت قراءة ذلك " ، وهو كلام فاسد ، والصواب ما أثبت وهو في المخطوطة غير منقوط بتمامه.
(2) في المطبوعة : " كما فتح العرب " ، والصواب من المخطوطة.
(3) في المخطوطة : " تكرير الأمر عليه " ، والصواب ما في المطبوعة.
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة " ، وهو نص الآية ، لا تأويل لها على النعت. وأما تأويل النعت الذي ذكره آنفًا في أن " آزر " سب وعيب في كلامهم ومعناه " معوج " ، لزيغه واعوجاجه عن الحق فهو الذي أثبت ، وهو الصواب إن شاء الله.

(11/468)


قيل له : غير محال أن يكون له اسمان ، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا ، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم . وجائز أن يكون لقبًا يلقّب به. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال : " أتتخذ أصنامًا آلهة " ، تعبدها وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك فسوَّاك ورزقك ؟
و " الأصنام " : جمع " صنم " ، و " الصنم " التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان ، وهو " الوثن " . وقد يقال للصورة المصوّرة على صورة الإنسان في الحائط وغيره : " صنم " و " وثن " .
* * *
" إني أراك وقومَك في ضلال مبين " ، يقول : " إني أراك " ، يا آزر ، " وقومَك " الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة " في ضلال " ، يقول : في زوال عن محجّة الحق ، وعدول عن سبيل الصواب " مبين " ، يقول : يتبين لمن أبصَره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل ، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم. يعني بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته ، الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم ، دون غيره من الآلهة والأوثان. (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وجائز أن يكون لقبا والله تعالى أعلم " ، حذف " يلقب به " ، وهو وهو ثابت في المخطوطة ، وزاد ما ليس في المخطوطة.
(2) انظر تفسير " الضلال " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) (بين).

(11/469)


وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

القول في تأويل قوله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وكذلك " ، وكما أريناه البصيرة في دينه ، والحقّ في خلافه ما كانوا عليه من الضلال ، (1) نريه ملكوت السماوات والأرض يعني ملكه. (2)
* * *
وزيدت فيه " التاء " كما زيدت في " الجبروت " من " الجبر " (3) وكما قيل : " رَهَبوتٌ خيرٌ من رَحَمُوت " ، بمعنى : رهبة خير من رحمة. (4) وحكي عن العرب سماعًا : " له مَلَكوت اليمنِ والعراق " ، بمعنى : له ملك ذلك.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " .
فقال بعضهم : معنى ذلك : نريه خلقَ السماوات والأرض.
* ذكر من قال ذلك :
13441 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، أي : خلق السماوات والأرض .
13442 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
__________
(1) في المطبوعة : " في خلاف ما كانوا عليه من الضلال " . وفي المخطوطة : " في خلافه بما كانوا عليه من الضلال " ، وبينهما بياض ، وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ ، وظني أن الناسخ أشكل عليه الكلام فترك البياض ، والكلام موصول صحيح المعنى.
(2) في المخطوطة : " يعني ملكوت وزيدت فيه " بينهما بياض أيضًا ، والذي في المطبوعة صحيح المعنى.
(3) في المخطوطة : " من الجبروة " ، والصواب ما في المطبوعة.
(4) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة1 : 197 ، 198.

(11/470)


عن قتادة : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، أي : خلق السماوات والأرض " وليكون من الموقنين " .
13443 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، يعني ب " ملكوت السماوات والأرض " ، خلق السماوات والأرض.
* * *
وقال آخرون : معنى " الملكوت " الملك ، بنحو التأويل الذي تأوّلناه. (1)
* ذكر من قال ذلك :
13444 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عمر بن أبي زائدة قال : سمعت عكرمة ، وسأله رجل عن قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : هو الملك ، غير أنه بكلام النبط : " ملكوتَا " . (2)
13445 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي زائدة ، عن عكرمة قال : هي بالنبطية : " ملكوتَا " .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : آيات السماوات والأرض.
* ذكر من قال ذلك :
13446 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : آيات السماوات والأرض.
__________
(1) في المخطوطة : " وبنحو الذي تأولناه " ، وفي الهامش " التأويل " ، وعليها علامة " صح " ، وفي الجهة الأخرى من السطر (كذا) بالحمرة ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب ، إلا أنه كتب " الذي أولناه " ، والصواب ما في المخطوطة.
(2) الأثر : 13444 ، 13445 - " عمر بن أبي زائدة الهمداني الوادعي " ، وهو " ابن أبي زائدة " في الإسناد الثاني ، هو أخو " زكريا بن أبي زائدة " ، وهو الأكبر. و " زكريا " أخوه أعلى منه بكثير. وهو ثقة ، ولكنه كان يرى القدر ، وهو في الحديث مستقيم. مترجم في التهذيب.

(11/471)


13447 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : آيات .
13448 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : تفرجت لإبراهيم السماوات السبعُ حتى العرش ، فنظر فيهنّ ، وتفرَّجت له الأرضون السبع ، فنظر فيهنّ.
13449 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " ، قال : أقيم على صخرة وفتحت له السماوات ، فنظر إلى ملك الله فيها ، حتى نظر إلى مكانه في الجنة. وفتحت له الأرضون حتى نظَر إلى أسفل الأرض ، فذلك قوله : { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } [سورة العنكبوت : 27] ، يقول : آتيناه مكانه في الجنّة ، ويقال : " أجره " الثناء الحسن.
13450 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : فرجت له السماوات فنظر إلى ما فيهنّ ، حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر ما فيهنّ.
13451 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : كشف له عن أدِيم السماواتِ والأرض ، حتى نظر إليهن على صخرة ، والصخرةُ ، على حوت ، والحوت على خاتم ربّ العِزّة لا إله إلا الله. (1)
13452 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم ،
__________
(1) قد مضى قولنا في هذا الضرب من الأخبار التي لا حجة فيها من الصادق صلى الله عليه وسلم.

(11/472)


عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، رأى عبدًا على فاحشة ، فدعا عليه ، فهلك. ثم رأى آخر على فاحشة ، فدعا عليه فهلك. ثم رأى آخر على فاحشة ، فدعا عليه فهلك. فقال : أنزلوا عبدِي لا يُهْلِك عبادِي !
13453 - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء قال : لما رفع الله إبراهيم في الملكوت في السماوات ، أشرفَ فرأى عبدًا يزني ، فدعا عليه ، فهلك. ثم رُفع فأشرف ، فرأى عبدًا يزني ، فدعا عليه ، فهلك. ثم رفع فأشرف ، فرأى عبدًا يزني ، فدعا عليه ، فنودي : على رِسْلِك يا إبراهيم ، فإنك عبد مستجابٌ لك ، وإني من عبدي على ثلاث : إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة ، وإما أن يتمادى فيما هو فيه ، فأنا من ورائه.
13454 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب ، عن عوف ، عن أسامة : أن إبراهيم خليل الرّحمن حدَّث نفسه أنه أرحمُ الخلق ، وأن الله رفعه حتى أشرفَ على أهل الأرض ، فأبصر أعمالهم. فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال : اللهم دمِّر عليهم! فقال له ربه : أنا أرحم بعبادي منك ، اهبطْ ، فلعلهم أن يتوبوا إليّ ويُراجِعوا. (1)
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك ، ما أخبر تعالى أنه أراه من النُّجوم والقمر والشمس.
* ذكر من قال ذلك :
13455 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : الشمس والقمر والنجوم .
__________
(1) في المطبوعة : " ويرجعوا " ، والصواب الجيد من المخطوطة.

(11/473)


13456 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، قال : الشمس والقمر.
13457 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، يعني به : الشمس والقمر والنجوم. (1)
13458 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : خُبِّئ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من جبار من الجبابرة ، فجُعِل له رزقه في أصابعه ، فإذا مصّ أصبعًا من أصابعه وَجَد فيها رزقًا. فلما خرج ، أراه الله ملكوت السماوات والأرض. فكان ملكوت السماوات : الشمس والقمر والنجوم ، وملكوت الأرض : الجبال والشجر والبحار.
13459 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال ، حدثنا يزيد قال ، (2) حدثنا سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن نبيّ الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فُرَّ به من جبَّار مُتْرَف ، (3) فجعل في سَرَبٍ ، (4) وجعل رزقه في أطرافه ، فجعل لا يمصُّ إصبعًا من أصابعه إلا وجد فيها رزقًا. فلما خرج من ذلك السَّرَب ، أراه الله ملكوت السماوات ، فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسحابًا وخلقًا عظيمًا ، وأراه ملكوت الأرض ، فأراه جبالا وبحورًا وأنهارًا وشجرًا ومن كلّ الدواب وخلقًا عظيمًا.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " يعني به : نريه الشمس " ، وزاد " نريه " ، وليست في المخطوطة.
(2) في المطبوعة ، سقط " قال حدثنا يزيد " .
(3) في المخطوطة : " قربه جبار مترف " ، وأما ما في المطبوعة ، فهو نص ما في الدر المنثور 3 : 25.
(4) " السرب " (بفتحتين) : حفير في الأرض ، كالسرداب.

(11/474)


قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قولُ من قال : عنى الله تعالى ذكره بقوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " ، أنه أراه ملك السماوات والأرض ، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما ، وجلَّى له بواطنَ الأمور وظواهرَها ، لما ذكرنا قبل من معنى " الملكوت " ، في كلام العرب ، فيما مضى قبل. (1)
* * *
وأما قوله : " وليكون من الموقنين " ، فإنه يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض ، ليكون ممن يقرّ بتوحيد الله ، (2) ويعلم حقيقة ما هداه له وبصّره إياه ، (3) من معرفة وحدانيته ، وما عليه قومه من الضلالة ، من عبادتهم الأصنام ، واتخاذهم إياها آلهة دون الله تعالى. (4)
* * *
وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك ، ما : -
13460 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وليكون من الموقنين " ، أنه جلَّى له الأمر سرَّه وعلانيتَه ، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق. فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب ، قال الله : إنك لا تستطيع هذا! فردَّه الله كما كان قبل ذلك.
* * *
فتأويل ذلك على هذا التأويل : أريناه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسًّا لا خبرًا.
__________
(1) انظر ما سلف ص : 470 وما بعدها.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " ممن يتوحد بتوحيد الله " ، وهو كلام لا معنى له ، صوابه ما أثبت. وإنما هو خطأ من عجلة الناسخ ، واستظهرته من معنى " يوقن " فيما سلف 10 : 394.
(3) في المطبوعة : " ويعلم حقية ما هداه له " ، فعل بها ما فعل بصواحباتها ، كما سلف قريبًا : ص : 465 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير " أيقن " فيما سلف 10 : 394 ، 395.

(11/475)


13461 - حدثني العباس بن الوليد قال ، أخبرني أبي قال ، حدثنا ابن جابر قال ، وحدثنا الأوزاعيُّ أيضًا قال : حدثني خالد بن اللجلاج قال : سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ يقول : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداةٍ ، فقال له قائل : ما رأيتك أسفرَ وجهًا منك الغداة! (1) قال : ومالي ، وقد تبدّى لي ربّي في أحسن صورة ، (2) فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى ، (3) يا محمد ؟ قلت : أنت أعلم [يا رب] ! (4) فوضع يده بين كتفي فوجدت بردَها بين ثدييّ ، (5) فعلمت ما في السماوات والأرض. (6) ثم تلا هذه الآية : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " . (7)
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " ما رأيت أسعد منك اليوم " ، وهو خطأ ، صوابه من منتخب ذيل المذيل لأبي جعفر الطبري ، تاريخه 13 : 59 ، حيث روى الخبر بتمامه هناك. وقوله : " أسفر وجهًا منك الغداة " ، يعني : أحسن إشراقًا وإضاءة ، يقال : " سفر وجهه حسنا ، وأسفر " ، إذا أشرق وأضاء ، ومنه في التنزيل العزيز : " وجوه يومئذ مسفرة " .
(2) في المطبوعة : " ما لي قد أتاني ربي " ، وفي المخطوطة : " ومالي وقد ستاني ربي " غير منقوطة ، محرفة ، صوابها من ذيل المذيل لأبي جعفر.
(3) في المطبوعة : " ففيم يختصم " لم يحسن قراءة المخطوطة ، وهو الموافق لما في ذيل المذيل.
(4) زيادة ما بين القوسين من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.
(5) قوله : " فوجدت بردها بين ثديي " ؛ أسقطه ناشر المطبوعة ، لأنه كان في المخطوطة هكذا : " فوضع يده بين كتفي ، ثديي " ، أسقط الناسخ ما بين الكلامين ، والصواب زيادته من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.
(6) في ذيل المذيل : " ما في السماء والأرض " .
(7) الأثر : 13461 - هذا خبر مشكل جدًّا ، كما سترى بعد ، وكان في المخطوطة والمطبوعة محرفًا أشد التحريف ، وكان إسناده أشد تحريفًا ، ولكني صححته بعون الله تعالى ذكره ، من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل (تاريخ الطبري 13 : 59 ، 60).
" العباس بن الوليد بن مزيد العذري الآملي البيروتي " شيخ الطبري ، ثقة ، روى عنه كثيرًا مضى برقم : 891 ، 11014 ، 11821 . وأبوه : " الوليد بن مزيد العذري البيروتي " ، ثقة ؛ مضى برقم : 11821. قال الأوزاعي شيخه : " كتبه صحيحة " ، وقال النسائي : " هو أحب إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم ، لا يخطئ ، ولا يدلس " . و " ابن جابر " هو : " عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي ، ثقة ، روى له الجماعة ، روى عنه الأوزاعي ، والوليد بن مزيد البيروتي ، وغيرهما. ومضى برقم : 6655. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " أبو جابر " ، وهو خطأ ، صوابه من ذيل المذيل وغيره.
و " خالد بن اللجلاج العامري " ، كان ذا سن وصلاح ، جريء اللسان على الملوك ، في الغلظة عليهم. قال البخاري : " سمع عمر بن الخطاب ، وأباه " . وقال ابن أبي حاتم : " روي عن عمر ، مرسل ، وعن أبيه ، ولأبيه صحبة ، وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي " وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. مترجم في التهذيب ، والكبير2/1/156 ، وابن أبي حاتم 1/2/349. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " خالد الحلاج " ، وهو خطأ صرف. وأما " عبد الرحمن بن عائش الحضرمي " ، فأمره وأمر صحبته مشكل من قديم ، وسيأتي ذكر ذلك. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " عبد الرحمن بن عياش " ، وحذف ناشر المطبوعة " الحضرمي " ، وهي ثابتة في المخطوطة. والصواب من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل. ولكن أعجب العجب أنه جاء كذلك في المسند 5 : 243 : " عبد الرحمن بن عياش الحضرمي " ، مع أني لم أجد أحدًا ذكر في ترجمته خلافًا في اسم أبيه " عائش " ، فمن عجيب الاتفاق ، وهو قليل مثله ، أن يأتي كذلك في مخطوطة الطبري والمسند جميعًا ، وهو اتفاق عجيب على الخطأ في كتابين متباينين. والذي في المسند خطأ لا شك فيه أيضًا ، لأني وجدت ابن كثير في تفسيره 7 : 220 ، ونقل الخبر عن هذا الموضع من مسند أحمد ، وفيه " عبد الرحمن بن عائش " على الصواب. وتحريف " عائش " إلى " عياش " جائز قريب ، لشهرة " عياش " وكثرة من تسمى به ، ولخفاء " عائش " وندرة من تسمى به. و " عبد الرحمن بن عائش الحضرمي " مترجم في التهذيب ، وفي ابن سعد 7/2/150 ، في الصحابة ، وفي ذيل المذيل للطبري (13 : 59 ، 60) ، وفي الاستيعاب لابن عبد البر : 399 ، وابن أبي حاتم 2/2/262 ، وأسد الغابة 3 : 303 ، 304 ، وفي الإصابة ، وفي ميزان الاعتدال 2 : 108. و " عبد الرحمن بن عائش " مختلف في صحبته ، فممن صرح بصحبته ، ابن سعد ، وابن جرير في ذيل المذيل ، وابن حبان أما ابن عبد البر في الاستيعاب ، وابن الأثير في أسد الغابة ، فذكر أنه لا تصح صحبته ، لأن حديثه مضطرب. وأما أبو حاتم فقال : " أخطأ من قال : له صحبة ، هو عندي تابعي " . أما أبو زرعة فقال : " عبد الرحمن بن عائش ، ليس بمعروف " . وعد الحافظ ابن حجر في الإصابة من عده في الصحابة فقال : " وذكره في الصحابة : محمد بن سعد ، والبخاري ، وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو الحسن بن سميع ، وأبو القاسم ، والبغوي ، وأبو زرعة الحراني ، وغيرهم " . وقد استوفى الكلام في ترجمته في الإصابة وقال البخاري : " له حديث واحد ، إلا أنهم مضطربون فيه " ، يعني هذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة : " قلت : وقد وجدت له حديثًا آخر مرفوعًا ، وحديثا آخر موقوفًا " وهذا الخبر رواه أبو جعفر في ذيل المذيل (تاريخه 13 : 59 ، 60) بهذا الإسناد ، وأشار إليه الترمذي في تفسير " سورة ص " من سننه (12 : 116 ، 117 شرح ابن عربي) ، بعد أن ذكر حديث معاذ بن جبل ، من طريق زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يحامر السكسكي ، عن معاذ بن جبل ، وذكر الحديث " قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، سألت محمد بن إسمعيل (البخاري) عن هذا الحديث فقال : هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال ، حدثنا خالد بن اللجلاج ، حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث ، وهذا غير محفوظ ، هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى بشر بن بكر ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد ، عن عبد الرحمن بن عائش ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصح ، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم " . وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في ترجمة " عبد الرحمن بن عائش " وجوه الاختلاف والاضطراب في هذا الخبر ، وما قالوه في الكتب التي ذكرتها من أنه لم يقل في حديثه : " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم " ، إلا الوليد بن مسلم. وقد ذكر أن الوليد بن مسلم لم ينفرد برواية ذلك ، بل رواه أيضًا ثقة ثبت عن الأوزاعي ، صحيح الحديث عنه ، هو " الوليد بن مزيد البيروتي " بمثل رواية " الوليد بن مسلم " ، وإذن فالاضطراب فيه لم يأت من طريق " الوليد بن مسلم " . وذكر الحافظ سائر المتابعات التي تؤيد الوليد بن مسلم في روايته. وأما الخبر بغير هذا الإسناد ، فقد رواه أحمد في مسنده 5 : 243 ، والترمذي ، كما أشرت إليه آنفًا. ثم رواه أحمد من حديث ابن عباس في مسنده رقم : 3484 ، بمثله. وخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 : 319 - 321 من حديث جماعة من الصحابة ، من حديث ابن عباس ، ومعاذ بن جبل ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وأبي أمامة الباهلي ، وطارق بن شهاب ، وعدي بن حاتم ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وثوبان. وهذا قدر كاف في تخريج هذا الخبر المضطرب ، تراجع فيه سائر الكتب التي ذكرتها. وكتبه محمود محمد شاكر.

(11/476)


فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)

القول في تأويل قوله : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما واراه الليل وغيّبه. (1)
* * *
يقال منه : " جنَّ عليه الليل " ، و " جنَّه الليل " ، و " أجنه " ، و " أجنّ عليه " . وإذا ألقيت " على " ، كان الكلام بالألف أفصح منه بغير " الألف " ، " أجنه الليل " ، أفصح من " أجن عليه " و " جنّ عليه الليل " ، أفصح من " جنَّه " ، وكل ذلك مقبول مسموع من العرب. (2) " جنّه الليل " ، في أسد " وأجنه
__________
(1) في المطبوعة : " داراه الليل وجنه " ، والصواب من المخطوطة.
(2) هذا بيان لا تصيبه في كتب اللغة ، فقيده هناك ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 341.

(11/477)


وجنه " في تميم. (1) والمصدر من : " جن عليه " ، " جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا " ، ومن " أجنّ " " إجنانًا " . ويقال : " أتى فلان في جِنّ الليل " . (2) و " الجن " من ذلك لأنهم استجنُّوا عن أعين بني آدم فلا يرون. وكل ما توارى عن أبصار الناس ، فإن العرب تقول فيه : " قد جَنّ " ، ومنه قول الهذلي : (3)
وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَى... وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأَدْهَمْ (4)
وقال عبيد :
وَخَرْقٍ تَصِيحُ البُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى... مَخُوفٍ إذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ مَرْهُوبِ (5)
ومنه : " أجننت الميت " ، إذا واريته في اللحد ، و " جننته " ، وهو نظير
__________
(1) يعني أن الأولى أشهر في لغة بني أسد ، وأن الثانية أشهر في لغة بني تميم.
(2) " جن الليل " (بكسر الجيم) : اختلاط ظلمته.
(3) هو البريق الهذلي ، واسمه : " عياض بن خويلد الخناعي " ، وروى الأصمعي أن قائل الشعر هو " عامر بن سدوس الخناعي " .
(4) ديوان الهذليين 3 : 56 ، وما بقي من أشعار الهذليين رقم : 31 ، واللسان (سدف) (جنن) ، من أبيات يمجد فيها نفسه ، وبعد البيت : مَعِي صَاحِبٌ مِثْلُ نَصْل السِّنانِ ... عَنِيفٌ عَلَى قِرْنِهِ مِغْشَمُ
ويروى : " وما وردت علي خيفة " ، ويروى " قبيل الصباح " ، وكله حسن. و " السدف " : الظلمة من أول الليل أو آخره ، عند اختلاط الضوء. و " الأدهم " : الضارب إلى السواد.
(5) ديوانه : 33 ، ذكر نفسه في هذا البيت ثم قال بعده : قَطَعْتُ بِصَهْبَاءِ السَّرَاةِ شِمِلَّةٍ ... تَزِلُّ الوَلايَا عَنْ جَوَانِبِ مَكْرُوبِ
وختمها بالبيت الحكيم : تَرَى المَرْءَ يَصْبُو لِلحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَفِي طُولِ عَيْش المَرْءِ أَبْرَحُ تَعْذِيبِ
وصدق غاية الصدق! وكان في المطبوعة : " الليل مرهب " ، والصواب من المخطوطة. و " الخرق " (بفتح فسكون) : الفلاة الواسعة ، ورواية الديوان : " تصيح الهام " ، و " الهام " ذكر البوم ، ورواية أبي جعفر أجود ، لأن " الصدى " هو أيضًا ذكر البوم.

(11/479)


" جنون الليل " ، في معنى غطيته. ومنه قيل للترس " مِجَنّ " لأنه يُجنّ من استجنَّ به فيغطّيه ويواريه .
* * *
وقوله : " رأى كوكبًا " ، يقول : أبصر كوكبًا حين طلع " قال هذا ربي " ، فروي عن ابن عباس في ذلك ، ما : -
13462 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " ، يعني به الشمس والقمر والنجوم " فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي " ، فعبده حتى غاب ، فلما غاب قال : لا أحب الآفلين " فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي " ، فعبده حتى غاب ، فلما غاب قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر " فعبدها حتى غابت ، فلما غابت قال : يا قوم إنّي بريء مما تشركون.
13463 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحبّ الآفلين " ، علم أن ربّه دائم لا يزول. فقرأ حتى بلغ : " هذا ربي هذا أكبر " ، رأى خلقًا هو أكبرَ من الخلقين الأوّلين وأنور. (1)
وكان سبب قيل إبراهيم ذلك ، ما : -
13464 - حدثني به محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثني محمد بن إسحاق فيما ذكر لنا ، والله أعلم أن آزر كان رجلا من أهل
__________
(1) في المطبوعة : " وأي خلق " ، وهو فاسد المعنى ، وفي المخطوطة : " وأي خلقا " ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(11/480)


كوثى ، من قرية بالسوادِ ، سواد الكوفة ، وكان إذ ذاك ملك المشرق النمرود ، (1) فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم [ عليه السلام ، خليل الرحمن ، حجة على قومه] ، (2) ورسولا إلى عباده ، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبيّ إلا هود وصالح ، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله ما أراد ، أتى أصحابُ النجوم نمرودَ فقالوا له : تَعَلَّمْ ، أنّا نجد في عِلْمنا أن غلامًا يولد في قريتك هذه يقال له " إبراهيم " ، (3) يفارق دينكم ، ويكسر أوثانكم ، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا . فلما دخلت السنة التي وصف أصحابُ النجوم لنمرود ، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أمّ إبراهيم امرأة آزر ، فإنه لم يعلم بحبَلها ، وذلك أنها كانت امرأة حَدَثة ، فيما يذكر ، لم تعرف الحبَل في بطنها ، (4) ولِمَا أرادَ الله أن يبلغ بولدها ، (5) يريدُ أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة ، حذرًا على ملكه. فجعلَ لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة ، إلا أمر به فذبح. فلما وجدت أم إبراهيم الطَّلقَ خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها ، فولدت فيها إبراهيم ، وأصلحت من شأنه ما يُصْنع بالمولود ، (6) ثم سَدّت عليه المغارة ، ثم رجعت إلى بيتها ، ثم كانت تطالعه في المغارة فتنظر ما فعل ، فتجده حيًّا يمصّ إبهامه ، يزعمون ، والله أعلم ، أن الله جعل رزق إبراهيم فيها وما يجيئه من مصّه. وكان آزر ، فيما يزعمون ، سأل أمّ إبراهيم عن حمْلها ما فعل ، فقالت : ولدت غلامًا فمات! فصدّقها ، فسكت عنها. وكان اليوم ، فيما يذكرون ، على إبراهيم في الشَّباب كالشهر ، والشهر كالسنة. فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأمه : أخرجيني أنظر! فأخرجته عِشاء فنظر ، وتفكر في خلق السماوات والأرض ، وقال : " إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربّي ، ما لي إله غيره " ! ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا ، قال : " هذا ربي " ، ثم اتّبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب ، فلما أفل قال : " لا أحب الآفلين " ، ثم طلع القمر فرآه بازغًا ، قال : " هذا ربي " ، ثم اتّبعه ببصره حتى غاب ، فلما أفل قال : " لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين " ! فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس ، أعظَمَ الشمسَ ، (7) ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كل شيء رآه قبل ذلك ، فقال : " هذا ربي ، هذا أكبر " ! فلما أفلت قال : " يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين " . ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته ، وعرف ربَّه ، وبرئ من دين قومه ، إلا أنه لم يبادئهم بذلك. وأخبر أنه ابنه ، وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه ، وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه ، فسرَّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا. وكان آزر يصنع أصنام قومِه التي يعبدونها ، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها ، فيذهب بها إبراهيم ، فيما يذكرون ، فيقول : " من يشتري ما يضرُّه ولا ينفعه " ، فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه ، (8) ذهب بها إلى نهر فصوَّبَ فيه رؤوسها ، (9) وقال : " اشربي " ، استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة ، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومه وأهل قريته ، من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك. (10)
* * *
قال أبو جعفر : وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس وعمن روي عنه ، من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر : " هذا ربي " ، وقالوا : غير جائز أن يكون لله نبيٌّ ابتعثه بالرسالة ، أتى عليه وقتٌ من الأوقات وهو بالغٌ إلا وهو لله موحدٌ ، وبه عارف ، ومن كل ما يعبد من دونه برئ. قالوا : ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر ، لم يجز أن يختصه بالرسالة ، لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله ، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة ، فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا : وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه ، فأثابه لاستحقاقه الثوابَ بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبرَ الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس : " هذا ربي " ، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربّه ، وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه ، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام ، إذْ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضوأ وأحسنَ وأبهجَ من الأصنام ، ولم تكن مع ذلك معبودة ، وكانت آفلةً زائلة غير دائمة ، والأصنام التي [هي] دونها في الحسن وأصغرَ منها في الجسم ، أحقُّ أن لا تكون معبودة
__________
(1) في المطبوعة : " لنمرود بن كنعان " ، وليس ذلك في المخطوطة ، ولا في تاريخ الطبري 1 : 119 ، بل الذي هناك : " لنمرود الخاطئ ، وكان يقال له : الهاصر. وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها ، وكان ببابل . . . " ، فاختصر أبو جعفر الخبر كعادته. وهو خبر قسمه أبو جعفر في تاريخه ، فروى صدره هذا ، ثم فصل ، ثم عاد إلى حديث ابن إسحق.
(2) الزيادة بين القوسين من تاريخ أبي جعفر 1 : 119.
(3) " تعلم " (بفتح التاء والعين وتشديد اللام المفتوحة) فعل أمر بمعنى : اعلم ، يكثر ورودها في سيرة ابن إسحق ، ويخطئ كثير من الناس في ضبطها من قلة معرفتهم بالكلام.
(4) " امرأة حدثة " (بفتحات) : حديثة السن صغيرة ، بينة الحداثة. والمذكر : " رجل حدث " ، أي شاب صغير. وكان في المطبوعة : " حدبة " بالباء ، وهو خطأ صرف ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب في تاريخ الطبري.
(5) في المطبوعة : " ولما أراد الله أن يبلغ بولدها أراد أن يقتل. . . " غير ما كان في المخطوطة ، لأنه لم يفهم سياق الكلام ، فوضع مكان " يريد " ، " أراد " . وسياق الكلام : " . . . بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده . . . يريد أن يقتل كل غلام . . . " ، ووضعت العبارة الفاصلة في شأن ولدها بين خطين ، لذلك. وقوله " ولما أراد الله . . . " ، أي وللذي أراد الله. وهذه الجملة ليست في تاريخ أبي جعفر ، اختصر الكلام هناك كعادته.
(6) في المطبوعة : " ما يصنع مع المولود " ، أراد الناشر ترجمة كلام أبي جعفر إلى سقم عربيته!! ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(7) هكذا في المطبوعة والمخطوطة : " أعظم الشمس " ، كأنه يعني : استعظمها ، ووجدها عظيمة ، وهو صواب في المعنى ، وأما في التاريخ فهناك : " رأى عظم الشمس " ، وهو صواب أيضًا.
(8) هكذا في التاريخ ، وفي المخطوطة : " وإذا بات عليه " غير منقوطة ، فأثبت ما في التاريخ.
(9) في المطبوعة والمخطوطة : " فضرب فيه رؤوسها " ، والصواب من التاريخ. و " صوب رؤوسها " ، نكسها.
(10) الأثر : 13464 - هذا الأثر رواه أبو جعفر في تاريخه مطولا 1 : 119 ، 120.

(11/481)


ولا آلهة. (1) قالوا : وإنما قال ذلك لهم ، معارضةً ، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطل من القول ، (2) على وجه مطالبته إياه بالفُرْقان بين القولين الفاسدين عنده ، اللذين يصحِّح خصمه أحدَهما ويدعي فسادَ الآخر.
* * *
وقال آخرون منهم : بل ذلك كان منه في حال طفولته ، (3) وقبل قيام الحجة عليه. وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان.
* * *
وقال آخرون منهم : إنما معنى الكلام : أهذا ربي ؟ على وجه الإنكار والتوبيخ ، أي : ليس هذا ربي. وقالوا : قد تفعل العرب مثل ذلك ، فتحذف " الألف " التي تدلّ على معنى الاستفهام. وزعموا أن من ذلك قول الشاعر : (4)
رَفَوْنِي وَقَالُوا : يَا خُوَيْلِدُ ، لا تُرَعْ !... فَقُلْتُ ، وأَنْكَرْتُ الوُجُوهَ : هُمُ هُمُ? (5)
يعني : أهم هم ؟ قالوا : ومن ذلك قول أوس : (6)
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي ، وَإنْ كُنْتُ دَارِيًا ، ... شُعَيْثَ بنَ سَهْمٍ أم شُعَيْثَ بْنَ مِنْقَرِ (7)
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " والأصنام التي دونها في الحسن " ، وفي المخطوطة : " فأحق " ، ورأيت السياق يقتضي ما أثبت ، مع زيادة [هي] بين القوسين.
(2) السياق : معارضا له . . . بباطل من القول.
(3) في المطبوعة : " طفوليته " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) هو أبو خراش الهذلي.
(5) ديوان الهذليين 2 : 144 ، الخزانة 1 : 211 واللسان ، (رفأ) (رفو) ، وغيرها كثير. هي مطلع شعر له في فرة فرها على رجليه ، فوصف ذلك وحسن فرته. وقوله : " رفوني " ، أي : سكنوني ، كأن قلبه قد طار شعاعًا ، فضموا بعضه إلى بعض. يقال : " رفوته من الرعب " و " رفأته " .
(6) ينسب أيضًا للأسود بن يعفر النهشلي ، واللعين المنقري.
(7) سيبويه 1 : 485 ، البيان والتبين 4 : 40 ، 41 ، الكامل 1 : 384 ، 2 : 115 ، الخزانة 4 : 450 ، شرح شواهد المغني : 51 ، وغيرها كثير. قال الجاحظ : " وذكروا أن حزن بنالحارث ، أحد بني العنبر ، ولد " محجنًا " ، فولد محجن : " شعيب بن سهم " ، فأغير على إبله ، فأتى أوس بن حجر يستنجده ، فقال له أوس : أو خير من ذلك ، أحضض لك قيس بن عاصم! وكان يقال إن " حزن بن الحارث " هو " حزن بن منقر " ، فقال أوس : سَائِلُ بِهَا مَوْلاَكَ قَيْسَ بن عَاصِمٍ ... فَمَوْلاَكَ مَوْلَى السَّوْءِ إنْ لَمْ يُغَيِّرِ
لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي : أمِنْ حزن مِحْجَنٍ ... شُعَيْثُ بن سَهْمٍ أمْ لِحَزْنِ بن مِنْقَرِ
فَما أنْتَ بالمَوْلَى المُضَيِّعِ حَقَّهُ ... وَمَا أنْتَ بِالْجَارِ الضَّعِيفِ المُسَترِ
فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها " . والبيت برواية الجاحظ لا شاهد فيه. وكان في المطبوعة في المواضع كلها : " شعيب " بالباء ، وهو خطأ. وفي المطبوعة : " أو شعيب " والصواب " أم " كما في المخطوطة وسائر الروايات.

(11/484)


بمعنى : أشعيث بن سهم ؟ فحذف " الألف " ، ونظائر ذلك. وأما تذكير " هذا " في قوله : " فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي " ، فإنما هو على معنى : هذا الشيء الطالع ربِّي.
* * *
قال أبو جعفر : وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر : " لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين " ، الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم ، وأنّ الصوابَ من القول في ذلك ، الإقرارُ بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه ، والإعراض عما عداه. (1)
وأما قوله : " فلما أفل " ، فإن معناه : فلما غاب وذهب ، كما : -
13465 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، قال ابن إسحاق : " الأفول " ، الذهاب.
يقال منه : " أفل النجم يأفُلُ ويأفِلُ أفولا وأفْلا " ، إذا غاب ، ومنه قول ذي الرمة :
مَصَابِيحُ لَيْسَتْ بِالَّلوَاتِي تَقُودُهَا... نُجُومٌ ، وَلا بالآفِلاتِ الدَّوَالِكِ (2)
ويقال : " أين أفلت عنا " بمعنى : أين غبت عنا ؟ (3)
* * *
__________
(1) انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1 : 341.
(2) ديوانه : 425 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 199 ، الأزمنة 2 : 49 ، كتاب القرطين 1 : 261 ، اللسان (دلك) ، من قصيدة طويلة ، وصف بها الإبل ، وهذا البيت من صفة الإبل. " مصابيح " جمع " مصباح " ، و " المصباح " التي تصبح في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار ، وهو مما يستحب من الإبل ، وذلك لقوتها وسمنها. يقول : ليست بنجوم آفلات ، ولكنها إبل.
(3) هذا مجاز لا تكاد تجده في كتاب آخر.

(11/485)


فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)

القول في تأويل قوله : { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما طلع القمر فرآه إبراهيم طالعًا ، وهو " بُزُوغه " .
* * *
يقال منه : " بزغت الشمس تَبْزُغُ بزُوغًا " ، إذا طلعت ، وكذلك القمر.
* * *
" قال هذا ربي فلما أفل " ، يقول : فلما غاب " قال " ، إبراهيم ، " لئن لم يهدني ربي " ، ويوفقني لإصابة الحق في توحيده " لأكونن من القوم الضالين " ، أيْ : من القوم الذين أخطؤوا الحق في ذلك ، فلم يصيبوا الهدى ، وعبدوا غير الله.
* * *
وقد بينا معنى " الضلال " ، في غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله (2) " فلما رأى الشمس بازغة " ، فلما رأى إبراهيم الشمس طالعةً ، قال : هذا الطالعُ ربّي " هذا أكبر " ، يعني : هذا أكبر من الكوكب والقمر فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه
__________
(1) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة : (ضلل).
(2) " بقوله " ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة ، وهي حق سياقة الكلام.

(11/486)


إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

" فلما أفلت " ، يقول : فلما غابت ، (1) قال إبراهيم لقومه " يا قوم إنّي بريء مما تشركون " ، أي : من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلهًا مع الله تعالى ذكره. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام : أنه لما تبيّن له الحق وعرَفه ، شهد شهادةَ الحقّ ، وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله ، ولم يأخذه في الله لومة لائم ، ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه ، مع خلاف جميع قومه لقوله ، وإنكارهم إياه عليه ، وقال لهم : " يا قوم إنّي بريء مما تشركون " مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم ، (3) إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض ، الدائم الذي يبقى ولا يفنى ، ويُحْيي ويميت لا إلى الذي يفنى ولا يبقى ، ويزول ولا يدوم ، ولا يضر ولا ينفع.
ثم أخبرهم تعالى ذكره : أن توجيهه وجهه لعبادته ، بإخلاص العبادة له ، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد ، لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف ، ولكنه به مشرك ، (4) إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه ، (5) بل ضارّه ومهلكه " وما أنا من المشركين " ،
__________
(1) انظر تفسير " أفل " و " بزغ " فيما سلف قريبًا.
(2) انظر تفسير " برئ " فيما سلف ص : 293.
(3) انظر تفسير " فطر " فيما سلف ص : 283 ، 284.
(4) انظر تفسير " الحنيف " فيما سلف 3 : 104 - 108 ، 6 494 ، 9 : 250.
(5) في المطبوعة : " إذا كان توجيه الوجه لا على التحنيف " ، وفي المخطوطة : " . . . توجيه الوجه على التحنف " ، والصواب ما أثبت.

(11/487)


وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)

ولست منكم ، أي : لست ممن يدين دينكم ، ويتّبع ملّتكم أيُّها المشركون.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول :
13465م - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم : تركت عبادة هذه ؟ فقال : " إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض " ، فقالوا : ما جئت بشيء! ونحن نعبده ونتوجّهه! فقال : لا حنيفًا!! قال : مخلصًا ، لا أشركه كما تُشْركون.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام ، (1) وكان جدالهم إياه قولُهم : أن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه. قال إبراهيم : " أتحاجوني في الله " ، يقول : أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة " وقد هدان " ، يقول : وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته ، (2) وبصّرني طريق الحقّ حتى أيقنتُ أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه (3) " ولا أخاف ما تشركون به " ، يقول : ولا أرهب من آلهتكم التي
__________
(1) انظر تفسير " المحاجة " فيما سلف 3 : 121 ، 5 : 429 ، 430 ، 6 : 280 ، 473 ، 492.
(2) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " حتى ألفت أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه " ، وهو لا معنى له ، صواب قراءته ما أثبت.

(11/488)


تدعونها من دونه شيئًا ينالني به في نفسي من سوء ومكروه. (1) وذلك أنهم قالوا له : " إنا نخاف أن تمسَّك آلهتنا بسوء من برص أو خبل ، لذكرك إياها بسوء " ! فقال لهم إبراهيم : لا أخاف ما تشركون بالله من هذه الآلهة أن تنالَنِي بضر ولا مكروه ، لأنها لا تنفع ولا تضر " إلا أن يشاء ربي شيئًا " ، يقول : ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض ، فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو بقاءٍ ، أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك ، نالني به ، لأنه القادر على ذلك.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن جريج يقول :
13466 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان " ، قال : دعا قومُه مع الله آلهةً ، وخوّفوه بآلهتهم أن يصيبَه منها خَبَل ، فقال إبراهيم : " أتحاجوني في الله وقد هدان " ، قال : قد عرفت ربّي ، لا أخاف ما تشركون به.
* * *
" وسع ربي كل شيء علمًا " ، يقول : وعلم ربي كلَّ شيء ، فلا يخفى عليه شيء ، (2) لأنه خالق كل شيء ، وليس كالآلهة التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تفهم شيئًا ، وإنما هي خشبة منحوتةٌ ، وصورة ممثلة " أفلا تتذكرون " ، يقول : أفلا تعتبرون ، أيها الجهلة ، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون ، (3) من عبادتكم صورةً مصوّرة وخشبة منحوتة ، لا تقدر على ضر ولا على نفع ، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله وترككم عبادةَ من خلقكم وخلق كلّ شيء ، وبيده الخير ، وله القدرة على كل شيء ، والعالم لكل شيء .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ينالني في نفسي " بحذف " به " وهي ثابتة في المخطوطة ، ولكنه أساء كتابة " ينالني " ، فاجتهد الناشر ، فحذف.
(2) انظر تفسير " السعة " فيما سلف 10 : 423 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف ص : 442 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(11/489)


وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

القول في تأويل قوله : { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) }
قال أبو جعفر : وهذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه من آلهتهم أن تمسَّه ، لذكره إياها بسوء في نفسه بمكروه ، فقال لهم : وكيف أخاف وأرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم فعبدتموه من دونه ، وهو لا يضر ولا ينفع ؟ ولو كانت تنفع أو تضر ، لدفعت عن أنفسها كسرِى إياها وضربي لها بالفأس! وأنتم لا تخافون الله الذي خلقكم ورزقكم ، وهو القادر على نفعكم وضركم في إشراككم في عبادتكم إياه " ما لم ينزل به عليكم سلطانًا " ، يعني : ما لم يعطكم على إشراككم إياه في عبادته حُجّة ، ولم يضع لكم عليه برهانًا ، ولم يجعل لكم به عذرًا (1) " فأي الفريقين أحقّ بالأمن " ، (2) يقول : أنا أحق بالأمن من عاقبة عبادتي ربّي مخلصًا له العبادة ، حنيفًا له ديني ، بريئًا من عبادة الأوثان والأصنام ، أم أنتم الذين تعبدون من دون الله أصنامًا لم يجعل الله لكم بعبادتكم إياها برهانًا ولا حجة (3) " إن كنتم تعلمون " ، يقول : إن كنتم تعلمون صدق ما أقول ، وحقيقة ما أحتجُّ به عليكم ، فقولوا وأخبروني : أيُّ الفريقين أحق بالأمن ؟
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، كان محمد بن إسحاق يقول فيما : -
13467 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، قال محمد بن إسحاق في قوله : " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله " ، يقول :
__________
(1) انظر تفسير " السلطان " فيما سلف 7 : 279/9 : 336 ، 337 ، 360.
(2) انظر تفسير " الفريق " فيما سلف 8 : 548 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الأمن " فيما سلف 3 : 29 ، 4 : 87.

(11/490)


كيف أخاف وثَنًا تعبدون من دون الله لا يضرُّ ولا ينفع ، ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع ، وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع ؟ " فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون " ، أي : بالأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة ، الذي يَعْبد الذي بيده الضرّ والنفع ، أم الذي يعبد ما لا يضرّ ولا ينفع ؟ يضرب لهم الأمثال ، ويصرِّف لهم العبر ، ليعلموا أنَّ الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبُدون من دونه.
13468 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : أفلج الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين خاصمهم ، (1) فقال : " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ؟ ثم قال : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " .
13469 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قول إبراهيم حين سألهم : " أيُّ الفريقين أحق بالأمن " ، هي حجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
13470 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره ، قال إبراهيم حين سألهم : " فأي الفريقين أحق بالأمن " ؟ قال : وهي حجة إبراهيم عليه السلام .
13471 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ، أمَنْ يعبد ربًّا واحدًا ، أم من يعبد أربابًا كثيرة ؟ يقول قومه : الذين آمنوا برب واحد. (2)
13472 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في
__________
(1) " أفلجت فلانا على خصمه " ، إذا غلبته ، و " أفلجه الله عليه " ، آتاه الظفر والفوز والغلبة.
(2) الأثر : 13471 - انظر الأثر التالي رقم : 13475 ، وأن هذه مقالة قوم إبراهيم.

(11/491)


قوله : " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ، أمن خاف غير الله ولم يخفه ، أم من خاف الله ولم يخف غيره ؟ فقال الله تعالى ذكره : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، الآية.
* * *

(11/492)


الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)

القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الذي أخبر تعالى ذكره عنه أنه قال هذا القول أعني : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، الآية.
فقال بعضهم : هذا فصلُ القضاء من الله بين إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم ، وبين من حاجّه من قومه من أهل الشرك بالله ، إذ قال لهم إبراهيم : " وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ؟ فقال الله تعالى ذكره ، فاصلا بينه وبينهم : الذين صدَّقوا الله وأخلصُوا له العبادة ، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم (1) يعني : بشرك (2) ولم يشركوا في عبادته شيئًا ، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصًا ، أحقّ بالأمن من عقابه مكروهَ عبادته ربَّه ، (3) من الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنامَ ، فإنهم الخائفون من عقابه مكروه عبادتهم أمَّا في عاجل الدنيا فإنهم وجِلون من حلول سخَط الله بهم ، وأما في الآخرة ، فإنهم الموقنون بأليم عذابِ الله.
__________
(1) انظر تفسير " لبس " فيما سلف ص : 419 ، تعليق : 1 والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم).
(3) في المطبوعة ، أسقط قوله : " ربه " .

(11/492)


* ذكر من قال ذلك :
13473 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنا محمد بن إسحاق قال ، يقول الله تعالى ذكره : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، أي : الذين أخلصوا كإخلاص إبراهيم صلى الله عليه وسلم لعبادة الله وتوحيده " ولم يلبسوا أيمانهم بظلم " ، أي : بشرك " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " ، الأمن من العذاب ، والهدى في الحجة بالمعرفة والاستقامة. يقول الله تعالى ذكره : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفعُ درجات من نشاء إن ربّك حكيم عليم " .
13474 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ، قال فقال الله وقضى بينهم : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك. قال : " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " ، فأما الذنوبُ فليس يبري منها أحدٌ.
* * *
وقال آخرون : هذا جوابٌ من قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لإبراهيم ، حين قال لهم : " أيُّ الفريقين أحق بالأمن " ؟ فقالوا له : الذين آمنوا بالله فوحّدوه أحق بالأمن ، إذا لم يلبسوا إيمانهم بظلم.
* ذكر من قال ذلك :
13475 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " ، أمن يعبد ربًّا واحدًا أم من يعبد أربابًا كثيرة ؟ يقول قومه : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، بعبادة الأوثان ، وهي حجة إبراهيم " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " . (1)
* * *
__________
(1) الأثر : 13475 - انظر الأثر السالف رقم : 13471.

(11/493)


قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : هذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن أولى الفريقين بالأمن ، وفصل قضاءٍ منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه. وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله ، لكانوا قد أقروا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد ، ولكنه كما ذكرت من تأويله بَدِيًّا. (1)
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله تعالى بقوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " .
فقال بعضهم : بشرك.
* ذكر من قال ذلك :
13476 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ترونَ إلى قول لقمان : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، [سورة لقمان : 13] ؟ (2)
13477 - قال أبو كريب قال ، ابن إدريس ، حدثنيه أوّلا أبي ، عن أبان بن تغلب ، عن الأعمش ، ثم سمعتُه قيل له : مِنَ الأعمش ؟ قال : نعم! (3)
__________
(1) في المطبوعة : " بدءًا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب ، أي : أولا.
(2) الأثر : 13476 - حديث عبد الله بن مسعود. من طريق الأعمش ، رواه أبو جعفر من طرق من رقم : 13476 - 13480 ، 13483 ، وانظر رقم : 13507. وحديث عبد الله ، رواه البخاري في صحيحه (الفتح 1 : 81 ، 8 : 220) ، بنحوه ورواه مسلم في صحيحه 2 : 143 ، 144 ، من طريق عبد الله بن إدريس ، وأبي معاوية ، ووكيع ، جميعًا عن الأعمش. ورواه الترمذي في كتاب التفسير ، من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش. ورواه أحمد من طرق في مسنده رقم : 3589 ، 4031 ، 4240 ، وسأشير إليه في تخريجها بعد.
(3) الأثر : 13477 - ذكره مسلم في صحيحه أيضًا 2 : 144 ، من طريق أبي كريب ، بنحو قوله هذا.
" أبان بن تغلب الربعي " ، ثقة ، قال ابن عدي : " له نسخ عامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة ، وهو من أهل الصدق في الروايات ، وإن كان مذهبه الشيعة ، وهو في الرواية صالح لا بأس به " .
[فائدة : قال الحافظ في التهذيب : " التشيع في عرف المتقدمين ، هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان ، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه ، وأن مخالفه مخطئ ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما. وربما اعتقد بعضهم أن عليًا أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان معتقدًا ذلك ، ورعًا دينًا صادقًا مجتهدًا ، فلا ترد روايته بهذا ، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عرف المتأخرين ، فهو الرفض المحض ، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة]. وعلة ذكر هذا الخبر الثاني ، في التعقيب على الخبر الأول أن عبد الله بن إدريس رواه قبل عن الأعمش مباشرة ، وكان رواه قبل عن أبيه ، عن أبان بن تغلب ، عن الأعمش ، لينبه على علو إسناده.

(11/494)


13478 - حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال ، حدثني عمي يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : لما نزلت : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بطلم " ، شقَّ ذلك على المسلمين ، فقالوا : يا رسول الله ، ما منّا أحدٌ إلا وهو يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس بذلك ، ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ (1)
13479 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أيُّنا لم يظلم نفسه ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس كما تظنُّون ، وإنما هو ما قال لقمان لابنه : لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . (2)
13480 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : " الذين آمنوا
__________
(1) الأثر : 13478 - " عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي الرملي " ، ثقة ، مضى برقم : 300 وعمه : " يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي الرملي " ، ثقة ، مضى برقم : 300 ، 6317 ، 9035.
(2) الأثر : 13489 - رواه أحمد في المسند رقم : 4240 ، من طريق وكيع أيضًا ، بمثله.

(11/495)


ولم يلبسُوا إيمانهم بظلم " ، شق ذلك على الناس ، فقالوا : يا رسول الله ، وأيُّنا لا يظلم نفسه ؟ فقال : " إنه ليس كما تعنون ، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إنما هو الشرك . (1)
13481 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة في قوله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك.
13482 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل ، عن منصور ، عن إبراهيم في قوله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك .
13483 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس بذلك ، ألم تسمعوا قول لقمان : إن الشرك لظلم عظيم ؟
13484 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير وابن إدريس ، عن الشيباني ، عن أبي بكر بن أبي موسى ، عن الأسود بن هلال ، عن أبي بكر : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك. (2)
__________
(1) الأثر : 13480 - رواه أحمد في المسند رقم : 3589 ، من طريق أبي معاوية أيضًا بمثله.
(2) الأثر : 13484 - " الشيباني " هو : " أبو إسحق الشيباني " ، " سليمان بن أبي سليمان " مضى مرارًا ، آخرها رقم : 8869. و " أبو بكر بن أبي موسى الأشعري " ، ثقة روى له الجماعة ، مترجم التهذيب. و " الأسود بن هلال المحارب " ، " أبو سلام " ، له إدراك ، هاجر زمن عمر ، لم يدرك أبا بكر رضي الله عنه. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1 ، 449 وابن أبي حاتم 1/1/ 292. ومضى برقم : 10331 ، 10333. وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور 3 : 27 ، ونسبة للفريابي ، وابن أبي شيبة ، والحكيم الترمذي في الأصول ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(11/496)


13485 - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بكر : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك. (1)
13486 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن سعيد بن عبيد الطائي ، عن أبي الأشعر العبدي ، عن أبيه : أن زيد بن صوحان سأل سلمان فقال : يا أبا عبد الله ، آيةٌ من كتاب الله قد بلغت منِّي كل مبلغ : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ! فقال سلمان : هو الشرك بالله تعالى ذكره. فقال زيد : ما يسرُّني بها أنّي لم أسمعها منك ، وأنّ لي مثل كل شيء أمسيتُ أملكه. (2)
__________
(1) الأثر : 13485 - أسقط في المطبوعة ذكر : " عن أبي إسحق " ، وهو خبر مرسل.
(2) الأثر : 13486 ، 13487 - " سعيد بن عبيد الطائي " ، " أبو الهذيل " ، وثقه أحمد وابن معين ، وقال أبو حاتم : " يكتب حديثه " . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/455 ، وابن أبي حاتم 2/1/46.
" أبو الأشعر العبدي " ، ذكره البخاري في الكنى : 8 ، وقال : روى عنه خليفة بن خلف. قال أبو نعيم ، عن إسمعيل بن عبيد ، عن أبي الأشعر العبدي ، سمع أباه عن سلمان : (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) ، قال : بشرك " . وهكذا جاء " إسمعيل بن عبيد " ، وأخشى أن يكون صوابه " سعيد بن عبيد " كما في الطبري. ولما سيأتي في الأثر التالي : 13487. وأبو " أبي الأشعر العبدي " ، لم أعرف من هو. و " زيد بن صوحان بن حجر العبدي " ، وهو أخو " صعصعة بن صوحان " ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مذكور في الصحابة ، وكان شديد الحب لسلمان الفارسي. قتل يوم الجمل مع علي رضي الله عنهما. مترجم في ابن سعد 6 : 84 ، وقال : ثقة قليل الحديث " ، وفي تعجيل المنفعة : 142 ، والكبير 2/1/363 ، وابن أبي حاتم 1/2/565. * * *
وعند آخر الأثر رقم : 13486 ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه : يتلوهُ : حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي ، عن سعيد بن عبيد
وصلى الله على محمد النبيّ وآله وسلم كثيرًا "
ويبدأ بعد بما نصه :
" بسم الله الرَّحمن الرحيم رَبِّ أَعِنْ يا كَريم "

(11/497)


13487 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سعيد بن عبيد ، عن أبي الأشعر ، عن أبيه ، عن سلمان قال : بشرك. (1)
13488 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثنا نسير بن ذعلوق ، عن كردوس ، عن حذيفة في قوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك. (2)
13489 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن رجل ، عن عيسى ، عن حذيفة في قوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك. (3)
13490 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عارم أبو النعمان قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير وغيره : أن ابن عباس كان يقول : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك .
13491 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، يقول : بكفر.
__________
(1) الأثر : 13487 - انظر التعليق السالف.
(2) الأثر : 13488 - " نسير بن ذعلوق الثوري " ، ثقة ، مضى برقم : 5491.
و " كردوس " هو " كردوس بن العباس الثعلبي " ، يروي عن حذيفة ، مضى برقم : 13255 - 13257. وكان في المطبوعة : " درسب " غير ما في المخطوطة ، وكان فيها هكذا : " ددوس " ، وهذا صواب قراءته إن شاء الله.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 27 ، ونسبه للفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن أبي شيبة ، وأبي عبيد ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ. وسيأتي بإسناد آخر بعد هذا.
(3) الأثر : 13489 - " أبو إسحق الكوفي " ، هو : " عبد الله بن ميسرة الحارثي " ، مضى برقم : 9250.

(11/498)


13492 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، يقول : لم يلبسوا إيمانهم بالشرك. وقال : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } . [سورة لقمان : 13]
13493 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال ، حدثني أبي قال ، حدثنا جرير بن حازم ، عن علي بن زيد ، عن المسيّب : أن عمر بن الخطاب قرأ : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، فلما قرأها فزع ، فأتى أبيّ بن كعب فقال : يا أبا المنذر ، قرأتُ آية من كتاب الله ، مَنْ يَسْلم ؟ فقال : ما هي ؟ فقرأها عليه فأيُّنا لا يظلِمُ نفسه ؟ فقال : غفر الله لك! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ؟ إنما هو : ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. (1)
13494 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس : أن عمر دخل منزله فقرأ في المصحف ، فمرّ بهذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، فأتى أبيًّا فأحبره ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما هو الشرك. (2)
13495 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن [ابن مهران] : أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأه ، فدخل ذات يوم فقرأ ، فأتى على هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " ،
__________
(1) الأثر : 13493 - هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة : " عن المسيب " ، ولا أدري ما هو ، ولكني أرجح أن الصواب " عن سعيد بن المسيب " ، أو " عن ابن المسيب " ، فإن " علي بن زيد بن جدعان " يروي عنه ، ولأني لم أجد فيمن اسمه " المسيب " ، من روى عنه " علي بن زيد " وروى هو عن " عمر بن الخطاب " .
(2) الأثر : 13494 - " يوسف بن مهران البصري " ، مضى برقم : 2858 : 11373.

(11/499)


فانفتَل وأخذ رداءه ، (1) ثم أتى أبيّ بن كعب فقال : يا أبا المنذر فتلا هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " وقد ترى أنا نظلِم ، ونفعل ونفعل! فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا ليس بذاك ، يقول الله تعالى ذكره : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ، إنما ذلك الشرك. (2)
13496 - حدثنا هناد قال ، حدثنا بن فضيل ، عن مطرف ، عن أبي عثمان عمرو بن سالم قال : قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، فقال عمر : قد أفلح من لم يلبس إيمانه بظلم! فقال أبيّ : يا أمير المؤمنين ، ذاك الشرك!
13497 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أسباط ، عن محمد بن مطرف ، عن ابن سالم قال : قرأ عمر بن الخطاب ، فذكر نحوه. (3)
13498 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة في قوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك .
13499 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة ، مثله.
13500 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين ، عن علي ، عن زائدة ،
__________
(1) في المطبوعة : " فاشتغل " ، وفي المخطوطة " فاسقل " ، وفي الدر المنثور 3 : 27 " فانتقل " وكان ذلك لا معنى له ، وكأن الصواب ما أثبت. يقال : " انفتل الرجل عن صلاته " ، إذا انصرف ، وهو من قولهم : " فتله عن وجهه فانفتل " ، أي : صرفه فانصرف.
(2) الأثر : 13495 - هكذا جاء في المخطوطة : " عن ابن مهران " ، وفي المطبوعة : " عن مهران " ، وهما خطأ صرف فيما أرجح ، وإنما هذا حديث ابن عباس ، فالصواب إن شاء الله : " عن ابن عباس " ، وهو نفس الأثر الذي قبله ، ولكني تركته كذلك كما هو في المخطوطة ، ووضعت ما شككت فيه بين القوسين.
(3) الأثر : 13496 ، 13497 - " أبو عثمان ، عمرو بن سالم الأنصاري " ، معروف بكنيته ، وقد مضى برقم : 8950. وقوله في الأثر الثاني " محمد بن مطرف " ، خطأ فيما أرجح ، وإنما هو " مطرف بن طريف " ، كما في الأثر السالف. ولذلك وضعت " محمد بن " بين قوسين.

(11/500)


عن الحسن بن عبيد الله ، عن إبراهيم : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك. (1)
13501 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، أي : بشرك.
13502 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، مثله .
13503 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بعبادة الأوثان.
13504 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13505 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك .
13506 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك.
13507 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الأعمش : أن ابن مسعود قال : لما نزلت : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، كبُر ذلك على المسلمين ، فقالوا : يا رسول الله ، ما منا أحدٌ إلا وهو يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما سمعتم قول لقمان : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ (2)
__________
(1) الأثر : 13500 - " الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي " ، روى عن إبراهيم النخعي ، وأبي الضحي ، والشعبي. سمع منه الثوري ، وزائدة ، وحفص بن غياث ، وغيرهم ، ثقة ، مضى في الإسناد رقم : 78. مترجم في التهذيب ، والكبير1/2/295 ، وابن أبي حاتم 1/2/23.
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " الحسن بن عبد الله " ، وهو خطأ محض.
(2) الأثر : 13507 - مضى هذا الخبر موصولا من طريق الأعمش ، من طرق ، من رقم : 13476 - 13480 ، 13483 ، فراجعه هناك.

(11/501)


13508 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : عبادة الأوثان.
13509 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بشر ، عن مسعر ، عن أبي حصين ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : بشرك. (1)
13510 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحاق : " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : بشرك.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم ، وذلك : فعلُ ما نهى الله عن فعله ، أو ترك ما أمر الله بفعله ، وقالوا : الآية على العموم ، لأن الله لم يخصَّ به معنى من معاني الظلم.
* * *
قالوا : فإن قال لنا قائل : أفلا أمْن في الآخرة ، إلا لمن لم يعص الله في صغيرة ولا كبيرة ، وإلا لمن لقى الله ولا ذنبَ له ؟
قلنا : إن الله عنى بهذه الآية خاصًّا من خلقه دون الجميع منهم ، والذي عنى بها وأراده بها ، خليلَه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فأما غيره ، فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئًا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرًا ، فإن شاء لم يؤمنه من عذابه ، وإن شاء تفضل عليه فعفا عنه.
قالوا : وذلك قول جماعة من السلف ، وإن كانوا مختلفين في المعنيِّ بالآية.
فقال بعضهم : عُني بها إبراهيم.
* * *
__________
(1) الأثر : 13509 - " أبو حصين " هو : " عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي " ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 8962. و " أبو عبد الرحمن " هو " السلمي " : " عبد الله بن حبيب بن ربيعة " ، مضى برقم : 82.

(11/502)


وقال بعضهم : عني بها المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)
* * *
* ذكر من قال : عنى بهذه الآية إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم.
13511 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن ، عن قيس بن الربيع ، عن زياد بن علاقة ، عن زياد بن حرملة ، عن علي قال : هذه الآية لإبراهيم صلى الله عليه وسلم خاصة ، ليس لهذه الأمة منها شيء. (2)
* * *
* ذكر من قال : عني بها المهاجرون خاصة.
13512 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن ، عن قيس بن الربيع ، عن سماك ، عن عكرمة : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، قال : هي لمن هاجر إلى المدينة.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصحة في ذلك ، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الخبر الذي رواه ابن مسعود عنه أنه قال : الظلم الذي ذكره الله تعالى
__________
(1) في المطبوعة : " المهاجرين " ببناء " عني " للمفعول ، وأثبت ما في المخطوطة ، " عني " بالبناء للمجهول.
(2) الأثر : 13511 - " زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي " ، ثقة ، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/333 ، وابن أبي حاتم 1/2/540. وأما " زياد بن حرملة " ، فلم أجد له ذكرًا في شيء من الكتب ، ومع ذلك فقد جاء كذلك في المستدرك للحاكم. وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 316 ، بإسناده عن أبي حذيفة ، عن سفيان ، عن زياد بن علاقة ، عن زياد بن حرملة قال : سمعت علي بن أبي طالب. وذكر الخبر ، وفيه : " هذه في إبراهيم وأصحابه " . ثم قال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وإنما اتفقا على حديث الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله أنهم قالوا : يا رسول الله ، وأينا لم يظلم نفسه ، الحديث بطوله ، بغير هذا التأويل " . ولم يعقب عليه الذهبي بشيء ، وظني أنه ترك التعقيب عليه ، رجاء الظفر بخبر عن " زياد بن حرملة " هذا. والخبر ضعيف. لجهالة " زياد بن حرملة " حتى يعرف من هو ؟
ونسبه السيوطي في الدر المنثور 3 : 27 للفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والحاكم ، وابن مردويه ، وقصر في نسبته إلى ابن جرير.

(11/503)


وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

ذكره في هذا الموضع ، هو الشرك. (1)
* * *
وأما قوله : " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " ، فإنه يعني : هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك " لهم الأمن " يوم القيامة من عذاب الله " وهم مهتدون " ، يقول : وهم المصيبون سبيل الرشاد ، والسالكون طريق النجاة. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " وتلك حجتنا " ، قولَ إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين : " أي الفريقين أحق بالأمن " ، أمن يعبد ربًّا واحدًا مخلصًا له الدين والعبادة ، أم من يعبد أربابًا كثيرة ؟ وإجابتهم إياه بقولهم : " بل من يعبد ربًّا واحدًا أحق بالأمن " ، وقضاؤهم له على أنفسهم ، فكان في ذلك قطع عذرهم وانقطاع حجتهم ، واستعلاء حجة إبراهيم عليهم. (3) فهي الحجة
__________
(1) انظر الآثار السالفة رقم : 13476 - 13480 ، 13483.
(2) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدي).
(3) الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق ، ولو كان من عند غير الله لوجد الناس فيه اختلافًا كثيرًا. ورحم الله أبا جعفر وغفر له ما أخطأ ، وأبو جعفر على جلالة قدره ، وحفظه وضبطه وعنايته ، قد تناقض وأوقع في كلامه اختلافًا كبيرًا. فإنه في ص : 494 ، قد رجح أن الصواب في قوله تعالى ذكره : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " ، أنه خبر من الله تعالى ذكره عن أول الفريقين بالأمن ، وفصل قضاء منه بين إبراهيم وقومه. ثم قال : " وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله ، لكانوا قد أقروا بالتوحيد ، واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد ، ولكنه كما ذكرت من تأويله بديًّا " . ثم عاد هنا بعد بضع صفحات ، ففسر هذه الآية ، وزعم أن ذلك من إجابة قوم إبراهيم لإبراهيم ، وهو القول الذي نقضه!! وهذا تناقض بين ، ولكنه يأتي في كتب العلماء ، حجة من الله على خلقه أنهم لا عصمة لهم في شيء ، وأن العصمة لله وحده سبحانه.

(11/504)


التي آتاها الله إبراهيم على قومه ، كالذي : -
13513 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " ، قال : هي " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " .
13514 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا يحيى بن زكريا ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : قال إبراهيم حين سأل : " أي الفريقين أحق بالأمن " ، قال : هي حجة إبراهيم وقوله : " وآتيناها إبراهيم على قومه " ، يقول : لقناها إبراهيم وبَصَّرناه إياها وعرفّناه " على قومه نرفع درجات من نشاء " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والبصرة : " نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ " ، بإضافة " الدرجات " إلى " من " ، بمعنى : نرفع الدرجات لمن نشاء.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ بتنوين " الدرجات " ، بمعنى : نرفع من نشاء درجات.
* * *
و " الدرجات " جمع " درجة " ، وهي المرتبة. وأصل ذلك مراقي السلم ودرَجه ، ثم تستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب. (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : هما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة ، متقارب معناهما. وذلك أن من رفعت درجته ، فقد رفع في الدرج ومن رفع في الدرج ، فقد رفعت درجته. فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الدرجة " فيما سلف 4 : 523 - 536/7 : 368/9 : 95 ، وتفسيره هنا أوضح مما سبق.

(11/505)


فمعنى الكلام إذًا : " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " ، فرفعنا بها درجته عليهم ، وشرّفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا ، فآتيناه فيها أجره وأما في الآخرة ، فهو من الصالحين " نرفع درجات من نشاء " ، أي بما فعل من ذلك وغيره.
* * *
وأما قوله : " إن ربك حكيم عليم " ، فإنه يعني : إن ربك ، يا محمد ، " حكيم " ، في سياسته خلقَه ، وتلقينه أنبياءه الحجج على أممهم المكذّبة لهم ، الجاحدة توحيد ربهم ، وفي غير ذلك من تدبيره " عليم " ، بما يؤول إليه أمر رسله والمرسل إليهم ، من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم ، وهلاكهم على ذلك ، أوإنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى ذكره وتصديق رسله ، والرجوع إلى طاعته. (1)
* * *
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : فأتَسِ ، (2) يا محمد ، في نفسك وقومك المكذبيك ، والمشركين ، بأبيك خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، واصبر على ما ينوبك منهم صبرَه ، فإني بالذي يؤول إليه أمرك وأمرهم عالم ، وبالتدبير فيك وفيهم حكيم. (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير : " حكيم " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة.
(2) " ائتسى به " ، جعله أسوة له في نفسه وسيرته. وكان في المطبوعة " تأس " ، وهي بمعناها ، وأثبت ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " بالتدبير " بغير واو العطف ، والصواب إثباتها.

(11/506)


وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)

القول في تأويل قوله : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فجزينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم على طاعته إيانا ، وإخلاصه توحيد ربه ، ومفارقته دين قومه المشركين بالله ، بأن رفعنا درجته في عليين ، وآتيناه أجره في الدنيا ، ووهبنا له أولادًا خصصناهم بالنبوّة ، وذرية شرفناهم منا بالكرامة ، وفضلناهم على العالمين ، (1) منهم : ابنه إسحاق ، وابن ابنه يعقوب " كلا هدينا " ، يقول : هدينا جميعهم لسبيل الرشاد ، فوفقناهم للحق والصواب من الأديان (2) " ونوحًا هدينا من قبل " ، يقول : وهدينا لمثل الذي هدينا إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الحق والصواب ، فوفقناه له نوحًا ، من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
* * *
" ومن ذريته داود " ، و " الهاء " التي في قوله : " ومن ذريته " ، من ذكر نوح. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا فقال : " وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلا فضلنا على العالمين " . ومعلوم أن لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين. فإذا كان ذلك كذلك ، وكان معطوفًا على أسماء من سمَّينا من ذريته ، كان لا شك أنه لو أريد بالذرية ذرية إبراهيم ، لما دخل يونس ولوط فيهم. ولا شك أن لوطًا ليس من ذرّية إبراهيم ، ولكنه من ذرية نوح ، فلذلك وجب أن تكون " الهاء " في " الذرية " من ذكر نوح. (3)
__________
(1) انظر تفسر " وهب " فيما سلف 6 : 212.
(2) انظر تفسير " كل " فيما سلف 9 : 96 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الذرية " فيما سلف 3 : 19 ، 73/5 : 543/6 : 327 ، 362/8 : 19.

(11/507)


وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)

فتأويل الكلام : ونوحًا وفقنا للحق والصواب من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وهدينا أيضًا من ذرّية نوح ، داود وسليمان.
و " داود " ، هو داود بن إيشا (1) و " سليمان " هو ابنه : سليمان بن داود و " أيوب " ، هو أيوب بن موص بن رزاح (2) بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم و " يوسف " ، هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم و " موسى " ، هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب و " هارون " ، أخو موسى.
* * *
" وكذلك نجزي المحسنين " ، يقول تعالى ذكره : جزينا نوحًا بصبره على ما امتحن به فينا ، بأن هديناه فوفقناه لإصابة الحق الذي خذلنا عنه من عصانا فخالف أمرنا ونهينا من قومه ، وهدينا من ذريته من بعده من ذكر تعالى ذكره من أنبيائه لمثل الذي هديناه له. وكما جزينا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا وصبرهم على المحن فينا ، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهدينا أيضًا لمثل الذي هدينا له نوحًا من الهدى والرشاد من ذريته : زكريا بن إدُّو بن برخيَّا ، (4) ويحيى بن زكريا ،
__________
(1) { يسَّى} في كتاب القوم ، وقد مضى في التفسير 5 : 355 : " بن إيشي " .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " روح " والصواب من تاريخ الطبري 1 : 165.
(3) انظر تفسير " الجزاء " ، و " الإحسان " فيما سلف من فهارس اللغة (جزي) (حسن).
(4) في كتاب القوم ( بن عِدُّوْ ( في " عزرا " . الإصحاح الخامس والسادس. وفي المطبوعة : " بن أزن " وفي المخطوطة : " بن أدر " ، وقال صاحب قاموس الكتاب : " زكريا بن يبرخيا ابن عدو . . . يذكر بأنه " بن عدو " ، وسبب ذلك على الأرجح أن أباه برخيا ، مات في ريعان الشباب ، فنسب حسب العوائد ، إلى جده " عدو " الذي كان مشهورًا أكثر من أبيه " . وفي كتاب القوم ( يبرخيّا ( ، وكان في المطبوعة " بركيا " ، وهو في المخطوطة غير حسن الكتابة ، فأثبت ما في تاريخ الطبري 2 : 13.

(11/508)


وعيسى ابن مريم ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا ، (1) وإلياس .
* * *
واختلفوا في " إلياس " .
فكان ابن إسحاق يقول : هو إلياس بن يسى (2) بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ، ابن أخي موسى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وكان غيره يقول : هو إدريس. وممن ذكر ذلك عنه عبد الله بن مسعود.
13515 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبيدة بن ربيعة ، عن عبد الله بن مسعود قال : " إدريس " ، هو " إلياس " ، و " إسرائيل " ، هو " يعقوب " . (3)
* * *
وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون : " إدريس " ، جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، و " أخنوخ " هو " إدريس بن يرد بن مهلائيل " . وكذلك روي عن وهب بن منبه.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " عمران بن أشيم بن أمور " ، خطأ ، صوابه مما سلف 6 : 328 ، 329 ، ومن تاريخ الطبري 2 : 13.
(2) في تاريخ الطبري 2 : 13 " بن ياسين " .
(3) الأثر : 13515 - " عبيدة بن ربيعة " ، كوفي ، روى عن ابن مسعود ، وعثمان ابن عفان. روى عنه الشعبي ، وأبو إسحق السبيعي. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/91. و " أبو إسحق " هو السبيعي ، كما سلف ، وكان في المخطوطة والمطبوعة " ابن إسحق " ، وهو خطأ محض. وهذا الخبر ذكره البخاري تعليقًا (الفتح 6 : 265) ، وقال الحافظ : " أما قول ابن مسعود ، فوصله عبيد بن حميد ، وابن أبي حاتم بإسناد حسن ، عنه " .

(11/509)


وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)

والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب. وذلك أنّ الله تعالى ذكره نسب " إلياس " في هذه الآية إلى " نوح " ، وجعله من ذريته ، و " نوح " ابن إدريس عند أهل العلم ، فمحال أن يكون جدّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته.
* * *
وقوله : " كل من الصالحين " ، يقول : من ذكرناه من هؤلاء الذين سمينا (1) " من الصالحين " ، يعني : زكريا ويحيى وعيسى وإلياس صلى الله عليهم. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهدينا أيضًا من ذرية نوح " إسماعيل " وهو : إسماعيل بن إبراهيم " واليسع " ، هو اليسع بن أخْطُوب بن العجوز.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة اسمه.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق : (وَالْيَسَعَ) بلام واحدة مخففة.
* * *
وقد زعم قوم أنه " يفعل " ، من قول القائل : " وسِعَ يسع " . ولا تكاد العرب تدخل " الألف واللام " على اسم يكون على هذه الصورة أعني على " يفعل " لا يقولون : " رأيت اليزيد " ولا " أتاني اليَحْيَى " (3) ولا " مررت باليشكر " ، إلا
__________
(1) انظر تفسير " كل " فيما سلف ص : 507 ، تعليق : 2 ، والمرجع هناك.
(2) انظر تفسير " الصالح " فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).
(3) في المطبوعة : " أتاني التجيب " ، وهو خطأ محض ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وكان فيها " أتاني اليحيا " غير منقوط ، وهذا صواب قراءتها.

(11/510)


في ضرورة شعر ، وذلك أيضًا إذا تُحُرِّي به المدح ، (1) كما قال بعضهم : (2)
وَجَدْنَا الْوَليدَ بْنَ الْيَزِيدَ مُبَارَكًا... شَدِيدًا بِأَحْنَاءِ الْخِلافَةِ كَاهِلُهْ (3)
فأدخل في " اليزيد " الألف واللام ، (4) وذلك لإدخاله إياهما في " الوليد " ، فأتبعه " اليزيد " بمثل لفظه. (5)
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفيين : (وَاللَّيْسَعَ) بلامين ، وبالتشديد ، وقالوا : إذا قرئ كذلك ، كان أشبه بأسماء العجم ، وأنكروا التخفيف. وقالوا : لا نعرف في كلام العرب اسمًا على " يفعل " فيه ألف ولام.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندي ، قراءةُ من قرأه بلام واحدة مخففة ، لإجماع أهل الأخبار على أن ذلك هو المعروف من اسمه ، دون التشديد ، مع أنه اسم أعجمي ، فينطق به على ما هو به. وإنما يُعْلَم دخول
__________
(1) في المخطوطة : إذا تحر به المدح " ، غير منقوطة ، وما في المطبوعة شبيه بالصواب ، والذي في معاني القرآن للفراء : " والعرب إذا فعلت ذلك ، فقد أمست الحرف مدحًا " .
(2) هو ابن ميادة.
(3) معاني القرآن للفراء 1 : 342 ، أمالي ابن الشجري 1 : 154/2 : 252 ، 342 ، الخزانة 1 : 327 ، شرح شواهد المغني : 60 ، وغيرها كثير. من شعر مدح فيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وقبل البيت : هَمَمْتُ بِقَولٍ صَادِقٍ أنْ أقولَهُ ... وَإنِّي عَلَى رَغْمِ العَدُوِّ لقَائِلُهْ
وبعده : أضَاء سِرَاجُ المُلْكِ فَوْقَ جَبِينِهِ ... غَدَاةَ تَنَاجَى بِالنَّجَاحِ قَوَابِلُهْ
وكان في المطبوعة : " بأعباء الخلافة " ، وهي إحدى الروايتين ، وأثبت ما في المخطوطة. و " أحناء الخلافة " ، نواحيها وجوانبها جمع " حنو " (بكسر فسكون) ، كنى بذلك عن حمل مشقات الخلافة ، وتدبير الملك ، وسياسة الرعية.
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " فأدخل اليزيد " بإسقاط " في " والصواب إثباتها.
(5) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 342.

(11/511)


وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)

" الألف واللام " فيما جاء من أسماء العرب على " يفعل " . (1) وأما الاسم الذي يكون أعجميًّا ، فإنما ينطق به على ما سَمَّوا به. فإن غُيِّرَ منه شيء إذا تكلمت العرب به ، فإنما يغيّر بتقويم حرف منه من غير حذف ولا زيادة فيه ولا نقصان. و " الليسع " إذا شدد ، لحقته زيادة لم تكن فيه قبل التشديد. وأخرى ، أنه لم يحفظ عن أحد من أهل العلم علمنا أنه قال : اسمه " ليسع " . فيكون مشددًا عند دخول " الألف واللام " اللتين تدخلان للتعريف.
* * *
و " يونس " هو : يونس بن متى " ولوطًا وكلا فضلنا " ، من ذرية نوح ونوحًا ، (2) لهم بينا الحق ووفقناهم له ، وفضلنا جميعهم " على العالمين " ، يعني : على عالم أزمانهم. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهدينا أيضًا من آباء هؤلاء الذين سماهم تعالى ذكره " ومن ذرياتهم وإخوانهم " ، آخرين سواهم ، لم يسمهم ، للحق والدين الخالص الذي لا شرك فيه ، فوفقناهم له " واجتبيناهم " ، يقول : واخترناهم لديننا وبلاغ رسالتنا إلى من أرسلناهم إليه ، كالذي اخترنا ممن سمَّينا.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " وإنما لا يستقيم دخول الألف واللام " ، وهو تغيير لما في المخطوطة وزيادة فيها ، وإفساد لمعنى الكلام ، ونقض لما أراده أبو جعفر. وكان في المخطوطة : " وإنما نصم دخول الألف واللام " ، وهو فاسد الكتابة ، وصواب قراءته ما أثبت " يعلم " بالبناء للمجهول.
يعني أن دخول الألف واللام إنما يعرف فيما جاء من أسماء العرب على " يفعل " . وهذا مناقض لما كتبه الناشر.
(2) في المطبوعة : " ونوح " بالرفع وهو خطأ ، وتغيير لما في المخطوطة. وكان في المخطوطة : " له بينا الحق " ، والأشبه بالصواب ما في المطبوعة.
(3) انظر تفسير " العالمين " فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

(11/512)


ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)

يقال منه : " اجتبى فلان لنفسه كذا " ، إذا اختاره واصطفاه ، " يجتبيه اجتباء " . (1)
* * *
وكان مجاهد يقول في ذلك ما : -
13516 - حدثني به محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " واجتبيناهم " ، قال : أخلصناهم.
13517 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .
* * *
" وهديناهم إلى صراط مستقيم " ، يقول : وسدّدناهم فأرشدناهم إلى طريق غير معوجّ ، وذلك دين الله الذي لا عِوَج فيه ، وهو الإسلام الذي ارتضاه الله ربُّنا لأنبيائه ، وأمر به عباده. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ذلك هدى الله " ، هذا الهدي الذي هديت به من سميت من الأنبياء والرسل ، فوفقتهم به لإصابة الدين الحقّ الذي نالوا بإصابتهم إياه رضا ربهم ، وشرفَ الدنيا ، وكرامة الآخرة ، هو " هدى
__________
(1) انظر تفسير " اجتبى " فيما سلف 7 : 427.
(2) انظر تفسير " الصراط المستقيم " فيما سلف 10 : 146 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(11/513)


أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)

الله " ، يقول : هو توفيق الله ولطفه ، الذي يوفق به من يشاء ، ويلطف به لمن أحب من خلقه ، حتى ينيب إلى طاعة الله ، وإخلاص العمل له ، وإقراره بالتوحيد ، ورفضِ الأوثان والأصنام (1) " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " ، يقول : ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم ، بربهم تعالى ذكره ، فعبدوا معه غيره " لحبط عنهم " ، يقول : لبطل فذهبَ عنهم أجرُ أعمالهم التي كانوا يعملون ، (2) لأن الله لا يقبل مع الشرك به عملا .
* * *
القول في تأويل قوله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " أولئك " ، هؤلاء الذين سميناهم من أنبيائه ورسله ، نوحًا وذريته الذين هداهم لدين الإسلام ، واختارهم لرسالته إلى خلقه ، هم " الذين آتيناهم الكتاب " ، يعني بذلك : صحفَ إبراهيم وموسى ، وزبور داود ، وإنجيل عيسى صلوات الله عليهم أجمعين " والحكم " ، يعني : الفهم بالكتاب ، ومعرفة ما فيه من الأحكام. وروي عن مجاهد في ذلك ما : -
13518 - حدثني المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا أبان قال ، حدثنا مالك بن شداد ، عن مجاهد : " والحكم والنبوة " ، قال : " الحكم " ، هو اللبُّ. (3)
__________
(1) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(2) انظر تفسير " حبط " فيما سلف 4 : 317/6 : 287/9 : 592/10 : 409.
(3) الأثر : 13518 - " مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي " ، مضى مرارًا آخرها رقم : 7487.
و " أبان " هو : " أبان بن يزيد العطار " ، مضى برقم : 3832 ، 9656.
" مالك بن شداد " هكذا هو في المطبوعة والمخطوطة ، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي في الكتب ، ولعله محرف عن شيء لا أعرفه.

(11/514)


وعنى بذلك مجاهد ، إن شاء الله ، ما قلت ، لأن " اللب " هو " العقل " ، فكأنه أراد : أن الله آتاهم العقل بالكتاب ، وهو بمعنى ما قلنا أنه الفهم به.
* * *
وقد بينا معنى " النبوة " و " الحكم " ، فيما مضى بشواهدهما ، فأغنى ذلك عن إعادته. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فإن يكفر : يا محمد ، بآيات كتابي الذي أنزلته إليك فيجحد هؤلاء المشركون العادلون بربهم ، كالذي : -
13519 - حدثني علي بن داود قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، يقول : إن يكفروا بالقرآن.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ ب " هؤلاء " .
فقال بعضهم : عُني بهم كفار قريش وعنى بقوله : " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، الأنصار.
* ذكر من قال ذلك :
13520 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا سليمان قال ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة في قول الله تعالى ذكره : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، قال : أهل مكة " فقد وكلنا بها " ، أهل المدينة.
__________
(1) انظر تفسير " النبوة " فيما سلف : 2 : 140 - 142/6 : 284 ، 380 .
وتفسير " الحكم " فيما سلف 3 : 86 - 88 ، 211/6 : 538.

(11/515)


13521 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن جويبر ، عن الضحاك ، " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، قال : الأنصار.
13522 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، عن جويبر ، عن الضحاك : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، قال : إن يكفر بها أهل مكة " فقد وكلنا بها " ، أهل المدينة الأنصار " ليسوا بها بكافرين " .
13523 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، يقول : إن تكفر بها قريش " فقد وكلنا بها " ، الأنصار.
13524 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، أهل مكة " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، أهلَ المدينة.
13525 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، قال : كان أهل المدينة قد تبوءوا الدار والإيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أنزل الله عليهم الآيات ، جحد بها أهل مكة. فقال الله تعالى ذكره : " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " . قال عطية : ولم أسمع هذا من ابن عباس ، ولكن سمعته من غيره. (1)
13526 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، يعني أهل
__________
(1) الأثر : 13525 - " عطية " ، هو " عطية بن سعد العوفي " ، جد " محمد بن سعد " الأعلى ، وهو مفسر في شرح هذا الإسناد رقم : 305.

(11/516)


مكة. يقول : إن يكفروا بالقرآن " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، يعني أهلَ المدينة والأنصار.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : فإن يكفر بها أهل مكة ، فقد وكلنا بها الملائكة.
* ذكر من قال ذلك :
13527 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن عوف ، عن أبي رجاء : " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، قال : هم الملائكة .
13528 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وابن أبي عدي وعبد الوهاب ، عن عوف ، عن أبي رجاء ، مثله .
* * *
وقال آخرون : عنى بقوله : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، يعني قريشًا وبقوله : " فقد وكلنا بها قومًا " ، الأنبياء الذين سماهم في الآيات التي مضت قبلَ هذه الآية.
* ذكر من قال ذلك :
13529 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، يعني أهل مكة " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ .
13530 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، قال : يعني قوم محمد. ثم قال : " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، يعني : النبيين الذين قص قبل هذه الآية قصصهم. ثم قال : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " .
* * *

(11/517)


أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قولُ من قال : عنى بقوله : " فإن يكفر بها هؤلاء " ، كفار قريش " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، يعني به الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية. وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى ، وفي التي بعدها عنهم ذكر ، فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم ، (1) أولى وأحق من أن يكون خبرًا عن غيرهم.
* * *
فتأويل الكلام ، إذ كان ذلك كذلك : فإن كفر قومك من قريش ، يا محمد ، بآياتنا ، (2) وكذبوا وجحدوا حقيقتها ، فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رُسلَنا وأنبياءنا من قبلك ، الذين لا يجحدون حقيقتها ، ولا يكذبون بها ، ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها.
* * *
وقد قال بعضهم : معنى قوله : " فقد وكّلنا بها قومًا " ، رزقناها قومًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " أولئك " ، هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين ، هم الذين هداهم الله لدينه الحق ، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه ، والقيام بحدوده ، واتباع حلاله وحرامه ، والعمل بما فيه من أمر الله ، والانتهاء عما فيه من نهيه ، فوفقهم جل ثناؤه لذلك " فبهداهم اقتده " ،
__________
(1) في المطبوعة : " ففيما بينها " ، وفي المخطوطة " " فما بينهم " ، والصواب بينهما ما أثبت .
(2) في المطبوعة : " فإن يكفر قومك من قريش " ، وفي المخطوطة : " فإن يكفر بها قومك " والكلام لا يستقيم إلا بحذف " بها " ولكن الجملة لا تستقيم أيضًا في العطوف المتتابعة حتى تكون " فإن كفر قومك " ، فعلا ماضيًا كالذي عطف عليه.

(11/518)


يقول تعالى ذكره : فبالعمل الذي عملوا ، والمنهاج الذي سلكوا ، وبالهدى الذي هديناهم ، والتوفيق الذي وفقناهم " اقتده " ، يا محمد ، أي : فاعمل ، وخذ به واسلكه ، فإنه عمل لله فيه رضًا ، ومنهاجٌ من سلكه اهتدى.
* * *
وهذا التأويل على مذهب من تأوّل قوله : " فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، أنهم الأنبياء المسمون في الآيات المتقدمة. وهو القول الذي اخترناه في تأويل ذلك.
* * *
وأما على تأويل من تأول ذلك : أن القوم الذين وكّلوا بها هم أهل المدينة أو : أنهم هم الملائكة فإنهم جعلوا قوله : " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين " ، اعتراضًا بين الكلامين ، ثم ردّوا قوله : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ، على قوله : " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة " .
* ذكر من قال ذلك :
13531 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " ووهبنا له إسحاق ويعقوب " إلى قوله : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ، يا محمد .
13532 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أولئك الذين هدى الله " ، يا محمد ، " فبهداهم اقتده " ، ولا تقتد بهؤلاء.
13533 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثني أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " .
13534 - حدثنا علي بن داود قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : ثم قال في الأنبياء

(11/519)


الذين سماهم في هذه الآية : " فبهداهم اقتده " .
* * *
ومعنى : " الاقتداء " في كلام العرب ، بالرجل : اتباع أثره ، والأخذ بهديه. يقال : " فلان يقدو فلانًا " ، إذا نحا نحوه ، واتبع أثره ، " قِدَة ، وقُدوة وقِدوة وقِدْيَة " . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " لهؤلاء الذين أمرتك أن تذكّرهم بآياتي ، أن تبسَل نفس بما كسبت ، من مشركي قومك يا محمد : " لا أسألكم " ، على تذكيري إياكم ، والهدى الذي أدعوكم إليه ، والقرآن الذي جئتكم به ، عوضًا أعتاضه منكم عليه ، وأجرًا آخذه منكم ، (2) وما ذلك مني إلا تذكير لكم ، ولكل من كان مثلكم ممن هو مقيم على باطل ، بَأسَ الله أن يَحُلّ بكم ، وسَخَطه أن ينزل بكم على شرككم به وكفركم وإنذارٌ لجميعكم بين يدي عذاب شديد ، لتذكروا وتنزجروا. (3)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " كتب مكان " وقدية " " وقدوة " ، وهو خطأ صرف ، خالف ما في المخطوطة وهو الصواب.
(2) انظر تفسير " الأجر فيما سلف من فهارس اللغة (أجر).
(3) انظر تفسير " ذكرى " فيما سلف ص : 439.

(11/520)


وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)

القول في تأويل قوله : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " وما قدروا الله حق قدره " ، وما أجلُّوا الله حق إجلاله ، ولا عظموه حق تعظيمه " إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، يقول : حين قالوا : لم ينزل الله على آدميٍّ كتابًا ولا وحيًا. (1)
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله : " إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، وفي تأويل ذلك.
فقال بعضهم : كان قائل ذلك رجلا من اليهود.
* * *
ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل.
فقال بعضهم : كان اسمه : مالك بن الصيف.
* * *
وقال بعضهم : كان اسمه فنحاص.
* * *
واختلفوا أيضًا في السبب الذي من أجله قال ذلك.
* * *
* ذكر من قال : كان قائل ذلك : مالك بن الصيف.
13535 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أما تجد في التوراة أن الله يُبْغِض الحَبْر السمين ؟ وكان حبرًا سمينًا ، فغضب فقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء ! فقال له أصحابه الذين معه : ويحك! ولا موسى! فقال :
__________
(1) انظر تفسير " بشر " فيما سلف 6 : 538/10 : 152.

(11/521)


والله ما أنزل الله على بشر من شيء ! فأنزل الله : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى " ، الآية .
13536 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة قوله : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، قال : نزلت في مالك بن الصيف ، كان من قريظة ، من أحبار يهود " قل " يا محمد " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس " ، الآية .
* * *
* ذكر من قال : نزلت في فنحاص اليهوديّ.
13537 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، قال : قال فنحاص اليهوديّ : ما أنزل الله على محمد من شيء!
* * *
وقال آخرون : بل عنى بذلك جماعة من اليهود ، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آيات مثل آيات موسى.
* ذكر من قال ذلك :
13538 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس قال ، حدثنا أبو معشر المدني ، عن محمد بن كعب القرظي قال : جاء ناسٌ من يهودَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو مُحْتَبٍ ، فقالوا : يا أبا القاسم ، ألا تأتينا بكتاب من السماء ، كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله ؟ فأنزل الله : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ، الآية[سورة النساء : 153]. فجثا رجل من يهود فقال : ما أنزل الله عليك

(11/522)


ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئًا! فأنزل الله : " وما قدروا الله حق قدره " . قال محمد بن كعب : ما علموا كيف الله (1) " إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا " ، فحلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حُبْوته ، وجعل يقول : " ولا على أحَدٍ " . (2)
13539 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، إلى قوله : " في خوضهم يلعبون " ، هم اليهود والنصارى ، قوم آتاهم الله علمًا فلم يقتدوا به ، (3)
ولم يأخذوا به ، ولم يعملوا به ، فذمهم الله في عملهم ذلك. ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول : إن من أكثر ما أنا مخاصَمٌ به غدًا أن يقال : يا أبا الدرداء ، قد علمت ، فماذا عملت فيما علمت ؟
13540 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، يعني من بني إسرائيل ، قالت اليهود : يا محمد ، أنزل الله عليك كتابًا ؟ قال : نعم! قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابًا! قال : فأنزل الله : " قل " يا محمد " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناس " ، إلى قوله : " ولا آباؤكم " ، قال : الله أنزله .
* * *
وقال آخرون : هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا : " ما أنزل الله على بشر من شيء " .
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " ما علموا كيف الله " ، هكذا ، وهو تعبير غريب جدًا أكاد أستنكره ، وأخشى أن يكون تحريفًا ، وهو تفسير للآية ، أي : " قدروا الله " .
(2) الأثر : 13538 - هذا الخبر لم يذكر في تفسير الآية من سورة النساء 9 : 356 - 358 ، وهذا من وجوه اختصار أبي جعفر تفسيره.
(3) في المطبوعة : " فلم يهتدوا " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11/523)


* ذكر من قال ذلك :
13541 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال عبد الله بن كثير : أنه سمع مجاهدًا يقول : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ، قالها مشركو قريش. قال : وقوله : (قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلناسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) ، (1) قال : هم يهود ، الذين يبدونها ويخفون كثيرًا. قال : وقوله : " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " ، قال : هذه للمسلمين.
13542 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وما قدروا الله حق قدره " ، قال : هم الكفار ، لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم ، فمن آمنَ أن الله على كل شيء قدير ، فقد قدر الله حق قدره. ومن لم يؤمن بذلك ، فلم يقدر الله حق قدره.
13543 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وما قدروا الله حق قدره " ، يقول : مشركو قريش .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك ، قول من قال : عني بقوله (2) " وما قدروا الله حق قدره " ، مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا فأن يكون ذلك أيضًا خبرًا عنهم ، أشبهُ من أن يكون خبرًا عن اليهود ولما يجر لهم ذكرٌ يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية ، من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا من الكتب ، وليس ذلك مما تدين به اليهود ، بل المعروف من دين اليهود : الإقرار
__________
(1) هذه إحدى القراءتين في الآية بالياء فيها جميعا " يجعلونه " ، " يبدونها " ، " يخفون " ، وهي غير قراءتنا في مصحفنا ، وسيذكرها أبو جعفر فيما يلي.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " عني بذلك " ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(11/524)


بصُحُف إبراهيم وموسى ، وزبور داود. وإذا لم يأت بما روي من الخبر ، (1) بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود ، خبرٌ صحيح متصل السند ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماعٌ وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبرًا عن المشركين من عبدة الأوثان وكان قوله : " وما قدروا الله حق قدره " ، موصولا بذلك غير مفصول منه (2) لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول ، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.
ولكني أظن أن الذين تأوّلوا ذلك خبرًا عن اليهود ، وجدوا قوله : " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " ، فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة ، فقرءوه على وجه الخطاب لهم : تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ ، (3) فجعلوا ابتداء الآية خبرًا عنهم ، إذ كانت خاتمتها خطابًا لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل ، لما وصفت قبل من أن قوله : " وما قدروا الله حق قدره " ، في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان وهو به متصل ، فالأولى أن يكون ذلك خبرًا عنهم .
والأصوب من القراءة في قوله : (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) ، أن يكون بالياء لا بالتاء ، على معنى : أنّ اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا ، ويكون الخطاب بقوله : " قل من أنزل الكتاب " ، لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك ، وكذلك كان يقرأ.
13544 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " وإذا لم يكن بما روى هذا الخبر " ، وهو كلام غير مستقيم ، صوابه ما أثبت إن شاء الله - أي : " وإذا لم يأت بما روى . . . خبر صحيح " .
(2) السياق : " وإذا لم يأت بما روى . . . خبر صحيح . . .ولا كان . . . وكان الخبر. . . وكان قوله .. . . لم يجز " ، كل ذلك عطوف متتابعة ، وجواب " وإذ لم يأت " قوله : " لم يجز " .
(3) هذه القراءة الثانية للآية ، وهي قراءتنا اليوم في مصحفنا.

(11/525)


حماد ، عن أيوب ، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف : (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا).
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا }
(1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، لمشركي قومك القائلين لك : " ما أنزل الله على بشر من شيء " قل : " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا " ، يعني : جلاءً وضياء من ظلمة الضلالة (2) " وهدى للناس " ، يقول : بيانًا للناس ، يبين لهم به الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم (3) " تجعلونه قراطيس تبدونها " .
* * *
فمن قرأ ذلك : (تَجْعَلُونَهُ) ، جعله خطابًا لليهود على ما بيّنت من تأويل من تأوّل ذلك كذلك.
* * *
ومن قرأه بالياء : (يَجْعَلُونَهُ) ، فتأويله في قراءته : يجعله أهله قراطيس ، وجرى الكلام في " يبدونها " بذكر " القراطيس " ، والمراد منه المكتوب في القراطيس ، يراد : يبدون كثيرًا مما يكتبون في القراطيس فيظهارونه للناس ، ويخفون كثيرًا مما يثبتونه في القراطيس فيسرُّونه ويكتمونه الناس. (4)
* * *
__________
(1) أثبت الآية على قراءتنا في مصحفنا ، وإن كان تفسير أبي جعفر بعد على القراءة الأخرى. فليتنبه قارئ التفسير إلى موضع الخلاف كما حرره أبو جعفر ، ص : 524 ، 525.
(2) انظر تفسير " النور " فيما سلف 10 : 338 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(4) انظر تفسير " القرطاس " فيما سلف ص365 : 366.

(11/526)


ومما كانوا يكتمونه إياهم ، ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته ، كالذي : -
13545 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا " ، اليهود.
13546 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : " قل " يا محمد " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها " ، يعني يهود ، لما أظهروا من التوراة " ويخفون كثيرًا " ، مما أخفوا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه قال ابن جريج : وقال عبد الله بن كثير : إنه سمع مجاهدًا يقول : " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا " ، قال : هم يهود ، الذين يبدونها ويخفون كثيرًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وعلمكم الله جل ثناؤه بالكتاب الذي أنزله إليكم ، (1) ما لم تعلموا أنتم من أخبار من قبلكم ، ومن أنباء من بعدكم ، وما هو كائن في معادكم يوم القيامة " ولا آباؤكم " ، يقول : ولم يعلمه آباؤكم ، أيها المؤمنون بالله من العرب وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، كالذي : -
13547 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن مجاهد : " وعلمتم " ، معشرَ العرب " ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " .
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " الكتاب " بغير باء الجر ، والصواب إثباتها ، فإن مفعول " علمكم " ، هو : " ما لم تعلموا " .

(11/527)


13548 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال عبد الله بن كثير : إنه سمع مجاهدًا يقول في قوله : " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " ، قال : هذه للمسلمين .
* * *
وأما قوله : " قل الله " ، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يجيبَ استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمره باستفهامهم عنه بقوله : " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا " ، (1) بقيل الله ، (2) كأمره إياه في موضع آخر في هذه السورة بقوله : (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) ، [سورة الأنعام : 63]. (3) فأمره باستفهام المشركين عن ذلك ، كما أمره باستفهامهم إذ قالوا : " ما أنزل الله على بشر من شيء " ، عمن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس. ثم أمره بالإجابة عنه هنالك بقيله : { قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } [سورة الأنعام : 64] ، كما أمره بالإجابة ههنا عن ذلك بقيله : الله أنزله على موسى ، كما : -
13549 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس " ، قال : الله أنزله. (4)
* * *
ولو قيل : معناه : " قل : هو الله " ، على وجه الأمر من الله له بالخبر عن
__________
(1) هذه القراءة الأخرى التي اختارها أبو جعفر ، فتركت تفسيره على حاله ، لئلا يختلط الكلام على قارئه.
(2) قوله " بقيل الله " متعلق بقوله " أن يجيب . . . " .
(3) وتركت هذه الآية أيضًا على قراءة أبي جعفر التي اختارها " لئن أنجيتنا " ، كما سلف ص : 414 ، وأما قراءتنا في مصحفنا : " لئن أنجانا " . وانظر ما مضى في ترجيح أبي جعفر أولى القراءتين على الأخرى.
(4) الأثر : 13549 - هذا مختصر الأثر السالف رقم : 13540.

(11/528)


ذلك لا على وجه الجواب ، إذ لم يكن قوله : " قل من أنزل الكتاب " مسألة من المشركين لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيكون قوله : " قل الله " ، جوابًا لهم عن مسألتهم ، وإنما هو أمرٌ من الله لمحمد بمسألة القوم : " من أنزل الكتاب " ؟ فيجب أن يكون الجواب منهم غير الذي قاله ابن عباس من تأويله كان جائزًا ، (1) من أجل أنه استفهام ، ولا يكون للاستفهام جوابٌ ، وهو الذي اخترنا من القول في ذلك لما بينا.
* * *
وأما قوله : " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " ، فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، (2) بعد احتجاجك عليهم في قيلهم : " ما أنزل الله على بشر من شيء " ، بقولك : " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس " ، وإجابتك ذلك بأن الذي أنزله : الله الذي أنزل عليك كتابه " في خوضهم " ، يعني : فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم بالله وآياته (3) " يلعبون " ، يقول : يستهزئون ويسخرون. (4)
* * *
وهذا من الله وعيد لهؤلاء المشركين وتهدُّد لهم : يقول الله جل ثناؤه : ثم دعهم لاعبين ، يا محمد. فإني من وراء ما هم فيه من استهزائهم بآياتي بالمرصاد ، وأذيقهم بأسي ، وأحلّ بهم إن تمادوا في غَيِّهم سَخَطي. (5)
* * *
__________
(1) قوله : " كان جائزًا " ، جواب قوله آنفًا " ولو قيل : معناه . . . " ، وما بينهما فصل.
(2) انظر تفسير " ذر " فيما سلف ص : 441 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الخوض " فيما سلف 9 : 320/11 : 436 .
(4) انظر تفسير " اللعب " فيما سلف ص : 441 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(5) في المطبوعة : " وتهديد لهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض ، ولكن الناشر غيره في جميع المواضع السالفة ، فجعله " تهديد " ، ولا أدري لم ؟

(11/529)


وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

القول في تأويل قوله : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا القرآن ، يا محمد " كتاب " .
* * *
وهو اسم من أسماء القرآن ، قد بينته وبينت معناه فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادته ، ومعناه مكتوب ، فوضع " الكتاب " مكان " المكتوب " . (1)
* * *
" أنزلناه " ، يقول : أوحيناه إليك " مبارك " ، وهو " مفاعل " من " البركة " (2) " مصدّق الذي بين يديه " ، يقول : صدّق هذا الكتاب ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه قبلك ، لم يخالفها [دلالة ومعنى] (3) " نورًا وهدى للناس " ، يقول : هو الذي أنزل إليك ، يا محمد ، هذا الكتاب مباركًا ، مصدقًا كتاب موسى وعيسى وغير ذلك من كتب الله. ولكنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عنه ، إذ كان قد تقدم [من] الخبر عن ذلك ما يدل على أنه [له] مواصل ، (4) فقال : " وهذا كتاب أنزلناه إليك مبارك " ، ومعناه : وكذلك أنزلت إليك كتابي هذا مباركًا ، كالذي أنزلت من التوراة إلى موسى هدى ونورًا.
* * *
وأما قوله : " ولتنذر أمَّ القرى ومن حولها " ، فإنه يقول : أنزلنا إليك ، يا محمد ،
__________
(1) انظر تفسير " كتاب " فيما سلف 1 : 97 ، 99.
(2) انظر تفسير " مبارك " فيما سلف 7 : 25.
(3) في المطبوعة : " لم يخالفها ولا ينبأ وهو معنى نورًا وهدى " ، وهو كلام لا يستقيم.
وفي المخطوطة : " لم يخالفها ولا ينبأ ومعنى نورًا وهدى " ، وهو غير منقوط ، وهو أيضًا مضطرب ، فرجحت ما كتبته بين القوسين استظهارًا لسياق المعنى.
(4) في المطبوعة : " ما يدل على أنه به متصل " ، وفي المخطوطة : " ما يدل على أنه من أصل " ، فرجحت ما أثبت ، وزدت " من " و " له " بين القوسين ، فإن هذا هو حق المعنى إن شاء الله.

(11/530)


هذا الكتاب مصدِّقًا ما قبله من الكتب ، ولتنذِر به عذابَ الله وبأسَه مَنْ في أم القرى ، وهي مكة " ومن حولها " ، شرقًا وغربًا ، من العادلين بربّهم غيره من الآلهة والأنداد ، والجاحدين برسله ، وغيرهم من أصناف الكفار.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13550 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ولتنذر أم القرى ومن حولها " ، يعنى ب " أم القرى " ، مكة " ومن حولها " ، من القرى إلى المشرق والمغرب.
13551 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ولتنذر أم القرى ومن حولها " ، و " أم القرى " ، مكة " ومن حولها " ، الأرض كلها.
13552 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : " ولتنذر أم القرى " ، قال : هي مكة وبه عن معمر ، عن قتادة قال : بلغني أن الأرض دُحِيَتْ من مكة.
13553 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولتنذر أم القرى ومن حولها " ، كنا نُحَدّث أن أم القرى ، مكة وكنا نحدَّث أن منها دُحيت الأرض.
13554 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط عن السدي : " ولتنذر أم القرى ومن حولها " ، أما " أم القرى " فهي مكة ، وإنما سميت " أم القرى " ، لأنها أول بيت وضع بها.
* * *

(11/531)


وقد بينا فيما مضى العلة التي من أجلها سميت مكة " أم القرى " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن كان يؤمن بقيام الساعة والمعادِ في الآخرة إلى الله ، ويصدِّق بالثواب والعقاب ، فإنه يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك ، يا محمد ، ويصدق به ، ويقرّ بأن الله أنزله ، ويحافظ على الصلوات المكتوبات التي أمرَه الله بإقامتها ، (2) لأنه منذرُ من بلغه وعيدَ الله على الكفر به وعلى معاصيه ، وإنما يجحد به وبما فيه ويكذِّب ، أهل التكذيب بالمعاد ، والجحود لقيام الساعة ، لأنه لا يرجو من الله إن عمل بما فيه ثوابًا ، ولا يخاف إن لم يجتنب ما يأمره باجتنابه عقابًا.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ }
قال أبو جعفر : يعني جل ذكره بقوله : " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا " ، ومن أخطأ قولا وأجهل فعلا " ممن افترى على الله كذبًا " ، يعني : ممن اختلق
__________
(1) انظر تفسير " أم القرى " فيما سلف 1 : 108 ، وانظر أيضًا الأثر رقم : 6589.
(2) انظر تفسير " المحافظة على الصلوات " فيما سلف 5 : 167 ، 168.

(11/532)


على الله كذبًا ، (1) فادعى عليه أنه بعثه نبيًّا وأرسله نذيرًا ، وهو في دعواه مبطل ، وفي قيله كاذب.
* * *
وهذا تسفيهٌ من الله لمشركي العرب ، وتجهيلٌ منه لهم ، في معارضة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، والحنفيِّ مسيلمة ، لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، بدعوى أحدهما النبوّة ، ودعوى الآخر أنه قد جاء بمثل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفْيٌ منه عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اختلاقَ الكذب عليه ودعوى الباطل.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك :
13555 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين ، قال حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة قوله : " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء " ، قال : نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة ، فيما كان يسجع ويتكهن به " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ، نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، أخي بني عامر بن لؤي ، كان كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، (2) وكان فيما يملي " عزيز حكيم " ، فيكتب " غفور رحيم " ، فيغيره ، ثم يقرأ عليه " كذا وكذا " ، لما حوَّل ، فيقول : " نعم ، سواءٌ " . فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم : لقد كان ينزل عليه " عزيز حكيم " فأحوِّله ، ثم أقرأ ما كتبت ، (3) فيقول : " نعم سواء " ! ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة ، إذ
__________
(1) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف ص : 296 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) في المطبوعة : " كان يكتب للنبي . . . " ، والصواب الجيد ما في المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " ثم أقول لما أكتب " ، وفي المخطوطة : " ثم أقول أكتب " ، وفوق الكلام حرف (ط) من الناسخ ، دلالة على الخطأ ، وأنه خطأ قديم في النسخة التي نقل عنها. ورجحت قراءتها كما أثبت ، وهو سياق الكلام.

(11/533)


نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمرّ. (1)
* * *
وقال بعضهم : بل نزل ذلك في عبد الله بن سعد خاصة .
* ذكر من قال ذلك :
13556 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء " إلى قوله : " تجزون عذاب الهون " . قال : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، أسلم ، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أملى عليه : " سميعًا عليمًا " ، كتب هو : " عليمًا حكيمًا " ، وإذا قال : " عليمًا حكيمًا " كتب : " سميعًا عليمًا " ، فشكّ وكفر ، وقال : إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ ، وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله ! قال محمد : " سميعًا عليمًا " فقلت أنا : " عليمًا حكيمًا " ! فلحق بالمشركين ، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي ، أو لبني عبد الدار. فأخذوهم فعُذِّبوا حتى كفروا ، وجُدِعت أذن عمار يومئذ. (2) فانطلق عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما لقي ، والذي أعطاهم من الكفر ، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولاه ، فأنزل الله في شأن ابن أبي سرح وعمار وأصحابه : { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا }
__________
(1) " مر " ، هي " مر الظهران " .
(2) " جدعت أذنه " ، قطعت ، وكان يقال له " الأجدع " ، انظر ابن سعد 3 : 181.
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " وجدع أذن عمار " ، ذهب إلى تذكير " الأذن " ، والصواب تأنيثها ، لم يذكروا فيها تذكيرًا فيما أعلم. وهذا خبر غريب وقد روى ابن سعد في الطبقات 3 : 181 عن ابن عمر : " رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة ، على صخرة قد أشرف يصيح : يا معشر المسلمين! أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلي! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت ، فهي تذبذب ، وهو يقاتل أشد القتال " .
ثم قال : " قال : شعبة : لم ندر أنها أصيبت باليمامة " . فهذا خبر آخر ، والمشهور من خبره أنها أصيبت مع النبي صلى الله عليه وسلم. كأن ذلك كان في بعض الغزوات.

(11/534)


[سورة النحل : 106] ، فالذي أكره : عمار وأصحابه والذي شرح بالكفر صدرًا ، فهو ابن أبي سرح. (1)
* * *
وقال آخرون : بل القائل : " أوحي إلي ولم يوح إليه شيء " ، مسيلمة الكذاب.
* ذكر من قال ذلك :
13557 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب ، فكبرا عليّ وأهمّاني ، (2) فأوحى إليّ : أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ، فأوَّلتهما في منامي الكذَّابين اللذين أنا بينهما ، كذّاب اليمامةِ مُسيلمة ، وكذّاب صنعاء العنسي. وكان يقال له : " الأسود " . (3)
13558 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : " أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء " ، قال : نزلت في مسيلمة.
13559 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وزاد فيه : وأخبرني الزهري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا نائم رأيتُ في يديّ سوارين من ذهب ، فكبر ذلك عليّ ، فأوحي إلي
__________
(1) الأثر : 13556 - كان حق هذا الخبر أن يذكر في تفسير آية " سورة النحل " ، لبيان أنها نزلت أيضًا في " عبد الله بن سعد بن أبي سرح " ، ولكن أبا جعفر لم يفعل ، وذلك دلالة أخرى قاطعة على اختصاره تفسيره.
(2) في المخطوطة : " فأهمني " ، وعلى الكلمة حرف (ط) دلالة على الخطأ ، والصواب ما في المطبوعة ، موافقًا لرواية البخاري ومسلم.
(3) الأثر : 13557 - خبر الرؤيا ، رواه البخاري (الفتح 8 : 69 ، 70) ، ومسلم في صحيحه : 15 : 34.

(11/535)


أن انفخهما ، فنفخهما فطارا ، فأوّلت ذلك كذاب اليمامة وكذاب صنعاء العنسي. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله قال : " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء " ، ولا تمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال : " إني قد قلت مثل ما قال محمد " ، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين ، فكان لا شك بذلك من قيله مفتريًا كذبًا. وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسيّ الكذابين ، ادّعيا على الله كذبًا. أنه بعثهما نبيين ، وقال كل واحد منهما إنّ الله أوحى إليه ، وهو كاذب في قيله. فإذ كان ذلك كذلك ، فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا ، وقائلا في ذلك الزمان وفي غيره : " أوحى الله إلي " ، وهو في قيله كاذب ، لم يوح الله إليه شيئًا. فأما التنزيل ، فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم وجائز أن يكون عني به جميعُ المشركين من العرب إذ كان قائلو ذلك منهم ، فلم يغيّروه. فعيّرهم الله بذلك ، وتوعّدهم بالعقوبة على تركهم نكيرَ ذلك ، ومع تركهم نكيرَه هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون ، ولنبوّته جاحدون ، ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون ، فقال لهم جل ثناؤه : " ومن أظلم ممن ادّعى عليّ النبوّة كاذبًا " ، وقال : " أوحي إلي " ، ولم يوح إليه شيء ، ومع ذلك يقول : " ما أنزل الله على بشر من شيء " ، فينقض قولَه بقوله ، ويكذب بالذي تحققه ، وينفي ما يثبته. وذلك إذا تدبره العاقلُ الأريب علم أن فاعله من عقله عديم .
* * *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ، ما : -
__________
(1) الأثر : 13559 - انظر التعليق على رقم : 13557.

(11/536)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)

13560 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ، قال : زعم أنه لو شاء قال مثله يعني الشعر .
* * *
فكأنّ ابن عباس في تأويله هذا على ما تأوّله ، يوجِّه معنى قول قائل : " سأنزل مثل ما أنزل الله " ، إلي : سأنزل مثل ما قال الله من الشعر. وكذلك تأوّله السدي. وقد ذكرنا الرواية عنه قبل فيما مضى. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولو ترى ، يا محمد ، حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين العادلين بربهم الآلهة والأنداد ، والقائلين : " ما أنزل الله على بشر من شيء " ، والمفترين على الله كذبًا ، الزاعمين أنّ الله أوحى إليه ولم يوحَ إليه شيء ، والقائلين : " سأنزل مثل ما أنزل الله " ، (2) فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت ، ونزل بهم أمر الله ، وحان فناء آجالهم ، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم ، كما قال جل ثناؤه : { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ } [سورة محمد : 27 ، 28] . يقولون لهم : أخرجوا أنفسكم.
__________
(1) لم يذكر " الشعر " في خبر السدي السالف رقم : 13556 ، ولعل أبا جعفر نسي أن يكتبه ، أو لعله أراد أن ذلك مروي في خبر السدي السالف وإن كان لم يذكره هناك.
(2) هكذا جاء على الجمع في المخطوطة أيضًا " والمفترين . . . الزاعمين . . . والقائلين " ، والسياق يقتضي الإفراد ، ولكني تركته على حاله ، لظهور معناه ، وإن كنت أرجح أن الصواب : " والمفتري على الله كذبًا الزاعم أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء ، والقائل : سأنزل مثل ما أنزل الله " .

(11/537)


و " الغمرات " جمع " غمرة " ، و " غمرة كل شيء " ، كثرته ومعظمه ، وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ، ومنه قول الشاعر : (1)
وَهَلْ يُنْجِي مِنَ الْغَمَرَاتِ إلا... بُرَاكَاءُ القِتَالِ أوِ الفِرَارُ (2)
* * *
وروي عن ابن عباس في ذلك ، ما : -
13561 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : قوله : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " ، قال : سكرات الموت.
13562 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " في غمرات الموت " ، يعني سكرات الموت.
* * *
وأما " بسط الملائكة أيديها " ، (3) فإنه مدُّها. (4)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في سبب بسطها أيديها عند ذلك.
فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك :
13563 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) هو بشر بن أبي حازم.
(2) شرح المفضليات : 677 ، النقائض : 423 ، الأغاني 13 : 137 ، ديوان الخنساء : 216 ، واللسان (برك) ، وغيرها. وهذا البيت آخر قصيدة في المفضليات ، وروايته : " ولا ينجي " . و " البراكاء " (بفتح الباء وضمها) : الثبات في ساحة الحرب ، والجد في القتال ، وهو من " البروك " ، يبرك المقاتل في مكانه ، أي : يثبت. وكان في المطبوعة : " تراك للقتال " ، وهو خطأ صرف. وفي المخطوطة : " براكا للقتال " ، وهو أيضًا خطأ.
(3) في المطبوعة : " أيديهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.
(4) انظر تفسير " بسط الأيدي " فيما سلف 10 : 100 ، 213.

(11/538)


معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم " ، قال : هذا عند الموت ، " والبسط " ، الضرب ، يضربون وجوههم وأدبارهم .
13564 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي ، قال حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم " ، يقول : " الملائكة باسطو أيديهم " ، يضربون وجوههم وأدبارهم والظالمون في غمرات الموت ، وملك الموت يتوفّاهم.
13565 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " والملائكة باسطو أيديهم " ، يضربونهم .
* * *
وقال آخرون : بل بسطها أيديها بالعذاب.
* ذكر من قال ذلك :
13566 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك : " والملائكة باسطو أيديهم " ، قال : بالعذاب.
13567 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح : " والملائكة باسطو أيديهم " ، بالعذاب.
* * *
وكان بعض نحويي الكوفيين يتأوّل ذلك بمعنى : باسطو أيديهم بإخراج أنفسهم. (1)
* * *
فإن قال قائل : ما وجه قوله : " أخرجوا أنفسكم " ، ونفوس بني آدم إنما يخرجها من أبدان أهلها رب العالمين ؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفار ، وأمروا في
__________
(1) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 345.

(11/539)


حال الموت بإخراج أنفسهم ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم!
قيل : إن معنى ذلك بخلاف الذي [إليه] ذهبت (1) وإنما ذلك أمرٌ من الله على ألسن رُسله الذين يقبضون أرواحَ هؤلاء القوم من أجسامهم ، بأداء ما أسكنها ربها من الأرواح إليه ، وتسليمها إلى رسله الذين يتوفَّونها.
* * *
القول في تأويل قوله : { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما تقولُ رسل الله التي تقبض أرواحَ هؤلاء الكفار لها ، (2) يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها : " أخرجوا أنفسكم " ، إلى سخط الله ولعنته ، فإنكم اليوم تُثابون على كفركم بالله ، (3) وقيلكم عليه الباطل ، وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوحَ إليكم شيئًا ، وإنكاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا ، (4) واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله ، والانقياد لطاعته " عذابَ الهون " ، وهو عذاب جهنم الذي يُهينُهم فيذلّهم ، حتى يعرفوا صَغَار أنفسهم وذِلَّتَها ، كما : -
13568 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " عذاب الهون " ، فالذي يهينهم.
__________
(1) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.
(2) قوله : " لها " ، أي للكفار.
(3) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزي).
(4) في المطبوعة والمخطوطة : " وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا " ، وهو لا معنى له ، وإنما هو تحريف من الناسخ ، والصواب ما أثبت.

(11/540)


13569 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " اليوم تجزون عذاب الهون " ، قال : عذاب الهون ، في الآخرة " بما كنتم تعملون " .
* * *
والعرب إذا أرادت ب " الهون " معنى " الهوان " ، ضمت " الهاء " ، وإذا أرادت به الرفق والدَّعَة وخفة المؤونة ، فتحت " الهاء " ، (1) فقالوا : هو " قليل هَوْن المؤونة " ، ومنه قول الله : { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا } [سورة الفرقان : 63] ، يعني : بالرفق والسكينة والوقار ، ومنه قول جندل بن المثنَّى الطُّهويّ : (2)
وَنَقْضَ أَيْامٍ نَقَضْنَ أَسْرَهُ... هَوْنًا وَأَلْقَى كُلُّ شَيْخٍ فَخرَهُ (3)
ومنه قول الآخر : (4)
هَوْنَكُمَا لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فَاتَا... لا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْرِ مَنْ مَاتَا (5)
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 200.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " المثني بن جندل الطهوي " وهو خطأ صرف ، وإنما هو " جندل بن المثني الطهوي " ، وهو شاعر إسلامي راجز ، كان يهاجي الراعي. انظر سمط اللآلى ص : 644 ، وغيره.
(3) لم أعثر على الرجز ، وإن كنت أذكره. و " الأسر " : القوة. وقوله : " ألقى كل شيخ فخره " ، كناية عن عجز الشيخ إذا بلغ السن.
(4) هو ذو جدن الحميري ، ويقال هو : " علقمة بن شراحيل بن مرثد الحميري " .
(5) سيرة ابن هشام 1 : 39 ، تاريخ الطبري 2 : 107 ، الأغاني 16 : 70 ، معجم ما استعجم : 1398 ، ومعجم البلدان (بينون) و(سلحون) واللسان (هون) ، وبعد البيت : أبَعْدَ بَيْنُونَ لاَ عَيْنٌ وَلاَ أثَرٌ ... وَبَعْدَ سَلْحُونَ يَبْنِي النَّاس أبْيَاتَا
وَبَعْدَ حِمْيَرَ إذْ شَالَتْ نعَامَتُهُمْ ... حَتَّهُمُ غَيْبُ هَذَا الدَّهْرِ حتَّاتَا
و " بينون " ، و " سلحون " ، و " غمدان " من حصون اليمن التي هدمها أرياط الحبشي ، في غزوة اليمن ، فذكرها ذو جدن ، يأسى على ما دخل أهل حمير من الذل والهوان.

(11/541)


يريد : أرْوِدا. (1) وقد حكي فتح " الهاء " في ذلك بمعنى " الهوان " ، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جُوَين : (2)
يُهِينُ النفُوسَ ، وَهَوْنُ النُّفُو ... سِ عِنْدَ الكَرِيهَةِ أَغْلَى لَهَا (3)
والمعروف من كلامهم ، ضمُّ " الهاء " منه ، إذا كان بمعنى الهوان والذل ، كما قال ذو الإصبع العدواني :
اذْهَبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ... تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلا أُغْضِي عَلَى الهُونِ (4)
يعني : على الهوان وإذا كان بمعنى الرفق ، ففتْحُها.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " رودا " ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة. و " الإرواد " ، الإمهال والرفق ، والتأني ، ومنه قيل : " رويدك " ، أي : أمهل ، وتأن ، وترفق.
(2) هكذا قال أبو جعفر ، والمشهور أنه للخنساء ، وهو في شعرها ، وبعض أبيات قصيدة الخنساء ، تروى لعامر بن جوين الطائي ، فلعل هذا مما يروى له من شعرها. أو لعله من شعر عامر بن جوين ، وروى للخنساء.
(3) ديوان الخنساء : 215 ، والأغاني 13 : 136 ، والنقائض : 423 ، واللسان (هون). وروايتهم جميعًا " يوم الكريهة أبقى لها " . وفي المطبوعة : " أعلى " ، والصواب من المخطوطة.
(4) شرح المفضليات : 323 ، وما بعدها ، والأمالي 1 : 256 ، واللسان (هون) ، وغيرها كثير. وقد جاء أبو جعفر برواية لم تذكر إلا في اللسان ، عن ابن بري ، وأما رواية الرواة ، فهي : عَنِّي إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى المَخَاضَ ، وَلا رأيي بمَغْبُونِ
إِنِّي أَبِيٌّ ذُو مُحَافَظَةٍ ... وَابنُ أَبِيٍّ أَبِيٍّ مِنْ أَبِيِّينِ
لا يُخْرِجُ القَسْرُ مِنِّي غَيْرَ مَا بِيَةٍ ... وَلا أَلِينُ لِمَنْ لا يَبْتَغِي لِينِي
عَفٌّ نَدُودٌ ، إذَا مَا خِفْتُ مِنْ بَلَدٍ ... هُونًا ، فَلَسْتُ بوَقَّافٍ عَلَى الهُونِ
فالشاهد في البيت الأخير

(11/542)


وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد ، يخبر عبادَه أنه يقول لهم عند ورودهم عليه : " لقد جئتمونا فرادى " .
ويعني بقوله : " فرادى " ، وُحدانًا لا مال معهم ، ولا إناث ، ولا رقيق ، (1) ولا شيء مما كان الله خوّلهم في الدنيا " كما خلقناكم أوّل مرة " ، عُرَاة غُلْفًا غُرْلا حُفاة ، كما ولدتهم أمهاتهم ، (2) وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم ، لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهَوْن به في الدنيا.
* * *
و " فرادى " ، جمع ، يقال لواحدها : " فَرِد " ، كما قال نابغة بني ذبيان :
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشيٍّ أَكَارِعُهُ... طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (3)
__________
(1) في المطبوعة : " ولا أثاث ولا رفيق " ، والصواب ما في المخطوطة ، يعني نساءهم وخدمهم ، وانظر الأثر التالي رقم : 13571 ، وانظر تفسير البغوي (بهامش ابن كثير 3 : 361) قال : " وحدانا لا مال معكم ، ولا زوج ، ولا ولد ، ولا خدم " . فهذا صواب القراءة بحمد الله.
(2) " غلف جمع " أغلف " ، وهو الذي لم يختتن. و " الغرل " جمع " أغرل " ، وهو أيضًا الذي لم يختتن ، وهذا حديث مسلم في صحيحه من حديث عائشة : " يحشر الناس يوم القيامة حفة عراة غرلا " (17 : 192 ، 193).
(3) ديوانه : 26 ، واللسان (فرد) ، وغيرهما كثير. من قصيدته المشهورة التي اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ، يقول قبله في صفة الثور : كأنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... يَوْمَ الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ
و " وجرة " ، منزل بين مكة والبصرة ، مربة للوحوش والظباء. " موشي أكارعه " ، في قوائمه نقط سود. " طاوي المصير " ، ضامر البطن ، و " المصير " جمع " مصران " . يصف بياض الثور والتماعه. كأنه سيف مصقول جديد الصقل.

(11/543)


و " فَرَدٌ " و " فريد " ، كما يقال : " وَحَد " و " وَحِد " و " وحيد " في واحد " الأوحاد " . وقد يجمع " الفَرَد " " الفُرَاد " كما يجمع " الوَحَد " ، " الوُحَاد " ، ومنه قول الشاعر : (1)
تَرَى النَّعَرَاتِ الزُّرْقَ فَوْقَ لَبَانِه... فُرَادَى وَمَثْنًى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُهْ (2)
وكان يونس الجرْميّ ، (3) فيما ذكر عنه ، يقول : " فُراد " جمع " فَرْد " ، كما قيل : " تُؤْم " و " تُؤَام " للجميع. ومنه : " الفُرَادى " ، و " الرُّدَافى " و " القُرَانى " . (4) يقال : " رجل فرد " و " امرأة فرد " ، إذا لم يكن لها أخٌ. " وقد فَرد الرجلُ فهو يفرُد فرودًا " ، يراد به تفرَّد ، " فهو فارد " .
* * *
13570 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، [قال ابن زيد قال] ، أخبرني عمرو : أن ابن أبي هلال حدثه : أنه سمع القرظيّ يقول : قرأت عائشةُ زوجُ النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الله : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " ، فقالت : واسوأتاه ، إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " ، لا ينظر الرجال إلى النساء ، ولا النساء إلى الرجال ، شغل بعضهم عن بعض. (5)
* * *
__________
(1) هو تميم بن أبي بن مقبل.
(2) مضى البيت وتخريجه وتفسيره 7 : 543 ، بغير هذه الرواية ، فراجعه هناك.
(3) مضى في 10 : 120 ، تعليق : 1 ، ذكر " يونس [الحرمري] " ، وقد أشكل على أمره ، كما ذكرت هناك ، وصح بهذا أنه " الجرمي " ، ولم أجد في قدماء النحاة من يقال له : " يونس الجرمي " ، وذكرت هناك أن " يونس بن حبيب " ، ضبي لا جرمي ، فعسى أن يهديني من يقرأ هذا إلى الصواب فيه ، متفضلا مشكورا.
(4) في المطبوعة : " والغواني " ، وفي المخطوطة : " والعواي " غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، يقال : جاءوا قرانى " أي مقترنين ، قال ذو الرمة : قُرَانَى وَأَشْتَاتًا ، وَحَادٍ يَسُوقُهَا ... إلَى المَاءِ مِنْ جَوْزِ التَّنُوفَةِ مُطْلِقُ
(5) الأثر : 13570 - " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري " ، ثقة مضى برقم : 1387 ، 5973 ، 6889 ، 10330. وأما " ابن أبي هلال " ، فهو : " سعيد بن أبي هلال الليثي المصري " ، ثقة. مضى برقم : 1495 ، 5465.
وأما " القرظي " ، فقد بينه الحاكم في المستدرك في إسناده وأنه : " عثمان بن عبد الرحمن القرظي " ، ولكنه مع هذا البيان ، لم يزل مجهولا ، فإني لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من الكتب. وكان في المطبوعة والمخطوطة : " القرطبي " ، وهو خطأ. وهذا الخبر ، أخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 565 ، من طريق " عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث " ، ليس فيه " قال ابن زيد " ، وقال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " ، وعلق عليه الذهبي فقال : " صحيح ، فيه انقطاع " . والذي في إسناد الطبري " قال ابن زيد قال " ، عندي أنه زيادة من الناسخ ، لأن عبد الله بن وهب ، يروي مباشرة عن " عمرو بن الحارث " ، كما يروي عن " عبد الرحمن بن زيد بن أسلم " ، ولما كثر إسناد أبي جعفر " حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد " ، أسرع قلم الناسخ بإثبات " ابن زيد " مقمحًا في هذا الإسناد ، كما دل عليه إسناد الحاكم. وانقطاع هذا الإسناد ، كما بينه الذهبي ، هو فيما أرجح ، أن " عثمان بن عبد الرحمن القرظي " لم يسمع من عائشة.

(11/544)


وأما قوله : " وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم " ، فإنه يقول : خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها ، خلفكم في الدنيا فلم تحملوه معكم.
وهذا تعيير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم.
* * *
وكل ما ملكته غيرك وأعطيته : " فقد خوّلته " ، (1) يقال منه : " خال الرجل يَخَال أشدّ الخِيال " بكسر الخاء " وهو خائل " ، ومنه قول أبي النجم :
أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ... كَومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوِّلِ (2)
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " وكل من ملكته غيرك . . . " ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت.
(2) لامية أبي النجم في كتاب (الطرائف) ، والمراجع هناك ، وسيأتي في التفسير 23 : 127 (بولاق) ، وهو مطلع رجزه ، وقبله : الَحْمُد لِله الوَهُوبِ المُجْزِلُ
وقوله : " كوم الذرى " ، أي : عظام الأسمنة ، " كوم " جمع " كوماء " ، وهي الناقة العظيمة السنام. و " المخول " بكسر الواو ، الله الرَّزَّاق ذو القوة المتين. وانظر تعليقي على البيت في طبقات فحول الشعراء : 576 ، تعليق : 4.

(11/545)


وقد ذكر أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير :
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخوِلُوا... وَإن يُسْأَلُوا يُعطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا (1)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13571 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وتركتم ما خوّلناكم " ، من المال والخدم " وراء ظهوركم " ، في الدنيا.
* * *
__________
(1) ديوانه " 112 ، واللسان (خبل) (خول) ، وسيأتي في التفسير 23 : 127 (بولاق) ، وغيرها كثير. من قصيدته المشهورة في هرم بن سنان بن أبي حارثة ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، يذكر قومهما بالكرم في زمن الجدب ، وقبله : إذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءِ بِالنَّاسِ أجْحَفَتْ ... وَنَالَ كِرَامَ المَالِ فِي السَّنَةِ الأَكْلُ
رَأَيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينًا لَهُمْ ، حَتَّى إذَا أَنْبَتَ البَقْلُ
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلوا . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورواية غير أبي عمرو بن العلاء : " إن يستخبلوا المال يخبلوا " ، يقال : " استخبل الرجل ناقة فأخبله " ، إذا استعاره ناقة لينتفع بألبانها وأوبارها فأعاره. و " الاستخوال " مثله. وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قال : " ولو أنشدتها لأنشدتها : إن يستخولوا المال يخولوا " ، وقال : " الاختبال : المنيحة ، ولا أعرف الاستخبال ، وأراه : يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه " .
وقوله : " ييسروا " ، من " الميسر " الذي تقسم فيه الجزر. وقوله : " يغلوا " ، أي : يختاروا سمان الجزر للنحر ، فهم لا ينحرون إلا غالية.

(11/546)


القول في تأويل قوله : { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد يوم القيامة : ما نرى معكم شفعاءكم الذين كنتم في الدنيا تزعمون أنهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. (1)
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث ، لقيله : إنّ اللات والعزى يشفعان لهُ عند الله يوم القيامة.
* * *
وقيل : إن ذلك كان قول كافة عَبَدة الأوثان.
* ذكر من قال ذلك :
13572 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما قوله : " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء " ، فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدُون الآلهة ، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله ، وأنّ هذه الآلهة شركاءُ لله.
13573 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، أخبرني الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال النضر بن الحارث : " سوف تشفع لي اللات والعزَّى " ! فنزلت هذه الآية : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " ، إلى قوله : " شركاء " .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الشفيع " فيما سلف ص : 446 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك.

(11/547)


القول في تأويل قوله : { لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين به الأنداد : " لقد تقطع بينكم " ، يعني تواصلَهم الذي كان بينهم في الدنيا ، ذهب ذلك اليوم ، فلا تواصل بينهم ولا توادّ ولا تناصر ، وقد كانوا في الدنيا يتواصلون ويتناصرون ، فاضمحلّ ذلك كله في الآخرة ، فلا أحدَ منهم ينصر صاحبه ، ولا يواصله. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13574 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " لقد تقطع بينكم " ، " البين " ، تواصلهم.
13575 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " لقد تقطع بينكم " ، قال : تواصلهم في الدنيا .
13576 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " لقد تقطع بينكم " ، قال : وصلكم.
13577 - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " لقد تقطع بينكم " ، قال : ما كان بينكم من الوصل.
13578 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) انظر تفسير " البين " فيما سلف 8 : 319.

(11/548)


معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " لقد تقطع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون " ، يعني الأرحام والمنازل.
13579 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " لقد تقطع بينكم " ، يقول : تقطع ما بينكم.
13580 - حدثنا أبو كريب قال ، قال أبو بكر بن عياش : " لقد تقطع بينكم " ، التواصل في الدنيا. (1)
* * *
واختلفت القرأة في [قراءة] قوله : " بينكم " .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة نصبًا ، بمعنى : لقد تقطع ما بينكم.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة مكة والعراقَيْن : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) ، رفعًا ، بمعنى : لقد تقطع وصلُكم.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول عندي في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان باتفاق المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.
وذلك أن العرب قد تنصب " بين " في موضع الاسم. ذكر سماعًا منها : " أتاني نحَوك ، ودونَك ، وسواءَك " ، (2) نصبًا في موضع الرفع. وقد ذكر عنها سماعًا الرفع في " بين " ، إذا كان الفعل لها ، وجعلت اسمًا ، وينشد بيت مهلهل :
كَأَنَّ رِماحَهُم أَشْطَانُ بِئْرٍ... بَعِيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ (3)
__________
(1) الأثر : 13580 - هذا إسناد منقطع كما أشرت إليه فيما سلف رقم : 1246 ، 2150 و " أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي " ، ثقة معروف ، مضى برقم : 1246 ، 2150 ، 3000 ، 5725 ، 8098.
(2) في المطبوعة : " إيابي نحوك . . . " وهو خطأ محض ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب في معاني القرآن للفراء 1 : 345.
(3) أمالي القالي 2 : 132 ، واللسان (بين) ، وغيرهما ، من قصيدته المشهورة التي قالها لما أدرك بثأر أخيه كليب وائل. وقبله : فِدًى لِبَنِي الشَّقِيقَةِ يَوْمَ جَاءوا ... كَأُسْدِ الغَابِ لَجَّتْ فِي زَئِيرِ
و " الأشطان " الحبال الشديدة الفتل ، التي يستقي بها ، واحدها " شطن " . (بفتحتين) و " الجال " و " الجول " (بضم الجيم) : ناحية البئر وجانبها وما يحبس الماء منها. و " جرور " صفة البئر البعيدة القعر ، لأن دلوها يجر على شفرها ، لبعد قعرها. يصف طول رماحهم ، وحركة أيديهم في الضرب بها ، ثم نزعها من بدن من أصابته.

(11/549)


برفع " بين " ، إذ كانت اسمًا ، غير أن الأغلب عليهم في كلامهم النصبُ فيها في حال كونها صفة ، وفي حال كونها اسمًا.
* * *
وأما قوله : " وضل عنكم ما كنتم تزعمون " ، فإنه يقول : وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم من آلهتكم تزعمون أنه شريك ربكم ، وأنه لكم شفيع عند ربكم ، فلا يشفع لكم اليوم. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).

(11/550)


إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)

القول في تأويل قوله : { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى }
قال أبو جعفر : وهذا تنبيهٌ من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجّته عليهم ، وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياه. يقول تعالى ذكره : إن الذي له العبادة ، أيها الناس ، دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان ، هو الله الذي فَلق الحبَّ يعني : شق الحبَّ من كل ما ينبت من النبات ، فأخرج منه الزرع " والنوى " ، من كل ما يغرس مما له نَواة ، فأخرج منه الشجر.
* * *
و " الحبّ " جمع " الحبة " ، و " النوى " جمع " النواة " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

(11/550)


* ذكر من قال ذلك :
13581 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " إن الله فالق الحب والنوى " ، أما " فالق الحب والنوى " : ففالق الحب عن السنبلة ، وفالق النواة عن النخلة.
13582 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " فالق الحب والنوى " ، قال : يفلق الحب والنوى عن النبات.
13583 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " فالق الحب والنوى " ، قال : الله فالق ذلك ، فلقه فأنبت منه ما أنبت. فلق النواة فأخرج منها نَبَات نخلة ، وفلق الحبة فأخرج نبات الذي خلق.
* * *
وقال آخرون : معنى " فالق " ، خالق.
* ذكر من قال ذلك :
13584 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " إن الله فالق الحب والنوى " ، قال : خالق الحب والنوى.
13585 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله .
13586 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " إن الله فالق الحب والنوى " ، قال : خالق الحب والنوى.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أنه فلق الشقّ الذي في الحبّة والنواة.
* ذكر من قال ذلك :
13587 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا

(11/551)


عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " فالق الحب والنوى " ، قال : الشقان اللذان فيهما.
13588 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13589 - حدثني المثنى قال ، حدثنا معلى بن أسد قال ، حدثنا خالد ، عن حصين ، عن أبي مالك في قول الله : " إن الله فالق الحب والنوى " ، قال : الشق الذي يكون في النواة وفي الحنطة .
13590 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : " فالق الحب والنوى " ، قال : الشقان اللذان فيهما.
13591 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثني عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " فالق الحب والنوى " ، يقول : خالق الحب والنوى ، يعني كلّ حبة .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ، ما قدّمنا القول به. وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحي من الميت والميت من الحي ، فكان معلومًا بذلك أنه إنَّما عنى بإخباره عن نفسه أنّه فالق الحب عن النبات ، والنوى عن الغُرُوس والأشجار ، كما هو مخرج الحي من الميت ، والميّت من الحي.
* * *
وأما القول الذي حكي عن الضحاك في معنى " فالق " ، أنه خالق ، فقولٌ إن لم يكن أراد به أنّه خالق منه النبات والغُروس بفلقه إياه لا أعرف له وجهًا ، لأنه لا يعرف في كلام العرب : " فلق الله الشيء " ، بمعنى : خلق .
* * *

(11/552)


القول في تأويل قوله : { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت ، ومخرج الحبِّ الميت من السنبل الحيّ ، والشجرِ الحيّ من النوى الميت ، والنوى الميِّت من الشجر الحيّ.
* * *
والشجر ما دام قائمًا على أصوله لم يجفّ ، والنبات على ساقه لم ييبَس ، فإن العرب تسميه " حَيًّا " ، فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله ، سمّوه " ميتًا " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13592 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " يخرج الحي من الميت " ، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة ، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية ، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة ، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية.
13593 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك : " يخرج الحي من الميت ومخرج المميت من الحي " ، قال : النخلة من النواة ، والنواة من النخلة ، والحبة من السنبلة ، والسنبلة من الحبة.
* * *
وقال آخرون بما : -
13594 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " إن الله فالق الحبّ والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحيّ " ، قال : يخرج

(11/553)


فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

النطفة الميتة من الحي ، ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًّا.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك ، لأنه عَقِيب قوله : " إن الله فالقُ الحب والنوى " ، على أن قوله : " يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي " ، وإن كان خبرًا من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحب ، فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك. وكل ميّت أخرجه الله من جسمٍ حَيٍّ ، وكل حيّ أخرجه الله من جسمٍ ميتٍ.
* * *
وأما قوله : " ذلكم الله " ، فإنه يقول : فاعل ذلك كلِّه اللهُ جل جلاله " فأنى تؤفكون " ، يقول : فأيّ وجوه الصدّ عن الحقّ ، أيها الجاهلون ، تصدّون عن الصواب وتصرفون ، (1) أفلا تتدبرون فتعلمون أنّه لا ينبغي أن يُجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحب والنوى ، فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعًا وحُروثًا وثمارًا تتغذون ببعضه وتفكّهون ببعضه ، شريكٌ في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ، ولا يسمع ولا يبصر ؟
القول في تأويل قوله : { فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : " فالق الإصباح " ، شاقٌّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده. (2)
* * *
و " الإصباح " مصدر من قول القائل : " أصبحنا إصباحًا " .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الأفك " فيما سلف 10 : 485 ، 486.
(2) انظر تفسير " الفلق " فيما سلف قريبًا ص : 550.

(11/554)


وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13595 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : " فالق الإصباح " ، قال : إضاءة الصبح.
13596 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي ، نجيح ، عن مجاهد : " فالق الإصباح " ، قال : إضاءة الفجر.
13597 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13598 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " فالق الإصباح " ، قال : فالق الصُّبح.
13599 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : " فالق الإصباح " ، يعني بالإصباح ، ضوءَ الشمس بالنهار ، وضوءَ القمر بالليل.
13600 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : " فالق الإصباح " ، قال : فالق الصبح.
13601 - حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد ، عن مجاهد فقال في قوله : " فالق الإصباح " ، قال إضاءة الصبح.
13602 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : " فالق الإصباح " ، قال : فلق الإصباح عن الليل.
13603 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " فالق الإصباح " ، يقول : خالق النور ، نور النهار.
* * *

(11/555)


وقال آخرون : معنى ذلك : خالق الليل والنهار .
* ذكر من قال ذلك :
13604 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) ، (1) يقول : خلق الليل والنهار.
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنّه كان يقرأ : (فَالِقُ الأصْبَاحِ) ، بفتح الألف ، كأنه تأول ذلك بمعنى جمع " صبح " ، كأنه أراد صبح كل يوم ، فجعله " أصباحًا " ، ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. والقراءة التي لا نستجيز تعدِّيها ، بكسر الألف : (2) (فالِقُ الإصْبَاح) ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحة ذلك ورفضِ خلافه.
* * *
وأما قوله : " وجاعِلُ الليل سكنًا " ، فإن القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض البصريين : (3) (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) بالألف على لفظ الاسم ، ورفعه عطفًا على " فالق " ، وخفض " الليل " بإضافة " جاعل " إليه ، ونصب " الشمس والقمر " ، عطفًا على موضع " الليل " ، لأن " الليل " وان كان مخفوضًا في اللفظ ، فإنه في موضع النصب ، لأنه مفعول " جاعل " . وحسن عطف ذلك على معنى " الليل " لا على لفظه ، لدخول قوله : " سكنًا " بينه وبين " الليل " ، قال الشاعر : (4)
قُعُوداً لَدَى الأبْوَابِ طُلابَ حاجَةٍ... عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا (5)
__________
(1) هذه قراءة أهل الحجاز كما سيذكر بعد ، وتركتها على قراءتهم في هذا الخبر.
(2) في المطبوعة : " لا نستجيز غيرها " ، يدل ما كان في المخطوطة وهو محض صواب.
(3) في المطبوعة : " عامة قراء الحجاز " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(4) هو الفرزدق.
(5) سلف البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 2 : 195 ، وأزيد هنا مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 201 وروي هناك : " قعود " بالرفع ، كما أشرت إليه ثم.

(11/556)


فنصب " الحاجة " الثانية ، عطفًا بها على معنى " الحاجة " الأولى ، لا على لفظها ، لأن معناها النصب ، وإن كانت في اللفظ خفضًا. وقد يجيء مثل هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه ، وإن لم يكن بينهما حائل ، كما قال بعضهم : (1)
بَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرْهُ أَتَانَا... مُعلِّقَ شِكْوَةٍ وَزِنادَ رَاعِ (2)
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ) ، على " فَعَلَ " ، بمعنى الفعل الماضي ، ونصب " الليل " .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار ، متفقتا المعنى ، غير مختلفتيه ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى.
* * *
وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنًا ، لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار ، ويهدأ فيه ، فيستقر في مسكنه ومأواه.
* * *
__________
(1) لرجل من قيس عيلان ، ونسب أيضا لنصيب
(2) سيبويه 1 : 87 ، معاني القرآن للفراء 1 : 346 ، الصاحبي : 118 ، شرح شواهد المغني : 270 ، والذي هنا رواية الفراء وابن فارس. ورواية سيبويه " بيننا نحن نطلبه " ، وفي شرحه " نرقبه " ، وروايته أيضًا " معلق وفضة " . وكان في المطبوعة هنا : " فبيننا " بالفاء ، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المطبوعة : " شلوه " وهو خطأ.
" ننظره " : نرقبه وننتظره. و " الشكوة " : وعاء كالدلو أو القرية الصغيرة ، يبرد فيه الماء ، ويحبس فيه اللبن. وأما " الوفضة " ، فهي خريطة كالجعبة ، يحمل فيها الراعي أدلته وزاده.
ولم أجد بقية الشعر.

(11/557)


القول في تأويل قوله : { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في ذلك :
فقال بعضهم : معنى ذلك : وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.
* ذكر من قال ذلك :
13605 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " والشمس والقمر حسبانًا " ، يعني : عدد الأيام والشهور والسنين .
13606 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " والشمس والقمر حسبانًا " ، قال : يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما.
13607 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " والشمس والقمر حسبانًا " ، يقول : بحساب.
13608 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : " والشمس والقمر حسبانًا " ، قال : الشمس والقمر في حساب ، فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر ، وأول الفزع الأكبر " ذلك تقدير العزيز العليم " .
13609 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " والشمس والقمر حسبانًا " ، قال : يدوران في حساب.
13610 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن

(11/558)


ابن جريج ، عن مجاهد : " والشمس والقمر حسبانًا " ، قال هو مثل قوله : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس : 40] ، ومثل قوله : { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } [سورة الرحمن : 5].
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : وجعل الشمس والقمر ضياء.
* ذكر من قال ذلك :
13611 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " والشمس والقمر حسبانًا " ، أي ضياء.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب ، تأويل من تأوَّله : وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعددٍ لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما ، ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن الله تعالى ذكره ذكَر قبلَه أياديه عند خلقه ، وعظم سلطانه ، بفلقه الإصباح لهم ، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى ، وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر. فكان وصفه إجراءه الشمس والقمرَ لمنافعهم ، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما ، لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله : " فالق الإصباح " ، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى.
* * *
و " الحسبان " في كلام العرب جمع " حِساب " ، كما " الشُّهبان " جمع شهاب. (1) وقد قيل إن " الحسبان " ، في هذا الموضع مصدر من قول القائل : " حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا " . وحكي عن العرب : " على الله حُسْبان فلان وحِسْبته " ، أي : حسابه.
* * *
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 201.

(11/559)


وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء ، ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله : وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [سورة الكهف : 40]. قال : نارًا ، فوجه تأويل قوله : " والشمس والقمر حسبانًا " ، إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء.
* * *
وأما " الحِسبان " بكسر " الحاء " ، فإنه جمع " الحِسبانة " ، (1) وهي الوسادة الصغيرة ، وليست من الأوَّليين أيضًا في شيء. يقال : " حَسَّبته " ، أجلستُه عليها.
* * *
ونصب قوله : " حسبانًا " بقوله : " وجعل " .
* * *
وكان بعض البصريين يقول : معناه : " والشمس والقمرَ حسبانًا " ، أي : بحساب ، فحذف " الباء " ، كما حذفها من قوله : هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ " [سورة الأنعام : 117] ، أي : أعلم بمن يضل عن سبيله. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله ، وهو فلقه الإصباح ، وجعله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا ، تقدير الذي عزّ سلطانه ، فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام ، من الامتناع منه " العليم " ، بمصالح خلقه وتدبيرهم لا تقديرُ الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله ، ولا تضر ولا تنفع ، وإن أريدت بسوء لم تقدر على
__________
(1) هكذا قال أبو جعفر " بكسر الحاء " والذي أطبقت عليه كتب اللغة أنه بضم الحاء ، ولم يشيروا إلى كسر الحاء في هذه.
(2) قائل هذا هو الأخفش ، كما هو بين في لسان العرب (حسب) .

(11/560)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)

الامتناع منه ممن أرادها. (1) يقول جل ثناؤه : وأخلصوا ، أيها الجهلة ، عبادتَكم لفاعل هذه الأشياء ، ولا تشركوا في عبادته شيئًا غيره.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والله الذي جعل لكم ، أيها الناس ، النجوم أدلةً في البر والبحر إذا ضللتم الطريق ، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلّون بها على المحجَّة ، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة ، فتسلكونه وتنجون بها من ظلمات ذلك ، كما قال جل ثناؤه : وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سورة النحل : 16] ، أي : من ضلال الطريق في البرّ والبحر وعنى بالظلمات ، ظلمة الليل ، وظلمة الخطأ والضلال ، وظلمة الأرض أو الماء.
* * *
وقوله : " قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون " ، يقول : قد ميَّزنا الأدلة ، وفرَّقنا الحجج فيكم وبيّناها ، أيها الناس ، (2) ليتدبّرها أولو العلم بالله منكم ، ويفهمها أولو الحجا منكم ، فينيبوا من جهلهم الذي هم مقيمون عليه ، وينزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون ، ولا يتمادوا عنادًا لله مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ في غَيِّهم. (3)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
__________
(1) انظر تفسير " العزيز " و " العليم " فيما سلف من فهارس اللغة.
(2) انظر تفسير " فصل " فيما سلف ص : 394 - 396.
(3) في المطبوعة : " ولا يتمادوا في عناد الله " ، زاد " في " ، فأفسد الكلام غاية الإفساد ، وسياق العبارة " ولا يتمادوا عنادًا لله . . .في غيهم " ، وفصلت الجملة المعترضة بخطين.

(11/561)


وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

* ذكر من قال ذلك :
13612 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر " ، قال : يضلّ الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإلهكم ، أيها العادلون بالله غيره " الذي أنشأكم " ، يعني : الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء ، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا (1) " من نفس واحدة " ، يعني : من آدم كما : -
13613 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " من نفس واحدة " ، قال : آدم عليه السلام.
13614 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة " ، من آدم عليه السلام.
* * *
وأما قوله : " فمستقر ومستودع " ، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.
فقال بعضهم : معنى ذلك : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم ، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْر القيامة.
* ذكر من قال ذلك :
13615 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن إبراهيم ، عن عبد الله : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ، [سورة هود : 6]. قال : " مستقرها " ، في الأرحام " ومستودعها " ، حيث تموت.
__________
(1) انظر تفسير " أنشأ " فيما سلف : 263 ، 264.

(11/562)


13616 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن إسماعيل ، عن إبراهيم ، عن عبد الله أنه قال : " المستودع " حيث تموت ، و " المستقر " ، ما في الرحم .
13617 - حدثت عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله بن مسعود قال : " المستقر " ، الرحم ، و " المستودع " ، المكان الذي تموت فيه.
13618 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال ، حدثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن إبراهيم : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا قال : (مُسْتَقَرَّهَا) ، في الأرحام (وَمُسْتَوْدَعَهَا) ، في الأرض ، حيث تموت فيها.
13619 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مقسم قال : " مستقرها " ، في الصلب حيث تأويل إليه " ومستودعها " ، حيث تموت.
* * *
وقال آخرون : " المستودع " ، ما كان في أصلاب الآباء و " المستقر " ، ما كان في بطون النساء ، وبطون الأرض ، أو على ظهورها.
* ذكر من قال ذلك :
13620 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا كلثوم بن جبر ، عن سعيد بن جبير في قوله : " فمستقر ومستودع " ، قال : مستودعون ، ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها ، فقد استقرّوا.
13621 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا ابن علية ، عن كلثوم بن جبر ، عن سعيد بن جبير : " فمستقر ومستودع " ، قال : المستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض ، فقد استقروا.

(11/563)


13622 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير قال ، قال ابن عباس : { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } ، [سورة هود : 6]. قال : " المستودع " في الصلب و " المستقر " ، ما كان على وجه الأرض أو في الأرض. (1)
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمستقر في الأرض على ظهورها ، ومستودع عند الله.
* ذكر من قال ذلك :
13623 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن المغيرة ، عن أبي الجبر بن تميم بن حذلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " المستقر " الأرض ، " والمستودع " ، عند الرحمن. (2)
__________
(1) الأثر : 13622 - " المغيرة بن النعمان النخعي " ، يروي عن سعيد بن جبير ، وروى عنه شعبة ، والثوري ، ومسعر ، وغيرهم. ثقة. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/325 ، وابن أبي حاتم 4/1/231.
(2) الأثر : 13623 - " المغيرة " في هذ1 الإسناد ، هو " المغيرة بن مقسم الضبي " ، إمام مشهور ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 9292. و " أبو الجبر بن تميم بن حذلم " ، كان في المطبوعة هنا ، وفي رقم : 13629 ، 13637 " أبو الخير تميم بن حذلم " ، وفي المخطوطة : " أبو الحر تميم بن حذلم " ، غير منقوطة وبإسقاط " بن " ، وهوخطأ. فإن " تميم بن حذلم الضبي " كنيته " أبو سلمة " ، أو " أبو حذلم " ، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود ، وأدرك أبا بكر ، فهو تابعي قديم ، وليس يروى عنه " مغيرة " ، إنما يروى عنه من طريق ابنه هذا ، ومن طريق إبراهيم اللخعي. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/151 ، 152 ، وابن أبي حاتم 1/1/442. وأما ابنه " أبو الجبر بن تميم " ، فاسمه " عبد الرحمن بن تميم بن حذلم الضبي " ، روى عنه أبو إسحق الهمداني ، ومغيرة. فلذلك صححت ما كان في المخطوطة ، والمطبوعة ، وزدت " بن " ، وكذلك أشار إليه البخاري في التاريخ وغيره في ترجمة أبيه ، الكبير 1/2/151 ، 152. و " أبو الجبر " بالجيم والباء ، وهو مذكور في أكثر الكتب " أبو الخير " ، وهو خطأ ، ضبطه عبد الغني في المؤتلف والمختلف ، وابن ماكولا ، والدولابي ، وكذلك ذكره ابن أبي حاتم في الكنى (4/ 2/ 355) في حرف الجيم ، وهو مترجم أيضًا فيه 2/2/218. وانظر الأثرين التاليين رقم : 13629 ، 13637.

(11/564)


13624 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " المستقر " ، الأرض ، و " المستودع " ، عند ربك.
13625 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن إبراهيم قال ، قال عبد الله : " مستقرها " ، في الدنيا ، " ومستودعها " ، في الآخرة يعني " فمستقر ومستودع " .
13626 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : " المستودع " ، في الصلب ، و " المستقر " ، في الآخرة وعلى وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : فمستقر في الرحم ، ومستودع في الصلب.
* ذكر من قال ذلك :
13627 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي الحارث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قول الله : " فمستقر ومستودع " ، قال : مستقر في الرحم ، ومستودع في صلب ، لم يخلق سَيُخلق. (1)
13628 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن يحيى الجابر ، عن عكرمة : " فمستقر ومستودع " ، قال : " المستقر " ، الذي قد استقر في الرحم ، و " المستودع " ، الذي قد استودع في الصلب. (2)
13629 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي الجبر تميم ، عن سعيد بن جبير ، قال ابن عباس : سل! فقلت : " فمستقرّ
__________
(1) في المطبوعة : " وسيخلق " بزيادة الواو ، ولا ضرورة لها.
(2) الأثر : 13628 - " يحيى الجابر " ، هو " يحيى بن المجبر " منسوبًا لجده ، و " يحيى بن عبد الله بن الحارث بن المجبر التيمي " ، مضى برقم : 10188 - 10190 ، وكان في المطبوعة هنا " يحيى الجابري " ، وهو خطأ صرف.

(11/565)


ومستودع " ؟ قال : " المستقر " ، في الرحم ، و " المستودع " ، ما استودع في الصلب. (1)
13630 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : " فمستقر ومستودع " ، قال : " المستقر " الرحم ، و " المستودع " ، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.
13631 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } [سورة هود : 6] ، قال : " المستقر " ، ما كان في الرحم مما هو حيٌّ ، ومما قد مات و " المستودع " ، ما في الصلب.
13632 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جيير قال : قال لي ابن عباس ، وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي (2) أتزوّجت يا ابن جبير ؟ قال : قلت لا وما أريد ذاك يومي هذا! قال فقال : أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودَعين.
13633 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جيير قال : قال لي ابن عباس : تزوجت ؟ قلت : لا ! قال : فضرب ظهري وقال : ما كان من مستودَع في ظهرك سيخرج.
13634 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فمستقر ومستودع " ، قال : " المستقر " ، في الأرحام ، و " المستودع " ، في الصلب ، لم يخلق وهو خالقه.
13635 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) الأثر : 13629 - " أبو الجبر بن تميم " ، انظر التعليق على رقم : 13623 ، وكان في المطبوعة : " أبو الخير تميم " ، وفي المخطوطة : " أبو الحبر تميم " غير منقوط ، وهما خطأ.
(2) قوله : " وذلك قبل أن يخرج وجهي " ، يعني : قبل أن تنبت لحيته ، وهذا تعبير عزيز لا تجد تفسيره في كتب اللغة والمجاز ، فقيده.

(11/566)


معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " فمستقر ومستودع " ، قال : " المستقر " ، في الرحم ، و " المستودع " ، ما استودع في أصلاب الرجال والدوابّ.
13636 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد قال : " المستقر " ، ما استقرّ في الرحم ، و " المستودع " ، ما استودع في الصلب.
13637 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي الجبر بن تميم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، بنحوه. (1)
13638 - حدثنا هناد قال ، حدثنا عبيدة بن حميد ، عن عمار الدهني ، عن رجل ، عن كريب قال : دعاني ابن عباس فقال : اكتب : " بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عباس ، إلى فلان حَبْر تَيْماء ، سلامٌ عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد قال ، فقلت : تبدؤه تقول : السلام عليك ؟ فقال : إن الله هو السلام ثم قال : اكتب " سلامٌ عليك ، أما بعد ، فحدثني عن : " مستقر ومستودع " . قال : ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي ، فأعطيته إياه. فلما نظر إليه قال : مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين ! فذهب بي إلى بيته ، ففتح أسفاطًا له كبيرة ، (2) فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال قلت : ما شأنك ؟ قال : هذه أشياء كتبها اليهود! حتى أخرج سفر موسى عليه السلام ، قال : فنظر إليه مرتين فقال : " المستقر " ، الرحم ، قال : ثم قرأ : { وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ } [سورة الحج : 5] ، وقرأ : { وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ } ، [سورة البقرة : 36] ، [سورة الأعراف : 24]. قال : مستقرُّه فوق
__________
(1) الأثر : 13637 - " أبو الجبر بن تميم " ، مضى برقم : 13623 ، 13629 ، تصحيحه ، وكان هنا أيضًا في المطبوعة : " أبو الخير تميم " ، وفي المخطوطة : " أبو الخير تميم " غير منقوط.
(2) " الأسفاط " جمع " سفط " (بفتحتين) : وهو وعاء كالجوالق ، وبين الخبر هنا أنهم كانوا يستخدمونه في حفظ الكتب والأسفار.

(11/567)


الأرض ، ومستقرُّه في الرحم ، ومستقره تحت الأرض حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار. (1)
13639 - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء : " فمستقر ومستودع " ، قال : " المستقر " ، ما استقر في أرحام النساء ، و " المستودع " ، ما استودع في أصلاب الرجال.
13640 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : " المستقر " ، الرحم ، و " المستودع " ، في أصلاب الرجال.
13641 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا روح بن عبادة ، عن ابن جريج ، عن عطاء وعن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " المستقر " ، الرحم ، و " المستودع " ، في الأصلاب.
13642 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثناعيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فمستقر " ، ما استقر في أرحام النساء " ومستودع " ، ما كان في أصلاب الرجال .
13643 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
13644 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد قال : " المستقر " ، ما استقر في الرحم ، و " المستودع " ، ما استودع في الصلب.
13645 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " المستقر " ، الرحم ، " والمستودع " ، الصلب .
__________
(1) الأثر : 13638 - " كريب " هو " كريب بن أبي مسلم الهاشمي " مولى ابن عباس ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 1075.

(11/568)


13646 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا معاذ بن معاذ ، عن ابن عون قال : أتينا إبراهيم عند المساء فأخبرونا أنه قد مات ، فقلنا : هل سأله أحدٌ عن شيء ؟ قالوا : عبد الرحمن بن الأسود ، عن " المستقر " و " المستودع " ، فقال : " المستقر " ، في الرحم ، و " المستودع " ، في الصلب.
13647 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا ابن عون قال : أتينا إبراهيم وقد مات ، قال : فحدثني بعضهم : أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن " المستقر " و " المستودع " ، فقال : " المستقر " ، في الرحم ، " والمستودع " ، في الصلب.
13648 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون : أتينا منزل إبراهيم ، فسألنا عنه فقالوا : قد توفي. وسأله عبد الرحمن بن الأسود ، فذكر نحوه.
13649 - حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون : أنه بلغه : أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك ، فذكر نحوه.
13650 - حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن العلاء بن هارون قال : انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض ، فقلت لهم : هل سأله أحد عن شيء ؟ قالوا : سأله عبد الرحمن بن الأسود عن " مستقر ومستودع " ، فقال : أما " المستقر " ، فما استقر في أرحام النساء ، و " المستودع " ، ما في أصلاب الرجال. (1)
__________
(1) الأثر : 13650 - " عبيد الله بن محمد بن هرون الفريابي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 17 ، 9227.
و " ضمرة بن ربيعة الفلسطيني " ، مضى برقم : 7134 ، 12868.
و " العلاء بن هرون الواسطي " ، سكن الرملة. روى عن ابن عون. ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/362.
وأخشى أن يكون هذا الخبر ، عن العلاء بن هرون ، عن ابن عون ، بل أرجح أن يكون كذلك.

(11/569)


13651 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد في " فمستقر ومستودع " ، قال : " المستقر " ، الرحم ، و " المستودع " ، الصلب.
13652 - حدثني يونس قال ، حدثني سفيان ، عن رجل حدَّثه ، عن سعيد بن جبير قال : قال لي ابن عباس : ألا تنكح ؟ ثم قال : أما إني أقول لك هذا ، وإني لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه مستودَع. (1)
13653 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : " المستقر " ، في الرحم ، و " المستودع " ، في الصلب.
13654 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن ابن عباس : " فمستقر ومستودع " ، قال : " مستقر " ، في الرحم ، و " مستودع " ، في الصلب.
13655 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " فمستقر ومستودع " ، قال : " مستقر " ، في الرحم ، و " مستودع " ، في الصلب.
13656 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك : " فمستقر ومستودع " ، أما " مستقر " ، فما استقر في الرحم وأما " مستودع " ، فما استودع في الصلب.
13657 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " فمستقر ومستودع " ، قال : " مستقر " ، في الأرحام ، " ومستودع " ، في الأصلاب.
13658 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
__________
(1) في المطبوعة : " ما كان فيه مستودعًا " ، غير ما في المخطوطة بلا طائل.

(11/570)


حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير وأبي حمزة ، عن إبراهيم قالا " مستقر ومستودع " ، " المستقر " ، في الرحم ، و " المستودع " ، في الصلب.
* * *
وقال آخرون : " المستقر " ، في القبر ، " والمستودع " ، في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
13659 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : " مستقر " ، في القبر ، " ومستودع " في الدنيا ، وأوشك أن يلحق بصاحبه.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله جل ثناؤه عمّ بقوله : " فمستقر ومستودع " ، كلَّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة ، مستقرًّا ومستودعًا ، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أنّ من بني آدم مستقرًّا في الرحم ، ومستودعًا في الصلب ، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها ، ومستودع في أصلاب الرجال ، ومنهم مستقر في القبر ، مستودع على ظهر الأرض. فكلٌّ " مستقر " أو " مستودع " بمعنى من هذه المعاني ، فداخل في عموم قوله : " فمستقر ومستودع " ومراد به ، إلا أن يأتي خبرٌ يجب التسليم له بأنه معنيٌّ به معنى دون معنى ، وخاص دون عام.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : " فمستقر ومستودع " .
فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة : (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ، بمعنى : فمنهم من استقرّه الله في مقرِّه ، فهو مستقَرٌّ ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه ، فهو مستودَع فيه.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة : (فَمُسْتَقِرٌّ) ، بكسر " القاف "

(11/571)


بمعنى : فمنهم من استقرّ في مقرّه ، فهو مستقِرّ به.
* * *
وأولى القراءتين بالصواب عندي ، وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح : (فَمُسْتَقَرٌّ) ، بمعنى : استقرّه الله في مستقَرِّه ، ليأتلف المعنى فيه وفي " المستودَع " ، في أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله ، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقِرُّ هذا ، والمستودِع هذا. وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله : " ومستودَع " بفتح " الدال " على وجه ما لم يسمَّ فاعله ، فإجراء الأوّل أعني قوله : " فمستقر " عليه ، أشبه من عُدُوله عنه.
* * *
وأما قوله : " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون " ، يقول تعالى : قد بيّنا الحجج ، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها (1) " لقوم يفقهون " ، مواقعَ الحجج ومواضع العبر ، ويفهمون الآيات والذكر ، (2) فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر ، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور ، علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه ، كما : -
13660 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون " ، يقول : قد بينا الآيات لقوم يفقهون.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " فصل " فيما سلف ص : 561 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " فقه " فيما سلف ص : 433 ، تعليق2 ، والمراجع هناك.

(11/572)


وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه ، (1) هو الإله الذي أنزل من السماء ماء " فأخرجنا به نبات كل شيء " ، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم ، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون. وإنما معنى قوله : " فأخرجنا به نبات كل شيء " ، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ.
* * *
ولو قيل : معناه : فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات ، فيكون " كل شيء " ، هو أصناف النبات كان مذهبًا ، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول. (2)
* * *
وقوله : " فأخرجنا منه خضرًا " ، يقول : " فأخرجنا منه " ، يعني : من الماء الذي أنزلناه من السماء " خَضِرًا " ، رطبًا من الزرع.
* * *
" والخضر " ، هو " الأخضر " ، كقول العرب : " أرِنيهَا نَمِرة ، أُرِكْها مَطِرَة " . (3) يقال : " خَضِرَت الأرض خَضَرًا. وخَضَارة " . (4) و " الخضر " رطب البقول ،
__________
(1) في المطبوعة : " لا شركة فيها لشيء سواء " ، غير ما في المخطوطة بسوء رأي!!
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 347.
(3) هذا مثل ، نسبه صاحب اللسان في (نمر) إلى أبي ذؤيب الهذلي ، ولم ينسبه في (خضر) ، ورواه الميداني في الأمثال 1 : 258 ، وأبو هلال في جمهرة الأمثال : 14 ، ولم ينسباه إليه ، وأذكر أني قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها. وقوله : " نمرة " يعني ، سحابة ، وهو أن يكون سواد وبياض ونمرة ، يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء ، وصحة الدلالة عليه. وذلك إذا رأيت دليل الشيء ، علمت ما يتبعه.
(4) " الخضارة " مصدر ، مثل " الغضارة " ، لم يذكر في مادته من كتب اللغة.

(11/573)


ويقال : " نخلة خضيرة " ، إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج. و " قد اختُضِر الرجل " و " اغْتُضِر " ، إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقال : " هو لك خَضِرًا مَضِرًا " ، أي هنيئًا مريئًا. (1)
* * *
قوله : " نخرج منه حبًّا متراكبًا " ، يقول : نخرج من الخضر حبًّا يعني : ما في السنبل ، سنبل الحنطة والشعير والأرز ، (2) وما أشبه ذلك من السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13661 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " منه خضرًا نخرج منه حبًّا متراكبًا " ، فهذا السنبل.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن النخل من طلعها قنوانه دانية ، (3) ولذلك رفعت " القِنوان " .
* * *
__________
(1) ذكره صاحب اللسان في (خضر) ، ولم يذكره في (مضر). و " المضر " الغض الطري.
(2) انظر تفسير " الحب " فيما سلف ص : 550.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " ومن النخل من طلعها قنوان دانية " ، وهو نص الآية ، وهو بيان لا يستقيم ، وإنما الصواب ما أثبت ، استظهرته من معاني القرآن للفراء 1 : 347.

(11/574)


و " القنوان " جمع " قِنْو " ، كما " الصنوان " جمع " صِنْو " ، وهو العِذْق ، (1) يقال للواحد هو " قِنْو " ، و " قُنْو " و " قَنَا " ، يثنى " قِنوانِ " ، ويجمع " قنوانٌ " و " قُنوانٌ " . (2) قالوا في جمع قليله : " ثلاثة أقْناء " . و " القِنوان " من لغة الحجاز ، و " القُنْوان " ، من لغة قيس ، وقال امرؤ القيس :
فَأَثَّتْ أَعَالِيهِ ، وَآدَتْ أُصُولُهُ... وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا (3)
و " قِنْيان " ، جميعًا ، وقال آخر : (4)
لَهَا ذَنَبٌ كَالْقِنْوِ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ... وَأَسْحَمَ لِلتَّخْطَارِ بَعْدَ التَّشَذُّرِ (5)
__________
(1) " العذق " (بكسر فسكون) : كباسة النخل وعراجينها.
(2) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 202.
(3) ديوانه : 67 ، واللسان (قنا) ، وغيرها كثير. من قصيدته المستجادة ، وهو من أولها ، يصف ظعن الحي يشبهها بالنخل ، يقول قبله : بِعَيْنيَّ ظُعْنُ الحَيِّ لَمَّا تَحَمَّلُوا ... لَدَى جَانِبِ الأَفْلاجِ مِنْ جَنْبِ تَيْمرَا
فَشَبَّهْتُهُمْ فِي الآلِ لَمَّا تَكَمَّشُوا ... حَدَائِقَ دَوْمٍ ، أوْ سَفِينًا مُقَيَّرَا
أَوِ المُكْرِعَاتِ من نَخِيلِ ابْنِ يَامِنٍ ... دُوَيْنَ الصَّفَا اللائِي يَلِينَ المُشقّرا
سَوَامِقَ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فُرُوعُهُ ... وَعَالَيْنَ قِنْوَانًا مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا
فهذه رواية أخرى غير التي رواها أبو جعفر وغيره. وقوله : " فأثت أعاليه " : أي : عظمت والتفت من ثقل حملها. وقوله : " آدت " ، أي تثنت ومالت.
(4) لم أعرف قائله.
(5) رواه أبو زيد في نوادره : 182 ، بيتًا مفرادًا ، وقال في تفسيره : " التشذر " ، إذا لقحت الناقة عقدت ذنبها ونصبته على عجزها من التخيل ، فذاك التشذر. و " المذل " (بفتحتين) : أن لا تحرك ذنبها. ولم أعرف لقوله " أسحم " في هذا البيت معنى ، ورواية أبي زيد : " وأسمح " ، وهو حق المعنى فيما أرجح. و " التخطار " ، مصدر " خطر الفحل بذنبه خطرًا وخطرانًا وخطيرًا " ، رفعه مرة بعد مرة ، وضرب به حاذيه ، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب. وهذا المصدر لم يذكر في شيء من معاجم اللغة. والمعنى : أنها أقرت ذنبها ، ثم أسمح لها بعد نشاطها وتبخترها فاسترخى. هكذا ظننت معناه.

(11/575)


وتميم تقول : " قُنْيان " بالياء.
* * *
ويعني بقوله : " دانية " ، قريبة متهدّلة.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13662 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " قنوان دانية " ، يعني ب " القنوان الدانية " ، قصار النخل ، لاصقة عُذُوقها بالأرض.
13663 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " من طلعها قنوان دانية " ، قال : عذوق متهدلة .
13664 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " قنوان دانية " ، يقول : متهدلة.
13665 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن البراء في قوله : " قنوان دانية " ، قال : قريبة.
13666 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب : " قنوان دانية " ، قال : قريبة.
13667 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ومن النخل من طلعها قنوان دانية " ، قال : الدانية ، لتهدُّل العُذوق من الطلع.
13668 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " ومن النخل من طلعها قنوان دانية " ، يعني النخل القصارَ الملتزقة بالأرض ، و " القنوان " طلعه.
* * *

(11/576)


القول في تأويل قوله : { وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأخرجنا أيضًا جنات من أعناب يعني : بساتينَ من أعناب. (1)
* * *
واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة القرأة : (وَجَنَّاتٍ) نصبًا ، غير أن " التاء " كسرت ، لأنها " تاء " جمع المؤنث ، وهي تخفض في موضع النصب. (2)
* * *
وقد : -
13669 - حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام ، عن الكسائي قال ، أخبرنا حمزة ، عن الأعمش أنه قرأ : (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ).
* * *
بالرفع ، فرفع " جنات " على إتباعها " القنوان " في الإعراب ، وإن لم تكن من جنسها ، كما قال الشاعر :
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (3)
* * *
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها ، النصبُ : (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ) ، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها ، ورفضهم ما عداها ، وبُعْدِ معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعًا.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الجنات " فيما سلف من فهارس اللغة (جنن)
(2) في المطبوعة ، أسقط " في " من الكلام سهوًا.
(3) مضى البيت وتخريجه مرارًا 1 : 140/6 : 423/ 10 : 408.

(11/577)


وقوله : " والزيتون والرمان " ، عطف ب " الزيتون " على " الجنات " ، بمعنى : وأخرجنا الزيتونَ والرمان مشتبهًا وغير متشابه.
* * *
وكان قتادة يقول في معنى " مشتبهًا وغير متشابه " ، ما : -
13670 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه " ، قال : مشتبهًا ورقه ، مختلفًا ثمرُه .
* * *
وجائز أن يكون مرادًا به : مشتبهًا في الخلق ، مختلفًا في الطعم. (1)
* * *
قال أبو جعفر : ومعنى الكلام : وشجر الزيتون والرمان ، فاكتفى من ذكر " الشجر " بذكر ثمره ، كما قيل : (واسأل القرية) ، [سورة يوسف : 82] ، فاكتفى بذكر " القرية " من ذكر " أهلها " ، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
* * *
القول في تأويل قوله : { انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة : (انْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ) ، بفتح " الثاء " و " الميم " .
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين : (إلَى ثُمُرِهِ) ، بضم " الثاء " و " الميم " .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " متشابه " فيما سلف 1 : 385 - 394/6 : 173.

(11/578)


فكأنّ من فتح " الثاء " و " الميم " من ذلك ، وجَّه معنى الكلام : انطروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمرَ وأن " الثمر " جمع " ثمرة " ، كما " القصب " ، جمع " قصبة " ، و " الخشب " جمع " خشبة " .
* * *
وكأنّ من ضم " الثاء " و " الميم " ، وجَّه ذلك إلى أنه جمع " ثِمَار " ، كما " الحُمُر " جمع " حمار " ، و " الجُرُب " جمع " جراب " ، وقد : -
13671 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، عن ابن إدريس ، عن الأعمش ، عن يحيى بن وثاب : أنه كان يقرأ : (إلَى ثُمُرِهِ) ، يقول : هو أصناف المال.
13672 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي حماد قال ، حدثنا محمد بن عبيد الله ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد قال : " الثُّمُر " ، هو المال و " الثمر " ، ثَمَر النخل. (1)
* * *
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأ : (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) بضم " الثاء " و " الميم " ، لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافًا من المال كما قال يحيى بن وثاب ، وكذلك حبّ الزرع المتراكب ، وقنوان النخل الدانية ، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان ، فكان ذلك أنواعًا من الثمر ، فجمعت " الثمرة " " ثمرًا " ، ثم جمع " الثمر " " ثمارًا " ، ثم جمع ذلك فقيل : (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) ، فكان ذلك جمع " الثمار " و " الثمار " جمع " الثمر " و " إثماره " ، عقدُ الثمر.
* * *
وأما قوله : " وَينْعه " ، فإنه نُضجه وبلوغُه حين يبلغ.
* * *
__________
(1) روي عن مجاهد أبين من هذا إذ قال : " هو الذهب والفضة " ، كما حكاه الفارسي عنه.

(11/579)


وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في " يَنْعه " إذا فتحت ياؤه ، هو جمع " يانع " ، كما " التَّجْر " جمع " تاجر " ، و " الصحب " جمع " صاحب " . (1)
* * *
وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك ، ويرى أنه مصدر من قولهم : " ينع الثمر فهو يَيْنع يَنْعًا " ، ويحكى في مصدره عن العرب لغات ثلاثًا : " يَنْع " ، و " يُنْع " ، و " يَنَع " ، وكذلك في " النَّضْج " " النُّضج " و " النَّضَج " . (2)
* * *
وأما في قراءة من قرأ ذلك : (وَيَانِعِهِ) ، فإنه يعني به : وناضجه ، وبالغه.
* * *
وقد يجوز في مصدره " يُنُوعًا " ، ومسموع من العرب : " أينعت الثمرة تُونِع إيناعًا " ، ومن لغة الذين قالوا : " ينع " ، قول الشاعر : (3)
فِي قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا (4)
__________
(1) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 202 ، وهو منسوب أيضًا إلى ابن كيسان ، كما جاء في لسان العرب (ينع).
(2) ذكر أبو جعفر في " ينع " و " نضج " مصدرًا ثالثًا غير الذي ذكره أصحاب المعاجم ، فإنهم اقتصروا في (ينع) على فتح الياء وسكون النون ، وضمها وسكون النون واقتصروا في (نضج) على فتح النون وسكون الضاد ، وضمها وسكون الضاد. أما هذا المصدر الثالث الذي رواه أبو جعفر ولم يضبطه ، فلم أجده في شيء من المعاجم ، وهو مما يزاد عليها ، إلا أني استظهرت ضبطه في الحرفين بفتح الياء والنون في ينع " ، وبفتح النون والضاد في " نضج " . وسيذكر أبو جعفر مصدرًا آخر بعد قليل وهو " ينوع " .
(3) هذا شعر مختلف فيه من شعر يزيد بن معاوية ، ونسبه المبرد إلى الأحوص ، ونسبه الجاحظ إلى أبي دهبل ، وينسب إلى الأخطل خطأ.
(4) الحيوان 4 : 10 ، الكامل 1 : 226 ، أنساب الأشراف 4/2/2 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 202 ، تاريخ ابن كثير 8 : 234 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 140 ، معجم ياقوت (الماطرون) ؛ الخزانة 3 : 279 ، العيني (هامش الخزانة 1 : 149) ، واللسان (ينع) وغيرها. من شعر يقال إن يزيد قاله في نصرانية ترهبت في دير خرب عند الماطرون ، وهو موضع بالشأم. وهذا هو الشعر ، مع اختلاف الرواية فيه : آبَ هَذَا الهَمُّ فَاكْتَنَعَا ... وأتَرَّ النَّوْمَ فَاْمْتَنَعَا
رَاعِيًا للِنَّجْمِ أرْقُبُهُ ... فَإِذَا ما كَوْكَبٌ طَلَعَا
حَامَ ، حَتَّى إنَّنِي لأرَى ... أنَّهُ بِالْغَورِ قَدْ وَقَعَا
وَلَهَا بالمَاطِرُونِ إذَا ... أكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا
خُرْفَةٌ ، حَتَّى إذَا ارْتَبَعَتْ ... سَكَنَتْ منْ جِلَّقٍ بِيَعَا
فِي قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا
عِنْد غَيْري ، فَالْتَمِسْ رَجُلا ... يأكُلُ التَّنُّوَم والسَّلَعَا
ذَاكَ شَيءٌ لَسْتُ آكُلُهُ ... وَأرَاهُ مَأْكَلا فَظِعَا
" اكتنع الهم " ، دنا دنوًّا شديدا. و " أتر النوم " أبعده ، والرواية المشهورة و " أمر النوم " من المرارة. وقوله : " أكل النمل الذي جمعا " ، يعني زمن الشتاء. و " الخرفة " ما يجتنى من الفاكهة. و " ارتبعت " دخلت في الربيع. و " جلق " قرية من قرى دمشق. و " البيع " جمع " بيعة " (بكسر الباء) ، وهي كنيسة اليهود أو النصارى ، و " الدسكرة " بناء كالقصر ، كانت الأعاجم تتخذه للشرب والملاهي. و " التنوم " و " السلع " نباتان ، تأكلها جفاة أهل البادية. و " فظع " ، فظيع يستبشعه آكله.
ورواية البلاذري للبيت : فِي جِنَانٍ ثَمَّ مُؤْنِقَةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا

(11/580)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
13763 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وينعه " ، يعني : إذا نضج.
13674 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " انطروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " ، قال : " ينعه " ، نضجه.
13675 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :

(11/581)


" انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " ، أي نضجه.
13676 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " وينعه " ، قال : نضجه.
13677 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وينعه " ، يقول : ونضجه.
13678 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : " وينعه " ، قال : يعني نضجه.
13679 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : " وينعه " ، قال : نضجه.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره إن في إنزال الله من السماء الماءَ الذي أخرج به نباتَ كل شيء ، والخضِرَ الذي أخرج منه الحبَّ المتراكب ، وسائر ما عدَّد في هذه الآية من صنوف خلقه " لآيات " ، يقول : في ذلكم ، أيها الناس ، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره ، وعند ينعه وانتهائه ، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموّه ، علمتم أن له مدبِّرًا ليس كمثله شيء ، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد ، وكان فيه حجج وبرهان وبيان (1) " لقوم يؤمنون " ،
__________
(1) انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).

(11/582)


يقول : لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء.
وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون ، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها ، دون من قد طَبعَ الله على قلبه ، فلا يعرف حقًّا من باطل ، ولا يتبين هدًى من ضلالة.
* * *

(11/583)


وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)

القول في تأويل قوله : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهةَ والأندادَ لله شركاء ، الجن ، كما قال جل ثناؤه : ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ) [سورة الصافات : 158] .
* * *
وفي الجن وجهان من النصب.
أحدهما : أن يكون تفسيرًا للشركاء. (1) .
والآخر : أن يكون معنى الكلام : وجعلوا لله الجن شركاء ، وهو خالقهم .
* * *
واختلفوا في قراءة قوله : " وخلقهم " .
فقرأته قراء الأمصار : (وَخَلَقَهُمْ) ، على معنى أن الله خلقهم ، منفردًا بخلقه إياهم . (2) .
* * *
وذكر عن يحيى بن يعمر ما : -
13680 - حدثني به أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن هارون ، عن واصل مولى أبي عيينة ، عن يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر : أنه قال : " شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ " .
__________
(1) - (( التفسير )) ، هو البدل
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 348 .

(11/7)


بجزم " اللام " بمعنى أنهم قالوا : إنّ الجنّ شركاء لله في خلقه إيّانا .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب ، قراءة من قرأ ذلك : (وَخَلَقَهُمْ) ، لإجماع الحجة من القرأة عليها .
* * *
وأما قوله : (وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) ، فإنه يعني بقوله : (خرقوا) اختلقوا.
* * *
يقال : " اختلق فلان على فلان كذبًا " و " اخترقه " ، إذا افتعله وافتراه . (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13681 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وجعلوا لله شركاء الجن والله خلقهم " وخرقوا له بنين وبنات " ، يعني أنهم تخرَّصوا .
13682 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ، قال : جعلوا له بنين وبنات بغير علم .
13683 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ، قال : كذبوا .
13684 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13685 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 348 ، ومجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 203 .

(11/8)


قوله : " وجعلوا لله شركاء الجن " كذبوا " سبحانه وتعالى عما يصفون " ، عما يكذبون . أما العرب فجعلوا له البنات ، ولهم ما يشتهون من الغلمان وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرُون . (1)
13686 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " قال : خرصوا له بنين وبنات .
13687 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ، يقول : قطعوا له بنين وبنات. (2) قالت العرب : الملائكة بنات الله وقالت اليهود والنصارى : المسيح وعزير ابنا الله .
13688 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال ، قال ابن زيد في قوله : " وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " ، قال : " خرقوا " ، كذبوا ، لم يكن لله بنون ولا بنات قالت النصارى : المسيح ابن الله وقال المشركون : الملائكة بنات الله فكلٌّ خرقوا الكذب ، " وخرقوا " ، اخترقوا .
13689 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " وجعلوا لله شركاء الجن " ، قال : قول : الزنادقة " وخرقوا له " ، قال ابن جريج ، قال مجاهد : " خرقوا " ، كذبوا .
13690 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن جويبر ، عن الضحاك : " وخرقوا له بنين وبنات " ، قال : وصفوا له .
13691 - حدثنا عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث ، عن أبي عمرو :
__________
(1) اقرأ آية سورة الصافات : 158 .
(2) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : (( قطعوا )) بمعنى : اختلقوا وادعوا ونسبوا ، ولم أجد هذا المجاز في شيء من كتب اللغة ، فإن صح ، وهو عندي قريب الصحة ، فهو بالمعنى الذي ذكرت . إلا أن يكون محرفًا عن شيء لم أتبينه.

(11/9)


" وخرقوا له بنين وبنات " ، قال : تفسيرها : وكذبوا .
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا : وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ في عبادتهم إياه ، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير " وخرقوا له بنين وبنات " ، يقول : وتخرَّصوا لله كذبًا ، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون ، ولكن جهلا بالله وبعظمته ، وأنه لا ينبعي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ، ولا أن يشركه في خلقه شريك .
* * *
القول في تأويل قوله : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : تنزه الله ، (1) وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه ، في ادّعائهم له شركاء من الجن ، واختراقهم له بنين وبنات ، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته ، لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد ، والذين تضطرّهم لضعفهم الشهواتُ إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات ، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء ، و لا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة .
* * *
وقوله : " تعالى " ، " تفاعل " من " العلوّ " ، والارتفاع . (2)
* * *
وروي عن قتادة في تأويل قوله : " عما يصفون " ، أنه : يكذبون .
13692 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
__________
(1) انظر تفسير (( سبحان )) فيما سلف 11 : 237 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( العلو )) فيما سلف 5 : 405 .

(11/10)


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)

" سبحانه وتعالى عما يصفون " ، عما يكذبون .
* * *
وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك ، أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه به ، من ادعائهم له بنين وبنات لا أنه وجه تأويل " الوصف " إلى الكذب .
* * *
القول في تأويل قوله : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجنَّ شركاءَ ، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم " بديع السماوات والأرض " ، يعني : مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن ، (1) كما : -
13693 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " بديع السماوات والأرض " ، قال : هو الذي ابتدع خلقهما جل جلاله ، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله .
* * *
" أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة " ، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى ، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة ، فيكون له ولد. وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء . يقول : فإذا كان لا شيء إلا اللهُ خلقه ، فأنّى يكون لله ولد ، ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد ؟
__________
(1) انظر تفسير (( بديع )) فيما سلف 2 : 540 .

(11/11)


القول في تأويل قوله : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والله خلق كل شيء ، ولا خالق سواه. وكلُّ ما تدَّعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه ، خلقُه وعبيده ، مِلكًا ، كان الذي تدعونه ربًّا وتزعمون أنه له ولد ، أو جنيًّا أو إنسيًّا " وهو بكل شيء عليم " ، يقول : والله الذي خلق كل شيء ، لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه ، ولا يعزب عنه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء ، عالم بعددكم وأعمالكم ، وأعمال من دعوتموه ربًّا أو لله ولدًا ، وهو محصيها عليكم وعليهم ، حتى يجازي كلا بعمله . (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( عليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( علم )

(11/12)


ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)

القول في تأويل قوله تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، هو الله ربكم ، أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان ، والجاعلون له الجن شركاء ، وآلهتكم التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا ، ولا تفعل خيرًا ولا شرًا " لا إله إلا هو " .
وهذا تكذيبٌ من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله. يقول جل ثناؤه لهم : أيها الجاهلون ، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة ، إلا الذي خلق كل شيء ، وهو بكل شيء عليم ، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادةُ جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها ، فإنه خالق

(12/12)


لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)

كل شيء وبارئه وصانعه ، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة " فاعبدوه " ، يقول : فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة ، واخضعوا له بذلك . (1)
" وهو على كل شيء وكيل " ، يقول : والله على كل ما خلق من شيء رقيبٌ وحفيظ ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته . (2)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " .
فقال بعضهم : معناه لا تحيط به الأبصار ، وهو يحيط بها .
* ذكر من قال ذلك :
13694 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " ، يقول : لا يحيط بصر أحدٍ بالملك .
13695 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " ، وهو أعظم من أن تدركه الأبصار .
13696 - حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا خالد بن عبد الرحمن قال ، حدثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي في قوله :
__________
(1) انظر تفسير (( العبادة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عبد ) .
(2) انظر تفسير (( وكيل )) فيما سلف 11 : 434 تعليق : 1 ، راجع هناك .

(12/13)


( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) [سورة القيامة : 22 - 23] ، قال : هم ينظرون إلى الله ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم ، فذلك قوله : " لا تدركه الأبصار " ، الآية . (1)
* * *
قال أبو جعفر : واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا ، بأن قالوا : إن الله قال : " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت " ، (2) [يونس : 90] قالوا : فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون ، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه ، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا . قالوا : فمعنى قوله : " لا تدركه الأبصار " بمعنى : لا تراه ، بعيد. لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه ، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون : ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ، [سورة الشعراء : 61] ، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يُدْرَكون ، لقوله : ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ) ، [سورة طه : 77] .
قالوا : فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه ، ويدركه ولا يراه ، فكان معلومًا بذلك أن قوله : " لا تدركه الأبصار " ، من معنى : لا تراه الأبصار ،
__________
(1) الأثر : 13696 - (( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري )) ثقة ، روي عنه آنفًا برقم : 436 . وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا (( يونس بن عبد الله بن الحكم )) ، وهو خطأ ، والصواب ما سيأتي في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) ، حيث روى هذا الخبر نفسه ، بإسناده عن (( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم )) .
و(( خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروروذي )) روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأخوه (( سعد )) . قال أبو حاتم : (( شيخ ، ليس به بأس )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /341 . وأما (( أبو عرفجة )) ، فلم أعرف من يكون .
و (( عطية العوفي )) ، هو (( عطية بن سعد بن جنادة العوفي )) ، وهو ضعيف ، مضى مرارًا ، واستوفى أخي السيد أحمد الكلام فيه في رقم : 305 . وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فلما أدركه الغرق )) ، وهو سهو ، فإن نص التلاوة ما أثبت .

(12/14)


بمعزل وأن معنى ذلك : لا تحيط به الأبصار ، لأن الإحاطة به غير جائزة .
قالوا : فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ، ولا تدركه أبصارهم ، بمعنى : أنها لا تحيط به ، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به .
قالوا : ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك ، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه ، (1) وكما قال جل ثناؤه : ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ) [سورة البقرة : 255] . قالوا : فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . قالوا : ومعنى " العلم " في هذا الموضع ، المعلوم. قالوا : فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء ، نَفْيٌ عن أن يعلموه . قالوا : فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به ، كان كذلك ، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر ، نفيُ رؤيته له . قالوا : وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا ، كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم ، إذ كان معنى " الرؤية " غير معنى " الإدراك " ، ومعنى " الإدراك " غير معنى " الرؤية " ، وأن معنى " الإدراك " ، إنما هو الإحاطة ، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل .
قالوا : فإن قال لنا قائل : وما أنكرتم أن يكون معنى قوله : " لا تدركه الأبصار " ، لا تراه الأبصار ؟
قلنا له : أنكرنا ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة ، (2) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة ، كما يُرَى القمر ليلة البدر ، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب . (3) قالوا : فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر ، وحققتْ أخبارُ رسول الله صلى الله عليه
__________
(1) في المطبوعة : (( ولا يحاط به )) ، وصواب السياق ما أثبت .
(2) يعني آيتي سورة القيامة : 22 ، 23 .
(3) في المخطوطة ، أسقط (( البدر )) ، والصواب إثباتها .

(12/15)


وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم : إن تأويل قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) [سورة القيامة : 22 - 23] ، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله ، (1) وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا ، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر ، إذ كان غير جائز في الأخبار لما قد بينا في كتابنا : " كتاب لطيف البيان ، عن أصول الأحكام " ، وغيره (2) علم ، أن معنى قوله : " لا تدركه الأبصار " ، غير معنى قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ، ولا يدركونه بها ، تصديقًا لله في كلا الخبرين ، وتسليمًا لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الأبصار ، وهو يرى الأبصار .
* ذكر من قال ذلك :
13697 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " لا تدركه الأبصار " ، لا يراه شيء ، وهو يرى الخلائق .
13698 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : من حدَّثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد كذب! " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " ، ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) ، [سورة الشورى : 51] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين .
__________
(1) انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري ( الفتح 13 : 356 ، وما بعدها ) ، وصحيح مسلم 3 : 25 ، وما بعدها . والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان .
(2) قوله : (( علم )) جواب قوله آنفًا : (( فإذ كان الله قد أخبر في كتابه ... ))

(12/16)


13699 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان الله ، لقد قَفَّ شعري مما قلت ! ثم قرأت : " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " . (1)
13700 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الأعلى وابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة بنحوه . (2)
13701 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال ، قالت عائشة : من قال إن أحدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله! قال الله : " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " .
* * *
فقال قائلو هذه المقالة : معنى " الإدراك " في هذا الموضع ، الرؤية وأنكروا أن يكون الله يُرَى بالأبصار في الدنيا والآخرة وتأوّلوا قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابَه .
* * *
قال أبو جعفر : وتأول بعضهم في الأخبار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربَّهم يوم القيامة تأويلات ، وأنكر بعضهم مجيئها ، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وردُّوا القول فيه إلى عقولهم ، فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار ، وأتوا في ذلك بضرُوب من التمويهات ، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات .
__________
(1) الأثران : 13698 ، 13699 - حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، رواه مسلم في صحيحه 3 : 10 ، مختصرًا .
(( قف شعري )) : إذا وقف من الفزع .
(2) الأثر : 13700 - حديث داود ، عن الشعبي ، رواه مسلم مطولا 3 : 8 - 10 ، وقد مضى جزء من هذا الخبر المطول فيما سلف برقم : 12280 - 12283 . فانظر تخريجه هناك .

(12/17)


وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل ، أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئًا إلا ما باينها دون ما لاصقها ، فإنها لا ترى ما لاصقها . قالوا : فما كان للأبصار مباينًا مما عاينته ، فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً . قالوا : فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم ، فقد وجب أن يكون الصانع محدودًا . قالوا : ومن وصفه بذلك ، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان .
قالوا : وأخرى ، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان ، كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات ، ومن شأن المتنسِّم أن يدرك الأعراف . (1) قالوا : فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزًا أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات ، وللمتنسِّم إلا بإدراك الأعراف ، فسد أن يكون جائزًا القضاءُ للبصر إلا بإدراك الألوان . (2) قالوا : ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفًا بأنه ذو لون ، صح أنه غير جائز أن يكون موصوفًا بأنه مرئيٌّ .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا ، وأما في الآخرة فإنها تدركه . وقال أهل هذه المقالة : " الإدراك " ، في هذا الموضع ، الرؤية .
واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : " الإدراك " ، وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية ، فإن الرؤية من أحد معانيه. وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئًا فيراه ، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك ، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية . قالوا : فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له ، دون ما لم
__________
(1) في المطبوعة : (( المتنشم )) بالشين ، وهو خطأ صرف ، والصواب بالسين كما في المخطوطة . يقال (( تنسيم النسيم )) ، إذا تشممه . و (( الأعراف )) جمع (( عرف )) ( بفتح فسكون ) : الرائحة ، طيبة كانت أو خبيثة . يقال : (( ما أطيب عرفها )) ، أي : رائحتها .
(2) في المخطوطة : (( انقضاء البصر )) ، والصواب ما في المطبوعة .

(12/18)


يره . قالوا : وقد أخبر الله أن وجوهًا يوم القيامة إليه ناظرة. قالوا ، فمحالٌ أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادٌّ وتعارض ، وجب وصحّ أن قوله : " لا تدركه الأبصار " ، على الخصوص لا على العموم ، وأن معناه : لا تدركه الأبصار في الدنيا ، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة ، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ).
* * *
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : الآية على الخصوص ، إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية : لا تدركه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة ، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة ، وأما بالرؤية فَبَلَى . (1) قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة وجائز أن يكون معناها : لا تدركه أبصارُ من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصارَ خلقه فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه ، هو الذي أثبته لنفسه ، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه ، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء . قالوا : ولا شك في خصوص قوله : " لا تدركه الأبصار " ، وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم ، غير أنا لا ندري أيَّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية . واعتلُّوا لتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة ، بنحو علل الذين ذكرنا قبل .
* * *
وقال آخرون : الآية على العموم ، ولن يدرك الله بصرُ أحد في الدنيا والآخرة; ولكن الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسّة سادسة سوى حواسِّهم الخمس ، فيرونه بها .
__________
(1) (( بلى )) استعمالها مع غير الجحد ، قد سلف بيانه ودليله 2 : 280 ، 510 ، ثم 10 : 98 ، تعليق : 4 .

(12/19)


واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه ، من غير أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها . قالوا : وكذلك أخبرَ في آية أخرى أن وجوهًا إليه يوم القيامة ناظرة . قالوا : فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض ، (1) وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل . واعتلُّوا أيضًا من جهة العقل بأن قالوا : إن كان جائزًا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه و إن زيد في قواها ، وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت ، لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنًى من المعاني ، فهي وإن ضعفت كل الضعف ، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه ، ما لم تُعْدم . قالوا : فلو كان في البصر أن يُدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه ، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها و إن ضعف إدراكه إياه . قالوا : فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا ، كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا في أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا . قالوا : فلما كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أنّ وجوهًا في الآخرة تراه ، علم أنها تراه بغير حاسة البصر ، إذ كان غير جائز أن يكون خبرُه إلا حقًّا .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر " " وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب " ، (2) فالمؤمنون يرونه ، والكافرون عنه يومئذ محجوبون ، كما قال جل ثناؤه : ( كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) [سورة المطففين : 15] .
فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار ، لما كانت لا ترى إلا ما باينها ، وكان بينها وبينه فضاءٌ وفرجة ، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون
__________
(1) في المطبوعة : (( لا تتباين )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قراءتها .
(2) انظر ص : 16 ، تعليق : 1 .

(12/20)


رؤية الله بالأبصار كذلك ، لأن في ذلك إثبات حدٍّ له ونهايةٍ ، فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه فإنه يقال لهم : (1) هل علمتم موصوفًا بالتدبير سوى صانعكم ، إلا مماسًّا لكم أو مباينًا ؟
فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك ، كُلِّفوا تبيينه ، ولا سبيل إلى ذلك .
وإن قالوا : لا نعلم ذلك.
قيل لهم : أو ليس قد علمتموه لا مماسًّا لكم ولا مباينًا ، وهو موصوف بالتدبير والفعل ، ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفًا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًّا لكم أو مباينًا ، أن يكون مستحيلا العلم به ، وهو موصوف بالتدبير والفعل ، لا مماس ولا مباين ؟
فإن قالوا : ذلك كذلك.
قيل لهم : فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة ، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء ، كما لا تعلم القلوب موصوفًا بالتدبير إلا مماسًّا لها أو مباينًا ، وقد علمتْه عندكم لا كذلك ؟ وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفًا بالتدبير والفعل معلومًا ، لا مماسًّا للعالم به أو مباينًا وأجاز أن يكون موصوفًا برؤية الأبصار ، لا مماسًّا لها ولا مباينًا ، فرق ؟
ثم يسألون الفرقَ بين ذلك ، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله .
وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك : أن من شأن الأبصار إدراك الألوان ، كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات ، ومن شأن المتنسِّم درَك الأعراف ، فمن الوجه الذي فسد أن يُقضى للسمع بغير درك الأصوات ، فسد أن يُقضى للأبصار لغير درك الألوان . (2)
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( وإنه يقال لهم )) بالواو ، وصواب السياق ما أثبت .
(2) في المطبوعة : (( أن يقتضي السمع لغير )) ، و (( أن تقتضي الأبصار لغير )) ، وأما المخطوطة ، ففيها (( أن يقضي السمع ... )) ، و (( أن يقضي للأبصار )) ، والصواب ما أثبت .

(12/21)


فيقال لهم : ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم ، موصوفًا بالتدبير والفعل إلا ذا لونٍ ، وقد علمتموه موصوفًا بالتدبير لا ذا لونٍ ؟
فإن قالوا : " نعم " لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا ، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفًا بالتدبير والفعل غير ذي لون ، فيكلفون بيان ذلك ، ولا سبيل إليه. (1)
فيقال لهم : فإذ كان ذلك كذلك ، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان ، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفًا بالتدبير إلا ذا لون ، وقد وجدتموها علمته موصوفًا بالتدبير غير ذي لون. ثم يسألون الفرق بين ذلك ، فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله .
ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس ، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها ، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصدَ الكشف عن تمويهاتهم ، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان . ولكنا ذكرنا القدرَ الذي ذكرنا ، ليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان ، مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده ، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة ، ولا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ولا سقيمة ، فهم في الظلمات يخبطون ، وفي العمياء يتردّدون ، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة.
* * *
وأما قوله : " وهو اللطيف الخبير " ، فإنه يقول : والله تعالى ذكره المتيسر له من إدراك الأبصار ، (2) والمتأتِّي له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها " الخبير " ، يقول : العليم بخلقه
__________
(1) في المطبوعة : (( فيكلفوا بيان ذلك )) ، وفي المخطوطة : (( فدلقوا بيان ذلك )) ، وهي غير مقروءة ، ولعل الصواب ما أثبت .
(2) في المطبوعة : (( الميسر له )) ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها .

(12/22)


قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)

وأبصارهم ، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه ، فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه ، وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه ، (1) كالذي :
13702 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله : " اللطيف الخبير " ، قال : " اللطيف " باستخراجها " الخبير " ، بمكانها .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) }
قال أبو جعفر : وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه الآيات من قوله : (2) " إن الله فالق الحب والنوى " إلى قوله : " وهو اللطيف الخبير " على حججه عليهم ، وعلى سائر خلقه معهم ، (3) العادلين به الأوثان والأنداد ، والمكذبين بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم من عند الله قل لهم يا محمد : " قد جاءكم " ، أيها العادلون بالله ،
__________
(1) انظر تفسير (( الخبير )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر ) .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : (( لهذه الآيات )) باللام ، وصواب السياق يقتضي ما أثبت .
(3) في المطبوعة (( وعلى تبيين خلقه معهم )) ، وهو كلام لا معنى له ، وهو في المخطوطة سيئ الكتابة ، وصواب قراءته ما أثبت . قوله : (( وعلى سائر خلقه معهم )) ، معطوف على قوله : (( عليهم )) قبله .
وقوله : (( على حججه )) ، السياق : (( أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات ... على حججه عليهم )).
وقوله بعد : (( العادلين به الأوثان )) ، صفة لقوله آنفًا (( أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات .. . ))

(12/23)


والمكذبون رسوله " بصائر من ربكم " ، أي : ما تبصرون به الهدى من الضلال ، والإيمان من الكفر .
* * *
وهي جمع " بصيرة " ، ومنه قول الشاعر : (1)
حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ... وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى (2)
يعني بالبصيرة : الحجة البينة الظاهرة ، (3) كما : -
13703 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : " قد جاءكم بصائر من ربكم " قال : " البصائر " الهدى ، بصائر في قلوبهم لدينهم ، وليست ببصائر الرؤوس . وقرأ : ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) [سورة الحج : 46] وقال : إنما الدين بصره وسمعه في هذا القلب . (4)
13704 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قد جاءكم بصائر من ربكم " ، أي بينة .
__________
(1) هو الأسعر الجعفي .
(2) الأصمعيات : 23 ( وطبعة المعارف : 157 ) ، والوحشيات رقم : 58 ، المخصص 1 : 160 ، اللسان ( بصر ) ( عتد ) ( وأي ) . وغيرها كثير . وهي من قصيدة عير فيها إخوته لأبيه ، وذلك أن أباه قتل وهو غلام ، فأخذ إخوته لأبيه الدية فأكلوها ، فلما شب الأسعر ، أدرك بثأر أبيه ، وقال قبله :
ولقد عَلِمْتُ ، عَلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى ... أَنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى
وفسر أصحاب اللغة (( البصيرة )) هنا بأنها الدم ما لم يسل ، يعني : دماءهم في أبدانهم ، يعير أخوته . وقال غيرهم : (( البصائر )) دم أبيهم ، يقول : تركوا دم أبيهم خلفهم ولم يثأروا به ، وطلبته أنا . و (( عتد )) ( بفتح العين ، وفتح التاء أو كسرها ) : الفرس الشديد التام الخلق ، السريع الوثبة ، المعد للجري ، ليس فيه اضطراب ولا رخاوة . و (( الوأي )) ، الفرس السريع الطويل المقتدر الخلق .
(3) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 203
(4) (( الدين )) ( بتشديد الياء وكسرها ) : المتدين ، صاحب الدين .

(12/24)


وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)

وقوله : " فمن أبصر فلنفسه " يقول : فمن تبين حجج الله وعرَفها وأقرَّ بها ، وآمن بما دلّته عليه من توحيد الله وتصديق رسوله وما جاء به ، فإنما أصاب حظ نفسه ، ولنفسه عمل ، وإياها بَغَى الخير " ومن عمي فعليها " ، يقول : ومن لم يستدلّ بها ، ولم يصدق بما دلَّته عليه من الإيمان بالله ورسوله وتنزيله ، ولكنه عمي عن دلالتها التي تدل عليها ، يقول : فنفسَه ضر ، وإليها أساء لا إلى غيرها .
* * *
وأما قوله : " وما أنا عليكم بحفيظ " ، يقول : وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم ، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم ، والله الحفيظ عليكم ، الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم . (1)
القول في تأويل قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كما صرفت لكم ، أيها الناس ، الآيات والحجج في هذه السورة ، وبينتها ، فعرفتكموها ، (2) في توحيدي وتصديق رسولي وكتابي ووقَّفتكم عليها ، (3) فكذلك أبيِّن لكم آياتي وحججي في كل ما جهلتموه فلم تعرفوه من أمري ونهيي ، كما : -
13705 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) انظر تفسير (( الحفيظ )) فيما سلف 8 : 562 .
(2) انظر تفسير (( تصريف الآيات )) فيما سلف 11 : 433 : 1 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : (( ووصيتكم عليها )) ، وهو لا معنى له ، صوابه في المخطوطة ، وإن كانت سيئة الكتابة .

(12/25)


حدثنا أسباط ، عن السدي : " وكذلك نصرف الآيات " ، لهؤلاء العادلين بربهم ، كما صرفتها في هذه السورة ، ولئلا يقولوا : درسْتَ .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قَرَأة أهل المدينة والكوفة : ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) ، يعني : قرأت ، أنت ، يا محمد ، بغير " ألف " .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين ، منهم ابن عباس ، على اختلاف عنه فيه ، وغيرُه وجماعة من التابعين ، وهو قراءة بعض قَرَأة أهل البصرة : " وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ " ، بألف ، بمعنى : قارأت وتعلمت من أهل الكتاب .
* * *
وروى عن قتادة : أنه كان يقرؤه : " دُرِسَتْ " ، بمعنى : قرئت وتليت . (1)
* * *
وعن الحسن أنه كان يقرؤه : " دَرَسَتْ " ، بمعنى : انمحت . (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأه : ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) ، بتأويل : قرأتَ وتعلمت; لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) [سورة النحل : 103]. فهذا خبرٌ من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون : إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره . فإذ كان ذلك كذلك ، فقراءة : ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) ، يا محمد ، بمعنى : تعلمت من أهل الكتاب ، أشبهُ
__________
(1) في المطبوعة : (( قرأت وتليت )) ، وهو خطأ ، والصواب ما في المخطوطة . وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 ، وفسره بقوله : (( تقادمت ، أي : هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول ، ومر بنا )) .

(12/26)


بالحق ، وأولى بالصواب من قراءة من قرأه : " دارسْتَ " ، بمعنى : قارأتهم وخاصمتهم ، وغير ذلك من القراءات .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، على قدر اختلاف القرأة في قراءته . (1)
* ذكر من قرأ ذلك : ( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) ، من المتقدمين ، وتأويله بمعنى : تعلمت وقرأت .
13706 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح قال ، حدثنا علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وليقولوا درست) ، قالوا : قرأت وتعلمت. تقول ذلك قريش .
13707 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد : (وليقولوا درست) قال : قرأت وتعلمت .
13708 - حدثنا هناد قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل وافقه ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس : (وليقولوا درست) ، قال : قرأت وتعلمت .
13709 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وليقولوا درست) ، يقول : قرأت الكتب .
13710 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنى عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (درست) ، يقول : تعلمت وقرأت .
13711 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، قال : قلت لابن عباس : أرأيت قوله : (درست) ؟ قال : قرأت وتعلمت .
__________
(1) انظر تفسير (( الدرس )) فيما سلف 6 : 544 - 546 .

(12/27)


13712 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس ، مثله .
* * *
* ذكر من قرأ ذلك(دَارَسْتَ) ، وتأوله بمعنى : جادلت ، من المتقدمين .
13713 - حدثنا عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث ، عن حميد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : " دارست " ، يقول : قارأت .
13714 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه كان يقرؤها : " وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ " ، أحسبه قال : قارأت أهل الكتاب .
13715 - حدثني محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس : " وليقولوا دارست " ، قال : قارأت وتعلمت .
13716 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال ، سمعت التميمي يقول : سألت ابن عباس عن قوله : " وليقولوا دارست " ، قال : قارأت وتعلَّمت .
13717 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي المعلى ، عن سعيد بن جبير قال ، كان ابن عباس يقرؤها : " دَارَسْتَ " .
13718 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا آدم العسقلاني قال ، حدثنا شعبة قال ، حدثنا أبو المعلى قال ، سمعت سعيد بن جبير يقول : كان ابن عباس يقرأ : " دَارَسْتَ " ، بالألف ، بجزم السين ، ونصب التاء .
13719 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال ، أخبرني عمرو بن كيسان : أن ابن عباس

(12/28)


كان يقرأ : " دَارَسْتَ " ، تلوت ، خاصمت ، جادلت .
13720 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن كيسان ، قال ابن عباس في : " دارست " ، قال : تلوت ، خاصمت ، جادلت .
13721 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية : " وليقولوا دارست " ، قال : قارأت .
13722 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا شعبة قال ، حدثنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير أنه قرأ : " دَارَسْتَ " ، بالألف أيضًا ، منتصبة التاء ، وقال : قارأت .
13723 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير أنه قرأ : " دَارَسْتَ " ، أي : ناسخت .
13724 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " دارست " ، قال : فاقهت ، قرأت على يهود ، وقرأوا عليك .
13725 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وليقولوا دارست " ، قال : قارأت ، قرأت على يهود ، وقرأوا عليك .
13726 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " دارست " ، يعني ، أهلَ الكتاب .
13727 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " دارست " ، قال : قرأت على يهود ، وقرأوا عليك .
13728 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ،

(12/29)


حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : " وليقولوا دارست " ، قال : قالوا دارستَ أهل الكتاب ، وقرأت الكتب وتعلَّمتها .
* * *
* ذكر من قرأ ذلك : " دُرِسَتْ " بمعنى : تُليت ، وقُرِئت ، (1) على وجه ما لم يسمَّ فاعله.
13729 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا الحسين المعلم وسعيد ، عن قتادة : " وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دُرِسَتْ " ، أي : قرئت وتعلمت .
13730 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، قال قتادة : " دُرِست " ، قرئت وفي حرف ابن مسعود : " دَرَسَ " .
* * *
ذكر من قال ذلك : " دَرَسَتْ " بمعنى : انمحت وتقادمت ، أي هذا الذي تتلوه علينا قد مرَّ بنا قديمًا ، وتطاولت مدته. (2)
13731 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقرأ : " وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ " ، أي : انمحت .
13732 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا شعبة قال ، حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال : في قراءة ابن مسعود : " دَرَسَتْ " ، بغير ألف ، بنصب السين ، ووقف التاء . (3)
13733 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال ، سمعت ابن الزبير يقول : إن صبيانًا ههنا يقرؤون : " دَارَسْتَ " وإنما هي " دَرَسَتْ " .
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : (( نبئت )) ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت ، كما سلف ، ص : 26 س : 9 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 349 .
(3) (( الوقف )) في اصطلاحهم قديمًا ، هو (( السكون )) عند النحويين .

(12/30)


13734 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمرقال : قال الحسن : " وليقولوا دَرَسَتْ " : يقول : تقادمت وانمحت .
* * *
وقرأ ذلك آخرون : " دَرَسَ " ، من " درس الشيء " ، تلاه .
13735 - حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي قال ، حدثنا أبو عبيدة قال ، حدثنا حجاج ، عن هارون قال : هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود : " وَلِيَقُولُوا دَرَسَ " ، قال : يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، قرَأ .
* * *
وإنما جاز أن يقال مرة : " دَرَسْتَ " ، ومرة " دَرَسَ " ، فيخاطب مرة ، ويخبر مرة ، من أجل القول .
* * *
قال أبو جعفر : وقد بينا أولى هذه القراءات في ذلك الصواب عندنا ، والدلالة على صحة ما اخترنا منها .
* * *
وأما تأويل قوله : " ولنبينه لقوم يعلمون " ، يقول تعالى ذكره : كما صرفنا الآيات والعبر والحجج في هذه السورة لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأنداد ، كذلك نصرف لهم الآيات في غيرها ، كيلا يقولوا لرسولنا الذي أرسلناه إليهم : " إنما تعلمت ما تأتينا به تتلوه علينا من أهل الكتاب " ، فينزجروا عن تكذيبهم إياه ، وتقوُّلهم عليه الإفك والزور ، ولنبين بتصريفنا الآيات الحقَّ ، لقوم يعلمون الحق إذا تبيَّن لهم فيتبعوه ويقبلوه ، وليسوا كمن إذا بُيِّن لهم عَمُوا عنه فلم يعقلوه ، وازدادوا من الفهم به بعدًا . (1)
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( من الفهم به )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(12/31)


اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)

القول في تأويل قوله تعالى : { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : اتبع ، يا محمد ، ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك ، فاعمل به ، وانزجر عما زجرك عنه فيه ، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام ، فإنه لا إله إلا هو. يقول : لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلا الله الذي هو فالق الحب والنوى ، وفالق الإصباح ، وجاعلُ الليل سكنًا ، والشمسَ والقمر حسبانًا (وأعرض عن المشركين) ، يقول : ودع عنك جدالهم وخصومتهم . (1) ثم نسخ ذلك جل ثناؤه بقوله في براءة : ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ، الآية [سورة التوبة : 5] . كما : -
13736 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أما قوله : (وأعرض عن المشركين) ونحوه ، مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين ، فإنه نسخ ذلك قوله : ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أعرض عن هؤلاء المشركين بالله ، ودع عنك جدالهم وخصومتهم ومسابَّتهم (ولو شاء
__________
(1) انظر تفسير (( أعرض )) فيما سلف 11 : 436 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/32)


وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)

الله ما أشركوا) ، يقول : لو أراد ربُّك هدايتهم واستنقاذهم من ضلالتهم ، للطف لهم بتوفيقه إياهم فلم يشركوا به شيئًا ، ولآمنوا بك فاتبعوك وصدَّقوا ما جئتهم به من الحق من عند ربك (وما جعلناك عليهم حفيظًا) ، يقولُ جل ثناؤه : وإنما بعثتك إليهم رسولا مبلِّغًا ، ولم نبعثك حافظًا عليهم ما هم عاملوه ، تحصي ذلك عليهم ، فإن ذلك إلينا دونك (1) (وما أنت عليهم بوكيل) ، يقول : ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم ، فما لم يُجْعل إليك حفظه من أمرهم . (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13737 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ولو شاء الله ما أشركوا) ، يقول سبحانه : لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به : ولا تسبُّوا الذين يدعو المشركون من دون الله من الآلهة والأنداد ، فيسبَّ المشركون اللهَ جهلا منهم بربهم ، واعتداءً بغير علم ، كما : -
13738 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ولا تسبوا الذين
__________
(1) انظر تفسير (( حفيظ )) فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( وكيل )) فيما سلف ص : 13 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/33)


يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) ، قال : قالوا : يا محمد ، لتنتهين عن سبِّ آلهتنا ، أو لنهجوَنَّ ربك ! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ، فيسبوا الله عدوًا بغير علم .
13739 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) ، كان المسلمون يسبون أوثان الكفار ، فيردّون ذلك عليهم ، فنهاهم الله أن يستسِبُّوا لربهم ، (1) فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله .
13740 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) ، قال : لما حضر أبا طالب الموتُ ، قالت قريش : انطلقوا بنا فلندخل على هذا الرجل ، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه ، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته ، فتقول العرب : " كان يمنعه فلما مات قتلوه " ! فانطلق أبو سفيان ، وأبو جهل ، والنضر بن الحارث ، وأمية وأبيّ ابنا خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن العاص ، والأسود بن البختري ، وبعثوا رجلا منهم يقال له : " المطلب " ، قالوا : استأذن على أبي طالب ! فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخولَ عليك ! فأذن لهم ، فدخلوا عليه فقالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرنا وسيدنا ، وإنّ محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا ، فنحبّ أن تدعوه فتنهاهُ عن ذكر آلهتنا ، ولندَعْه وإلهه ! فدعاه ، فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له أبو طالب : هؤلاء قومك وبنو عمك ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تريدون ؟ قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا ، وندعك وإلهك ! قال له أبو طالب :
__________
(1) (( استسب له )) ، عرضه للسب وجره إليه . وفي حديث أبي هريرة : ( لا تمشِيَنَّ أَمَامَ أَبِيكَ ، ولا تجلِسْ قَبْلَهُ ، ولا تَدْعُه باسْمه ، ولا تَسْتَسِبَّ لهُ ) ، أي : لا تعرضه للسب وتجره إليه ، بأن تسب أبا غيرك ، فيسب أباك مجازاة لك وهذا أدب يفتقده الناس يومًا بعد يوم .

(12/34)


قد أنصفك قومك ، فاقبل منهم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أرأيتم إن أعطيتكم هذا ، هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ، ودانت لكم بها العجم ، وأدَّت لكم الخراج ؟ (1) قال أبو جهل : نعم وأبيك ، لنعطينكها وعشرَ أمثالها ، فما هي ؟ قال : قولوا : " لا إله إلا الله " ! فأبوا واشمأزُّوا . قال أبو طالب : يابن أخي ، قل غيرها ، فإن قومك قد فزعوا منها ! قال : يا عم ، ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس فيضعوها في يديّ ، (2) ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يديّ ما قلت غيرها! إرادةَ أن يُؤْيسهم ، فغضبوا وقالوا : لتكفّنَّ عن شتمك آلهتنا ، أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك . فذلك قوله(فيسبوا الله عدوًا بغير علم) .
13741 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم ، فأنزل الله : (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) .
13742 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (فيسبوا الله عدوًا بغير علم) قال : إذا سببت إلهه سبَّ إلهك ، فلا تسبوا آلهتهم .
* * *
قال أبو جعفر : وأجمعت الحجة من قرأة الأمصار على قراءة ذلك : (3) ( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، بفتح العين ، وتسكين الدال ، وتخفيف الواو من قوله : (عدوًا) ، على أنه مصدر من قول القائل : " عدا فلان على فلان " ،
__________
(1) في المطبوعة : (( ودانت لكم بها العجم بالخراج )) ، وفي المطبوعة : (( ودانت لكم بها العجم الحراح )) غير منقوطة ، وفي تفسير ابن كثير 3 : 374 ، ما أثبته ، وهو الصواب إن شاء الله .
(2) في المطبوعة : (( حتى يأتوا بالشمس )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(3) في المطبوعة : (( وأجمعت الأمة من قراء الأمصار )) ، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة .

(12/35)


إذا ظلمه واعتدى عليه ، " يعدو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا " . و " الاعتداء " ، إنما هو : " افتعال " ، من ذلك . (1)
* * *
روى عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " عُدُوًّا " مشددة الواو .
13743 - حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن هارون ، عن عثمان بن سعد : ( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا ) ، مضمومة العين ، مثقّلة . (2)
* * *
وقد ذكر عن بعض البصريين أنه قرأ ذلك : (3) " فَيَسُبُّوا الَله عَدُوًّا " ، يوجِّه تأويله إلى أنهم جماعة ، كما قال جل ثناؤه : ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) ، [سورة الشعراء : 77] ، وكما قال : ( لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ، [سورة الممتحنة : 1] ويجعل نصب " العدوّ " حينئذ على الحال من ذكر " المشركين " في قوله : (فيسبوا) ، فيكون تأويل الكلام : ولا تسبوا أيها المؤمنون الذين يدعو المشركون من دون الله ، فيسب المشركون الله ، أعداءَ الله ، بغير علم . وإذا كان التأويل هكذا ، كان " العدوّ " ، من صفة " المشركين " ونعتهم ، كأنه قيل : فيسب المشركون أعداء الله ، بغير علم ولكن " العدوّ " لما خرج مخرج النكرة وهو نعت للمعرفة ، نصب على الحال .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندي في ذلك ، قراءةُ من قرأ بفتح العين وتخفيف الواو ، لإجماع الحجة من القرأة على قراءة ذلك كذلك ، وغير جائز خلافُها فيما جاءت به مجمعة عليه . (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( عدا )) فيما سلف 10 : 522 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) الأثر : 13743 - (( عثمان بن سعد التميمي )) ، أبو بكر الكاتب المعلم . روى عن أنس ، والحسن والبصري ، وابن سيرين ، وعكرمة ، والمجاهد . تكلموا فيه . مترجم في التهذيب .
(3) نسبها ابن خالويه في شواذ القراءات : 40 ، إلى بعض المكيين ، ولم يبينه . وقال أبو حيان في تفسيره 4 : 200 (( وقال ابن عطية : وقرأ بعض المكيين ، وعينه الزمخشري فقال : عن ابن كثير )) .
(4) في المطبوعة أسقط (( به )) ، وهي ثابتة في المخطوطة .

(12/36)


القول في تأويل قوله تعالى : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) }
يقول تعالى ذكره : كما زيّنا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثَانَ والأصنام ، عبادةَ الأوثان وطاعةَ الشيطان بخذلاننا إيّاهم عن طاعة الرحمن ، (1) كذلك زيَّنا لكل جماعةٍ اجتمعت على عملٍ من الأعمال من طاعة الله ومعصيته ، عملَهم الذي هم عليه مجتمعون ، (2) ثم مرجعهم بعد ذلك ومصيرهم إلى ربهم (3) " فينبئهم بما كانوا يعملون " . يقول : فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا ، (4) ثم يجازيهم بها ، إن كان خيرًا فخيرًا ، وإن كان شرًّا فشرًّا ، أو يعفو بفضله ، ما لم يكن شركًا أو كفرًا .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وحلف بالله هؤلاء العادلون بالله جَهْد حَلِفهم ، وذلك أوكدُ ما قدروا عليه من الأيمان وأصعبُها وأشدُّها (5) (لئن جاءتهم
__________
(1) انظر تفسير (( زين )) فيما سلف 11 : 357
(2) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف 11 : 354 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( المرجع )) فيما سلف 11 : 407 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( أنبأ )) فيما سلف 11 : 434 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) انظر (( أقسم )) و (( جهد أيمانهم )) فيما سلف 10 : 407 - 409 ، ولم يفسرهما .

(12/37)


آية) ، يقول : قالوا : نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدِّق ما تقول ، يا محمد ، مثلُ الذي جاء مَنْ قبلنا من الأمم (ليؤمنن بها) ، يقول : قالوا : لنصدقن بمجيئها بك ، وأنك لله رسولٌ مرسل ، وأنّ ما جئتنا به حقُّ من عند الله .
وقيل : " ليؤمنن بها " ، فأخرج الخبر عن " الآية " ، والمعنى لمجيء الآية .
يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قل إنما الآيات عند الله) ، وهو القادر على إتيانكم بها دون كل أحد من خلقه (وما يشعركم) ، يقول : وما يدريكم (1) (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) ؟
* * *
وذكر أن الذين سألوه الآية من قومه ، هم الذين آيس الله نبيَّه من إيمانهم من مشركي قومه .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13744 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) ، إلى قوله : (يجهلون) ، سألت قريش محمدًا أن يأتيهم بآية ، واستحلفهم : ليؤمننّ بها .
13745 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح : (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) ، ثم ذكر مثله .
13746 - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي قال : كلّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشًا ، (2) فقالوا :
__________
(1) انظر تفسير (( أشعر )) فيما سلف 11 : 316 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 204 .
(2) في المطبوعة : (( قريش )) بالرفع ، والصواب من المخطوطة .

(12/38)


وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)

يا محمد ، تخبرنا أن موسى كان معه عصًا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا ، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى ، وتخبرنا أن ثَمُود كانت لهم ناقة ، فأتنا بشيء من الآيات حتى نصدقك ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيَّ شيء تحبُّون أن آتيكم به ؟ قالوا : تجعَلُ لنا الصَّفَا ذهبًا. فقال لهم : فإن فعلت تصدقوني ؟ قالوا : نعم والله ، لئن فعلت لنتبعنّك أجمعين ! (1) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له : لك ما شئت ، (2) إن شئتَ أصبح ذهبًا ، ولئن أرسل آيةً فلم يصدقوا عند ذلك لنعذبنَّهم ، وإن شئت فأنْدِحْهُم حتى يتوب تائبهم . (3) فقال : بل يتوب تائبهم . فأنزل الله تعالى : (وأقسموا بالله) إلى قوله : (يجهلون) .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المخاطبين بقوله : (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون).
فقال بعضهم : خوطب بقوله : (وما يشعركم) المشركون المقسمون بالله ،
__________
(1) في المطبوعة : (( أجمعون )) ، والصواب من المخطوطة .
(2) في المطبوعة أسقط (( له )) ، وهي في المخطوطة .
(3) في المطبوعة : (( فاتركهم حتى يتوب تائبهم )) ، وفي المخطوطة : (( ما نرحهم )) ، غير منقوطة ، ورجحت أن صواب ما أثبت ، وإن كنت لم أجد هذا الحرف في كتب اللغة ، وهو عندي من قولهم : (( ندحت الشيء ندحا )) ، إذ أوسعته وأفسحته ، ومنه قيل : (( إن لك في هذا الأمر ندحة )) ( بضم النون وفتحها وسكون الدال ) و(( مندوحة )) ، أي : سعة وفسحة . فقولهم : (( أندحهم )) ، أي : أفسح لهم ، واجعل لهم مندوحة في هذا الأمر حتى يتوب تائبهم . وهو حق المعنى إن شاء الله ، والقياس يعين عليه .

(12/39)


لئن جاءتهم آية ليؤمنن وانتهى الخبر عند قوله : (وما يشعركم) ، ثم استُؤنف الحكم عليهم بأنهم لا يؤمنون عند مجيئها استئنافًا مبتدأ .
* * *
* ذكر من قال ذلك :
13747 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (وما يشعركم) ، قال : ما يدريكم . قال : ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون .
13748 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وما يشعركم) ، وما يدريكم " أنها إذا جاءت " ، قال : أوجب عليهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون .
13749 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال ، سمعت عبد الله بن زيد يقول : " إنما الآيات عند الله " ، ثم يستأنف فيقول : إنها إذا جاءت لا يؤمنون .
13750 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (إنما الآيات عند الله وما يشعركم) ، وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت. ثم استقبل يخبر عنهم فقال : إذا جاءت لا يؤمنون .
* * *
وعلى هذا التأويل قراءةُ من قرأ ذلك بكسر ألف : " إنَّها " ، على أن قوله : " إِنَّهَا إِذَا جَاءَتَ لا يُؤْمِنُون " ، خبر مبتدأ منقطعٌ عن الأول.
* * *
وممن قرأ ذلك كذلك ، بعضُ قرأة المكيين والبصريين .
* * *
وقال آخرون منهم : بل ذلك خطابٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قالوا : وذلك أنّ الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآيةٍ ، المؤمنون به . قالوا : وإنما كان سببَ مسألتهم إيّاه ذلك ، أن المشركين حَلَفوا أنّ الآية

(12/40)


إذا جاءت آمنوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : سل يا رسول الله ربك ذلك ! فسأل ، فأنزل الله فيهم وفي مسألتهم إياه ذلك : " قل " للمؤمنين بك يا محمد " إنما الآيات عند الله وما يشعركم " ، أيها المؤمنون بأن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين بالله ، أنهم لا يؤمنون به ففتحوا " الألف " من " أنّ " .
* * *
ومن قرأ ذلك كذلك ، عامة قرأة أهل المدينة والكوفة ، وقالوا : أدخلت " لا " في قوله : (لا يؤمنون) صلة ، (1) كما أدخلت في قوله : ( مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ ) ، [سورة الأعراف : 12] ، وفي قوله : ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) ، [سورة الأنبياء : 95] ، وإنما المعنى : وحرام عليهم أن يرجعوا وما منعك أن تسجُد .
* * *
وقد تأوَّل قوم قرؤوا ، ذلك بفتح " الألف " من(أنها) بمعنى : لعلها. وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبيّ بن كعب .
* * *
وقد ذكر عن العرب سماعًا منها : " اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئًا " ، بمعنى : لعلك تشتري. (2)
وقد قيل : إن قول عدي بن زيد العِبَاديّ :
أَعَاذِلَ ، مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي إلَى سَاعَةٍ فِي الْيَومِ أَوْ فِي ضُحَى الغَدِ (3)
__________
(1) (( الصلة )) . الزيادة ، والإلغاء ، انظر فهارس المصطلحات .
(2) انظر في هذا معاني القرآن للفراء 1 : 349 ، 350 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 204 .
(3) جمهرة أشعار العرب 103 ، اللسان ( أنن ) ، وغيرهما . من قصيدة له حكيمة ، يقول قبله : وعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُوُمُنِي ... فَلَمَّا غَلَتْ فِي الَّلوْمِ قُلْتُ لها : اقْصِدي
أعَاذِلَ ، إن اللَّوْمَ في غير كُنْهِهِ ... عَلَيّ ثُنًى ، مِنْ غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ
أعَاذِلَ ، إنَّ الجهْل مِنْ لَذَّةِ الفَتَى ... وَإنَّ المَنَايَا لِلرِّجَالِ بِمَرْصَدِ
أعَاذِلَ ، مَا أَدْنَى الرشادَ مِنَ الفَتَى ... وأَبْعَدَهُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يُسَدَّدِ
أعَاذِلَ ، من تُكْتَبْ لَهُ النَّارُ يَلْقَهَا ... كِفِاحًا ، وَمَنْ يُكْتَبْ لَهُ الفَوْزُ يُسْعَدِ
أَعَاذِلَ ، قد لاقيتُ ما يَزَغُ الفتى ... وَطَابَقْتُ في الحِجْلَيْنِ مَشْيَ المُقيَّدِ

(12/41)


بمعنى : لعل منيَّتي; وقد أنشدوا في بيت دريد بن الصمة : (1)
ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي البِلادِ لأَنَّنِي... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلا مُخَلَّدَا (2)
بمعنى : لعلني . والذي أنشدني أصحابُنا عن الفراء : " لعلَّني أَرَى ما ترَيْن " . وقد أنشد أيضًا بيتُ توبة بن الحميِّر :
لَعَلَّك يَا تَيْسًا نزا فيِ مَرِيرَةٍ... مُعَذِّبُ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا (3)
__________
(1) في المطبوعة : (( وقد أنشدوني )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) هكذا جاء البيت في المخطوطة والمطبوعة ، وهو خطأ من أبي جعفر ، أو من الفراء ، بلا شك فإن الشطر الأخير من هذا الشعر ، هو من شعر حطائط بن يعفر ، وقد خرجته آنفًا 3 : 78 ، واستوفيت الكلام عنه هناك ، وأشرت إلى الموضع من اختلاف الشعر . وأما قوله : (( ذريتي أطوف واستوفيت الكلام عنه هناك ، وأشرت إلى هذا الموضع من اختلاف الشعر . وأما قوله : (( ذريني أطوف في البلاد لعلني )) ، فهو كثير في أشعارهم ، وأما شعر دريد بن الصمة الذي لاشك فيه ، فهو هذا :
ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي البِلادِ لَعَلَّنِي ... ألاَُقِي بِإثْرٍ ثُلةً من مُحَارِبٍ
ولعل أبا جعفر نسي ، فكتب ما كتب . وشعر دريد هذا مروي في الأصمعيات ص12 ( ص : 119 ، طبعة المعارف ) ، من قصيدة قالها بعد مقتل أخيه عبد الله ، ذكر فيها ما أصاب خضر محارب من القتل والاستئصال ، يقول قبله :
فَلَيْتَ قُبُورًا بالمَخَاضَةِ أَخْبَرَتْ ... فَتُخْبِرَ عَنَّا الخُضْرَ ، خُضْرَ مُحَارِبِ
رَدَسْنَاهُمُ بِالخَيْلِ حَتى تَملأََّتْ ... عَوَافِي الضِّبَاعِ وَالذِّئَابِ السَّوَاغِبِ
ذَرِينِي أُطَوِّف............... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(3) من قصيدة فيما جمعته من شعره ، وسيبويه 1 : 312 . يقول ذلك لزوج ليلى الأخيلية صاحبته ، يتوعده لمنعه من زيارتها ، وتعذيبه في سببه ، ويجعله كالتيس ينزو في حبله . وقوله (( في مريرة )) ، (( المريرة )) الحبل المفتول المحكم الفتل .

(12/42)


" لهَنَّك يا تيسًا " ، بمعنى : " لأنّك " التي في معنى " لعلك " ، وأنشد بيت أبي النجم العجليّ :
قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ... أَنَّا نُغَدِّي القَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ (1)
بمعنى : (2) لعلنا نغدِّي القوم .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية ، قولُ من قال : ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله أعنى قوله : (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) وأن قوله : " أنها " ، بمعنى : لعلَّها .
وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب ، لاستفاضة القراءة في قرأة الأمصار بالياء من قوله : (لا يؤمنون) .
ولو كان قوله : (وما يشعركم) خطابًا للمشركين ، لكانت القراءة في قوله : (لا يؤمنون) ، بالتاء ، وذلك ، وإن كان قد قرأه بعض قرأة المكيين كذلك ، فقراءةٌ خارجة عما عليه قرأة الأمصار ، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلا على ذهابها وشذوذها . (3)
* * *
وإنما معنى الكلام : وما يدريكم ، أيها المؤمنون ، لعل الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون ، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ، ولا يؤخَّروا به .
* * *
__________
(1) المعاني الكبير لابن قتيبة : 393 ، الخزانة 3 : 591 ، وروايتها (( كما نغدي )) قال ابن قتيبه : ( قال أبو المجم وذكر ظليما ... (( شيبان )) ابنه ، قلت له : اركب في طلبه . (( كما )) بمعنى (( كيما )) ، يقول : كيما نصيده فنغدي القوم به مشويًا ) .
وكان البيت في المخطوطة غير منقوط ، وفي المطبوعة : (( قلت لسيبان )) ، وهو خطأ . وفيها وفي المخطوطة : (( من سرايه )) ، والصواب ما أثبت .
(2) في المطبوعة : (( يعني )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(3) قوله : (( ذهابها )) ، أي هلاكها وفسادها .

(12/43)


وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : معنى ذلك : لو أنَّا جئناهم بآية كما سألوا ، ما آمنوا ، كما لم يؤمنوا بما قبلَها أول مرة ، لأن الله حال بينهم وبين ذلك :
* ذكر من قال ذلك :
13751 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) الآية ، قال : لما جحد المشركون ما أنزل الله ، لم تثبت قلوبهم على شيء ، ورُدَّتْ عن كل أمر .
13752 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) ، قال : نمنعهم من ذلك ، كما فعلنا بهم أول مرة . وقرأ : (كما لم يؤمنوا به أول مرة) .
13753 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) ، قال : نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا فلا يؤمنون ، كما فعلنا بهم ذلك ، فلم يؤمنوا في الدنيا . قالوا : وذلك نظير قوله( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) ، [سورة الأنعام : 28] .
* ذكر من قال قال ذلك :
13754 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني

(12/44)


معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : أخبر الله سبحانه ما العبادُ قائلون قبل أن يقولوه ، وعملهم قبل أن يعملوه. قال : ولا ينبئك مثلُ خبير : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ، [سورة الزمر : 56 - 58] ، يقول : من المهتدين . فأخبر الله سبحانه أنهم لو رُدُّوا [إلى الدنيا ، لما استقاموا] على الهدى ، و[قال] : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ، (1) وقال : " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " ، قال : لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله جل ثناؤه ، أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها : أنَّه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرِّفها كيف شاء ، وأنّ ذلك بيده يقيمه إذا شاء ، ويزيغه إذا أراد وأنّ قوله : (كما لم يؤمنوا به أول مرة) ، دليل على محذوف من الكلام وأنّ قوله : " كما " تشبيه ما بعده بشيء قبله .
وإذْ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون معنى الكلام : ونقلب أفئدتَهم ، فنزيغها عن الإيمان ، وأبصارَهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحجة ، وإن جاءتهم الآية التي سألوها ، فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله ، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبلَ مجيئها مرَّة قبل ذلك .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ... )) حذف بعض ما في المخطوطة . وفي المخطوطة : (( فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا على الهدى وقال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ... )) فأثبت نص المخطوطة ، وزدت ما زدته بين القوسين حتى ستقيم الكلام .

(12/45)


وإذا كان ذلك تأويله ، كانت " الهاء " من قوله : (كما لم يؤمنوا به) ، كناية ذكر " التقليب " .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ونذر هؤلاء المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها عند مجيئها (1) في تمرُّدهم على الله واعتدائهم في حدوده ، (2) يتردَّدون ، لا يهتدون لحق ، ولا يبصرون صوابًا ، (3) قد غلب عليهم الخِذْلان ، واستحوذ عليهم الشيطانُ .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( يذر )) فيما سلف 11 : 529 ، تعليق : 2 والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الطغيان )) فيما سلف 10 : 475 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( العمه )) فيما سلف 1 : 309 - 311 .

(12/46)


وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، آيسْ من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ والأصنام ، القائلين لك : " لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك " ، فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانًا ، وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حُجَّةً لك ، ودلالة على نبوّتك ، وأخبروهم أنك محقٌّ فيما تقول ، وأن ما جئتهم به حقٌّ من عند الله ، وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهُم لك قبلا

(12/46)


ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك إلا أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم (ولكن أكثرهم يجهلون) ، يقول : ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك ، يحسبون أن الإيمان إليهم ، والكفرَ بأيديهم ، متى شاؤوا آمنوا ، ومتى شاؤوا كفروا . وليس ذلك كذلك ، ذلك بيدي ، لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته ، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته .
* * *
وقيل : إن ذلك نزل في المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند الله ، من مشركي قريش .
* ذكر من قال ذلك :
13755 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : نزلت في المستهزئين الذين سألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم الآية ، فقال : " قل " ، يا محمد ، " إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " ، ونزل فيهم : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) .
* * *
وقال آخرون : إنما قيل : (ما كانوا ليؤمنوا) ، يراد به أهل الشقاء ، وقيل : (إلا أن يشاء الله) ، فاستثنى ذلك من قوله : (ليؤمنوا) ، يراد به أهل الإيمان والسعادة .
* ذكر من قال ذلك :
13756 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن ابن عباس قوله : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا) ، وهم أهل الشقاء ثم قال : (إلا أن يشاء الله) ، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان .
* * *

(12/47)


قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قولُ ابن عباس ، لأن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله : (ما كانوا ليؤمنوا) ، القوم الذين تقدّم ذكرهم في قوله : (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آيه ليؤمنن بها).
وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج إنهم عُنوا بهذه الآية ، ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك ، ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك . والخبر من الله خارجٌ مخرجَ العموم ، فالقول بأنَّ ذلك عنى به أهل الشقاء منهم أولى ، لما وصفنا .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا).
فقرأته قرأة أهل المدينة : " قِبَلا " ، بكسر " القاف " وفتح " الباء " ، بمعنى : معاينةً من قول القائل : " لقيته قِبَلا " ، أي معاينة ومُجاهرةً .
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين : ( وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ) ، بضم " القاف " ، " والباء " .
وإذا قرئ كذلك ، كان له من التأويل ثلاثة أوجه :
أحدها أن يكون " القبل " جمع " قبيل " ، كالرُّغُف التي هي جمع " رغيف " ، و " القُضُب " التي هي جمع " قضيب " ، ويكون " القبل " ، الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وحشرنا عليهم كل شيء كُفَلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا ، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم ، ما آمنوا إلا أن يشاء الله .
والوجه الآخر : أن يكون " القبل " بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قول القائل : " أتيتُك قُبُلا لا دُبُرًا " ، إذا أتاه من قبل وجهه .
والوجه الثالث : أن يكون معناه : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلةً قبيلةً ، صنفًا صنفًا ، وجماعة جماعةً ، فيكون " القبل " حينئذ جمع " قبيل " ، الذي هو ج

(12/48)


مع " قبيلة " ، فيكون " القبل " جمع الجمع . (1)
* * *
وبكل ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال : معنى ذلك : معاينةً .
13757 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) ، يقول : معاينة .
13758 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) ، حتى يعاينوا ذلك معاينة(ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) .
* * *
* ذكر من قال : معنى ذلك : قبيلة قبيلة ، صنفًا صنفًا .
13759 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد : من قرأ : (قُبُلا) ، معناه : قبيلا قبيلا .
13760 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : (قُبُلا) ، أفواجًا ، قبيلا قبيلا .
13761 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أحمد بن يونس ، عن أبي خيثمة قال ، حدثنا أبان بن تغلب قال ، حدثني طلحة أن مجاهدًا قرأ في " الأنعام " : (كل شيء قُبُلا) ، قال : قبائل ، قبيلا وقبيلا وقبيلا .
* * *
* ذكر من قال : معناه : مقابلةً .
13762 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 350 ، 351 .

(12/49)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)

وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) ، يقول : لو استقبلهم ذلك كله ، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله .
13763 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) ، قال : حشروا إليهم جميعًا ، فقابلوهم وواجهوهم .
13764 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد : قرأ عيسى : (قُبُلا) ومعناه : عيانًا .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا ، قراءةُ من قرأ : ( وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ) ، بضم " القاف " و " الباء " ، لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجهَ التي بينّا من المعاني ، وأن معنى " القِبَل " داخلٌ فيه ، وغير داخل في القبل معاني " القِبَل " .
* * *
وأما قوله : (وحشرنا عليهم) ، فإن معناه : وجمعنا عليهم ، وسقنا إليهم . (1)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، مسلِّيَه بذلك عما لقي من كفرة قومه في ذات الله ، وحاثًّا له على الصبر على ما نال فيه : (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا) ، يقول : وكما ابتليناك ، يا محمد ، بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء شياطينَ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ،
__________
(1) انظر تفسير (( حشر )) فيما سلف 457 : 11 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

(12/50)


ليصدُّوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم به من عند ربّك ، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسّل ، بأن جعلنا لهم أعداءً من قومهم يؤذُونهم بالجدال والخصومات. يقول : فهذا الذي امتحنتك به ، لم تخصص به من بينهم وحدك ، بل قد عممتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم ، مع قدرتي على منع من آذاهم من إيذائهم ، فلم أفعل ذلك إلا لأعرف أولي العزم منهم من غيرهم. يقول : فاصبر أنتَ كما صبر أولو العزم من الرسل .
* * *
وأما " شياطين الإنس والجن " ، فإنهم مَرَدتهم ، وقد بينا الفعل الذي منه بُنِي هذا الاسم ، بما أغنى عن إعادته . (1)
* * *
ونصب " العدو " و " الشياطين " بقوله : (جعلنا) . (2)
* * *
وأما قوله : (يُوحِي بعضُهم إلى بعض زخرف القول غرورًا) ، فإنه يعني أنّه يلقي الملقي منهم القولَ ، الذي زيّنه وحسَّنه بالباطل إلى صاحبه ، ليغترّ به من سمعه ، فيضلّ عن سبيل الله . (3)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : (شياطين الإنس والجن).
فقال بعضهم : معناه : شياطين الإنس التي مع الإنس ، وشياطين الجن التي مع الجنّ ، وليس للإنس شياطين .
* ذكر من قال ذلك :
13765 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس
__________
(1) انظر تفسير (( الشيطان )) فيما سلف 1 : 111 ، 112 ، 296 .
(2) انظر معاني القرآن 1 : 351 .
(3) انظر تفسير (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .

(12/51)


والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه) ، أما " شياطين الإنس " ، فالشياطين التي تضلّ الإنس " وشياطين الجن " ، الذين يضلون الجنّ ، يلتقيان ، فيقول كل واحد منهما : " إني أضللت صاحبي بكذا وكذا ، وأضللت أنت صاحبك بكذا وكذا " ، فيعلم بعضُهم بعضًا .
13766 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو نعيم ، عن شريك ، عن سعيد بن مسروق ، عن عكرمة : (شياطين الإنس والجن) ، قال : ليس في الإنس شياطين ، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس ، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن . (1)
13767 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن السدي في قوله : (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا) ، قال : للإنسان شيطان ، وللجنّي شيطان ، فيلقَى شيطان الإنس شيطان الجن ، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا .
* * *
قال أبو جعفر : جعل عكرمة والسدي في تأويلهما هذا الذي ذكرت عنهما ، عدوّ الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله : (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا) ، أولادَ إبليس ، دون أولاد آدم ، ودون الجن وجعل الموصوفين بأن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول غرورًا ، ولدَ إبليس ، وأن مَنْ مع ابن آدم من ولد إبليس يوحي إلى مَنْ مع الجن من ولده زخرفَ القول غرورًا .
وليس لهذا التأويل وجه مفهوم ، لأن الله جعل إبليس وولده أعداءَ ابن آدم ، فكل ولده لكل ولده عدوّ. وقد خصّ الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً. فلو كان معنيًّا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي ، الذين هم ولد إبليس ، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبرِ عنهم أنه جعل لهم الشياطين أعداءً ، وجهٌ . وقد جعل من ذلك لأعدى أعدائه ، مثل الذي جعل
__________
(1) الأثر : 13466 - (( سعيد بن مسروق الثوري )) ، مضى برقم : 7162 .

(12/52)


لهم. ولكن ذلك كالذي قلنا ، من أنه معنيٌّ به أنه جعل مردة الإنس والجن لكل نبي عدوًّا يوحي بعضهم إلى بعض من القول ما يؤذيهم به .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
13768 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن حميد بن هلال قال ، حدثني رجل من أهل دمشق ، عن عوف بن مالك ، عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا ذر ، هل تعوَّذت بالله من شر شياطين الإنس والجنّ ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، هل للإنس من شياطين ؟ قال : نعم! (1)
13769 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة ، عن ابن عائذ ، عن أبي ذر ، أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس ، قال فقال : يا أبا ذر ، هل صلَّيت ؟ قال قلت : لا يا رسول الله. قال : قم فاركع ركعتين. قال : ثم جئت فجلستُ إليه فقال : يا أبا ذر ، هل تعوَّذت بالله من شرِّ شياطين الإنس والجن ؟ قال قلت : يا رسول الله ، وهل للإنس من شياطين ؟ قال : نعم ، شرٌّ من شياطين الجن! (2)
__________
(1) الأثر : 13768 - (( حميد بن هلال العدوي )) ، ثقة ، متكلم فيه . سمع من (( عوف ابن مالك )) ، ولكنه رواه بالوسطة ، عن مجهول : (( رجل من أهل دمشق )) . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 344 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /230 .
و (( عوف بن مالك بن نضلة الجشمي )) ، ثقة ، مضى برقم : 6172 ، 12825 ، 12826 لم يذكر أنه سمع من أبي ذر . وهذا الخبر فيه مجهول . ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 380
(2) الأثر : 13769 - كان في إسناد هذا الخبر خطأ فاحش ، وقع شك من سهو الناسخ وعجلته ، فإنه كتب (( حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ، عن أبي عن ابن عباس ، أبي عبد الله محمد بن أيوب )) ، ثم ضرب على (( ابن عباس )) . ولكنه ترك (( عن علي بن أبي طلحة )) ، وهو خطأ لا شك فيه كما سترى بعد . وسبب ذلك إسناد أبي جعفر المشهور وهو : (( حدثني المثنى ، قال حدثنا عبد الله صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس )) وهو إسناد دائر في التفسير ، آخره رقم : 13756 ، فجعل فكتب الإسناد المشهور ، ثم استدرك فضرب على (( ابن عباس )) ، والصواب أن يضرب أيضًا على (( علي بن أبي طلحة )) ، لأن هذا إسناد مختلف عن الأول كل الاختلاف ، ولذلك حذفت (( عن علي بن أبي طلحة )) ، مع ثبوته في المخطوطة والمطبوعة ، ولكن ابن كثير ذكره في التفسير على الصواب 3 : 379 ، كما أثبته .
و (( أبو عبد الله محمد بن أيوب )) ، كأنه أيضًا خطأ من الناسخ ، وصوابه : (( أبو عبد الملك محمد بن أيوب )) لما سترى .
(( محمد بن أيوب الأزدي )) ، (( أبو عبد الملك )) ، قال البخاري في الكبير 1 / 1 /29 ، 30 ( محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدي ، عن ابن عائذ ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آدم نبي مكلم . قال لنا : عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن محمد بن أيوب ، حديثه في الشاميين . سمع منه معاوية بن صالح )) وترجمة ابن أبي حاتم 3 / 2 / 196 ، 197 ، فذكر مثله .
و (( ابن عائذ )) هو (( عبد الرحمن بن عائذ الثمالي )) ، ويقال : الأزدي الكندي ، ويقال : اليحصبي . وروى له الأربعة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 270 ، وكان ابن عائذ من حملة العلم ، يطلبه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب أصحابه . روى عن عمر وعلي مرسلا . وفي التهذيب انه روى عنهما وعن أبي ذر ، وعن غيرهم من الصحابة ، ولم يذكر (( مرسلا )) .
وذكر ابن كثير هذا الأثر والذي يليه في تفسيره 3 : 379 ثم قال : (( وهذا أيضًا فيه انقطاع )) ، وتبين من تفسيره إسناده أنه غير منقطع . ثم قال : (( وروى متصلا كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا المسعودي ، أنبأني أبو عمر الدمشقي ، عن عبيد بن الخشخاش ، عن أبي ذر قال : ... )) وذكر الحديث ، وهو بطوله في مسند أحمد 5 : 178 ، 179 .
ثم ذكر ابن كثير طرقًا أخرى للحديث ثم قال : (( فهذه طرق لهذا الحديث ، ومجموعها يفيد قوته وصحته ، والله أعلم )) .

(12/53)


13770 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : بلغني أن أبا ذر قام يومًا يُصلّي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تعوَّذ يا أبا ذر ، من شياطين الإنس والجن. فقال : يا رسول الله ، أوَ إنّ من الإنس شياطين ؟ قال : نعم! (1)
* * *
وقال آخرون في ذلك بنحو الذي قلنا : من أن ذلك إخبارٌ من الله أنّ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض .
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) الأثر : 13770 - هذا أثر منقطع ، انظر التعليق على الخبر السالف ، وما قاله ابن كثير .

(12/54)


13771 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : (شياطين الإنس والجن) ، قال : من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، يوحي بعضهم إلى بعض قال قتادة : بلغني أن أبا ذر كان يومًا يصلّي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تعوَّذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن. فقال : يا نبي الله ، أوَ إن من الإنس شياطين ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم!
13772 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن) ، الآية ، ذكر لنا أنّ أبا ذر قام ذات يوم يصلي ، فقال له نبي الله : تعوّذ بالله من شياطين الجن والإنس. فقال : يا نبي الله ، أوَ للإنس شياطين كشياطين الجن ؟ قال : " نعم ، أوَ كذَبْتُ عليه ؟ (1)
13773 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوَّا شياطين الإنس والجن) ، فقال : كفار الجنّ شياطين ، يوحون إلى شياطين الإنس ، كفارِ الإنس ، زخرفَ القول غرورًا .
* * *
وأما قوله : (زُخرف القول غرورًا) ، فإنه المزيَّن بالباطل ، كما وصفت قبل. يقال منه : " زخرف كلامه وشهادته " ، إذا حسَّن ذلك بالباطل ووشّاه ، كما : -
13774 - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبو نعيم ، عن شريك ، عن سعيد بن مسروق ، عن عكرمة قوله : (زخرف القول غرورًا) قال : تزيين الباطل بالألسنة .
__________
(1) قوله : (( أو كذبت عليه )) ، استنكار من رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال أبي ذر ، فإن نص التنزيل دال على ذلك ، ورسول الله هو الصادق المصدق المبلغ عن ربه الحق الذي لا كذب فيه .

(12/55)


13775 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " الزخرف " ، فزخرفوه ، زيَّنوه .
13776 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (زخرف القول غرورًا) ، قال : تزيين الباطل بالألسنة .
13777 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13778 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (زخرف القول غرورًا) ، يقول : حسَّن بعضهم لبعضٍ القول ليتّبعوهم في فتنتهم .
13779 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (زخرف القول غرورًا) قال : " الزخرف " ، المزيَّن ، حيث زيَّن لهم هذا الغرور ، كما زيَّن إبليس لآدم ما جاءه به وقاسمه إنه له لمن الناصحين . وقرأ : ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ) ، [سورة فصلت : 25]. قال : ذلك الزخرف .
* * *
وأما " الغرور " ، فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصدَّه عن الصواب إلى الخطأ وعن الحق إلى الباطل (1) وهو مصدر من قول القائل : " غررت فلانًا بكذا وكذا ، فأنا أغرُّه غرورًا وغرًّا . كالذي : -
13780 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (غرروًا) قال : يغرّون به الناسَ والجنّ .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الغرور )) فيما سلف 7 : 453 / 9 : 224 .

(12/56)


القول في تأويل قوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو شئت ، يا محمد ، أن يؤمن الذين كانوا لأنبيائي أعداءً من شياطين الإنس والجن فلا ينالهم مكرهم ويأمنوا غوائلهم وأذاهم ، فعلتُ ذلك ، ولكني لم أشأ ذلك ، لأبتلي بعضهم ببعض ، فيستحق كل فريق منهم ما سبق له في الكتاب السابق (فذرهم) ، يقول : فدعهم (1) يعني الشياطين الذين يجادلونك بالباطل من مشركي قومك ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن(وما يفترون) ، يعني : وما يختلقون من إفك وزور. (2)
يقول له صلى الله عليه وسلم : اصبر عليهم ، فإني من وراء عقابهم على افترائهم على الله ، واختلاقهم عليه الكذبَ والزور .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : (وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا) (ولتصغى إليه) ، يقول جل ثناؤه : يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المزيَّن من القول
__________
(1) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف ص : 46 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : 11 : 533 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/57)


بالباطل ، ليغرّوا به المؤمنين من أتباع الأنبياء فيفتنوهم عن دينهم(ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) ، يقول : ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة .
* * *
وهو من " صغَوْت تَصْغَى وتصغُو " والتنزيل جاء بـ " تصغَى " " صَغْوًا ، وصُغُوًّا " ، وبعض العرب يقول : " صغيت " ، بالياء ، حكي عن بعض بني أسد : " صَغيت إلى حديثه ، فأنا أصغَى صُغِيًّا " بالياء ، وذلك إذا ملت. يقال : " صَغْوِي معك " ، إذا كان هواك معه وميلك ، مثل قولهم : " ضِلَعِي معك " . ويقال : " أصغيت الإناء " إذا أملته ليجتمع ما فيه ، ومنه قول الشاعر : (1)
تَرَى السَّفِيَهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ... زَيْغٌ ، وفيهِ إلَى التَّشْبِيهِ إصْغَاءُ (2)
ويقال للقمر إذا مال للغيوب : " صغا " و " أصغى " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13781 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن على بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (ولتصغى إليه أفئدة) ، يقول : تزيغ إليه أفئدة .
13782 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس في قوله : (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) ، قال : لتميل .
13783 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) لم أعرف قائله .
(2) اللسان ( صغا ) ، وأيضًا في تفسير أبي حيان 4 : 205 ، والقرطبي 7 : 69 ، وفي اللسان والقرطبي : (( عن كل مكرمة )) ، وكأن الصواب ما تفسير ابن جرير ، وأبي حيان ، وكأن الشاعر يريد الذين يتبعون ما تشابه من آيات كتاب الله ، ويعرضون عن المحكم من آياته .

(12/58)


وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)

حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) ، يقول : تميل إليه قلوبُ الكفار ، ويحبونه ، ويرضون به .
13784 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالأخرة) ، قال : " ولتصغى " ، وليهووا ذلك وليرضوه. قال : يقول الرجل للمرأة : " صَغَيْت إليها " ، هويتها .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وليكتسبوا من الأعمال ما هم مكتسبون .
* * *
حكي عن العرب سماعًا منها : " خرج يقترف لأهله " ، بمعنى يكسب لهم. ومنه قيل : " قارف فلان هذا الأمر " ، إذا واقعه وعمله .
وكان بعضهم يقول : هو التهمة والادعاء. يقال للرجل : " أنت قَرَفْتَنِي " ، أي اتهمتني. ويقال : " بئسما اقترفتَ لنفسك " ، وقال رؤبة :
أَعْيَا اقْتِرَافُ الكَذِبِ المَقْرُوفِ... تَقْوَى التَّقِي وعِفَّةَ العَفِيفِ (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : (وليقترفوا) ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13785 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وليقترفوا ما هم مقترفون) ، وليكتسبوا ما هم مكتسبون .
__________
(1) ليسا في ديوانه ، وهما في مجاو القرآن 1 : 205 .

(12/59)


أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)

13786 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وليقترفوا ما هم مقترفون) ، قال : ليعملوا ما هم عاملون .
13787 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وليقترفوا ما هم مقترفون) ، قال : ليعملوا ما هم عاملون .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا (114) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام ، القائلين لك : " كفَّ عن آلهتنا ، ونكف عن إلهك " : إن الله قد حكم عليّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها(أفغير الله ابتغي حكمًا) ، أي : قل : فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه ، لأنه لا حَكَم أعدل منه ، ولا قائل أصدق منه (1) (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) يعني القرآن " مفصَّلا " ، يعني : مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم .
* * *
وقد بينا معنى : " التفصيل " ، فيما مضى قبل . (2)
__________
(1) انظر تفسير (( الحكم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .
(2) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف 11 : 394 .

(12/60)


القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن أنكر هؤلاء العادلون بالله الأوثان من قومك توحيدَ الله ، وأشركوا معه الأندادَ ، وجحدوا ما أنزلته إليك ، وأنكروا أن يكون حقًا وكذَّبوا به فالذين آتيناهم الكتاب ، وهو التوراة والإنجيل ، من بني إسرائيل(يعلمون أنه منزل من ربّك) ، يعني : القرآن وما فيه (بالحق) يقول : فصلا بين أهل الحق والباطل ، يدلُّ على صدق الصادق في علم الله ، (1) وكذبِ الكاذب المفتري عليه (فلا تكونن من الممترين) ، يقول : فلا تكونن ، يا محمد ، من الشاكين في حقيقة الأنباء التي جاءتك من الله في هذا الكتاب ، وغيرِ ذلك مما تضمنه ، لأن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنَّه منزل من ربك بالحق .
* * *
وقد بيَّنا فيما مضى ما وجه قوله : (فلا تكونن من الممترين) ، بما أغنى عن إعادته ، مع الرواية المروية فيه ، (2) وقد :
13788 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (فلا تكونن من الممترين) ، يقول : لا تكونن في شك مما قصَصنا عليك .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( الصادق في علم الله )) ، وفي المخطوطة : (( الصادق علم الله )) ، والصواب ما أثبت .
(2) انظر تفسير (( الأمتراء )) فيما سلف 3 : 190 - 192 / 6 : 472 ، 473 / 11 : 260

(12/61)


وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)

القول في تأويل قوله : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وكملت " كلمة ربك " ، يعني القرآن .
* * *
سماه " كلمة " ، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر : " هذه كلمة فلان " . (1) .
* * *
(صدقًا وعدلا) ، يقول : كملت كلمة ربك من الصدق والعدل.
* * *
و " الصدق " و " العدل " نصبا على التفسير للكلمة ، كما يقال : " عندي عشرون درهما " . (2)
(لا مبدِّل لكلماته) ، يقول : لا مغيِّر لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقع فيه ، (3) وذلك نظير قوله جل ثناؤه( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ) ، [سورة الفتح : 15]. فكانت إرادتهم تبديل كلام الله ، مسألتهم نبيَّ الله أن يتركهم يحضرون الحرب معه ، وقولهم له ولمن معه من المؤمنين : ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) ، بعد الخبر الذي كان الله أخبرهم تعالى ذكره في كتابه بقوله : ( فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ) الآية ، [سورة التوبة : 83] ، فحاولوا تبديل كلام الله وخبره بأنهم لن يخرجوا
__________
(1) انظر تفسير (( الكلمة )) فيما سلف 3 : 7 - 17 / 6 : 371 ، 410 - 412 / 8 : 432 / 9 : 410 / 10 : 129 ، 313
(2) (( التفسير )) ، هو (( التميز )) ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف .
(3) انظر تفسير (( التبديل )) فيما سلف 11 : 335 ، وفهارس اللغة ( بدل ) .

(12/62)


مع نبي الله في غَزاةٍ ، ولن يقاتلوا معه عدوًّا بقولهم لهم : (ذرونا نتبعكم) ، فقال الله جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " يريدون أن يبدلوا " بمسألتهم إياهم ذلك كلامَ الله وخبره : (قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) . فكذلك معنى قوله : (لا مبدِّل لكلماته) ، إنما هو : لا مغيِّر لما أخبرَ عنه من خبر أنه كائن ، فيبطل مجيئه وكونه ووُقُوعه على ما أخبرَ جل ثناؤه ، لأنه لا يزيد المفترون في كتب الله ولا ينقصون منها. وذلك أن اليهود والنصارى لا شك أنهم أهلُ كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ، وقد أخبر جل ثناؤه أنهم يحرِّفون غيرَ الذي أخبر أنَّه لا مبدِّل له .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13789 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلا لا مبدل لكلماته) ، يقول : صدقًا وعدلا فيما حكَم .
* * *
وأما قوله : (وهو السميع العليم) ، فإن معناه : والله " السميع " ، لما يقول هؤلاء العادلون بالله ، المقسمون بالله جهد أيمانهم : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، وغير ذلك من كلام خلقه " العليم " ، بما تؤول إليه أيمانهم من برٍّ وصدق وكذب وحِنْثٍ ، وغير ذلك من أمور عباده . (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( السميع )) و (( العليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) و ( علم ) . * * *
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه : (( يتلوه القول في تأويل قوله : } وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ { وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كثيرًا ))
ثم يتلو ما نصه : (( بِسْمِ الله الرحمن الرحيم
رَبِّ وَفِّقْ وأعِنْ ))

(12/63)


وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (116) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تطع هؤلاء العادلين بالله الأنداد ، يا محمد ، فيما دعوك إليه من أكل ما ذبحوا لآلهتهم ، وأهلُّوا به لغير ربهم ، وأشكالَهم من أهل الزيغ والضلال ، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله ، ومحجة الحق والصواب ، فيصدُّوك عن ذلك .
وإنما قال الله لنبيه : (وإن تطع أكثر من في الأرض) ، من بني آدم ، لأنهم كانوا حينئذ كفارًا ضلالا فقال له جل ثناؤه : لا تطعهم فيما دعوك إليه ، فإنك إن تطعهم ضللت ضلالهم ، وكنتَ مثلهم ، لأنهم لا يدعونك إلى الهدى وقد أخطأوه . ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الذين نَهَى نبيه عن طاعتهم فيما دعوه إليه في أنفسهم ، فقال : (إن يتبعون إلا الظن) ، فأخبر جل ثناؤه أنهم من أمرهم على ظن عند أنفسهم ، وحسبان على صحة عزمٍ عليه ، (1) وإن
__________
(1) هكذا في المطبوعة و المخطوطة ، وأنا في شك من صوابه .

(12/64)


إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

كان خطأ في الحقيقة (وإن هم إلا يخرصون) ، يقول : ما هم إلا متخرِّصون ، يظنون ويوقعون حَزْرًا ، لا يقينَ علمٍ. (1)
* * *
يقال منه : " خرَصَ يخرُصُ خَرْصًا وخروصًا " ، (2)
أي كذب ، و " تخرّص بظن " ، و " تخرّص بكذب " ، و " خرصتُ النخل أخرُصه " ، و " خَرِصَتْ إبلك " ، أصابها البردُ والجوع .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، إن ربك الذي نهاك أن تطيع هؤلاء العادلين بالله الأوثانَ ، لئلا يُضِلوك عن سبيله ، هو أعلم منك ومن جميع خلقه أيُّ خلقه يَضلّ عن سبيله بزخرف القول الذي يوحِي الشياطين بعضُهم إلى بعض ، فيصدُّوا عن طاعته واتباع ما أمر به (وهو أعلم بالمهتدين) ، يقول : وهو أعلم أيضًا منك ومنهم بمن كان على استقامة وسدادٍ ، لا يخفى عليه منهم أحد . يقول : واتبع ، يا محمد ، ما أمرتك به ، وانته عما نهيتك عنه من طاعة مَنْ نهيتك عن طاعته ، فإني أعلم بالهادي والمضلِّ من خلقي ، منك .
* * *
واختلف أهل العربية في موضع : " مَن " في قوله : (إن ربك هو أعلم من يضل) .
__________
(1) انظر مجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 206 .
(2) في المطبوعة : (( خرصا وخرصا )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولم أجد (( خروصًا )) ، مصدرًا لهذا الفعل ، في شيء مما بين يدي من كتب اللغة ، ولكن ذكره أبو حيان في تفسيره أيضًا 4 : 205 .

(12/65)


فقال بعض نحويي البصرة : موضعه خفض بنيّة " الباء " . قال : ومعنى الكلام : إن ربك هو أعلم بمن يضِلُّ . (1)
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة : موضعه رفع ، لأنه بمعنى " أيّ " ، والرافع له " يضلّ " . (2)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أنه رفع بـ " يضل " ، وهو في معنى " أيّ " . وغير معلوم في كلام العرب اسم مخفوض بغير خافض ، فيكون هذا له نظيرا.
* * *
وقد زعم بعضهم أن قوله : (أعلم) ، في هذا الموضع بمعنى " يعلم " ، واستشهد لقيله ببيت حاتم الطائي :
فَحَالَفَتْ طَيّئٌ مِنْ دُونِنَا حِلِفًا... وَاللهُ أَعْلَمُ ما كُنَّا لَهُمْ خُذْلا (3)
وبقول الخنساء :
القَوْمُ أَعْلَمُ أَنَّ جَفْنَتَهُ... تَعْدُو غَدَاةَ الرِّيحِ أَوْ تَسري (4)
__________
(1) انظر ما سلف 11 : 560 ، تعليق : 1 ، وأن قائله هو الأخفش .
(2) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 352 ، وهذا قول الفراء .
(3) البيت ليس في ديوان حاتم ، وهو في تفسير القرطبي 7 : 72 ، عن هذا الموضع من تفسير أبي جعفر : وقوله : (( حلف )) هو بكسر الحاء واللام ، ألحق اللام كسرة الحاء لضرورة الشعر . ولو قال (( حلفا )) ( بفتح وكسر اللام ) وهو مصدر (( حلف يحلف )) مثل (( الحلف )) ( بكسر فسكون ) ، لكان صوابًا ، لأن (( الحلف )) الذي هو العهد ، إنما سمى (( حلفًا )) بمصدر (( حلف )) بمعنى أقسم ، لأن العهد يوثق باليمين والقسم .
(4) ديوانها : 104 ، في رثاء أخيها صخر ، وبعده : فَإِذَا أَضَاءَ وَجَاشَ مِرْجَلُهُ ... فَلَنِعْمَ رَبُّ النَّارِ والقِدْرِ
وقولها : (( تغدو )) ، أي تغدو على قومه وضيوفه . و (( غداة الريح )) ، أي غدوة في زمن الشتاء ، في زمان القحط وقلة الألبان ، (( و تسرى )) . يعني في الليل . وقولها : (( أضاء )) ، أي أوقد ناره لتوضع عليها القدور ، ويراها الضيفان .

(12/66)


فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)

وهذا الذي قاله قائل هذا التأويل ، وإن كان جائزًا في كلام العرب ، فليس قولُ الله تعالى ذكره : (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) ، منه. وذلك أنه عطف عليه بقوله : (وهو أعلم بالمهتدين) ، فأبان بدخول " الباء " في " المهتدين " أن " أعلم " ليس بمعنى " يعلم " ، لأن ذلك إذ كان بمعنى " يفعل " ، لم يوصل بالباء ، كما لا يقال : " هو يعلم بزيد " ، بمعنى : يعلم زيدًا .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين به وبآياته : " فكلوا " ، أيها المؤمنون ، مما ذكّيتم من ذبائحكم وذبحتموه الذبح الذي بينت لكم أنه تحلّ به الذبيحة لكم ، وذلك ما ذبحه المؤمنون بي من أهل دينكم دين الحق ، أو ذبحه مَنْ دان بتوحيدي من أهل الكتاب ، دون ما ذبحه أهل الأوثان ومَنْ لا كتاب له من المجوس (إن كنتم بآياته مؤمنين) ، يقول : إن كنتم بحجج الله التي أتتكم وأعلامه ، بإحلال ما أحللت لكم ، وتحريم ما حرمت عليكم من المطاعم والمآكل ، مصدّقين ، ودَعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم ، وتلبيس دينكم عليكم غرورًا .
* * *
وكان عطاء يقول في ذلك ما : -
13790 - حدثنا به محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال ، قلت لعطاء قوله : (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) ، قال : يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. وكل شيء يدلّ على ذكره يأمر به .
* * *

(12/67)


وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)

القول في تأويل قوله : { وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل العلم بكلام العرب في تأويل قوله : (وما لكم أن لا تأكلوا).
فقال بعض نحويي البصريين : معنى ذلك : وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا. قال : وذلك نظير قوله : ( وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ ) ، [سورة البقرة : 246]. يقول : أيّ شيء لنا في ترك القتال ؟ قال : ولو كانت " لا " ، زائدة لا يقع الفعل. (1) ولو كانت في معنى : " وما لنا وكذا " ، لكانت : وما لنا وأن لا نقاتل .
* * *
وقال غيره : إنما دخلت " لا " للمنع ، لأن تأويل " ما لك " ، و " ما منعك " واحد. " ما منعك لا تفعل ذلك " ، و " ما لك لا تفعل " ، واحد. فلذلك دخلت " لا " . قال : وهذا الموضع تكون فيه " لا " ، وتكون فيه " أنْ " ، مثل قوله : ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) ، [سورة النساء : 176] ، و " أن لا تضلوا " ، يمنعكم من الضلال بالبيان . (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ، قولُ من قال : معنى قوله : (وما لكم) ، في هذا الموضع : وأيُّ شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ؟ وذلك أنّ الله تعالى ذكره تقدّم إلى المؤمنين بتحليل ما ذكر اسم الله عليه ، وإباحة أكل ما ذبح بدينه أو دين من كان يدين ببعض شرائع كتبه
__________
(1) قوله : (( لا يقع الفعل )) ، أي لا يتعدى ، (( الوقوع )) ، التعدي .
(2) استوفى أبو جعفر بحث هذا فيما سلف 5 : 300 - 305 ، والفراء في معاني القرآن 1 : 163 - 166 ، ولم يشر إلى ذلك أبو جعفر كعادته فيما سلف .

(12/68)


المعروفة ، وتحريم ما أهلّ به لغيره ، من الحيوان وزجرهم عن الإصغاء لما يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من زخرف القول في الميتة والمنخنقة والمتردية ، وسائر ما حرم الله من المطاعم . ثم قال : وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته ، وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون ، وبينته لكم بقولي : (1) ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) ، إلى قوله : ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ ) ، [سورة المائدة : 3] ، فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله ، فتتمنعوا من أكل حلاله حذرًا من مواقعة حرامه .
فإذ كان ذلك معناه ، فلا وجه لقول متأوِّلي ذلك : " وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا " ، لأن ذلك إنما يقال كذلك ، لمن كان كفَّ عن أكله رجاء ثواب بالكفّ عن أكله ، وذلك يكون ممن آمن بالكفّ فكف اتّباعًا لأمر الله وتسليمًا لحكمه. ولا نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة كفَّ عن أكل ما أحل الله من الذبائح رجاء ثواب الله على تركه ذلك ، واعتقادًا منه أن الله حرَّمه عليه . فبيّنٌ بذلك ، إذ كان الأمر كما وصفنا ، أن أولى التأويلين في ذلك بالصواب ما قلنا .
* * *
وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى قوله : " فصَّل " ، و " فصلنا " و " فُصِّل " بيَّن ، أو بُيِّن ، بما يغني عن إعادته في هذا الموضع (2) كما : -
13791 - حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) ، يقول : قد بين لكم ما حرم عليكم .
13792 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد ، مثله .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( بقوله )) ، وفي المخطوطة : (( بقول )) ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(2) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 60 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك ، وانظر فهارس اللغة ( فصل ) .

(12/69)


واختلفت القرأة في قول الله جل ثناؤه : (وقد فصل لكم ما حرم عليكم).
فقرأه بعضهم بفتح أول الحرفين من " فَصَّلَ " و " حَرَّم " ، أي : فصّل ما حرّمه من مطاعمكم ، فبيَّنه لكم .
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : (وَقَدْ فَصَّلَ) بفتح فاء " فصل " وتشديد صاده ، " مَا حُرِّمَ " ، بضم حائه وتشديد رائه ، بمعنى : وقد فصل الله لكم المحرَّم عليكم من مطاعمكم .
* * *
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين : " وَقَدْ فُصِّلَ لَكَمْ " ، بضم فائه وتشديد صاده ، " مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ " ، بضم حائه وتشديد رائه ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما .
* * *
وروي عن عطية العوفي أنه كان يقرأ ذلك : " وَقَدْ فَصَلَ " ، بتخفيف الصاد وفتح الفاء ، بمعنى : وقد أتاكم حكم الله فيما حَرَّم عليكم .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن كل هذه القراءات الثلاث التي ذكرناها ، سوى القراءة التي ذكرنا عن عطية ، قراءات معروفات مستفيضةٌ القراءةُ بها في قرأة الأمصار ، وهن متّفقات المعاني غير مختلفات ، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ .
* * *
وأما قوله : (إلا ما اضطررتم إليه) ، فإنه يعني تعالى ذكره : أن ما أضطررنا إليه من المطاعم المحرّمة التي بيَّن تحريمها لنا في غير حال الضرورة ، لنا حلال ما كنا إليه مضطرين ، حتى تزول الضرورة . (1) كما : -
__________
(1) انظر تفسير (( اضطر )) فيما سلف 3 : 56 ، 322 / 9 : 532 .

(12/70)


13793 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (إلا ما اضطررتم إليه) ، من الميتة .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن كثيرًا من الناس [الذين] (1) يجادلونكم في أكل ما حرم الله عليكم ، أيها المؤمنون بالله ، من الميتة ، ليُضلون أتباعهم بأهوائهم من غير علم منهم بصحة ما يقولون ، ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون ، إلا ركوبًا منهم لأهوائهم ، واتباعًا منهم لدواعي نفوسهم ، اعتداءً وخلافًا لأمر الله ونهيه ، وطاعة للشياطين (2) (إن ربك هو أعلم بالمعتدين) ، يقول : إن ربك ، يا محمد ، الذي أحلَّ لك ما أحلَّ وحرَّم عليك ما حرم ، هو أعلم بمن اعتدى حدوده فتجاوزها إلى خلافها ، وهو لهم بالمرصاد . (3)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : (ليضلون).
فقرأته عامة أهل الكوفة : (لَيُضِلُّونَ) ، بمعنى : أنهم يضلون غيرهم .
* * *
وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين : " لَيَضِلُّونَ " ، بمعنى : أنهم هم الذين يضلون عن الحق فيجورون عنه .
* * *
__________
(1) الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق .
(2) انظر تفسير (( الأهواء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هوى )
وتفسير (( الضلال )) في فهارس اللغة (ضلل ) .
(3) انظر تفسير (( الاعتداء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عدا ) .

(12/71)


وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)

قال أبو جعفر : وأَولى القراءتين بالصواب في ذلك ، قراءةُ من قرأ : ( وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ ) ، بمعنى : أنهم يضلون غيرهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبرَ نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم ، ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه ، فقال : ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ، ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم ، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه ، فقال لهم : وإن كثيرًا منهم ليضلونكم بأهوائهم بغير علم نظيرَ الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ودعوا ، أيها الناس ، (1) علانية الإثم ، وذلك ظاهره وسرّه ، وذلك باطنه ، . كذلك : -
13794 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، أي : قليله وكثيره ، وسرّه وعلانيته .
13795 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، قال : سره وعلانيته .
13796 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، يقول : سره وعلانيته وقوله : ( مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ، [سورة الأعراف : 33] ، قال : سره وعلانيته .
13797 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ،
__________
(1) انظر تفسير (( ذر )) فيما سلف ص : 57 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/72)


عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، قال : نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه ، أن يعمل به سرًّا أو علانية ، وذلك ظاهره وباطنه .
13798 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، معصية الله في السر والعلانية .
13799 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، قال : هو ما ينوي مما هو عامل .
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالظاهر من الإثم والباطن منه ، في هذا الموضع.
فقال بعضهم : " الظاهر منه " ، ما حرم جل ثناؤه بقوله : ( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ، [سورة النساء : 23] ، وقوله : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) الآية ، و " الباطن منه " ، الزنى .
* ذكر من قال ذلك :
13800 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير في قوله : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، قال : الظاهر منه : ( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ) والأمهات والبنات والأخوات " والباطن " . الزنى .
* * *
وقال آخرون : " الظاهر " ، أولات الرايات من الزواني ، (1) والباطن : ذوات الأخدان .
__________
(1) (( أولات الرايات )) ، البغايا في الجاهلية ، كن ينصبن رايات عند خيامهن أو عند بيوتهن ، يعرفن بها .

(12/73)


* ذكر من قال ذلك :
13801 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) أما " ظاهره " ، فالزواني في الحوانيت ، وأما " باطنه " ، فالصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرًّا .
13802 - حدثنت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثني عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ، [سورة الأنعام : 151]. كان أهل الجاهلية يستسرُّون بالزنى ، ويرون ذلك حلالا ما كان سرًّا ، فحرّم الله السر منه والعلانية " ما ظهر منها " ، يعني العلانية " وما بطن " ، يعني : السر .
13803 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي مكين وأبيه ، عن خصيف ، عن مجاهد : ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ، قال : " ما ظهر منها " ، الجمع بين الأختين ، وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده " وما بطن " ، الزنى .
* * *
وقال آخرون : " الظاهر " ، التعرّي والتجرد من الثياب ، وما يستر العورة في الطواف " والباطن " ، الزنى .
* ذكر من قال ذلك :
13804 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ، قال : ظاهره العُرْيَة التي كانوا يعملون بها حين يطوفون بالبيت ، (1) وباطنه : الزنى .
* * *
__________
(1) (( العرية )) ( بضم العين وسكون الراء ) ، مصدر (( عرى من ثوبه يعرى عريًا وعرية )) ، يقال : (( جارية حسنة العرية ، وحسنة المعرى والمعراة )) ، أي حسنة عند تجريدها من ثيابها .

(12/74)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه ، وذلك سره وعلانيته. و " الإثم " كل ما عُصِي الله به من محارمه ، (1) وقد يدخل في ذلك سرُّ الزنى وعلانيته ، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن ، ونكاحُ حلائل الآباء والأمهات والبنات ، والطواف بالبيت عريانًا ، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان جميعُ ذلك " إثمًا " ، وكان الله عمّ بقوله : (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ، جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن لم يكن لأحد أن يخصّ من ذلك شيئًا دون شيء ، إلا بحجة للعذر قاطعة .
غير أنه لو جاز أن يوجَّه ذلك إلى الخصوص بغير برهان ، كان توجيهه إلى أنه عنى بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع ، ما حرم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم ، وما بيَّن الله تحريمه في قوله : (حرمت عليكم الميتة) إلى آخر الآية ، أولى ، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى ، وهذه في سياقها. ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك ، وأدخل فيها الأمر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله ، فخرج الأمر عامًا بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الإثم .
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين يعملون بما نَهاهم الله عنه ،
__________
(1) انظر تفسير (( الإثم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أثم ) .

(12/75)


وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

ويركبون معاصيَ الله ويأتون ما حرَّم الله(سيجزون) ، يقول : سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، لا تأكلوا ، أيها المؤمنون ، مما مات فلم تذبحوه أنتم ، أو يذبحه موحِّدٌ يدين لله بشرائع شَرَعها له في كتاب منزل ، فإنه حرام عليكم ولا ما أهلَّ به لغير الله مما ذبَحه المشركون لأوثانهم ، فإن أكل ذلك " فسق " ، يعني : معصية كفر . (2)
* * *
فكنى بقوله : " وإنه " ، عن " الأكل " ، وإنما ذكر الفعل ، (3) كما قال : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ) ، [سورة ال عمران : 173] يراد به ، فزاد قولُهم ذلك إيمانًا ، فكنى عن " القول " ، وإنما جرى ذكره بفعلٍ . (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف من فهارس اللغة ( كسب )
وتفسير (( الجزاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزا )
وتفسير (( اقترف )) فيما سلف ص : 59 ، 60
(2) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف 11 : 370 ؛ تعليق : 2 والمراجع هناك
(3) (( الفعل )) ، هو المصدر .
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 352

(12/76)


(وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم). (1)
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ، فقال بعضهم : عنى بذلك شياطين فارسَ ومن على دينهم من المجوس (إلى أوليائهم) ، من مردة مشركي قريش ، يوحون إليهم زخرف القول ، بجدالِ نبي الله وأصحابه في أكل الميتة . (2)
* ذكر من قال ذلك :
13805 - حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري قال ، حدثنا موسى بن عبد العزيز القنباريّ قال ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة : لما نزلت هذه الآية ، بتحريم الميتة ، قال : أوحت فارس إلى أوليائها من قريشٍ أنْ خاصموا محمدًا وكانت أولياءهم في الجاهلية (3) وقولوا له : أوَ ما ذبحتَ فهو حلال ، وما ذَبح الله (4) قال ابن عباس : بِشمْشَارٍ من ذهب (5) فهو حرام ! ! فأنزل الله هذه الآية : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ، قال : الشياطين : فارس ، وأولياؤهم قريش . (6)
__________
(1) انظر تفسير (( الوحي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(2) في المطبوعة : (( يوحون إليهم زخرف القول ليصل إلى نبي الله وأصحابه في أكل الميتة )) لم يحسن قراءة المخطوطة ، فاجتهد اجتهادًا ضرب على الجملة فسادًا لا تعرف له غاية . وكان في المخطوطة : (( ... زخرف القول يحد إلى نبي الله )) ، غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها .
(3) يعني : وكانت قريش أولياء فارس وأنصارهم في الجاهلية ، وهي جملة معترضة وضعتها بين خطين .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : (( إن ما ذبحت )) ، كأنه خبر ، وهو استفهام واستنكار أن تكون ذبيحة الخلق حلالا ، وذبيحة الله - فيما يزعمون ، وهي الميتة - حرامًا .
(5) (( شمشار )) ، وفي تفسير ابن كثير 3 : 389 : (( بشمشير )) ، وتفسيره في خبر آخر يدل على أن (( الشمشار )) أو (( الشمشير )) ، هو السكين أو النصل ، انظر رقم : 13806 ، وكأن هذا كان من عقائد المجوس ، أن الميتة ذبيحة الله ، ذبحها بشمشار من ذهب !! .
(6) الأثر : 13805 - (( عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي النيسابوري )) ثقة ، صدوق من شيوخ البخاري وأبي حاتم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 215 .
و (( موسى بن عبد العزيز اليماني العدني القنباري )) ، لا بأس به ، متكلم فيه . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 292 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 151 .
و (( القنباري )) نسبة إلى (( القنبار )) وهي حبال تفتل من ليف شجر النارجيل ، الذي يقال له : الجوز الهندي ، وتجر بحبال القنبار السفن لقوته .

(12/77)


13806 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عمرو بن دينار ، عن عكرمة : إن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم وكاتبتهم فارس ، وكتبت فارسُ إلى مشركي قريش إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه للميتة وأمّا ما ذبحوا هم يأكلون " ! وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه السلام ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، فنزلت : (وإنه لفسقٌ وإن الشياطين ليوحون) الآية ، ونزلت : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غرورا) .[سورة الأنعام : 112]
* * *
وقال آخرون : إنما عنى بالشياطين الذين يغرُون بني آدم : أنهم أوحوا إلى أوليائهم من قريش .
* ذكر من قال ذلك :
13807 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سماك ، عن عكرمة قال : كان مما أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس : كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مما قَتَل ، وتأكلون أنتم ما قتلتم ؟ فرُوِي الحديث حتى بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .
13808 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : قوله : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ، قال : إبليسُ الذي يوحي إلى مشركي قريش قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قال : شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس : " يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير

(12/78)


قال : سمعت أنَّ الشياطين يوحون إلى أهل الشرك ، يأمرونهم أن يقولوا : ما الذي يموتُ ، وما الذي تذبحون إلا سواء ! يأمرونهم أن يخاصِمُوا بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم(وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون) ، قال : قولُ المشركين أمّا ما ذبح الله ، للميتة ، فلا تأكلون ، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فحلال !
13809 - حدثنا محمد بن عمار الرازي قال ، حدثنا سعيد بن سليمان قال ، حدثنا شريك ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إن المشركين قالوا للمسلمين : ما قتل ربّكم فلا تأكلون ، وما قتلتم أنتم تأكلونه ! فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) . (1)
13810 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما حرم الله الميتة ، أمر الشيطان أولياءَه فقال لهم : ما قتل الله لكم ، خيرٌ مما تذبحون أنتم بسكاكينكم! فقال الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .
13811 - حدثنا يحيى بن داود الواسطي قال ، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن سفيان ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : جادل المشركون المسلمين فقالوا : ما بال ما قتلَ الله لا تأكلونه ، وما قتلتم أنتم أكلتموه! وأنتم تتبعون أمر الله ! فأنزل الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ، إلى آخر الأية .
13812 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ،
__________
(1) الأثر : 13809 - (( محمد بن عمار بن الحارث الرازي )) ، أبو جعفر ، روى عن إسحاق بن سليمان والسندي بن عبدويه ، ومؤمل بن إسماعيل ، وكتب عنه ابن أبي حاتم ، وقال : (( وهو صدوق ثقة )) . مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 1 / 43 .
(( سعيد بن سليمان )) ، لم أعرف من يكون فيمن يسمى بذلك ، وأخشى أن يكون صوابه : (( إسحاق بن سليمان الرازي )) ، الذي ذكر ابن حبان أن (( محمد بن عمار يروي عنه )) .

(12/79)


يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه ، وما ذبحتم أنتم فكلوه ! فأنزل الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .
13813 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة : أن ناسًا من المشركين دخلُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الشاة إذا ماتت ، من قَتَلها ؟ فقال : اللهُ قتلها . قالوا : فتزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابُك حلالٌ ، وما قتله الله حرام! فأنزل الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .
13814 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحضرمي : أن ناسًا من المشركين قالوا : أما ما قتل الصقر والكلب فتأكلونه ، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه !
13815 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ، قال : قالوا : يا محمد ، أمّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه ، وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه ! فأنزل الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه ، إنكم إذًا لمشركون .
13816 - حدثنا المثنى ، قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : قال المشركون : ما قتلتم فتأكلونه ، وما قتل ربكم لا تأكلونه ! فنزلت : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) .
13817 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ، قول المشركين : أما ما ذبح الله للميتة فلا تأكلون منه ، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال !

(12/80)


13818 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13819 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ، قال : جادلهم المشركون في الذبيحة فقالوا : أما ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه ، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه ! يعنون " الميتة " ، فكانت هذه مجادلتهم إياهم .
13820 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) الآية ، يعني عدوّ الله إبليس ، أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم : خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا : " أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون ، وأما ما قتل الله فلا تأكلون ، وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمرَ الله " ! فأنزل الله على نبيه : (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ، وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلا بإحدى ثلاث : أن يدعو مع الله إلهًا آخر ، أو يسجد لغير الله ، أو يسمي الذبائح لغير الله .
13821 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، إن المشركين قالوا للمسلمين : كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله ، وما ذبح الله فلا تأكلونه ، وما ذبحتم أنتم أكلتموه ؟ فقال الله : لئن أطعتموهم فأكلتم الميتة ، إنكم لمشركون .
13822 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ، قال : كانوا يقولون : ما ذكر الله عليه وما ذبحتم فكلوا ! فنزلت : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) .
13823 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) إلى قوله :

(12/81)


(ليجادلوكم) ، قال يقول : يوحي الشياطين إلى أوليائهم : تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون مما قتل الله! فقال : إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه ، وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه .
13824 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك في قوله : (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ، هذا في شأن الذبيحة. قال : قال المشركون للمسلمين : تزعمون أن الله حرم عليكم الميتة ، وأحل لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم ، وحرم عليكم ما ذبح هو لكم ؟ وكيف هذا وأنتم تعبدونه! فأنزل الله هذه الآية : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، إلى قوله : (لمشركون) .
* * *
وقال آخرون : كان الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قومًا من اليهود .
* ذكر من قال ذلك :
13825 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع قالا حدثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال ابن عبد الأعلى : خاصمت اليهودُ النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن وكيع : جاءت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل ما قتلنا ، ولا نأكل ما قتل الله ! فأنزل الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة ، بما ذكرنا من جدالهم إياهم وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك ، كما أخبر الله عنهما في الآية

(12/82)


الأخرى التي يقول فيها : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) ، [سورة الأنعام : 112]. بل ذلك الأغلب من تأويله عندي ، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس ، كما جعل لأنبيائه من قبله ، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة ، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم .
* * *
واختلف أهل التأويل في الذي عنى الله جل ثناؤه بنهيه عن أكله مما لم يذكر اسم الله عليه.
فقال بعضهم : هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلهتها .
* ذكر من قال ذلك :
13826 - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما قوله : (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) ؟ قال : يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح . قلت لعطاء : فما قوله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ؟ قال : ينهى عن ذبائح كانت في الجاهلية على الأوثان ، كانت تذبحها العرب وقريش .
* * *
وقال آخرون : هي الميتة . (1)
* ذكر من قال ذلك :
13827 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن عطاء
__________
(1) هذه الترجمة : (( وقال آخرون : هي الميتة )) ، ليست في المخطوطة ، ولكن إثباتها كما في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله .

(12/83)


بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، قال : الميتة .
* * *
وقال آخرون : بل عنى بذلك كلَّ ذبيحة لم يذكر اسمُ الله عليها .
* ذكر من قال ذلك :
13828 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن جَهِير بن يزيد قال : سُئِل الحسن ، سأله رجل قال له : أُتِيتُ بطيرِ كَرًى ، (1) فمنه ما ذبح فذكر اسم الله عليه ، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه ، واختلط الطير ؟ فقال الحسن : كُلْه ، كله ! قال : وسألت محمد بن سيرين فقال : قال الله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) . (2)
13829 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن أيوب وهشام ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال : كلوا من ذبائح أهل الكتاب والمسلمين ، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .
13830 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن عبد الله بن يزيد قال : كنت اجلس إليه في حلقة ، فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم ، فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون . قال : فجاءه رجل فسأله ، فقال : رجل ذبح فنسي أن يسمِّي ؟ فتلا هذه الآية :
__________
(1) في المطبوعة : (( بطير كذا )) وهو خطأ لا شك فيه . وفي المخطوطة : (( بطير كدى )) برسم الدال ، وهو خطأ لا معنى له . والصواب ما أثبت (( كرى )) ( بفتحتين ) جمع (( الكروان )) وهو طائر بين الدجاجة والحمامة ، حسن الصوت ، يؤكل لحمه ، ذكر صاحب لسان العرب أنه يدعى الحجل والقبيح ، والصحيح أنه ضرب من الطير شبيه به . ويقال له عند صيده (( أطرق كرى ، أطرق كرى ، إن النعام في القرى )) ، فيجبن ويلتصق بالأرض ، فيلقي عليه ثوب فيصاد .
(2) الأثر : 13828 - (( جهير بن يزيد العبدي )) ، حدث عن معاوية بن قرة ، وابن سيرين - روى عنه أبو أسامة ، وموسى بن إسماعيل ، والقعنبي . وثقه يحيى بن معين وابن حبان ، وغيرهما . ولم يذكر فيه البخاري جرحًا . مترجم في تعجيل المنفعة : 74 ، والكبير 1 / 2 / 253 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 547 قال ابن حجر : (( جهير ، بصيغة التصغير ، وقيل : بوزن عظيم )) .

(12/84)


(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، حتى فرغ منها .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عنى بذلك ما ذُبح للأصنام والآلهة ، وما مات أو ذبحه من لا تحلّ ذبيحته .
وأما من قال : " عنى بذلك : ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله " ، فقول بعيد من الصواب ، لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله ، وكفى بذلك شاهدًا على فساده . وقد بينا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى : " لطيف القول في أحكام شرائع الدين " ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .
* * *
وأما قوله " (وإنه لفسق) ، فإنه يعني : وإنّ أكْل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة ، وما أهل به لغير الله ، لفسق .
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى : " الفسق " ، في هذا الموضع. (1)
فقال بعضهم : معناه : المعصية .
فتأويل الكلام على هذا : وإنّ أكلَ ما لم يذكر اسم الله عليه لمعصية لله وإثم .
* ذكر من قال ذلك :
13831 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وإنه لفسق) ، قال : " الفسق " ، المعصية .
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : الكفر .
* * *
وأما قوله : (وإن الشياطين ليوحون إلي أوليائهم) ، فقد ذكرنا اختلاف
__________
(1) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف من فهارس اللغة ( فسق ) .

(12/85)


المختلفين في المعنيّ بقوله : (وإن الشياطين ليوحون) ، والصوابَ من القول فيه وأما إيحاؤهم إلى أوليائهم ، فهو إشارتهم إلى ما أشاروا لهم إليه : إما بقول ، وإما برسالة ، وإما بكتاب .
* * *
وقد بينا معنى : " الوحي " فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (1)
وقد : -
13832 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا عكرمة ، عن أبي زُمَيل قال : كنت قاعدًا عند ابن عباس ، فجاءه رجل من أصحابه ، فقال : يا ابن عباس ، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة! يعني المختار بن أبي عبيد فقال ابن عباس : صدق ! فنفرت فقلت : يقول ابن عباس " صدق " ! فقال ابن عباس : هما وحيان ، وحي الله ، ووحي الشيطان ، فوحي الله إلى محمد ، ووحي الشياطين إلى أوليائهم . ثم قرأ : (وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) . (2)
* * *
وأما الأولياء : فهم النصراء والظهراء ، في هذا الموضع . (3)
* * *
ويعني بقوله : (ليجادلوكم) ، ليخاصموكم ، بالمعنى الذي قد ذكرت قبل . (4)
* * *
وأما قوله : (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) ، فإنه يعني : وإن أطعتموهم
__________
(1) انظر تفسير (( الوحي )) فيما سلف 9 : 399 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) الأثر : 13832 - (( أبو زميل )) هو : (( سماك بن الوليد الحنفي )) ، روى عن ابن عباس ، وابن عمر ، ومالك بن مرثد ، وعروة بن الزبير . روى عنه شعبة ، ومسعر ، وعكرمة بن عمار . وهو ثقة مترجم التهذيب ، والكبير 2 / 2 /174 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 280 .
و (( المختر بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي )) ، كذاب متنبئ خبيث ، فقتله الله بيد مصعب بن الزبير وأصحابه سنة 67 من الهجرة ، وله خبر طويل فيه كذبه وما فعل ، وما فعل الناس به .
(3) انظر تفسير (( الولي )) فيما سلف 10 : 497 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( الجدال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جدل ) .

(12/86)


في أكل الميتة وما حرم عليكم ربكم; كما : -
13833 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وإن أطعتموهم) ، يقول : وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه .
13834 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإن أطعتموهم) ، فأكلتم الميتة .
* * *
وأما قوله : (إنكم لمشركون) ، يعني : إنكم إذًا مثلهم ، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالا. فإذا أنتم أكلتموها كذلك ، فقد صرتم مثلهم مشركين .
* * *
قال أبو جعفر : واختلف أهل العلم في هذه الآية ، هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء ، وهي محكمة فيما عُنيت به. وعلى هذا قول عامة أهل العلم . (1)
* * *
وروي عن الحسن البصري وعكرمة ، ما : -
13835 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال : (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ، فنسخ واستثنى من ذلك فقال : ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) [سورة المائدة : 5] .
* * *
__________
(1) انظر (( الناسخ والمنسوخ )) ، لأبي جعفر النحاس صلى الله عليه وسلم : 144 ، قال : (( وفي هذه السورة يعني سورة الأنعام شيء قد ذكره قوم هو عن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، ولكنا نذكره ليكون الكتاب عام الفائدة ... )) ثم ذكر الآية ، وما قيل في ذلك ، إلى صلى الله عليه وسلم : 146 .

(12/87)


أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت ، لم ينسخ منها شيء ، وأن طعام أهل الكتاب حلال ، وذبائحهم ذكيّة . وذلك مما حرم الله على المؤمنين أكله بقوله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ، بمعزل. لأن الله إنما حرم علينا بهذه الآية الميْتة ، وما أهلّ به للطواغيت ، وذبائحُ أهل الكتاب ذكية سمُّوا عليها أو لم يسمُّوا ، لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله ، يدينون بأحكامها ، يذبحون الذبائح بأديانهم ، كما يذبح المسلم بدينه ، سمى الله على ذبيحته أو لم يسمِّه ، إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل ، أو بعبادة شيء سوى الله ، فيحرم حينئذ أكل ذبيحته ، سمى الله عليها أو لم يسم .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا }
قال أبو جعفر : وهذا الكلام من الله جلّ ثناؤه يدل على نهيه المؤمنين برسوله يومئذ عن طاعة بعض المشركين الذين جادلوهم في أكل الميتة ، بما ذكرنا عنهم من جدالهم إياهم به ، وأمره إياهم بطاعة مؤمن منهم كان كافرًا ، فهداه جلّ ثناؤه لرشده ، ووفقه للإيمان. فقال لهم : أطاعة من كان ميتًا ، يقول : من كان كافرًا ؟ فجعله جل ثناؤه لانصرافه عن طاعته ، وجهله بتوحيده وشرائع دينه ، وتركه الأخذ بنصيبه من العمل لله بما يؤديه إلى نجاته ، بمنزلة " الميت " الذي لا ينفع نفسه بنافعة ، ولا يدفع عنها من مكروه نازلة(فأحييناه) ، يقول : فهديناه للإسلام ، فأنعشناه ، فصار يعرف مضارّ نفسه ومنافعها ، ويعمل في خلاصها من سَخَط

(12/88)


الله وعقابه في معاده. فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عَمَاه عنه ، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك ، حياة وضياء يستضيء به فيمشي على قصد السبيل ، ومنهج الطريق في الناس (1) (كمن مثله في الظلمات) ، لا يدري كيف يتوجه ، وأي طريق يأخذ ، لشدة ظلمة الليل وإضلاله الطريق. فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر ، لا يبصر رشدًا ولا يعرف حقًّا ، يعني في ظلمات الكفر . يقول : أفَطَاعة هذا الذي هديناه للحق وبصَّرناه الرشاد ، كطاعة من مثله مثل من هو في الظلمات متردّد ، لا يعرف المخرج منها ، في دعاء هذا إلى تحريم ما حرم الله ، وتحليل ما أحل ، وتحليل هذا ما حرم الله ، وتحريمه ما أحلّ ؟
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين بأعيانهما معروفين : أحدهما مؤمن ، والآخر كافر .
ثم اختلف أهل التأويل فيهما.
فقال بعضهم : أما الذي كان مَيْتًا فأحياه الله ، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأما الذي مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، فأبو جهل بن هشام .
* ذكر من قال ذلك :
13836 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، أخبرنا سليمان بن أبي هوذة ، عن شعيب السراج ، عن أبي سنان عن الضحاك في قوله : (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) ، قال : عمر بن الخطاب رضي الله عنه (كمن مثله في الظلمات) ، قال : أبو جهل بن هشام . (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الموت )) ، و (( الإحياء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( موت ) و ( حيي ) .
(2) الأثر : 13836 - (( سليمان بن أبي هوذة )) ، روى عن حماد بن سلمة ، [وأبي هلال الراسبي ، وعمرو بن أبي قيس . لم يذكر فيه البخاري جرحًا . وقال أبو زرعة : (( صدوق لا بأس به )) . مترجم في الكبير 2 / 2 / 42 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 148 .
وأما (( شعيب السراج )) ، فلم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب

(12/89)


وقال آخرون : بل الميت الذي أحياه الله ، عمار بن ياسر رحمة الله عليه. وأما الذي مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، فأبو جهل بن هشام .
* ذكر من قال ذلك :
13837 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن بشر بن تيم ، عن رجل ، عن عكرمة : (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) ، قال : نزلت في عمار بن ياسر . (1)
13838 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، عن بشر ، عن تيم ، عن عكرمة : (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) ، عمار بن ياسر (كمن مثلة في الظلمات) ، أبو جهل بن هشام . (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في الآية قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13839 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (أو من كان ميتًا فأحييناه) قال : ضالا فهديناه(وجعلنا له نورًا يمشي به في للناس) ، قال : هدى(كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) ، قال : في الضلالة أبدًا .
13840 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) الأثران : 13837 ، 13838 - (( بشر بن تيم بن مرة )) ، ويقال : (( بشير بن تيم بن مرة )) . وهو في الإسناد الأول ، بينه وبين عكرمة (( عن رجل )) . وقد قال البخاري في الكبير 1 / 2 /96 : (( بشير بن تيم بن مرة )) عن عكرمة ، قاله لنا الحميدي ، عن ابن عيينه . مرسل ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وجعله (( بشيرًا )) وأما ابن أبي حاتم 1 / 1 / 372 فقد ترجمه في (( بشير )) ، كمثل ما قال البخاري ، ولم يذكر (( بشرا )) ، ولكنه ترجمه قبل 1 / 1 / 352 في (( بشر بن تيم )) وقال : (( مكي )) ، روى عنه ابن جريج ، وابن عيينة . سمعت أبي يقول ذلك . وابن عيينة يقول : (( بشير )) . ولكنه هنا في المخطوطة في الموضعين (( بشر بن تيم )) ، في رواية ابن عيينة يقول ، فتركت ما كان في المخطوطة على حاله ، لئلا يكون اختلافًا على ابن عيينة .
(2) الأثران : 13837 ، 13838 - (( بشر بن تيم بن مرة )) ، ويقال : (( بشير ابن تيم بن مرة )) . وهو في الإسناد الأول ، بينه وبين عكرمة (( عن رجل )) . وقد قال البخاري في الكبير 1 / 2 /96 : (( بشير بن تيم بن مرة )) عن عكرمة ، قاله لنا الحميدي ، عن ابن عيينه . مرسل ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وجعله (( بشيرًا )) وأما ابن أبي حاتم 1 / 1 / 372 فقد ترجمه في (( بشير )) ، كمثل ما قال البخاري ، ولم يذكر (( بشرا )) ، ولكنه ترجمة قبل 1 / 1 / 352 في (( بشر بن تيم )) وقال : (( مكي )) ، روى عنه ابن جريج ، وابن عيينة . سمعت أبي يقول ذلك . وابن عيينة يقول : (( بشير )) . ولكنه هنا في المخطوطة في الموضعين (( بشر بن تيم )) ، في رواية ابن عيينة يقول ، فتركت ما كان في المخطوطة على حاله ، لئلا يكون اختلافًا على ابن عيينة .

(12/90)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (أو من كان ميتًا فأحييناه) ، هديناه(وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات) في الضلالة أبدًا .
13841 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد : (أو من كان ميتًا فأحييناه) ، قال : ضالا فهديناه .
13842 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (أو من كان ميتًا فأحييناه) ، يعني : من كان كافرًا فهديناه(وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) ، يعني بالنور ، القرآنَ ، من صدَّق به وعمل به(كمن مثله في الظلمات) ، يعني : بالظلمات ، الكفرَ والضلالة .
13843 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس ) ، يقول : الهدى " يمشي به في الناس " ، يقول : فهو الكافر يهديه الله للإسلام. يقول : كان مشركًا فهديناه(كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) .
13844 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (أو من كان ميتًا فأحييناه) ، هذا المؤمن معه من الله نور وبيِّنة يعمل بها ويأخذ ، وإليها ينتهي ، كتابَ الله (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) ، وهذا مثل الكافر في الضلالة ، متحير فيها متسكع ، لا يجد مخرجًا ولا منفذًا .
13845 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط عن السدي : (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) ، يقول : من كان كافرًا فجعلناه مسلمًا ، وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس ، وهو الإسلام ، يقول : هذا كمن هو في الظلمات ، يعني : الشرك .

(12/91)


13846 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس) ، قال : الإسلام الذي هداه الله إليه (كمن مثله في الظلمات) ، ليس من أهل الإسلام . وقرأ : ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) ، [سورة البقرة : 257]. قال : والنور يستضيء به ما في بيته ويبصره ، وكذلك الذي آتاه الله هذا النور ، يستضيء به في دينه ويعمل به في نوره ، (1) كما يستضيء صاحب هذا السراج . قال : (كمن مثله في الظلمات) ، لا يدري ما يأتي ولا ما يقع عليه .
* * *
القول في تأويل قوله : { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كما خذلت هذا الكافر الذي يجادلكم أيها المؤمنون بالله ورسوله ، في أكل ما حرّمت عليكم من المطاعم عن الحق ، فزينت له سوءَ عمله فرآه حسنًا ، ليستحق به ما أعددت له من أليم العقاب ، كذلك زيَّنت لغيره ممن كان على مثل ما هو عليه من الكفر بالله وآياته ، ما كانوا يعملون من معاصي الله ، ليستوجبوا بذلك من فعلهم ، ما لهم عند ربهم من النَّكال . (2)
* * *
قال أبو جعفر : وفي هذا أوضح البيان على تكذيب الله الزاعمين أن الله فوَّض الأمور إلى خلقه في أعمالهم ، فلا صنع له في أفعالهم ، (3) وأنه قد سوَّى بين جميعهم في
__________
(1) في المطبوعة : (( في فوره )) بالفاء ، والصواب ما في المخطوطة .
(2) انظر تفسير (( التزيين )) فيما سلف : ص : 37 ، تعليق : ص : 1 ، والمراجع هناك .
(3) (( التفويض ) ، هو زعم القدرية والمعتزلة والإمامية من أهل الفرق ، أن الأمر قد فوض إلى العبد ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق أفعاله ، والاختيار ، ينفون أن تكون أفعال العباد من خلق الله . وانظر ما سلف 1 : 162 تعليق : 3 / 11 : 340 ، تعليق : 2 ، وانظر ما سيأتي ص : 108 ، تعليق : 1 .

(12/92)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)

الأسباب التي بها يصلون إلى الطاعة والمعصية. لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان قد زَيَّن لأنبيائه وأوليائه من الضلالة والكفر ، نظيرَ ما زيَّن من ذلك لأعدائه وأهل الكفر به ، وزيّن لأهل الكفر به من الإيمان به ، نظيرَ الذي زيّن منه لأنبيائه وأوليائه . وفي إخباره جل ثناؤه أنه زين لكل عامل منهم عمله ، ما ينبئ عن تزيين الكفر والفسوق والعصيان ، وخصّ أعداءه وأهل الكفر ، بتزيين الكفر لهم والفسوق والعصيان ، وكرّه إليهم الإيمان به والطاعة .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون ، كذلك جعلنا بكل قرية عظماءَها مجرميها يعني أهل الشرك بالله والمعصية له(ليمكروا فيها) ، بغرور من القول أو بباطل من الفعل ، بدين الله وأنبيائه (وما يمكرون) : أي ما يحيق مكرهم ذلك ، إلا بأنفسهم ، لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدّهم عن سبيله " وهم لا يشعرون " ، يقول : لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه ، (1) فهم في غيِّهم وعتوِّهم على الله يتمادَوْن .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) انظر تفسير (( شعر )) فيما سلف : ص : 38 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/93)


13847 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (أكابر مجرميها) ، قال : عظماءها .
13848 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13849 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (أكابر مجرميها) ، قال : عظماءها .
13850 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : نزلت في المستهزئين قال ابن جريج ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن عكرمة : (أكابر مجرميها) ، إلى قوله : (بما كانوا يمكرون) ، بدين الله ، وبنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين .
* * *
والأكابر : جمع " أكبر " ، كما " الأفاضل " جمع " أفضل " . ولو قيل : هو جمع " كبير " ، فجمع " أكابر " ، لأنه قد يقال : " أكبر " ، كما قيل : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا ) ، [سورة الكهف : 103] ، واحدهم " الخاسر " ، لكان صوابًا . وحكي عن العرب سماعًا " الأكابرة " و " الأصاغرة " ، و " الأكابر " ، و " الأصاغر " ، بغير الهاء ، على نية النعت ، كما يقال : " هو أفضل منك " . وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على " أفعل " ، إذا أخرجوها إلى الأسماء ، مثل جمعهم " الأحمر " و " الأسود " ، " الأحامر " و " الأحامرة " ، و " الأساود " و " الأساودة " ، ومنه قول الشاعر : (1)
إنَّ الأحَامِرَة الثَّلاثَةَ أَهْلَكَتْ... مَالِي ، وكُنْتُ بِهِنّ قِدْمًا مُولَعًا
__________
(1) هو الأعشى .

(12/94)


وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)

الخَمْرُ واللَّحْمُ السِّمِينُ إدَامُهُ... والزَّعْفَرَانُ ، فَلَنْ أرُوحَ مُبَقَّعَا (1)
* * *
وأما " المكر " ، فإنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالغدر ، ليورِّطه الماكر به مكروهًا من الأمر .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا جاءت هؤلاء المشركين الذين يجادلون المؤمنين بزخرف القول فيما حرم الله عليهم ، ليصدّوا عن سبيل الله (آية) ، يعني : حجة من الله على صحة ما جاءهم به محمد من عند الله وحقيقته (2) قالوا لنبي الله وأصحابه : (لن نؤمن) ، يقول : يقولون : لن نصدق بما دعانا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان به ، وبما جاء به من تحريم ما ذكر أنّ الله حرّمه علينا(حتى نؤتى) ، يعنون : حتى يعطيهم الله من المعجزات مثل الذي أعطى موسى من فلق البحر ، وعيسى من إحياء الموتى ،
__________
(1) ديوانه 247 ، 248 ، وهي في نسختي المصورة من ديوان الأعشى رقم : 29 ، واللسان (حمر ) وهو أول الشعر . وكان في المطبوعة هنا : (( السمين أديمه )) ، و (( فلن أزال مبقعا )) ، وأثبت ما في المخطوطة وفي مخطوطة الأعشى : (( السمين ، وأطلى بالزعفران وقد أروح مبقعًا )) .
وهكذا جاء في المخطوطة : (( السمين إدامه )) ، والإدام ما يؤتدم به مع الخبز ، أي شيء كان .
وعجيب إضافة الإدام إلى اللحم . ويروى : (( أديمه )) ، ضبطه في اللسان بفتح الألف ، وهو غير مرتضى ، بل الصواب إن شاء الله (( أديمه )) من (( أدام الشيء )) ، إذا أطال زمانه واستمر به .
ورواية أبي جعفر هنا (( فلن أروح مبقعًا )) ، ورواية مخطوطة ديوانه : (( وقد أروح مبقعًا )) ، وهي أجودهما . و (( المبقع )) الذي فيه لون يخالف لونه ، أو لون ما أصابه الماء أو الزعفران أو ما شابههما . يعني أنه يكثر من الزعفران حتى يترك في بشرته لمعا . وأكثر ما كانوا يستعملون الزعفران في أعراسهم ، إذا أعرس الرجل تزعفر . فكني بذلك عن كثرة زواجه .
وفي البيت روايات أخرى ، راجعها في حواشي ديوانه ، في ذيل الديوان .
(2) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(12/95)


وإبراء الأكمه والأبرص . (1) يقول تعالى ذكره : (الله أعلم حيث يجعل رسالته) ، يعني بذلك جل ثناؤه : أن آيات الأنبياء والرسل لن يُعطاها من البشر إلا رسول مرسل ، (2) وليس العادلون بربهم الأوثان والأصنام منهم فيعطوها . يقول جل ثناؤه : فأنا أعلم بمواضع رسالاتي ، ومن هو لها أهل ، فليس لكم أيها المشركون أن تتخيَّروا ذلك عليّ أنتم ، لأن تخيُّر الرسول إلى المرسِلِ دون المرسَل إليه ، والله أعلم إذا أرسل رسالةً بموضع رسالاته .
* * *
القول في تأويل قوله : { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معلِّمَه ما هو صانع بهؤلاء المتمردين عليه : " سيصيب " ، يا محمد ، (3) الذين اكتسبوا الإثم بشركهم بالله وعبادتهم غيره (صغار) ، يعني : ذلة وهوان ، كما : -
13851 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله) ، قال : " الصغار " ، الذلة .
* * *
وهو مصدر من قول القائل : " صَغِرَ يصغَرُ صَغارًا وصَغَرًا " ، وهو أشدّ الذلّ .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الإيتاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .
(2) في المطبوعة : (( لم يعطها )) ، وفي المخطوطة : ما أثبت ، وهو صواب محض .
(3) انظر تفسير (( الإصابة )) فيما سلف : 11 : 170 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .

(12/96)


وأما قوله : (صغار عند الله) ، فإن معناه : سيصيبهم صغارٌ من عند الله ، كقول القائل : " سيأتيني رزقي عند الله " ، بمعنى : من عند الله ، يراد بذلك : سيأتيني الذي لي عند الله . وغير جائز لمن قال : " سيصيبهم صغار عند الله " ، أن يقول : " جئت عند عبد الله " ، بمعنى : جئت من عند عبد الله ، لأن معنى " سيصيبهم صغارٌ عند الله " ، سيصيبهم الذي عند الله من الذل ، بتكذيبهم رسوله. فليس ذلك بنظير : " جئت من عند عبد الله " . (1) .
* * *
وقوله : (وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) ، يقول : يصيب هؤلاء المكذبين بالله ورسوله ، المستحلين ما حرَّم الله عليهم من الميتة ، مع الصغار عذابٌ شديد ، بما كانوا يكيدون للإسلام وأهله بالجدال بالباطل ، والزخرف من القول ، غرورًا لأهل دين الله وطاعته . (2)
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 253 تفسير (( عند )) فيما سلف 2 : 501/7 : 490/8 : 555 .
(2) انظر تفسير (( المكر )) فيما سلف قريبًا ص : 95 * * *
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت منه نسختنا ، وفيها ما يصيب :
(( يتلوه القول في تأويل قوله : " فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ " )) .
وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم كثيرا ، ثم يتلوه ما نصه : (( بسم الله الرحمن الرحيم َرِّب يَسِّر ))

(12/97)


فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)

القول في تأويل قوله : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ }
قال أبو جعفر : ويقول تعالى ذكره : فمن يرد الله أن يهديه للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه ، فيوفقه له (1) (يشرح صدره للإسلام) ، يقول : فسح صدره لذلك وهوَّنه عليه ، وسهَّله له ، بلطفه ومعونته ، حتى يستنير الإسلام في قلبه ، فيضيء له ، ويتسع له صدره بالقبول ، كالذي جاء الأثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : -
13852 - حدثنا سوّار بن عبد الله العنبري قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أبي يحدث ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي جعفر قال : لما نزلت هذه الآية : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، قالوا : كيف يشرح الصدر ؟ قال : إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح . قالوا : فهل لذلك آية يعرف بها ؟ قال : نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت. (2)
__________
(1) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(2) الأثر : 13852 - (( عبد الله بن مرة )) ، هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة وتفسير ابن كثير ، وأنا أستبعد أن يكون كذلك لأسباب .
الأول - أني أستبعد أن يكون هو (( عبد الله بن مرة الخارفي )) ، الذي يروي عن ابن عمر ، ومسروق ، وأبي كثف ، والذي يروي عنه العمش ، ومنصور . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 165 ، وهو ثقة .
الثاني - أن الخبر رواه أبو جعفر الطبري بأسانيد ، هذا ورقم : 13853 ، 13854 ، وهي تدور على (( عمرو بن مرة )) .
الثالث - أنه سيتبين بعد مَنْ (( أبو جعفر )) الذي روى هذا الخبر ، ومذكور هناك أنه روى عنه (( عمرو بن مرة )) ، ولم يذكر (( عبد الله بن مرة )) .
فمن أجل ذلك أرجح أن صوابه (( أبو عبد الله بن مرة )) ، أو (( أبو عبد الله عمرو بن مرة )) ، فسقط من النساخ .
وأما (( أبو جعفر )) الذي يدور عليه هذا الخبر ، فهو موصوف في الخبر رقم 13854 : (( رجل يكنى أبا جعفر ، كان يسكن المدائن )) ، ثم جاءت صفة أخرى في تخريج السيوطي لهذا الخبر في الدر المنثور ، قال : (( رجل من بني هاشم ، وليس هو محمد بن علي )) يعني الباقر .
وقد وقفت أولا عند (( أبي جعفر )) هذا ، وظننت أنه مجهول ، لأني لم أجد له ذكرًا في شيء مما بين يدي من الكتب ، ولكن لما جئت إلى الخبر رقم : 13856 من رواية (( خالد بن أبي كريمة ، عن عبد الله بن المسور )) ، تبين لي على وجه القطع ، أن (( أبا جعفر )) هذا ، الذي كان يسكن المدائن ، وكان من بني هاشم ، هو نفسه (( عبد الله بن المسور )) ، الذي روى عنه رقم : 13856 .
وإذن ، فهو (( أبو جعفر )) : (( عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب )) (( أبو جعفر الهاشمي المدائني )) . روى عنه عمرو بن مرة ، وخالد بن أبي كريمة . مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 2 / 169 ، وتاريخ بغداد 10 : 17 ، وميزان الاعتدال للذهبي 2 : 78 ، ولسان الميزان 3 : 360 . قال الخطيب . (( سكن المدائن ، وحدث بها عن محمد بن الحنفية ) ، وذكر في بعض ما ساقه من أسانيد أخباره : (( عن خالد بن أبي كريمة ( وهو الآتي برقم : 13856 ) ، عن أبي جعفر وهو عبد الله بن المسور ، رجل من بني هاشم ، كان يسكن المدائن )) .
و (( أبو جعفر )) ، (( عبد الله بن المسور )) ضعيف كذاب . قال جرير بن رقبة : (( كان أبو جعفر الهاشمي المدائني ، يضع أحاديث كلام حق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختلط بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمله الناس )) . وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل : (( قال أبي : أبو جعفر المدائني ، اسمه عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب . قال أبي : اضرب على حديثه ، كان يضع الحديث ويكذب ، وقد تركت أنا حديثه . وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدثنا عنه )) . وقال ابن أبي حاتم : (( سألت أبي عن جعفر الهاشمي فقال : الهاشميون لا يعرفونه ، وهو ضعيف الحديث ، يحدث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات )) .
وإذن ، فالأخبار من رقم : 13852 - 13854 ، ورقم : 13856 - أخبار معلولة ضعاف واهية ، كما ترى .
وهذه الأخبار الثلاثة : 13852 - 13854 ، ذكرها ابن كثير في تفسيره 3 : 394 ، 395 ، وخرجها السيوطي في الدر المنثور 3 : 44 ، ونسب الخبر لابن المبارك في الزهد ، وعبد الرزاق ، والفريابي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات .
وقال ابن كثير في تفسيره 3 : 395 ، وذكر هذه الأخبار ، وخبر مسعود الذي رواه أبو جعفر برقم : 13855 ، 13857 ، ثم قال : (( فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة ، يشد بعضها بعضًا ، والله أعلم .
وأخطأ الحافظ جدًا كما ترى ، فإن حديث أبي جعفر الهاشمي ، أحاديث كذاب وضاع لا تشد شيئًا ولا تحله !! وكتبه محمود محمد شاكر .

(12/98)


13853 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن عمرو بن قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي جعفر قال : سئل

(12/99)


النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم للموت ذكرًا ، وأحسنهم لما بعده استعدادًا . قال : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، قالوا : كيف يشرح صدره ، يا رسول الله ؟ قال : نور يُقذف فيه ، فينشرح له وينفسح. قالوا : فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الموت .
13854 - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن عمرو بن مرة ، عن رجل يكنى " أبا جعفر " ، كان يسكن المدائن قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، قال : نور يقذف في القلب فينشرح وينفسخ . قالوا : يا رسول الله ، هل له من أمارة يعرف بها ؟ ثم ذكر باقي الحديث مثله . (1)
15855 - حدثني هلال بن العلاء قال ، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني قال : حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، قال : إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح . قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحِّي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الموت. (2)
__________
(1) الأثران : 13853 ، 13854 - حديثان واهيان ، كما سلف في التعليق على الخبر السالف .
و (( عمرو بن مرة المرادي )) ، ثقة مأمون . مضى مرارًا ، آخرها رقم : 12396 .
(2) الأثر : 13855 - (( هلال بن العلاء بن هلال الباهلي الرقى )) ، شيخ أبي جعفر ، مضى برقم : 4964 ، وأنه صدوق ، متكلم فيه .
وكأن في المطبوعة : (( محمد بن العلاء )) ، وهو شيء لا أصل له هنا . وفي المخطوطة : (( لعلي ابن العلا )) ، غير منقوطة ، كأنها تقرأ ( يعلي بن العلا )) ، ولم أجد في شيوخ أبي جعفر ، ولا في الرواة ، من سمى بذلك . ورأيت ابن كثير في تفسيره 3 : 395 ، نقل عن هذا الموضع من ابن جرير قال : (( حدثني هلال بن العلاء ، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد )) ، فأيد هذا أن أبا جعفر روى آنفًا عن شيخه (( هلال بن العلاء )) ، أن الذي في المخطوطة تحريف على الأرجح ، ولذلك أثبته كم هو في ابن كثير : (( هلال بن العلاء )) .
و (( سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني )) . ضعيف ، ضعفه ابن أبي حاتم ، والدارقطني ، وقال : (( لا يحتج به )) . قال أبو حاتم : (( يتكلمون فيه ، يقال إنه أخذ كتبًا لمحمد بن سلمة ، فحدث بها . ورأيت فيما حدث أكاذيب ، كذب )) . مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 1 / 45 ، ميزان الاعتدال 1 : 387 ، ولسان الميزان 3 : 37 .
و (( محمد بن سلمة الحراني )) ، ثقة ، مضى برقم : 175 .
و (( أبو عبد الرحيم )) ، هو (( خالد بن أبي يزيد الحراني )) ، روى ابن أخته (( محمد بن سلمة الحراني )) ، حسن الحديث متقن . مضى له ذكر في التعليق على الأثر رقم : 8396 .
و (( زيد بن أبي أنيسة الجزري )) ، ثقة ، مضى برقم : 4964 ، 8396 .
و (( عمرو بن مرة المرادي )) ، مضى آنفًا في رقم : 13853 ، 13854 .
و (( أبو عبيدة )) ، هو (( أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود )) ، مضى مرارًا كثيرة جدًا ، وهو لم يسمع من أبيه ، كما سلف مرارًا .
زهذا خبر ضعيف أيضًا ، لضعف أحاديث (( سعيد بن واقد الحراني ، عن (( محمد بن سلمة )) ، كما ذكر أبو حاتم .
ثم لأن أبا عبيدة ، لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود . وسيأتي خبر عبد الله بن مسعود برقم : 13857 ، من طريق أخرى . فالعجب لابن كثير . كيف تكون هذه أحاديث متصلة ، ثم كيف تشدها أخبار كذاب وضاع . وانظر ما أسلفت في التعليق على رقم : 13852 .

(12/100)


13856 - حدثني سعيد بن الربيع الرازي قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن خالد بن أبي كريمة ، عن عبد الله بن المسور قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل النور القلبَ انفسح وانشرح. قالوا : يا رسول الله ، وهل لذلك من علامة تعرف ؟ قال : نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت. (1)
__________
(1) الأثر : 13856 - (( خالد بن أبي كريمة الأصبهاني )) و (( أبو عبد الرحمن الاسكاف )) وثقه أحمد وأبو داود ، وابو حاتم وابن وابن حبان وقال (( يخطئ )) ، وضعفه ابن معين مترجم في التهذيب . والكبير 2 / 1 / 154 . وابن أبي حاتم 1 / 2 / 349 . قال البخاري (( عن معاوية ابن قرة ، وأبي جعفر عبد الله بن مسور المسوري )) ، ولم يذكر فيه جرحًا .
و (( عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي المدائني )) ، سلف برقم : 13852 ، وأنه هو (( أبو جعفر )) المدائني ، وأنه كذاب وضاع . وانظر تخريج الخبر والتعليق عليه هناك .

(12/101)


13857 - حدثني ابن سنان القزاز قال ، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي ، عن يونس ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، قالوا : يا رسول الله ، وكيف يُشرح صدره ؟ قال : يدخل فيه النور فينفسح . قالوا : وهل لذلك من علامة يا رسول الله ؟ قال : التجافي عن دار الغرور ، والإنالة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت . (1)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13859 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، أما " يشرح صدره للإسلام " ، فيوسع صدره للإسلام . (2)
13860 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، بـ " لا إله إلا الله " .
13861 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، بـ " لا إله إلا الله " يجعل لها في صدره متَّسعًا .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى ، يَشغله بكفره وصدِّه عن سبيله ، ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه ، (3) حرجًا . (4)
* * *
و " الحرج " ، أشد الضيق ، وهو الذي لا ينفذه ، من شدة ضيقه ، (5) وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة ، ولا يدخله نور الإيمان ، لريْن الشرك عليه . وأصله من " الحرج " ، و " الحرج " جمع " حَرَجة " ، وهي الشجرة الملتف بها
__________
(1) الأثر : 13857 - (( ابن سنان القزاز )) ، شيخ الطبري ، هو : (( محمد بن سنان القزاز )) مضى برقم : 157 ، 1999 ، 2056 ، 5419 ، 6822 .
و (( محبوب بن الحسن الهاشمي البصري )) ، (( محبوب )) لقب ، وهو به أشهر ، واسمه : (( محمد بن الحسن بن هلال بن أبي زينب فيروز القرشي )) ، مولى بني هاشم . ثقة ، وضعفوه مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 67 ، في (( محمد بن الحسن البصري )) ، وابن أبي حاتم في (( محمد ابن الحسن البصري )) 3 / 2 / 228 ، ثم في (( محبوب بن الحسن بن هلال )) 4 / 1 / 388 ، ولم يشر إلى أن اسمه (( محمد بن الحسن )) .
و (( يونس )) هو : (( يونس بن عبيد بن دينار العبدي )) ، ثقة ، مضى برقم : 2616 ، 4931 ، 10574 .
و (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة )) ، هذا إشكال شديد ، فإن (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود )) ، متأخر جدًا ، روى عن أبي إسحاق السبيعي وطبقته ومات سنة 160 ، أو سنة 165 . و (( يونس بن عبيد )) ، أعلى طبقة منه ، روى عن إبراهيم التيمي ، والحسن البصري ، وابن سيرين . ومات سنة 140 ، فهو في طبقة شيوخه ، فلو كان يونس روى عنه ، لذكر مثل ذلك في ترجمة (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة )) .
وأنا أرجح أن صواب الإسناد : (( عن يونس ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عتبة )) .
وهو (( عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي )) ، كنيته (( أبو عبد الرحمن )) ، وهو الذي يروي عن عمه (( عبد الله بن مسعود )) ، وولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ، ومات سنة 74 . فهو الخليق أن يروي عنه (( يونس بن عبيد )) .
وهذا أيضًا خبر ضعيف ، لضعف (( محبوب بن الحسن )) ، وإذن فكل ما قاله الحافظ ابن كثير من أن هذه الأخبار جاءت بأسانيد مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا ، قول ينفيه شرح هذه الأسانيد كما رأيت ، والله الموفق للصواب ، وكتبه محمود محمد شاكر .
(2) تخطيت في الترقيم رقم : 13858 : خطأ .
(3) في المطبوعة : (( لشغله بكفره ... يجعل صدره )) ، الأخيرة بغير واو ، وفي المخطوطة كما أثبتها ، وبغير واو في (( يجعل صدره )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .
(4) انظر تفسير (( الإضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .
(5) في المطبوعة : (( لا ينفذ )) ، وأثبت ما في المخطوطة . وهو الصواب .

(12/102)


الأشجار ، لا يدخل بينها وبينها شيء لشدة التفافها بها ، (1) كما : -
13862 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا هشيم قال ، حدثنا عبد الله بن عمار رجل من أهل اليمن عن أبي الصلت الثقفي : أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الآية : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) بنصب الراء . قال : وقرأ بعض مَنْ عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضَيِّقًا حَرِجًا " . قال صفوان : فقال عمر : ابغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيًا ، (2) وليكن مُدْلجيًّا. (3) قال : فأتوه به. فقال له عمر : يا فتى ، ما الحرجة ؟ قال : " الحرجة " فينا ، الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيَّة ولا شيء . قال : فقال عمر : كذلك قلبُ المنافق لا يصل إليه شيء من الخير . (4)
13863 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا) ، يقول : من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقًا ، والإسلام واسع. وذلك حين يقول : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ، [سورة الحج : 78] ، يقول : ما جعل
__________
(1) انظر تفسير (( الحرج )) فيما سلف 8 : 518 / 10 : 85 .
(2) قوله : (( واجعلوه راعيًا )) ، أي التمسوه ، وليكن راعيًا ، ليس من معنى (( الجعل )) الذي هو التصيير . وهذا استعمال عربي عريق في (( جعل )) ، ولكنهم لم يذكروه في المعاجم ، وهو دائر في كلام العرب ، وهذا من شواهده ، فليقيد في مكانه من كتب العربية .
(3) (( مدلج )) قبيلة من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة ، وهم القافة المشهورون ، ويدل هذا الخبر على أن أرض مرعاهم كانت كثيرة الشجر .
(4) الأثر : 13862 - (( عبد الله بن عمار اليمامي )) ، قال ابن أبي حاتم : (( مجهول )) ، وذكره ابن حبان في الثقات . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 129 .
و (( أبو الصلت الثقفي )) ، روى عن عمر ، وروى عنه عبد الله بن عمار اليمامي ، هذا الحديث . مترجم في التهذيب ، والكني للبخاري : 44 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 394 .
وهذا خبر عزيز جدًا . في بيان رواية اللغة وشرحها ، وسؤال الأعراب والرعاة عنها .

(12/104)


عليكم في الإسلام من ضيق .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال : بعضهم معناه : شاكًّا .
* ذكر من قال ذلك :
13864 - حدثنا عمران بن موسى قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا حميد ، عن مجاهد : (ضيقًا حرجًا) قال : شاكًّا .
13865 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ضيقًا حرجًا) أما " حرجًا " ، فشاكًّا .
* * *
وقال آخرون : معناه : ملتبسًا .
* ذكر من قال ذلك :
13866 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (يجعل صدره ضيقًا حرجًا) ، قال : ضيقًا ملتبسًا .
13867 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن الحسن ، عن قتادة أنه كان يقرأ : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) ، يقول : ملتبسًا .
* * *
وقال آخرون : معناه : أنه من شدة الضيق لا يصل إليه الإيمان .
* ذكر من قال ذلك :
13868 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : (يجعل صدره ضيقًا حرجًا) ، قال : لا يجد مسلكًا إلا صُعُدًا .
13869 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني : (ضيقًا حرجًا) ، قال : ليس للخير فيه منفَذٌ .

(12/105)


13870 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني ، مثله .
13871 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج عن ابن جريج قوله : (ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقًا حرجًا) ، بلا إله إلا الله ، لا يجد لها في صدره مَسَاغًا .
13872 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءةً في قوله : (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا) ، بلا إله إلا الله ، حتى لا تستطيع أن تدخله .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) بفتح الحاء والراء من(حرجًا) ، وهي قراءة عامة المكيين والعراقيين ، بمعنى جمع " حرجة " ، على ما وصفت . (1)
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة : " ضَيِّقًا حَرِجًا " ، بفتح الحاء وكسر الراء .
* * *
ثم اختلف الذين قرأوا ذلك في معناه.
فقال بعضهم : هو بمعنى : " الحَرَج " . وقالوا : " الحرَج " بفتح الحاء والراء ، و " الحرِج " بفتح الحاء وكسر الراء ، بمعنى واحد ، وهما لغتان مشهورتان ، مثل : " الدَّنَف " و " الدَّنِف " ، و " الوَحَد " و " الوَحِد " ، و " الفَرَد " و " الفَرِد " .
* * *
وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الإثم ، من قولهم : " فلان آثِمٌ حَرِجٌ " ، وذكر عن العرب سماعًا منها : " حَرِجٌ عليك ظُلمي " ، بمعنى : ضِيقٌ وإثْم. (2)
__________
(1) انظر ص : 103 ، 104 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 353 ، 354 .

(12/106)


قال أبو جعفر : والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ ، لاتفاق معنييهما. وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في " الوحَد " و " الفَرَد " بفتح الحاء من " الوحد " والراء من " الفرد " ، وكسرهما ، بمعنى واحدٍ .
* * *
وأما " الضيِّق " ، فإن عامة القرأة على فتح ضاده وتشديد يائه ، خلا بعض المكيين فإنه قرأه : " ضَيْقًا " ، بفتح الضاد وتسكين الياء ، وتخفيفه .
وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان :
أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد ، كما قيل : " هَيْنٌ لَيْنٌ " ، بمعنى : هيِّنٌ ليِّنٌ .
والآخر : أن يكون سكنه بنية المصدر ، من قولهم : " ضاق هذا الأمر يضيق ضَيْقًا " ، كما قال رؤبة :
قَدْ عَلِمْنَا عِنْدَ كُلِّ مَأْزِقِ... ضَيْقٍ بِوَجْهِ الأمْرِ أَوْ مُضَيِّقِ (1)
ومنه قول الله : ( وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) ، [سورة النحل : 127] . وقال رؤبة أيضًا * وَشَفَّها اللَّوحُ بِمَأْزُولٍ ضَيَقْ * (2)
__________
(1) ليسا في ديوانه ، ولم أجدهما في مكان آخر ، ومنها أبيات في الزيادات : 179 ، 180 ، ولم يذكرا معها . وكان في المطبوعة : (( وقد علمنا )) بزيادة الواو . وكان فيها : (( أي مضيق )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب إن شاء الله .
(2) ديوانه : 105 ، والوساطة : 14 . (( مأزول )) من (( الأزل )) ( بسكون الزاي ) ، وهو الضيق والجدب وشدة الزمان ، وفي حديث الدجال : (( أنه يحضر الناس ببيت المقدس ، فيؤزلون أزلا )) ، أي : يقحطون ويضيق عليهم . ومعنى : (( مأزول )) ، أصابه القحط ، يعني مرعى ، ومثله قول الراجز : إنَّ لَهَا لَرَاعِيًا جَرِيَّا ... أَبْلا بمَا يَنْفَعُها قَوِيَّا
لَمْ يَرْعَ مَأْزُولا وَلا مَرْعِيَّا ... حَتَّى علاَ سَنَامُهَا عُلِيَّا
و (( شفها )) أنحل جسمها ، وأذهب شحمها . و(( اللوح )) ( بضم اللام ) وهو أعلى اللغتين ، و (( اللوح )) ( بفتح فسكون ) : وهو العطش الذي يلوح الجسم ، أي يغيره . وقوله : (( ضيق )) حرك (( الياء )) بالفتح . وعده القاضي الجرجاني في أخطاء رؤبة .

(12/107)


بمعنى : ضيّق . وحكي عن الكسائي أنه كان يقول : " الضيِّقُ " ، بالكسر : في المعاش والموضع ، وفي الأمر " الضَّيْق " .
* * *
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية أبينُ البيان لمن وُفّق لفهمهما ، عن أن السبب الذي به يُوصل إلى الإيمان والطاعة ، غير السبب الذي به يُوصل إلى الكفر والمعصية ، وأن كلا السببين من عند الله. (1) وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدرَ من أراد هدايته للإسلام ، ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيِّقًا عن الإسلام حَرَجًا كأنَّما يصعد في السماء . ومعلومٌ أن شرح الصدر للإيمان خِلافُ تضييقه له ، وأنه لو كان يوصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه ، لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه له فرق ، ولكان من ضُيِّق صدره عن الإيمان ، قد شُرِح صدره له ، ومن شرح صدره له ، فقد ضُيِّق عنه ، إذ كان مَوْصولا بكل واحد منهما أعني من التضييق والشرح إلى ما يُوصَل به إلى الآخر . ولو كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون الله قد كان شرح صدرَ أبي جهل للإيمان به ، وضيَّق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. وهذا القول من أعظم الكفر بالله . وفي فساد ذلك أن يكون كذلك ، الدليلُ الواضح على أن السَّبب الذي به آمن المؤمنون بالله ورسله ، وأطاعه المطيعون ، غير السبب الذي كفر به الكافرون بالله وعصاه العاصون ، وأن كِلا السببين من عند الله وبيده ، لأنه أخبر جل ثناؤه أنه هو
__________
(1) هذا رد على المعتزلة ، وانظر ما سلف ص : 92 ، تعليق : 3 ، وهو من أجود الردود على دعوى المعتزلة .

(12/108)


الذي يشرح صدرَ هذا المؤمن به للإيمان إذا أراد هدايته ، ويضيِّق صدر هذا الكافر عنه إذا أراد إضلالَه .
* * *
القول في تأويل قوله : { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ }
قال أبو جعفر : وهذا مثل من الله تعالى ذكره ، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه ، مثل امتناعه من الصُّعود إلى السماء وعجزه عنه ، لأن ذلك ليس في وسعه .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13873 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني : (كأنما يصعد في السماء) ، يقول : مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء .
13874 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني ، مثله .
13875 - وبه قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءةً : " يجعل صدره ضيقًا حرجًا " ، بلا إله إلا الله ، حتى لا تستطيع أن تدخله ، " كأنما يصعد في السماء " ، من شدّة ذلك عليه .
13876 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، مثله .
13877 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (كأنما يصعد في السماء) ، من ضيق صدره .
* * *

(12/109)


واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والعراق : ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ ) ، بمعنى : " يتصعَّد " ، فأدغموا التاء في الصاد ، فلذلك شدَّدوا الصاد .
* * *
وقرأ ذلك بعض الكوفيين : " يَصَّاعَدُ " ، بمعنى : " يتصاعد " ، فأدغم التاء في الصاد ، وجعلها صادًا مشدَّدة .
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة المكيين : " كَأَنَّمَا يَصْعَدُ " ، من " صَعِد يصعَد " .
* * *
وكل هذه القراءات متقاربات المعانى ، وبأيِّها قرأ القارئ فهو مصيب ، غير أني أختار القراءة في ذلك بقراءة من قرأه : ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ ) ، بتشديد الصاد بغير ألف ، بمعنى : " يتصعد " ، لكثرة القرأة بها ، (1) ولقيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " مَا تَصَعَّدَني شَيْء مَا تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَةُ النّكاح " .
* * *
القول في تأويل قوله : { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كما يجعل الله صدر مَنْ أراد إضلاله ضيقًا حرجًا ، كأنما يصعد في السماء من ضيقه عن الإيمان فيجزيه بذلك ، كذلك يسلّط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبَى الإيمان بالله ورسوله ، فيغويه ويصدّه عن سبيل الحق .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الصعود )) فيما سلف 7 : 299 - 302 .

(12/110)


وقد اختلف أهل التأويل في معنى " الرجس " .
فقال بعضهم : هو كل ما لا خير فيه .
* ذكر من قال ذلك :
13878 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " الرجس " ، ما لا خير فيه .
13879 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد : (يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) ، قال : ما لا خير فيه .
* * *
وقال آخرون : " الرجس " ، العذاب .
* ذكر من قال ذلك :
13880 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) ، قال : الرجس عذابُ الله .
* * *
وقال آخرون : " الرجس " ، الشيطان .
* ذكر من قال ذلك :
13881 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (الرجس) ، قال : الشيطان .
* * *
وكان بعض أهل المعرفة بلغات العرب من الكوفيين يقول : " الرِّجْس " ، " والنِّجْس " لغتان . ويحكى عن العرب أنها تقول : " ما كان رِجْسًا ، ولقد رَجُس رَجَاسة " و " نَجُس نَجَاسة " .

(12/111)


وكان بعض نحويي البصريين يقول : " الرجس " و " الرِّجز " ، سواء ، وهما العذاب . (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله ابن عباس ، ومَنْ قال إن " الرجس " و " النجس " واحد ، للخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا دخل الخَلاء : " اللهُمّ إنّي أعوذ بك من الرجْس النِّجْس الخبيث المُخْبِثِ الشيطان الرَّجيم " . (2)
13882 - حدثني بذلك عبد الرحمن بن البختري الطائي قال ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن وقتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . (3)
* * *
وقد بيَّن هذا الخبر أن " الرِّجْس " هو " النِّجْس " ، القذر الذي لا خير فيه ، وأنه من صفة الشيطان .
* * *
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 206 ، فهذا قوله .
(2) قال أبو عبيد : (( الخبيث )) ذو الخبث في نفسه ، و (( المخبث )) ( بكسر الباء ) : الذي أصحابه وأعوانه خبثاء وهو مثل قولهم : (( فلان ضعيف مضعف ، وقوي مقو )) ، فالقوي في بدنه ، والمقوى الذي تكون دابته قوية يريد هو الذي يعلمهم الخبث ويوقعهم فيه .
(3) الأثر : 13882 - (( عبد الرحمن بن البختري الطائي )) ، شيخ أبي جعفر ، لم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب ؛ وأخشى أن يكون في اسمه خطأ .
و (( عبد الرحمن بن محمد المحاربي )) ، سلف مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 10339 .
و (( إسماعيل بن مسلم المكي البصري )) ، مضى برقم : 5417 ، 8811 .
وهذا إسناد صحيح ، ولكني لم أجد هذا الخبر في حديث أنس ، في المسند أو غيره ، ووجدته بهذا اللفظ في حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف ، من طريق يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، رواه ابن ماجه في سننه ص : 109 رقم : 299 . قال ابن حبان : (( إذا اجتمع في إسناد خبر ، عبيد الله بن زحر ، وعلى بن يزيد ، عن القاسم ، فذاك مما عملته أيديهم ! )) .

(12/112)


وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)

القول في تأويل قوله : { وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا الذي بيّنا لك ، يا محمد ، في هذه السورة وغيرها من سور القرآن هو صراطُ ربك ، يقول : طريق ربّك ، ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينًا ، وجعله مستقيمًا لا اعوجاج فيه. (1) فاثبُتْ عليه ، وحرِّم ما حرمته عليك ، وأحلل ما أحللته لك ، فقد بيّنا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته (2) " لقوم يذكرون " ، يقول : لمن يتذكر ما احتجَّ الله به عليه من الآيات والعبر فيعتبر بها . (3) وخص بها " الذين يتذكرون " ، لأنهم هم أهل التمييز والفهم ، وأولو الحجى والفضل وقيل : " يذَّكرون " ...................... (4)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13883 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وهذا صراط ربك مستقيمًا) ، يعني به الإسلام .
* * *
__________
(1) انظر تفسير : (( الصراط المستقيم )) فيما سلف 10 : 146 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( فصل )) فيما سلف ص : 69 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . وتفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
(3) انظر تفسير (( التذكر )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر .
(4) في المطبوعة (( فقيل يذكرون )) ، وفي المخطوطة : (( وقيل يذكرون )) كأنه أراد أن يكتب شيئًا ، ثم قطعه . ولعله أراد أن يبين إدغام التاء في الذال من (( يتذكرون )) ، ثم سقط منه أو من الناسخ ، فوضعت نقطًا لذلك ، وإن كان إسقاطها لا يضر شيئًا .

(12/113)


لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)

القول في تأويل قوله : { لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " لهم " ، للقوم الذين يذكرون آيات الله فيعتبرون بها ، ويوقنون بدلالتها على ما دلت عليه من توحيد الله ومن نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، فيصدِّقون بما وصلوا بها إلى علمه من ذاك .
* * *
وأما " دار السلام " ، فهي دار الله التي أعدَّها لأولياته في الآخرة ، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله ، وهي جنته . و " السلام " ، اسم من أسماء الله تعالى ، (1) كما قال السدي : -
13884 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (لهم دار السلام عند ربهم) ، الله هو السلام ، والدار الجنة .
* * *
وأما قوله : (وهو وليُّهم) ، فإنه يقول : والله ناصر هؤلاء القوم الذين يذكرون آيات الله (2) (بما كانوا يعملون) ، يعني : جزاءً بما كانوا يعملون من طاعة الله ، ويتبعون رضوانه .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( السلام )) فيما سلف 10 : 145 / 11 : 392 .
(2) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(12/114)


وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)

القول في تأويل قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : (ويوم يحشرهم جميعًا) ، ويوم يحشر هؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ وغيرَهم من المشركين ، مع أوليائهم من الشياطين الذين كانوا يُوحون إليهم زخرف القول غرورًا ليجادلوا به المؤمنين ، فيجمعهم جميعًا في موقف القيامة (1) يقول للجن : (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) ، وحذف " يقول للجن " من الكلام ، اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه منه .
* * *
وعنى بقوله : (قد استكثرتم من الإنس) ، استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم ، كما : -
13885 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : (ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) ، يعني : أضللتم منهم كثيرًا .
13886 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) ، قال : قد أضللتم كثيرًا من الإنس .
13887 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (قد استكثرتم من الإنس) ، قال : كثُر من أغويتم .
__________
(1) انظر تفسير (( الحشر )) فيما سلف ص : 50 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/115)


13888 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13889 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن الحسن : (قد استكثرتم من الإنس) ، يقول : أضللتم كثيرًا من الإنس .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فيجيب أولياءُ الجن من الإنس فيقولون : " ربنا استمتع بعضنا ببعض " في الدنيا . (1) فأما استمتاع الإنس بالجن ، فكان كما : -
13890 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : (ربنا استمتع بعضنا ببعض) ، قال : كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول : " أعوذ بكبير هذا الوادي " ، فذلك استمتاعهم ، فاعتذروا يوم القيامة .
* * *
وأما استمتاع الجن بالإنس ، فإنه كان ، فيما ذكر ، ما ينال الجنَّ من الإنس من تعظيمهم إيّاهم في استعاذتهم بهم ، فيقولون : " قد سدنا الجِنّ والحِنّ " (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الاستمتاع )) فيما سلف 8 : 175 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) في المطبوعة : (( قد سدنا الجن والإنس )) ، غير ما في المخطوطة ، لم يحسن قراءتها لأنها غير منقوطة . وأثبت ما في المخطوطة . و (( الحن )) ( بكسر الحاء ) ، حي من أحياء الجن ، وقد سلف بيان ذلك في الجزء 1 : 455 ، تعليق : 1 ، فراجعه هناك . انظر معاني القرآن للفراء 1 : 354 ، والذي هناك مطابق لما في المطبوعة .

(12/116)


القول في تأويل قوله : { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قالوا : بلغنا الوقتَ الذي وقَّتَّ لموتنا . (1) وإنما يعني جل ثناؤه بذلك : أنهم قالوا : استمتع بعضنا ببعض أيّام حياتنا إلى حال موتنا . كما : -
13891 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما قوله : (وبلغنا أجلنا الذي أجَّلتَ لنا) ، فالموت .
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عمّا هو قائل لهؤلاء الذين يحشرهم يوم القيامة من العادلين به في الدنيا الأوثان ، ولقُرَنائهم من الجن ، فأخرج الخبر عما هو كائنٌ ، مُخْرَج الخبر عما كان ، لتقدُّم الكلام قبلَه بمعناه والمراد منه ، فقال : قال الله لأولياء الجن من الإنس الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم : (النار مثواكم) ، يعني نار جهنم " مثواكم " ، الذي تثوون فيه ، أي تقيمون فيه .
* * *
و " المثوى " هو " المَفْعَل " من قولهم : " ثَوَى فلان بمكان كذا " ، إذا أقام فيه . (2)
__________
(1) انظر تفسير (( الأجل )) فيما سلف ص : 11 : 259 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( المثوى )) فيما سلف 7 : 279 .

(12/117)


وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)

(خالدين فيها) ، يقول : لابثين فيها (1) (إلا ما شاء الله) ، يعني إلا ما شاء الله من قَدْر مُدَّة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم ، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار (إن ربك حكيم) ، في تدبيره في خلقه ، وفي تصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال ، وغير ذلك من أفعاله (عليم) ، بعواقب تدبيره إياهم ، (2) وما إليه صائرةُ أمرهم من خير وشر . (3)
* * *
وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء : أنّ الله جعل أمرَ هؤلاء القوم في مبلغ عَذَابه إيّاهم إلى مشيئته .
13892 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) ، قال : إن هذه الآية : آيةٌ لا ينبغي لأحدٍ أن يحكم على الله في خلقه ، أن لا ينزلهم جنَّةً ولا نارًا . (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل(نُوَلّي).
فقال بعضهم : معناه : نحمل بعضهم لبعض وليًّا ، على الكفر بالله .
__________
(1) انظر تفسير (( الخلود )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(2) انظر تفسير (( حكيم )) و (( عليم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) و ( علم ) .
(3) في المطبوعة : (( صائر )) بغير تاء في آخره ، والصواب ما في المخطوطة . (( صائرة )) مثل (( عاقبة )) لفظًا ومعنى ، ومنه قبل : (( الصائرة ، ما يصير إليه النبات من اليبس )) .
(4) في المطبوعة : (( أن لا ينزلهم )) فزاد (( أن )) ، فأفسد المعنى إفسادًا حتى ناقض بعضه بعضًا . وإنما قوله : (( لا ينزلهم جنة ولا نارًا )) ، نهى للناس أن يقول : (( فلان في الجنة )) و (( فلان في النار )) . (( ينزلهم )) مجزومة اللام بالناهية .

(12/118)


* ذكر من قال ذلك :
13893 - حدثنا يونس قال ، حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون) ، وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم ، فالمؤمن وليُّ المؤمن أين كان وحيث كان ، والكافر وليُّ الكافر أينما كان وحيثما كان . ليس الإيمان بالتَمنِّي ولا بالتحَلِّي .
* * *
وقال آخرون : معناه : نُتْبع بعضهم بعضًا في النار من " الموالاة " ، وهو المتابعة بين الشيء والشيء ، من قول القائل : " واليت بين كذا وكذا " ، إذا تابعت بينهما .
* ذكر من قال ذلك :
13894 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا) ، في النار ، يتبع بعضهم بعضًا . (1)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك ، نسلط بعض الظلمة على بعض .
* ذكر من قال ذلك :
13895 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا) ، قال : ظالمي الجن وظالمي الإنس . وقرأ : ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) ، [سورة الزخرف : 36]. قال : نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(12/119)


يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قولُ من قال : معناه : وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعضٍ أولياء . لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين ، فقال جل ثناؤه : (وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض) ، وأخبر جل ثناؤه : أنّ بعضهم أولياء بعض ، ثم عقب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضًا بتوليته إياهم ، فقال : وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض ، كذلك نجعل بعضَهم أولياء بعض في كل الأمور " بما كانوا يكسبون " ، من معاصي الله ويعملونه . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به من مشركي الإنس والجن ، يخبر أنه يقول لهم تعالى ذكره يومئذ : (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي) ، يقول : يخبرونكم بما أوحي إليهم من تنبيهي إياكم على مواضع حججي ، وتعريفي لكم أدلّتي على توحيدي ، وتصديق أنبيائي ، والعمل بأمري ، والانتهاء إلى حدودي (وينذرونكم لقاء يومكم هذا) ، يقول : يحذّرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا ، وعقابي على معصيتكم إيّاي ، فتنتهوا عن معاصيَّ . (2)
وهذا من الله جل ثناؤه تقريع وتوبيخ لهؤلاء الكفرة على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي. ومعناه : قد أتاكم رسلٌ منكم ينبِّهونكم على خطأ ما كنتم
__________
(1) انظر تفسير (( الكسب )) فيما سلف : 11 : 448 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الإنذار )) فيما سلف من فهارس اللغة ( نذر ) .

(12/120)


عليه مقيمين بالحجج البالغة ، وينذرونكم وعيدَ الله على مقامكم على ما كنتم عليه مقيمين ، فلم تقبلوا ذلك ، ولم تتذكروا ولم تعتبروا .
* * *
واختلف أهل التأويل في " الجن " ، هل أرسل منهم إليهم ، أم لا ؟
فقال بعضهم : قد أرسل إليهم رسل ، كما أرسل إلى الإنس منهم رسلٌ .
* ذكر من قال ذلك :
13896 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سئل الضحاك عن الجن ، هل كان فيهم نبيّ قبل أن يُبْعث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ألم تسمع إلى قول الله : (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصُّون عليكم آياتي) ، يعني بذلك : رسلا من الإنس ورسلا من الجن ؟ فقالوا : بلَى!
* * *
وقال آخرون : لم يرسل منهم إليهم رسولٌ ، ولم يكن له من الجنّ قطٌّ رسول مرسل ، وإنما الرسل من الإنس خاصَّة ، فأما من الجن فالنُّذُر . قالوا : وإنما قال الله : (ألم يأتكم رسل منكم) ، والرسل من أحد الفريقين ، كما قال : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) ، [سورة الرحمن : 19] ، ثم قال : ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) ، [سورة الرحمن : 22] ، وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح دون العذب منهما ، وإنما معنى ذلك : يخرج من بعضهما ، أو من أحدهما . (1) قال : وذلك كقول القائل لجماعة أدؤُرٍ : " إن في هذه الدُّور لشرًّا " ، وإن كان الشر في واحدة منهن ، فيخرج الخبر عن جميعهن ، والمراد به الخبر عن بعضهن ، وكما يقال : " أكلت خبزًا ولبنًا " ، إذا اختلطا ، ولو قيل : " أكلت لبنًا " ، كان
__________
(1) هذه مقالة الفراء ، انظر معاني القرآن 1 : 354 ، وظاهر أن الذي بعده من كلام الفراء أيضا من موضع آخر غير هذا الموضع .

(12/121)


الكلام خطأً ، لأن اللبن يشرب ولا يؤكل .
* ذكر من قال ذلك :
13897 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) ، قال : جمعهم كما جمع قوله : ( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) ، [سورة فاطر : 12] ، ولا يخرج من الأنهار حلية قال ابن جريج ، قال ابن عباس : هم الجن لقُوا قومهم ، وهم رسل إلى قومهم .
* * *
فعلى قول ابن عباس هذا ، أنّ من الجنّ رسلا للإنس إلى قومهم فتأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوَّله ابن عباس : ألم يأتكم ، أيها الجن والإنس ، رسل منكم ، فأما رسل الإنس فرسل من الله إليهم ، وأما رسل الجن فرسُل رُسُل الله من بني آدم ، وهم الذين إذا سَمِعوا القرآنَ وَلّوا إلى قومهم منذرين . (1)
* * *
وأما الذين قالوا بقول الضحاك ، فإنهم قالوا : إن الله تعالى ذكره أخبرَ أنّ من الجن رسلا أرسلوا إليهم ، كما أخبر أن من الإنس رسلا أرسلوا إليهم . قالوا : ولو جاز أن يكون خبرُه عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس ، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رُسُل الجنّ . (2) قالوا : وفي فساد هذا المعنى ما يدلُّ على أن الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنهم رُسُل الله ، لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره .
* * *
__________
(1) اقرأ آيات سورة الأحقاف : 29 - 32 .
(2) يعني بهذا أن المنذرين الذين ذهبوا إلى قومهم ، لو جاز أن يسموا (( رسلا )) أرسلهم الإنس إلى الجن ، جاز أن يسمى (( رسل الإنس )) وهم رسل الله إلى الإنس والجن (( رسل الجن )) ، أرسلهم الجن إلى الإنس . وهذا ظاهر البطلان .

(12/122)


القول في تأويل قوله : { قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول مشركي الجن والإنس عند تقريعه إياهم بقوله لهم : (ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا) ، أنهم يقولونه ................ (1) (شهدنا على أنفسنا) ، بأن رسلك قد أتتنا بآياتك ، وأنذرتنا لقاء يومنا هذا ، فكذبناها وجحدنا رسالتها ، ولم نتبع آياتك ولم نؤمن بها .
قال الله خبرًا مبتدأ : وغَرَّت هؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام ، وأولياءَهم من الجن (2) (الحياة الدنيا) ، يعني : زينة الحياة الدنيا ، وطلبُ الرياسة فيها والمنافسة عليها ، أن يسلموا لأمر الله فيطيعوا فيها رسله ، فاستكبروا وكانوا قومًا عالين . فاكتفى بذكر " الحياة الدنيا " من ذكر المعاني التي غرَّتهم وخدَعتهم فيها ، إذ كان في ذكرها مكتفًى عن ذكر غيرها ، لدلالة الكلام على ما تُرك ذكره يقول الله تعالى ذكره : (وشهدوا على أنفسهم) ، يعني : هؤلاء العادلين به يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا كافرين به وبرسله ، لتتم حجَّة الله عليهم بإقرارهم على أنفسهم بما يوجب عليهم عقوبته وأليمَ عذابه .
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( أنهم يقولون : شهدنا على أنفسنا )) ، وصل الكلام ، وفي المخطوطة بياض ، جعلت مكانه هذه النقط ، وأمام البياض في المخطوطة حرف ( ط ) دلالة على أنه خطأ ، وأنه كان هكذا في النسخة التي نقل عنها .
(2) انظر تفسير (( الغرور )) فيما سلف ص : 56 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/123)


ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)

القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، أي : إنما أرسلنا الرسل ، يا محمد ، إلى من وصفتُ أمرَه ، وأعلمتك خبره من مشركي الإنس والجن ، يقصون عليهم آياتي وينذرونهم لقاء معادهم إليَّ ، من أجل أن ربَّك لم يكن مهلك القرى بظلم .
* * *
وقد يتَّجه من التأويل في قوله : " بظلم " ، وجهان :
أحدهما : (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، أي : بشرك مَنْ أشرك ، وكفر مَنْ كفر من أهلها ، كما قال لقمان : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ، [سورة لقمان : 13] (وأهلها غافلون) ، يقول : لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم ، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه ، ولم يكن بالذي يأخذهم غَفْلة فيقولوا : " ما جاءنا من بَشِيٍر ولا نذير " .
* * *
والآخر : (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، يقول : لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرُّسل والآيات والعبر ، فيظلمهم بذلك ، والله غير ظلامٍ لعبيده . (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب عندي ، القولُ الأول : أن يكون معناه : أن لم يكن ليهلكهم بشركهم ، دون إرسال الرسل إليهم ، والإعذار بينه وبينهم. وذلك أن قوله : (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، عقيب قوله :
__________
(1) في المطبوعة : (( للعبيد )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/124)


(ألم يأتكم رسل منكم يقصُّون عليكم آياتي) ، فكان في ذلك الدليل الواضحُ على أن نصَّ قوله : (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم) ، إنما هو : إنما فعلنا ذلك من أجل أنَّا لا نهلك القرى بغير تذكيرٍ وتنبيه . (1)
* * *
وأما قوله : (ذلك) ، فإنه يجوز أن يكون نصبًا ، بمعنى : فعلنا ذلك ويجوز أن يكون رفعًا ، بمعنى الابتداء ، كأنه قال : ذلك كذلك .
* * *
وأما " أنْ " ، فإنها في موضع نصب ، بمعنى : فعلنا ذلك من أجل أنْ لم يكن ربك مهلك القرى فإذا حذف ما كان يخفضها ، تعلق بها الفعل فنصب . (2)
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن 1 : 355 ، فهذا رد على الفراء ، وهو صاحب القول الثاني .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 355 .

(12/125)


وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)

القول في تأويل قوله : { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته ، منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا (1) (وما ربك بغافل عما يعملون) ، يقول جل ثناؤه : وكل ذلك من عملهم ، يا محمد ، بعلم من ربِّك ، يحصيها ويثبتها لهم عنده ، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( درجة )) فيما سلف : 11 : 505 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/125)


وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133)

القول في تأويل قوله : { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : " وربك " ، يا محمد ، الذي أمر عباده بما أمرهم به ، ونهاهم عما نهاهم عنه ، وأثابهم على الطاعة ، وعاقبهم على المعصية " الغني " ، عن عباده الذين أمرهم بما أمر ، ونهاهم عما نهى ، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه ، وهم المحتاجون إليه ، لأنه بيده حياتهم ومماتهم ، وأرزاقهم وأقواتهم ، ونفعهم وضرهم. (1) يقول عز ذكره : فلم أخلقهم ، يا محمد ، ولم آمرهم بما أمرتهم به ، وأنههم عما نهيتهم عنه ، لحاجةٍ لي إليهم ، ولا إلى أعمالهم ، ولكن لأتفضَّل عليهم برحمتي ، وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا ، فإني ذو الرَّأفة والرحمة . (2)
* * *
وأما قوله : (إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء) ، فإنه يقول : إن يشأ ربُّك ، يا محمد ، الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه (يذهبكم) ، يقول : يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم (3) (ويستخلف من بعدكم ما يشاء) ، يقول : ويأت بخلق غيركم وأمم سواكم ، يخلفونكم في الأرض " من بعدكم " ، يعني : من بعد فنائكم وهلاككم (كما أنشأكم من ذريَّة قوم آخرين) ، كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلَكم .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الغنى )) فيما سلف 5 : 521 ، 570 / 9 : 296 .
(2) انظر تفسير (( الرحمة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( رحم ) .
(3) انظر تفسير (( الإذهاب )) فيما سلف 9 : 298 .

(12/126)


ومعنى " مِنْ " في هذا الموضع التعقيب ، كما يقال في الكلام : " أعطيتك من دينارك ثوبًا " ، بمعنى : مكانَ الدينار ثوبًا ، لا أن الثوب من الدينار بعضٌ ، كذلك الذين خوطبوا بقوله : (كما أنشأكم) ، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم .
* * *
و " الذرية " " الفُعْليّة " ، من قول القائل : " ذرأ الله الخلق " ، بمعنى خلقهم ، " فهو يذرؤهم " ، ثم ترك الهمزة فقيل : " ذرا الله " ، ثم أخرج " الفُعْليّة " بغير همز ، على مثال " العُبِّيَّة " . (1)
* * *
وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ : " مِنْ ذُرِّيئَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ " على مثال " فُعِّيلة " . (2)
* * *
وعن آخر أنه كان يقرأ : " وَمِنْ ذِرِّيَّةِ " ، على مثال " عِلِّيَّة " .
* * *
قال أبو جعفر : والقراءة التي عليها القرأة في الأمصار : (ذُرِّيَّةِ) ، بضم الذال ، وتشديد الياء ، على مثال " عُبِّية " . (3)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( العلية )) ، وهو خطأ ، لأن هذه بكسر العين . وفي المخطوطة : (( العلمه )) ، غير منقوطة ، واجتهدت قراءتها كذلك . وفي الحديث : (( إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها )) ، و (( العبية )) فخر الجاهلية وكبرها ونخوتها . يقال إنها من (( التعبية )) ، وقالوا بعضهم : هي (( فعولة )) ، وجائز أن تكون (( فعلية )) ، كما قال هذا القائل في (( ذرية )) ، وانظر مادة ( عبب ) في لسان العرب .
(2) كان في المخطوطة : (( من ذرية )) ، كما هي التلاوة السالفة ، ولكن ظاهر أن الذي في المطبوعة هو الصواب . لأن (( ذرية )) أصلها (( ذريئة )) ، من (( ذرأ الله الخلق )) ، فكان ينبغي أن تكون مهموزة ، فكثرت ، فأسقط الهمز ، وتركت العرب همزها . وانظر لسان العرب ( ذرأ ) .
(3) انظر التعليق السالف رقم : 1 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا (( علية )) ، ومثلها في المخطوطة ، والصواب الراجح ما أثبته .

(12/127)


إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)

وقد بينا اشتقاق ذلك فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته ههنا . (1)
* * *
وأصل " الإنشاء " ، الإحداث. يقال : " قد أنشأ فلان يحدِّث القوم " ، بمعنى ابتدأ وأخذ فيه . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمشركين به : أيها العادلون بالله الأوثانَ والأصنامَ ، إن الذي يُوعدكم به ربكم من عقابه على إصراركم على كفركم ، واقعٌ بكم (وما أنتم بمعجزين) ، يقول : لن تعجزوا ربّكم هربًا منه في الأرض فتفوتوه ، لأنكم حيث كنتم في قبضته ، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إيّاه قادر. يقول : فاحذرُوه وأنيبوا إلى طاعته ، قبل نزول البلاء بكم .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، لقومك من قريش الذين يجعلون مع الله إلها آخر : (اعملوا على مكانتكم) ، يقول : اعملوا على حِيالكم وناحيتكم . كما : -
__________
(1) انظر تفسير (( الذرية )) فيما سلف 3 : 19 ، 73 / 5 : 543 / 6 : 327 ، ولم يفسرها في هذه المواضع ، ثم فسرها في 6 : 362 / 8 : 19 / 11 : 507 .
(2) انظر تفسير (( الإنشاء )) فيما سلف : 11 : 263 ، 264 ، 562 .

(12/128)


قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)

13898 - حدثني علي بن داود قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (يا قوم اعملوا على مكانتكم) ، يعني : على ناحيتكم .
* * *
يقال منه : " هو يعمل على مكانته ، ومَكِينته " .
* * *
وقرأ ذلك بعض الكوفيين : " عَلَى مَكَانَاتِكُمْ " ، على جمع " المكانة " .
* * *
قال أبو جعفر : والذي عليه قرأة الأمصار : (عَلَى مَكَانَتِكُمْ) ، على التوحيد .
* * *
(إني عامل) ، يقول جل ثناؤه ، لنبيه : قل لهم : اعملوا ما أنتم عاملون ، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي (فسوف تعلمون) ، يقول : فسوف تعلمون عند نزول نقمة الله بكم ، أيُّنا كان المحقّ في عمله ، والمصيب سبيلَ الرشاد ، أنا أم أنتم.
وقوله تعالى ذكره لنبيه : قل لقومك : (يا قوم اعملوا على مكانتكم) ، أمرٌ منه له بوعيدهم وتهدّدهم ، لا إطلاقٌ لهم في عمل ما أرادُوا من معاصي الله .
* * *
القول في تأويل قوله : { مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : (من تكون له عاقبة الدار) ، فسوف تعلمون ، أيها الكفرة بالله ، عند معاينتكم العذابَ ، مَن الذي تكون له عاقبة الدار منا ومنكم. (1) يقول : من الذي تُعْقبه دنياه ما هو خير له منها أو شر
__________
(1) انظر تفسير (( العاقبة )) فيما سلف 11 : 272 ، 273 .

(12/129)


وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)

منها ، (1) بما قدَّم فيها من صالح أعماله أو سَيّئها .
ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه فقال : (إنه لا يفلح الظالمون) ، يقول : إنه لا ينجح ولا يفوز بحاجته عند الله مَنْ عمل بخلاف ما أمره الله به من العمل في الدنيا (2) وذلك معنى : " ظلم الظالم " ، في هذا الموضع . (3)
* * *
وفي " من " التي في قوله : (من تكون) ، له وجهان من الإعراب :
الرفع على الابتداء.
والنصبُ بقوله : (تعلمون) ، ولإعمال " العلم " فيه.
والرفع فيه أجود ، لأن معناه : فسوف تعلمون أيُّنا له عاقبة الدار ؟ فالابتداء في " من " ، أصحُّ وأفصح من إعمال " العلم " فيه . (4)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وجعل هؤلاء العادلون بربهم الأوثانَ والأصنام لربهم (مما ذرأ) خالقهم ، يعني : مما خلق من الحرث والأنعام.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( من الذي يعقب دنياه )) ، والذي في المخطوطة هو الصواب .
(2) انظر تفسير (( الفلاح )) فيما سلف 11 : 296 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 355 .

(12/130)


يقال منه : " ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذَرْءًا ، وذَرْوًا " ، (1) إذا خَلَقهم .
* * *
" نصيبًا " ، يعني قسمًا وجزءًا . (2)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة النصيب الذي جعلوا لله ، والذي جعلوه لشركائهم من الأوثان والشيطان.
فقال بعضهم : كان ذلك جزءًا من حُروثهم وأنعامهم يُفْرِزُونه لهذا ، (3) وجزءًا آخر لهذا .
* ذكر من قال ذلك :
13899 - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال ، حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن عكرمة عن ابن عباس(فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله) ، الآية ، قال : كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حُزَمًا ، جعلوا منها لله سَهْمًا ، وسهمًا لآلهتهم. وكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله ، ردُّوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم. وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم ، أقرُّوه ولم يردُّوه. فذلك قوله : (سَاءَ ما يحكمون) .
13900 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) ، قال : جعلوا
__________
(1) في المخطوطة أيضًا (( وذروا )) ، كأنه يعني تسهيل الهمزة ، ولم أجد ذكر ذلك في مصادر هذا الفعل ، ولا أظنه أراد : (( وذروءًا )) ، فإن أحدًا لم يذكر ذلك .
(2) انظر تفسير (( نصيب )) فيما سلف 9 : 324 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : (( يقرونه )) ، وفي المخطوطة : (( يفررون )) غير تامة النقط ، وصواب قراءتها ما أثبت . (( فرزت الشيء )) و (( أفرزته )) ، إذا عزلته عن غيره ، ومزته . و (( الفِرْز)) ( بكسر فسكون ) : النصيب المفروز لصاحبه ، واحدًا كل أو اثنين .

(12/131)


لله من ثمراتهم وما لهم نصيبًا ، وللشيطان والأوثان نصيبًا. فإن سقط من ثمرة ما جَعَلوا لله في نصيب الشيطان تركوه ، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقَطُوه وحفظُوه وردُّوه إلى نصيب الشيطان ، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه ، (1) وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه. فهذا ما جعلوا من الحروث وسِقْي الماء . وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله : ( مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ ) ، [سورة المائدة : 103] .
13901 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم) ، الآية ، وذلك أن أعداءَ الله كانوا إذا احترثُوا حرثًا ، أو كانت لهم ثمرة ، جعلوا لله منها جزءًا وللوَثَن جزءًا ، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه. فإن سقط منه شيء فيما سُمِّي لله ردُّوه إلى ما جعلوا للوثن. وإن سبقهم الماء إلى الذي جعلوه للوثن ، فسقى شيئًا جعلوه لله. جعلوا ذلك للوثن ، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله. فاختلط بالذي جعلوا للوثن ، قالوا : " هذا فقير " ! ولم يردوه إلى ما جعلوا لله . وإن سبقهم الماء الذي جعلوا لله فسقى ما سُمِّي للوثن ، تركوه للوثن . وكانوا يحرِّمون من أنعامهم البَحيرة والسائبة والوصيلةَ والحام ، فيجعلونه للأوثان ، ويزعمون أنهم يحرّمونه لله. فقال الله في ذلك : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) ، الآية .
13902 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) ، قال : يسمون لله جزءًا من الحرث ، ولشركائهم وأوثانهم
__________
(1) (( السقي )) ( بكسر السين وسكون القاف ) : والشرب ( بكسر فسكون ) ، وهو مورد الماء كالجدول ، يسقى به الزرع .

(12/132)


جزءًا ، فما ذهبت به الريح مما سمّوا لله إلى جزء أوثانهم تركوه ، وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردُّوه ، وقالوا : " الله عن هذا غنيّ " ! و " الأنعام " السائبة والبحيرة التي سمُّوا .
13903 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .
13904 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) ، الآية ، عمَدَ ناس من أهل الضلالة فجزَّؤوا من حروثهم ومواشيهم جزءًا لله وجزءًا لشركائهم . وكانوا إذا خالط شيء مما جزّؤوا لله فيما جزءوا لشركائهم خلَّوه. فإذا خالط شيء مما جزؤوا لشركائهم فيما جزؤوا لله ردّوه على شركائهم . وكانوا إذا أصابتهم السَّنةُ استعانوا بما جزؤوا لله ، وأقرُّوا ما جزؤوا لشركائهم ، قال الله : (ساء ما يحكمون) .
13905 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) ، قال : كانوا يجزئون من أموالهم شيئًا ، فيقولون : " هذا لله ، وهذا للأصنام " ، التي يعبدون . فإذا ذهب بعيرٌ مما جعلوا لشركائهم ، (1) فخالط ما جعلوا لله ردُّوه. وإن ذهب مما جعلوه لله فخالط شيئًا مما جعلوه لشركائهم تركوه . وإن أصابتهم سنة ، أكلوا ما جعلوا لله ، وتركوا ما جعلوا لشركائهم ، فقال الله : (ساء ما يحكمون) .
13906 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) إلى(يحكمون) ، قال : كانوا يقسمون من أموالهم قِسْمًا فيجعلونه لله ، ويزرعون زَرْعًا فيجعلونه لله ، ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك. فما خرج للآلهة أنفقوه عليها ، وما خرج
__________
(1) في المطبوعة : (( فإذا ذهب مما جعلوا )) غير ما كان في المخطوطة لغير طائل .

(12/133)


لله تصدقوا به . فإذا هلك الذي يصنعون لشركائهم ، وكثر الذي لله قالوا : " ليس بُدٌّ لآلهتنا من نفقة " ، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم. وإذا أجدب الذي لله ، وكثر الذي لآلهتهم ، قالوا : " لو شاء أزكى الذي له " ! فلا يردُّون عليه شيئًا مما للآلهة . قال الله : لو كانوا صادقين فيما قسموا ، لبئس إذًا ما حكموا : أن يأخذوا مني ولا يعطوني . فذلك حين يقول : (ساء ما يحكمون).
* * *
وقال آخرون : " النصيب " الذي كانوا يجعلونه لله فكان يصل منه إلى شركائهم : أنهم كانوا لا يأكلون ما ذبحوا لله حتى يسمّوا الآلهة ، وكانوا ما ذبحوه للآلهة يأكلونه ولا يسمون الله عليه .
* ذكر من قال ذلك :
13907 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) حتى بلغ : (وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم) ، قال : كل شيء جعلوه لله من ذِبْح يذبحونه ، (1) لا يأكلونه أبدًا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة. وما كان للآلهة لم يذكروا اسمَ الله معه ، وقرأ الآية حتى بلغ : (ساء ما يحكمون) .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية ما قال ابن عباس ومَنْ قال بمثل قوله في ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أخبر أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسمًا مقدرُا ، فقالوا : " هذا لله " وجعلوا مثله لشركائهم ، وهم أوثانهم ، بإجماع من أهل التأويل عليه ، فقالوا : " هذا لشركائنا " وإن نصيب شركائهم لا يصل منه إلى الله ، بمعنى : لا يصل إلى نصيب الله ، وما كان لله وصَل إلى نصيب شركائهم . فلو كان وصول ذلك بالتسمية وترك التسمية ، كان أعيان ما أخبر الله عنه أنه لم
__________
(1) (( الذبح )) ( بكسر فسكون ) ، هو (( الذبيح )) ، و (( المذبوح )) ، وهو كل ما أعد للذبح من الأضاحي ، وغيرها من الحيوان .

(12/134)


وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)

يصل ، جائزًا أن تكون قد وصلت ، وما أخبر عنه أنه قد وصل ، لم يصل. وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر الكلام ، لأن الذبيحتين تُذبح إحداهما لله ، والأخرى للآلهة ، جائز أن تكون لحومهما قد اختلطت ، وخلطوها إذ كان المكروه عندهم تسمية الله على ما كان مذبوحًا للآلهة ، دون اختلاط الأعيان واتصال بعضها ببعض .
* * *
وأما قوله : (ساء ما يحكمون) ، فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم . يقول جل ثناؤه : وقد أساؤوا في حكمهم ، (1) إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم ، ولم يعطوني من نصيب شركائهم . وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبرَ عن جهلهم وضلالتهم ، وذهابهم عن سبيل الحق ، بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم ، وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى ، ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، حتى فضّلوه في أقسامهم عند أنفسهم بالقَسْم عليه .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وكما زيَّن شركاء هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام لهم ما زينوا لهم ، من تصييرهم لربهم من أموالهم قَسْما بزعمهم ، وتركهم ما وَصل من القَسْم الذي جعلوه لله إلى قسم شركائهم في قسمهم ، وردِّهم ما وَصَل من القسم الذي جعلوه لشركائهم إلى قسم نصيب الله ، إلى قسم شركائهم
__________
(1) انظر تفسير (( ساء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) وتفسير (( يحكم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) .

(12/135)


(كذلك زين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم) ، من الشياطين ، فحسنوا لهم وأد البنات (1) (ليردوهم) ، يقول : ليهلكوهم(وليلبسوا عليهم دينهم) ، فعلوا ذلك بهم ، ليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس ، فيضلوا ويهلكوا ، بفعلهم ما حرم الله عليهم (2) ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه ، بأن كان يهديهم للحق ، ويوفقهم للسداد ، فكانوا لا يقتلونهم ، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم ، وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم .
يقول الله لنبيه ، متوعدًا لهم على عظيم فريتهم على ربهم فيما كانوا يقولون في الأنصباء التي يقسِمونها : " هذا لله وهذا لشركائنا " ، وفي قتلهم أولادهم " ذرهم " ، يا محمد ، (3) " وما يفترون " ، وما يتقوّلون عليَّ من الكذب والزور ، (4) فإني لهم بالمرصاد ، ومن ورائهم العذاب والعقاب .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13908 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم) ، زينوا لهم ، من قَتْل أولادهم .
13909 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (قتل أولادهم شركاؤهم) ، شياطينهم ، يأمرونهم أن يَئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة . (5)
__________
(1) انظر تفسير (( زين )) فيما سلف ص : 92 ، تعليق : 2 والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( اللبس )) فيما سلف : 11 : 492 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير ذر فيما سلف : 72 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : 57 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) (( العيلة )) ( بفتح فسكون ) ، الفقر وشدة الحاجة .

(12/136)


13910 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .
13911 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم) الآية ، قال : شركاؤهم زينوا لهم ذلك (ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) .
13912 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) ، قال : شياطينهم التي عبدوها ، زينوا لهم قتلَ أولادهم .
13913 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم) ، أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات . وأمَّا(ليردوهم) ، فيهلكوهم . وأما(ليلبسوا عليهم دينهم) ، فيخلطوا عليهم دينهم .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة الحجاز والعراق : ( وَكَذَلِكَ زَيَّن ) ، بفتح الزاي من " زين " ، ( لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ ) ، بنصب " القتل " ، (شُرَكَاؤُهُمْ) ، بالرفع بمعنى أن شركاء هؤلاء المشركين ، الذين زينوا لهم قتلَ أولادهم فيرفعون " الشركاء " بفعلهم ، وينصبون " القتل " ، لأنه مفعول به .
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الشام : " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ " بضم الزاي " لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ " بالرفع " أَوْلادَهُمْ " بالنصب " شُرَكَائِهِمْ " بالخفض بمعنى : وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ شركائهم أولادَهم ، ففرّقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم. وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح . وقد

(12/137)


روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيِّد قراءة من قرأ بما ذكرت من قرأة أهل الشام ، رأيتُ رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه ، وذلك قول قائلهم :
فَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا... زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزَادَهْ (1)
* * *
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز غيرها : ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) ، بفتح الزاي من " زين " ، ونصب " القتل " بوقوع " زين " عليه ، وخفض " أولادهم " بإضافة " القتل " إليهم ، ورفع " الشركاء " بفعلهم ، لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتلَ أولادهم ، على ما ذكرتُ من التأويل .
وإنما قلت : " لا أستجيز القراءة بغيرها " ، لإجماع الحجة من القرأة عليه ، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد ، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة .
* * *
ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ، ثم قرأ قارئ : " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ " ، بضم الزاي من " زين " ، ورفع " القتل " ، وخفض " الأولاد " و " الشركاء " ، على
__________
(1) معاني القرآن للفراء 1 : 358 ، الإنصاف : 179 ، الخزانة 2 : 251 ، والعيني ( بهامش الخزانة ) 3 : 468 ، وغيرها كثير . (( زج )) : دفع بالزج ، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح . و (( القلوص )) الناقة الفتية ، و (( أبو مزادة )) اسم رجل . وهذا البيت شاهد على ما ذهب إليه الكوفيون من جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض ، لضرورة الشعر . والتقدير : زج أبي مزادة القلوص ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص ، وهو مفعول ، وليس بظرف ولا حرف خفض . وهذا وإن كان مقالة الكوفيين ، فإن الفراء قد رده في معاني القرآن 1 : 358 ، وقال هو ليس بشيء .

(12/138)


أن " الشركاء " مخفوضون بالردّ على " الأولاد " ، بأنّ " الأولاد " شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزًا . (1)
* * *
ولو قرأه كذلك قارئ ، غير أنه رفع " الشركاء " وخفض " الأولاد " ، كما يقال : " ضُرِبَ عبدُ الله أخوك " ، فيظهر الفاعل ، بعد أن جرى الخبر بما لم يسمَّ فاعله كان ذلك صحيحًا في العربية جائزًا .
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 357 .

(12/139)


وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)

القول في تأويل قوله : { وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قِبَل أنفسهم ، من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك .
يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء العادلون بربهم من المشركين ، جهلا منهم ، لأنعام لهم وحرث : هذه أنعامٌ وهذا حرث حجر يعني بـ " الأنعام " و " الحرث " ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم ، التي قد مضى ذكرها في الآية قبل هذه .
* * *
وقيل : إن " الأنعام " ، السائبة والوصيلة والبحيرة التي سمَّوا . (1)
13914 - حدثني بذلك محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " الأنعام " ، السائبة والبحيرة التي سمُّوا .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الأنعام )) فيما سلف 6 : 257 / 9 : 457
وتفسير (( الحرث )) فيما سلف 4 : 240 - 243 ، 397 /6 : 257 / 7 : 134 .

(12/139)


و " الحِجْر " في كلام العرب ، الحرام. (1) يقال : " حَجَرت على فلان كذا " ، أي حرَّمت عليه ، ومنه قول الله : ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) ، [سورة الفرقان : 22] ، ومنه قول المتلمس :
حَنَّتْ إلَى النَّخْلَةِ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا : ... حِجْرٌ حَرَامٌ ، أَلا ثَمَّ الدَّهَارِيسُ (2)
__________
(1) المخطوطة ، ليس فيها (( الحرام )) ، وزيادتها في المطبوعة هي الصواب الموافق لما في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 207 .
(2) ديوانه قصيدة 4 ، ومختارات ابن الشجري : 32 ، ومجاز القرآن 1 : 207 ، وسيأتي في التفسير 19 : 302 ( بولاق ) ، اللسان ( دهرس ) ، ومعجم ، استعجم : 1304 ، ومعكم ياقوت ( نخلة القصوى ، ونسبه لجرير وهو المتلمس ، جرير بن عبد المسيح ، من قصيدته التي قالها في مهربه إلى الشام من عمرو بن هند ، وقصة المتلمس وطرفة ، وعمرو بن هند ، مشهورة . وهكذا جاء هنا (( النخلة القصوى )) ، وهي رواية ، والرواية الأخرى (( نخلة القصوى )) بغير تعريف كما سيأتي براوية أبي جعفر في التفسير 19 : 302 ( بولاق ) . وقد ذكروا أن (( نخلة القصوى )) المذكورة هنا ، هي : (( نخلة اليمانية )) ، وهو واد ينصب من بطن قرن المنازل ، وهو طريق اليمن إلى مكة . وظاهر هذا الشعر ، فيما أداني إليه اجتهادي ، يدل على أن (( نخلة القصوى )) بأرض العراق ، مفضيًا إلى الحيرة ، ديار عمرو بن هند ، فإنه قال هذا الشعر ، وقد حرم عليه عمرو بن هند أرض العراق ، فحنت ناقته إلى ديارها بالعراق ، فقال لها : أنِّى طَرِبْتِ وَلَمْ تُلْحَيْ عَلَى طَرَبٍ ، ... ودُونَ إلْفِكِ أَمْرَاتٌ أَمَا لِيسُ
يقول : كيف تشتاقين إلى أرض فيها هلاكي ؟ ثم عاد يقول : ولست ألومك على الشوق الذي أثار حنينك ، فإنه لا بد لمن حالت بينه وبين إلفه الفلوات ، أن يحن . ثم بين العلة في استنكاره حنينها فقال لها : وكأنه يخاطب نفسه ، ويعتذر إليها من ملامة هذه البائسة ! . حَنَّتْ إلَى النَّخْلَةِ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا : ... بَسْلٌ عَلَيْكِ ، أَلا تِلْكَ الدَّهَارِيسُ
(( بسل عليك )) : حرام عليك ، وهذه رواية أخرى . و(( الدهاريس )) ، الدواهي . يقول : ما ألومها على الحنين إلى إلفها ، ولكني ألومها على الحنين إلى الأرض فيها هلاكي . وقال لها : إن نخلة القصوى التي تحنين إليها ، حرام عليك ، فإن فيها الدواهي والغوائل . فتبين بهذا أنه يعني ديار عمرو بن هند الذي فر منه ، ثم قال لها بعد ذلك : أُمِّي شَآمِيةً ، إِذْ لا عِرَاقَ لَنَا ، ... قَوْمًا نَوَدُّهُمُ إذْ قَوْمُنَا شُوسُ
.
يقول : اقصدي نخلة الشآمية ، فإن العراق قد حرم علينا ، وفي الشام أحبابنا ، وأهل مودتنا ، وأما قومنا بالعراق فإنهم ينظرون إلينا بأعين شوس من البغضاء . فثبت بقوله : (( إذ لا عراق لنا )) أن (( نخلة القصوى )) من أرض العراق . وفي هذا كفاية في تحقيق الموضع إن شاء الله .

(12/140)


وقول رؤبة ، [العجاج] : (1)
* وَجَارَةُ البَيْتِ لَهَا حُجْرِيُّ * (2)
يعني المحرّمَ ، ومنه قول الآخر : (3)
فَبِتُّ مُرْتَفِقًا ، والعَيْنُ سَاهِرَةٌ... كَأَنَّ نَوْمِي عَلَيَّ اللَّيْلَ مَحْجُورُ (4)
أي حرام. يقال : " حِجْر " و " حُجْر " ، بكسر الحاء وضمها .
* * *
وبضمها كان يقرأ ، فيما ذُكر ، الحسنُ وقتادة . (5)
13915 - حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال ، حدثني أبي [قال ، حدثني عمي] قال ، حدثني أبي ، عن الحسين ، عن قتادة أنه : كان يقرؤها : " وَحَرْثٌ حُجْرٌ " ، يقول : حرام ، مضمومة الحاء . (6)
* * *
__________
(1) هكذا نسبة هنا إلى (( رؤبة )) والصواب أنه (( العجاج )) أبوه ، بلا شك في ذلك ، ولذلك وضعته بين الأقواس ، وكأنه سهو من الناسخ ، أو من أبي جعفر .
(2) ديوان العجاج : 68 ، واللسان ( حجر ) من رجز له طويل مشهور ، ذكر فيه نفسه بالعفاف والصيانة فقال : إِنّي امْرُؤٌ عَنْ جَارَتِي كَفِىُّ ... عَنِ الأذَى ، إنَّ الأذَى مَقْلِيُّ
وَعَنْ تَبغِّي سِرِّهَا غَنِيُّ
ثم قال بعد أبيات : وَجَارَةُ البَيْتِ لَهَا حُجْرِيُّ ... ومَحْرُمَاتٌ هَتْكُهَا بُجْرِيُّ
وفسره صاحب اللسان فقال : (( لها خاصة )) .
(3) ينسب إلى أعشى باهلة نسبه ابن بري في اللسان ( رفق ) ، ولم أجده في مكان آخر .
(4) اللسان ( رفق ) . (( مرتفقًا )) ، أي : متكئًا على مرفق يده .
(5) في المطبوعة والمخطوطة : (( الحسين )) ، وهو خطأ ، صوابه (( الحسن )) ، وهو البصري .
(6) الأثر : 13915 - هذا إسناد فيه إشكال .
(( عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث سعيد بن ذكوان التميمي العنبري )) ، مضى مرارًا ، وهو يروي عن أبيه : (( عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان )) وأبوه : (( عبد الصمد ابن عبد الوارث )) ، يروي عن أبيه : (( عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان )) ، و (( عبد الوارث بن سعيد ابن ذكوان )) ، يروي عن (( حسين المعلم )) ، وهو (( حسين بن ذكوان العوذي )) ، و (( حسين المعلم )) ، يروي عن (( قتادة )) ، فالأرجح إذن أن يكون الإسناد هكذا :
(( حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال حدثني أبي ، قال حدثني أبي ، عن الحسين ، عن قتادة )) بإسقاط (( قال حدثني عمي )) ، التي وضعتها بين قوسين ، وبذلك يكون الإسناد مستقيمًا ، فإني لم أجد (( عبد الصمد بن عبد الوارث )) يروي عن (( عمه )) ، ولم أجد له عما يروى عنه . وأيضًا فإن قوله : (( حدثني عمي )) يقتضي أن يكون (( سعيد بن ذكوان )) جدهم ، هو الراوي عن (( حسين المعلم )) ، ولم تذكر قط رواية عن (( سعيد بن ذكوان )) ، ولا له ذكر في كتب الرجال . فصح بذلك أن الصواب إسقاط ما وضعته بين القوسين ، هذا وأذكر أن هذا الإسناد قد مر قبل كما أثبته ، ولكني لم أستطع أن أعثر عليه بعد . والزيادة إن شاء الله خطأ من الناسخ ، واختلط عليه إسناد (( محمد بن سعد عن أبه ، عن عمه ... )) رقم : 305 . فعجل وزاد : (( قال حدثني عمي )) .

(12/141)


وأما القرأة من الحجاز والعراق والشام ، فعلى كسرها. وهي القراءة التي لا أستجيز خلافها ، لإجماع الحجة من القرأة عليها ، وأنها اللغة الجُودَى من لغات العرب . (1)
* * *
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها : " وَحَرْثٌ حِرْجٌ " ، بالراء قبل الجيم .
13916 - حدثني بذلك الحارث قال ، حدثني عبد العزيز قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن عباس : أنه كان يقرؤها كذلك .
* * *
وهي لغة ثالثة ، معناها ومعنى " الحجر " واحد. وهذا كما قالوا : " جذب " و " جبذ " ، و " ناء " و " نأى " .
ففي " الحجر " ، إذًا ، لغات ثلاث : " حجر " بكسر الحاء ، والجيم قبل الراء " وحُجر " بضم الحاء ، والجيم قبل الراء و " حِرْج " ، بكسر الحاء ، والراء قبل الجيم .
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل الحجر قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) (( الجودي )) ، تأنيث (( الأجود )) ، وهي قليلة الاستعمال فيما بعد طبعة أبي جعفر ، كما أسلفت في التعليق على أول استعمال لها فيما مضى 6 : 437 ، تعليق : 1 ، وهذه هي المرة الثانية التي استعملها فيها أبو جعفر .

(12/142)


13917 - حدثني عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث ، عن حميد ، عن مجاهد وأبي عمرو : (وحرث حجر) ، يقول : حرام .
13918 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وحرث حجر) ، فالحجر . ما حرّموا من الوصيلة ، وتحريم ما حرموا .
13919 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وحرث حجر) ، قال : حرام .
13920 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (هذه أنعام وحرث حجر) الآية ، تحريمٌ كان عليهم من الشياطين في أموالهم ، وتغليظ وتشديد. وكان ذلك من الشياطين ، ولم يكن من الله .
13921 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما قوله : (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر) ، فيقولون : حرام ، أن نطعم إلا من شئنا .
13922 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (هذه أنعام وحرث حجر) ، نحتجرها على مَنْ نريد وعمن نريد ، لا يطعمها إلا مَنْ نشاء ، بزعمهم. قال : إنما احتجروا ذلك لآلهتهم ، وقالوا : لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم) ، قالوا : نحتجرها عن النساء ، ونجعلها للرجال .
13923 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (أنعام وحرث حجر) ، أما " حجر " ، يقول : محرَّم . وذلك أنهم كانوا يصنعون في الجاهلية أشياء لم يأمر الله بها ، كانوا يحرّمون من أنعامهم أشياء لا يأكلونها ، ويعزلون من حرثهم شيئًا معلومًا لآلهتهم ، ويقولون : لا يحل لنا ما سمّينا لآلهتنا.
13924 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن

(12/143)


ابن جريج ، عن مجاهد : (أنعام وحرث حجر) ، ما جعلوه لله ولشركائهم .
13925 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وحرّم هؤلاء الجهلة من المشركين ظهورَ بعض أنعامهم ، فلا يركبون ظهورها ، وهم ينتفعون برِسْلِها ونِتَاجها وسائر الأشياء منها غير ظهورها للركوب . (1) وحرموا من أنعامهم أنعامًا أخر ، فلا يحجُّون عليها ، ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحالٍ ، ولا إن حلبوها ، ولا إن حمَلوا عليها .
* * *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13926 - حدثنا سفيان قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم قال : قال لي أبو وائل : أتدري ما " أنعام لا يذكرون اسم الله عليها " ؟ قال : قلت : لا! قال : أنعام لا يحجون عليها .
13927 - حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال ، حدثنا شاذان قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم قال : قال لي أبو وائل : أتدري ما قوله : (حرمت
__________
(1) (( الرسل )) ( بكسر فسكون ) : اللبن . و (( النتاج )) ( بكسر النون ) : ما تضع من أولادها .

(12/144)


ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) ؟ قال : قلت : لا! قال : هي البحيرة ، كانوا لا يحجون عليها . (1)
13928 - حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال ، حدثنا محمد بن سعيد الشهيد قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن أبي وائل : (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) ، قال : لا يحجون عليها . (2)
13929 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي أما : (أنعام حرمت ظهورها) ، فهي البحيرة والسائبة والحام وأما " الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها " ، قال : إذا أولدوها ، (3) ولا إن نحروها .
13930 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) ، قال : كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها ، لا إن ركبوها ، ولا إن حلبوا ، ولا إن حملوا ، ولا إن منحوا ، ولا إن عملوا شيئًا .
13931 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وأنعام حرمت ظهورها) ، قال : لا يركبها أحد(وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) .
* * *
__________
(1) الأثر : 13927 - (( محمد بن عباد بن موسى الختلي )) ، مضى برقم : 11318 ، ونقلت هناك عن ابن أبي حاتم 4 / 1 / 15 ، أنه روى عن هشام بن محمد الكلبي ، والوليد بن صالح ، وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا . ثم توقفت في هذه الترجمة المختصرة التي ذكرها ابن أبي حاتم ، وشككت في صحة ما فيها ، فإن أبا بكر بن أبي الدنيا ، إنما يروي عن أبيه (( عباد بن موسى الختلي )) . ولا أدري أروى عن ولده (( محمد بن عباد )) أم لم يرو عنه ، فإنهم لم يذكروا ذلك في ترجمة أبي بكر ابن أبي الدنيا .
و (( شاذان )) هو : (( الأسود بن عامر )) ، ثقة صدوق . مترجم في التهذيب .
(2) الأثر : 13928 - (( أحمد بن عمرو البصري )) ، مضى ما قلت فيه برقم : 9875 . و(( محمد بن سعيد الشهيد )) ، لم أعرف من هو ، ولم أجد له ذكرًا .
(3) لعل الصواب : (( لا إن أولدوها )) .

(12/145)


وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)

وأما قوله : (افتراء على الله) ، فإنه يقول : فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا ، وقالوا ما قالوا من ذلك ، كذبًا على الله ، وتخرّصًا الباطلَ عليه; لأنهم أضافوا ما كانوا يحرّمون من ذلك ، على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه ، إلى أنّ الله هو الذي حرّمه ، فنفى الله ذلك عن نفسه ، وأكذبهم ، وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدّعون . (1)
* * *
ثم قال عز ذكره : (سيجزيهم) ، يقول : سيثيبهم ربُّهم بما كانوا يفترونَ على الله الكذبَ ثوابَهم ، ويجزيهم بذلك جزاءهم . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله : (ما في بطون هذ الأنعام).
فقال بعضهم : عنى بذلك اللَّبن .
* ذكر من قال ذلك :
13932 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن ابن عباس : (وقالوا ما في بطون هذ الأنعام خالصة لذكورنا) ، قال : اللبن . (3)
__________
(1) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : ص : 136 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الجزاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .
(3) الأثر : 13932 - (( عبد الله بن أبي الهذيل العنزي )) ، (( أبو المغيرة )) ، تابعي ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 196 ، وفيه (( العنبري )) ، ولا أدري ما الصواب منهما .

(12/146)


13933 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن ابن أبي الهذيل ، عن ابن عباس ، مثله .
13934 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وقالوا ما في بطون هذ الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) ، ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء ، وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم .
13935 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) ، قال : ما في بطون البحائر ، يعني ألبانها ، كانوا يجعلونه للرجال ، دون النساء .
13936 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن زكريا ، عن عامر قال : " البحيرة " لا يأكل من لبنها إلا الرجال ، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء .
13937 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : (وقالوا ما في بطون هذ الأنعام خالصة لذكورنا) الآية ، فهو اللبن ، كانوا يحرمونه على إناثهم ، ويشربه ذكرانهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه ، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركب لم تذبح. وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء . فنهى الله عن ذلك .
* * *
وقال آخرون : بل عنى بذلك ما في بطون البحائر والسوائب من الأجنة .
* ذكر من قال ذلك :
13938 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل

(12/147)


قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء) ، فهذه الأنعام ، ما ولد منها من حيّ فهو خالص للرجال دون النساء. وأما ما ولد من ميت ، فيأكله الرجال والنساء .
13939 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا) ، السائبة والبحيرة .
13940 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها : " ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا " ، واللبن ما في بطونها ، وكذلك أجنتها. ولم يخصُص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا : بعضُ ذلك حرام عليهن دون بعض .
وإذ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يقال إنهم قالوا : ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حِلٌّ لذكورهم خالصة دون إناثهم ، وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم ، إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتًا ، فيشترك حينئذ في أكله الرجال والنساء .
* * *
واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أنثت " الخالصة " .
فقال بعض نحويي البصرة وبعض الكوفيين : أنثت لتحقيق " الخلوص " ، كأنه لما حقق لهم الخلوص أشبه الكثرة ، فجرى مجرى " راوية " و " نسابة " .
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة : أنثت لتأنيث " الأنعام " ، لأن " ما في بطونها " ، مثلها ، فأنثت لتأنيثها . ومن ذكّره فلتذكير " ما " . قال : وهي في قراءة عبد الله :

(12/148)


" خَالِصٌ " . قال : وقد تكون الخالصة في تأنيثها مصدرًا ، كما تقول : " العافية " و " العاقبة " ، وهو مثل قوله : ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ) [سورة ص : 46] . (1)
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 358 ، 359 .

(12/149)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : أريد بذلك المبالغة في خلوص ما في بطون الأنعام التي كانوا حرَّموا ما في بطونها على أزواجهم ، لذكورهم دون إناثهم ، (1) كما فعل ذلك " بالراوية " و " النسابة " و " العلامة " ، إذا أريد بها المبالغة في وصف من كان ذلك من صفته ، كما يقال : " فلان خالصة فلان ، وخُلصانه " . (2)
* * *
وأما قوله : (ومحرم على أزواجنا) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ بـ " الأزواج " .
فقال بعضهم : عنى بها النساء .
* ذكر من قال ذلك :
13941 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (ومحرم على أزواجنا) ، قال : النساء .
* * *
وقال آخرون : بل عنى بالأزواج البنات .
* ذكر من قال ذلك :
13942 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (ومحرم على أزواجنا) ، قال : " الأزواج " ، البنات . وقالوا : ليس للبنات منه شيء .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام يعني أنعامهم : " هذا محرم على أزواجنا " ، و " الأزواج " ، إنما هي نساؤهم في كلامهم ، وهن لا شك بنات من هن أولاده ، وحلائل من هن أزواجه . (3)
وفي قول الله عز وجل : (ومحرم على أزواجنا) ، الدليلُ الواضح على أن تأنيث " الخالصة " ، كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور ، لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل : و " محرمة على أزواجنا " ، ولكن لما كان التأنيث في " الخالصة " لما ذكرت ، ثم لم يقصد في " المحرم " ما قصد في " الخالصة " من المبالغة ، رجع فيها إلى تذكير " ما " ، واستعمال ما هو أولى به من صفته .
* * *
وأما قوله : (وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء) ، فاختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه يزيد بن القعقاع ، وطلحة بن مصرِّف ، في آخرين : " وَإنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ " بالتاء في " تكن " ، ورفع " ميتة " ، غير أن يزيد كان يشدّد الياء من " مَيِّتَةٌ " ويخففها طلحة .
13943 - حدثني بذلك المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي حماد قال ، حدثنا عيسى ، عن طلحة بن مصرف .
13944 - وحدثنا أحمد بن يوسف ، عن القاسم ، وإسماعيل بن جعفر ، عن يزيد .
* * *
وقرأ ذلك بعض قَرَأة المدينة والكوفة والبصرة : ( وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً ) ، بالياء ،
__________
(1) السياق : (( في خلوص ما في بطون الأنعام ... لذكورهم دون إناثهم )) .
(2) انظر تفسير (( الخالصة )) فيما سلف 2 : 365 ، 366 . انظر تمام حجة أبي جعفر في ذلك فيما سيلي بعد أسطر قليلة .
(3) انظر تفسير (( الزوج )) فيما سلف 1 : 514 /2 : 446 .

(12/150)


و " ميتة " ، بالنصب ، وتخفيف الياء .
* * *
وكأنّ من قرأ : (وإن يكن) ، بالياء(ميتة) بالنصب ، أراد : وإن يكن ما في بطون تلك الأنعام فذكر " يكن " لتذكير " ما " ونصب " الميتة " ، لأنه خبر " يكن " .
وأما من قرأه : " وإن تكن ميتة " ، فإنه إن شاء الله أراد : وإن تكن ما في بطونها ميتة ، فأنث " تكن " لتأنيث " ميتة " .
* * *
وقوله : (فهم فيه شركاء) ، فإنه يعني أن الرجال وأزواجهم شركاء في أكله ، لا يحرمونه على أحد منهم ، كما ذكرنا عمن ذكرنا ذلك عنه قبل من أهل التأويل .
* * *
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : -
13945 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء) ، قال : تأكل النساء مع الرجال ، إن كان الذي يخرج من بطونها ميتة ، فهم فيه شركاء ، وقالوا : إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيبًا ، وإن شئنا لم نجعل .
* * *
قال أبو جعفر : وظاهر التلاوة بخلاف ما تأوَّله ابن زيد ، لأن ظاهرها يدل على أنهم قالوا : " إن يكن ما في بطونها ميتة ، فنحن فيه شركاء " بغير شرط مشيئة . وقد زعم ابن زيد أنهم جعلوا ذلك إلى مشيئتهم .
* * *

(12/151)


القول في تأويل قوله : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : " سيجزي " ، أي : سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين عليه الكذب في تحريمهم ما لم يحرّمه الله ، وتحليلهم ما لم يحلله الله ، وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله (1) وقوله : (وصفهم) ، يعني بـ " وصفهم " ، الكذبَ على الله ، وذلك كما قال جلَّ ثناؤه في موضع آخر من كتابه : ( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) ، [سورة النحل : 62] . (2)
* * *
و " الوصف " و " الصفة " في كلام العرب واحد ، وهما مصدران مثل " الوزن " و " الزنة " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في معنى " الوصف " قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
13946 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : (سيجزيهم وصفهم) ، قال : قولهم الكذب في ذلك .
13947 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
13948 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : (سيجزيهم وصفهم) قال : كذبهم .
13949 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (سيجزيهم وصفهم) ، أي كذبهم .
__________
(1) انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف ص 146 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك
(2) انظر تفسير (( الوصف )) فيما سلف صلى الله عليه وسلم : 10 ، 11 .

(12/152)


قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)

وأما قوله : (إنه حكيم عليم) ، فإنه يقول جل ثناؤه : إن الله في مجازاتهم على وصفهم الكذب وقيلهم الباطل عليه " حكيم " ، في سائر تدبيره في خلقه " عليم " ، بما يصلحهم ، وبغير ذلك من أمورهم . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قد هلك هؤلاء المفترون على ربهم الكذبَ ، (2) العادلون به الأوثانَ والأصنام ، الذين زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم ، وتحريم [ما أنعمت به] عليهم من أموالهم ، (3) فقتلوا طاعة لها أولادهم ، وحرّموا ما أحل الله لهم وجعله لهم رزقًا من أنعامهم " سفها " ، منهم. يقول : فعلوا ما فعلوا من ذلكَ جهالة منهم بما لهم وعليهم ، ونقصَ عقول ، وضعفَ أحلام منهم ، وقلة فهم بعاجل ضرّه وآجل مكروهه ، من عظيم عقاب الله عليه لهم (4) (افتراء على الله) ، يقول : تكذّبًا على الله وتخرصًا عليه الباطل (5) (قد ضلوا) ، يقول : قد تركوا محجة الحق في فعلهم ذلك ، وزالوا عن سواء السبيل (6) (وما كانوا مهتدين) ،
__________
(1) انظر تفسير (( حكيم )) و (( عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة ( حكم ) و ( علم ) .
(2) انظر تفسير (( الخسار )) فيما سلف 11 : 324 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(3) في المخطوطة والمطبوعة : (( وتحريم ما حرمت عليهم من أموالهم )) ، وهو لا يطابق تفسير الآية بل يناقضه ، ورجحت الصواب ما أثبت بين القوسين .
(4) انظر تفسير (( السفه )) فيما سلف 1 : 293 - 295 / 3 : 90 ، 129 / 6 : 57
(5) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف : ص : 146 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . وكان في المطبوعة : (( تكذيبًا )) ، والصواب ما في المخطوطة .
(6) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة (( ضلل ))

(12/153)


يقول : ولم يكن فاعلو ذلك على هدًى واستقامة في أفعالهم التي كانوا يفعلون قبل ذلك ، ولا كانوا مهتدين للصواب فيها ، ولا موفقين له . (1)
* * *
ونزلت هذه الآية في الذين ذكر الله خبرهم في هذه الآيات من قوله : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) الذين كانوا يبحرون البحائر ، ويسيِّبون السوائب ، ويئدون البنات ، كما : -
13950 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عكرمة ، قوله : (الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) ، قال : نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومُضَر ، كان الرجل يشترط على امرأته أن تستحيي جارية وتئد أخرى. فإذا كانت الجارية التي تَئِد ، غدا الرجل أو راح من عند امرأته ، (2) وقال لها : " أنت علي كظهر أمِّي إن رجعت إليك ولم تئديها " ، فتخُدُّ لها في الأرض خدًّا ، (3) وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها ، ثم يتداولنها ، (4) حتى إذا أبصرته راجعًا دستها في حفرتها ، ثم سوّت عليها التراب .
13951 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ثم ذكر ما صنعوا في أولادهم وأموالهم فقال : (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله) .
13952 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) ، فقال : هذا صنيع أهل الجاهلية.
__________
(1) انظر تفسير (( الاهتداء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدي ) .
(2) في المطبوعة : (( فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل ... )) ، وفي المخطوطة : (( فإذا كانت الجارية التي تئيد عبد الرجل أو راح من عند امرأته )) ، والصواب ما أثبت . معنى ذلك : أنه إذا ولدت المرأة الجارية التي شرط عليها أن تئدها غدا أو راح وقال ...
(3) (( خد في الأرض خدا)) : شق في الأرض شقًا .
(4) هكذا في المطبوعة : (( ثم يتداولنها )) ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة ، وممكن أن تقرأ كما هي في المطبوعة .

(12/154)


وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)

كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة ، ويغذو كلبه وقوله : (وحرموا ما رزقهم الله) ، الآية ، وهم أهل الجاهلية. جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا ، تحكمًا من الشياطين في أموالهم .
13953 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب ، فاقرأ ما بعد المائة من سورة الأنعام قوله : (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا يغير علم) ، الآية .
* * *
وكان أبو رزين يتأوّل قوله : (قد ضلوا) ، أنه معنيٌّ به : قد ضلوا قبل هؤلاء الأفعال من قتل الأولاد ، وتحريم الرزق الذي رزقهم الله بأمور غير ذلك .
13954 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يزيد ، قال ، حدثنا سعيد ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى رزين في قوله : (قد خسر الذين قتلوا أولادهم) ، إلى قوله : (قد ضلوا) ، قال : قد ضلوا قبل ذلك .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ }
قال أبو جعفر : وهذا إعلام من الله تعالى ذكره ما أنعم به عليهم من فضله ، وتنبيهٌ منه لهم على موضع إحسانه ، وتعريفٌ منه لهم ما أحلَّ وحرَّم وقسم في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقًّا .
يقول تعالى ذكره : وربكم ، أيها الناس (أنشأ) ، أي أحدث وابتدع خلقًا ، لا

(12/155)


الآلهة والأصنام (1) (جنات) ، يعني : بساتين (2) (معروشات) ، وهي ما عَرَش الناس من الكروم(وغير معروشات) ، غير مرفوعات مبنيَّات ، لا ينبته الناس ولا يرفعونه ، ولكن الله يرفعه وينبته وينمِّيه ، (3) كما : -
13955 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (معروشات) ، يقول : مسموكات .
13956 - وبه عن ابن عباس : (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) ، فـ " المعروشات " ، ما عرش الناس " وغير معروشات " ، ما خرج في البر والجبال من الثمرات .
13957 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " جنات " ، فالبساتين وأما " المعروشات " ، فما عرش كهيئة الكَرْم .
13958 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قوله : (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) ، قال : ما يُعرَش من الكروم (وغير معروشات) ، قال : ما لا يعرش من الكرم .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( أنشأ )) فيما سلف ص : 128 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير ((الجنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جنن ) .
(3) انظر تفسير (( عرش )) فيما سلف 5 : 445 .

(12/156)


القول في تأويل قوله : { وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وأنشأ النخل والزرع مختلفا أكله يعني بـ " الأكل " ، (1) الثمر. يقول : وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب " والزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه " ، في الطعم ، (2) منه الحلو ، والحامض ، والمزّ ، (3) كما : -
13959 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : (متشابهًا وغير متشابه) ، قال : " متشابهًا " ، في المنظر " وغير متشابه " ، في الطعم .
* * *
وأما قوله : (كلوا من ثمره إذا أثمر) ، فإنه يقول : كلوا من رطبه ما كان رطبًا ثمره ، كما : -
13960 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو همام الأهوازي قال ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب في قوله : (كلوا من ثمره إذا أثمر) ، قال : من رطبه وعنبه .
13961 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن الزبرقان قال ، حدثنا موسى بن عبيدة في قوله : (كلوا من ثمره إذا أثمر) ، قال : من رطبه وعنبه . (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الأكل )) فيما سلف 5 : 538 .
(2) انظر تفسير (( متشابه )) فيما سلف 1 : 389 - 394 / 2 : 210 ، 211 / 6 : 173 / 11 : 578 .
(3) (( المز )) ( بضم الميم ) : ما كان طعمه بين الحلو والحامض ، يقال : (( شراب مز )) .
(4) الأثران : 13960 ، 13961 - (( أبو همام الأهوازي )) في الأثر الأول ، هو (( محمد بن الزبرقان )) ، في الأثر الثاني . ثقة . مضت ترجمته برقم : 877 .

(12/157)


القول في تأويل قوله : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبِّ .
* ذكر من قال ذلك :
13962 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا يونس ، عن الحسن ، في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الزكاة .
13963 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عبد الصمد قال ، حدثنا يزيد بن درهم قال ، سمعت أنس بن مالك يقول : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الزكاة المفروضة .
13964 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا معلى بن أسد قال ، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال ، حدثنا الحجاج بن أرطاة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : العشر ونصف العشر .
13965 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا هانئ بن سعيد ، عن حجاج ، عن محمد بن عبيد الله ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : العشر ونصف العشر . (1)
13966 - حدثنا عمرو بن علي وابن وكيع وابن بشار قالوا ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا إبراهيم بن نافع المكي ، عن ابن عباس ، عن أبيه ، في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الزكاة . (2)
__________
(1) الأثر : 13965 - (( هانئ بن سعيد النخعي )) ، مضى برقم : 13159 . ((حجاج )) هو (( حجاج بن أرطأة )) ، مضى مرارًا . (( محمد بن عبيد الله بن سعيد )) هو (( أبو عون الثقفي )) ، مضى برقم : 7595 .
(2) الأثر : 13966 - (( إبراهيم بن نافع المكي المخزومي )) ، مضى برقم : 4305 . وأما (( ابن عباس ، عن أبيه )) ، فلا أدري ما هو ، وهو بلا شك ليس (( عبد الله بن عباس )) حبر الأمة .
وأخشى أن يكون الصواب : (( عن ابن طاوس ، عن أبيه )) .

(12/158)


13967 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا أبو هلال ، عن حيان الأعرج ، عن جابر بن زيد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الزكاة . (1)
13968 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا يونس ، عن الحسن في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : هي الصدقة قال : ثم سئل عنها مرة أخرى فقال : هي الصدقة من الحبّ والثمار .
13969 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله ، عن عمرو بن سليمان وغيره ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الصدقة المفروضة .
13970 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : هي الصدقة من الحب والثمار .
13971 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، يعني بحقه ، زكاته المفروضة ، يوم يُكال أو يُعلم كيله .
13972 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ،
__________
(1) الأثر : 13967 - (( عبد الرحمن )) ، هو (( عبد الرحمن بن مهدي )) ، مضى مرارًا و (( أبو هلال )) هو : (( محمد بن سليم الراسبي البصري )) ، ثقة ، مضى برقم : 2996 ، 4681 . و (( حيان الأعرج )) الجوفي ، البصري . ثقة من أتباع التابعين . روى عن جابر بن زيد . روى عنه قتادة ، وابن جرجيج ، وسعيد بن أبي عروبة ، وغيرهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 246 .

(12/159)


وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده ، وهو أن يعلم ما كيله وحقّه ، فيخرج من كل عشرة واحدًا ، وما يَلْقُط الناس من سنبله . (1)
13973 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، و " حقه يوم حصاده " ، الصدقة المفروضة ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة ، أو سقاه الطل و " الطل " ، الندى أو كان بَعْلا العشرَ كاملا. (2) وإن سقي برشاء : نصفَ العشر قال قتادة : وهذا فيما يكال من الثمرة. وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسقٍ ، (3) وذلك ثلثمئة صاع ، فقد حق فيها الزكاة. وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك .
13974 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وطاوس : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قالا هو الزكاة .
13975 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن الحجاج ، عن سالم المكي ، عن محمد بن الحنفية قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : يوم كيله ، يعطي العشر أو نصف العشر . (4)
13976 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سالم المكي ، عن محمد ابن الحنفية قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : العشر ، ونصف العشر .
13977 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ،
__________
(1) في المطبوعة : (( وما يلتقط )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) (( البعل )) ، من النبات ، ما شرب بعروقه من الأرض ، بغير سقي من سماء ولا غيرها .
(3) (( الأوسق )) جمع (( وسق )) ، وهو ستون صاعًا ، كما فسره بعد ، على اختلافهم في مقدار الصاع .
(4) الأثر : 13975 - (( سالم المكي )) ، هو (( سالم بن عبد الله الخياط )) ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 116 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 184 .

(12/160)


عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، وعن قتادة : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قالا الزكاة .
13978 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو معاوية الضرير ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : العشر ونصف العشر .
13979 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن شريك ، عن الحكم بن عتيبة ، عن ابن عباس ، مثله .
13980 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، يعني : يوم كيله ، ما كان من برّ أو تمر أو زبيب . و " حقه " ، زكاته .
13981 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (كلوا من ثمرة إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : كُلْ منه ، وإذا حصدته فآت حقه ، و " حقه " ، عشوره .
13982 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن أنه قال في هذه الآية : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الزكاة إذا كِلْتَه .
13983 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي رجاء قال : سألت الحسن عن قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الزكاة .
13984 - حدثني ابن البرقي قال ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال ، سألت ابن زيد بن أسلم عن قول الله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، فقلت له : هو العشور ؟ قال : نعم! فقلت له : عن أبيك ؟ قال : عن أبي وغيره .
* * *

(12/161)


وقال آخرون : بل ذلك حقٌّ أوجبه الله في أموال أهل الأموال ، غيرُ الصدقة المفروضة .
* ذكر من قال ذلك :
13985 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن أبيه : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : شيئًا سوى الحق الواجب قال : وكان في كتابه : " عن علي بن الحسين " .
13986 - حدثنا عمرو قال ، حدثنا يحيى قال ، حدثنا عبد الملك ، عن عطاء في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : القبضة من الطعام .
13987 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، عن عطاء : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : من النخل والعنب والحب كله .
13988 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت ما حصدتُ من الفواكه ؟ قال : ومنها أيضًا تؤتي . وقال : من كل شيء حصدتَ تؤتي منه حقه يوم حصاده ، من نخل أو عنب أو حب أو فواكه أو خضر أو قصب ، من كل شيء من ذلك . قلت لعطاء : أواجب على الناس ذلك كله ؟ قال : نعم! ثم تلا(وآتوا حقه يوم حصاده) . قال : قلت لعطاء : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، هل في ذلك شيء مُؤَقّت معلوم ؟ قال : لا .
13989 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك ، عن عطاء في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : يعطي من حُضورِ يومئذ ما تيسر ، (1) وليس بالزكاة .
__________
(1) في المطبوعة : (( يعطي من حصاده يومئذ )) ، وليس صوابًا ، وفي المخطوطة : (( يعطي من حصول يومئذ )) ، وصواب قراءتها ما أثبت ، وانظر الأثر التالي . ويعني : مَنْ حضره من الناس والمساكين .

(12/162)


13990 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن عبد الملك ، عن عطاء : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : ليس بالزكاة ، ولكن يطعم من حضره ساعتئذٍ حَصِيده . (1)
13991 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن العلاء بن المسيب ، عن حماد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : كانوا يعطون رُطبًا .
13992 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه ، وإذا أنقيته وأخذت في كيله حَثَوْت لهم منه. (2) وإذا علمتَ كيله عزلتَ زكاته. وإذا أخذت في جَدَاد النخل طَرَحت لهم من الثفاريق. (3) وإذا أخذت في كيله حثَوْت لهم منه. وإذا علمت كيله عزلت زكاته .
13993 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : سوى الفريضة .
13994 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : يلقي إلى السؤَّال عند الحصاد من السنبل ، (4) فإذا طِينَ أو طُيِّن ، الشك من أبي جعفر (5) ألقى إليهم . فإذا
__________
(1) في المطبوعة : (( حصده )) ، وأثبت ما في المخطوطة . (( الحصاد )) و (( الحصيد )) ، (( الحصد )) ( بفتح الحاء والصاد ) ، هو من الزرع ، المحصود بعد ما يحصد .
(2) (( حثا له يحثو حثوا )) أعطاه شيئًا منه ملء الكف .
(3) في المطبوعة : (( جذاذ الأرض )) ( بالذال ) ، وهو خطأ محض . (( جداد النخل )) ( بفتح الجيم ، وبكسرها ) : أوان صرامه ، وهو قطع ثمره .
و (( الثفاريق )) جمع (( ثفروق )) ، وهو قمع البسرة والتمرة التي تلزق بها . ولم يرد هذا مجاهد ، بل أراد : العناقيد ، يخرط ما عليها ، فتبقى عليها الثمرة والثمرتان والثلاث ، يخطئها المخلب الذي تخرط به ، فتلقى للمساكين . فكني بالثفاريق عن القليل الباقي في عنقوده وشمراخه .
(4) (( السؤال )) جمع (( سائل )) مثل (( جاهل )) و (( جهال )) .
(5) في المخطوطة : (( فإذا طبن أو طبن )) ، غير منقوطة ، وفي المطبوعة : (( فإذا طبن ، أو طين )) الأولى لاباء ، والثانية بالياء ، ولا معنى لهما . وأخشى أن يكون الصواب ما أثبت ، يعني به ما يكون مع البر والقمح من الطين . ولا أدري ذلك . وفوق كل ذي علم عليم . ولم أجد الخبر في مكان آخر . وانظر رقم : 14000 ، وقوله : (( وإذا أدخله البيدر )) ، فكأنه يعني هذا .

(12/163)


حمله فأراد أن يجعله كُدْسًا ألقى إليهم. (1) وإذا داس أطعمَ منه ، وإذا فرغ وعلم كم كيله ، عزل زكاته . وقال : في النخل عند الجَدَاد يطعم من الثمرة والشماريخ. (2) فإذا كان عند كيله أطعم من التمر. فإذا فرغ عزل زكاته .
13995 - حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : إذا حصد الزرع ألقى من السنبل ، وإذا جَدَّ النخل ألقى من الشماريخ. (3) فإذا كاله زكّاه .
13996 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : عند الحصاد ، وعند الدِّياس ، وعند الصِّرام ، يقبض لهم منه ، فإذا كاله عزل زكاته .
13997 - وبه ، عن سفيان ، عن مجاهد مثله إلا أنه قال : سوى الزكاة .
13998 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : شيء سوى الزكاة ، في الحصاد والجَدَاد ، إذا حَصَدوا وإذاحَزَرُوا. (4)
13999 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، في قول الله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : واجب ، حين يصرم .
__________
(1) (( الكدس )) ( بضم فسكون ) ، هو كومة البر إذا جمع .
(2) في المطبوعة : (( الجذاذ )) بالذال ، وانظر التعليق السالف ص : 163 ، تعليق : 3 .
(3) (( جد النخل يجده جدادًا )) ، صرمه وقطعه . وهي في المطبوعة بالذال ، كما سلف في التعليق السالف . وسأصححه بعد بغير إشارة إلى الخطأ .
(4) في المطبوعة : (( وإذا جذوا )) ويعني (( وإذا جدوا )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صحيح المهنى . (( حزر الطعام والنخل وغيره )) : إذا قدره بالحدس ، والحازر ، هو الخارص أيضًا ، (( خرصه )) : قدره بالحدس .

(12/164)


14000 - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد : أنه قال في هذه الآية : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : إذا حصد أطعم ، وإذا أدخله البَيْدَر ، (1) وإذا داسه أطعم منه .
14001 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن أشعث ، عن ابن عمر ، قال : يطعم المعترَّ ، (2) سوى ما يعطي من العشرو نصف العشر .
14002 - وبه ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد قال : قبضة عند الحصاد ، وقبضة عند الجَدَاد .
14003 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن أشعث ، عن ابن سيرين ، قال : كانوا يعطون مَنْ اعترَّ بهم الشيءَ .
14004 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : الضِّغث . (3)
14005 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : يعطي مثل الضِّغث .
14006 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثنا حماد ، عن إبراهيم : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : مثل هذا من الضغث ووضع يحيى إصبعه الإبهام على المفصل الثاني من السَّبّابة .
14007 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : نحو الضِّغث .
__________
(1) (( البيدر )) : الموضع الذي يداس فيه الطعام .
(2) (( المعتر )) : الذي يطيف بك يطلب ما عندك ، سألك أو سكت عن السؤال . (( عره يعره )) و (( اعتره )) و (( اعتر به )) ، أتاه يطلب معروفه .
(3) (( الضغث )) ( بكسر فسكون ) : ملء اليد من الحشيش المختلط ، وما أشبهه من البقول .

(12/165)


14008 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن أبي جعفر وعن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قالا يعطي ضغثًا . (1)
14009 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا كثير بن هشام قال ، حدثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم قال ، كان النخل إذا صُرِم يجيء الرجل بالعِذْق من نخله ، فيعلِّقه في جانب المسجد ، فيجيء المسكين فيضربُه بعصاه ، فإذا تناثر أكلَ منه . فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حَسن أو حسين ، فتناول تمرةً ، فانتزعها من فيه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصَّدقة ، ولا أهلُ بيته . فذلك قوله : (وآتوا حقَّه يوم حصاده) .
14010 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا خالد بن حيان ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، ويزيد بن الأصم قالا كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعِذْق فيضعونه في المسجد ، ثم يجيء السائل فيضربه بعصاه ، فيسقط منه ، وهو قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) .
14011 - حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء ، عن جعفر ،
__________
(1) كان هذا الإسناد في المطبوعة كما هو هنا إلا أنه كتب ... (( عن أبي جعفر ، عن سفيان )) بغير (( واو العطف )) . وكان فيها أيضًا (( قال )) بالإفراد وهو تغيير لما في المخطوطة . أما في المخطوطة ، فكان بعد قوله فيها الإسناد السالف (( الضعث )) ، بياض أمامه حرف ( ط ) دلالة على أن الخطأ ، ثم بعد البياض : (( قال حدثنا أبي ، عن إسرائيل )) وسائر الإسناد كما كان في المطبوعة ، بغير واو عطف قبل (( عن سفيان )) ، ولكن كان فيها (( قالا )) بالتثنية . وهذا إسناد مضطرب .
وزيادة (( حدثنا ابن وكيع )) مكان البياض ، صواب لا شك فيه ، كما كان في المطبوعة ، ولكن الخطأ في إسقاط الواو قبل (( عن سفيان )) . فهما إسنادان كما بينتهما .
و (( إسرائيل )) هو (( إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق )) ، يروي ، عن (( جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي )) ، و (( أبو جعفر )) هو (( أبو جعفر الباقر )) فيما أرجح .
أما الإسناد الثاني ، فهو من حديث ابن وكيع ، عن أبيه ، عن سفيان ...
وكأن هذا هو الصواب إن شاء الله .

(12/166)


عن يزيد وميمون ، (1) في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قالا كان الرجل إذا جدَّ النخلَ يجيء بالعِذْق فيعلقه في جانب المسجد ، فيأتيه المسكين فيضربه بعصاه ، فيأكل ما يتناثر منه .
14012 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : لَقَطُ السُّنبل . (2)
14013 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن مجاهد قال : كانوا يعلقون العذق في المسجد عند الصِّرام ، فيأكل منه الضعيف .
14014 - وبه ، عن معمر قال ، قال مجاهد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، يطعم الشيءَ عند صِرَامه .
14015 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : الضغث ، وما يقع من السنبل .
14016 - وبه ، عن سالم ، عن سعيد : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : العلَف .
14017 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : كان هذا قبل الزكاة ، للمساكين ، القبضةُ والضِّغث لعلف دابته .
14018 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا محمد
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( عن زيد )) ، والصواب أنه (( يزيد بن الأصم )) المذكور في الإسنادين السالفين .
(2) (( اللقط )) ( بفتح اللام والقاف ) ، و (( لقاط السنبل )) ( بضم اللام ، وبفتحها ) : هو الذي تخطئه المناجل فيلتقطه الناس ، أهو نثارة السنبل .

(12/167)


بن رفاعة ، عن محمد بن كعب في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : ما قلّ منه أو كثر . (1)
14019 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : عند الزرع يعطي القبضَ ، وعند الصِّرام يعطي القبض ، (2) ويتركهم فيتتبعون آثار الصِّرام .
* * *
وقال آخرون : كان هذا شيئًا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة. ثم نسخته الصدقة المعلومة ، فلا فرض في مال كائنًا ما كان زرعًا كان أو غرسًا ، إلا الصدقة التي فرضها الله فيه .
* ذكر من قال ذلك :
14020 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : نسخها العُشْر ونصف العشر .
14021 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن الحجاج ، عن الحكم ، عن ابن عباس قال : نسخها العُشْر ونصف العشر .
14022 - وبه ، عن حجاج ، عن سالم ، عن ابن الحنفية قال : نسخها العُشْر ، ونصف العشر .
14023 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : هذا قبل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة نسختها ، فكانوا يعطون الضِّغْث .
14024 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن مغيرة ،
__________
(1) الأثر : 14018 - (( محمد بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي )) ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 82 ، وابن أبي حاتم 3 /2 / 254 .
(2) لعله (( يعطي القبضة )) ، فإنه هو الذي تدل عليه اللغة ، ولكن هكذا جاء في الموضعين ، وهو جائز على ضعف .

(12/168)


عن شباك ، عن إبراهيم : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : كانوا يفعلون ذلك ، حتى سُنَّ العُشر ونصف العشر. فلما سُنّ العشر ونصف العشر ، تُرك . (1)
14025 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ، حدثنا سفيان ، عن مغيرة ، عن شباك ، عن إبراهيم : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : هي منسوخة ، نسختها العُشر ونصف العشر . (2)
14026 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : نسختها العشر ونصف العشر .
14027 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن شباك ، عن إبراهيم قال : نسختها العشر ونصف العشر .
14028 - وبه ، عن سفيان ، عن يونس ، عن الحسن قال : نسختها الزكاة .
14029 - وبه ، عن سفيان ، عن السدى قال : نسختها الزكاة : (وآتوا حقه يوم حصاده) .
14030 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن شباك ، عن إبراهيم ، في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : هذه السورة مكية ، نسختها العشر ونصف العشر. قلت : عمّن ؟ قال : عن العلماء .
14031 - وبه ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن شباك ، عن إبراهيم قال : نسختها العشر ونصف العشر .
14032 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) الأثر : 14024 - 14025 - (( شباك الضبي )) الكوفي الأعمى . روى عن إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وأبي الضحى . روى عنه مغيرة بن مقسم ، وفضيل بن غزوان ، ونهشل بن مجمع . قال أحمد : (( شيخ ثقة )) . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 270 ، وانظر أيضًا رقم : 14027 ، 14030 ، 14031 .
(2) الأثر : 14024 - 14025 - (( شباك الضبي )) الكوفي الأعمى . روى عن إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وأبي الضحى . روى عنه مغيرة بن مقسم ، وفضيل بن غزوان ، ونهشل بن مجمع . قال أحمد : (( شيخ ثقة )) . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 270 ، وانظر أيضًا رقم : 14027 ، 14030 ، 14031 .

(12/169)


حدثنا أسباط ، عن السدي : أما(وآتوا حقه يوم حصاده) ، فكانوا إذا مرّ بهم أحدٌ يوم الحصاد أو الجدَادِ ، أطعموه منه ، فنسخها الله عنهم بالزكاة ، وكان فيما أنبتتِ الأرضُ ، العشرُ ونصف العشر .
14033 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن قال : كانوا يَرْضَخون لقرَابتهم من المشركين . (1)
14034 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن عطية : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : نسخه العشر ونصف العشر. كانوا يعطون إذا حصَدوا وإذا ذَرَّوا ، فنسختها العشر ونصف العشر.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : كان ذلك فرضًا فرضه الله على المؤمنين في طعامِهم وثمارهم التي تُخْرجها زروعهم وغرُوسهم ، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة ، والوظيفة المعلومةِ من العشر ونصف العشر. وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم : أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية ، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الإجزاز. (2)
فإذا كان ذلك كذلك ، وكان قوله جل ثناؤه : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، ينبئ عن أنه أمرٌ من الله جل ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده ، وكان يوم حصاده هو يوم جَدِّه وقطعه ، والحبُّ لا شك أنه في ذلك اليوم في سنبله ، والتَّمر وإن كان ثمر نخل أو كَرْم غيرُ مستحكم جُفوفه ويبسه ، وكانت الصدقة من الحبِّ إنما تؤخذ بعد دِياسه وتذريته وتنقيته كيلا والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام
__________
(1) (( رضخ له من ماله رضيخة )) ، إذا أعطاه منه العطية المقاربة ، القليلة .
(2) في المطبوعة : (( إلا بعد الجفاف )) غير ما في المخطوطة كل التغيير ، وكان فيها : (( إلا بعد الأحرار)) غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها . يقال (( جز النخل والتمر )) و (( أجز النخل والتمر )) ، يبس تمره ، وحان أن يجز ، أي : أن يقطع ثمره ويصرم .

(12/170)


يبسه وجفوفه كَيْلا علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حَصْده ، غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حَصاده .
* * *
فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك إيجابًا من الله في المال حقًّا سوى الصدقة المفروضة ؟
قيل : لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضًا واجبًا ، أو نَفْلا.
فإن يكن فرضًا واجبًا ، فقد وجب أن يكون سبيلُه سبيلَ الصدقات المفروضات التي من فرَّط في أدائها إلى أهلها كان بربِّه آثمًا ، ولأمره مخالفًا. (1) وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجبُ وجوبَ الزكاة سوى ما يجبُ من النفقة لمن يلزم المرءَ نفقته ، ما ينبئ عن أنّ ذلك ليس كذلك .
أو يكون ذلك نَفْلا. فإن يكن ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون الخيارُ في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر. وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ، ما ينبئ عن أن ذلك ليسَ كذلك .
وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادًا بها الندب ، وكان غير جائز أن يكون لها مخرجٌ في وجوب الفرض بها في هذا الوقت ، علم أنها منسوخة .
ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلا على صحته ، أنه جل ثناؤه أتبع قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ، ومعلوم أنّ من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدرِ ، أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورُعاتهم . وإذا كان ذلك كذلك ، فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك ، والآخذ مُجْبِرٌ ، وإنما يأخذ الحق الذي فرض لله فيه ؟
* * *
__________
(1) انظر تفسير قوله : (( بربه آثمًا )) فيما سلف 4 : 530 ، تعليق : 3 / 6 : 92 ، تعليق : 2 / 11 : 180 ، تعليق 3 / 11 : 328 ، تعليق : 2 .

(12/171)


فإن ظن ظانّ أن ذلك إنما هو نهي من الله القيِّمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدِّي في مال رب المال ، والتجاوز إلى أخذ ما لم يُبَحْ له أخذه ، فإن آخر الآية وهو قوله : (ولا تسرفوا) ، معطوف على أوله ، وهو قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده). فإن كان المنهيَّ عن الإسراف القيِّمُ بقبض ذلك ، فقد يجب أن يكون المأمورُ بإيتائه ، (1) المنهيَّ عن الإسراف فيه ، وهو السلطان .
وذلك قول إن قاله قائل ، كان خارجًا من قول جميع أهل التأويل ، ومخالفًا المعهود من الخطاب ، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه .
* * *
فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون معنى قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، وآتوا حقه يوم كيله ، لا يوم قصله وقطعه ، (2) ولا يوم جداده وقطافه ؟ فقد علمتَ مَنْ قال ذلك من أهل التأويل ؟ وذلك ما : -
14035 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : يوم كيله .
14036 - وحدثنا المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن الحجاج ، عن سالم المكي ، عن محمد بن الحنفية قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : يوم كيله ، يعطي العشر ونصف العشر . (3)
* * *
مع آخرين قد ذكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك ؟ (4)
__________
(1) في المطبوعة : (( بإتيانه )) ، وهو خطأ محض ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، وذلك بيان لقوله : (( وآتوا حقه يوم حصاده )) .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : (( يوم فصله )) بالفاء ، والصواب بالقاف . (( قصل النبات يقصله قصلا ، واقتصله )) ، قطعه وهو أخضر .
(3) الأثر : 14036 - انظر ما سلف رقم : 13975 .
(4) انظر الآثار السالفة من أول تفسير الآية .

(12/172)


قيل : لأن يوم كيله غير يوم حصاده . ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين : إما أن يكونوا وجّهوا معنى " الحصاد " ، إلى معنى " الكيل " ، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب ، لأن " الحصاد " و " الحصد " في كلامهم : الجدّ والقطع ، لا الكيل أو يكونوا وجّهوا تأويل قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، إلى : وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كلتموه ، فذلك خلاف ظاهر التنزيل. وذلك أن الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحقّ منه يوم حصاده ، لا بعد يوم حصاده . ولا فرقَ بين قائلٍ : إنما عنى الله بقوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، بعد يوم حصاده وآخرَ قال : عنى بذلك قبل يوم حصاده ، لأنهما جميعًا قائلان قولا دليلُ ظاهر التنزيل بخلافه .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في " الإسراف " ، الذي نهى الله عنه بهذه الآية ، ومن المنهيّ عنه .
فقال بعضهم : المنهيّ عنه : ربّ النخل والزرع والثمر و " السرف " الذي نهى الله عنه في هذه الآية ، مجاوزة القدر في العطِيّة إلى ما يجحف برب المال . (1)
* ذكر من قال ذلك :
14037 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، حدثنا عاصم ، عن أبي العالية في قوله : (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا) ، الآية ، قال :
__________
(1) انظر تفسير (( الإسراف )) فيما سلف 7 : 272 ، 579 /10 ، 579 / 10 : 242 .

(12/173)


كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة ، ثم تسارفوا ، (1) فأنزل الله : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .
14038 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا سوى الزكاة ، ثم تبارَوْا فيه ، أسرفوا ، (2) فقال الله : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .
14039 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية : (وآتوا حقه يوم حصاده) ، قال : كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا ، ثم تسارفوا ، فقال الله : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .
14040 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، جَدَّ نخلا فقال : لا يأتين اليوم أحدٌ إلا أطعمته ! فأطعم ، حتى أمسى وليست له ثمرة ، فقال الله : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .
14041 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : (ولا تسرفوا) ، يقول : لا تسرفوا فيما يؤتى يوم الحصاد ، أم في كل شيء ؟ قال : بلى ! في كل شيء ، ينهى عن السرف . (3) قال : ثم عاودته بعد حين ، فقلت : ما قوله : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ؟ قال : ينهى عن السرف في كل شيء . ثم تلا( لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) ، [سورة الفرقان : 67] .
14042 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، أخبرنا
__________
(1) (( تسارفوا )) ، أي بالغوا في الإسراف وتباروا فيه ، وهذا من اشتقاق اللغة الذي لا تكاد تجده في المعاجم ، فقيده في مكانه .
(2) في المطبوعة : (( وأسرفوا )) بواو العطف ، وأثبت ما في المخطوطة ، هو صواب جيد .
(3) (( بلى )) انظر استعمال (( بلى )) في غير حجد سبقها ، فيما سلف 10 : 253 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(12/174)


سفيان بن حسين ، عن أبي بشر قال : أطاف الناس بإياس بن معاوية بالكوفة ، فسألوه : ما السَّرَف ؟ فقال : ما دون أمرِ الله فهو سَرَف . (1)
14043 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولا تسرفوا) ، لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء .
* * *
وقال آخرون : " الإسراف " الذي نهى الله عنه في هذا الموضع : منع الصدقة والحقّ الذي أمر الله ربَّ المال بإيتائه أهلَه بقوله : (وآتوا حقه يوم حصاده) .
* ذكر من قال ذلك :
14044 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن بكر ، عن ابن جريج قال ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله ، عن عمرو بن سليم وغيره ، عن سعيد بن المسيب في قوله : (ولا تسرفوا) ، قال : لا تمنعوا الصدقة فتعصوا . (2)
14045 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن الزبرقان قال ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ، والسرف ، أن لا يعطي في حق . (3)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( ما تجاوز أمر الله فهو سرف )) ، وهو مخالف لما في المخطوطة ، وكان فيها : (( ما وزه أمر الله فهو سرف )) ، والهاء مشبوكة في الزاي ، وفوق الكلمة حرف ( ط ) دلالة على الخطأ والشك . والذي روى عن إياس بن معاوية هذا اللفظ أنه قال : (( الإسراف ما قصر به عن حق الله )) ( اللسان : سرف ) ، فصح عندي أن (( ما وزه )) هي (( ما دون أمر الله )) ، ليطابق ما نقل عن إياس اللفظ الآخر . وإن كان أبو حيان في تفسيره 4 : 238 ، قد كتب : (( كل ما جاوزت فيه أمر الله فهو سرف )) ، وكذلك القرطبي في تفسيره 7 : 110 . وروى هذا كما أثبته أو بمعناه ، عن معاوية رضي الله عنه .
(2) الأثر : 14044 - (( أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي العامري )) القاضي الفقيه ، وهو متروك ، قال أحمد : (( كان يضع الحديث ويكذب )) . قال له ابن جريج : (( اكتب لي أحاديث من أحاديثك )) فكتب له . قال الواقدي : (( فرأيت ابن جريج قد أدخل منها في كتبه . وكان كثير الحديث ، وليس بحجة )) . مترجم في التهذيب ، وميزان الاعتدال 3 : 348 . و (( عمرو بن سليم بن خلدة الأنصاري الزرقي )) ، تابعي ثقة ، كان قليل الحديث . مترجم في التهذيب .
(3) الأثر : 14045 - (( موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي )) ، ضعيف لا يكتب حديثه . مضى مرارًا كثيرة آخرها : 11134 . وكان في الإسناد هنا : (( محمد بن عبيدة )) ، في المخطوطة والمطبوعة ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن الذي يروي عنه (( محمد بن الزبرقان )) ، ويروي هو عن (( محمد بن كعب القرظي )) ، وهو (( موسى بن عبيدة )) ، وهو الصواب المحض - وقد مر مرارًا كتابة الناسخ (( محمد )) مكان (( موسى )) في غير هذا من الأسماء .

(12/175)


وقال آخرون : إنما خوطب بهذا السلطان. نُهِى أن يأخذ من ربّ المال فوق الذي ألزم الله ماله .
* ذكر من قال ذلك .
14046 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد في قوله : (ولا تسرفوا) ، قال : قال للسلطان : " لا تسرفوا " ، لا تأخذوا بغير حق ، فكانت هذه الآية بين السلطان وبين الناس يعني قوله : (كلوا من ثمره إذا أثمر) ، الآية .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى بقوله : (ولا تسرفوا) ، عن جميع معاني " الإسراف " ، ولم يخصص منها معنًى دون معنى .
وإذ كان ذلك كذلك ، وكان " الإسراف " في كلام العرب : الإخطاء بإصابة الحق في العطية ، إما بتجاوز حدّه في الزيادة ، وإما بتقصير عن حدّه الواجب (1) كان معلومًا أن المفرِّق مالَه مباراةً ، والباذلَهُ للناس حتى أجحفت به عطيته ، مسرفٌ بتجاوزه حدَّ الله إلى ما [ليس له]. (2) وكذلك المقصِّر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه ، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهلَ سُهْمَان الصدقة إذا وجبت فيه ، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها. وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه . كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون ، داخلون
__________
(1) انظر تفسير (( الإسراف )) فيما سلف 7 : 272 ، 579 / 10 : 242
(2) في المطبوعة : (( بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له )) ، ومثلها في المخطوطة ، غير المنقوطة ، ولا معنى لهما ، فطرحت هذه العبارة ، وكتبت ما بين القوسين ما يستقيم به الكلام بعض الاستقامة .

(12/176)


في معنى مَنْ أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله : (ولا تسرفوا) ، في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم إذ كان ما قبله من الكلام أمرًا من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده. فإنّ الآية قد كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاصّ من الأمور ، والحكم بها على العامّ ، بل عامّة آي القرآن كذلك. فكذلك قوله : (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) .
ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى " الإسراف " أنه على ما قلنا ، قول الشاعر : (1)
أَعْطَوا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ (2)
يعني بـ " السرف " : الخطأ في العطيّة . (3)
__________
(1) هو جرير .
(2) مضى البيت الأول وتخريجه وشرحه فيما سلف 7 : 579 .
(3) عند هذا الموضع ، انتهى الجزء التاسع من مخطوطتنا ، وفيها ما نصه :
(( نجز الجزء التاسع بحمد الله وعونه ، وحسن توفيقه ومنّة . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا . يتلوه في العاشر إن شاء الله : القول في تأويل قوله : " وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا " وكان الفراغ من كتابته في جمادى الأول سنة خمس عشرة وسبعمئة ، أحسن الله تقضِّيها وخاتمتها في خير وعافية . والله المعين على تكملة جميع الكتاب إن شاء الله تعالى .
غفر الله لمؤلفه ، ولصاحبه ، ولكاتبه ، ولمن نظر فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضا الله والجنة ، ولجميع المسلمين . الحمد لله ربِّ العالمين ))
ثم يتلوه في أول الجزء العاشر :
(( بسم الله الرحمن الرحيم ربِّ يَسِّرْ ))

(12/177)


وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)

القول في تأويل قوله : { وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا ، مع ما أنشأ من الجنات المعروشات وغير المعروشات .
* * *
و " الحمولة " ، ما حمل عليه من الإبل وغيرها.
و " الفرش " ، صغار الإبل التي لم تدرك أن يُحْمَل عليها .
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : " الحمولة " ، ما حمل عليه من كبار الإبل ومسانّها و " الفرش " ، صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها .
* ذكر من قال ذلك :
14047 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قوله : (حمولة وفرشًا) ، قال : " الحمولة " ، الكبار من الإبل " وفرشًا " ، الصغار من الإبل .
14048 - . . . . وقال ، حدثنا أبي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : " الحمولة " ، هي الكبار ، و " الفرش " ، الصغار من الإبل .
14049 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد قال : " الحمولة " ، ما حمل من الإبل ، و " الفرش " ، ما لم يحمل .

(12/178)


14050 - وبه عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن مجاهد : " الحمولة " ، ما حمل من الإبل ، و " الفرش " ، ما لم يحمل .
14051 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (وفرشًا) ، قال : صغار الإبل .
14052 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قوله : (حمولة وفرشًا) ، قال : " الحمولة " ، الكبار ، و " الفرش " ، الصغار .
14053 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود في قوله : (حمولة وفرشًا) ، " الحمولة " ، ما حمل من الإبل ، و " الفرش " ، هنّ الصغار .
14054 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص عن عبد الله : أنه قال في هذه الآية : (حمولة وفرشًا) ، قال : " الحمولة " ، ما حمل عليه من الإبل ، و " الفرش " ، الصغار قال ابن المثنى ، قال محمد ، قال شعبة : إنما كان حدثني سفيان ، عن أبي إسحاق .
14055 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه قال ، قال الحسن : " الحمولة " ، من الإبل والبقر .
* * *
وقال بعضهم : " الحمولة " ، من الإبل ، وما لم يكن من " الحمولة " ، فهو " الفرش " .
14056 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن : (حمولة وفرشًا) ، قال : " الحمولة " ، ما حمل عليه ،

(12/179)


و " الفرش " ، حواشيها ، يعني صغارها .
14057 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ومن الأنعام حمولة وفرشًا) ، فـ " الحمولة " ، ما حمل من الإبل ، و " الفرش " ، صغار الإبل ، الفصيل وما دون ذلك مما لا يحمل .
* * *
ويقال : " الحمولة " ، من البقر والإبل و " الفرش " ، الغنم .
* * *
وقال آخرون : " الحمولة " ، ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك ، و " الفرش " ، الغنم .
* ذكر من قال ذلك :
14058 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ومن الأنعام حمولة وفرشًا) ، فأما " الحمولة " ، فالإبل والخيل والبغال والحمير ، وكل شيء يحمل عليه ، وأما " الفرش " ، فالغنم .
14059 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس : " الحمولة " ، من الإبل والبقر و " فرشًا " . المعز والضأن .
14060 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ومن الأنعام حمولة وفرشًا) ، قال : أما " الحمولة " ، فالإبل والبقر . قال : وأما " الفرش " ، فالغنم .
14061 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، كان غير الحسن يقول : " الحمولة " ، الإبل والبقر ، و " الفرش " ، الغنم .
14062 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،

(12/180)


حدثنا أسباط ، عن السدي : (ومن الأنعام حمولة وفرشًا) ، أما " الحمولة " ، فالإبل . وأما " الفرش " ، فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم. (1) وما حمل عليه فهو " حمولة " .
14063 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (حمولة وفرشًا) ، " الحمولة " ، الإبل ، و " الفرش " ، الغنم .
14064 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن : (وفرشًا) ، قال : " الفرش " ، الغنم .
14065 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (حمولة وفرشًا) قال : " الحمولة " ، ما تركبون ، و " الفرش " ، ما تأكلون وتحلبون ، شاة لا تحمل ، تأكلون لحمها ، وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن " الحمولة " ، هي ما حمل من الأنعام ، لأن ذلك من صفتها إذا حملت ، لا أنه اسم لها ، كالإبل والخيل والبغال ، فإذا كانت إنما سميت " حمولة " لأنها تحمل ، فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة. وهي جمع لا واحد لها من لفظها ، كالرَّكوبة ، و " الجزورة " . وكذلك " الفرش " ، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه ، ويقال له : " الفرش " . وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض ، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس .
فأما " الحمولة " ، بضم " الحاء " ، فإنها الأحمال ، وهي " الحمول " أيضًا بضم الحاء .
* * *
__________
(1) (( العجاجيل )) جمع (( عجول )) ( بكسر العين ، وتشديد الجيم وفتحها ، وسكون الواو ) وهو (( العجل )) ولد البقر .

(12/181)


القول في تأويل قوله : { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : كلوا مما رزقكم الله ، أيها المؤمنون ، فأحلّ لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ، ولحوم أنعامكم ، إذ حرّم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله ، فجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا وللشيطان مثله ، فقالوا : " هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا " (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، كما اتبعها باحرُو البحيرة ، ومسيِّبو السوائب ، فتحرموا على أنفسكم من طيب رزق الله الذي رزقكم ما حرموه ، فتطيعوا بذلك الشيطان ، وتعصوا به الرحمن ، كما : -
14066 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ، لا تتبعوا طاعته ، هي ذنوب لكم ، وهي طاعة للخبيث .
* * *
إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم(مبين) ، قد أبان لكم عدواته ، (1) بمناصبته أباكم بالعداوة ، حتى أخرجه من الجنة بكيده ، وخدَعه حسدًا منه له ، (2) وبغيًا عليه . (3)
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( أبان لكم عدوانه )) ، وصوابها ما أثبت .
(2) في المطبوعة : (( وحسدًا منه )) بالواو ، والصواب ما في المخطوطة .
(3) انظر تفسير (( خطوات الشيطان )) فيما سلف 2 : 300 - 302 / 4 : 258 .

(12/182)


ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143)

القول في تأويل قوله : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) }
قال أبو جعفر : وهذا تقريعٌ من الله جل ثناؤه العادلين به الأوثان من عبدة الأصنام ، الذين بحروا البحائر ، وسيَّبوا السوائب ، ووصلوا الوصائل وتعليم منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به ، الحجةَ عليهم في تحريمهم ما حرموا من ذلك. فقال للمؤمنين به وبرسوله : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ، ومن الأنعام أنشأ حمولة وفرشًا . ثم بين جل ثناؤه " الحمولة " و " الفرش " ، فقال : (ثمانية أزواج).
* * *
وإنما نصب " الثمانية " ، لأنها ترجمة عن " الحمولة " و " الفرش " ، وبدل منها. كأن معنى الكلام : ومن الأنعام أنشأ ثمانية أزواج فلما قدّم قبل " الثمانية " " الحمولة " و " الفرش " بيّن ذلك بعد فقال : (ثمانية أزواج) ، على ذلك المعنى.
* * *
(من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، فذلك أربعة ، لأن كل واحد من الأنثيين من الضأن زوج ، فالأنثى منه زوج الذكر ، والذكر منه زوج الأنثى ، وكذلك ذلك من المعز ومن سائر الحيوان. فلذلك قال جل ثناؤه : (ثمانية أزواج) ، كما قال : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) ، [سورة الذاريات : 49] ، لأن الذَّكر زوج الأنثى ، والأنثى زوج الذكر ، فهما وإن كانا اثنين فيهما زوجان ، كما قال جل ثناؤه : ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) ، [سورة الأعراف : 189] ، وكما قال : ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) ، [سورة الأحزاب : 37] ، وكما : -
14067 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن

(12/183)


الضحاك : (من الضان اثنين) ، ذكر وأنثى ، (ومن البقر اثنين) ، ذكر وأنثى(ومن الإبل اثنين) ، ذكر وأنثى .
* * *
ويقال للاثنين : " هما زوج " ، (1) كما قال لبيد :
مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ... زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وَقِرَامُهَا (2)
* * *
ثم قال لهم : كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار واللحوم ، واركبوا هذه الحمولة ، أيها المؤمنون ، فلا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير أمري إياهم بذلك .
قل ، يا محمد ، لهؤلاء الذين حرّموا ما حرموا من الحرث والأنعام اتباعًا للشيطان ، من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك : آلذكرين حرم ربكم ، أيها الكذبة على الله ، من الضأن والمعز ؟ فإنهم إن ادعوا ذلك وأقرّوا به ، كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم. لأنهم إذا قالوا : " يحرم الذكرين من ذلك " ، أوجبوا تحريم كل ذكرين من ولد الضأن والمعز ، وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها. وفي ذلك فساد دعواهم وتكذيب قولهم (أم الأنثيين) ، فإنهم إن قالوا : " حرم ربنا الأنثيين " ، أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم وظهورها. وفي ذلك أيضًا تكذيب لهم ، ودحض دعواهم أنّ ربهم حرم ذلك عليهم ، إذ كانوا يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره (أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، يقول : أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعني أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز ،
__________
(1) انظر تفسير (( الزوج )) فيما سلف 1 : 514 / 2 : 446 / 7 : 515 / 12 : 150 .
(2) من قصيدته العجيبة المعلقة ، وهذا البي في أوائل الشعر ، يصف هوادج ظعن الحي . و (( المحفوف )) ، يعني الهودج ، حف بالثياب والأنماط . و (( العصى )) ، خشب الهودج ، تظلله وتستره الثياب والأنماط . و (( الكلة )) الستر الرقيق . و (( الرقام )) ستر فيه رقم ونقوش وتماثيل .

(12/184)


فلذلك قال : " أرحام الأنثيين " ، وفي ذلك أيضًا لو أقرُّوا به فقالوا : " حرم علينا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين " ، بُطولُ قولهم وبيان كذبهم ، لأنهم كانوا يقرّون بإقرارهم بذلك أنّ الله حرّم عليهم ذكور الضأن والمعز وإناثها ، أن يأكلوا لحومها أو يركبوا ظهورها ، وقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها.
* * *
و " ما " التي في قوله : (أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، نصب عطفًا بها على " الأنثيين " . (1)
* * *
(نبئوني بعلم) ، يقول : قل لهم : خبروني بعلم ذلك على صحته : أيَّ ذلك حرم ربكم عليكم ، وكيف حرم ؟ (2) (إن كنتم صادقين) ، فيما تنحلونه ربكم من دعواكم ، وتضيفونه إليه من تحريمكم .
* * *
وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه أنّ كل ما قاله هؤلاء المشركون في ذلك وأضافوه إلى الله ، فهو كذب على الله ، وأنه لم يحرم شيئًا من ذلك ، وأنهم إنما اتّبعوا في ذلك خطوات الشيطان ، وخالفوا أمره .
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14068 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) الآية ، إن كل هذا لم أحرم منه قليلا ولا كثيرًا ، ذكرًا ولا أنثى .
14069 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، قال : سلهم : (آلذكرين
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 360 .
(2) انظر تفسير (( النبأ )) ، فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .

(12/185)


حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، أي : لم أحرم من هذا شيئًا (بعلم إن كنتم صادقين) ، فذكر من الإبل والبقر نحو ذلك .
14070 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (ثمانية أزواج) ، في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة .
14071 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (ثمانية أزواج) ، قال : هذا في شأن ما نهى الله عنه من البحائر والسُّيَّب قال ابن جريج يقول : من أين حرمت هذا ؟ من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين ، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ وإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى ، فمن أين جاء التحريم ؟ فأجابوا هم : وجدنا آباءنا كذلك يفعلون .
14072 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ، ومن البقر اثنين ومن الإبل اثنين ، يقول : أنزلت لكم ثمانية أزواج من هذا الذي عددت ، ذكر وأنثى ، فالذكرين حرمت عليكم أم الأنثيين ، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟ يقول : أي : ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، ما تشتمل إلا على ذكر أو أنثى ، فما حرمت عليكم ذكرًا ولا أنثى من الثمانية. إنما ذكر هذا من أجل ما حرَّموا من الأنعام .
14073 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن : (أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، قال : ما حملت الرَّحم .
14074 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) ، قال : هذا لقولهم : (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) . قال : وقال ابن زيد في

(12/186)


قوله : (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، قال : " الأنعام " ، هي الإبل والبقر والضأن والمعز ، هذه " الأنعام " التي قال الله : " ثمانية أزواج " . قال : وقال في قوله : (هذه أنعام وحرث حجر) ، نحتجرها على من نريد ، وعمن نريد. وقوله : (وأنعام حرمت ظهورها) ، قال : لا يركبها أحد(وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها) ، فقال : (آلذكرين حرم أم الأنثيين) ، أيّ هذين حرم على هؤلاء ؟ أي : أن تكون لهؤلاء حِلا وعلى هؤلاء حرامًا .
14075 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، يعني : هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى ؟ فهل يحرمون بعضًا ويحلون بعضًا ؟ .
14076 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، فهذه أربعة أزواج(ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) ، يقول : لم أحرم شيئًا من ذلك (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين) ، يقول : كله حلال .
* * *
و " الضأن " جمع لا واحد له من لفظه ، وقد يجمع " الضأن " ، " الضَّئين والضِّئين " ، مثل " الشَّعير " و " الشِّعير " ، كما يجمع " العبد " على " عَبيد ، وعِبيد " . (1) وأما الواحد من ذكوره فـ " ضائن " ، والأنثى " ضائنة " ، وجمع " الضائنة " " ضوائن " .
__________
(1) كل ذلك بفتح الضاد ، والشين ، و العين ثم بكسر الضاد ، والشين ، والعين . وقد نصوا على ذلك في (( الضئين )) و (( الشعير )) ، ولم أوفق إلى العثور على ذلك في (( العبيد )) ، وهو موجود إن شاء الله فيما أذكر . وقالوا : إن كسر (( الضاد )) لغة تميمية .

(12/187)


وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)

وكذلك " المعز " ، جمع على غير واحد ، وكذلك " المعزى " ، وأما " الماعز " ، فجمعه " مواعز " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) }
قال أبو جعفر : وتأويل قوله : (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ، نحو تأويل قوله : (من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ، وهذه أربعة أزواج ، على نحو ما بيّنا من الأزواج الأربعة قبلُ من الضأن والمعز ، فذلك ثمانية أزواج ، كما وصف جل ثناؤه .
* * *
وأما قوله : (أم كنتم شهداء إذ وصّاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم) ، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين قص قصصهم في هذه الآيات التي مضَت. يقول له عز ذكره : قل لهم ، يا محمد ، أيَّ هذه سألتكم عن تحريمه حرم ربكم عليكم من هذه الأزواج الثمانية ؟ فإن أجابوك عن شيء مما سألتهم عنه من ذلك ، فقل لهم : أخبرًا قلتم : " إن الله حرم هذا عليكم " ، أخبركم به رسول عن ربكم ، أم شهدتم ربكم فرأيتموه فوصَّاكم بهذا الذي تقولون وتزوّرون على الله ؟ (1) فإن هذا الذي تقولون من إخباركم عن الله أنه حرام بما تزعمون على ما تزعمون ،
__________
(1) في المطبوعة : (( وتردون على الله )) ، وفي المخطوطة : (( وتررون )) ، وصواب قراءتها ما أثبت .

(12/188)


لا يعلم إلا بوحي من عنده مع رسول يرسله إلى خلقه ، أو بسماع منه ، فبأي هذين الوجهين علمتم أنّ الله حرم ذلك كذلك ، برسول أرسله إليكم ، فأنبئوني بعلم إن كنتم صادقين ؟ أم شهدتم ربكم فأوصَاكم بذلك ، وقال لكم : " حرمت ذلك عليكم " ، فسمعتم تحريمه منه ، وعهدَه إليكم بذلك ؟ (1) فإنه لم يكن واحدٌ من هذين الأمرين . يقول جل ثناؤه : (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا) ، يقول : فمن أشد ظلمًا لنفسه ، وأبعد عن الحق ممن تخرَّص على الله قيلَ الكذب ، وأضاف إليه تحريم ما لم يحرّم ، وتحليل ما لم يحلل (2) (ليضل الناس بغير علم) ، يقول : ليصدّهم عن سبيله (3) (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ، يقول : لا يوفّق الله للرشد من افترى على الله وقال عليه الزُّور والكذب ، وأضاف إليه تحريم ما لم يحرّم ، كفرًا بالله ، وجحودًا لنبوة نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم ، (4) كالذي : -
14077 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا) ، الذي تقولون.
14078 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كانوا يقولون يعني الذين كانوا يتّخذون البحائر والسوائب : إن الله أمر بهذا . فقال الله : (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم) .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( شهداء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( شهد )
وتفسير (( وصى )) فيما سلف 9 : 295 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الافتراء )) فيما سلف ص : 153 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .
(4) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
وتفسير (( الظلم )) فيما سلف منها ( ظلم ) .

(12/189)


قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)

القول في تأويل قوله : { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء الذين جعلوا لله ممّا ذَرأ من الحرث والأنعام نصيبًا ، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله والقائلين هذه أنعام وحرث حجرٌ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم والمحرّمين من أنعام أُخَر ظهورَها والتاركين ذكر اسم الله على أُخَر منها والمحرِّمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم ، ومحلِّيه لذكورهم ، المحرّمين ما رزقهم الله افتراءً على الله ، وإضافةً منهم ما يحرمون من ذلك إلى أنَّ الله هو الذي حرّمه عليهم : أجاءكم من الله رسولٌ بتحريمه ذلك عليكم ، فأنبئونا به ، أم وصَّاكم الله بتحريمه مشاهدةً منكم له ، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه ؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك ، ولا يمكنكم دعواه ، لأنكم إذا ادّعيتموه علم الناس كذبكم فإني لا أجد فيما أوحي إليّ من كتابه وآي تنزيله ، (1) شيئًا محرَّمًا على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريمَ ما حَرّم عليكم منها بزعمكم (2) " إلا أن يكون ميتة " ، قد ماتت بغير تذكية " أو دمًا مسفوحًا " ، وهو المُنْصَبّ أو إلا أن يكون لحم خنزير (فإنه رجس أو فسقًا) ، يقول : أو إلا أن يكون فسقًا ، يعني بذلك : أو إلا أن يكون مذبوحًا ذبحه ذابحٌ من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته ، فذكر
__________
(1) انظر تفسير (( الوحي ) فيما سلف من فهارس اللغة ( وحي ) .
(2) انظر تفسير (( طعم )) فيما سلف 5 : 342 / 10 : 576 .

(12/190)


عليه اسم وثنه ، فإن ذلك الذبح فسقٌ نهى الله عنه وحرّمه ، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك ، لأنه ميتة .
* * *
وهذا إعلام من الله جل ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبيَّ الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادَلوهم به ، أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرّمه الله ، وأن الذي زعموا أنّ الله حرمه حلالٌ قد أحلَّه الله ، وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14079 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه في قوله : (قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا) قال : كان أهل الجاهلية يحرِّمون أشياء ويحلِّون أشياء ، فقال : قل لا أجد مما كنتم تحرمون وتستحلُّون إلا هذا : (إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به) .
14080 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه في قوله : (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرَّمًا) الآية ، قال : كان أهل الجاهلية يستحلّون أشياء ويحرّمون أشياء ، فقال الله لنبيه : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا مما كنتم تستحلون إلا هذا وكانت أشياء يحرِّمونها ، فهي حرام الآن .
14081 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه) ، قال : ما يؤكل . قلت : في الجاهلية ؟ قال : نعم ! وكذلك كان يقول : (إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا) قال ابن جريج : وأخبرني

(12/191)


إبراهيم بن أبي بكر ، عن مجاهد : (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا) ، قال : مما كان في الجاهلية يأكلون ، لا أجد محرمًا من ذلك على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا .
* * *
وأما قوله : (أو دمًا مسفوحًا) ، فإن معناه : أو دمًا مُسَالا مُهَرَاقًا. يقال منه : " سفحت دمه " ، إذا أرقته ، أسفحه سَفْحًا ، فهو دم مسفوح " ، كما قال طرفة بن العبد :
إِنِّي وَجدِّكَ مَا هَجَوْتُكَ وَالْ... أَنْصَابِ يَسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَمُ (1)
وكما قال عَبِيد بن الأبرص :
إذَا مَا عَادَهُ مِنْهَا نِسَاءٌ... سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بَعْدِ الرَّنِينِ (2)
__________
(1) ديوان الستة الجاهليين : 347 ، من ثلاثة أبيات يعتذر بها إلى عمرو بن هند ، حين بلغه أنه هجاه ، فتوعده ، يقول بعده : وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِذَاكَ ، إِذْ حُبِسَتْ ... وَأُمِرَّ دُونَ عَبِيدةَ الوَذَمُ
أَخْشَى عِقَابَكَ إِنْ قَدَرْتَ ، وَلَمْ ... أَغْدِرْ فَيُؤْثَرَ بَيْنَنَا الكلِمُ
(2) ديوانه : 45 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( منا نساء )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما في الديوان ، وهو من قصيدته التي لام فيها امرأته لما أعرضت عنه لما كبر وشاب ، ومطت له حاجبيها استهزاء به ، فذكرها به ، فذكرها بما كان من ماضيه في اللهو والصبا والحرب ، فكان مما ذكرها به من ذلك شأنه في الحرب ، فقال : وَأَسْمَرَ قد نَصَبْتُ لِذي سَناءِ ... يَرَى مِنّي مُخَالَطَةَ اليَقِينِ
يُحَاوِلُ أَنْ يَقُومَ ، وقَدْ مَضَتْهُ ... مغابنةٌ بِذِي خُرْصٍ قَتِينِ
إذَا مَا عَادَهُ مِنْهَا نِسَاءٌ ... سَفَحْنَ الدَّمْعَ من بعد الرَّنِينِ
(( أسمر )) يعني رمحًا ، طعن به فارسًا ذا سناء وشرف ، فخالطه به مخالطة اليقين . فلما طعنه حاول أن يقوم ، وقد (( مضته )) ، أي : نفذت فيه طعنة (( مغابنة )) ، تخيط لحمه وتغبنه كما يغبن الثوب ، برمح (( ذي خرص )) أي سنان ، (( قتين )) ، أي : محدد الرأس . فإذا عاده النساء من هذه الطعنة ، صحن صياح الحزن ، وذلك هو (( الرنين )) ، من هول ما رأين من أثر الطعنة ، ثم سفحن الدمع لما يئسن ومن شفائه .

(12/192)


يعني : صببن ، وأسلنَ الدمع .
* * *
وفي اشتراطه جل ثناؤه في الدم عند إعلامه عبادَه تحريمه إياه ، المسفوحَ منه دون غيره ، الدليلُ الواضح أنَّ ما لم يكن منه مسفوحًا ، فحلال غير نجس . (1) وذلك كالذي : -
14082 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة : (أو دما مسفوحًا) ، قال : لولا هذه الآية لتتبَّع المسلمون من العروق ما تتبعتِ اليهود .
14083 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة بنحوه إلا أنه قال : لا تَّبَع المسلمون .
14084 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، بنحوه .
14085 - حدثنا أبو كريب قال ، أخبرنا وكيع ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز ، في القِدْر يعلوها الحمرة من الدم. قال : إنما حرم الله الدمَ المسفوحَ .
14086 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز قال : سألته عن الدم وما يتلطَّخ بالمذْبح من الرأس ، وعن القدر يرى فيها الحُمرة ؟ قال : إنما نهى الله عن الدم المسفوح .
14087 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (أو دمًا مسفوحًا) ، قال : حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا; وأما لحم خالطه دم ، فلا بأس به .
__________
(1) السياق : (( وفي اشتراطه ... المسفوح منه ... الدليل الواضح )) .

(12/193)


14088 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا) ، يعني : مُهَراقًا .
14089 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، أخبرني ابن دينار ، عن عكرمة : (أو دمًا مسفوحًا) ، قال : لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود .
14090 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة : أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا ، والحمرةِ والدم يكونان على القدر بأسًا ، وقرأت هذه الآية : (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه) ... الآية. (1)
14091 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن يحيى بن سعيد ، قال حدثني القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت ، وذكرت هذه الآية : (أو دمًا مسفوحًا) ، قلت : وإن البرمة ليرى في مائها [من] الصفرة . (2)
* * *
وقد بينا معنى " الرجس " ، فيما مضى من كتابنا هذا ، وأنه النجس والنتن ، وما يُعْصى الله به ، بشواهده ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . (3)
__________
(1) الأثر : 14090 - قال ابن كثير في تفسيره 3 : 415 ، وذكر هذا الأثر ، (( صحيح غريب )) .
(2) الأثر : 14091 - هذا أثر مبتور لا شك في ذلك ، يبينه الذي قبله ، فهو إسناد آخر له . وكان في المطبوعة : (( ليرى في مائها الصفرة )) ، حذف (( ما )) التي قبل (( في مائها )) ، وهي ثابتة في المخطوطة ، وزدت ما بين القوسين ، لتستقيم العبارة . ولم أجد الخبر في مكان آخر بلفظه هذا .
(3) انظر تفسير (( الرجس )) فيما سلف 10 : 564 ، 565 / 12 : 110 - 112 .

(12/194)


وكذلك القول في معنى " الفسق " وفي قوله : (أهل لغير الله به) ، قد مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفِّق لفهمه ، عن تكراره وإعادته . (1)
* * *
قال أبو جعفر : واختلفت القرأة في قراءة قوله : (إلا أنْ يكون ميتة).
فقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة : ( إِلا أَنْ يَكُونَ ) ، بالياء(مَيْتَةً) مخففة الياء منصوبة ، على أن في " يكون " مجهولا و " الميتة " فعل له ، (2) فنصبت على أنها فعل " يكون " ، وذكروا " يكون " ، لتذكير المضمر في " يكون " .
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل مكة والكوفة : " إلا أَنْ تَكُونَ " ، بالتاء " مَيْتَةً " ، بتخفيف الياء من " الميتة " ونصبها وكأن معنى نصبهم " الميتة " معنى الأولين ، وأنثوا " تكون " لتأنيث الميتة ، كما يقال : " إنها قائمة جَارِيتُك " ، و " إنه قائم جاريتك " ، فيذكر المجهول مرة ويؤنث أخرى ، لتأنيث الاسم الذي بعده .
* * *
وقرأ ذلك بعض المدنيين : " إلا أَنْ تَكُونَ مَيِّتَةٌ " ، بالتاء في " تكون " ، وتشديد الياء من " ميتة " ورفعها فجعل " الميتة " اسم " تكون " ، وأنث " تكون " لتأنيث " الميتة " ، وجعل " تكون " مكتفية بالاسم دون الفعل ، لأن قوله : " إلا أن تكون ميتة " استثناء ، والعرب تكتفي في الاستثناء بالأسماء عن الأفعال ، فيقولون : " قام الناس إلا أن يكون أخاك " ، و " إلا أن يكون أخوك " ، فلا تأتي لـ " يكون " ، بفعل ، وتجعلها مستغنية بالاسم ، كما يقال : " قام القوم إلا أخاك "
__________
(1) انظر تفسير (( الفسق )) فيما سلف ص : 76 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير (( أهل لغير الله به )) فيما سلف 3 : 319 - 321 / 9 : 493 .
(2) (( الفعل )) هنا ، خبر المبتدأ ، وهو اصطلاح قديم كما ترى ، وتفسيره أن خبر المبتدأ كأنه فعل له . تقول : (( محمد قائم )) ، تفسيره أن محمدا فعل القيام ، وهو اصطلاح كوفي .

(12/195)


و " إلا أخوك " ، (1) فلا يفتقد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء فعلا . (2)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندي : ( إِلا أَنْ يَكُونَ ) بـ " الياء " (مَيْتَةً) ، بتخفيف الياء ونصب " الميتة " ، لأن الذي في " يكون " من المكنى من ذكر المذكر (3) وإنما هو : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ذلك ميتةً أو دمًا مسفوحًا .
* * *
فأما قراءة " ميتة " بالرفع ، فإنه ، وإن كان في العربية غير خطأ ، فإنه في القراءة في هذا الموضع غيرُ صواب. لأن الله يقول : (أو دمًا مسفوحًا) ، فلا خلاف بين الجميع في قراءة " الدم " بالنصب ، وكذلك هو في مصاحف المسلمين ، وهو عطف على " الميتة " . فإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن " الميتة " لو كانت مرفوعة ، لكان " الدم " ، وقوله " أو فسقًا " ، مرفوعين ، ولكنها منصوبة ، فيعطف بهما عليها بالنصب .
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن 1 : 360 - 363 ، وقد استوفى هذا الباب هناك .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فلا يعتد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء نفلا )) و (( نفلا )) في المخطوطة غير منقوطة ، وهذه عبارة لا معنى لها ، صوابها إن شاء الله ما أثبت . (( افتقد الشيء )) تطلبه وقوله : (( فعلا )) هو (( خبر المبتدأ )) ، كما فسرته في التعليق السالف صلى الله عليه وسلم : 195 ، تعليق 2 ، واستظهرت صواب قراءتها كذلك من كلام الفراء إذ يقول في معاني القرآن 1 : 361 : (( ومن رفع ( الميتة ) جعل ( يكون ) فعلا لها ، اكتفى بيكون بلا فعل . وكذلك ( يكون ) في كل الاستثناء لا تحتاج إلى فعل ... )) فقوله : (( لا تحتاج إلى فعل )) ، هو معنى ما أثبته (( لا يفتقد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء فعلا )) .
(3) انظر تفسير (( الميتة )) فيما سلف ، وتخفيف يائها وتشديدها فيما سلف 3 : 318 ، 319 / 6 : 310 / 9 : 492 .

(12/196)


القول في تأويل قوله : { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) }
قال أبو جعفر : وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) ، والصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا هذا ، في " سورة " البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (1) وأن معناه : فمن اضطر إلى أكلِ ما حرَّم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير ، أو ما أهل لغير الله به ، غير باغ في أكله إيّاه تلذذًا ، لا لضرورة حالة من الجوع ، ولا عادٍ في أكله بتجاوزه ما حدَّه الله وأباحه له من أكله ، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك ، لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه ، فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك (فإنّ الله غفور) ، فيما فعل من ذلك ، فساتر عليه بتركه عقوبته عليه ، ولو شاء عاقبه عليه (رحيم) ، بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه ، ولو شاء حرَّمه عليه ومنعه منه .
* * *
__________
(1) انظر تفسير ذلك فيما سلف 3 : 321 - 327 ، وتفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(12/197)


وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)

القول في تأويل قوله : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وحرّمنا على اليهود (1) " كل ذي ظفر " ، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقُوق الأصابع ، كالإبل والنَّعام والإوز والبط .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14092 - حدثني المثنى ، وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، وهو البعير والنعامة .
14093 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، قال : البعير والنعامة ونحو ذلك من الدوابّ .
4094 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عطاء ، عن سعيد : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، قال : هو الذي ليس بمنفرج الأصابع .
14095 - حدثني علي بن الحسين الأزدي قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير في قوله : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، قال : كل شيء متفرق الأصابع ، ومنه الديك . (2)
__________
(1) انظر تفسير (( هاد )) فيما سلف 10 : 476 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .
(2) قوله : (( كل شيء متفرق الأصابع ، ومنه الديك )) ، هكذا هو في المخطوطة ، والذي تبادر إلى ذهن من نشر التفسير قبل ، أن صوابه (( غير متفرق الأصابع )) ، ليطابق ما قبله وما بعده . ولكني وجدت ابن كثير في تفسيره 3 : 417 ، يقول : (( وفي رواية عنه : (( كل متفرق الأصابع ، ومنه الديك )) ، فلذلك رجحت صواب ما في المخطوطة والمطبوعة .

(12/198)


14096 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : (كل ذي ظفر) ، النعامة والبعير .
14097 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، مثله .
14098 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، فكان يقال : البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان .
14098 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : (كل ذي ظفر) ، قال : الإبل والنعام ، ظفر يد البعير ورجله ، والنعام أيضًا كذلك ، وحرم عليهم أيضًا من الطير البط وشبهه ، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع .
14099 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أما كل ذي ظفر " ، فالإبل والنعام .
14100 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا شيخ ، عن مجاهد في قوله : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، قال : النعامة والبعير ، شقًّا شقًّا ، قال قلت : " ما شقًّا شقًّا " ؟ قال : كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود ، البعيرُ والنعامة. والدجاج والعصافير تأكلها اليهود ، لأنها قد فُرِجت .
14101 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (كل ذي ظفر) ، قال : النعامة والبعير ، شقًّا شقًّا. قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثنيه : ما " شقًّا شقًّا " ؟ قال : كل شيء لم يفرج من قوائم البهائم. قال : وما انفرج أكلته اليهود. قال : انفرجت قوائم الدجاج

(12/199)


والعصافير ، فيهود تأكلها . قال : ولم تنفرج قائمة البعير ، خفّه ، ولا خف النعامة ، ولا قائمة الوَزِّينة ، (1) فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوزِّين ، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته ، وكذلك لا تأكل حمار وحش .
* * *
وكان ابن زيد يقول في ذلك بما : -
14102 - حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ، الإبل قطْ . (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن قال بمثل مقالته ؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه حرم على اليهود كل ذي ظفر ، فغير جائز إخراج شيء من عموم هذا الخبر إلا ما أجمع أهل العلم أنه خارج منه . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان النعام وكل ما لم يكن من البهائم والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلا في ظاهر التنزيل ، وجب أن يحكم له بأنه داخل في الخبر ، إذ لم يأت بأن بعض ذلك غير داخلٍ في الآية ، خبرٌ عن الله ولا عن رسوله ، وكانت الأمة أكثرها مجمع على أنه فيه داخل .
* * *
__________
(1) (( الوزينة )) ( بفتح الواو ، وتشديد الزاي مكسورة ) ، هي الإوزة ، و جمعها (( الوزين )) ، مثلها في الوزن بغير هاء .
(2) في المطبوعة : (( فقط )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو محض صواب . يقال : (( ماله إلى عشرة قط )) ( بفتح وسكون الطاء ) و (( قط )) ( بتشديد الطاء وكسرها ) ، بمعنى : أي ، ولا يزيد على ذلك ، بمعنى (( حسب )) .

(12/200)


القول في تأويل قوله : { وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في " الشحوم " التي أخبر الله تعالى ذكره : أنه حرمها على اليهود من البقر والغنم.
فقال بعضهم : هي شحوم الثُّروب خاصة . (1)
* ذكر من قال ذلك :
14103 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) ، الثروب . ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : قاتل الله اليهود ، حرم الله عليهم الثروب ثم أكلوا أثمانها! (2)
* * *
وقال آخرون : بل ذلك كان كل شحم لم يكن مختلطًا بعظم ولا على عظم .
* ذكر من قال ذلك :
14104 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج قوله : (حرمنا عليهم شحومهما) ، قال : إنما حرم عليهم الثرب ، وكل شحم كان كذلك ليس في عظم .
* * *
وقال آخرون : بل ذلك شحم الثرب والكُلَى .
* ذكر من قال ذلك :
14105 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
__________
(1) (( الثروب )) جمع (( ثرب )) ( بفتح فسكون ) ، وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء .
(2) الأثر : 14103 - الخبر الذي رواه قتادة مرسلا ، رواه البخاري بإسناده مرفوعًا ( الفتح 4 : 344 ، 345 ) . بنحوه ، ورواه الجماعة . انظر التعليق التالي .

(12/201)


حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (حرمنا عليهم شحومهما) ، قال : الثرب وشحم الكليتين . وكانت اليهود تقول : إنما حرَّمه إسرائيل ، فنحن نحرّمه .
14106 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (حرمنا عليهم شحومهما) ، قال : إنما حرم عليهم الثروب والكليتين هكذا هو في كتابي عن يونس ، وأنا أحسب أنه : " الكُلَى " .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب في ذلك من القول أن يقال : إن الله أخبر أنه كان حرم على اليهود من البقر والغنم شحومهما ، إلا ما استثناه منها مما حملت ظهورهما أو الحَوَايا أو ما اختلط بعظم. فكل شحم سوى ما استثناه الله في كتابه من البقر والغنم ، فإنه كان محرمًا عليهم .
وبنحو ذلك من القول تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله : " قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها " . (1)
* * *
وأما قوله : (إلا ما حملت ظهورهما) ، فإنه يعني : إلا شحوم الجَنْب وما علق بالظهر ، فإنها لم تحرَّم عليهم .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14107 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : (إلا ما حملت ظهورهما) ، يعني : ما علق بالظهر من الشحوم .
14108 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
__________
(1) رواه الجماعة ، انظر ( الفتح 4 : 344 ، 345 ) ز و (( جمل الشحم )) : أذابه واستخرج ودكه . و (( الجميل )) الشحم المذاب .

(12/202)


حدثنا أسباط ، عن السدي : أمّا " ما حملت ظهورهما " ، فالألْيات .
14108م - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح قال : الألية ، مما حملت ظهورهما .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوِ الْحَوَايَا }
قال أبو جعفر : و " الحوايا " جمع ، واحدها " حاوِياء " ، و " حاوية " ، و " حَوِيَّة " ، وهي ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار ، وهي بنات اللبن ، وهي " المباعر " ، وتسمى " المرابض " ، وفيها الأمعاء . (1)
* * *
ومعنى الكلام : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ، إلا ما حملت ظهورهما ، أو ما حملت الحوايا فـ " الحوايا " ، رفع ، عطفًا على " الظهور " ، و " ما " التي بعد " إلا " ، نصبٌ على الاستثناء من " الشحوم " . (2)
* * *
وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14109 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (أو الحوايا) ، وهي المبعر .
14110 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (أو الحوايا) ، قال : المبعر .
__________
(1) (( الربض )) ( بفتحتين ) و (( المربض )) ( بفتح الميم ، وفتح الباء أو كسرها ) ، و (( الربيض )) مجتمع الحوايا ، أو ما تحوى من مصارين البطن . و (( بنات اللبن )) : ما صغر من الأمعاء . وانظر الأثر التالي رقم : 14121 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 363 .

(12/203)


14111 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " الحوايا " ، المبعر والمرْبَض .
14112 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (أو الحوايا) ، قال : المبعر .
14113 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير : (أو الحوايا) ، قال : المباعر .
14114 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير : (أو الحوايا) ، قال : المباعر .
14115 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (أو الحوايا) ، قال : المبعر .
14116 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (أو الحوايا) ، قال : المبعر .
14117 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة والمحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : المبعر .
14118 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (أو الحوايا) ، يعني : البطون غير الثروب .
14119 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (أو الحوايا) ، هو المبعر .
14120 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أو الحوايا) ، قال : المباعر .
* * *
وقال ابن زيد في ذلك ما : -

(12/204)


14121 - حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (أو الحوايا) ، قال : " الحوايا " ، المرابض التي تكون فيها الأمعاء ، تكون وسطها ، وهي " بنات اللبن " ، وهي في كلام العرب تدعى " المرابض " .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما ، سوى ما حملت ظهورهما ، أو ما حملت حواياهما ، فإنا أحللنا ذلك لهم ، وإلا ما اختلط بعظم ، فهو لهم أيضًا حلال .
* * *
فردّ قوله : (أو ما اختلط بعظم) ، على قوله : (إلا ما حملت ظهورهما) فـ " ما " التي في قوله : (أو ما اختلط بعظم) ، في موضع نصب عطفًا على " ما " التي في قوله : (إلا ما حملت ظهورهما) . (1)
* * *
وعنى بقوله : (أو ما اختلط بعظم) ، شحم الألية والجنب ، وما أشبه ذلك ، كما : -
14122 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (أو ما اختلط بعظم) ، قال : شحم الألية بالعُصْعُص ، (2) فهو حلال. وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم ، فهو حلال .
14123 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أو ما اختلط بعظم) ، مما كان من شحم على عظم .
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن 1 : 363 .
(2) (( العصعص )) ، وهو عظم عجب الذنب .

(12/205)


القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فهذا الذي حرمنا على الذين هادوا من الأنعام والطير ، ذوات الأظافير غير المنفرجة ، ومن البقر والغنم ، ما حرمنا عليهم من شحومهما ، الذي ذكرنا في هذه الآية ، حرمناه عليهم عقوبة منّا لهم ، وثوابًا على أعمالهم السيئة ، وبغيهم على ربهم ، (1) كما : -
14124 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) ، إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم .
14125 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ذلك جزيناهم ببنيهم) ، فعلنا ذلك بهم ببغيهم.
* * *
وقوله : (وإنا لصادقون) ، يقول : وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم ، وفي غير ذلك من أخبارنا ، وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه ، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( جزى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .
وتفسير (( البغي )) فيما سلف 2 : 342 / 4 : 281 / 6 : 276 .

(12/206)


فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)

القول في تأويل قوله : { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فإن كذبك ، يا محمد ، (1) هؤلاء اليهود فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وحللنا لهم ، كما بينا في هذه
__________
(1) في المطبوعة : (( كذبوك )) والصواب من المخطوطة .

(12/206)


الآية " فقل ربكم ذو رحمة " ، بنا ، وبمن كان به مؤمنًا من عباده ، ويغيرهم من خلقه " واسعة " ، تسع جميع خلقه ، (1) المحسنَ والمسيء ، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة ، ولا من عصاه بالنِّقمة ، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه ، ولا يحرمه ثواب عمله ، رحمة منه بكلا الفريقين ، ولكن بأسه وذلك سطوته وعذابه (2) لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين بهم عنهم شيء و " المجرمون " هم الذين أجرَموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات . (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14126 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (فإن كذبوك) ، اليهود .
14127 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (فإن كذبوك) ، اليهود(فقل ربكم ذو رحمة واسعة) .
14128 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، كانت اليهود يقولون : إنما حرّمه إسرائيل يعني : الثَّرْب وشحم الكليتين فنحن نحرمه ، فذلك قوله : (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يردّ بأسه عن القوم المجرمين) .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( واسع )) فيما سلف 11 : 489 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( البأس )) فيما سلف 11 : 357 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( المجرم )) فيما سلف ص : 93 .

(12/207)


سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)

القول في تأويل قوله : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : (سيقول الذين أشركوا) ، وهم العادلون بالله الأوثان والأصنام من مشركي قريش(لو شاء الله ما أشركنا) ، يقول : قالوا احتجازًا من الإذعان للحق بالباطل من الحجة ، لما تبين لهم الحق ، وعلموا باطل ما كانوا عليه مقيمين من شركهم ، وتحريمهم ما كانوا يحرّمون من الحروث والأنعام ، على ما قد بيَّن تعالى ذكره في الآيات الماضية قبل ذلك : (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا) ، وما بعد ذلك : لو أراد الله منا الإيمان به ، وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة ، وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا ، ما جعلنا لله شريكًا ، ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا ، ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون ، لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك ، حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل : إما بأن يضطرنا إلى الإيمان وترك الشرك به ، وإلى القول بتحليل ما حرمنا وأما بأن يلطف بنا بتوفيقه ، فنصير إلى الإقرار بوحدانيته ، وترك عبادة ما دونه من الأنداد والأصنام ، وإلى تحليل ما حرمنا ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأوثان والأصنام ، واتخاذ الشريك له في العبادة والأنداد ، وأراد ما نحرّم من الحروث والأنعام ، فلم يَحُلْ بيننا وبين ما نحن عليه من ذلك .
قال الله مكذبًا لهم في قيلهم : " إن الله رضي منا ما نحن عليه من الشرك ، وتحريم ما نحرّم " ورادًّا عليهم باطلَ ما احتجوا به من حجتهم في ذلك

(12/208)


(كذلك كذب الذين من قبلهم) ، يقول : كما كذب هؤلاء المشركون ، يا محمد ، ما جئتهم به من الحق والبيان ، كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طَغَوا على ربهم ما جاءتهم به أنبياؤهم من آيات الله وواضح حججه ، وردُّوا عليهم نصائحهم (حتى ذاقوا بأسنا) ، يقول : حتى أسخطونا فغضبنا عليهم ، فأحللنا بهم بأسنا فذاقوه ، فعطبوا بذوقهم إياه ، فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة. (1) يقول : وهؤلاء الآخرون مسلوك بهم سبيلهم ، إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدقوا بما جئتهم به من عند ربهم .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14129 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) ، وقال : (كذلك كذب الذين من قبلهم) ، ثم قال : (ولو شاء الله ما أشركوا) ، فإنهم قالوا : " عبادتنا الآلهة تقرّبنا إلى الله زلفى " ، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم ، وقوله : (ولو شاء الله ما أشركوا) ، يقول الله سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين .
14130 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ولا حرمنا من شيء) ، قال : قول قريش يعني : إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة .
14131 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ولا حرمنا من شيء) ، قولُ قريش بغير يقين : إن الله حرّم هذه البحيرة والسائبة .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( ذاق )) فيما سلف : 11 : 420 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/209)


فإن قال قائل : وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم : " رضي الله منا عبادة الأوثان ، وارأد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام " ، دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم : (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) ، وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم ، وتحريمهم ما كانوا يحرمون ؟
قيل له : الدلالة على ذلك قوله : (كذلك كذب الذين من قبلهم) ، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما آتاهم به من عند الله من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى ذكره ، وتحريم غير ما حرّم الله في كتابه وعلى لسان رسوله مسلكَ أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة اللهَ ورسولَه . والتكذيبُ منهم إنما كان لمكذَّب ، ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم : (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) ، لقال : " كذلك كذَبَ الذين من قبلهم " ، بتخفيف " الذال " ، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله ، لا إلى التكذيب مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، المحرِّمين ما هم له محرِّمون من الحُروث والأنعام ، القائلين : (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم : " هل عندكم " ،

(12/210)


قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)

بدعواكم ما تدعون على الله من رضاه بإشراككم في عبادته ما تشركون ، وتحريمكم من أموالكم ما تحرمون علمُ يقينٍ من خبر مَنْ يقطع خبره العذر ، أو حجة توجب لنا اليقين ، من العلم " فتخرجوه لنا " ، يقول : فتظهروا ذلك لنا وتبينوه ، كما بينا لكم مواضع خطأ قولكم وفعلكم ، وتناقض ذلك واستحالته في المعقول والمسموع (1) (إن تتبعون إلا الظن) ، يقولُ له : قل لهم : إن تقولون ما تقولون ، أيها المشركون ، وتعبدون من الأوثان والأصنام ما تعبدون ، وتحرمون من الحروث والأنعام ما تحرّمون ، إلا ظنًّا وحسبانًا أنه حق ، وأنكم على حق ، وهو باطلٌ ، وأنتم على باطل (وإن أنتم إلا تخرصون) ، يقول : " وإن أنتم " ، وما أنتم في ذلك كله " إلا تخرصون " ، يقول : إلا تتقوّلون الباطل على الله ، ظنًّا بغير يقين علم ولا برهان واضح . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، القائلين على ربهم الكذبَ ، في تحريمهم ما حرموا من الحروث والأنعام ، إن عجزوا عن إقامة الحجة عند قيلك لهم : " هل عندكم من علم بما تدعون على ربكم فتخرجوه لنا " ، وعن إخراج علم ذلك لك وإظهاره ، وهم لا شك عن ذلك عَجَزَة ، وعن إظهاره مقصرون ، لأنه باطل لا حقيقة له (فلله) ، الذي حرم عليكم أن تشركوا به شيئًا ، وأن تتبعوا
__________
(1) انظر تفسير (( الإخراج )) فيما سلف 2 : 228 .
(2) انظر تفسير (( التخرص )) فيما سلف ص 65 .

(12/211)


خطوات الشيطان في أموالكم من الحروث والأنعام (الحجة البالغة) ، دونكم أيها المشركون .
ويعني بـ " البالغة " ، أنها تبلغ مراده في ثبوتها على مَنْ احتج بها عليه من خلقه ، وقَطْعِ عُذْرِه إذا انتهت إليه فيما جُعِلت حجة فيه .
* * *
(فلو شاء لهداكم أجمعين) ، يقول : فلو شاء ربكم لوفَّقكم أجمعين للإجماع على إفراده بالعبادة ، والبراءة من الأنداد والآلهة ، والدينونة بتحريم ما حرم الله وتحليل ما حلله الله ، وترك اتباع خطوات الشيطان ، وغير ذلك من طاعاته ، ولكنه لم يشأ ذلك ، فخالف بين خلقه فيما شاء منهم ، فمنهم كافر ومنهم مؤمن .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14132 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال ، لا حجة لأحد عصَى الله ، ولكن لله الحجة البالغة على عباده . وقال : (فلو شاء لهداكم أجمعين) ، قال : ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) [سورة الأنبياء : 23] .
* * *

(12/212)


قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

القول في تأويل قوله : { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المفترين على ربهم من عبدة الأوثان ، الزاعمين أنّ الله حرم عليهم ما هم محرموه من حروثهم وأنعامهم (هلم شهداءكم) ، يقول : هاتوا شهداءكم الذين يشهدون على الله أنه حرم عليكم ما تزعمون أنه حرمه عليكم . (1)
* * *
وأهل العالية من تهامة توحِّد " هلم " في الواحد والاثنين والجميع ، وتذكر في المؤنث والمذكر ، فتقول للواحد : " هلم يا فلان " ، وللاثنين والجميع كذلك ، وللأنثى مثله ، ومنه قول الأعشى :
وَكَانَ دَعَا قَوْمَهُ دَعْوَةً... هَلُمَّ إلَى أَمْرِكُمْ قَدْ صُرِمْ (2)
ينشد : " هلم " ، و " هلموا " . وأما أهل السافلة من نجد ، فإنهم يوحِّدون للواحد ، ويثنُّون للاثنين ، ويجمعون للجميع. فيقال للواحد من الرجال : " هلم " وللواحدة من النساء : " هلمي " ، وللاثنين : " هلما " ، وللجماعة من الرجال : " هلموا " ، وللنساء : " هَلْمُمْنَ " . (3)
* * *
قال الله لنبيه : (فإن شهدوا) ، يقول : يا محمد ، فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حَرَّم ما يزعمون أن الله حرمه عليهم (فلا تشهد معهم) ، فإنهم كذبة
__________
(1) انظر تفسير (( الشهداء )) فيما سلف من فهارس اللغة (( شهد )) .
(2) ديوانه 34 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 208 ، من قصيدة طويلة مضت منها أبيات في مواضع متفرقة ، وهذا البيت داخل في قصة (( الحضر )) ، وما أصاب أهله ، تركت نقل أبياتها لطولها .
(3) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 208 ، فهذا نص كلامه .

(12/213)


وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله . وخاطب بذلك جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم ، والمراد به أصحابه والمؤمنون به (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا) ، يقول : ولا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب بوحي الله وتنزيله ، في تحريم ما حرم ، وتحليل ما أحل لهم ، ولكن اتبع ما أوحي إليك من كتاب ربك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (والذين لا يؤمنون بالآخرة) ، يقول : ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فتكذب بما هم به مكذبون من إحياء الله خلقه بعد مماتهم ، ونشره إياهم بعد فنائهم (وهم بربهم يعدلون) ، يقول : وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات ، وجحودهم قيام الساعة ، بالله يعدلون الأوثانَ والأصنامَ ، فيجعلونها له عِدْلا ويتخذونها له ندًّا يعبدونها من دونه . (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14133 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا) ، يقول : قل أروني الذين يشهدون أن الله حرم هذا مما حرمت العرب ، وقالوا : أمرنا الله به . قال الله لرسوله : (فإن شهدوا فلا تشهد معهم) .
14134 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا) ، قال : البحائر والسُّيَّب .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف 11 : 251 - 254 .

(12/214)


قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

القول في تأويل قوله : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم ، على ما ذكرت لك في تنزيلي عليك : تعالوا ، أيها القوم ، (1) أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًا يقينًا ، (2) لا الباطل تخرُّصًا ، تخرُّصَكم على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا ، (3) ولكن وحيًا من الله أوحاه إليّ ، وتنزيلا أنزله عليّ : أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه ، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام ، ولا تعبدوا شيئًا سواه (وبالوالدين إحسانًا) ، يقول : وأوصى بالوالدين إحسانًا وحذف " أوصى " و " أمر " ، لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامع بمعناه. (4) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى من الكتاب . (5)
* * *
وأما " أن " في قوله : (أن لا تشركوا به شيئًا) ، فرفعٌ ، لأن معنى الكلام : قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم ، هو أن لا تشركوا به شيئًا .
وإذا كان ذلك معناه ، كان في قوله : (تشركوا) ، وجهان :
الجزم بالنهي ، وتوجيهه " لا " إلى معنى النهي .
والنصب ، على توجيه الكلام إلى الخبر ، ونصب " تشركوا " ، بـ " أن لا " ،
__________
(1) انظر تفسير (( تعالوا )) فيما سلف 11 : 137 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( تلا )) فيما سلف 10 : 201 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : (( كخرصكم على الله )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(4) انظر تفسير (( الإحسان )) فيما سلف 2 : 292 / 8 : 334 ، 514 / 9 : 283 / 10 : 512 ، 576 .
(5) انظر ما سلف 2 : 290 - 292 / 8 : 334 .

(12/215)


كما يقال : " أمرتك أن لا تقوم " .
وإن شئت جعلت " أن " في موضع نصبٍ ، ردًّا على " ما " وبيانًا عنها ، ويكون في قوله : (تشركوا) ، أيضًا من وجهي الإعراب ، نحو ما كان فيه منه. و " أن " في موضع رفع.
ويكون تأويل الكلام حينئذ : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، أتلُ أن لا تشركوا به شيئًا .
* * *
فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يكون قوله(تشركوا) نصبًا بـ " أن لا " ، أم كيف يجوز توجيه قوله : " أن لا تشركوا به " ، على معنى الخبر ، وقد عطف عليه بقوله : (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ، وما بعد ذلك من جزم النهي ؟ قيل : جاز ذلك ، كما قال تعالى ذكره : ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) ، فجعل " أن أكون " خبرًا ، و " أنْ " اسمًا ، ثم عطف عليه " ولا تكونن من المشركين " ، [سورة الأنعام : 14] ، (1) وكما قال الشاعر : (2)
حَجَّ وَأوْصَى بِسُلَيْمَى الأعْبُدَا... أَنْ لا تَرَى وَلا تُكَلِّمْ أَحَدَا
وَلا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدَا (3)
فجعل قوله : " أن لا ترى " خبرًا ، ثم عطف بالنهي فقال : " ولا تكلم " ، " ولا يزل " .
* * *
__________
(1) قوله : (( ولا تكونن من المشركين )) ، ساقط في المطبوعة والمخطوطة ، واستظهرت زيادته من معاني القرآن للفراء 1 : 364 ، وهي زيادة يفسد الكلام بإسقاطها .
(2) لم أعرف قائله .
(3) معاني القرآن للفراء 1 : 364 ، وليس فيه البيت الثالث ، وفيه مكانه : * وَلا تَمْشِ بِفَضَاءٍ بَعَدَا *

(12/216)


القول في تأويل قوله : { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ، ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم ، فإن الله هو رازقكم وإياهم ، ليس عليكم رزقهم ، فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجزَ عن أرزاقهم وأقواتهم .
* * *
و " الإملاق " ، مصدر من قول القائل : " أملقت من الزاد ، فأنا أملق إملاقًا " ، وذلك إذا فني زاده ، وذهب ماله ، وأفلس .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14135 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ، الإملاق الفقر ، قتلوا أولادهم خشية الفقر .
14136 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ، أي خشية الفاقة.
14137 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ، قال : " الإملاق " ، الفقر .
14138 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ،

(12/217)


قال ابن جريج قوله : (من إملاق) ، قال : شياطينهم ، يأمرونهم أن يئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة .
14139 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك في قوله : (من إملاق) ، يعني : من خشية فقر .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولا تقربوا الظاهرَ من الأشياء المحرّمة عليكم ، (1) التي هي علانية بينكم لا تناكرون ركوبها ، والباطنَ منها الذي تأتونه سرًّا في خفاء لا تجاهرون به ، فإن كل ذلك حرام . (2)
* * *
وقد قيل : إنما قيل : لا تقربوا ما ظهر من الفواحش وما بطن ، لأنهم كانوا يستقبحون من معاني الزنى بعضًا [دون بعض].
وليس ما قالوا من ذلك بمدفوع ، غير أن دليل الظاهر من التنزيل على النهي عن ظاهر كل فاحشة وباطنها ، ولا خبر يقطع العذرَ ، بأنه عنى به بعض دون جميع. وغير جائز إحالة ظاهر كتاب الله إلى باطن ، إلا بحجة يجب التسليم لها .
* * *
* ذكر من قال ما ذكرنا من قول من قال : الآية خاصُّ المعنى :
14140 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) انظر تفسير (( الفواحش )) فيما سلف 8 : 203 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( ظهر )) ، و (( بطن )) فيما سلف ص 72 - 75 ، ثم انظر الأثر رقم : 9075 .

(12/218)


حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، أما " ما ظهر منها " ، فزواني الحوانيت ، وأما " ما بطن " ، فما خَفِي . (1)
14141 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك قوله : (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، كان أهل الجاهلية يستسرُّون بالزنى ، ويرون ذلك حلالا ما كان سرًّا. فحرّم الله السر منه والعلانية (ما ظهر منها) ، يعني : العلانية (وما بطن) ، يعني : السر . (2)
14142 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنى بأسًا في السر ، ويستقبحونه في العلانية ، فحرَّم الله الزنى في السرّ والعلانية .
* * *
وقال آخرون في ذلك بمثل الذي قلنا فيه .
* ذكر من قال ذلك :
14143 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، سرَّها وعلانيتها .
14144 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، نحوه .
* * *
وقال آخرون : " ما ظهر " ، نكاح الأمهات وحلائل الآباء " وما بطن " ، الزنى .
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) (( زواني الحوانيت )) ، كانت البغايا تتخذ حانوتًا عليه راية ، إعلامًا بأنها بغى . وانظر الأثر السالف رقم : 13801 .
(2) الأثر : 14141 - مضى هذا الخبر برقم : 13802 .

(12/219)


14145 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن خصيف ، عن مجاهد : (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، قال : " ما ظهر " ، جمعٌ بين الأختين ، وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده " وما بطن " ، الزنى . (1)
* * *
وقال آخرون في ذلك بما : -
14146 - حدثني إسحاق بن زياد العطار النصري قال ، حدثنا محمد بن إسحاق البلخي قال ، حدثنا تميم بن شاكر الباهلي ، عن عيسى بن أبي حفصة قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ، قال : " ما ظهر " ، الخمر " وما بطن " ، الزنى . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا) ، (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) ، يعني بالنفس التي حرم الله قتلها ، نفسَ مؤمن أو مُعاهد وقوله : (إلا بالحق) ، يعني بما أباح قتلها به : من أن تقتل نفسًا فتقتل قَوَدًا بها ، أو تزني وهي محصنة فترجم ،
__________
(1) الأثر : 14145 - مضى برقم : 13803 .
(2) الأثر : 14146 - ((إسحاق بن زياد العطار النصري )) ، لم أجد له ترجمة ، وفي المطبوعة (( البصري )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
و (( محمد بن إسحاق البلخي الجوهري )) ، لم أجد له غير ترجمة في ابن أبي حاتم 3 / 2 / 195 ، قال : (( روى عن مطرف بن مازن ، وأبي أمية بن يعلي ، وقيراط الحجام ، ومحمد بن حرب الأبرش ، وعيسى بن يونس . كتب عنه أبي بالري )) .
وأما (( تميم بن شاكر الباهلي )) و (( عيسى بن أبي حفصة )) ، فلم أعثر لهما على ترجمة ولا ذكر .

(12/220)


أو ترتدَّ عن دينها الحقِّ فتقتل. فذلك " الحق " الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به (ذلكم) ، يعني هذه الأمور التي عهد إلينا فيها ربُّنا أن لا نأتيه وأن لا ندعه ، هي الأمور التي وصَّانا والكافرين بها أن نعمل جميعًا به (لعلكم تعقلون) ، يقول : وصاكم بذلك لتعقلوا ما وصاكم به ربكم . (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( وصى )) فيما سلف ص : 189 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/221)


وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)

القول في تأويل قوله : { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ، ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره ، كما : -
14147 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد : (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ، قال : التجارة فيه.
14148 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ، فليثمر مالَه .
14149 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق العنزي ، عن سليط بن بلال ، عن الضحاك بن مزاحم في قوله : (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ، قال : يبتغي له فيه ، ولا يأخذ من ربحه شيئًا . (1)
__________
(1) الأثر : 14149 - (( فضيل بن مرزوق العنزي )) ، الرقاشي ، الأغر . مضى برقم : 5437 . و (( سليط بن بلال )) ، لا أدري من هو ، ولم أجد له ترجمة .

(12/221)


14150 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ، قال : " التي هي أحسن " ، أن يأكل بالمعروف إن افتقر ، وإن استغنى فلا يأكل. قال الله : ( وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) ، [سورة النساء : 6]. قال : وسئل عن الكسوة ، فقال : لم يذكر الله الكسوة ، إنما ذكر الأكل .
* * *
وأما قوله : (حتى يبلغ أشده) ، فإن " الأشُدّ " جمع " شَدٍّ " ، كما " الأضُرّ " جمع " ضر " ، وكما " الأشُرّ " جمع " شر " ، (1) و " الشد " القوة ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه ، كما " شَدُّ النهار " ارتفاعه وامتداده. يقال : " أتيته شدَّ النهار ومدَّ النهار " ، وذلك حين امتداده وارتفاعه; وكان المفضل فيما بلغني ينشد بيت عنترة :
عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا... خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالْعِظْلِمِ (2)
ومنه قول الآخر : (3)
تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ... طَوِيلَةُ أَنْقَاءِ اليَدَيْنِ سَحُوقُ (4)
__________
(1) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة : (( الأضر )) و (( الأشر )) ، ولم أجد لشيء من ذلك أصلا في كتب العربية ، وهذان اللفظان محرفان فيما أرجح ، ولكني تركتهما على حالهما ، حتى أقف على الصواب في قراءتهما إن شاء الله . ولكنهم مثلوا له بقولهم (( قد )) و (( أقد)) وهو قريب التحريف في الأولى ، ولكن الثانية مبهمة .
(2) من معلقته المشهورة ، وهذا البيت من أبيات وصف فيها بطلا مثله ، يقول قبله : لَمَّا رَآنِي قَدْ قَصَدْتُ أُرِيدُهُ ... أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ
فَطَعَنْتُهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ ... بِمُهَنَّدٍ صَافِي الحَدِيدَةِ مِخْذَمِ
و (( اللبان )) الصدر . و (( العظلم )) ، صبغ أحمر . يصفه قتيلا سال دمه ، فخصب رأسه وأطرافه ، لا حراك به .
(3) لم أعرف قائله .
(4) (( الظعينة )) ، يعني زوجته . (( الأنقاء )) جمع (( نقو )) ( بكسر فسكون ) ، وهو كل عظم فيه مخ ، كعظام اليدين والساقين ، وامرأة (( سحوق )) : طويلة كأنها نخلة مستوية قد انجرد عنها كربها .

(12/222)


وكان بعض البصريين يزعم أن " الأشد " مثل " الآنُك " . (1)
* * *
فأما أهل التأويل ، فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل : " بلغ أشدّه " .
فقال بعضهم : يقال ذلك له إذا بلغ الحُلُم .
* ذكر من قال ذلك :
14151 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال ، حدثنا عمي قال ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن عمرو بن الحارث ، عن ربيعة في قوله : (حتى يبلغ أشده) ، قال : الحلم .
14152 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال ، حدثنا عمي قال ، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، مثله قال ابن وهب : وقال لي مالك مثله . (2)
14153 - حدثت عن الحماني قال ، حدثنا هشيم ، عن مجاهد ، عن عامر : (حتى يبلغ أشده) ، قال : " الأشد " ، الحلم ، حيث تكتب له الحسنات ، وتكتب عليه السيئات .
* * *
وقال آخرون : إنما يقال ذلك له ، إذا بلغ ثلاثين سنة .
* ذكر من قال ذلك :
14154 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (حتى يبلغ أشده) ، قال : أما " أشده " ، فثلاثون
__________
(1) (( آنك )) ( بالمد وضم النون ) هو . الرصاص القلعي ، وهو القزدير . ويعني أنه مفرد لا جمع .
(2) الأثران : 14151 ، 14152 - (( أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري )) ، مضى برقم : 2747 ، 6613 ، 10330 ، وهو ابن أخي (( عبد الله بن وهب )) و (( عمه )) ، هو : (( عبد الله بن وهب )) .

(12/223)


سنة ، ثم جاء بعدها : ( حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ) . [سورة النساء : 6].
* * *
وفي الكلام محذوف ، ترك ذكره اكتفاءً بدلالة ما ظهر عما حذف . وذلك أن معنى الكلام : " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده " ، فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشدًا ، فادفعوا إليه ماله لأنه جل ثناؤه لم ينه أن يُقرب مال اليتيم في حال يُتمه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ، ليحِلَّ لوليّه بعد بلوغه أشده أن يقربه بالتي هي أسوأ ، (1) ولكنه نهاهم أن يقرَبوه حياطةً منه له ، وحفظًا عليه ، (2) ليسلموه إليه إذا بلغ أشده .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا " وأن أوفوا الكيل والميزان. يقول : لا تبخسوا الناس الكيلَ إذا كلتموهم ، والوزنَ إذا وزنتموهم ، ولكن أوفوهم حقوقهم. وإيفاؤهم ذلك ، إعطاؤهم حقوقهم تامة (3) " بالقسط " ، يعني بالعدل ، كما : -
14155 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (بالقسط) ، بالعدل .
* * *
وقد بينا معنى : " القسط " بشواهده فيما مضى ، وكرهنا إعادته . (4)
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( ويحل )) بالواو ، والذي في المخطوطة حق السياق .
(2) في المطبوعة : (( أن يقربوا )) ، والصواب ما في المخطوطة .
(3) انظر تفسير (( الإيفاء )) فيما سلف 9 : 426 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( القسط )) فيما سلف 10 : 334 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(12/224)


وأما قوله : (لا نكلف نفسًا إلا وسعها) ، فإنه يقول : لا نكلف نفسًا ، من إيفاء الكيل والوزن ، إلا ما يسعها فيحلّ لها ولا تحرَجُ فيه . (1) وذلك أن الله جل ثناؤه ، علم من عباده أن كثيرًا منهم تَضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجبُ عليها له ، فأمر المعطي بإيفاء رب الحق حقَّه الذي هو له ، ولم يكلِّفه الزيادة ، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر الذي له الحق ، بأخذ حقه ، ولم يكلفه الرضا بأقل منه ، لما في النقصان عنه من ضيق نفسه. فلم يكلف نفسًا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق ، فلذلك قال : (لا نكلف نفسًا إلا وسعها) .
وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته . (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : (وإذا قلتم فاعدلوا) ، وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم ، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ، (3) ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ، ذا قرابة لكم ، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره ، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه (وبعهد الله أوفوا) ، يقول : وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك : أن
__________
(1) انظر تفسير (( التكليف )) فيما سلف 5 : 45 / 6 : 129 ، 130 / 8 : 579 .
وتفسير (( الوسع )) فيما سلف 5 : 45 /6 : 129 ، 130 .
(2) انظر ما سلف 5 : 45 ، 46 / 6 : 129 ، 130 .
(3) انظر تفسير (( العدل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عدل ) .

(12/225)


يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم ، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك هو الوفاء بعهد الله . (1)
وأما قوله : (ذلكم وصاكم به) ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك : هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين ، هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا ، ووصاكم بها ربكم ، وأمركم بالعمل بها لا بالبحائر ، والسوائب ، والوصائل ، والحام ، وقتل الأولاد ، ووأد البنات ، واتباع خطوات الشيطان (2) (لعلكم تذكرون) ، يقول : أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين ، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها ، لتتذكروا عواقبَ أمركم ، وخطأ ما أنتم عليه مقيمون ، فتنزجروا عنها ، وترتدعوا وتُنيبوا إلى طاعة ربكم .
* * *
وكان ابن عباس يقول : هذه الآيات ، هنَّ الآيات المحكمات .
14156 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن علي بن صالح ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن قيس ، عن ابن عباس قال : هن الآيات المحكمات ، قوله : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا) . (3)
__________
(1) انظر تفسير (( العهد )) فيما سلف من فهارس اللغة ( عهد ) .
وتفسير (( الإيفاء )) فيما سلف ص : 224 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( وصى )) فيما ص : 221 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) الأثر : 14156 - (( على بن صالح بن صالح بن حي الهمداني )) ثقة ، مضى برقم : 178 ، 11975 .
وفي المخطوطة والمطبوعة : (( علي بن أبي صالح )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، والزيادة سهو من الناسخ ، وإنما هو (( علي بن صالح )) ، فهو الذي يروي عن إسحاق السبيعي ، ويروي عنه وكيع ، وكما في المستدرك ، كما سيأتي في التخريج .
و (( أبو إسحاق )) هو السبيعي .
و (( عبد الله بن قيس )) ، راوى هذا الخبر ، خص براوية هذا الخبر عن ابن عباس ، ورواية أبي إسحاق السبيعي عنه . مترجم في التهذيب ( 5 : 365 ) ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 138 .
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 288 ، وقال : (( صحيح )) ، ووافقه الذهبي . وقد أشرت إلى ذلك في تخريج الخبر رقم : 6573 ، فراجعه .
ورواه الحاكم أيضًا في المستدرك 2 : 317 ، بإسناد آخر من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة ، عن ابن عباس ، وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .
و (( عبد الله بن خليفة الهمداني )) ، مضى برقم : 5796 .

(12/226)


14157 - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا أبي قال ، سمعت يحيى بن أيوب يحدّث ، عن يزيد بن أبى حبيب ، عن مرثد بن عبد الله ، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار قال ، سمع كعب الأحبار رجلا يقرأ : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ، فقال : والذي نفس كعب بيده ، إنّ هذا لأوَّل شيء في التوراة : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " . (1)
14158 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن سعيد بن مسروق ، عن رجل ، عن الربيع بن خثيم أنه قال لرجل : هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد ؟ ثم قرأ هؤلاء الآيات : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا) .
14159 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا إسحاق الرازي ، عن أبي سنان ، عن عمرو بن مرة قال : قال الربيع : ألا أقرأ عليكم صحيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لم يقل : " خاتمها " فقرأ هذه الآيات : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) .
__________
(1) الأثر : 14157 - (( وهب بن جرير بن حازم الأزدي )) ، الحافظ الثقة .
وأبو (( جرير بن حازم الأزدي )) ، ثقة ، روى له الجماعة .
و (( يحيى بن أيوب الغافقي )) ، ثقة ، مضى برقم : 3877 ، 4330 .
و (( يزيد بن أبي حبيب المصري )) ، مضى مرارًا ، آخرها : 11871 .
و (( مرثد بن عبد الله اليزني )) ، الفقيه المصري ، مضى برقم : 2839 ، 2840 ، 10890 .
و (( عبيد الله بن عدي بن الخيار النوفلي القرشي )) ثقة ، قليل الحديث ، من فقهاء قريش وعلمائهم ، أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرين . مترجم في التهذيب .
وهذا خبر إسناده صحيح إلى كعب الأحبار .

(12/227)


وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

14160 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : جاء إليه نفر فقالوا : قد جالست أصحابَ محمد ، فحدثنا عن الوَحي. فقرأ عليهم هذه الآيات من " الأنعام " : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا) ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ! قال : فما عندنا وحيٌ غيره .
14161 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : هؤلاء الآيات التي أوصى بها من محكم القرآن .
14162 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وإذا قلتم فاعدلوا) ، قال : قولوا الحق .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهذا الذي وصاكم به ربكم ، أيها الناس ، في هاتين الآيتين من قوله : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ، وأمركم بالوفاء به ، هو " صراطه " يعني : طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده (مستقيمًا) ، يعني : قويمًا لا اعوجاج به عن الحق (1) (فاتبعوه) ، يقول : فاعملوا به ، واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه ، فاتبعوه (2) (ولا تتبعوا السبل) ، يقول : ولا تسلكوا طريقًا سواه ، ولا تركبوا منهجًا غيره ، ولا تبغوا دينًا خلافه (3) ، من
__________
(1) انظر تفسير (( الصراط المستقيم )) فيما سلف ص : 113 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الاتباع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) .
(3) في المخطوطة : (( دينا خلاه)) ، وعلى (( خلاه )) ، حرف ( ط ) دلالة على الخطأ أو الشك ، والذي في المخطوطة مستقيم جيد .

(12/228)


اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان ، وغير ذلك من الملل ، فإنها بدع وضلالات (فتفرق بكم عن سبيله) ، يقول : فيشتّت بكم ، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان ، اتباعُكم إياها " عن سبيله " ، يعني : عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه ، وهو الإسلام الذي وصّى به الأنبياء ، وأمر به الأمم قبلكم (1) (ذلكم وصاكم به) ، يقول تعالى ذكره : هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم : " إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " ، وصاكم به " لعلكم تتقون " ، يقول : لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها ، وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها ، فيحل بكم نقمته وعذابه . (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14163 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ، قال : البدع والشبهات .
14164 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
14165 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ولا تتبعوا السبل) ، البدع والشبهات .
14166 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل
__________
(1) انظر تفسير (( السبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(2) انظر تفسير (( الوصية )) و (( الاتقاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وصى ) و ( وقي ) .

(12/229)


فتفرق بكم عن سبيله) ، وقوله : ( وَأَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [سورة الشورى : 13] ، ونحو هذا في القرآن. قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنه إنما هلك مَنْ كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله .
14167 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ، يقول : لا تتبعوا الضلالات .
14168 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا حماد ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًّا فقال : هذا سبيل الله. ثم خط عن يمين ذلك الخطّ وعن شماله خطوطًا فقال : هذه سُبُل ، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها. ثم قرأ هذه الآية : (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) . (1)
14169 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ، قال : " سبيله " ، الإسلام ، و " صراطه " ، الإسلام . نهاهم أن يتبعوا السبل سواه (فتفرق بكم عن سبيله) ، عن الإسلام .
14170 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن أبان : أن رجلا قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفُه في الجنة ، وعن يمينه جوادُّ ، وعن يساره جَوَادُّ ، وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم. فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به
__________
(1) الأثر : 14168 - صحيح الإسناد ، رواه أحمد في المسند رقم : 4142 ، 4437 ، بنحوه . وقد فصل ابن كثير في تفسيره شرح هذا الإسناد ، وما فيه من اختلاف الرواية 3 : 427 - 429 . وسيأتي برقم : 14170 ، موقوفًا على ابن مسعود .

(12/230)


إلى النار ، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة . ثم قرأ ابن مسعود : (وأن هذا صراطي مستقيمًا) ، الآية .
* * *
قال أبو جعفر : واختلفت القرأة في قراءة قوله : (وأن هذا صراطي مستقيمًا).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : (وَأَنَّ) بفتح " الألف " من " أن " ، وتشديد " النون " ، ردًّا على قوله : (أن لا تشركوا به شيئًا) ، بمعنى : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا " ، " وأن هذا صراطي مستقيمًا " .
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : " وَإِنَّ " بكسر " الألف " من " أن " ، وتشديد " النون " منها ، على الابتداء وانقطاعها عن الأول ، إذ كان الكلام قد انتهى بالخبر عن الوصية التي أوصى الله بها عباده دونه ، عندهم . (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار وعوامّ المسلمين ، (2) صحيح معنياهما ، فبأيِّ القراءتين قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته .
وذلك أن الله تعالى ذكره قد أمر باتباع سبيله ، كما أمر عباده الأنبياء . (3) وإن أدخل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين : (تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ، وما أمركم به ، ففتح على ذلك " أن " ،
__________
(1) يعني بقوله : (( دونه عندهم )) ، دون النبي صلى الله عليه وسلم ، عند من قرأ ذلك كذلك ، كما سيظهر ذلك من الآتي بعد ، انظر التعليق رقم : 3 .
(2) (( عوام المسلمين )) يعني : عامة المسلمين ، لا يعني (( العوام )) كما استعملت بمعنى : الذين لم يتعلموا العلم .
(3) في المطبوعة : (( عباده بالأشياء )) ، وهو كلام ساقط ، لم يحسن قراءة المخطوطة فغير وزاد . وفي المخطوطة : (( عباده الأساء )) ، والصواب قراءتها ما أثبت . ويعني أن هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء .

(12/231)


ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)

فمصيب وإن كسرها ، إذ كانت " التلاوة " قولا وإن كان بغير لفظ " القول " لبعدها من قوله : " أتل " ، وهو يريد إعمال ذلك فيه ، فمصيبٌ وإن كسرها بمعنى ابتداء وانقطاع عن الأول و " التلاوة " ، وأن ما أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوته على من أُمِر بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك ، فمصيب .
* * *
وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبي إسحاق البصري : " وَأنْ " بفتح الألف من " أن " وتخفيف النون منها ، بمعنى : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا " ، " وأنْ هذا صراطي " ، فخففها ، إذ كانت " أن " في قوله : (أن لا تشركوا به شيئًا) ، مخففة ، وكانت " أن " في قوله : (وأن هذا صراطي) ، معطوفة عليها ، فجعلها نظيرةَ ما عطفت عليه .
وذلك وإن كان مذهبًا ، فلا أحب القراءة به ، لشذوذها عن قراءة قرأة الأمصار ، وخلاف ما هم عليه في أمصارهم .
* * *
القول في تأويل قوله : { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (ثم آتينا موسى الكتاب) ، ثم قل بعد ذلك يا محمد : آتى ربك موسى الكتابَ فترك ذكر " قل " ، إذ كان قد تقدم في أول القصّة ما يدلّ على أنه مرادٌ فيها ، وذلك قوله : (1) (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ، فقصَّ ما حرم عليهم وأحلّ ، ثم قال : ثم قل : " آتينا موسى " ، فحذف " قل " لدلالة قوله : " قل " عليه ، وأنه مراد في الكلام .
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( ذلك قوله )) بغير واو ، والسياق يقتضي إثباتها .

(12/232)


وإنما قلنا : ذلك مرادٌ في الكلام ، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا شك أنه بُعث بعد موسى بدهر طويل ، وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه. ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدًا بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه. و " ثم " في كلام العرب حرف يدلّ على أن ما بعده من الكلام والخبر ، بعد الذي قبلها .
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : (تمامًا على الذي أحسن) ، فقال بعضهم : معناه : تمامًا على المحسنين .
* ذكر من قال ذلك :
14171 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (تمامًا على الذي أحسن) ، قال : على المؤمنين.
14172 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (تمامًا على الذي أحسن) ، المؤمنين والمحسنين.
* * *
وكأنّ مجاهدًا وجّه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده .
* * *
فإن قال قائل : فكيف جاز أن يقال : (على الذي أحسن) ، فيوحِّد " الذي " ، والتأويل على الذين أحسنوا ؟
قيل : إن العرب تفعل ذلك خاصة في " الذي " وفي " الألف واللام " ، إذا أرادت به الكل والجميع ، كما قال جل ثناؤه : ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) ، [سورة العصر : 1 ، 2] ، وكما قالوا : " كثر الدِّرهم فيه في أيدي الناس " . (1)
__________
(1) في المطبوعة : (( أكثر الذي هم في أيدي الناس )) ، وهو كلام غث لا معنى له ، زاد (( فيه )) على ما كان في المخطوطة . وكان فيها : (( أكثر الدرهم في أيدي الناس )) ، وصواب قراءتها ما أثبت ، أو : (( ما أكثر الدرهم في أيدي الناس )) .
وقد سلف هذا البحث فيما مضى ، وفيه نحو هذا الشاهد 4 : 263 ، 270 / 6 : 125 .

(12/233)


وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود : أنه كان يقرأ ذلك : " تمامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا " ، وذلك من قراءته كذلك ، يؤيد قول مجاهد .
وإذا كان المعنى كذلك ، كان قوله : " أحسن " ، فعلا ماضيًا ، فيكون نصبه لذلك .
* * *
وقد يجوز أن يكون " أحسن " في موضع خفض ، غير أنه نصب إذ كان " أفعل " ، و " أفعل " ، لا يجري في كلامها . (1)
فإن قيل : فبأيِّ شيء خفض ؟
قيل : ردًّا على " الذي " ، إذ لم يظهر له ما يرفعه فيكون تأويل الكلام حينئذ : ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي هو أحسن ، ثم حذف " هو " ، وجاور " أحسن " " الذي " ، فعرِّب بتعريبه ، (2) إذ كان كالمعرفة من أجل أن " الألف واللام " لا يدخلانه ، " والذي " مثله ، كما تقول العرب : " مررت بالذي خيرٍ منك ، وشرٍّ منك " ، (3) كما قال الراجز : (4)
إِنَّ الزُّبَيْرِيَّ الَّذِي مِثْلَ الحَلَمْ... مَسَّى بِأَسْلابِكُمُ أَهْلَ الْعَلَمْ (5)
__________
(1) الإجراء : الصرف .
(2) في المطبوعة : (( فعرف بتعريفه )) ، وهو كلام لا معنى له ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، إذ كانت غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها . و (( التعريب )) ، هو (( الإعراب )) .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 365 ، وفيها خطأ ظاهر ، لأنه كتب هناك : (( مررت بالذي هو خير منك ، وشر منك )) ، فزادوا (( هو )) ، والصواب حذفها ، فلتصحح هناك .
(4) لم أعرفه .
(5) معاني القرآن للفراء 1 : 365 ، وروايته كما في مطبوعة المعاني : مَشَّى بِأَسْلابِكَ فِي أَهْلِ الَعَلَمْ
كأنه يعني أنه سلبه ثيابه ولبسهما ، وهو يمشي بها في الناس . (( ومشى )) بتشديد الشين . يقال : (( مشى )) و (( تمشي )) و (( مشى )) بمعنى واحد .
وأما رواية أبي جعفر ، فهي بالسين لا بالشين ، لا شك في ذلك ، كأنه يقول : صبحه بالغارة ، ثم أمسى بما سلبه عند (( أهل العلم )) ، وهو موضع . و (( العلم )) ، الجبل . و (( الحلم )) ( بفتحتين ) : القراد الصغير ، يصف هذا الزبيرى الذي سلبه ثيابه وأمواله ، بأنه قميء قصير .

(12/234)


فأتبع " مثل " " الذي " ، في الإعراب . ومن قال ذلك ، لم يقل : مررت " بالذي عالمٍ " ، لأن " عالمًا " نكرة ، " والذي " معرفة ، ولا تتبع نكرة معرفة . (1)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : تمامًا على الذي أحسن " ، موسى ، فيما امتحنه الله به في الدنيا من أمره ونهيه .
* ذكر من قال ذلك :
14173 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذين أحسن) ، فيما أعطاه الله.
14174 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن) ، قال : من أحسن في الدنيا ، تمم الله له ذلك في الآخرة .
14175 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد عن قتادة قوله : (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن) ، يقول : من أحسن في الدنيا ، تمت عليه كرامة الله في الآخرة.
* * *
وعلى هذا التأويل الذي تأوّله الربيع ، يكون " أحسن " ، نصبًا ، لأنه فعل ماض ، و " الذي " بمعنى " ما " وكأنّ الكلام حينئذ : ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على ما أحسن موسى أي : آتيناه الكتاب لأتمم له كرامتي في الآخرة ، تمامًا على إحسانه في الدنيا في عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته .
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 365 .

(12/235)


وقال آخرون في ذلك : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم .
* ذكر من قال ذلك :
14176 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن) ، قال : تمامًا من الله وإحسانه الذي أحسن إليهم وهداهم للإسلام ، وآتاهم ذلك الكتاب تمامًا ، لنعمته عليه وإحسانه .
* * *
" وأحسن " على هذا التأويل أيضًا ، في موضع نصب ، على أنه فعل ماض ، " والذي " على هذا القول والقول الذي قاله الربيع ، بمعنى : " ما " .
* * *
وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك : " تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ " رفعًا بتأويل : على الذي هو أحسن .
14177 - حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا الحجاج ، عن هارون ، عن أبي عمرو بن العلاء ، عن يحيى بن يعمر .
* * *
قال أبو جعفر : وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ، وإن كان لها في العربية وجه صحيح ، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قرأة الأمصار .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا لنعمنا عنده ، على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا لأن ذلك أظهرُ معانيه في الكلام ، وأن إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله عليه ومنة عظيمة. فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحُسن طاعة .
* * *

(12/236)


ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد ، كان الكلام : ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسنّا أو : ثم آتى الله موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن .
وفي وصفه جل ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب ، ثم صرفه الخبر بقوله : " أحسن " ، إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين الدليلُ الواضح على أن القول غير القول الذي قاله ابن زيد .
* * *
وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه " الذي " إلى معنى الجميع ، فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك. بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشبه . وإذا تنوزع في تأويل الكلام ، كان أولى معانيه به أغلبُه على الظاهر ، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليلٌ واضح على أنه معنيٌّ به غير ذلك .
* * *
وأما قوله : (وتفصيلا لكل شيء) ، فإنه يعني : وتبيينًا لكل شيء من أمر الدين الذي أمروا به . (1)
* * *
فتأويل الكلام إذًا : ثم آتينا موسى التوراة تمامًا لنعمنا عنده وأيادينا قِبَله ، تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربَّه وقيامه بما كلّفه من شرائع دينه ، وتبيينًا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم ، (2) كما : -
14178 - حدثني بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وتفصيلا لكل شيء) ، فيه حلاله وحرامه .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف 113 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) في المطبوعة : (( ما لقومه )) باللام ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(12/237)


القول في تأويل قوله : { وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : آتينا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلا لكل شيء (وهدى) ، يعني بقوله " وهدى " ، تقويمًا لهم على الطريق المستقيم ، وبيانًا لهم سُبُل الرشاد لئلا يضلوا (ورحمة) ، يقول : ورحمة منا بهم ورأفة ، لننجيهم من الضلالة وَعمى الحيرة . (1)
وأما قوله : (لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون) ، فإنه يعني : إيتائي موسى الكتاب تمامًا لكرامة الله موسى ، على إحسان موسى ، وتفصيلا لشرائع دينه ، وهدًى لمن اتبعه ، ورحمة لمن كان منهم ضالا لينجيه الله به من الضلالة ، وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه ، فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر به ، وبلقائه بعد مماته ، فيطيع ربه ، ويصدِّق بما جاءه به نبيه موسى صلى الله عليه وسلم .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) ، وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم " كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه " ، (2) يقول : فاجعلوه إمامًا تتّبعونه وتعملون بما فيه ، أيها الناس (3) (واتقوا) ،
__________
(1) انظر تفسير (( الهدى )) و (( الرحمة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) و ( رحم ) .
(2) انظر تفسير (( مبارك )) فيما سلف 7 : 25 /11 : 530 .
(3) انظر تفسير (( الاتباع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) .

(12/238)


أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)

يقول : واحذروا الله في أنفسكم ، أن تضيعوا العمل بما فيه ، وتتعدّوا حدودَه ، وتستحلُّوا محارمه . (1) كما : -
14179 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) ، وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد عليه الصلاة والسلام (فاتبعوه) ، يقول : فاتبعوا حلاله ، وحرّموا حرامه .
* * *
وقوله : (لعلكم ترحمون) ، يقول : لترحموا ، فتنجوا من عذاب الله ، وأليم عقابه .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في العامل في " أن " التي في قوله : (أن تقولوا) وفي معنى هذا الكلام.
فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : " ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن " ، (2) كراهيةَ أن تقولوا : " إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا " .
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة : بل ذلك في موضع نصب بفعل مضمر. قال : ومعنى الكلام : فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون اتقوا أن تقولوا . قال : ومثله يقول الله
__________
(1) انظر تفسير (( التقوى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .
(2) أرجح أن صواب العبارة : (( معنى ذلك : وهذا كتاب أنزلناه مبارك ، كراهية أن تقولوا ... )) فإنه هو القول الذي اختاره أبو جعفر بعد . ولعله سهو منه أو من الناسخ .

(12/239)


( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) ، [ سورة الحجرات : 2].
* * *
وقال آخرون منهم : هو في موضع نصب . قال : ونصبه من مكانين : أحدهما : أنزلناه لئلا يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا (1) والآخر من قوله : (اتقوا). قال : ولا يصلح في موضع " أن " كقوله : ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) [ سورة النساء : 176]. (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قول من قال : نصب " أن " لتعلقها : بالإنزال ، لأن معنى الكلام : وهذا كتاب أنزلناه مبارك لئلا تقولوا : " إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا " .
* * *
فأما الطائفتان اللتان ذكرهما الله ، وأخبر أنه إنما أنزل كتابه على نبيه محمد لئلا يقول المشركون : " لم ينزل علينا كتاب فنتبعه ، ولم نؤمر ولم نُنْه ، فليس علينا حجة فيما نأتي ونَذَر ، إذ لم يأت من الله كتاب ولا رسول " ، (3) وإنما الحجة على الطائفتين اللتين أنزل عليهما الكتاب من قبلنا فإنهما اليهود والنصارى ، (4) وكذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14180 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) ، وهم اليهود والنصارى .
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( إنما أنزل الكتاب على )) وقطع ، وزدت بقية الآية .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 36 .
(3) في المطبوعة : (( لم يأت )) ، وفي المخطوطة مثلها ، وضرب عليها ، ووضع حرف ( ط ) دلالة على الخطأ أو الشك ، ورأين قراءتها ، فهذا حق السياق .
(4) انظر تفسير (( الطائفة )) فيما سلف 6 : 500 ، 506 / 9 : 141 .

(12/240)


14181 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) ، اليهود والنصارى يُخاف أن تقوله قريش .
14182 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج عن مجاهد : (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) ، قال : اليهود والنصارى. قال : أن تقول قريش .
14183 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) ، وهم اليهود والنصارى .
14184 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) ، أما الطائفتان : فاليهود والنصارى .
* * *
وأما(وإن كنا عن دِرَاستهم لغافلين) ، فإنه يعني : أن تقولوا : وقد كنا عن تلاوة الطائفتين الكتابَ الذي أنزلتُ عليهم (1) " غافلين " ، لا ندري ما هي ، (2) ولا نعلم ما يقرؤون وما يقولون ، وما أنزل إليهم في كتابهم ، لأنهم كانوا أهله دوننا ، ولم نعن به ولم نؤمر بما فيه ، ولا هو بلساننا ، فيتخذوا ذلك حجة . فقطع الله بإنزاله القرآنَ على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حجتهم تلك . (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14185 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني
__________
(1) انظر تفسير (( الدراسة )) فيما سلف 6 : 546 / 12 : 25 - 31 .
(2) في المخطوطة : (( ما هم )) ، ويؤيد ما في المطبوعة ، ما سيأتي بعد في رقم : 14188 .
(3) انظر تفسير (( الغفلة )) فيما سلف من فهارس اللغة (( غفل )) .

(12/241)


أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)

معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وإن كنا عن دراستهم لغافلين) ، يقول : وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين .
14186 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وإن كنا عن دراستهم لغافلين) ، أي : عن قراءتهم .
14187 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وإن كنا عن دراستهم لغافلين) ، قال : " الدراسة " ، القراءة والعلم. وقرأ : ( وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ) ، [سورة الأعراف : 169]. قال : علموا ما فيه ، لم يأتوه بجهالة .
14188 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإن كنا عن دراستهم لغافلين) ، يقول : وإن كنا عن قراءتهم لغافلين ، لا نعلم ما هي .
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " وهذا كتاب أنزلناه مبارك " ، لئلا يقول المشركون من عبدة الأوثان من قريش : " إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا " ، أو : لئلا يقولوا : لو أنّا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على هاتين الطائفتين من قبلنا ، فأمرنا فيه ونُهِينا ، وبُيِّن لنا فيه خطأ ما نحن فيه من صوابه (لكنا أهدى منهم) ، أي : لكنا أشدَّ استقامة على طريق الحق ، واتباعًا للكتاب ،

(12/242)


وأحسن عملا بما فيه ، من الطائفتين اللتين أنزل عليهما الكتاب من قبلنا . (1) يقول الله : (فقد جاءكم بينة من ربكم) ، يقول : فقد جاءكم كتابٌ بلسانكم عربيٌ مبين ، حجة عليكم واضحة بيّنة من ربكم (2) (وهدى) ، يقول : وبيان للحق ، وفُرْقانٌ بين الصواب والخطأ ، (ورحمة) لمن عمل به واتّبعه ، كما : -
14189 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم) ، يقول : قد جاءكم بينة ، لسانٌ عربي مبين ، حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين ، وحين قلتم : لو جاءنا كتاب لكنا أهدى منهم .
14190 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم) ، فهذا قول كفار العرب (فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ).
* * *
القول في تأويل قوله : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : فمن أخطأ فعلا وأشدّ عدوانًا منكم ، أيها المشركون ، المكذبون بحجج الله وأدلته وهي آياته (3) (وصدف عنها) ، يقول : وأعرض عنها بعد ما أتته ، فلم يؤمن بها ، ولم يصدِّق بحقيقتها .
__________
(1) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .
(2) انظر تفسير (( البينة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(3) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم )
وتفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(12/243)


وأخرج جل ثناؤه الخبر بقوله : (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله) ، مخرج الخبر عن الغائب ، والمعنيّ به المخاطبون به من مشركي قريش .
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : (وصدف عنها) ، قال أهل التأويل . (1)
* ذكر من قال ذلك :
14191 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وصدف عنها) ، يقول : أعرض عنها .
14192 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (يصدفون عن آياتنا) ، يعرضون عنها ، و " الصدف " ، الإعراض.
14193 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وصدف عنها) ، أعرض عنها ، (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون) ، أي : يعرضون .
14194 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وصدف عنها) ، فصدَّ عنها.
* * *
وقوله : (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب) ، يقول : سيثيب الله الذين يعرضون عن آياته وحججه ولا يتدبرونها ، (2) ولا يتعرفون حقيقتها فيؤمنوا بما دلتهم عليه من توحيد الله ، وحقيقة نبوة نبيه ، (3) وصدق ما جاءهم به من عند
__________
(1) انظر تفسير (( صدف )) فيما سلف 11 : 366 .
(2) انظر تفسير (( الجزاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) .
(3) في المطبوعة : (( وحقية نبوة نبيه )) ، فعل بها ما فعل بأخواتها من قبل . انظر ما سلف 11 : 475 تعليق : 3 ، والمراجع هناك . و (( حقيقة )) مصدر بمعنى (( حق )) .

(12/244)


ربهم (سوء العذاب) ، يقول : شديد العقاب ، وذلك عذاب النار التي أعدَّها الله لكفرة خلقه به (بما كانوا يصدفون) ، يقول : يفعل الله ذلك بهم جزاء بما كانوا يعرضون عن آياته في الدنيا ، فلا يقبلون ما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم .
* * *

(12/245)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)

القول في تأويل قوله : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام (1) إلا أن تأتيهم الملائكة " ، بالموت فتقبض أرواحهم أو أن يأتيهم ربك ، يا محمد ، بين خلقه في موقف القيامة " أو يأتي بعض آيات ربك " ، يقول : أو أن يأتيهم بعضُ آيات ربك. وذلك فيما قال أهل التأويل : طلوعُ الشمس من مغربها .
* ذكر من قال من أهل التأويل ذلك :
14195 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : {إلا أن تأتيهم الملائكة} ، يقول : عند الموت حين توفَّاهم " أو يأتي ربك " ، ذلك
__________
(1) انظر تفسير (نظر فيما سلف 1 : 467 - 469/8 : 437 ، 438)

(12/245)


يوم القيامة " أو يأتي بعض آيات ربك " ، طلوع الشمس من مغربها .
14196 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : {إلا أن تأتيهم الملائكة} ، بالموت " أو يأتي ربك " ، يوم القيامة " أو يأتي بعض آيات ربك " ، قال : آية موجبة ، طلوع الشمس من مغربها ، أو ما شاء الله .
14197 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة " ، يقول : بالموت " أو يأتي ربك " ، وذلك يوم القيامة " أو يأتي بعض آيات ربك " .
14198 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة " ، عند الموت " أو يأتي ربك " " أو يأتي بعض آيات ربك " ، يقول : طلوع الشمس من مغربها.
14199 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال ، قال عبد الله في قوله : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " ، قال : يصبحون والشمس والقمر من هاهنا من قبل المغرب ، كالبعيرين القَرينين زاد ابن حميد في حديثه : " فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قَبْل أو كسبت في إيمانها خيرًا " ، وقال : " كالبعيرين المقترنين " . . (1)
14200 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة " ، تقبض الأنفس بالموت " أو يأتي ربك " ، يوم القيامة " أو يأتي بعض آيات ربك " .
__________
(1) " الأثر : 14199 - خبر عبد الله بن مسعود ، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، وهذا إسناد صحيح . وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 22 وقال : (( رواه الطبراني من طريقين ، إحداهما هذه ، وفيها عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، وهو ضعيف . والأخرى مختصرة ، ورجالها ثقات )) ، قلت : كأنه يعني هذه الطريق ، أو غيرها من الطرق الآتية بعد .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 57 ، ونسبة إلى سعيد بن منصور ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والطبراني . وأغفل ما أخرجه ابن جرير .
ثم انظر خبر ابن مسعود من طرق كثيرة أخرى من رقم : 14227 - 14236 .

(12/246)


القول في تأويل قوله : { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " يوم يأتي بعض آيات ربك " ، لا ينفع من كان قبل ذلك مشركًا بالله ، أن يؤمن بعد مجيء تلك الآية .
* * *
وقيل : إن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه أن الكافر لا ينفعه إيمانه عند مجيئها : طلوعُ الشمس من مغربها .
* ذكر من قال ذلك ، وما ذكر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
14201 - حدثني عيسى بن عثمان الرملي قال ، حدثنا يحيى بن عيسى ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها " ، قال : طلوع الشمس من مغربها. (1)
__________
(1) الأثران : 14201 ، 14202 - حديث الخدري ، مروي من طريقين ، هذا والذي يليه .
(( عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي )) ، شيخ الطبري ، صالح الحديث ، مضى برقم : 300 .
و (( يحيى بن عيسى التميمي )) ، عم (( عيسى بن عثمان )) ، وهو ثقة . مضى برقم : 300 ، 6317 ، 9035 .
و (( ابن أ[ي ليلى )) ، هو (( محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى )) ، كان فقيهًا صدوقًا ، غير أنه كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث . تركه أحمد . مضى برقم : 32 ، 33 ، 631 ، 3914 ، 5434 .
و (( عطية )) ، هو (( عطية بن سعد بن جنادة العوفي )) ، مضى تضعيفه في رقم : 305 .
وكان لعطية عن سعيد الخدري أحاديث عدة ، قال ابن حبان : سمع من أبي سعيد (( الخدري )) ، أحاديث ، فلما مات ، جعل يجالس الكلبي ... فإذا قال الكلبي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ... فيحفظه ، وكناه أبا سعيد ، ويروي عنه . فإن قيل له من حدثك بهذا فيقول : (( حدثني أبو سعيد )) ، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري ، وإنما أراد الكلبي . قال : لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب .
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 3 : 31 ، بالإسناد الثاني ، ورواه به أيضًا الترمذي في كتاب التفسير وقال : (( هذا حديث غريب . ورواه بعضهم ولم يرفعه )) . وهو خبر ضعيف الإسناد .

(12/247)


14202 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله.
14203 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، وجرير عن عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. قال : فإذا رآها الناس آمن من عليها ، فتلك ، " حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " .' (1)
14204 - حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري وإسحاق بن شاهين قالا
__________
(1) الأثر : 14203 - خبر أبي هريرة ، رواه أبو جعفر من طرق .
الأولى : من طريق : عمارة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، برقم 14203 ، 14209 .
الثانية : من طريق العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، برقم : 14210 ، 14236 .
الثالثة : من طريق : ابن عون ، عن أبي سيرين ، عن أبي هريرة برقم : 14211 .
الرابعة : من طريق : أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : 14220 .
الخامسة : من طريق جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن ابي هريرة برقم : 14219 .
السادسة : من طريق ابن جريج ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة برقم : 14225 .
السابعة : من طريق أبي حازم ، عن ابي هريرة ، رقم 14247 ، وهو بغير هذا اللفظ .
ولتفرق هذه الآثار ، سأجمع كل متشابهين في التخريج في مكان واحد . فهذا الأثر رقم : 14203 ، 14209 رواه البخاري من هذه الطريق نفسها ( الفتح 8 : 223 / 11 : 304 ) ، ورواه مسلم في صحيحه 2 : 194 ، ورواه أحمد رقم : 7161 ، وأبو دادود في سننه 4 : 163 ، وابن ماجه ص : 1352 ، وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 433 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 57 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وعبد الرزاق ، والنسائي ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث ، والطبراني أبي عدي .
و (( عمارة )) هو (( عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي )) ، روى له الجماعة ، ثقة . مترجم في التهذيب .
و (( أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي )) ، مضى برقم : 4841 ، 8155 ، 9161 .
وهذا حديث صحيح الإسناد .

(12/248)


أخبرنا خالد بن عبد الله الطحان ، عن يونس ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يومًا : أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : إنها تذهب إلى مستقرِّها تحت العرش ، فتخرُّ ساجدة ، فلا تزال كذلك حتى يقال لها : " ارتفعي من حيث شئت " ، فتصبح طالعة من مطلعها . ثم تجري إلى أن تنتهي إلى مستقرٍّ لها تحت العرش ، فتخرّ ساجدة ، فلا تزال كذلك حتى يقال لها : " ارتفعي من حيث شئت " ، فتصبح طالعةً من مطلعها . ثم تجري لا ينكر الناسُ منها شيئًا ، حتى تنتهي فتخرّ ساجدة في مستقر لها تحت العرش ، فيصبح الناسُ لا ينكرون منها شيئًا ، فيقال لها : " اطلعي من مغربك " فتصبح طالعة من مغربها. قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أتدرون أيّ يوم ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم! قال : ذاك يومَ " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " . (1)
14205 - حدثنا مؤمل بن هشام ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا ابن علية ،
__________
(1) الأثر : 14204 ، 14205 - حديث أبي ذر الغفاري ، رواه من طرق مطولا ومختصرًا ، هذان ، ثم من رقم 14221 - 14223 ، وسأذكرها مفرقة .
(( عبد الحميد بن بيان السكري ، القناد )) ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا ، آخرها 10154 ، وكان في المطبوعة هنا (( اليشكري )) ، وهو خطأ ، صوابه ما في المخطوطة .
و (( إسحاق بن شاهين الواسطي )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 7211 ، 9788 .
و (( خالد بن عبد الله الطحان )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11504 .
و (( يونس )) ، هو (( يونس بن عبيد بن دينار العبدي )) ، مضى أيضًا بأرقام آخرها : 10574 .
و (( إبراهيم التيمي )) ، هو (( إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي )) تابعي ، ثقة . مضى بأرقام آخرها : 10284 .
وأبو (( يزيد بن شريك التيمي )) ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 2998 .
وهو خبر صحيح الإسناد . رواه البخاري ( الفتح 6 : 214 / 8 : 416 ) ، ورواه مسلم 2 : 195 ، 196 ، والطيالسي : 62 ، والترمذي في التفسير ، وفي الفتن . وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 4334 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 57 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وأبي داود ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي . وقد استوفى شرحه في الفتح ( 8 : 416 ) .

(12/249)


عن يونس ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . (1)
14206 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن عاصم ، عن زر ، عن صفوان بن عسّال قال ، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ من قِبَل مغرب الشمس بابًا مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه. فإذا طلعت الشمس من نحوه ، لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا. . (2)
14207 - حدثنا المفضل بن إسحاق قال ، حدثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الإياميّ ، عن أبيه ، عن زبيد ، عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال المرادي قال : ذكرت التوبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : للتوبة بابٌ بالمغرب مسيرة سبعين عامًا أو : أربعين عامًا فلا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك. . (3)
__________
(1) الأثر : 14205 - إسناده صحيح ، مكرر الذي قبله
(2) الأثر : 14206 - حديث ( صفوان بن عسال المرادي )) صاحب رسول الله ، رواه أبو جعفر من طريقين :
الأول : من طريق عاصم بن أبي النجود ( عاصم ابن بهدلة ) ، عن زر ، عن صفوان ، رقم 14206 ، 14208 ، 142016 - 14218 ، 14242 .
الثاني : من طريق زبيد الإيامي ، عن زر ، عن صفوان رقم : 14207 .
والخبر ، رواه أحمد في المسند 4 : 240 ، والطاليسي : 160 ، وابن ماجه ص : 1353 ، والترمذي ، والنسائي . وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 435 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 59 ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، والطبراني ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والبيهقي ، وابن مردويه . وقال ابن كثير : (( صححه النسائي )) .
ورواه البخاري في التاريخ الكبير 2 / 2 / 305 ، من طريق عبد الرحمن بن مرزوق ، عن زر حبيش ، عن صفوان بن عسال ، ثم قال : (( لا يعف سماع عبد الرحمن ، من زر ))
(3) الأثر : 14207 - (( المفضل بن إسحاق )) ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة . (( أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الإيامي )) ، ويقال : ، (( اليامي )) أيضًا . ذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه ، وقال أبو حاتم : (( محله صدق )) ، أما النسائي فقال : (( ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه )) قال ابن عدي : (( أفرط النسائي في أمره ، وقد تبحرت حديثه ، فلم أر له حديثًا منكرًا )) .
وكان في المطبوعة (( اليامى )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
وأبوه : (( عبد الرحمن بن زبيد الإيامي )) ، روى عنه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار . قال البخاري : (( منكر الحديث )) وقيل : (( النكارة هي من يحيى )) ، نقل عن البخاري أيضًا . قال الحافظ في لسان الميزان : (( وهذا إنما قاله البخاري الراوي عنه . وأما (( عبد الرحمن )) ، فذكره ابن حبان في الثقات .
وأما أبوه (( زبيد بن الحارث الإيامي )) ، فهو ثقة ، مضى برقم : 180 ، 2521 ، 5420 . و (( زر بن حبيش )) ، مضى مرارًا .
ولم أجد من الخبر من هذه الطريق ، في شيء مما بين يدي من الكتب .

(12/250)


14208 - حدثني محمد بن عمارة قال ، حدثنا سهل بن عامر قال ، حدثنا مالك ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال أنه قال : إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبة مسيرة سبعين عامًا ، فإذا طلعت الشمس من مغربها ، لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا . (1)
14209 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت ورآها الناس ، آمن مَنْ عليها ، فذلك حين " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " . (2)
14210 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا خالد بن مخلد قال ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمس من مغربها ، فيومئذ يؤمن
__________
(1) الأثر : 14208 - (( محمد بن عمارة الأسدي )) ، شيخ الطبري ، مضى مرارًا . (( سهل بن عامرالبجلي )) ، ضعيف جدًا ، منكر الحديث . مضى برقم : 1971 ، 5431 ، 6313 .
و (( مالك )) هو (( مالك بن مغول بن عاصم البجلي )) ، ثقة ، مضى برقم : 5431 ، 10872 . وهذا خبر ضعيف الإسناد ، لضعف (( سهل بن عامر البجلي )) .
(2) الأثر : 14209 - مكرر الذي سلف برقم : 14203 .

(12/251)


الناس كلهم أجمعون ، وذلك حين " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " . (1)
14211 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال ، التوبة مقبولة ، ما لم تطلع الشمس من مغربها . (2)
14212 - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال ، حدثنا ابن عياش قال ، حدثنا ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن مالك بن يخامر ، عن معاوية بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تزل التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت طُبِع على كل قلب بما فيه ، وكُفي الناسُ العمل. (3)
14213 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو أسامة وجعفر بن عون ، بنحوه .
__________
(1) الأثر : 14210 - هذه هي الطريق الثانية لأثر أبي هريرة ، كما سلف في صدر التعليق على رقم : 14203 .
(( خالد بن مخلد القطواني )) ، ثقة من شيوخ البخاري ، مضى برقم : 2606 ، 4577 ، 8166 ، 8397 .
و (( محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري )) ، ثقة معروف ، مضى برقم : 2606 ، 8397 .
و (( العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، مولى الحرقة )) ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 221 . وأبوه (( عبد الرحمن بن يعقوب ، مولى الحرقة )) ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 2 : 194 ، من طريق يحيى بن أيوب ، وقتيبة بن سعيد ، وعلي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر ( أخو محمد بن جعفر رواى هذا الخبر ) ، عن العلاء بن عبد الرحمن . وهو حديث صحيح الإسناد .
(2) الأثر : 14211 - هذه هي الطريق الثالثة من طرق حديث أبي هريرة ، كما سلف في رقم : 14203 . (( ابن عون )) ، هو (( عبد الله بن عون المزني )) الفقيه ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 10559 . وكان في المطبوعة : (( عن أبي عون )) ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة . وهذا إسناد صحيح أيضًا ، لم أجد في غير التفسير .
(3) الأثر : 14212 - (( أحمد بن الحسن بن جنيدب الترمذي )) ، الحافظ ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 7489 .
و(( سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى التميمي الدمشقي )) ، قال ابن معين : (( ثقة ، إذا روى عن المعروفين )) ، وقال ابن حبان : (( يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات المشاهير ، فأما إذا روى عن المجاهيل ، ففيها منكر )) . مترجم في التهذيب .
و (( ابن عياش )) ، هو (( إسماعيل بن عياش بن مسلم العنسي )) ، ثقة ، متكلم فيه ، مضى برقم : 5445 ، 8164 ، 10375 ، 10730 ، 11108 .
و (( ضمضم بن زرعة بن ثوب الحميري )) ، ثقة ، وضعفه بعضهم مضى برقم : 5445 .
و (( شريج بن عبيد بن شريح الحضرمي )) ، تابعي ثقة ، مضى برقم : 5445 ، 12194 .
و (( مالك بن يخامر السكسكى )) ، تابعي . مترجم في التهذيب .
وهذا خبر صحيح الإسناد ، مختصر رواه أحمد في مسنده رقم : 1671 ، من طريق الحكم ابن نافع : (( عن إسماعيل بن عياش ، عن ضمضم بن زرعة ، يرده إلى مالك بن يخامر ، عن ابن السعدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل . فقال معاوية ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن عمرو بن العاص : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الهجرة خصلتان : إحداهما أن تهجر السيئات ، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله ، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ، ولا تزال التوبة ... )) إلى آخر الخبر . وهو في حديث معاوية من المسند 5 : 270 من غير هذه الطريق ، بغير هذا اللفظ . وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 5 : 250 ، وانظر تخريج أخي السيد أحمد في المسند : 1671 . وسيأتي أخي السيد أحمد في المسند : 1671 .

(12/252)


14214 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي حيان التيمي ، عن أبي زرعة قال ، جلس ثلاثة من المسلمين إلى مروان بن الحكم بالمدينة ، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات : أن أولها خروجا الدجالُ ، فانصرف القوم إلى عبد الله بن عمرو ، فحدثوه بذلك ، فقال : لم يقل مروان شيئًا! قد حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئًا لم أنسَه ، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها ، أو خروج الدابة على الناس ضُحًى ، أيَّتهما ما كانت قبل صاحبتها ، (1) فالأخرى على أثرها قريبًا . ثم قال عبد الله بن عمرو ، وكان يقرأ الكتب : أظن أولهما خروجًا طلوع الشمس من مغربها ، وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع ، فيؤذن لها في الرجوع ، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها ، فعلت
__________
(1) في المطبوعة : (( أيتها كانت )) بغير (( ما )) ، وهي ثابتة في المخطوطة ، ومسند أحمد .

(12/253)


كما كانت تفعل ، أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع ، فلم يردَّ عليها شيئًا ، (1) فتفعل ذلك ثلاث مرات ، لا يردّ عليها بشيء. حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب ، وعرفت أن لو أذن لها لم تدرك المشرق ، قالت : " ما أبعدَ المشرق! ربِّ ، منْ لي بالناس " ! حتى إذا صار الأفق كأنه طَوْق ، استأذنت في الرجوع ، فقيل لها : " أطلعي من مكانك " ، فتطلع من مغربها . ثم قرأ : " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها " ، إلى آخر الآية . (2)
14215 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو ربيعة فهد قال ، حدثنا حماد ، عن يحيى بن سعيد أبي حيان ، عن الشعبي ، أن ثلاثة نفر دخلوا على مروان بن الحكم ، فذكر نحوه ، عن عبد الله بن عمرو. (3)
__________
(1) في المخطوطة : (( وذلك دانها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع ، فلم يرد عليها شيئًا )) ، أسقط ما بين الكلام ، وأثبته ناشر المطبوعة الأولى من الدر المنثور فيما أرجح ، ومثله في مسند أحمد . وكان في المخطوطة : (( وذلك دانها )) غير منقوطة ، صواب قراءتها ما في المطبوعة والمسند .
(2) الأثر : 14214 - حديث عبد الله بن عمرو ، رواه مطولا من طريقين ، هذا والذي يليه ، ورواهمختصرًا برقم 14226 - 14243 .
(( أبو حيان التمي )) هو (( يحيى بن سعيد بن حيان التيمي )) ، ثقة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 10883 .
و (( أبو زرعة بن عمرو بن جرير )) ، ثقة ، مضى قريبًا رقم : 14203 .
وهذا الخبر رواه أحمد في المسند رقم : 6881 ، من هذه الطريق نفسها ، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 8 ، 9 ، وقال : (( في الصحيح طرف من أوله ، رواه أحمد ، والبزار ، والطبراني ، في الكبير ، ورجاله رجال الصحيح )) .
ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 547 ، 548 ، بنحوه ، من طريق جعفر بن عون العمري ، عن أبي حيان التيمى ، وقال : (( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي غير مصرح بالموافقة .
ورةى الحاكم أيضًا في المستدرك 4 : 500 ، 501 ، حديث عن عبد الله بن عمرو هذا بزيادة واختلاف ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن إسحاق بن وهب ، عن جابر الخيواني ، قال : (( كنت عند عبد الله بن عمرو ، فقدم عليه قهرمان من الشام ، وقد بقيت ليلتان من رمضان ... )) وساق الخبر ، ثم قال : (( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 436 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 57 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، ومسلم ، وأبي داود ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي . والذي رواه مسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، هو المختصر ، لا هذا المطول .
(3) الأثر : 14215 - هذه طريق أخرى للخبر السالف ، وهو ضعيف إسناده . (( أبو ربيعة )) ، لقبه (( فهد )) ، واسمه (( زيد بن عوف القطعي )) ، متروك ، قال البخاري : (( سكتوا عنه )) ، واتهمه أبو زرعة بسرقة حديثين ، كما هو مفصل في ابن أبي حاتم . مترجم في الكبير 2 / 1 / 369 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 570 ، وميزان الاعتدال 1 : 364 ، ولسان الميزان 2 : 509 .

(12/254)


14216 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، سمعت عاصم بن أبي النجود ، يحدث عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبة مسيرة سبعين عامًا ، لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه. (1)
14217 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد ، عن حجاج ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال قال : إذا طلعت الشمس من مغربها ، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل . (2)
14218 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو ربيعة فهد قال ، حدثنا عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش قال : غَدَوْتُ إلى صفوان بن عسال فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب ، عرضه مسيرة سبعين عامًا ، فلا يزال مفتوحًا حتى تطلع من قبله الشمس . ثم قرأ : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " ، إلى : " خيرًا " . (3)
14219 - حدثني الربيع بن سليمان قال ، حدثنا شعيب بن الليث قال ،
__________
(1) الأثر : 14216 ، 14217 - طريقان من طرق حديث صفوان ، السالف تخريجه رقم : 14206 - 14208 . ورواه أحمد في المسند 4 : 240 ، 241 ، في حديث طويل .
(2) الأثر : 14216 ، 14217 - طريقان من طرق حديث صفوان ، السالف تخريجه رقم : 14206 - 14208 . ورواه أحمد في المسند 4 : 240 ، 241 ، في حديث طويل .
(3) الأثر : 14218 - طريق من طرق حديث صفوان السالف تخريجه رقم : 14206 - 14208 ، ولكن هذا الإسناد ضعيف ، لضعف (( أبي ربيعة ، فهد )) ، وقد مضى في رقم : 14215 .

(12/255)


حدثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز : أنه قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من المغرب. قال : فإذا طلعت الشمس من المغرب آمن الناس كلهم ، وذلك حين " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " . (1)
14220 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قُبِل منه . (2)
14221 - حدثني المثنى قال ، حدثنا فهد قال ، حدثنا حماد ، عن يونس بن عبيد ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الشمس إذا غربت أتت تحت العرش فسجدت ، فيقال لها : " أطلعي من حيث غربت " ، ثم قرأ هذه الآية : (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) ، إلى آخر الآية (3) .
__________
(1) الأثر : 14219 -
هذه هي الطريق الخامسة لحديث أبي هريرة المذكورة في رقم : 14203 .
(( شعيب بن الليث بن سعد المصري )) ، ثقة معروف ، مضى برقم : 3034 ، 5314 . و (( الليث بن سعد المصري )) ، الإمام المشهور ، مضى مرارًا .
و (( جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي )) المصري ، ثقة ، مضى برقم 5005 ، 6897 .
و (( عبد الرحمن بن هرمز )) الأعرج ، مضى مرارًا . وهذا الخبر رواه البخاري ( الفتح 11 : 303 /13 : 72 ) ، من طريق أبي اليمان ، عن شعيب ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة .
(2) الأثر : 14220 - هذه هي الطريق الرابعة لخبر أبي هريرة ، المذكور في رقم : 14203 . رواه أحمد في المسند برقم 7697 ، ورواه مسلم في صحيحه من هذه الطريق ، وخرجه أخي السيد أحمد هناك .
(3) الأثر : 14221 - هذه إحدى الطرق الخمس ، لحديث أبي ذر التي ذكرتها في تخريج الخبر رقم : 14204 .وفي إسناد هذا الخبر انقطاع ، فإن إبراهيم التيمي لم يرو عن أبي ذر . قال أحمد : " لم يلق أبا ذر " ، ولعل هذا المنقطع هو سبب قول مسلم في رواية هذا الحديث 2 : 195 : " يونس ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، سمعه فيما أعلم ، عن أبيه عن أبي ذر " . فهذا إسناد ضعيف لانقطاعه. وهو أيضا إسناد ضعيف ؛ لضعف " فهد " وهو " أبو ربيعة " ، " زيد بن عوف " مضت ترجمته في رقم 14215 ، 14218 ، وكان في المخطوطة : " يوسف بن عبيد " والصواب ما في المطبوعة.

(12/256)


14222 - حدثني المثنى قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمارٍ ، فنظر إلى الشمس حين غربت فقال : إنها تغرب في عين حامية ، (1) تنطلق حتى تخرّ لربها ساجدة تحت العرش ، حتى يأذن لها ، فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها ، فتقول : يا ربِّ ، إن مسيري بعيد! فيقول لها : اطلعي من حيث غربت ! فذلك حين " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " . (2)
14223 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبدة ، عن موسى بن المسيب ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم يومًا إلى الشمس فقال : يوشك أن تجيء حتى تقف بين يدي الله ، فيقول : " ارجعي من حيث جئت " ! فعند ذلك : " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " . (3)
__________
(1) في المطبوعة : (( في عين حمئة )) ، وأثبت ما في المخطوطة . و (( الحمئة )) : ذات الحمأة ، وهي الطين الأسود المنتن . و (( الحامية )) الحارة ، وآية سورة الكهف 86 : (( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة )) ، قرئت أيضًا (( حامية )) ، قال أبو جعفر في تفسيره 16 : 10 ( بولاق ) : أنهما : (( قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار ، ولكل واحدة منهما وجه صحيح ، ومعنى مفهوم )) .
(2) الأثر : 14222 - هذه إحدى الطرق الخمس المذكورة في رقم : 14204 . (( سفيان بن حسين الواسطي )) ، ثقة ، تكلموا في حديثه عن الزهري . مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11285 .
و (( الحكم )) ، هو (( الحكم بن عتيبة الكندي )) ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 11085 .
(3) الأثر : 14223 - هذه آخر طرق حديث أبي ذر المذكورة في رقم : 14204 . (( عبدة )) ، هو (( عبدة بن سليمان الكلابي )) ، ثقة من شيوخ أحمد . مضى مرارًا ، آخرها : 8315 .
و (( موسى بن المسيب الثقفي )) ويقال : (( موسى بن السائب )) ، لم يذكر البخاري فيه جرحًا ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أحمد : (( ما أعلم إلا خيرًا )) ، وضعفه الأزدي . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 294 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 161 .

(12/257)


14224 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) ، فهو أنه لا ينفع مشركًا إيمانه عند الآيات ، وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرًا قبل ذلك . قال ابن عباس : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيةً من العشيّات فقال لهم : يا عباد الله ، توبوا إلى الله ، فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قِبَل المغرب ، فإذا فعلت ذلك ، حُبِست التوبة ، وطُوِي العمل ، وخُتم الإيمان. (1) فقال الناس : هل لذلك من آية يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن آية تلكم الليلة ، أن تطول كقدر ثلاث ليال ، فيستيقظ الذين يخشون رَبهم ، فيصلُّون له ، ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقض ، ثم يأتون مضاجعهم فينامون. حتى إذا استيقظوا والليل مكانه ، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون بين يدي أمرٍ عظيم. (2) فإذا أصبحوا وطال عليهم طلوع الشمس ، فبينا هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب ، فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل . (3)
14225 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، أنه سمعه يقول : قال
__________
(1) في المخطوطة : (( وطوى العمل ، وختم العمل )) ، وصححه الناشر الأول من الدر المنثور .
(2) في المطبوعة ، والدر المنثور : (( خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم )) ، وما في المخطوطة مستقيم .
(3) الأثر : 14224 - (( محمد بن سعد العوفي )) ، وسلسة إسناده ، شرحها أخي السيد أحمد في التعليق على الأثر رقم : 305 ، وكل رواته ضعفاء .

(12/258)


رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا كلهم أجمعون ، فيومئذ " لا ينفع نفسًا إيمانها " ، الآية . (1)
14226 - وبه قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، أخبرني ابن أبي عتيق ، أنه سمع عبيد بن عمير يتلو : (يوم يأتي بعض آياته ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) ، قال ، يقول : [كنّا] نُحدَّث ، والله أعلم ، أنها الشمس تطلع من مغربها قال ابن جريج ، وأخبرني عمرو بن دينار : أنه سمع عبيد بن عمير يقول ذلك قال ابن جريج ، وأخبرني عبد الله بن أبي مليكة : أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن الآية التي لا ينفع نفسًا إيمانها ، إذا طلعت الشمس من مغربها . قال ابن جريج : وقال مجاهد ذلك أيضًا . (2)
14227 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن ابن مسعود : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) ، قال : طلوع الشمس من مغربها . (3)
__________
(1) الأثر : 14225 - هذه هي الطريق السادسة من طرق حديث أبي هريرة ، التي ذكرتها في صدر التعليق على رقم : 14203 .
(( صالح مولى التوأمة )) هو (( صالح بن نبهان )) . مضى برقم : 1020 ، 3959 ، ثقة ، ولكنهم تكلموا فيه من قبل خرف أصابه فاختلط ، فقال أحمد : (( من سمع منه قديمًا فذاك )) ، وابن جريج أحد القدماء الذين رووا عنه ، فحديثه هذا لا بأس به. ولم أجد الخبر في مكان آخر .
(2) الأثر : 14226 - هذه طريق أخرى لخبر عبد الله بن عمرو بن العاص ، مختصر الخبر السالف رقم : 14212 ، وهو من طريق ابن جريج ، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عمرو ، وهو إسناد صحيح .
(3) الأثر : 14227 ، 14228 - خبر عبد الله بن مسعود ، رواه الطبري آنفًا من طريق رقم : 14199 ، ثم رواه هنا من طرق ، من رقم 14227 - 14234 ، 14239 ، وهذا بيان طرقه .
الأولى : من طريق أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، برقم : 14199 ، ثم 14230 ، 14232 ، 14233 .
الثانية : من طريق قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن ابن مسعود ، برقم : 14227 ، 14228 ، 14231 .
الثالثة : من طريق ابن سيرين ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن ابن مسعود ، برقم : 14229 .
الرابعة : من طريق أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبي الشعثاء ، عن أبي مسعود ، برقم : 14234 ، 14239 .
وهذا الخبر من الطريق الثانية .
(( زرارة أوفى الحرشي )) القاضي ، ثقة ، روى له أصحاب الكتب الستة . ولكنه لم يسمع من ابن مسعود ، كما قال أبو داود الطيالسي ، فهذا إسناد ضعيف لانقطاعه .
وانظر تخريج الأثر السالف رقم : 14199 .

(12/259)


14228 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة قال ، سمعت قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى ، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها .
14229 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب ، عن عوف ، عن ابن سيرين قال ، حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : كان عبد الله بن مسعود يقول : ما ذكر من الآيات فقد مضَين غير أربع : طلوع الشمس من مغربها ، ودابة الأرض ، والدجال ، وخروج يأجوج ومأجوج ، والآية التي تختم بها الأعمال : طلوع الشمس من مغربها. ألم تر أن الله قال : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) ، قال : فهي طلوع الشمس من مغربها . (1)
__________
(1) الأثر : 14229 - هذه هي الطريق الثالثة لخبر ابن مسعود ، كما ذكرت في التعليق على الأثرين السالفين .
و (( عبد الوهاب )) هو (( عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي )) ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها : 10729 .
و (( عوف )) هو (( عوف بن أبي جميلة العبدي )) ، (( عوف الأعرابي )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 5473 - 5477 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( عبد الوهاب بن عوف ، عن ابن سيرين )) ، وهو لا يصح ، خطأ محض ، وسيتبين ذلك فيما بعد .
(( ابن سيرين )) هو (( أنس بن سيرين الأنصاري )) ، كما يتبين من إسناد الحاكم في المستدرك ، ولكن ابن كثير في تفسيره صرح بأنه (( عن محمد بن سيرين )) ، وكلاهما روى عنه عوف الأعرابي ، والأرجح أن هذا الحديث من حديث (( محمد بن سيرين )) .
و (( أنس بن سيرين الأنصاري )) ، كان ثقة قليل الحديث ، وهو أخو (( محمد بن سيرين )) ، وأنس دون أخيه محمد ، روى له الجماعة . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 2 / 33 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 287
و (( أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 10355 ، وقد سلف مرارًا أنه لم يدرك أن يروي عن أبيه بن مسعود .
فهذا إسناد منقطع .
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 4 : 545 ، من طريق سفيان ، عن عوف ، عن أنس ابن سيرين ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن عبد الله بن مسعود . قال الحاكم : (( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه )) وقال الذهبي : (( صحيح )) . ولكن علته انقطاعه كما ثبت .
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 437 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 59 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد . وابن مردويه .

(12/260)


14230 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : قال عبد الله : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) ، قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر ، كأنهما بعيران مقرونان . (1)
14231 - . . . . قال شعبة : وحدثنا قتادة ، عن زرارة ، عن عبد الله بن مسعود : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها . (2)
14232 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر ، كالبعيرين المقترنين . (3)
14233 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور والأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق عن عبد الله : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) ، قال : طلوع الشمس من مغربها مع القمر ، كالبعيرين القرينين . (4)
__________
(1) الأثر : 14230 - هذه رواية الطريق الأولى لحديث ابن مسعود التي سلف بيانها في تخريج الخبر رقم : 14227 ، وسلف تخريجها في رقم : 14199 .
(2) الأثر : 14231 - هذه رواية الطريق الثانية لحديث ابن مسعود ، وسلف تخريجه وبيان انقطاع إسناده فيها سلف رقم 14227 .
(3) الأثر : 14232 ، 14233 - هاتان روايتان من الطريق الأولى لحديث ابن مسعود كما بينته في رقم 14227 ، وهو صحيح الإسناد كما سلف في رقم : 14199 .
(4) 14232 ، 14233 - هاتان روايتان من الطريق الأولى لحديث ابن مسعود كما بينته في رقم 14227 ، وهو صحيح الإسناد كما سلف في رقم : 14199 .

(12/261)


14234 - . . . وقال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل وأبيه ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن عبد الله قال : التوبة مبسوطةٌ ما لم تطلع الشمس من مغربها . (1)
14235 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن ابن أمِّ عبد كان يقول : لا يزال باب التوبة مفتوحًا حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رأى الناس ذلك آمنوا ، وذلك حين " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " . (2)
14236 - حدثنا بشر قال ، حدثنا عبد الله بن جعفر قال ، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت آمن الناس كلهم ، فيومئذ " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " . (3)
14237 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبيد بن عمير : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها .
__________
(1) الأثر : 14234 - هذه الطريق الرابعة لحديث ابن مسعود ، وسيأتي أيضًا برقم : 14239 .
(( أشعث بن أبي الشعثاء )) ، هو (( أشعث بن أسود المحاربي )) ، ثقة مضى برقم : 10331 ، 10333 .
وأبوه : (( سليم بن أسود حنظلة المحاربي )) ، (( أبو الشعثاء )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب
وهذا إسناد صحيح ، لم أجده في شيء مما بين يدي من الكتب .
(2) الأثر : 14235 - (( ابن أم عبد )) هو (( عبد الله بن مسعود )) .
وهذا خبر لم يذكر قتادة إسناده إلى ابن مسعود ، وقد مر خبر قتادة عن زرارة بن أوفى عن ابن مسعود ، بغير هذا للفظ برقم : 14227 ، 14228 ، 14231 مختصرًا .
(3) الأثر : 14236 - هذه رواية خبر أبي هريرة ، من الطريق الثانية التي ذكرتها في تخريج الأثر رقم 14203 . وقد سلف تخريج هذه الطريق في التعليق على الأثر رقم : 14210 .

(12/262)


14238 - . . . وقال ، حدثنا أبي ، عن الحسن بن عقبة ، أبي كيران ، عن الضحاك : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) ، قال : طلوع الشمس من مغربها . (1)
14239 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا إسرائيل قال ، أخبرني أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن ابن مسعود في قوله : (لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) ، قال : لا تزال التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها . (2)
14240 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها .
14241 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرني أبو صخر ، عن القرظي : أنه كان يقول في هذه الآية : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) ، يقول : إذا جاءت الآيات لم ينفع نفسًا إيمانها. يقول : طلوع الشمس من مغربها . (3)
14242 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان الثوري ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن صفوان بن عسال : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها . (4)
__________
(1) الأثر : 14238 - (( الحسن بن عقية المرادي )) (( أبو كيران )) ( بالياء ) ، ثقة روى عن عبد خير ، والشعبي ، والضحاك . روى عنه وكيع ، وعبيد الله بن موسى ، وأبو نعيم . مترجم في الكبير 1 / 2 / 299 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 28 ، وكان في المطبوعة : (( أبي كبران )) بالباء ، ومعها علامة شك .
(2) الأثر : 14238 - هذه رواية الطريق الرابعة لحديث ابن مسعود ، كما فصلتها في رقم : 14227 . وسلف شرح هذا الإسناد برقم : 14234 .
(3) 14241 - (( أبو صخر )) ، هو ((حميد بن زياد الخراط )) ، ونزل مصر . مضى برقم : 4325 ، 5386 ، 8391 .
و (( القرظي )) ، هو (( محمد بن كعب القرظي )) ، مضى مرارًا ، ومنها في مثل هذا الإسناد رقم : 8391 .
(4) الأثر : 14242 - هذه رواية حديث صفوان بن عسال ، من الطريق الأولى ، كما فسرتها في التعليق على رقم : 14206 ، وسلف الكلام فيه هناك .

(12/263)


14243 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن وهب بن جابر ، عن عبد الله بن عمرو : (يوم يأتي بعض آيات ربك) ، قال : طلوع الشمس من مغربها . (1)
* * *
وقال آخرون : بل ذلك بعض الآيات الثلاثة : الدابة ، ويأجوج ومأجوج ، وطلوع الشمس من مغربها .
* ذكر من قال ذلك :
14244 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جعفر بن عون ، عن المسعودي ، عن القاسم قال ، قال عبد الله : التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ، ما لم تخرج إحدى ثلاث : ما لم تطلع الشمس من مغربها ، أو الدابة ، أو فتح يأجوج ومأجوج . (2)
14245 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا المسعودي ، عن القاسم بن عبد الرحمن قال ، قال عبد الله : التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ، ما لم تخرج إحدى ثلاث : الدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج يأجوج ومأجوج .
__________
(1) الأثر : 14243 - (( أبو إسحاق الهمداني )) ، هو : (( أبو إسحاق السبيعي )) ، مضى مرارًا .
و (( وهب بن جابر الخيواني الهمداني )) ، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، لقيه ببيت المقدس . روى عنه (( أبو إسحاق الهمداني )) وحده . تابعي ثقة . روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قصة يأجوج ومأجوج ، و (( كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت )) ، ولم يرو غير ذين . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 163 ، 164 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 23 .
وهذا الخبران المذكوران في ترجمته ، رواهما أبو داود الطيالسي في مسنده ص 301 رقم : 2281 ، 2282 .
(2) الأثران : 14244 ، 14245 - (( جعفر بن عون جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي )) ، (( أبو عون )) ثقة ، مضى برقم : 9506 .
و (( المسعودي )) هو : (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود )) ، مضى مرارًا برقم : 2156 ، 2937 ، 5563 .
و (( القاسم )) ، هو (( القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود )) ، روى عن أبيه وجده عبد الله بن مسعود ، مرسلا . ثقة قليل الحديث . مضى برقم : 9519 .
وذكر أخي السيد أحمد في التعليق على الأثر : 9515 ، أن (( المسعودي ، عن القاسم )) هو (( معن بن عبد الرحمن )) ، وأن القاسم فيما استظهر ، هو أخوه : (( القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود )) ، والصواب أن (( المسعودي )) الراوي عن (( القاسم بن عبد الرحمن )) ، هو (( عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة )) . كما أسلفت . وإسناد هذا الخبر ، ضعيف لانقطاعه .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 59 ، ونسبة إلى عبد بن حميد ، والطبراني .

(12/264)


14246 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن عامر ، عن عائشة قالت : إذا خرج أول الآيات ، طُرِحت الأقلام ، وحُبِست الحفظة ، وشهدت الأجساد على الأعمال . (1)
14247 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث إذا خرجت " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض . (2)
14248 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا معاوية بن عبد الكريم قال : حدثنا الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بادروا بالأعمال ستًّا : طلوعَ الشمس من مغربها ، والدجال ، والدخَان ، ودابة الأرض ، وخُوَيِّصة أحدكم ، وأمرَ العامة .
__________
(1) الأثر : 14246 - (( منصور )) هو : (( المنصور بن المعتمر )) . و (( عامر )) هو الشعبي .
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 437 ، وإسناده صحيح . ولم أجده في شيء من الكتب التي بين يدي .
(2) الأثر : 14247 - هذه هي الطريق السابعة من طرق خبر أبي هريرة التي ذكرتها في التعليق على الأثر : 14203 .
(( محمد بن فضيل بن غزوان الضبي )) . روى له الجماعة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 8395 .
وأبوه : (( فضيل بن غزوان الضبي )) ثقة ، روى له الجماعة . و (( أبو حازم )) هو الأشجعي ، واسمه (( سلمان )) . ثقة ، روى له الجماعة .
وهذا إسناد صحيح . رواه مسلم في صحيحه 2 : 195 ، والترمذي في التفسير ، وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 434 ، وقال : (( رواه أحمد عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان )) ، وذكر سائر طرقه . وخرجه السيوطي ، في الدر المنثور 3 : 57 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن مردوبه ، والبيهقي .

(12/265)


14249 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ، فذكر نحوه . (1)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ذلك حين تطلع الشمس من مغربها " .
* * *
وأما قوله : (أو كسبت في إيمانها خيرًا) ، فإنه يعني : أو عملت في تصديقها بالله خيرًا ، (2) من عمل صالح يصدِّق قِيلَه ويُحققه ، من قبل طلوع الشمس من مغربها. لا ينفع كافرًا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها كذلك ، (3) إيمانه بالله إن آمن وصدق بالله ورسله ، لأنها حالة لا تمتنع نفسٌ من الإقرار بالله ، لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله ، فحكم إيمانهم ، كحكم إيمانهم عند قيام الساعة ، وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله ، لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار ، ولا ينفع مَنْ كان بالله وبرسله مصدِّقًا ، ولفرائض الله مضيعًا ، غير مكتسب بجوارحه لله طاعة ، إذا
__________
(1) الأثران : 14248 ، 14249 - (( معاوية بن عبد الكريم الثقفي )) ، (( الضال )) ، لأنه ضل في طريق مكة . روى عن الحسن . ثقة أحمد وغيره ، وتكلموا فيه . وأخشى أن يكون سقط من الإسناد رجل بينه وبين (( بشر بن معاذ )) .
وأما الإسناد الثاني ففيه (( بشر )) يعني (( بشر بن معاذ )) عن (( يزيد )) ، يعني (( يزيد بن زريع )) عن (( سعيد )) يعني (( سعيد بن أبي عروبة )) .
ولكن روى هذا الأثر بهذا اللفظ مسلم في صحيحه 17 : 87 مرفوعًا ، من طريق أمية بن بسطام العيشي ، عن يزيد بن زريع ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن زياد بن رياح ، عن أبي هريرة .
(2) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف ص : 120 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : (( لا ينفع كافرًا )) بغير واو ، والسياق يقتضي إثباتها .

(12/266)


هي طلعت من مغربها أعمالُه إن عمل ، وكسبُه إن اكتسب ، لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك ، كما : -
14250 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) ، يقول : كسبت في تصديقها خيرًا ، عملا صالحًا ، فهؤلاء أهل القبلة . وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرًا ، فعملت بعد أن رأت الآية ، لم يقبل منها . وإن عملت قبل الآية خيرًا ، ثم عملت بعد الآية خيرًا ، قُبل منها .
14251 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها) ، قال : مَنْ أدركه بعضُ الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه ، قَبِلَ الله منه العمل بعدَ نزول الآية ، كما قَبِلَ منه قبل ذلك .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام : انتظروا أن تأتيكم الملائكة بالموت فتقبض أرواحكم ، أو أن يأتي ربكم لفصل القضاء بيننا وبينكم في موقف القيامة ، أو أن يأتيكم طلوع الشمس من مغربها ، فتطوى صحف الأعمال ، ولا ينفعكم إيمانكم حينئذ إن آمنتم ، حتى تعلموا حينئذ المحقَّ منا من المبطل ، والمسيءَ من المحسن ، والصادقَ من الكاذب ، وتتبينوا عند ذلك بمن يحيق عذاب الله وأليم نكاله ، ومَنْ الناجي منا ومنكم ومَنْ الهالك - إنا منتظرو ذلك ، ليجزل الله لنا ثوابه على طاعتنا إياه ، وإخلاصنا العبادة له ، وإفرادناه بالربوبية دون ما سواه ، ويفصل بيننا وبينكم بالحق ، وهو خير الفاصلين .

(12/267)


إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)

القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) }
قال أبو جعفر : اختلف القرأة في قراءة قوله : (فرقوا) .
فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ما :
14252 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، أن عليًّا رضي الله عنه قرأ : " إنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ " .
14253 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير قال ، قال حمزة الزيات : قرأها علي رضي الله عنه : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " .
14254 - . . . وقال ، حدثنا الحسن بن علي ، عن سفيان ، عن قتادة : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " .
* * *
وكأن عليًّا ذهب بقوله : " فارقوا دينهم " ، خرجوا فارتدوا عنه ، من " المفارقة " .
* * *
وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود ، كما : -
14255 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن رافع ، عن زهير قال ، حدثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها : (فَرَّقوا دِينَهُمْ) .
* * *
وعلى هذه القراءة أعني قراءة عبد الله قرأة المدينة والبصرة وعامة قرأة الكوفيين . وكأنّ عبد الله تأوّل بقراءته ذلك كذلك : أن دين الله واحد ، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة ، ففرّق ذلك اليهود والنصارى ، فتهوّد قومٌ وتنصَّر آخرون ، فجعلوه شيعًا متفرقة .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان ، قد قرأت بكل واحدة منهما أئمة من القرأة ، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه . وذلك

(12/268)


أن كل ضالّ فلدينه مفارق ، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده ، فتهود بعض وتنصر آخرون ، وتمجس بعض. وذلك هو " التفريق " بعينه ، ومصير أهله شيعًا متفرقين غير مجتمعين ، فهم لدين الله الحقِّ مفارقون ، وله مفرِّقون. (1) فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فهو للحق مصيب ، غير أني أختار القراءة بالذي عليه عُظْم القرأة ، وذلك تشديد " الراء " من " فرقوا " .
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله : (إن الذين فرّقوا دينهم).
فقال بعضهم : عنى بذلك اليهود والنصارى .
* ذكر من قال ذلك :
14256 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (وكانوا شيعًا) ، قال : يهود .
14257 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
14258 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (فرقوا دينهم) ، قال : هم اليهود والنصارى.
14259 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (إن الذين فرقوادينهم وكانوا شيعًا) ، من اليهود والنصارى.
14260 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) ، هؤلاء اليهود والنصارى . وأما قوله : (فارقوا دينهم) ، فيقول : تركوا دينهم وكانوا شيعًا . (2)
14261 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي
__________
(1) انظر تفسير (( الشيع )) فيما سلف 11 : 419 .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : (( فرقوا )) في الموضعين ، والتفسير في الأثر ، يوجب أن تكون (( فارقوا )) كما أثبتها .

(12/269)


قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا) ، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد ، فتفرقوا. فلما بعث محمد أنزل الله : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) .
14262 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا) ، يعني اليهود والنصارى .
14263 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حسين بن علي ، عن شيبان ، عن قتادة : " فارقوا دينهم " ، قال : هم اليهود والنصارى .
* * *
وقال آخرون : عنى بذلك أهلَ البدع من هذه الأمة ، الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه .
* ذكر من قال ذلك :
14264 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن ليث ، عن طاوس ، عن أبي هريرة قال : (إن الذين فرقوا دينهم) ، قال : نزلت هذه الآية في هذه الأمة . (1)
14265 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن ليث ، عن طاوس ، عن أبي هريرة : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا) ، قال : هم أهل الصلاة . (2)
14266 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال ، حدثنا بقية بن الوليد قال : كتب إليّ عباد بن كثير قال ، حدثني ليث ، عن طاوس ، عن أبي هريرة
__________
(1) الأثران : 14264 ، 14265 - إسنادهما صحيح إلى أبي هريرة ، موقوفًا ، وانظر التعليق على الأثر التالي .
(2) كان في المطبوعة : (( هم أهل الضلالة )) ، كما سيأتي في الأثر التالي ، غير أن المخطوطة واضحة هنا (( أهل الصلاة )) ، فأثبتها كما هي ، لأنها صحيحة المعنى ، أي أنها نزلت في المؤمنين من أهل القبلة .

(12/270)


قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في هذه الآية : " (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) ، وليسوا منك ، هم أهل البدع ، وأهل الشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة . (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه بريء ممن فارق دينه الحق وفرقه ، وكانوا فرقًا فيه وأحزابًا شيعًا ، وأنه ليس منهم. ولا هم منه ، لأن دينه الذي بعثه الله به هو الإسلام ، دين إبراهيم الحنيفية ، كما قال له ربه وأمره أن يقول : ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [سورة الأنعام : 161].
فكان من فارق دينه الذي بعث به صلى الله عليه وسلم من مشرك ووثنيّ يهودي ونصرانيّ ومتحنِّف ، مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضلّ به عن الصراط المستقيم والدين القيم ملة إبراهيم المسلم ، فهو بريء من محمد صلى الله عليه وسلم ، ومحمد منه بريء ، وهو داخل في عموم قوله : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) .
* * *
__________
(1) الأثر : 14266 - (( سعيد بن عمرو السكوني )) شيخ الطبري ، مضى برقم : 5563 ، 6521 .
و (( بقية بن الوليد الحمصي )) ، ثقة ، نعوا عليه بالتدليس ، مضى برقم : 152 ، 5563 ، 6521 ، 6899 ، 9224 .
و (( عباد بن كثير الرملي الفلسطيني )) ، ضعيف الحديث . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 85 .
وهذا الخبر مرفوعًا لا يصح ، وهو ضعيف الإسناد . قال ابن كثير في تفسيره 3 : 438 : (( لكن هذا إسناد لا يصح ، فإن عباد بن كثير متروك الحديث . ولم يختلق هذا الحديث ، ولكنه وهم في رفعه ، فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث وهو ابن أبي سليم عن طاوس ، عن ابي هريرة في هذه الآية أنه قال : نزلت في هذه الأمة )) .
ولكن خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 22 ، 23 ، ثم قال : (( رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ، غير معلل بن نفيل ، وهو ثقة )) . وهكذا في مجمع الزوائد (( معلل بن نفيل )) ، وهو محرف بلا شك .

(12/271)


وأما قوله : (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم : نزلت هذه الآية على نبيّ الله بالأمر بترك قتال المشركين قبل وُجوب فرض قتالهم ، ثم نسخها الأمر بقتالهم في " سورة براءة " ، وذلك قوله : ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) .[ سورة التوبة : 5].
* ذكر من قال ذلك :
14267 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله) ، لم يؤمر بقتالهم ، ثم نسخت ، فأمر بقتالهم في " سورة براءة " .
* * *
وقال آخرون : بل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إعلامًا من الله له أنَّ من أمته من يُحْدث بعده في دينه. وليست بمنسوخة ، لأنها خبرٌ لا أمر ، والنسخ إنما يكون في الأمر والنهي .
* ذكر من قال ذلك :
14268 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا مالك بن مغول ، عن علي بن الأقمر ، عن أبي الأحوص ، أنه تلا هذه الآية : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) ، ثم يقول : بريء نبيكم صلى الله عليه وسلم منهم . (1)
14269 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي وابن إدريس وأبو أسامة ويحيى بن آدم ، عن مالك بن مغول ، بنحوه .
14270 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا شجاع أبو
__________
(1) الأثر : 14268 - (( مالك بن مغول البجلي ) ، ثقة : مضى برقم : 5431 ، 10872 و (( علي بن الأقمر الهمداني )) ، روى له الجماعة ، مضى برقم 11941 . وهو إسناد صحيح .

(12/272)


بدر ، عن عمرو بن قيس الملائي قال ، قالت أم سلمة : ليتّق امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ! ثم قرأت : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) قال عمرو بن قيس : قالها مُرَّة الطيِّب ، وتلا هذه الآية . (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن قوله : (لست منهم في شيء) ، إعلام من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء ، ومن الأحزاب من مشركي قومه ، ومن اليهود والنصارى . وليس في إعلامه ذلك ما يوجب أن يكون نهاه عن قتالهم ، لأنه غير محال أن في الكلام : " لست من دين اليهود والنصارى في شيء فقاتلهم. فإن أمرهم إلى الله في أن يتفضل على من شاء منهم فيتوب عليه ، ويهلك من أراد إهلاكه منهم كافرًا فيقبض روحه ، أو يقتله بيدك على كفره ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مقدَمهم عليه " . وإذ كان غير مستحيل اجتماع الأمر بقتالهم ، وقوله : (لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله) ، ولم يكن في الآية دليلٌ واضح على أنها منسوخة ، ولا ورد بأنها منسوخة عن الرسول خبرٌ كان غير جائز أن يُقْضَى عليها بأنها منسوخة ، حتى تقوم حجةٌ موجبةٌ صحةَ القول بذلك ، لما قد بينا من أن المنسوخ هو ما لم يجز اجتماعه وناسخه في حال واحدة ، في كتابنا كتاب : " اللطيف عن أصول الأحكام " . (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 14270 - (( شجاع ، أبو بدر )) ، هو (( شجاع بن الوليد بن قيس السكوبي )) ثقة صدوق . روى عنه أحمد . مترجم في التهذيب .
(( عمرو بن قيس الملائي )) . ثقة مضى مرارًا آخرها : 9646 .
وهذا إسناد منقطع ، (( عمرو بن قيس )) لم يدرك أم سلمة .
أما خبر (( مرة الطيب )) فهو (( مرة بن سراحيل الهمداني )) ، مضى مرارًا . آخرها : 7539 وروايته هذه أيضًا منقطعة . لأنه لم يدرك .
وخرج السيوطي في الدر المنثور 3 : 63 ، خبر أم سلمة . ونسبة إلى ابن منيع في مسنده وأبي الشيخ ، وخرج خبر مرة الطيب ، ونسبه إلى ابن أبي حاتم .
(2) انظر ما سلف في (( الناسخ والمنسوخ )) 10 : 333 تعليق : 1 والمراجع هناك واسم كتاب أبي جعفر هو ما أثبت ، ما ورد في 5 : 414 ، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة (( اللطيف عن أصول الأحكام )) ، وهو لا يستقيم .

(12/273)


مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)

وأما قوله : (إنما أمرهم إلى الله) ، فإنه يقول : أنا الذي إليَّ أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا ، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك ، دونك ودون كل أحد. إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفُرْقتهم دينهم فأهلكهم بها ، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضل مني عليهم (ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) ، (1) يقول : ثم أخبرهم في الآخرة عند ورودهم عليَّ يوم القيامة بما كانوا يفعلون ، فأجازي كلا منهم بما كانوا في الدنيا يفعلون ، المحسنَ منهم بالإحسان ، والمسيء بالإساءة . ثم أخبر جل ثناؤه ما مبلغ جزائه من جازى منهم بالإحسان أو بالإساءة فقال : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) .
* * *
القول في تأويل قوله : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : من وافَى ربَّه يوم القيامة في موقف الحساب ، من هؤلاء الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعًا ، بالتوبة والإيمان والإقلاع عما هو عليه مقيم من ضلالته ، وذلك هو الحسنة التي ذكرها الله فقال : من جاء بها فله عشر أمثالها . (2)
ويعني بقوله : (فله عشر أمثالها) ، فله عشر حسنات أمثال حسنته التي
__________
(1) انظر تفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الحسنة )) فيما سلف 4 : 203 - 206 / 8 : 555 - 556 ، وفهارس اللغة ( حسن ) .

(12/274)


جاء بها (ومن جاء بالسيئة) ، يقول : ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدِّين الحقّ والكفر بالله ، فلا يجزى إلا ما ساءه من الجزاء ، كما وافى الله به من عمله السيئ (1) (وهم لا يظلمون) ، يقول : ولا يظلم الله الفريقين ، لا فريق الإحسان ، ولا فريق الإساءة ، بأن يجازي المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان ، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له ، لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه ، ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحقّ من الجزاء .
* * *
وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " الظلم " ، وضع الشيء في غير موضعه ، بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع . (2)
* * *
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فإن كان الأمر كما ذكرت ، من أن معنى " الحسنة " في هذا الموضع : الإيمان بالله ، والإقرار بوحدانيته ، والتصديق برسوله " والسيئة " فيه : الشرك به ، والتكذيب لرسوله أفللإيمان أمثال فيجازى بها المؤمن ؟ (3) وإن كان له مثل ، فكيف يجازى به ، و " الإيمان " ، إنما هو عندك قول وعمل ، والجزاء من الله لعباده عليه الكرامة في الآخرة ، والإنعام عليه بما أعدّ لأهل كرامته من النعيم في دار الخلود ، وذلك أعيان ترى وتعاين وتحسّ ويلتذّ بها ، لا قول يسمع ، ولا كسبُ جوارح ؟
قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبتَ إليه ، وإنما معناه : من جاء بالحسنة فوافَى الله بها له مطيعًا ، فإن له من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها .
فإن قال : قلت فهل لقول " لا إله إلا الله " من الحسنات مثل ؟
__________
(1) انظر تفسير (( السيئة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) .
(2) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
(3) في المطبوعة : (( فللإيمان )) بغير همزة الاستفهام ، والصواب ما في المخطوطة .

(12/275)


قيل : له مثل هو غيره ، [ولكن له مثل هو قول لا إله إلا الله] ، (1) وذلك هو الذي وعد الله جل ثناؤه من أتاه به أن يجازيه عليه من الثواب بمثل عشرة أضعاف ما يستحقه قائله. وكذلك ذلك فيمن جاء بالسيئة التي هي الشرك ، إلا أنه لا يجازى صاحبها عليها إلا ما يستحقه عليها من غير إضعافه عليه .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
14271 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ، قال رجل من القوم : فإنّ " لا إله إلا الله " حسنة ؟ قال : نعم ، أفضل الحسنات .
14272 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص بن غياث ، عن الأعمش والحسن بن عبيد الله ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن عبد الله : (من جاء بالحسنة) ، لا إله إلا الله .
14273 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا حفص قال ، حدثنا الأعمش والحسن بن عبيد الله ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن عبد الله قال : (من جاء بالحسنة) ، قال : من جاء بلا إله إلا الله. قال : (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الشرك .
14274 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن عبد الله : (من
__________
(1) هذه العبارة التي بين القوسين ، هكذا جاءت في المخطوطة ، وغيرها ناشر المطبوعة الأولى فكتب : (( وليس له مثل هو قول لا إله إلا الله )) ، ولا أدري ما معنى هذا التعبير . وعبارة المخطوطة غير مفهومة ، وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء ، فأودعتها بين القوسين لكي يتوقف عندها قارئها ، عسى أن يتبين له ما لم يتبين لي .

(12/276)


جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله .
14275 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا معاوية بن عمرو المعنَّى ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن شقيق : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله ، كلمة الإخلاص (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الشرك . (1)
14276 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد وعن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد والقاسم بن أبي بزة : (من جاء بالحسنة) ، قالوا : لا إله إلا الله ، كلمة الإخلاص (ومن جاء بالسيئة) ، قالوا : بالشرك وبالكفر .
14277 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير وابن فضيل ، عن عبد الملك ، عن عطاء : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الشرك .
14278 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ، قال : لا إله إلا الله .
14279 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي المحجل ، عن إبراهيم : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الشرك . (2)
14280 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي المحجل ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، مثله .
14281 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي المحجل ، عن إبراهيم ، مثله .
__________
(1) الأثر : 14275 - (( معاوية بن عمرو المعنى ، الأزدي )) ، ثقة مضى برقم : 4074 .
(2) الآثار : 14279 - 14282 - (( أبو المحجل )) ، هكذا في المطبوعة ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، لم أعرف من يكون ، ولم أجد له ذكرًا ، ولا تبين لي وجه في تحريفه !!

(12/277)


14282 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن أبي المحجل ، عن أبي معشر قال : كان إبراهيم يحلف بالله ما يستثني : أنّ(من جاء بالحسنة) ، لا إله إلا الله (ومن جاء بالسيئة) ، من جاء بالشرك .
14283 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء ، في قوله : (من جاء بالحسنة) ، قال : كلمة الإخلاص ، لا إله إلا الله (ومن جاء بالسيئة) قال : بالشرك .
14284 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي وحدثنا المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو نعيم جميعًا ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي صالح : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الشرك .
14285 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن عثمان بن الأسود ، عن القاسم بن أبي بزة : (من جاء بالحسنة) ، قال : كلمة الإخلاص (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الكفر .
14286 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سلمة ، عن الضحاك : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله .
14287 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن أشعث ، عن الحسن : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله .
14288 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد : (من جاء بالحسنة) ، قال : لا إله إلا الله .
14289 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد ، مثله .
14290 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (من جاء بالحسنة) ،

(12/278)


يقول : من جاء بلا إله إلا الله (ومن جاء بالسيئة) ، قال : الشرك .
14291 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) ، ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : الأعمال ستة : مُوجِبة ومُوجِبة ، ومُضْعِفة ومُضْعِفة ، ومِثْل ومِثْل . فأما الموجبتان : فمن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ، ومن لقي الله مشركًا به دخل النار. وأما المضعف والمضعف : فنفقة المؤمن في سبيل الله سبعمئة ضعف ، ونفقته على أهل بيته عشر أمثالها . وأما مثل ومثل : فإذا همّ العبد بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، وإذا هم بسيئة ثم عملها كتبت عليه سيئة .
14292 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن شيخ من التيم ، عن أبي ذرّ قال : قلت : يا رسول الله ، علمني عملا يقرِّبني إلى الجنة ويباعدني من النار . قال : إذا عملت سيئة فاعمل حسنة ، فإنها عشر أمثالها . قال : قلت : يا رسول الله ، " لا إله إلا الله " من الحسنات ؟ قال : هي أحسن الحسنات . (1)
* * *
وقال قوم : عني بهذه الآية الأعراب ، فأما المهاجرون فإن حسناتهم سبعمئة ضعف أو أكثر .
* ذكر من قال ذلك :
14293 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن أبي الصديق الناجي ، عن أبي سعيد الخدري في قوله :
__________
(1) الأثر : 14292 - (( شمر بن عطية الأسدي الكاهلي )) ، ثقة ، مضى برقم 11545 . وهذا خبر ضعيف ، لجهالة(( شيخ من التيم )) .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 64 ، ونسبة إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه . ولم ينسبه إلى الطبري .

(12/279)


(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ، قال : هذه للأعراب ، وللمهاجرين سبعمئة . (1)
14294 - حدثنا محمد أبو نشيط بن هارون الحربي قال ، حدثنا يحيى بن أبي بكير قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي ، عن عبد الله بن عمر قال : نزلت هذه الآية في الأعراب : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ، قال : قال رجل : فما للمهاجرين ؟ قال : ما هو أعظم من ذلك : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) ، [سورة النساء : 40] وإذا قال الله لشيء : " عظيم " ، فهو عظيم . (2)
14295 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع قال : نزلت هذه الآية : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ، وهم يصومون ثلاثة أيام من الشهر ، ويؤدّون عشر أموالهم. ثم نزلت الفرائض بعد ذلك : صوم رمضان والزكاة .
* * *
فإن قال قائل : وكيف قيل " عشر أمثالها " ، فأضيف " العشر " إلى " الأمثال " ، وهي " الأمثال " ؟ وهل يضاف الشيء إلى نفسه ؟
__________
(1) الأثر : 14293 - (( أبو الصديق الناجي )) هو (( بكر بن عمرو )) وقيل : (( بكر ابن قيس )) ، ثقة ، روى له الجماعة . مترجم في التهذيب . وهذا إسناد صحيح .
(2) الأثر : 14294 - (( محمد بن هارون الحربي )) ، (( أبو نشيط )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 9511 ، 10371 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا : (( محمد بن نشيط بن هارون الحربي )) ، وهو خطأ محض تبين من رواية الأثر فيما سلف .
و (( يحيى بن أبي بكير الأسدي )) ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 7544 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا (( يحيى بن أبي بكر )) ، وهو خطأ .
وقد سلف هذا الخبر وتخريجه برقم : 9511 ، وأنه إسناد ضعيف من أجل (( عطية العوفي )) .ووقع في إسناد الخبر هناك خطأ : (( عن عبد الله بن عمير )) ، وهو خطأ في الطباعة صوابه (( عن عبد الله بن عمر )) ، فليصح .

(12/280)


قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)

قيل : أضيفت إليها لأنه مرادٌ بها : فله عشر حسنات أمثالها ، فـ " الأمثال " حلّت محل المفسّر ، وأضيف " العشر " إليها ، كما يقال : " عندي عشر نسوة " ، فلأنه أريد بالأمثال مقامها ، فقيل : " عشر أمثالها " ، فأخرج " العشر " مخرج عدد الحسنات ، (1) و " المثل " مذكر لا مؤنث ، ولكنها لما وضعت موضع الحسنات ، (2) وكان " المثل " يقع للمذكر والمؤنث ، فجعلت خلفًا منها ، فعل بها ما ذكرت. ومَنْ قال : " عندي عشر أمثالها " ، لم يقل : " عندي عشر صالحات " ، لأن " الصالحات " فعل لا يعدّ ، وإنما تعدّ الأسماء. و " المثل " اسم ، ولذلك جاز العدد به .
* * *
وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " فَلَهُ عَشْرٌ " بالتنوين ، " أَمْثَالُهَا " بالرفع. وذلك على وجه صحيح في العربية ، غير أن القرأة في الأمصار على خلافها ، فلا نستجيز خلافها فيما هي عليه مُجْمِعة . (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : (قل) ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنامَ (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ، يقول : قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم ، هو دين الله الذي
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( عدد الآيات )) ، وبين أنه (( عدد الحسنات )) ، ولا ذكر للآيات في هذا الموضع .
(2) وكان هنا أيضًا في المخطوطة والمطبوعة : (( موضع الآيات )) ، والصواب ما أثبت .
(3) في المطبوعة : (( مجتمعة )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/281)


ابتعثه به ، وذلك الحنيفية المسلمة ، فوفقني له (1) (دينًا قيمًا) ، يقول : مستقيمًا (ملة إبراهيم) ، يقول : دين إبراهيم (2) (حنيفًا) يقول : مستقيمًا (وما كان من المشركين) ، يقول : وما كان من المشركين بالله ، يعني إبراهيم صلوات الله عليه ، لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام .
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : (دينًا قيمًا).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض البصريين : " دِينًا قَيِّمًا " بفتح " القاف " وتشديد " الياء " ، إلحاقًا منهم ذلك بقول الله : ( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) [سورة التوبة : 36 / سورة يوسف : 40 / سورة الروم : 30]. وبقوله : ( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) [سورة البينة : 5].
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين : ( دِينًا قِيَمًا ) بكسر " القاف " وفتح " الياء " وتخفيفها. وقالوا : " القيِّم " و " القِيَم " بمعنى واحد ، وهم لغتان معناهما : الدين المستقيم .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار ، متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيبٌ ، غير أن فتح " القاف " وتشديد " الياء " أعجب إليّ ، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما .
* * *
ونصب قوله : (دينًا) على المصدر من معنى قوله : (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ، وذلك أن المعنى : هداني ربي إلى دين قويم ، فاهتديت له " دينا قيما " فالدين منصوب من المحذوف الذي هو " اهتديت " ، الذي ناب عنه قوله : (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) .
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) . وتفسير (( صراط مستقيم )) فيما سلف ص : 288 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الملة )) فيما سلف 2 : 563 / 3 : 104 / 9 : 250 .

(12/282)


قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

وقال بعض نحويي البصرة : إنما نصب ذلك ، لأنه لما قال : (هداني ربي إلى صراط مستقيم) ، قد أخبر أنه عرف شيئًا ، فقال : " دينًا قيمًا " ، كأنه قال : عرفت دينًا قيما ملّة إبراهيم .
* * *
وأما معنى الحنيف ، فقد بينته في مكانه في " سورة البقرة " بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : (قل) ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان (إن صلاتي ونسكي) ، يقول : وذبحي (2) (ومحياي) ، يقول : وحياتي (ومماتي) يقول : ووفاتي (لله رب العالمين) ، يعني : أن ذلك كله له خالصًا دون ما أشركتم به ، أيها المشركون ، من الأوثان (لا شريك له) في شيء من ذلك من خلقه ، ولا لشيء منهم فيه نصيب ، لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا له خالصًا (وبذلك أمرت) ، يقول : وبذلك أمرني ربي (وأنا أول المسلمين) ، يقول : وأنا أوّل من أقرَّ وأذْعن وخضع من هذه الأمة لربه بأن ذلك كذلك . (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الحنيف )) فيما سلف 3 : 104 - 108 / 6 : 494 / 9 : 250 ، 251 / 11 : 487 .
(2) انظر تفسير (( النسك )) فيما سلف 3 : 77 - 80 / 4 : 86 ، 195 .
(3) انظر تفسير (( الإسلام )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سلم ) .

(12/283)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال : " النسك " ، في هذا الموضع ، الذبح.
14296 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : (إن صلاتي ونسكي) ، قال : " النسك " ، الذبائح في الحج والعمرة .
14297 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : (ونسكي) ، ذبحي في الحج والعمرة . (1)
14298 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ونسكي) ، ذبيحتي في الحج والعمرة .
14299 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن إسماعيل ، وليس بابن أبي خالد ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : (صلاتي ونسكي) ، قال : ذبحي .
14300 - حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن إسماعيل ، عن سعيد بن جبير في قوله : (صلاتي ونسكي) ، قال : ذبحي . (2)
14301 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن إسماعيل ، عن سعيد بن جبير قال ابن مهدي : لا أدري من " إسماعيل " هذا !(صلاتي ونسكي) ، قال : صلاتي وذبيحتي .
14302 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، حدثنا الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
__________
(1) في المطبوعة : (( ذبيحتي )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) في المطبوعة : (( ذبيحتي )) ، غير ما في المخطوطة .

(12/284)


قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

(صلاتي ونسكي) ، قال : وذبيحتي . (1)
14303 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (ونسكي) ، قال : ذبحي .
14304 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (ونسكي) ، قال : ذبيحتي .
14305 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : (صلاتي ونسكي) ، قال : " الصلاة " ، الصلاة ، و " النسك " ، الذبح .
* * *
وأما قوله : (وأنا أوّل المسلمين) ، فإن : -
14306 - محمد بن عبد الأعلى حدثنا قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (وأنا أول المسلمين) ، قال : أول المسلمين من هذه الأمة .
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : (قل) ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان ، الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان (أغير الله أبغي ربًّا) ، يقول : أسوى الله أطلب سيدًا يسودني ؟ (2) (وهو
__________
(1) الآثار : 14299 - 14302 - (( إسماعيل )) ، الذي روى عنه (( سفيان الثوري )) ، وروى هو (( سعيد بن جبير )) ، والذي جاء في الخبر الأول أنه (( ليس بابن أبي خالد )) ، وفي رقم : 14302 (( إسماعيل بن أبي خالد )) مصرحًا به ، والذي جهله (( ابن مهدي )) في رقم : 14301 ، لم أجد من أشار إليه ، إلا أني وجدت في أسماء الرواة عن (( سعيد بن جبير )) :
(( إسماعيل بن مسلم )) ، مولى بني مخزوم ، سمع منه وكيع ، وابن المبارك وعمرو العنقزي ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 372 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 197 ، فلا أدري أهو هو ، أم هو غيره .
(2) انظر تفسير (( بغي )) فيما سلف 11 : 337 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/285)


رب كل شيء) ، يقول : وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه (1) (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) ، يقول : ولا تجترح نفس إثمًا إلا عليها ، أي : لا يؤخذ بما أتت من معصية الله تبارك وتعالى ، وركبت من الخطيئة ، سواها ، بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه (2) (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، يقول : ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها ، ولكنها تأثم بإثمها ، وعليه تعاقب ، دون إثم أخرى غيرها .
وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لهم. يقول : قل لهم : إنا لسنا مأخوذين بآثامكم ، وعليكم عقوبة إجرامكم ، ولنا جزاء أعمالنا . وهذا كما أمره الله جل ثناؤه في موضع آخر أن يقول لهم : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) [سورة الكافرون : 6] ، وذلك كما : -
14307 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : كان في ذلك الزمان ، لا مخرج للعلماء العابدين إلا إحدى خَلَّتين : إحداهما أفضل من صاحبتها. إمَّا أمرٌ ودعاء إلى الحق ، أو الاعتزال فلا تشارك أهل الباطل في عملهم ، وتؤدي الفرائض فيما بينك وبين ربك ، وتحبّ لله وتبغض لله ، ولا تشارك أحدًا في إثم . قال : وقد أنزل في ذلك آية محكمة : (قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء) ، إلى قوله : (فيه تختلفون) ، وفي ذلك قال : ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) [سورة البينة : 4].
* * *
يقال من " الوزر " " وزَر يَزِر " ، " و " وزَرَ يَوْزَر " ، و " وُزِرَ يُؤزر ، فهو موزور " . (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الرب )) فيما سلف 1 : 142 .
(2) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف صلى الله عليه وسلم : 266 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : (( وزر يوزر فهو وزير ، ووزر يوزر فهو موزور )) ، غير ما في المخطوطة ، وحذف وزاد من عند نفسه ، وعذره في ذلك سوء كتابة ناسخ المخطوطة ، وصواب قراءة ما فيها ما أثبت . وهو المطابق لنص كتب اللغة .

(12/286)


القول في تأويل قوله : { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان : كل عامل منا ومنكم فله ثواب عمله ، وعليه وزره ، فاعملوا ما أنتم عاملوه - (ثم إلى ربكم) ، أيها الناس (مرجعكم) ، يقول : ثم إليه مصيركم ومنقلبكم (1) (فينبئكم بما كنتم فيه) ، في الدنيا ، (تختلفون) من الأديان والملل ، (2) إذ كان بعضكم يدين باليهودية ، وبعضٌ بالنصرانية ، وبعض بالمجوسية ، وبعض بعبادة الأصنام وادِّعاء الشركاء مع الله والأنداد ، ثم يجازي جميعَكم بما كان يعمل في الدنيا من خير أو شر ، فتعلموا حينئذ من المحسنُ منَّا والمسيء .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته : والله الذي جعلكم ، أيها الناس ، (خلائفَ الأرض) ، بأن أهلك مَنْ كان قبلكم من القرون والأمم الخالية ، واستخلفكم ، فجعلكم خلائف منهم في الأرض ،
__________
(1) انظر تفسير (( المرجع )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 274 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/287)


تخلفونهم فيها ، وتعمرُونها بعدَهم .
* * *
و " الخلائف " جمع " خليفة " ، كما " الوصائف " جمع " وصيفة " ، وهي من قول القائل : " خَلَف فلان فلانًا في داره يخلُفه خِلافة ، فهو خليفة فيها " ، (1) كما قال الشماخ :
تُصِيبُهُمُ وَتُخْطِئُنِي المَنَايا... وَأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ (2)
وذلك كما : -
14308 - حدثني الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) ، قال : أما " خلائف الأرض " ، فأهلك القرون واستخلفنا فيها بعدهم .
* * *
وأما قوله : (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) ، فإنه يقول : وخالف بين أحوالكم ، فجعل بعضكم فوق بعض ، بأن رفع هذا على هذا ، بما بسط لهذا من الرزق ففضّله بما أعطاه من المال والغِنى ، على هذا الفقير فيما خوَّله من أسباب الدنيا ، وهذا على هذا بما أعطاه من الأيْد والقوة على هذا الضعيف الواهن القُوى ، فخالف
__________
(1) انظر تفسير (( الخليفة )) فيما سلف 1 : 449 - 453 .
(2) ديوانه 58 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 209 ، واللسان ( ربع ) ، من قصيدته التي قالها لامرأته عائشة ، وكانت تلومه على طول تعهده ماله ، أولها : أَعَائِشَ ، مَا لِقَوْمِكِ لا أَرَاهُمْ ... يُضِيعُونَ الهِجَانَ مَعَ المُضِيعِ
يقول : لها تلوميني على إصلاح مالي ، فمالي أرى قومك يقترون على أنفسهم ، ولا يهلكون أموالهم في الكرم والسخاء ؟ ثم يقول لها بعد أبيات : لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ ، أَعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
و (( القنوع )) ، السؤال . وقوله : (( وأخلف في ربوع ... )) ، (( الربوع )) جمع (( ربع وهو جماعة الناس الذين ينزلون (( ربعا )) يسكنونه ، يقول : أبقي في قوم بعد قوم . وعندي أن هذا البيت قلق في قصيدة الشماخ ، سقط قبله شيء من شعره .

(12/288)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)

بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا ، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا . (1) وذلك كالذي : -
14309 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) ، يقول : في الرزق .
* * *
وأما قوله : (ليبلوكم فيما آتاكم) ، فإنه يعني : ليختبركم فيما خوَّلكم من فضله ومنحكم من رزقه ، (2) فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه ، والعاصي ؛ ومن المؤدِّي مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه ، والمفرِّط في أدائه .
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " إن ربك " ، يا محمد ، لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه ، وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه ، ولمن ابتلى منه فيما منحه من فضله وطَوْله ، تولِّيًا وإدبارًا عنه ، مع إنعامه عليه ، وتمكينه إياه في الأرض ، كما فعل بالقرون السالفة (وإنه لغفور) ، يقول : وإنه لساتر ذنوبَ مَنْ ابتلى منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة ، واختباره إياه بأمره ونهيه ، فمغطٍّ عليه فيها ، وتارك فضيحته بها في موقف الحساب
__________
(1) انظر تفسير (( الدرجة )) فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف 10 : 582 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .
تفسير (( الإيتاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .

(12/289)


(رحيم) بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه ، إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه. (1)
* * *
آخر تفسير سورة الأنعام
* * *
__________
(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة . * * *
عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلته عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :
(( آخر تفسير سورة الأنعام والحمد لله كما هو أهله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف )) .
ثم يتلوه ما نصه :
(( بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف ))

(12/290)


المص (1)

تفسير سورة الأعراف تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه { المص (1) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قول الله تعالى ذكره : (المص).
فقال بعضهم : معناه : أنا الله أفضل.
* ذكر من قال ذلك :
14310 - حدثنا سفيان قال ، حدثنا أبي ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : (المص) ، أنا الله أفضل.
14311 - حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا عمار بن محمد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير في قوله : (المص) ، أنا الله أفضل.
* * *
وقال آخرون : هو هجاء حروف اسم الله تبارك وتعالى الذي هو " المصوّر " .
* ذكر من قال ذلك :
14312 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (المص) ، قال : هي هجاء " المصوّر " .
* * *
وقال آخرون : هي اسم من أسماء الله ، أقسم ربنا به.
* ذكر من قال ذلك :

(12/291)


14313 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (المص) ، قسم أقسمه الله ، وهو من أسماء الله.
* * *
وقال آخرون : هو اسم من أسماء القرآن.
ذكر من قال ذلك :
14314 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (المص) ، قال : اسم من أسماء القرآن.
14315 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله.
* * *
وقال آخرون : هي حروف هجاء مقطّعة.
* * *
وقال آخرون : هي من حساب الجمَّل.
* * *
وقال آخرون : هي حروف تحوي معاني كثيرة ، دلّ الله بها خلقه على مراده من ذلك.
* * *
وقال آخرون : هي حروف اسم الله الأعظم.
* * *
وقد ذكرنا كل ذلك بالرواية فيه ، وتعليل كلّ فريق قال فيه قولا. وما الصواب من القول عندنا في ذلك ، بشواهده وأدلته فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 . وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1 : 368 - 370 .

(12/294)


كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)

القول في تأويل قول الله تعالى ذكره{ كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : هذا القرآن ، يا محمد ، كتاب أنزله الله إليك.
* * *
ورفع " الكتاب " بتأويل : هذا كتابٌ.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فلا يضق صدرك ، يا محمد ، من الإنذار به مَنْ أرسلتك لإنذاره به ، وإبلاغه مَنْ أمرتك بإبلاغه إياه ، ولا تشك في أنه من عندي ، واصبر للمضيّ لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة ، (1) كما صبر أولو العزم من الرسل ، فإن الله معك.
* * *
و " الحرج " ، هو الضيق ، في كلام العرب ، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) [سورة الأنعام : 125] ، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
وقال أهل التأويل في ذلك ما : -
14316 - حدثني به محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، قال : لا تكن في شك منه.
__________
(1) في المطبوعة : (( واصبر بالمضي لأمر الله )) ، وغير ما في المخطوطة بلا طائل .
(2) انظر ما سلف ص : 103 - 107 .

(12/295)


14317 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، قال : شك.
14318 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14319 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، شك منه.
14320 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، مثله.
14321 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، قال : أما " الحرج " ، فشك.
14322 - حدثنا الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، سمعت مجاهدًا في قوله : (فلا يكن في صدرك حرج منه) ، قال : شك من القرآن.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل ، هو معنى ما قلنا في " الحرج " ، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به ، وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى " الضيق " ، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب ، كما قد بيناه قبل.
* * *

(12/296)


القول في تأويل قوله : { لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك تعالى ذكره : هذا كتاب أنزلناه إليك ، يا محمد ، لتنذر به من أمرتك بإنذاره ، (وذكرى للمؤمنين) وهو من المؤخر الذي معناه التقديم. ومعناه : " كتاب أنزل إليك لتنذر به " ، و " ذكرى للمؤمنين " ، " فلا يكن في صدرك حرج منه " .
وإذا كان ذلك معناه ، كان موضع قوله : (وذكرى) نصبًا ، بمعنى : أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به ، وتذكر به المؤمنين.
* * *
ولو قيل معنى ذلك : هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، أن تنذر به ، وتذكّر به المؤمنين كان قولا غير مدفوعة صحته.
وإذا وُجِّه معنى الكلام إلى هذا الوجه ، كان في قوله : (وذكرى) من الإعراب وجهان :
أحدهما : النصب بالردّ على موضع " لتنذر به " .
والآخر : الرفع ، عطفًا على " الكتاب " ، كأنه قيل : " المص كتاب أنزل إليك " ، و " ذكرى للمؤمنين " . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (3) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام : اتبعوا ، أيها
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 370 .

(12/297)


الناس ، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى ، واعملوا بما أمركم به ربكم ، ولا تتبعوا شيئًا من دونه يعني : شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم. يقول : لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان ، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.
* * *
فإن قال قائل : وكيف قلت : " معنى الكلام : قل اتبعوا " ، وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول ؟
قيل : إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا ، فإن في الكلام دلالة عليه ، وذلك قوله : (فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به) ، ففي قوله : " لتنذر به " ، الأمر بالإنذار ، وفي الأمر بالإنذار ، الأمرُ بالقول ، لأن الإنذار قول. فكأن معنى الكلام : أنذر القومَ وقل لهم : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم.
ولو قيل معناه : لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم : اتبعوا ما أنزل إليكم كان غير مدفوع.
* * *
وقد كان بعض أهل العربية يقول : قوله : (اتبعوا) ، خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، اتبع ما أنزل إليك من ربك ويرى أن ذلك نظير قول الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) [سورة الطلاق : 1] ، إذ ابتدأ خطابَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم جعل الفعل للجميع ، إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ ، أمرًا منه لجميع أمته ، كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته : " أما تتقون الله ، أما تستحيون من الله! " ، ونحو ذلك من الكلام. (1)
وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع ، فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام ،
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 371 ، فهذه مقالته .

(12/298)


وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)

لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.
* * *
وقوله : (قليلا ما تذكرون) ، يقول : قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : حذّر هؤلاء العابدين غيري ، والعادلين بي الآلهة والأوثان ، سَخَطي لا أُحِلّ بهم عقوبتي فأهلكهم ، (2) كما أهلكت من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم ، فكثيرًا ما أهلكت قبلهم من أهل قرى عصوني وكذَّبوا رسلي وعبدوا غيري (3) (فجاءها بأسنا بياتًا) ، يقول : فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلا قبل أن يصبحوا (4) أو جاءتهم " قائلين " ، يعني : نهارًا في وقت القائلة.
* * *
وقيل : " وكم " لأن المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المَثُلاث ، بتكذيبهم رسلَه وخلافهم عليه. وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد ، كما قال الفرزدق :
__________
(1) انظر تفسير (( التذكر )) فيما سلف 11 : 489 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : (( لأحل بهم عقوبتي )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .
(3) انظر تفسير (( كم )) فيما سلف 5 : 352 :
تفسير (( القرية )) فيما سلف 8 : 543 .
وتفسير (( الإهلاك )) فيما سلف : 11 : 316 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وتفسير (( البأس )) فيما سلف ص : 207 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( البيات )) فيما سلف 8 : 562 ، 563 /9 : 191 ، 192 .

(12/299)


كَمْ عَمةٍ لَكَ يا جَرِيرُ وَخَالَةٍ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي (1)
* * *
فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه " أهلك قرًى " ، فما في خبره عن إهلاكه " القرى " من الدليل على إهلاكه أهلها ؟
قيل : إن " القرى " لا تسمى " قرى " ولا " القرية " " قرية " ، إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم ، ففي إهلاكها إهلاك مَنْ فيها من أهلها.
* * *
وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن " القرية " ، والمراد به أهلها.
* * *
قال أبو جعفر : والذي قلنا في ذلك أولى بالحق ، لموافقته ظاهر التنزيل المتلوّ.
* * *
فإن قال قائل : وكيف قيل : (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون) ؟ وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسَخَطه بها ؟ فكيف قيل : " أهلكناها فجاءها " ؟ وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها ، فما وجه مجيء ذلك قومًا قد هلكوا وبادوا ، ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم ؟
قيل : إن لذلك من التأويل وجهين ، كلاهما صحيح واضح منهجه :
أحدهما : أن يكون معناه : " وكم من قرية أهلكناها " ، بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى ، واختيارها اتباع أمر أوليائها المُغْوِيتِهَا عن طاعة ربها (2) " فجاءها بأسنا " إذ فعلت ذلك " بياتا أو هم قائلون " ، فيكون " إهلاك الله إياها " ، خذلانه لها عن طاعته ، ويكون " مجيء بأس الله إياهم " ، جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم.
__________
(1) ديوانه : 451 ، والنقائض : 332 ، وقد سلف هذا البيت وشرحه في تخريج بيت آخر من القصيدة 9 : 495 ، 496 ، تعليق : 1 .
(2) في المطبوعة : (( المغويها )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/300)


والآخر منهما : أن يكون " الإهلاك " هو " البأس " بعينه ، فيكون في ذكر " الإهلاك " الدلالةُ على ذكر " مجيء البأس " ، وفي ذكر " مجيء البأس " الدلالة على ذكر " الإهلاك " .
وإذا كان ذلك كذلك ، كان سواء عند العرب ، بُدئ بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس ، أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك. وذلك كقولهم : " زرتني فأكرمتني " ، إذ كانت " الزيارة " هي " الكرامة " ، فسواء عندهم قدم " الزيارة " وأخر " الكرامة " ، أو قدم " الكرامة " وأخر " الزيارة " فقال : " أكرمتني فزرتني " . (1)
* * *
وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفًا ، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحًا وأن معنى ذلك : وكم من قرية أهلكناها ، فكان مجيء بأسنا إياها قبل إهلاكنا. (2) وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل ، ولا من خبر يجب التسليم له. وإذا خلا القولُ من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجبُ التسليم لها ، كان بيّنًا فساده.
* * *
وقال آخر منهم أيضًا : معنى " الفاء " في هذا الموضع معنى " الواو " . وقال : تأويل الكلام : وكم من قرية أهلكناها ، وجاءها بأسنا بياتًا. وهذا قول لا معنى له ، إذ كان لـ " الفاء " عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام ، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، أولى من صرفها إلى غيره.
* * *
فإن قال : وكيف قيل : (فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون) ، وقد علمت أن الأغلب من شأن " أو " في الكلام ، اجتلابُ الشك ، وغير جائز أن يكون في خبر الله شك ؟
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 371 .
(2) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 371 ، قال : (( وإن شئت كان المعنى : وكم من قرية أهلكناها ، فكان مجيء البأس قبل الإهلاك ، فأضمرت كان . )) .

(12/301)


قيل : إن تأويل ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ. وإنما معنى الكلام : وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتًا ، وبعضها وهم قائلون. ولو جعل مكان " أو " في هذا الموضع " الواو " ، لكان الكلام كالمحال ، ولصار الأغلب من معنى الكلام : أن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتًا وفي وقت القائلة . وذلك خبرٌ عن البأس أنه أهلك من قد هلك ، وأفنى من قد فني. وذلك من الكلام خَلْفٌ . (1) ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنزيل ، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتًا ، من القرى التي جاءها ذلك قائلةً. ولو فُصلت ، لم يخبر عنها إلا بالواو.
وقيل : " فجاءها بأسنا " خبرًا عن " القرية " أن البأس أتاها ، وأجرى الكلام على ما ابتدئ به في أول الآية . ولو قيل : " فجاءهم بأسنا بياتًا " ، لكان صحيحًا فصيحًا ، ردًّا للكلام إلى معناه ، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها ، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب ، نحوٌ من الذي نال سكانها. وقد رجع في قوله : (أو هم قائلون) ، إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها ، لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان ، وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها. (2)
ولو قيل : " أو هي قائلة " ، كان صحيحًا ، إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام.
* * *
فإن قال قائل : أو ليس قوله : (أو هم قائلون) ، خبرًا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار ؟
قيل : بلى!
__________
(1) (( خلف )) ( بفتح فسكون ) . يقال : (( هذا خلف من القول )) ، أي : رديء ساقط ومنه المثل : (( سكت ألفًا ، ونطق خلفًا )) .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 371 .

(12/302)


فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)

فإن قال : أو ليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدالِّ على الوقت ؟
قيل : إن ذلك ، وإن كان كذلك ، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع ، استثقالا للجمع بين حرفي عطف ، إذ كان " أو " عندهم من حروف العطف ، (1) وكذلك " الواو " ، فيقولون : " لقيتني مملقًا أو أنا مسافر " ، بمعنى : أو وأنا مسافر ، فيحذفون " الواو " وهم مريدوها في الكلام ، لما وصفت. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها ، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياتًا أو هم قائلون ، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين ، وبربهم آثمين ، ولأمره ونهيه مخالفين. (3)
* * *
وعنى بقوله جل ثناؤه : (دعواهم) ، في هذا الموضع دعاءَهم.
* * *
ولـ " الدعوى " ، في كلام العرب ، وجهان : أحدهما : الدعاء ، والآخر : الادعاء للحق.
ومن " الدعوى " التي معناها الدعاء ، قول الله تبارك وتعالى : ( فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ) [سورة الأنبياء : 15] ، ومنه قول الشاعر : (4)
__________
(1) في المخطوطة : (( إذ كان وعندهم من حروف العطف )) بياض ، وفوق البياض ( كذا ) ، وفي الهامش حرف ( ط ) . والذي في المطبوعة شبيه بالصواب .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 372 .
(3) انظر بيان قول (( بربهم آثمين )) فيما سلف ص : 171 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) كثير عزة .

(12/303)


وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي... بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ (1)
* * *
وقد بينا فيما مضى قبل أن " البأس " و " البأساء " الشدة ، بشواهد ذلك الدالة على صحته ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (2)
* * *
وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم " .
* * *
وقد تأوّل ذلك كذلك بعضهم.
14323 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن أبي سنان ، عن عبد الملك بن ميسرة الزرَّاد قال ، قال عبد الله بن مسعود : قال رسول الله : ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم - قال قلت لعبد الملك : كيف يكون ذلك ؟ قال : فقرأ هذه الآية : (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا) ، الآية (3) .
* * *
فإن قال قائل : وكيف قيل : (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) ؟ وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك ، وقد جاءهم بأس الله بالهلاك ؟ أقالوا ذلك قبل الهلاك ؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك ، فإنهم قالوا قبل
__________
(1) ديوانه 2 : 245 ، في باب الزيادات ، نهاية الأرب 2 : 125 ، واللسان ( مذل ) .
(( مذلت رجله ( بفتح وسكون ) ومذلا ( بفتحتين ) : خدرت ، كانوا يزعمون أن المرء إذا خدرت رجله ثم دعا باسم مَنْ أحب ، زال خدرها .
(2) انظر تفسير (( البأس )) فيما سلف ص : 299 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(3) الأثر : 14323 - (( عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 503 ، 504 ، 1326 ، مات في العشر الثاني من المئة الثانية . لم يدرك ابن مسعود ولا غيره من الصحابة . فإسناده منقطع .
وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 448 ، عن الطبري ولم يخرجه . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 67 ، ولم ينسبه إلى غير ابن أبي حاتم .
(( أعذر من نفسه )) ، إذا أمكن معاقبة بذنبه منها . يعني : أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم ، فيعذروا من أنفسهم ، ويستوجبوا العقوبة ، ويكون لمن يعذبهم عذر في إلحاق العذاب بهم .

(12/304)


فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)

مجيء البأس ، والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم ، لا قبل ذلك ؟ أو قالوه بعد ما جاءهم ، فتلك حالة قد هلكوا فيها ، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله ، وحقيقة ما كانت الرسل تَعِدهم من سطوة الله ؟. (1)
قيل : ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوّله وآخره مَهَلٌ ، بل كان منهم من غرق بالطوفان. فكان بين أوّل ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون ، وبين آخره الذي عمَّ جميعهم هلاكُه ، المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل . ومنهم من مُتِّع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أيامًا ثلاثة ، كقوم صالح وأشباههم. فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به ، وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم ، دعوا : (يا ويلنا إنا كنا ظالمين) ، فلم يك ينفعهم إيمانهم مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم. فحذّر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله ، ما حلَّ بمن كان قبلهم من الأمم إذ عصوا رُسله ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي : ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي ؟ هل عملوا بما أمرتهم به ، وانتهوا عما نهيتهم عنه ، وأطاعوا أمري ، أم عصوني فخالفوا ذلك ؟ (ولنسألن
__________
(1) في المخطوطة وصل الكلام هكذا : (( وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله وليس كل الأمم )) ، بالواو ، وليس فيها (( قيل )) ، وقد أحسن الناشر الأول فيما فعل ، وإن كنت أظن أن في الكلام سقطًا.

(12/305)


المرسلين) ، يقول : ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم : هل بلغتهم رسالاتي ، وأدَّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليهم ، أم قصّروا في ذلك ففرَّطوا ولم يبلغوهم ؟.
* * *
وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه.
* ذكر من قال ذلك :
14324 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) ، قال : يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ، ويسأل المرسلين عما بلغوا.
14325 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (فلنسألن الذين أرسل إليهم) إلى قوله : (غائبين) ، قال : يوضع الكتاب يوم القيامة ، فيتكلم بما كانوا يعملون.
14326 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) ، يقول فلنسألن الأمم : ما عملوا فيما جاءت به الرسل ؟ ولنسألن الرسل : هل بلغوا ما أرسلوا به ؟
14327 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، قال مجاهد : (فلنسألن الذين أرسل إليهم) ، الأمم ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه : هل بلغوا ؟ (1)
* * *
__________
(1) الأثر : 14327 - (( أبو سعد المدني )) ، مضى في الأثر رقم : 14322 ، ولم أعرف من هو ، ولم أجد له ترجمة .

(12/306)


فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)

القول في تأويل قوله : { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلنخبرن الرسل ومَنْ أرسلتهم إليه بيقين علمٍ بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به ، وما كنت نهيتهم عنه (1) " وما كنا غائبين " ، عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها.
* * *
فإن قال قائل : وكيف يسأل الرسلَ ، والمرسل إليهم ، وهو يخبر أنه يقصّ عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم في ذلك ؟
قيل : إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألة استرشاد ، ولا مسألة تعرّف منهم ما هو به غير عالم ، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر ، كما يقول الرجل للرجل : " ألم أحسن إليك فأسأت ؟ " ، و " ألم أصلك فقطعت ؟ " . فكذلك مسألة الله المرسلَ إليهم ، بأن يقول لهم : " ألم يأتكم رسلي بالبينات ؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابي وعقابي في هذا اليوم من كفر بي وعبد غيري " ؟ كما أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ،
[سورة يس : 60 - 61] ، ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة ، ومعناه الخبر والقصص ، وهو بعدُ توبيخ وتقرير.
وأما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر ، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها : (ألم يأتكم رُسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم) ؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا : " ما جاءنا من بشير ولا نذير " . فقيل للرسل : " هل بلغتم ما أرسلتم به " ؟ أو قيل لهم : " ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به ؟ " ، كما جاء الخبر
__________
(1) انظر تفسير (( القصص )) فيما سلف 9 : 402 /12 : 120

(12/307)


عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما قال جل ثناؤه لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ، [سورة البقرة : 143]. فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم ، وللمرسَل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر.
فأما الذي هو عن الله منفيٌّ من مسألته خلقه ، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول ، ليعلم السائل علم ذلك من قِبَله ، فذلك غير جائز أن يوصف الله به ، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها ، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله : ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ) ، [سورة الرحمن : 39] ، وبقوله : ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) ، [سورة القصص : 78] ، يعني : لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم مستثبت ، (1) ليعلم علم ذلك من قبل مَنْ سأل منه ، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره.
* * *
وقد ذكرنا ما روي في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته. (2)
* * *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في معنى قوله : (فلنقصن عليهم بعلم) ، أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم.
هذا قولٌ غيرُ بعيد من الحق ، غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه تَرْجُمان ، فيقول له : " أتذكر يوم فعلت كذا وفعلت كذا " ؟ حتى
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : ( لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم علم مستثبت )) وهو غير مستقيم ، والصواب ما أثبت .
(2) انظر ما سلف 3 : 145 - 154 .

(12/308)


وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)

يذكره ما فعل في الدنيا (1) والتسليم لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من التسليم لغيره.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) }
قال أبو جعفر : " الوزن " مصدر من قول القائل : " وزنت كذا وكذا أزِنه وَزْنًا وزِنَةً " ، مثل : " وَعدته أعده وعدًا وعدة " .
وهو مرفوع بـ " الحق " ، و " الحق " به. (2)
* * *
ومعنى الكلام : والوزن يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين ، الحق ويعني بـ " الحق " ، العدلَ.
* * *
وكان مجاهد يقول : " الوزن " ، في هذا الموضع ، القضاء.
14328 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " والوزن يومئذ " ، القضاء.
* * *
__________
(1) هذا الخبر الذي صححه الطبري ، لم أجده بتمامه ، ووجدت صدره من رواية ابن خزيمة ، عن أبي خالد عبد العزيز بن أبان القرشي ، قال : حدثنا بشير بن المهاجر ، عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة ، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان )) ( حادي الأرواح 2 : 108 ، 109 ) ، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد : 346 ، بلفظ : ( ليس منكم من أحد إلا سيكلمه الله عز وجل ... )) ، ثم قال : (( رواه البزار ، وفيه عبد العزيز بن أبان ، وهو متروك )) . وسيأتي في التعليق على رقم : 14333 .
وأما الأخبار بمعنى هذا الخبر ، فقد جاءت بالأسانيد الصحاح . رواه الترمذي بهذا اللفظ في أبواب صفة القيامة ، من حديث عدي بن حاتم ، وقال : (( هذا حديث حسن صحيح )) .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 373 .

(12/309)


وكان يقول أيضًا : معنى " الحق " ، هاهنا ، العدل.
* ذكر الرواية بذلك :
14329 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد : (والوزن يومئذ الحق) ، قال : العدل.
* * *
وقال آخرون : معنى قوله : (والوزن يومئذ الحق) ، وزن الأعمال.
* ذكر من قال ذلك :
14330 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : (والوزن يومئذ الحق) ، توزن الأعمال.
14331 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (والوزن يومئذ الحق) ، قال : قال عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب ، فلا يزن جناح بَعُوضة.
14332 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (والوزن يومئذ الحق) ، قال : قال عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل الطويل العظيم فلا يزن جناح بعوضة.
14333 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا يوسف بن صهيب ، عن موسى ، عن بلال بن يحيى ، عن حذيفة قال : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، قال : يا جبريل ، زِن بينهم! فردَّ من بعضٍ على بعض. قال : وليس ثم ذهبٌ ولا فضة. قال : فإن كان للظالم حسنات ، أخذ من حسناته فترد على المظلوم ، (1) وإن لم يكن له حسنات حُمِل عليه من
__________
(1) في المطبوعة أسقط من الكلام ما لا يستقيم إلا به ، فرددتها إلى أصلها من المخطوطة . كان في المطبوعة : (( يا جبريل زن بينهم ، فرد على المظلوم ... )) .

(12/310)


سيئات صاحبه ، فيرجع الرجل عليه مثل الجبال ، فذلك قوله : (والوزن يومئذ الحق). (1)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (فمن ثقلت موازينه).
فقال بعضهم : معناه : فمن كثرت حسناته.
* ذكر من قال ذلك :
14334 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد : (فمن ثقلت موازينه) ، قال : حسناته.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : فمن ثقلت موازينه التي توزن بها حسناته وسيئاته. قالوا : وذلك هو " الميزان " الذي يعرفه الناس ، له لسان وكِفَّتان.
* ذكر من قال ذلك :
14335 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج ، قال لي عمرو بن دينار قوله : (والوزن يومئذ الحق) ، قال : إنا نرى ميزانًا وكفتين ، سمعت عبيد بن عمير يقول : يُجْعَل الرجل العظيم الطويل في الميزان ، ثم لا يقوم بجناح ذباب.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار ، من أن ذلك هو " الميزان " المعروف الذي يوزن به ،
__________
(1) الأثر : 14333 - (( الحارث )) ، هو (( الحارث بن أبي أسامة )) ، ثقة مضى مرارًا .
و (( عبد العزيز )) ، هو (( عبد العزيز بن أبان الأموي )) ، كذاب خبيث يضع الأحاديث ، مضى ذكره مرارًا ، رقم : 10295 ، 10315 ، 10360 ، 10553 .
(( يوسف بن صهيب الكندي )) ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /2 /380 ، وابن أبي حاتم 4 /2 /224 . و (( موسى )) كثير ، ولم أستطع أن أعينه .
و (( بلال بن يحي العبسي )) ، يروي عن حذيفة . ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /2 /108 ، وابن أبي حاتم 1 /1 / 396 .

(12/311)


وأن الله جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات ، كما قال جل ثناؤه : (فمن ثقلت موازينه) ، موازين عمله الصالح (فأولئك هم المفلحون) ، يقول : فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح ، وأدركوا الفوز بالطلبات ، والخلود والبقاء في الجنات ، (1) لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما وُضِع في الميزان شيء أثقل من حسن الخُلق " ، (2) ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزانٌ يوزن به الأعمال ، على ما وصفت.
* * *
فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، وِجْهَته ، وقال : أوَ بالله حاجة إلى وزن الأشياء ، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده ، وفي كل حال ؟ أو قال : وكيف توزن الأعمال ، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة ، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها ، وكثرتها من قلتها ، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة ، والكثرة والقلة ؟
قيل له في قوله : " وما وجه وزن الله الأعمالَ ، وهو العالم بمقاديرها قبل كونها " : وزن ذلك ، نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب ، من غير حاجة به إليه ، ومن غير خوف من نسيانه ، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده ، بل ليكون ذلك حجة على خلقه ، كما قال جل ثناؤه في تنزيله : ( كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ) [سورة الجاثية : 28 - 29] الآية. فكذلك
__________
(1) انظر تفسير (( الفلاح )) فيما سلف ص : 130 تعليق : 2 والمراجع هناك .
(2) روى الترمذي في سننه في كتاب (( البر والصلة )) باب (( ما جاء في حسن الخلق )) ، عن أبي الدرداء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق خسن ، فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء )) ، ثم قال : (( وفي الباب عن عائشة ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأسامة بن شريك . هذا حديث حسن صحيح )) . وقال السيوطي في الدر المنثور 3 : 71 (( وأخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان واللالكائي ، عن أبي الدرداء )) .

(12/312)


وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان ، حجة عليهم ولهم ، إما بالتقصير في طاعته والتضييع ، وإما بالتكميل والتتميم. (1)
* * *
وأمّا وجه جواز ذلك ، فإنه كما :
14336 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال ، حدثنا جعفر بن عون قال ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : يُؤْتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ، فيوضع في الكِفّة ، فيخرج له تسعة وتسعون سِجِلا فيها خطاياه وذنوبه. قال : ثم يخرج له كتاب مثل الأنْمُلة ، فيها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . قال : فتوضع في الكِفّة ، فترجح بخطاياه وذنوبه. (2)
* * *
__________
(1) هذه إحدى حجج أبي جعفر ، التي تدل على لطف نظره ، ودقة حكمه ، وصفاء بيانه ، وقدرته على ضبط المعاني ضبطًا لا يختل . فجزاه الله عن كتابه ودينه أحسن الجزاء ، يوم توفى كل نفس ما كسبت .
(2) الأثر : 14336 - (( موسى بن عبد الرحمن المسروق )) شيخ أبي جعفر ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 8906 .
و (( جعفر بن عون بن عمرو بن حريث المخزومي )) ، ثقة ، مضى برقم : 9506 ، 14244 .
و (( عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي المعافري )) ، هو (( ابن أنعم )) ، ثقة . مضى برقم : 2195 ، 10180 ، 11337 .
و (( عبد الله بن يزيد المعافري )) أبو عبد الرحمن الحبلي المصري ، ثقة ، مضى برقم : 6657 ، 9483 ، 11917 .
وكان في المطبوعة : (( عن عبد الله بن عمر )) ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة . وهذا خبر صحيح الإسناد .
ورواه أحمد في مسنده بغير هذا اللفظ مطولا ، في مسند عبد الله بن عمرو رقم : 6994 من طريق الليث بن سعد ، عن عامر بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن الحبلى ثم رواه أيضًا رقم : 7066 من طريق ابن لهيعة ، عن عمرو بن يحيى ( عامر بن يحيى ) ، عن أبي عبد الرحمن الحبلى . ورواه من الطريق الأولي عند أحمد ابن ماجه في سننه ص : 1437 .
ورواه الحاكم في المستدرك 1 : 6 من طريق يونس بن محمد ، عن الليث بن سعد ، عن عامر بن يحيى ، عن أبي عبد الرحمن المعافري وقال : (( هذا حديث صحيح ، لم يخرج في الصحيحين ، وهو صحيح على شرط مسلم )) ، ووافقه الذهبي . ثم عاد فرواه في المستدرك أيضًا 1 : 529 من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن الليث ، مثل إسناده وقال : (( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه )) ووافقه الذهبي .

(12/313)


فكذلك وزن الله أعمال خلقه ، بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان ، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى ، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى ، احتجاجًا من الله بذلك على خلقه ، كفعله بكثير منهم : من استنطاق أيديهم وأرجلهم ، استشهادًا بذلك عليهم ، وما أشبه ذلك من حججه.
ويُسأل مَن أنكر ذلك فيقال له : إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة ، ويخفف موازين آخرين ، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك ، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته ، الذي يتعارفه الناس ؟ أحجة عقل تُبْعِد أن يُنال وجه صحته من جهة العقل ؟ (1) وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقَه وكتبَ أعمالهم لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان ، خروجٌ من حكمة ، ولا دخول في جور في قضية ، فما الذي أحال ذلك عندك من حجةِ عقلٍ أو خبر ؟ (2) إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرتُ ، ولا سبيل إلى ذلك. وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين ، وضوحُ فساد قوله ، وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك.
وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته ، إذ كان قصدُنا في هذا الكتاب : البيانَ عن تأويل القرآن دون غيره. ولولا ذلك لقرنَّا إلى ما ذكرنا نظائره ، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وُفِّق لفهمه إن شاء الله.
__________
(1) في المطبوعة : أحجة عقل فقد يقال وجه صحته ... وهو كلام غير مستقيم . وفي المخطوطة . (( أحجة عقل بعدان ننال وجه صحته ... )) ، وكأن الصواب ما قرأته وأثبته .
(2) في المطبوعة : (( فما الذي أحال عندك من حجة أعقل أو خبر )) ، وهو فاسد ، وفي المخطوطة : (( ... من حجة أو عقل أو خبر )) ، بزيادة (( أو )) ، وبحذفها يستقيم الكلام .

(12/314)


وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)

القول في تأويل قوله : { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : ومن خفت موازين أعماله الصالحة ، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله ، والإيمان به وبرسوله ، واتباع أمره ونهيه ، فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته (1) (بما كانوا بآياتنا يظلمون) ، يقول : بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون ، فلا يقرّون بصحتها ، ولا يوقنون بحقيقتها ، (2) كالذي : -
14337 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد : (ومن خفت موازينه) ، قال : حسناته.
* * *
وقيل : " فأولئك " ، و " من " في لفظ الواحد ، لأن معناه الجمع. ولو جاء موحَدًا كان صوابًا فصيحًا. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (10) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد وطَّأْنا لكم ، أيها الناس ، في الأرض ، (4) وجعلناها لكم قرارًا تستقرُّون فيها ، ومهادًا تمتهدونها ، وفراشًا تفترشونها (5) (
__________
(1) انظر تفسير (( الخسارة )) فيما سلف ص : 153 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 373 .
(4) في المطبوعة : (( ولقد وطنا لكم أيها الناس )) ، والصواب من المخطوطة .
(5) انظر تفسير (( مكن )) فيما سلف 11 : 263 .

(12/315)


وجعلنا لكم فيها معايش) ، تعيشون بها أيام حياتكم ، من مطاعم ومشارب ، نعمة مني عليكم ، وإحسانًا مني إليكم (قليلا ما تشكرون) ، يقول : وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري ، واتخاذكم إلهًا سواي.
* *
والمعايش : جمع " معيشة " .
* * *
واختلفت القرأة في قراءتها.
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار : (مَعَايِشَ) بغير همز.
* * *
وقرأه عبد الرحمن الأعرج : " مَعَائِشَ " بالهمز.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا : (مَعَايِشَ) بغير همز ، لأنها " مفاعل " من قول القائل " عشتَ تعيش " ، فالميم فيها زائدة ، والياء في الحكم متحركة ، لأن واحدها " مَفْعلة " ، " مَعْيشة " ، متحركة الياء ، نقلت حركة الياء منها إلى " العين " في واحدها . فلما جُمعت ، رُدّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها. وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا ، في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال " مفاعل " ، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال " فعائل " التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل. فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال ، فالعرب تهمزه ، كقولهم : " هذه مدائن " و " صحائف " ونظائرهما ، (1) لأن " مدائن " جمع " مدينة " ، و " المدينة " ، " فعيلة " من قولهم : " مدنت المدينة " ، وكذلك ، " صحائف " جمع " صحيفة " ، و " الصحيفة " ، " فعيلة " من قولك : " صحفت الصحيفة " ، فالياء في واحدها زائدة ساكنة ، فإذا جمعت همزت ، لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها ، وذلك أنها كانت
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : (( ونظائر )) والسياق ما أثبت .

(12/316)


وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)

في واحدها ساكنة ، وهي في الجمع متحركة. ولو جعلت " مدينة " " مَفْعلة " من : " دان يدين " ، وجمعت على " مفاعل " ، كان الفصيح ترك الهمز فيها. وتحريك الياء. وربما همزت العرب جمع " مفعلة " في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها. إذا جاءت على " مفاعل " تشبيهًا منهم جمعها بجمع " فعيلة " ، كما تشبه " مَفْعلا " " بفعيل " فتقول : " مَسِيل الماء " ، من : " سال يسيل " ، ثم تجمعها جمع " فعيل " ، فتقول : " هي أمسلة " ، في الجمع ، تشبيهًا منهم لها بجمع " بعير " وهو " فعيل " ، إذ تجمعه " أبعرة " . وكذلك يجمع " المصير " وهو " مَفْعل " ، " مُصْران " تشبيهًا له بجمع : " بعير " وهو " فعيل " ، إذ تجمعه " بُعْران " ، (1) وعلى هذا همز الأعرج " معايش " . وذلك ليس بالفصيح في كلامها ، وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن أفصحها وأعرفها ، دون أنكرها وأشذِّها.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : تأويل ذلك : (ولقد خلقناكم) ، في ظهر آدم ، أيها الناس (ثم صورناكم) ، في أرحام النساء. خلقًا مخلوقًا ومثالا ممثلا في صورة آدم.
* ذكر من قال ذلك :
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 373 ، 374

(12/317)


14338 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، قوله : (خلقناكم) ، يعني آدم وأما " صورناكم " ، فذريّته.
14339 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) الآية ، قال : أمّا " خلقناكم " ، فآدم. وأمّا " صورناكم " ، فذرية آدم من بعده.
14340 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع : (ولقد خلقناكم) ، يعني : آدم (ثم صورناكم) ، يعني : في الأرحام.
14341 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس في قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، يقول : خلقناكم خلق آدم ، ثم صَوَّرناكم في بطون أمهاتكم.
14342 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، يقول : خلقنا آدم ، ثم صورنا الذرية في الأرحام.
14343 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : خلق الله آدم من طين " ثم صورناكم " ، في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق : علقة ، ثم مضغة ، ثم عظامًا ، ثم كسا العظام لحمًا ، ثم أنشأناه خلقًا آخر. (1)
14344 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
__________
(1) الأثر : 14343 - (( بشر بن معاذ العقدي )) ، مضى مرارًا ، وهذا إسناد يدور في التفسير دورانًا ، ولكنه جاء هنا في المخطوطة والمطبوعة : (( بشر بن آدم )) ، وهو خطأ . لا شك في ذلك .

(12/318)


معمر ، عن قتادة قال : خلق الله آدم ، ثم صوّر ذريته من بعده.
14345 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمر بن هارون ، عن نصر بن مُشارس ، عن الضحاك : (خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : ذريته. (1)
14346 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قوله : (ولقد خلقناكم) ، يعني آدم (ثم صورناكم) ، يعني : ذريته.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : " ولقد خلقناكم " ، في أصلاب آبائكم " ثم صورناكم " ، في بطون أمهاتكم.
* ذكر من قال ذلك :
14347 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن شريك ، عن سماك ، عن عكرمة : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : خلقناكم في أصلاب الرجال ، وصوّرناكم في أرحام النساء.
14348 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، مثله.
14349 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان قال ، سمعت الأعمش يقرأ : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : خلقناكم في أصلاب الرجال ، ثم صورناكم في أرحام النساء.
* * *
وقال آخرون : بل معنى ذلك : (خلقناكم) ، يعني آدم (ثم صورناكم) ، يعني في ظهره.
__________
(1) الأثر : 14345 - (( عمر بن هارون بن يزيد البلخي )) ، متكلم فيه وجرح ، مضى برقم : 12389 .
و (( نصر بن مشاري )) أو (( نصر بن مشيرس )) ، هو (( أبو مصلح الخراساني )) مشهور بكنيته ، وكذلك مضى في الأثر رقم : 12389 .
وكان في المطبوعة : (( مشاوش )) ، وفي المخطوطة : (( مشاوس )) والصواب ما أثبته .

(12/319)


* ذكر من قال ذلك :
14350 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : (ولقد خلقناكم) ، قال : آدم (ثم صورناكم) ، قال : في ظهر آدم.
14351 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، في ظهر آدم.
14352 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : صورناكم في ظهر آدم.
14353 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، سمعت مجاهدًا في قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : في ظهر آدم ، لما تصيرون إليه من الثواب في الآخرة.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : " ولقد خلقناكم " ، في بطون أمهاتكم " ثم صورناكم " ، فيها.
* ذكر من قال ذلك :
14354 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عمن ذكره قال : (خلقناكم ثم صورناكم) ، قال : خلق الله الإنسان في الرحم ، ثم صوّره ، فشقَّ سمعه وبصره وأصابعه.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : تأويله : (ولقد خلقناكم) ، ولقد خلقنا آدم (ثم صورناكم) ، بتصويرنا آدم ، كما قد بينا

(12/320)


فيما مضى من خطاب العرب الرجلَ بالأفعال تضيفها إليه ، والمعنيُّ في ذلك سلفه ، (1) وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) ، [سورة البقرة : 63]. وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود ، والمراد به السلف المعدوم ، فكذلك ذلك في قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، معناه : ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناه.
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب ، لأن الذي يتلو ذلك قوله : (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم ، قبل أن يصوِّر ذريته في بطون أمهاتهم ، بل قبل أن يخلُق أمهاتهم.
و " ثم " في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها ، (2) وذلك كقول القائل : " قمت ثم قعدت " ، لا يكون " القعود " إذ عطف به بـ " ثم " على قوله : " قمت " إلا بعد القيام ، (3) وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو ، جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها ، وذلك كقول القائل : " قمت وقعدت " ، فجائز أن يكون " القعود " في هذا الكلام قد كان قبل " القيام " ، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفًا ، لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها ، من غير دلالة منها بنفسها على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين ، أو إن كانا في وقتين ، أيهما
__________
(1) انظر هذا من خطاب العرب فيما سلف 2 : 38 ، 39 ثم ص : 164 ، 165 ، ومواضع أخرى بعد ذلك في فهرس مباحث العربية والنحو وغيرها .
(2) انظر القول في (( ثم )) فيما سلف ص : 233 .
(3) كان في هذه الجملة في المخطوطة تكرار ، ووضع الناسخ في الهامش ( كذا ) ، والصواب ما في المطبوعة .

(12/321)


المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إنّ قوله : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ، لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا.
فإن ظن ظانّ أن العربَ ، إذ كانت ربما نطقت بـ " ثم " في موضع " الواو " في ضرورة شعره ، كما قال بعضهم :
سَأَلْتُ رَبِيعَةَ : مَنْ خَيْرُهَا... أَبًا ثُمَّ أُمًّا? فَقَالَتْ : لِمَهْ? (1)
بمعنى : أبًا وأمًّا ، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره فإن ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب ، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها ، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف.
* * *
وقد وجَّه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم ، وزعم أن معنى ذلك : ولقد خلقناكم ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب ، لأنها لا تدخل " ثم " في الكلام وهي مرادٌ بها التقديم على ما قبلها من الخبر ، وإن كانوا قد يقدِّمونها في الكلام ، (2) إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير ، وذلك كقولهم : " قام ثم عبد الله عمرو " ، فأما إذا قيل : " قام عبد الله ثم قعد عمرو " ، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله ، إذا كان الخبر صدقًا ، فقول الله تبارك وتعالى : (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا) ، نظير قول القائل : " قام عبد الله ثم قعد عمرو " ، في أنه غير جائز أن يكون أمرُ الله الملائكةَ بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير ، لما وصفنا قبل.
* * *
وأما قوله للملائكة : (اسجدوا لآدم) ، فإنه يقول جل ثناؤه : فلما صوّرنا
__________
(1) لم أعرف قائله .
(2) في المخطوطة : (( وإن كان يعبر فنرنها في الكلام )) ، فلم استبن لقراءتها وجهًا أرضاه ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، لأنه مستقيم المعنى إن شاء الله .

(12/322)


آدم وجعلناه خلقًا سويًّا ، ونفخنا فيه من روحنا ، قلنا للملائكة : " اسجدوا لآدم " ، ابتلاء منا واختبارًا لهم بالأمر ، ليعلم الطائع منهم من العاصي ، (فسجدوا) ، يقول : فسجد الملائكة ، إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين لآدم ، حين أمره الله مع مَنْ أمرَ من سائر الملائكة غيره بالسجود.
* * *
وقد بينا فيما مضى ، المعنى الذي من أجله امتحن جَلّ جلاله ملائكته بالسجود لآدم ، وأمْرَ إبليس وقصصه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 501 - 512 .

(12/323)


قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)

القول في تأويل قوله : { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس ، إذ عصاه فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له. يقول : قال الله لإبليس : (ما منعك) ، أيّ شيء منعك (ألا تسجد) ، أن تدع السجود لآدم (إذ أمرتك) ، أن تسجد " قال أنا خير منه " ، يقول : قال إبليس : أنا خير من آدم " خلقتني من نار وخلقته من طين " .
* * *
فإن قال قائل : أخبرنا عن إبليس ، ألحقته الملامة على السجود ، أم على ترك السجود ؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود ، فكيف قيل له : (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) ؟ وإن كان النكير على السجود ، فذلك خلافُ ما جاء به التنزيل في سائر القرآن ، وخلاف ما يعرفه المسلمون!

(12/323)


قيل : إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له.
غير أن في تأويل قوله : (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) ، بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافًا ، أبدأ بذكر ما قالوا ، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب .
فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ما منعك أن تسجد و " لا " ها هنا زائدة ، كما قال الشاعر : (1)
أبَى جُودُهُ لا البُخْلَ ، وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ... نَعَمْ ، مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلهْ (2)
وقال : فسرته العرب : " أبى جوده البخل " ، وجعلوا " لا " زائدةً حشوًا ها هنا ، وصلوا بها الكلام. قال : وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر " البخل " ، ويجعل " لا " مضافة إليه ، أراد : أبى جوده " لا " التي هي للبخل ، ويجعل " لا " مضافة ، لأن " لا " قد تكون للجود والبخل ، لأنه لو قال له : " امنع الحق ولا تعط المسكين " فقال : " لا " كان هذا جودًا منه.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله ، غير أنه زعم أن العلة في دخول " لا " في قوله : (أن لا تسجد) ، أن في أول الكلام جحدا يعني بذلك قوله : (لم يكن من الساجدين) ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد ، الجحدَ ، كالاستيثاق والتوكيد له . قال : وذلك كقولهم : (3)
__________
(1) لا يعرف قائله .
(2) اللسان ( نعم ) ، أمالي ابن الشجري 2 : 228 ، 231 ، شرح شواهد المغنى 217 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة : (( لا يمنع الجوع )) ، كما أثبته ، وكذلك ورد عن الفارسي في اللسان . وأما في المراجع الأخرى فروايته : (( لا يمنع الجود )) .
(3) لم يعرف قائله .

(12/324)


مَا إنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍ... سُودِ الرُّؤُوسِ ، فَوَالِجٌ وَفُيُولُ (1)
فأعاد على الجحد الذي هو " ما " جحدًا ، وهو قوله " إن " ، فجمعهما للتوكيد.
* * *
وقال آخر منهم : ليست " لا " ، بحشو في هذا الموضع ولا صلة ، (2) ولكن " المنع " هاهنا بمعنى " القول " ، وإنما تأويل الكلام : مَنْ قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود ولكن دخل في الكلام " أن " ، إذ كان " المنع " بمعنى " القول " ، لا في لفظه ، كما يُفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول ، وهو له في اللفظ مخالف ، كقولهم : " ناديت أن لا تقم " ، و " حلفت أن لا تجلس " ، وما أشبه ذلك من الكلام. وقال : خفض " البخل " من روى : " أبى جوده لا البخل " ، (3) بمعنى : كلمة البخل ، لأن " لا " هي كلمة البخل ، فكأنه قال : كلمة البخل.
* * *
وقال بعضهم : معنى " المنع " ، الحول بين المرء وما يريده. قال : والممنوع مضطّر به إلى خلاف ما منع منه ، كالممنوع من القيام وهو يريده ، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافًا للقيام ، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه ، فيوثر أحدهما على الآخر فيفعله . قال : فلما كانت صفة " المنع " ذلك ، فخوطب إبليس بالمنع فقيل له : (ما منعك ألا تسجد) ، كان معناه كأنه قيل له : أيّ شيء اضطرك إلى أن لا تسجد ؟
* * *
قال أبو جعفر : والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال : إن في الكلام محذوفًا قد كفى دليلُ الظاهر منه ، وهو أن معناه : ما منعك من السجود
__________
(1) معاني القرآن للفراء 1 : 176 ، 374 و (( الفوالج )) جمع (( فالج )) ، وهو جمل ذو سنامين كان يجلب من السند للفحلة . و (( الفيول ) ، جمع (( فيل )) .
(2) (( الصلة )) : الزيادة ، كما سلف ، انظر فهارس المصطلحات .
(3) في المطبوعة : (( وقال بعض من روى : أبي جود لا البخل )) ، فغير ما في المخطوطة ، وأفسد الكلام إفسادًا .

(12/325)


فأحوجك أن لا تسجد فترك ذكر " أحوجك " ، استغناء بمعرفة السامعين قوله : (إلا إبليس لم يكن من الساجدين) ، أن ذلك معنى الكلام ، من ذكره. (1) ثم عمل قوله : (ما منعك) ، في " أن " ما كان عاملا فيه قبل " أحوجك " لو ظهر ، إذ كان قد ناب عنه.
وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب ، لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له ، وأن لكل كلمة معنًى صحيحًا ، فتبين بذلك فسادُ قول من قال : " لا " في الكلام حشو لا معنى لها.
وأما قول من قال : معنى " المنع " ههنا " القول " ، فلذلك دخلت " لا " مع " أن " فإن " المنعَ " وإن كان قد يكون قولا وفعلا فليس المعروف في الناس استعمالُ " المنع " ، في الأمر بترك الشيء ، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرًا على فعله وتركه ففعله ، لا يقال : " فعله " ، وهو ممنوع من فعله ، إلا على استكراه للكلام . وذلك أن المنع من الفعل حَوْلٌ بينه وبينه ، فغير جائز أن يكون وهو مَحُولٌ بينه وبينه فاعلا له ، لأنه إن جاز ذلك ، وجب أن يكون مَحُولا بينه وبينه لا محولا وممنوعًا لا ممنوعًا. (2)
وبعدُ ، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى ذكره بالسجود لآدم كبرًا ، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم ، فيجوز أن يقال له : " أي شيء قال لك : لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له ؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت : " ما منعك من السجود له فأحوجك ، أو : فأخرجك ، أو : فاضطرك إلى أن لا تسجد له " ، على ما بيَّنت.
* * *
وأما قوله : (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ، فإنه خبرٌ من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله : ما الذي منعه من السجود لآدم ،
__________
(1) السياق : (( استغناء بمعرفة السامعين ... من ذكره )) .
(2) يعني أنه يجمع الصفتين معًا (( محول بينه وبينه ، وغير محول وممنوع ، وغير ممنوع )) ، وهو تناقض .

(12/326)


فأحوجه إلى أن لا يسجد له ، واضطره إلى خلافه أمرَه به ، وتركه طاعته أنّ المانعَ كان له من السجود ، والداعيَ له إلى خلافه أمر ربه في ذلك : أنه أشد منه أيْدًا ، (1) وأقوى منه قوة ، وأفضل منه فضلا لفضل الجنس الذي منه خلق ، وهو النارُ ، على الذي خلق منه آدم ، (2) وهو الطين . فجهل عدوّ الله وجه الحق ، وأخطأ سبيل الصواب. إذ كان معلومًا أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا ، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حملَ الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق ، على الاستكبار عن السجود لآدم ، والاستخفاف بأمر ربه ، فأورثه العطبَ والهلاكَ. وكان معلومًا أن من جوهر الطين الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبُّت ، وذلك الذي هو في جوهره من ذلك ، (3) كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق ، إلى التوبة من خطيئته ، ومسألته ربَّه العفوَ عنه والمغفرة . ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان : " أول مَنْ قاسَ إبليس " ، يعنيان بذلك : القياسَ الخطأ ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله ، وبعده من إصابة الحق ، في الفضل الذي خص الله به آدم على سائر خلقه : من خلقه إياه بيده ، ونفخه فيه من روحه ، وإسجاده له الملائكة ، وتعليمه أسماء كلِّ شيء ، مع سائر ما خصه به من كرامته . فضرب عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا ، وقصد إلى الاحتجاج بأنه خُلق من نار وخلق آدم من طين!! (4) وهو في ذلك أيضًا له غير كفء ، لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شيء غيره ، فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده ، ويملّ إحصاؤه ؟
14355 - حدثني عمرو بن مالك قال ، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي ، عن هشام ، عن ابن سيرين قال : أوّل من قاس إبليس ، وما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. (5)
14356 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا محمد بن كثير ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ، عن الحسن قوله : (خلقتني من نار وخلقته من طين) ، قال : قاس إبليس وهو أول من قاس.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14357 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة ، دون الملائكة الذين في السموات : " اسجدوا لآدم " ، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر ، لما كان حدَّث نفسه ، من كبره واغتراره ، فقال : " لا أسجد له ، وأنا خير منه ، وأكبر سنًّا ، وأقوى خلقًا ، خلقتني من نار وخلقته من طين! " يقول : إنّ النار أقوى من الطين.
14358 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : (خلقتني من نار) ، قال : ثم جعل ذريته من ماء.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( أشد منه يدا )) ، والصواب من المخطوطة ، و (( الأيد )) ، القوة .
(2) في المطبوعة : (( من الذي خلق منه آدم )) ، زاد (( من )) ، والمخطوطة سقط منها حرف الجر المتعلق بفضل الجنس ، والصواب ما أُبت .
(3) في المطبوعة : (( وذلك الذي في جوهره ... )) حذف (( هو )) ، وفي المخطوطة : (( وذلك الذي هو من جوهره من ذلك )) ، وصوابها (( في جوهره )) ، وإنما هو خطأ من الناسخ .
(4) في المطبوعة : (( بأنه خلقه من نار )) ، واليد ما في المخطوطة .
(5) الأثر : 14355 - (( عمرو بن مالك الراسبي الغبري )) ، أبو عثمان البصري ، شيخ الطبري . قال ابن عدي : (( منكر الحديث عن الثقات ، ويسرق الحديث )) ، وقال ابن أبي حاتم : (( ترك أبي التحديث عنه )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 /1 / 259 .
و (( يحيى بن سليم الطائفي )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 4894 ، 7831 .

(12/327)


قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله عدوّ الله ليس لما سأله عنه بجواب. وذلك أن الله تعالى ذكره قال له : ما منعك من السجود ؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود أنه خُلِقَ من نار وخلق آدم من طين ، (1) ولكنه ابتدأ خبرًا عن نفسه ، فيه دليل على موضع الجواب فقال : (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : قال الله لإبليس عند ذلك : (فاهبط منها).
وقد بيَّنا معنى " الهبوط " فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
(فما يكون لك أن تتكبر فيها) ، يقول تعالى ذكره : فقال الله له : " اهبط منها " ، يعني : من الجنة " فما يكون لك " ، يقول : فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري.
* * *
فإن قال قائل : هل لأحد أن يتكبر في الجنة ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ ، وإنما معنى ذلك : فاهبط من الجنة ، فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله ، فأما غيرها ، فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله ، والمستكين لطاعته.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( أنه خلقه من نار )) ، والجيد في المخطوطة .
(2) انظر تفسير (( الهبوط )) فيما سلف 1 : 534 ، 548 /2 : 132 ، 239 .

(12/329)


قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)

وقوله : (فاخرج إنك من الصاغرين) ، يقول : فاخرج من الجنة ، إنك من الذين قد نالهم من الله الصَّغَار والذلّ والمَهانة.
* * *
يقال منه : " صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغارًا وصُغْرَانًا " ، وقد قيل : " صغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا وصَغارَة " . (1)
* * *
وبنحو ذلك قال السدي. (2)
14359 - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (فاخرج إنك من الصاغرين) ، و " الصغار " ، هو الذل.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) }
قال أبو جعفر : وهذه أيضًا جَهْلة أخرى من جَهَلاته الخبيثة. سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه . وذلك أنه سأل النَّظِرة إلى قيام الساعة ، وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق. ولو أعطي ما سأل من النَّظِرة ، كان قد أعطي الخلودَ وبقاءً لا فناء معه ، وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له : ( إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) [سورة الحجر : 37 - 38 / سورة ص : 80 ، 81 ] ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء ، لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى ، غير ربِّنا الحيِّ الذي لا يموت. يقول الله تعالى
__________
(1) انظر تفسير (( الصغار )) فيما سلف ص : 96 .
(2) في المطبوعة : (( وبنحو الذي قلنا قال السدي )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/330)


ذكره : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) ، [سورة آل عمران : 185 / سورة الأنبياء : 35 / سورة العنكبوت : 57].
* * *
و " الإنظار " في كلام العرب ، التأخير. يقال منه : " أنظرته بحقي عليه أنظره به إنظارًا. (1)
* * *
فإن قال قائل : فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون : (إنك من المنظرين) في هذا الموضع ، فقد أجابه إلى ما سأل ؟
قيل له : ليس الأمر كذلك ، وإنما كان مجيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له : " إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت أو : إلى يوم البعث أو إلى يوم يبعثون " ، أو ما أشبه ذلك ، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة. وأما قوله : (إنك من المنظرين) ، فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها ، وذلك قوله : ( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) ، [سورة الحجر : 37 ، 38 / سورة ص : 80 ، 81] ، كم المدة التي أنظره إليها ، (2) لأنه إذا أنظره يومًا واحدًا أو أقل منه أو أكثر ، فقد دخل في عداد المنظرين ، وتمَّ فيه وعد الله الصادق ، ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه ، فعلم بذلك الوقت الذي أُنظِر إليه.
* * *
وبنحو ذلك كان السدي يقول.
14360 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) [سورة الحجر : 36 - 38 / سورة ص : 80 ، 81] ، فلم ينظره إلى يوم البعث ، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم ، وهو يوم ينفخ
__________
(1) انظر تفسير (( الإنظار )) فيما سلف 2 : 467 ، 468 /3 : 264 / 6 : 577 /11 : 267 .
(2) في المطبوعة : (( على المدة )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/331)


قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

في الصور النفخة الأولى ، فصعق مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض ، فمات. (1)
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام : قال إبليس لربه : " أنظرني " ، أي أخّرني وأجّلني ، وأنسئْ في أجلي ، ولا تمتني " إلى يوم يبعثون " ، يقول : إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره : (إنك من المنظرين) ، إلى يوم ينفخ في الصور ، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله.
* * *
فإن قال قائل : فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس ، فيقال له : " إنك منهم " ؟
قيل : نعم ، مَنْ لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم ، ممن تقوم عليه الساعة ، فهم من المنظرين بآجالهم إليه . ولذلك قيل لإبليس : (إنك من المنظرين) ، بمعنى : إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : قال إبليس لربه : (فبما أغويتني) ، يقول : فبما أضللتني ، كما : -
14361 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (فبما أغويتني) ، يقول : أضللتني.
14362 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في
__________
(1) الأثر : 14360 - (( موسى بن هارون الهمداني )) ، مضى مرارًا ، وكان في المخطوطة والمطبوعة : (( يونس بن هارون )) ، وهو خطأ محض ، فهذا إسناد دائر في التفسير .

(12/332)


قوله : (فبما أغويتني) ، قال : فبما أضللتني.
* * *
وكان بعضهم يتأول قوله : (فبما أغويتني) ، بما أهلكتني ، من قولهم : " غَوِيَ الفصيل يَغوَى غَوًى " ، وذلك إذا فقد اللبن فمات ، من قول الشاعر : (1)
مُعَطَّفَةُ الأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا... بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلا مَيِّتٍ غَوَى (2)
* * *
وأصل الإغواء في كلام العرب : تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسّنه عنده ، غارًّا له. (3)
وقد حكي عن بعض قبائل طيئ ، أنها تقول : " أصبح فلان غاويًا " ، أي : أصبح مريضًا. (4)
* * *
وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم ، كأن معناه عنده : فبإغوائك إياي ، لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، كما يقال : " بالله لأفعلن كذا " .
* * *
وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة ، كأن معناه عنده : فلأنك أغويتني أو : فبأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم.
* * *
__________
(1) هو (( مدرج الريح الجرمي )) ، واسمه (( عامر بن المجنون )) كما في الشعر والشعراء : 713 ، وفي الوحشيات رقم : 380 ، والأغاني 3 : 115 ، وجاء في المعاني الكبير : 1047 (( عامر المجنون )) ، صوابه ما أثبت .
(2) المعاني الكبير : 1047 ، المخصص 7 : 41 ، 180 ، تهذيب إصلاح المنطق 2 : 54 ، اللسان ( غوى ) . يصف قوسًا . قال التبريزي في شرحه : (( أثناؤها )) ، أطرفها المتلئبة . و (( فصيلها )) ، السهم ، و (( رزائها )) أي : أخذ منها شيئًا . يقول : ليس فصيل هذه القوس يشرب إذا فقد اللبن .
(3) انظر تفسير (( الغي )) و (( الإغواء )) فيما سلف 5 : 416 .
(4) هذا النص ينبغي إثباته في كتب اللغة ، فلم يذكر فيها فيما علمت .

(12/333)


قال أبو جعفر : وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية ، (1) من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسبابَ ذلك إليه ، (2) وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان ، هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر . وذلك أنّ ذلك لو كان كما قالوا : لكان الخبيث قد قال بقوله : (فبما أغويتني) ، " فبما أصلحتني " ، إذ كان سبب " الإغواء " هو سبب " الإصلاح " ، وكان في إخباره عن الإغواء إخبارٌ عن الإصلاح ، ولكن لما كان سبباهما مختلفين ، وكان السبب الذي به غوَى وهلك من عند الله. أضاف ذلك إليه فقال : (فبما أغويتني) .
* * *
وكذلك قال محمد بن كعب القرظي ، فيما : -
14363 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال ، حدثنا زيد بن الحباب قال ، حدثنا أبو مودود ، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : قاتل الله القدريّة ، لإبليس أعلمُ بالله منهم !
* * *
وأما قوله : (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) ، فإنه يقول : لأجلسن لبني آدم " صراطك المستقيم " ، يعني : طريقك القويم ، وذلك دين الله الحق ، وهو الإسلام وشرائعه. (3) وإنما معنى الكلام : لأصدَّن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ، ولأغوينهم كما أغويتني ، ولأضلنهم كما أضللتني.
وذلك كما روي عن سبرة بن أبي الفاكه : - (4)
14364 - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشيطان قعد لابن آدم
__________
(1) (( القدرية )) هم نفاة القدر الكافرون به ، وأما المؤمنون بالقدر ، وهم أهل الحق ، فيقال لهم (( أهل الإثبات )) ، وانظر فهارس المصطلحات والفرق فيما سلف .
(2) (( التفويض )) ، رد الأسباب إليه ، وانظر بيان ذلك فيما سلف 1 : 162 ، تعليق : 3 /11 : 340 ، /12 : 92 ، وهو مقالة المعتزلة وأشباههم .
(3) انظر تفسير (( الصراط المستقيم )) ، فيما سلف ص : 282 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) في المطبوعة : (( سبرة بن الفاكه )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب . انظر التعليق التالي ص 335 ، تعليق : 2 :

(12/334)


بأطْرِقَةٍ ، (1) فقعد له بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتذرُ دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك ، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل ؟ (2) فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد ، وهو جَهْدُ النفس والمال ، فقال : أتقاتل فتقتل ، فتنكح المرأة ، ويقسم المال ؟ قال : فعصاه فجاهد. (3)
* * *
وروي عن عون بن عبد الله في ذلك ما : -
14365 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حَبّويه أبو يزيد ، عن عبد الله بن بكير ، عن محمد بن سوقة ، عن عون بن عبد الله : (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) ، قال : طريق مكة. (4)
* * *
__________
(1) (( أطرقة )) جمع (( طريق )) ، مثل (( رغيف )) و (( أرغفة )) ، وهو جمعه مع تذكير (( طريق )) ، ويجمع أيضًا على (( أطرق )) ( بضم الراء ) ، وهو جمع (( طريق )) إذا أنثتها ، نحو (( يمين )) ، و (( أيمن )) . وبهذه الأخيرة ضبط في أكثر الكتب .
(2) (( الطول )) ( بكسر الطاء وفتح الواو ) : وهو الحبل الطويل ، يشد أحد طرفيه في وتد أو في غيره ، والآخر في يد الفرس ، فيدور فيه ويرعى ، ولا يذهب لوجهه . ويعني بذلك : أن الهجرة تحبسه عن التصرف والضرب في الأرض ، والعودة إلى أرضه وسمائه ، والهجرة أمرها شديد كما تعلم .
(3) الأثر : 14364 - هذا خبر رواه الأئمة ، ذكره أبو جعفر بغير إسناده . و (( سبرة بن أبي الفاكهة )) ، و (( سبرة بن أبي الفاكهة )) ، صحابي نزل الكوفة . مترجم في التهذيب ، وأسد الغابة 2 : 260 ، والإصابة ، في اسمه والكبير للبخاري 2 /2 / 188 ، وابن أبي حاتم 2 /1 / 295 .
وهذا الخبر ، رواه أحمد في مسنده مطولا 3 : 483 ، والنسائي 6 : 21 ، 22 ، والبخاري في التاريخ 2 /2 / 188 ، 189 ، وابن الأثير في أسد الغابة 2 : 260 ، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته : (( له حديث عند النسائي ، بإسناد حسن ، إلا أن في إسناده اختلافًا )) ، ثم قال : (( وصححه ابن حبان )) .
(4) الأثر : 14365 - (( حبويه أبو يزيد )) هكذا في المخطوطة ، ولكنه غير منقوط ، وكان في المطبوعة : (( حيوة أبو يزيد )) ، تغير بلا دليل .
و (( حبويه )) ، أبو يزيد ، هو : (( إسحاق بن إسماعيل الرازي )) ، روى عن نافع بن عمر الجمحي ، وعمرو بن أبي قيس ، ونعيم بن ميسرة . روى عنه محمد بن سعيد الأصفهاني ، وعثمان وأبو بكر ابنا شيبة ، وإبراهيم بن موسى . قال يحيى بن معين : (( أرجو أن يكون صدوقًا )) . مترجم في الجرح والتعديل 1 /1 / 212 ، وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف والمختلف : 43 ، (( حبويه )) بالباء المشددة بعد الحاء .
وسيأتي أيضًا في الإسناد رقم : 14550 .
و (( عبد الله بن بكير الغنوي الكوفي )) ، روى عن (( محمد بن سوقة )) ، وهو ليس بقوي ، وإن كان من أهل الصدق ، وذكر له ابن عدي مناكير . مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 2 /2 / 16 ، وميزان الاعتدال 2 : 26 .

(12/335)


والذي قاله عون ، وإن كان من صراط الله المستقيم ، فليس هو الصراط كله. وإنما أخبر عدوّ الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم ، ولم يخصص منه شيئًا دون شيء. فالذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أشبهُ بظاهر التنزيل ، وأولى بالتأويل ، لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصدَّ عن كل ما كان لهم قربة إلى الله.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل في معنى " المستقيم " ، في هذا الموضع.
* ذكر من قال ذلك :
14366 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (صراطك المستقيم) ، قال : الحق.
14367 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14368 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، سمعت مجاهدًا يقول : (لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم) ، قال : سبيل الحق ، فلأضلنَّهم إلا قليلا.
* * *
قال أبو جعفر : واختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعض نحويي البصرة : معناه : لأقعدن لهم على صراطك المستقيم ، كما

(12/336)


يقال : " توجَّه مكة " ، أي إلى مكة ، وكما قال الشاعر : (1)
كَأَنِّي إذْ أَسْعَى لأظْفَرَ طَائِرًا... مَعَ النَّجْمِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (2)
بمعنى : لأظفر بطائر ، فألقى " الباء " ، وكما قال : ( أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) ، [سورة الأعراف : 150] ، بمعنى : أعجلتم عن أمر ربكم.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة ، المعنى ، والله أعلم : لأقعدن لهم على طريقهم ، وفي طريقهم . قال : وإلقاء الصفة من هذا جائز ، (3) كما تقول : " قعدت لك وجهَ الطريق " و " على وجه الطريق " ، لأن الطريق صفة في المعنى ، (4) فاحتمل ما يحتمله " اليوم " و " الليلة " و " العام " ، (5) إذا قيل : " آتيك غدًا " ، و " آتيك في غد " .
* * *
قال أبو جعفر : وهذا القول هو أولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، لأن " القعود " مقتضٍ مكانًا يقعد فيه ، فكما يقال : " قعدت في مكانك " ، يقال : " قعدت على صراطك " ، و " في صراطك " ، كما قال الشاعر : (6)
لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ... فِيهِ ، كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ (7)
__________
(1) لم أعرف قائله .
(2) لم أجد البيت في غير هذا المكان .
(3) (( الصفة )) هنا حرف الجر ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف ، ستأتي بعد قليل بمعنى (( الظرف )) . انظر التعليق التالي .
(4) (( الصفة )) هنا ، هي (( الظرف )) ، وكذلك يسميه الكوفيون .
(5) في المطبوعة : (( يحتمل ما يحتمله )) ، وفي المخطوطة سقط ، كتب : (( في المعنى ما يحتمله )) ولكني أثبت ما في معاني القرآن للفراء 1 : 375 ، فهذا نص كلامه .
(6) هو ساعدة بن جؤية الهذلي .
(7) ديوان الهذليين 1 : 190 ، سيبويه 1 : 16 ، 109 ، الخزانة 1 : 474 ، وغيرها كثير من قصيدة طويلة ، وصف في آخرها رمحه ، وهذا البيت في صفة رمح من الرماح الخطية . ورواية الديوان (( لذا )) ، أي تلذ الكف بهزه . و (( يعسل )) ، أي يضطرب . وقوله . (( فيه )) : أي في الهز . وقوله : (( عسل الطريق الثعلب )) ، أي : عسل في الطريق الثعلب واضطربت مشيته . شبه اهتزاز الرمح في يد الذي يهزه ليضرب به ، باهتزاز الثعلب في عدوه في الطريق .

(12/337)


ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)

فلا تكاد العرب تقول ذلك في أسماء البلدان ، لا يكادون يقولون : " جلست مكة " ، و " قمت بغداد " .
* * *
القول في تأويل قوله : { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : معنى قوله : (لآتينهم من بين أيديهم) ، من قبل الآخرة (ومن خلفهم) ، من قبل الدنيا (وعن أيمانهم) ، من قِبَل الحق (وعن شمائلهم) ، من قبل الباطل.
* ذكر من قال ذلك :
14369 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم) ، يقول : أشككهم في آخرتهم (ومن خلفهم) ، أرغبهم في دنياهم (وعن أيمانهم) ، أشبِّه عليهم أمرَ دينهم (وعن شمائلهم) ، أشَهِّي لهم المعاصي.
* * *
وقد روي عن ابن عباس بهذا الإسناد في تأويل ذلك خلاف هذا التأويل ، وذلك ما : -
14370 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم) ،

(12/338)


يعني من الدنيا (ومن خلفهم) ، من الآخرة (وعن أيمانهم) ، من قبل حسناتهم (وعن شمائلهم) ، من قبل سيئاتهم.
* * *
وتحقق هذه الرواية ، الأخرى التي :
14371 - حدثني بها محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ، قال : أما بين " أيديهم " ، فمن قبلهم ، وأما " من خلفهم " ، فأمر آخرتهم ، وأما " عن أيمانهم " ، فمن قبل حسناتهم ، وأما " عن شمائلهم " ، فمن قبل سيئاتهم.
14372 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم) الآية ، أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار " ومن خلفهم " ، من أمر الدنيا ، فزيَّنها لهم ودعاهم إليها " وعن أيمانهم " ، من قبل حسناتهم بطَّأهم عنها " وعن شمائلهم " ، زين لهم السيئات والمعاصي ، ودعاهم إليها ، وأمرهم بها. أتاك يابن آدم من كل وجه ، غير أنه لم يأتك من فوقك ، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله!
* * *
وقال آخرون : بل معنى قوله : (من بين أيديهم) ، من قبل دنياهم (ومن خلفهم) ، من قبل آخرتهم.
* ذكر من قال ذلك :
14373 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم في قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم) ، قال : (من بين أيديهم) ، من قبل دنياهم (ومن خلفهم) ، من قبل آخرتهم (وعن أيمانهم) من قبل حسناتهم (وعن شمائلهم) ، من قبل سيئاتهم.
14374 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ،

(12/339)


عن الحكم : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ، قال : (من بين أيديهم) ، من دنياهم (ومن خلفهم) ، من آخرتهم (وعن أيمانهم) ، من حسناتهم (وعن شمائلهم) ، من قِبَل سيئاتهم.
14375 - حدثنا سفيان قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم : (ثم لآتينهم من بين أيديهم) ، قال : من قبل الدنيا يزيِّنها لهم (ومن خلفهم) من قبل الآخرة يبطّئهم عنها (وعن أيمانهم) ، من قبل الحق يصدّهم عنه (وعن شمائلهم) ، من قبل الباطل يرغّبهم فيه ويزينه لهم.
14376 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ، أما(من بين أيديهم) ، فالدنيا ، أدعوهم إليها وأرغبهم فيها (ومن خلفهم) ، فمن الآخرة أشككهم فيها وأباعدها عليهم (1) (وعن أيمانهم) ، يعني الحق فأشككهم فيه (وعن شمائلهم) ، يعني الباطل أخفّفه عليهم وأرغّبهم فيه.
14377 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ، قال ابن جريج قوله : (من بين أيديهم) ، من دنياهم ، أرغّبهم فيها (ومن خلفهم) ، آخرتهم ، أكفّرهم بها وأزهِّدهم فيها (وعن أيمانهم) ، حسناتهم أزهدهم فيها (وعن شمائلهم) ، مساوئ أعمالهم ، أحسِّنها إليهم.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون.
* ذكر من قال ذلك :
14378 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قول الله : (من بين أيديهم وعن
__________
(1) في المطبوعة : (( وأبعدها )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/340)


أيمانهم) ، قال : حيث يبصرون (ومن خلفهم) (وعن شمائلهم) ، حيث لا يبصرون.
14379 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14380 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن منصور قال ، تذاكرنا عند مجاهد قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ، فقال مجاهد : هو كما قال ، يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم زاد ابن حميد ، قال : " يأتيهم من ثَمَّ " .
14381 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، قال مجاهد ، فذكر نحو حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قولُ من قال : معناه : ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل ، فأصدّهم عن الحق ، وأحسِّن لهم الباطل . وذلك أن ذلك عَقِيب قوله : (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) ، فاخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرَهم الله أن يسلكوه ، وهو ما وصفنا من دين الله دينِ الحق ، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه ، من الوجه الذي أمرهم الله به ، فيصدّهم عنه ، وذلك " من بين أيديهم وعن أيمانهم " ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه ، فيزيّنه لهم ويدعوهم إليه ، وذلك " من خلفهم وعن شمائلهم " .
* * *
وقيل : ولم يقل : " من فوقهم " ، لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم.
* ذكر من قال ذلك :
14382 - حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال ، حدثنا حفص بن عمر قال ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ، ولم يقل :

(12/341)


قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

" من فوقهم " ، لأن الرحمة تنزل من فوقهم.
* * *
وأما قوله : (ولا تجد أكثرهم شاكرين). فإنه يقول : ولا تجد ، ربِّ ، أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتَك التي أنعمت عليهم ، كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به ، من إسجادك له ملائكتك ، وتفضيلك إياه عليَّ و " شكرهم إياه " ، طاعتهم له بالإقرار بتوحيده ، واتّباع أمره ونهيه.
* * *
وكان ابن عباس يقول في ذلك بما : -
14383 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (ولا تجد أكثرهم شاكرين) ، يقول : موحِّدين.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إحلاله بالخبيث عدوِّ الله ما أحلّ به من نقمته ولعنته ، وطرده إياه عن جنته ، إذ عصاه وخالف أمره ، وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به . يقول : قال الله له عند ذلك : (اخرج منها) ، أي من الجنة (مذؤُومًا مدحورًا) ، يقول : مَعِيبًا.
* * *
و " الذأم " ، العيب. يقال منه : " ذأمَه يذأمه ذأمًا فهو مذؤوم " ، ويتركون الهمز فيقولون : ذِمْته أذيمه ذيمًا وذامًا " ، و " الذأم " و " الذيم " ، أبلغ في العيب من " الذمّ " ، وقد أنشد بعضهم هذا البيت : (1)
__________
(1) هو الحارث بن خالد المخزومي .

(12/342)


صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا (1)
وأكثر الرواة على إنشاده " ألومها " .
* * *
وأما المدحور : فهو المُقْصَى ، يقال : " دحره يدحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا " ، إذا أقصاه وأخرجه ، ومنه قولهم : " ادحَرْ عنكَ الشيطان " . (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14384 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (اخرج منها مذؤومًا مدحورًا) ، يقول : اخرج منها لعينًا منفيًّا.
14385 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : " مذؤومًا " ممقوتًا.
14386 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبى قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (قال اخرج منها مذؤومًا) ، يقول : صغيرًا منفيًّا.
14387 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : (اخرج منها مذؤومًا مدحورًا) ، أما " مذؤومًا " ، فمنفيًّا ، وأما " مدحورا " ، فمطرودًا.
14388 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (مذؤومًا) ، قال : منفيًّا (مدحورًا) ، قال : مطرودًا.
14389 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي
__________
(1) مضى البيت وشرحه وتخريجه ، وبغير هذه الرواية فيما سلف 1 : 265 .
(2) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 212 .

(12/343)


جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : (اخرج منها مذؤومًا) ، قال : منفيًّا. و " المدحور " ، قال : المصغَّر.
14390 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال : ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، عن يونس وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس : (اخرج منها مذؤومًا) ، قال : منفيًّا.
14391 - حدثني أبو عمرو القرقساني عثمان بن يحيى قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، سأل ابن عباس : ما(اخرج منها مذؤومًا مدحورًا) ، قال : مقيتًا. (1)
14392 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (اخرج منها مذؤومًا مدحورًا) ، فقال : ما نعرف " المذؤوم " و " المذموم " إلا واحدًا ، ولكن تكون حروف منتقصة ، وقد قال الشاعر لعامر : يا " عام " ، ولحارث : " يا حار " ، (2) وإنما أنزل القرآن على كلام العرب.
* * *
__________
(1) الأثر : 14391 - (( أبو عمرو القرقساني )) ، (( عثمان بن يحيى )) ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب . ويزيد الأمر إشكالا أني وجدت أبا جعفر في تاريخه يذكر إسنادًا عن شيخ يقال له (( عثمان بن يحيى )) ، فيه نصه : (( حدثني عثمان بن يحيى ، عن عثمان القرقساني ، قال حدثنا سفيان بن عيينة )) ، فجعل بين (( عثمان بن يحيى )) و (( سفيان بن عيينة )) رجلا يقال له (( عثمان القرقساني )) ! والذي في التفسير يدل على أن الراوي عن سفيان بن عيينة هو (( عثمان بن يحيى )) نفسه . فظني أن في إسناد التاريخ خطأ ، ولعل صوابه : (( حدثني عثمان بن يحيى بن عثمان القرقساني ، قال حدثنا سفيان بن عيينة )) . هذا ما وجدت ، فعسى أن يجتمع عندي ما أتبين به صواب ذلك أو خطأه .
(2) في المطبوعة : (( ولكن يكون منتقصة ، وقال العرب لعامر ...)) ، وبين الكلام بياض . وفي المخطوطة : (( ولكن تكون ف منتقصة . وقد قال الشاعر ... )) بياض بين الكلام ، فغير ناشر المطبوعة ما في المخطوطة بلا أمانة . وفي المخطوطة فوق البياض (( كذا )) وفي الهامش حرف ( ط ) للدلالة على الخطأ . ودلتني لافاء بعد البياض أن صواب هذا الذي بيض له ناسخ المخطوطة هو (( حروف )) ، فاستقام الكلام .
ومثال الترخيم في (( عامر )) قول الحطيئة لعامر بن الطفيل : يَا عَامِ ، قد كُنْتَ ذَا بَاعٍ وَمَكْرُمَةٍ ... لَوْ أَنَّ مَسْعَاةَ مَنْ جَارَيْتَهُ أَمَمُ
ومثال الترخيم في (( الحارث )) قول زهير : يَا حارِ ، لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَةٍ ... لَم يَلْقَهَا سُوقَةٌ قَبْلِي وَلا مَلِكُ

(12/344)


القول في تأويل قوله : { لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) }
قال أبو جعفر : وهذا قسم من الله جل ثناؤه. أقسم أن مَنْ اتبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس وأطاعه وصَدَّق ظنه عليه ، أن يملأ من جميعهم يعني : من كفرة بني آدم تُبّاع إبليس ، ومن إبليس وذريته جهنم. فرحم الله امرأً كذّب ظن عدوِّ الله في نفسه ، وخيَّب فيها أمله وأمنيته ، ولم يمكّن من طمعَ طمعٍ فيها عدوَّه ، (1) واستغشَّه ولم يستنصحه ، فإن الله تعالى ذكره إنما نبّه بهذه الآيات عباده على قِدَم عداوة عدوِّه وعدوهم إبليس لهم ، وسالف ما سلف من حسده لأبيهم ، وبغيه عليه وعليهم ، وعرّفهم مواقع نعمه عليهم قديمًا في أنفسهم ووالدهم ليدّبروا آياته ، وليتذكر أولو الألباب ، فينزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته ويُنيبوا إليها.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) }
قال أبو جعفر : يقول الله تعالى ذكره : وقال الله لآدم : (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما). فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة
__________
(1) في المطبوعة : (( ولم يكن ممن طمع فيها عدوه )) ، غير ما في المخطوطة لأنه لم يفهمه ، فأساء غاية الإساءة ، وافسد الكلام .

(12/345)


فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)

بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها ، وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها ، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها.
* * *
وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك ، وما نرى من القول فيه صوابًا ، في غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته. (1)
* * *
(فتكونا من الظالمين) ، يقول : فتكونا ممن خالف أمر ربِّه ، وفعل ما ليس له فعله.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (فوسوس لهما) ، فوسوس إليهما ، وتلك " الوسوسة " كانت قوله لهما : (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) ، وإقسامه لهما على ذلك.
* * *
وقيل : " وسوس لهما " ، والمعنى ما ذكرت ، كما قيل : " غَرِضت إليه " ، بمعنى : اشتقْتُ إليه ، وإنما تعني : غَرضت من هؤلاء إليه. (2) فكذلك معنى ذلك.
__________
(1) انظر ما سلف 1 : 512 - 524 .
(2) في المطبوعة : (( كما قيل : عرضت له ، بمعنى : استبنت إليه )) ، غير ما في المخطوطة تغييرًا تامًا ، فأتانا بلغو مبتذل لا معنى له . وكان في المخطوطة : (( كما قيل : عرضت إليه بمعنى : اشتقت إليه )) ، هكذا ، وصواب قراءتها ما أثبت .
وقوله : (( غرضت إليه )) بمعنى : اشتقت إليه ، (( إنما تعني : غرضت من هؤلاء إليه )) ، هذا كأنه نص قول الأخفش في تفسير قول ابن هرمة : مَنْ ذَا رَسُولٌ ناصِحٌ فَمُبَلِّغٌ ... عَنِّي عُلَيَّةَ غَيْرَ قَوْلِ الكاذِبِ ?
أَنِّي غَرِضْتُ إلَى تَنَاصُفِ وَجْهِهَا ... غَرَضَ المُحِبِّ إلى الحَبِيبِ الغائِبِ
قوله : (( تناصف وجهها )) ، أي محاسن وجهها التي ينصف بعضها بعضًا في الحسن . قال الأخفش : (( تفسيره : غرضت من هؤلاء إليه ، لأن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل )) ويريد الأخفش أنهم يقولون : (( غرض غرضًا )) ، إذا ضجر وقلق ومل ، فلما أدخل مع الفعل (( إلى )) ، صار معناه : ضجر من هذا نزاعًا واشتياقًا إلى هذا .
وموضع الاستشهاد أن (( الوسوسة )) الصوت الخفي من حديث النفس ، فنقل إبليس ما حاك في نفسه إليهما ، فلذلك أدخل على (( الوسوسة )) (( اللام )) و (( إلى )) . ولكن أبا جعفر أدمج الكلام ههنا إدماجًا .

(12/346)


فوسوس من نفسه إليهما الشيطان بالكذب من القيل ، ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوءاتهما ، كما قال رؤبة :
* وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ * (1)
* * *
ومعنى الكلام : فجذب إبليس إلى آدم حوّاء ، وألقى إليهما : ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة ، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذي ستره عليهما.
* * *
وكان وهب بن منبه يقول في الستر الذي كان الله سترهما به ، ما : -
14393 - حدثني به حوثرة بن محمد المنقري قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن منبه ، في قوله : (فبدت لهما سوءاتهما) ، قال : كان عليهما نور ، لا ترى سوءاتهما. (2)
* * *
__________
(1) ديوانه : 108 ، اللسان ( وسس ) ، وهذا بيت من أرجوزته التي مضت منها أبيات كثيرة . وهذا البيت من أبيات في صفة الصائد المختفي ، يترقب حمر الوحش ، ليصيب منها . يقول لما أحس بالصيد وأراد رميه ، وسوس نفسه بالدعاء حذر بالدعاء حذر الخيبة ورجاء الإصابة .
(2) الأثر : 14393 - (( حوثرة بن محمد بن قديد المنقري )) ، أبو الأزهر الوراق روى عنه ابن ماجه ، وابن خزيمة ، وابن صاعد ، وغيرهم . ذكره ابن حبان في الثقات . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 /2 / 283 .

(12/347)


القول في تأويل قوله : { وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وقال الشيطان لآدم وزوجته حواء : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرَها ، إلا لئلا تكونا ملكين.
* * *
وأسقطت " لا " من الكلام ، لدلالة ما ظهر عليها ، كما أسقطت من قوله : ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) ، [سورة النساء : 176]. والمعنى : يبين الله لكم أن لا تضلوا.
* * *
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يزعم أن معنى الكلام : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين ، كما يقال : " إياك أن تفعل " كراهيةَ أن تفعل.
* * *
" أو تكونا من الخالدين " ، في الجنة ، الماكثين فيها أبدًا ، فلا تموتا. (1)
* * *
والقراءة على فتح " اللام " ، بمعنى : ملكين من الملائكة.
* * *
وروي عن ابن عباس ، ما : -
14394 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي حماد قال ، حدثنا عيسى الأعمى ، عن السدّي قال : كان ابن عباس يقرأ : " إلا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ " ، بكسر " اللام " .
* * *
وعن يحيى بن أبي كثير ، ما : -
__________
(1) انظر تفسير (( الخلود )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .

(12/348)


وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)

14395 - حدثني أحمد بن يوسف قال ، حدثني القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج ، عن هارون قال ، حدثنا يعلى بن حكيم ، عن يحيى بن أبي كثير أنه قرأها : " مَلِكَيْنِ " ، بكسر " اللام " .
* * *
وكأنَّ ابن عباس ويحيى وجَّها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين من الملوك وأنهما تأوّلا في ذلك قول الله في موضع آخر : ( قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ، [سورة طه : 120].
* * *
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز القراءة في ذلك بغيرها ، القراءةُ التي عليها قرأة الأمصار وهي ، فتح " اللام " من : " مَلَكَيْنِ " ، بمعنى : ملكين ، من الملائكة ، لما قد تقدم من بياننا في أن كل ما كان مستفيضًا في قرأة الإسلام من القراءة ، فهو الصواب الذي لا يجوزُ خلافه.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وقاسمهما) ، وحلف لهما ، كما قال في موضع آخر : ( تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ ) ، [سورة النمل : 49] ، بمعنى تحالفوا بالله ، وكما قال خالد بن زهير[ابن] عمّ أبي ذويب : (1)
__________
(1) جاء في المطبوعة والمخطوطة (( خالد بن زهير عم أبي ذؤيب )) ، ولم أجد هذا القول لأحد ، بل الذي قالوه أن (( خالد بن زهير الهذلي )) ، هو ابن أخت أبي ذؤيب ، أو ابن أخيه ، أو : ابن عم أبي ذؤيب . فالظاهر أن صواب الجملة هو ما أثبت . انظر خزانة الأدب 2 : 320 ، 321 /3 : 597 ، 598 ، 647 ، 648 .

(12/349)


وَقَاسَمَهَا بِاللهِ جَهْدًا لأَنْتُمُ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا (1)
بمعنى : وحالفهما بالله ، وكما قال أعشى بني ثعلبة :
رَضِيعَيْ لِبَانٍ ، ثَدْيَ أُمٍّ تَقَاسَمَا... بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ (2)
بمعنى تحالفا.
* * *
__________
(1) ديوان الهذلين 1 : 158 ، من قصائده التي تقارضها هو وأبو ذؤيب في المرأة التي كانت ضصديقة عبد عمرو بن مالك ، فكان أبو ذؤيب رسوله إليها ، فلما كبر عبد عمرو احتال لها أبو ذؤيب فأخذها منه وخادنها . وغاضبها أبو ذؤيب ، فكان رسوله إلى هذه المرأة ابن عمه خالد بن زهير ، ففعل به ما فعل هو بعبد عمرو بن مالك ، أخذ منه المرأة فخادنه ، فغاضبه أبو ذؤيب وغاضبها ، وقال لها حين جاءت تعتذر إليه : تُرِيدينَ كَيْمَا تَجْمَعِينِي وَخَالِدًا ! ... وَهَلْ يُجْمَعُ السَّيْفَان وَيْحَكِ فِي غِمْدِ !
أَخَالِدُ ، مَا رَاعَيْتَ من ذِي قَرَابَةٍ ... فَتَحْفَظَنِي بِالْغَيْبِ ، أوْ بَعْضَ مَا تُبْدِي
دَعَاكَ إلَيْهَا مُقْلَتَاها وَجِيدُهَا ... فَمِلْتَ كَمَا مَالَ المُحِبُّ عَلَى عَمْدِ
ثم قال لخالد : رَعَي خَالِدٌ سِرِّي ، لَيَالِيَ نَفْسُهُ ... تَوَالَى على قَصْدِ السَّبِيلِ أُمُورُهَا
فَلَمَّا تَرَامَاهُ الشَّبَابُ وَغَيُّهُ ، ... وَفي النَّفْسِ مِنْهُ فِتْنَةٌ وَفُجُورُهَا
لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي ، ومَالَ بِوُدِّه ... أَغَانِيجُ خَوْدٍ كَانَ قِدْمًا يَزُورُهَا
فأجابه خالد من أبيات : فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَها ... وَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
فَإنَّ الَّتِي فِينَا زَعَمْتَ ، ومِثْلُهَا ... لَفِيكَ ، وَلَكِنِّي أَرَاكَ تَجُورُهَا
تَنَقَّذْتَهَا مِنْ عَبْدِ عَمْرو بن مَالِكٍ ... وأَنْتَ صَفِيُّ النَّفْسِ مِنْهُ وَخِيرُها
يُطِيلُ ثَوَاءً عِنْدَها لِيَرُدَّهَا ... وَهَيْهَاتَ مِنْهُ دُورُهَا وقُصُورها
وَقَاسَمَهَا بالله ............... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و(( السلوى )) ، العسل . (( شار العسل يشوره )) ، أخذ من موضعه في الخلية .
(2) ديوانه : 150 ، اللسان ( عوض ) ( سحم ) من قصيدة مضت منها أبيات كثيرة . وقد ذكرت هذا البيت في شرح بيت سالف 10 : 451 ، تعليق : 1 و (( الأسحم )) ، الضارب إلى السواد ، و (( عوض )) لما يستقبل من الزمان بمعنى : (( أبدًا )) . واختلفوا في معنى (( بأسحم داج )) ، وإقسامه به . فقالوا : أراد الليل . وقالوا : أراد سواد حلمة سدي أمه . وقيل أراد الرحم وظلمته . قيل : أراد الدم ، لسواده ، تغمس فيه اليد عند التحالف .

(12/350)


فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)

وقوله : (إني لكما لمن الناصحين) أي : لممن ينصح لكما في مشورته لكما ، وأمره إياكما بأكل ثمر الشجرة التي نهيتما عن أكل ثمرها ، وفي خبري إياكما بما أخبركما به ، من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين أو كنتما من الخالدين ، كما : -
14396 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) ، فحلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يُخْدع المؤمن بالله ، فقال : إني خلقت قبلكما ، وأنا أعلم منكما ، فاتبعاني أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول : " من خادَعنا بالله خُدِعْنا " .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (فدلاهما بغرور) ، فخدعهما بغرور.
* * *
يقال منه : " ما زال فلان يدلّي فلانًا بغرور " ، بمعنى : ما زال يخدعه بغرور ، ويكلمه بزخرف من القول باطل. (1)
* * *
(فلما ذاقا الشجرة) ، يقول : فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة ، يقول : طعماه (2) (بدت لهما سوءاتهما) ، يقول : انكشفت لهما سوءاتهما ، لأن الله
__________
(1) انظر تفسير (( الغرور )) فيما سلف ص : 123 ، تعليق : 2 والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( ذاق )) فيما سلف ص : 209 ، تعليق : 1 ، والمراجع .

(12/351)


أعراهما من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة ، فسلبهما ذلك بالخطيئة التي أخطآ والمعصية التي ركبا (1) (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) ، يقول : أقبلا وجعلا يشدَّان عليهما من ورق الجنة ، ليواريا سوءاتهما ، كما : -
14397 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) ، قال : جعلا يأخذان من ورق الجنة ، فيجعلان على سوءاتهما.
14398 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان آدم كأنه نخلةٌ سَحُوق ، (2) كثيرُ شعر الرأس ، فلما وقع بالخطيئة بدت له عورته ، وكان لا يراها ، فانطلق فارًّا ، فتعرضت له شجرة فحبسته بشعره ، فقال لها : أرسليني! فقالت : لست بمرسلتك! فناداه ربه : يا آدم ، أمنِّي تفرّ ؟ قال : لا ولكني استحييتك. (3)
14399 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا سفيان بن عيينة وابن مبارك ، عن الحسن ، عن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال ، كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته ، السنبلة . فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما ، وكان الذي وَارى
__________
(1) انظر تفسير (( بدا )) فيما سلف 5 : 582 /9 : 350 .
وتفسير (( السوأة )) فيما سلف 10 : 229 ، وما سيأتي ص : 361 ، تعليق : 3 .
(2) (( نخلة سحوق )) هي الطويلة المفرطة التي تبعد ثمرها على المجتنى .
(3) الأثر : 14398 - (( الحجاج )) هو : (( الحجاج بن المنهال )) ، مضى مرارًا .
و(( أبو بكر )) هو (( أبو بكر الهذلي )) ، مضى برقم : 597 ، 8376 ، 13054 ، وهو ضعيف ليس بثقة .
وهذا الخبر ، ذكره ، ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 458 ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب موقوفًا غير مرفوع . ثم قال ابن كثير : (( وقد رواه ابن جرير وابن مردويه ، من طرق ، عن الحسن عن أبي كعب مرفوعًا ، والموقوف أصح إسنادًا )) . وهو كما قال . وسيأتي برقم : 14403 ، من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، موقوفًا .

(12/352)


عنهما من سوءايتهما أظفارُهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، ورق التين ، يلصقان بعضها إلى بعض. فانطلق آدم مولّيًا في الجنة ، فأخذت برأسه شجرة من الجنة ، فناداه : أي آدم أمني تفرّ ؟ قال : لا ولكني استحييتك يا رب ! قال : أما كان لك فيما منحتُك من الجنة وأبحتُك منها مندوحةٌ عما حرمت عليك ؟ قال : بلى يا رب ، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا. قال : وهو قول الله : (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين). قال : فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض ، ثم لا تنال العيش إلا كدًّا. قال : فأهبط من الجنة ، وكانا يأكلان فيها رغدًا ، فأهبطا في غيحيىر رغد من طعام وشراب ، فعُلّم صنعة الحديد ، وأُمر بالحرث ، فحرث وزرع ثم سقى ، حتى إذا بلغ حصد ، ثم داسَه ، ثم ذرّاه ، ثم طحنه ، ثم عجنه ، ثم خبزه ، ثم أكله ، فلم يبلعْه حتى بُلِّعَ منه ما شاء الله أن يبلعَ. (1)
14400 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (يخصفان) ، قال : يرقعان ، كهيئة الثوب.
14401 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يخصفان عليهما من الورق كهيئة الثوب.
14402 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما) ، وكانا قبل ذلك
__________
(1) الأثر : 14399 - (( الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي )) ، كان على قضاء بغداد في ولاية المنصور . قال أحمد : (( متروك الحديث ، كان منكر الحديث ، وأحاديثه موضوعة ، لا يكتب حديثه )) . والقول فيه أشد من هذا . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /2 / 300 ، وابن أبي حاتم 1 /2 / 27 .
وكان في المطبوعة : (( عن الحسن عن عمارة )) ، وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت من المخطوطة ، وابن كثير في تفسيره 3 : 459 .
وفي المطبوعة وابن كثير : (( فلم يبلغه ، حتى بلغ ... )) كل ذلك بالغين المعجمة ، والذي في المخطوطة مهمل ، وظني أنه الصواب المطابق للسياق .

(12/353)


لا يريانها (وطفقا يخصفان) ، الآية.
14403 - . . . . قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، حدثنا الحسن ، عن أبي بن كعب : أن آدم عليه السلام كان رجلا طُوالا كأنه نخلة سَحُوق ، كثير شعر الرأس . فلما وقع بما وقع به من الخطيئة ، بدت له عورته عند ذلك ، وكان لا يراها. فانطلق هاربًا في الجنة ، فعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة ، فقال لها : أرسليني ! قالت : إني غير مرسلتك! فناداه ربه : يا آدم ، أمنّي تفرّ ؟ قال : رب إني استحييتك. (1)
14404 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جعفر بن عون ، عن سفيان الثوري ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) ، قال : ورق التين.
14405 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) ، قال : ورق التين.
14406 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن حسام بن مِصَكّ ، عن قتادة وأبي بكر ، عن غير قتادة قال : كان لباس آدم في الجنة ظُفُرًا كله ، فلما وقع بالذنب ، كُشِط عنه وبدت سوءته قال أبو بكر : قال غير قتادة : (فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) ، قال : ورق التين. (2)
14407 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
__________
(1) الأثر : 14403 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 14398 ، فهذا هو الخبر الموقوف ، وهو أصح إسنادًا من ذاك المرفوع .
(2) الأثر : 14406 - (( حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي )) ، ضعيف فاحش الخطأ والوهم . مضى برقم : 11720 . وكان في المطبوعة : (( حسام بن معبد )) لم يحسن قراءة المخطوطة .
و (( أبو بكر )) ، هو ( أبو بكر الهذلي )) ، ضعيف أيضًا ، مضى قريبًا برقم : 14398 .

(12/354)


معمر ، عن قتادة ، في قوله : (بدت لهما سوءاتهما) ، قال : كانا لا يريان سوءاتهما.
14408 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا عمرو قال ، سمعت وهب بن منبه يقول : ( يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ) ، [سورة الأعراف : 27]. قال : كان لباس آدم وحواء عليهما السلام نورًا على فروجهما ، لا يرى هذا عورة هذه ، ولا هذه عورة هذا. فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوءاتهما. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ونادى آدمَ وحواءَ ربُّهما : ألم أنهكما عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها ، وأعلمكما أن إبليس لكما عدو مبين يقول : قد أبان عداوته لكما ، بترك السجود لآدم حسدًا وبغيًا ، (2) كما : -
14409 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس قوله : (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها ؟ قال : يا رب ، أطعمتني حواء ! قال لحواء : لم أطعمته ؟ قالت : أمرتني الحية! قال للحية : لم أمرتها ؟ قالت : أمرني إبليس! قال : ملعون مدحور ! أما أنت يا حواء
__________
(1) الأثر : 14408 - قال ابن كثير في تفسيره 3 : 460 : (( رواه ابن جرير بسند صحيح إليه )) .
(2) انظر تفسير (( مبين )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

(12/355)


فكما دمَّيت الشجرة تَدْمَيْن كل شهر. وأما أنت يا حية ، فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك ، وسيشدخُ رأسك من لقيك ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ. (1)
14410 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا عباد بن العوّام ، عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما أكل آدم من الشجرة قيل له : لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها ؟ قال : حواء أمرتني! قال : فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كَرْهًا ، ولا تضع إلا كرها. قال : فرنَّت حواء عند ذلك ، فقيل لها : الرنّة عليك وعلى ولدك. (2)
* * *
__________
(1) الأثر : 14409 - مضى الخبر مطولا بهذا الإسناد رقم : 752 ، مع اختلاف يسير في لفظه . وانظر تخريجه هناك .
(2) (( رنت المرأة ترن رنينًا )) : أي صوتت وصاحت من الحزن والجزع . و (( الرنة )) : الصيحة الحزينة عند البكاء .

(12/356)


قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

القول في تأويل قوله : { قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) }
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن آدم وحواء فيما أجاباه به ، واعترافِهما على أنفسهما بالذنب ، ومسألتهما إياه المغفرة منه والرحمة ، خلاف جواب اللعين إبليس إياه.
ومعنى قوله : (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) ، قال : آدم وحواء لربهما : يا ربنا ، فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك وخلاف أمرك ، (1) وبطاعتنا عدوَّنا وعدوَّك ، فيما لم يكن لنا أن نطيعه فيه ، من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها (وإن لم تغفر لنا) ، يقول : وإن أنت لم تستر علينا ذنبنا فتغطيه علينا ، وتترك فضيحتنا به
__________
(1) هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، ولعل الصواب : (( فعلنا الظلم بأنفسنا )) . وانظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .

(12/356)


قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)

بعقوبتك إيانا عليه (1) " وترحمنا " ، بتعطفك علينا ، وتركك أخذنا به (2) (لنكونن من الخاسرين) ، يعني : لنكونن من الهالكين.
* * *
وقد بيَّنا معنى " الخاسر " فيما مضى بشواهده ، والرواية فيه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (3)
* * *
14411 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : قال آدم عليه السلام : يا رب ، أرأيتَ إن تبتُ واستغفرتك ؟ قال : إذًا أدخلك الجنة . وأما إبليس فلم يسأله التوبة ، وسأل النَّظِرة ، فأعطى كلَّ واحد منهما ما سأل.
14412 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا) ، الآية ، قال : هي الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربه.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن فعله بإبليس وذريته ، وآدم وولده ، والحية.
يقول تعالى ذكره لآدم وحواء وإبليس والحية : اهبطوا من السماء إلى الأرض ، بعضكم لبعض عدوّ ، كما : -
__________
(1) انظر تفسير (( المغفرة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( غفر ) .
(2) انظر تفسير (( الرحمة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( رحم ) .
(3) انظر تفسير (( الخسارة )) فيما سلف ص : 315 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/357)


14413 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن طلحة ، عن أسباط ، عن السدي : (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) ، قال : فلعنَ الحية ، وقطع قوائمها ، وتركها تمشي على بطنها ، وجعل رزقها من التراب ، وأهبطوا إلى الأرض : آدم ، وحواء ، وإبليس ، والحية. (1)
14414 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبي عوانة ، عن إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح : (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) ، قال : آدم ، وحواء ، والحية. (2)
* * *
وقوله : (ولكم في الأرض مستقر) ، (3) يقول : ولكم ، يا آدم وحواء ، وإبليس والحية في الأرض قرارٌ تستقرونه ، وفراش تمتهدونه ، (4) كما : -
14415 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم العسقلاني قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : (ولكم في الأرض مستقر) ، قال : هو قوله : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا ) ، [سورة البقرة : 22]. (5)
* * *
وروي عن ابن عباس في ذلك ، ما : -
14416 - حدثت عن عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس قوله : (ولكم في الأرض مستقر) ، قال : القبور. (6)
* * *
__________
(1) الأثر : 14413 - (( عمرو بن طلحة )) ، هو (( عمرو بن حماد بن طلحة القناد )) ، منسوبًا إلى جده . وقد مضى مئات من المرات في هذا الإسناد وغيره ، (( عمرو بن حماد ، عن أسباط )) . وقد سلف برقم : 755 .
(2) الأثر : 14414 - مضى برقم : 754 .
(3) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 1 : 535 - 541 .
(4) انظر تفسير (( مستقر )) فيما سلف 1 : 539 /11 : 434 ، 562 - 572 .
(5) الأثر : 14415 - مضى برقم : 765 . وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا : (( هو الذي جعل ... )) ، بزيادة (( هو )) ، وهو سبق قلم من الناسخ .
(6) الأثر : 14416 - انظر ما سلف رقم : 767 ، بغير هذا الإسناد .

(12/358)


قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبرَ آدم وحواءَ وإبليس والحية ، إذ أهبطوا إلى الأرض : أنهم عدوٌّ بعضهم لبعض ، وأن لهم فيها مستقرًّا يستقرون فيه ، ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرًّا في حال حياتهم دون حال موتهم ، بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا ، فذلك على عمومه ، كما عمّ خبرُ الله ، ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها ، وبعد وفاتهم في بطنها ، كما قال جل ثناؤه : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) ، [سورة المرسلات : 25 - 26].
* * *
وأما قوله : (ومتاع إلى حين) ، فإنه يقول جل ثناؤه : " ولكم فيها متاع " ، تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا ، (1) وذلك هو الحين الذي ذكره ، كما : -
14417 - حدثت عن عبيد الله بن موسى قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : (ومتاع إلى حين) ، قال : إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا.
* * *
و " الحين " نفسه : الوقت ، غير أنه مجهول القدر (2) ، يدل على ذلك قول الشاعر : (3)
وَمَا مِرَاحُكَ بَعْدَ الْحِلْمِ وَالدِّينِ... وَقَدْ عَلاكَ مَشِيبٌ حِينَ لا حِينِ (4)
أي وقت لا وقت.
__________
(1) انظر تفسير (( المتاع )) فيما سلف 1 : 539 - 541 /11 : 71 ، تعليق : 2 . والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الحين )) فيما سلف 1 : 540 ، ولم يذكر هذا هناك في تفسير نظيرة هذه الآية .
(3) هو جرير .
(4) ديوانه : 586 ، وسيبويه 1 : 358 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 212 ، والخزانة 2 : 94 ، وغيرها . مطلع قصيدة في هجاء الفرزدق ، ورواية الديوان ، وسيبويه : * ما بالُ جَهْلِكَ بَعْدَ الْحِلْمِ والدِّينِ *
وبعده : لِلْغَانِيَاتِ وِصَالٌ لَسْتُ قَاطِعَهُ ... عَلَى مَوَعدِهَ مِنْ خُلْفٍ وَتَلْوِينِ
إِنَّي لأَرْهَبُ تَصْدِيقَ الْوُشَاةِ بِنَا ... أَوْ أَنْ يَقُولَ غَوِىٌّ للنَّوَى : بِينِي
و (( المراح )) ( بكسر الميم ) : المرح والاختيال والتبختر ، وذلك من جنون الشاباب واعتداده بنفسه . وكأن رواية الديوان هي الجودي .
وأنشده سيبويه شاهدًا على إلغاء (( لا )) وإضافة (( حين )) الأولى إلى (( حين )) الثانية ، قال : فإنما هو حين حين ، و (( لا )) بمنزلة (( ما )) إذا ألغيت .
وهذا الذي ذكر أبو جعفر هو أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 212 ، وجاء بالبيت كما رواه هنا ، وان كان في مطبوعة مجاز القرآن : (( وما مزاحك )) بالزاي ، وهو خطأ مطبعي فيما أظن .

(12/359)


قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)

القول في تأويل قوله : { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال الله للذين أهبطهم من سمواته إلى أرضه : (فيها تحيون) ، يقول : في الأرض تحيون ، يقول : تكونون فيها أيام حياتكم (وفيها تموتون) ، يقول في الأرض تكون وفاتكم ، (ومنها تخرجون) ، يقول : ومن الأرض يخرجكم ربكم ويحشركم إليه لبعث القيامة أحياء.
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سوءاتكمْ }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرَّون للطواف ، اتباعًا منهم أمرَ الشيطان ، وتركًا منهم طاعةَ الله ، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم ، حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعمَ به عليهم ، حتى

(12/360)


أبدى سوءاتهم وأظهرها من بعضهم لبعض ، مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به ، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوءاتهما فعرّاهما منه : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا) ، يعني بإنزاله عليهم ذلك ، خلقَه لهم ، ورزقه إياهم و " اللباس " ما يلبسون من الثياب (1) (يواري سوءاتكم) ، يقول : يستر عوراتكم عن أعينكم (2) وكنى بـ " السوءات " ، عن العورات.
* * *
واحدتها " سوءة " ، وهي " فعلة " من " السوء " ، وإنما سميت " سوءة " ، لأنه يسوء صاحبها انكشافُها من جسده ، (3) كما قال الشاعر : (4)
خَرَقُوا جَيْبَ فَتَاتِهِمُ... لَمْ يُبَالُوا سَوْءَةَ الرَّجُلَهْ (5)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14418 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : (لباسًا يواري سوءاتكم) ، قال : كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراةً ، ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.
14419 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) انظر تفسير (( اللباس )) فيما سلف 3 : 489 - 491 /5 : 480 /11 : 270 .
(2) انظر تفسير ( وارى )) فيما سلف 10 : 229 .
(3) انظر تفسير (( السوءة )) فيما سلف 10 : 229 / وهذا الجزء ص : 352 .
(4) لم أعرف قائله .
(5) الكامل 1 : 165 ، وشرح الحماسة 1 : 117 ، واللسان ( رجل ) ، وغيرهما ، وقبل البيت : كُلُّ جَارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًا ... غَيْرَ جِيرَانِي بَنِي جَبَلَهْ
وروايتهم : (( لم يبالوا حرمة الرجله )) . وكنى بقوله : (( جيب فتاتهم )) ، عن عورتها وفرجها . وانث (( الرجل )) ، فجعل المرأة : (( رجلة )) .

(12/361)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه.
14420 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، سمعت مجاهدًا يقول في قوله : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا) ، قال : أربع آيات نزلت في قريش. كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراة.
14421 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن عوف قال : سمعت معبدًا الجهني يقول في قوله : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا) ، قال : اللباس الذي تلبسون.
14422 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم) ، قال : كانت قريش تطوف عراة ، لا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه. وقد كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة.
14423 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف ، عن عوف ، عن معبد الجهني : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم) ، قال : اللباس الذي يواري سوءاتكم : وهو لَبُوسكم هذه. (1)
14424 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (لباسًا يواري سوءاتكم) ، قال : هي الثياب.
14425 - حدثنا الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد قال ، حدثني مَنْ سمع عروة بن الزبير يقول ، اللباس : الثياب.
14426 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا
__________
(1) (( اللبوس )) ، الثياب ، وهو مذكر ، فإن ذهبت به إلى (( الثياب )) جاز لك أن تؤنث ، وكان في المطبوعة : (( هو لبوسكم هذا )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/362)


يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم) ، قال : يعني ثيابَ الرجل التي يلبسها.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَرِيشًا }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار : (وَرِيشًا) ، بغير " ألف " .
* * *
وذكر عن زر بن حبيش والحسن البصري : أنهما كانا يقرآنه : " وَرِياشًا " .
14427 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبان العطار قال ، حدثنا عاصم : أن زر بن حبيش قرأها : " وَرِياشًا " .
* * *
قال أبو جعفر : والصوابُ من القراءة في ذلك ، قراءة من قرأ : (وَرِيشًا) بغير " ألف " ، لإجماع الحجة من القرأة عليها.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ في إسناده نظر : أنه قرأه : " وَرِياشًا " . (1)
فمن قرأ ذلك : " وَرِياشًا " فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع " الريش " ، كما تجمع " الذئب " ، " ذئابًا " ، و " البئر " " بئارًا " .
ويحتمل أن يكون أراد به مصدرًا ، من قول القائل : " راشه الله يَريشه رياشًا ورِيشًا " ، (2) كما يقال : " لَبِسه يلبسه لباسًا ولِبْسًا " ، وقد أنشد بعضهم : (3)
__________
(1) سيأتي هذا الخبر بإسناده رقم : 14446 .
(2) أراد هنا أن يجعل (( ريشا )) مصدرًا بكسر (( الراء )) ، كما هو بين في معاني القرآن للفراء 1 : 375 ، ولذلك ضبطتها كذلك ، والذي نص عليه أهل اللغة أن المصدر ( ريشا )) بفتح فسكون .
(3) هو حميد بن ثور الهلالي .

(12/363)


فَلَما كَشَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ... بِأَطْرَافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلا مُوَشَّمَا (1)
بكسر " اللام " من " اللبس " .
و " الرياش " ، في كلام العرب ، الأثاث ، وما ظهر من الثياب من المتاع مما يلبس أو يُحْشى من فراش أو دِثَار.
و " الريش " إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال. يقولون : " أعطاه سرجًا بريشه " ، و " رحْلا بريشه " ، أي بكسوته وجهازه. ويقولون : " إنه لحسن ريش الثياب " ، وقد يستعمل " الرياش " في الخصب ورَفاهة العيش.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال : " الرياش " ، المال :
14428 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ،
__________
(1) ديوانه : 14 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 375 ، واللسان ( لبس ) ( طفل ) ، والمخصص 4 : 35 ، وغيرها . وهذا بيت من قصيدة له طويلة في ديوانه ، أرجح أنها مختلطة الترتيب ، وهذا البيت مما اختلط . فإنه في صفة الرجل ، فقال فيه ( كما ورد في الديوان البيت رقم : 37 ) ، بعد أن زينته الجواري ( والشعر في الديوان كثير الخطأ ، فصححته ) . تَنَاهَى عَلَيْهِ الصَّانِعَاتُ ، وَشَاكَلَتْ ... بِهِ الخيلَ حَتَّى هَمَّ أَنْ يَتَحَمْحَمَا
ثم قال بعد رقم : 40 . تَخَالُ خِلالَ الرَّقْم لَمَّا سَدَلْنَهُ ... حِصَانًا تَهَادَى سَامِيَ الطَّرْفِ مُلْجَمَا
وقال قبل البيت ( وهما في ترتيب الديوان : 32 ، 33 ) : فَزَيَّنَّهُ بِالعِهْنِ حَتَّى لَوَ انَّهُ ... يُقَالُ لَهُ : هَابٍ ، هَلُمَّ ! لأَقْدَمَا
جعل الهودج قد صار كأنه فرس عليه زينته وجلاله وسرجه . وقوله : ( فلما كشفن اللبس عنه )) ، يعني الهودج . و (( مسحنه )) يعني الجواري اللواتي صنعه وزوقنه وزينه . و (( الطفل ) ( بفتح فسكون ) هو البنان الناعم ، وأراد : مسحنه بأطراف بنان طفل ، فجعل (( طفلا )) بدلا من (( البنان )) و (( الغيل )) ( بفتح فسكون ) الساعد الريان الممتلئ . و (( الموشم )) ، عليه الوشم ، وكان زينة للجاهلية أبطلها الإسلام ، ولعن الله متخذها ، رجلا كان أو امرأة .

(12/364)


عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وريشًا) ، يقول : مالا.
14429 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وريشًا) ، قال : المال.
14430 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14431 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ورياشًا " ، قال : أما " رياشًا " ، فرياش المال. (1)
14432 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدني قال ، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول : " الرياش " ، المال.
14433 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك قوله : " ورياشًا " ، يعني ، المال.
* ذكر من قال : هو اللباس ورفاهة العيش.
14434 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " ورياشًا " ، قال : " الرياش " ، اللباس والعيش والنَّعيم.
14435 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف ، عن عوف ، عن معبد الجهني : " ورياشًا " ، قال : " الرياش " ، المعاش.
14436 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا عوف قال ، قال معبد الجهني : " ورياشًا " ، قال : هو المعاش.
* * *
__________
(1) حيث جاءت (( رياش )) القراءة الثانية في هذه الأخبار ، فإني تاركها على ما هي عليه لا أغيرها إلى قراءتنا .

(12/365)


وقال آخرون : " الريش " ، الجمال.
* ذكر من قال ذلك :
14437 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ورياشًا " ، قال : " الريش " ، الجمال.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم : " لباس التقوى " ، هو الإيمان.
* ذكر من قال ذلك :
14438 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (ولباس التقوى) ، هو الإيمان.
14439 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولباس التقوى) ، الإيمان.
14440 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، أخبرني حجاج ، عن ابن جريج : (ولباس التقوى) ، الإيمان.
* * *
وقال آخرون : هو الحياء.
* ذكر من قال ذلك :
14441 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف ، عن عوف ، عن معبد الجهني في قوله : (ولباس التقوى) ، الذي ذكر الله في القرآن ، هو الحياء.
14442 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا

(12/366)


عوف قال ، قال معبد الجهني ، فذكر مثله.
14443 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن عوف ، عن معبد ، بنحوه.
* * *
وقال آخرون : هو العمل الصالح.
* ذكر من قال ذلك :
14444 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (ولباس التقوى ذلك خير) ، قال : لباس التقوى : العمل الصالح.
* * *
وقال آخرون : بل ذلك هو السَّمْت الحسن.
* ذكر من قال ذلك :
14445 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن محمد بن موسى ، عن . . . . بن عمرو ، عن ابن عباس : (ولباس التقوى) ، قال : السمت الحسن في الوجه. (1)
14446 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، عن سليمان بن أرقم ، عن الحسن قال : رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليه قميصٌ قُوهيّ محلول الزرّ ، (2) وسمعته يأمر بقتل الكلاب ، وينهى عن اللعب بالحمام ، ثم قال : يا أيها الناس ، اتقوا الله ف
__________
(1) الأثر : 14445 - في هذا الإسناد في المخطوطة : (( عن الدنا بن عمرو )) ، كلمة لم أعرف كيف تقرأ ، فوضعت مكانها نقطًا ، وكان في المطبوعة : (( الزباء بن عمرو )) ، لا أدري من أين جاء بهذا الاسم !! ووجدت في تفسير ابن كثير 3 : 462 : (( الديال بن عمرو )) ، وهذا أيضًا . لم أعرف ما يكون .
(( محمد بن موسى )) ، لم أستطع أن أحدد من يكون .
(2) (( القميص القوهي )) ، منسوب إلى (( قوهستان )) ، وهي أرض متصلة بنواحي هراة ونيسابور ، ينسب إليها ضرب من الثياب .

(12/367)


ي هذه السرائر ، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " والذي نفس محمد بيده ، ما عمل أحدٌ قط سرًّا إلا ألبسه الله رداءَ علانيةٍ ، (1) إن خيرًا فخيرًا ، وإن شرًّا فشرًا ، ثم تلا هذه الآية : " وَرِيَاشًا " ولم يقرأها : (وَرِيشًا) ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) ، قال : السمتُ الحسن. (2)
* * *
وقال آخرون : هو خشية الله.
* ذكر من قال ذلك :
14447 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدنى قال ، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول : (لباس التقوى) ، خشية الله.
* * *
وقال آخرون : (لباس التقوى) ، في هذه المواضع ، ستر العورة.
* ذكر من قال ذلك :
14448 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ولباس التقوى) ، يتقي الله ، فيواري عورته ، ذلك " لباس التقوى " .
* * *
__________
(1) نص ابن كثير في تفسيره ، نقلا عن هذا الموضع من الطبري : (( ما أسر أحد سريرة إلا ألبسهما الله رداءها علانية )) ، ولا أدري من أين جاء هذا الاختلاف : وفي المطبوعة : (( رداءه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) الأثر : 14446 - (( إسحاق بن الحجاج الرازي الطاحوني )) ، مضى برقم : 230 ، 1614 ، 10314 . و (( إسحاق بن إسماعيل )) لعله (( إسحاق بن لإسماعيل الرازي )) ، أبو يزيد ، حبويه . مترجم في ابن أبي حاتم 1 /1 / 212 .
و (( سليمان بن أرقم )) ، أبو معاذ . ضعف جدًا ، متروك الحديث ، مضى برقم : 4923 . فمن أجل ضعف (( سليمان بن أرقم )) ، قال أبو جعفر فيما سلف ص : 363 ، تعليق : 1 ، أن في إسناد هذا الخبر نظرًا .
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 462 ، 463 ، وضعفه ، ثم قال : (( وقد روى الأئمة ، الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب صحيحة ، عن الحسن : أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر )) . قلت : وخبر أحمد في المسند رقم : 521 ، وخبر البخاري في الأدب المفرد ص : 332 ، 333 برقم : 1301 .

(12/368)


واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المكيين والكوفيين والبصريين : ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) ، برفع " ولباس " .
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة : " وَلِبَاسَ التَّقْوَى " ، بنصب " اللباس " ، وهي قراءة بعض قرأة الكوفيين.
* * *
فمن نصب : " ولباس " ، فإنه نصبه عطفًا على " الريش " ، بمعنى : قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ، وأنزلنا لباسَ التقوى.
* * *
وأما الرفع ، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به " اللباس " .
فكان بعض نحويي البصرة يقول : هو مرفوع على الابتداء ، وخبره في قوله : (ذلك خير) . وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال : هذا غلط ، لأنه لم يعد على " اللباس " في الجملة عائد ، فيكون " اللباس " إذا رفع على الابتداء وجعل " ذلك خير " خبرًا.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة : (ولباس) ، يرفع بقوله : ولباس التقوى خير ، ويجعل " ذلك " من نعته. (1)
* * *
قال أبو جعفر : وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع " اللباس " ، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعًا بـ " خير " ، وإذا رفع بـ " خير " لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل " اللباس " نعتًا ، لا أنه عائد على " اللباس " من ذكره في قوله : (ذلك خير) ، فيكون خير مرفوعًا بـ " ذلك " ، و " ذلك " ، به.
__________
(1) هذا قول الفراء 1 : 375

(12/369)


فإذ ، كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام إذا رفع " لباس التقوى " : ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه ، خير لكم يا بني آدم ، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم ، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم ، هكذا فالبَسوه.
* * *
وأما تأويل مَنْ قرأه نصبًا ، فإنه : " يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى " ، هذا الذي أنزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم ، والريش ، ولباس التقوى خير لكم من التعرِّي والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت ، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش ، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعرِّي من الثياب ، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء ، فخدعهما حتى جرّدهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له ، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصَياه بأكلها.
* * *
قال أبو جعفر : وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، أعني نصب قوله : " وَلِبَاسَ التَّقْوَى " ، لصحة معناه في التأويل على ما بيّنت ، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوءاتنا والرياش ، توبيخًا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت ، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال ، مع الإيمان به واتباع طاعته ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ، وتعرِّيهم ، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خيرٌ من بعض.
وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك ، الآيات التي بعد هذه الآية ، وذلك قوله : (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما) وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله : (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب ، واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي ، وبالإيمان به ، واتباع أمره والعمل بطاعته ،

(12/370)


وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان ، مؤكدًا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباسَ التقوى ذلك خير) .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله : " ولباس التقوى " ، استشعار النفوس تقوى الله ، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه ، والعمل بما أمر به من طاعته ، وذلك يجمع الإيمان ، والعمل الصالح ، والحياء ، وخشية الله ، والسمتَ الحسن ، لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا ، وبما أمره به عاملا ومنه خائفًا ، وله مراقبًا ، ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا. ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه ، فحسن سَمْته وهَدْيه ، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره.
وإنما قلنا : عنى بـ " لباس التقوى " ، استشعارَ النفس والقلب ذلك لأن " اللباس " ، إنما هو ادِّراع ما يلبس ، واجتياب ما يكتسى ، (1) أو تغطية بدنه أو بعضه به. فكل من ادَّرع شيئًا واجتابهُ حتى يُرَى عَيْنه أو أثرُه عليه ، (2) فهو له " لابس " . ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسًا ، وهن لهم لباسًا ،
__________
(1) في المطبوعة : (( واحتباء ما يكتسى )) ، غير ما في المخطوطة ، الخطأ في نقطها ، فأساء غاية الإساءة ، كان في المخطوطة : (( واحنتاب )) ، وصواب قراءتها ما أثبت وانظر التعليق التالي ، (( اجتاب الثوب اجتيابًا )) ، لبسه ، قال لبيد : فَبِتِلْكَ إذْ رَقَصَ اللَّوَامِعُ بِالضُّحَى ... وَاجْتَابَ أَرْدِيَةَ السَّرَابِ إكَامُها
أَقْضِي اللُّبَانَةَ لا أُفَرِّطُ رِيبَةً ... أَوْ أَنْ يَلُومَ بِحَاجَةٍ لَوَّامُها
(2) في المطبوعة : (( فكل من اردع شيئًا واحتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه )) ، أساء كما أساء في السالف ، ولكن كان الخطأ أعذر له ، لأنه فيها (( فكل من ادرع شيئًا واحبا )) هذا آخر السطر ، ثم بدأ في السطر التالي (( به حتى يرى عنه أو أثره عليه )) . فجاء الناشر فجعلها (( واحتبى به )) والصواب ما أثبت ، وإنما قطع الناسخ الكلمة في سطرين !! وانظر التعليق السالف . وأما قوله في المطبوعة : (( حتى يرى هو أو أثره عليه )) ، فقد غيره تغييرًا لا يجدي ، وصواب قراءة المخطوطة كما أثبت .

(12/371)


وجعل الليل لعباده لباسًا. (1)
* * *
* ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله ، إذا قرئ قوله : ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ) ، رفعًا.
14449 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ولباس التقوى) ، الإيمان (ذلك خير) ، يقول : ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.
14450 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (ولباس التقوى) ، قال : لباس التقوى خير ، وهو الإيمان.
* * *
القول في تأويل قوله : { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ذلك الذي ذكرت لكم أنّي أنزلته إليكم ، أيها الناس ، من اللباس والرياش ، من حجج الله وأدلته التي يعلم بها مَنْ كفر صحة توحيد الله ، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة (لعلهم يذكرون) ، يقول جل ثناؤه : جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت ، ليذكروا فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل ، رحمة مني بعبادي. (2)
* * *
__________
(1) شاهد الأول آية (( سورة البقرة )) : 187 : " هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ " . وشاهد الثاني على آية (( سورة النبأ)) : 10 : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا " .
(2) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
وتفسير (( يذكر )) فيما سلف منها ( ذكر ) .

(12/372)


يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)

القول في تأويل قوله : { يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا بني آدم ، لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوءاتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما ، فأخرجهما بما سبَّب لهما من مكره وخدعه ، من الجنة ، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس ، ليريهما سوءاتهما بكشف عورتهما ، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترةً.
* * *
وقد بينا فيما مضى أن معنى " الفتنة " ، الاختبار والابتلاء ، بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في صفة " اللباس " الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا ، وما كان.
فقال بعضهم : كان ذلك أظفارًا.
* ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك :
14451 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن عكرمة : (ينزع عنهما لباسهما) ، قال : لباس كل دابة منها ، ولباس الإنسان الظُّفر ، فأدركت آدم التوبة عند ظُفُره أو قال : أظفاره.
14452 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، عن نضر
__________
(1) انظر تفسير (( الفتنة )) فيما سلف 11 : 388 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/373)


أبي عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : تركت أظفاره عليه زينة ومنافع ، في قوله : (ينزع عنهما لباسهما). (1)
14453 - حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال ، حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال ، أخيرنا مخلد بن الحسين ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس في قوله : (ينزع عنهما لباسهما) ، قال : كان لباسهما الظفر ، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما ، وتركت الأظفار تذكرة وزينة.
14454 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عكرمة في قوله : (ينزع عنهما لباسهما) ، قال : كان لباسه الظفر ، فانتهت توبته إلى أظفاره.
* * *
وقال آخرون : كان لباسهما نورًا.
* ذكر من قال ذلك :
14455 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن وهب بن منبه : (ينزع عنهما لباسهما) ، النور.
14456 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا عمرو قال ، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله : (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما) ، قال : كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما ، لا يرى هذا عورة هذه ، ولا هذه عورة هذا.
* * *
__________
(1) الأثر : 14452 - (( عبد الحميد الحماني )) هو (( عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني )) ، مضى برقم : 718 ، 7863 .
و (( نضر ، أبو عمر )) هو (( النضر بن عبد الرحمن )) ، أبو عمر الخراز ، مضى أيضًا برقم 718 ، 10373 ، وكان في المطبوعة : (( نصر بن عمر )) ، غير ما في المخطوطة ، وهو فيها : (( نصر أبي عمر )) ، غير منقوطة .

(12/374)


وقال آخرون : إنما عنى الله بقوله : (ينزع عنهما لباسهما) ، يسلبهما تقوى الله.
* ذكر من قال ذلك :
14457 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا مطلب بن زياد ، عن ليث ، عن مجاهد : (ينزع عنهما لباسهما) ، قال : التقوى. (1)
14458 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن ليث ، عن مجاهد : (ينزع عنهما لباسهما) ، قال : التقوى.
14459 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد ، مثله.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى حذر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء ، وأن يجرِّدهم من لباس الله الذي أنزله إليهم ، كما نزع عن أبويهم لباسهما. " اللباس " المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس ، وهو ما اجتابَ فيه اللابس من أنواع الكُسي ، (2) أو غطى بدنه أو بعضه.
وإذ كان ذلك كذلك ، فالحق أن يقال : إن الذي أخبر الله عن آدم وحواء من لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان ، هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعوْرَتهما .
__________
(1) الأثر : 14457 - (( مطلب بن زياد بن أبي زهير الثقفي )) ، قال ابن سعد : (( كان ضعيفًا في الحديث جدًا )) ، وقال ابن عدي : (( وله أحاديث حسان وغرائب ، ولم أر له منكرًا ، وأرجو أنه لا بأس به )) . مترجم في التهذيب ، والبخاري في الكبير 4 / 2 / 8 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4 /1 / 360 ، وذكر أن أحمد ويحيى بن معين وثقا . وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ، ولا يحتج به )) .
(2) في المطبوعة : (( هو ما اختار فيه اللابس من أنواع الكساء )) ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، فغير كما سلف قريبًا ، فرددتها إلى أصلها .
وقوله : (( اجتاب فيه اللابس )) ، أدخل (( فيه )) مع (( اجتاب )) ، وهو صحيح في قياس العربية ، لأنهم قالوا : (( اجتاب الثوب والظلام )) ، إذا دخل فيهما ، فأعطى (( اجتاب )) معنى (( دخل )) ، فألحق بها حرف الجر ، لمعنى الدخول .

(12/375)


وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرًا ويجوز أن يكون كان ذلك نورًا ويجوز أن يكون غير ذلك ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك تثبت به الحجة ، فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه : (ينزع عنهما لباسهما) .
* * *
وأضاف جل ثناؤه إلى إبليس إخراجَ آدم وحواء من الجنة ، ونزعَ ما كان عليهما من اللباس عنهما ، وإن كان الله جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه ، إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تسْنيةِ ذلك لهما بمكره وخداعه ، (1) فأضيف إليه أحيانًا بذلك المعنى ، وإلى الله أحيانًا بفعله ذلك بهما.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : إن الشيطان يراكم هو و " الهاء " في " إنه " عائدة على الشيطان و " قبيله " ، يعني : وصنفه وجنسه الذي هو منه واحدٌ جمع جيلا (2) وهم الجن ، كما : -
14460 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : (إنه يراكم هو وقبيله) ، قال : الجن والشياطين.
__________
(1) في المطبوعة : (( عن تسبيه ذلك لهما )) ، ولا معنى له ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، وهذا صواب قراءته ، (( سنى له الأمر )) ، سهله ويسره وفتحه .
(2) في المطبوعة : (( الذي هو منه واحد جمعه قبل )) ، غير ما في المخطوطة ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، إلا انه كتب (( صلا )) و (( الجيم )) بين القاف والجيم غير المنقوطة . واستظهرت هذا من نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 213 ، وهو : (( أي : وجيله الذي هو منه )) ، ومن نص صاحب لسان العرب : (( ويقال لكل جمع من شيء واحد ، قبيل )) . و (( الجيل )) كل صنف من الناس ، أو الأمة . يقال : (( الترك جيل ، والصين جيل ، والعرب جيل ، والروم جيل )) ، وهم كل قوم يختصون بلغة ، وتنشأ من جمعهم أمة وصنف من الناس موصوف معروف .

(12/376)


وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)

14461 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (إنه يراكم هو وقبيله) ، قال : " قبيله " ، نسله.
* * *
وقوله : (من حيث لا ترونهم) ، يقول : من حيث لا ترون أنتم ، أيها الناس ، الشيطان وقبيله (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) ، يقول : جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحِّدون الله ولا يصدقون رسله. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) }
قال أبو جعفر : ذكر أن معنى " الفاحشة " ، في هذا الموضع ، (2) ما : -
14462 - حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال ، حدثنا أبو محياة ، عن منصور ، عن مجاهد : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة ، يقولون : " نطوف كما ولدتنا أمهاتنا " ، فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة أو الشيء ، (3) فتقول :
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(2) انظر تفسير (( الفاحشة )) ، و (( الفحشاء )) فيما سلف : ص : 218 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) (( القبل )) ( بضمتين ) : فرج المرأة والرجل . و (( النسعة )) : قطعة من الجلد مضفورة عريضة ، تجعل على صدر البعير .
(4) الأثر : 14462 - (( أبو محياة )) ، هو (( يحيى بن يعلي بن حرملة التيمي )) ، ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /2 / 311 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 196 .
ةسيأتي تخريج الخبر في تخريج الآثار : 14503 - 14506 .

(12/377)


14463 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا) ، فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.
14464 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن مفضل ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله.
14464 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير والشعبي : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا) ، قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة.
14465 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، قال : كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة ، فإذا قيل : لم تفعلون ذلك ؟ قالوا : وجدنا عليها آباءنا ، والله أمرنا بها.
14466 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : (وإذا فعلوا فاحشة) ، قال : طوافهم بالبيت عراة.
14467 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد ، عن مجاهد(وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا) ، قال : في طواف الحُمْس في الثياب ، وغيرهم عراة. (1)
14468 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا) ،
__________
(1) (( الحمس )) ، جمع (( أحمس )) هم قريش ، لتشددهم في دينهم ، وانظر تفسير ذلك مفصلا فيما سلف 3 : 557 ، تعليق : 1 ، وانظر الأثر رقم : 3832 ، وأنها : (( ملة قريش )) .

(12/378)


قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)

قال : كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة ، فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم : (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) ، الآية.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذًا : وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله ، الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء ، قبيحًا من الفعل ، وهو " الفاحشة " ، وذلك تعرِّيهم للطواف بالبيت وتجردهم له ، فعُذِلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه ، قالوا : " وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا ، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون ، ونقتدي بهديهم ، ونستنّ بسنتهم ، والله أمرنا به ، فنحن نتبع أمره فيه " .
يقول الله جل ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل " ، يا محمد ، لهم : " إن الله لا يأمر بالفحشاء " ، يقول : لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها " أتقولون " ، أيها الناس ، " على الله ما لا تعلمون " ، يقول : أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف ، (1) وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك ؟
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه : (قل) ، يا محمد ، لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبًا على الله : ما أمر ربي بما تقولون ، بل(أمر ربي بالقسط) ، يعني : بالعدل ، (2) كما : -
14469 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة : (( أتروون على الله )) ، وأنا أرجح أن الصواب (( أتزورون )) ، أي : أتقولون الزور والكذب .
(2) انظر تفسير (( القسط )) فيما سلف ص : 224 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(12/379)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (قل أمر ربي بالقسط) ، بالعدل.
14470 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (قل أمر ربي بالقسط) ، والقسط : العدل.
* * *
وأما قوله : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله . فقال بعضهم : معناه : وجِّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
* ذكر من قال ذلك :
14471 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، إلى الكعبة حيثما صليتم ، في الكنيسة وغيرها.
14472 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، قال : إذا صليتم فاستقبلوا الكعبة ، في كنائسكم وغيرها.
14473 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، هو " المسجد " ، الكعبة.
14474 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا خالد بن عبد الرحمن ، عن عمر بن ذر ، عن مجاهد في قوله : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، قال : الكعبة ، حيثما كنت.
14475 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، قال : أقيموها للقبلة ، هذه القبلة التي أمركم الله بها.
* * *

(12/380)


وقال آخرون : بل عنى بذلك : واجعلوا سجودكم لله خالصًا ، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.
* ذكر من قال ذلك.
14476 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ، قال : في الإخلاص ، أن لا تدعوا غيره ، وأن تخلصوا له الدين.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية ، ما قاله الربيع : وهو أن القوم أُمِروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم ، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام ، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا ، لا مُكاءً ولا تصدية. (1)
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب ، لم يكونوا أهل كنائس وبيع ، وإنما كانت الكنائس والبِيَع لأهل الكتابين. فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بِيعة : " وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بِيعةٍ " .
* * *
وأما قوله : (وادعوه مخلصين له الدين) ، فإنه يقول : واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة ، لا تخلطوا ذلك بشرك ، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكًا ، (2) كما : -
14477 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : (وادعوه مخلصين له الدين) ، قال : أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل ، ثم توجِّهون إلى البيت الحرام.
* * *
__________
(1) (( المكاء )) : الصفير ، و (( التصدية )) : التصفيق . كانوا يطوفون بالبيت عراة يصفرون بأفواههم ، ويصفقون بأيديهم .
(2) انظر تفسير (( الدعاء )) ، و (( الإخلاص )) فيما سلف من فهارس اللغة ( دعا ) و ( خلص ) .

(12/381)


القول في تأويل قوله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (كما بدأكم تعودون).
فقال بعضهم : تأويله : كما بدأكم أشقياء وسُعَداء ، كذلك تبعثون يوم القيامة.
* ذكر من قال ذلك :
14478 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : (كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) ، قال : إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا ، كما قال جل ثناؤه : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) ، [سورة التغابن : 2] ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم ، مؤمنًا وكافرًا.
14479 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور قال ، حدثنا أصحابنا ، عن ابن عباس : (كما بدأكم تعودون) ، قال : يبعث المؤمن مؤمنًا ، والكافر كافرًا.
14480 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا يحيى بن الضريس ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن رجل ، عن جابر قال : يبعثون على ما كانوا عليه ، المؤمن على إيمانه ، والمنافق على نفاقه. (1)
14481 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : عادوا إلى علمه فيهم ، ألم تسمع إلى قول الله فيهم : (كما بدأكم تعودون) ؟ ألم تسمع قوله : (فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) ؟.
__________
(1) الأثر : 14480 - (( يحيى بن الضريس بن يسار البجلي الرازي )) ثقة ، كان صحيح الكتب ، جيد الأخذ . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /2 / 282 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 158 .

(12/382)


14482 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : (كما بدأكم تعودون) ، قال : رُدُّوا إلى علمه فيهم.
14483 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو همام الأهوازي قال ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب في قوله : (كما بدأكم تعودون) ، قال : من ابتدأ الله خلقه على الشِّقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه ، وإن عمل بأعمال أهل السعادة ، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة ، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السعادة ، صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه ، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء ، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء ، (1) ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم.
14484 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن وِقَاء بن إياس أبي يزيد ، عن مجاهد : (كما بدأكم تعودون) ، قال : يبعث المسلم مسلمًا ، والكافر كافرًا. (2)
14485 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو دكين قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي يزيد ، عن مجاهد : (كما بدأكم تعودون) ، قال : يبعث المسلم مسلمًا ، والكافر كافرًا. (3)
14486 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا محمد بن أبي الوضاح ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير : (كما بدأكم تعودون) ، قال : كما كتب عليكم تكونون.
__________
(1) يعني سحرة فرعون ، الذين آمنوا بموسى عليه وعلى نبينا السلام .
(2) الأثر : 14484 - (( وقاء بن إياس الأسدي الوالبي )) ، أبو يزيد ، ثقة ، متكلم فيه ، قال يحيى بن سعيد : (( ما كان بالذي يعتمد عليه )) . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 /2 / 188 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 49 . وكان في المخطوطة : (( ورقاء بن إياس )) ، والصواب ما في المطبوعة .
(3) الأثر : 14485 - (( أبو يزيد )) ، هو (( وقاء بن إياس )) ، المترجم في التعليق السالف .

(12/383)


14487 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد ، مثله.
14488 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة) ، يقول : كما بدأكم تعودون ، كما خلقناكم ، فريق مهتدون ، وفريق ضال ، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
14489 - حدثنا ابن بشار ، قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا أبي سفيان ، عن الأعمش ، عن سفيان ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تُبعث كل نفس على ما كانت عليه. (1)
14490 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو داود الحفري ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : (كما بدأكم تعودون) ، قال : كما كتب عليكم تكونون.
14491 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن ليث ، عن مجاهد قال ، يبعث المؤمن مؤمنًا ، والكافر كافرًا.
14492 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (كما بدأكم تعودون) ، شقيًّا وسعيدًا.
14493 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك قراءة عن مجاهد ، مثله.
* * *
__________
(1) الأثر : 14489 - (( أبو سفيان )) ، هو (( طلحة بن نافع القرشي الواسطي )) ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 6654 ، 11517 ، 11518 . وهو الذي يروي عن جابر ، والأعمش روايته . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( عن سفيان ، عن جابر )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه منقولا عن تفسير الطبري ، في تفسير ابن كثير 3 : 466 .
وهذا خبر صحيح الإسناد . رواه مسلم في صحيحه 17 : 210 ، من طريقين عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، و لفظه : (( يبعث كل عبد على ما مات عليه )) .
رواه ابن ماجه في سننه 1414 ، رقم : 4230 ، من طريق شريك ، عن الأعمش ، ولفظه : (( يحشر الناس على نياتهم )) .

(12/384)


وقال آخرون : معنى ذلك : كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا ، تعودون بعد الفناء.
* ذكر من قال ذلك :
14494 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر ، عن عوف ، عن الحسن : (كما بدأكم تعودون) ، قال : كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا فأحياكم ، كذلك يميتكم ، ثم يحييكم يوم القيامة.
14495 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الأعلى ، عن عوف ، عن الحسن : (كما بدأكم تعودون) ، قال : كما بدأكم في الدنيا ، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
14496 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (كما بدأكم تعودون) ، قال : بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا ، ثم ذهبوا ، ثم يعيدهم.
14497 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (كما بدأكم تعودون فريقًا هدى) ، يقول : كما خلقناكم أول مرة ، كذلك تعودون.
14498 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (كما بدأكم تعودون) ، يحييكم بعد موتكم.
14499 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (كما بدأكم تعودون) ، قال : كما خلقهم أولا كذلك يعيدهم آخرًا.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، القولُ الذي قاله من قال : معناه : كما بدأكم الله خلقًا بعد أن لم تكونوا شيئًا ، تعودون بعد فنائكم خلقًا مثله ، يحشركم إلى يوم القيامة لأن الله تعالى ذكره : أمر نبيه صلى الله

(12/385)


عليه وسلم أن يُعْلم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهلَ جاهلية ، لا يؤمنون بالمعاد ، ولا يصدِّقون بالقيامة. فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأن الله باعثهم يوم القيامة ، ومثيبُ مَنْ أطاعه ، ومعاقبُ مَنْ عصاه. فقال له : قل لهم : أمرَ ربي بالقسط ، وأن أقيموا وجوهكم عند كل مسجد ، وأن ادعوه مخلصين له الدين ، وأن أقرُّوا بأنْ كما بدأكم تعودون فترك ذكر " وأن أقروا بأن " . كما ترك ذكر " أن " مع " أقيموا " ، إذ كان فيما ذكر دلالة على ما حذف منه.
وإذ كان ذلك كذلك ، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء مَنْ كان جاحدًا النشورَ بعد الممات ، إلى الإقرار بالصفة التي عليها ينشر مَنْ نُشِر ، وإنما يؤمر بالدعاء إلى ذلك مَنْ كان بالبعث مصدّقًا ، فأما مَنْ كان له جاحدًا ، فإنما يدعى إلى الإقرار به ، ثم يعرَّف كيف شرائط البعث. على أن في الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي : -
14500 - حدثناه محمد بن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثني المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يُحْشر الناس عُراة غُرْلا وأوّل مَنْ يكسى إبراهيم صلى الله عليه وسلم . ثم قرأ : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) ، [سورة الأنبياء : 104]
14501 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا إسحاق بن يوسف قال ، حدثنا سفيان ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه.
14502 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة ، فقال : يا أيها الناس ، إنكم تحشرون

(12/386)


إلى الله حُفَاة غُرْلا( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ). (1)
* * *
(2) ما يبيِّن صحة القول الذي قلنا في ذلك ، من أن معناه : أن الخلقَ يعودون إلى الله يوم القيامة خلقًا أحياء ، كما بدأهم في الدنيا خلقًا أحياء.
* * *
يقال منه : " بدأ الله الخلق يبدؤهم وأبدأَهُم يُبْدِئهم إبداءً " ، بمعنى خلقهم ، لغتان فصيحتان.
* * *
ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عما سبق من علمه في خلقه ، وجرى به فيهم قضاؤه ، فقال : هدى الله منهم فريقًا فوفّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون ، وحقَّ على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد ، باتخاذهم الشيطان من دون الله وليًّا.
* * *
وإذا كان التأويل هذا ، كان " الفريق " الأول منصوبًا بإعمال " هدى " فيه ، و " الفريق " ، الثاني بوقوع قوله : " حق " على عائد ذكره في " عليهم " ، كما قال جل ثناؤه : ( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) ، (3) [سورة الإنسان : 31]
* * *
__________
(1) الآثار : 14500 - 14502 - (( المغيرة بن النعمان النخعي )) ، ثقة ، مضى برقم : 13622 .
وهذا الخبر رواه البخاري من طريق شعبة ، عن المغيرة في صحيحه ( الفتح 8 : 332 / 11 : 331 ) مطولا ، ورواه مسلم في صحيحه مطولا : 17 : 193 ، 194 من طريق شعبة أيضًا . ورواه أحمد في المسند مطولا ومختصرًا رقم : 1950 ، 2027 ، من طريق سفيان الثوري مختصرًا ، كما رواه الطبري . ثم رواه مطولا من طريق شعبة رقم : 2096 ، 2281 ، 2282 . ورواه النسائي في سننه 4 : 117 .
وسيرويه أبو جعفر بأسانيده هذه فيما يلي ، في تفسير (( سورة الأنبياء )) 17 : 80 ( بولاق ) .
و (( الغرل )) جمع (( أغرل )) ، هو الأقلف الذي لم يختن .
(2) هذا تمام الكلام الأول ، والسياق : (( على أن في الخبر الذي روى عن رسول الله ... ما يبيّن صحة القول )) .
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 376 .

(12/387)


فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)

ومن وجه تأويل ذلك إلى أنه : كما بدأكم في الدنيا صنفين : كافرًا ، ومؤمنًا ، كذلك تعودون في الآخرة فريقين : فريقًا هدى ، وفريقًا حق عليهم الضلالة نصب " فريقًا " ، الأول بقوله : " تعودون " ، وجعل الثاني عطفًا عليه. وقد بينا الصواب عندنا من القول فيه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة ، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة ، باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله ، وظُهراء ، (2) جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك ، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق ، وأن الصواب ما أتوه وركبوا.
وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها ، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها ، فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى ، (3) فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( فريق )) فيما سلف 11 : 490 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( ولي )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .
(3) انظر تفسير (( حسب )) فيما سلف 10 : 478 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/388)


يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)

القول في تأويل قوله : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام ، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب ، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه ، تبرُّرًا عند نفسه لربه : (يا بني آدم خذوا زينتكم) ، من الكساء واللباس (عند كل مسجد وكلوا) ، من طيبات ما رزقتكم ، وحللته لكم (واشربوا) ، من حلال الأشربة ، ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14503 - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال ، حدثنا خالد بن الحارث قال ، حدثنا شعبة ، عن سلمة ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة وقال في موضع آخر : بغير ثياب إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة ، فيما وُصِف إن شاء الله ، وتقول :
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
قال : فنزلت هذه الآية : (خذوا زينتكم عند كل مسجد). (1)
__________
(1) الأثر : 14503 - حديث شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق ، سأخرجها في هذا الموضع .
(( يحيى بن حبيب بن عربي الشيباني )) ، أبو زكرياء ، ثقة ، مضى برقم : 7818 ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 137 .
(( خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي )) ، ثقة ثبت إمام . مضى برقم : 7507 ، 7818 ، 9878 .
و (( سلمة )) ، هو (( سلمة بن كهيل )) ، مضى مرارًا .
و (( مسلم البطين )) هو (( مسلم بن عمران )) ، ثقة روى له الجماعة .
وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه 18 : 162 ، من طريق غندر ، عن شعبة ( وهو الآتي رقم : 14506 ) .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 319 ، 320 من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، بنحوه ، ولكن قال : (( نزلت هذه الآية : قل من حرم زينة الله )) ، ثم قال الحاكم : (( حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .

(12/389)


14504 - حدثنا عمرو بن علي قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانوا يطوفون عراة ، الرجال بالنهار ، والنساء بالليل ، وكانت المرأة تقول :

(12/390)


الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
فقال الله : (خذوا زينتكم). (1)
14505 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن عباس : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : الثياب.
14506 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا غندر ووهب بن جرير ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل قال : سمعت مسلمًا البطين يحدث ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة قال غندر : وهي عريانة قال ، وهب : كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرَها وما هنالك قال غندر : وتقول : " مَنْ يعيرني تِطْوافًا " ، (2) تجعله على فرْجها وتقول :
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
فأنزل الله(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد). (3)
14507 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة ، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرَّوا.
14508 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) الآية " قال : كان رجال يطوفون بالبيت عراة ، فأمرهم الله بالزينة و " الزينة " ، اللباس ، وهو ما يواري السوءة ، وما سوى ذلك من جيِّد البزِّ والمتاع فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.
14509 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي وابن فضيل ، عن عبد الملك ، عن عطاء : (خذوا زينتكم) ، قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة ، فأمروا أن يلبسوا ثيابهم.
14510 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، بنحوه.
14511 - حدثني عمرو قال ، حدثنا يحيى قال ، حدثنا عبد الملك ، عن عطاء في قوله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، البسوا ثيابكم.
14512 - حدثنا يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم في قوله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : كان ناس يطوفون بالبيت عراة ، فنهوا عن ذلك.
14513 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة ، فأمروا أن يلبسوا الثياب.
__________
(1) الأثر : 14504 - مكرر الأثر السالف ، وهناك تخريجه .
(2) (( تطواف )) ( بكسر التاء ) : ثوب كانوا يتخذونه للطواف ، قال النووي : (( وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة ، ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض ، ولا يأخذونها أبدًا ، ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى ، ويسمى : اللقاء - حتى جاء الإسلام ، فأمر الله بستر العورة فقال : خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يطوف بالبيت عريان )) وروى (( تطواف )) ( بفتح التاء ) ، وفسروه بأنه (( ذا تطواف )) ، على حذف المضاف .
(3) الأثر : 14506 - مكرر الأثرين السالفين : 14503 ، 14504 ، سلف تخريجه في أولهما . وهذا نص حديث مسلم .

(12/391)


14514 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : ما وارى العورة ولو عبَاءة.
14515 - حدثنا عمرو قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، وأبو عاصم ، وعبد الله بن داود ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد في قوله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : ما يواري عورتك ، ولو عباءة.
14516 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، في قريش ، لتركهم الثياب في الطواف.
14517 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه.
14518 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا سفيان ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : الثياب.
14519 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن حباب ، عن إبراهيم ، عن نافع ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : الشَّمْلة من الزينة. (1)
14520 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن طاوس : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : الثياب.
14521 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا سويد وأبو أسامة ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة ،
__________
(1) (( الشملة )) ( بفتح فسكون ) : كساء دون قطيفة ، سمي بذلك لأنه يشمل البدن . ومنه ما نهى رسول الله عنه في الصلاة ، وهو (( اشتمال الصماء )) ، وهو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل جسده كله ، ولا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يده .

(12/392)


فطافت امرأة بالبيت وهي عريانة فقالت :
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ
14522 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، قال : كان حي من أهل اليمن ، كان أحدهم إذا قدم حاجًّا أو معتمرًا يقول : " لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دَنِسْتُ فيه " ، (1) فيقول : من يعيرني مئزرًا ؟ فإن قدر على ذلك ، وإلا طاف عريانًا ، فأنزل الله فيه ما تسمعون : (خذوا زينتكم عند كل مسجد).
14523 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : قال الله : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) يقول : ما يواري العورة عند كل مسجد.
14524 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري : أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة ، إلا الحُمْس ، قريش وأحلافهم. فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس ، فإنه لا يحل له أن يلبس ثيابه. فإن لم يجد من يعيره من الحمس ، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانًا. وإن طاف في ثياب نفسه ، ألقاها إذا قضى طوافه ، يحرِّمها ، فيجعلها حرامًا عليه. فلذلك قال الله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد). (2)
14525 - وبه عن معمر قال ، قال ابن طاوس ، عن أبيه : الشَّملة ، من الزينة. (3)
14526 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا
__________
(1) (( الدنس )) في الثوب ، لطخ الوسخ ونحوه ، حتى في الأخلاق . وعنى بقوله : (( دنست فيه )) ، أي أتيت فيه ما يشين ويعيب من المعاصي .
(2) انظر تفسير (( الحمس )) فيما سلف ص : 378 ، تعليق : 1 .
(3) الأثر : 14525 - انظر الأثر رقم : 14519 .

(12/393)


عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، الآية ، كان ناسٌ من أهل اليمن والأعراب إذا حجوا البيت يطوفون به عُراة ليلا فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ، ولا يتعرّوا في المسجد.
14527 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (خذوا زينتكم) ، قال : زينتهم ، ثيابهم التي كانوا يطرحونها عند البيت ويتعرّون.
14528 - وحدثني به مرة أخرى بإسناده ، عن ابن زيد في قوله : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) ، قال : كانوا إذا جاءوا البيت فطافوا به ، حرمت عليهم ثيابهم التي طافوا فيها. فإن وجدوا مَنْ يُعيرهم ثيابًا ، وإلا طافوا بالبيت عراة. فقال : (من حرم زينة الله) ، قال : ثياب الله التي أخرج لعباده ، الآية.
* * *
وكالذي قلنا أيضًا قالوا في تأويل قوله : (وكلوا واشربوا ولا تسر فوا).
* ذكر من قال ذلك :
14529 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : أحل الله الأكل والشرب ، ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة. (1)
14530 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قوله : (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ، في الطعام والشراب.
14531 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) (( السرف )) ( بفتحتين ) : وهو الإسراف ، ومجاوزة القصد . و (( المخيلة )) ( بفتح الميم وكسر الخاء ) : الاختيال والكبر ، وحديث ابن عباس المعروف : (( كل ماشئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خلتان : سرف ومخيلة )) ، رواه البخاري .

(12/394)


قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)

حدثنا أسباط ، عن السدي قال : كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرِّمون عليهم الوَدَك ما أقاموا بالموسم ، (1) فقال الله لهم : (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ، يقول : لا تسرفوا في التحريم.
14532 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد قال ، سمعت مجاهدًا يقول في قوله : (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) ، قال : أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.
14533 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (ولا تسرفوا) ، لا تأكلوا حرامًا ، ذلك الإسراف.
* * *
وقوله(إنه لا يحب المسرفين) ، يقول : إن الله لا يحب المتعدِّين حدَّه في حلال أو حرام ، الغالين فيما أحلّ الله أو حرم ، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال ، (2) ولكنه يحبّ أن يحلَّل ما أحل ويحرَّم ما حرم ، وذلك العدل الذي أمر به.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند طوافهم بالبيت ، ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق : من حرَّم ، أيها القوم ، عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتتجملوا بلباسها ، والحلال من رزق الله
__________
(1) (( الودك )) : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه . و (( الموسم )) مجتمع الناس في أيام الحج .
(2) انظر تفسير (( الإسراف )) فيما سلف : ص : 176 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/395)


الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم. (1)
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنيّ : بـ " الطيبات من الرزق " ، بعد إجماعهم على أن " الزينة " ما قلنا.
فقال بعضهم : " الطيبات من الرزق " في هذا الموضع ، اللحم. وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم.
* ذكر من قال ذلك منهم :
14534 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي في قوله : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، وهو الودَك. (2)
14535 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، الذي حرموا على أنفسهم. قال : كانوا إذا حجُّوا أو اعتمروا ، حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها.
14536 - وحدثني به يونس مرة أخرى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (قل من حرم زينة الله) إلى آخر الآية ، قال : كان قوم يحرِّمون ما يخرج من الشاة ، لبنها وسمنها ولحمها ، فقال الله : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، قال : والزينة من الثياب.
14537 - حدثني المثنى قال ، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن رجل ، عن الحسن قال : لما بعث محمدًا فقال :
__________
(1) انظر تفسير (( الزينة )) فيما سلف قريبًا ص : 389 ، وما بعدها .
وتفسير (( الطيبات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( طيب ) .
(2) (( الودك )) سلف تفسيره في ص : 395 ، تعليق : 1 .

(12/396)


" هذا نبيي ، هذا خياري ، استنّوا به " ، خذوا في سَنَنه وسبيله ، (1) لم تغلق دونه الأبواب ، ولم تُقَمْ دونه الحَجَبَة ، (2) ولم يُغْدَ عليه بالجفان ، ولم يُرْجع عليه بها ، (3) وكان يجلس بالأرض ، ويأكل طعامه بالأرض ، ويلعق يده ، ويلبس الغليظ ، ويركب الحمار ، ويُرْدِف بعده ، (4) وكان يقول : " مَنْ رغب عن سنتي فليس مني " . قال الحسن : فما أكثر الراغبين عن سنته ، التاركين لها! ثم إنّ عُلُوجًا فُسَّاقًا ، أكلة الربا والغُلول ، (5) قد سفَّههم ربي ومقتهم ، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا ، وزخرفوا هذه البيوت ، يتأوّلون هذه الآية : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان ، قد جعلها ملاعبَ لبطنه وفرجه (6) من كلام لم يحفظه سفيان. (7)
* * *
وقال آخرون : بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرم من البحائر والسوائب.
__________
(1) في المطبوعة : (( في سنته )) ، وقراءتها في المخطوطة ما أثبت . (( السنن )) ( بفتحتين ) الطريقة : يقال : (( امض على سننك )) ، و (( استقام فلان على سننه )) ، أي طريقته .
(2) (( الحجبة )) جمع (( حاجب )) ، وهو الذي يحول بين الناس والملك أن يدخلوا عليه .
(3) في المطبوعة : (( ولم يغد عليه بالجبار )) ، علق عليها أنه في نسخة (( بالجباب )) ، وفي المخطوطة : (( بالجبان )) غير منقوطة ، وهي خطأ ، وصواب قراءتها ما أثبت ، كما وردت على الصواب في حلية الأولياء لأبي نعيم 2 : 153 .
و (( الجفان )) جمع (( جفنة )) ، وهي قصعة الطعام العظيمة . ونص أبي نعيم : (( أما والله ما كان يغدي عليه بالجفان ولا يراح )) ، وهو أجود .
(4) في المطبوعة : (( ويردف عبده )) ، غير ما في المخطوطة ، وفي أبي نعيم : (( ويردف خلفه )) ، وهو بمعنى ما رواه الطبري . أي : يردف خلفه على الدابة رديفًا .
(5) في المطبوعة والمخطوطة : (( ثم علوجًا )) بإسقاط (( إن )) ، والصواب من حلية الأولياء . و (( الغلول )) : هو الخيانة في المغنم ، والسرقة من الغنيمة .
(6) يعني قد جعل الآية بما تأولها به ، لعبًا يلعب بتأويله ، ليفتح الباب لكل شهوة من شهوات بطنه وفرجه .
(7) الأثر : 14537 - الذي لم يحفظه سفيان ، حفظه غيره ، رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 2 : 153 ، 154 من طريق محمد بن محمد ، عن الحسن بن أحمد بن محمد ، عن أبي زرعة ، عن مالك بن إسماعيل ، عن مسلمة بن جعفر ، عن الحسن ، بنحو هذا اللفظ ، وهي صفة تحفظ ، وموعظة تهدى إلى طغاتنا في زماننا ، من الناطقين بغير معرفة ولا علم في فتوى الناس بالباطل الذي زخرفته لهم شياطينهم

(12/397)


* ذكر من قال ذلك :
14538 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (قل من حرم زينة الله التي أكل لعباده والطيبات من الرزق) ، وهو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم : البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام.
14539 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، قال : إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياءَ أحلها الله من الثياب وغيرها ، وهو قول الله : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا ) ، [سورة يونس : 59] ، وهو هذا ، فأنزل الله : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
قال أبو جعفر : يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم : (من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ، إذ عَيُّوا بالجواب ، (1) فلم يدروا ما يجيبونك : زينة الله التي أخرج لعباده ، وطيبات رزقه ، للذين صدّقوا الله ورسوله ، واتبعوا ما أنزل إليك من ربك ، في الدنيا ، وقد شركهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله وخالف
__________
(1) (( عي بالجواب )) : إذا عجز عنه ، وأشكل عليه ، ولم يهتد إلى صوابه .

(12/398)


أمر ربه ، وهي للذين آمنوا بالله ورسوله خالصة يوم القيامة ، لا يشركهم في ذلك يومئذ أحدٌ كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14540 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، يقول : شارك المسلمون الكفار في الطيبات ، فأكلوا من طيبات طعامها ، ولبسوا من خِيار ثيابها ، ونكحوا من صالح نسائها ، وخلصوا بها يوم القيامة.
14541 - وحدثني به المثنى مرة أخرى بهذا الإسناد بعينه ، عن ابن عباس فقال : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) ، يعني : يشارك المسلمون المشركين في الطيبات في الحياة الدنيا ، ثم يُخْلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا ، وليس للمشركين فيها شيء.
14542 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، يقول : قل هي في الآخرة خالصة لمن آمن بي في الدنيا ، لا يشركهم فيها أحدٌ في الآخرة. (2) وذلك أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم ، فجعلها الله خالصة لأوليائه في الآخرة.
14543 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط ، عن
__________
(1) انظر تفسير (( خالصة )) فيما سلف 2 : 365 /12 : 148 ، 149 .
(2) أسقطت المطبوعة : (( في الآخرة )) من آخر هذه الجملة .

(12/399)


الضحاك : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، قال : اليهود والنصارى يشركونكم فيها في الدنيا ، وهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة.
14544 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، خالصةً للمؤمنين في الآخرة ، لا يشاركهم فيها الكفار. فأما في الدنيا فقد شاركوهم.
14545 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، مَنْ عمل بالإيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة ، ومَنْ ترك الإيمان في الدنيا قَدِم على ربّه لا عذرَ له.
14546 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السديّ : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) ، يشترك فيها معهم المشركون (خالصة يوم القيامة) ، للذين آمنوا.
14547 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، يقول : المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب ، ويوم القيامة يَخْلُص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين ، وليس للمشركين في شيء من ذلك نصيبٌ.
14548 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : الدنيا يصيب منها المؤمن والكافر ، ويخلص خيرُ الآخرة للمؤمنين ، وليس للكافر فيها نصيب.
14549 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، قال : هذه يوم

(12/400)


القيامة للذين آمنوا ، لا يشركهم فيها أهل الكفر ، ويشركونهم فيها في الدنيا. وإذا كان يوم القيامة ، فليس لهم فيها قليل ولا كثير.
* * *
وقال سعيد بن جبير في ذلك بما : -
14550 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا إسماعيل بن أبان ، وحبويه الرازي أبو يزيد ، عن يعقوب القمي ، عن سعيد بن جبير : (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ، قال : ينتفعون بها في الدنيا ، ولا يتبعهم إثمها. (1)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : " خالصة " .
فقرأ ذلك بعض قرأة المدينة : " خَالِصَةٌ " ، برفعها ، بمعنى : قل هي خالصة للذين آمنوا.
* * *
وقرأه سائر قرأة الأمصار : (خَالِصَةً) ، بنصبها على الحال من " لهم " ، وقد ترك ذكرها من الكلام اكتفاءً منها بدلالة الظاهر عليها ، على ما قد وصفت في تأويل الكلام أن معنى الكلام : قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة ، وهي لهم في الآخرة خالصة. ومن قال ذلك بالنصب ، جعل خبر " هي " في قوله : (للذين آمنوا) (2)
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين عندي بالصحة ، قراءة من قرأ نصبًا ، لإيثار العرب النصبَ في الفعل إذا تأخر بعد الاسم والصفة ، (3) وإن كان الرفع جائزًا ، غير أن ذلك أكثر في كلامهم.
* * *
__________
(1) الأثر : 14550 - (( إسماعيل بن أبان الوراق الأزدي ، أبو إسحاق )) ، شيعي ، ثقة صدوق في الرواية . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /1 / 347 ، وابن أبي حاتم 1 /1 / 160 .
و (( حبويه الرازي )) ، أبو يزيد ، مضت ترجمته برقم : 14365 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 376 ، 377 .
(3) (( الفعل )) ، يعني المصدر . و (( الاسم )) ، هو المشتق . و (( الصفة )) ، حرف الجر والظرف . انظر فهارس المصطلحات . وقد أسلف أبو جعفر في 2 : 365 أن (( خالصة )) مصدر مثل (( العافية ))

(12/401)


القول في تأويل قوله : { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كما بينت لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة ، والحلال من المطاعم والمشارب والحرام منها ، وميزت بين ذلك لكم ، أيها الناس ، كذلك أبيِّن جميع أدلتي وحججي ، وأعلامَ حلالي وحرامي وأحكامي ، (1) لقوم يعلمون ما يُبَيَّن لهم ، ويفقهون ما يُمَيَّز لهم.
* * *
القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين الذين يتجرّدون من ثيابهم للطواف بالبيت ، ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه : أيها القوم ، إن الله لم يحرم ما تحرمونه ، بل أحل ذلك لعباده المؤمنين وطيَّبه لهم ، وإنما حرم ربِّي القبائح من الأشياء وهي " الفواحش " (2) " ما ظهر منها " ، فكان علانية " وما بطن " ، منها فكان سرًّا في خفاء. (3)
* * *
وقد روي عن مجاهد في ذلك ما : -
14551 - حدثني الحارث قال ، حدثني عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد
__________
(1) انظر تفسير (( التفصيل )) فيما سلف ص : 237 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وتفسير (( آية )) فيما سلف من فهرس اللغة ( أيي ) .
(2) انظر تفسير (( الفاحشة )) فيما سلف ص : 377 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( ظهر )) و (( يظن )) فيما سلف ص : 218 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/402)


قال ، سمعت مجاهدًا يقول في قوله : (ما ظهر منها وما بطن) ، قال : " ما ظهر منها " ، طوافُ أهل الجاهلية عراة " وما بطن " ، الزنى.
* * *
وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك بالروايات فيما مضى ، فكرهت إعادته. (1)
* * *
وأما " الإثم " ، فإنه المعصية " والبغي " ، الاستطالة على الناس. (2)
* * *
يقول تعالى ذكره : إنما حرم ربي الفواحش مع الإثم والبغي على الناس.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14552 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (والإثم والبغي) ، أما " الإثم " فالمعصية و " البغي " ، أن يبغي على الناس بغير الحق.
14553 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد قال ، سمعت مجاهدًا في قوله : (ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي) ، قال : نهى عن " الإثم " ، وهي المعاصي كلها وأخبر أن الباغيَ بَغْيُه كائنٌ على نفسه. (3)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف ص 218 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الإثم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أثم ) .
وتفسير (( البغي )) فيما سلف 2 : 342 /3 : 322 / 4 : 281 / 6 : 276 .
(3) في المخطوطة : (( أن اكتفى بغيه على نفسه )) ، وهو شيء لا يقرأ ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب .

(12/403)


قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)

القول في تأويل قوله : { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : إنما حرم ربي الفواحش والشرك به ، أن تعبدوا مع الله إلهًا غيره (ما لم ينزل به سلطانًا) ، يقول : حرم ربكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شِرْكًا لشيء لم يجعل لكم في إشراككم إياه في عبادته حجة ولا برهانًا ، وهو " السلطان " (1) (وأن تقولوا على الله ما لا تعملون) ، يقول : وأن تقولوا إن الله أمركم بالتعرِّي والتجرُّد للطواف بالبيت ، وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيَّبتموها وجعلتموها وصائل وحوامي ، وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرّمه ، أو أمر به ، أو أباحه ، فتضيفوا إلى الله تحريمه وحَظْره والأمر به ، فإن ذلك هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه ، أو تقولون إن الله أمركم به ، جهلا منكم بحقيقة ما تقولون وتضيفونه إلى الله.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره تهدُّدًا للمشركين الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشة قالوا : " وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها " (2) ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه ، وعلى إصرارهم على الشرك به والمقام على كفرهم ومذكرًا لهم ما أحلّ بأمثالهم من الأمم الذين كانوا قبلهم : (ولكل أمة أجل) ،
__________
(1) انظر تفسير (( السلطان )) فيما سلف 11 : 490 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) في المطبوعة : (( مهددًا للمشركين )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو ألصق بالسياق .

(12/404)


يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)

يقول : ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رُسل الله ، (1) وردِّ نصائحهم ، والشرك بالله ، مع متابعة ربهم حججه عليهم " أجل " ، يعني : وقت لحلول العقوبات بساحتهم ، ونزول المثُلات بهم على شركهم (2) (فإذا جاء أجلهم) ، يقول : فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم ، وحلول العقاب بهم (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) ، يقول : لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا ، ولا يُمَتَّعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم ، (3) ساعة من ساعات الزمان (ولا يستقدمون) ، يقول : ولا يتقدّمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك.
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره معرِّفًا خلقه ما أعدَّ لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسوله ، وما أعدّ لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله : (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم) ، يقول : إن يجئكم رسلي الذين أرسلهم إليكم بدعائكم إلى طاعتي ، والانتهاء إلى أمري ونهيي " منكم " ، يعني : من أنفسكم ، ومن عشائركم وقبائلكم (يقصون عليكم آياتي) ، يقول : يتلون عليكم آيات كتابي ، ويعرّفونكم أدلتي وأعلامي على صدق ما جاؤوكم به من عندي ، وحقيقة
__________
(1) انظر تفسير (( الأمة )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الأجل )) فيما سلف ص : 117 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .
(3) في المطبوعة : (( يتمتعون )) ، والصواب من المخطوطة .

(12/405)


ما دعوكم إليه من توحيدي (1) (فمن اتقى وأصلح) ، يقول : فمن آمن منكم بما أتاه به رُسلي مما قص عليه من آياتي وصدَّق ، واتقى الله فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه على لسان رسوله (وأصلح) ، يقول : وأصلح أعماله التي كان لها مفسدًا قبل ذلك من معاصي الله بالتحوُّب منها (2) (فلا خوف عليهم) ، يقول : فلا خوف عليهم يوم القيامة من عقاب الله إذا وردوا عليه (ولا هم يحزنون) ، على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها ، وشهواتهم التي تجنَّبوها ، اتباعًا منهم لنهي الله عنها ، إذا عاينوا من كرامة الله ما عاينوا هنالك. (3)
14554 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا هشام أبو عبد الله قال ، حدثنا هياج قال ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي سيّار السُّلَمي قال ، إن الله جعل آدم وذريته في كفّه فقال : (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليهم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، ثم نظر إلى الرسل فقال : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) ، [سورة المؤمنون : 51 - 52] ، ثم بَثَّهم. (4)
* * *
فإن قال قائل : ما جواب قوله : (إما يأتينكم رسل منكم) ؟
__________
(1) انظر تفسير (( قص )) فيما سلف ص : 120 ، 307
وتفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
(2) (( تحوب من إثمه )) ، أي : تأثيم منه ، أي : ترك الإثم وتوقاه .
وانظر تفسير (( أصلح )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .
(3) انظر تفسير (( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) في نظائرها فيما سلف ( خوف ) ( حزن ) من فهارس اللغة .
(4) الأثر : 14554 - هذا إسناد مبهم لم أستطع تفسيره .
(( أبو سيار السلمي )) لم أعرف من يكون ، فمن أجل ذلك لم أستطع أن أميز من يكون : (( عبد الرحمن بن زياد )) ، ولا (( هياج )) .
والأثر ، ذكره السيوطي في الدر المنثور 3 : 82 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير .

(12/406)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)

قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعضهم في ذلك : الجوابُ مضمرٌ ، يدل عليه ما ظهر من الكلام ، وذلك قوله : (فمن اتقى وأصلح). وذلك لأنه حين قال : (فمن اتقى وأصلح) ، كأنه قال : فأطيعوهم.
* * *
وقال آخرون منهم : الجواب : " فمن اتقى " ، لأن معناه : فمن اتقى منكم وأصلح. قال : ويدل على أنّ ذلك كذلك ، تبعيضه الكلام ، فكان في التبعيض اكتفاء من ذكر " منكم " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وأما من كذّب بإيتاء رسلي التي أرسلتها إليه ، وجحد توحيدي ، وكفر بما جاء به رسلي ، واستكبر عن تصديق حُجَجي وأدلّتي (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ، يقول : هم في نار جهنم ماكثون ، لا يخرجون منها أبدًا. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

(12/407)


فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)

القول في تأويل قوله : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فمن أخطأ فعلا وأجهلُ قولا وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب (1) (ممن افترى على الله كذبًا) ، يقول : ممن اختلق على الله زُورًا من القول ، فقال إذا فعل فاحشة : إن الله أمرنا بها (2) (أو كذب بآياته) ، يقول : أو كذب بأدلته وأعلامه الدّالة على وحدانيته ونبوّة أنبيائه ، فجحد حقيقتها ودافع صحتها (أولئك) يقول : مَنْ فعل ذلك ، فافترى على الله الكذب وكذب بآياته (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، يقول : يصل إليهم حظهم مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ. (3)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة ذلك " النصيب " ، الذي لهم في " الكتاب " ، وما هو ؟
فقال بعضهم : هو عذاب الله الذي أعدَّه لأهل الكفر به.
* ذكر من قال ذلك.
14555 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا مروان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، أي من العذاب.
14556 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح ، مثله.
__________
(1) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة .
(2) انظر تفسير (( افترى )) فيما سلف ص : 189 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( نال )) فيما سلف 3 : 20 /6 : 587 .
وتفسير (( نصيب )) فيما سلف ص : 131 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/408)


14557 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، يقول : ما كتب لهم من العذاب.
14558 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن في قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : من العذاب.
14559 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن أبي سهل ، عن الحسن ، قال : من العذاب.
14560 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : من العذاب.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أولئك ينالهم نصيبهم مما سبق لهم من الشقاء والسعادة.
* ذكر من قال ذلك :
14561 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سعيد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : من الشِّقوة والسعادة.
14562 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، كشقي وسعيد. (1)
14563 - حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن الحسن ابن عمرو الفقيمي ، عن الحكم قال : سمعت مجاهدًا يقول : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : هو ما سبق.
14564 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
__________
(1) يعني كقوله في [ سورة هود : 105 ] : " فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ " .

(12/409)


ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة.
14565 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، ما كتب عليهم من الشقاوة والسعادة ، كشقي وسعيد.
14566 - . . . . قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن شريك ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، من الشقاوة والسعادة.
14567 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير وابن إدريس ، عن الحسن بن عمرو ، عن الحكم ، عن مجاهد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما قد سبق من الكتاب.
14568 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما سبق لهم في الكتاب.
14569 - . . . . قال ، حدثنا سويد بن عمرو ويحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد : (أولئك ينالهم نصيبهم) ، قال : من الشقاوة والسعادة.
14570 - . . . . قال : حدثنا أبو معاوية ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : ما قُضي أو قُدِّر عليهم.
14571 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : (ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال.
14572 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن إسماعيل بن سميع ، عن بكر الطويل ، عن مجاهد في قول الله : (أولئك

(12/410)


ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : قوم يعملون أعمالا لا بُدَّ لهم من أن يعملوها. (1)
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك ، أولئك ينالهم نصيبهم من كتابهم الذي كتب لهم أو عليهم ، بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر.
* ذكر من قال ذلك :
14573 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، يقول : نصيبهم من الأعمال ، من عمل خيرًا جُزي به ، ومن عمل شرًّا جزي به.
14574 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) قال : من أحكام الكتاب ، على قدر أعمالهم.
14575 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسْلَفوا.
14576 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، أي : أعمالهم ، أعمال السوء التي عملوها وأسلفوها.
14577 - حدثني أحمد بن المقدام قال ، حدثنا المعتمر قال ، قال أبي : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، زعم قتادة : من أعمالهم التي عملوا.
14578 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ،
__________
(1) الأثر : 14572 - (( إسماعيل بن سميع الحنفي )) ، مضى برقم : 4791 ، 4793 .
و (( بكر الطويل )) كأنه هو (( بكر بن يزيد الطويل الحمصي )) ، روى عن أبي هريرة الحمصي ، روى عنه أبو سعيد الشج ، مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 1 / 394 .

(12/411)


يقول : ينالهم نصيبهم من العمل. يقول : إن عمل من ذلك نصيبَ خير جُزِي خيرًا ، وإن عمل شرًّا جُزِي مثله.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : ينالهم نصيبهم مما وُعِدوا في الكتاب من خير أو شر.
* ذكر من قال ذلك :
14579 - حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في هذه الآية : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : من الخير والشر.
14580 - . . . قال حدثنا زيد ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد قال : ما وُعدوا.
14581 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما وعدوا.
14582 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما وعدوا فيه من خير أو شر.
14583 - . . . . قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ليث ، عن ابن عباس : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما وُعِدوا مثله.
14584 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.
14585 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم ، قال ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما وُعِدوا فيه.

(12/412)


14586 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ما وعدوا من خير أو شر.
14587 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن الحسن بن عمرو ، عن الحكم ، عن مجاهد في قول الله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : ينالهم ما سبق لهم من الكتاب.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب الذي كتبه الله على من افترى عليه.
* ذكر من قال ذلك :
14588 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، يقول : ينالهم ما كتب عليهم. يقول : قد كتب لمن يفتري على الله أنّ وجهه مسوَدٌّ.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : أولئك ينالهم نصيبهم مما كتب لهم من الرزق والعمر والعمل.
* ذكر من قال ذلك :
14589 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، مما كتب لهم من الرزق.
14590 - . . . . قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا محمد بن حرب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي صخر ، عن القرظي : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : عمله ورزقه وعمره.

(12/413)


14591 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال : من الأعمال والأرزاق والأعمار ، فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ، وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها.
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قولُ من قال : معنى ذلك : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ، مما كتب لهم من خير وشر في الدنيا ، ورزق وعمل وأجل. وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله : (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) ، فأبان بإتباعه ذلك قولَه : (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، أن الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم ، لأنه قد أخبر أن ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسلَه لتقبض أرواحهم. ولو كان ذلك نصيبهم من الكتاب ، أو مما قد أعدّ لهم في الآخرة ، لم يكن محدودًا بأنه ينالهم إلى مجيء رسل الله لوفاتهم ، لأن رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة ، وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء ، فإن الله قد قضى عليهم بالخلود فيه. فبيِّنٌ بذلك أن معناه ما اخترنا من القول فيه.
* * *
القول في تأويل قوله : { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (حتى إذا جاءتهم رسلنا) ، إلى أن جاءتهم رسلنا. يقول جل ثناؤه : وهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب ، أو كذبوا بآيات ربهم ، ينالهم حظوظهم التي كتب الله لهم ، وسبق في علمه لهم

(12/414)


من رزق وعمل وأجل وخير وشر في الدنيا ، إلى أن تأتيهم رسلنا لقبض أرواحهم. فإذا جاءتهم رسلنا ، يعني ملك الموت وجنده (يتوفونهم) ، يقول : يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة (1) (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) ، يقول : قالت الرسل : أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم ، لا يدفعون عنكم ما قد جاءكم من أمر الله الذي هو خالقكم وخالقهم ، وما قد نزل بساحتكم من عظيم البلاء ؟ وهلا يُغيثونكم من كرب ما أنتم فيه فينقذونكم منه ؟ فأجابهم الأشقياء فقالوا : ضَلَّ عنا أولياؤنا الذين كنا ندعو من دون الله. يعني بقوله : (ضلوا) ، جاروا وأخذوا غير طريقنا ، وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا. (2) يقول الله جل ثناؤه : وشهد القوم حينئذ على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بالله ، جاحدين وحدانيته.
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( التوفي )) فيما سلف : 11 : 409 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( الضلال )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ضلل ) .

(12/415)


قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)

القول في تأويل قوله : { قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قيله لهؤلاء المفترين عليه ، المكذبين آياته يوم القيامة. يقول تعالى ذكره : قال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة ، ادخلوا ، أيها المفترون على ربكم ، المكذبون رسله ، في جماعات من ضُرَبائكم (1) (قد خلت من قبلكم) ، يقول : قد سلفت من قبلكم (2) " من الجن والإنس في النار " ، ومعنى ذلك : ادخلوا في أمم هي في النار ، قد خلت
__________
(1) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص : 405 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( خلا )) فيما سلف 3 : 100 ، 128 / 4 : 289 / 7 : 228 .

(12/415)


من قبلكم من الجن والإنس وإنما يعني بـ " الأمم " ، الأحزابَ وأهلَ الملل الكافرة (كلما دخلت أمة لعنت أختها) ، يقول جل ثناؤه : كلما دخلت النارَ جماعةٌ من أهل ملة لعنت أختها ، يقول : شتمت الجماعة الأخرى من أهل ملتها ، تبرِّيًا منها. (1)
وإنما عنى بـ " الأخت " ، الأخوة في الدين والملة ، وقيل : " أختها " ، ولم يقل : " أخاها " ، لأنه عنى بها " أمة " وجماعة أخرى ، كأنه قيل : كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها. (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14592 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (كلما دخلت أمة لعنت أختها) ، يقول : كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين ، (3) يلعن المشركون المشركين ، واليهودُ اليهودَ ، والنصارى النصارى ، والصابئون الصابئين ، والمجوسُ المجوسَ ، تلعن الآخرةُ الأولى.
* * *
القول في تأويل قوله : { حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : حتى إذا تداركت الأمم في النار جميعًا ، يعني اجتمعت فيها.
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( اللعن )) فيما سلف 10 : 489 ، تعليق : 1 .
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 378 .
(3) في المطبوعة والمخطوطة : (( كلما دخلت أهل ملة )) ، والصواب ما أثبت .

(12/416)


يقال : " قد ادَّاركوا " ، و " تداركوا " ، إذا اجتمعوا. (1)
* * *
يقول : اجتمع فيها الأوَّلون من أهل الملل الكافرة والآخِرون منهم.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن محاورة الأحزاب من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة. يقول الله تعالى ذكره : فإذا اجتمع أهل الملل الكافرة في النار فادّاركوا ، قالت أخرى أهل كل ملة دخلت النار الذين كانوا في الدنيا بعد أولى منهم تَقَدَّمتها وكانت لها سلفًا وإمامًا في الضلالة والكفر لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا : ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك ، ودعونا إلى عبادة غيرك ، وزيَّنوا لنا طاعة الشيطان ، فآتهم اليوم من عذابك الضعفَ على عذابنا ، كما : -
14593 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " قالت أخراهم " ، الذين كانوا في آخر الزمان " لأولاهم " ، الذين شرعوا لهم ذلك الدين (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار)
* * *
وأما قوله : (قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون) ، فإنه خبر من الله عن جوابه لهم ، يقول : قال الله للذين
__________
(1) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 214 ، وفي نصه زيادة حسنة : (( ويقال : تدارك لي عليه شيء ، أي اجتمع لي عنده شيء . وهو مدغم التاء في الدال ، فثقلت الدال )) .

(12/417)


يدعونه فيقولون : " ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار " : لكلكم ، أوَّلكم وآخركم ، وتابعوكم ومُتَّبَعوكم " ضعف " ، يقول : مكرر عليه العذاب.
* * *
و " ضعف الشيء " ، مثله مرة.
* * *
وكان مجاهد يقول في ذلك ما : -
14594 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : (عذابًا ضعفًا من النار قال لكل ضعف) ، مضعّف.
14595 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14596 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال الله : (لكل ضعف) ، للأولى ، وللآخرة ضعف.
14597 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان قال ، حدثني غير واحد ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله : (ضعفًا من النار) ، قال : أفاعي.
14598 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله : (فآتهم عذابًا ضعفًا من النار) ، قال : حيّات وأفاعي.
* * *

(12/418)


وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)

وقيل : إن " المضَعَّف " ، في كلام العرب ، ما كان ضعفين ، (1) و " المضاعف " ، ما كان أكثر من ذلك.
* * *
وقوله : (ولكن لا تعلمون) ، يقول : ولكنكم ، يا معشر أهل النار ، لا تعلمون ما قدْرُ ما أعدّ الله لكم من العذاب ، فلذلك تسأل الضعفَ منه الأمةُ الكافرةُ الأخرى لأختها الأولى.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وقالت أولى كل أمة وملة سبقت في الدنيا ، لأخراها الذين جاؤوا من بعدهم ، وحَدَثوا بعد زمانهم فيها ، فسلكوا سبيلهم واستنوا سنتهم : (فما كان لكم علينا من فضل) ، و قد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله جل ثناؤه بمعصيتنا إياه وكفرنا بآياته ، بعدما جاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل والنذر ، (2) فهل أنَبْتم إلى طاعة الله ، (3) وارتدعتم عن غوايتكم وضلالتكم ؟ فانقضت حجة القوم وخُصِموا ولم يطيقوا جوابًا بأن يقولوا : " فضِّلنا عليكم إذ اعتبرنا بكم فآمنا بالله وصدقنا رسله " ، (4) قال الله لجميعهم : فذوقوا جميعكم ، أيها الكفرة ، عذابَ جهنم ، (5) بما كنتم في
__________
(1) في المطبوعة : (( الضعف ، في كلام العرب )) ، والصواب من المخطوطة .
(2) في المطبوعة : (( وكفرنا به وجاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل )) ، وفي المخطوطة : (( وكفرنا به ما جاءتنا وجاءتكم )) ، وهو غير مستقيم ، صوابه إن شاء الله ما أثبت . وهو سياق الآيات قبلها. هكذا استظهرته من تفسير الآيات السالفة.
(3) في المطبوعة : (( هل انتهيتم )) ، وفي المخطوطة : (( هل أسم )) ، وهذا صواب قراءتها ، وزدت الفاء في أول (( هل )) ، لاقتضاء سياق الكلام إثباتها .
(4) في المطبوعة : (( إنا اعتبرنا بكم )) وفي المخطوطة : (( إذا اعتبرنا بكم )) ، والصواب ما أثبت .
(5) انظر تفسير : (( ذوقوا العذاب )) فيما سلف 11 : 420 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/419)


الدنيا تكسبون من الآثام والمعاصي ، وتجترحون من الذنوب والإجرام. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14599 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر قال ، سمعت عمران ، عن أبي مجلز : (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) ، قال : يقول : فما فَضْلكم علينا ، وقد بُيِّن لكم ما صنع بنا ، وحُذِّرتم ؟
14600 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل ، قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل) ، فقد ضللتم كما ضللنا.
* * *
وكان مجاهد يقول في هذا بما : -
14601 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد : (فما كان لكم علينا من فضل) ، قال : من التخفيف من العذاب.
14602 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (فما كان لكم علينا من فضل) ، قال : من تخفيف.
* * *
وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد ، قولٌ لا معنى له لأن قول القائلين :
__________
(1) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف ص : 286 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(12/420)


إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)

" فما كان لكم علينا من فضل " لمن قالوا ذلك ، إنما هو توبيخ منهم على ما سلف منهم قبل تلك الحال ، يدل على ذلك دخول " كان " في الكلام. ولو كان ذلك منهم توبيخًا لهم على قيلهم الذي قالوا لربهم : " آتهم عذابًا ضعفًا من النار " ، لكان التوبيخ أن يقال : " فما لكم علينا من فضل ، في تخفيف العذاب عنكم ، وقد نالكم من العذاب ما قد نالنا " ، ولم يقل : " فما كان لكم علينا من فضل " .
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها ، ولم يتبعوا رسلنا (1) (واستكبروا عنها) ، يقول : وتكبروا عن التصديق بها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبرًا (2) " لا تفتح لهم " ، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم " أبواب السماء " ، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل ، لأن أعمالهم خبيثة ، وإنما يُرْفع الكلم الطيبُ والعملُ الصالح ، كما قال جل ثناؤه : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) [سورة فاطر : 10].
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : (لا تفتح لهم أبواب السماء).
فقال بعضهم : معناه : لا تفتح لأرواح هؤلاء الكفار أبواب السماء.
* ذكر من قال ذلك :
13603 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يعلى ، عن أبي سنان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : عنى بها الكفار ،
__________
(1) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .
(2) انظر تفسير (( الاستكبار )) فيما سلف 11 : 540 .

(12/421)


أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم ، وتفتح لأرواح المؤمنين.
14604 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو معاوية ، عن أبي سنان ، عن الضحاك قال ، قال ابن عباس : تُفتح السماء لروح المؤمن ، ولا تفتح لروح الكافر.
14605 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : إن الكافر إذا أُخِذ روحُه ، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء ، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط ، فضربته ملائكة الأرض فارتفع ، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء الدنيا فهبط إلى أسفل الأرضين. وإذا كان مؤمنًا نفخ روحه ، (1) وفتحت له أبواب السماء ، فلا يمرّ بملك إلا حيَّاه وسلم عليه ، حتى ينتهي إلى الله ، فيعطيه حاجته ، ثم يقول الله : ردّوا روحَ عبدي فيه إلى الأرض ، فإني قضيتُ من التراب خلقه ، وإلى التراب يعود ، ومنه يخرج.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك أنه لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاءٌ إلى الله.
* ذكر من قال ذلك :
14606 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله ، عن سفيان ، عن ليث ، عن عطاء ، عن ابن عباس : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، لا يصعد لهم قولٌ ولا عمل.
14607 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) ، يعني : لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.
14608 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، يقول : لا تفتح لخير يعملون.
__________
(1) في المطبوعة : (( وإذا كان مؤمنًا أخذ روحه )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(12/422)


14609 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : لا يصعد لهم كلامٌ ولا عمل.
14610 - حدثنا مطر بن محمد الضبي قال ، حدثنا عبد الله بن داود قال ، حدثنا شريك ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في قوله : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء. (1)
14611 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.
14612 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن سعيد : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : لا يرفع لهم عملٌ صالح ولا دعاء.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم ولا لأعمالهم.
* ذكر من قال ذلك :
14613 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : (لا تفتح لهم أبواب السماء) ، قال : لأرواحهم ولا لأعمالهم.
* * *
قال أبو جعفر : وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول ، لعموم خبر الله جل ثناؤه أن أبواب السماء لا تفتح لهم. ولم يخصص الخبر بأنه يفتح لهم في شيء ، فذلك على ما عمّه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء ، مع تأييد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلنا في ذلك ، وذلك ما : -
__________
(1) الأثر : 14610 - (( مطر بن محمد الضبي )) ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ، ومضى أيضا برقم : 12198 .

(12/423)


14614 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبضَ روح الفاجر ، وأنه يصعد بها إلى السماء ، قال : فيصعدون بها ، فلا يمرّون على ملإ من الملائكة إلا قالوا : " ما هذا الروح الخبيث " ؟ فيقولون : " فلان " ، بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء ، فيستفتحون له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله : (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (1)
14615 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الميت تحضره الملائكة ، فإذا
__________
(1) الأثر : 14614 - (( المنهال )) هو (( المنهال بن عمرو الأسدي )) ، ثقة ، رجح أخي توثيقه في المسند رقم : 714 ، وفيما يلي رقم : 337 ، 799 .
و (( زاذان )) هو (( أبو عبد الله )) ، ويقال (( أبو عمر )) الكوفي الضرير . تابعي ثقة ، مضى أيضًا برقم : 9508 ، 13017 ، 13018 .
وهذا الخبر مختصرًا رواه أحمد مطولا ومختصرًا في مسنده 4 : 287 ، 288 ، من طريقتين ، و 297 ، كلها من طريق العمش ، عن المنهال . ورواه أيضًا 4 : 295 ، 296 ، من طريقين . أحدهما من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يونس بن خباب ، عن المنهال ، والآخر من طريق أبي الربيع ، عن حماد بن زيد ، عن يونس بن خباب .
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص : 102 ، مطولا من طريق أبي عوانة ، عن الأعمش . ورواه أبو داود في سننه 3 : 289 ، رقم : 3212 مختصرًا ، ورواه مطولا 4 : 330 رقم : 4753 .
ورواه الحاكم في المستدرك 1 : 37 - 40 ، من طرق ، وقال : (( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، فقد احتجا بالمنهال بن عمرو ، وزاذان بن عمرو ، وزاذان أبي عمر الكندي . وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة ، وقمع للمبتدعة ، ولم يخرجاه بطوله )) .
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 473 ، 474 ، وقال : (( رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من طرق عن المنهال بن عمرو به )) ثم ساق حديث أحمد في المسند .
وخره السيوطي في الدر المنثور 1 : 83 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وهناد بن السري ، وعبد بن حميد ، وابن مردويه ، والبيهقي في كتاب عذاب القبر .

(12/424)


كان الرجلَ الصالحَ قالوا : " اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة ، وأبشري برَوْح وريحان ، وربّ غير غضبان " ، قال : فيقولون ذلك حتى يُعرج بها إلى السماء ، فيستفتح لها ، فيقال : " من هذا " ؟ فيقولون : " فلان " . فيقال : مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، (1) ادخلي حميدة ، وأبشري بروح وريحان ، ورب غير غضبان " ، فيقال لها حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله. وإذا كان الرجلَ السَّوْءَ قال : " اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة ، وأبشري بحميم وغسَّاق ، وآخر من شكله أزواج " ، فيقولون ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال : " من هذا " ؟ فيقولون : " فلان " . فيقولون : " لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لم تفتح لك أبواب السماء " ، (2) فترسل بين السماء والأرض ، فتصير إلى القبر. (3)
14616 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا ابن أبي فديك قال ، حدثني ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه.
* * *
__________
(1) في المخطوطة والمطبوعة : (( بالنفس الطيبة التي كانت ... )) ، والظاهر أنها زيادة من الناسخ ، فإن روايتهم جميعًا اتفقت على ما أثبت .
(2) في المطبوعة : (( لا تفتح لك أبواب السماء )) ، وفي المخطوطة : (( لم تفتح )) بغير (( لك )) ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير . وفي ابن ماجه : (( لا تفتح لك )) .
(3) الأثر : 14615 ، 14616 - (( عبد الرحمن بن عثمان بن أمية الثقفي )) (( أبو بحر البكراوي )) ، ضعيف متكلم فيه ، قال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 264 .
و (( ابن أبي ذئب )) هو (( محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب )) ، ثقة حافظ ، مضى برقم : 2995 .
و (( محمد بن عمرو بن عطاء القرشي العامري )) ، ثقة روى له الجماعة .
و (( سعيد بن يسار )) أبو الحباب المدني ، تابعي ثقة لا يختلفون في توثيقه . روى له الجماعة .
وهذا خبر صحيح ، رواه عن ابن أبي ذئب غير (( عبد الرحمن بن عثمان )) . وسيأتي بإسناد ليس فيه ضعف ، في الأثر التالي .
وهذا الخبر رواه ابن ماجه ص : 1423 رقم : 4262 .
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 475 ، ونسبة إلى أحمد ، والنسائي وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 83 ، وزاد إلى حبان ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في البعث .
والأثر رقم : 14616 . هو إسناد صحيح للخبر السالف .
(( ابن أبي فديك )) ، هو (( محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك )) ، ثقة ، روى له الجماعة . مضى برقم : 4319 ، 9482 ، 9876 .

(12/425)


واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الكوفة : " لا يُفَتَحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّمَاء " ، بالياء من " يفتح " ، وتخفيف " التاء " منها ، بمعنى : لا يفتح لهم جميعها بمرة واحدةٍ وفتحةٍ واحدة.
* * *
وقرأ ذلك بعض المدنيين وبعض الكوفيين : (لا تُفَتَّحُ) ، بالتاء وتشديد التاء الثانية ، بمعنى : لا يفتح لهم باب بعد باب ، وشيء بعد شيء.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب في ذلك عندي من القول أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى. وذلك أن أرواح الكفار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبوابُ السماء بمرة واحدة ، ولا مرة بعد مرة ، وباب بعد باب. فكلا المعنيين في ذلك صحيح.
وكذلك " الياء " ، و " التاء " في " يفتح " ، و " تفتح " ، لأن " الياء " بناء على فعل الواحد للتوحيد ، و " التاء " لأن " الأبواب " جماعة ، فيخبر عنها خبر الجماعة. (1)
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 378 ، 379 .

(12/426)


القول في تأويل قوله : { وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ، الجنة التي أعدّها الله لأوليائه المؤمنين أبدًا ، كما لا يلج الجمل في سمِّ الخياط أبدًا ، وذلك ثقب الإبرة.
* * *
وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك ، فإن العرب تسميه " سَمًّا " وتجمعه " سمومًا " ، و " السِّمام " ، في جمع " السَّم " القاتل ، أشهر وأفصح من " السموم " . وهو في جمع " السَّم " الذي هو بمعنى الثقب أفصح. وكلاهما في العرب مستفيض. وقد يقال لواحد " السموم " التي هي الثقوب " سَمٌّ " و " سُمٌّ " بفتح السين وضمها ، ومن " السَّم " الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق :
فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتَّى تَنَفَّسَا... وَقُلْتُ لَهُ : لا تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا (1)
يعني بسمِّيه ، ثقبي أنفه.
* * *
__________
(1) ديوانه : 895 ، النقائض : 169 ، واللسان ( سمم ) ، من أول قصيدة هاجى بها جريرًا ، ونصر البعيث وهجاه معًا . وكان الذي هاج الهجاء بين جرير والفرزدق ، أن البعيث المجاشعي ، سرقت إبله ، سرقها ناس من بني يربوع ، من رهط جرير ، فطلبها البعيث حتى وجدها في أيديهم ، فأرسل لسانه في بني يربوع ، فاعترضه جرير ، فهجاه ، فانبعث الشر بالبعيث ، فانطلق الفرزدق بعد قليل ينصره ، فقال هذه القصيدة يهجو جريرًا ، وينصر البعيث ويهجوه ، فيقول للبعيث : دَعَانِي ابْنُ حَمْرَاءِ العِجَانِ وَلَم يَجِدْ ... لَهُ إذْ دَعَا ، مُسْتأْخِرًا عَنْ دُعَائيا
فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ............... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(( نفس عنه )) ، فرج عنه كربته إذ أطبق عليه جرير ، فاستنقذه من تحت وطأته . فاستطاع أن يتنفس . وقوله : (( لا تخش شيئًا ورائيا )) ، أي : لا تخش ما دمت درعًا لك وأنت من ورائي تحتمي بلساني وهجائي جريرًا . وأما قول أبي عبيدة : (( أي لا تخش شيئًا يأتيك من خلفي )) ، فليس عندي بشيء .
وكان في المطبوعة : (( شيئًا وراءنا )) ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(12/427)


وأما " الخياط " فإنه " المخيط " ، وهي الإبرة. قيل لها : " خِيَاط " و " مِخْيَط " ، كما قيل : " قِناع " و " مِقْنع " ، و " إزار " و " مِئْزر " ، و " قِرام " و " مِقْرَم " ، و " لحاف " و " مِلْحف " .
وأما القرأة من جميع الأمصار ، فإنها قرأت قوله : ( فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ، بفتح " السين " ، وأجمعت على قراءة : " الجَمَلُ " بفتح " الجيم " ، و " الميم " وتخفيف ذلك.
* * *
وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ، فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرؤون ذلك : " الجُمَّلُ " ، بضم " الجيم " وتشديد " الميم " ، على اختلاف في ذلك عن سعيد وابن عباس.
* * *
فأما الذين قرؤوه بالفتح من الحرفين والتخفيف ، فإنهم وجهوا تأويله إلى " الجمل " المعروف ، وكذلك فسروه.
* ذكر من قال ذلك :
14617 - حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله في قوله : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : الجمل ابن الناقة ، أو : زوج الناقة.
14618 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم ، عن عبد الله : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : " الجمل " ، زوج الناقة.
14619 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، مثله.
14620 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي ، عن هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال : " الجمل " ، زوج الناقة.
14621 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، مثله.

(12/428)


14622 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا قرة قال ، سمعت الحسن يقول : " الجمل " ، الذي يقوم في المِرْبد. (1)
14623 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : حتى يدخل البعير في خُرت الإبرة. (2)
14624 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي ، عن هشيم ، عن عباد بن راشد ، عن الحسن قال : هو الجمل! فلما أكثروا عليه قال : هو الأشتر. (3)
14625 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن عباد بن راشد ، عن الحسن ، مثله.
14626 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن يحيى قال : كان الحسن يقرؤها : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : فذهب بعضهم يستفهمه ، قال : أشتر ، أشتر. (4)
14627 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو النعمان عارم قال ، حدثنا حماد بن زيد ، عن شعيب بن الحبحاب ، عن أبي العالية : (حتى يلج الجمل) ، قال : الجمل الذي له أربع قوائم.
14628 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي حصين أو : حصين ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود في
__________
(1) (( المربد )) ( بكسر فسكون ) : هو المكان الذي تحبس فيه الإبل ، يقال : (( ربد الإبل ربدًا )) ، حبسها . ويقال : (( مربد الغنم )) أيضًا . وبه سمى (( مربد البصرة )) ، لأنه كان موضع سوق الإبل .
(2) (( خرت الإبرة )) ( بضم الخاء أو فتحها ، وسكون الراء ) : هو ثقبها . وكان في المطبوعة : (( في خرق )) وهي صواب ، والمخطوطة تشبه أن تقرأ هكذا وهكذا .
(3) (( أشتر )) ، وهو الجمل ، بالفارسية .
(4) (( أشتر )) ، وهو الجمل ، بالفارسية .

(12/429)


قوله : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : زوج الناقة ، يعني الجمل.
14629 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك أنه كان يقرأ : (الجمل) ، وهو الذي له أربع قوائم.
14630 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد ، عن الضحاك : (حتى يلج الجمل) ، الذي له أربع قوائم.
14631 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا زيد بن الحباب ، عن قرة ، عن الحسن : (حتى يلج الجمل) ، قال : الذي بالمربد.
14632 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : " حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ الأَصْفَرُ " .
14633 - حدثنا نصر بن علي قال ، حدثنا يحيى بن سليم قال ، حدثنا عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن الحسن في قوله : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : الجمل ابن الناقة أو بَعْلُ الناقة.
* * *
وأما الذين خالفوا هذه القراءة فإنهم اختلفوا.
فروي عن ابن عباس في ذلك روايتان : إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل.
* ذكر الرواية بذلك عنه :
14634 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، والجمل : ذو القوائم.
* * *
وذكر أن ابن مسعود قال ذلك.

(12/430)


14635 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، وهو الجمل العظيم ، لا يدخل في خُرْت الإبرة ، (1) من أجل أنه أعظم منها.
* * *
والرواية الأخرى ما : -
14636 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " ، قال : هو قَلْس السفينة. (2)
14637 - حدثني عبد الأعلى بن واصل قال ، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ، عن خالد بن عبد الله الواسطي ، عن حنظلة السدوسي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " ، يعني الحبل الغليظ فذكرت ذلك للحسن فقال : (حتى يلجَ الجمَل) ، قال عبد الأعلى : قال أبو غسان ، قال خالد : يعني : البعير.
14638 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن فضيل ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قرأ : " الجُمَّلُ " ، مثقَّلة ، وقال : هو حبل السفينة.
14639 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن مهدي ، عن هشيم ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : " الجمَّل " ، حبال السفن.
14640 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن ابن مبارك ، عن حنظلة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " ، قال : الحبل الغليظ.
__________
(1) انظر ص : 429 ، التعليق : 2 .
(2) (( القلس )) ( بفتح فسكون ) : هو حبل ضخم غليظ من ليف أو خوص ، وهو من حبال السفن .

(12/431)


14641 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " قال : هو الحبل الذي يكون على السفينة.
* * *
واختُلِف عن سعيد بن جبير أيضًا في ذلك ، فروي عنه روايتان إحداهما مثل الذي ذكرنا عن ابن عباس : بضم " الجيم " وتثقيل " الميم " .
* ذكر الرواية بذلك عنه :
14642 - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال ، حدثنا حسين المعلم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : أنه قرأها : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ " ، يعني قُلُوس السفن ، يعني : الحبال الغلاظ. (1)
* * *
والأخرى منهما بضم " الجيم " وتخفيف " الميم " .
* ذكر الرواية بذلك عنه :
14643 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عمرو ، عن سالم بن عجلان الأفطس قال ، قرأت على أبي : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلَ " فقال : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَلُ " خفيفة ، هو حبل السفينة هكذا أقرأنيها سعيد بن جبير.
* * *
وأما عكرمة ، فإنه كان يقرأ ذلك : " الْجُمَّلُ " ، بضم " الجيم " وتشديد " الميم " ، وبتأوّله كما : -
14644 - حدثني ابن وكيع قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن عيسى بن عبيد قال : سمعت عكرمة يقرأ : " الْجُمَّلُ " مثقلة ، ويقول : هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل.
__________
(1) (( القلوس )) جمع (( قلس )) ، انظر التعليق السالف .

(12/432)


14645 - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا كعب بن فروخ قال ، حدثنا قتادة ، عن عكرمة ، في قوله : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " ، قال : الحبل الغليظ في خرق الإبرة. (1)
14646 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " ، قال : حبل السفينة في سمّ الخياط.
14647 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال عبد الله بن كثير : سمعت مجاهدًا يقول : الحبل من حبال السفن.
* * *
وكأنَّ من قرأ ذلك بتخفيف " الميم " وضم " الجيم " ، على ما ذكرنا عن سعيد بن جبير ، على مثال " الصُّرَد " و " الجُعَل " ، وجهه إلى جماع " جملة " من الحبال جمعت " جُمَلا " ، كما تجمع " الظلمة " ، " ظُلَمًا " ، و " الخُرْبة " " خُرَبًا " .
* * *
وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في " الميم " ويقول : إنما أراد الراوي " الجُمَل " بالتخفيف ، فلم يفهم ذلك منه فشدّده.
* * *
14648 - وحدثت عن الفراء ، عن الكسائي أنه قال : الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميًّا.
* * *
وأما من شدد " الميم " وضم " الجيم " فإنه وجهه إلى أنه اسم واحد ، وهو الحبل ، أو الخيط الغليظ.
* * *
__________
(1) الأثر : 14645 - (( كعب بن فروخ ، أبو عبد الله البصري )) ، ثقة . مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 2 / 162 . وسيأتي في رقم : 14650 .

(12/433)


قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، ما عليه قرأة الأمصار ، وهو : ( حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ، بفتح " الجيم " و " الميم " من " الجمل " وتخفيفها ، وفتح " السين " من " السم " ، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار ، وغير جائز مخالفة ما جاءت به الحجة متفقة عليه من القراءة.
وكذلك ذلك في فتح " السين " من قوله : (سَمِّ الخياط) .
* * *
وإذ كان الصواب من القراءة ذلك ، فتأويل الكلام : ولا يدخلون الجنة حتى يلج و " الولوج " الدخول ، من قولهم : " ولج فلان الدار يلِجُ ولوجًا " ، (1) بمعنى : دخل الجملُ في سم الإبرة ، وهو ثقبها
(وكذلك نجزي المجرمين) ، يقول : وكذلك نثيب الذين أجرَموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة. (2)
* * *
وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله : (سم الخياط) ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14649 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة وابن مهدي وسويد الكلبي ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن عتيق قال : سألت الحسن عن قوله : (حتى يلج الجمل في سم الخياط) ، قال : ثقب الإبرة. (3)
14650 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا
__________
(1) انظر تفسير (( الولوج )) فيما سلف 6 : 302 ، وفيه زيادة في مصادره .
(2) انظر تفسير (( الجزاء )) ، و (( الإجرام )) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) ( جرم ) .
(3) الأثر : 14649 - (( سويد الكلبي )) ، هو : (( كان يقلب السانيد ، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية )) !! ووثقه النسائي وابن معين والعجلي . مترجم في التهذيب ، والكبير 2 /2 / 149 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 239 .
و (( يحيى بن عتيق الطفاوي البصري )) ، ثقة ، وكان ورعًا متفنًا .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 295 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 176 .

(12/434)


لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)

كعب بن فروخ قال ، حدثنا قتادة ، عن عكرمة : (في سم الخياط) ، قال : ثقب الإبرة. (1)
14651 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، مثله.
14652 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (في سم الخياط) ، قال : جُحْر الإبرة.
14653 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : (في سم الخياط) ، يقول : جُحْر الإبرة.
14654 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (في سم الخياط) ، قال : في ثقبه.
* * *
القول في تأويل قوله : { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : لهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها (من جهنم مهاد).
* * *
وهو ما امتهدوه مما يقعد عليه ويضطجع ، كالفراش الذي يفرش ، والبساط الذي يبسط. (2)
* * *
(ومن فوقهم غواش).
* * *
__________
(1) الأثر : 14650 - (( كعب بن فروخ )) ، مضى برقم : 14645 .
(2) انظر تفسير (( المهاد )) فيما سلف 4 : 246 /6 : 229 /7 : 494 .

(12/435)


وهو جمع " غاشية " ، وذلك ما غَشَّاهم فغطاهم من فوقهم.
* * *
وإنما معنى الكلام : لهم من جهنم مهاد من تحتهم فُرُش ، ومن فوقهم منها لُحُف ، وإنهم بين ذلك.
* * *
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14655 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب : (لهم من جهنم مهاد) ، قال : الفراش (ومن فوقهم غواش) ، قال : اللُّحُف
14656 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن أبي روق ، عن الضحاك : (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) ، قال : " المهاد " ، الفُرُش ، و " الغواشي " ، اللحف.
14657 - حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) ، أما " المهاد " كهيئة الفراش و " الغواشي " ، تتغشاهم من فوقهم.
* * *
وأما قوله(وكذلك نجزي الظالمين) ، فإنه يقول : وكذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه ، فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه ، وتكذيبه أنبياءه. (1)
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الجزاء )) و (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى ) و ( ظلم ) .

(12/436)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

القول في تأويل قوله : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : والذين صدّقوا الله ورسوله ، وأقرُّوا بما جاءهم به من وحي الله وتنزيله وشرائع دينه ، وعملوا ما أمرهم الله به فأطاعوه ، وتجنبوا ما نهاهم عنه (1) (لا نكلف نفسًا إلا وسعها) ، يقول : لا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه (2) (أولئك) ، يقول : هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات (أصحاب الجنة) ، يقول : هم أهل الجنة الذين هم أهلها ، دون غيرهم ممن كفر بالله ، وعمل بسيئاتهم (3) (هم فيها خالدون) ، يقول (4) هم في الجنة ماكثون ، دائمٌ فيها مكثهم ، (5) لا يخرجون منها ، ولا يُسلبون نعيمها. (6)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم ، وأخبر أنهم أصحاب الجنة ، ما فيها من حقد وغِمْرٍ وعَداوة كان من
__________
(1) انظر تفسير (( الصالحات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح ) .
(2) انظر تفسير (( التكليف )) و (( الوسع )) فيما سلف ص : 225 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( أصحاب الجنة )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صحب ) .
(4) في المطبوعة والمخطوطة : (( فيها خالدون )) ، بغير (( هم )) ، وأثبت نص التلاوة .
(5) انظر تفسير (( الخلود )) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .
(6) في المطبوعة والمخطوطة : (( ولا يسلبون نعيمهم )) ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(12/437)


بعضهم في الدنيا على بعض ، (1) فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سُرُر متقابلين ، لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصَّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه ، تجري من تحتهم أنهار الجنة.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14658 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك : (ونزعنا ما في صدورهم من غل) ، قال : العداوة.
14659 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة : (ونزعنا ما في صدورهم من غل) ، قال : هي الإحَن.
14660 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن ابن عيينة ، عن إسرائيل أبي موسى ، عن الحسن ، عن علي قال : فينا والله أهلَ بدر نزلت : ( وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) [سورة الحجر : 47].
14661 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن إسرائيل قال : سمعته يقول : قال علي عليه السلام : فينا والله أهلَ بدر نزلت : ( وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ )
14662 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : قال علي رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ، من الذين قال الله تعالى فيهم : ( وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) ، رضوان الله عليهم.
14663 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) (( الغمر )) ( بكسر فسكون ) و (( الغمر )) ( بفتحتين ) : الحقد الذي يغمر القلب .

(12/438)


وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

حدثنا أسباط ، عن السدي : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار) ، قال : إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا ، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان ، فشربوا من إحداهما ، فينزع ما في صدورهم من غِلّ ، فهو " الشراب الطهور " ، واغتسلوا من الأخرى ، فجرت عليهم " نَضْرة النعيم " ، فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوابعدها أبدًا.
14664 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن الجريري ، عن أبي نضرة قال ، يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقضى لبعضهم من بعض ، حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحدٌ منهم أحدًا بقلامة ظُفُرٍ ظلمها إياه. ويحبس أهل النار دون النار حتى يقضى لبعضهم من بعض ، فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحدٌ منهم أحدًا بقُلامة ظفر ظلمها إياه. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه ، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، حين أدخلوا الجنة ، ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته ، وما صرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم ، وتكذيبهم رُسله : (الحمد لله الذي هدانا لهذا) ، يقول : الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله ، وصرف عذابه
__________
(1) الأثر : 14664 - (( الجريري )) ، (( سعيد بن إياس الجريري )) ، مضى برقم : 196 . و (( أبو نضرة )) ، هو (( المنذر بن مالك بن قطعة العبدي )) ، روى عن علي . مضى برقم : 6337 .

(12/439)


عنا (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ، يقول : وما كنا لنرشد لذلك ، لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنّه وطَوْله ، كما : -
14665 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن [أبي سعيد] قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل أهل النار يرى منزله من الجنة ، فيقولون : " لو هدانا الله " ، فتكون عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار ، فيقولون : " لولا أن هدانا الله " ! فهذا شكرهم. (1)
14666 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة قال ، سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن عاصم بن ضمرة ، عن علي قال ، ذكر عمر لشيء لا أحفظه ، ثم ذكر الجنة فقال : يدخلون ، فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان. قال : فيغتسلون من إحداهما ، فتجري عليهم نضرة النعيم ، فلا تشعَث أشعارهم ولا تغبرُّ أبشارهم. ويشربون من الأخرى ، فيخرج كل قذًى وقذر وبأس في بطونهم. (2) قال ، ثم يفتح لهم باب الجنة ، فيقال لهم :
__________
(1) الأثر : 14665 - جاء هكذا في المخطوطة والمطبوعة : (( عن أبي سعيد )) ، يعني أبا سعيد الخدري .
وكأنه خطأ لا شك فيه ، فإني لم أجد الخبر في حديث أبي سعيد ، ولأن هذا الخبر معروف في حديث أبي هريرة ، وبذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 85 ، فقال : (( أخرج النسائي ، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير في ذكر الموت ، وابن مردويه عن أبي هريرة )) ، وساق الخبر . وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 477 ، فقال : (( روى النسائي وابن مردويه ، واللفظ له ، من حديث أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة )) ، وساق الخبر . وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 399 فقال : (( عن أبي هريرة ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ، وساق الخبر بنحوه من طريقين ، ثم قال : (( رواه كله أحمد ، ورجال الرواية الولى رجال الصحيح )) ، ولم أعرف مكانه من المسند .
فهذا كله يوشك أن يقطع بأن ما في المطبوعة والمخطوطة من قوله : (( عن أبي سعيد )) ، خطأ ، صوابه : (( عن أبي هريرة )) ، ولذلك وضعته بين القوسين .
(2) في المطبوعة : (( قذى وقذر أو شيء في بطونهم )) ، وفي المخطوطة : (( أوس )) ، غير منقوطة وفوقها حرف ( ط ) دلالة على الشك والخطأ . وأثبت الصواب من حادي الأرواح لابن القيم ، والدر المنثور .

(12/440)


(سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) ، قال : فتستقبلهم الوِلدان ، فيحفّون بهم كما تحفّ الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته. (1) ثم يأتون فيبشرون أزواجهم ، فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيقلن : أنت رأيته! قال : فيستخفهنَّ الفرَح ، قال : فيجئن حتى يقفن على أُسْكُفَّة الباب. (2) قال : فيجيئون فيدخلون ، فإذا أسُّ بيوتهم بِجَندل اللؤلؤ ، وإذا صُرُوح صفر وخضر وحمر ومن كل لون ، وسُرُر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرِابيُّ مبثوثة. فلولا أن الله قدَّرها ، لالْتُمِعَتْ أبصارهم مما يرون فيها. (3) فيعانقون الأزواج ، ويقعدون على السرر ، ويقولون : (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إذ هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق) ، الآية. (4)
* * *
__________
(1) (( الحميم )) ، ذو القرابة القريب الذي تحبه وتهتم لأمره .
(2) (( أسكفة الباب )) ( بضم الهمزة ، وسكون السين ، وضم الكاف ، بعدها فاء مشددة مفتوحة ) : عتبة الباب التي يوطأ عليها .
(3) (( التمع الشيء )) اختلسه وذهب به . و (( التمع بصره )) باليناء بالمجهول ، اختلس واختطف فلا يكاد يبصره . ويقال مثله (( التمع لونه )) ، ذهب وتغير .
(4) الأثر : 14666 - (( عاصم بن ضمرة السلولي )) ، وثقه ابن سعد وابن المديني ، والعجلي ، وقال النسائي : (( ليس به بأس )) . ولكن الجوزجاني وابن عدي ضعفاه ، وقال ابن أبي حاتم : (( كان رديء الحفظ ، فاحش الخطأ ، على أنه أحسن حالا - يعني الأعور )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 345 ، وميزان الاعتدال 2 : 3 .
وهذا الخبر ، ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ( إعلام الموقعين ) 1 : 233 مطولا ، فقال : (( وقال عدي بن الجعد في الجعديات : أنبأنا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي قال )) وليس فيه ذكر (( عمر )) .
ثم وجدت أبا جعفر قد رواه في تفسيره ( 24 : 24 ، بولاق ) ، من طريق مجاهد بن موسى ، عن يزيد ، عن شريك بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، بنحوه .
ثم رواه بعد من طريق أبي إسحاق ، عن الحارث الأعور ، عن علي ، بنحوه .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 : 342 ، ونسبه إلى ابن المبارك في الزهد ، وعبد الرازق ، وابن أبي شيبة ، وابن راهويه ، وعبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة ، والبيهقي في البعث ، والضياء في المختارة ، ولم ينسبه لابن جرير . وساقه مطولا.
وساقه ابن كثير في تفسيره 7 : 273 ، من تفسير ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي بن أبي طالب ، بنحوه .
وليس في هذه جميعًا ذكر (( عمر )) ، فقوله : (( قال ذكر عمر ، لشيء لا أحفظه )) غريب جدًا لم أعرف تأويله ، ولا ما فيه من تحريف ، إلا أن يكون : (( قال غندر ، لشيء لا أحفظه )) و (( غندر )) هو (( محمد بن جعفر )) الراوي عن شعبة ، فيكون قوله (( قال غندر )) من قول (( محمد بن المثنى )) ، والله أعلم .

(12/441)


القول في تأويل قوله : { لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة ، ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها ، وهو أنّ أعداء الله في النار : والله لقد جاءتنا في الدنيا ، وهؤلاء الذين في النار ، رسل ربنا بالحق من الأخبار عن وعد الله أهلَ طاعته والإيمان به وبرسله ، ووعيده أهلَ معاصيه والكفر به.
* * *
وأما قوله : (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) ، فإن معناه : ونادى منادٍ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم ، وأخبر عما أعدّ لهم من كرامته : أنْ يا هؤلاء ، هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها ، أورَثكموها الله عن الذين كذبوا رسله ، لتصديقكم إياهم وطاعتكم ربكم. وذلك هو معنى قوله : (بما كنتم تعملون) .
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :

(12/442)


14667 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) ، قال : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل ، فإذا دخل أهل الجنة الجنةَ ، وأهل النار النارَ ، ودخلوا منازلهم ، رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها ، فقيل لهم : " هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله " ، ثم يقال : " يا أهل الجنة ، رِثُوهم بما كنتم تعملون " ، فتُقْسم بين أهل الجنة منازلهم.
14668 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن سعد أبو داود الحفري ، [عن سعيد بن بكير] ، عن سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الأغرّ : (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) ، قال : نودوا أنْ صِحُّوا فلا تسقموا ، واخلُدوا فلا تموتوا ، وانعموا فلا تَبْأسوا. (1)
14669 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر ، عن أبي سعيد : (ونودوا أن تلكم الجنة) ، الآية ، قال : ينادي منادٍ : أن لكم أنْ تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا. (2)
* * *
واختلف أهل العربية في " أنْ " التي مع " تلكم " .
__________
(1) الأثر : 14668 - (( عمر بن سعد )) ، (( أبو داود الحفري )) ، ثقة . مضى رقم : 863 ، وهو يروي عن (( سفيان الثوري )) ، ولكن جاء هنا (( سعيد بن بكير )) .
وأما (( سعيد بن بكير )) ، فهو في المطبوعة (( سعد بن بكر )) ، وأثبت ما في المخطوطة . ولست أدري من يكون ؟ أو عن أي شيء هو محرف .
و (( الأغر )) هو (( الأغر )) ، أبو مسلم المدني ، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد ، وكانا اشتركا في عتقه . روى عنه أبو إسحاق السبيعي ، تابعي ثقة . مترجم في التهذيب ، والكبير 1 /2 / 44 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 308 .
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 17 : 174 ، من طريق عبد الرازق ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر ، عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مطولا ، بنحوه . وسيأتي مختصرًا في الذي يليه .
(2) الأثر : 14669 - هذا مختصر حديث مسلم ( 17 : 174 ) الذي خرجته في التعليق السالف .

(12/443)


فقال بعض نحويي البصرة : هي " أنّ " الثقيلة ، خففت وأضمر فيها ، ولا يستقيم أن تجعلها الخفيفة ، لأن بعدها اسمًا ، والخفيفة لا تليها الأسماء ، وقد قال الشاعر : (1)
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد ، قَدْ عَلِمُوا... أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ (2)
وقال آخر : (3)
أُكَاشِرُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ كِلانَا... عَلَى مَا سَاءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ (4)
قال : فمعناه : أنه كِلانا. قال : ويكون كقوله : ( أَنْ قَدْ وَجَدْنَا ) ، في موضع " أي " ؛ وقوله : ( أَنْ أَقِيمُوا ) ، [سورة الشورى : 13] ، ولا تكون " أن " التي تعمل
__________
(1) هو الأعشى .
(2) ديوانه : 45 ، سيبويه 1 : 282 ، 440 ، 480 /2 : 123 ، أمالي ابن الشجري 2 : 2 ، الإنصاف : 89 ، والخزانة 3 : 547 / 4 : 356 ، وشرح شواهد العيني ( بهامش الخزانة ) 2 : 287 ، وغيرها .
وهذا البيت أنشده سيبويه ، وتبعه النحاة في كتبهم ، وهو بيت ملفق من بيتين ، يقول الأعشى في قصيدته المشهورة : إمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لا نِعَالَ لَنَا ... إِنَّا كَذَلِكَ مَا تَحْفَى ونَنْتَعِلُ
فَقَدْ أُخَالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتُهُ ... وَقَدْ يُحَاذِرُ مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِلُ
وَقَدْ أَقُودُ الصِّبَا يَوْمًا فَيَتْبَعُنِي ... وَقَدْ يُصَاحِبْنِي ذُو الشِّرَّةِ الغَزِلُ
وَقَدْ غَدَوْتُ إلَى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي ... شَاوٍ مِشَلٌ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد ، قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَة الحيَلُ
نازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئًا ... وَقَهْوَةً مُزَّةً رَواوُوقُها خَضِلُ
لا يَسْتَفِيقُونَ مِنْهَا وَهْيَ رَاهِنَةٌ ... إِلا بِهَاتِ ، وَإنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلُوا
(3) لم أعرف قائله .
(4) سيبويه 1 : 440 ، الإنصاف لابن الأنباري : 89 ، 183 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 188 ، وغيرها وقوله : (( أكاشره )) : أضاحكه .

(12/444)


في الأفعال ، لأنك تقول : " غاظني أن قام " ، و " أن ذهب " ، فتقع على الأفعال ، وإن كانت لا تعمل فيها. وفي كتاب الله : ( وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ) [سورة ص : 6] ، أي : امشوا.
* * *
وأنكر ذلك من قوله هذا بعض أهل الكوفة ، فقال : غير جائز أن يكون مع " أن " في هذا الموضع " هاء " مضمرة ، لأن " أن " دخلت في الكلام لتَقِيَ ما بعدها. قال : " وأن " هذه التي مع " تلكم " هي الدائرة التي يقع فيها ما ضارع الحكاية ، وليس بلفظ الحكاية ، نحو : " ناديت أنك قائم ، " و " أنْ زيد قائم " و " أنْ قمت " ، فتلي كلَّ الكلام ، وجعلت " أن " وقاية ، لأن النداء يقع على ما بعده ، وسلم ما بعد " أن " كما سلم ما بعد " القول " . ألا ترى أنك تقول : " قلت : زيد قائم " ، و " قلت : قام " ، فتليها ما شئت من الكلام ؟ فلما كان النداء بمعنى " الظن " وما أشبهه من " القول " سلم ما بعد " أن " ، ودخلت " أن " وقاية. قال : وأما " أي " ، فإنها لا تكون على " أن " لا يكون " أي " جواب الكلام ، و " أن " تكفي من الاسم.
* * *

(12/445)


وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

القول في تأويل قوله : { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ونادى أهلُ الجنة أهلَ النار بعد دخولهموها : يا أهل النار ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا في الدنيا على ألسن رسله ، من الثواب على الإيمان به وبهم ، وعلى طاعته ، فهل وجدتم ما وعدنا ربكم على ألسنتهم على

(12/445)


الكفر به وعلى معاصيه من العقاب ؟ (1) فأجابهم أهل النار : بأنْ نعم ، قد وجدنا ما وعد ربنا حقًّا ، كالذي : -
14670 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا قالوا نعم) ، قال : وجد أهل الجنة ما وُعدوا من ثواب ، وأهل النار ما وُعدوا من عقاب.
14671 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا) ، وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكلَّ خير علمه الناس أو لم يعلموه ، ووعدَ أهل النار كلَّ خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه ، فذلك قوله : ( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ) ، [سورة ص : 58]. قال : فنادى أصحاب الجنة أصحابَ النار أنْ قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا ؟ قالوا : نعم. يقول : من الخزي والهوان والعذاب. قال أهل الجنة : فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا من النعيم والكرامة (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين).
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله : (قالوا نعم).
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة : (قَالُوا نَعَمْ) ، بفتح العين من " نعم " .
* * *
ورُوِي عن بعض الكوفيين أنه قرأ : " قَالُوا نَعِمْ " بكسر " العين " ، وقد أنشد بيتا لبني كلب :
__________
(1) انظر تفسير (( أصحاب الجنة )) و (( أصحاب النار )) فيما سلف من فهارس اللغة ( صحب ) .

(12/446)


نَعِمْ ، إِذَا قالَهَا ، مِنْهُ مُحَقَّقَةٌ... وَلاتَخِيبُ " عَسَى " مِنْهُ وَلا قَمنُ (1)
بكسر " نعم " .
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا(نَعَمْ) بفتح " العين " ، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار ، واللغة المشهورة في العرب.
* * *
وأما قوله : (فأذن مؤذن بينهم) ، يقول : فنادى مناد ، وأعلم مُعْلِمٌ بينهم (أن لعنة الله على الظالمين) ، يقول : غضب الله وسخطه وعقوبته على مَنْ كفر به. (2)
* * *
وقد بينا القول في " أنّ " إذا صحبت من الكلام ما ضارع الحكاية ، وليس بصريح الحكاية ، بأنها تشددها العرب أحيانًا ، وتوقع الفعل عليها فتفتحها وتخففها أحيانًا ، وتعمل الفعل فيها فتنصبها به ، وتبطل عملها عن الاسم الذي يليها ، فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (3)
* * *
وإذ كان ذلك كذلك ، فسواء شُدِّدت " أن " أو خُفِّفت في القراءة ، إذ كان معنى الكلام بأيّ ذلك قرأ القارئ واحدًا ، وكانتا قراءتين مشهورتين في قرأة الأمصار.
* * *
__________
(1) لم أجد البيت ، ولم أعرف قائله . (( قمن )) ، جدير . يقول : لو قال لك : (( عسى أن يكون ما تسأل )) أو : (( أنت قمن أن تنال ما تطلب )) ، فذلك منه إنفاذ منه لما تسأل ، وتحقيق لما تطلب .
وكان في المطبوعة : (( ولا تجيء عسى )) ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب . لأنه قال إن العدة بنعم محققة ، وبما أقل منها في الوعد محقق أيضًا لا يخيب معها سائله .
(2) انظر تفسير (( اللعنة )) فيما سلف ص : 416 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(3) انظر ما سلف قريبًا ص 443 - 445 .

(12/447)


الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45)

القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : إن المؤذن بين أهل الجنة والنار يقول : " أن لعنة الله على الظالمين " ، الذين كفروا بالله وصدّوا عن سبيله (1) (ويبغونها عوجًا) ، يقول : حاولوا سبيل الله وهو دينه (2) " أن يغيروه ويبدِّلوه عما جعله الله له من استقامته (3) (وهم بالآخرة كافرون) ، يقول : وهم لقيام الساعة والبعث في الآخرة والثواب والعقاب فيها جاحدون.
* * *
والعرب تقول للميل في الدِّين والطريق : " عِوَج " بكسر " العين " ، وفي ميل الرجل على الشيء والعطف عليه : " عاجَ إليه يَعُوج عِيَاجًا وعَوَجًا وعِوَجًا " ، بالكسر من " العين " والفتح ، (4) كما قال الشاعر : (5)
قِفَا نَسْأَلْ مَنَازِلَ آلِ لَيْلى... عَلَى عِوَجٍ إلَيْهَا وَانْثِنَاءِ (6)
ذكر الفراء أن أبا الجرّاح أنشده إياه بكسر العين من " عوج " ، فأما ما كان خلقة في الإنسان ، فإنه يقال فيه : " عَوَج ساقه " ، بفتح العين.
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( الصد )) فيما سلف 10 : 565 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( سبيل الله )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(3) انظر تفسير (( بغى )) فيما سلف ص : 286 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(4) انظر تفسير (( العوج )) فيما سلف 7 : 53 ، 54 ، ومجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 98 .
(5) لم أعرف قائله .
(6) اللسان ( عوج ) ، وروايته : * مَتَى عِوَجٌ إلَيْهَا وَانْثنَاءُ *
وفي المطبوعة : (( قفا نبكي )) ، وهو من سوء قراءة الناشر للمخطوطة ، وصوابه ما أثبت كما في رواية اللسان أيضًا .

(12/448)


وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

القول في تأويل قوله : { وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : (وبينهما حجاب) ، وبين الجنة والنار حجاب ، يقول : حاجز ، وهو : السور الذي ذكره الله تعالى فقال : ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) ، [سورة الحديد : 13]. وهو " الأعراف " التي يقول الله فيها : (وعلى الأعراف رجال) ، كذلك.
14671 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء عن ابن جريج قال : بلغني عن مجاهد قال : " الأعراف " ، حجاب بين الجنة والنار.
14672 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (وبينهما حجاب) ، وهو " السور " ، وهو " الأعراف " .
* * *
وأما قوله : (وعلى الأعراف رجال) ، فإن " الأعراف " جمع ، واحدها " عُرْف " ، وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو " عُرْف " ، وإنما قيل لعُرف الديك " عرف " ، لارتفاعه على ما سواه من جسده ، ومنه قول الشماخ بن ضرار :
وَظَلًّتْ بِأَعْرَافٍ تَغَالَى ، كَأَنَّهَا... رِمَاحٌ نَحَاهَا وِجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ (1)
__________
(1) ديوانه : 53 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 215 ، ورواية ديوانه وغيره (( وظلت تغالي باليفاع كأنها )) . وهذا البيت من آخر القصيدة في صفة حمر الوحش ، بعد أن عادت من رحلتها الطويلة العجيبة في طلب الماء ، يقودها العير ، فوصفه ووصفهن ، فقال : مُحَامٍ على عَوْراتِهَا لا يَرُوعُها ... خَيَالٌ ، وَلا رَامِي الوُحُوشِ المنَاهِزُ
وأصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ ، نَشْزِ حَمَامةٍ ، ... لَهُ مَرْكَضٌ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ بَارِزُ
وَظلَّتْ تغَالَي بِاليَفَاع .......... ... ...................................
و (( تغالي الحمر )) احتكاك بعضها ببعض .يصف ضمور حمر الوحش ، كأنها رماح مائلة تستقبل مهب الرياح . وكان في المطبوعة : (( تعالى )) ، وهو خطأ . وفي المخطوطة هكذا : (( وطلت بأعراف تعالى كأنها رماح وجهه راكز )) ، صوابه ما أثبت .

(12/449)


يعني بقوله : " بأعراف " ، بنشوز من الأرض ، ومنه قول الآخر : (1)
كُلُّ كِنَازٍ لَحْمُهُ نِيَافِ... كَالْعَلَمِ الْمُوفِي عَلَى الأعْرَافِ (2)
* * *
وكان السدي يقول : إنما سمي " الأعراف " أعرافًا ، لأن أصحابه يعرفون الناس.
14672 - حدثني بذلك محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14673 - حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، سمع ابن عباس يقول : " الأعراف " ، هو الشيء المشرف. (3)
14674 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : سمعت ابن عباس يقول ، مثله. (4)
14675 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثني أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : " الأعراف " ، سور كعرف الديك.
14676 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، مثله.
__________
(1) لم أعرف قائله .
(2) مجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 215 ، اللسان ( نوف ) ، (( الكناز )) المجتمع اللحم القوية . و (( النياف )) ، الطويل ، يصف جملا . و (( العلم )) الجبل .
(3) الأثر : 14673 - (( عبيد الله بن أبي يزيد المكي )) ، روى عن ابن عباس ، مضى برقم : 3778 . وكان في المطبوعة (( عبيد الله بن يزيد )) ، والصواب من المخطوطة .
(4) الأثر : 14674 - (( عبيد الله بن أبي يزيد )) ، المذكور آنفًا ، في المطبوعة والمخطوطة هنا (( عبيد الله بن يزيد )) .

(12/450)


14677 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : " الأعراف " ، حجاب بين الجنة والنار ، سور له باب قال أبو موسى : وحدثني عبيد الله بن أبي يزيد : أنه سمع ابن عباس يقول : إن الأعراف تَلٌّ بين الجنة والنار ، حُبس عليه ناسٌ من أهل الذنوب بين الجنة والنار. (1)
14678 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : " الأعراف " ، حجاب بين الجنة والنار ، سور له باب.
14679 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال : " الأعراف " ، سور بين الجنة والنار.
14680 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : " الأعراف " ، سور بين الجنة والنار.
14681 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (وعلى الأعراف رجال) ، يعني بالأعراف : السور الذي ذكر الله في القرآن ، (2) وهو بين الجنة والنار.
__________
(1) الأثر : 14677 - (( عيسى )) ، هو (( عيسى بن ميمون المكي )) صاحب التفسير ، مضى مئات من المرات ، وترجم في رقم : 278 ، 3347 ، وكنيته (( أبو موسى )) فهو الرواي هنا عن (( عبيد الله بن أبي يزيد )) .
وكان في المطبوعة هنا أيضًا ( عبيد الله بن يزيد )) ، والصواب من المخطوطة . انظر التعليقين السالفين .
(2) هو المذكور في آية سورة الحديد : 13 ، والمذكور آنفًا في الآثار السالفة .

(12/451)


14682 - حدثنا الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : " الأعراف " ، سور له عُرْف كعرف الديك.
14683 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن أبي جعفر قال : " الأعراف " ، سور بين الجنة والنار.
14684 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثني عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول : " الأعراف " ، السور الذي بين الجنة والنار.
* * *
واختلف أهل التأويل في صفة الرجال الذين أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف ، وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك.
فقال بعضهم : هم قوم من بني آدم ، استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء ، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.
* ذكر من قال ذلك :
14685 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال ، قال الشعبي : أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن ، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش ، وإذا هما قد ذكرَا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذَكَرا ، فقلت لهما : إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة ، فقالا هات ! فقلت : إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال : هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار ، وقصرت بهم سيِّئاتهم عن الجنة ، فإذا صُرفت أبصارُهم تلقاء أصحاب النار قالوا : " ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين " . فبينا هم كذلك ، اطّلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال : اذهبوا وادخلوا الجنة ، فإني قد غفرت لكم. (1)
__________
(1) الأثر : 14685 - (( عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي )) ، وهو (( الأعرج )) استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة ، وكان أبو الزناد كاتبًا له . ثقة ، روى له الجماعة مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 /1 / 15 ، ونسب قريش : 363 .
و (( أبو الزناد )) ، (( عبد الله بن ذكوان )) مولى على قريش )) ، مضى برقم : 11813 .

(12/452)


14686 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن الشعبي ، عن حذيفة ، أنه سئل عن أصحاب الأعراف ، قال فقال : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وخلّفت بهم حسناتهم عن النار. قال : فوُقِفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم.
14687 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير وعمران بن عيينة ، عن حصين ، عن عامر ، عن حذيفة قال : أصحاب الأعراف ، قومٌ كانت لهم ذنوب وحسنات ، فقصرت بهم ذنوبهم عن الجنة ، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه ، فينفذ فيهم أمره.
14688 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن حذيفة قال : أصحاب الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فيقول : ادخلوا الجنة بفضلي ومغفرتي ، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون.
14689 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن عامر ، عن حذيفة قال : أصحاب الأعراف ، قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار ، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة.
14690 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن أبي بكر الهذلي قال : قال سعيد بن جبير ، وهو يحدّث ذلك عن ابن مسعود قال : يحاسب الناس يوم القيامة ، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ثم قرأ قول الله : ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) ، [سورة الأعراف : 8 - 9]. ثم قال : إن الميزان يخفّ

(12/453)


بمثقال حبة ويرجح. قال : فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف ، فوقفوا على الصراط ، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار ، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا : " سلام عليكم " ، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظرُوا أصحاب النار قالوا : ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [سورة الأعراف : 47] ، فيتعوذون بالله من منازلهم ، قال : فأما أصحاب الحسنات ، فإنهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ، ويعطى كل عبد يومئذ نورًا ، وكل أمَةٍ نورًا. فإذا أتوا على الصراط سَلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ، (1) قالوا : ربنا أتمم لنا نورنا " . وأما أصحاب الأعراف ، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم ، فهنالك يقول الله : ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) ، فكان الطمع دخولا. قال : فقال ابن مسعود : على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر ، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول : هلك من غلب وُحْدَانُه أعشارَه. (2)
14691 - حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع قال ، أخبرني ابن وهب قال ، أخبرني عيسى الحنّاط ، عن الشعبي ، عن حذيفة قال : أصحاب الأعراف ، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار ، وهم آخر من يدخل الجنة ، قد عرَفوا أهل الجنة وأهل النار. (3)
__________
(1) في المخطوطة : (( فلما رأوا أهل الجنة )) ، وهو جائز .
(2) الأثر : 14690 - (( أبو بكر الهذلي )) ، ليس بثقة ، ولا يحتج بحديثه . وقال غندر : (( كان إمامنا ، وكان يكذب )) . مضى برقم : 597 ، 8376 ، 13054 ، 14398
غندر : (( كان إمامنا ، وكان يكذب )) . مضى برقم : 597 ، 8376 ، 13054 ، 14398 .
و (( الوحدان )) بضم الواو ، جمع (( واحد )) . و (( واحد )) . و (( الأعشار )) جمع (( عشر )) .
(3) الأثر : 14691 - (( الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني )) ، (( أبو همام )) ، شيخ الطبري ، تكلموا فيه ، وقال ابن معين : (( لا بأس به ، ليس هو ممن يكذب )) ، وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 7 .
و (( عيسى الحناط )) ، هو (( عيسى بن أبي عيسى الحناط الغفاري )) ، وهو (( عيسى بن ميسرة )) ضعيف مضطرب الحديث لا يكتب حديثه . وكان (( خباطًا )) ، ثم ترك ذلك وصار (( حناطًا )) ، ثم ترك ذلك وصار يبيع الخيط . قال ابن سعد : (( كان يقول : أنا خباط ، حناط ، خياط ، كلا قد عالجت )) . وكان في المطبوعة هنا (( الخياط )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان صوابًا ما في المطبوعة .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 289 .

(12/454)


14692 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا همام ، عن قتادة قال : قال ابن عباس : أصحاب الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم ، ولا سيئاتهم على حسناتهم.
14693 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن منصور ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس قال : " الأعراف " ، سور بين الجنة والنار ، وأصحاب الأعراف بذلك المكان ، حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم ، انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له : " الحياة " ، (1) حافتاه قَصَبُ الذهب ، مكلَّل باللؤلؤ ، ترابه المسك ، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم ، ويبدو في نحورهم شامَةٌ بيضاء يعرفون بها ، حتى إذا صلحت ألوانهم ، أتى بهم الرحمنُ فقال : تمنوا ما شئتم ! قال : فيتمنون ، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم : لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة! فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ، يسمَّون مساكين الجنة. (2)
14694 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن الحارث قال : أصحاب الأعراف ، يؤمر بهم إلى نهر يقال له : " الحياة " ، ترابه الوَرْس والزعفران ، وحافتاه قَصَبُ اللؤلؤ قال : وأحسبه قال : مكلل باللؤلؤ وقال : فيغتسلون فيه ، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء ، فيقال لهم : تمنوا ! فيقال لهم : لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا!
__________
(1) في ابن كثير 3 : 481 (( يقال له نهر الحياة )) . وانظر الأثر التالي . و (( قصب الذهب )) ، أنابيب من الذهب ، مجوفة مستطيلة . وفي المطبوعة هنا وفيما يلي (( قضب )) ، بالضاد .
(2) الأثر : 14693 - سيرويه موقوفًا على عبد الله بن الحارث في الأثر التالي ، قال ابن كثير بعد أن ذكر الخبرين : (( وعن عبد الله بن الحارث من قوله ، وهذا أصح )) ، التفسير 3 : 482 .

(12/455)


وإنهم مساكين أهل الجنة قال حبيب : وحدثني رجل : أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
14695 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن الحارث قال : أصحاب الأعراف ، ينتهى بهم إلى نهر يقال له : " الحياة " ، حافتاه قَصَب من ذهب قال سفيان : أراه قال : مكلل باللؤلؤ قال : فيغتسلون منه اغتسالةً فتبدو في نحورهم شامة بيضاء ، ثم يعودون فيغتسلون ، فيزدادون. فكلما اغتسلوا ازدادت بياضًا ، فيقال لهم : تمنوا ما شئتم ! فيتمنون ما شاءوا ، فيقال لهم : لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا ! قال : فهم مساكين أهل الجنة.
14696 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن حذيفة قال : أصحاب الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فهم على سور بين الجنة والنار : (لم يدخلوها وهم يطمعون).
14697 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان ابن عباس يقول : " الأعراف " ، بين الجنة والنار ، حبس عليه أقوام بأعمالهم. وكان يقول : قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم ، ولا سيئاتهم على حسناتهم.
14698 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة قال ، قال ابن عباس : أهل الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
14699 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : أصحاب الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
14700 - . . . . وقال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن شريك ، عن منصور ،

(12/456)


عن سعيد بن جبير قال : أصحاب الأعراف ، استوت أعمالهم.
14701 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : أصحاب الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فوُقِفوا هنالك على السور.
14702 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سفيع ، أو سميع قال أبو جعفر : كذا وجدت في كتاب سفيع (1) ، عن أبي علقمة قال : أصحاب الأعراف ، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. (2)
* * *
وقال آخرون : كانوا قتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك :
14703 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن أبي مسعر ، عن شرحبيل بن سعد قال : هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم.
14704 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني الليث قال ، حدثني خالد ، عن سعيد ، عن يحيى بن شبل : أن رجلا من بني النضير أخبره ، عن رجل من بني هلال : أن أباه أخبره : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال : هم قوم غزوا في سبيل الله عصاةً لآبائهم ، فقتلوا ، فأعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله ، وحُبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم ، فهم آخر من يدخل الجنة. (3)
__________
(1) في المخطوطة : (( كتابي )) ثم ضرب على (( بي )) ، وكتب بعدها (( ب )) ، وأخشى أن يكون الذي ضرب عليه الناسخ هو الصواب .
(2) الأثر : 14702 - (( سفيع )) ، لم أجد من ذكره .
وأما (( سميع )) الراوي عن ابن عباس ، فهو (( سميع الزيات )) (( أبو صالح )) ، ثقة مترجم في الكبير 2 /2 / 190 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 305 .
(3) الأثر : 14704 - (( يحيى بن شبل )) ، (( مولى بني هاشم )) لم أعرف حاله ، ترجم له ابن أبي حاتم 4 / 2 / 157 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، والبخاري في الكبير 4 / 2 / 282 ، وذكره في التهذيب إلحاقًا فقال : (( ولهم بن شبل شيخ آخر مدني ، أقدم من هذا ، يروي عنه أبو معشر حديثًا في أصحاب الأعراف ))
واقتصر البخاري على أنه يروي عنه سعيد بن أبي هلال . وأما ابن أبي حاتم ، فذكر أنه روى عن (( عمر بن عبد الرحمن المزني ، وعن جده بن حسين ( ؟ ؟ ) عن علي رضي الله عنه )) ثم قال : (( روى عنه سعيد بن أبي هلال ، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، وأبو معشر ، وموسى بن عبيدة الربذي ، وابن أبي سبرة )) .
وزادنا أبو جعفر في الأثر التالي أنه (( مولى بني هاشم )) ، ولم أجد لذلك ذكرًا في الكتب التي بأيدينا .
وهذا خبر ضعيف ، لما فيه من المجاهيل ، ولأن (( أبا معشر )) نفسه ، قد تكلموا فيه ، وضعفوه . وانظر التعليق على الأثر التالي ، ففيه التخريج .

(12/457)


14705 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن أبي معشر ، عن يحيى بن شبل مولى بني هاشم ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف ، فقال : قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم ، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار ، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة. (1)
* * *
وقال آخرون : بل هم قوم صالحون فقهاء علماء.
* ذكر من قال ذلك :
14706 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد قال : أصحاب الأعراف ، قوم صالحون فقهاء علماء.
* * *
__________
(1) الأثر : 14705 - (( يحيى بن شبل ، مولى بني هاشم )) ، انظر الأثر السالف .
و (( محمد بن عبد الرحمن المزني )) ، لم أجد له ترجمة مفردة ، ويقال أيضًا (( عمر بن الرحمن المزني )) ، ويقال : (( عمرو بن عبد الرحمن )) ، إن صلح ما في ترجمة أبيه في أسد الغابة .
وأبوه (( عبد الرحمن المزني )) ، ويقال (( عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن )) ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : (( وقد قيل : اسم أبيه محمد ، وهو الصواب إن شاء الله )) .
وترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب : 399 ، وابن الأثير في أسد الغابة في موضعين 3 : 307 ، 322 ، وابن حجر في الإصابة في موضعين : في (( عبد الرحمن بن أبي الهلالي )) وفي (( عبد الرحمن المزني )) ، ولم يشر إلى ذلك في واحدة من الترجمتين ، وهو عجيب !! واختلفوا في تسمية ولده ، فقال ابن حجر : (( والد عمر ، ويقال : والد محمد )) ، وقال ابن عبد البر : (( وله ولد آخر يقال له : (( عبد الرحمن )) . أما ابن الأثير ، ففيه أن ولده (( عمرو )) ، وان كنية (( عبد الرحمن المزني )) هو (( أبو عمرو )) .
وأما قوله في الأثر السالف : (( أن رجلا من بني النضير )) ، فهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، وفي المراجع الأخرى : (( أن رجلا من بني نضر )) ، ولا أدري أهو بالضاد المعجمة أم الصاد المهملة . وأما (( عن رجل من بني هلال )) فكأنه يعني من (( بني هلال بن رئاب )) من (( بني عمرو بن أد )) ، وهم مزينة ، ومن بني هلال بن رئاب (( إياس بن معاوية المزني )) القاضي المشهور . انظر جمهرة الأنساب لابن حزم : 192 . ويدل على ذلك ان ابن حجر ترجم له في (( عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن الهلالي )) وفي (( عبد الرحمن المزني )) ، وذكر فيهما حديثه في الأعراف .
وهذا الخبر ذكروه جميعًا من طرق مختلفة ، وكلها مضطرب ، وقد جمع الكلام فيه الحافظ ابن حجر في الإصابة في الموضعين ، ولكنه لم يستوفه .
ومهما يكن من شيء ، فهو حديث ضعيف لضعف أبي معشر ، ولما يحيط به من الجهالة كما أسلفت في التعليق على الأثر السالف .

(12/458)


وقال آخرون : بل هم ملائكة وليسوا ببني آدم.
* ذكر من قال ذلك :
14707 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبي مجلز قوله : (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : هم رجال من الملائكة ، يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، قال : (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) ، إلى قوله : (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) ، قال : فنادى أصحاب الأعراف رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : (ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون . أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ، قال : فهذا حين دخل أهل الجنة الجنة : (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).
14708 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر قال ، سمعت عمران قال : قلت لأبي مجلز : يقول الله : (وعلى الأعراف رجال) ، وتزعم أنتَ أنهم الملائكة ؟ قال فقال : إنهم ذكور ، وليسوا بإناث.
14709 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز : (وعلى الأعراف رجال) ، قال : رجال من الملائكة ، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم ، أهل النار وأهل الجنة ، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة.

(12/459)


14710 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن التيمي ، عن أبي مجلز ، بنحوه.
14711 - . . . . وقال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن التيمي ، عن أبي مجلز قال : أصحاب الأعراف ، الملائكة.
14712 - حدثني المثنى قال ، حدثنا يعلى بن أسد قال ، حدثنا خالد قال ، أخبرنا التيمي ، عن أبي مجلز : (وعلى الأعراف رجال) ، قال : هم الملائكة.
14713 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز : (وعلى الأعراف رجال) ، قال : هم الملائكة. قلت : يا أبا مجلز ، يقول الله تبارك وتعالى : " رجال " ، وأنت تقول : ملائكة ؟ قال : إنهم ذُكران ليسوا بإناث.
14714 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز في قوله : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : الملائكة. قال قلت : يقول الله " رجال " ؟ قال : الملائكة ذكور. (1)
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم : هم رجال يعرفون كُلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم ، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصح سنده ، ولا أنه متفق على تأويلها ، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة.
فإذ كان ذلك كذلك ، وكان ذلك لا يدرك قياسًا ، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن " الرجال " اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر
__________
(1) في المخطوطة : (( الملائكة )) دون صفتهم (( ذكور )) ، كأنه قطع الكلام بالإثبات . وإن كان يخشى أيضًا أن يكون الناسخ أسقط ما ثبت في المطبوعة .

(12/460)


الخلق غيرهم ، كان بيِّنًا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة ، قولٌ لا معنى له ، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع مَنْ قال بخلافه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك من الأخبار ، وإن كان في أسانيدها ما فيها ، وقد : -
14715 - حدثني القاسم قال ، حدثني الحسين قال ، حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال : " هم آخر مَنْ يفصل بينهم من العباد ، وإذا فرغ ربُّ العالمين من فصله بين العباد قال : أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ، ولم تدخلكم الجنة ، وأنتم عُتَقائي ، فارعوا من الجنة حيث شئتم. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وعلى الأعراف رجال يعرفون أهل الجنة بسيماهم ، وذلك بياض وجوههم ، ونضرةُ النعيم عليها ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم ، وذلك سواد وجوههم ، وزرقة أعينهم ، فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم : " سلام عليكم " .
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
__________
(1) الأثر : 14715 - (( عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 14203 ، 14209 .
و (( أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي )) ، ثقة ، روى له الجماعة مضى كثيراص ، آخرها أيضًا رقم : 14203 ، 14209 . وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( أبو زرعة ، عن عمرو بن جرير )) ، وهو خطأ .
وهذا خبر مرسل حسن ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 87 ، وزاد إلى ابن المنذر . ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 482 .

(12/461)


* ذكر من قال ذلك :
14716 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : يعرفون أهل النار بسواد الوجوه ، وأهل الجنة ببياض الوجوه.
14717 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : أنزلهم الله بتلك المنزلة ، ليعرفوا من في الجنة والنار ، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه ، ويتعوَّذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين ، وهم في ذلك يحيّون أهل الجنة بالسلام ، لم يدخلوها ، وهم يطمعون أن يدخلوها ، وهم داخلوها إن شاء الله.
14718 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (بسيماهم) ، قال : بسواد الوجوه ، وزُرقة العيون.
14719 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون ، وسيما أهل الجنة مبيَضَّة وجوههم.
14720 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : أصحاب الأعراف إذا رأوا أصحاب الجنة عرَفوهم ببياض الوجوه ، وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد الوجوه.
14721 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : إن أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوبٌ عِظام ، وكان حَسْمُ أمرهم لله ، فأقيموا ذلك المقام ، إذا

(12/462)


نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه ، فقالوا : (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) ، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه ، فذلك قوله : (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون).
14722 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك في قوله : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، زعموا أن أصحاب الأعراف رجال من أهل الذنوب ، أصابوا ذنوبًا ، وكان حَسْم أمرهم لله ، فجعلهم الله على الأعراف. فإذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه ، فتعوذوا بالله من النار. وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم : " أن سلام عليكم " ، قال الله : (لم يدخلوها وهم يطمعون). قال : وهذا قول ابن عباس.
14723 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (يعرفون كلا بسيماهم) ، يعرفون الناس بسيماهم ، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم ، وأهل الجنة ببياض وجوههم.
14724 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (يعرفون كلا بسيماهم) ، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم ، وأهل الجنة ببياض وجوههم.
14725 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : أهل الجنة بسيماهم. بيض الوجوه وأهل النار بسيماهم ، سود الوجوه. قال : وقوله(يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : أصحاب الجنة وأصحاب النار " ونادوا أصحاب الجنة " ، قال : حين رأوا وجوههم قد ابيضت.
14726 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : (يعرفون كلا بسيماهم) ، قال : بسواد الوجوه.
14727 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن مبارك ، عن

(12/463)


الحسن : (بسيماهم) ، قال : بسواد الوجوه وزرقة العيون.
* * *
و " السيماء " ، العلامة الدالة على الشيء ، في كلام العرب. وأصله من " السِّمَة " ، نقلت واوها التي هي فاء الفعل ، إلى موضع العين ، كما يقال : " اضمحلّ " و " امضحلّ " . وذكر سماعًا عن بعض بني عقيل : " هي أرض خامة " ، يعني " وَخِمة " . ومنه قولهم : " له جاه عند الناس " ، بمعنى " وجه " ، نقلت واوه إلى موضع عين الفعل. (1) وفيها لغات ثلاث : " سيما " مقصورة ، و " سيماء " ، ممدودة ، و " سيمياء " ، بزيادة ياء أخرى بعد الميم فيها ، ومدها ، على مثال " الكبرياء " ، (2) كما قال الشاعر : (3)
غُلامٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ إذْ رَمَى... لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ (4)
* * *
وأما قوله : (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) ، أي : حلت عليهم أمنة الله من عقابه وأليم عذابه. (5)
* * *
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله : (لم يدخلوها وهم يطمعون).
فقال بعضهم : هذا خبر من الله عن أهل الأعراف : أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف ، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها.
* ذكر من قال ذلك :
14728 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : أهل الأعراف يعرفون الناسَ ، فإذا مرُّوا عليهم
__________
(1) انظر (( جاه )) فيما سلف 6 : 415 .
(2) انظر تفسير (( سيما )) فيما سلف 5 : 594 - 597 /7 : 189 ، 190 .
(3) هو أسيد بن عنقاء الفزاري .
(4) سلف البيت وتخريجه فيما سلف 5 : 595 /7 : 189 .
(5) انظر تفسير (( سلام )) فيما سلف ص : 114 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/464)


بزُمْرة يُذْهب بها إلى الجنة قالوا : " سلام عليكم " . يقول الله لأهل الأعراف : لم يدخلوها ، وهم يطمعون أن يدخلوها.
14729 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال ، تلا الحسن : (لم يدخلوها وهم يطمعون) ، قال : والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم ، إلا لكرامة يريدها بهم.
14730 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : (لم يدخلوها وهم يطمعون) ، قال : أنبأكم الله بمكانهم من الطمع.
14731 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن أبي بكر الهذلي قال ، قال سعيد بن جبير ، وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال : أما أصحاب الأعراف ، فإن النور كان في أيديهم ، فانتزع من أيديهم ، (1) يقول الله : (لم يدخلوها وهم يطمعون) ، قال : في دخولها. قال ابن عباس : فأدخل الله أصحاب الأعراف الجنة.
14732 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة وعطاء : (لم يدخلوها وهم يطمعون) ، قالا في دخولها.
* * *
وقال آخرون : إنما عني بذلك أهلَ الجنة ، وأن أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يدخلوا الجنة : " سلام عليكم " ، وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها ، ولم يدخلوها بعدُ.
* ذكر من قال ذلك :
14733 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز : (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) ، قال : الملائكة ، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم. وهذا قبل أن
__________
(1) في المطبوعة : (( ما انتزع )) ، والصواب من المخطوطة .

(12/465)


وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)

يدخل أهل الجنة الجنة ، أصحاب الأعراف ينادون أصحابَ الجنة : أنْ سلام عليكم ، لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا صرفت أبصارُ أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النار يعني : حِيالَهم ووِجاههم فنظروا إلى تشويه الله لهم (قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) ، الذين ظلموا أنفسهم ، فأكسبوها من سخطك ما أورثهم من عذابك ما هم فيه.
14734 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : وإذا مروا بهم يعني بأصحاب الأعراف بزمرة يُذهب بها إلى النار ، قالوا : (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين).
14735 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم ، قالوا : (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين).
14736 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبي مكين ، عن أخيه ، عن عكرمة : (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار) ، قال : تحرد وجوههم للنار ، فإذا رأوا أهل الجنة ذهبَ ذلك عنهم. (1)
__________
(1) الأثر : 14736 - (( أبو مكين )) ، هو (( نوح بن ربيعة الأنصاري )) ، مضى برقم : 9742 - 9839 . وكان وكيع يهم فيقول : (( أبو مكين )) هو (( نوح بن أبان )) ، أخو (( الحكم بن أبان )) ، ونبهوا على هذا الوهم . انظر ترجمة (( نوح بن ربيعة )) في التهذيب وابن أبي حاتم 4 / 1 / 482 .
وأخوه ، يعني وكيع : (( الحكم بن أبان العدني )) ، وهو يروي عن طاوس وعكرمة ، ثقة مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 334 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /113 .

(12/466)


وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)

14737 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، ابن زيد في قوله : (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار) ، فرأوا وجوههم مسودّة ، وأعينهم مزرقّة ، (قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين).
* * *
القول في تأويل قوله : { وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : (ونادى أصحاب الأعراف رجالا) ، من أهل الأرض (يعرفونهم بسيماهم) ، سيما أهل النار (قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) ، ما كنتم تجمعون من الأموال والعَدَد في الدنيا (وما كنتم تستكبرون) ، يقول : وتكبُّركم الذي كنتم تتكبرون فيها ، (1) كما :
14738 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال ، فمرّ بهم يعني بأصحاب الأعراف ناس من الجبَّارين عرفوهم بسيماهم. قال : يقول : قال أصحاب الأعراف : (ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون).
14739 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : (ونادى أصحاب الأعراف رجالا) ، قال : في النار ( يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم
__________
(1) انظر تفسير (( الاستكبار )) فيما سلف 11 : 540 / 12 : 421 .

(12/467)


وما كنتم تستكبرون) ، وتكبركم. (1)
14740 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز : (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) ، قال : هذا حين دخل أهل الجنةِ الجنةَ ، ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ، الآية ، قلت لأبي مجلز : عن ابن عباس ؟ قال : لا بل عن غيره.
14741 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز : (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) ، قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم ( ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ، قال : هذا حين دخل أهل الجنةِ الجنةَ ( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).
14742 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) ، فالرجال ، عظماء من أهل الدنيا. قال : فبهذه الصفة عرَف أهلُ الأعراف أهلَ الجنة من أهل النار. وإنما ذكر هذا حين يذهب رئيس أهل الخير ورئيس أهل الشر يوم القيامة قال : وقال ابن زيد في قوله : (ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) ، قال : على أهل طاعة الله.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : (( ... جميعكم وتكبركم وما كنتم تستكبرون )) ، وهو كذلك في المخطوطة ، إلا أنه فوق (( وتكبركم )) حرف ( م ) دلالة على أنه مقدم عن مكانه ، فرددته إلى الأصل ، وهو الصواب .

(12/468)


أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)

القول في تأويل قوله : { أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) }
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنيِّين بهذا الكلام.
فقال بعضهم : هذا قِيل الله لأهل النار ، توبيخًا على ما كان من قِيلهم في الدنيا ، لأهل الأعراف ، عند إدخاله أصحابَ الأعراف الجنة.
* ذكر من قال ذلك :
14743 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قال : " أصحاب الأعراف " ، رجال كانت لهم ذنوب عظام ، وكان حَسْم أمرهم لله ، يقومون على الأعراف ، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها. وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها ، فأدخلوا الجنة. فذلك قوله تعالى : " أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة " ، يعني أصحابَ الأعراف " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " .
14744 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك قال ، قال ابن عباس : إن الله أدخل أصحابَ الأعراف الجنة لقوله : " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " .
14745 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : قال الله لأهل التكبر والأموال : " أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة " ، يعني أصحاب الأعراف " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " .
14746 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أهؤلاء " ، الضعفاء " الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة

(12/469)


ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " ، قال : فقال حذيفة : " أصحاب الأعراف " ، قوم تكافأت أعمالهم ، فقصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة ، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار ، فجعلوا على الأعراف ، يعرفون الناس بسيماهم. فلما قُضِي بين العباد ، أذن لهم في طلب الشفاعة ، فأتوا آدم عليه السلام ، فقالوا : يا آدم ، أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك ! فقال : هل تعلمون أحدًا خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وسبقت رحمته إليه غضبه ، (1) وسجدت له الملائكة ، غيري ؟ فيقولون : لا! قال : فيقول : ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم ، (2) ولكن ائتوا ابني إبراهيم ! قال : فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه ، فيقول : هل تعلمون من أحدٍ اتخذه الله خليلا ؟ هل تعلمون أحدًا أحرقه قومه في النار في الله ، غيري ؟ فيقولون : لا! فيقول : ما عملت كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم ، (3) ولكن ائتوا ابني موسى ! فيأتون موسى عليه السلام ، فيقول : هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا ، وقرّبه نجيًّا ، غيري ؟ فيقولون : لا! فيقول : ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا عيسى ! فيأتونه فيقولون : اشفع لنا عند ربك ! فيقول : هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب ، غيري ؟ فيقولون : لا! فيقول : هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري ؟ قال : فيقولون : لا! قال : فيقول : أنا حجيجُ نفسي ، ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم ، (4) ولكن ائتوا محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيأتوني ، فأضرب بيدي على صدري ، ثم أقول : أنا لها! ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش ، فأثني على ربي ، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قطُّ ، ثم أسجد فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، سل تُعطَه ، واشفع تُشَفَّع ! فأرفع رأسي فأقول : رب ، أمتي ! فيقال : هم لك ، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرَّب إلا غَبَطني يومئذ بذلك المقام ، وهو المقام المحمود. قال : فآتي بهم باب الجنة ، فأستفتح فيفتح لي ولهم ، فيُذهب بهم إلى نهر يقال له " نهر الحيوان " ، (5) حافتاه قَصَب من ذهب مكلل باللؤلؤ ، (6) ترابه المسك ، وحصباؤه الياقوت ، فيغتسلون منه ، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة ، (7) ويصيرون كأنهم الكواكب الدرّية ، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها ، يقال لهم : " مساكين أهل الجنة " .
14747 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك قال : إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة ، وهو قوله : " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " ، يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عباس.
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس ، ومن ذكرنا قوله فيه : قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله ، والإذعان لطاعته وطاعة رسله ، الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء : أيها الجبابرة
__________
(1) في المطبوعة : " رحمة الله إليه غضبه " ، وأثبت ما في المخطوطة .
(2) " كنه الشيء " قدره ونهايته وغايته وحقيقته ، يريد : ما عملت ما يبلغ بي مرتبة الشفاعة لكم . وفي المطبوعة : " ما علمت " ، وأثبت ما في المخطوطة . وفي تفسير ابن كثير ، نقلا عن هذا الموضع من التفسير : " ما علمت كنهه ما أستطيع " ، والصواب ما في مخطوطة الطبري .
(3) في المطبوعة هنا أيضًا : " ما علمت " ، وأثبت ما في المخطوطة . وفي المخطوطة : " ما عملت فيه ما أستطيع " ، بإسقاط " كنه " سهوًا من الناسخ على الأرجح .
(4) في المطبوعة : " ما علمت كنه ما أستطيع " ، وأثبت ما في المخطوطة ، كما ذكرت في التعليقين السالفين.
(5) في المطبوعة : " نهر الحياة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق لما في تفسير ابن كثير .
(6) " القصب " أنابيب مستطيلة مجوفة من الجوهر ، أو الذهب أو الفضة . وكان في المطبوعة كما سلف آنفًا ص : 455 ، تعليق : 1 ، " قضب " بالضاد ، وأثبت ما في المخطوطة ، وغيرها من المراجع
(7) في المخطوطة : " وريح " ، بإسقاط " أهل الجنة " . وفي المطبوعة : " وريحهم " ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير 3 : 485 ، نقلا عن هذا الموضع من تفسير الطبري .

(12/470)


وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)

كانوا في الدنيا ، (1) أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي ، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام ، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم.
* * *
وقال أبو مجلز : بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار ، بعد ما دخلوا النار ، تعييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته. وأما قوله : " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " ، فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها.
14748 - حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : " ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة " ، قال : فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنةَ " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة ، عند نزول عظيم البلاء بهم من شدة العطش والجوع ، عقوبةً من الله لهم
__________
(1) في المطبوعة : " أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا " ، زاد " الذين " ، وليست في المخطوطة ، والذي في المخطوطة حق الصواب .

(12/472)


على ما سلف منهم في الدنيا من ترك طاعة الله ، وأداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين من الزكاة والصدقة.
يقول تعالى ذكره : " ونادى أصحاب النار " ، بعد ما دخلوها " أصحاب الجنة " ، بعد ما سكنوها " أن " ، يا أهل الجنة " أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " ، أي : أطعمونا مما رزقكم الله من الطعام ، كما : -
14749 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " ، قال : من الطعام.
14750 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " ، قال : يستطعمونهم ويستسقونهم.
* * *
فأجابهم أهل الجنة ، إن الله حرم الماء والطعام على الذين جحدوا توحيده ، وكذبوا في الدنيا رسله.
* * *
و " الهاء والميم " في قوله : " إن الله حرّمهما " ، عائدتان على " الماء " وعلى " ما " التي في قوله : " أو مما رزقكم الله " .
* * *
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14751 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن عثمان الثقفي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " ، قال : ينادي الرجلُ أخاه أو أباه ،

(12/473)


الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)

فيقول : " قد احترقت ، أفض عليَّ من الماء! " ، فيقال لهم : أجيبوهم ! فيقولون : " إن الله حرمهما على الكافرين "
14752 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا ابن دكين قال ، حدثنا سفيان ، عن عثمان ، عن سعيد بن جبير : " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " ، قال : ينادي الرجل أخاه : يا أخي ، قد احترقتُ فأغثني! فيقول : " إن الله حرمهما على الكافرين " . (1)
14753 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " قالوا إن الله حرمهما على الكافرين " ، قال : طعامُ أهل الجنة وشرابُها.
* * *
القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عن قِيل أهل الجنة للكافرين.
يقول تعالى ذكره : فأجاب أهلُ الجنة أهلَ النار : " إن الله حرمهما على الكافرين " الذين كفروا بالله ورسله ، الذين اتخذوا دينهم الذي أمرهم الله به لهوًا ولعبا ، يقول : سخرية ولعبًا. (2)
وروي عن ابن عباس في ذلك ما : -
__________
(1) الأثر : 14752 - " ابن دكين " ، هو " الفضل بن دكين التيمي " ، مضى مرارًا ، منها : 2554 ، 3035 ، 8535 .
(2) انظر تفسير " اللهو " فيما سلف 11 : 441 .
وتفسير " اللعب " فيما سلف 11 : 441 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/474)


14754 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : " الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا " ، الآية ، قال : وذلك أنهم كانوا إذا دُعوا إلى الإيمان سخِروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به ، اغترارًا بالله.
* * *
" وغرتهم الحياة الدنيا " ، يقول : وخدعهم عاجلُ ما هم فيه من العيش والخفض والدَّعة ، عن الأخذ بنصيبهم من الآخرة ، حتى أتتهم المنية (1) يقول الله جل ثناؤه : " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " ، أي ففي هذا اليوم ، وذلك يوم القيامة " ننساهم " ، يقول : نتركهم في العذاب المبين جياعًا عطاشًا بغير طعام ولا شراب ، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، ورفضوا الاستعداد له بإتعاب أبدانهم في طاعة الله.
* * *
وقد بينا معنى قوله : " ننساهم " ، بشواهده فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته. (2)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14755 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد : " فاليوم ننساهم " ، قال : نسوا في العذاب.
14756 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " فاليوم ننساهم " ، قال : نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا.
14757 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " ننساهم " ، قال : نتركهم في النار.
__________
(1) انظر تفسير " الغرور " فيما سلف ص : 351 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " النسيان " فيما سلف 11 : 357 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(12/475)


14758 - حدثني المثتي قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " ، قال : نتركهم من الرحمة ، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.
14759 - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " ، الآية ، يقول : نسيهم الله من الخير ، ولم ينسهم من الشرّ.
14760 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد قال ، سمعت مجاهدًا في قوله : " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " ، قال : نؤخرهم في النار.
* * *
وأما قوله : " وما كانوا بآياتنا يجحدون " ، فإن معناه : " اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " ، وكما كانوا بآياتنا يجحدون.
* * *
فـ " ما " التي في قوله : " وما كانوا " معطوفة على " ما " التي في قوله : " كما نسوا " .
* * *
قال أبو جعفر : وتأويل الكلام : فاليوم نتركهم في العذاب ، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة ، وكما كانوا بآيات الله يجحدون وهي حججه التي احتج بها عليهم ، من الأنبياء والرسل والكتب وغير ذلك (1)
" يجحدون " ، يكذبون ولا يصدقون بشيء من ذلك. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ).
(2) انظر تفسير " الجحد " فيما سلف 11 : 334.

(12/476)


وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)

القول في تأويل قوله : { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أقسم ، يا محمد ، لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب يعني القرآن الذي أنزله إليه. يقول : لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن ، مفصَّلا مبيَّنًا فيه الحق من الباطل " على علم " ، يقول : على علم منا بحقِّ ما فُصِّل فيه ، من الباطل الذي مَيَّز فيه بينه وبين الحق (1) " هدى ورحمة " ، يقول : بيناه ليُهْدَى ويُرْحَم به قومٌ يصدقون به ، وبما فيه من أمر الله ونهيه ، وأخباره ، ووعده ووعيده ، فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى.
وهذه الآية مردودة على قوله : ( كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) [ سورة الأعراف 2 ] " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم " .
* * *
و " الهدى " في موضع نصب على القطع من " الهاء " التي في قوله : " فصلناه " ، (2) ولو نصب على فعل " فصلناه " ، (3) فيكون المعنى : فصلنا الكتاب كذلك كان صحيحًا.
ولو قرئ : " هدى ورحمةٍ " كان في الإعراب فصيحًا ، وكان خفض ذلك بالردِّ على " الكتاب " . (4)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف ص : 402 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) " القطع " ، الحال ، وانظر فهارس المصطلحات.
(3) نصبه على " الفعل " ، أي : هو مفعول مطلق ، من غير فعله ، كأنه قال : فصلناه تفصيلا.
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 380.

(12/477)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)

القول في تأويل قوله : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : " هل ينظرون إلا تأويله " ، هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله ويجحدون لقاءه " إلا تأويله " ، يقول : إلا ما يؤول إليه أمرهم ، من ورودهم على عذاب الله ، وصِلِيِّهم جحيمه ، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به.
* * *
وقد بينا معنى " التأويل " فيما مضى بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14761 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " هل ينظرون إلا تأويله " ، أي : ثوابه " يوم يأتي تأويله " ، أي ثوابه.
14762 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " ، قال : " تأويله " ، عاقبته.
14763 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن
__________
(1) انظر تفسير " التأويل " فيما سلف 6 : 199 - 206/ 8 : 506 .

(12/478)


أبي نجيح : عن مجاهد ، " هل ينظرون إلا تأويله " ، قال : جزاءه " يوم يأتي تأويله " ، قال : جزاؤه.
14764 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14765 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " هل ينظرون إلا تأويله " ، أما " تأويله " ، فعواقبه ، مثل وقعة بدر ، والقيامة ، وما وعد فيها من موعد. (1)
14766 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق " ، فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر ، حتى يتم تأويله يوم القيامة ، ففي ذلك أنزل : " هل ينظرون إلا تأويله " ، حيث أثابَ الله تبارك وتعالى أولياءَه وأعداءه ثواب أعمالهم. يقول يومئذ الذين نسوه من قبل : " قد جاءت رسل ربنا بالحق " ، الآية.
14767 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " ، قال : يوم القيامة.
14768 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " يوم يأتي تأويله " ، قال : يوم يأتي حقيقته ، (2) وقرأ قول الله تعالى : ( هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ) ، [سورة يوسف : 100] . قال : هذا تحقيقها. وقرأ قول الله : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ )
، [ سورة آل عمران : 7 ] ، قال : ما يعلم
__________
(1) في المطبوعة : " وما وعد فيه " وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة : " يوم يأتي تحقيقه " وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.

(12/479)


حقيقته ومتى يأتي ، إلا الله تعالى
* * *
وأما قوله : " يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل " ، فإن معناه : يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله " يقول الذين نسوه من قبل " ، أي : يقول الذين ضيَّعوا وتركوا ما أمروا به من العمل المنجيهم مما آل إليه أمرهم يومئذ من العذاب ، من قبل ذلك في الدنيا " لقد جاءت رسل ربنا بالحق " ، أقسم المساكين حين عاينوا البلاءَ وحلّ بهم العقاب : أنّ رسل الله التي أتتهم بالنِّذارة وبلغتهم عن الله الرسالة ، (1) قد كانت نصحت لهم وصَدَقتهم عن الله ، وذلك حين لا ينفعهم التصديق. ولا ينجيهم من سَخَط الله وأليم عقابه كثرة القال والقيل.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14769 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق " ، أما " الذين نسوه " ، فتركوه ، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم ، استيقنوا فقالوا : " قد جاءت رسل ربنا بالحق " .
14770 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " يقول الذين نسوه " ، قال : أعرضوا عنه.
14771 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
* * *
__________
(1) " النذارة " بكسر النون ، كالإنذار ، على وزن " الرسالة " ، وانظر ما كتبته آنفًا 10 : 575 ، تعليق : 2.

(12/480)


القول في تأويل قوله : { فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) }
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم ، أنهم يقولون عند حلول سَخَط الله بهم ، وورودهم أليمَ عذابه ، ومعاينتهم تأويل ما كانت رسلُ الله تعِدهم : هل لنا من أصدقاءَ وأولياء اليوم فيشفعوا لنا عند ربنا ، فتنجينا شفاعتهم عنده مما قد حلّ بنا من سوء فعالنا في الدنيا (1) أو نردّ إلى الدنيا مرة أخرى ، فنعمل فيها بما يرضيه ويُعْتِبُه من أنفسنا ؟ (2) قال هذا القولَ المساكينُ هنالك ، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم ، فيذكروا ذلك في وقت لا خُلة فيه لهم ولا شفاعة.
يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : " قد خسروا أنفسهم " ، (3) يقول : غَبَنوا أنفسهم حظوظها ، ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرة الدائم ، بالخسيس من عَرَض الدنيا الزائل " وضل عنهم ما كانوا يفترون " ، يقول : وأسلمهم لعذاب الله ، وحار عنهم أولياؤهم ، (4) الذين كانوا يعبدونهم من دون الله ، (5) ويزعمون كذبًا وافتراء أنهم أربابهم من دون الله. (6)
14772 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " قد خسروا أنفسهم " ، يقول : شروها بخسران.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف 11 : 547 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) " أعتبه من نفسه " ، أعطاه العتبى - وهي الرضا - ورجع إلى مسرته.
(3) انظر تفسير " الخسارة " فيما سلف ص : 357 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(4) في المطبوعة : " وحاد " بالدال ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.
(5) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(6) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف ص : 408 تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(12/481)


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

وإنما رفع قوله : " أو نردُّ " ولم ينصب عطفًا على قوله : " فيشفعوا لنا " ، لأن المعنى : هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ؟ ولم يرد به العطف على قوله : " فيشفعوا لنا " . (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن سيدكم ومصلح أموركم ، أيها الناس ، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء (2) " الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام " ، وذلك يوم الأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، والجمعة ، كما : -
14773 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد قال : بدءُ الخلق العرشُ والماء والهواء ، وخلقت الأرض من الماء ، وكان بدء الخلق يوم الأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، وجُمع الخلق في يوم الجمعة ، وتهوَّدت اليهودُ يوم السبت. ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون.
* * *
" ثم استوى على العرش " .
* * *
__________
(1) في المخطوطة خلط وتكرار في هذه الجملة ، وصوابها ما في المطبوعة. وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 380.
(2) انظر تفسير " الرب " فيما سلف 1 : 142 - 143/ 12 : 286.

(12/482)


وقد ذكرنا معنى " الاستواء " واختلاف الناس فيه ، فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
وأما قوله : " يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا " ، فإنه يقول : يورد الليل على النهار فيلبسه إياه ، حتى يذهب نضرته ونوره (2) " يطلبه " ، يقول : يطلب الليل النهار " حثيثًا " ، يعني : سريعًا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14774 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يطلبه حثيثًا " ، يقول : سريعًا.
14775 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا " ، قال : يغشي الليل النهارَ بضوئه ، ويطلبه سريعًا حتى يدركه.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم ، كلّ ذلك بأمره ، أمرهن الله فأطعن أمرَه ، ألا لله
__________
(1) انظر تفسير " الاستواء " فيما سلف 1 : 428 - 431.
(2) انظر تفسير " الغشاوة " فيما سلف 1 : 265 ، 266.

(12/483)


الخلق كله ، والأمرُ الذي لا يخالف ولا يردّ أمره ، دون ما سواه من الأشياء كلها ، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع ، ولا تخلق ولا تأمر ، تبارك الله معبودُنا الذي له عبادة كل شيء ، رب العالمين. (1)
14776 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن قال ، حدثنا بقية بن الوليد قال ، حدثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري ، عن عبد العزيز الشامي ، عن أبيه ، وكانت له صحبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه ، قلَّ شكره ، وحَبِط عمله. ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه ، لقوله : " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " . (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " تبارك " فيما سلف ص : 238 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك.
وتفسير " رب " فيما سلف قريبًا ص : 482 ، تعليق : 2 والمراجع هناك.
وتفسير " العالمين " فيما سلف من فهارس اللغة (علم).
(2) الأثر : 14776 - " عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري " ، هكذا جاء هنا في المخطوطة والمطبوعة ، وهكذا نقله الحافظ ابن حجر عن هذا الموضع من التفسير في ترجمة (أبو عبد العزيز) من الإصابة ، وهكذا نقله ابن كثير في تفسيره 3 : 489.
ولكن الذي أطبقت عليه كتب التراجم ، والأسانيد الأخرى التي نقلها الحافظ ابن حجر ، في موضع آخر من الإصابة أنه :
" عبد الغفور بن عبد العزيز " ، وكنوه " أبو الصباح " ، ونسبوه " الواسطي " ، وهو مترجم في لسان الميزان 4 : 43 ، 44 ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 55 ، وميزان الاعتدال 2 : 142 ، وهو ضعيف منكر الحديث ، وأخرجه البخاري في الضعفاء .
وأبوه هو : " عبد العزيز الشامي " ، ولم أجد له ذكرًا ، إلا في أثناء هذه الأسانيد .
وأبوه ، الذي له صحبة يقال اسمه " سعيد الشامي " ، وهو مترجم بذلك في الإصابة ، وكنيته " أبو عبد العزيز " ، وهو مترجم أيضًا في باب الكنى من الإصابة ، وفي أسد الغابة 5 : 247.
وهذا الخبر ، رواه الحافظ ابن حجر في الموضعين من ترجمة " أبي عبد العزيز " و " سعيد " ، وابن الأثير في أسد الغابة 5 : 247 ، وابن كثير في تفسيره 3 : 489 ، والسيوطي في الدر المنثور 3 : 92 .
وهو خبر ضعيف هالك الإسناد . و " بقية بن الوليد " كما قال ابن المبارك : (( كان صدوقًا ، ولكنه يكتب عمن أقبل وأدبر )) . وقال أحمد : " إذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه " . وقال يحيى بن معين : " كان يحدث عن الضعفاء بمئة حديث قبل أن يحدث عن الثقات " . وقال أبو زرعة : " بقية عجب!! إذا روى عن الثقات فهو ثقة " . وذكر قول ابن المبارك الذي تقدم ، ثم قال : " وقد أصاب ابن المبارك. ثم قال : هذا في الثقات ، فأما في المجهولين ، فيحدث عن قوم لا يعرفون ولا يضبطون " .

(12/484)


ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)

القول في تأويل قوله : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ادعوا ، أيها الناس ، ربَّكم وحده ، فأخلصوا له الدعاء ، دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام " تضرعًا " ، يقول : تذلُّلا واستكانة لطاعته (1) " وخفية " ، يقول بخشوع قلوبكم ، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه ، لا جهارًا ومراءاةً ، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته ، فعلَ أهل النفاق والخداع لله ولرسوله ، (2) كما : -
14777 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : إنْ كانَ الرجل لقد جمع القرآن ، وما يشعرُ جارُه. وإن كان الرجل لقد فَقُه الفقهَ الكثير ، وما يشعرُ به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْر ، (3) وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبدًا! ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ، وما يُسمع لهم صوت ، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم ، وذلك أن الله يقول : " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية " ، وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا فرضِي فعله فقال : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) ، [ سورة مريم : 3 ] .
__________
(1) انظر تفسير " التضرع " فيما سلف 11 : 355 ، 414.
(2) انظر تفسير " خفية " فيما سلف 11 : 414.
(3) " الزور " (بفتح فسكون) جمع " زائر " ، مثل " صاحب " و " صحب " . وفي المخطوطة : " الزور " مضبوطة بالقلم بضم الزاي وتشديد الواو مفتوحة ، وهو صواب أيضًا.

(12/485)


14778 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في غَزَاة ، (1) فأشرفوا على وادٍ يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم ، فقال : أيها الناس ، اربَعُوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا! إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم " . (2)
14779 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قوله : " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية " ، قال : السر.
* * *
وأما قوله : " إنه لا يحب المعتدين " ، فإن معناه : إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذي حدَّه لعباده في دعائه ومسألته ربَّه ، ورفعه صوته فوق الحد الذي حدَّ لهم في دعائهم إياه ، ومسألتهم ، وفي غير ذلك من الأمور ، (3) كما : -
14780 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا معتمر بن سليمان قال ، أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان ، عن عباد بن عباد ، عن علقمة ، عن أبي مجلز : " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين " ، قال : لا يسأل منازلَ الأنبياء عليهم السلام.
14781 - حدثني القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : " إنه لا يحب المعتدين " ،
__________
(1) هذه الغزاة ، هي غزوة خيبر.
(2) الأثر : 14778 - رواه البخاري في صحيحه (الفتح 7 : 363) ، ومسلم في صحيحه 17 : 25 من هذه الطريق ، مطولا.
وقوله : " اربعوا على أنفسكم " ، أي : ارفقوا بأنفسكم ، واخفضوا أصواتكم. وفي المخطوطة : " سميعًا قريبًا أنا معكم " غير منقوطة ، وأثبت ما في الصحيحين ، وفي المطبوعة ، حذف ما في المخطوطة ، ولم يزد " وهو " التي زدتها.
(3) انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).

(12/486)


وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)

في الدعاء ولا في غيره قال ابن جريج : إن من الدعاء اعتداءً ، يُكره رفعُ الصوتِ والنداءُ والصياحُ بالدعاء ، ويُؤمر بالتضرُّع والاستكانة.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " ، لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها ، وذلك هو الفساد فيها.
* * *
وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى ، وبينا معناه بشواهده. (1)
* * *
" بعد إصلاحها " يقول : بعد إصلاح الله إياها لأهل طاعته ، بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق ، وإيضاحه حججه لهم (2) " وادعوه خوفًا وطمعًا " ، يقول : وأخلصوا له الدعاء والعمل ، ولا تشركوا في عملكم له شيئًا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك ، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفًا من عقابه ، وطمعًا في ثوابه. وإنّ مَن كان دعاؤه إياه على غير ذلك ، فهو بالآخرة من المكذبين ، لأنّ من لم يخف عقابَ الله ولم يرجُ ثوابه ، لم يبال ما ركب من أمر يسخَطه الله ولا يرضاه " إن رحمة الله قريب من المحسنين " ، يقول تعالى ذكره : إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا ، قريب منهم ، وذلك هو رحمته ، (3)
__________
(1) انظر تفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف 1 : 287 ، 416 ، ومواضع أخرى آخرها 10 : 461 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الإصلاح " فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).
(3) انظر تفسير " الرحمة " فيما سلف من فهارس اللغة (رحم).
وتفسير " الإحسان " فيما سلف من فهارس اللغة (حسن).

(12/487)


لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعدّ لهم من كرامته إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم.
* * *
ولذلك من المعنى ذُكِّر قوله : " قريب " ، وهو من خبر " الرحمة " ، و " الرحمة " مؤنثة ، لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النَّسب ، والأوقات بذلك المعنى إذا وقعت أخبارًا للأسماء ، (1) أجرتها العرب مجرى الحال ، فوحّدتها مع الواحد والاثنين والجميع ، وذكَّرتها مع المؤنث ، فقالوا : " كرامة الله بعيد من فلان " ، و " هي قريب من فلان " ، كما يقولون : " هند قريب منا " ، و " الهندان منا قريب " ، و " الهندات منا قريب " ، لأن معنى ذلك : هي في مكان قريب منا. فإذا حذفوا المكان وجعلوا " القريب " خلفًا منه ، ذكَّروه ووحَّدوه في الجمع ، كما كان المكان مذكرًا وموحدًا في الجمع. وأما إذا أنثوه ، أخرجوه مثنى مع الاثنين ، ومجموعًا مع الجميع ، فقالوا : " هي قريبة منا " ، و " هما منّا قريبتان " ، كما قال عروة [بن الورد] : (2)
عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ... فَتَدْنُو ، وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ (3)
فأنث " قريبة " ، وذكّر " بعيدًا " ، على ما وصفت. ولو كان " القريب " ، من " القرابة " في النسب ، لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثًا ، ومع الجميع إلا مجموعًا. (4)
__________
(1) في المطبوعة : " إذا رفعت أخبارًا " ، لم يحسن قراءة المخطوطة.
(2) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، والصواب أنه " عروة بن حزام " ، كما سترى في التخريج ، وكأنه سهو من الناسخ وزيادة منه ، فإن هذا كله تابع فيه أبو جعفر ، الفراء في معاني القرآن ، والفراء لم يذكر سوى " عروة " ، فزاد الناسخ سهوًا " بن الورد " .
(3) معاني القرآن للفراء 1 : 381 ، على ما ذكره أبو جعفر ، وهو نقله عنه. والبيت في ديوان عروة بن حزام ، وفي تزيين الأسواق 1 : 84 ، والبكري في شرح الأمالي : 401 ، من شعر له صواب إنشاده على الباء : عَشِيَّة لا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدَةٌ ... فَتَسْلُو ، وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبُ
وَإنِّي لَتَغْشَانِي لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ ... لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامِ دَبيبُ
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 381 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 216 ، 217..

(12/488)


وكان بعض نحويي البصرة يقول : ذكَّر " قريب " وهو صفة لـ " الرحمة " ، وذلك كقول العرب : " ريح خريق " ، (1) و " ملحفَة جديد " ، (2) و " شاة سديس " . (3) قال : وإن شئت قلت : تفسير " الرحمة " هاهنا ، المطر ونحوه ، فلذلك ذكَّر ، كما قال : ( وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا ) ، [ سورة الأعراف : 87 ] ، فذكَّر ، لأنه أراد الناس. وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث ، كقول الشاعر : (4)
وَلا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا (5)
* * *
وقد أنكر ذلك من قِيله بعضُ أهل العربية ، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكِّر " قريبًا " ، توجيهًا منه للرحمة إلى معنى المطر ، أن يقول : " هند قام " ، توجيهًا منه لـ " هند " وهي امرأة ، إلى معنى : " إنسان " ، ورأى أن ما شبَّه به قوله : " إن رحمة الله قريب من المحسنين " ، بقوله : " وإن كان طائفة منكم آمنوا " ، غير مُشْبِهِه. وذلك أن " الطائفة " فيما زعم مصدر ، بمعنى " الطيف " ، كما " الصيحة " و " الصياح " ، بمعنًى ، ولذلك قيل : ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) ، [ سورة هود : 67 ].
* * *
__________
(1) " ريح خريق " : شديدة ، وقيل : لينة سهلة. ضد.
(2) في المطبوعة : " وساحفة حديد " ، وفي المخطوطة : " وماحقه جديد " ، غير منقوطة والصواب ما أثبت ، وهو المثل الذي ضرب في هذا الباب. قال ابن سيده : " ملحفة جديد ، وجديدة " ، وقال سيبويه : وقد قالوا ملحفة جديدة ، وهو قليلة.
(3) " شاة سديس " : أتت عليها السنة السادسة.
(4) عامر بن جوين الطائي.
(5) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 1 : 432 ، ونسيت أن أذكر هناك أنه سيأتي في هذا الموضع من التفسير ، ثم في 18 : 118 (بولاق) ، وصدر البيت : فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا

(12/489)


وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)

القول في تأويل قوله : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، هو الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته. (1)
* * *
و " النشر " بفتح " النون " وسكون " الشين " ، في كلام العرب ، من الرياح ، الطيبة اللينة الهبوب ، التي تنشئ السحاب. وكذلك كل ريح طيبة عندهم فهي " نشر " ، ومنه قول امرئ القيس :
كَأَنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمَامِ... وَرِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ (2)
* * *
وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين ، خلا عاصم بن أبي النجود ، فإنه كان يقرؤه : " بشرًا " على اختلاف عنه فيه.
* * *
__________
(1) القراءة التي أثبتها أبو جعفر في تفسير الآية " نشرا " ، ولكني أثبت في الآية قراءتنا في مصحفنا ، وسأثبتها في سائر المواضع بقراءة أبي جعفر بالنون.
(2) ديوانه : 79 ، واللسان ( نشر ) من قصيدة له طويلة ، وهذا البيت في ذكر " هو " صاحبته وهذا البيت في صفة رائحة ثغرها عند الصباح ، حين تتغير أفواه الناس ، يقول بعده : يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا ... إذَا طَرَّبَ الطَّائِر المُسْتَحِرْ
و " القطر " (بضمتين) : هو العود الذي يتبخر به. و " صوب الغمام " ، وقعه حيث يقع. و " يعل " يسقى بالمدام مرة بعد مرة. و " الطائر المستحر " ، الديك إذا صوت عند السحر. يصفها بطيب رائحة فمها ، حين تتغير الأفواه بعد النوم.

(12/490)


فروى ذلك بعضهم عنه : ( بُشْرًا ) ، بالباء وضمها ، وسكون الشين.
وبعضهم ، بالباء وضمها وضم الشين.
وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ) [ سورة الروم : 46 ] ، تبشر بالمطر ، وأنه جمع " بشير " يبشر بالمطر ، جُمِع " بُشُرًا " ، كما يجمع " النذير " " نُذُرًا " . (1)
* * *
وأما قرأة المدينة وعامة المكيين والبصريين ، فإنهم قرؤوا ذلك : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاحَ نُشُرَا ) ، بضم " النون " ، و " الشين " بمعنى جمع " نَشور " جمع " نشرًا " ، كما يجمع " الصبور " " صُبُرًا " ، و " الشكور " " شُكُرًا " .
* * *
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : معناها إذا قرئت كذلك : أنها الريح التي تهبّ من كل ناحية ، وتجيء من كل وجه. (2)
* * *
وكان بعضهم يقول : إذا قرئت بضم النون ، فينبغي أن تسكن شينها ، لأن ذلك لغة بمعنى " النَّشْر " بالفتح. وقال : العرب تضم النون من " النُّشْر " أحيانًا ، وتفتح أحيانًا بمعنى واحد. قال : فاختلاف القرأة في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول : هو نظير " الخَسْف " ، " والخُسْف " ، بفتح الخاء وضمها.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن قراءة من قرأ ذلك : ( نَشْرًا ) و( نُشُرًا ) ، بفتح " النون " وسكون " الشين " ، وبضم " النون " و " الشين " قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار.
__________
(1) في المطبوعة : " وأنه جمع بشير بشرًا ، كما يجمع النذير نذرًا " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 217.

(12/491)


... ... .... ...... ..... ..... ...... ...... ...... ..... ..... ... ... ...... ..... ..... ... ... (1) .
فلا أحب القراءة بها ، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإعراب ، لما ذكرنا من العلة .
* * *
وأما قوله : " بين يدي رحمته " ، فإنه يقول : قدام رحمته وأمامها.
* * *
والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه : " جاء بين يديه " ، لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم ، وكثر استعماله فيهم ، حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا يَدَ له. (2)
* * *
و " الرحمة " التي ذكرها جل ثناؤه في هذا الموضع ، المطر.
* * *
فمعنى الكلام إذًا : والله الذي يرسل الرياح ليّنًا هبوبها ، طيبًا نسيمها ، أمام غيْثه الذي يسوقه بها إلى خلقه ، فينشئ بها سحابًا ثقالا حتى إذا أقلتها و " الإقلال " بها ، حملها ، كما يقال : " استقلّ البعير بحمله " ، و " أقله " ، إذا حمله فقام به ساقه الله لإحياء بلد ميت ، قد تعفَّت مزارعه ، ودَرَست مشاربه ، وأجدب أهلُه ، (3) فأنزل به المطر ، وأخرج به من كل الثمرات.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14782 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) في موضع هذه النقط سقط لا شك فيه ، ذكر فيه العلة التي سيشير إليها بعد. ولم أستطع أن أجد نقلا عن أبي جعفر يهدي إلى ما يسد هذا الخرم.
(2) انظر تفسير : " بين يديه " فيما سلف 6 : 160 ، 438.
(3) انظر تفسير " ميت " و " موت الأرض " فيما سلف 3 : 274/ 5 : 446.

(12/492)


حدثنا أسباط ، عن السدي : " وهو الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته " إلى قوله : " لعلكم تذكرون " ، قال : إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين ، طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان ، فيخرجه من ثَمَّ ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء ، ثم يفتح أبواب السماء ، فيسيل الماء على السحاب ، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما " رحمته " ، فهو المطر.
* * *
وأما قوله : " كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون " ، فإنه يقول تعالى ذكره : كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب ، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقُحُوط أهله ، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياءً بعد فنائهم ودروس آثارهم " لعلكم تذكرون " ، يقول تعالى ذكرُه للمشركين به من عبدة الأصنام ، المكذبين بالبعث بعد الممات ، المنكرين للثواب والعقاب : ضربتُ لكم ، أيها القوم ، هذا المثل الذي ذكرت لكم : من إحياء البلد الميت بقَطْر المطر الذي يأتي به السحاب الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها ، لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن مَنْ كان ذلك من قدرته ، فيسيرٌ في قدرته إحياء الموتى بعد فنائها ، وإعادتها خلقًا سويًّا بعد دُرُوسها. (1)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14783 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : " كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون " ، وكذلك تخرجون ، وكذلك النشور ، كما نخرج الزرع بالماء.
* * *
14784 - وقال أبو هريرة : إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى ، أمطر
__________
(1) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف ص : 299 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(12/493)


عليهم من ماء تحت العرش يُدعى " ماء الحيوان " أربعين سنة ، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. حتى إذا استكملت أجسادهم ، نفخ فيهم الروح ، ثم تُلْقى عليهم نَوْمة ، فينامون في قبورهم. فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا ، وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم ، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه ، فعند ذلك يقولون : ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) ، فناداهم المنادي : ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) [ سورة يس : 52 ]. (1)
* * *
14785 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " كذلك نخرج الموتى " ، قال : إذا أراد الله أن يخرج الموتى ، أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض ، ثم يرسل الأرواح ، فتعود كل روح إلى جسدها ، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض.
* * *
__________
(1) الأثر : 14784 - هذا الخبر عن أبي هريرة ، رواه بغير إسناد ، وكنت أظنه من رواية السدي في الأثر السالف ، ولكني شككت في ذلك ، فآثرت أن أضع له رقمًا مستقلا. وأيا ما كان ، فإني لم أجد نص هذا الخبر في شيء من مراجعي. وحديث أبي هريرة في البعث ، رواه مسلم في صحيحه 18 : 91 ، قال :
" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بين النفختين أربعون . قالوا : يا أبا هريرة : أربعون يومًا ؟ قال : أَبَيْتُ . قالوا : أربعون شهرًا ؟ قال : أبيتُ . قالوا : أربعون سنة ؟ قال أبيتُ ، ثم ينزل الله من السماء ماءً فيَنْبُتُون كما يَنْبُتُ البَقْل . وَليس من الإنسانِ شيء إلا يَبْلَى ، إلا عظمًا واحدًا ، وهو عَجْبُ الذنب ، ومنه يُرَكَّبُ الخلقُ يوم القيامة " .

(12/494)


وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

القول في تأويل قوله : { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والبلدُ الطيبة تربته ، العذبةُ مشاربه ، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا ، بإذنه ، طيبًا ثمرُه في حينه ووقته. والذي خَبُث فردؤت تربته ، وملحت مشاربه ، لا يخرج نباته إلا نكدًا
يقول : إلا عَسِرًا في شدة ، كما قال الشاعر : (1)
لا تُنْجِزُ الوعْدَ ، إِنْ وَعَدْتَ ، وإن... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا (2)
يعني بـ " التافه " ، القليل ، وبـ " النكد " العسر. يقال منه : " نكِد يَنْكَد نكَدًا ، ونَكْدًا فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ " ، والنُّكْد ، المصدر. ومن أمثالهم : " نَكْدًا وجحدًا " ، " ونُكدًا وجُحْدا " . و " الجحد " ، الشدة والضيق. ويقال : " إذا شُفِه وسئل : (3) قد نَكَدوه ينكَدُونه نَكْدًا " ، كما قال الشاعر : (4)
وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا... لا خَيْرَ فِي المَنْكُودِ والنَّاكِدِ (5)
* * *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه بعض أهل المدينة : ( إلا نَكَدًا ) ، بفتح الكاف.
* * *
__________
(1) م أعرف قائله.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 217 ولسان العرب (تفه).
(3) " شفه الرجل " (بالبناء للمجهول) ، إذا كثر سؤال الناس إياه فأعطى حتى نفد ما عنده فأفنى ماله. " فهو مشفوه " ومثله " منكود ، ومثمود ، ومعروك ، ومعجوز ، ومصفوف ، ومكثور عليه " . ويقال : " ماء مشفوه " ، كثير الشاربة ، وكذلك الماء والطعام.
(4) م أعرف قائله.
(5) اللسان (نكد) ، وقد ذكرت البيت آنفًا 1 : 442 ، تعليق : 1

(12/495)


وقرأه بعض الكوفيين بسكون الكاف : ( نَكْدًا ).
* * *
وخالفهما بعد سائر القرأة في الأمصار ، فقرؤوه : ( إلا نَكِدًا ) ، بكسر الكاف.
* * *
كأن من قرأه : " نكَدًا " بنصب الكاف أراد المصدر.
وكأنّ من قرأه بسكون الكاف أراد كسرها ، فسكنها على لغة من قال : " هذه فِخْذ وكِبْد " ، وكان الذي يجب عليه إذا أراد ذلك أن يكسر " النون " من " نكد " حتى يكون قد أصاب القياس.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا ، قراءةُ من قرأهُ : ( نَكِدًا ) ، بفتح " النون " وكسر " الكاف " ، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه.
* * *
وقوله : " كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون " ، يقول : كذلك : نُبين آية بعد آية ، وندلي بحجة بعد حجة ، ونضرب مثلا بعد مثل ، (1) لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية ، وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة ، باتباعهم ما أمرَهم باتباعه ، وتجنُّبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة. وهذا مثل ضرَبه الله للمؤمن والكافر ، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه ، مثل للمؤمن والذي خَبُث فلا يخرج نباته إلا نكدًا ، مثلٌ للكافر.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14786 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " والبلد الطيب يخرج نباته
__________
(1) انظر تفسير " التصريف " فيما سلف 3 : 275 ، 276/ 11 : 356 ، 433/ 12 : 25
وتفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).

(12/496)


بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا " ، فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. يقول : هو طيب ، وعمله طيب ، كما البلد الطيب ثمره طيب. ثم ضرب مثلَ الكافر كالبلدة السَّبِخة المالحة التي يخرج منها النز (1) فالكافر هو الخبيث ، وعمله خبيث.
14787 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " والبلد الطيب " ، و " الذي خبث " قال : كل ذلك من الأرض السِّباخ وغيرها ، مثل آدم وذريته ، فيهم طيب وخبيث.
14788 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه.
14789 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا " ، قال : هذا مثل ضربه الله في الكافر والمؤمن.
14790 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثني أحمد يعني ابن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث " ، هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا و " النكد " ، الشيء القليل الذي لا ينفع. فكذلك القلوب لما نزل القرآن ، فالقلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه ، والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلا ما لا ينفع ، كما لم يُخْرِج هذا البلد إلا ما لا ينفع من النبات.
__________
(1) في المطبوعة : " التي تخرج منها البركة " ، زاد " لا " ، وليست في المخطوطة اتباعًا لما في الدر 3 : 93. وفي المخطوطة مثلها أنه كتب " النزله " غير المنقوطة. وهو غير مفهوم إذا قرئ : " تخرج منها البركة " . وصفة الأرض " السبخة " أنها أرض ذات ملح ونز ، وهو الماء تتحلب عنه الأرض ، فيصير مناقع. ومن أجل ذلك صار راجحًا عندي أن ما أثبته هو الصواب ، وأن ما في المخطوطة من فعل الناسخ.

(12/497)


لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)

14791 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد ، عن مجاهد : " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا " ، قال : الطيب ينفعه المطر فينبت ، " والذي خبث " السباخُ ، لا ينفعه المطر ، لا يخرج نباته إلا نكدًا. قال : هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم ، إنما خلقوا من نفس واحدة ، فمنهم من آمن بالله وكتابه ، فطابَ. ومنهم من كفر بالله وكتابه ، فخَبُث.
* * *
القول في تأويل قوله : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) }
قال أبو جعفر : أقسم ربنا جل ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية : أنه أرسل نوحًا إلى قومه ، منذرَهم بأسَه ، ومخوِّفَهم سَخَطه ، على عبادتهم غيره ، فقال لمن كفر منهم : يا قوم ، اعبدوا الله الذي له العبادة ، وذِلُّوا له بالطاعة ، واخضعوا له بالاستكانة ، ودعوا عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة ، فإنه ليس لكم معبودٌ يستوجب عليكم العبادةَ غيرُه ، فإني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك " عذابَ يوم عظيم " ، يعني : عذابَ يوم يعظم فيه بلاؤكم بمجيئه إياكم بسخط ربِّكم.
* * *
وقد اختلفت القَرَأة في قراءة قوله : " غيره " .
فقرأ ذلك بعض أهل المدينة والكوفة : ( مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِهِ ) ، بخفض " غير " على النعت لـ " إله " .
* * *
وقرأه جماعة من أهل المدينة والبصرة والكوفة : ( مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه ) ،

(12/498)


قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)

برفع " غير " ، ردًّا لها على موضع " من " ، لأن موضعها رفع ، لو نزعت من الكلام لكان الكلام رفعًا ، وقيل : " ما لكم إله غيرُ الله " . (1) فالعرب [ لما وصفت من أن المعلوم بالكلام ] (2) أدخلت " من " فيه أو أخرجت ، وأنها تدخلها أحيانًا في مثل هذا من الكلام ، وتخرجها منه أحيانًا ، تردّ ما نعتت به الاسم الذي عملت فيه على لفظه ، فإذا خفضت ، فعلى كلام واحد ، لأنها نعت لـ " الإله " . وأما إذا رفعت ، فعلى كلامين : " ما لكم غيره من إله " ، وهذا قول يستضعفه أهل العربية.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه ، عن جواب مشركي قوم نوح لنوح ، وهم " الملأ " و " الملأ " ، الجماعة من الرجال ، لا امرأة فيهم (3) أنهم قالوا له حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له : " إنا لنراك " ، يا نوح " في ضلال مبين " ، (4) يعنون في أمر زائل عن الحق ، مبين زوالهُ عن قصد الحقّ لمن تأمله. (5)
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 382 ، 383.
(2) هكذا جاءت العبارة في المطبوعة والمخطوطة ، وفي الكلام سقط لا شك فيه ، لم أستطع أن أرده إلى أصله ، ولذلك وضعت هذه العبارة بين القوسين. والظاهر أن السقط طويل ، لأن أبا جعفر خالف هنا في هذا السياق ما درج عليه من ذكر أولي القراءتين بالصواب عنده.
(3) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف 5 : 291 ، وقد فسره هناك بما فسرته كتب اللغة ، أنهم وجوه القوم ورؤساؤهم وأشرافهم. وأما التفسير الذي هنا ، فلم يرد فيها ، وهو شيء ينبغي أن يقيد. وهذا نص الفراء في معاني القرآن 1 : 383.
(4) انظر تفسير " الضلال " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) و (بين).
(5) في المطبوعة : " عن قصد الحد " ، وهو لا معنى له ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة ، وهذا صواب قراءتها. وانظر تفسير الآية التالية.

(12/499)


قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)

القول في تأويل قوله : { قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال نوح لقومه مجيبًا لهم : يا قوم ، لم آمركم بما أمرتكم به من إخلاص التوحيد لله ، وإفراده بالطاعة دون الأنداد والآلهة ، زوالا مني عن محجة الحقّ ، وضلالا لسبيل الصواب ، وما بي ما تظنون من الضلال ، ولكنّي رسول إليكم من رب العالمين بما أمرتكم به : من إفراده بالطاعة ، والإقرار له بالوحدانية ، والبراءة من الأنداد والآلهة.
* * *
القول في تأويل قوله : { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) }
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه الذين كفروا بالله وكذبوه : " ولكني رسول من رب العالمين " ، أرسلني إليكم ، فأنا أبلغكم رسالات ربي ، وأنصح لكم في تحذيري إياكم عقابَ الله على كفركم به ، وتكذيبكم إياي ، وردّكم نصيحتي " وأعلم من الله ما لا تعلمون " ، من أن عقابه لا يردُّ عن القوم المجرمين.
* * *

(12/500)


أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)

القول في تأويل قوله : { أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) }
قال أبو جعفر : وهذا أيضًا خبر من الله عز ذكره عن قِيل نوح لقومه أنه قال لهم ، إذ ردُّوا عليه النصيحة في الله ، وأنكروا أن يكون الله بعثه نبيًّا ، وقالوا له : ( مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) ، [ سورة هود : 27 ] : " أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم " ، يقول : أوعجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعِظة ، يذكركم بما أنزل ربكم " على رجل منكم " ، قيل : معنى قوله : " على رجل منكم " ، مع رجل منكم (1) " لينذركم " ، يقول : لينذركم بأس الله ويخوِّفكم عقابه على كفركم به (2) " ولتتقوا " ، يقول : وكي تتقوا عقابَ الله وبأسه ، بتوحيده وإخلاص الإيمان به ، والعمل بطاعته " ولعلكم ترحمون " ، يقول : وليرحمكم ربكم إن اتقيتم الله ، وخفتموه وحَذِرتم بأسه.
* * *
وفتحت " الواو " من قوله : " أو عجبتم " ، لأنها واو عطف ، دخلت عليها ألف استفهام. (3)
* * *
__________
(1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 383.
(2) انظر تفسير " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة (نذر).
(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 383.

(12/501)


فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)

القول في تأويل قوله : { فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فكذب نوحًا قومه إذ أخبرهم أنه لله رسولٌ إليهم ، يأمرهم بخلع الأنداد ، والإقرار بوحدانية الله ، والعمل بطاعته ، وخالفوا أمر ربهم ، ولجُّوا في طغيانهم يعمهون ، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به ، وكانوا بنوح عليه السلام أنفسًا عشرة ، (1) فيما : -
14792 - حدثني به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : نوح ، وبنوه الثلاثة سامٌ وحام ويافث ، وأزواجهم ، وستة أناسيّ ممن كان آمن به.
* * *
وكان حمل معه في الفلك من كل زوجين اثنين ، كما قال تبارك وتعالى : ( وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ) [ سورة هود : 40 ].
* * *
و " الفلك " ، هو السفينة.
* * *
" وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا " ، يقول : وأغرق الله الذين كذبوا بحججه ، ولم يتبعوا رسله ، ولم يقبلوا نصيحته إياهم في الله بالطوفان.
" إنهم كانوا قومًا عمين " ، يقول : عمين عن الحق ، كما : -
14793 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " عمين " ، قال : عن الحق.
__________
(1) في المخطوطة ما أثبت ، ولكن ناشر المطبوعة اجتهد فكتب " وكانوا بنوح عليه السلام ثلاث عشرة " ، وهو تصرف معيب ، فإن خبر ابن إسحاق هذا سيأتي في تفسير " سورة هود " 12 : 26 (بولاق) ، وفيه : " فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم " ، فنوح وبنوه أربعة ، وستة أناسي ، فهذه عشرة. أما الأزواج فإنه لم يدخلهن في العدة كما ترى ، وإنما عنى عدد الرجال دون النساء.

(12/502)


وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67)

14794 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " قوما عمين " ، قال : العَمَى ، العامي عن الحق. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا ولذلك نصب " هودًا " ، لأنه معطوف به على " نوح " عليهما السلام قال هود : يا قوم ، اعبدوا الله فأفردوا له العبادة ، ولا تجعلوا معه إلهًا غيره ، فإنه ليس لكم إله غيره " أفلا تتقون " ، ربكم فتحذرونه ، وتخافون عقابه بعبادتكم غيره ، وهو خالقكم ورازقكم دون كل ما سواه.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : مخبرًا عما أجاب هودًا به قومُه الذين كفروا بالله : " قال الملأ الذين كفروا " ، يعني : الذين جحدوا توحيد الله وأنكروا رسالة الله إليهم (2)
" إنا لنراك " ، يا هود " في سفاهة " ، يعنون : في ضلالة عن الحق والصواب
__________
(1) انظر تفسير " العمى " فيما سلف 11 : 372 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير الملأ " فيما سلف قريبًا ص : 499 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(12/503)


بتركك ديننا وعبادة آلهتنا (1) " وإنا لنظنك من الكاذبين " ، في قيلك : " إنّي رسول من رب العالمين " قال : " يا قوم ليس بي سفاهة " ، يقول : أي ضلالة عن الحق والصواب " ولكني رسول من رب العالمين " ، أرسلني ، فأنا أبلغكم رسالات ربي ، وأؤدّيها إليكم كما أمرني أن أؤدِّيَها.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " السفاهة " فيما سلف ص : 153 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.

(12/504)


أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

القول في تأويل قوله : { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : " أبلغكم رسالات ربّي " ، أؤدي ذلك إليكم ، أيها القوم (1) " وأنا لكم ناصح " ، يقول : وأنا لكم في أمري إياكم بعبادة الله دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، ودعائكم إلى تصديقي فيما جئتكم به من عند الله ، ناصحٌ ، فاقبلوا نصيحتي ، فإني أمين على وحي الله ، وعلى ما ائتمنني الله عليه من الرسالة ، لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدِّل ، بل أبلغ ما أمرت كما أمرت " أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم " ، يقول : أوعجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة ، على رجل منكم لينذركم بأس الله ويخوّفكم عقابه (2) " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم
__________
(1) انظر تفسير " البلاغ " فيما سلف 10 : 575/ 11 : 9 .
(2) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف قريبًا : ص501.

(12/504)


نوح " ، يقول : فاتقوا الله في أنفسكم ، واذكروا ما حلّ بقوم نوح من العذاب إذ عصوا رسولهم ، وكفروا بربهم ، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم ، لمّا أهلكهم أبدلكم منهم فيها ، (1) فاتقوا الله أن يحلّ بكم نظير ما حل بهم من العقوبة ، فيهلككم ويبدل منكم غيركم ، سنَّته في قوم نوح قبلكم ، على معصيتكم إياه وكفركم به " وزادكم في الخلق بسطة " ، زاد في أجسامكم طولا وعِظَمًا على أجسام قوم نوح ، (2) وفي قواكم على قواهم ، (3) نعمة منه بذلك عليكم ، فاذكروا نعمه وفضله الذي فضلكم به عليهم في أجسامكم وقُوَاكم ، (4) واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له ، وترك الإشراك به ، وهجر الأوثان والأنداد " لعلكم تفلحون " ، يقول : كي تفلحوا فتدركوا الخلود والبقاء في النعم في الآخرة ، وتنجحوا في طلباتكم عنده. (5)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح " ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14795 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح " ، يقول : ذهب بقوم نوح ، واستخلفكم من بعدهم.
14796 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح " ، أي : ساكني الأرض بعد قوم نوح.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " خليفة " فيما سلف 1 : 449/ 12 : 288.
(2) انظر تفسير " البسطة " فيما سلف 5 : 313.
(3) في المطبوعة : " وفي قوامكم على قوامهم " ، وهو خطأ ، صوابه ما في المخطوطة.
(4) في المطبوعة أيضًا : " وقوامكم " ، صوابه من المخطوطة.
(5) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص : 312 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(12/505)


وبنحو الذي قلنا أيضًا قالوا في تأويل قوله : " بسطة " .
* ذكر من قال ذلك :
14797 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وزادكم في الخلق بسطة " ، قال : ما لقوّةِ قوم عاد. (1)
* * *
وأما " الآلاء " ، فإنها جمع ، واحدها : " إلًى " بكسر " الألف " في تقدير " مِعًى " ، ويقال : " ألَى " في تقدير " قَفَا " بفتح " الألف " . وقد حكي سماعًا من العرب : " إلْي " مثل " حِسْي " . و " الآلاء " ، النعم.
* * *
وكذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14798 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فاذكروا آلاء الله " ، أي : نعم الله.
14799 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أما " آلاء الله " ، فنعم الله.
14800 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " فاذكروا آلاء الله " ، قال : آلاؤه ، نعمه.
* * *
قال أبو جعفر : و " عاد " ، هؤلاء القوم الذين وصف الله صفتهم ، وبعث إليهم هودًا يدعوهم إلى توحيد الله ، واتّباع ما أتاهم به من عنده ، هم ، فيما : -
14801 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح.
* * *
__________
(1) في المطبوعة : " ما لقوام قوم عاد " ، والصواب ما في المخطوطة.

(12/506)


وكانت مساكنهم الشِّحْر ، من أرض اليمن وما وَالى بلاد حضرموت إلى عُمَان ، كما :
14802 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أن عادًا قوم كانوا باليمن ، بالأحقاف.
14803 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحاق ، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، قال : سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيبًا أحمر تخالطه مَدَرَةٌ حمراء ، (1) ذا أرَاك وسِدْر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت ، (2) هل رأيته ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين! والله إنك لتنعته نعتَ رجل قد رآه! قال : لا ولكني قد حُدِّثت عنه. فقال الحضرمي : وما شأنه يا أمير المؤمنين ؟ قال : فيه قبرُ هود صلوات الله عليه. (3)
14804 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال كانت منازل عاد وجماعتهم ، حين بعث الله فيهم هودًا ، الأحقاف. قال : و " الأحقاف " ، الرملُ ، فيما بين عُمان إلى حضرموت ، فاليمن كله. (4) وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلِّها ، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله. وكانوا أصحاب أوثانٍ يعبدونها من دون الله : صنم يقال له " صُداء " ، وصنم يقال له " صَمُود " ، وصنم
__________
(1) " المدرة " ، الطين العلك الذي لا رمل فيه.
(2) " الأراك " و " السدر " نبتان.
(3) الأثر : 14803 - " محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي " ، ترجم له البخاري في الكبير 1/ 1/ 135 ، وساق الخبر ، بنحوه ، مطولا ، ولم يذكر فيه جرحًا. وابن أبي حاتم 3/ 2/ 297.
" أبو الطفيل " ، " عامر بن واثلة الكناني " ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو شاب ، ثبتت رؤيته رسول الله ، ولم يثبت سماعه منه. قالوا : كان آخر من مات من الصحابة سنة مئة ، أو ما بعدها.
(4) في المطبوعة : " باليمن " ، وأسقط " كله " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(12/507)


يقال له " الهباء " . فبعث الله إليهم هودًا ، وهو من أوْسطهم نسبًا ، وأفضلهم موضعًا ، فأمرهم أن يوحِّدوا الله ولا يجعلوا معه إلهًا غيره ، وأن يكفُّوا عن ظلم الناس. ولم يأمرهم فيما يذكر ، والله أعلم ، بغير ذلك. فأبوا عليه وكذبوه. وقالوا : " من أشدّ منا قوة! " . واتبعه منهم ناسٌ ، وهم يسيرٌ مكتتمون بإيمانهم. (1) وكان ممن آمن به وصدّقه رجلٌ من عاد يقال له : " مرثد بن سعد بن عفير " ، وكان يكتم إيمانه. فلما عتوا على الله تبارك وتعالى وكذبوا نبيَّهم ، وأكثروا في الأرض الفساد ، وتجبَّروا وبنوا بكل رِيع آية عبَثًا بغير نفع ، كلمهم هود فقال : ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) [ سورة الشعراء : 128 - 131 ] ، ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) ، أي : ما هذا الذي جئتنا به إلا جنون أصابك به بعض آلهتنا هذه التي تعيب ( قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) ، إلى قوله : ( صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ سورة هود : 53 - 56 ]. فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر من السَّماء ثلاث سنين ، فيما يزعمون ، حتى جهدهم ذلك. وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جَهْد ، فطلبوا إلى الله الفرج منه ، كانت طَلِبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة ، مسلمهم ومشركهم ، فيجتمع بمكة ناس كثيرٌ شتى مختلفةٌ أديانُهم ، وكلهم معظّم لمكة ، يعرف حُرْمتها ومكانَها من الله.
قال ابن إسحاق : وكان البيت في ذلك الزمان معروفًا مكانه ، (2) والحرم قائم فيما يذكرون ، وأهل مكة يومئذ العماليق وإنما سموا " العماليق " ، لأن
__________
(1) في المطبوعة : " يكتمون إيمانهم " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المخطوطة : " وكان البيت في زمان معروفًا مكانه " ، غير مستقيم ، والذي في المطبوعة أقوم على السياق.

(12/508)


أباهم : " عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح " وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة ، فيما يزعمون رجلا يقال له معاوية بن بكر ، وكان أبوه حيًّا في ذلك الزمان ، ولكنه كان قد كبر ، وكان ابنه يرأس قومه. وكان السؤدد والشرف من العماليق ، فيما يزعمون ، في أهل ذلك البيت. وكانت أم معاوية بن بكر ، كلهدة ابنة الخيبري ، رجلٍ من عادٍ ، فلما قَحَطَ المطر عن عاد وجُهِدوا ، (1) قالوا : جهزوا منكم وفدًا إلى مكة فليستسقوا لكم ، فإنكم قد هلكتم! فبعثوا قيل بن عنز (2) ولقيم بن هزّال بن هزيل ، (3) وعتيل بن صُدّ بن عاد الأكبر. (4) ومرثد بن سعد بن عفير ، وكان مسلمًا يكتم إسلامه ، وجُلْهُمَة بن الخيبري ، خال معاوية بن بكر أخو أمه. ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صُدّ بن عاد الأكبر. فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه ، حتى بلغ عدّة وفدهم سبعين رجلا. فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر ، وهو بظاهر مكة خارجًا من الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وصِهْرَه. (5)
فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر ، أقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر ، وتغنِّيهم الجرادَتان قينتان لمعاوية بن بكر. وكان مسيرهم شهرًا ، ومقامهم شهرًا. فلما رأى معاوية بن بكر طُول مقامهم ، وقد بعثهم قومُهم يتعوَّذون بهم من البلاء الذي أصابهم ، (6) شقَّ ذلك عليه ، فقال : هلك أخوالي وأصهاري! وهؤلاء مقيمون
__________
(1) " قحط المطر " (بفتحتين) و " قحط " (بالبناء للمجهول) : احتبس. و " القحطة " احتباس المطر ، ولما كان احتباس المطر معقبًا للجدب ، سمو الجدب قحطًا.
(2) في المطبوعة " بن عنز " ، وفي المخطوطة : " عتر " ، وفي التاريخ " عثر " وسيأتي بعد في التاريخ " عنز " .
(3) في المطبوعة : " من هذيل " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري.
(4) في المطبوعة : " وعقيل بن صد " ، وأثبت ما في المخطوطة ، مطابقًا لما في التاريخ ، وإن الذي في التاريخ هكذا : " وليقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل بن ضد... " و " ضد " بالضاد في التاريخ ، وأظن الصاد أصح.
(5) في المطبوعة : " وأصهاره " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في التاريخ.
(6) " يتغوثون " في المطبوعة والتاريخ ، وفي المخطوطة : " يتعوذون " ، غير منقوطة ، وهي صحيحة ، فأثبتها.

(12/509)


عندي ، وهم ضيفي نازلون عليّ! والله ما أدري كيف أصنع بهم ؟ أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا له ، (1) فيظنوا أنه ضِيق مني بمقامهم عندي ، وقد هلك مَنْ وراءهم من قومهم جَهْدًا وعَطَشا!! أو كما قال. فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين ، فقالتا : قل شعرًا نُغنِّيهم به ، لا يدرون مَنْ قاله ، لعل ذلك أن يحرِّكهم! فقال معاوية بن بكر ، حين أشارتا عليه بذلك :
أَلا يَا قَيْلَ ، ويْحَكَ! قُمْ فَهَيْنِمْ... لَعَلَّ اللهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا (2) فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ ، إنَّ عَادًا... قَدَ امْسَوا لا يُبِينُونَ الكَلامَا
مِنَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ ، فَلَيْسَ نَرْجُو... بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلا الغُلامَا
وَقدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْرٍ... فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ عَيَامَى (3) وَإنَّ الْوَحْشَ تَأتِيهِمْ جِهَارًا... وَلا تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا
وَأنْتُمْ هَا هُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ... نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا
فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ... وَلا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا
فلما قال معاوية ذلك الشعر ، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنَّتا به ، قال بعضهم لبعض : يا قوم ، إنما بعثكم قومُكم يتعوَّذون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم ، (4) وقد أبطأتم عليهم! فادخلوا هذا الحرمَ واستسقوا لقومكم!
__________
(1) في المطبوعة : " إن أمرتهم بالخروج " وفي المخطوطة : " إن آمرهم بالخروج " ، فصح أنه قد سقط من الكلام ما أثبته من التاريخ.
(2) الأبيات في التاريخ ، وفي البداية والنهاية 1 : 126. وفي التاريخ " يسقينا الغماما " ، وكذلك كانت في المطبوعة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي البداية والنهاية : " يمنحنا " .
(3) في المخطوطة : " نساؤهم عراما " ، والصواب ما في التاريخ والمطبوعة ، " أعام القوم " هلكت إبلهم فلم يجدوا لبنًا. و " العيمة " شدة شهوة اللبن. و " عام القوم " قلَّ لبنهم من القحط. " رجل عمان ، وامرأة عيمى " ، والجمع " عيام " و " عيامى " . وفي البداية والنهاية " نساؤهم أيامى " ، جمع " أيم " ، التي هلك زوجها.
(4) في المخطوطة : " سعودون " غير منقوطة ، وفي التاريخ والمطبوعة : " يتغوثون " ، وانظر التعليق السالف ص : 509 ، رقم : 6.

(12/510)


فقال لهم مرثد بن سعد بن عفير : إنكم والله لا تُسْقَون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيَّكم ، وأنبتم إليه ، سُقِيتم! فأظهر إسلامه عند ذلك ، فقال لهم جُلْهُمة بن الخيبريّ ، خال معاوية بن بكر ، حين سمع قوله ، وعرف أنه قد اتبع دين هودٍ وآمن به :
أَبَا سَعْدٍ فَإِنَّكَ مِنْ قَبِيلٍ... ذَوِي كَرَمٍ وَأُمُّكَ مِنْ ثَمُودِ (1)
فَإنَّا لَنْ نُطِيعَكَ مَا بقِينَا... وَلَسْنَا فَاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ (2)
أَتَأْمُرنَا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍ... وَرَمْلَ وَآلَ صُدَّ والعُبُودِ (3) وَنَتْرُكَ دِينَ آباءٍ كِرَامٍ... ذَوِي رَأيٍ وَنَتْبَعَ دِينَ هُودِ
ثم قالوا لمعاوية بن أبي بكر وأبيه بكرٍ : احبسَا عَنَّا مرثد بن سعد ، فلا يقدمنَّ معنا مكة ، فإنه قد اتبع دين هود ، وترك دينَنَا ! ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد. فلما ولَّوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر حتى أدركهم بها ، قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له. (4) فلما انتهى إليهم ، قام يدعو الله بمكة ، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعُون ، يقول : " اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفدُ عاد " ! وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد. وقال وفد عاد : " اللهمّ أعطِ قَيْلا ما سألك ، واجعل سؤلَنا مع سُؤله " ! وكان قد
__________
(1) الأبيات في تاريخ الطبري 1 : 112.
(2) في المطبوعة : " لا نطيعك " ، وأثبت ما في المخطوطة ، مطابقًا لما في التاريخ.
(3) في المخطوطة : " أتأمرنا بالسرك " ، غير منقوطة ، وفوقها حرف (ط) دلالة على الشك والخطأ ، والصواب ما في المطبوعة ، مطابقًا لما في التاريخ. وفي المطبوعة : " دين وفد ، ورمل والصداء مع الصمود " ، غير ما في المخطوطة تغييرًا تامًا. والذي أثبته من المخطوطة ، مطابق لما في التاريخ.
قال أبو جعفر في هذا الخبر ، بعد هذه الأبيات في تاريخه : (( ورفد ، ورمل ، وضد ، قبائل من عاد ، والعبود منهم " .
(4) في المطبوعة : " فقال : لا أدعو الله بشيء مما خرجوا له " ، زاد من عنده ما لا يحل له. وفي المخطوطة : " فقال أن يدعو الله بشيء مما خرجوا له " ، والصواب من تاريخ الطبري.

(12/511)


تخلّف عن وفد عاد حين دعا ، لقمانُ بن عاد ، وكان سيِّد عادٍ. حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال : " اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي ، فأعطني سؤلي " ! وقال قيل بن عنز حين دعا : " يا إلهنا ، إن كان هود صادقًا فاسقِنا ، فإنّا قد هلكنا " ! فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثًا : بيضاء ، وَحمراء ، وسوداء. ثم ناداه منادٍ من السحاب : " يا قيل ، اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب " . فقال : " اخترت السحابة السوداء ، فإنها أكثر السحاب ماءً " ! فناداه منادٍ : " اخترت رَمَادًا ، رِمْدِدًا ، (1) لا تُبقي مِن آل عاد أحدًا ، (2) لا والدًا تترك ولا ولدًا ، إلا جعلته هَمِدًا ، (3) إلا بني اللُّوذِيّة المُهَدَّى " و " بنو اللوذية " ، بنو لقيم بن هزّال بن هزيلة بن بكر ، (4) وكانوا سكانًا بمكة مع أخوالهم ، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم ، فهم عادٌ الآخِرة ، ومن كان من نسلهم الذين بقُوا من عاد.
وساق الله السحابة السوداء ، فيما يذكرون ، التي اختارها قَيْل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى خرجت عليهم من وادٍ يقال له : " المغيث " . فلما رأوها استبشروا بها ، وقالوا : ( هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) ، يقول الله : (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [ سورة الأحقاف : 24 - 25 ] ، أي : كلّ شيء أُمِرَتْ به. وكان أوّل من أبصر ما فيها وعرف أنها رِيح ، فيما يذكرون ، امرأة من عاد يقال لها " مَهْدَد " . ، فلما تيقنت ما فيها صاحت ، (5) ثم صَعِقت. فلما أن أفاقت قالوا : ماذا رأيت يا مهدد ؟ قالت : رأيتُ ريحًا فيها كشُهُب النار ، أمامها رجالٌ يقودُونها! فسخَّرها الله عليهم سبع
__________
(1) " رماد رمدد " ، متناه في الاحتراق والدقة. يقال : " رماد أرمد " و " رمدد " بكسر الراء وسكون الميم وكسر الدال و " رمدد " (بكسر الراء ، وسكون الميم ، وفتح الدال).
(2) في المطبوعة : " لا تبق " ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.
(3) " هامد ، وهمد ، وهميد " ، ميت هالك. " همد ، همودا " ، مات وهلك.
(4) في التاريخ : " ... هزال بن هزيل بن هزيلة بن بكر " ، وكأنه الصواب.
(5) في التاريخ " فلما تبينت " ، وكأنها أرجح .

(12/512)


ليال وثمانية أيام حسومًا ، كما قال الله (1) و " الحسوم " ، الدائمة فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك. فاعتزل هُود ، فيما ذكر لي ، ومن معه من المؤمنين في حظيرة ، ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما تلين عليهِ الجلود ، وتَلتذُّ الأنفس ، (2) وإنها لتمرُّ على عاد بالطَّعن بين السماء والأرض ، وتدمغهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكّة حتى مرُّوا بمعاوية بن بكر وأبيه ، (3) فنزلوا عليه. فبينما هم عنده ، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمِرة مُسْيَ ثالثةٍ من مُصاب عادٍ ، (4) فأخبرهم الخبر ، فقالوا له : أين فارقت هودًا وأصحابه ؟ قال : فارقتهم بساحل البحر. فكأنهم شكُّوا فيما حدّثهم به ، فقالت هزيلة بنت بكر : (5) صدَق وربِّ الكعبة! (6)
14805 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ، حدثنا عاصم ، عن الحارث بن حسّان البكري قال : قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررت بامرأة بالرّبَذَة ، (7) فقالت : هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم! فحملتها حتى قدِمت المدينة ، فدخلتُ المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، وإذا بلالٌ متقلِّدَ السيف ، وإذا رايات سُودٌ. قال قلت : ما هذا ؟ قالوا : عمرو بن العاص قدم من غزوته. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على منبره ، أتيته فاستأذنتُ ، فأذن لي ، فقلت : يا رسول الله ، إن بالباب امرأة من بني تميم ، وقد سألتني أن أحملها إليك. قال :
__________
(1) سورة الحاقة : 7 .
(2) في المطبوعة : " وتلتذ به " ، زاد ما ليس في المخطوطة ولا التاريخ.
(3) في المخطوطة والمطبوعة : " وابنه " ، والصواب من التاريخ ، ومن أول الخبر.
(4) " المسي " (بضم فسكون) ، المساء ، كالصبح والصباح. وفي المطبوعة والتاريخ : " مساء ثالثة " ، وأثبت ما في المخطوطة.
(5) في المطبوعة : " هذيلة " ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(6) الأثر : 14804 - هذا الخبر رواه الطبري في تاريخه ، مختصرًا في أوله ، مطولا بعد هذا في آخره 1 : 111 - 113 .
(7) في المطبوعة : " على امرأة " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(12/513)


يا بلال ، ائذن لها. قال : فدخلتْ ، فلما جلست قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل بينكم وبين تميم شيء ؟ قلت : نعم! وكانت الدَّبَرَة عليهم (1) فإن رأيت أن تجعل الدَّهنا بيننا وبينهم حاجزًا فعلت! قال : تقول المرأة : فأين تضطرُّ مُضَرَك ، يا رسول الله ؟ (2) قال قلت : مَثَلي مَثَلُ مِعْزى حملت حَتْفًا! (3) قال قلت : وحملتُك تكونين عليَّ خَصْمًا! أعوذ بالله أن أكون كوافدِ عاد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما وافدُ عادٍ ؟ قال قلت : على الخبير سقطتَ! إنّ عادًا قَحَطت فبعثت مَنْ يستسقي لها ، فبعثُوا رجالا فمرُّوا على بكر بن معاوية ، فسقاهم الخمر وتغنَّتهم الجرادتان شهرًا ، ثم بعث من عنده رجلا حتى أتى جبالَ مَهْرة ، (4) فدعَوْا ، فجاءت سحابات. قال : وكلما جاءت سحابة قال : اذهبي إلى كذا ، حتى جاءت سحابة ، فنودي منها (5) " خذها رَمادًا رِمددًا * لا تدعُ من عادٍ أحدًا " . قال : فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب (6) قال أبو كريب : قال أبو بكر بعد ذلك في حديث عادٍ ، قال : فأقبل الذين أتاهم ، فأتى جبال مهرة ، (7) فصعد فقال : اللهم إنّي لم أجئك لأسير فأفاديه ، ولا لمريض فأشفيه ، فأسْقِ عادًا ما كنت مُسْقِيه ! قال : فرفعت له سحاباتٌ ، قال : فنودي منها : اخْتَر ! قال : فجعل يقول : اذهبي إلى بني فلان ، اذهبي إلى بني فلان. قال : فمرَّت آخرَها سحابةٌ سوداء ، فقال : اذهبي إلى عاد! فنودي منها : " خُذْها رمادًا رِمْددًا ، لا تدع من عاد أحدًا " . قال : وكتمهم ، (8) والقوم عند بكر بن معاوية ، يشربون. قال : وكره بكر بن معاوية أن يقولَ لهم ، من أجل أنهم عنده ، وأنهم في طعامه. قال : فأخذَ في الغناء وذكَّرهم. (9)
14806 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا زيد بن الحباب قال ، حدثنا سلام أبو المنذر النحوي قال ، حدثنا عاصم ، عن أبي وائل ، عن الحارث بن يزيد البكري قال : خرجت لأشكوَ العلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررت بالربَذَة ، فإذا عجوزٌ منقَطعٌ بها ، (10) من بني تميم ، فقالت : يا عبد الله ، إنّ لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةً ، فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال : فحملتها ، فقدمت المدينة. قال : فإذا رايات ، (11) قلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجهًا. (12) قال : فجلست حتى فرغ. قال : فدخل منزله أو قال : رَحْله فاستأذنت عليه ، فأذن لي ، فدخلت فقعدت ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل كان بينكم وبين
__________
(1) في المطبوعة : " وكانت لنا الدائرة عليهم " ، غير وزاد على ما في المخطوطة ، وهو عبث بالنص ، والصواب من المخطوطة. " الدبرة " (بفتح الدال ، وسكون الباء أو فتحها) : الهزيمة لهم ، والدولة والظفر للآخرين.
(2) في المطبوعة : " فإلى أين يضطر مضطرك يا رسول الله " ، تصرف تصرفًا معيبًا مشينًا وأساء غاية الإساءة. والصواب ما في المخطوطة. " مضر " هو جذم العرب وهو " مضر بن نزار بن معد بن عدنان " ، ومنه تفرعت ، قريش وبنو تميم ، ولذلك قالت المرأة من تميم لرسول الله " مضرك " ، لأنه جده وجدها.
(3) في المطبوعة : " مثلي مثل ما قال الأول : معزى حملت حتفها " ، زاد من غير هذه الرواية ، وهي إساءة شديدة ، وجعل : " حتفًا " ، " حتفها " ، فأثبت ما طابق روايته في التاريخ
وقوله : " معزى حملت حتفًا " ، أي حملت منيتها ، مثل لمن يحمل ما فيه هلاكه. وهو غير موجود في كتب الأمثال.
(4) " مهرة " (بفتح فسكون) ، حي عظيم ، وهو أبو قبيلة : " مهرة بن حيدان بن عمرو ابن الحاف بن قضاعة " ، وبلاد مهرة ، في ناحية الشحر من اليمن ، ببلاد العنبر على ساحل البحر.
وكان في المطبوعة والمخطوطة : " ثم فصلوا من عنده حتى أتوا جبال مهرة " ، وهذه جملة يختل بها سياق الخبر اختلالا شديدًا ، وتختلف الضمائر ، ولا يصبح للخبر رباط يمسكه ، وكأنه عبث من الناسخ ، فإن أبا جعفر روى هذا الخبر في التاريخ بإسناده ولفظه ، فأثبت منه نص الخبر ، إذ هو الذي يستقيم به الكلام.
(5) في المطبوعة حذف " منها " ، لغير علة ظاهرة.
(6) في المطبوعة والمخطوطة : " فسمعهم وكلمهم " ، والصواب من التاريخ.
(7) في المطبوعة والمخطوطة : " الذين آتاهم " ، والصواب من التاريخ.
(8) في المطبوعة والمخطوطة : " وكلمهم " ، والصواب من التاريخ.
(9) الأثر : 14805 - " أبو بكر بن عياش " ، ثقة ، كان من العباد الحفاظ المتقنين ، إلا أنه لما كبر ساء حفظه ، فكان يهم إذا روى. والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر ، فمن كان لا يكثر ذلك منه ، فلا يستحق ترك حديثه ، بعد تقد عدالته - هكذا قال ابن حبان ، وصدق. مضى برقم : 2150 ، 3000 ، 5725 ، 8098 .
و " عاصم " ، هو " عاصم ابن بهدلة " ، " عاصم بن أبي النجود " ، ثقة جليل مشهور ، مضى مرارًا كثيرة.
وأما " الحارث بن حسان البكري " ، فيقال فيه : " الحارث بن يزيد البكري " ، ويقال اسمه : " حريث " ، وصحح ابن عبد البر أنه اسمه " الحارث بن حسان " ، فقال : " والأكثر يقولون الحارث بن حسان البكري ، وهو الصحيح إن شاء الله " ، ولكن العجيب أن الحافظ ابن حجر قال في التهذيب : " وصحح ابن عبد البر أن اسمه حريث " ، فوهم وهمًا شديدًا ، والذي نقلته نص ابن عبد البر في الاستيعاب!! فليصحح ما في التهذيب.
و " الحارث بن حسان البكري " ، مترجم في ابن سعد 6 : 22 ، والكبير للبخاري 1/ 2/ 259 ، والاستيعاب : 109 ، وابن أبي حاتم 1/ 2/ 71 ، وأسد الغابة 1 : 323 ، والإصابة في ترجمته ، والتهذيب. روى عنه أبو وائل ، وسماك بن حرب.
وسيأتي خبر " الحارث البكري " ، بإسناد آخر : " عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن الحارث بن يزيد البكري " .
وأما هذا الإسناد " عاصم ، عن الحارث بن حسان البكري " ، ليس بينهما " أبو وائل " ، فقد قال ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة " الحارث " : " ورواه أحمد بن حنبل أيضًا ، وسعيد الأموي ، ويحيى الحماني ، وعبد الحميد بن صال ، وأبو بكر بن شيبة ، كلهم : عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن الحارث ، ولم يذكر أبا وائل " . قال الحافظ ابن حجر في التهذيب في ترجمة " الحارث " : " وروى عنه عاصم ابن بهدلة " ، والصحيح : عنه ، عن أبي وائل ، عن الحارث " .
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : " واختلف في حديثه : منهم من يجعله عن عاصم ابن بهدلة ، عن الحارث بن حسان ، لا يذكر فيه أبا وائل ، والصحيح فيه : عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن الحارث بن حسان " . وكذا قال غيرهما.
وهذا الخبر بهذا الإسناد ، رواه أبو جعفر مرة أخرى في تاريخه 1 : 110 ، وروى صدره أحمد في مسنده 3 : 481 ، " عن أبي بكر بن عياش قال ، حدثنا عاصم بن أبي الفزر ( ؟ ؟) ، عن الحارث بن حسان البكري " ، مختصرًا ، وهو صدر الخبر. وأما ما جاء في مطبوعة المسند " عاصم بن أبي الفزر " ، فأرجح أنه تحريف " عاصم بن أبي النجود " ، فالحديث حديثه ، ولم أعلم أنه يقال له : " عاصم بن أبي الفزر " .
ورواه من هذه الطريق نفسها مختصرًا ، ابن ماجه في سننه ص : 941 ، رقم : 2816 ، بنحو لفظ أحمد.
وسيأتي تخريج خبر " الحارث " هذا ، في الأثر التالي.
(10) " منقطع بها " (بضم الميم ، وفتح القاف والطاء). يقال : " قطع بالرجل ، فهو مقطوع به " ، و " انقطع به ، فهو منقطع به " (كله بالبناء للمجهول) : إذا كان مسافرًا ، فعطبت راحلته ، وذهب زاده وماله ، أو أتاه أمر لا يقدر معه على أن يتحرك.
(11) عند هذا الموضع قال أبو جعفر ، في روايته في التاريخ : " قال أبو جعفر : أظنه قال : فإذا رايات سود " .
(12) في المطبوعة : " عمرو بن العاص " ، حذف الباء ، وهي ثابتة في المخطوطة ، وفي رواية الخبر في التاريخ.

(12/514)


تميم شيء ؟ قلت : نعم! وكانت لنا الدَّبَرة عليهم ، (1) وقد مررت بالربذة ، فإذا عجوز منهم مُنقطَعٌ بها ، فسألتني أن أحملها إليك ، وها هي بالباب. فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت ، فقلت : يا رسول الله ، اجعل بيننا وبين تميم الدَّهنا حاجزًا ، فحميت العجوزُ واستوفزت ، (2) وقالت : فأين تضطرُّ مُضَرَك يا رسول الله ؟ (3) قال ، قلت : أنا كما قال الأول : " معزى حملت حَتْفًا " ! (4) حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال : وما وافدُ عادٍ ؟ " قلت (5) على الخبير سقطتَ! قال : وهو يستطعمني الحديثَ. (6) قلت : إن عادًا قُحِطوا فبعثوا " قَيْلا " وافدًا ، فنزل على بكرٍ ، فسقاه الخمرَ شهرًا وتغنّيه جاريتان يقال لهما " الجرادتان " ، (7) فخرج إلى جبال مهرة ، فنادى : " إني لم أجئ لمريض فأداويه ، ولا لأسير فأفاديه ، اللهم فأسقِ عادًا ما كانت تُسْقِيه " ! (8) فمرت به سحابات سُودٌ ، فنودي منها : (9) " خذها رمادًا رِمْدِدًا ، لا تبقي من عادٍ أحدًا " . قال : فكانت المرأة تقول : " لا تكن كوافد عادٍ " ! فما بَلَغني أنَّه ما أرسل عليهم من الريح ، يا رسول الله ، إلا قَدْر ما يجري في خاتمي (10) قال أبو وائل : فكذلك بلغني. (11)
14807 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " ، أنّ عادًا أتاهم هود ، فوعظهم وذكّرهم بما قَصّ الله في القرآن ، فكذبوه وكفَروا ، وسألوه أن يأتيهم بالعذاب ، فقال لهم : (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ) [ سورة الأحقاف : 23 ] . وإن عادًا أصابهم حين كفروا قُحُوطُ المطر ، (12) حتى جُهِدوا لذلك جَهْدًا شديدًا. وذلك أن هودًا دَعَا عليهم ، فبعث الله عليهم الريح العَقيم ، وهي الريح التي لا تُلْقِح الشجرَ. فلما نظروا إليها قالوا : ( هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) [ سورة الأحقاف : 24 ] . فلما دنت منهم ، نظروا إلى الإبل والرجال تطيرُ بهم الريحُ بين السماء والأرض. فلما رأوها تبادَروا إلى البيوت ، (13) فلما دخلوا البيوت ، دخلت عليهم فأهلكتهم فيها ، ثم أخرجتهم
__________
(1) في المطبوعة : " وكانت لنا الدارة عليهم " ، وفي المخطوطة : " وكانت الدائرة عليهم " ، غير منقوطة ، وأثبت رواية أبي جعفر في التاريخ ، ورواية أحمد في مسنده. انظر التعليق السالف ص : 514 ، تعليق : 1.
(2) " حميت " : غضبت ، وأخذتها الحمية والأنفة والغيظ. و " استوفز الرجل في قعدته " ، إذا قعد قعودًا منتصبًا غير مطمئن ، ولم يستو قائمًا ، كالمتهيئ للوثوب ، وذلك عند الشر والخصام والجدال والمماحكة.
(3) في المطبوعة : " فإلى أين يضطر مضطرك " ، وهو تغير لما في المخطوطة وزيادة عما فيها ، كما فعل فيما سلف ص : 514 ، تعليق : 2.
(4) في المطبوعة : " حتفها " ، وهي مطابقة لرواية أحمد في مسنده ، ولكن ما أثبته هو ما جاء في المخطوطة والتاريخ ، إلا أن في التاريخ : " حيفا " ، خطأ ، صوابه ما أثبت. انظر ما سلف ص : 514 ، تعليق : 3 .
(5) في المطبوعة والمخطوطة : " قال : على الخبير سقطت " ، وأثبت ما في التاريخ.
(6) " استطعمه الحديث " ، أي أغراه أن يحدثه ، كأنه يريد أن يذيقه طعم حديثه. يقال ذلك إذا استدرجه ، وهو أعلم بالحديث منه ، وجاء تفسيره في خبر أحمد في مسنده : " وهو أعلم بالحديث منه ، ولكن يستطعمه " . وشرح هذا اللفظ في كتب اللغة غير واف ، فقيده هناك.
(7) في المطبوعة : " وغنته جاريتان " ، غير ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في التفسير ومسند أحمد.
(8) في المطبوعة وتاريخ الطبري : " اللهم أسق " وأثبت ما في المخطوطة. وبقية الجملة محولة من مكانها في المخطوطة ، وذلك قوله : " ما كنت تسقيه " ، وهي ثابتة في التاريخ ، ولكن جعلها في المطبوعة والمخطوطة : " مسقيه " ، كما في الأثر السالف ، ولكن " تسقيه " هي رواية أبي جعفر في التاريخ ، ورواية أحمد أيضًا.
(9) بعد قوله " فنودي منها " ، وضع " ما كنت مسقيه " ، كما أسلفت في التعليق الماضي.
(10) في المطبوعة : " ففيما بلغني " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق لرواية أبي جعفر في التاريخ ، ورواية أحمد في المسند.
(11) الأثر : - 14806 - هذا إسناد آخر للأثر السالف ، وهو الإسناد الذي أشرت إليه هناك أن فيه " أبا وائل " بين " عاصم ابن بهدلة " و " الحارث بن حسان البكري ، وأنه هو الصحيح .
و " الحارث بن يزيد البكري " ، هو " الحارث بن حسان البكري " ، مختلف في ذلك ، كما قلت في التعليق على رقم : 14805.
و " سلام ، أبو المنذر النحوي " هو " سلام بن سليمان المزني " ، قال يحيى بن معين : " لا شيء " ، وقال أبو حاتم : " صدوق ، صالح الحديث " . وقال الساجي : " صدوق ، يهم ، ليس بمتقن الحديث " .
وقال ابن معين مرة أخرى : " يحتمل لصدقه " . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/ 2/ 135 ، وابن أبي حاتم 2/ 1/ 259 ، وميزان الاعتدال 1 : 400 .
وأما " أبو وائل " ، فهو " شقيق بن سلمة الأسدي " ، ثقة إمام ، مضى مرارًا. أما المرأة المذكورة في هذا الخب ، والخبر السالف ، فهي :
" قيلة بنت مخرمة التميمية " ، من بني العنبر بن عمرو بن تميم ، ويذكر في بعض الكتب " الغنوية " ، وهو تصحيف " العنبرية " . وحديث " قيلة " حديث طويل ، فيه غريب كثير ، ذكره ابن حجر في ترجمتها في الإصابة .
وفي تحقيق خبرها ، وخبر " الحارث بن حسان البكرير " أو " حريث بن حسان الشيباني " ، وافد بكر بن وائل (كما في ترجمتها في ابن سعد 8 : 228) ، فضل كلام ليس هذا موضعه.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه بهذا الإسناد نفسه. ورواه أحمد في مسنده 3 : 481 ، 482 ، من طريقي : من طريق عفان ، عن سلام أبي المنذر ، عن عاصم ثم رواه من طريق زيد بن الحباب ، عن أبي المنذر سلام بن سليمان النحوي ، عن عاصم بن أبي النجود ، بنحوه.
ورواه ابن سعد في الطبقات 6 : 22 من طريق عفان ، عن سلام أبي المنذر ، مختصرًا.
وروى البخاري صدره في الكبير 1/ 2/259 .
ورواه ابن الأثير في ترجمة " الحارث " في أسد الغابة ، وابن عبد البر في الاستيعاب مختصرًا ، وابن حجر في الإصابة. ورواه ابن كثير في تفسيره 3 : 502/ 7 : 470 ، من طريق أحمد في مسنده. ورواه أيضًا في البداية والنهاية 1 : 127 ، 128 ، وقال : " ورواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن زيد بن حباب ، به. ووقع عنده : عن الحارث بن يزيد البكري ، فذكره. ورواه أيضًا ، عن أبي كريب ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن الحارث بن حسان البكري ، فذكره. ولم أر في النسخة : أبا وائل ، والله أعلم " . قلت : يعني الأثر السالف ، انظر التعليق هناك.
وقال ابن كثير أيضًا في البداية والنهاية : " رواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن زيد بن الحباب ، به. ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر ، عن عاصم ابن بهدلة. ومن طريقه رواه ابن ماجه. وهكذا أورد هذا الحديث ، وهذه القصة ، عند تفسير هذه القصة غير واحد ، من المفسرين ، كابن جرير وغيره. وقد يكون هذا السياق للإهلاك عاد الآخرة ، فما فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة ، ولم تبن إلا بعد إبراهيم الخليل ، حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل ، فنزلت جرهم عندهم ، كما سيأتي. وعاد الأولى قبل الخليل. وفيه ذكر " معاوية بن بكر " وشعره ، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى ، لا يشبه كلام المتقدمين. وفيه : أن في تلك السحابة شرر نار ، وعاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر عاتية " .
وهذا نقد جيد جدًا ، لهذه الأخبار السالفة جميعًا ، والخبر الآتي بعد هذا.
(12) في التاريخ : " قحط من المطر " .
(13) في المطبوعة والمخطوطة : " تنادوا البيوت " ، وهو لا معنى له ، صوابه من التاريخ " تبادروا " ، أسرعوا.

(12/517)


قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)

من البيوت ، فأصابتهم " في يوم نحس " والنحس ، هو الشؤم و " مستمرّ " ، استمر عليهم بالعذاب " سبعَ ليال وثمانية أيامٍ حُسومًا " (1) حَسمت كل شيء مرّت به ، (2) فلما أخرجتهم من البيوت قال الله : ( تَنزعُ النَّاسَ ) من البيوت ، ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) ، [ سورة القمر : 20 ] انقعر من أصوله " خاوية " ، خوت فسقطت. (3) فلما أهلكهم الله ، أرسل عليهم طيرًا سودًا ، (4) فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه ، فذلك قوله : ( فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ ) [ سورة الأحقاف : 25 ]. ولم تخرج ريحٌ قط إلا بمكيال ، إلا يومئذ ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنة فغلبتهم ، فلم يعلموا كم كان مكيالها ، وذلك قوله : ( فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) ، [ سورة الحاقة : 6 ] و " الصرصر " ، ذات الصوت الشديد.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قالت عاد له : (5) أجئتنا تتوعَّدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدين ، كي نعبد الله وحده ، وندين له بالطاعة
__________
(1) في المطبوعة : " استمر عليهم العذاب " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في التاريخ.
(2) هذا تفسير الآيات ، من " سورة القمر " : 19 ، و " سورة الحاقة " : 7.
(3) هذا تفسير آية " سورة الحاقة " : 7 " كأنهم أعجاز نخل خاوية " .
(4) في المطبوعة : " أرسل إليهم " ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(5) في المخطوطة : " قالت هود له " ، وهو ظاهر الخطأ ، صححه في المطبوعة : " قالت عاد لهود " ، وأثبت ما دل عليه سهو الناسخ.

(12/520)


قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)

خالصًا ، ونهجر عبادة الآلهة والأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها ، ونتبرَّأ منها ؟ فلسنا فاعِلي ذلك ، ولا نحن متبعوك على ما تدعونا إليه ، (1) فأتنا بما تعدنا من العقابِ والعذاب على تركنا إخلاص التوحيد لله ، وعبادتنا ما نعبد من دونه مِنَ الأوثان ، إن كنت من أهل الصدق على ما تقول وتعِدُ.
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال هود لقومه : قد حَلَّ بكم عذَابٌ وغضبٌ من الله.
* * *
وكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لنا عنه يزعم أن " الرجز " و " الرجس " بمعنى واحد ، وأنها مقلوبة ، قلبت السين زايًا ، كما قلبت " ستّ " وهي من " سداس " بسين ، (2) وكما قالوا " قَرَبُوس " و " قَرَبُوت " (3) وكما قال الراجز : (4)
__________
(1) في المطبوعة : " ولا متبعيك " ، وفي المخطوطة : " ولا متبعوك " ، أسقط الناسخ " نحن " فأثبتها.
(2) في المطبوعة : " كما قلبت : شئز ، وهي من : شئس " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب ما أثبت ، يدل عليه شاهد الرجز الذي بعده.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " وقربوز " بالزاي (وهي في المخطوطة غير منقوطة) ، والصواب المحكي عنه بالتاء. و " القربوس " حنو السرج " وهو بقاف وراء مفتوحتان ، بعدهما باء مضمومة.
(4) هو علباء بن أرقم اليشكري.

(12/521)


أَلا لَحَى اللهُ بَنِي السِّعْلاتِ... عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئَامَ النَّاتِ
لَيْسُوا بِأَعْفَافٍ وَلا أَكْيَاتِ (1)
يريد " الناس " ، و " أكياس " ، فقلبت السين تاء ، كما قال رؤبة :
كَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ عَدِيدٍ مُبْزِي... حَتَّى وَقَمْنَا كَيْدَهُ بالرِّجْزِ (2)
روي عن ابن عباس أنه كان يقول : " الرجس " ، السّخط. (3)
14808 - حدثني بذلك المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن علي بن أبى طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ( قد وقع عليكم من ربكم رجس )يقول : سَخَط.
__________
(1) نوادر أبي زيد : 104 ، 147 ، الحيوان 1 : 187/ 6 : 161 ، وفيه تخريج الأبيات ، وغيرهما كثير. و " السعلاة " اسم الواحدة من نساء الجن ، إذا لم تتغول لتفتن السفار. وزعموا أن عمرو بن يربوع تزوج السعلاة ، وأولدها ، وأنها أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ، فلما رأت برقًا يلمع من شق بلاد السعالي ، حنت وطارت إليهم ، فقال عمرو بن يربوع : أَلا لِلهِ ضَيْفُكِ ، يَا أُمَامَا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا يعرف تمام البيت كما قال أبو زيد في نوادره : 146. رَأَى بَرْقًا فَأَوْضَعَ فَوْقَ بَكْرٍ ... فَلا ، بِكِ ، ما أسَالَ وما أَغَامَا
.
وقوله : " ليسوا بأعفاف " ، هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة. ورواية أبي زيد وغيره : " ليسوا أعفاء " ، وهي القياس ، جمع " عفيف " ، وكأن " أعفاف " جمع " عف " ، وقد نصوا على أنهم لم يجمعوا " عفا " ، أو يكون كما جمع " شريف " على " أشراف " ، في غير المضعف.
(2) ديوانه : 64 ، هكذا جاء البيت الأول في المخطوطة والمطبوعة. وهو لا يكاد يصح ، ورواية الديوان. مَا رَامَنَا من ذي عَدِيدٍ مَبْزى
يقال : " أبزى فلان بفلان " ، إذا غلبه وقهاه. و " وقم عدوه " ، أذله وقهره.
(3) في المطبوعة : " الرجز " مكان " الرجس " ، وبين أن الصواب ما أثبت.
وانظر تفسير " الرجس " فيما سلف 10 : 565/ 12 : 111 ، 112 ، 194.

(12/522)


فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)

وأما قوله : ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم )فإنه يقول : أتخاصمونني في أسماء سمَّيتموها أصنامًا لا تضر ولا تنفع (1) ( أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان )يقول : ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجُّون بها ، ولا معذرة تعتذرون بها ، (2) لأن العبادة إنما هي لمن ضرَّ ونفع ، وأثابَ على الطاعة وعاقب على المعصية ، ورزق ومنَع . فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس ، فإنه لا نفع فيه ولا ضرّ ، إلا أن تتخذ منه آلةً ، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه ، لأن الله لم يأذن بذلك ، فيعتذر من عبدَه بأنه يعبده اتباعًا منه أمرَ الله في عبادته إياه. (3) ولا هو إذ كان الله لم يأذن في عبادته مما يرجى نفعه ، أو يخاف ضرّه ، في عاجل أو آجل ، فيعبد رجَاء نفعه ، أو دفع ضره - ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين )يقول : فانتظروا حكمَ الله فينا وفيكم( إني معكم من المنتظرين )حكمَه وفصل قضائه فينا وفيكم.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأنجينا نوحًا والذين معه من أتباعه على الإيمان به والتصديق به وبما دعَا إليه ، من توحيد الله ، وهجر الآلهة والأوثان( برحمة منّا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا )يقول : وأهلكنا الذين كذَّبوا من قوم هود بحججنا جميعًا عن آخرهم ، فلم نبق منهم أحدًا ، كما : -
__________
(1) انظر تفسير " المجادلة " فيما سلف ص : 86 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " سلطان " فيما سلف ص : 404 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " فيعذر من عبده " ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(12/523)


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)

14809 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : ( وقطعنا دابرَ الذين كذبوا بآياتنا )قال : استأصلناهم.
* * *
وقد بينا فيما مضى معنى قوله : ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا )[الأنعام : 45 ] ، بشواهده ، بما أغنى عن إعادته. (1)
* * *
(وما كانوا مؤمنين )يقول : لم يكونوا مصَدّقين بالله ولا برسوله هود.
القول في تأويل قوله : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا.
* * *
و " ثمود " ، هو ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح ، وهو أخو جَدِيس بن غاثر ، (2) وكانت مساكنهما الحِجْر ، بين الحجاز والشأم ، إلى وادي القُرَى وما حوله.
* * *
ومعنى الكلام : وإلى بني ثمود أخاهم صالحًا.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " قطع دابرهم " فيما سلف 11 : 363 ، 364.
(2) في المطبوعة في الموضعين " ثمود بن عابر " ، و " جديس بن عابر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو كذلك في تاريخ الطبري 1 : 103 " غاثر " بالغين والثاء ، إلا أنه جاء في التاريخ 1 : 115 " جاثر " بالجيم والثاء ، وكأن الأول هو الأصل ، وأن الآخر على القلب عن الغين ، هذا إذا لم يكن خطأ.

(12/524)


وإنما منع " ثمود " ، لأن " ثمود " قبيلة ، كما " بكر " قبيلة ، وكذلك " تميم " .
* * *
(قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ، يقول : قال صالح لثمود : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له ، فما لكم إله يجوزُ لكم أن تعبدوه غيره ، وقد جاءتكم حُجَّة وبرهان على صدق ما أقول ، (1) وحقيقة ما إليه أدعو ، من إخلاص التوحيد لله ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه ، وتصديقي على أني له رسول. وبيِّنتي على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي ، وحجتي عليه ، هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهَضْبة ، دليلا على نبوّتي وصدق مقالتي ، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحدٌ إلا الله.
* * *
وإنما استشهد صالح ، فيما بلغني ، على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة ، لأنهم سألُوه إياها آيةً ودلالة على حقيقةِ قوله.
* ذكر من قال ذلك ، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة :
14810 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي الطفيل قال ، قالت ثمود لصالح : ائتنا بآية إن كنت من حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي الطفيل قال ، قالت ثمود لصالح : ائتنا بآية إن كنت من الصادقين ! قال : فقال لهم صالح : اخرجوا إلى هَضْبَةٍ من الأرض! فخرجوا ، فإذا هي تَتَمَخَّض كما تتمخَّض الحامل ، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسَطها الناقة ، فقال صالح : ( هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسُّوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم( ( لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) ، [سورة الشعراء : 155 ]. فلما ملُّوها عقروها ، فقال لهم : ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) ، [سورة هود : 65 ] قال عبد العزيز : وحدثني رجل آخر : أنّ صالحًا قال لهم : إن آية العذاب أن تصبحوا غدًا حُمْرًا ، واليوم الثاني
__________
(1) انظر تفسير " البينة " فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

(12/525)


صُفْرًا ، واليوم الثالث سُودًا. قال : فصبَّحهم العذاب ، فلما رأوا ذلك تحنَّطُوا واستعدُّوا. (1)
14812 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وإلى ثمود أخاهم صالحًا ) ، قال : إن الله بعث صالحا إلى ثمود ، فدعاهم فكذّبوه ، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن ، فسألوه أن يأتيهم بآية ، فجاءهم بالناقة ، لها شِرْب ولهم شِرْبُ يومٍ معلوم. وقال : ( ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ) . فأقرُّوا بها جميعًا ، فذلك قوله : ( فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) ، [سورة فصلت : 17]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجه النفاق والتقيَّة ، وكانت الناقة لها شِرْبٌ ، فيومَ تشرب فيه الماء تمرّ بين جبلين فيرحمانها ، (2) ففيهما أثرُها حتى الساعة ، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبُوا اللبنَ ، فيرويهم ، إنما تصبُّ صبًّا ، (3) ويوم يشربون الماءَ لا تأتيهم. وكان معها فصيل لها ، فقال لهم صالح : إنه يولدُ في شهركم هذا غلامٌ يكون هلاككم على يديه ! فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر ، فذبحوا أبناءهم ، ثم وُلد للعاشر فأبَى أن يذبح ابنه ، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء. فكان ابن العاشر أزْرَق أحمرَ ، فنبت نباتًا سريعًا ، فإذا مرَّ بالتسعة فرأوه قالوا : لو كان أبناؤنا أحياءَ كانوا مثل هذا! فغضب التِّسعة على صالح ، لأنه أمرهم بذبح أبنائهم( تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) ،
__________
(1) الأثر : 14810 - " عبد العزيز بن رفيع الأسدي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة. روى عن أنس ، وابن الزبير ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبي الطفيل. مترجم في التهذيب. و " أبو الطفيل " ، هو : " عامر بن واثلة الليثي " ، مضى برقم : 9196.
وقوله : " تحنطوا " ، أي اتخذوا الحنوط ، كما يفعلون بالميت : و " الحنوط " ، هو ذريرة من مسك أوعنبر أو كافور أو صندل مدقوق ، أو صبر ، يتخذ للميت حتى لا يجيف ولا ينتن ، أو لا تظهر رائحته للحي. وسقط من الترقيم : " 14811 " : سهوًا مني.
(2) في المطبوعة : " فيرجمونها ، ففيها أثرها... " ، والصواب من المخطوطة.
(3) في المطبوعة : " فكانت تصب اللبن صبًا " ، غير ما في المخطوطة وبدله.

(12/526)


[النمل : 49 ]. قالوا : نخرج ، فيرى الناس أنّا قد خرجنا إلى سفر ، فنأتي الغار فنكون فيه ، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد ، أتيناه فقتلناه ، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ، ثم رجعنا فقلنا : (ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون) ، يصدقوننا ، يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر! فانطلقوا ، فلما دخلوا الغارَ أرادوا أن يخرجوا من الليل ، فسقط عليهم الغارُ فقتلهم ، فذلك قوله : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) حتى بلغ ها هنا : ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) [سورة النمل : 48 - 51]. وكبر الغلام ابن العاشر ، ونبت نباتًا عجبًا من السرعة ، فجلس مع قومٍ يصيبون من الشَّراب ، فأرادُوا ماءً يمزجون به شرابهم ، وكان ذلك اليوم يوم شِرب الناقة ، فوجدوا الماء قد شربته الناقةُ ، فاشتدَّ ذلك عليهم ، وقالوا في شأن الناقة : ما نَصْنع نحن باللبن ؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة ، فنُسْقيه أنعامنا وحروثنا ، كان خيرًا لنا ! فقال الغلام ابن العاشر : هل لكم في أن أعْقِرَها لكم ؟ قالوا : نعم! فأظهروا دينَهم ، فأتاها الغلام ، فلما بَصُرت به شدَّت عليه ، فهرب منها ، فلما رأى ذلك ، دخل خلف صخرةٍ على طريقها فاستتر بها ، فقال : أحِيشوها عليّ ! فأحَاشوها عليه ، (1) فلما جازت به نادوه : عليك ! (2) فتناولها فعقرها ، فسقطت ، فذلك قوله : ( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) ، [سورة القمر : 29 ] . وأظهروا حينئذٍ أمرهم ، وعقروا الناقة ، وعَتَوْا عن أمر ربهم ، وقالوا : يا صالحُ ائتنا بما تعِدنا . وفزع ناسٌ منهم إلى صالح ، وأخبروه أن الناقة قد عُقرت ، فقال : عليَّ بالفصيل ! فطلبوا الفَصِيل فوجدوه على رَابية من الأرض ، فطلبوه ، فارتفعت به حتى حلَّقت به في السماء ، فلم يقدروا عليه. ثم رَغَا (3) الفصيلُ إلى الله ، فأوحى الله إلى صالح : أنْ مُرْهم فليتمتَّعوا في دارهم ثلاثة أيام! فقال لهم صالح : تَمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام ، وآية ذلك أن تُصبح وجوهكم أوَّل يوم مصفَرَّة ، والثاني محمرّة ، واليوم الثالث مسوَدّة ، واليومُ الرابعُ فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفّنوا وتحنّطوا ولطَّخوا أنفسهم بالمرّ ، ولبسوا الأنْطاع ، وحفروا الأسراب فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة ، حتى جاءهم العذاب فهلكوا. فذلك قوله : ( دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ).
حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، لما أهلك الله عادًا وتقضَّى أمرها ، عَمِرتْ ثمود بعدَها واستُخْلِفوا في الأرض ، (4) فنزلوا فيها وانتشروا ، ثم عتوا على الله . فلما ظهر فسادهم وعبدوا غيرَ الله ، بعث إليهم صالحًا وكانوا قومًا عَربًا ، وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا (5) رسولا (6) وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح ، (7) وهو وادي القرى ، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشأم! فبعث الله إليهم غلامًا شابًا ، فدعاهم إلى الله ، حتى شَمِط وكبر ، (8) لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعَفون ، فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء ، وأكثر لهم التحذير ، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة ، سألوه أن يُريهم آية تكون مِصداقًا لما يقول فيما يدعوهم إليه ، فقال لهم : أيَّ آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عِيدِنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله ، في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندْعُو آلهتنا ، فإن
__________
(1) في المطبوعة : " أجيشوها... فأجاشوها " بالجيم ، والصواب بالحاء. " حاش عليه الصيد حوشًا وحياشًا " و " أحاشه عليه " ، إذا نفره نحوه ، وساقه إليه ، وجمعه عليه.
(2) " عليك " ، إغراء ، بمعنى : خذه.
(3) في المطبوعة والمخطوطة : " ثم دعا " ، والصواب ما أثبت. من " رغاء الناقة " ، وهو صوتها إذا ضجت.
(4) " عمر يعمر " (نحو : فرح يفرح) و " عمر يعمر " (نحو : نصر ينصر) : عاش وبقي زمانًا طويلا.
(5) في المطبوعة : " وكانوا قومًا عزبًا " ، وفي المخطوطة : " وكانوا قومًا عربًا وهم من أوسطهم " والصواب ما أثبت .
(6) السياق : " بعث إليهم صالحًا... رسولا " .
(7) " قرح " (بضم فسكون) ، وهو سوق وادي القرى.
(8) " شمط " : ابيض شعره.

(12/527)


استجيب لك اتَّبعناك! وإن استجيب لنا اتَّبعتنا! فقال لهم صالح : نعم! فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك ، وخرج صالح معهم إلى الله فدعَوْا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به. ثم قال له جندع بن عمرو بن جواس بن عمرو بن الدميل ، (1) وكان يومئذٍ سيّد ثمود وعظيمَهم : يا صالح ، أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحِجْر ، يقال لها الكاثِبة ناقةً مخترجة جَوْفاء وَبْرَاء و " المخترجة " ، ما شاكلت البُخْت من الإبل. (2) وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو فإن فعلت آمنَّا بك وصَدَّقناك ، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحقّ ! وأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلتُ وفَعَل الله لتصدِّقُنِّي ولتؤمنُنَّ بي! قالوا : نعم! فأعطوه على ذلك عهودَهم. فدعا صالح ربَّه بأن يخرجَها لهم من تلك الهَضْبة ، كما وصفوا.
فحدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدَّث : أنَّهم نظروا إلى الهضبة ، حين دعا الله صالح بما دعا به ، تتمخَّض بالناقة تمخُّض النَّتُوج بولدها ، (3) فتحركت الهضبة ، ثم انتفضت بالناقة ، (4) فانصدعت عن ناقة ، كما وصَفوا ، جوفاءَ وَبْرَاء نَتُوج ، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظمًا ، فآمن به جندع بن عمرو ومَنْ كان معه على أمره من رهطه ، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويصدِّقوا ، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد ، والحباب صاحبُ أوثانهم ، ورباب بن صمعر بن جلهس ، وكانوا
__________
(1) في المطبوعة " حراش " ، ولعل ما في المخطوطة يقرأ كما أثبته ، وكما سيأتي في نسب آخر بعد قليل.
(2) شرح " المخترجة " ، لم أجده في غير هذا الخب ، وهو بمثله في قصص الأنبياء للثعلبي. و " البخت " من الإبل ، جمال طوال الأعناق ، وهي الإبل الخراسانية ، تنتج من بين عربية وفالج.
(3) " النتوج " (بفتح النون) : الحامل.
(4) في المطبوعة : " ثم أسقطت الناقة " غير ما في المخطوطة ، وفيها : " ثم استفصت الناقة " كل ذلك غير منقوطة ، فرأيت صواب قرأتها ما أثبت.

(12/529)


من أشراف ثمود ، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرَّحمة والنجاة ، (1) وكان لجندع ابن عم يقال له : " شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس " ، فأراد أن يسلم ، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك ، فأطاعهم ، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها ، فقال رجل من ثمود يقال له : " مهوس بن عنمة بن الدّميل " ، وكان مسلمًا :
وَكَانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْروٍ... إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا (2) عَزِيزَ ثَمُودَ كُلِّهِمُ جَمِيعًا... فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا
لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا... وَمَا عَدَلوا بصَاحِبِهم ذُؤَابَا
وَلكِنَّ الغُوَاةَ مِن َآلِ حُجْرٍ... تَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذُبَابَا (3)
فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبها في أرض ثمودَ ترعى الشجر وتشرب الماء ، فقال لهم صالح عليه السلام : ( هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) ، وقال الله لصالح : إن الماء قسمةٌ بينهم ، كُلّ شِرْبٍ مُحْتَضَر أي : إن الماء نصفان ، لهم يوم ، ولها يوم وهي محتضرة ، فيومها لا تدع شربها. (4) وقال : ( لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) ، [سورة الشعراء : 155 ]. فكانت ، فيما بلغني والله أعلم ، إذا وردت ، وكانت تَرِد غِبًّا ، (5) وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها " بئر الناقة " ، فيزعمون أنها منها كانت تشرب إذا وردت ، تضع رأسَها فيها ، فما ترْفَعه حتى تشرب كل قطرة ماء في الوادي ، ثم
__________
(1) في المطبوعة : " وردوا أشرافها " بالواو ، والأجود ما في المخطوطة.
(2) الأبيات في البداية والنهاية لابن كثير 1 : 134 ، وقصص الأنبياء للثعلبي : 57 ، 58.
(3) في المطبوعة : " ذئابًا " ، وفي البداية والنهاية " ذآبا " ، وكأن الصواب ما في قصص الأنبياء ، وهو ما أثبته. والمخطوطة غير منقوطة.
(4) هذا تفسير آية " سورة القمر " : 28.
(5) " غبا " (بكسر الغين) ، أي : ترد يومًا ، وتدع يومًا ، ثم ترد.

(12/530)


ترفع رأسها فتفشَّج (1) يعني تفحَّج لهم (2) فيحتلبون ما شاؤوا من لبن ، فيشربون ويدَّخرون ، حتى يملؤوا كل آنيتهم ، ثم تصدر من غير الفجّ الذي منه وردت ، لا تقدِرُ على أن تصدر من حيث ترِدُ لضيقِه عنها ، فلا ترجع منه . حتى إذا كان الغدُ ، كان يومهم ، فيشربون ما شاؤوا من الماء ، ويدّخرون ما شاؤوا ليوم الناقة ، فهم من ذلك في سعة. وكانت الناقة ، فيما يذكرون ، تَصِيف إذا كان الحرّ ظَهْرَ الوادي ، (3) فتهرب منها المواشي ، أغنامُهم وأبْقارهم وإبلُهم ، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبه وذلك أن المواشي تنفِرُ منها إذا رأتها وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء ، فتهرب مَواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدْب ، فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاءِ والاختبار. وكانت مرابعُها ، (4) فيما يزعمون ، الحبابُ وحِسْمَى ، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجر ، فكبر ذلك عليهم ، فعتوا عن أمر ربهم ، وأجمعوا في عقر الناقة رأيَهم.
وكانت امرأة من ثمودَ يقال لها : " عنيزة بنت غنم بن مجلز " ، تكني بأم غنم ، وهي من بني عبيد بن المهل ، أخي رُميل بن المهل ، (5) وكانت امرأةَ ذؤاب بن عمرو ، وكانت عجوزًا مسنة ، وكانت ذات بناتٍ حسان ، وكانت ذات مال من إبلٍ وبقر وغنم وامرأة أخرى يقال لها : " صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا " ، (6) سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول ، وكان الوادي يقال
__________
(1) في المطبوعة : " تفسح " ، والصواب ما أثبت ، " تفشجت الناقة " (بالجيم) ، تفاجت ، وذلك أن تباعد بين رجليها ، ومثله " تفشحت " بالحاء المهملة.
(2) " تفحجت " ، باعدت بين رجليها.
(3) في المطبوعة : " بظهر الوادي " ، وأثبت ما في المخطوطة. و " الظهر " ما غلظ وارتفع من الوادي. و " البطن " ، ما لان وسهل ورق واطمأن.
(4) في المطبوعة : " مراتعها " ، والصواب ما في المخطوطة.
(5) في المطبوعة : " دميل " ، وفي المخطوطة ما أثبته ظاهر " الراء " . وقد مضى آنفًا في أنساب هذا الخبر " الدميل " ، فلا أدري أهما واحد ، أم هما اسمان مختلفان.
(6) في المطبوعة : " بنت المحيا بن زهير " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي قصص الأنبياء : " مهر " .

(12/531)


له : " وادي المحيا " ، وهو المحيَّا الأكبر ، جد المحيَّا الأصغر أبي صدوف وكانت " صدوف " من أحسن الناس ، وكانت غنيَّة ، ذات مالٍ من إبل وغنم وبقر وكانتَا من أشدِّ امرأتين في ثمود عداوةً لصالح ، وأعظمِه به كفرًا ، (1) وكانتا تَحْتالان أن تُعْقَر الناقة مع كفرهما به ، (2) لما أضرَّت به من مواشيهما. وكانت صدوف عند ابن خالٍ لها يقال له : " صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف " ، من بني هليل ، فأسلم فحسن إسلامه ، وكانت صدوفُ قد فَوَّضت إليه مالها ، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح حتى رَقَّ المال. فاطّلعت على ذلك من إسلامه صدوفُ ، فعاتبته على ذلك ، فأظهر لها دينه ، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام ، فأبت عليه ، وبيَّتتْ له ، (3) فأخذت بنيه وبناته منه فغيَّبتهم في بني عبيد بطنِها الذي هي منه. وكان صنتم زوجُها من بني هليل ، وكان ابنَ خالها ، فقال لها : ردِّي عليَّ ولدي ! فقالت : حتى أنافِرك إلى بني صنعان بن عبيد ، أو إلى بني جندع بن عبيد! فقال لها صنتم : بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد ! (4) وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام ، وأبطأ عنه الآخرون. فقالت : لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه ! فقال بنو مرداس : والله لتعطِنَّه ولده طائعةً أو كارهة ! فلما رأت ذلك أعطته إياهم.
ثم إن صدوف وعُنيزة مَحَلَتا في عقر الناقة ، (5) للشقاء الذي نزل. فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له " الحباب " لعقر الناقة. وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل ، فأبَى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له : " مصدع بن مهرج بن المحيَّا " ، وجعلت له نفسها ، على أن يعقر الناقة ، وكانت من أحسن الناسِ ، وكانت غنية كثيرة المال ، فأجابها إلى ذلك. ودعت عنيزة بنت غنم ، " قدارَ بن سالف بن جندع " ، رجلا من أهل قُرْح. وكان قُدار رجلا أحمرَ أزرقَ قصيرًا ، يزعمون أنه كان لزَنْيَةٍ ، من رجل يقال له : " صهياد " ، ولم يكن لأبيه " سالف " الذي يدعى إليه ، ولكنه قد ولد على فراش " سالف " ، وكان يدعى له وينسب إليه. فقالت : أعطيك أيَّ بناتي شئتَ على أن تعقر الناقة ! وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود ، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو ، من أشراف رجال ثمود. وكان قدار عزيزًا منيعًا في قومه. فانطلق قدار بن سالف ، ومصدع بن مهرج ، فاستنفرَا غُواةً من ثمود ، فاتّبعهما سبعة نفر ، فكانوا تسعة نفر ، أحدُ النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له : " هويل بن ميلغ " خال قدار بن سالف ، أخو أمّه لأبيها وأمها ، وكان عزيزًا من أهل حجر و " دعير بن غنم بن داعر " ، وهو من بني خلاوة بن المهل و " دأب بن مهرج " ، أخو مصدع بن مهرج ، وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم..... (6) فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء ، وقد كمن لها قُدار في أصل صخرة على طريقها ، وكمن لها مصدع في أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم ، فانتظمَ به
__________
(1) في المطبوعة : " وأعظمهم به كفرًا " ، كأنه استنكر ما في المخطوطة ، وهو صريح العربية : أن يعاد الضمير بعد أفعل التفضيل بالإفراد والتذكير ، مثل ما جاء في حديث نساء قريش : " خير نساء ركبن الإبل صوالح قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده " ، وكما قال ذو الرمة : وَمَيَّةُ أَحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ جيدًا ... وَسَالِفَةً ، وَأَحْسَنُهُ قَذَالا
وقد مضى ذكر ذلك في الأجزاء السالفة 5 : 448 ، تعليق : 2 وص : 557 ، تعليق : 1/ 6 : 395 ، تعليق : 1/ 7 : 87 ، تعليق : 4.
(2) في المطبوعة : " وكانتا تحبان أن تعقر... " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق كما في قصص القرآن للثعلبي.
(3) في المطبوعة : " وسبت ولده " ، وهو عبث محض ، وفي المخطوطة : " وسب له " غير منقوطة ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت. " بيتت له ، : فكرت في الأمر وخمرته ودبرته ليلا.
(4) في المطبوعة : " بل أن أقول إلى بني مرداس " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لسوء كتابتها ، فأتى بكلام غث.
(5) في المطبوعة : " تحيلا في عقر الناقة " ، وهو كلام هالك ، والصواب ما في المخطوطة ولكن الناشر لم يعرف معناه. " محل به " : كاده ، واحتال في المكر به حتى يوقعه في الهلكة.
(6) مكان النقط بياض في المخطوطة إلى آخر السطر ، وفي الهامش حرف (ط) ، دلالة على الشك والخطأ.

(12/532)


عضَلَة ساقها. وخرجت أم غنم عنيزة ، وأمرت ابنتها ، وكانت من أحسن الناس وجهًا ، فأسفرت لقدار وأرته إياه ، (1) ثم ذمَّرته ، (2) فشدّ على الناقة بالسيف ، فخشَفَ عُرْقوبها ، (3) فخرَّت ورغت رَغَاةً واحدة تحذّرُ سَقْبها ، (4) ثم طعن في لبَّتها فنحرَها ، وانطلق سقبها حتى أتى جبلا مُنِيفًا ، (5) ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعًا ولاذ بها (6) واسم الجبل فيما يزعمون " صنو " ، (7) فأتاهم صالح ، فلما رأى الناقة قد عقرت ، (8) ثم قال : انتهكتم حرمة الله ، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته ! فاتّبع السقبَ أربعةُ نفر من التّسعة الذين عقرُوا الناقة ، وفيهم " مصدع بن مهرج " ، فرماه مصدع بسهم ، فانتظمَ قلبَه ، ثم جرَّ برجله فأنزله ، ثم ألقوا لحمَه مع لحم أمه.
فلما قال لهم صالح : " أبشروا بعذاب الله ونقمته " ، قالوا له وهم يهزؤون به : ومتى ذلك يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم : الأحد " أول " والاثنين " أهون " ، والثلاثاء " دبار " ، والأربعاء " جبار " ، والخميس " مؤنس " ، والجمعة " العروبة " ، والسبت " شيار " ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح حين قالوا ذلك : تصبحون غداة يوم مؤنس ، يعني يوم الخميس ،
__________
(1) في المطبوعة : " فأسفرت عنه " بالزيادة وليست في المخطوطة ، ولا ضرورة لها.
(2) " ذمرته " : شجعته وحثته وحرضته.
(3) في المطبوعة : " فكشف عرقوبها " ، وأثبت ما في المخطوطة : " خشف رأسه بالحجر " ، شدخه. وكل ما شدخ ، فقد خشف. وقيل : " سيف خاشف ، وخشيف ، وخشوف " ، ماض. و " فحسف " ، هكذا غير منقوطة في المخطوطة.
(4) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " رغاة واحدة " ، ولم تذكره كتب اللغة ، بل قالوا : المرة الواحدة من " الرغاء " ، " رغوة " والذي في الطبري جائز مثله في العربية.
(5) في المطبوعة : " منيعا " ، وأثبت ما في المخطوطة. " والمنيف " العالي.
(6) في المطبوعة : " فرغا ولاذ بها " ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وأرجح أن صواب قراءتها هنا ما أثبت.
(7) في المطبوعة : " صور " ، أثبت ما في المخطوطة ، وإن كنت في شك منه.
(8) في المطبوعة ، حذف " ثم " ، وهي ثابتة في المخطوطة.

(12/534)


ووجوهكم مصفرّة ، ثم تصبحون يوم العروبة ، يعني يوم الجمعة ، ووجوهكم محمرّة ، ثم تصبحون يوم شيار ، يعني يوم السبت ، ووجوهكم مسودَّة ، ثم يصبحكم العذاب يوم الأول ، يعني يوم الأحد. فلما قال لهم صالح ذلك ، قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلمَّ فلنقتل صالحًا ، (1) إن كان صادقًا عجَّلناه قبلنا ، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقتِه ! فأتوه ليلا ليبيِّتوه في أهله ، فدمَغَتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطؤوا على أصحابهم ، أتوا منزلَ صالح ، فوجدوهم مشدَّخين قد رُضِخوا بالحجارة ، فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ! ثم همُّوا به ، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاحَ ، وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبدًا ، فقد وعدكم أنَّ العذاب نازل بكم في ثلاث ، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا ، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون! فانصرفوا عنهم ليلتَهم تلك ، والنفر الذين رَضَختهم الملائكة بالحجارة ، التسعةُ الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) إلى قوله : ( لآية لقوم يعلمون ) ، [سورة النمل : 48 - 52] .
فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح ، وجوههم مصفرَّة ، فأيقنوا بالعذاب ، وعرفوا أن صالحًا قد صدَقهم ، فطلبوه ليقتلوه. وخرج صالح هاربًا منهم ، حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم : " بنو غنم " ، فنزل على سيِّدهم رجلٍ منهم يقال له : " نفيل " ، يكنى بأبي هدب ، وهو مشرِك ، فغيَّبه ، فلم يقدروا عليه. فغدوا على أصحاب صالح فعذّبوهم ليدلُّوهم عليه ، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له : " ميدع بن هرم " : يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلَّهم عليك ، أفندلُّهم عليك ؟ قال : نعم ! فدلهم عليه " ميدع بن هرم " ، فلما علموا بمكان صالح ، أتوا أبا هُدْب فكلموه ، فقال لهم : عندي صالح ، وليس لكم إليه سبيل! فأعرضوا عنه وتركوه ، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه. فجعل
__________
(1) في المطبوعة : " هلموا " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضًا.

(12/535)


بعضهم يخبر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس ، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرَّة ، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرَّة ، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودّة ، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشأم ، فنزل رملة فلسطين ، وتخلّف رجل من أصحابه يقال له : " ميدع بن هرم " ، فنزل قُرْح وهي وادي القرى ، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا فنزل على سيِّدِهم رجلٍ يقال له : " عمرو بن غنم " ، وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يَشْتَركْ في قتلها ، فقال له ميدع بن هرم : يا عمرو بن غنم ، أخرج من هذا البلد ، فإن صالحًا قال : " من أقام فيه هلك ، ومن خرج منه نجا " ، فقال عمرو : ما شرِكت في عَقْرها ، وما رضيت ما صُنع بها! فلما كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة ، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك ، إلا جارية مقعدة يقال لها : " الزُّرَيْعَة " ، وهي الكلبة ابنة السِّلق ، (1) كانت كافرة شديدَة العداوة لصالح ، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذابَ أجمعَ ، فخرجت كأسرع ما يُرَى شيءٌ قط ، حتى أتت أهل قُرْحٍ فأخبرتهم بما عاينتْ من العذاب وما أصاب ثمود منه ، (2) ثم استسقت من الماء فسُقِيت ، فلما شربت ماتت.
14812 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، قال معمر ، أخبرني من سمع الحسن يقول : لما عقرت ثمود الناقة ، ذهبَ فصيلها حتى صعد تلا فقال : يا رب ، أين أمي ؟ ثم رغا رَغوةً ، فنزلت الصيحةُ ، فأخمدتهم.
__________
(1) في المطبوعة : " الدريعة ، وهي كليبة ابنة السلق " ، وفي المخطوطة " الدريعة وهي الكلبة ابنة السلق " ، وقرأتها كما أثبتها. و " السلق " ، الذئب ، ويزعمون أن الذئب يستولد الكلبة ، وأن ولدها منها يقال له " الديسم " ، ويقال للكلاب " أولاد زارع " ، فرجحت أن صواب قراءتها " الزريعة " بالتصغير ، وأن الذي بعدها تفسير لها ، كما هو ظاهر.
و " السلق " (بكسر السين ، وسكون اللام).
(2) في المطبوعة : " حتى أتت حيا من الأحياء ، فأخبرتهم " ، غير ما في المخطوطة ، مع أن الصواب هو الذي فيها. و " قرح " سوق وادي القرى ، كما مر آنفًا.

(12/536)


14813 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن بنحوه إلا أنه قال : أصعد تلا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقة : تمتَّعوا ثلاثة أيام! وقال لهم : آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرَّة ، ثم تصبح اليومَ الثاني محمرَّة ، ثم تصبح اليوم الثالث مسودَّة ، فأصبحت كذلك. فلما كان اليوم الثالث وأيقنوا بالهلاك ، تكفَّنوا وتحنَّطوا ، ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم قال قتادة : قال عاقر الناقة لهم : لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين! فجعلوا يدخلون على المرأة في حِجْرها فيقولون : (1) أترضين ؟ فتقول : نعم! والصبيّ ، حتى رضوا أجمعين ، فعقرها.
حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال ، لما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحِجر قال : لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قومُ صالح ، فكانت ترد من هذا الفجّ ، (2) وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم ، فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يومًا ، ويشربون لبنها يومًا. فعقروها ، فأخذتهم الصيحة : أهمد الله مَنْ تحت أديم السماء منهم ، إلا رجلا واحدًا كان في حَرَم الله ، قيل : من هو ؟ قال : أبو رِغال ، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. (3)
__________
(1) في المطبوعة : " في خدرها " ، وأثبت ما في المخطوطة. و " الحجر " (بكسر الحاء وفتحها ، وسكون الجيم) : الستر والحفظ ، يعني حيث تستر. ولو قريء : " في حجرها " جمع " حجرة " ، وهو البيت لكان حسنًا جدًا.
(2) قوله : " وكانت ترد... " ، يعني الناقة.
(3) الأثر : 14817 - " عبد الله بن عثمان بن خثيم " القارئ ، تابعي ثقة. مضى برقم : 4341 ، 5388 ، 7831 ، 9642.
وهذا الخبر رواه أحمد في المسند 3 : 296 ، من هذه الطريق نفسها بلفظه.
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 505 ، وفي البداية والنهاية 1 : 137 ، وقال : " وهذا الحديث على شرط مسلم ، وهو ليس في شيء من الكتب الستة " .
وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (6 : 270) ، وقال : " وروى أحمد والحاكم بإسناد حسن ، عن جابر " ، وذكر الخب .
وسيأتي بإسناد آخر رقم : 14820.

(12/537)


.... قال عبد الرزاق ، قال معمر : وأخبرني إسماعيل بن أمية : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبر أبي رِغال ، فقال : أتدرون ما هذا ؟ ، قالوا : الله ورسوله أعلم! قال : هذا قبر أبي رِغال ؟ قالوا فمن أبو رِغال ؟ قال : رجل من ثمود ، كان في حرم الله ، فمنعه حرم الله عذابَ الله ، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه ، فدفن هاهنا ، ودفن معه غصن من ذهب! فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم ، فبحثوا عليه ، فاستخرجوا الغصن. (1)
14814 - . . . قال عبد الرزاق : قال : معمر : قال الزهري : أبو رِغال : أبو ثقيف.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن جابر قال ، مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال في حديثه : قالوا : من هو يا رسول
__________
(1) الأثر : 14818 - هذا خبر مرسل.
" إسماعيل بن أمية الأموي " ، ثقة ، مضى برقم : 2615 ، 8458.
وهذا الخبر رواه أبو داود في سننه 3 : 245 رقم : 3088 ، موصولا من حديث محمد بن إسحق ، عن إسماعيل بن أمية ، عن بجير بن أبي بجير ، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول : سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول ، حين خرجنا إلى الطائف ، فمررنا بقبر " .
وذكر ابن كثير في تفسيره 3 : 508 ، والبداية 1 : 137 ، حديث أبي داود هذا ، ثم قال : " هكذا رواه أبو داود ، عن يحيى بن معين ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، به. قال شيخنا أبو الحجاج المزي : وهو حديث حسن عزيز. قلت : تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا ، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال يحيى بن معين : ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية. قلت [القائل ابن كثير] : وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث ، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج ، بعد أن عرضت عليه ذلك : وهذا محتمل ، والله أعلم " .
وسيأتي بإسناد آخر رقم : 14823.

(12/538)


الله ؟ قال : أبو رِغال. (1)
14815 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثنا أبي ، عن قتادة قال ، كان يقال إنّ أحمرَ ثمود الذي عقر الناقة ، كان ولد زَنْية.
14816 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ، عن أبي إسحاق قال ، قال أبو موسى : أتيت أرض ثمود ، فذرعت مَصْدرَ الناقة ، فوجدته ستين ذراعًا.
14817 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، وأخبرني إسماعيل بن أمية بنحو هذا يعني بنحو حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن جابر قال : ومرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبر أبي رِغال ، قالوا : ومن أبو رِغال ؟ قال : أبو ثقيف ، كان في الحرم لما أهلك الله قومه ، منعه حرم الله من عذاب الله ، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه ، فدفن ها هنا ، ودفن معه غصن من ذهب. قال : فابتدره القوم يبحثون عنه ، حتى استخرجوا ذلك الغصن.
وقال الحسن : كان للناقة يوم ولهم يومٌ ، فأضرَّ بهم. (2)
حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري قال : لما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، أنْ يصيبكم مثل الذي أصابهم! ثم قال : هذا وادي النَّفَر! (3) ثم قَنَّع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي. (4)
* * *
__________
(1) الأثر : 14820 - هذا إسناد آخر للخبر السالف رقم : 14817.
(2) الأثر : 14823 - هذا إسناد آخر للأثر رقم : 14818.
وأما كلمة الحسن البصري الأخيرة ، فلا أدري من قائلها.
(3) " وادي النفر " ، كأنه يعني التسعة من ثمود الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، والذين اجتمعوا على قتل صالح عليه السلام ، فدمر الله عليهم.
(4) الأثر : 14823 - حديث الزهري هذا ، رواه البخاري في مواضع من صحيحه (الفتح 6 : 270) من طريق محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله بن عمر ثم رواه بعد من طريق يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر. ثم رواه (الفتح 8 : 95) من طريق عبد الرازق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر.
ورواه مسلم في صحيحه 18 : 111 ، من طريق يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر.
وليس في روايتهما ذكر " وادي النفر " .
وكان في المخطوطة والمطبوعة : " ثم رفع رأسه " ، وهو تحريف بلا شك ، والصواب ما أثبت من رواية البخاري (الفتح 8 : 95). و " قنع رأسه " ، غطاها بالقناع. وفي رواية البخاري الأخرى (الفتح 6 : 270) : " ثم تقنع بردائه وهو على الرحل " .
وقوله : " أجاز الوادي " ، أي قطعه وخلفه وراءه.

(12/539)


وأما قوله : ( ولا تمسوها بسوء ) ، فإنه يقول : ولا تمسوا ناقة الله بعقرٍ ولا نحر (1) (فيأخذكم عذابٌ أليم ) ، يعني : موجع. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " المس " فيما سلف : 11 : 370 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

(12/540)


وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)

القول في تأويل قوله : { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل صالح لقومه ، واعظًا لهم : واذكروا ، أيها القوم ، نعمة الله عليكم( إذ جعلكم خلفاء ) ، يقول : تخلفون عادًا في الأرض بعد هلاكها.
* * *
و " خلفاء " جمع " خليفة " . وإنما جمع " خليفة " " خلفاء " ، و " فُعلاء "

(12/540)


إنما هي جمع " فعيل " ، كما " الشركاء " جمع " شريك " ، و " العلماء " جمع " عليم " ، و " الحلماء " جمع " حليم " ، لأنه ذهب بالخليفة إلى الرجل ، فكأن واحدهم " خليف " ، ثم جمع " خلفاء " ، فأما لو جمعت " الخليفة " على أنها نظيرة " كريمة " و " حليلة " و " رغيبة " ، قيل " خلائف " ، كما يقال : " كرائم " و " حلائل " و " رغائب " ، إذ كانت من صفات الإناث. وإنما جمعت " الخليفة " على الوجهين اللذين جاء بهما القرآن ، لأنها جُمعت مرّة على لفظها ، ومرة على معناها. (1)
* * *
وأما قوله : ( وبوأكم في الأرض ) ، فإنه يقول : وأنزلكم في الأرض ، وجعل لكم فيها مساكن وأزواجًا ، (2) (تتخذون من سهولها قصورًا وتنحتون الجبال بيوتًا ) ، ذكر أنهم كانوا ينقُبون الصخر مساكن ، كما : -
14823 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وتنحتون الجبال بيوتًا ) ، كانوا ينقبون في الجبال البيوتَ.
* * *
وقوله : ( فاذكروا آلاء الله ) ، يقول : فاذكروا نعمة الله التي أنعم بها عليكم (3) (ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) .
* * *
وكان قتادة يقول في ذلك ما : -
14824 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
__________
(1) انظر تفسير " خليفة " فيما سلف 1 : 449 - 453/ 12 : 288 ، 505 وقد استوفى هنا ما لم يذكره هناك.
(2) انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ص4 : 164.
(3) انظر تفسير " الآلاء " فيما سلف ص : 506.
وكان في المطبوعة : " التي أنعمها " ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولا أدري لم تصرف الناشر في مثل هذا!!.

(12/541)


قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)

عن قتادة قوله : ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ، يقول : لا تسيروا في الأرض مفسدين.
* * *
وقد بينت معنى ذلك بشواهده واختلاف المختلفين فيه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
القول في تأويل قوله : { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) }
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه ) ، قال الجماعة الذين استكبروا من قوم صالح عن اتباع صالح والإيمان بالله وبه (2) ( للذين استضعفوا ) ، يعني : لأهل المسكنة من تبَّاع صالح والمؤمنين به منهم ، دون ذوي شرفهم وأهل السُّؤدد منهم(أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه) ، أرسله الله إلينا وإليكم ، قال الذين آمنوا بصالح من المستضعفين منهم : إنا بما أرسل الله به صالحًا من الحقّ والهدى مؤمنون ، يقول : مصدِّقون مقرّون أنه من عند الله ، وأن الله أمر به ، وعن أمر الله دعانا صالح إليه(قال الذين استكبروا) ، عن أمر الله وأمر رسوله صالح( إنا ) ، أيها القوم( بالذي
__________
(1) انظر تفسير " عثا " فيما سلف 2 : 123 ، 124/ 5 : 499.
وتفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف : 487 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف 5 : 291/ 12 : 499 ، 503.
وتفسير " الاستكبار " فيما سلف : 11 : 540/ 12 : 421 ، 467.

(12/542)


فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)

آمنتم به ) ، يقول : صدقتم به من نبوّة صالح ، وأن الذي جاء به حق من عند الله( كافرون ) ، يقول : جاحدون منكرون ، لا نصدِّق به ولا نقرُّ.
* * *
القول في تأويل قوله : { فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فعقرت ثمودُ الناقةَ التي جعلها الله لهم آية( وعتوا عن أمر ربهم ) ، يقول : تكبروا وتجبروا عن اتباع الله ، واستعلوا عن الحق ، كما : -
حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وعتوا ) ، علوا عن الحق ، لا يبصرون. (1)
14825 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : ( عتوا عن أمر ربهم ) ، علوا في الباطل.
14826 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد ، عن مجاهد في قوله : ( وعتوا عن أمر ربهم ) ، قال : عتوا في الباطل وتركوا الحق.
14827 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( وعتوا عن أمر ربهم ) ، قال : علوا في الباطل.
* * *
وهو من قولهم : " جبّار عاتٍ " ، إذا كان عاليًا في تجبُّره.
* * *
(وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدُنا ) ، يقول : قالوا : جئنا ، يا صالح ، بما تعدنا
__________
(1) في المطبوعة : " لا يبصرونه " ، وأثبت ما في المخطوطة.

(12/543)


فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)

من عذاب الله ونقمته ، استعجالا منهم للعذاب(إن كنت من المرسلين ) ، يقول : إن كنت لله رسولا إلينا ، فإن الله ينصر رسله على أعدائه ، فعجَّل ذلك لهم كما استعجلوه ، يقول جل ثناؤه : ( فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين).
* * *
القول في تأويل قوله : { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأخذت الذين عقروا الناقةَ من ثمود (الرجفة) ، وهي الصيحة.
* * *
و " الرجفة " ، " الفعلة " ، من قول القائل : " رجَف بفلان كذا يرجُفُ رجْفًا " ، وذلك إذا حرَّكه وزعزعه ، كما قال الأخطل :
إِمَّا تَرَيْنِي حَنَانِي الشَّيْبُ مِنْ كِبَرٍ... كَالنَّسْرِ أَرْجُفُ ، وَالإنْسَانُ مَهْدُودُ (1)
__________
(1) ديوانه : 146 من قصيدة له جيدة ، قالها في يزيد بن معاوية ، وذكر فيها الشباب ذكرًا عجبًا ، وقد رأى إعراض الغواني عنه من أجله ، يقول بعده : وَقَدْ يَكُونُ الصِّبَى مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ ... يَوْمًا ، وتَقْتَادُنِي الهِيفُ الرَّعَادِيدُ
يَا قَلَّ خَيْرُ الغَوَانِي ، كيف رُغْنَ بِهِ ... فَشُرْبُهُ وَشَلٌ فِيهِنَّ تَصْرِيدُ
أَعْرَضْنَ مِنْ شَمَطٍ في الرَّأْسِ لاحَ بِهِ ... فَهُنّ مِنْهُ ، إِذَا أَبْصَرْنَهُ ، حِيدُ
قَدْ كُنَّ يَعْهَدْنَ مِنِّي مَضْحَكًا حَسَنًا ... وَمَفْرِقًا حَسَرَتْ عَنْهُ العَنَاقِيدُ
فَهُنَّ يَشْدُونَ مِنِّي بَعْضَ مَعْرِفَةٍ ، ... وَهُنَّ بالوُدِّ ، لا بُخْلٌ ولا جُودُ
قَدْ كَانَ عَهْدِي جَدِيدًا ، فَاسْتُبِدَّ بِهِ ، ... وَالعَهْدُ مُتَّبَعٌ مَا فِيهِ ، مَنشُودُ
يَقُلْنَ : لا أَنْتَ بَعْلٌ يُسْتَقَادُ لَهُ ، ... وَلا الشَّبَابُ الَّذِي قَدْ فَاتَ مَرْدُودُ
هَلْ لِلشَّبَابِ الذي قَدْ فَاتَ مرْدُودُ ? ... أَمْ هَلْ دَوَاءٌ يَرُدُّ الشِّيبَ مَوْجُودُ ?
لَنْ يَرْجِعَ الشِّيبُ شُبَّانًا ، وَلَنْ يَجِدُوا ... عِدْلَ الشَّبَابِ ، مَا أَوْرَقَ العُودُ
إِنَّ الشَّبَابَ لَمَحْمُودٌ بَشَاشَتُهُ ... والشَّيْبُ مُنْصَرفٌ عَنْهُ وَمَصْدُودُ
وهي أبيات ملئت عاطفة وحزنًا وحسرة ، فاحفظها.

(12/544)


وإنما عنى بـ " الرجفة " ، ها هنا الصيحة التي زعزعتهم وحركتهم للهلاك ، لأن ثمود هلكت بالصيحة ، فيما ذكر أهل العلم.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14828 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " الرجفة " ، قال : الصيحة.
14829 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14830 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فأخذتهم الرجفة ) ، وهي الصيحة.
14831 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد ، عن مجاهد : ( فأخذتهم الرجفة ) ، قال : الصيحة.
* * *
وقوله : ( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) ، يقول : فأصبح الذين أهلك الله من ثمود(في دارهم) ، يعني في أرضهم التي هلكوا فيها وبلدتهم.
* * *
ولذلك وحَّد " الدار " ولم يجمعها فيقول " في دورهم " وقد يجوز أن يكون أريد بها الدور ، ولكن وجَّه بالواحدة إلى الجميع ، كما قيل : ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) [العصر : 1 - 2].
* * *

(12/545)


فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

وقوله : ( جاثمين ) ، يعني : سقوطًا صرعَى لا يتحركون ، لأنهم لا أرواح فيهم ، قد هلكوا. والعرب تقول للبارك على الركبة : " جاثم " ، ومنه قول جرير :
عَرَفْتُ المُنْتَأَى ، وَعَرَفْتُ مِنْهَا... مَطَايَا القِدْرِ كَالحِدَإِ الجُثُومِ (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14832 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله : ( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) ، قال : ميتين.
القول في تأويل قوله : { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأدبر صالح عنهم حين استعجلوه العذاب وعقروا ناقة الله ، خارجًا عن أرضهم من بين أظهُرهم ، (2) لأن الله تعالى ذكره أوحَى إليه : إنّي مهلكهم بعد ثالثة. (3)
__________
(1) ديوانه : 507 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 218 ، من قصيدته في هشام بن عبد الملك ، مضى منها بيت فيما سلف 1 : 170.
يقول قبله : وَقَفْتُ عَلَى الدِّيَارِ ، وَمَا ذَكَرْنَا ... كَدَارٍ بَيْنَ تَلْعَةَ والنَّظِيم
و " المنتأى " ، حفير النؤى حول البيت. و " مطايا القدر " ، أثافيها ، تركبها القدر فهي لها مطية. وجعلها كالحدإ الجثوم ، لسوادها من سخام النار.
وكان في المخطوطة : " عرفت الصاى " ، غير منقوطة ، وخطأ ، صوابه ما في المطبوعة.
(2) انظر تفسير " تولى " فيما سلف 10 : 575 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة : " بعد ثلاثة " ، والصواب المحض ما أثبت من المخطوطة.

(12/546)


وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)

وقيل : إنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهُرها. (1)
فأخبر الله جل ثناؤه عن خروج صالح من بين قومه الذين عتوا على ربهم حين أراد الله إحلال عقوبته بهم ، فقال : (فتولى عنهم) صالح وقال لقومه ثمود(لقد أبلغتكم رسالة ربي) ، وأدّيت إليكم ما أمرني بأدائه إليكم ربّي من أمره ونهيه (2) (ونصحت لكم) ، في أدائي رسالة الله إليكم ، في تحذيركم بأسه بإقامتكم على كفركم به وعبادتكم الأوثان(ولكن لا تحبون الناصحين ) ، لكم في الله ، الناهين لكم عن اتباع أهوائكم ، الصادِّين لكم عن شهوات أنفسكم.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا لوطًا.
* * *
ولو قيل : معناه : واذكر لوطًا ، يا محمد ، (إذ قال لقومه) إذ لم يكن في الكلام صلة " الرسالة " كما كان في ذكر عاد وثمود كان مذهبًا.
* * *
وقوله : ( إذ قال لقومه ) ، يقول : حين قال لقومه من سَدُوم ، وإليهم كان أرسل لوط( أتأتون الفاحشة ) ، وكانت فاحشتهم التي كانوا يأتونها ، التي عاقبهم الله عليها ، إتيان الذكور (3) (ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) ، يقول : ما سبقكم بفعل هذه الفاحشة أحد من العالمين ، وذلك كالذي : -
__________
(1) انظر معاني القرآن 1 : 385.
(2) انظر تفسير " الإبلاغ " فيما سلف : 10 : 575/ 11 : 95/ 12 : 504.
(3) انظر تفسير " الفاحشة " فيما سلف : ص : 402 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(12/547)


إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)

14833 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا إسماعيل بن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن عمرو بن دينار قوله : ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) ، قال : ما رُئي ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
* * *
القول في تأويل قوله : { إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) }
قال أبو جعفر : يخبر بذلك تعالى ذكره عن لوط أنه قال لقومه ، توبيخًا منه لهم على فعلهم : إنكم ، أيها القوم ، لتأتون الرجال في أدبارهم ، شهوة منكم لذلك ، من دون الذي أباحه الله لكم وأحلَّه من النساء(بل أنتم قوم مسرفون ) ، يقول : إنكم لقوم تأتون ما حرَّم الله عليكم ، وتعصونه بفعلكم هذا.
* * *
وذلك هو " الإسراف " ، في هذا الموضع. (1)
* * *
و " الشهوة " ، " الفَعْلة " ، وهي مصدر من قول القائل : " شَهَيتُ هذا الشيء أشهاه شهوة " ومن ذلك قول الشاعر : (2)
وأَشْعَثَ يَشْهَى النَّوْمَ قُلْتُ لَهُ : ارْتَحِلْ!... إذَا مَا النُّجُومُ أَعْرَضَتْ وَاسْبَطَرَّتِ (3) فَقَامَ يَجُرُّ البُرْدَ ، لَوْ أَنَّ نَفْسَهُ... يُقَالُ لَهُ : خُذْهَا بِكَفَّيْكَ! خَرَّتِ (4)
__________
(1) انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف : ص : 395 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) م أعرف قائله.
(3) البيت الأول في اللسان (شهى) ، ورواية اللسان : " واسْبَكَرَّتْ " .
وقوله : " وأشعث " ، يعني رفيقه في السفر ، طال عليه السفر ، فاغبر رأسه ، وتفرق شعره من ترك الأدهان. و " اسبطرت النحوم " ، امتدت واستقامت وأسرعت في مسبحها. و " اسبكرت " ، مثلها.
(4) " خرت " ، أي سقطت وتقوضت وهوت ، وكان في المطبوعة : " جرت " بالجيم ، وهو خطأ صرف.
وهذا البيت الثاني ، ورد مثله في شعر الأخطل ، قال : وَأَبْيَضَ لا نَكْسٍ وَلا وَاهِنِ القُوَى ... سَقَيْنَا ، إِذَا أُولَى العَصَافِيرِ صَرَّتِ
حَبَسْتُ عَلَيْهِ الكَأْسَ غَيْرَ بَطِيئَةٍ ... مِنَ اللَّيْلِ ، حَتَّى هَرَّهَا وَأَهَرَّتِ
فَقَامَ يَجُرُّ البُرْدَ ، لَوْ أَنَّ نَفْسَهُ ... بِكَفَّيْهِ مِنْ رَدِّ الحُمَيَّا لَخَرَّتِ
وَأَدْبَرَ ، لَوْ قِيلَ : اتَّقِ السَّيْفَ !لَمْ تُخَلْ ... ذُؤَابَتُهُ مِنْ خَشْيَةٍ إِقْشَعَرَّتِ

(12/548)


وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)

القول في تأويل قوله : { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما كان جواب قوم لُوط للوط ، إذ وبَّخهم على فعلهم القبيح ، وركوبهم ما حرم الله عليهم من العمل الخبيث ، إلا أن قال بعضهم لبعض : أخرجوا لوطًا وأهله ولذلك قيل : " أخرجوهم " ، فجمع ، وقد جرى قبل ذكر " لوط " وحده دون غيره.
* * *
وقد يحتمل أن يكون إنما جمع بمعنى : أخرجوا لوطًا ومن كان على دينه من قريتكم فاكتفى بذكر " لوط " في أول الكلام عن ذكر أتباعه ، ثم جمع في آخر الكلام ، كما قيل : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ) ، [الطلاق : 1] .
* * *
وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
(إنهم أناس يتطهرون ) ، يقول : إن لوطًا ومن تبعه أناس يتنزهون عما نفعله نحنُ من إتيان الرجال في الأدبار. (2)
* * *
__________
(1) انظر ما سلف 2 : 485 - 487 ، وغيرها.
(2) انظر تفسير " التطهر " فيما سلف 10 : 318 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(12/549)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا هانئ بن سعيد النخعي ، عن الحجاج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : ( إنهم أناس يتطهرون ) ، قال : من أدبار الرجال وأدبار النساء. (1)
14834 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن مجاهد : ( إنهم أناس يتطهرون ) ، من أدبار الرجال وأدبار النساء.
14835 - حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن الحجاج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : ( إنهم أناس يتطهرون ) ، قال : يتطهرون من أدبار الرجال والنساء.
14836 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( إنهم أناس يتطهرون ) ، قال : من أدبار الرجال ومن أدبار النساء.
14837 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( إنهم أناس يتطهرون ) ، قال : يتحرَّجون.
14838 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( إنهم أناس يتطهرون ) ، يقول : عابوهم بغير عَيْب ، وذمُّوهم بغير ذَمّ.
* * *
__________
(1) الأثر : 14836 - " هانئ بن سعيد النخعي " ، صالح الحديث ، مضى برقم : 13159 ، 13965.

(12/550)


فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)

القول في تأويل قوله : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما أبى قوم لوط مع توبيخ لوط إياهم على ما يأتون من الفاحشة ، وإبلاغه إياهم رسالة ربه بتحريم ذلك عليهم إلا التمادي في غيّهم ، أنجينا لوطًا وأهله المؤمنين به ، إلا امرأته ، فإنها كانت للوط خائنة ، وبالله كافرة.
* * *
وقوله : ( من الغابرين ) ، يقول : من الباقين.
* * *
وقيل : ( من الغابرين ) ، ولم يقل " الغابرات " ، لأنه أريد أنها ممن بقي مع الرجال ، (1) فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل : " من الغابرين " . (2)
* * *
والفعل منه : " غبَرَ يَغْبُرُ غُبُورًا ، وغَبْرًا " ، (3) وذلك إذا بقي ، كما قال الأعشى :
عَضَّ بِمَا أَبْقَى المَوَاسِي لَهُ... مِنْ أَمَةٍ فِي الزَّمَنِ الغَابِرِ (4)
وكما قال الآخر : (5)
__________
(1) في المطبوعة : " لأنه يريد " وأثبت ما في المخطوطة.
(2) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 218 ، 219.
(3) قوله : " وغبرا " ، ضبطته بفتح فسكون ، ولم يرد هذا المصدر في شيء من كتب اللغة ، اقتصروا على المصدر الأول.
(4) ديوانه : 106 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 219 ، من قصيدته التي هجا بها علقمة ، ومدح عامرًا ، كما أسلفت في تخريج أبيات مضت من القصيدة ، وفي المطبوعة ومجاز القرآن " من أمه " ، وأثبت ما في الديوان ، قال أبو عبيدة ، بعد البيت : " لم يختن فيما مضى ، فبقي من الزمن الغابر ، أي الباقي. ألا ترى أنه قال : وَكُنَّ قَدْ أَبْقَيْنَ مِنْهَا أَذًى ... عِنْدَ المَلاقِي وَافِيَ الشَّافِر
وهو هجاء لأم علقمة قبيح.
(5) هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي.

(12/551)


وَأَبِي الَّذِي فَتَحَ البِلادَ بِسِيْفِهِ... فَأَذَلَّها لِبَنِي أَبَانَ الغَابِرِ (1)
يعني : الباقي.
* * *
فإن قال قائل : فكانت امرأة لوط ممن نجا من الهلاك الذي هلك به قوم لوط ؟
قيل : لا بل كانت فيمن هلك.
فإن قال : فكيف قيل : ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) ، وقد قلت إن معنى " الغابر " الباقي ؟ فقد وجب أن تكون قد بقيت ؟
قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبتَ إليه ، وإنما عنى بذلك ، إلا امرأته
__________
(1) خزانة الأدب 1 : 55 ، وكان يزيد شريفًا عزيزًا ، وأبوه الحكم بن أبي العاصي الثقفي ، أحد أصحاب الفتوح الكثيرة في فارس وغيرها ، وكذلك عمه عثمان بن أبي العاص صاحب رسول الله ، فدعاه الحجاج بن يوسف الثقفي ، فولاه فارس ، فلما جاء يأخذ عهده ، قال له الحجاج : يا يزيد ، أنشدني بعض شعرك ، وإنما أراد أن ينشده مديحًا له ، فأنشده قصيدة يفخر فيها ، يقول : وَأَبِي الَّذِي فَتَحَ البِلادَ بِسَيْفِه ... فَأَذلَّهَا لِبَنِي أَبَانَ الغَابِرِ
وَأَبِي الَّذِي سَلَبَ ابْنَ كِسْرَى رايةً ... بيضاءَ تَخْفِقُ كالعُقَابِ الكَاسِرِ
وِإذَا فَخَرْتُ فَخَرْتُ غَيْرَ مُكَذَّب ... فَخْرًا أَدُقُّ بِهِ فَخَارَ الفَاخِرِ
فنهض الحجاج مغضبًا ، وخرج يزيد من غير أن يودعه. فأرسل الحجاج حاجبه وراءه يرتجع منه العهد ، ويقول له : أيهما خير لك ، ما ورثك أبوك أم هذا ؟ فقال يزيد : قل له : وَرِثْتُ جَدِّي مَجْدَهُ وَفَعَالَهُ ... وَوَرِثْتَ جَدَّك أعْنُزًا بالطائفِ
ثم سار ولحق بسليمان بن عبد الملك وهو ولي للعهد ، فضمه إليه وجعله من خاصته.
وروى صاحب الخزانة : " لبني الزمان الغابر " ، وأما رواية جعفر " لبني أبان " ، فإنه يعني عشيرته ورهطه ، فإن جده هو " أبو العاص بن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار الثقفي " .
وقوله " وأبي الذي سلب ابن كسرى راية " ، يعني أباه الحكم في فتح فارس ، وإصطخر سنة 23 من الهجرة. (انظر تاريخ الطبري 5 : 6/ وفتوح البلدان : 393 ، 394).

(12/552)


وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)

كانت من الباقين قبلَ الهلاك ، والمعمَّرين الذين قد أتى عليهم دهرٌ كبيرٌ ومرّ بهم زمن كثيرٌ ، حتى هرِمت فيمن هرِم من الناس ، فكانت ممن غبرَ الدهرَ الطويلَ قبل هلاك القوم ، فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم العذاب.
* * *
وقيل : معنى ذلك : من الباقين في عذاب الله.
* ذكر من قال ذلك :
14839 - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) ، [سورةالشعراء : 171 /سورة الصافات : 135 ] ، في عذاب الله.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأمطرنا على قوم لوط الذين كذبوا لوطًا ولم يؤمنوا به ، مطرًا من حجارة من سجّيل أهلكناهم به(فانظر كيف كان عاقبه المجرمين ) ، يقول جل ثناؤه : فانظر ، يا محمد ، إلى عاقبة هؤلاء الذين كذبوا الله ورسوله من قوم لوط ، فاجترموا معاصيَ الله ، وركبوا الفواحش ، واستحلوا ما حرم الله من أدبار الرجال ، كيف كانت ؟ وإلى أي شيء صارت ؟ هل كانت إلا البوار والهلاك ؟ فإن ذلك أو نظيرَه من العقوبة ، عاقبةُ من كذَّبك واستكبر عن الإيمان بالله وتصديقك إن لم يتوبوا ، من قومك.
* * *

(12/553)


وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)

القول في تأويل قوله : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى ولد مدين و " مدين " ، هم ولدُه مديان بن إبراهيم خليل الرحمن ، (1) فيما : -
14840 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق.
* * *
فإن كان الأمر كما قال : فـ " مدين " ، قبيلة كَتميم.
وزعم أيضًا ابن إسحاق : أن شعيبًا الذي ذكر الله أنه أرسله إليهم ، من ولد مدين هذا ، وأنه " شعيب بن ميكيل بن يشجر " ، قال : واسمه بالسريانية ، " بثرون " . (2)
* * *
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام على ما قاله ابن إسحاق : ولقد أرسلنا إلى ولد مدين ، أخاهم شعيب بن ميكيل ، يدعوهم إلى طاعة الله ، والانتهاء إلى أمره ، وترك السعي في الأرض بالفساد ، والصدِّ عن سبيله ، فقال لهم شعيب : يا قوم ، اعبدوا الله وحده لا شريك له ، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة
__________
(1) في المطبوعة : " مدين بن إبراهيم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري 1 : 159.
(2) ( 2 ) في المخطوطة : " يثروب " ، غير منقوطة ، بالباء ، وهذه أسماء لا أستطيع الآن ضبطها ، وانظر تاريخ الطبري 1 : 167 ، والبداية والنهاية 1 : 185.

(12/554)


غير الإله الذي خلقكم ، وبيده نفعكم وضركم(قد جاءتكم بينة من ربكم ) ، يقول : قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول ، وصدق ما أدعوكم إليه (1) (فأوفوا الكيل والميزان ) ، يقول : أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به ، وبالوزن الذي تزنون به (2) (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ، يقول ولا تظلموا الناس حقوقهم ، ولا تنقصوهم إياها. (3)
ومن ذلك قولهم : " تَحْسَبُها حَمْقَاءَ وهي بَاخِسَةٌ " ، (4) بمعنى : ظالمة ومنه قول الله : ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) ، [سورة يوسف : 20] ، يعني به : رديء.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14841 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ، يقول : لا تظلموا الناس أشياءهم.
14842 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ، : قال : لا تظلموا الناس أشياءهم.
* * *
قوله : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) ، يقول : ولا تعملوا في أرض
__________
(1) انظر تفسير " بينة " فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(2) انظر تفسير " إيفاء الكيل والميزان " فيما سلف ص224.
(3) انظر تفسير " البخس " فيما سلف 6 : 56.
(4) هذا مثل ، انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 83 ، 219 ، وأمثال الميداني 1 : 108 ، وجمهرة الأمثال : 68 ، واللسان (بخس) ، وروايتهم : " وهي باخس " ، بمعنى : ذات بخس ، على النسب. يضرب المثل لمن يتباله وفيه دهاء. وذلك أن رجلا من بني العنبر بن عمرو بن تميم ، حاورته امرأة فحسبها حمقاء ، لا تعقل ، ولا تحفظ مالها. فقال لها : ألا أخلط مالي ومالك ؟ يريد أن يخلط ثم يقاسمها ، فيأخذ الجيد ويدع لها الرديء. فلما فعل وجاء يقاسمها ، نازعته ، فلم يخلص منها حتى افتدى منها بما أرادت. فلما عوتب في اختداعه المرأة على ضعفها قال : " تحسبها حمقاء وهي باخس " .

(12/555)


وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)

الله بمعاصيه ، وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه ، من عبادة غير الله ، والإشراك به ، وبخس الناس في الكيل والوزن (1) (بعد إصلاحها ) ، يقول : بعد أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث النبي عليه السلام فيكم ، ينهاكم عما لا يحل لكم ، وما يكرهه الله لكم (2) (ذلكم خير لكم ) ، يقول : هذا الذي ذكرت لكم وأمرتكم به ، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ، وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والوزن ، وترك الفساد في الأرض ، خيرٌ لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند الله يوم القيامة(إن كنتم مؤمنين ) ، يقول : إن كنتم مصدقيَّ فيما أقول لكم ، وأؤدِّي إليكم عن الله من أمره ونهيه.
* * *
القول في تأويل قوله : { وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، ولا تجلسوا بكل طريق وهو " الصراط " توعدون المؤمنين بالقتل. (3)
* * *
وكانوا ، فيما ذكر ، يقعدون على طريق من قصد شعيبًا وأراده ليؤمن به ، فيتوعَّدونه ويخوِّفونه ، ويقولون : إنه كذاب!
* ذكر من قال ذلك :
14843 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
__________
(1) انظر تفسير " الإفساد في الأرض " فيما سلف ص542 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الإصلاح " فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).
(3) انظر تفسير " الصراط " فيما سلف 1 : 170 - 177 ، ثم فهارس اللغة (سرط).

(12/556)


عن قتادة : ( بكل صراط توعدون ) ، قال : كانوا يوعدون مَنْ أتى شعيبًا وغشِيَه فأراد الإسلام.
14844 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، و " الصراط " ، الطريق ، يخوِّفون الناس أن يأتوا شعيبًا.
14845 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله ) ، قال : كانوا يجلسون في الطريق ، فيخبرون مَنْ أتى عليهم : أن شعيبًا عليه السلام كذاب ، فلا يفتنكم عن دينكم.
حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : ( بكل صراط ) ، قال : طريق(توعدون) ، بكل سبيل حق. (1)
14846 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه.
14847 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، كانوا يقعدون على كل طريق يوعدون المؤمنين.
14848 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن قيس ، عن السدي : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، قال : العشَّارُون.
حدثنا علي بن سهل قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي هريرة أو غيره شك
__________
(1) في المطبوعة : حذف " قال : طريق " ، وغير سائر العبارة فكتب : " توعدون كل سبيل حق " ، فأفسد الكلام إفسادًا!! والصواب من المخطوطة.

(12/557)


أبو جعفر الرازي قال : أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْرِي به على خشبة على الطريق ، لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقته ، ولا شيء إلا خرقته ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ ، قال : هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه! ثم تلا( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون). (1)
* * *
وهذا الخبر الذي ذكرناه عن أبي هريرة ، يدلّ على أن معناه كان عند أبي هريرة : أن نبي الله شعيبًا إنما نهى قومه بقوله : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، عن قطع الطريق ، وأنهم كانوا قُطَّاع الطريق.
* * *
وقيل : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، ولو قيل في غير القرآن : " لا تقعدوا في كلّ صراط " ، كان جائزًا فصيحًا في الكلام ، وإنما جاز ذلك لأن الطريق ليس بالمكان المعلوم ، فجاز ذلك كما جاز أن يقال : " قعد له بمكان كذا ، وعلى مكان كذا ، وفي مكان كذا " .
* * *
وقال : ( توعدون ) ، ولم يقل : " تَعِدُون " ، لأن العرب كذلك تفعل فيما أبهمت ولم تفصح به من الوعيد. تقول : " أوعدته " بالألف ، " وتقدَّم مني إليه
__________
(1) الأثر : 14853 - هذا مختصر من أثر طويل ، سيرويه أبو جعفر بهذا الإسناد في تفسير " سورة الإسراء " 15 : 6 (بولاق) ، وسيأتي تخريجه هناك.
و " أبو جعفر الرازي " و " الربيع بن أنس " ، و " أبو العالية " ، ثقات جميعًا ، ومضوا في مواضع مختلفة.
وهذا الخبر ذكره الهيثمي مطولا في مجمع الزوائد 1 : 67 - 72 وقال : " رواه البزار ورجاله موثقون ، إلا أن الربيع بن أنس قال : عن أبي العالية أو غيره ، فتابعيه مجهول " .
ولكن نص أبي جعفر هنا وهناك ، يدل على أن أبا جعفر الرازي شك في أنه عن أبي هريرة أو غيره من الصحابة ، فلعل ما في رواية البزار مخالف لما في رواية أبي جعفر الطبري.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 144 مطولا ، ونسبه إلى البزار ، وأبي يعلي ، وابن جرير ، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ، وابن أبي حاتم ، وابن عدي ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل.

(12/558)


وعيد " ، فإذا بينت عما أوعدت وأفصحت به ، (1) قالت : " وعدته خيرًا " ، و " وعدته شرًّا " ، بغير ألف ، كما قال جل ثناؤه : ( النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، [سورة الحج : 72].
* * *
وأما قوله : ( وتصدون عن سبيل الله من آمن به ) ، فإنه يقول : وتردُّون عن طريق الله ، وهو الردُّ عن الإيمان بالله والعمل بطاعته (2) (من آمن به) ، يقول : تردُّون عن طريق الله مَنْ صدق بالله ووحّده( وتبغونها عوجًا ) ، يقول : وتلتمسون لمن سلك سبيل الله وآمن به وعمل بطاعته (3) (عوجًا) ، عن القصد والحق ، إلى الزيغ والضلال ، (4) كما : -
14849 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وتصدون عن سبيل الله ) ، قال : أهلها( وتبغونها عوجًا ) ، تلتمسون لها الزيغ.
14850 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه.
14851 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( وتبغونها عوجًا ) ، قال : تبغون السبيل عن الحق عوجًا.
14852 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وتصدون عن سبيل الله ) ، عن الإسلام تبغون السبيل( عوجًا ) ، هلاكًا.
* * *
__________
(1) في المخطوطة : (( فإذا نصب عما أوعدت " غير منقوطة ، ولم أحسن توجيه قراءتها ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، إذ كان صوابًا واضحًا. 1 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 385.
(2) انظر تفسير " الصد " فيما سلف ص : 448 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " بغى " فيما سلف ص : 448 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير " العوج " فيما سلف 7 : 54/ 12 : 448.

(12/559)


وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)

وقوله : ( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) ، يذكرهم شعيب نعمة الله عندهم بأن كثّرَ جماعتهم بعد أن كانوا قليلا عددهم ، وأنْ رَفعهم من الذلة والخساسة ، يقول لهم : فاشكروا الله الذي أنعم عليكم بذلك ، وأخلصوا له العبادة ، واتقوا عقوبته بالطاعة ، واحذروا نقمته بترك المعصية ، (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) ، يقول : وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم حين عتوا على ربهم وعصوا رسله ، من المَثُلات والنقمات ، وكيف وجدوا عقبى عصيانهم إياه ؟ (1) ألم يُهلك بعضهم غرقًا بالطوفان ، وبعضهم رجمًا بالحجارة ، وبعضهم بالصيحة ؟
* * *
و " الإفساد " ، في هذا الموضع ، معناه : معصية الله. (2)
* * *
القول في تأويل قوله : { وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) }
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : ( وإن كان طائفة منكم ) ، وإن كانت جماعة منكم وفرقة (3) (آمنوا) ، يقول : صدّقوا بالذي أرسلتُ به من إخلاص العبادة لله ، وترك معاصيه ، وظلم الناس ، وبخسهم في المكاييل والموازين ، فاتّبعوني على ذلك(وطائفة لم يؤمنوا ) ، يقول : وجماعة أخرى لم يصدِّقوا بذلك ، ولم يتبعوني عليه(فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ) ، يقول : فاحتبسوا على قضاء
__________
(1) انظر تفسير " العاقبة " فيما سلف 11 : 272 ، 273/ 12 : 129.
(2) انظر تفسير " الإفساد " فيما سلف ص : 556 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " طائفة " فيما سلف 6 : 500/ 9 : 141/ 12 : 240.

(12/560)


الله الفاصل بيننا وبينكم (1) (وهو خير الحاكمين ) ، يقول : والله خيرُ من يفصل وأعدل من يقضي ، لأنه لا يقع في حكمه مَيْلٌ إلى أحدٍ ، ولا محاباة لأحدٍ.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الصبر " فيما سلف 7 : 508 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
وتفسير " الحكم " فيما سلف 9 : 175 ، 324 ، 462/ 11 : 413.

(12/561)


قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)

القول في تأويل قوله : { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ( قال الملأ الذين استكبروا ) ، يعني بالملأ الجماعة من الرجال (1) ويعني بالذين استكبروا ، الذين تكبروا عن الإيمان بالله ، والانتهاء إلى أمره ، واتباع رسوله شعيب ، لما حذرهم شعيبٌ بأسَ الله ، على خلافهم أمرَ ربهم ، وكفرهم به (2) (لنخرجنك يا شعيب ) ، ومن تبعك وصدقك وآمن بك ، وبما جئت به معك(من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) ، يقول : لترجعن أنت وهم في ديننا وما نحن عليه (3) قال شعيب مجيبًا لهم : ( أولو كنا كارهين ) .
ومعنى الكلام : أن شعيبًا قال لقومه : أتخرجوننا من قريتكم ، وتصدّوننا عن سبيل الله ، ولو كنا كارهين لذلك ؟ ثم أدخلت " ألف " الاستفهام على " واو " " ولو " .
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 542 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " استكبر " فيما سلف ص : 542 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الملة " فيما سلف ص : 282 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(12/561)


قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

القول في تأويل قوله : { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم ، والدخول فيها ، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم : ( قد افترينا على الله كذبًا ) ، يقول : قد اختلقنا على الله كذبًا ، (1) وتخرّصنا عليه من القول باطلا إن نحن عدنا في ملتكم ، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها ، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ، ونترك الحق الذي نحن عليه( إلا أن يشاء الله ربنا ) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها ، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله ، فينفذ مشيئته علينا(وسع ربنا كل شيء علما ) ، يقول : فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به ، فلا يخفى عليه شيء كان ، ولا شيء هو كائن. (2) فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم ، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن ، (3) فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه ، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14853 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
__________
(1) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف ص : 481 ، تعليق : 6 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " وسع " فيما سلف ص : 207 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) في المطبوعة : " فلا يخفى " بالفاء ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب بالواو.

(12/562)


حدثنا أسباط ، عن السدي : ( قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذن نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول : ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها ، إلا أن يشاء الله ربنا ، فالله لا يشاء الشرك ، ولكن يقول : إلا أن يكون الله قد علم شيئًا ، فإنه وسع كل شيء علمًا.
* * *
وقوله : ( على الله توكلنا ) ، يقول : على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعِدوننا به من شرِّكم ، أيها القوم ، فإنه الكافي من توكَّل عليه. (1)
* * *
ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه إذ أيس من فلاحهم ، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة ، والإقرار له بالرسالة ، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقتهم العطبَ والهلكة (2) بتعجيل النقمة ، فقال : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول : احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حَيْف ولا ظلم ، ولكنه عدل وحق( وأنت خير الفاتحين ) ، يعني : خير الحاكمين. (3)
* * *
ذكر الفرَّاء أنّ أهلَ عُمان يسمون القاضي " الفاتح " و " الفتّاح " . (4)
وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب : أنه من لغة مراد ، (5) وأنشد لبعضهم بيتًا وهو : (6)
__________
(1) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف 7 : 346/ 8 : 566/ 10 : 108 ، 184.
(2) السياق : " ... بالدعاء على قومه... بتعجيل النقمة " .
(3) انظر تفسير " الفتح " فيما سلف 2 : 254/ 10 : 405.
(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 385.
(5) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 220 ، 221.
(6) هو الأسعر الجعفي ، أو محمد بن حمران بن أبي حمران.

(12/563)


أَلا أَبْلِغْ بَني عُصْمٍ رَسُولا... بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14854 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن مسعر ، عن قتادة ، عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما قوله : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول : " تعالَ أفاتحك " ، تعني : أقاضيك.
14855 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول : اقض بيننا وبين قومنا.
14856 - حدثني المثنى قال ، حدثنا ابن دكين قال ، حدثنا مسعر قال ، سمعت قتادة يقول : قال ابن عباس : ما كنت أدري ما قوله : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنةَ ذي يزن تقول : " تعالَ أفاتحك " .
14857 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، أي : اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
14858 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة : ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، : اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
14859 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، أما قوله : ( افتح بيننا ) ، فيقول : احكم بيننا.
__________
(1) سلف البيت وتخريجه 2 : 254 ، ولم أنسبه هناك إلى هذا الموضع من تفسير الطبري ، فقيده ، ويزاد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 220 ، 221 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا " فإني عن فتاحتكم " ، والصواب ما سلف ، وما في المخطوطة هناك.

(12/564)


وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)

14860 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال الحسن البصري : افتح احكم بيننا وبين قومنا ، و( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) ، [الفتح : 1] حكمنا لك حكمًا مبينًا.
14861 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : " افتح " ، اقض.
14862 - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال ، حدثنا مسعر ، عن قتادة ، عن ابن عباس قال : لم أكن أدري ما( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها : " انطلق أُفاتحك " .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقالت الجماعة من كفرة رجال قوم شعيب وهم " الملأ " (1) الذين جحدوا آيات الله ، وكذبوا رسوله ، وتمادوا في غيِّهم ، لآخرين منهم : لئن أنتم اتبعتم شُعَيبًا على ما يقول ، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد الله ، والانتهاء إلى أمره ونهيه ، وأقررتم بنبوَّته( إنكم إذًا لخاسرون ) ، يقول : لمغبونون في فعلكم ، وترككم ملتكم التي أنتم عليها مقيمون ، إلى دينه الذي يدعوكم إليه وهالِكُون بذلك من فعلكم. (2)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص561 ، تعليق : 22 والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " الخسارة " فيما سلف ص : 481 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.

(12/565)


فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)

القول في تأويل قوله : { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) }
قال أبو جعفر : يقول : فأخذت الذين كفروا من قوم شعيب ، الرجفة. وقد بيّنت معنى " الرجفة " قبل ، وأنها الزلزلة المحركة لعذاب الله. (1)
* * *
( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) ، على ركبهم ، موتَى هلكى. (2)
* * *
وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم الله به ، كما : -
14863 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وإلى مدين أخاهم شعيبًا ) ، قال : إن الله بعث شعيبًا إلى مدين ، وإلى أصحاب الأيكة و " الأيكة " ، هي الغيضة من الشجر وكانوا مع كفرهم يبخَسون الكيل والميزان ، فدعاهم فكذبوه ، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن ، وما ردُّوا عليه. فلما عتوا وكذبوه ، سألوه العذابَ ، ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم ، فأهلكهم الحرّ منه ، فلم ينفعهم ظلٌ ولا ماء. ثم إنه بعثَ سحابةً فيها ريحٌ طيبة ، فوجدوا بَرْدَ الرّيح وطيبِها ، فتنادوا : الظُّلّةَ ، عليكم بها " ! فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ، انطبقت عليهم فأهلكتهم ، فهو قوله : ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) ، [سورة الشعراء : 189].
14864 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، كان من خبر قصة شعيب وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. كانوا أهلَ بخسٍ للناس في مكاييلهم وموازينهم ، مع كفرهم بالله ، وتكذيبهم نبيَّهم . وكان يدعوهم
__________
(1) انظر تفسير " الرجفة " فيما سلف ص : 544 ، 545.
(2) انظر تفسير " الجثوم " فيما سلف : ص : 545 ، 546.

(12/566)


إلى الله وعبادته ، وترك ظلم الناس وبخسهم في مكاييلهم وموازينهم ، فقال نُصْحًا لهم ، وكان صادقا : ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ، [هود : 88]. قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة إذا ذكر شعيبًا قال : " ذاك خطيب الأنبياء " ! لحسن مراجعته قومه فيما يرادُ بهم. فلما كذَّبوه وتوعَّدوه بالرَّجْم والنفي من بلادهم ، وعتوا على الله ، أخذهُم عذاب يوم الظُّلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم. فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له : " عمرو بن جلهاء ، لما رآها قال :
يَا قَوْم إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا... عنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ
إنِّي أَرَى غَبْيَةً يَا قَوْم قَدْ طَلَعَتْ... تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي (1) وَإِنَّكمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضَحَاءَ غَدٍ... إلا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجَادِ (2)
و " سمير " و " عمران " ، كاهناهم و " الرقيم " ، كلبهم. (3)
حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني ابن إسحاق (4) قال : فبلغني ، والله أعلم ، أنَّ الله سلط عليهم الحرّ حتى أنضجهم ، ثم أنشأ لهم
__________
(1) في المطبوعة : " إني أرى غيمة " ، وهي كذلك في قصص الأنبياء ، وفي المخطوطة ما أثبت ، وهي في الدر المنثور " عينة " خطأ ، صوابه ما أثبت.
و " الغبية " (بفتح فسكون) : الدفعة الشديدة من المطر ، وقيل : هي المطرة ليست بالكثيرة. وأراد بها هنا سحابة ذات غبية. و " الصمانة " . و " الصمان " ، أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل.
(2) في المطبوعة والمخطوطة : " وإنكم إن تروا " ، والصواب ما أثبت ، وفي قصص الأنبياء : " فإنه لن يرى فيها " ، وفي الدر المنثور : " فإنه لا يرى " . وكان في المطبوعة : " ما فيها إلا الرقيم... " زيادة مفسدة للوزن ، ليست في المخطوطة ، ولعلها من الطباعة. و " الأنجاد " جمع " نجد " ، وهي الأرض المرتفعة. و " الضحاء " بفتح الضاد ، ممدودًا ، مثل " الضحى " (بضم الضاد) ، وهو إذا امتد النهار وقارب أن ينتصف. وكان في المطبوعة : " ضحاة غد " .
(3) الأثر : 14869 - الدر المنثور 3 : 103 ، وقصص الأنبياء للثعلبي : 144.
(4) في المطبوعة و المخطوطة : " أبو سحق " ، وهو خطأ ظاهر.

(12/567)


الظُّلةَ كالسحابة السوداء ، فلما رأوها ابتدرُوها يستغيثون ببَرْدها مما هم فيه من الحر ، حتى إذا دَخلوا تحتها ، أطبقت عليهم ، فهلكوا جميعًا ، ونجى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمته.
14865 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثني أبو عبد الله البجلي قال : " أبو جاد " و " هوّز " و " حُطّي " و " كلمون " و " سعفص " و " قرشت " ، أسماء ملوك مدين ، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب " كلمون " ، فقالت أخت كلمون تبكيه :
كَلَمُونٌ (1) هَدَّ رُكْنِي ... هُلْكُهُ وَسْطَ المَحَلَّهْ
سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْـ... حَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْ
جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ ، ... دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ (2)
* * *
__________
(1) في المطبوعة والمخطوطة : " كلمون " ، هكذا ، وفي التاريخ 1 : 99 ، وسائر الكتب " كلمن " ، فتركتها على حالها هنا.
(2) الأثر : 14871 - " أبو عبد الله البجلي " ، لم أجد من يكنى بها ، ولكن روى أبو جعفر في تاريخه مثل هذا الخبر ، في ذكر هلاء الملوك (1 : 99) ، وإسناد يفسر هذا الإسناد قال :
" حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن يحيى بن العلاء ، عن القاسم بن سلمان ، عن الشعبي قال : أبجد ، وهوز ، وحطي ، وكلمن ، وسعفص ، وقرشت ، كانوا ملوكًا جبابرة... "
و " يحيى بن العلاء البجلي " ، كنيته " أبو سلمة " ، ويقال " أبو عمرو " . ولم أجد كنيته " أبو عبد الله " ، ولكن ظاهر هذا الإسناد يرجح أن " أبا عبد الله البجلي " ، هو نفسه " يحيى بن العلاء البجلي " ، والله أعلم.
و " يحيى بن العلاء البجلي " ، قال أحمد : " كذاب يضع الحديث. مترجم في التهذيب ، والكبير 4/ 2 / 297 ، وابن أبي حاتم 4 2/ 179.
وهذا الخبر رواه البغوي (هامش تفسير ابن كثير 3 : 520) ، وقصص الأنبياء للثعلبي : 144 ، عن أبي عبد الله البجلي ، وفيها جميعًا " كلمن " ، وزدت منها ما بين القوسين ، ولكني كتبته كأخواته في المخطوطة.
وروي في البغوي : " كلمن قد هد ركني " ، وفي قصص الأنبياء : " كلمن أهدد ركني " ، ولا أدري ما هذا!!

(12/568)


الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)

القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأهلك الذين كذبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به ، فأبادَهم ، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاءً( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول : كأن لم ينزلوا قطّ ولم يعيشوا بها حين هلكوا .
* * *
يقال : " غَنِيَ فلان بمكان كذا ، فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِيًّا " ، (1) إذا نزل به وكان به ، كما قال الشاعر. (2)
وَلَقَدْ يَغْنَى بِهَا جِيرَانُكِ الْ... مُمْسِكُو مِنْكِ بِعَهْدٍ وَوِصَالِ (3)
__________
(1) هذا المصدر الثاني " غنيا " ليس في شيء من مراجع اللغة ، وضبطته بضم الغين وكسر النون وتشديد الياء ، على زنة " فعول " وهكذا استظهرت. ولا أدري أيصح ذلك أم لا يصح.
(2) هو عبيد بن الأبرص.
(3) ديوانه : 58 ، مختارات ابن الشجري 2 : 37 ، والخصائص لابن جني 2 : 2455 والمنصف لابن جني 1 : 66 ، والخزانة 3 : 237 ، وهي القصيدة الفاخرة التي لم يتجشم فيها إلا ما في نهضته ووسعه ، عن غير اغتصاب واستكراه أجاءه إليه ، فقاد القصيدة كلها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى (ال) التعريف ، كما قال ابن جني في الخصائص ، أولها : يَا خَلِيلَيَّ اُرْبَعَا وَاُسْتَخْبِرَا الْـ ... مَنْزِلَ الدَّارِسَ مِنْ أهْلِ الحِلالِ
مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكِ الْ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ ، وَتَأَوِيبُ الشَّمَالِ
وَلَقَدْ يَغْنَى بِه جِيرَانُكِ الْـ ... مُمْسِكُو مِنْكِ بِأَسْبَابِ الوِصَالِ
واستمر بها على ذلك النهج. وكان في المطبوعة : " المستمسكو " ، وهو تغيير لما في المخطوطة ، وللرواية معًا. وقوله : " الممسكو " يعني " الممسكون " ، فحذف النون لطول الاسم ، لا للإضافة. وهكذا تفعل العرب أحيانا ، كما قال الأنصاري : الْحَافِظُو عَوْرةَ العَشِيرَةِ لا ... يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِنَا نَطَفُ
وقول الأخطل : أَبَنيِ كُلَيْبٍ ، إِنْ عَمَّيَّ اللَّذَا ... قَتَلا المُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلالا
انظر سيبويه 1 : 95 ، والمنصف 1 : 67.

(12/569)


وقال رؤبة :
وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا (1)
إنما هو " مفعل " من " غني " .
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14866 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر ، عن قتادة.( كأن لم يغنوا فيها ) ، : كأن لم يعيشوا ، كأن لم ينعموا.
14867 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول : كأن لم يعيشوا فيها.
14868 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( كأن لم يغنوا فيها ) ، كأن لم يكونوا فيها قطُّ.
* * *
وقوله : ( الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين ) ، يقول تعالى ذكره : لم يكن الذين اتَّبعوا شعيبًا الخاسرين ، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين. (2) لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه : أن الذين كذبوا شعيبًا قالوا للذين أرادُوا اتباعه : ( لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لخاسرون ) ، فكذبهم الله بما أحلَّ بهم من عاجلِ نَكاله ، ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ما خسر تُبَّاع شعيب ، بل كانَ الذين كذبوا شعيبًا لما جاءت عقوبة الله ، هم الخاسرين ، دون الذين صدّقوا وآمنوا به.
* * *
__________
(1) ديوانه : 87 ، ومضى منها بيت فيما سلف 2 : 540 في مديح قومه بني تميم ، يقول : هَاجَتْ ، وَمِثْلي نَوْلُهُ أَنْ يَرْبَعَا ... حَمَامَةٌ هَاجَتْ حَمَامًا سُجَّعَا
أَبْكَتْ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَالسَّمَيْدَعَا ... وعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بضَلْفَعَا
بَادَتْ وَأَمْسَى خَيْمُها تَذَعْذَعَا
و " أبو الشعثاء " يعني نفسه. و " ضلفع " ، اسم موضع.
(2) انظر تفسير " الخسران " فيما سلف ص : 565 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.

(12/570)


فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)

القول في تأويل قوله : { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأدبر شعيب عنهم ، شاخصًا من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله ، (1) وقال لما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذّبوه ، حزنًا عليهم : ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ) ، وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم ، (2) من تحذيركم غضبَه على إقامتكم على الكفر به ، وظلم الناس أشياءهم(ونصحت لكم ) ، بأمري إياكم بطاعة الله ، ونهيكم عن معصيته - (فكيف آسى ) ، يقول : فكيف أحزن على قوم جَحَدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله ، وأتوجَّع لهلاكهم ؟ (3)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك.
14869 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ( فكيف آسى ) ، يعني : فكيف أحزن ؟
14870 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فكيف آسى ) ، يقول : فكيف أحزن ؟
14871 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال :
__________
(1) انظر تفسير " تولى " فيما سلف ص : 546 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(2) انظر تفسير " البلاغ " فيما سلف ص : 547 تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الأسى " فيما سلف 10 : 200 ، 475.

(12/571)


وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)

أصاب شعيبًا على قومه حُزْن لما يرى بهم من نقمةِ الله ، ثم قال يعزي نفسه ، فيما ذكر الله عنه : ( ، يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين).
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، معرِّفَه سنّته في الأمم التي قد خَلَت من قبل أمته ، ومذكّرَ من كفر به من قريش ، لينزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله ، والتكذيب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وما أرسلنا في قرية من نبي ) ، قبلك( إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، وهو البؤس وشَظَف المعيشة وضِيقها و " الضراء " ، وهي الضُّرُ وسوء الحال في أسباب دُنياهم(لعلهم يضرعون ) ، يقول : فعلنا ذلك ليتضرّعوا إلى ربهم ، ويستكينوا إليه ، وينيبوا ، (1) بالإقلاع عن كفرهم ، والتوبة من تكذيب أنبيائِهم.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك.
14872 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ) ، يقول : بالفقر والجوع.
* * *
__________
(1) انظر تفسير " التضرع " فيما سلف 11 : 345 ، 414/ 12 : 485.

(12/572)


ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)

وقد ذكرنا فيما مضى الشواهدَ على صحّة القول بما قلنا في معنى : " البأساء " ، و " الضراء " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
* * *
وقيل : " يضرّعون " ، والمعنى : يتضرعون ، ولكن أدغمت " التاء " في " الضاد " ، لتقارب مخرجهما.
* * *
القول في تأويل قوله : { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : (ثم بدلنا) أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء(مكان السيئة) ، وهي البأساء والضراء. وإنما جعل ذلك " سيئة " ، لأنه ممّا يسوء الناس ولا تسوءهم " الحَسَنة " ، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة (2) ( حتى عفوا ) ، يقول : حتى كَثرُوا.
* * *
وكذلك كل شيء كثر ، فإنه يقال فيه : " قد عفا " ، (3) كما قال الشاعر : (4)
ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (5)
__________
(1) انظر تفسير " البأساء " فيما سلف 3 : 349 - 353/ 4 : 288/11 : 354
وتفسير " الضراء " فيما سلف 3 : 349 - 353/ 4 : 288/ 7 : 214/ 11 : 355.
(2) انظر تفسير " الضراء " فيما سلف قبل في التعليق السابق.
وتفسير " السراء " فيما سلف 7 : 213.
وتفسير " السيئة " و " الحسنة " ، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن).
وتفسير " مس " فيما سلف ص : 540 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " عفا " فيما سلف 3 : 370/ 4 : 343.
(4) هو لبيد.
(5) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 4 : 343.

(12/573)


وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك.
14873 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال : مكان الشدة رخاء( حتى عفوا) .
14874 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال : " السيئة " ، الشر ، و " الحسنة " ، الرخاء والمالُ والولد.
14875 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال : " السيئة " ، الشر ، و " الحسنة " ، الخير.
14876 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) ، يقول : مكان الشدة الرَّخاء.
14877 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ) ، قال : بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا(حتى عفوا) ، من ذلك العذاب( وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) .
* * *
واختلفوا في تأويل قوله : ( حتى عفوا ) .
فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك :
14878 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني

(12/574)


معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس ، قوله : ( حتى عفوا ) ، يقول : حتى كثروا وكثرت أموالهم.
حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : ( حتى عفوا ) ، قال : جَمُّوا. (1)
14879 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( حتى عفوا ) ، قال : كثرت أموالهم وأولادهم.
14880 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14881 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( حتى عفوا ) ، حتى كثروا.
14882 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : ( حتى عفوا ) ، قال : حتى جَمُّوا وكثروا.
14883 - ... قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( حتى عفوا ) ، قال : حتى جَمُّوا.
14884 - ... قال ، حدثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( حتى عفوا ) ، يعني : جَمُّوا وكثروا.
14885 - ... قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( حتى عفوا ) ، قال : حتى كثرت أموالهم وأولادهم.
حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( حتى عفوا ) ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش ، (2) ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يَشْعُرون.
* * *
__________
(1) " جم الشيء " ، و " استجم " ، كثر. و " مال جم " ، كثيرة.
(2) " الريش " (بكسر الراء) : المتاع والأموال.

(12/575)


وقال آخرون : معنى ذلك : حتى سُرُّوا.
* ذكر من قال ذلك.
14886 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( حتى عفوا ) ، يقول : حتى سُرُّوابذلك.
* * *
قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله قتادة في معنى : " عفوا " ، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب. لأنه لا يعرف " العفو " بمعنى السرور ، في شيء من كلامها ، إلا أن يكون أراد : حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم ، فيكون ذلك وجهًا ، وإن بَعُد.
* * *
وأما قوله : ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها ، استدراجًا وابتلاء ، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم : هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا ، ونالت أسلافَنا ، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها وهي " السراء " ، لأنها تَسرُّ أهلها. (1)
وجهل المساكين شكرَ نعمة الله ، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته ، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة ، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.
يقول جل جلاله : ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) ، يقول : فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه ، (2) وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم ، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه. (3)
* * *
__________
(1) انظر تفسير " السراء " ومراجعه فيما سلف قريبًا ص : 573 ، تعليق : 1.
(2) انظر تفسير " البغتة " فيما سلف 11 : 325 ، 360 ، 368.
(3) انظر تفسير " شعر " فيما سلف ص : 93 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.

(12/576)


وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)

{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) }

(12/577)


أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)

(1) القول في تأويل قوله : { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أفأمن ، يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله ، ويجحدون آياته ، استدراجَ الله إيّاهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحّة الأبدان ورخاء العيش ، كما استدرج الذين قصَّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم ، (2) فإنّ مكر الله لا يأمنه ، يقول : لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا ، مع مقامهم على كفرهم ، وإصرارهم على معصيتهم(إلا القوم الخاسرون) وهم الهالكون. (3)
* * *
القول في تأويل قوله : { أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) }
قال أبو جعفر : يقول : أوَلم يَبن للّذين يُسْتخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانُوا أهلها ، (4) فساروا سيرتهم ، وعملوا أعمالهم ، وعتوا عن أمر ربهم( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) ، يقول : أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ، فأخذناهم بذنوبهم ، وعجّلنا لهم بأسَنا كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض ، فأهلكناهم بذنوبهم( ونطبع على قلوبهم ) ، (5) يقول :
__________
(1) سقط تفسير هذه الآيات الثلاث من المطبوعة ، ولم ينبه إليه الناشر . وهو ساقط أيضًا من المخطوطة ، وقد ساق الكلام فيها متصلا ليس بينه بياض ، فسها عن هذه الآيات الثلاث .
والظاهر أن هذا نقص قديم ، لا أدري أهو من الطبري نفسه ، أم من ناسخ النسخة العتيقة التي نقلت عنها نسختنا ، أم من ناسخ نسختنا التي بين أيدينا .
والدليل على أنه خرم قديم ، أني لم أجد أحدًا قط نقل شيئًا عن الطبري وأخباره في تفسير هذه الآية . لم يذكر ابن كثير شيئًا منسوبًا إلى ابن جرير ، ولا السيوطي في الدر المنثور ، ولا القرطبي ، ولا أبو حيان ، ولا أحد ممن هو مظنة أن ينقل عن أبي جعفر . فهذا يكاد يرجح أن جميع النسخ التي وقعت في أيديهم كان فيها هذا الخرم ، ولكن لم ينبه أحد منهم إليه . ومن أجل ذلك وضعت الآيات وحدها ، وتركت مكان الخرم بياضًا في هذه الصفحة والتي تليها .
(2) انظر تفسير " المكر " فيما سلف ص : 95 ، 97 تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير " الخسران " فيما سلف ص : 570 تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير " هدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(5) انظر تفسير " الطبع " فيما سلف 1 : 258 - 261/ 9 : 364.

(12/578)


ونختم على قلوبهم فهم( لا يسمعون ) ، موعظةً ولا تذكيرًا ، سماعَ منتفع بهما.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك.
14887 - حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( أو لم يهد ) ، قال : يبيَّن.
14888 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.
14889 - ... قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( أولم يهد ) ، أولم يُبَيَّنْ.
14890 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) ، يقول : أو لم يتبين لهم.
14891 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) ، يقول : أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها هم المشركون.
14892 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) ، أولم نُبَيِّنْ لهم( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) ، قال : و " الهدى " ، البيان الذي بُعث هاديًا لهم ، مبيِّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا.
* * *

(12/580)


تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)

القول في تأويل قوله : { تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : هذه القرى التي ذكرت لك ، يا محمد ، أمَرها وأمر أهلها يعني : قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب " نقص عليك من أنبائها " فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها ، وما كان من أمرهم وأمر رُسل الله التي أرسلت إليهم ، (1) لتعلم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا ، ويعلم مكذبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذَّب رسل الله ، فيرتدعوا عن تكذيبك ، وينيبوا إلى توحيد الله وطاعته " ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات " ، يقول : ولقد جاءت أهل القرى التي قصصت عليك نبأها ، " رسلهم بالبينات " ، يعني بالحجج : البينات (2) " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " .
* * *
[ثم] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. (3) .
فقال بعضهم : معناه : فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم بما كذبوا من قبل ذلك ، (4) وذلك يوم أخذِ ميثاقهم
__________
(1) انظر تفسير (( القصص )) فيما سلف 12 : 406 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . وتفسير(( النبأ )) فيما سلف 12 : 287 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( البينات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(3) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق .
(4) في المطبوعة : (( بما كذبوا قبل ذلك )) ، وفي المخطوطة : (( بما يحدثوا قبل ذلك )) ، واستظهرت أن يكون الصواب ما أثبت ، لقوله في الأثر الذي استدل به (( فآمنوا كرها )) .

(12/7)


حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك.
14901 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " قال : ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهًا.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل ، بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به يوم أخرجهم من صُلب آدم عليه السلام .
* ذكر من قال ذلك :
14902 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل : قال : كان في علمه يوم أقرُّوا له بالميثاق.
14903 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال ، يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى لهم ربهم والأنبياء ، ويدعوا علمَ ما أخفى الله عليهم ، (1) فإن علمه نافذٌ فيما كان وفيما يكون ، وفي ذلك قال : " ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " ، قال : نفذ علمه فيهم ، أيُّهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في زمان آدم. وتصديق ذلك حيث قال لنوح : اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ، [هود : 48] ، وقال في ذلك : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ، [الأنعام : 28] ، وفي ذلك قال : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [الإسراء : 15] ،
__________
(1) في المخطوطة : (( ولوا علم ما أخفي الله عليهم )) ، وكأن الصواب ما في المطبوعة.

(12/8)


وفي ذلك قال : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء : 165] ، ولا حجة لأحد على الله.
* * *
وقال آخرون : معنى ذلك : " فما كانوا " لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله ، " ليؤمنوا بما كذبوا من قبل " هلاكهم ، كما قال جل ثناؤه : (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) .
* ذكر من قال ذلك :
14904 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : " بما كذبوا من قبل " ، قال : كقوله : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) .
قال أبو جعفر : وأشبه هذه الأقوال بتأويل الآية وأولاها بالصواب ، القولُ الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب والربيع. وذلك أن من سبق في علم الله تبارك وتعالى أنه لا يؤمن به ، فلن يؤمن أبدًا ، وقد كان سبق في علم الله تبارك وتعالى لمن هلك من الأمم التي قص نبأهم في هذه السورة ، أنه لا يؤمن أبدًا ، فأخبر جل ثناؤه عنهم ، أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه ، قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل : تأويله : فما كان هؤلاء الذين وَرِثوا الأرض ، يا محمد ، من مشركي قومك من بعد أهلها ، الذين كانوا بها من عاد وثمود ، ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده كان وجهًا ومذهبًا ، غير أني لا أعلم قائلا قاله ممن يعتمد على علمه بتأويل القرآن.
* * *
وأما الذي قاله مجاهد من أن معناه : لو ردّوا ما كانوا ليؤمنوا فتأويلٌ

(12/9)


وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك ، فأولى منه بالصواب ما كان عليه من ظاهر التنزيل دليل.
* * *
وأما قوله : " كذلك يطيع الله على قلوب الكافرين " ، فإنه يقول تعالى ذكره : كما طبع الله على قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمم التي قصصنا عليك نبأهم ، يا محمد ، في هذه السورة ، حتى جاءهم بأسُ الله فهلكوا به " كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " ، الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدًا من قومك. (1) .
* * *
القول في تأويل قوله : { وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولم نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك ، يا محمد ، نبأها " من عهد " ، يقول : من وفاء بما وصيناهم به ، من توحيد الله ، واتباع رسله ، والعمل بطاعته ، واجتناب معاصيه ، وهجر عبادة الأوثان والأصنام.
* * *
و " العهد " ، هو الوصية ، قد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (2) . " وإن وجدنا أكثرهم " ، يقول : وما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم ، تاركين عهده ووصيته.
__________
(1) انظر تفسير الطبع فيما سلف 12 : 579 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير (( العهد )) فيما سلف 1 : 410 ، 557 / 2 : 279 / 3 : 20 - 24 ، 349 / 6 : 526 .

(12/10)


وقد بينا معنى " الفسق " ، قبل. (1)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14905 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى : " وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " قال : القرون الماضية.
14906 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " ، الآية ، قال : القرون الماضية. و " عهده " ، الذي أخذه من بني آدم في ظهر آدم ولم يفوا به.
14907 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : " وما وجدنا لأكثرهم من عهد " قال : في الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم عليه السلام.
14908 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " وذلك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به.
* * *
__________
(1) انظر تفسير الفسق فيما سلف 12 : 195 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(12/11)


ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)

القول في تأويل قوله : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ، موسى بن عمران.
* * *
و " الهاء والميم " اللتان في قوله : " من بعدهم " ، هي كناية ذكر الأنبياء عليهم السلام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى هذا الموضع.
* * *
" بآياتنا " يقول : بحججنا وأدلتنا (1) " إلى فرعون وملئه " ، يعني : إلى جماعة فرعون من الرجال (2) " فظلموا بها " ، يقول : فكفروا بها. و " الهاء والألف " اللتان في قوله : " بها " عائدتان على " الآيات " . ومعنى ذلك : فظلموا بآياتنا التي بعثنا بها موسى إليهم وإنما جاز أن يقال : " فظلموا بها ، " بمعنى : كفروا بها ، لأن الظلم وَضْعُ الشيء في غير موضعه. وقد دللت فيما مضى على أن ذلك معناه ، بما أغنى عن إعادته. (3) .
* * *
والكفر بآيات الله ، وضع لها في غير موضعها ، وصرف لها إلى غير وجهها الذي عُنِيت به " فانظر كيف كان عاقبه المفسدين " ، يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد ، بعين قلبك ، كيف كان عاقبة
__________
(1) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف في فهارس اللغة ( أيى ) .
(2) انظر تفسير (( الملأ )) فيما سلف 12 : 565 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .

(12/12)


وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104)

هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض ؟ (1) يعني فرعون وملأه ، إذ ظلموا بأيات الله التي جاءهم بها موسى عليه السلام ، وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعًا في البحر.
القول في تأويل قوله : { وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) }
قال أبوجعفر : يقول جل ثناؤه : وقال موسى لفرعون : يا فرعون إنّي رسول من رب العالمين.
* * *
__________
(1) انظر تفسير (( العاقبة )) فيما سلف 12 : 560 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك . وتفسير (( الفساد )) فيما سلف 12 : 560 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12/13)


حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106)

القول في تأويل قوله : { حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة قوله : " حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق " .
فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصرة والكوفة : ( حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ ) ، بإرسال " الياء " من " على " ، وترك تشديدها ، بمعنى : أنا حقيقٌ بأن لا أقول على الله إلا الحق فوجهوا معنى " على " إلى معنى " الباء " كما يقال : " رميت بالقوس " و " على القوس " ، و " جئت على حال حسنة " و " بحال حسنة " . (1) .
__________
(1) انظر ما سلف 11 : 317 ، تعليق : 1 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 386 .

(13/13)


وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : إذا قرئ ذلك كذلك ، فمعناه : حريص على أن لا أقول ، أو فحق أن لا أقول. (1) .
* * *
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة : " حَقِيقٌ عَلَيَّ أَلا أَقُولَ " ، بمعنى : واجب عليَّ أن لا أقول ، وحق علي أن لا أقول.
* * *
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصوابَ.
* * *
وقوله : " قد جئتكم ببينة من ربكم " ، يقول : قال موسى لفرعون وملئه : قد جئتكم ببرهان من ربكم ، يشهدُ ، أيها القوم ، على صحة ما أقول ، (2) وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إليكم رَسولا فأرسل يا فرعون معي بني إسرائيل. فقال له فرعون : " إن كنت جئت بآية " ، يقول : بحجة وعلامة شاهدة على صدق ما تقول (3) " فأت بها إن كنت من الصادقين " .
* * *
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 224 ، وكان في المطبوعة هنا : (( حريص على أن لا أقول إلا بحق )) ، وفي المخطوطة : (( حريص على أن لا أقول بحق لا أقول )) ، وكلتاهما خطأ ، والصواب من مجاز القرآن ، فهو نص كلامه .
(2) انظر تفسير (( البينة )) فيما سلف 10 : 242 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(3) تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .

(13/14)


فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)

القول في تأويل قوله : { فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) }
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : فألقى موسى عصاه " فإذا هي ثعبان مبين " ، يعني حية " مبين " يقول : تتبين لمن يراها أنها حية. (1) .
* * *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
14909 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : " فإذا هي ثعبان مبين " قال : تحولت حية عظيمة. وقال غيره : مثل المدينة.
14910 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " فإذا هي ثعبان مبين " ، يقول : فإذا هي حية كاد يَتَسوَّره يعني : كاد يَثبُ عليه. (2) .
14911 - حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فإذا هي ثعبان مبين " ، " والثعبان " : الذكر من الحيات ، فاتحةً فاها ، واضعة لحيها الأسفل في الأرض ، والأعلى على سور القصر ، (3) ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه ، فلما رأها ذُعِر منها ، ووثب فأحدث ، ولم يكن
__________
(1) انظر تفسير (( مبين )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(2) في المطبوعة : (( كادت )) بالتأنيث في الموضعين وأثبت ما في المخطوطة . وفي ((الحية )) ذكر وأنثى .
(3) ( اللحي )) بفتح اللام وسكون الحاء ، وهما (( لحيان )) : وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحى .

(13/15)


يُحْدِث قبل ذلك ، وصاح : يا موسى ، خذها وأنا مؤمن بك ، وأرسل معك بنى إسرائيل! فأخذها موسى فعادت عصًا.
14912 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ، حدثنا سفيان بن عيينة قال ، حدثنا أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : " فإذا هي ثعبان مبين " قال : ألقى العصا فصارت حية ، فوضعت فُقْمًا لها أسفل القبة ، وفُقْمًا لها أعلى القبة (1) قال عبد الكريم ، قال إبراهيم : وأشار سفيان بأصبعه الإبهام والسبابة هكذا : شِبْه الطاق (2) فلما أرادت أن تأخذه ، قال فرعون : يا موسى خذها ! فأخذها موسى بيده ، فعادت عصا كما كانت أول مرة.
14913 - حدثنا العباس بن الوليد قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، أخبرنا الأصبغ بن زيد ، عن القاسم بن أبي أيوب قال ، حدثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ألقى عصاه فتحولت حيه عظيمة فاغرةً فاها ، مسرعة إلى فرعون ، فلما رأى فرعون